ghaemiyeh.com
عنوان و نام پديدآور : ميقاتالحج : مجله نصف سنويه، تعني بالشوون الثقافيه .....محمد محمديريشهري.
مشخصات نشر : [بيجا: بينا، ۱۴۱۷ق = ۱۳۷۵.
مشخصات ظاهري : ۳۰۰ص.:نمونه، عكس.
شابك : ۵۰۰۰ ريال
وضعيت فهرست نويسي : فهرست نويسي توصيفي
يادداشت : عربي.
يادداشت : شماره پنج اين مجله بنام ميقات الحج است.
يادداشت : پشت جلد به انگليسي: Mighat al - Haj.
يادداشت : كتابنامه.
شناسه افزوده : محمدي ريشهري، محمد، ۱۳۲۵ -، مدير مسئول
شناسه افزوده : قاضيعسكر، سيدعلي، ۱۳۲۵ -
شماره كتابشناسي ملي : ۱۵۴۲۸۹۶
ترحب مجلة" ميقات الحج" بملاحظات القراء الكرام ومقترحاتهم وينبغي أن تتوافر البحوث المهتمة بالحج والعمرة والزيارة على الصفات التالية:
1- أن تكون المادة المرسلة غير منشورة سابقاً.
2- أن يتسم البحث بالجدة والأصالة والمنهجية.
3- أن يقترن البحث بذكرالمصادر والهوامش بدقة وتفصيل.
4- أن لايتجاوز البحث 40 صفحة وأن يكون البحث مطبوعاً بالحاسب الآلي، ويرفق معه القرص المنسوخ عليه.
5- أن يرفق بالبحث ملخص باللغة الإنجليزية إن أمكن.
6- تحتفظ المجلة بحقها في الحذف والتعديل اليسيرين، مع مراعاة المنهج العلمي المتبع.
(ع)- لايعاد البحث إلى صاحبه، سواء نشر أم لم ينشر.
8- لاتعبر الأبحاث المنشورة بالضرورة عن رأي المجلة.
9- يعتمد ترتيب البحوث في المجلة على أسس فنية ولا غير.
10- ترسل البحوث والآراء على عنوان المجلة: إيران- طهران- شارع آزادي- منظمة الحج والزيارة- الطابق 2. صندوق البريد: 5856- 14155.
كان لكلّ مذهب من المذاهب الأربعة مقام خاص في المسجد الحرام، يقوم فيه إمام المذهب ويقتدي به المصلّون، كل إمام في ضلع من أضلاع الكعبة المشرفة، وبعد أن جاء السعوديون إلى منصَّة الحكم أزالوا هذه المقامات الأربعة وجعلوها مقاماً واحداً لإمامٍ من الحنابلة فقط، وبذلك أعادوا الصلاة جماعة استدارة حول الكعبة الشريفة.
وأصبحت هذه المسألة مورد بحث ونقاش بين فقهائنا من جديد بعدما كانت المسألة معنونة في كتب المتقدمين أيضاً، وقبل الخوض في دراسة دليل المسألة صحة وفساداً، نقدم اموراً:
الأوّل: تاريخ ظهور الصلاة جماعة بهذه الكيفية
يظهر من الأزرقي في «تاريخ مكة المكرمة» أنّ أول من أدار الصفوف حول الكعبة هو خالد بن عبدالله القسري، يقول: كان الناس يقومون قيام شهر رمضان في أعلى المسجد الحرام تركز حربة خلف المقام بربوة فيصلي الإمام خلف الحربة، والناس وراءه فمَن أراد صلى مع الإمام ومَن أراد طاف بالبيت وركع خلف المقام، فلمّا ولي خالد بن عبدالله القسري مكة وحضر شهر رمضان، أمر خالد القراء أن يتقدّموا فيصلوا خلف المقام، وأدار الصفوف حول الكعبة، وذلك أنّ الناس ضاق عليهم أعلى المسجد، فأدارهم حول الكعبة.
فقيل له: تقطع الطواف لغير المكتوبة، قال: فأنا آمرهم يطوفون بين كل ترويحتين سبعاً، فأمرهم ففصلوا بين كل ترويحتين بطواف سبع.
فقيل له: فإنّه يكون في مؤخر الكعبة وجوانبها من لا يعلم بانقضاء طواف الطائف من مصل وغيره فيتهيّأ للصلاة، فأمر عبيد الكعبة أن يكبروا حول الكعبة، يقولون: ألحمد لله والله أكبر، فإذا بلغوا الركن الأسود في الطواف السادس سكتوا بين التكبيرتين سكتة حتّى يتهيّأ الناس ممّن في الحجر ومن في جوانب المسجد من مصل وغيره، فيعرفون ذلك بانقطاع التكبير، ويصلي ويخفّف المصلي صلاته ثم يعودون إلى التكبير حتّى يفرغوا من السبع، ويقوم مسمع فينادي الصلاة رحمكم الله.
قال: وكان عطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار ونظائرهم من العلماء يرون ذلك ولاينكرونه.
ثم نقل عن ابن جريج قلت لعطاء: إذا قلّ الناس في المسجد الحرام أحبّ إليك أن يصلوا خلف المقام ويكونوا صفاً واحداً حول الكعبة؟
قال: بل يكون صفاً واحداً حول الكعبة وتلا:
وَ تَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ (1). (2)ويظهر من كلام الأزرقي أنّ الدافع إلى الصلاة حول الكعبة استدارة، هو ضيق المكان في صلاة التراويح، ولم يكن قبله أي سابقة لها، وقد تصدى عبدالملك للخلافة عام 65 ه بعد وفاة أبيه مروان بن الحكم وتوفّي عام 86 ه.
وبما أنه لم تمتد سلطة عبدالملك بن مروان إلى مكة المكرمة الّتي كان قد استولى عليها عبدالله بن الزبير إلى أن قتل هذا الأخير عام (ع) 3 ه، فيكون هذا الشكل من الصلاة قد بدأ في العام الذي تولى خالد بن عبدالله القسري مكة سنة 89 هجرية، من قبل وليد بن عبدالملك الذي تولى الخلافة سنة 86- 96 هجرية. (1)الثانى: أوّل من تعرض إلى المسألة من الأصحاب
لم نجد عنواناً لهذه المسألة عند أصحابنا قبل ابن الجنيد فهو أول من تعرّض لها حسب اطّلاعنا، نقله العلّامة عنه وقال: قال ابن الجنيد: الإمام إذا صلى في المسجد الحرام أحاط المصلون حول البيت من حيث لايكون أحدهم أقرب إلى جدار البيت منه، ولم يذكر علماؤنا ذلك والأقرب الوقوف خلف الإمام للعموم. (2)وعلى ضوء هذا فقد جعل الميزان في تأخّر المأموم عن الإمام أو عدم تقدمّه عليه- على اختلاف فيما هو الشرط- هو أن يكون الفاصل المكاني بين المأموم والكعبة أكثر من الفاصل المكاني بين الإمام والكعبة، وعلى ذلك تجوز الصلاة بالاستدارة التامة لكن برعاية هذا الشرط.
مثلًا: إذا كان الإمام واقفاً حيال مقام إبراهيم فالفاصل بينه وبين الكعبة حوالي 12 متراً تقريباً، فيجب أن يكون الفاصل المكاني المستدير في تمام الدور أكثر من هذا المقدار حتّى يصدق كون المأموم خلف الإمام أو غير متقدم عليه. وسيوافيك أنّ هذا الشرط إنّما يتحقّق في بعض الصور لا كلّها.
ولم نجد من تعرض للمسألة بعد ابن الجنيد إلى عصر العلّامة الحلي، وقد خلت كتب الشيخ الطوسي من عنوان هذه المسألة ومن أتى بعده كابن البراج، وابن زهرة وابن إدريس والمحقّق وغيرهم؛ وإليك نقل كلمات الآخرين:
الثالث: نقل كلمات الآخرين
قال العلّامة: المصلي خارج الكعبة وهو مشاهد لها يستقبل أي جدرانها شاء، وكذا لوكان في حكم المشاهد، ولو تعدّدوا وأرادوا الاجتماع ففي صلاتهم مستديرين حولها إشكال، ولا إشكال لوكانوا منفردين. (3)ولعل وجه الإشكال عند العلّامة غيره عند ابن الجنيد، فالإشكال عند الثاني هو تقدّم المأموم على الإمام في بعض الأحايين، ولذلك لوكان الفاصل المكاني بين الكعبة والمأموم أكثر من الفاصل المكاني بينها وبين الإمام لجاز عنده بالاستدارة الكاملة.
وأمّا الإشكال عند العلّامة فلعله هو مسألة المواجهة وكون المأموم مواجهاً للإمام في نصف الدائرة وهو أمر غريب.
فإنّ المأموم يقف خلف الإمام أومع الإمام على جهة واحدة، ولكنّه في نصف الدائرة يقف مواجهاً للإمام و مقابلًا له وهو أمر غير متعارف.
وقد صرح بهذا في المنتهى وقال: لو صلّي الإمام في المسجد الحرام إلى ناحية من نواحي الكعبة واستدار المأمومون حولها، صحت صلاة مَن خلف الإمام خاصة، سواء أكان بعد المأمومين في الجهة الأُخرى عنها أكثر من بعد الإمام أو لا، خلافاً للشافعي وأبي حنيفة.
لنا: إنّ موقف المأموم خلف الإمام أو إلى جانبه وإنّما يحصل في جهة واحدة، فصلاة من غايرها باطلة، ولأنهم وقفوا بين يدي الإمام فتبطل صلاتهم. (1)وعبارته كالصريح في أنّ المحذور ليس هو تقدّم المأموم بل مواجهته للإمام، وهذا صريح قوله: «ولأنّهم وقفوا بين يدي الإمام».
فظهر ممّا نقلناه أنّ مشكلة الصلاة مستديرة أمران:
لزوم تقدّم المأموم على الإمام في بعض الصور.
مواجهة المأموم للإمام أحياناً.
ويظهر من الشهيد في «البيان» أنّ المانع عنده هو الوجه الأول قال: ولو صلّوا جماعة فلهم الاستدارة حولها، وينبغي أن لا يكون المأموم إليها أقرب من الإمام.
ويظهر منه (قدس سره) في كتاب «الدروس» أنّ المانع هو نفس ما ذكره في البيان حيث قال: أن لا يتقدّم المأموم على الإمام بعقبه، ولا عبرة بمسجده إلّا في المستديرين حول الكعبة بحيث لا يكون المأموم أقرب إليها. (2)وقال في «الذكرى»: لو استطال صف المأمومين مع المشاهدة حتّى خرج عن الكعبة، بطلت صلاة الخارج لعدم إجزاء الجهة هنا؛ ولو استداروا صحّ، للإجماع عليه عملًا في كلّ الأعصار السالفة؛ نعم، يشترط أن لا يكون المأموم أقرب إلى الكعبة من الإمام. (3)وظاهر هذا الكلام أنّ الإشكال عنده هو تقدّم المأموم على الإمام، ولذلك اشترط أن لا يكون المأموم أقرب إلى الكعبة من الإمام.
و أمّا الشهيد الثاني فيظهر منه أيضاً أنّ الإشكال هو تقدّم المأموم على الإمام في الصلاة استدارة، فقال: إنّ قول المحقّق «ولا يجوز أن يقف المأموم قدّام الإمام» مفهومه الاعتبار بتساوي الأقدام حال القيام، ... إلى أن قال: و أمّا في حال الركوع فظاهرهم أنه كذلك و أنه لا اعتبار بتقدّم رأس المأموم، وكذا حال السجود و التشهد فيجوز تقدم رأس المأموم على رأسه؛ لكن يستثنى منه مالو كانت الصلاة حول الكعبة، فإنّه لايجوز أن يكون مسجد المأموم أقرب إليها. (4)وأمّا سبطه فقد ألمح إلى كلا الإشكالين، حيث ذكر كلام ابن الجنيد والشهيد في الذكرى اللّذين ركّزا على الإشكال الأول، ثم نقل كلام العلّامة في التذكره والمنتهى الّذي يشير إلى الإشكال الثاني، وقال في
آخر كلامه: ولم أقف في ذلك على رواية من طرق الأصحاب، والمسألة محل تردّد، ولا ريب أنّ الوقوف في جهة الإمام أولى وأحوط. (1)وأمّا الشيخ الأكبر كاشف الغطاء فلم يهتم بالإشكال الثاني و إنّما اهتم بالاشكال الأول وقال: وحول الكعبة يصح الدوران في الصف ومقابلة الوجوهِ الوجهَ بشرط أن تكون الفاصلة من جانب المأمومين أوسع. (2)وسيأتي حدّ الفاصل اللازم بين الإمام و الكعبة، وبينها وبين المأموم فانتظر.
إلى غير ذلك من الكلمات للمتأخرين والمعاصرين وربّما نمرّ على كلماتهم عند الاستدلال على حكم المسألة.
الرابع: ماهو الأصل فى المسألة
إنّ الأصل في المقام هو الفساد إلّا أن يدل دليل على خلافه، وذلك لأنّ العبادات أمور توقيفية لا دور للعقلاء فيه، فإذا شُك في امتثال الأمر بالفرد الخاص فالأصل هو الفساد.
وإن شئت قلت: إنّ مشروعية العبادات أمر توقيفي فما عُلم كونه مشروعاً فهو مشروع، وما شُك في مشروعيته فهو ممنوع وإن كان في الواقع مشروعاً، وهذا كإتيان الصلاة مع قبض اليد اليسرى في اليمنى، حيث إنّ للصلاة فردين ومصداقين: أحدهما إتيان الصلاة بالسدل والآخر بالقبض، فالشك في جواز القبض كاف في كونه بدعة مبطلة للصلاة؛ وهذا هو الأصل في المقام.
وربّما يقرر بأنّ الأصل في المقام هوالصحة، وهو أنّ صلاة الجماعة ترجع في حقيقتها إلى أنها هي عدل للواجب التخييري، لا أنها من مسقطات وجوب الصلاة، فإذاً يدور الأمر بين كون الواجب هو الفرادى ومطلق الجماعة، وبين كون الواجب هو الفرادي و الجماعة المقيّدة بأنها بغير الاستدارة، ومقتضى الأصل هو البراءة عن هذا التقييد. (3)يلاحظ عليه: أنّ المأمور به هو طبيعة الصلاة والصلاة جماعة وفرادى من مصاديق هذا الواجب، والتخيير بين المصداقين عقلي لاشرعي، وعلى هذا فيكون مرجع الشك إلى سقوط الطبيعة بالفرد الخاص والأصل خلافه، فإنّ قاعدة الاشتغال محكمة حتّى يثبت الامتثال؛ وبالجملة إذا كانت للطبيعة المأمور بها مصاديق مختلفة، ويقطع بحصول الامتثال ببعض المصاديق ويُشك في حصوله بالبعض الآخر، يكون المقام محكوماً بالاشتغال، لأنه من قبيل الشك في السقوط؛ فلو أمر المولى بتطهير النجس بالماء وشك في صحة التطهير بماء الكبريت، فالاشتغال محكم مالم يكن هنا إطلاق لفظي حاكم على الأصل.
وقد صرح بما ذكرنا السيد الحكيم (قدس سره) بتعبير آخر حيث قال:
تارة يكون الشك في صحة الجماعة حدوثاً واخرى يكون بقاءاً، فإن كان الأول فالمرجع أصالة عدم انعقاد الجماعة؛ لأنّ انعقادها إنما يكون بجعل الإمامة للإمام من المأموم في ظرف اجتماع الشرائط، فإذا شُكّ في شرطية شيء مفقود أو مانعية شيء موجود- للإمام أو المأموم أو الائتمام- فقد شُك في الانعقاد الملازم للشك في حصول الإمامة للإمام و المأمومية للمأموم، والأصل العدم في جميع ذلك، وبعبارة اخرى الشك في المقام في ترتب الأثر على الجعل المذكور ومقتضى الأصل عدمه. (1)وربّما يتصور أنّ الأصل العملي محكوم بالإطلاقات الواردة في صلاة الجماعة، وذلك لأنّ مقتضى الإطلاقات الواردة في صلاة الجماعة عدم اشتراط شيء من تأخّر المأموم عن الإمام أو عدم تقدّمه عليه، غاية الأمر خرج منها ما إذا لم تكن الصلاة إلّا على جهة واحدة وعلى خط مستقيم فيشترط فيه التأخر، أو عدم التقدم، وأمّا إذا أمكنت الصلاة استدارة وعلى جميع الجهات، فالإطلاقات الواردة في باب الجماعة محكمة لا يشترط فيها شيء لا عدم التقدّم ولا عدم التأخّر.
يلاحظ عليه: بأنه ماذا يريد من الإطلاقات في المقام، فهل يريد ما ورد في التأكيد على استحبابها في الفريضة، الّذي عقد لها الحر العاملي باباً تحت عنوان «باب تأكد استحبابها في الفرائض»، ومن المعلوم أنها ليست في مقام البيان لشرائط الجماعة، فإنّ الروايات الواردة في الحث على الجماعة كلها نظير قول أمير المؤمنين (ع): «من سمع النداء ولم يجبه من غير علّة فلا صلاة له». (2)أو أنه يريد ما ورد: «أنّ أقل ما تنعقد به الجماعة اثنان» كقول زرارة في حديث قال: قلت لأبي عبدالله (ع): الرجلان يكونان جماعة؟ فقال (ع): «نعم، ويقوم الرجل عن يمين الإمام». (3)وبالجملة هذه الروايات ونظائرها ناظرة إلى تشريع الجماعة واستحبابها المؤكّد، ولانظر لبيان الشرائط والأجزاء حتّى يتمسك به في مورد الشك على نفي الجزئية.
فخرجنا بالأمرين التاليين:
أنّ الأصل الأوّلي هو الفساد؛ لأنه من قبيل الشك في الامتثال، أو الشك في انعقاد الجماعة.
أنّ الأصل غير محكوم بالإطلاقات، إذ ليس هنا إطلاق حاكم على الأصل، ويلزم الرجوع إلى أدلّة الشروط في المقام، و إليك البيان.
قد سبق أنّ الإشكال في المقام يدور على أمرين:
إشكال تقدّم المأموم على الإمام في بعض الصور.
مواجهة المأموم مع الإمام في بعض الأحايين.
وإليك دراستهما.
الأوّل: شرطية عدم تقدّم المأموم علي الإمام
فقد قال المحقّق: ولا يجوز أن يقف المأموم قدّام الإمام. (1)واستُدل عليه بعدم الخلاف بين الأصحاب، وظاهر المعتبر الإجماع عليه من غير فرق بين الابتداء والاستدامة، كما هو صريح معقد بعضها اقتصاراً في العبادة التوقيفية، على ما علم ثبوته من فعل النبي (ص) والأئمة (عليهم السلام)، والصحابة والتابعين وتابعي التابعين وسيرة سائر فرق المسلمين في جميع الأعصار والأمصار، بعد قصور الإطلاقات المساقة لغيره عن تناول مثل ذلك. (2)وظاهر كلامه كظاهر كلام الآخرين أنه ليس هناك دليل لفظي يدل على عدم جواز تقدم المأموم على الإمام، ولو كان فإنّما هو إشارات وتلميحات، غير أنّ معقد الإجماع يعمّ عامّة الحالات سواء أكان في المسجد الحرام أم غيره.
ولا يمكن أن يقال: إنّ الإجماع دليل لبّي يقتصر فيه على القدر المتيقّن وهو ما إذا صلّوا على جهة واحدة.
بل يمكن أن يستظهر ذلك من كلمة الإمام بأنه إمام يقتدى به في الأقوال والأفعال، ولازم ذلك عدم كون المأموم متقدماً على الإمام؛ ولذلك نرى أنه ورد في الروايات أنّ الإمام قد سُئل عن رجل أمّ قوماً فصلى بهم ركعة ثم مات؟ قال (ع): «يقدّمون رجلًا آخر فيعتد بالركعة ويطرحون الميت خلفهم ويغتسل مَنْ مسه». (3)وعلى كل تقدير لايمكن أن نشك في شرطية عدم تقدّم المأموم على الإمام في حال من الأحوال وفي مسجد دون مسجد، وإن كان عدم جواز مساواة الإمام والمأموم موضع تأمل ونقاش.
إذا علمت ذلك فالمهم هو تبيين مدار التقدّم وملاكه.
فلو كان الملاك في التقدّم والتأخّر هو عدم أقربية المأموم إلى الكعبة من الإمام، بل يكونان متساويين أو يكون المأموم أبعد من الكعبة من الإمام، فلازم ذلك صحة الصلاة استدارة، بشرط أن تكون الدائرة الّتي وقف عليها الإمام غير الدائرة الّتي يقف عليها المأموم، وتكون الدائرة الثانية أبعد من الدائرة الأُولى حتّى تكون المسافة بين المأموم والكعبة أكثر من المسافة بين الإمام و الكعبة في عامّة الحالات.
وذلك لأنّ الكعبة لمّا كانت مربعة مستطيلة فلو دارت عليها دائرة، فخطوط هذه الدائرة بالإضافة إلى الكعبة ليست متساوية، بل ما يحاذي منها الزوايا أقرب ممّا يحاذي الأضلاع بطبيعة الحال، لفرض كون الكعبة على شكل المربع المستطيل فالخط المقابل للضلع أبعد من الكعبة بالنسبة إلى الخط المقابل للزاوية بالضرورة.
وعلى ذلك فيجب أن تكون الدائرة الّتي يقف عليها المأمومون أكبر من الدائرة الّتي قام عليها الإمام، أي أبعد عن الكعبة في جميع النقاط، وإلّا فمجرد كون الفاصل المكاني بين المأموم والكعبة أكبر منه بين الإمام والكعبة، لايكفي- كما هو الظاهر من الكلمات الماضية- مالم يكن الفصل على حدّ يكون الفصل أكبر في عامة الحالات.
فإنّ الشرط- أعني: عدم تقدم المأموم- محفوظ في جميع الحالات.
وبذلك يعلم أنّ مجرّد كون المأموم خلفاً أو جانباً بحسب الدائرة البركاليّة، لا يلازم عدم أقربيّته إلى الكعبة من الإمام، ضرورة زيادة جوانب الكعبة، بل لابدّ أن تكون الدائرة الّتي وقف عليها المأموم أوسع من الدائرة الّتي وقف عليها الإمام على نحو يكون الإمام أقرب إلى الكعبة من المأموم في عامة الحالات.
وأمّا لوكان الميزان في التقدم هو نفس موقف الإمام مع قطع النظر عن الأقربية والأبعدية بالنسبة إلى الكعبة، فحينئذ لو وقف المأمومون على نفس الدائرة الّتي وقف عليها الإمام لصدق عدم التقدم، وهذا واضح، مثلًا: لو أمر الضابط الجنود أن يقفوا بشكل دائري، فوقفوا على خط دائري جنباً إلى جنب، فيصدق عدم تقدّم أحدهم على الآخرين.
وإلى ما ذكرنا يشير صاحب الجواهر بقوله: بإمكان دعوى صدق الخلْف أو الجانب، إذ هما بالنسبة إلى كل واحد بحسبه ولو بملاحظة الدائرة البركالية. (1)والمتبادر من معاقد الاجماعات والإشارات الواردة في الروايات أنّ الميزان عدم تقدّم المأموم على موقف الإمام من دون لحاظ الجهة الّتي يتّجهون لها.
وبعبارة اخرى: الملاك في تحقّق هذا الشرط موقف كل من الإمام و المأموم في غير المسجد الحرام باتفاق الفقهاء، فلابد أن يكون هو أيضاً نفس الملاك في المسجد الحرام أيضاً، وإلّا يجب أن يلتزم بأحد أمرين:
أن يكون الملاك في غير المسجدالحرام هو موقف الإمام والمأموم، و أمّا في المسجدالحرام فالملاك هو الكعبة، بأن لا يكون المأموم أقرب إلى الكعبة من الإمام.
مراعاة كلا الأمرين.
والأوّل أمر غريب لعدم الدليل على التفريق بين المسجد الحرام وسائر الأمكنة، والثاني موافق للاحتياط ولكن ليس لاعتبار الجمع دليل صالح.
وبذلك يظهر أنّ مشكلة تقدّم المأموم على الإمام في الصلاة الاستدارية إمّا غير متحقّق مطلقاً، إذا قلنا بأنّ الميزان هو ملاحظة موقف الإمام، و إمّا غير متحقّق في بعض الدوائر ومتحقّق في البعض الآخر.
الثانى: إشكال المواجهة
الإشكال الثاني في المسألة هو لزوم المواجهة، بأن يكون المأموم مواجهاً للإمام دون أن يكون في جنبه أو خلفه، وتظهر المواجهة بوضوح في النصف الثاني من الدائرة، مع أنّه أمر غير معهود، ولذلك اشترط بعض القائلين بالجواز بكون استقبال الإمام و المأمومين إلى جهة واحدة، إذ لو قيل بالجواز مطلقاً يلزم جواز الجماعة في داخل الكعبة على التعاكس، بأن يكون وجه كل منهما إلى الآخر وهو ممّا لا مجال للالتزام به. (2)والحق أنّ هذا الاشكال يستحق التأمّل، وما دلّ على جواز إقامة الصلاة جماعة منصرف إلى الفرد الشائع، وأما هذا الفرد النادر فإطلاق الأدلة على فرض وجوده منصرفة عنه.
فإن قلت: إنّ الشكل الهندسي للمسجد الحرام كان دائرياً منذ أن بنيت الكعبة من قبل نبي الله إبراهيم (ع)، لأنّ الطواف بالبيت العتيق- الّذي نادى به الله عزوجل على لسان إبراهيم الخليل في قوله: وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ. (1)- يشهد لذلك، أوليس ذلك قرينة على جواز الصلاة بالجماعة استدارة وإن استلزم في بعض الحالات مواجهة المأموم اللإمام؟
قلت: لاشك أنّ المطاف يكون دائرياً وأمّا كون المسجد في عصر النبي إبراهيم (ع) بني على شكل دائرة فلم يدل عليه دليل؛ وعلى فرض كونه كذلك لا يكون دليلًا على جواز الصلاة جماعة بالاستدارة.
إلى هنا تمت دراسة الاشكالين المذكورين في كلام الفقهاء وهناك إشكال ثالث.
الثالث: وجود الحائل بين الإمام والمأموم
من شروط صحة الجماعة أن يكون بين الإمام و المأموم حائل يمنع عن مشاهدته، قال المحقّق: لاتصحّ مع حائل بين الإمام و المأموم يمنع المشاهدة، وقال صاحب الجواهر: الظاهر أنه إجماعي- كما في الذخيرة- بل هو كذلك في صريح الخلاف والمنتهى والمدارك.
ويدل عليه صحيح زرارة عن الباقر (ع): «إن صلّى قوم وبينهم وبين الإمام ما لا يتخطى فليس ذلك الإمام لهم بإمام، وأي صف كان أهله يصلون بصلاة إمام وبينهم وبين الصف الّذي يتقدمهم قدر ما لايتخطى، فليس تلك لهم بصلاة، فإن كان بينهم سترة أو جدار فليست تلك لهم بصلاة، إلّا من كان من حيال الباب، قال: وقال: هذه المقاصير لم تكن في زمان أحد من الناس وإنّما أحدثها الجبارون، ليست لمن صلّى خلفها مقتدياً بصلاة مَنْ فيها صلاة». (2)ووجه الإشكال: أنّ الكعبة المشرفة تحول بين الإمام وكثير من المأمومين الذين يصلّون في النصف الثاني من الدائرة بحيث إنّهم لايرونه.
ويمكن أن يقال: إنّه لا يشترط مشاهدة جميع المأمومين الإمام، بل يكفي مشاهدة من يشاهده من المأمومين وإن تعددت الوسائط. (3)فإذا وقف المأموم في نصف الدائرة الثانية فهو وإن كان لا يشاهد الإمام؛ لأنّ الكعبة تحول بينهما إلّا أنّه يشاهد الإمام بوسائط ولايقاس المقام بصلاة الإمام بالمقصورة، فإنّ مقصورة المسجد كانت بشكل يحجز عن دخول الغير ولم يكن الإمام مشاهداً مطلقاً و إنّما يطلع المأمومون على أحواله من الركوع والسجود بواسطة تكبير المكبرين.
أضف إلى ذلك انصراف ما دلّ على عدم وجود الحائل عن هذا النوع من الحائل الّذي اقتضته طبيعة صلاة الجماعة في ذلك المكان.
إلى هنا درسنا الإشكالات الثلاثة في المقام، وقد عرفت أنّ الإشكال الثاني أقوى من الأول و الأخير، فالاقتصار في إقامة الصلاة جماعة على نحو الاستدارة على ما لايوجد فيه أحد الموانع الثلاثة هو الأحوط.
الاستدلال على الصحة بالسيرة
إنّ قسماًمن الفقهاء استدلّوا على الصحة بالسيرة وفي مقدّمتهم الشهيد الأوّل في «الذكرى» حيث قال: ولو استداروا صحّ للإجماع عليه عملًا في كل الأعصار السالفة. (1)وقد ايدت السيرة بأنّ أصحاب النبي (ص) في عام الفتح بلغوا عشرة آلاف أو أكثر، فكيف يمكن لهم الصلاة فيه بنحو الخط المستقيم؟ بل بلغ عدد المرافقين في حجة الوداع إلى مائة ألف.
وهذه السيرة الّتي لم يعترض عليها أئمة الشيعة خير دليل على كونها أمراً مقبولًا عندهم. (2)يلاحظ عليه: أنّ كل ما ذكروه حول هذه السيرة نابع عن عدم الوقوف على وقت بدء الصلاة بهذه الكيفية، وقد عرفت أنّ أول من أدار هو خالد بن عبدالله القسري، وأنّ السبب للاستدارة هو ضيق المكان على الناس في صلاة التراويح، ولم يكن هذا الملاك موجوداً في الصلوات اليومية.
وأمّا عدم سعة المسجد الحرام للآلاف المؤلفة فهو أمر صحيح لكنّه ليس دليلًا على إقامة الصلاة في المسجد الحرام، بل ربّما أقامها النبي (ص) خارج المسجد، خصوصاً أنّ النبي (ص) أقام خارج مكة وقد سُئل عن السبب فقال، لم يترك عقيل لنا بيتاً في مكة.
وحقيقة الكلام: أنّ المسجد الحرام لم يكن بهذه السعة ولم يكن أيضاً كافياً حتّى ولو أقاموا الصلاة مع النبي (ص) استدارة، وهذا ابن الجوزي يصف لنا بناء المسجدالحرام ويقول: إنّ المسجد الحرام كان صغيراً ولم يكن عليه جدار، إنّما كانت الدور محدقة به، وبين الدور أبواب يدخل الناس من كل ناحية، فضاق على الناس المسجد، فاشترى عمر بن الخطاب دوراً فهدمها، ثم أحاط عليه جداراً قصيراً، ثم وسع المسجد عثمان بن عفان واشترى من قوم، ثم زاد ابن الزبير في المسجد واشترى دوراً وأدخلها فيه، وأول مَنْ نقل إليه أساطين الرخام وسقفه بالساج المزخرف الوليد بن عبدالملك، ثم زاد المنصور في شقه الشامي ثم زاد المهدي، وكانت الكعبة في جانب فأحب أن تكون وسطاً، فاشترى من الناس الدور ووسطها، ثم توالت الزيادات فيه إلى يومنا هذا. (3)***
الوقوف فى عرفات
الوقوف في أرض عرفات في النصف الثاني من يوم عرفة- و هو يوم التاسع من ذيالحجة- هو أوّل مرحلة من مناسك حج التمتع بعد إحرامه، كما عرض الله تعالى مناسك الحج لإبراهيم (ع) وعلّمه، وهو الحج الإبراهيمي الذي عُلّمه رسول الله (ص).
يكفي في أهمية عرفة ما قاله الإمام الصادق (ع): «من لم يغفر له في شهر رمضان لم يغفر له إلى قابل، إلّا أن يشهد عرفة»، (1)إنّ من الذنوب ما لا يغفر إلّا بعرفة والمشعر الحرام. (2)أسرار الوقوف
يقول الإمام علي (ع) حول سرّ الوقوف بعرفات: «لأنّ الكعبة بيته والحرم بابه، فلما قصدوه وافدين، وقفهم بالباب يتضرّعون» (3)، من هنا كان ليوم عرفة وليلته أدعية خاصة، هي من فضائل يوم عرفة البارزة ووظائفه الهامة.
إنّ أسرار الوقوف بعرفات كثيرة، وقد أشير إلى بعضها في حديث الشبلي المتقدم، وهي:
من هنا يقول الإمام السجاد (ع) للسائل الذي استجداه في يوم عرفة:
«ويحك! أغير الله تسأل في هذا اليوم. إنّه ليرجى لما في بطون الحبالى في هذا اليوم أن يكون سعيداً». (4)إنّ من يطلب هنا من غير الله تعالى يضر بنفسه، هؤلاء يقول الإمام السجاد (ع) فيهم: «هؤلاء شرار من خلق الله، الناس مقبلون على الله وهم مقبلون على الناس». (5)2. على الحاج أن يدرك في عرفة أنّ الله تعالى مطلع على ما يظهر ويعلن وما يسر ويخفي، حتى ما يخفى على الحاج نفسه و يكون مستكناً بطريقة لا شعورية في أعماقه، عندما يعلم الإنسان أنّ قلبه في محضر الحق تعالى ومشهده، يتجنب الذنوب الجوانحية كما يتحاشى التلوث بالذنوب الجوارحية، وينزه قلبه على الخواطر السيئة والملوثة.
يقول الإمام السجاد (ع): «... الله عزّوجل إذا كان عشية عرفة وضحوة يوم منى، باهى كرام ملائكة بالواقفين بعرفات ومنى، وقال لهم: هؤلاء عبادي وإمائي حضروني ههنا من البلاد السحيقة البعيدة شعثاً
غبراً، قد فارقوا شهواتهم وبلادهم وأوطانهم وأخدانهم ابتغاء مرضاتي، ألا فانظروا إلى قلوبهم وما فيها، فقد قويت أبصاركم يا ملائكتي على الاطلاع عليها، فتطلع الملائكة على قلوبهم فيقولون ...». (1)تملك الملائكة بعض الاطلاع على الغيب، وعندها معلومات عن الكثير من مسائل ما بعد الطبيعة، إلّا أنّ ستر الحقّ تعالى ولطفه ورحمته لا يسمحان للملائكة- من أولئك المعنيين بتسجيل أعمال البشر وخواطرهم- بفهم الكثير من أسرار الناس، إلّا أنّه وفقاً للحديث المتقدم يطلع الملائكة في يومي عرفة والعيد بإذن من الله تعالى على خفايا قلوب الزائرين، ويرون أنّ قلوب بعض الحجاج سوداء جداً تتعالى منها خيوط الدخان الأسود، وهنا يقول الله سبحانه للملائكة: أولئك الذين لم يصدّقوا النبي (ص) ولم يعتبروه صادقاً- والعياذ بالله- ويقولون عن بعض ما يتصل بخلافة أميرالمومنين علي (ع): إنّ رسول الله (ص) لم يفعل ذلك ولم يصدر منه هذا! ثم يرى الملائكة فريقاً آخر قلوبهم نيّرة، وهنا يقول الله سبحانه: إنّ هؤلاء كانوا يطيعون الله ورسوله، ويعتبرون النبي (ص) أميناً على الوحي وأنه لم يقل شيئاً من عنده، وأنّ كل ما قاله وأتى به- بما في ذلك الإمامة والقيادة من بعده- إنّما صدر عنه طبقاً لما جاءه من الوحي.
وسرّ ذلك كما أسلفنا فيما مضى، أنّ الولاية هي سرّ الأعمال كافة، فالمؤمنون الحقيقيون يبلغون سرّ الولاية، فيصلون أسرار الحج، فيظهرون في أرض عرفات بصورة الإنسان الواقعي، فيفتخر الله بهم في مقام الفعل.
نعم، إنّ ما جاء في الحديث الشريف ليس قضيّة تاريخية، وليس من نوع «قضية في واقعة» ينحصر بمراسم الحج وأيام عرفة، وعيد الأضحى، إنّ هذا المشهد مستمر متواصل، غايته أنّ ظهوره التام يكون في الحج.
1) المصدر السابق: 259.
2) إنّ ما ذكرناه في المتن أعلاه الصعود على جبل الرحمة ناظر إلى حديث الشبلي، والّا فبناءاً على رأي مشهور الفقهاء، الأفضل الوقوف يوم عرفة أسفل الجبل وفي الأرض السهلة، فيما الصعود على الجبل مكروه، فقد سئل الإمام الكاظم 7 عن الوقوف بعرفات فوق الجبل أحبّ إليك أم على الأرض؟ فقال: «على الأرض..»، وسائل الشيعة 11: 10. وقال الإمام الصادق 7: «عرفات كلّها موقف وأفضل الموقف سفح الجبل»، الكافي 463: 4. وفي رواية أخرى ورد: «عرفات كلّها موقف وما قرب من الجبل فهو أفضل»، وسائل الشيعة 19: 10.
3) يقع الجبل الرحمة في أرض عرفات، وقد وقف رسول الله 9 على مرتفع حجري فيه وألقى الخطبة المعروفة بعرفات، كما أنّ الإمام الحسين 7 قرأ دعاء يوم عرفة على سفح هذا الجبل، وتوجد هناك قبة باسم آدم 7 تكره الصلاة عندها.
4) الكهف: 44.
5) الأنعام: 54.
6) الأعراف: 156.
لم ترد في شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون الآمر والناهي عادلًا طاهراً النفس، وإنّما المطلوب هناك هو العلم بالمعروف والمنكر، واحتمال التأثير في الأمر والنهي؛ إلّا أنّه باطن ذلك يرجع وفقاً للأساس الذي يقوم عليه سرّ الوقوف في (نمرة)؛ إنّ العدالة، أي أنّ على الآمر بالمعروف أن يأتمر بما يأمر به، والناهي عن المنكر أن ينزجر عما ينهى عنه.
5- على الحاج عند حضوره في وادي «نمرة» المعبّر عنه في حديث الشبلي ب- «نمرات» أن يدرك أنّ هذه الأرض هي أرض شهادة ومعرفة وعرفان، أي كما أنّ الله تعالى وملائكته شاهدون، فإنّ هذه الأرض الواسعة هي أيضاً شاهدة على أعمال زوار بيت الله الحرام، وتعلم بأي نية أتى بها؟ وبأي دافع يرجع؟ بماذا تشهد؟
عرفات أرض الدعاء
يتضح دور الدعاء في الوصول إلى الرحمة الإلهية الواسعة من خلال كلام الإمام الصادق (ع)، حيث قال: «الدعاء كهف الإجابة كما أنّ السحاب كهف المطر»؛ (1)فكما أنّ السحاب مقرّ المطر، كذلك الدعاء مقرّ الإجابة وموطنها، وبعبارة أخرى: الإجابة تقع في داخل الدعاء، تماماً كمايستقرّ المطر ويخزن في الغمام.
إنّ حالات الحياة كلّها مناسبة للدعاء والتضرّع، إلّا أنّ فترة الحج الزاخرة المعطاءة والحضور في مواقفه يمنع الدعاء هيبةً وعظمةً، ويقدم له تأثيراً إضافياً وافراً، فكما أنّ الدعاء من ضمير صاف مورد للقبول، وللإحرام وصوب الكعبة الحرّ الطاهر أثراً خلاقاً في تصفية هذا الضمير، لذلك كان للتضرّع في الحج والدعاء في مواقفه أفضل الآثار وأسماها، من هنا كان لكل برنامج في الحج قوانينه ونظمه الخاصة في مجال الدعاء، وعمدة ذلك كلّه هو دعاء عرفة في صحراء عرفات.
يوم عرفة هو يوم الدعاء والتضرّع، فصحيح أن صيام هذا اليوم مستحبّ إلّا أنه لو كان الصوم موجباً لحصول الضعف للإنسان بحيث لا يتمكن من الدعاء، فإنّ الدعاء يكون مقدماً على الصيام حينئذ. (2)لقد نقلت لنا روايات كثيرة حول أعمال يوم عرفة وعند الوقوف في عرفات، لاسيما فيما يخص كيفية الدعاء، حيث تتحدث بعض هذه المرويات عن خصوص أدعية ذلك اليوم فيما يتحدث بعضها الآخر عن الترغيب في الدعاء للآخرين، حتّى أنّ بعض تلامذة أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام) كان كلّ همّه في هذا اليوم في تلك الأرض التي تستجاب فيها الدعوات أن يدعو لغيره.
ينقل علي بن إبراهيم في هذا المجال عن والده إبراهيم بن هاشم أنه قال: رأيت عبدالله بن جندب في الموقف، فلم أرَ موقفاً كان أحسن من موقفه، مازال مادّاً يديه إلى السماء، ودموعه تسيل على خديه حتّى تبلغ الأرض، فلما صدر الناس قلت له: يا أبا محمد ما رأيت موقفاً قط أحسن من موقفك، قال: والله ما
دعوت إلّا لإخواني، وذلك أنّ أبا الحسن موسى (ع) أخبرني أنّ «من دعا لأخيه بظهر الغيب نودي من العرش ولك مائة ألف ضعف مثله»، فكرهت أن أدع مائة ألف مضمونة لواحدة لا أدري تستجاب أم لا. (1)قرب الله من عباده
للحج مواقف ومناسك، كل واحدة منها تحمل خصوصية لا تحويها التالية، أو تحوي قدراً بسيطاً منها، من هنا وبقرينة الحديث النبوي الشريف: «الحج عرفة» (2)، ليس من البعيد أن تظهر في عرفات معرفة لا تتحقق في أي مكان آخر، فالحج سبب لتعالي الإنسان، ونيله أعلى قمم عالم الإمكان، أي «الخلق العظيم» ببركة هذه المعرفة الخاصة التي لا تتحقق إلّا في عرفات.
فليوم عرفة وأرض عرفات مقام خاص ليس ميسّراً إلّا بأن يحقق الحاج خصائص الأزمنة والأمكنة الأخرى في الحج ليكون مهيئاً لإدراك الدعاء، وبذلك تتعلّق الروح بعزّ العرش الإلهي، فتصل إلى معدن العظيم وتصبح عظيمةً. (3)إنّ لقرب الله تعالى من عباده مراتب ودرجات، حيث يمكن الوصول إلى المرحلة اللاحقة بطيّ ما قبلها، وخصوصية ذلك منحه شعاعاً جديداً من التضرّع، وانجذاباً مستحدثاً للدعاء، إنّ هذه المراتب بعضها أقرب من الآخر، وهي بناءاً على الآيات القرانية كالتالي:
وقفاً للآية الشريفة: وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ (4)إنّ القرب الإلهي بلغ أنّ الله تعالى في هذه الآية لم يقل لنبيه: فقل لهم، بل بادر هو إلى الجواب بشكل مباشر، مذكّراً بقربه من عباده.
إنّ الله قريب من المحتضر المشرف على الموت أكثر من قرب أقربائه ولكن الناس لاترى ذلك، قال تعالى: وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لكِنْ لا تُبْصِرُونَ. (5)3. قال تعالى: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (6)، فهو أقرب من الإنسان من شريان حياته.
إنّ الله تعالى أقرب إلى الإنسان من نفسه؛ إن فهم هذه المرحلة فهماً صحيحاً وكذلك فهم الكلام النيّر لأميرالمومنين (ع): «هو في السماء على غير ممازجة، خارج منها على غير مباينة» (7)، إنما يسهل ذلك في
ضوء قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ وَ أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. (1)
على الحاج طيّ هذه المراحل الأربع ليبلغ نهايتها، وهذا ما لا يحصل إلّا للموحّدين الحقيقين الخالصين.
وخلاصة القول، إنّه لاريب في القرب الإلهي، والحجاب الوحيد بين العبد ومولاه هو العبد نفسه وذنوبه، «ليس بينه وبين خلقه حجاب غير خلقه» (2)، و «أنّ الراحل إليك قريب المسافة، وأنّك لاتحتجب عن خلقك إلّا أن تحجبهم الأعمال دونك» (3)، ولكي يتحرّر الإنسان من هذا الحجاب لابد له من السفر عن ذاته والرحيل، وعليه أن يهاجر عن رغباته ومراداته لكي يكون مصداقاً لقوله تعالى: وَ مَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَ سَعَةً وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَ كانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً. (4)وإذا استطاع الإنسان أن ينجو من رؤية الذات فإنّ مشاهدة الأسرار الإلهية، ونيل جنة اللقاء يصبح مسيراً مفتوحاً أمامه.
إنّ أيّام الحج ومناسكه لاسيما أرض عرفات هي أكبر فرصة للتحرّر من رؤية الذات، وللهجرة من بيت النفس، لقد بيّن القرآن الكريم هذه الهجرة في المكانة بقوله: وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)، فمن يهاجر الرجز والانحطاط، ويخرج من ضيق الطبيعة، ثم يواجه موتاً أمامه، فإنّ أجره سيكفله الله تعالى، قال سبحانه: وَ مَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَ سَعَةً وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَ كانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً. (6)مقاطع من دعاء عرفة للإمام الحسين (ع)
تختزن أدعية الحج الخاصة الكثير من البركات الزمانية والمكانية وغيرها، وأفضل مناجاة وتضرع تبيّن كذلك الأبعاد السياسية والعبادية للحج والزيارة هو دعاء عرفة، لسيد شهداء حيّ الشهود والشهادة الإمام الحسين بن علي (ع)، فهو في هذا الدعاء أعطى الأوامر بمواجهة الكفر، ومحاربة سبيل الطاغوت، والوقوف الشجاع أمام المجرمين، بتأسيس منهج مواجهتهم واسقاطهم، كما أنه من جهة أخرى دلّل على مدح الدولة الإسلامية وتقديرها، وظهور الولاية الإلهية، وعلى خط ثالث كشف عن التجلّي الوجودي للذات الإلهية الأقدس، وظهورها الشامل التام مع خفاء كل ما سواها في ضوئها وشعاعها، وفهمه به، وإسقاط قيمة غيره، ومعرفة غيره به، لتكون ذاته الغنية عن أن يستشهد لها.
وهذه بعض ملامح ومؤشرات هذا الدعاء:
في مقطع من هذا الدعاء يتحدّث عن القدرة الإلهية فيقول: «وهو للدعوات سامع، وللكربات دافع، وللدرجات رافع، وللجبابرة قامع».
وفي موضع آخر يتحدث الدعاء عن عناية الله تعالى بدولته، والعيش في كنفها، والنجاة من الكفر وحكّامه، إنّه يخاطب الله تعالى فيقول: «... لم تخرجني لرأفتك بي ولطفك لي وإحسانك إليّ في دولة أئمة الكفر الذين نقضوا عهدك وكذبوا رسلك، لكنك أخرجتني للذي سبق لي من الهدى الذي له يسّرتني وفيه أنشأتني».
لقد بيّنت في بعض مقاطع هذا الدعاء الشريف أعلى مراتب التوحيد، ففي بعضها جرى الحديث بشكل واضح وصريح، بأنّ فهم الله والوصول إليه عبر آثاره وآياته كبلوغ الشمس في جوّ صاف ونيّر عبر ضوء الشمعة الضعيف، لأنّ الذات الإلهية الأقدس هي أظهر من كل ظاهر وأنور من كل نور، فلم تغب قطّ ولاتغيب أبداً، حتّى تحتاج إلى من يدل عليها، والعارف لايرى قبله سواه ثم يرى بعده آثاره.
لقد جاء في بعض المقاطع الأخيرة لهذا الدعاء ما يلي: «إلهي تردّدي في الآثار يوجب بعد المزار، فاجمعني عليك بخدمة توصلني إليك، كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك؟ متّى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟ ومتّى بعدت حتّى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟ عميت (1)عين لا تراك عليها رقيباً، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبّك نصيباً ...». (2)إنّ الإمام الحسين (ع) يخاطب هنا ربّه: إلهي! وإن كان العالم كلّه آيات توحيدك وعلاماته لكن لاترجع إلى هذه العلامات، فإنّك إن أرجعتني إلى العلامات الآفاقية أو الأنفسية كي أصل عبرها إليك فسوف يطول الطريق، أظهر لي نفسك، فإنّ هذه الآثار عاجزة عن أن تجليك بصورة ناصعة تامّة، حتّى أرض عرفات ومكّة ومواقف الحج التي قلت فيها:
فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ. (3)لا تملك ظهوراً يُظهرك ويجليك.
إلهي! أنت اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الأَرْضِ (4)، فأنت أوضح من أي علامة وأقرب إليّ منها، فلماذا تحيلني عليها؟ ربي! إنّ الاستدلال يكون لبلوغ الغائب فمتى كنت غائباً حتّى ألتجئ إليه؟! فأنت بنفسك قلت: أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (5)، فأنت غير محتاج إلى دليل حتّى أستعين بالآيات فأصل إليك، فاظهر على قلبي بالشهود بلاواسطة حتّى أراك.
من المناسب أن يكون هذا الدعاء لبّاً لكل العبادات، فالعبادة ليست سوى ما يحقق مجالًا لظهور المعبود لا غير، فلا يطلب بها سواه، ولا يقصد من ورائها إلّا معرفته بنفسه.
لقد منح هذا الدعاء الحكماء الإسلاميين المتألهين، برهان الصديقين وعلّمهم إياه، ودفع العرفاء لشهوده، وحذّر العباد وأتعظ السالكين، حتّى يضعوا أقدامهم في الوادي الأيمن، ويطأوا الطريق لبلوغ عين الهدف، فإنّ الوصول إلى الله من الله، يعني نيل المقصود من المقصد.
حضور إمام الزمان (ع) فى الحج
يحضر بقية الله الحجة بن الحسن (ع) كل عام مراسم الحج، لاسيما في عرفات ومنى، وفي هذا يقول الإمام الصادق (ع): «يفقد الناس إمامهم، يشهد الموسم فيراهم ولا يرونه» (1)، ويقول النائب الخاص لإمام الزمان (ع)، محمد بن عثمان العمري؛: «والله إنّ صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كل سنة، يرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه». (2)إنّ الكثير ممّن ترى على يديه وتلمّذ يكون حاضراً في الموسم، ويطلعون بعنايته الخاصّة على ملكوت الأفراد.
الأمر الجدير بالذكر هنا، أنّه ليس المقصود أنّ حلّ مشكلات الحجاج، أو أيّ عمل خارق للعادة، وكرامة تقع في أيام الحج وفي أرض منى وعرفات، فلابد أن تكون لليد المباركة لإمام الزمان (ع) دور مباشر فيها، فقد يتيه عجوز أو غريب عن منزله أو يظلّ بلا زاد ولا راحلة وسط الطريق، فيعينه ويرشده وليّ من الأولياء الإلهيين الذين تربوا في مدرسة ولايته (ع).
إنّ التشرف والحضور المباشر في المحضر النوراني لإمام الزمان- أرواحنافداه- يحتاج لخواص ولياقات لازمة، من هنا لا يوفق إلّا الأوحدي من الموحدين كي يحضر إليه الوجود المبارك للحجة (ع)، نعم عنايته (ع) شاملة للأولياء والصالحين والشهداء الذين ربّاهم، وهم يقومون بحلّ مشكلات الآخرين بأمر منه (ع).
الوقوف فى المشعرالحرام
يجب على الحاج- بأمر من الله تعالى- أن يخرج بعد غروب الشمس في التاسع من ذيالحجة من أرض عرفات، ويتجه نحو المشعرالحرام، قال سبحانه: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَ اذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَ إِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (3)، ويقضي ليلة هناك.
إنّ الوقوف في المشعر من أركان الحج كالوقوف بعرفات تماماً، وهنا يشتغل الحجاج في بعض هذا الليل بجمع الجمار لرمي الجمرات بها فيما بعد.
المشعر الحرام يقع في الحرم وهو أوّل مدخل يؤتى الحرم منه (1)، فمن يعرف في يوم عرفة وأرض عرفات العلوم والمعارف الإلهية ويتعبّد بالآداب الدينية الخاصّة، يليق به أن يرد الحرم وأن يبين عند مدخله فيجمع الجمار كي يرمي بها في اليوم العاشر جمرات منى والشيطان.
إنّ سرّ الوقوف في المشعرالحرام والمبيت فيه أن يذكّر الحاج قلبه بشعار التقوى ويجعل عنوان قلبه الخوف والتقوى، (2)فيعرف بها، وشعار كل قوم هو المعرّف لهم، وعليه فالتقوى مع وجودها في تمام مناسك الحج، إلّا أنّ تجلّيها الخاص يكون عند الوقوف في المشعرالحرام ويظهر مشهوداً للواقفين على الأسرار.
عندما يقف الحاج في المزدلفة، ويجمع الحصيات، إنما يأخذ القوة ويتسلّح لمحاربة الشيطان، ويهبّ مواجهاً لأي عصيان، ويحلق رأسه في محضر الطاعات.
وعندما تطلع الشمس وينتهي المبيت في المشعرالحرام، يتجه الحاج إلى منى فيدخلها، وهنا يستحبّ له عند حركته إليها أن يسير برفق وحدود، و لايتمايل يميناً ولا شمالًا، ويطوي المسافة الفاصلة بين المشعر ومنى في المسير المحدّد، وسرّ هذا الحكم أن يتعلّم الحاج الحركة على الصراط المستقيم، فلايميل إلى الشرق ولا إلى الغرب؛ لأنّ اليمين واليسار انحراف، والسبيل الوسط هو الصراط المستقيم.
«اليمين والشمال مضلّة، والطريق الوسطى هي الجادّة». (3)الإفاضة إلى منى والمبيت فيها
يتوجّه الحجاج إلى منى بعد طلوع الشمس من العاشر من ذي الحجة، عقب مضيهم الليلة السابقة في سفرهم من عرفات إلى المشعر والوقوف فيه، وذلك لكي يؤدي أعمال منى الخاصّة.
وهنا يتحدث الإمام السجّاد (ع) مع الشبلي فيقول له: «وصلت منى، ورميت الجمرة، وحلقت رأسك، وذبحت هديك، وصليت في مسجد الخيف، ورجعت إلى مكة، وطفت طواف الإفاضة؟...»
يحبّ الإنسان الخلود، من هنا يأمل في تهيئة ما يظلّ معه دائماً، فالذي يفكر في جمع المال يرتكب خطأ، ويكون في واقع الحال قد ترك تهيئة نفسه ولم يجمع سوى الوزر والوبال عليه، أما ذاك الساعي في الإنتاج، والقانع في المصرف والاستهلاك، والناجح في توفير الحلال مما يملكه، أي إنه عزيز الإنتاج قليل الاستهلاك، لايقل ولايمل، ويحل مشاكل الآخرين طلباً لرضا الله تعالى.. إنّ مثل هذا الشخص يرسل رأس ماله مسبقاً إلى القيامة والديار الأبدية، وبالموت يبلغ ماله ويصل إليه.
وخلاصة القول: إنّ الفريق الأول لديهم أمل مذموم، أما الفريق الثاني فعنده التمني الممدوح، ومنى هي أرض نيل الأماني الصادقة، لا تلك الكاذبة، و الآمال الباطلة، والمُنى الفاسده.
لقد سأل الإمام السجاد الشبلي فقال له: «أخرجت إلى منى؟ قال: نعم. قال: نويت أنك آمنت الناس من لسانك وقلبك ويدك؟ قال: لا. قال: فماخرجت إلى منى.»
وعليه، فعلى الناس أن ترتاح بخاطرها من لسان الحاج ويديه وقلبه، بمعنى أنّ الحاج لا يذهب بماء وجه أحد، لا بنحو الجدّ ولا بنحو الهزل تحت مسميات الطرفة والنكتة السافرة، الملفوظة أو المكتوبة، ليس ارتياح الناس في لسان الحاج ويديه، بل من قلبه أيضاً حيث لاينال بالسوء أحداً، فالضرر القلبي والأذية القلبية هي أن يختزن الصدر حقداً على أحد أو يحسده ويضمر له السوء.
تصفية المناسك من العادات الجاهلية
لقد شرّع الله تعالى لعرفات، والمشعر ومنى أحكاماً، ولكل حكمٍ من هذه الأحكام حِكَمٌ مبيّنة، كالأمر بالتعظيم، وذكر اسم الله، و تذكّره وشكره على نعمة الهداية الإلهية. (1)ومن أرفع رسالات الحج نشر العقائد التوحيدية، فإلى اليوم مازال هناك الملايين من الناس في أرجاء العالم يعبدون الأوثان، نعم إنّ عبادة الأوثان اليوم لم تعد مذهباً ومدرسة عريقة راسخة، فتطوّر العلم سحب البساط من تحت الأصنام وعبادتها، لكن إذا لم يجر نشر العقائد التوحيدية وبسطها في أرجاء المعمورة، فإنّ الخطر سيظل قائماً في ضلالة الملايين من الناس بإضلال من الآخرين، فيقعون في الإلحاد واللادينية، فبدل أن ينتقلوا من الديانة الباطلة إلى الديانة الفضلى، ينتقلونا منها إلى اللادينية!!
لقد جرت سنّة الجاهلية على أنه بعد الفراغ من الحج يجتمع الناس في منى، ويتفاخرون بقوتهم وأعرافهم وأنسابهم، فيذكرون أصولهم المعرفية وآباءهم بالشعر والنثر، معتمدين في ذلك على القيم الجاهلية، ككثره عدة أفراد القبيلة وعدتها، وقدرتها على الحرب والغارة.
أما نظام الحج في الإسلام، فقد قضى علىهذا النظام الجاهلي المهترئ واستبدله ببيان نظام إلهي قيمي هدى الناس إليه، وأمر بعد إتمام المناسك في منى بذكر الله كثيراً، وطلب المغفرة منه، وإرادة الحسنات وقد جاء في إحدى الروايات:
قال رجل لعليبنالحسين (عليهما السلام): يا ابن رسول الله! إنّا إذا وقفنا بعرفات و منى وذكرنا الله ومجّدناه وصلّينا على محمد وآله الطيبين الطاهرين ذكرنا آباءنا أيضاً بمآثرهم ومناقبهم وشريف أعمالهم نريد بذلك قضاء حقوقهم.
فقال علي بن الحسين (ع): «أولا أنبئكم بما هو أبلغ في قضاء الحقوق من ذلك؟» فقالوا: بلى يا ابن رسول الله. قال (ع): «أفضل من ذلك وأولى أن تجدوا على أنفسكم ذكر توحيد الله والشهادة، وذكر محمد رسول الله والشهادة له بأنه سيدالنبيين، وذكر عليّ وليّ الله والشهادة بأنه سيد الوصيين، وذكر الأئمة الطاهرين من آل محمد الطيبين بأنهم عباد الله المخلصين، وبأنّ الله عزّوجلّ إذا كان عشية عرفة وضحوة يوم منى باهى كرام ملائكته بالواقفين بعرفات ومنى، وقال لهم: هؤلاء عبادي وإمائي حضروني ههنا من البلاد السحيقة البعيدة شعثاً غبراً، قد فارقوا شهواتهم وبلادهم وأوطانهم وأخدانهم ابتغاء مرضائي ألا فانظروا إلى قلوبهم وما فيها، فقد قويت أبصاركم ياملائكتي على الاطلاع عليها». قال: «فتطلع الملائكة على قلوبهم فيقولون يا ربنا اطلعنا عليها، وبعضهم سود مدلهمة يرتفع عنها كدخان جهنم. فيقول الله: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (2)
تلك قلوب خاوية من الخيرات، خالية من الطاعات، مصرّة على الموذيات المحرمات؛ تعتقد تعظيم من أهنّاه، وتصغير من فخّمناه وبجّلناه؛ لئن وافوني كذلك لأشدّدن عذابهم ولأطلينّ حسابهم. تلك قلوب اعتقدت أن محمداً رسول الله (ص) كذب علىالله أو غلط عن الله في تقليده أخاه ووصيّه إقامة أود عباد الله، والقيام بسياساتهم، حتى يروا الأمن في إقامة الدين في إنقاذ الهالكين، ونعيم الجاهلين، وتنبيه الغافلين، الذين بئس المطايا إلى جهنم مطاياهم. ثم يقول الله عزّوجلّ: يا ملائكتي! انظروا، فينظرون فيقولون: ربنا وقد اطلعنا على قلوب هؤلاء الآخرين وهي بيض مضيئة، يرتفع عنها الأنوار إلى السماوات و الحجب، وتخرقها إلى أن تستقرّ عند ساق عرشك يارحمان. يقول الله عزّوجلّ: أولئك السعداء الذين تقبل الله أعمالهم، وشكر سعيهم في الحياة الدنيا، فإنهم قد أحسنوا فيها صنعاً. تلك قلوب حاوية للخيرات، مشتملة على الطاعات، مدمنة على المنجيات المشرفات. تعتقد تعظيم من عظّمناه وإهانة من أرذلناه. لئن وافوني كذلك لأثقلنّ من جهة الحسنات موازينهم ولأخفّفنّ من جهة السيئات موازينهم، ولأعظمنّ أنوارهم، ولأجعلنّ في دار كرامتي ومستقر رحمتي محلّهم وقرارهم. تلك قلوب اعتقدت أنّ محمداً رسول الله (ص) هو الصادق في كل أقواله، المحقّ في كل أفعاله، الشريف في كل خلاله، المبرز بالفضل في جميع خصاله، وأنه قد أصاب في نصبه أميرالمؤمنين علياً إماماً، وعَلَماً على دين الله واضحاً، واتخذوا أميرالمؤمنين إمام هدى وواقياً من الردى، الحقّ ما دعا إليه، والصواب والحكمة مادلّ عليه، والسعيد من وصل حبله بحبله، والشقيّ الهالك من خرج من جملة المؤمنين به والمطيعين له ...».
يقول أنس بن مالك، من ذلك عن الرسول الأكرم (ص) أنه قال: «إنّ الله تعالى يباهي بأهل عرفات الملائكة، يقول: يا ملائكتي! انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً أقبلوا، يضربون إليّ من كلّ فجّ عميق، فأشهدكم أنّي قد أجبت دعاءهم، وشفعت رغبتهم، ووهبت مُسيأهم لمحسنهم، وأعطيت محسنهم جميع ما سألوني غير التبعات التي بينهم. فإذا أفاض القوم إلى جَمْع ووقفوا وعادوا في الرغبة والطلب إلى الله، يقول: يا ملائكتي! عبادي وقفوا وعادوا من الرغبة والطلب، فأشهدكم أني قد أجبت دعاءهم، وشفعت رغبتهم، ووهبت مسيأهم لمحسنهم، وأعطيت محسنهم جميع ما سألني، وكفلت عنهم بالتعبات التي بينهم». (1)وبناءاً عليه، من المناسب لزائري بيت الله الحرام عند المبيت بمنى، التباحث حول الأصول والعقائد؛ فإنّ ليالي منى ليالي درس، وليست وقت إقامة حفلات الأنس والمسامرات. وهنا يتم الحديث عن التوحيد والرسالة والولاية وأمثال ذلك، فينال الحاج فضيلةً علمية ومعنوية، ويفي حقّ آبائه وأجداده بشكل أفضل؛ لأنّ نداءهم له بأنّ كل خير نزل علينا فإنما هو بتوفيق وإمداد إلهي، فهو خير حامد وخير محمود، فبدل التفاخر بفضائلنا، علينا أن نحمده، ونثني على الأنبياء والأولياء الإلهيين (عليهم السلام) الذين كانوا واسطة في الفيض بيننا وبينه.
الحج فيّاض بإسم الله وذكره
1) مستدرك الوسائل 42: 10؛ مجمع البيان 7- 129: 8.
نظراً لما يمتاز به الحج من ذكر خاص يقل مثيله في سائر العبادات، فإنه يغدو أساساً لنيل الحاج شهود أمورٍ لا يشهدها غيره، فالحج وإن كان بنفسه مذكّراً بالله سبحانه، إلّا أنّ الذاهب إلى الحج يمنح في بعض الأوقات حالةً ذكرية تنسيه غير الله ولا يعيره بها اهتماماً.
ذكر الله هو لبّ الحج وروحه، كما أنّ نسيان الله وآياته باعث على عدم القدرة على رؤية شهود أسرار مناسك الحج، وهو عمى سوف يظهر في يوم القيامة، تماماً كما قال تعالى:
وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى* قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً* قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَ كَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (1)فالحج الذي يذكّر بالله تعالى، يري الحاج ما لايراه غيره ويكون عاجزين عنه ومحرومين منه، ولعلّه لهذا السبب جعل الله الحاج حرماً، ولم يجز إحلاله من إحرامه، إنّ الحاج نفسه شعيرة من شعائر الله، (2)وما لم يرتكب ذنباً يظل بنفسه نورانياً .. «الحاج لا يزال عليه نور الحج مالم يَلُمَّ بذنب». (3)تفاوت مراتب الحجّاج
ينقسم الحجاج الحاضرون في منى- وفقاً للآية الشريفة فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً (4)ومايليها من آية- إلى فريقين:
والدنيا بدون هذه الأمور ليس فيها حسنة حتى تطلب من الله.
إنّ أعلى الحسنات وأعلاها مصداقاً، هو أجر رسالة النبي الأكرم (ص)، أي تولّي الأولياء الإلهيين واتّباع العترة الطاهرين، قال تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً (1)رمي الجمرات
تجذب النباتات والحيوانات والإنسان- كلٌّ على طريقته- كلَّ مايلائمه كما تدفع عنها كلّ ما لاينسجم معه، والجذب والدفع علىمستوى الطبيعة وعلى مستوى الأفراد العاديين تارةً تظهر بصورة الشهوة، والغضب؛ وأخرى على صورة المحبّة والعداوة؛ وثالثة بصورة الإرادة والكراهة ..
أمّا في المؤمنين فتظهر الصورة بشكل أرقّ، وهي التولّي والتبري، فالحج الذي يبلغ مرحلة التولّي الحقيقي والتبري الصحيح، يتجلّى جذبه و تولّيه في المبيت بمنى في ذكر الله تعالى، كما يظهر دفعه و تبرّيه في مناسك أيامها.
وليكن القول- مع الأخذ بنظر الاعتبار- قوله تعالى حول ذبح الأضاحي: لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ. (2)إنّ بيان القرآن حول مجلى التبرّي- وهو رمي الجمرات- هو أنّ الحجارة لا ترجم الشيطان ولا تطرده، وإنما الذي يدفعه هو الانزجار الباطني والداخلي لكم، فهذا هو الذي يجعل شياطين الجنّ والإنس تفرّ، ويجعلك محمياً من كل شيطنة داخلية وخارجية.
ولابد من الالتفات في مسألة رمي الجمرات إلى أنّ تلك الجمرات ليست شياطين، ولا ذلك الرمي للحجارة رمياً للشيطان، لأنّ رمي الجمرات كان أمراً مرسوماً في الجاهلية، كما أنّ بعض شياطين الإنس اليوم يمارسون رمي الجمرات هذا، فمن البديهي أنّ الشيطان لايطرد برميةٍ فيها سبعة أحجار، وإنما السبيل الوحيد لطرده والبقاء في مأمن من ضرره هو الاستعاذة العملية، والتحصّن بالحصن الإلهي، قال تعالى: وَ إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ. (3)إنّ رمي الجمرات بالحجارة ما هو إلّا تعبير رمزي وإشاري إلى رمي الشيطان الداخلي والخارجي، وطرد شياطين الجن والإنس، فإذا كان هناك شخص هو بنفسه شيطاناً إنسياً، فإنه لن ينال شرف التبري، والرمي الحقيقي ولا لياقتهما، تماماً كما إذا كان الشيطان قريناً لشخص، (4)فإنه لن يتمكن من رمي قرينه، أي شيطانه.
إشارة: جرت سنّة العرب وعادتهم على أنه إذا غضبوا من شخص غضباً استثنائياً، فإنهم يرجمونه في حياته ومماته، كما حصل مع أبي رغالة، قائد جيش أبرهة، فقد مات قبل الوصول إلى مكة، فعمد الناس إلى رجم قبره، وكذلك جرير الذي كان منافساً للفرزدق، نجده يقول:
إذا مات الفرزدق فارجموه كما ترمون قبر أبي رغال. (1)
ذبح الأضاحى
يجب على الحجاج بعد رمي جمرة العقبة، وقبل حلق رؤوسهم، أو التقصير، ذبح بقرة أو غنم أو نحرجمل أضحية يوم العيد، قال تعالى: وَ لا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ... فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (2).
إنّ هذه السنّة الإلهية الخاصّة في الحج توجب تقرّباً خاصاً قلّما نجده في أيّ عبادة أخرى.
وتوضيح ذلك أنّ الذبح أو النحر، لم يسلما في الجاهلية من لوث الشرك، بل كانا كالتلبية، (3)وصلاة المشركين، (4)ممزوجين بالشرك، فطريقتهم أنهم بعد الذبح أو النحر كانوا يلطخون الكعبة بدم الأضحية، ويعلّقون قسماً من لحمها على الكعبة حتى يقبلها الله تعالى! (5)أما الإسلام، فقد جعل للأضحية حرمة خاصة، بحيث لا يجوز إحلالها، قال تعالى: لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَ لَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَ لَا الْهَدْيَ وَ لَا الْقَلائِدَ (6)ولإبعاد سنّة الجاهلية، وبياناً للتقرّب الناتج عن تقديم الأضحية، ربما سميت الأضحية أضحيةً، قال تعالى: لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ. (7)لأنّ هذه الآية الشريفة طهرت الكعبة من سنن الجاهلية التي أشرنا إليها، كما طردت التوهم القائل: «بما أنّ الله لايحتاج للعالم وللناس، فلا يجب النحر والذبح على الحاج!» وذلك أنها شرّعت أصل التضحية رغم أنّ الله لايحتاج إلى لحومها، فالذي يصل إلى الله تعالى روح الفعل ولبّ العمل، أي التقوى، لا اللحم ولا الدم.
ومن حيث إنّ التقوى نعت وصفة خاصة تتحد مع المنعوت، فلافرق وجوديّ بين التقوى، ونفس المتقي المتحد معها، وعليه فإذا بلغت التقوى أوجها وكمالها، ووصلت- بالمعنى المعقول- إلى الله تعالى، فهذا
معناه أنّ الحاج الذي تكون أضحيته خالصة لله تعالى، يصل بنفسه إلى الله كما تصل تقواه إليه تعالى، لأنّ تقواه ليست شيئاً غيره في عالم الوجود، ولعلّه لهذه التقوى الثمينة التي وعد بها في النحر، أطلق على يوم النحر يوم «الحج الأكبر». (1)إنّ هذه التقوى ونيل نفس المتقي لله تعالى، هما الهدف الرفيع الذي يكون الحج وآدابه وسننه المتعالية مظهراً له، وقد سبق الإشارة لذلك عند حديثنا عن سرّ الحج وثمراته، فليراجع.
وقفات حول التضحية و أسرارها
يمكن انطلاقاً مما تقدّمت الإشارة إليه، الحديث عن بعض النقاط ذات الصلة، وهي:
إنّ الحكمة من التضحية هي تقرّب المضحّي وتعاليه مع تقواه نحو الله تعالى، فما يصل إلى الله إنما هو روح العمل وباطنه، قال تعالى: لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ. (2)2. وعليه، إنما تقبل الأضحية إذا كانت التقوى معها، وكان روح ذبحها أو نحرها هي التقوى، وفقاً للآية الشريفة: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. (3)لايقبل أي عمل بلا تقوى، كما أنه لو كان العمل مع التقوى لكن عامله لم يراع تقوى الله في غير هذا العمل، فإنّ هذا العمل وإن قبل منه، لكن لايرتفع إلى الله كما ينبغي، لأنّ الله تعالى إنما يقبل العمل من العامل الذي تكون كل شؤونه- سواء في هذا العمل أم في غيره- قائمة على التقوى ومنتظمةً وفقها.
كل عمل يقع بقصد القربة فهو أضحية، حيث ورد في بعض الأحاديث «إن الزكاة جعلت مع الصلاة قرباناً لأهل الإسلام». (4)3. سرّ تقديم الأضحية أنّ الحاج والمضحّي يتمسّكان بحقيقة الورع، ويقطع رقبة الشيطان ويقتله، (5)وعليه فمجرّد ذبح البقرة، أو الماعز، أو نحر الجمل، ثم تركها دون تأمل في سر هذا العمل، لايحقق أساس تعالي الحاج وتساميه.
يقول الإمام الباقر (ع): «إنّ الله عزوجل يحب إطعام الطعام وإراقة الدماء». (6)و من الممكن أن تكون الحكمة من ذلك في ضمن حكمة استفادة الجوعى والمحرومين، وانتفاعهم من لحم الأضحية، رغم أنه في هذا الزمان لايستفاد بشكل صحيح ومناسب من هذه السنّة الإلهية، و النظام الجامع و المفيد.
في حديث آخر نشاهد فيه الاهتمام بذبح القرابين والأضاحي؛ يقول الإمام الصادق (ع): «إنّ رسول الله (ص) ساق في حجته مائة بدنة، فنحر نيفاً وستين، ثم أعطى عليّاً فنحر نيفاً وثلاثين، فلما قدم النبي (ص) مكة فطاف وسعى، نزل عليه جبرئيل ...». (1)وقد نقل هذا الحديث بشكل آخر أيضاً.
إنّ هذه الآية الشريفة: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعامِ (2)اعتبرت ذكر الله سبحانه هدفاً إلى جانب المنافع الصورية والمعنوية للأمة الاسلامية، وجعلت بدل ذكر اسم القربان، ذكر اسم الله تعالى، وذلك حتى يعلم أنّ الهدف من التضحية هو تسمية الله سبحانه، لا مجرد الذبح والنحر، فبدل أن يقول: ليضحّوا، قال: أن يذكروا اسم الله أن رزقهم من الأنعام الحلال كالأغنام، بحيث تبدأ التضحية باسم الله ويذكر الله أيضاً على تمام النعم التي قدّمها للناس جميعاً علىامتداد حياتهم.
لم يذهب سيدالشهداء الإمام الحسين (ع) إلى منى عام 60 ه-، إلّا أنه قدّم أضاحي كثيرة وثمينة، كما قدّم نفسه الشريفة فداء، لكي تبقى مكة ومنى؛ من هنا عرّف الإمام السجاد (ع) نفسه في الشام بقوله: «أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن مروة والصفا». (3)وعليه، فمن يقدّم نفسه فداء لله تعالى، فإنه يأخذ يرث من منى وعرفات، لأنّ الأرض قال الله وهو يورثها لمن يريد؛ قال تعالى: إِنَّ الأَرْضَ لِلهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ. (4)كما أنّ أرض الكمال تعود إليه، ويمكنه أن يورثها من يشاء، وعلى هذا الأساس فإنّ كل شهداء وسالكي طريق الإمام هم وراث عرفات، والمشعر، ومنى، وأسرارها.
حلق شعر الرأس
لشعر الرأس تأثير كبير على الجمال الظاهري للإنسان، ولاسيما الشباب، من هنا يندر أن نجد من يحلق شعر رأسه تماماً، وقد ورد أنّ من يحلق رأس غيره عن إجبار ويسلبه هذا الجمال، فإنّ عليه ديةً واجبة.
ومع ذلك، يجب على الحاج أن يقطع قلبه عن هذا الجمال الظاهري والصوري الذي يظنه أمراً ذا قيمة، ويقوم بأمر من الوحي الإلهي، بنثره أمام أقدام الجميل المحض، وطلباً لرضاه.
لقد بلغت صعوبة هذه القضية مبلغاً بين العرب، أنّ ابن أبي العوجاء- بعد خسارته في المناظرة التي جرت بينه وبين الإمام الصادق (ع)- سئل عنه، كيف وجدت الإمام الصادق (ع) في المناظرة؟ فأجاب مشيراً إلى الحجاج فقال: «... هو ابن من حلق رؤوس من ترون!». (5)
إنّ حلق شعر الرأس في منى إشارة إلى التطهّر من تمام التلوثات الأخلاقيه، والتنطف من صدأ الروح، والخروج من ثقل الذنوب وظلمتها. (1)ولعلّه لذلك يدعو الحاج ربّه، فيقول عند الحلق: «أللهم أعطني بكل شعرة نوراً يوم القيامة». (2)استحباب دفن شعر الحاج فى منى
من وجب عليه في الحج الحلق أو التقصير، لزمه- إضافة إلى مراعاة ترتيب الأعمال يوم العاشر من ذي الحجة، أي رمي جمرة العقبة، ثم ذبح الهدي، ثم الحلق أو التقصير- أن يقوم بهذا كله في أرض منى، وليس له الحق أن يحلق أو يقصّر عمداً خارج منى، لكنه لو نسي وكان عوده إلى منى عسيراً، أجزاه الحلق أو التقصير خارجها.
إنّ أرض منى أكثر الأمكنة مناسبةً لدفن شعر الحاج، ليس فقط من باب عدم سلامة إخراج الشعر من منى عند الحلق فيها، بل حتى لو حلق خارج منى لزمه العود إليها لدفن الشعر، أو إرساله كي يدفن هناك.
يقول الإمام الصادق (ع): «إنّ المؤمن إذا حلق رأسه بمنى ثم دفنه، جاء يوم القيامة وكل شعرة لها لسان طلق تلبي باسم صاحبه». (3)فعندما يقال إنّ شعري يشهد بالتوحيد، فإنّ هذا القول مأخوذ من الروايات. (4)نهاية الحج، الدخول والخروج الصادق
كما كان الله تعالى مبدأ عالم الوجود و منتهاه هُوَ الأَوَّلُ وَ الآْخِرُ، (5)كذلك مبدأ انطلاق كل الموجودات من الله وخاتمتها وأعمالها بالرجوع إليه إِنَّا لِلهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، (6)أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ. (7)بناءاً عليه، لزم أن يبدأ كل موحّد عمله وأي عمل، باسم الله تعالى، و تكون خاتمة عمله ذكره سبحانه، ولا يشرع بعمل دون اسم الله، ولا يخرج من أي عمل دون ذكر الله، إنّ معنى اسم الله، و ذكره في بداية ونهاية أي عمل، هو حضور الاعتقاد التوحيدي في بنية عمله، والانتباه إلى الحضور الإلهي في أعماله ومستوياتها.
ومن أهم هذه الأمور الحج؛ لأنّ بدايته والدخول فيه يكون بالإحرام والتلبية، وعلى أساس التوحيد وصدق النية، كما أنّ الخروج منه، وإتمام الحج، ووداع الكعبة، يقوم على أساس التوحيد وصدق الإرادة. (1)من هنا يقول الإمام الرضا (ع) عند وداع الكعبة: «أللهم إني أنقلب على أن لا إله إلّا أنت»؛ (2)أي إني يا إلهي أنهي عملي، وأعود مجدداً أن مكة على أساس التوحيد ونفي مختلف أشكال الطواغيت.
وعلى هذا المحور العام يقول الإمام الباقر (ع) في حديثه عن الدخول في الكعبة، وهو المصداق الكامل فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ، (3)يقول (ع): «الدخول فيها دخول في رحمة الله، والخروج منها خروج من الذنوب». (4)ومن آداب وداع الكعبة الدعاء والتضرّع لله سبحانه؛ يقول الإمام الصادق (ع): «أللهم اقلبني مفلحاً منجحاً مستجاباً لي بأفضل مايرجع به أحد من وفدك من المغفرة والبركة والرضوان والعافية مما يسعني أن أطلب ..». (5)ومن الآداب الأخرى، أن يضع الحاج أو الزائر يده على الكعبة عند آخر لقاء معها ويقول: «المسكين على بابك، فتصدّق عليه بالجنّة». (6)الحج المقبول
يقول الرسول الأكرم (ص) في بيانه لمعيار الحج المقبول: «من علامة قبول الحج، إذا رجع الرجل عما كان عليه من المعاصي، هذا علامة قبول الحج، وإن رجع من الحج، ثم انهمك فيما كان عليه من زنا، أو خيانة، أو معصية، فقد ردّ عليه حجّه». (7)و «آية قبول الحج ترك ما كان عليه العبد مقيماً من الذنوب». (8)إنّ هذا ما يشير إلى سرّ آخر في الحج، لأنّ أسرار العبادات تظهر في القيامة، وهي اليوم الذي تظهر فيه بواطن الأفراد وأعمالهم. (9)وفي ذلك اليوم لايرى الإنسان نتائج عمله فحسب، بل أسباب ردّها أو قبولها أيضاً.
وبناءاً عليه، فمن تمكّن في الدنيا أن يفهم قبول حجّه أو نكوله، فقد بلغ زاويةً من زوايا أسرار الحج، وتلقائياً سوف يدرس أسباب القبول أو الردّ حينئذٍ.
إنّ المعيار الذي قدّمه كلام رسول الله (ص) حول علامات الحج المقبول، يتحقق في سائر العبادات أيضاً، تماماً كما يقول الله تعالى حول الصلاة: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ، (1)فحقيقة الصلاة لها أثر تكويني في المصلّي، بحيث تؤدي إلى إيجاد تحوّلات وتعديلات في دوافعه، و إراداته، ورغباته، وقراراته، وعزمه و ... فهو بالنسبة إلى الخير عازم ومصمم، وبالنسبة إلى الشرّ كاره ومستقذر يختار الابتعاد عنه.
إنّ الأحاديث المتقدّمة تبيّن لنا أنّ روح الحج وحقيقته أمر تكويني، و هي التي تحول دون عزم الحاج أو إرادته مالا يليق ولا ينبغي.
وخلاصة القول: الحاج يتطهّر بالقيام بأعمال الحج من كل ألوان التلوّث، ومادام لا يلوّث بذنب أو قذاره فهو نوراني، كما يقول الإمام الصادق (ع): «الحاج لا يزال عليه نور الحج ما لم يلمَّ بذنب». (2)إنّ مشاهدة هذه النورانية تجعل الحاج آملًا بقبول حجّه من الله تعالى.
ارشادات النبى (ص) فى حجة الوداع
وختاماً يعلّمنا كلمات نورانية لخاتم النبيين (ص) في حجةالوداع، حول نظام الحج وأسراره. (3)خاتم الأنبياء (ص) إنسان كامل يتحلّى بالكمالات الظاهرة، والمقامات المعنوية، من هنا قال في تعليمه أحكام الحج الفقهية والعملية: «خذوا عني مناسككم»؛ (4)تماماً كما قال حول تعليم أحكام الصلاة: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي». (5)تحدث رسول الله (ص) حول تعليم أسرار الحج وبيان بعض زواياه في حجةالوداع، و ذكر بعض التوجيهات، ومنها:
1) العنكبوت: 45.
2) وسائل الشيعة 68: 8، 328.
3) حج رسول الله 9 في حياته 21 مرة، كانت واحدة منها فقط بعد الهجرة، ورغم أنه في ذيالقعدة من العام السادس والسابع والثامن بعد الهجرة قد اعتمر، عمرة الحديبية في العام السادس، وعمرة القضاء في العام السابع كما اشتهرت التسمية، إلّا أنه 9 بعد الهجرة لم تتسنّ له فريضة الحج إلّا مرة واحدة في العام العاشر للهجرة، وهي المعروفة بحجة الوداع، وأحياناً تسمى حجةالإسلام وحجة البلاغ، وقد تحدّثت النصوص الحديثية عن هذه الحجة، واعتبرت أساساً لأعمال الحج عند المسلمين. أنظر الكافي 244: 4- 252؛ وبحارالأنوار 378: 21- 407.
4) عوالي اللئالي 215: 1.
5) المصدر السابق: 197.
6) الكافي 403: 1- 404، والجملة الأخيرة جاءت في تاريخ اليعقوبي 109: 2، على الشكل التالي: «والنصيحة لأئمة الحق واللزوم لجماعة المؤمنين» وقد جاءت هذه الخطبة في حجةالوداع في مسجد الخيف في منى.
إقامة الأمن على مختلف الصعد، وحفظ أموال الناس ودمائها من الاعتداء، قال (ص): «فإن الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم ... واتقوا الله، و لاتبخسوا الناس أشياءهم ولاتعثوا في الأرض مفسدين، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها». (1)وعليه، فعلى الحاج أن يكون أميناً على أعراض الناس وأسرارها، فإنّ قلوب الأحرار كنوز الأسرار.
حفظ مبدأ المساواة الشخصية والعرقية، قال (ص): «الناس في الإسلام سواء ... لافُضّل عربيٌّ على عجمي ولا عجمي على عربي إلّا بتقوى الله»، فالحاج قاصد لمساواة الخلق، و لايرى نفسه خيراً منهم، ولا قومه خيراً من الآخرين، بل يساوي بين الناس والأمم والشعوب.
تطهير المجتمع الإسلامي وتصفيته عن العادات الجاهلية في قضايا المال والدم والبغض والحقد والضغينة، بمعنى أنّ الدماء التي كانت تراق في الجاهلية على قانون الانتقام والثأر والأحقاد قد انتهت، وتهاوى الربا الذي يمثل امتصاصاً اقتصادياً لدماء الناس، قال (ص): «كل دم كان في الجاهلية موضوع تحت قدمي ... وكل رباً كان في الجاهلية موضوع تحت قدمي، و أول رباً أضعه ربا العباس بن عبدالمطلب».
رعاية حقوق المرأة، حسن التعامل معها، ومجازاتهن بالعدل، قال (ص): «أوصيكم بالنساء خيراً ... ولكم عليهنّ حق، ولهنّ عليكم حق، كسوتهنّ، ورزقهنّ بالمعروف».
وعليه، فالحاج ناظر مراقب لمراعاة الآيات القرآنية الشريفة: وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً (2)، هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ (3)، و وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ. (4)6. احترام حقوق العمال والعبيد، ورفع حاجاتهم في المأكل، والمشرب، والملبس، مثلكم؛ «فأوصيكم بمن ملكت أيمانكم، فأطعموهم مما تأكلون، و ألبسوهم مما تلبسون».
فالحاج يحبّ العاملين عنده، و لايرى نفسه أرفع منهم، بل يجلس معهم على سفرة واحدة، ويلبسهم مما يلبس.
(ع). مراعاة أصول الأخوة، والفضائل الأخلاقية مع الأخوة في الدين، والمحافظة على مكانتهم، و ماء وجههم، وعلى أموالهم، ودمائهم؛ قال (ص): «إنّ المسلم أخو المسلم، لا يغشّه، ولا يخونه، ولا يغتابه، ولا يحلّ له دمه، و لاشيء من ماله، الّا بطيبة نفسه».
إنّ الحاج يراعي مع أخيه المسلم قواعد الأخوة الدينية، فهو طاهر و لايقصد إلّا ما هو طاهر نقي.
فالحاج يتمسك بحبل الله، ومن تمسّك بهذا الحبل نال الهداية. (5)
1) تاريخ اليعقوبي 109: 2- 112، إنّ ما سننقله بعد الآن من كلمات، هو جزء من خطبة أخرى للرسول 9 في حجة الوداع، وما ذكرناه أعلاه ذكره اليعقوبي في الخطبة التي ألقيت عند بئر زمزم، وقد جاءت هذه الخطبة عينها بنص مختصر، وبعض الاختلاف في العبارات بوصفها خطبة للنبي في عرفات أو منى، في مصادر أخرى. أنظر: الكافي 273: 7- 275؛ وبحارالأنوار 380: 21، 405، و 113: 37، و 349: 73.
2) الروم: 21.
3) البقرة: 187.
4) البقرة: 228.
5) آل عمران: 101.
فالحاج فقيه لمن لم يحضر من المسلمين المشاهد والمواقف، ولم يدركوا الحرمين، وما فيهما من لقاءات وتجمّعات.
عندما رجع الرسول (ص) إلى المدينة، قال في غديرخم: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه». (1)فبوصول الإمام علي (ع) إلى هذا المقام، تمت النعمة وكمل الدين. (2)إتمام الحج والعمرة بالزيارة
ثمة في «إتمام الحج والعمرة» المأمور به في الآية الشريفة وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلهِ (3)أبحاث فقهية حول دلالتها على تحصيل الأجزاء والشرائط، وتجنب الموانع، كما جاء في بعض الروايات أنّ تشرّف الحاج بزيارة الإمام المعصوم (ع) هو من مصاديق إتمام الحج.
ومن الطبيعي أنه ليس المراد من الزيارة المدعوّ إليها في الحج هو زيارة القبور فقط، وإن كانت هذه الزيارة من حقوق الولاية، وإنما المراد لقاء القائد الإسلامي، والوعي بمراتب الولاية، وعرض النصرة عليه، تماماً كما أنّ الهدف من الحضور إلى قبره هو السلام عليه، والدعاء والتضرّع بمحضر الله المتعال سبحانه.
وهذه بعض الروايات الواردة في هذا المجال:
1) تاريخ اليعقوبي 112: 2، والكافي 295: 1.
2) المائدة: 3.
3) البقرة: 196. والإتمام تارة يكون بلحاظ الامتداد الزماني، مثل الإتمام المأموربه في قولهتعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ البقرة: 187، وأخرى بلحاظ رعاية تمام الشروط والقيام بتمام الأجزاء وتجنب تمام الموانع المانعة عن الفعل المأموربه، وهذا مثل قولهتعالى: وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلهِ، وعلى هذا الأساس فإتمام الحج هو الإحرام في المواقيت المعينة وسائل الشيعة 234: 8، 241- 243، وقد اعتبر لقاء الإمام المعصوم 7 من المصاديق الباطنية لإتمام الحج، كما اعتبرت مراعاة التقوى الإلهية وتجنب اللغو واللهو من مصاديقه أيضاً، وفي هذا يقول الإمام الصادق 7: «إتمامها أن لارفث ولافسوق ولاجدال في الحج» وسائل الشيعة 110: 9 وهذا معنى أنّ الآية اللاحقة لهذه الآية هي المبينة للمراد من الإتمام، كما قال 7 في رواية أخرى حول ذلك: «إذا أحرمت فعليك بتقوى الله وذكر الله كثيراً وقلّة الكلام إلّا بخير، فإنّ من تمام الحج والعمرة أن يحفظ المرء لسانه إلّا من خير». الكافي 338: 4.
4) الكافي 549: 4.
5) المصدر السابق.
فضيلة التشرّف بزيارة المدينة بعد الحج
يستفيد الحاج لأداء مناسك الحج والعمرة عن طريق المدينة إلى مكة، أنه يكسب فضيلة الإحرام من مسجد الشجرة، وهو المكان الذي أحرم منه رسولالله (ص)، أما الذين يتوجهون إلى المدينه بعد الحج، فإنهم يكسبون فضيلة أخرى وردت في الروايات، فقد سئل الإمام الباقر (ع) عن جعل مكة أو المدينة بدء سفر الحج؟ فقال: «إبدء بمكة واختم بالمدينة، فإنه أفضل»، (3)وفي حديث آخر قال (ع): «ابدؤوا بمكة واختموا بنا». (4)طبقاً لبعض الروايات، (5)وللكثير من المنقولات الآتية من المشاهدات في زمن الغيبة، إنّ حضور إمام الزمان (أرواحنا فداه) في موسم الحج ومراسمه كل عام أمر مسلّم، لكن حيث إنّ التشرّف بلقائه (ع) لايكون إلّا نصيب الأوحدي من الناس، لذا ورد في روايات متعدّدة، الأمر بزيارة قبور أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام)، وعرض مظاهر الأدب والمحبّة بين أيديهم وفي محضرهم. (6)الزيارة حضور فى مقام الإنسان الكامل
لأهل بيت العصمة والطهارة:- من حيث كونهم الإنسان الكامل ومظهر الإسم الأعظم الإلهي- مزايا وجودية خاصة تستدعي حقوقاً واستحقاقات خاصّة أيضاً.
وللتعرّف على وظائف الآخرين تجاه هذه الذوات المقدّسة، من اللازم الإشارة إلى بعض خصائصهم حتى يتسنى العلم بواجب الآخرين تجاههم، أي العلم بمقامهم.
لاسبيل لمعرفة الإنسان الكامل إلّا بصيرورة الإنسان كاملًا، وعليه، فلا يمكن إدراك كنه ذواتهم النورية لغيرهم، لا بالعلم الحضوري والمعرفة العرفانية الشهودية، ولا بالعلم الحصولي والمعرفة الحكمية الفلسفية، هم الكاملون و مظهرو الله الذي قيل فيه: «لا يدركه بُعد الهمم ولا يناله غوص الفطن». (1)وبعد اتضاح أنّ إدراك مقام الإنسان الكامل غير مقدور لغيره، نأتي للحديث عن وظيفة الآخرين تجاهه، فوظيفة المجتمع الإنساني أن يدرك بعقله حقانية أهل بيت العصمة (عليهم السلام)، وبقلبه محبتهم، ويحيي بجسمه وروحه ذكرهم و إسمهم، كالعطشان الذي يبلغ الكوثر الزلال، فيبرّد كبده الحرّى به، ويقرّ عينه، ويبعث الحياة في قواه المتهالكة، فيبعث النشاط في نفسه، ويرطب فمه الجاف «وبينكم عترة نبيكم وهم أزمة الحق وأعلام الدين وألسنة الصدق، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن وردوهم ورود الهيم العطاش». (2)ويمكن شرح وظائف المجتمع الإنساني بكلمات الإمام الهادي (ع) النيرة في الزيارة الجامعة الكبيرة حيث يقول: «أشرقت الأرض بنوركم وفاز الفائزون بولايتكم، بكم يسلك إلى الرضوان، وعلى من جحد ولايتكم غضب الرحمن». (3)3. الإنسان الكامل خليفة الله، والمظهر التام لبسيط الحقيقة، وهو الآية الكبرى ل-: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (4)من هنا لا يكون في كل عصر أكثر من خليفة مطلق واحد، وهو شخص واحد جامع لكافة الشؤون الكمالية.
جاء عن رسول الله (ص): «نحن أهل بيتٍ لا يقاس بنا أحد». (5)وهو ما ذكره أميرالمؤمنين (ع) بعبارة أخرى حيث قال: «لايقاس بآل محمد (ص) من هذه الأمة أحد، ولا يُسَوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً؛ هم أساس الدين وعماد اليقين. إليهم يفيء الغالي، وبهم يُلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة». (6)أي لا يمكن أن يقارن أو يقاس إنسان عادي بأهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام)؛ لأنّ الخلفاء الواقعيين والإنسان الكامل يقاسون ببعضهم، وليس بسائر الناس.
إنّ أهل بيت الوحي (عليهم السلام) هم مجاري النعم وأولياؤها، ولا يقاس المتنعِّم أبداً مع مجاري النعمة وأوليائها، إنّ هذه الذوات النورانية هي مظهر للأسماء الحسنى الإلهية، والذات الإلهية الأقدس لاتقاسّ بأي شخص آخر ... «ولايدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس ...». (7)
وعليه، فلا يقاس أهل بيت العصمة و الطهارة بأحد أبداً، و هم بمثابة ليلة القدر في الزمان، والكعبة في المكان.
يقول الإمام علي بن موسي الرضا (ع): «إنّ لكل إمام عهداً في عنق أوليائه وشيعته، وإنّ من تمام الوفاء بالعهد وحُسن الأداء زيارة قبورهم؛ فمن زارهم رغبةً في زيارتهم، وتصديقاً بما رغبوا فيه، كان أئمتهم شفعاءهم يوم القيامة». (1)الزيارة مظهر المحبة
الزيارة هي حضور المحبة في محضر المحبوب، وابراز المودّة والمحبّة لقادة الدين هو إظهار للتواضع أمام الدين وأعلام الإيمان والدين، وذلك:
أولًا: ليس الدين سوى المحبة. (2)ثانياً: حب محبوب الله هو حبٌّ لله تعالى، والزيارة مظهر من مظاهر المحبة.
يضاف إلى ذلك، من يحبّ مظهر المحبة الإلهية الكاملة وحبيب الله تعالى، أي رسول الله (ص)، فهو يطيعه، وإطاعة محور المحبة الإلهية هذا، يدفع الإنسان للتسامي، ومحبة الله تعالى له؛ قال سبحانه: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ (3)وهناك روايات كثيرة حول محبة النبي (ص) وعترته الطاهرين (عليهم السلام) نكتفي هنا بنقل أنموذجين منها:
إليك حباً لك، فذكرت إذا كان يوم القيامة، و أدخلت الجنة، فرفعت في أعلى علّيين، فكيف لي بك يا نبي الله؟ فنزل: وَ مَنْ يُطِعِ اللهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (1)فدعا النبي (ص) الرجل فقرأها عليه وبشره بذلك». (2)الجدير بالذكر- كما أشرنا مطلع هذا الفصل- أنّ زيارة قبور أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام) مظهر للمحبة، وجانب من وظائف المؤمنين في حقّ هذه الأسرة، ومن الطبيعي أنّ المؤمنين ينتفعون بهذا العمل ويستفيدون منه، قال سبحانه: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى، (3)(قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ). (4)أدب الحضور
بيّن الله سبحانه أنّ من شرط الدخول على النبي (ص) أخذ الإذن منه والدعوة، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ... إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا ... (5)وينهى الله تعالى المتشرّفين بمحضر رسول الله (ص) عن أعمال وأقوال وأفكار تؤذي النبي (ص): وَ لا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ (6)لأنّ مجلسه (ص) مجلس علم وحكمة وليس محفلًا للّهو والأنس، وسوف يأتي مزيد توضيح لهذه الآية إن شاء الله.
لقد دعا القرآن الكريم المؤمنين إلى مراعاة أدب الحضور عند النبي الأكرم (ص) إنه يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، (7)وهذه التصرفات تستدعي إحباط الأعمال ومحوها: وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (8)في المقابل، يعد مراعاة قواعد الأدب هذه علامةً على التقوى القلبي، والغفران الإلهي، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ (9)أما من لا يراعي الأدب معه (ص)، ويتكلمون معه بصوت مرتفع، فهو ممن لاعقل لهم: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (10)
وعلى أساس هذه الآيات، وآيات أخرى مثل: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً* لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُعَزِّرُوهُ وَ تُوَقِّرُوهُ (1)يكون تجليل النبي (ص) بوصفه شعاراً إسلامياً، وظيفةً حية تستمر في حياته وبعد وفاته، لأنّ مقام الرسالة حي على الدوام، فاليوم عندما يتشرف الزوار بزيارة حرمه المطهر، يلزمهم أيضاً مراعاة أدب الحضور.
الجدير بالذكر أنّ ما قلناه حول مراعاة حرمة وأدب اللقاء بمحضر رسولالله (ص) ومرقده وحرمه، يجري أيضاً في حقّ خلفائه المعصومين وذريته الطّيّبن، على ما له (ص) من كرامة خاصة وحرمة.
ضيافة النبى (ص)
ثمة آيات في القرآن الكريم تبيّن آداب التشرّف بالحضور عند رسولالله (ص)، وكيفية مناداته، والتحدّث إليه وأمثال ذلك، إنّ مراعاة آداب التشرف، والحضور هذه، لها دور فاعل في الاستفادة من المواهب والعنايات الخاصّة.
يستفاد من الآية الشريفة: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ...). (2)عدة أمور:
أولًا: يسمح للمؤمنين فقط بضيافة الرسول الأكرم (ص)؛ لأنّ الخطاب هنا كان موجهاً إلى أهل الإيمان.
ثانياً: يجب أن يكون هذا الحضور عن استئذان مسبق من قبل الضيف أو الزائر، بأن يكون بإذن من المضيف أو دعوة، لهذا جاء: إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ... وَ لكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا ...، وفي هذه الحالة سيكون الإطعام إطعام النبوي، قال سبحانه: فَإِذا طَعِمْتُمْ ... إنّ هذا الإطعام كما يمكن أن يكون ظاهرياً ومادياً، كذلك يمكن أن يكون باطنياً ومعنوياً، أي من غذاء الروح لا الجسد، تماماً كما يقول الإمام الصادق في ذيل قوله تعالى: فَلْيَنْظُرِ الإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (3): «علمه الذي يأخذه عمّن يأخذه». (4)إنّ الله يتحدث عن شروط الاستفادة من التغذية العلمية والمعنوية للرسول الأكرم (ص): في محضر النبي لاتجلسوا للمؤانسة، و لاتتحدثوا بكلام فاقد لأي نوع من المعرفة والحكمة، إنّ مجلس النبي مجلس علم وحكمة وليس محفلًا للإنسان، والتلهّي وتمضية الوقت، فإذا أتيتم لكسب المعرفة ونيل الكمالات فلاتتغوّصوا بما يؤذي النبي (ص) .. وَ لا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ (5)
إنّ الأكل السيّء، والتخمة، والاستئناس، والمؤانسة، ومجالس الأنس في الفنادق، ومنازل المسافرين ... ذلك كلّه مانع عن الإحساس بلذة المناجاة والزيارة في المدينة المنورة، ففي الرواية أنه أتى أبوحجيفة النبي (ص) وهو يتجش، فقال (ص): «اكفف جشاءك، فإنّ أكثر الناس في الدنيا شَبْعاً أكثرهم جوعاً يوم القيامة». (1)لابد من الالتفات إلى أنّ الباب والحائط وأمثالهما ليست حاجباً أو مانعاً عن الحضور، وإلّا لم يقل الزائر: «أللهم إني ... أعلم أنّ رسولك وخلفاءك (عليهم السلام) أحياء عندك يرزقون، يرون مقامي ويسمعون كلامي ويردون سلامي ...». (2)و «وأشهد أنك تسمع الكلام وتردّ الجواب». (3)لقد حددّ الله تعالى الغذاء المعدّ لضيوف الرسالة، ومنه صلاة الليل، وهي صلاة خاصة لرسول الله (ص) قال تعالى: وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (4)إنّ الضيوف الحقيقيين للرسول الأكرم (ص) لا يمكن أن يبقوا محرومين من إحياء الليل، فإنّ ضيافة النبي (ص) التهجّد، أما التهجّد في الليل مع السَّبَح الطويل في النهار والذي يسلب الإنسان مجال التهجّد في الليل، فهو أمر غير متناغم ولا منسجم.
إنّ الزوار الحقيقيين ليسوا فقط ضيوفاً بل ورّاث للرسول (ص)، وسهم الورثة ونصيبهم أرفع وأفضل وأكثر من حظ الضيوف، إنه ليبلغ حدّ صلاة الله وملائكته عليهم، قال سبحانه: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ (5)وعليه، فإنّ حاصل ضيافة الرسول الأكرم (ص) هو صلوات الله وملائكته على الزوّار الحقيقيين، ونتيجة هذا السلام وهذه التحية الإلهية صيرورتهم نورانيين، والإنسان النوراني لايلحظ ولايرتبط بالظلمة وبالماديات فاقدة القيمة والاعتبار، إنه لايتعلّق بظواهر الدنيا الخادعة؛ فقد قال رسول الله (ص): «ليست الدنيا من محمد ولامن آل محمد، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله من الخير جناح بعوضة، ما أسقى فيها كافراً شربة ماء». (6)بيوت الحقّ الرفيعة
يقول الله تعالى- وهو مؤدب أولياءه-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ. (7)إنّ البيت في هذه الآية وبعض الآيات الأخرى لايقتصر على المسكن المتعارف، بل قد يراد عنه بيت النبوة والولاية
وأمثالهما، كما قال النبي نوح (ع): رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً (1)من ناحية أخرى، لا تقف مصاديق البيوت الواردة في الآية الشريفة: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ (2)عند المساجد وأمثالها، بل تتعدى لمشاهد المعصومين (عليهم السلام)، كما أنه- بالاستعانة مما قدمناه- تشمل مقام الرسالة والولاية والإمامة أيضاً.
ويؤيد ماذكرناه حديث جاء فيه أنّ قتادة جاء إلى الإمام الباقر (ع): ... والله لقد جلست بين يدي الفقهاء وقدام ابن عباس، فما اضطرب قلبي قدام أحد منهم ما اضطرب قد امك. فقال له ابوجعفر (ع): «أتدري أين أنت؟ أنت بين يدي بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ..». (3)فمقام الرسالة والولاية والإمامة بيت الله الرفيع؛ على هذا، من المناسب للزائرين أن لايدخلوا إلى حرم أئمة البقيع (عليهم السلام) بأحذيتهم، فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (4)وليس من التجليل لهذه الذوات النورانية أن يرمي الزائر نفسه على القبر، بل من الأدب والاحترام أن يكسب إذن الدخول أولًا عند ما يرد البقيع، ثم يدخله حافياً وبهدوء وتروّ، وبكل مظاهر التواضع، وعندما تجري علىلسانه أسماء الحسن بن علي المجتبي وعلي بن الحسين السجاد، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق (عليهم السلام) أو يرى قبورهم يشعر باللذة، ويمكنه أن يقول: «فما أحلى أسماءكم ...». (5)وما أحلى أثركم وما أشدّ جاذبية قبوركم.
وفي هذه الحال وهذا المقام، إذا أحسّ الإنسان في نفسه بتغيّر حالته، فعليه أن يعلم بأنّ هؤلاء الأئمة المعصومين (عليهم السلام) قد تركوا- بإذن الله تعالى- أثراً، إن نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ. (6)أخذ يتحدّث إلى قلوب الزائرين، إذا شعر الزائر بتغير حاله، فليعلم أنّ هذه الذوات النورانية تتحدث معه، وفي غير هذه الحالة ستكون زيارته بدون روح، ومثل هذه الزيارة وإن لم تعدم الثواب، ألّا أنهّا كعدمها على المستوى الباطني، وعليه أن يتضرّع إلى الله تعالى كي لايظلّ محروماً من نيل هذا الفيض العظيم.
إنّ قساوة القلب، وجمود العين الناشئين من الميل إلى الدنيا، لايسمحان للإنسان بالإحساس بنور الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، وبسماع كلماتهم، بأذن القلب والروح.
هذا سؤال هام يتساءله الحجاج بعد أداء مناسك الحج.
وفيما يلي الإجابة عن هذا السؤال، إن شاء الله تعالى.
ضيافتان من الله تعالى لعباده
لله تعالى ضيافتان لعباده في دورة السنة:
الضيافة الأولى في شهر رمضان.
والضيافة الثانية في شهر ذي الحجة.
الضيافة الأولى بالصيام.
والضيافة الثانية بالحج.
و ناهيك بهما ضيافتان كريمتان من ربّ العالمين لعباده! و قد ورد التصريح بهاتين الضيافتين في المصادر الإسلامية بصيغ مختلفة.
فعن ضيافة شهر رمضان، روى الصدوق بسند معتبر عن الرضا (ع) عن آبائه:، عن أميرالمؤمنين (ع) أنّ رسول الله 9 خطبنا ذات يوم (و في بعض الروايات في آخر جمعة من شهر شعبان)، فقال:
«أيها الناس قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة الله».
و أمّا عن ضيافة الحج، فقد وردت طائفتان من الأحاديث تصرّح أولاهما بأنّ الحجاج (وفد) الله تعالى، وقد وفدوا إلى الله؛ وتصرح ثانيتهما أنّ الحجاج ضيوف الرحمن.
أمّا عن الطائفة الأولى، فقد روي عن رسول الله (ص): «وفد الله ثلاثةٌ: الغازي، والمعتمر، والحاج». (1)و عن أميرالمؤمنين (ع): «الحاج والمعتمر وفد الله، وحق على الله أن يكرم وفده، ويحبوه بالمغفره...». (2)و عن الإمام الحسن (ع): «ثلاثة في جوار الله تعالى ... رجل خرج حاجاً أو معتمراً، لايخرج الّا لله تعالى، فهو من وفد الله تعالى حتى يرجع إلى أهله». (3)و عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين (ع) في رسالة الحقوق: «وحقّ الحج أن تعلم أنّه وفادة إلى ربّك، وفرار إليه من ذنوبك، وفيه قبول توبتك، وقضاء الفرض الذي أوجبه الله عليك». (4)وعن الصادق (ع): «الحاج والمعتمر وفد الله، إن سألوه أعطاهم، وإن دعوه أجابهم وإن شفعوا شفعهم، وإن سكتوا ابتدأهم...». (5)
وأمّا عن الطائفة الثانية (ضيافة الله)، فقد روي: «ممّا أوحى الله عزّوجلّ أنا الله ذو بكة، أهله جيرتي، وزوارها وفدي وأضيافي، أعمره بأهل السماء وأهل الأرض، يأتونه أفواجاً شعثاً غبراً، يعجون بالتكبير والتلبية، فمن اعتمره لايريد غيره فقد زارني، وهو وفد لي، ونزل بي، وحق لي أن أتحفه بكراماتي». (1)و عن خالد بن ربعي: أنّ أميرالمؤمنين (ع) دخل مكة في بعض حوائجه فوجد أعرابياً متعلّقا بأستار الكعبة، وهو يقول: يا صاحب البيت، البيت بيتك، والضيف ضيفك، ولكل ضيف من مضيفه قرى، فاجعل قراي منك الليلة المغفرة؛ فقال أميرالمؤمنين (ع) لأصحابه: «أما تسمعون كلام الأعرابي؟ قالوا: نعم. قال: الله أكرم من أن يرد ضيفه». (2)و عن الإمام الصادق (ع): «إنّ ضيف الله عزّ وجلّ رجل حج واعتمر، فهو ضيف الله حتى يرجع إلى منزله». (3)و في الدعاء بعرفة: (أنا ضيفك فاجعل قراي الجنة).
تخصيص شهر رمضان وذىالحجة بالضيافة الإلهية
و عباد الله على مائدة رحمة الله في كلّ وقت من فصول السنة وشهورها وأيامها، ولايَشُذّ أحد من الحضور على مائدة رحمة الله من صالحين وفاسقين ومسلمين وملحدين.
كُلًا نمدُّ هَؤلَاءِ وهَؤلَاءِ مِنْ عَطَاءِ ربِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ ربِّكَ محظُوراً. (4)ولكنّ الضيافة الإلهية في هذين الشهرين، شهر رمضان، وشهر ذي الحجة، لحجاج بيت الله خصوصية و ميزة لاتوجد في غيرهما من حيث العطاء والتكريم الإلهي.
إنّ الضيافة في هذين الشهرين ليست من قبيل ضيافة الأجسام، وإنما هي من ضيافة القلوب، والمائدة الإلهية المعدّة لضيوف الرحمن في هذين الشهرين مائدة رحمة وشفاء، وغذاء للقلوب ... وأعظم الموائد الإلهية في حياة الإنسان بعد نعمة الوجود موائد العقول، وموائد القلوب.
ومصائب الإنسان في نضوب القلوب والأرواح والنفوس أعظم من معاناته في فقر غذاء الأجسام، وشحه نتيجة سوء التوزيع لموارد الأرض على عباد الله.
وكلّ منها معاناة وعذاب للإنسان، مهما كان الفقر والعجز، سواء كان في غذاء الأجسام، أم العقول، أم القلوب.
ولكن مصيبة الإنسان العظمى هو في نضوب الروافد، التي تروي القلوب وتحييها وتنعشها أعظم من مصيبته في العجز الاقتصادي والعلمي، وإن كان كلّ من ذلك مصيبة في حياة الإنسان.
وهذه المائدة التي أعدّها الرحمن تعالى لعباده في شهر رمضان وذيالحجة من نوع موائد القلوب، تحفل بما يحُيي القلوب، ويفعّلها، وينشّطها ويهبها البصيرة، والنور، والهداية، واليقين بالله، والإقبال على الله بالذكر والدعاء، والشوق إلى الله، والأنس بذكر الله، وحبّ الله، وحبّ أوليائه، ومقت أعدائه، وأعداء أوليائه، وترقيق القلوب للإنابة، والإخبات والخشوع لله، ومخافة الله، ورجاء الله، والتوبة، والزهد عن الدنيا وحطامها، وقصر الأمل فيها، والإقبال على الصلاة، والإنفاق، وطول السجود، والبكاء بين يدي الله، وما لاأستطيع إحصاءه من مواهب الله لعباده في هذه الضيافة الربانية التي يستضيف الله فيها عباده مرتين في السنّة.
ومن عجب أنّ الجوع والعطش والكفّ عن الأهواء والشهوات، والكدح والبذل والجهد والتعبّد في هاتين الضيافتين هو السبيل إلى استنزال هذه المواهب العظيمة المباركة من خزائن رحمة الله.
و لله خَزائن السماواتِ والأرض. (1)وإنْ مِنْ شَىْءٍ إلَّا عِنْدَنَا خَزائِنُهُ وَمَا نُنزلُهُ إلَّا بِقَدَرٍ مَعْلوُمٍ. (2)ولكلّ امرئ من المسلمين أن يأخذ من هذه الرحمة الهابطة ما يسعه وعاء نفسه وقلبه، فإنّ الرحمة الهابطة في شهر رمضان وشهر ذي الحجة في الحج ليس لها حدود ... و كلّ منا يأخذ من هذه الرحمة ما يسعه وعاؤه.
المقارنة بين الضيافتين
و بين هاتين الضيافتين شبه كبير وفروق تظهر بالمقارنة؛ فهما معاً دورتان تمكنان الإنسان من ضبط النفس والأهواء والشهوات، و ربيعان للذكر والقرآن والدعاء، ومنزلان من منازل رحمة الله في وعاء الزمان، ولكلّ منهما قمة:
قمّة شهر رمضان، ليلة القدر في وعاء الزمان، وهي وإن كانت مجهولةً، غير أنّ إحرازها ضمن محتملات ليالي القدر ليس بالأمر الصعب.
و قمّة الحج يوم عرفة بعد الزوال، وفي وادي عرفة في وعاء الزمان والمكان.
و من لم يدرك عرفة في الحج المندوب، وتعرّف في الحائر الحسيني يدرك ثواب عرفة إن شاء الله، كما ورد ذلك في نصوص كثيرة.
و من الفروق البارزة بين هاتين الضيافتين، أنّ ضيافة الحج الواجبة مرة واحدة في العمر، وضيافة الصيام في شهر رمضان في كل سنة شهر كامل، ولعلّ السرّ في ذلك- والله أعلم-: أنّ التعبئة النفسية التي
يكتسبها الصائم في صيام شهر رمضان تكفيه لسنة واحدة، وأما التعبئة النفسية التي يكتسبها الإنسان في الحج، فإنّها تكفيه لرحلة العمر كلّه، إذا حافظ عليها صاحبها، وحرص عليها.
و فيما يلي أذكر نصين نجدهما في المصادر الروائية المعتبرة في قيمة كلّ من هاتين الضيافتين، من دون تعليق:
قيمة الضيافة الرمضانية:
ذكرنا قبل قليل شطراً من رواية الصدوق عن الإمام الرضا (ع) عن آبائه (عليهم السلام) عن أميرالمؤمنين (ع) عن رسولالله (ص) في فضل شهر رمضان، وها نحن نذكر شطراً آخر من الرواية؛ والرواية طويلة نذكر منها قدر الحاجة.
«شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب، فاسألوا الله ربّكم بنيّات صادقة، وقلوب طاهرة، أن يوفقكم لصيامه، وتلاوة كتابه، فإنّ الشقي من حرم من غفران الله في هذا الشهر العظيم».
قيمة الضيافة فى الحج
ورد في فضل الحج أحاديث كثيرة عن رسولالله (ص) لايسعنا أن نذكرها جميعاً أو نذكر شطراً مناسباً منها، وإنّما نقتصر على رواية واحدة عن رسولالله (ص) أوردها ثقة الإسلام الكليني في الكافي، والشيخ الصدوق في ثواب الأعمال:
عن الصادق (ع): «لما أفاض رسولالله 9 تلقاه أعرابي في الأبطح، فقال: يا رسول الله! إنّي خرجت أريد الحج- فعاقني عائق- وأنا رجل كثير المال، فمرني أصنع في مالي ما أبلغ ما بلغ الحاج. فالتفت رسولالله 9 إلى أبي قبيس، فقال: لو أنّ أبا قبيس لك زنته ذهبة حمراء، أنفقته في سبيل الله ما بلغت ما بلغ الحاج». (1)و الحج الذي فات هذا الرجل حج مندوب بالتأكيد؛ لأنّ الفريضة الواجبة لايمكن تعويضها بالإنفاق ... ولا شك أنّ الحج الواجب أعظم منزلة وقيمة، ومع ذلك يقول له رسول الله (ص): «لو أنّ أبا قبيس ...» وناهيك بذلك في قيمة الحج وفضله!
المكاسب الخمسة فى الحج
إنّ أعظم ما يكسبه الحاج في الحج (التقوى) و (الكدح) و (البذل) و (الذكر) و (الحضور في منازل رحمة الله الزمانية والمكانية) وهي الأجنحة الخمسة التي يعرج بها العبد من الأنا والهوى إلى الله، وهو المعراج الأعظم في حياة الإنسان في الدنيا؛ ففي إحرام العمرة والحج يكفّ المعتمر والحاج نفسه عن طائفة من محرمات الإحرام طيلة فترة الإحرام، في إحرام العمرة والحج، ومن أهمّها محرمات الغريزة الجنسية (التي تعود إلى عامل
1) الكافي 258: 4، ثواب الأعمال: 48.
الهوى) ومحرمات الزي والجدال (التي تعود إلى عامل الأنا) والمحرمات الأخرى التي تمكّن الإنسان من التقشف، ومكافحة عامل حبّ الراحة والعافية، وهذه هي القيمة الأولى للحج، وهي (التقوى) و (كفّ النفس).
والقيمة الثانية للحج (الكدح)، ولاشك أنّ (الكدح) إذا كان لله وفي سبيل الله، يحمل قيمة كبيرة؛ وفي العمرة والحج كدح شديد وكثير، من الطواف والسعي والوقوفين والإفاضة والرمي وغيرها، و لاشك أنّ التشريع الإسلامي أخذ حالة (الكدح) بنظر الاعتبار في العمرة وبصورة خاصة في الحج، ولانعرف في التشريعات الإسلامية عبادة تتطلب كدحاً أكثر من الحج إلّا (الجهاد) و هذه هي القيمة الثانية للحج.
والقيمة الثالثة للحج (البذل) ففي الحج بذل عظيم للأموال، كما فيه كدح كثير للأجسام؛ فإنّ نفقات الحج نفقات عالية تتطلب الاستطاعة المالية... ولا نشك أنّ البذل والإنفاق قد أخذ أيضاً بنظر الاعتبار في تشريع الحج، كما لوحظ عنصر (الكدح والإرهاق).
و القيمة الرابعة للحج: (الذكر) فإنّ الحج يتضمّن ذكراً كثيراً لله، يرافق أعمال الحج، من التلبية إلى الإفاضة إلى البيت الحرام، ومنه إلى عرفة والمزدلفة.
وَاذْكُرُوا اللهَ فِى أيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ. (1)فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أوْ أشَدَّ ذِكْراً. (2)كما أنّ عامة أعمال الحج، والالتزام بترك محرمات الإحرام من الذكر العام، والذكر العام هو المقسم العام للذكر، ومنه يتفرع الذكر الخاص وهو الذكر باللسان.
روى الصدوق في معاني الأخبار عن حسين البزاز، قال: قال أبوعبدالله (ع): «ألا أحدثك بأشدّ ما فرض الله على خلقه؟ قلت: بلى. قال: إنصاف الناس من نفسك، ومواساتك لأخيك، وذكر الله في كلّ موطن؛ أما إنّي لاأقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وإن كان هذا من ذاك، ولكن ذكر الله في موطن إذا هجمت على طاعة أو معصية». (3)و هذا هو قوله تعالى:
إنَّ الَّذيِنَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإذَا هُمْ مُبْصِرُونَ. (4)وهذا هو الذكر العام، وهو أن يتذكر العبد ربه عندما يقدم على طاعة، أو يقدم على معصية، فيتذكر الله تعالى فيكفّ عنها.
و في المحاسن عن الصادق (ع) في الحديث القدسي: «قال الله تعالى: يابن آدم أذكرني في نفسك، أذكرك في نفسي، ابن آدم أذكرني في خلاء، أذكرك في خلاء، أذكرني في ملاء أذكرك في ملاء خير من ملائك». (5)
وأعمال الحج ومحرماته تتضمّن الذكر العام بهذا المعنى... وما من عمل يؤديه الحاج، أو محرّم يكفّ عنه الحاج، إلّا وهو يتضمّن ذكر الله.
وهذا الذكر في مقابل الغفلة عن ذكر الله، وغياب النفس عنه، وكلّما تتطلب الطاعة كدحاً أكثر، وكلّما يتطلب الكفّ عن المحرمات جهداً نفسياً أكثر، يتضمن الطاعة والكفّ ذكراً أكثر وأعظم لله تعالى، وهذا هو القيمة الرابعة للحج.
منازل الرحمة الزمانية والمكانية فى الحج
والقيمة الخامسة للحج، حضور العبد في منازل رحمة الله الزمانية والمكانية في الحج، وهو أعظم هذه القيم جميعاً... وهي كثيرة.
منها: مواقيت الإحرام والتلبية، ومنها: البيت الحرام، والطواف، والسعي، والوقوفان، ومنى، والرمي، والنحر... وأعظمها الوقوف بوادي عرفة، بعد الزوال من يوم التاسع من ذي الحجة، في أعظم جمهور لضيوف الرحمن على وجه الأرض كلها في دورة السنة.
وهذا إجمال لابدّ له من تفصيل وتوضيح، فأقول: إنّ المنازل الزمانية والمكانية لشعائر الحج، من منازل الرحمة... وهذان منزلان للرحمة.
المنازل الزمانية مثل يوم عرفة، وليالي التشريق، وعيد الأضحى.
و المنازل المكانية مثل المواقيت، والبيت الحرام، والحطيم، والمسعى، والصفا والمروة، وعرفة، والمزدلفة، ومنى.
و يضاف إلى هذين المنزلين، المناسك التي يؤدّيها الحاج، فهي في حدّ ذاتها من منازل رحمة الله، مثل التلبية، والإحرام، والطواف، والسعي، والوقوفين، والبيتوتة بمنى، والرمي، والنحر. وهذا هو المنزل الثالث من منازل الرحمة في الحج.
و المنزل الرابع، الاجتماع العظيم للمؤمنين في الزمان الواحد، والمكان الواحد.
والذين يعرفون رقائق أحكام هذا الدين، يعلمون جيّداً أنّ الله تعالى يحبّ اجتماع المؤمنين في عبادته وطاعته. وتجمّع المؤمنين في الذكر والدعاء والعبادة وتلاوة القرآن، أقرب إلى الله وإلى رضوانه ورحمته من الأداء الفردي للعبادات.
وقد يكون المجمع الذي يجمع المسلمين في العبادة الزمان، كما في صيام شهر رمضان، فإنّ شهر رمضان يجمع الملايين من المسلمين في العبادة والطاعة من أقاليم شتّى من العالم.
وقد يكون المجمع الذي يجمع المسلمين في العبادة والطاعة المكان، كما في العمرة، فإنّ الحرم الشريف، والبيت الحرام، يجمع عشرات الملايين من المسلمين للعمرة، ولكن في أوقات مختلفة، وأشهر عديدة من السنّة.
وقد يجمع المسلمين، مكان واحد، وزمان واحد، لأداء الشعيرة العبادية ... و لانعرف لذلك شاهداً من العبادات غير (الحج).
فإنّ الحج يجمع في كلّ عام عامّة المسلمين المستطيعين للحج في مكان واحد، وزمان واحد؛ لأداء فريضة الحج ... وهذا من أعظم منازل الرحمة في حياة الإنسان، و لايشبهه منزل آخر من منازل الرحمة في حياة الناس، إلّا القتال في سبيل الله تعالى.
وبذلك تجتمع منازل عديدة للرحمة في الحج من حيث المواقع المكانية، والزمانية، والمناسك، والشعائر، و الاجتماع المليوني في مكان واحد وزمان واحد، ... وقمّة ذلك في وادي عرفة، يوم عرفة.
فإنّ الرحمة الإلهية تصبّ على وادي عرفة، يوم عرفة من غير حساب، وتنزل على ضيوف الرحمن في سائر شعائر الحج.
وليس في مقدور الإنسان أن يحصي البركات الربانية التي تنزل على ضيوف الرحمن من جانب الرحمن، في هذه المنازل التي أعدّها الله تعالى لضيوفه.
في هذه المنازل تنزل على الحجاج مواهب عظيمة من رحمة الله، تمنحهم البصيرة، والهدى، والنور، والإقبال على الله، والجدّ، والاهتمام، والعزم، واليقين، وحبّ الله، وحبّ أوليائه، وبغض أعداء الله، وأعداء أوليائه، والزهد في الدنيا وحطامها، والإقبال على الآخرة ونعيمها، وما لا أحصيه من مواهب الله تعالى في منازل رحمته في الحج.
باقة الحديث
وإليكم باقة من الحديث الشريف في منازل الرحمة في الحج، أرجو أن ينفعنا الله بها.
منزلة الحاج عند الله فى الجنة
ورد في منزلة الحاج عند الله في الجنة، إذا أحسن الحج، وأداه لوجه الله، خالصاً في النّية، وحج من نفقة طيبة محلّلة: أنّ الله تعالى ينزله في الجنة بجوار النبيين، والشهداء، والصديقين، وحسن أولئك رفيقاً، وناهيك بهذه المنزلة الرفيعة منزلة في الجنة!
عن أبي عبدالله الصادق (ع) قال: «لما حج موسى (ع)، نزل عليه جبرئيل (ع) فقال له موسى (ع): يا جبرئيل! مالمن حج هذا البيت بنيّة صادقة ونفقة طيّبة؟ فأوحى الله تعالى إليه قل له: أجعله في الرفيق الأعلى مع النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً». (1)
1) من لايحضره الفقيه 2: 236.
فى ضمان الله
و الحاج في ضمان الله تعالى، منذ أن يخرج من بيته، إلى أن يعود إلى بيته، يضمن له سعيه ونيّته، أتمّ الحج أو عرض له عارض منعه من إتمام الحج، أو مات فهو مضمون السعي والجهد والعزم.
عن رسول الله (ص): «الحاج في ضمان الله عزّوجلّ مقبلًا ومدبراً، فإن أصابه في سفره تعب، أو نصب، غفر له بذلك سيئاته..». (1)و عن الإمام الصادق (ع): «الحاج والمعتمر في ضمان الله». (2)و عن الإمام الصادق (ع): «ضمان الحاج المؤمن على الله، إن مات في سفره أدخله الجنة، وإن ردّه إلى أهله لم يكتب عليه ذنب». (3)و عن رسولالله (ص): «من مات محرماً حشر ملبياً». (4)و عن ابن عباس: أنّ رجلًا أوقصته راحلته، وهو محرم فمات، فقال رسولالله (ص): «إغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولاتخمروا رأسه، و لاوجهه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً». (5)و عن رسول الله (ص): «من مات في هذا الوجه (طريق الحج) من حاجّ أو معتمر، لم يعرض، ولم يحاسب، وقيل له: ادخل الجنة». (6)ثواب الحج الجنة
استفاضت الروايات وفيها الصحاح والحسان، أنّ ثواب الحج الجنة، و لن يكون ثوابه دون الجنّة.
عن رسولالله (ص): «ليس للحجة المبرورة ثواب إلّا الجنة». (7)و عن رسولالله (ص): «العمرة إلى العمرة كفارة ما بينهما، والحجة المتقبلة ثوابها الجنة». (8)و عن رسولالله (ص): «ما سبّح الحاج من تسبيحة ولاهلّل من تهليلة ولا كبّر من تكبيرة إلّا بشر بها (الجنة) تبشيرة». (9)
1) كنز العمال 14: 5، ح 11840؛ الحج والعمرة في الكتاب والسنة: 161.
2) المصدر السابق؛ الكافي 256: 2.
3) المصدر السابق؛ بحار الأنوار 49: 96.
4) المصدر السابق؛ كنز العمال 8: 5
5) المصدر السابق؛ مستدرك الوسائل 177: 2.
6) المصدر السابق؛ الغدير 332: 5؛ كنز العمال 15: 5، ح 11848.
7) المصدر السابق؛ كنزالعمال 113: 5، ح 12286.
8) المصدر السابق؛ مستدرك الوسائل 37: 8.
9) المصدر السابق؛ الدر المنثور 210: 1.
أفضل الأعمال بعد الجهاد
وليس بعد توحيد الله والجهاد، عمل أفضل من الحج.
سئل رسول الله (ص): أيّ الأعمال أفضل؟ قال: «الإيمان بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور». (1)و عن الإمام الصادق (ع): «ما سبيل من سبل الله أفضل من الحج، إلّا رجل يخرج بسيفه فيجاهد في سبيل الله حتى يستشهد». (2)الدعاء المستجاب للحجاج
وقد أكرم الله تعالى الحجاج بالدعاء المستجاب، فليسأل ما يشاء، ولايُقَتِّر في السؤال، فإنّ المسؤول كريم، ومن أقبح اللؤم إذا كان المسؤول كريماً أن يكون السائل بخيلًا شحيحاً، مُقَتِّراً، في السؤال.
عن رسولالله (ص): «الحجاج والعمار وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم». (3)نور الحج
ويترك الحج بصيرة في القلوب، ونوراً ظاهراً على الوجوه، هو نور الإيمان، والطاعة، والتقوى، والذكر، ولا يزال هذا النور على وجوه الحجاج، ما لم يذنبوا ... فإذا أذنبوا ذهب الله بنورهم.
عن الإمام الصادق (ع): «الحاج لايزال عليه نور الحج ما لم يلم بذنب». (4)خير الدنيا والآخرة
وللحج بركات عظيمة للحجاج في دنياه وآخرته.
عن رسولالله (ص): «من أراد الدنيا والآخرة، فليؤمّ هذا البيت، فما أتاه عبد يسأل الله دنيا إلّا أعطاه منها، و لايسأله آخرة إلّا ادّخر له منها». (5)
غفران الذنوب
ولعلّ من أعظم بركات الحج ما تواترت به الروايات، وفيها الروايات الصحيحة: أنّ الله يغفر للحجاج ذنوبهم جميعاً، فإذا عادوا إلى بيوتهم وبلادهم، عادوا كهيئتهم يوم ولدتهم أمهاتهم، قد تحررّوا وتخلّصوا من ذنوبهم جميعاً.
روى المحدث الحرّ العاملي في موسوعته القيّمة- وسائل الشيعة- عن محمد بن علي بن الحسين، قال: روي أنّ «من أعظم الناس ذنباً، من وقف بعرفات، ثمّ ظنّ إنّ الله لم يغفر له». (1)و روى سفيان بن عيينة عن الإمام الصادق (ع)، قال: «سأل رجل أبي بعد منصرفه من الموقف، فقال: أترى يجيب الله هذا الخلق كلّه؟ فقال أبي: ما وقف بهذا الموقف أحد إلّا غفر الله له، مؤمناً كان أو كافراً، إلّا أنّهم في مغفرتهم على ثلاث منازل: مؤمن قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر وأعتقه من النّار.. ومنهم من غفر الله ما تقدّم من ذنبه، وقيل له: أحسن فيما بقي من عمرك.. وكافر وقف بهذا الموقف لزينة الحياة الدنيا غفر الله له ما تقدّم من ذنبه إن تاب من الشرك فيما بقي من عمره..». (2)و سأل الإمام الصادق (ع) رجل في المسجد الحرام: مَنْ أعظم الناس وزراً؟ فقال: «من يقف بهذين الموقفين: عرفة والمزدلفة، وسعى بين هذين الجبلين، ثمّ طاف بهذا البيت، وصلّى خلف مقام إبراهيم، ثمّ قال في نفسه، وظنّ أنّ الله لم يغفر له، فهو من أعظم النّاس وزراً». (3)عن أبي حمزة الثمالي: قال رجل لعلي بن الحسين (ع): تركت الجهاد وخشونته، ولزمت الحج ولينته؟ قال: وكان متكئاً فجلس، وقال: «ويحك أما بلغك ما قال رسول الله (ص) في حجة الوداع؟ إنّه لما وقف بعرفة، وهمّت الشمس أن تغيب، فقال رسولالله (ص): يا بلال! قل للنّاس فلينصتوا، فلمّا انصتوا، قال: إنّ ربّكم تَطَوّلَ عليكم في هذا اليوم، وغفر لمحسنكم، وتشفع محسنكم في مسيئكم، فأفيضوا مغفوراً لكم». (4)يرجع الحاج كهيئته يوم ولدته أمّه
و قد يكون من أعظم بركات الحج أيضاً، ما تواترت به الروايات، وفيها الروايات الصحيحة: أنّ الله يغفر للحجاج ذنوبهم، حتى إذا عادوا إلى بلادهم، وبيوتهم، رجعوا كهيئتهم يوم ولدتهم أمهاتهم.
عن رسول الله 9: «حُجّوا، فإنّ الحج يغسل الذنوب، كما يغسل الماء، الدَرَن». (5)عن رسول الله 9: «من حج لله فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمّه». (6)
و عنه (ص): «من خرج حاجاً يريد وجه الله، فقد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وشُفّع فيمن دعا له». (1)و عنه (ص): «معاشرالناس! ما وقف بالموقف مؤمن إلّا غفر الله له ما سلف من ذنبه إلى وقته ذلك، فإذا انقضت حجته استؤنف عمله». (2)و عن الإمام الباقر (ع): «من أمّ هذا البيت حاجاً أو معتمراً مبرأ من الكبر، رجع من ذنوبه كهيئته يوم ولدته أمّه». (3)و عن الإمام الصادق (ع): «من حج يريد به الله، لايريد به رياء ولاسمعة، غفر الله له البتة». (4)و عن الإمام الصادق (ع): «إنّ العبد ليخرج من بيته، فيعطي قسماً، حتّى إذا أتى المسجد الحرام طاف طواف الفريضة، ثمّ عدل إلى مقام إبراهيم فصلّى ركعتين، فيأتيه ملك فيقوم عن يساره، فإذا انصرف ضرب بيده على كتفيه فيقول: يا هذا، أما ما مضى فقد غفر لك، وأما ما يستقبل فجد». (5)الرواتب الثلاثة فى العبادات
و يكفي أن نقول في حجم هذه المواهب والبركات: إنّ المخزون الذي يختزنه العبد في رحلة الحج يكفيه لرحلة العمر كلّها، إذا حرص وحافظ عليها.
ولابدّ من توضيح لهذه الكلمة، فنقول: إنّ العبادات على نوعين:
النوع الأول: عبادات مرتبات على عمود الزمان بفواصل زمانية متفاوتة كالصلاة وصيام شهر رمضان.
النوع الثانى: عبادات مجعولة حسب الحاجة والضرورة كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، وإغاثة المؤمنين ونجدتهم.
والنوع الثاني من العبادات، تفرضها الحاجة الموضوعية في واقع حياة النّاس.
أمّا النوع الأول من العبادات، فهي التي يحتاجها الإنسان في حركته التكاملية إلى الله ... ولذلك فإنّ الله تعالى يفرضها على النّاس في كلّ الظروف، مثل الصلاة، والصوم، والحج، وهي التي نقصدها من (الرواتب)، وهي العبادات التي يحتاجها الإنسان لتكامله النفسي، والروحي، والعقلي، بغضّ النظر عن أية ظروف موضوعية وفي كلّ الظروف، وهي على أقسام حسب حاجة الإنسان إليها.
فمن الرواتب ما يحتاجه الإنسان في كلّ يوم عدّة مرات، وهي الصلاة، فهي حاجة مستمرّة متصلة يحتاجها الإنسان في نموّه وتكامله وحركته إلى الله ... وإذا انقطع الإنسان عنها توقف نموّه وتكامله؛ وتوقّف الإنسان عن حركة التكامل، بمعنى التراجع، و لايسعنا الآن شرح هذه النقطة.
و من الرواتب ما يحتاجه الإنسان كلّ سنة مرّة، وهو صيام شهر رمضان في كلّ عام، فإنّ هذه الفريضة الرتيبة تتكرر على الإنسان في كلّ عام مرّة واحدة، شهراً كاملًا.
و من الرواتب ما يحتاجه الإنسان في العمر مرة واحدة- بالضرورة- وماعدا ذلك يخرج عن دائرة الضرورة، ويدخل في دائرة الندب، وهو الحج؛ فإنّ الحج يجب على المرء مرة واحدة في العمر.
و معنى ذلك أنّ الخزين النفسي الذي يكتسبه الحاج في رحلة الحج يكفي لرحلة العمر كله، إذا حافظ عليه الحاج، ولم يهدره، وأنّ التعبئة الروحية والنفسية والسلوكيّة الّتي يكتسبها الحاج في هذه الرحلة، تعبئة عالية تكفي لرحلة العمر كلّها، إذا حافظ عليها الحاج، وحرص على تنميتها.
كيف يتناقص خزين الحج فى ساحة الحياة؟
إذن البحث عن الوسائل التي تمكّن الحاج من المحافظة على المكاسب التي اكتسبها في الحج، من المسائل الضرورية التي لابدّ أن يعرفها الحاج بعد العودة من الحج.
ومن الضروري أن نتساءل، ونعرف كيف يحافظ الحاج على هذه الذخيرة الغالية التي اكتسبها في الحج، عند ما يعود إلى بلده، وداره، وأسرته، ويعود إلى السوق، وينزل إلى الشارع، ويختلط بالنّاس، ويعاشرهم، ويدخل فيما يدخل فيه النّاس من شؤون دنياهم؟
فما أكثر الذين أهدروا هذه الثروة العظيمة التي اكتسبوها في الحج، في أقل من شهر، بعد أن عادوا إلى بلدهم، وأهلهم، وعشائرهم، وتجارتهم، وأعمالهم التي يمارسونها، لإدارة معيشتهم في الدنيا، وعلاقاتهم الاجتماعية.
و الشيطان إذا فشل في إفشال مشروع الحج في تكامل الحاج، وتعبئته النفسية العالية التي تبلغ ذروتها في (عرفة)، فإنه يتحوّل إلى الدور الثاني في إحباط مكاسب الحج عندما يعود الحاج إلى حياته المألوفة في (البيت) و (الشارع) و (السوق)، وهي المراكز الثلاثة لحضور النّاس في الحياة الدنيا.
و نقصد بالبيت، الحياة العائلية التي هي أحد أركان حياة الإنسان، ونقصد بالشارع، العلاقات الاجتماعية (العلاقات العامة)، ونقصد بالسوق، العمل الذي يدر معيشة الإنسان في السوق، أو في الحقل، أو في المصنع، أو في دوائر الدولة، في البر أو البحر.
و لهذه المراكز الثلاثة دور كبير في استهلاك الخزين النفسي الذي يختزنه الحاج في الحج، وإحباط الحالة التعبوية النفسية العالية، التي يكتسبها في هذه الرحلة.
إنّ الشيطان يبذل جهداً كبيراً لتسريب خزين الحج، في تعامل الحاج في البيت، والسوق، والشارع، مع أهله، ومن خلال تجارته، وعلاقاته الاجتماعية؛ تماماً كما تتسرّب الحرارة عند ما تكون في وسط بارد فاقد للحرارة، في الأجسام الصلبة، وفي السوائل والغازات، ما لم يحفظ الحرارة جدار عازل، يحفظ الحرارة من التسرّب.
و لايتصور أحدٌ أننا ندعو إلى أن يعتزل الحاج بيته، وتجارته، وعلاقاته الاجتماعية، عند ما يعود من الحج، فليس هذا من دين الله في شيء ... بل العكس هو الصحيح ... فإنّ الحياة العائلية، والعمل، والتجارة، والعلاقات الاجتماعية، مما يدعو إليه الإسلام دعوة حثيثة.
و إنّما الذي ندعو إليه بشكل دقيق، هو أن نعرف كيف يحافظ المرء على خزين الحج، وتعبئته النفسية العالية في وسط المراكز الثلاثة التي عددناها آنفاً، دون أن يعتزلها، أو يقاطعها؟ فإنّ هذه المقاطعة والاعتزال، ليس من دين الله إطلاقاً.
كيف نحافظ على مكاسب الحج؟
و الآن نطرح الاجابة عن هذا السؤال، في دراسة موجزة إن شاء الله، فأقول:
إنّ أهمّ العوامل الواقية التي تحفظ الإنسان، وتحفظ له ما اكتسبه في الحج من التسرّب والاستهلاك في ساحات الحياة الثلاثة، هي التقوى والذكر، وإليك تفصيل ذلك.
التقوى هو اللباس العازل الذي يحفظ الإنسان من العوامل الموضوعية في البيئة والوسط، من الفتن والمغريات، ومن العوامل النفسية، داخل النفس، من الشهوات والأهواء، ومن دور الشيطان في إثاره الأهواء والشهوات تجاه الفتن والمغريات، وتجميل الفتن والمغريات للأهواء والشهوات، وهذا هو الدور الرئيسي للشيطان في إغواء الإنسان وتسقيطه، وهو دور الوساطة بين الأهواء والفتن، (دور السمسار).
و التقوى هو اللباس العازل الذي يحفظ الإنسان من ثلاثية الابتلاء (الأهواء- الفتن- الشيطان) دون أن يعتزل الإنسان حياته العائلية، وعلاقاته الاجتماعية، وعمله، وتجارته، وحركته الاقتصادية.
وما من عامل يقوى على حماية الإنسان من ثلاثية الابتلاء مثل (التقوى). و التقوى هو ضبط النفس عند الحدود الّتي حدّدها الله تعالى لعباده.
و قد أفاد الحج الحجاج ضبط النفس بدرجة عالية، وبمقاييس واسعة وكبيرة في محرمات الإحرام، منذ لحظة التلبية إلى أن يخرج من حالة الإحرام.
و إذا كان الحاج قد تحلّل من محرمات الإحرام بعد السعي، وطواف النساء والوداع، فإنّ خزين التقوى وضبط النفس الذي اكتسبه الحاج في هذه الدورة المكثفة يبقى معه.
و التقوى خير ما يحفظ الحاج بعد عودته من الحج، و يحفظ له ما اكتسبه في الحج من معرفة الله، وحالة القرب إلى الله، والبصيرة، وشفافية القلب، وقوة النفس، والعزم في طاعة الله، والإخلاص لله، والإخبات إليه، وذكر الله، وحالات الأنس بذكر الله، والشوق إلى لقاء الله، وحبّ الله، وما لا أحصيه من مكاسب الحج العظيمة.
فإنّ الإنسان ما لم يتلوّث بالذنوب والمعاصي، والانشغال بالدنيا عن ذكرالله تبقى له هذه المواهب، ولا يفسدها شيء مثل (الذنوب) و (الانشغال بالدنيا عن ذكر الله).
و التقوى تحفظ الإنسان من الذنوب، وهو الشطر الأول من الطريق الصعب.
والشطر الثاني من هذا الطريق هو ذكر الله الذي يحفظ الإنسان من أن تلهيه الدنيا عن ذكر الله، وهو قوله تعالى: وَاذْكُرْ ربَّك إذَا نَسيِتَ؛ (1)وسوف نتحدث عنه إن شاء الله، فيما يأتي من هذا الحديث.
فإذا التزم التقوى، تحفظ له التقوى شطراً كبيراً من المواهب التي اكتسبها في الحج.
مراقبة التقوى
و التقوى، كما يقول الله تعالى: لباس وَ لباسُ التقوىَ ذلكَ خَيرٌ، و كما يحفظ اللباس صاحبه من الحرّ، والبرد، ومن الأذى، وعيون الناس، ويستر له عوراته و سوءآته، كذلك التقوى تحفظ الإنسان من ثلاثية الابتلاء (الفتن والمغريات- الأهواء والشهوات- الشياطين).
و تحفظ له عورات نفسه و سوءآته، فإنّ للنفس الإنسانية عورات، كما للجسم، وتستر التقوى عورات النفس، كما يستر اللباس عورات الجسم.
و لكن، كما يحفظ اللباس صاحبه، كذلك يحفظه صاحبه من الوساخة والتمزق؛ و هذا هو الدور المتبادل بين الإنسان واللباس، في الحفظ والصيانة.
كذلك العلاقة بين (الإنسان) و (التقوى)، فإنّ (التقوى) تحفظ صاحبها من الانحراف، والسقوط، والذنوب، والمعاصي، وهو دور وقائي عظيم لامندوحة للإنسان عنه في سلامة الروح والنفس والعقل.
... و في المقابل يجب على الإنسان أن يراقب عامل (التقوى) في نفسه وسلوكه، لئلا يضعف أو يختل ... ولكي تؤدي التقوى دورها في المحافظة على الإنسان، لابدّ للإنسان أن يراقب التقوى، ويحافظ عليها، ومن دون ذلك لاتسلم له التقوى.
يقول أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، في هذا الدور المتبادل بين الإنسان والتقوى: «ألا فصونوها وتصوّنوا بها». (2)وهي كلمة دقيقة وعميقة ... فلكي يصون الإنسان نفسه بالتقوى، لابدّ أن يصون التقوى ويراقبها.
أهمّ آليات مراقبة التقوى:
المحاسبة، والمراقبة المتصلة.
الوعظ والتذكير.
ذكر الله، وذكر الموت.
مرافقة الصالحين ومجالستهم، وحضور مجالسهم.
العامل الآخر للمحافظة على مكاسب الحج، ذكر الله تعالى ضمن برنامج منظم ... وهذا الذكر يشمل نوافل الصلاة، وبشكل خاصّ النوافل الليلية (صلاة الليل) وقراءة القرآن، والدعاء، والأوراد، والأذكار الواردة في الليل والنهار، ولو خلال فترة العمل، والالتزام بتعقيبات الصلاة، والاهتمام بحضور الجماعة، والتعهد بالأدعية الواردة ليلة الجمعة، ويوم الجمعة، وسائر أيّام الله في السنة.
إنّ الالتزام بهذه الأبواب من الذكر، يفتح منافذ القلب على الله تعالى، ويبعث فيه النور، والبصيرة، والشفافية، ويقرب الإنسان إلى الله، ويمنح الإنسان اليقين، والعزم، والقوة في طاعة الله، والأنس إلى ذكر الله، والشوق إلى لقاء الله، وحبّ الله، والإنابة إلى الله، والخشية والرجاء من الله، وما لا أحصيه من المواهب التي جعلها الله في الذكر.
و من أعظم هذه المواهب، أنّ ذكر الله يحفظ الإنسان من أن تشغله الدنيا أوتلهيه عن الله... وهذا هو الشطر الثاني من الطريق الصعب الذي ذكرناه آنفاً في السعي إلى الله، فإنّ أعظم حجابين يحجبان العبد عن الله تعالى، هو الذنوب والمعاصي أولًا، و التعلّق بالدنيا ثانياً.
ولمكافحة هذين العاملين قلنا:
إنّ (التقوى) هو الشطر الأول من الطريق الصعب، يحفظ الإنسان من الذنوب والمعاصي الحاجبة عن الله؛ و (الذكر) هو الشطر الثاني من هذا الطريق، يحفظ صاحبه عن الدنيا ودورها المغري في إلهاء الإنسان، وانشغاله عن الله.
المداومة
و لايؤتي الذكر ثماره في حياة الإنسان، ما لم يواصله الإنسان زمناً طويلًا في حساب العمر.
فقد روي عن أميرالمؤمنين (ع): «قليل مدوم عليه خير من كثير مملول منه». (1)إنّ بركات الذكر لاتظهر مرة واحدة، كما هو الحال في أغلب سنن الله تعالى في الكون، وإنما تظهر بصورة تدريجية. و لكي يكتسب الإنسان بركات الذكر، لابدّ له من مواصلة الذكر ومداومته.
المراقبة والمداومة
و الغاية هنا من التأكيد على (مراقبة) التقوى و (مداومة) الذكر، هي أن يتحوّل كل من التقوى والذكر في حياة الإنسان إلى ملكة راسخة ثابتة؛ فما لم تتحول التقوى ويتحول الذكر في حياة الإنسان إلى ملكتين راسختين في النفس ثابتتين، فهما معرضان لأخطار وتهديدات كثيرة من جانب ثلاثية الابتلاء التي شرحناها من قبل.
1) وسائل الشيعة 118: 1 ح 10.
فإذا تحولا بالمراقبة والمداومة إلى حالة ثابتة وراسخة في النفس، واستحكما في النفس، فلا يخاف عليهما عندئذ من تحديات (الأهواء) و (الفتن) و (الشياطين) ويتحوّل كل من التقوى والذكر عندئذ من حالة رجراجة غير ثابتة، إلى ملكة ثابتة وراسخة في النفس ... وعندئذ تثبت مكاسب الحج في نفس الإنسان.
4- تزاحم الحج والنذر
تحرير المسألة:
لو نذر أو عاهد بما يزاحم أداء الحج في سنة واحدة، أو في سنوات، كمن نذر أنيزور الإمام الحسين (ع) في يوم عرفة من كل سنةثم تحققت عنده الاستطاعة للحج، فأيهما يؤدي؟ فإن أدى زيارة الإمام الحسين كما هو مضمون نذره فلابدّ أنيترك حجة الإسلام طيلة عمره؛ وإن أتى بحجة الإسلام، فلابدّ له من ترك العمل بالمنذور.
أو كمن نذر أنيصرف مقداراً من المال للزيارة أو التعزية أو نحو ذلك، بحيث لو صرف المال فيما نذر لزالت الاستطاعة، فهل يجب عليه الحج أم لا؟ وكذا يمكن أنتحصل الاستطاعة قبل النذر، فما هي وظيفة المكلف وفق الرأي الفقهي؟
تاريخ المسألة و صورها:
لايخفى أنّهذه المسألة قد طرحت في كلمات الفقهاء القدامى في الحج الندبي، ثم لما اشتغل صاحب الجواهر- كما حكى المشايخ- بتأليف كتاب الجواهر، أحسّ أنإتمام المشروع رهن صبّ الجهود على التأليف، وعدم الاشتغال بشيء آخرلسنتين؛ ولذلك نذر أنيزور الحسين (ع) في كلّ عرفة حذراً من تعلق وجوب الحج عليه إذا استطاع، كي لايواجه المشروع بمخاطر قبل إنجازه في حياته، فصار ذلك سبباً لطرح هذه المسألة، (1)بين المتأخرين مفصلًا.
وبذلك تنحصر المسألة فى أربع صور:
الأولى: لو نذر المستطيع حجة الإسلام مقيداً بكونها في سنة الاستطاعة.
الثانية: لو نذر غير المستطيع حجة الإسلام مقيداً بكونها في سنة خاصة ثم استطاع في نفس السنة.
الثالثة: لو نذر غير المستطيع غير حجة الإسلام في سنة خاصة أو في عامة السنوات ثم حصلت الاستطاعة.
الرابعة: لو نذر المستطيع غير حجة الإسلام مقيداً بكونها في سنة الاستطاعة.
إنّالصورتين الأوليين خارجتانعن محل البحث، وهو تزاحم الحج والنذر؛ لأنّه إذا نذر حجة الإسلام قبل الاستطاعة أو بعد الاستطاعة انعقد النذر، وكلاالحالتين تتداخلانفي النتيجة؛ لأنّه قام بامتثال ما نذر و هو الحج الواجب للمستطيع، ولايمكن فرض التزاحم بين الحج والنذر.
بقيت الصورتان الثالثة والرابعةللدراسة والبحث والنقد تفصيلًا، نبدأ على حسب الترتيب:
الصورة الثالثة:
و هي أنّه لو نذر غير المستطيع غير حجة الإسلام في سنة خاصة، أو في عامة السنوات، ثم حصلت الاستطاعة، هل يجب عليه حجة الإسلام أو يجب إتيانالمنذور؟ وأيّهما يقدم؟
1) السبحاني، جعفر، كتاب الحج 180: 1.
كلمات الفقهاء:
قال الشهيد في الدروس: فلو نذر الحج ثم استطاع، صرف ذلك إلى النذر، فإنأهمل واستمرت الاستطاعة إلى القابل، وجبت حجة الإسلام أيضاً، وظاهر الأصحاب تقديم حجة الإسلام مطلقاً، وصرف الاستطاعة بعد النذر إليها، إلاأنيُعيّن سنة للنذر، فيصرف الاستطاعة فيها إلى حج النذر. (1)وقال الشهيد الثاني في المسالك: ولو نذره (الحج) قبل حصول الاستطاعة، ثم حصلت قبل الفعل، قدّمت حجة الإسلام مع الإطلاق أو التقييد بمدة تزيد عن سنة، بحيث يمكن فعله بعد ذلك أو بسنة متأخرة عن عام الاستطاعة، ومع تعيّنه بتلك السنة يقدم النذر؛ لعدم تحقق الاستطاعة في تلك السنة المعيّنة. (2)وقال سبطه في المدارك: ولو اتفق حصول الاستطاعة قبل الإتيانبالحج المنذور، قُدّمت حجة الإسلام إنكانالنذر مطلقاً أو مقيداً بما يزيد عن تلك السنة أو مغايرها؛ لأنوجوبها على الفور بخلاف المنذورة على هذا الوجه، وإلاقُدّم النذر؛ لعدم تحقق الاستطاعة في تلك السنة؛ لأنّالمانع الشرعي كالمانع العقلي، وعلى هذا فيراعى في وجوب حج الإسلام بقاء الاستطاعة إلى السنة الثانية. (3)وقال صاحب الجواهر: ولو كاننذره حال عدم الاستطاعة، وجب الإتيانبالنذر مع القدرة، وإنلمتحصل الاستطاعة الشرعية، كما في غيره من الواجبات، إذ هي شرط في وجوب حج الإسلام للدليل دون غيره. (4)وقال السيد اليزدي في العروة الوثقى: إذا نذر قبل حصول الاستطاعة أنيزور الحسين (ع) في كل عرفة، ثم حصلت، لميجب عليه الحج .. وكذا إذا كانعليه واجب مطلق فوري قبل حصول الاستطاعة، ولميمكن الجمع بينه وبين الحج، ثم حصلت الاستطاعة، وإنلميكن ذلك الواجب أهم من الحج؛ لأنّالعذر الشرعي كالعقلي في المنع في الوجوب؛ وأمّا لو حصلت الاستطاعة أولًا، ثم حصل واجب فوري آخر، لايمكن الجمع بينه وبين الحج، يكون من باب المزاحمة، فيقدم الأهم منهما. (5)وقال الإمام الخميني: لو نذر قبل حصول الاستطاعة زيارة أبي عبدالله الحسين (ع) مثلًافي كل عرفة، فاستطاع، يجب عليه الحج بلاإشكال، وكذا الحال لو نذر أو عاهد مثلًابما يضاد الحج. (6)فتحصّل من كلمات الفقهاء أنّهاهنا قولين:
أحدهما: تقديم النذر على الحج، كما ذهب إليه الشهيد الأول في الدروس، والشهيد الثاني في مسالك الأفهام، وهكذا صاحب المدارك والجواهر والسيد اليزدي في العروة الوثقى.
ثانيهما: تقديم الحج على النذر، كما ذهب إليه بعض الفقهاء أخيراً.
1) الشهيدالأول، محمد، الدروس 274: 1.
2) الشهيدالثاني، زين الدين، المسالك 157: 2.
3) العاملي، محمد، مدارك الأحكام 99: 7- 100.
4) النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام 347: 17.
5) السيد اليزدي، محمدكاظم، العروة الوثقى 2: الفصل الثاني من كتاب الحج، المسألة 32.
6) الإمام الخميني، تحرير الوسيلة، كتاب الحج، المسألة 29 من شرائط وجوب حجةالإسلام.
أدلة القولين:
القول الأول: تقديم النذر على الحج
استُدل على القول بتقديم النذر على الحج بأمور:
الأمر الأول: أنّالإتيانبالنذر قبل حصول الاستطاعة أمر واجب، وهو يعتبر عذراً، ومع تحقق العذر لاتتحقق الاستطاعة؛ لأنّالمانع الشرعي كالمانع العقلي يمنع عن تعلق وجوب الحج به.
ودليل اعتبار العذر هو صحيحة الحلبي، عن أبي عبدالله (ع)، قال: «إذا قدر الرجل على ما يحج به ثم دفع ذلك، وليس له شغل يعذره به، فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام». (1)هذا الحديث يفيد بأنّه لو كانله عذر يعذره الله تعالى عليه في ترك الحج، لميترك شريعة من شرائع الإسلام، ومعلوم أنّالوفاء بالنذر في وقته شرّعه الله تعالى، وألزم المكلف بما ألزم به نفسه، و اعتبره عذراً ومانعاً عن تعلق وجوب الحج به في ذلك الوقت، كما لو وجدنا ماءاً غصبياً في مثل قوله تعالى: فَلمتَجِدُوا ماءً فَتَيَمّمُوا صَعيداً طَيِّباً. (2)حيث إنّفقدانالماء عذرٌ عقلي، ومانع عن تعلق وجوب الوضوء به، ووجدانه أيضاً بوصف الغصبية عذر شرعي لايجوز التوضّؤ به، فهنا العذر الشرعي كالعذر العقلي مانع عن تعلق الوجوب به، وهذا هو المذكور في أكثر كلمات الفقهاء. (3)بعبارة أخرى: محصّل الاستدلال أنّه يعتبر في الاستطاعة إضافةً إلى صحة البدن وتخلية السرب، الاستطاعة المالية والزمانية، وعدم مزاحمتها لواجب آخر، ومع المزاحمة ترتفع الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحج.
ويلاحظ عليه، أنّالرواية إنّما تعرض لترك الحج بلاعذر وتندّد به، وتعتبره تركاً لشريعة من شرائع الإسلام؛ وأمّا كون الوفاء بالنذر مثلًاعذراً، فهذا أوّل الكلام، فلابدّ من إثباته من خارج، كما ثبت العذر في موارد الحرج والضرر الزائدين على مايقتضيه الحج، و لم يثبت كون الوفاء بالنذر عذراً، و بعبارة أوضح، أنّالرواية لمتبيّن الصغرى، ولمتعرّف العذر بما هو عذرٌ. (4)و أمّا الماء المغصوب، فإنّالشارع اعتبره عذراً و لميجوّز التوضؤ به، هذا بحث صغروي في اعتبار الوفاء بالنذر عذراً.
وأمّا البحث في الاستدلال على أنّعدم المزاحمة بواجب آخر، هل يعتبر من الاستطاعة أم لا؟
إنّا فصّلنا الكلام في الاستطاعة وتحقيق معناها، بأنّالمراد من الاستطاعة الواردة في الآية الشريفة والنصوص المفسرة لها، هي استطاعة عرفية على ما هو المختار، وهي تتمثل في توفر الزاد والراحلة، وصحة
البدن، وتخلية السرب؛ وأمّا العذر الشرعي و العقلي أو أيّ شيء آخر لايعتبر من الاستطاعة، وليس لعدم المزاحمة بواجب آخر شأنفي الاستطاعة.
الأمر الثانى: أنّرجحانالنذر- المشروط به صحة النذر- يجب أنيكون مع قطع النظر عن النذر، ومع مزاحمة النذر للاستطاعة؛ فإذا غُضّ النظر عن النذر، يكون المنذور غير راجح؛ لأنّمؤدّاه ترك الحج، وإنّما يكون المنذور راجحاً بتوسط النذر الرافع للاستطاعة، ومثل هذا الرجحانلايكفي في صحة النذر، مثله يجري في وجوب حج الإسلام في الفرض، فإنّالاستطاعة المعتبرة في وجوب حج الإسلام يجب أنتكون حاصلة مع غضّ النظر عن وجوب الحج، وفي المقام إذا غُضّ النظر عن وجوب الحج ترتفع الاستطاعة بالنذر؛ وعلى هذا يكون الأخذ بأحد الحكمين رافعاً لموضوع الآخر، وترجيح الحج على وجوب الوفاء بالنذر بلامرجح، حتى بملاحظة كون وجوب الحج أهم؛ لأنّترجيح الأهم إنّما يكون في المتزاحَمين الواجد كل منهما لملاكه، ويكون تزاحمهما في مقام الامتثال، لافي المتواردين اللذين يكون كل منهما رافعاً لملاك الآخر، بل فيهما يتعيّن الرجوع إلى منشإ آخر للترجيح، وهو الأخذ بالسابق دون اللاحق تنزيلًاللعلل الشرعية منزلة العلل العقلية. (1)وهذا غير تام؛ وذلك لأنّفيه:
أولًا: أنّالاستطاعة مع قطع النظر عن وجوب الحج متحققة، وهي عبارة عن استطاعة عرفية، والقدرة الشرعية لاتعتبر فيها بوجه.
أمّا الوفاء بالنذر فلايكون رافعاً لموضوع الاستطاعة أصلًا، إذ لميثبت حينئذٍ رجحانه مع قطع النظر عن أمر النذر، بل ثبت مرجوحيته لاستلزامه تفويت الواجب، وعند ذلك لايكون المقام من قبيل المتواردين، بل ولامتزاحِمَين، فإنّالمتزاحِمَين عبارة عن الأمرين الواجدين للملاك فيقدم الأهم، وأمّا المقام فالملاك لأحد الأمرين دون الآخر. (2)ثانياً: أنّتنزيل العلل الشرعية منزلة العلل العقلية فاقد للدليل بعد كون الحكم في العلل العقلية مستنداً إلى العقل، وأمّا الدعوى أنّالحكم بالجمع بين الدليلين بالنحو المذكور إنّما هو العرف، فهي مدفوعة بعدم ثبوت حكم العرف بذلك كما لا يخفى. (3)الأمر الثالث: كلّ من الحج والنذر، فيما نحن فيه، واجب لتمامية موضوعه.
أمّا الحج، فلكون موضوعه على ما هو التحقيق و المختار عبارة عن تحقق الاستطاعة العرفية، وهي تتمثل في توفر الزاد والراحلة وصحة البدن وتخلية السرب وسعة الوقت، وهنا قد تتحقق جميع هذه الشرائط في المفروض، ولميُشترط في وجوب الحج عدم مزاحمته لواجب آخر؛ فعلى هذا، فإنّالحج واجب بعد تحقق الشرائط، ولو كانمزاحماً لواجب آخر.
وأمّا النذر، فلايشترط في انعقاده إلّارجحانمتعلقه، والمراد به هو الرجحانبالإضافة إلى الترك، لابالنسبة إلى جميع الأضداد المتصورة له، وهو أيضاً قد تحقق في المقام، ولميدل دليل تعبّدي على كون عدم الاستطاعة أو عدم تقدمها من شرائط انعقاده، فلامجال لإنكار انعقاد النذر؛ فالأمران واجد ان للملاك مع ما لهما من الشرائط والرجحان، وبهذا ثبت التزاحم بين وجوب الحج والوفاء بالنذر.
أمّا الترجيح فهو بتقديم النذر على الحج، والوجه فيه ثبوت الكفارة والعقاب معاً في مخالفة النذر، بخلاف ترك الحج؛ لأنّفيه العقاب فقط دون الكفارة، لاسيما إذا كانالنذر زيارة المرقد الشريف لأبي عبدالله الحسين (ع) في يوم عرفة، فإنها أهم من الحج، لما ورد فيها من أنّالله تبارك وتعالى ينظر إلى زوّار الحسين (ع) في يوم عرفة قبل أنينظر إلى الحجاج.
أمّا الاستدلال بثوت الكفارة والعقاب معاً في مخالفة النذر، فعلى الرغم من أهمية النذر وتقدمه على الحج، فهو غير تام؛ وذلك:
أولًا: أنّعدم ثبوت الكفارة قد يكون لأجل عظمة المعصية وشدتها، كما في تكرار الصيد في حال الإحرام، حيث إنّه لاكفارة فيه، لكنه سبحانه وتعالى هدّد بقوله: وَ مَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَ اللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقام. (1)ويُستفاد منها أنّه لاينبغي تخفيف الفعل بالكفارة، بل يترتب عليه ردّ فعلٍ وانتقام من الله تبارك و تعالى.
ثانياً: أنّكثرة الثواب لاتدل على الأهمية، فكم من عمل مستحب يكون أكثر ثواباً من الواجب؛ فلامجال أنندّعي أنله أهمية بالنسبة إلى الواجب، كما وردت أحاديث في فضيلة السلام وكثرة الثواب لبادئه دون مجيبه، مع أنّالابتداء بالسلام مستحب وردّه واجب، والثواب متعاكس نسبة بينهما.
فتبيّن مما ذكرنا من الأدلة في تقديم النذر على الحج، أنّه «يوجد دليل قاطع لترجيح النذر وتقديمه على الحج».
القول الثانى: تقديم الحج على النذر
استُدل للقول بتقديم الحج على النذر بأمرين:
الأمر الأول: الرجحانفى متعلق النذر.
يقدم الحج على النذر، لكون الحج تام الملاك دون النذر؛ وذلك لأنّالوفاء بالنذر ليس واجباً ابتدائياً نظير الصلاة والصوم، وإنّما هو واجب إمضائي، بمعنى أنّه إلزام من الله تعالى بما التزم المكلف به على نفسه.
فإنّالناذر يُلزم نفسه بشيء، والله تعالى يلزمه بالعمل به على نحو ما التزم به، فلابدّ من أنيكون العمل الملتزم به في نفسه قابلًاللإضافة إلى الله تعالى، ومن هنا اعتبروا الرجحانفي متعلق النذر.
1) المائدة: 95.
ثم لايكفي مجرد الرجحانفي نفسه، بل لابدّ من ملاحظة ما يلازمه من ترك واجب أو إتيانمحرم، حتى يصح إضافة العمل إليه تعالى؛ فزيارة الحسين (ع) مثلًاوإنكانت راجحةً في نفسها، لكنها إذا كانت ملازمةً لترك واجب أو إتيانمحرم لايمكن الإضافة إليه تعالى؛ وهذا نظير نذر قراءة القرآنمن أول طلوع الفجر إلى ما بعد طلوع الشمس، أو نذر سجدة طويلة تستغرق جميع الوقت، بحيث تفوت عنه الصلاة المكتوبة، أو نذر صوم اليوم الذي يجيء مسافره فصادف يوم العيد، ولاريب في انحلال النذر في أمثال هذه الموارد.
ولازم ذلك، عدم كون المقام من باب التزاحم الذي يكون مورده الواجبين الفعليين، اللذين يشتمل كل منهما على ملاك ملزم، غاية الأمر عدم تمكن المكلف من الجمع بينهما في مقام الامتثال؛ لأنّهذا يختص بما إذا كانالواجب ابتدائياً وأصلياً كالصلاة والإزالة؛ وأمّا إذا كانالواجب واجباً إمضائياً، فلايجري فيه الترتّب؛ لأنّما التزم به المكلف إنمّا هو مطلقٌ مستلزم لترك الحج، وهذا غير قابل للإمضاء. (1)وعلى هذا، فالنذر لايكون راجحاً، ولاينعقد هنا؛ وأمّا وجوب الحج، ففي مكانه من دون مزاحمة النذر.
وهنا موارد للنظر والنقد:
أولًا: لايخفى أنّه لو لم يكف مجرد الرجحانفي نفسه، ولابدّ من ملاحظة سائر الأُمور، فلازمه عدم انعقاد النذر فيما إذا تعلّق بما يستلزم تفويت ما هو أهم، كما إذا نذر أنيصلي في مسجد محلته؛ لأنّه يستلزم تفويت الصلاة في المسجد الجامع أو الحرم الشريف؛ وهذا مدفوع، لأنّالملاك في صحة النذر أنيكون الفعل المنذور قابلًاللإضافة إليه تعالى، والمستحب المستلزم لترك مستحب آخر أهم صالح للإضافة إليه تعالى؛ نعم، لو نذر ترك الراجح، لاينعقد النذر، كما إذا نذر ترك زيارة الحسين (ع). (2)ثانياً: أنّالقدر المتيقن من رجحانالمنذور كونه راجحاً بالذات حين النذر، والمفروض أنّه كذلك، والنهي التبعي عن المنذور (حيث إنّالأمر بالشيء- الحج- لايقتضي النهي عن ضده) لايوجب المرجوحية الذاتية، وإنّما هي مرجوحية عرضية، وهذه لاتجعل المحبوب مبغوضاً إلابالعرض، و تزاحمه مع واجب آخر لايسلب عنه الرجحانالذاتي، بل يجعلهما من مصاديق المتزاحِمَين، فيكون المرجع فيه هو مرجحات باب التزاحم.
إنّما أهمية الحج بالنسبة إلى النذر- لما ورد في موقعية الحج بما يقال لتارك الحج: مت يهودياً أو نصرانياً- معلوم، و لايليق بالشبهة، فيقدم الحج على النذر.
ثالثاً: أنّذكر بعض الأمثلة للنذر ليس في محله؛ لأنّعدم صحة النذر فيما إذا نذر قراءة القرآنمن أول طلوع الفجر إلى مطلع الشمس، أو السجدة الطويلة المستغرقة لوقت الصلاة في التعارض الواضح بين
النذر والواجب الثابت وجهاً بوجه، كأنه نذر ترك الصلاة المكتوبة، وأين هذا مما نحن فيه أنّه نذر ولميكن مستطيعاً ثم استطاع؟! (1)الأمر الثانى: فى انصراف الأدلة
إنّالحج بمقتضى قوله تعالى: وَ لِلهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. (2)واجب على كل مستطيع؛ ولايجوز إفناء وقته المقرر له شرعاً، ولاإمضاء الشارع له، ولو جعله كذلك للزم منه تجويز إمكانترك الحج رأساً لكل من يريد أنيفرّ من إتيانالحج طيلة عمره، بأنينذر أن يقوم بعمل خاص في يوم عرفة من مكانمعين، بحيث ينافي حضوره بعرفات، كزيارة مرقد أبي عبدالله الحسين بن عليّ (ع) مثلًا، وهذا قطعي الانتفاء.
ويمكن هنا أننذكر له نظيراً، كما ذكروا، كالأوقات المعينة شرعاً للصلاة، فلو نذر أنيقرأ القرآنمن أول الدلوك إلى الغروب، أو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لمينعقد نذره، إمّا مطلقاً أو بمقدار الصلاة المفروضة؛ ولو كاننذره قبل تعلق الخطاب أو جعل الماء كله سبيلًاللشرب، بحيث ينافي الوضوء والغسل.
والحاصل، أنّأدلة النذر و وجوب الوفاء به منصرفة إلى الأزمنة التي لو خلّيت وطبعها لايكون مانع عقلي أو شرعي، ولو بانفهامه من إطلاقه أو عموم الدليل، فلاتشمل المقام. (3)وأمّا القول بتقدم العامل لتقدم سببه، فهو ممنوع؛ لأنّالله تبارك وتعالى جعل وجوب الحج على المستطيع من أول تكليفه، بل قبله من زمن الصادع بالشرع، وإنّما تأخرت الاستطاعة عن النذر لالوجوبه على المستطيع، فالأصح في هذه الصورة أنّالنذر لاينعقد بحصول الاستطاعة، لالعدم رجحانالمتعلق، كما قد يُتوهم، بل لما ذكرنا من انصراف أدلة وجوب الوفاء بالنذر. (4)الصورة الرابعة:
لو نذر المستطيع غير حجة الإسلام مقيداً بكونها في سنة الاستطاعة، هل ينعقد هذا النذر أم لاينعقد؟
تحرير المسألة:
إنّللمسألة أركاناً تليق بإجالة النظر فيها:
منها: صدورالنذر عن المستطيع بحيث تكون الاستطاعة قد تحققت بجميع شروطها، ثم يقوم بالنذر مع أنّه مستطيع يجب عليه الحج فوراً وفي هذه السنة.
ومنها: تعلّق النذر بغير حجة الإسلام، كالحج الندبي أو زيارة أحد مراقد الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، أو القيام بالتدريس في الحوزة العلمية، لاأنيتعلق بنفس حجةالإسلام كما مضى في الصورتين الأوليين كأنيقول: لله عليّ أنأزور الحسين (ع) يوم عرفة، أو أحج حجاً ندبياً في هذه السنة.
ومنها: تقييد النذر بسنة الاستطاعة أو هذه السنة، التي قد وجب الحج عليه فيها لامطلقاً ولامقيداً بالسنة الثانية بعد الاستطاعة، كأنيقول: لله عليّ أنأحج غير حجة الإسلام في هذه السنة.
بعد ملاحظة هذه الأركان والقيود في الفرض نقول:
لو اختل ركن من الأركانالمذكورة، لخرجت المسألة عن محل النزاع و المناقشة؛ لأنّالنذر مع فقدانركن من الأركانيقع صحيحاً إجماعاً، لما فيه من تحقق صحة شرائط النذر، وعدم تحقق التزاحم بين النذر والحج.
الاستدلال على عدم انعقاد النذر
فالذي ينذر أنيأتي حجاً غير حجة الإسلام، أو أنيزور الإمام الحسين (ع) يوم عرفة في سنة الاستطاعة، لاينعقد نذره لاختصاص زمانالوفاء بالنذر بالحج الواجب من قبل.
ويلاحظ عليه:
أولًا: لايخفى أنّه قد قام الدليل في شهر رمضانعلى عدم كونه قابلًالصوم غيره، ولميقم في الحج مثل ذلك الدليل، ومجرد كون الوجوب فورياً، لايستلزم عدم القابلية و عدم صلاحية وقوع حج آخر في هذا الزمان، وإلايلزم أنيكون كذلك في مسألة الصلاة، وإزالة النجاسة من المسجد، لأنّالمفروض فيها كون وجوب الإزالة فورياً، فالفورية أمر وعدم القابلية أمر آخر. (2)فلو عصى المكلف وترك الإزالة وقام بالصلاة في نفس الوقت، فصلاته تقع صحيحة على الترتب.
ثانياً: من ترك الصيام في شهر رمضانعصياناً أو بعذر شرعي فليقضه في أيام أخر، لكن موسم الحج ليس كذلك، فمن ترك حجة الإسلام فيه في سنة الاستطاعة عصياناً، فليأته في سنة أخرى أداءاً لاقضاءاً؛ لأنّمعنى الفورية يقتضي إتيانالحج في أول أزمنة الإمكان، و لايقتضي اختصاص الزمانله دون غيره؛ وهكذا لو كانمقتضى الفورية في مسألة الإزالة والصلاة، للزم الفقهاء أنيفتوا بأنّمن ترك إزالة النجاسة من المسجد وقام بالصلاة فصلاته باطلة، مع أنّا نعلمأنّالفقهاء أكثرهم أفتوا بصحة الصلاة،
فيستظهر من ذلك أنّمعنى الفورية في إتيانالعمل يكون في أول أزمنة الإمكانفقط، لاتخصيص الزمانله دون غيره.
فالنتيجة أنّالتنظير المذكور بين صوم شهر رمضانوحجة الإسلام غير تام.
أولًا: لايعتبر في صحة النذر وانعقاده من ناحية المتعلق سوى التمكن من الإتيانبه في ظرف الوفاء والعمل، وكونه راجحاً في نفسه وفي نظر الشارع، وفي طاعة لله تبارك وتعالى، و لايعتبر عدم استلزامه لترك واجب أو فعل حرام، (1)بخلاف ما صرح به بعض الأعلام، و اعتبره في الرجحان، حيث قال: لايكفي مجرد الرجحانفي نفسه، بل لابدّ في الصحة من إضافة العمل إليه تعالى مع ملاحظة سائر الملزومات والمستلزمات، كأنلايكون العمل مستلزماً لترك واجب أو إتيانمحرم، وإلّافلايكون قابلًاللإضافة إليه سبحانه. (2)فإتيانالحج الندبي أو زيارة الإمام الحسين (ع) يوم عرفة راجح بالذات ولاشبهة فيه، وأمّا استلزامه ترك واجب أو فعل حرام لايسلب الرجحانالذاتي عنه، ولايجعله مرجوحاً تاماً، بل يوجب مرجوحيةً عرضيةً، وهذا لايخل بالنذر وانعقاده أبداً.
وأمّا نذر المستطيع الذي يكون غير مشروع، أو نذر معصية، فغير تام؛ لأنّالناذر يقصد إتيانعمل راجح في الذات ومحبوب في نفسه عند الشارع، ولايريد أنينذر ترك واجب (حجة الإسلام)، وإناستلزم النذر والوفاء به ترك ذلك الواجب.
أمّا إذا صدر النذر مستكملًاللشروط، وكانمتعلّق النذر راجحاً، و لايعتبر فيه عدم استلزامه ترك واجب أو فعل حرام، فليس هناك دليل على عدم انعقاد النذر.
وثانياً: لو زالت الاستطاعة قبل موسم الحج، سقط وجوب الحج عنه؛ لأنّبقاء الاستطاعة إلى المناسك كحدوثه ضروري، و زوال الاستطاعة يكشف الستر من أنّه كانغير مستطيع في الواقع والحقيقة، وحسب نفسه مستطيعاً ولميعرف الواقع، لكن النذر بعد الزوال واجب الوفاء به ولميسقط.
الاستدلال على انعقاد النذر
أولًا: لامانع لصدور النذر من المستطيع، ولالانعقاده بأس؛ لأنّالزمانغير مختص بالحج، بحيث لايمكن أنيقع فيه عمل آخر.
ثانياً: أنّاعتبار الرجحانالذاتي في متعلق النذر أيضاً تام، و لايعتبر فيه عدم استلزامه لترك واجب أو فعل حرام، كما مضى بيانه؛ فنذر المستطيع غير حجة الإسلام صحيح، وينعقد نذره بلاإشكال.
لامجال للإشكال في الصحة والانعقاد في صورة الزوال؛ لأنّه مع زوال الاستطاعة يُعلمعدم وجوب حجة الإسلام، وأنّالظرف قابل لوقوع غيرها فيه، وبالجملة فإنّشروط الصحة لانعقاد النذر كلها موجودة في هذا الفرض، غاية الأمر عدم العلمبها، بل ربما كانمقتضى الاستصحاب خلافها، إلّاأنّه مع تحقق الزوال يُعلمبتحققها وبطلانالاستصحاب؛ فلو علمأنّه غير مستطيع، فلاينبغي المناقشة في صحة النذر وانعقاده، (1)وعلى الناذر أنيقوم بالعمل وفقاً لما نذر.
وأمّا صورة بقاء الاستطاعة وعدم زوالها إلى وقت الوفاء بالنذر، فلاإشكال في انقعاد النذر، وإنحصل التزاحم بين النذر والحج، فنقول في بيانهذه الصورة:
إنّالحج واجب مستقل، ولايعتبر فيه عدم استلزامه لترك واجب أو فعل حرام زائداً على الاستطاعة المفسرة في النصوص، والمتمثلة في الاستطاعات الأربع (توفر المال للزاد والراحلة، تخلية السرب، صحة البدن) كما أنّمتعلق النذر كالحج الندبي أو زيارة الإمام الحسين (ع) يوم عرفة راجح بالذات، ومقدور للناذر ولو في ظرف وجوب حجة الإسلام و لايعتبر فيه- زائداً على التمكن من إتيانه ورجحانالمتعلق- عدم استلزامه لترك واجب أو فعل حرام؛ غاية الأمر، أنّدليل وجوب الوفاء بالنذر يكون مزاحماً لدليل وجوب حجة الإسلام، فالوفاء بالنذر واجب مهم، و إتيان حجةالإسلام بالنسبة إلى النذر واجب أهم؛ لأننا نعلم أنّ للحج موقعاً ممتازاً لايقاس به النذر.
ولما كانالمكلف لايقدر على امتثالهما في زمانواحد، مع أنّكل واحد منهما تام الملاك، ومقتضى الامتثال تقديم الأهم على المهم على الترتب المعروف، وهو يقتضي أنيقوم المكلف بإتيانالحج أولًافي سنة الاستطاعة، ثم إتيانالمنذور في السنة الثانية قضاءاً.
وعليه، لايقال: لو كانرفع التزاحم وتقديم الحج على النذر من باب الترتب، فيرد عليه إشكال مهم، وهو أنّفي التزاحم أمرين: أمر بالمهم و هو مثل أقم الصلاة؛ وأمر بالأهم، وهو مثل أزل النجاسة عن المسجد؛ فإذا لميقدر المكلف على امتثالهما في زمانواحد، مع علمه بأنّالإزالة أهمّ من الصلاة ولكل منهما ملاك العمل والإمتثال، لكنّ الفورية مع الإزالة لأهميتها؛ فلابدّ من التصرف في دليل المهم، كما لو قيل: أيّها المكلف إنعصيت الإزالة أو بنيت على ترك الإزالة، فأقم الصلاة.
وأمّا فيما نحن فيه، فلابدّ من ملاحظة صيغة النذر ومفاده، ومراد الناذر، فلو وجدنا أنّالنذر وصيغته لايرى فيها التعليق ولاالتقييد، فكيف يمكن أننلاحظ أمر المهم في طول الأمر بالأهم؟!
لأنا نقول:
1) الفاضل اللنكراني، محمد، تفصيل الشريعة، كتاب الحج 473: 2- 474 بتصرف.
أولًا: أنّاللازم في باب التزاحم ملاحظة نفس التكليفين من جهة إمكانامتثالهما في زمانواحد، وعدم قدرة المكلف على الجمع بينهما، ولامجال لملاحظة المنشإ والموجب لثبوت التكليف.
ثانياً: أنّالتصرف في دليل الأمر بالمهم نابع من حكم العقل في رفع التزاحم، فلو لم يكن في صيغة النذر تعليق ولاتقييد؛ وكذلك هو الواقع في دليل الأمر بالمهم في أوامر الشارع؛ وأمّا حكم العقل في الامتثال للأمرين (الإزالة وإقامة الصلاة)، فلعلاج التزاحم ورفعه.
*** 5- تزاحم الحج و النكاح
تحرير المسألة:
إذا تزاحم الحج مع النكاح، وذلك إذا كانعند الإنسانأموالٌ تكفي إمّا لمصارف الحج فقط وإمّا لمصارف التزويج، بحيث لوحج لم يبق لمصارف النكاح مايكفيه، ولو تزوج بها لميبق لمصارف الحج ما يكفيه، فأيّهما مقدم عند التزاحم؟
تصوروا للمسألة- بملاحظة القيود والحالات- أربعة فروض، هي:
الأول: لوحج وترك النكاح لايكون ترك النكاح موجباً للمشقة، و لاحدوث مرض، و لا الوقوع في الزنا، لكنه يوجس من نفسه حاجة إلى النكاح.
الثانى: لو ترك النكاح لأوقع نفسه في مشقة تبلغ حد الحرج.
الثالث: أنّترك النكاح يوجب حدوث مرض.
الرابع: لو علمأنّه لو ترك النكاح لوقع في المحرمات من النظر إلى ما يحرم، أو ارتكاب عمل قبيح وفاحشة مبينة اختياراً.
كلمات الفقهاء فى النكاح:
قال الشيخ الطوسي: إذا وجد الزاد والراحلة، ولزمه فرض الحج، ولازوجة له، بدأ بالحج دون النكاح، سواء خشي العنت أو لميخش.
وقال الأوزاعي: إنخشي العنت فالنكاح أولى، وإنلميخف العنت فالحج أولى.
و قال أصحاب الشافعي: ليس لنا فيها نص، غير أنّالذي قاله الأوزاعي قريب. (1)قال المحقق الحلي: ولو كانمعه قدر ما يحج به، فنازعته نفسه إلى النكاح، لميجز صرفه في النكاح، وإنشق تركه. (2)قال صاحب المدارك: ولو حصل له من ترك النكاح ضرر شديد لايتحمل مثله في العادة، أو خشي منه حدوث مرض، أو الوقوع في الزنا، قدّم النكاح كما صرح به العلامة في المنتهى. (3)
قال البحراني: لو كانذا مال تحصل به الاستطاعة، فنازعته نفسه إلى النكاح، لميجز صرفه في النكاح، وإنشق عليه وحصل له العنت، بل الواجب صرفه في الحج. (1)قال صاحب الجواهر: في محكي التحرير أما لو حصلت المشقة العظيمة، فالوجه عندي تقدم النكاح، ونحوه في الدروس ومحكي المنتهى، بل في المدارك عنه تقديمه في المشقة العظيمة، التي لاتتحمل مثلها في العادة، وفي الخوف من حدوث مرض أو الوقوع في الزنا، وهو جيّد. (2)قال السيد اليزدي في العروة الوثقى: إذا كانعنده مقدار ما يكفيه للحج، ونازعته نفسه إلى النكاح، صرح جماعة بوجوب الحج وتقديمه على التزويج، بل قال بعضهم: وإنشق عليه ترك التزويج، والأقوى- وفاقاً لجماعة أخرى- عدم وجوبه، مع كون ترك التزويج حرجاً عليه، أو موجباً لحدوث مرض، أو للوقوع في الزنا و نحوه. (3)قال الإمام الخميني في تحرير الوسيلة: لو كانعنده ما يكفيه للحج، ونازعته نفسه للنكاح، جاز صرفه فيه بشرط كونه ضرورياً بالنسبة إليه، إمّا لكون تركه مشقة عليه، أو موجباً لضرر، أو موجباً لخوف في وقوع الحرام، أو تركه نقصاً ومهانةً عليه. (4)قال الشيخ السبحاني: والظاهر هو تقديم النكاح عند الحاجة إليه؛ لماعرفت من أنّالملاك في الاستطاعة عدم الحاجة إلى ما يحتاج إليه في الحضر، فيقدم النكاح مطلقاً. (5)فتلخص من كلمات الفقهاء، أنّالأقوال في تزاحم الحج مع النكاح ثلاثة:
الأول: تقديم الحج على النكاح مطلقاً.
الثانى: تقديم النكاح على الحج مطلقاً.
الثالث: تفصيل بين تقديم النكاح على الحج إذا كانالنكاح بالنسبة إليه ضرورياً، إمّا لكون تركه مشقة وحرجاً عليه، أو موجباً لضرر وحدوث مرض، أو موجباً للخوف في وقوع الحرام، أو كانتركه نقصاً ومهانةً عليه.
وأمّا إذا لميكن النكاح بالنسبة إليه ضرورياً، فالحج مقدم على النكاح.
القول الأول: تقديم الحج على النكاح مطلقاً
استُدل لتقديم الحج على النكاح مطلقاً بأمرين:
الأول: الحج فرض علىالفور، والنكاح سنة ومستحب، والنكاح المستحب لايعارض الحج الواجب، فالحج مقدم على النكاح عند التزاحم.
الثانى: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن إسحاق بن عمار، عن أبي إبراهيم (ع) قال: «قلت له: رجل كانعليه حجة الإسلام فأراد أنيحج، فقيل له: تزوج ثم حج، فقال: إنتزوجت قبل أنأحج فغلامي حرّ، فتزوج قبل أنيحج فقال: أعتق غلامه ... والحج أحق من التزويج وأوجب عليه من التزويج ..». (1)الثالث: اطلاق الآية الشريفة: (وَ للهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا).
تشمل واجد الزاد والراحلة مع الرغبة إلى النكاح، فعليه اتيانالحج؛ و أما المنازعة إلى النكاح لايخرجه عن الاستطاعة الشرعية.
لايخفى ما في هذه الرواية من اختلاف المبنى، بحيث لو قلنا بالاستطاعة الشرعية، فهذا الاستدلال تام والحج مقدم على النكاح، وأمّا لو قلنا بالاستطاعة العرفية، لانعكست النتيجة بما تقتضيه الاستطاعة العرفية، كما سيأتي في الاستدلال على القول المختار.
لايقال: قد يكون في ترك النكاح مشقة عظيمة أو مظنة للوقوع في الحرام.
وقاعدة لاحرج تخصِّص تقديم الحج بما إذا لو يوجب المشقة، فإذا حصلت المشقة العظيمة أو الشديدة، تقدم النكاح على الحج، وهذا مقتضى حكومة قاعدة العسر والحرج للأُصول كلها؛ لأنّه يمكن أنيقال:
إنّالمشقة العظيمة غير مانعة من وجوب الحج؛ لأنّالحج أيضاً فيه مشقة عظيمة، فلا يمكن أنتعارضها مشقة عظيمة أخرى، وعلى فرض المعارضة يقدم وجوب الحج؛ لأهميته في الإسلام، وكذا فيما إذا خاف الوقوع في الحرام. (2)فتحصّل:
أولًا: أنّموقعية الحج أعلى في الإسلام، وليس النكاح أنيعارض الحج.
ثانياً: أنّقاعدة العسر والحرج لاتقدر أنتخصِّص فيما عرض على ترك النكاح مشقة عظيمة؛ لأنّفي إتيانالحج أيضاً مشقة عظيمة، فالحج مقدّم على النكاح في كل الحالات والموارد مطلقاً.
تذييل:
بناءاً على هذا القول: مَن أقدم على النكاح، مع ما فيه مصارف كثيرة، تبلغ الآلاف، ولميقم بالحج قبل النكاح، فقد استقر عليه الحج، فلابدّ أنيحج ولو متسكعاً، واليوم هذا حال أكثر الناس إنلميكن كلهم.
القول الثانى: تقديم النكاح على الحج مطلقاً
إنّالآية الشريفة:
وَ للهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، تصرح بأنّالحج واجب مشروط بالاستطاعة، والاستطاعة يراد منها على ما هو محقق في محله أنّها استطاعة عرفية، وهي تتحقق للإنسانإذا قام برفع حاجاته الاقتصادية والنفسية في الحضر، والذي يوجس في نفسه حاجة إلى الزواج مع توفر المال بقدر مصارف النكاح أو الحج فقط، فهو لايعتبر عند العرف مستطيعاً؛ لأنّه كالذي يريد السفر و لايستطيع تهيئة ما يحتاج إليه اقتصادياً أو نفسياً في الحضر، فهذا لايستطيع السفر بحال من الأحوال؛ وكذا الحال في مورد بحثنا، فهو مادام لميتوفر عنده إضافةً إلى مصارف النكاح ما يكفيه للحج، فليس بمستطيع عرفاً؛ إذن، فالنكاح مقدم على الحج في التزاحم مطلقاً.
بعبارة أخرى: أنّالقول بالاستطاعة الشرعية، وترجيح الحج على النكاح؛ لصدق الاستطاعة على من عنده القدرة المالية إما للحج أو للنكاح فقط، ثم إخراج موارد حصول المشقة أو مظنة الوقوع في الحرام، ترجع إلى التخصيص وحكومة قاعدة العسر والحرج، لكنّ القول بالاستطاعة العرفية، وترجيح النكاح على الحج في عامة الموارد، ترجع إلى التخصص؛ لأنّالنكاح يعتبر من الحاجات الطبيعية للإنسان، وهو من الحاجات الأولية ومقدم على الحج المشروط بالاستطاعة العرفية.
بناءاً على هذا، إذا تزاحم الحج مع النكاح تقدم النكاح على الحج في عامة الموارد؛ لأنّالحاجة لها مراتب قد يكون تركها موجباً للمرض والحرج والمشقة، وقد يكون في تركها مظنة الوقوع في الحرام، وقد يكون عنده حاجة نفسية إلى النكاح من دون هذه الفروض، فالنكاح مقدم على الحج مطلقاً، و في كل الفروض الأربعة المذكورة في تقرير المسألة.
وبعض الفقهاء اعتبر الملاك في استثناء ضروريات المعاش؛ الحاجة، وجعل منها فرسه أو سيارة ركوبه، وسائر ما يحتاج إليه بحسب حاله وزيّه وشرفه، ولميعتبر الحاجة الفعلية النفسية والجنسية حاجة، حيث قال: لايجوز صرف المال في النكاح دون الحج، إلّاإذا كانالتزويج بالنسبة إليه ضرورياً، إمّا لكون تركه مشقة عليه أو موجباً لضرر و .... (1)وقد استشكل بعض الأعلام على تقديم النكاح على الحج قائلًا: إنّمجرد العلمبالوقوع في الحرام اختياراً لايكون مجوزاً لترك الحج؛ لعدم استناده إلى الحج، بل إنّما يرتكبه بسوء الاختيار، واللازم عليه تركه، و لاينافي ذلك كونه مكلفاً بإتيانالحج.
وبعبارة أخرى: يلزم على المكلف أمران: ترك الزنا و إتيان الحج، ومجرد العلم بإتيان الزنا اختياراً لايوجب سقوط الحج، بل يجب عليه الحج كما يحرم عليه الزنا، ونظير المقام ما لو علمالحاج أنّه لو صرف ماله في طريق الحج لسرق من أموال المسلمين ليتدارك ما صرفه من أمواله، و لايتوهم أحد سقوط الحج في مثل ذلك... (2)وفي هذا نظر:
أولًا: أنّالنكاح شُرّع لأجل صيانة النفس من الوقوع في الحرام، حيث قال سبحانه: وَمِنْ آياتِهِ أنخَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها. (1)أي أنّالنكاح يوجب حصول السكينة للنفس، وهذا يدل على صيانة النفس بالإيماء والإشارة.
وقال سبحانه أيضاً:
وَأَنْكِحُوا الأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إنيَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ* وَ لْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لايَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ. (2)هذه الآية تصرّح بأنّالنكاح يوجب صيانة النفس عن الوقوع في الحرام، وهذا ما يسمى العفة، وهي تترتب على النكاح عادةً، وأمّا الذين لايجدون نكاحاً فليستعففوا وهو أمر على الأيامى في حالة العزوبة، وعليه يختلف الجزاء إذا ارتكب الإنسانأمراً خلاف العفة بما يقتضي حاله، بحيث لو كانمتزوجاً فإنّالعقوبة تكون شديدة، كما روى أبو بصير عن أبي عبدالله (ع)، قال: «الرجم حدّ الله الأكبر، والجلد حدّ الله الأصغر، فإذا زنى الرجل المحصن رُجم، ولم يجلد». (3)وأمّا إذا لميكن متزوجاً كانت العقوبة أخفّ بما يناسب عزوبته؛ لقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ. (4)ولرواية سماعة عن أبي عبدالله (ع)، قال: «الحر والحرة إذا زنيا جلد كل واحد منهما مأة جلدة، فأمّا المحصن والمحصنة فعليهما الرجم». (5)إذن، فهنا حاجتان: إحداهما شرعية: وهي صرف المال في الحج.
والأُخرى نفسية وطبيعية: وهي صرف المال في النكاح، وهو متعين؛ لأنه يجب الحج بعد رفع حاجاته الأولية في الحضر.
ثانياً: أنّالتنظير ليس في محله؛ لأنّالسرقة ليست من لوازم صرف المال في الحج، كما أنّترك النكاح لمن ليس عنده إلّاما يكفي أحدهما من الحج والنكاح، من لوازم الحج، بل السرقة حالة طارئة شخصية، فلامعنى لترك الحج خوفاً من الوقوع في السرقة. (6)القول الثالث: هو القول بالتفصيل
استُدل على القول بالتفصيل (تقديم الحج على النكاح في بعض الموارد) بالأدلة المذكورة في القول الأول، أي تقديم الحج على النكاح بقول مطلق، إلاأنّهم ناقشوا في تطبيق بعض الموارد؛ لشمول قاعدة
العسر والحرج والضرر أو عدم شمولها؛ لايخفى أنّالبحث في القاعدة متفرع على أننتخذ في مفاد الاستطاعة المبنى المشهور، وهو الاستطاعة الشرعية المتمثلة في الزاد والراحلة؛ وأمّا لو قلنا بأنّالمراد من الاستطاعة هي الاستطاعة العرفية، فلاتصل النوبة إلى جري القاعدة.
وبناءاً على الاستطاعة الشرعية نقول:
إنّقاعدة العسر والحرج والضرر؛ كل قاعدة منها تخرج مورداً من الموارد المذكورة إذا كانترك النكاح موجباً لحصول المشقة، أو حدوث مرض، أو مظنة الوقوع في الحرام؛ فالحج مقدم على النكاح في التزاحم إلّافيما تحكم القاعدة عليه بعد صدق الاستطاعة، بحيث إنّواجد الزاد والراحلة مع الحاجة إلى النكاح مستطيع يجب عليه الحج، لكن إذا كانإتيانالحج وترك النكاح سبباً للمشقة العظيمة تقدَّم النكاح، وقاعدة العسر والحرج تكون حاكمة هنا، وهكذا قاعدة لاضرر فيما إذا أوجب ترك النكاح حدوث مرض.
وأمّا ما قيل: من أنّجري القاعدة على المقام غير صحيح؛ لأنّالقاعدة تنفي كل حكم حرجي إذا كانالمتعلق (وهو في المقام الحج) حرجياً، وحيث إنّالحج لايكون حرجياً، بل هو مستلزم لأمر حرجي، فلامورد للقاعدة، بل إطلاقات أدلة وجوب الحج قابلة للتمسك والاستدلال، غير تامة؛ وذلك لأنّالبحث في جري القاعدة هاهنا يرجع إلى المبنى في مفاد القاعدة، وعلى ما هو التحقيق، فإنّالقاعدة تنفي كل موضوع حرجي في المأمور به، وكل حكم استلزم الحرج، وهو هنا تقديم الحج على النكاح مع ما في تركه من مشقة عظيمة، وهو استلزام الحرج؛ فالقاعدة تنفي حكم وجوب الحج الذي يستلزم المشقة، فجرى القاعدة في مورده. (1)وما قيل أيضاً: إنّالمشقة العظيمة غير مانعة من وجوب الحج؛ لأنّالحج أيضاً فيه مشقة عظيمة، فلايمكن أنيعارضها مشقة عظيمة أخرى، هو قول غير تام؛ لأنّالمشقة الموجودة في الحج ناشئة من نفس العمل وكيفية أدائه وإتيانه.
وبعبارة أخرى: أنّبعض الأعمال والواجبات متقوم على المشقة أو الضرر كالحج والخمس والزكاة وقاعدة العسر والحرج والضرر لاتنفي هذه الطبيعة، وإلّافلايكون الحج واجباً لما فيه من مشقة عظيمة، وكذا الخمس والزكاة لما فيهما من الضرر بالمالك، بل القاعدة تنفي المشقة التي لاتحتمل عادةً، ولايتقوم ذات العمل بها، أو تنفي ما يلازم الواجب من مشقة وضرر خارج عن نفس العمل؛ فالمشقة التي تتحقق في الحج لاتأتي من قبل الحكم، ولامما يلازم الحكم، فهي لاتعارض مشقة أخرى تأتي من قبل الحكم و هي التي تنفيها القاعدة.
منشأ اختلاف الأقوال فى المسألة:
ليس في مسألة التزاحم بين الحج والنكاح نصّ و لارواية، فلابدّ أنيُستنبط الحكم من الأدلة العامة في الحج أو النكاح.
1) الروحاني، محمد صادق، فقه الصادق 49: 9، بتصرف منا.
إنّالفقهاء القدماء نظروا إلى النكاح من جانب الحكم بأنه سنة ومستحب، فافتوا بتقديم الحج عليه، ولعلهم استفادوا هذا الاستنباط مما رُوي عن الإمام الصادق (ع) في ردّ فتوىً لأبي حنيفة والرواية هي:
روى الشيخ في التهذيب عن معاوية بن عمار قال: إنامرأةً هلكت، فأوصت بثلثها يُتصدق به عنها، ويُحج عنها، ويُعتق عنها، فلميسع المال ذلك؛ فسألت أباحنيفة وسفيانالثوري، فقال كل واحد منهما: أنظر إلى رجل قد حج فُقطع به فيقوى، ورجل قد سعي في فكاك رقبته فيبقى عليه شيء فيُعتق، ويُتصدق بالبقية؛ فأعجبني هذا القول، وقلت للقوم- يعني أهل المرأة-: إنّي قد سألت لكم، فتريدون أنأسأل لكم من هو أوثق من هؤلاء؟
قالوا: نعم، فسألت أبا عبدالله (ع) عن ذلك.
فقال: «إبدأ بالحج، فإنّالحج فريضة، فما بقي فضعه في النوافل».
قال: فأتيت أباحنيفة فقلت: إنّي قد سألت فلاناً فقال لي كذا وكذا، قال: هذا والله الحق، وأخذ به وألقى هذه المسألة على أصحابه، وقعدت لحاجة لي بعد انصرافه، فسمعتهم يتطارحونها، فقال بعضهم بقول أبي حنيفة الأول فخطّأه من كانسمع هذا، وقال: سمعت هذا من أبي حنيفة منذ عشرين سنة. (1)ثم حذا حذوهم من جاء بعدهم من الفقهاء غالباً، إلّاأنّهناك ملاكاً آخر وهو أصيل في الحج، وهو معرفة حاجات الإنسانبماهي حاجة، والتي لها مراتب لايصل كلها إلى حدّ الضرورة كي يكون رفعها واجباً، بل كثير منها دون الضرورة، لكنها مورد حاجة، والعرف يرى تمكن الإنسانمن الحج بعد ما يرفع حاجاته اليومية، وهذا هو مفاد الاستطاعة العرفية.
*** 6- الحج و حق الزوج
لو كانت الزوجة مستطيعة وأرادت أنتحج، فلابدّ من السفر والخروج من البيت، لكنّ الزوج إمّا يأذن لها وإمّا لايأذن؛ وفي الصورة الثانية مضافاً إلى عدم الإذن قد يمنعها من الحج، فهل يُشترط إذن الزوج في حجة الإسلام والحج النذري؟
كلمات الفقهاء:
قال الشيخ الطوسي في الخلاف: ليس للرجل أنيمنع زوجته الحرة من حجة الإسلام إذا وجبت عليها. (2)
قال المحقق: لايصح حجها تطوعاً إلّابإذن زوجها؛ نعم، لها ذلك في الواجب. (1)قال العلامة في التذ كرة: لايجوز للرجل منع زوجته الموسرة من حجة الإسلام إذا حصلت الشرائط عند علمائنا. (2)قال السيد الطباطبائي اليزدي: لايُشترط إذن الزوج للزوجة في الحج إذا كانت مستطيعة، ولايجوز له منعها منه.
قال المحقق النراقي: المسألة الثانية عشرة: لايُشترط إذن الزوج للزوجة في الحج الواجب بلاخلاف يوجد؛ للأصل والعمومات المستفيضة. (3)البحث في المسألة يشتمل على فرعين:
الفرع الأول:
هل يشترط إذن الزوج للزوجة في حجة الإسلام إذا كانت مستطيعة أم لا؟
أدلة وجوب الاستئذان:
إنّخروج الزوجة من البيت لابدّ أنيكون باستئذانمن الزوج مطلقاً، وذلك يدل عليه الكتاب في قوله تعالى: وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لاتَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الأُولى. (4)وأمّا من السنة فروايات عدّة، منها: صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (ع)، قال: «جاءت امرأة إلى النبي (ص) فقالت: يا رسول الله! ما حق الزوج على المرأة؟
فقال لها: أنتطيعه و لاتعصيه، و لاتصدق من بيته إلّابإذنه، و لاتصوم تطوعاً إلّابإذنه، و لاتمنعه نفسها وإنكانت على ظهر قتب، و لاتخرج من بيتها إلّابإذنه، و إنخرجت بغير إذنه لعنتها ملائكة السماء، وملائكة الأرض، وملائكة الغضب، وملائكة الرحمة حتى ترجع إلى بيتها». (5)ومنها: رواية السكوني، عن أبي عبدالله (ع)، قال: «قال رسول الله (ص): أيّما امرأة خرجت من بيتها بغير إذن زوجها، فلانفقة لها حتى ترجع». (6)ومنها: صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه، قال: «سألته عن المرأة ألها أنتخرج بغير إذن زوجها؟ قال: لا». (7)
1) النجفي، جواهر الكلام 332: 17، في المتن.
2) العلامة الحلي، تذكرة الفقهاء 86: 7، المسألة 59.
3) النراقي، أحمد، مستند الشيعة 91: 11.
4) الأحزاب: 33.
5) الوسائل 111: 14، الباب 79 من أبواب آداب النكاح، ح 1.
6) الوسائل 229: 15، الباب 6 من أبواب النفقات، ح 1.
7) الوسائل 112: 14، الباب 79 من أبواب آداب النكاح، ح 5.
فتحصّل من النصوص المذكورة أنّخروج الزوجة من البيت من دون إذن محرّم عليها، وموجب لسقوط النفقة لها، فالاستئذان للخروج واجب على الزوجة، بل من وظيفتها.
إنّ الأدلة في الدلالة على اشتراط الاستئذان للزوجة إذا أرادت أن تخرج من البيت مطلقة، ويمكن تقييدها بقسمين: قسم عام، وقسم خاص وارد في الحج.
القسم الأول:
يمكن الاستدلال لتقييد الإطلاقات المذكورة بحديث معروف عن رسولالله (ص) حيث قال: «لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق». (1)رُوي هذا الحديث في العديد من مصادر أهل السنة والشيعة، ويلاحظ أنّمنطوقه آئب عن التخصيص؛ لأنّالنكرة في سياق النفي (لاطاعة) تفيد العموم، هذامن جانب؛ ومن جانب آخر فالحديث حاكم علىالأدلة التي تثبت الطاعة للبعض، بمعنى أنّطاعة المخلوق لو لم تنته إلى عمل فيه معصية للخالق، فهو عمل صحيح، وأمضاه الشارع لما فيه من مصلحة المجتمع؛ أمّا إذا استلزمت طاعة المخلوق معصية الخالق أو ترك طاعة الخالق، فلايجوز إطاعته وفق مفاد هذا الحديث؛ ويمكن الاستدلال بهذا الحديث على عدم اشتراط الاستئذانفي حجة الإسلام بما يلي:
أولًا: أنّحجةالإسلام واجبة لمن استطاع إليها سبيلًا، ويعتبر إتيان الحج طاعة لله تعالى.
ثانياً: أنّخروج الزوجة من البيت بغير إذن زوجها حرام، وعدم خروج الزوجة من البيت طاعة للزوج، لكنها توجب ترك حجة الإسلام (طاعة الخالق)، وهي معصية للخالق، فلاطاعة للزوج في ترك حجة الإسلام.
فتحصّل أنّه لو لميأذن الزوج لزوجته المستطيعة في السفر إلى الحج، أو نهاها عن السفر؛ لاستلزم نهيه ترك الحج الواجب، وهو معصية، فلااعتبار هنا لطاعة الزوج، ولااستئذانه؛ وعليه، فلايشترط إذن الزوج في حجةالإسلام.
لايقال: إنّالاستدلال به في حجة الإسلام إنّما يتم فيما لو استقر الحج في ذمتها، وأمّا إذا لميستقر، فسيكون نهي الزوج مانعاً عن تحقق الاستطاعة، فلاموضوع لمعصية الخالق؛ وأمّا في غير حجة الإسلام من الحج النذري وغيره ممّا استقر في ذمتها، فلامانع من هذاالاستدلال به فيه. (2)لأنّا نقول:
أولًا: عدم الشمول لحجة الإسلام مبني على اعتبار أمر زائد على الاستطاعة العرفية، التي تتمثل في الاستطاعات المعروفة الأربع، وهو عدم استلزام فعل حرام أو ترك واجب، ونحن قد صرّحنا مراراً أنّالاستطاعة المعتبرة في الحج ليست إلّاالاستطاعات المفسرة في الروايات، ولميؤخذ فيها عدم استلزام فعل حرام أو ترك واجب كقيد لتحقق الاستطاعة.
ثانياً: أنّما جاء في الروايات الخاصة الواردة في عدم اشتراط الاستئذانشامل للحج المستقر و غير المستقر أيضاً كقوله (ع): «لاطاعة له عليها في حجة الإسلام».
فعبارة" حجة الإسلام" عامة شاملة لهما، ولااختصاص له بالحج المستقر، مضافاً إلى إطلاق السؤال وترك التفصيل في الجواب، فلامجال للمناقشة فيها كما سيأتي متن الروايات قريباً.
القسم الثانى:
هناك روايات تبيّن أنّطاعة الزوجة للزوج وإنكانمسلّماً ومفروغاً عنه، لاسيما فيما يوجب الخروج من البيت، لكنه لواستلزم ترك واجب كحجة الإسلام فلايجوز طاعته.
هذا بيانمصداق لما مضى في القسم الأول من تحقق المعصية في طاعة المخلوق، وهو إطاعة الزوجة لزوجها في ترك حجة الإسلام التي هي واجبة عليها، وإطاعة الزوج هنا تستلزم المعصية، وهي ترك حجة الإسلام التي قيل لتاركها: «مت يهودياً أو نصرانياً».
ومن تلك الروايات:
قال: «لاطاعة له عليها في حجة الإسلام». (1)2. صحيحة معاوية بن وهب، قال: قلت لأبي عبد الله (ع): امرأة لها زوج، فأبى أنيأذن لها في الحج ولمتحج حجة الإسلام، فغاب عنها زوجها وقد نهاها أنتحج. فقال: «لاطاعة له عليها في حجة الإسلام ولاكرامة، لتحج إنشاءت». (2)3. صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع)، قال: سألته عن امرأة لها زوج، وهي صرورة، و لايأذن لها في الحج.
قال: «تحج إنلميأذن لها». (3)4. سئل الإمام الصادق (ع) عن المرأة تجب عليها حجة الإسلام يمنعها زوجها من ذلك، أعليها الامتناع؟
فقال (ع): «ليس للزوج منعها من حجة الإسلام، وإنخالفته وخرجت لميكن عليها حرج». (4)وعلى حسب مفاد هذه الروايات المستفيضة فإنّإتيانحجة الإسلام من قبل الزوجة، والذي يستدعي خروجها من البيت لاتحتاج فيه إلى استئذان، بل لو نهاها عن الخروج والسفر عن إتيانالحج، فلاتعتني بنهيه ومنعه، وتحج من دون إذنه.
الفرع الثانى:
هل يشترط إذن الزوج للزوجة في الحج النذري؟
لو كانالحج واجباً بالنذر على الزوجة في سنة معينة، وجامعاً لشرائط الصحة في الانعقاد، إمّا أنها كانت مأذونة في النذر، أو كانالنذر متقدماً على عقد الزواج، هل يشترط فيه إذن الزوج أم لا؟
قد ألحق بعض الفقهاء، (1)الحج النذري بحجة الإسلام، مستدلًابأمور:
وقد وقعت المناقشة في هذا الاستدلال بما يلي:
أولًا: أنّإلغاء الخصوصية في الأقوى كحجة الإسلام كما ورد في النصوص الصحيحة، لايكون دليلًاعلى إلغائها في الأضعف، بحيث إنّحجةالإسلام هي الفرد الأقوى من الحجج، وهي لاتجب على الإنسانطيلة عمره إلّامرة واحدة، لكن سائر الحجج لاينال منزلة حجةالإسلام، فالأقوائية في حجةالإسلام تنفي إلغاء الخصوصية من الأضعف. (2)ثانياً: بعد ما كانت حجةالإسلام لها خصوصية من جهة الأهمية، التي يكشف عنها التعبير بالكفر في مورد تركه في الآية الشريفة، و كون تاركه يموت يهودياً أو نصرانياً في الروايات، فلامجال لإلغاء الخصوصية عنها؛ لاحتمال كون الاهتمام بها موجباً لإلغاء اشتراط إذن الزوج، ومن الواضح عدم ثبوته في مثل الحج النذري كما لايخفى. (3)ثالثاً: النصوص الواردة في المقام موردها حجةالإسلام، والتعدي عن موردها وإلحاق غيرها بها يحتاج إلى الدليل ولادليل، فلابدّ من ملاحظة القواعد. (4)فتحصّل أنّإلغاء الخصوصية من تلك الروايات غيرتامة بما فيها من الأهمية والأقوائية لحجةالإسلام، و لايكون الحج الواجب الآخر بمكانة حجةالإسلام.
أولًا: أنّهذه المسألة لمتعنون في كتب القدماء، ولمينقل منهم رأي في هذا الموضوع، فكيف يكون إجماعياً؟ (5)ثانياً: يمكن أنيُستنبط الإجماع من إلحاق الحج الواجب بالنذر بحجةالإسلام، بما فيه أنّعدم اشتراط الإذن مورد وفاق بين الفقهاء، كذلك يكون عدم اشتراط الإذن في الواجب بالنذر إجماعياً لالتحاقه بها، وهذا
غير تام أيضاً، (1)لأنّالالتحاق بها أول الكلام ولميثبت صحته، فكيف يجرى حكم الملحق إلى الملحق به!؟ ولاأصالة له في المقام، مما يوجد فيه ما يمكن أنيُستدل به من الروايات، كإلغاء الخصوصية على ما عرفت، وكالرواية الآتية. فلايكون الإجماع على فرض تحققه دليلًامستقلًا؛ (2)لأنّه محتمل المدركية إنلميكن قطعياً، وهو غير حجة.
رُوي هذا الحديث بأسناد مختلفة عن الأئمة (عليهم السلام) وعن رسول الله (ص) كما مضى أنّه قال: «لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق». (3)إنّالبحث في الرواية يكون على نحوين:
النحو الأول في إرسالها:
إنّالرواية مرسلة سنداً، (4)لكنها معتبرة، لأنّها أولًامن جملة المرسلات التي أسند المرسل الرواية إلى الإمام (ع) بلفظ:" قال" من دون أنيكون التعبير بمثل:" قيل" أو" روي عنه".
هذا يكفي في اعتبار الرواية؛ لأنّذلك بمنزلة توثيق جميع الوسائط. (5)النحو الثاني في دلالتها:
إنّفي الاستدلال بالمرسلة المعتبرة لابدّ من دراسة موارد إطاعة المخلوق ومعصية الخالق.
ألف: ما هو المراد من إطاعة المخلوق في المرسلة؟
قيل: إنّإطاعة الزوجة والعبد إطاعة لله تعالى أولًا، ثم إطاعة للزوج والمولى ثانياً، وهذا في طول إطاعة الله سبحانه وتعالى بما أوجبه الله في الشريعة من قبل، وهي خارجة عن المرسلة؛ لأنّها ناظرة إلى ما لمتكن إطاعة المخلوق إطاعة لله تعالى أيضاً، فلوكانكذلك لما كانذلك إطاعة المخلوق، بل هي إطاعة لله تعالى بالأصالة، والمرسلة غير ناظرة إليه، وإلالكانمفاد المرسلة لاطاعة للخالق في معصية الخالق وهذا كما ترى. (6)يدفعه أنّه لادليل لحمل المرسلة على موارد الإطاعة غير الواجبة، و انحصار مفاد الرواية فيها بعد استناد الفقهاء إليها في موارد وجوب الإطاعة، مثل ما إذا أذن المولى لعبده في الحج، ثم رجع عن إذنه في أثناء الحج و في غيره فإنه لامعنى لأنتكون الإطاعة الكذائية مقدمة على إطاعة الخالق، أو ارتكاب
1) الفاضل اللنكراني، محمد، تفصيل الشريعة، كتاب الحج 322: 1.
2) المصدر السابق.
3) الوسايل، أبواب وجوب الحج، الباب 59، ح 7.
4) ابن أبي جمهور الأحسائي، محمد، عوالي اللئالي 444: 1؛ المغربي، دعائم الإسلام 350: 1؛ السيد الرضي، نهج البلاغة، رقم الحكمة 165.
5) الفاضل اللنكراني، محمد، تفصيل الشريعة، كتاب الحج 323: 1.
6) الخوانساري، أحمد، جامع المدارك 291: 2 العبارة و الايضاح منا.
معصية، بل الظاهر هي الإطاعة الواجبة مع قطع النظر عن معصية الخالق، فالمراد أنّه لاطاعة لمخلوق فيما تجب إطاعته في نفسه إذا كانت مستلزمة لمعصية الخالق. (1)هذا الدفع أيضاً غيرتام؛ وذلك كما أنّه لادليل لحمل المرسلة على موارد الإطاعة غير الواجبة، كما قال به صاحب المدارك، كذلك لادليل لحمل المرسلة على موارد الإطاعة الواجبة، كما هو ظاهر كلام صاحب تفصيل الشريعة؛ لأنّالنكرة في سياق النفي تفيد العموم، ولسانالرواية يأبى التخصيص، فحملها على موارد خاصة إمّا على الإطاعة الواجبة أو غيرالواجبة فقط يحتاج إلى دليل، و لادليل عليها؛ فالمراد منها- الرواية- أعم من الإطاعة الواجبة وغير الواجبة، مثل ما إذا دعا الإنسانرفيقه ليشرب الخمر مع أنّه طاعة غير واجبة، ومجرد دعاء وطلب من غير إلزام، فذلك يقال له: «لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق» أي إجابتك لما دعيت إليه طاعة للرفيق، ولكن فيه معصية للخالق، وهذا لايجوز.
فالإنصاف أنّالاستدلال لعدم اشتراط الإذن في الحج النذري بالمرسلة تام، لاخدشة و لاإشكال فيه.
ب: كيف تتحقق المعصية في النذر؟
قبل الجري وتطبيق المرسلة على موارد النذر لابدّ من تنقيح تحقق المعصية إذا ترك المنذور، فلهذا قيل: إنّا نشك في الموضوع بأنّه هل المنع عن إتيانالمنذور يُعدّ معصية للخالق هنا؛ لاحتمال شرطية إذن الزوج بعد إطلاق ما دلّ على حرمة خروج الزوجة من بيتها إلّاباذنه؟ (2)لامجال لهذا الشك بعد ما فرضنا أنّالنذر انعقد صحيحاً، والوفاء به واجب، وتركه يُعدّ معصية للخالق من دون ارتياب.
وقيل أيضاً: إنّما النذر الواجب يشترط الرجحانفي متعلقه في ظرف العمل، بمعنى أنّالنذر إنّما ينعقد ويجب الوفاء به إذا كانالمنذور راجحاً حين العمل؛ وأمّا لو كانمرجوحاً أو محرماً في نفسه، فلايجب الوفاء به، بل ينحل النذر ويقدم الواجب الآخر عليه، فإنّالعمل لابدّ أنيكون في نفسه راجحاً مع قطع النظر عن تعلق النذر به؛ وعليه، إذا فرضنا أنّخروج الزوجة من البيت من دون إذن الزوج محرم، فلاينعقد نذرها للحج المستلزم للخروج من البيت، (3)فلايكون هناك معصية للخالق، لفقد الرجحانفي متعلق النذر، و لاتنطبق عليها المرسلة أبداً.
فيه: أنّهذا القول والمناقشة في عدم تحقق المعصية للخالق غير تام؛ لأنّالنذر إذا انعقد باستجماعه لشرائط الصحة من الزوجة، فلانقاش في أصله، إلّاأنّاعتبار الرجحانفي متعلق النذر حين العمل أمر مسلملاشبهة فيه، لكن المنذور هنا هو الحج، وهو راجح في نفسه، إلّاأنّه يستلزم الخروج من البيت في ظرف الإتيانبه من دون إذن الزوج، وهو محرم كما في النصوص المعتبرة، لكنه هل يوجب سلب الرجحانية عن الحج وعروض المرجوحية عليه؟ كلّالايوجب؛ لأنّالمنذور هو الحج، وهو راجح ذاتاً، وأمّا الخروج عن البيت
بلاإذن فهو محرم، لكنه ليس هو المنذور كي لايكون راجحاً، واستلزام الحج الخروج من البيت لايجعله مرجوحاً، بل يقع التزاحم بين الحكمين، إذ إنّهاهنا تكليفين:
الأول: إتيانالمنذور وفاءاً بالنذر، وهو تكليف فعلي.
الثانى: الخروج من البيت من دون إذن محرم وهو أيضاً تكليف فعلي.
ثم إنّعدم الوفاء بالنذر وترك المنذور الراجح معصية للخالق، وعدم الخروج من البيت من دون إذن الزوج إطاعة للمخلوق في نفس الزمان، ورفع التزاحم جرياً وتطبيقاً للمرسلة على هذا المورد، بحيث إنّها اقتضت عدم ثبوت الطاعة للمخلوق في معصية الخالق، وهذا يفيد أنّاللازم تقديم وجوب الوفاء بالنذر على حرمة الخروج من البيت.
وبعبارة أخرى: أنّالحج الواجب بالنذر أمر راجح ذاتاً، وتركه يُعدّ معصية لله سبحانه وتعالى، والخروج من البيت من دون إذن الزوج محرم، فالزوجة لو أرادت أنتحج من دون إذن، وأتت بالحج الواجب تكون قد أطاعت وعصت في آنواحد، لخروجها من البيت؛ ولو أرادت أنتقعد في البيت وترك الحج تكون كذلك قد عصت وأطاعت؛ فالمرسلة تقول: إذا كانت إطاعة المخلوق (عدم الخروج من البيت بلاإذن) سبباً لتحقق المعصية لله سبحانه وتعالى (ترك الحج الواجب بالنذر) فلابدّ عند تزاحم الطاعتين، طاعة الخلق وطاعة الخالق، من تقديم طاعة الخالق على طاعة المخلوق جرياً للمرسلة وامتثالًالها.
بقي هنا أمرانفلابدّ من ملاحظتهما:
إنّالنكاح ينقسم حقيقة إلى قسمين؛ نكاح دوام، ونكاح انقطاع، وكذلك الزوجة دائمة كانت أو منقطعة، فإنها زوجة في كلتا الحالتين حقيقة.
وأما عدم ترتب بعض الأحكام على الزوجة المنقطعة، كالنفقة والتوارث على بعض الأقوال، لايوجب عدم كونها زوجة، بل هي زوجة حقيقة، ويترتب عليها أحكام الزوجية من حرمة خروجها من البيت، واشتراط الاستئذانفي السفر، إلّاماخرج بالدليل كما أشرنا إليه.
لايخفى أنّالعدة تنقسم إلى أقسام:
العدة الرجعية.
عدة الوفاة.
عدة البائنة.
الحج و الزوجة فى العدة الرجعية:
هل المطلقة الرجعية هي بحكم الزوجة تحتاج للخروج من البيت إلى الاستئذانمطلقاً، إلّاماخرج بالدليل، كالسفر إلى إتيانحجة الإسلام أم لا؟
كلمات الفقهاء:
قال الشيخ في الخلاف: يجوز للمرأة أنتخرج في حجةالإسلام وإنكانت معتدة أيّ عدة كانت. (1)قال المحقق: وكذا لو كانت في عدة رجعية؛ و أضاف صاحب الجواهر وعلل كلام المحقق، بأنّها بحكم الزوجة.
قال السيد اليزدي: المطلقة الرجعية كالزوجة في اشتراط إذن الزوج مادامت في العدة، بخلاف البائنة، والمسألة مورد وفاق بين الفقهاء، ولميُحك خلاف فيها.
المطلقة الرجعية زوجة حكماً:
يمكن الاستدلال على أنّالمطلقة الرجعية كالزوجة حكماً، ويترتب عليها ما يترتب على الزوجة، ومنها أنّه لايشترط إذن الزوج في حجةالإسلام كما مضى بيانه، وإليك الأدلة:
إلغاء الخصوصية من المطلقة الرجعية، بما أنّالمطلقة الرجعية زوجة، إلّاأنّالظاهر من الروايات الخاصة الواردة في عدم اشتراط إذن الزوج في حجةالإسلام للزوجة، انصرافها عن المطلقة الرجعية؛ لأنّالمتبادر منها إلى الذهن غير المطلقة، إلّاأنّدراسة الروايات الخاصة في العدة الرجعية يكشف الستر عن هذا الظهور، ويدفع الانصراف المذكور، ويأتي البيانقريباً.
الدليل العام الشامل لكل حج واجب هو المرسلة المعتبرة: «لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق»، يدل على عدم اشتراط الاستئذانفي المطلقة الرجعية في حجةالإسلام، بما شرحناه في تمامية الاستدلال بهذاالحديث.
الروايات الخاصة في المطلقة الرجعية هي على طوائف:
الأولى: ما تدلّ على أنّالمطلقة الرجعية لاتحج في عدتها، وهي صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (ع) حيث قال: «لاتحج المطلقة في عدتها». (2)إنّمقتضى الإطلاق في الرواية عدم الفرق بين حجةالإسلام وغيرها، وكذلك بين إذن الزوج وعدمه، كما أنّمقتضى إطلاقها عدم الفرق بين المطلقة الرجعية والمطلقة البائنة.
الثانية: تدل على أنّها تحج في العدة، وهي صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: «المطلقة تحجّ في عدتها». (3)هذا الحديث أيضاً ورد على الإطلاق، ويشمل جميع الحالات المذكورة في الطائفة السابقة من حجةالإسلام وغيرها، وعدة الرجعية والبائنة، وإذن الزوج وعدمه.
الثالثة: تدل على التفصيل، وهي مرسلة منصور بن حازم، قال: سألت أباعبدالله (ع) عن المطلقة، تحج في عدتها؟ قال (ع): «إنكانت صرورة حجّت في عدتها، وإنكانت حجّت، فلاتحج حتى تقضي عدتها». (4)
ولايخفي أنّالرواية مرسلة سنداً؛ لأنّأبا عبدالله البرقي رواها عمّن ذكره، عن منصور بن حازم، عن أبي عبدالله (ع).
وأمّا وصف بعض الفقهاء والمحققين الرواية بالصحة في كتبهم الفقهية، فهو غير تام، كما مضى، ولاوجه له أصلًا، فالرواية غير معتبرة لإرسالها، إلّاأنه قيل فيها: إنّخبر منصور بن حازم وإنكانضعيفاً سنداً للإرسال، ولكن التفصيل يستفاد من أدلة أخر، والتي دلّت على أنّحج الإسلام لايعتبر فيه إذن الزوج، و لاطاعة له على الزوجة؛ وأمّا الخروج من البيت لغير حج الإسلام فيعتبر فيه الإذن.
الرابعة: والتي تدل على أنّالمطلقة تحج في عدتها بإذن زوجها، وهي صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبدالله (ع) قال: سمعته يقول: «المطلقة تحج في عدتها إنطابت نفس زوجها». (1)إنّالتعبير في الروايات بالمطلقة في عدتها، وإنكانت على حسب ظهورها البدوي تشمل عدة البائنة، لكنها عند التدقيق فيها نجدها لاتشمل البائنة؛ لانقطاع عصمتها منه، وهي في العرف لاتُعدّ زوجة له؛ وعليه، لاتحتاج إلى الاستئذانمطلقاً، بل هي أشبه بالمعتدة عدة الوفاة، والتي يجوز لها الحج بلاإشكال في العدة، كما قال صاحب الجواهر. (2)بقي احتمال واحد من المطلقة وهي الرجعية، فالمطلقة في الروايات متعينة في الرجعية.
وأمّا المراد من الحج في الروايات المذكورة فهو إمّا حج واجب كحجةالإسلام والحج النذري، أو حج مندوب.
أمّا المراد من الحج فهو لايكون إلّاالحج الواجب؛ لأنّالحج الندبي لايجوز إلّامع الاستئذانمن الزوج كما صرّحوا به في الزوجة غير المطلقة، مع أنّالخروج من البيت محرم على المطلقة الرجعية أيضاً، والحج الندبي لايعارض حرمة الخروج، فحرمة الخروج من البيت متقدم على الحج الندبي، والحج الندبي لايجوز إلّامع الاستئذانكما أشارت إليه الطائفة الرابعة بعبارة: «المطلقة تحج في عدتها إنطابت نفس زوجها»، وكذا يحمل على الحج الندبي ما يدل على أنّالمطلقة لاتحج في عدتها، أي لاتحج حجاً مندوباً في عدتها.
و أمّا الحج الواجب، فالمطلقة الرجعية تحجه بلااستئذانفي العدة، كما أنّالزوجة تحج بلا إذن من الزوج، وهذا يستفاد من الجمع العرفي من الروايات الواردة في الباب، وتوافقه مرسلة منصور بن حازم، حيث نصّت على التفصيل بين حجةالإسلام وغيرها «إنكانت صرورة حجت في عدتها، وإنكانت حجت فلاتحج حتى تقضي عدتها». (3)كلاهما موافقانللقاعدة العامة، وكذلك المرسلة المعتبرة التي تأبى عن التخصيص، حيث تقول: «لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق» أي أنّالمطلقة الرجعية لاطاعة لها في إتيانالحج الواجب الذي يوجب الخروج من بيت الزوجية؛ لأنّترك الحج معصية كبيرة قيل لتاركه: «مت يهودياً أو نصرانياً»؛ والحج الواجب متقدم على حرمة الخروج وطاعة المخلوق، لأنّفي طاعته تحقق معصية الخالق.
وأمّا ما قيل: إذا ثبت بالدليل أنّه لايشترط إذن الزوج في حجةالإسلام للزوجة في الخروج من البيت، فعدم اشتراطه في المطلقة الرجعية بطريق أولى؛ لأنّالمطلقة الرجعية ليست بأشدّ من الزوجة. (1)فهذا القول غير تام لعدم الأولوية فيها؛ لأنّه يمكن أنيكون نظر الشارع إلى عدم خروج المطلقة من البيت مطلقاً و كونها حاضرة عنده؛ ليتحقق الرجوع وتعود الزوجية، وهذا بخلاف الزوجة. (2)سلوك آخر فى الجمع العرفى بين الروايات:
إنّالمقتضى بين الطائفة الرابعة «المطلقة تحج في عدتها إنطابت نفس زوجها» وبين الطائفتين الأوليين «المطلقة لاتحج في عدتها- المطلقة تحج في عدتها» حمل الأُولى على صورة عدم إذن الزوج، وحمل الثانية على صورة الإذن، فاللازم منه القول باشتراط الإذن في حجةالإسلام أيضاً، هذا إذا غضضنا الطرف عن مرسلة منصور بن حازم التي توافق القاعدة، فتصل النوبة والدور إلى دراسة التعارض بين صحيحة (معاوية بن عمار) في الطائفة الرابعة، وبين المرسلة المعتبرة المتقدمة «لاطاعة لمخلوق في معصيةالخالق».
إنّالصحيحة تدل على اشتراط الإذن في الحج الواجب والمندوب، وإتيانالحج الواجب من دون إذن فهو باطل.
والمرسلة المعتبرة تدل على أنّإتيانالحج من دون إذن صحيح مطلقاً، وهذا هو التعارض بين مدلولي صحيحة (معاوية بن عمار) والمرسلة المعتبرة، لكنّ الظاهر تقديم المرسلة على الصحيحة؛ لكون سياق المرسلة آبياً عن التخصيص، فالنتيجة عدم اشتراط إذن الزوج فيما إذا كانالحج حجةالإسلام، أو كانالحج الواجب المضيق كالحج النذري. (3)تذييل:
إنّمقتضى القواعد والروايات الواردة في المطلقة الرجعية أنّه لايشترط إذن الزوج في صحة الحج الواجب، إلّاأنّمقتضى صحيحة معاوية بن عمار والتعبير الوارد فيها: «المطلقة تحج في عدتها إنطابت نفس زوجها» استحباب كسب الرضا و طيب النفس من الزوج في الخروج من البيت إلى الحج الواجب، لما فيه مصلحة تسمّى بفترة رجعية، رجاء عودة الزوجية بينهما.
خلاصة الكلام فى هذا البحث:
أولًا: الاستطاعة
بعد التتبّع للاستطاعة في اللغة والقرآن و الروايات، انتهينا إلى أنّالاستطاعة كسائر العناوين إذا أخذت في لسانالأدلة القرآنية، وعلى حسب ما تفسرها الروايات الواردة فيها، فلها معنى خاص يسمى بالاستطاعة العرفية.
والاستطاعة العرفية أضيق من الاستطاعة العقلية؛ التي تعني القدرة على إحداث الفعل بأيّ نحو كان، ولو بالمشقة الشديدة والعسر والحرج؛ وأمّا الاستطاعة العرفية فهي ما يعتبره العرف ويسميه استطاعة، ولايسوّغ إحداث الفعل بأيّ نحو كان، بل بما هو المتعارف في العرف من دون التفات إلى الآلات.
أمّا الاستطاعة الشرعية فهي أضيق من الاستطاعتين المذكورتين (العرفية والعقلية)؛ لأنّالشارع اعتبر فيها، إضافةً إلى ما يعتبره العرف، قيوداً وشروطاً خاصة مثل الراحلة في استطاعة السبيل إلى الحج، أو عدم استلزامها ترك واجب أو إتيانفعل حرام في الشرع؛ فالاستطاعة العرفية أوسع من الاستطاعة الشرعية، وأضيق من الاستطاعة العقلية، والاستطاعة الواردة في تشريع الحج على حسب ما تتبعنا في المصادر، فإنّالمراد منها هي استطاعة عرفية، لاعقلية، و لاشرعية.
ثانياً: التزاحم
إنّالكلام في دراسة التزاحم بين الحج والفرائض ليس على سياق واحد، فقد يقع التزاحم والشارع رجح جانب الحج اهتماماً بالحج ومكانته، كما لوحصل التزاحم بين الحج والنذر، فإنّالحج واجب الأداء، لكنّه إذا أوجب إتيانالمنذور ترك الحج فالحج واجب الإتيانبه، ومقدم على النذر، لفقدانالرجحانفي متعلق النذر؛ وكذا فيما لو حصل التزاحم بين الحج وإطاعة الزوج، فقد رجح الشارع جانب الحج؛ لأنّه لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ فالحج واجب وتركه لمزاحمته بإطاعة الزوج معصية للخالق، ومنطبق عليه الحديث، فالحج مقدم على إطاعة الزوج، وإطاعة الزوج واجب إلّافيما خالف طاعة الله سبحانه وتعالى.
وقد يرجح الشارع جانب الفريضة على الحج، فإنّالاستطاعة لو زاحمت الفريضة لاتتحقق، مثلما إذا وقع التزاحم بين الحج والنكاح، فإنّالنكاح يعتبر من الحاجات الطبيعية للإنسان، والاستطاعة تحصل بعد رفع الحاجات الطبيعية والضرورية، فالنكاح مقدم على الحج؛ وكذا فيما لو وقع التزاحم بين الحج والدَّين؛ فتحصّل أنّرفع التزاحم يكون بترجيح الأهم على المهم بما يستفاد أهميته من كلمات الشارع مباشرة أو بالإيماء والإشارة، ومن القوانين المبيّنة في الكتاب والسنّة.
إنّ من كان له أدنى إلمام بالمعالم الإسلامية، يعلم بأنّ قسماً كبيراً منها يرتبط بالآثار الباقية من رسول الله (ص) وأهل بيته الطيبين (عليهم السلام)، والصالحين؛ و لاشك أنّ الأجيال سواء أكانت المؤمنة أم الأخرى التي تريد الاطلاع والدراسة- التي لم تكن حاضرةً في تلك العصور- لايمكنها التعرف على هؤلاء القادة السادة إلّا من خلال الاطلاع على آثارهم التي تبين تاريخهم النير، و دورهم الكبير، وعطاءهم المبارك، وتضحياتهم الجسام، حقاً «إنّ آثارهم تدلّ عليهم».
فالآثار خير وسيلة وأنجع طريقة للتعرف على سيرتهم وأخلاقهم، وللتعرف على ما حملوه من قيم ومبادئ، راحت تترك بصماتها على سلوكهم وأخلاقهم، وظلت هذه الآثار تحكي بصدق عظمة جهودهم التي بذلوها في سبيل رسالة السماء، وهداية الناس، و انقاذهم من ظلمات الجاهلية إلى نور الحياة الإيمانية، غير مكتفين بأنفسهم وأهليهم ومن حولهم في عصرهم، بل حتى للذين يأتون بعدهم بما يتركونه من تراث مقروء، أو مسموع، أو مرئي يمكن الاستفادة منه؛ في الاقتداء بهم، والسير على نهجهم القيم، المنبثق من كتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص).
فلو علم الإنسان المسلم أنّ رسول الله (ص) الذي وصفه القرآن الكريم بقوله: وإنَّكَ لَعَلىَ خُلُقٍ عَظيِمٍ قد تجسد خلقه هذا، و هو يعيش حياةً متواضعةً مشحونةً بالتواد والتراحم، بعيدةً عن الفظاظة والغلظة؛ تتلمسها في دار صغيرة بسيطة اتخذها سكناً، و في مسجد اتخذه مقراً لعبادته وقيادته للأمة والدولة، وهكذا في كل مواقعه ومواقفه ومنازله وعلاقاته.. فسيتّخذ هذا الإنسان المسلم طريقاً صحيحاً مماثلًا لما عليه رسول الله (ص) وأهل بيته (عليهم السلام) و الصالحون رضوان الله تعالى عليهم، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فيِ رَسُولِ اللهِ أسْوَةٌ حَسَنَةٌ... (1)و يقتدي بهم بسبب ما رأى من آثارهم، و يعيش حتماً مثل ما رأى و عرف من كيفية منازلهم، و بساطة عيشهم؛ و بسبب هذا التعرّف على آثارهم يصير ذلك الإنسان أنموذجاً حياً في عصره، و إن كان عصره بعيداً عنهم بقرون، فضلًا عما يترتب على زيارة هذه المواقع من بركات وأجر وثواب...
و ليس هذا من منافع التعرّف على آثارهم القيّمة فحسب، بل ستكون هذه الآثار معلماً واضحاً، و داعياً قوياً، للتعرف على المنهج المبارك نفسه الذي ساقته السماء والتزم به الصالحون، فيا حبذا لو كانت دار رسولالله (ص) وآثاره المباركة باقية في عصرنا، لتكون داعية حقيقية إلى الإسلام العزيز الحنيف!!
ولكن يا للمصيبة! فقد ابتلي الإسلام و الأمة الإسلامية بفرقة فاسدة حاقدة، بدأوا بتكفير أبناء الأمة الإسلامية، واتهموهم بالشرك و الإلحاد! و لم يكتفوا بهذه الاتهامات الكاذبة، بل بدأوا بهدم كل ما تعلقت به نفوس المؤمنين من الأماكن الإسلامية، و تخريب الآثار المقدسة التي بقيت من عصر الرسولالأكرم (ص).
1) الأحزاب: 21.
إنّ الذي ارتكبه هؤلاء ضدّ آثار الرسول 9 و أهل بيته:، وتكفير المجتمع المسلم وقتلهم الأبرياء، لايقل بشاعة مما يرتكبه الصهاينة، وهو يلبي ما يأمله أعداء الإسلام ويهدفون إليه من إيجاد الخلافات وإثارة النعرات بين الأمة الواحدة...
إنّ الأستاذ الدكتور عبدالوهاب إبراهيم، قد بذل جهده في هذا الكتاب لإثبات قدسية الأماكن الشريفة و المعالم الأثرية في مكة المكرمة وأهميتها، تلك الآثار التي كانت عامرة منذ قرون و سنين، قبل أن يقوم الوهابيون الجاهلون بهدمها وتخريبها، فحرموا الناس من منافعها وبركاتها .. إنهم لا يسمعون شيئاً و لايعقلون سوى ما يلبي أهدافهم و اعتقادهم الضال!
إنّ ما قام به الدكتور لجهد واسع نافع، مع أنه كان يعيش في ظروف صعبة و خطيرة؛ و ليس في هذه المجلة ما يسع كل ما تفضل به الدكتور من مباحث كتابه القيم، فاقتطفنا من ثمار هذه الروضة الجليلة بحوثاً يستفيد منها القراء الكرام.
نسأل الله سبحانه و تعالى أن يوفقنا لما يحبّ و يرضى، إنه سميعٌ قريبٌ مجيبٌ.
*** عناوين رئيسية:
مقدمة المؤلف.
نماذج من مواقف السلف الصالح من الأماكن المأثورة.
المتواتر من الأماكن المأثورة في مؤلفات السيرة النبوية.
المتواتر من الأماكن المأثورة في مدونات التاريخ المكي الخاص.
المتواتر من الأماكن المأثورة في مكة المكرمة استقلالًا المنثور منها.
مقدّمة المؤلف
إنّ الأماكن التاريخية ذاكرة الأمم الحيّة، والشاهد القائم الذي لايكذب، والدليل الناطق الباقي إذا اندثرت الأجيال.
مكة المكرمة مهد الإسلام، ومبعث النور، ومنطلق خاتمة الرسالات، شرفت بولادة المصطفى (ص)، واحتضنت كبار صحابته الكرام على أرضها المباركة، شهدت عرصاتها و مرابعها ملحمة الصراع بين الحق والباطل، و زكت تربتها بالدماء الزكية، دماء الشهداء.
في كلّ شعب منها وزاوية وبقعة أثر خالد، ومنار مضيء يحكي قصصاً من جهادهم، و أمثلة من كفاحهم، تظل وقائعه حية في نفوس الأجيال المسلمة سماعاً، ومشاهدة، تكتحل بها نواظرهم، و تتردد على أسماعهم مآثرهم، ترسخ بها معاني الإيمان، تتقوى بها عزائمهم، وتتجدد بها هممهم؛ لنشر العقيدة السليمة، والمبادئ، والقيم الصحيحة، يستنطقون من خلال السيرة والمسيرة والآثار القائمة أمجاد التاريخ الإسلامي في مراحله المبكرة؛ ليبعث حياً في النفوس.
مكة المكرمة قد ضمت العديد الكثير من تلك الأماكن التاريخية المهمة في تاريخ الإسلام، حظيت بعناية المسلمين واهتمامهم منذ العصور الإسلامية المبكرة تأليفاً وتدويناً، توقيعاً، ورواية متواترة، علمياً ومحلياً، فهي سجلّ حافل، في صفحات موثقة، يتوارث معرفتها الخلف عن السلف في تسلسل تاريخي منتظم، منذ ظهور الرسالة المحمدية، حتى الوقت الحاضر، حرص السلف الصالح: محدثون، وفقهاء، ومؤرخون، و أدباء منذ القرن الأول الهجري على ترسيم تلك الأماكن، وتوقيعها، وتحديدها تخليداً للحدث، مرتبطاً بمشاهدة المكان، فللمكان إيحاءاته وإشعاعاته، بقيت تراثاً خالداً باقياً عبر الأجيال المتعاقبة في أمانة وصدق، دون أن تمس بسوء.
إنّ هذا البحث يواصل تلك المسيرة التي ابتدأها سلفنا الصالح في صياغة تحليلية جديدة، فهو امتداد لتلك الجهود، خصوصاً وأنّ الكثير منها قد اختفى عن الأنظار؛ لغرض توسعة المسجد الحرام، وإعادة تخطيط المدينة المقدسة، مكة المكرمة بحسب ما جد فيها من طرق، وتزايد عدد السكان، وأعداد الحجاج الذين بلغ إحصاؤهم إلى ما يزيد على المليونين، والمستقبل ينبئ بزيادات مضاعفة في السكان، والحجاج والمعتمرين.
أدى هذا و غيره إلى غياب بعض تلك الأماكن من الوجود، وحتى تظل تلك الشواهد التاريخية التي عاصرت أفضل الخلق، وأعظم أجيال الإسلام محفورة في الذاكرة- وحتى لا يصبح تاريخنا و ماضينا أسطورة مثل ما حدث لبعض الأمم السابقة- يأتي هذا البحث لرصدها، وما طرأ عليها، استمراراً للتسلسل التاريخي لجزء من أهم خصائص المدرسة التاريخية المكية.
ظهرت العناية بهذه الأماكن المأثورة في مكة المكرمة عبر القرون الماضية توثيقاً في مدونات متعددة كثيرة، ومن لدن جهات علمية متنوعة:
في مدونات السيرة النبوية والمدونات التاريخية، والدراسات الفقهية، يسند هذا التدوين العلمي تواتر محلي تتوارثه الأجيال اللاحقة عن الأجيال السابقة، حرصاً ألا يطويها النسيان، فللمكان إيحاءاته و إشعاعاته الإيمانية، واستذكار الذين أدّوا دوراً مهماً في نشر الإسلام.
بهذا المفهوم التربوي الراقي، البعيد عن الغلوّ والمجافاة، استحوذ هذا الموضوع على اهتمام علماء الإسلام: محدثين، وفقهاء، ومؤرخين من عصر التابعين حتى العصر الحاضر، فقاموا برصد تلك الأماكن التاريخية تحديداً، وتعييناً، و تاريخاً لما حدث عليها من إحداثات، يدعمهم النقل المتواتر بين الأجيال، بالسماع والمشاهدة، جيلًا بعد جيل، في حرص وأمانة علمية شديدة، تجلى هذا الاهتمام في الآتى:
أولًا: مدوّنات السيرة النبوية.
ثانياً: سير الصحابة رضوان الله عليهم.
ثالثاً: المصادر التاريخية العامة، والأخرى المتخصصة في التاريخ المكي.
رابعاً: كتب المناسك ومدوناتها المطولة والمختصرة، فقد أصبح ذكر هذه الأماكن موضوعاً ثابتاً، وباباً مهماً مستقلًا في معظم كتب المناسك تحت عناوين مختلفة، قلّ أن يخلو منها كتاب من تلك الكتب، بل إنّ بعض العلماء أفردها بكتابات مستقلة، ورسائل مفردة زيادة في العناية والاهتمام.
يقتصر العرض لمختارات من المدونات السابقة تفصيلًا إن شاء الله تعالى، توثيقاً صريحاً للتواتر العلمي.
واجب الأمانة العلمية والتاريخية يقضي ذكر العناوين التي يضعها المؤلفون في تقديمها وعرضها، فإنّ لكل عنوان مدلوله عند المؤلف، وسيكون من مهمة البحث تحليل تلك العناوين تحليلًا علمياً متجرداً.
الواجب العلمي يقضي إنصاف كل ذي رأي في هذا الموضوع بأدلته، وبالفهم الذي يفهمه، دون تحيز، أو افتئات، فمن ثم اقتضت الدراسة تقسيم البحث إلى الفصول الآتية ...
أودّ أن أنبه القارئ الكريم إلى أمرين ينبغي أن يكونا في الحسبان:
أولًا: مهمة البحث أصالة هو العرض المتجرد بما يمليه المنهج العلمي، خصوصاً فيما يتصل بالآراء الفقهية، فليس المجال مجال سجال، أو جدال، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلّا صاحب الرسالة سيدنا محمد (ص)، وللقارئ أن يرجح ما يشاء، دون غمط، أو تقليل، أو نبذ للآخرين، فهذا ليس من خلق الإسلام.
ثانياً: جاء الاقتباس من مصادر متعددة متنوعة لقرون مختلفة، فبرغم تكرار أسماء المواضع، لكن يختلف المؤلفون في أسلوب العرض، وذكر معلومات إضافية عن الموضع بما حدث له من عمار، أو خراب له فى عصره، كذلك ليتم الاقتناع بالتواتر العلمي في كل مجموعة من تلك الكتب المنتسبة إلى فنونها على انفرادها، وفق عصور مختلفة، وبجميعها مجتمعة، بالإضافة إلى التواتر المحلي في تعيين هذه الأمكنة، وتحديدها، وتوارث مواقعها جيلًا بعد جيل، يتجلى هذا من وصف بعض الأمكنة في ثنايا كتابات بعض المؤلفين، مثل الحديث عن مكان مولد النبي (ص): «وهو من أصح الآثار عند أهل مكة، يحقق ذلك مشايخهم»، وبهذا يتحقق المعنى الاصطلاحي بين علماء الإسلام لمدلول (التواتر) وهو:
«الخبر الثابت على ألسنة قوم لايتصور تواطؤهم على الكذب». (1)تم العرض على هذا الأسلوب من أجل قطع الشك باليقين، وحتى لايسقط القارئ المتأمل في دائرة الإنكار التي لاتستند إلى دليل، والذي يروج له البعض من دون علم ومعرفة بالمواقع والأنحاء في مكة المكرمة، ولأمر ما يشككون فيما جرى عليه التواتر العلمي والمحلي فيما لاشك فيه منذ القرون الإسلامية الأولى، دون علم، أو سند سامحهم الله.
على أنه ينبغي أن يكون القارئ الكريم على وعي تام للفرق بين أمرين مختلفين حكماً:
أولًا: المحافظة على هذه الأماكن من يد العابثين، فهي أمانة الماضي، وأمانة تاريخية ينبغي أن تبقى دروساً حية، ناطقة للأجيال القادمة، ينظرون إلى تاريخ الرسالة المحمدية من خلالها.
1) الجرجاني، علي بن محمد الشريف، كتاب التعريفات، الطبعة الأولى: 74، بيروت: لبنان، عام 1969 م، التواتر.
ثانياً: الممارسات المخالفة للعقيدة الصحيحة التي يأباها العقل، وترفضها العقيدة الإسلامية الصحيحة، وهذا ما ستتم مناقشته والحديث عنه بشكل تفصيلي.
والله الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عبدالوهاب إبراهيم أبوسليمان- مكة المكرمة
*** 2. نماذج من مواقف السلف الصالح من الأماكن المأثورة
اهتم كثير من السلف الصالح الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم بالأماكن التي صلى فيها رسول الله (ص)، أو حدث له فيها أمر، أو لأحد من كبار الصحابة رضوان الله عليهم، بما يليق بها انتساباً للنبي (ص) ولصحابته الكرام، وقد دونها كبار المحدثين والمؤرخين، وخصوها بأبواب مستقلة أمثال الإمام البخاري في صحيحه معنوناً لها" باب المساجد التي على طريق المدينة، والمواضع التي صلى فيها النبي (ص)"؛ (1)ونقلها برمتها العلامة عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثيرالقرشي (ت (ع) (ع) 4 ه-) بعنوان «ذكر الأماكن التي صلّى فيها رسول الله (ص) و هو ذاهب من المدينة إلى مكة في عمرته وحجته»؛ (2)لتكون شواهد تاريخية على من حلّ بها، أو ما حلّ بها، ذلك أنّ ربط الحدث بمكانه ومكانته، يظل ثابتاً راسخاً في ذاكرة الأجيال الصاعدة، محفزاً لهم على الالتزام بالقيم والمبادئ التي جاء بها صاحب الرسالة (ص).
السماع، أو الرواية تصحبه المشاهدة، وخصوصاً في المراحل التربوية الأولى تحرك في الشباب نوازع الإيمان، وقيمه الرفيعة.
شواهد هذا من فعل السلف الصالح، ما ذكره محمد بن سعد بن منيع الزهري في الطبقات الكبرى بسنده إلى: «معاذ بن محمد الأنصاري قال: سمعت عطاء الخراساني في مجلس فيه عمران بن أبي أنس، يقول وهو فيما بين القبر والمنبر: أدركت حُجَر أزواج رسول الله (ص) من جريد النخل على أبوابها المسوح من شعر أسود، فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ بإدخال حُجر أزواج النبي (ص) في مسجد رسول الله، فما رأيت يوماً أكثر باكياً من ذلك اليوم.
قال عطاء: فسمعت سعيد بن المسيب يقول يومئذ: والله لوددت أنهم تركوها على حالها، ينشأ ناشئ من أهل المدينة، ويقدم القادم من الأفق، فيرى ما اكتفى به رسول الله (ص) في حياته، فيكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والتفاخر، يعني الدنيا.
1) أنظر: فتح الباري بشرح صحيح الإمام أبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري، 567: 1، قرأ أصله تصحيحاً وتحقيقاً عبد العزيزبن عبدالله بن باز، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، إخراج محب الدين الخطيب، مصر: المطبعة السلفية ومكتبتها، عام 1380 ه-؛ وانظر: شرح ابن حجر العسقلاني عليه مع تعليق سماحة الشيخ عبدالعزيزبن باز على ذلك في نفس الجزء: 569.
2) حجة الوداع، الطبعة الأولى،: 156، تحقيق خالد أبو صالح، الرياض: دار الوطن، عام 1416 ه-/ 1996 م.
قال معاذ: فلمّا فرغ الخراساني من حديثه، قال عمران بن أبي أنس: كان منها أربعة أبيات بلبن، لها حُجر من جريد، وكانت خمسة أبيات من جريد مطينة لاحجر لها، على أبوابها مسوح الشعر، ذرعت الستر فوجدته ثلاثة أذرع في ذراع والعظم، أو أدني من العظم؛ فأما ما ذكرت من كثرة البكاء، فلقد رأيتني في مجلس فيه نفر من أبناء أصحاب رسول الله (ص) منهم: أبو سلمة بن عبدالرحمن، و أبوأمامة بن سهل بن حفيف، وخارجة بن زيد، وإنهم ليبكون حتى أخضل لحاهم الدمع، وقال يومئذ أبو أمامة: ليتها تركت فلم تهدم حتى يقصر الناس عن البناء، و يروا ما رضي الله لنبيه ومفاتيح خزائن الدنيا بيده.
أخبرنا محمد بن عمر عن عبد الله بن عامر الأسلمي، قال: قال لي أبوبكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وهو في مصلاه، فيما بين الأسطوان التي تلي حرف القبر التي تلي الأخرى إلى طريق باب رسول الله (ص): هذا بيت زينب بنت جحش، وكان رسول الله فيه، وهذا الصف كله إلى باب أسماء بنت حسن بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس اليوم إلى رحبة المسجد، فهذه بيوته، رأيتها بالجريد قد طرت بالطين عليها مسوح الشعر. (1)وبسند الإمام الأزرقى إلى ابن جريج، عن إسماعيل بن أمية، أنّ خالد بن مضرس فيما يخص مصلى رسول الله (ص) بمسجد الخيف، أخبره أنه رأى أشياخاً من الأنصار، يتحرون مصلى النبي (ص) أمام المنارة قريباً منها.
و به إلى الأزرقي قال: قال جدّي: الأحجار التي بين يدى المنارة هو موضع مصلى النبي (ص)، و لم يزل الناس، وأهل العلم يصلون هنالك. (2)بهذا المفهوم الواضح البعيد عن الغلوّ والمبالغة، أو التجافي، والتقصير والإهمال تعامل المسلمون في الصدر الأول مع الآثار النبوية، وكل ما يتصل بها، أو بالصحابة الكرام، حافظوا على تدوين كل أثر يتعلق بهم وبتاريخهم، استشعاراً لأهميته، وليبقى ذخراً باقياً للأجيال القادمة التي لم تحظ بمشاهدتها.
يقول القاضى عياض (ت 544 ه-/ 1159 م) في كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى (ص):
«من إعظامه (ص) و إكباره، إعظام جميع أسبابه، و إكرام جميع مشاهده، وأمكنته من مكة، والمدينة، ومعاهده، وما لمسه بيده، أو عرف به ...»، (3)وقد ذكر أدلة وشواهد على ذلك من عمل الصحابة رضوان الله عليهم، وهو ما دلل عليه عملًا وتطبيقاً سلفنا الصالح رضوان الله عليهم.
يقول شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي في توجيه هذا الموقف: «إنّ سبب النجاة الاستقامة في الأحوال والأفعال، ولا يتم ذلك إلّا بسائق وقائد، كصحبة الصالحين، أو سماع أحوالهم،
1) ابن سعد، محمد بن سعد بن منيع الزهري، الطبقات الكبرى، الطبعة الأولى، 330: 8، أعد فهارسها رياض عبد الله عبد الهادي، بيروت: دار إحياء التراث العربي، عام 1416 ه-/ 1995 م.
2) الفاسي، تقي الدين محمد بن أحمد بن علي المكي، شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام، الطبعة الثانية، 501: 1، تحقيق و مقابلة أيمن فؤاد سيد و مصطفى محمد الذهبي، مكة المكرمة: مكتبة ومطبعة النهضة الحديثة، عام 1999 م.
3) استامبول: دار سعادت، مطبعة عثمانية، عام 1312 ه-، 47: 2.
والنظر في آثارهم عند تعذر الصحبة، حيث تتصور النفس أعيانهم، وتتخيل مذاهبهم؛ لأنك لو أبصرت لم يبق عندك إلّا التذكر والتخيل، وكان السمع كالبصر، والعيان كالخبر». (1)وفي ذكر معنى قوله تعالى:
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ* قُلْ سِيرُوا فِى الأَرْضِ ثمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكذِّبِينَ. (2)يقول العلّامة المفسّر أبومحمد عبد الحق بن عطية الأندلسي «ومعنى الآية: سيروا وتلقوا ممن سار، لأنّ تحصيل العبرة بآثار من مضى إنما يستند إلى حس العين». (3)و ثمت الآيات القرآنية العديدة التي تحث على الوقوف على آثار الأمم، وماحلّ بهم لأخذ دروس عملية مشاهدة من الواقع، واسترجاع موقف الأنبياء والمرسلين صبراً في الشدائد، وتحمل أذى قومهم لهم، وأنّ الله لأعدائهم بالمرصاد، ونحن في الوقت الحاضر، وقد تكالبت علينا الأمم أحوج ما نكون إلى دروس الصبر والمصابرة.
تحقيقاً لما ذكره شمسالدين السخاوي، والعلامة المفسر ابن عطية الأندلسى، وغيرهما وتطبيقاً لما سار عليه السلف في هذا الاتجاه، أفرد علماء الأمة ومؤرخوها المؤلفات العديدة عن الآثار النبوية: أماكن، وأدوات، وتحركات، وكل ما يتعلق بالنبي (ص)، وبجيل الصحابة والتابعين، فأصبحت موضوعاً مهماً في مؤلفات المؤلفين وكتابات الباحثين، تبعاً حيناً، واستقلالًا حيناً آخر.
*** 3. المتواتر من الأماكن المأثورة فى مؤلفات السيرة النبوية
عرض علماء السيرة النبوية الشريفة للأماكن التاريخية المأثورة في مكةالمكرمة، مما له علاقة بسيرة النبي (ص)، بعضهم يذكر ما يجزم بالقول به، وبعضهم يذكر كل ما يحكي من أقوال، كما هي عادة المؤرخين، إذ إنّ من وظائف المؤرخ أن يرصد كل ما يقال عن المكان والحدث، بصرف النظر عن صحته، أو عدم صحته؛ لهذا لاينبغى للقارئ الحصيف إذا رأى شيئاً من هذا النوع أن يتشكك فى الحقيقة فيما لو ذكرت
1) الإعلام بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، الطبعة الأولى: 42، حققه وعلق عليه فرانز روزنثال، ترجمة محمد صالح أحمد العي، بيروت، دارالكتب العلمية، ت. د..
2) الأنعام: 10- 11.
3) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، الطبعة الأولى 134: 5، تحقيق و تعليق عبدالله بن إبراهيم الأنصاري، والسيد عبدالعال السيد إبراهيم، قطر: على نفقة الشيخ خليفة بن حمدآل ثاني، عام 1408 ه-/ 1987 م.
روايات ضعيفة لأمر مّا، و لايكون هذا حاملًا له على الأخذ بها، أو حكايتها لتضعيف الرأي القوي الصحيح.
من المؤرخين من يطلق الرواية، ومنهم من يكون أكثر دقة، فيسقط من الاعتبار ما لم تشهد له الشواهد، أو الوقائع بادئ ذي بدء، ومن عرض لها يرتد لها فيزيفها، ويبطلها من اعتباره، ثم يبين في النهاية الراجح من تلك الأقوال؛ و بهذا يستقيم لهم المنهج التاريخى كاملًا؛ من هذه المدونات:
تأليف: العلامة المحدث أبي عمريوسف بن عبد الله بنمحمدبن عبدالبرّ (ت 463 ه-/ 10 (ع) 0 م) جاء فيه فيما يتصل بمكان ولادة رسول الله (ص)؛ «قال الزبير: حملت به أمّه (ص) أيام التشريق في شعب أبي طالب عند الجمرة الوسطى، وولد (ص) بمكة في الدار التي كانت تدعى لمحمد بن يوسف أخي الحجاج». (1)* كتاب (الروض الأنف في تفسير ما اشتمل عليه حديث السيرة النبوية لابن هشام)
تأليف العلامة الفقيه المحدث أبي القاسم عبد الرحمن بنعبد الله السهيلي (ت 581 ه-/ 1185 م)، فقد ذكر «أنّ النبي (ص) ولد بالشعب، وقيل: بالدار التي عند الصفا، وكانت بعد لمحمد بن يوسف أخي الحجاج، ثم بنتها زبيدة مسجداً حين حجّت ...». (2)صدّر حديثه عن مكان ولادة الرسول (ص) بالقول الراجح كما هي عادة المؤلفين، ثم ثنّى بالقول الآخر المرجوح، وهو أنه «ولد بالدار التي عند الصفا» فمن ثم أعقبها بقوله: «وقيل»، وهي للتمريض والتضعيف.
من علماء السيرة النبوية من لم يكتف بعرض الأقوال فقط، بل فحص تلك الروايات، ورجح الصحيح منها، ومنهم من لم يتعرض إلى الأقوال الضعيفة بتاتاً، بل أثبت الصحيح الراجح، و لم يلتفت إلى الأقوال الضعيفة، من هؤلاء:
تأليف: العلامة المؤرخ تقي الدين أحمد بن علي المقريزي (ت 845 ه-/ 1441 م)، وفيه يقول:
«ولد محمد (ص) بمكة في دار عرفت بدار ابن يوسف من شعب بني هاشم يوم الإثنين لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول ...». (3)* كتاب (سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد)
تأليف: العلامة الإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي (ت 942 ه-/ 1535 م)؛ ذكر القول الراجح الذي عليه الجمهور في «الفصل الثاني: في مكان ولادته (ص)، هل ولد بمكة، أوغيرها، و الصحيح الذي عليه
الجمهور هو الأول، ثم ذكر الأقوال الضعيفة عن مكان ولادته (ص) في مكة، وقدم الصحيح الراجح من تلك الأقوال في شيء من التفصيل، و لايعدو ذكر الأقوال الأخرى التي ضعّفها جمهور العلماء فيقول: «وعليه فاختلف في مكانه من مكة على أقوال: أحدها: في الدار التي في الزقاق المعروف بزقاق المولد في شعب مشهور بشعب بني هاشم، وكانت بيد عقيل، قال ابن الأثير: «قيل: إنّ رسول الله (ص) وهبها عقيل بن أبي طالب، فلم تزل بيده حتى توفي عنها، فباعها ولده من محمد بن يوسف أخي الحجاج، وقيل: إنّ عقيلًا باعها بعد الهجرة تبعاً لقريش حين باعوا دور المهاجرين.
الثاني: أنّه (ص) ولد في شعب بني هاشم. حكاه الزبير.
الثالث: أنه ولد (ص) بالردم.
الرابع: أنه ولد (ص) بعسفان. (1)فيما يتعلق بالمنهج العلمي في التعامل مع عرض الأقوال، يقول الدكتورعبدالله بن ضيف الله الرحيلي:
«إنّ من التدقيق ما يكون خروجاً عن منهج التدقيق والتمحيص، وذلك حينما يكون التدقيق- مثلًا- اتباعاً للاحتمالات الضعيفة، وإسقاطاً للاحتمالات الراجحة، أو الثابتة بالأدلة والمنهج!
إنّ الأخذ بالاحتمالات الضعيفة اتجاه بغير دليل، وإنّ الحكم للاحتمالات الضعيفة في مقابل الاحتمالات الراجحة، أو الأدلة الراجحة عدول عن منهج التحقيق والتثبت، ولو بدا ظاهر الأمر أنه تدقيق. (2)***
لم يخل كتاب في تاريخ مكة المكرمة سواء من تأليف المتقدمين أو المتأخرين إلى القرن الرابع عشر- إلّا ما ندر- من تخصيص فصل خاص بالأماكن المأثورة في مكة المكرمة، و إنخلت بعض كتب المتأخرين منها فلأسباب فكرية تخيم على الوسط العلمي لا تحبذ مثل هذا، فخلت منها تجنباً لإشكالات فكرية عقدية لا تحمد عقباها، يتحقق التدوين لهذه الأماكن المأثورة في مجموعة مختارة إجمالًا في الكتب التالية:
كتاب (أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار) من تأليف العلامة أبي الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد الأزرقي (ت 223 ه-/ 83 (ع) م)؛ وكتاب (أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه) من تأليف الإمام أبي عبدالله محمد بن إسحاق الفاكهي، من علماء القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، وثالثة الأثافي من المؤلفين المكيين في هذا القرن، الزبير بن بكار، وقد جاء التنويه عن أهمية كتابات هؤلاء المؤرخين؛ يقول الأستاذ الدكتور محمد الحبيب الهيلة:
«عاش في مكة خلال القرن الثالث الهجري ثلاثة من كبار المؤرخين المكيين هم: الأزرقي، والفاكهي، والزبير بن بكّار؛ و كان للأزرقي فضل السبق والتأصيل، وللفاكهي فضل سعة الجمع والإضافة، وللزبير بن
بكّار فضل تأريخ الحوادث، ودقائق الأخبار، والنوادر، مع كثرة ما كتبه عن أخبار مكة، وأبنائها، وأخبار غيرها؛ وأبو الوليد الأزرقي المحدث المكي روى عن تلاميذ ابن عباس، وعن وهب بن منبه راوي الأخبار، وابن إسحاق صاحب السيرة، كان جده أحمد ابن محمد الأزرق (ت 219 ه-، أو 222 ه-/ 834 أو 836) جمع من أخبار مكة كثيراً، استفاد منه حفيده أبو الوليد، وصنف كتابه هذا».
يضيف الأستاذ الدكتور محمد الحبيب الهيلة في التعريف بكتاب العلامة الأزرقي قوله:
«كتاب تاريخ مكة للأزرقي، هو كتاب جامع بين منهج المحدثين في الرواية والسند، ومنهج المؤرخين في عرض الأخبار والفضائل، ووصف المظاهر الحضارية، والعمرانية، وغيرها؛ سبق الأزرقي بوضع أول كتاب جامع لتاريخ مكة، وأخبارها، وفضائلها، وأحوال مبانيها، وخططها، وأحيائها، ومنشآتها المعمارية، والحضارية، ومساجدها، وأسواقها، وآبارها، وعيونها، وجبالها، وأوديتها». (1)وفي التعريف بكتاب الإمام الفاكهي يقول الأستاذ الدكتور الهيلة:
«يعتبر هذا الكتاب من أهم وأوسع الكتب القديمة التي ألفت في تاريخ مكة وأخبارها، وفضائلها، فقد سار فيه الفاكهي على منهج موسوعي، كثرت رواياته، وتنوعت مصادره، وسلك مسلك المحدثين في الرواية من حيث السند، واختيار الرواة، وضبط النصوص، والأمانة في الرواية مع عزو الأخبار، وذكر المصادر، معتمداً في رواية أخبار حوادث مكة على روايات أهل مكة ممن يسميهم أحياناً، ومن لايسميهم أحياناً أخرى ... وقد ظل كتاب الفاكهي، مع كتاب الأزرقي من أهم المصادر التي نهلت منها كتب تاريخ مكة، وفضائلها على مرّ الأزمان، ومختلف العصور، ونقلت عنها مباشرة، أو بواسطة تأليف أخرى نقلت عنها ...». (2)يأتي الآن دور عرض ما احتواهما هذان الكتابان المهمان فيما يتصل بموضوع البحث:
تأليف: شيخ المؤرخين المكّيين، العلامة أبي الوليد محمد بن عبدالله بن أحمد الأزرقي (ت 223 ه-/ 83 (ع) م).
ورد لديه موضوع الآثار الإسلامية التاريخية في مكة المكرمة تحت عنوان:
(ذكر المواضع التي يستحب فيها الصلاة بمكة المكرمة، وما فيها من آثار النبي (ص)، وما صح من ذلك)، ثم عيّنها، و حدّد أماكن وجودها، وما يتعلق بها من أحداث، مع الكشف عن صحة نسبتها، وهو حين يقدم قائمة هذه الأماكن، يوثقها بأحداثها، والمناسبة التي جعلت من المكان معلماً تاريخياً، ولا يكتفي بهذا، بل يختبر تلك الروايات، ويفحصها فحص المؤرخ الدقيق، بكل ما يمكن أن يكشف الحقيقة، فيؤكد الصحيح، ويزيف الضعيف، ويرفض بعضاً منها.
وفي شرح منهجه يقول الأستاذ الدكتور محمد الحبيب الهيلة:
«و كان كثيراً ما يعرض الخبر من مصدرين مختلفين، ثم يجري على النصين نقداً داخلياً، فيخرج بالنتيجة التي يصل إليها عن طريق الاستدلال المنطقي، وقد عرض كثيراً من الأسانيد في إيراد الأحاديث والآثار». (1)ففي ثبت هذه الأماكن التاريخية، وعلى منهجه في فحص الروايات يثبت لديه ما لاشك فيه من هذه الأماكن:
مولد النبي (ص).
منزل السيدة خديجة أمّ المؤمنين (س).
دار الأرقم بن أبي الأرقم.
مسجد بأعلى مكة عند الردم، عند بئر جبير بن مطعم.
مسجد الجن.
مسجد الشجرة بأعلى مكة.
(ع). مسجد بأعلى مكة، عند سوق الغنم، عند قرن مسقلة.
مسجد السّرر.
مسجد بعرفة عن يمين الموقف.
مسجد الكبش بمنى.
مسجد بذي طوى.
غار حراء.
غار ثور.
مسجد البيعة بشعب العقبة.
مسجد الجعرانة.
مسجد التنعيم.
و قد رفض صحة بعض الأماكن، ونفى نسبتها إلى أحداث ومناسبات تاريخية نسبت إلى رسولنا محمد (ص)، أو إلى أحد من الرسل والأنبياء السابقين، كسيدنا إبراهيم، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم، من هذه الأماكن:
مسجد بأجياد يقال له: مسجد المتّكا.
مسجد على جبل أبي قبيس.
قد بلغت دقة الإمام الأزرقي حداً بعيداً جعله يذهب إلى أبعد من هذا، إذ إنه يناقش بعض الأمور التاريخية داخل ذلك المكان، مما انتشر بين عامة الناس، فيكشف عن حقيقته، من ذلك أنه كان يوجد في منزل السيدة خديجة (س)، صفيحة من الحجارة مبني عليها في جدار البيت الذي كان يسكنه النبي (ص)، وكان بعض الناس يقولون: إنّ رسول الله (ص) كان يجلس تحت تلك الصفيحة فيستدري بها من الرمي بالحجارة إذا
1) التاريخ والمؤرخون بمكة من القرن الثالث الهجري إلى القرن الثالث عشر،: 121.
جاءته من دار أبيلهب، و دار عدي بن أبي الحمراء الثقفي؛ فتحرى الإمام الأزرقي صحة هذا، وتوصل إلى عدم صحتها.
هذه الدقّة العلمية، والحرص على توخي صحة الرواية، والمكان، والحدث، نشاهدها في العرض التاريخي في كتابه النفيس، مبتدئاً هذه القائمة ب-:
حدثنا أبو الوليد، قال: سمعت جدي ويوسف بن محمد يثبتان أمر المولد، وأنّه ذلك البيت لا اختلاف فيه عند أهل مكة.
حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني رجل من أهل مكة، يقال له سليمان بن أبي مرحب، مولى بنيخيثم، قال: حدثني ناس كانوا يسكنون ذلك البيت، قبل أن تشرعه الخيزران من الدار، ثم انتقلوا عنه حين جعل مسجداً، قالوا: لا والله ما أصابتنا فيه جائحة، ولا حاجة، فأخرجنا منه فاشتد الزمان علينا». (1)و من فضل الله أنّ هذا المنزل المبارك قد وظف توظيفاً شرعياً، فأصبح منارة علمية يأوي إليها العلماء والباحثون، بحيث أصبح يضم أنفس المكتبات الخاصة لعلماء البلد الحرام، تجمع نفائس المخطوطات والمطبوعات، وسيأتي الكلام عن هذا بالتفصيل.
يستمرّ الإمام أبوالوليد الأزرقي في سرد حديثه عن الأماكن التاريخية المأثورة في عصره، وقد بلغت ثمانية عشر موقعاً يتم سردها على النحو التالي:
مسجد بأعلى مكة عند الردم، عند بئر جبير بن مطعم، يقال: إنّ النبي (ص)، صلى فيه، وقد بناه عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وبنى عنده جنبذاً، (1)يسقى فيه الماء.
و مسجد بأعلى مكّة أيضاً، يقال له: مسجد الجن، وهو الذي يسميه أهل مكة مسجد الحرس، وإنما سمّي مسجد الحرس: أنّ صاحب الحرس كان يطوف بمكة حتى إذا انتهى إليه، وقف عنده ولم يجزه، حتى يتوافى عنده عرفاؤه وحرسه، يأتونه من شعب بني عامر، ومن ثنية المدنيين، فإذا توافوا عنده رجع منحدراً إلى مكة، وهو فيما يقال له: موضع الخط الذي خط رسول الله (ص) لابن مسعود ليلة استمع إليه الجن، وهو يسمى مسجد البيعة، يقال إنّ الجن بايعوا رسول الله (ص) في ذلك الموضع.
ومسجد يقال له مسجد الشجرة، بأعلى مكة في دبر دار منارة، بحذاء هذا المسجد، مسجد الجن؛ يقال: إنّ النبي (ص) دعا شجرة كانت في موضعه، وهو في مسجد الجن، فسألها عن شيء، فأقبلت تخطّ بأصلها وعروقها الأرض، حتى وقفت بين يديه، فسألها عما يريد، ثم أمرها فرجعت، حتى انتهت إلى موضعها.
(ع). ومسجد بأعلى مكة عند سوق الغنم عند قرن مسقلة، (2)ويزعمون أنّ عنده بايع النبي (ص) الناس بمكة يوم الفتح.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي عن الزنجي، عن ابن جريج، حدثنا عبد الله بن عثمان خيثم أنّ محمد بن الأسود ابن خلف الخزاعي أخبره أنّ أباه الأسود حضر رسول الله (ص) عند قرن مسقلة بالمعلاة، قال: فرأيت النبي (ص) جاءه الرجال والنساء والصغار والكبار، فبايعهم على الإسلام والشهادة، قال: قلت: وما الشهادة؟ قال محمد بن الأسود: شهادة أن لا إله إلا الله، و أنّ محمداً عبده و رسوله.
و مسجد السّرَر: وهو المسجد الذي يسميه أهل مكة: مسجد عبدالصمد بن علي، كان بناه.
و مسجد بعرفة، عن يمين الموقف، يقال له مسجد إبراهيم، وليس بمسجد عرفة الذي يصلي فيه الإمام.
ومسجد الكبش بمنى.
ومسجد بأجياد، وموضع فيه يقال له (المتّكا)، سمعت جدي أحمد بن محمد، ويوسف بن محمد بن إبراهيم يسألان عن المتكا، وهل يصح عندهما أنّ النبي (ص) اتكى فيه؟
1) معنى الجنبذ كما يذكره الزبيدي الجنبذة، وقد تفتح الباء أي مع ضم الجيم على كل حال، أو هو لحن، وقد حكى الجوهري الفتح من العامة، وهو: ما ارتفع من الشيء واستدار كالقبة. قلت و هو فارسي معرب، وأصله: گنبد، وفي المحكم: والجنبذة: المرتفع من كل شيء، وما علا من الأرض، واستدار، ومكان مجنبذ: مرتفع، وهي صفة الجنة، ووسطها جنابذ من ذهب وفضة يسكنها قوم أهل الجنة كالأعراب في البادية ...، الزبيدي، محمد مرتضى الحسيني، تاج العروس، دراسة وتحقيق علي شيري 353: 5 بيروت: دارالفكر للطباعة والنشر والتوزيع، عام 1414 ه-/ 1994 م، مادة جنبذ.
2) «بين شعب ابن عامر و حرف دار رائعة في أصله، قال ابن ظهيرة: وهذا المسجد لايعرف الآن» رشدي ملحس، تحقيق كتاب أخبار مكة للأزرقي، 201: 2، هامش 5.
فرأيتهما ينكران ذلك ويقولان: لم نسمع به من ثبت؛ قال لي جدي: سمعت الزنجي مسلم بن خالد، وسعيد بن سالم القداح وغيرهما من أهل العلم يقولون: إنّ أمر المتّكا ليس بالقوي عندهم، بل يضعفونه، غير أنه يثبتون أنّ النبي (ص) صلى بأجياد الصغير، لايثبت ذلك الموضع، ولا يوقف عليه، قال: و لم أسمع أحداً من أهل مكة يثبت أمر المتّكا.
إنما قيل هذا حديثاً من الدهر، لم أسمع أحداً من أهل العلم يثبته.
قال أبو الوليد: وسألت جدي عنه فقال لي: متى بني هذا المسجد؟ إنما بني حديثاً من الدهر، ولقد سمعت بعض أهل العلم من أهل مكة يسأل عنه: أهذا المسجد مسجد إبراهيم خليل الرحمن؟ فينكر ذلك، ويقول: بل هو مسجد إبراهيم القبيسي، لإنسان كان في جبل أبي قبيس ساسي يسأل عنده.
فقلت لجدي: فإني سمعت بعض الناس يقول: إنّ إبراهيم خليل الرحمن حين أمر بالأذان في الناس بالحج، صعد على جبل أبي قبيس فأذن فوقه، فأنكر ذلك، وقال: لا لعمري ما بين أصحابنا اختلاف، إنّ إبراهيم خليل الرحمن حين أمر بالأذان في الناس بالحج، قام على مقام إبراهيم، فارتفع به المقام حتى صار أطول من الجبال، وأشرف على ما تحته، فقال: أيها الناس أجيبوا ربّكم، قال: وقد كنت ذكرت ذلك عند موضع ذكر المقام مفسراً.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، أخبرنا الزنجي عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة أنّ نافعاً حدثه أنّ عبدالله بن عمر أخبره أنّ رسول الله (ص)، كان ينزل بذي طوى حين يعتمر، وفي حجته حين حج (ص) تحت سمرة في موضع المسجد.
حدثنا أبو الوليد قال: وحدثني جدي، أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، قال: وحدثني نافع أنّ ابن عمر حدثه أنّ رسول الله (ص) كان ينزل بذي طوى، فيبيت به حتى يصلي الصبح حين يقدم مكة، ومصلّى رسول الله (ص) ذلك على أكمة غليظة ليس بالمسجد الذي بني ثم، ولكنه أسفل من الجبل الطويل الذي قبل باب الكعبة، يجعل المسجد الذي بني بيسار المسجد بطرف الأكمة، ومصلّى رسول الله (ص) أسفل منه على الأكمة السوداء، تدع من الأكمة عشرة أذرع، أو نحوها بيمين، ثم يصلي مستقبل الفرضين من الجبل الطويل الذي بينه وبين الكعبة.
فقلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: إقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: إقرأ، فقلت: ما أقرأ؟ فقال:
إقْرَأ بِاسْمِ ربِّكَ الَّذِى خَلَقَ* خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ* إقْرَأ وَربُّكَ الأكْرَمُ* الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ...، حتى بلغ مَا لَمْ يَعْلَمْ.
ذكر (ثور) وما جاء فيه: حدثنا أبو الوليد: حدثني محمد بن أبي عمر العدني، عن سعيد بن سالم القداح، عن عمر بن جميل الجمحي، عن ابن أبي مليكة: أنّ النبي (ص) لما خرج هو وأبو بكر إلى ثور، جعل أبوبكر يكون أمام النبي (ص) مرة، وخلفه مرة، قال: فسأله النبي (ص) عن ذلك فقال: إذا كنت أمامك خشيت أن تؤتى من خلفك، وإذا كنت خلفك خشيت أن توتى من أمامك حتى انتهينا إلى الغار، وهو في ثور، قال أبوبكر: كما أنت، حتى أدخل يدي فأجسه، فإن كان فيه دابة أصابتني قبلك، قال: وبلغنى أنه كان في الغار جحر، فألقم أبوبكر رجله ذلك الجحر، فرَقا أن يخرج منه دابة، أو شيء يؤذي رسول الله (ص).
ذكر مسجد البيعة: قال حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، قال: حدثنا داود بن عبد الرحمن العطار، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن أبي الزبير محمد بن مسلم، أنّه حدثه جابر بن عبد الله الأنصاري: أنّ رسول الله (ص) لبث بمكة عشر سنين، يتبع الحاج في منازلهم في الموسم بمجنة، وعكاظ، ومنازلهم بمنى يقول: من يؤويني، وينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة، فلا يجد أحداً يؤويه حتى إنّ الرجل يرحل صاحبه من مضر، أو اليمن فيأتيه قومه، أو ذو رحمه فيقولون: إحذر فتى قريش، لايفتنك يمشي بين رجالهم، يدعوهم إلى الله، يشيرون إليه بأصابعهم، حتى بعثنا الله له من يثرب، فيأتيه الرجل منا فيؤمن به، ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور يثرب، إلّا وفيها منا رهط من المسلمين يظهرون الإسلام، ثم بعثنا الله له فأتمرنا، واجتمعنا سبعين رجلًا منا، فقلنا: حتى متى ندع رسولالله (ص)، يُطرد في جبال مكة ويخاف!؟
فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم، فتواعدنا شعب العقبة، واجتمعنا فيه من رجل، ورجلين حتى توافينا عنده، وقلنا: يا رسول الله على ما نبايعك؟ قال: تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقوموا في الله لا تأخذكم في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم يثرب، فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم، وأبناءكم، وأزواجكم، ولكم الجنة.
فقمنا إليه نبايعه، فأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو أصغر السبعين رجلًا إلّا أنا، فقال: رويداً يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلّا ونحن نعلم أنه رسول الله (ص) إنّ إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على عض السيوف إذا مستكم، وعلى قتل خياركم، ومفارقة العرب كافة، فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون على أنفسكم خيفة فذروه، فهو أعذر لكم عند الله.
قالوا: أمط عنا يدك يا أسعد بن زرارة، فوالله لا نذر هذه البيعة، ولا نستقيلها، فقمنا إليه رجلًا رجلًا، يأخذ علينا شرطه، ويعطينا على ذلك الجنة.
1 (ع). مسجد الجعرانة: جاء عند الأزرقي: حدثنا عمرو بن دينار، عن عكرمة عن ابن عباس، أنّ رسول الله (ص) اعتمر أربع عمر: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء من قابل، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التي مع حجته.
قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي عن الزنجي، عن ابن جريج، قال: أخبرني زياد أنّ محمد بن طارق أخبره أنه اعتمر مع مجاهد من الجعرانة، وأحرم من وراء الوادي حيث الحجارة المنصوبة، قال: من هاهنا أحرم النبي (ص) وإني لأعرف أول من اتخذ هذا المسجد على الأكمة، بناه رجل من قريش سمّاه، واشترى مالًا عنده نخلًا، فبني المسجد؛ قال ابن جريج: فلقيت أنا محمد بن طارق، فسألته فقال: اتفقت أنا ومجاهد بالجعرانة فأخبرني أنّ المسجد القصي الذي من وراء الوادي بالعدوة القصوى، مصلّى النبي (ص) ما كان بالجعرانة، قال: فأما هذا المسجد الأدنى، فإنما بناه رجل من قريش، واتخذ ذلك الحائط ...
قال حدثنا أبو الوليد، حدثني جدي، قال: حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، قال: رأيت عطاء يصف الموضع الذي اعتمرت منه عائشة: قال: فأشار إلى الموضع الذي ابتنى فيه محمد بن علي الشافعي المسجد الذي وراء الأكمة، وهو المسجد الخراب.
قال الخزاعي: ثم عمّره أبوالعباس عبد الله بن محمد بن داود، وجعل على بئره قبة، وهو أمير مكة، ثم بنته العجوز وجودته، وأحسنت بناءه في سنة. (1)يلاحظ في السياق السابق دقة الإمام الأزرقي العلمية، وتحقيقه الصحيح من الروايات، وبيان ما تصح نسبته إلى التاريخ النبوي الشريف، والتثبت منه كما هو مشهور، ومعروف عنه؛ فقد انتشر كتابه هذا بين الناس بسبب دقته، وتنوع أخباره، وصحة أسانيده؛ فمن ثم بقي مصدراً رئيساً للمؤرخين والرحالة، وأصحاب المناسك، وكتب الفضائل، حتى إنّ القارئ لايكاد يجد واحداً من المؤلفين في الموضوع لم يعتمده في النقل، والإحالة عليه مباشرة في أغلب الأحيان، وبواسطة الناقلين عنه أحياناً أخرى. (2)* ثانياً: كتاب (أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه)
تأليف: أبو عبد الله محمد ابن إسحاق الفاكهي، المتوفى (عام 245 ه-/ 859 م). (3)خصص باباً بعنوان: (المواضع التي يستحب فيها الصلاة بمكة وآثار النبي (ص) فيها وتفسير ذلك).
ذكر تسعة عشر موضعاً وافق في بعضها سلفه العلامة الأزرقي، وزاد عليه مواضع أخرى، جاء ذكر هذه المواضع كالتالي:
البيت الذي ولد فيه رسول الله (ص) في دار أبي يوسف، ولم يزل هذا البيت في الدار حتى قدمت الخيزران أمّ الخليفتين: موسى وهارون، فجعلته مسجداً يصلى فيه، وأخرجته من الدار، وزعم بعض المكيين أنّ رجلًا من أهل مكة يقال له: سليمان بن أبي مرحب كان يذكر: أنّ ناساً سكنوا هذا البيت، ثم انتقلوا منه، قالوا: (والله ما أصابتنا فيه حاجة، ولاجائحة قط، فلما خرجنا منه اشتد علينا الزمان). وهو من أصحّ الآثار عند أهل مكة، يحقق ذلك مشايخهم.
بيت النبي (ص): وهو المنزل الذي كانت تنزله خديجة بنت خويلد (س) و فيه كان مسكن رسول الله (ص)، وفيه ابتنى (ص) بها، وولدت فيه خديجة (س) أولادها جميعاً، وفيه توفيت رضي الله عنها، فلم يزل رسول الله (ص) ساكناً فيه حتى خرج زمن الهجرة، فأخذه عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه، فيما أخذه، فاشتراه معاوية وهو خليفة، فاتخذه مسجداً يصلى فيه وبناه بناءاً جيّداً.
وحدوده الحدود التي كانت لبيت خديجة (س) لم تغير، غير أن معاوية بن أبي سفيان، لما بناه فتح فيه باباً من دار أبي سفيان بن حرب بن أمية، و هي الدار التي قال رسول الله (ص) فيها يوم الفتح: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن»، وهي التي عرفت في زمن الفاكهي برائطة بنت أبي العباس ...
الموضع الذي بأجياد الصغير، وهو الذي كان يقال له (المتّكا).
مسجد دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي: عند الصفا في الدار التي تعرف بالخيزران، كان رسول الله (ص) مختفياً فيها، وفيه أسلم عمر بن الخطاب، وكان النبي (ص) يدعو فيها إلى الإسلام.
مسجد بعرفة عن يمين الإمام في الموقف، يقال له: مسجد إبراهيم، و ليس بمسجد عرفة؛ حدثنا علي بن المنذر الكوفي قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا يزيد بن أبي زياد، قال: خرجنا مع مجاهد نسير حتى إذا خرجنا من الحرم نحو عرفات، قال: هل لكم في مسجد كان ابن عمر يستحب أن يصلي فيه؟ قال: قلنا: نعم، فصلينا فيه، ثم قال: لقد صلّى فيه سبعون نبياً كلّهم يؤم الخيف.
مسجد الكبش الذي بمنى: وإنّما سمي مسجد الكبش، لأنّ الكبش الذي ذبح إبراهيم فداء إسماعيل صلوات الله على محمد وعليهما وسلم، نزل عليه في موضع المسجد.
(ع). مسجد بأعلى مكة، عند الردم الأعلى عند بئر جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل، ويقال لها: البئر العليا، يقول: إنّ النبي (ص) صلّى فيه.
عن عبد الرحمن بن كيسان قال: حدثني أبي: قال: رأيت النبي (ص) يصلي الظهر والعصر، متلبساً بثوب عند البئر العليا.
وقد بنى هذا المسجد عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد، وبنى جنيبذاً، إلى جنبه حوضاً يسقى فيه الماء.
وسمعت بعض أهل مكة من الفقهاء يقول: كان الناس لا يجاوزون في السكن في قديم الدهر هذه البئر، إنما كان الناس فيما دونها إلى المسجد، وما فوق ذلك خال من الناس.
مسجد بأعلى مكة، يقال له: مسجد الحرس، وهو الذي يعرف به اليوم، وإنّما سمي مسجد الحرس، لأنّ صاحب الحرس بمكة كان يطوف، فيجتمع إليه أعوانه من شعاب مكة، وأرباعها عند ذلك المسجد، فسمي مسجد الحرس، وهو في طرف الحجون، وهو مسجد الجن الذي خط فيه رسولالله (ص) لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه خطاً ...، أما الجن الذين لقوه (ص) بنخلة فجن نينوى، وأما الجن الذين لقوه (ص) بمكة فجن نُصيَبين.
مسجد البيعة: بيعة الأنصار ليلة العقبة، عقبة منى.
مسجد بذي طوى: عند مفترق الطريقين، طريق التنعيم، وطريق جدّة، يقال له: مسجدالنبي (ص).
مسجد يقال له: مسجد الشجرة، بأعلى مكة في دبر دار منارة البيضاء، التي عند سفح الجبل مقابل الحجون، بحذاء مسجد الحرس، كانت فيه شجرة، وأنّ النبي (ص) دعاها من موضعها فجاءته.
مسجد يقال له السّرَر: وهو الذي بناه عبدالصمد بن علي؛ عن محمد بن عمران الأنصاري، عن أبيه أنه قال: عدل إليّ عبد الله بن عمر و أنا نازل تحت سرحة بطريق مكة، فقال: ما أتى بك تحت هذه الشجرة؟ قلت: أردت ظلّها؛ قال: فهل غير هذا؟ قلت: لا، ما أنزلني إلّا ذلك؛ قال عبد الله: قال رسول الله (ص): «إذا كنت بين الأخشبين من منى- ونفح بيده نحو المشرق- فإنّ هناك وادياً يقال له: السّرر، به سرحة نزل تحتها سبعون نبياً».
مسجد عند البرّامين: إلى الجدر الذي يلي دار عمر بن عبدالعزيز، مقابل جدار أبي سفيان، يزعم بعض المكيين أنّ النبي (ص) كان كثيراً مّا يجلس فيه، وكان لبيت خديجة (س) طريق إليه إلى جنب دار أبي سفيان.
مسجد عند شعب علي بن أبي طالب (ع): يقال: إنه دخل في دار الحارث بن عبد المطلب، وإنّ النبي (ص) كان يصلي فيه، ويجلس فيه، فالله أعلم كيف ذلك.
مسجد بذي طوى: عند ثنية المدنيين المشرفة على مقبرة مكة، وبين الثنية التي تهبط على الحصحاص، وذلك المسجد بنته زبيدة بأزج. (1)16. مسجد الشجرة، حدثني عبدالله بن أحمد قال حدثني إبراهيم بن عمرو، قال أخبرني عبد المجيد بن أبي داود عن أبيه قال: زعموا أنّ النبي (ص) صلى في مسجد الشجرة، يعني المسجد الذي دون يأجج.
1 (ع). مسجد في جبل ثور، في طريق عرنة على يسارك، وهو الغار الذي ذكره الله عزّوجلّ في كتابه يقول:
إذْ همَا فىِ الغارِ إذْ يقولُ لِصَاحِبه لَا تحَزنْ إنَّ اللهَ مَعَنَا ....
بالمقارنة بين قائمة الأماكن الإسلامية التاريخية عند الأزرقي، والإمام الفاكهي، نجد أنّ بينهما اتفاقاً على تسمية بعض الأماكن، و صلتها بالنبي (ص) و التاريخ الإسلامي و هي:
البيت الذي ولد فيه رسول الله (ص).
بيت النبي (ص): وهو المنزل الذي كانت تنزله أمّ المؤمنين خديجة بنت خويلد (س).
دارالأرقم بن أبي الأرقم المخزومي.
مسجد بعرفة عن يمين الإمام في الموقف، يقال له مسجد إبراهيم وليس بمسجد نمرة.
مسجد الحرس (مسجد الجن) بأعلى مكة.
مسجد البيعة.
مسجد بذي طوى، عند مفترق الطريقين: طريق التنعيم، وطريق جدّة.
مسجد الشجرة بأعلى مكة.
مسجد السرر.
جبل ثور.
جبل حراء.
هذه مجموعة من الأماكن، متفق على أنها مأثورة متواترة، لم يحك فيها اختلاف بين العلماء حتى القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي.
و احتوت القائمة عند الإمام الفاكهي إضافات جديدة، زيادة على ما هو موجود لدى الإمام الأزرقي، فذكر عناوين لبعض الأماكن الإسلامية التي أصبحت مساجد، لعلاقتها التاريخية بالنبي (ص)، و هي:
مسجد عند شعب علي بن أبي طالب (ع).
مسجد البرّامين.
يقتضي البحث التاريخي بعد هذا، استقراء هذه الأماكن الإسلامية المأثورة في مكة المكرمة عبر القرون التالية.
للحافظ أبي الطيب تقي الدين محمد بن أحمد بن علي الفاسي المكي المالكي ( (ع) (ع) 5- 832 ه-/ 13 (ع) 3- 1428 م). (1)خصّ الباب الحادي و العشرين: (في ذكر الأماكن المباركة التي ينبغي زيارتها، الكائنة بمكة المشرفة وحرمها وقربه)، و قد صنفها أقساماً: مساجد، و دوراً، و جبالًا، و مقابر.
و مما تجدر الإشارة إليه أنّ الإمام تقي الدين الفاسي، جدد المعلومات عن هذه الأمكنة، و وصفها وصفاً دقيقاً على ما كانت عليه حالها في زمنه، فقد جاء في ثنايا كتابته عن بعضها في أكثر من موضع هذه العبارة: «و كان تحرير ما ذكرناه بحضوري»، مما يقدر له تمام الاهتمام و التحرير و التدقيق.
1) الطبعة الثانية، تحقيق و مقابلة أيمن فؤاد سيد ومصطفى محمد الذهبي، مكة المكرمة: مكتبة ومطبعة النهضة الحديثة، عام 1999 م.
ليس هذا فحسب، بل إنه يصحّح الصحيح منها، ويؤكده بتحقيقه بالوسائل العلمية، والنقول المتوافرة لديه، ويضعّف الضعيف منها بأسلوب علمي موضوعي، الأمر الذي يقوي الثقة في اعتماد كتاباته، والتسليم بها، ليس غريباً من الإمام تقي الدين الفاسي، فهو محدث، فقيه، تولى القضاء بمكة المكرمة، دوّن في كتابه ما دوّن من حقائق، بحاسة العالم الذي يحمل أمانة علمية، ينبغي أن يؤديها على وجهها الأكمل، وقد فعل رحمه الله تعالى، فأدى الأمانة بكل صدق وإخلاص.
تجلى هذا فيما ذكره تحت العنوان السابق في صفحات عديدة يصعب نقلها كاملة هنا، و لكن يتمّ الاقتباس لأجزاء منها بما يتفق و أهداف هذا البحث؛ لتقديم صورة واضحة عن هذه الأماكن المأثورة المتواترة لاحقاً عن سابق، في تواتر علمي سليم، بل إنّ هذا يعدّ من خصائص المدرسة التاريخية المكيّة بالتسلسل من الإمام الأزرقي، نزولًا إلى الإمام تقي الدين الفاسي، و قد جاء العرض على النحو التالي:
«هذه الأماكن مساجد، و دور، و جبال، و مقابر، و المساجد أكثر من غيرها، إلّا أنّ بعضها مشتهر باسم المولد، و بعضها باسم الدار، والمقصود ذكره هنا ما اشتهر من ذلك بالمساجد ... فمن ذلك:
أحدهما بخط عبد الرحمن بن أبي حرمى، وفيه: أنه عمر في رجب سنة ثمان وثمانين وخمسمائة؛ و في الآخر أنه عمر في سنة سبع وأربعين وستمائة.
ثم ذكر مساحة هذا المسجد، والمسافة بينه وبين جدار باب بني شيبة، ثم أردف ذلك بقوله:" وحدّد ذلك بحضوري أيضاً.."، وفي تحقيق هذا الموقع يرد على من يقول: إنه الموقع الذي بايع النبي (ص) الناس عنده يوم الفتح فيقول:
«ويوهم بعض أهل العصر أنّ هذا المسجد هو المسجد الذي ذكر الأزرقي أنّ عنده قرن مسقلة عند موقف الغنم، وأنّ النبي (ص) بايع الناس عنده يوم فتح مكة، على ما يقال، وسبب هذا التوهم أنّ المسجد الذي ذكرنا ذرعه، وشيئاً من خبره يلحق بجبل، و عنده الآن سوق الغنم، وليس هذا التوهم صحيحاً؛ لأنّ الجبل الذي عنده هذا المسجد، هو المشرف على المروة، ويسمى جبل الديلمي، على ما ذكره الأزرقي، وهو في شق معلَّى مكة الشامي، وقرن مسقلة الذي أشار إليه الأزرقي، ذكره الأزرقي في شق معلَّى مكة اليماني.
1) شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام، 493: 1.
ومن ذلك مساجد خارج مكة من أعلاها منها:
وهذا المسجد الآن متخرب جداً، وجدرانه ساقطة إلّا القبلي، وفيه حجر مكتوب فيه أنه مسجد الإجابة، وأنّ عبد الله بن محمد عمّره في سنة عشرين وسبعمائة..، ثم ذكر مساحة المسجد، وأنّه «حرّر ذلك بحضوري». (1)6. مسجد البيعة: وهي البيعة التي بايع رسول الله (ص) فيها الأنصار، بحضرة عمّه العباس بن عبدالمطلب ... وهذا المسجد بقرب العقبة التي هي حدّ منى من جهة مكة، وهو وراء العقبة بيسير إلى مكة في شعب على يسار الداخل إلى منى؛ ثم تحدث عن الحجارة المكتوبة، ثم وصفه وصفاً دقيقاً، و ذكر مساحته، و كرّر عبارة «وكان تحرير ما ذكرناه بحضوري». (2)(ع). مسجد بمنى، عند الدار المعروفة بدار المنحر، بين الجمرة الأولى والوسطى، على يمين الصاعد إلى عرفة، وهذا المسجد ينسب إلى النبي (ص) على ما يقال؛ لأنّ فيه حجراً مكتوباً فيه:" هذا مسجد سيّد الأولين والآخرين صلّى فيه الضحى، ونحر هديه ..." وذكر مساحته ووصفه، وأنه كان" تحرير ذلك بحضوري". (3)8. مسجد الكبش بمنى، على يسار الذاهب إلى عرفة: وهو مشهور بمنى، والكبش المشار إليه هو الذي فدى الله تعالى به نبيّه إسماعيل بن إبراهيم (عليهما السلام)، و هذا المنحر هو الدار المعروفة بدار المنحر بمنى بين الجمرتين: الأولى والوسطى، بقرب المسجد الذي سبق ذكره قبل هذا، وهي مشهورة بذلك عند الناس، وعندها ينحر هدي صاحب اليمن ...، (4)ثم تطرق إلى وصفه، وذكر مساحته.
وبه إلى ابن جريج عن إسماعيل بن أمية أنّ خالد بن مضرس أخبره أنه رأى أشياخاً من الأنصار، يتحرّون مصلّى النبي (ص) أمام المنارة قريباً منها، وبه إلى الأزرقي قال: قال جدّي: الأحجار التي بين يدي المنارة هو موضع مصلّى النبي (ص) ولم يزل الناس وأهل العلم يصلّون هنالك. (1)وقد أسهب العلامة الفاسي في الحديث عن مسجدالخيف، واستحباب زيارته، والأحاديث الواردة في ذلك، ثم تطرق للحديث عنه من الناحية المعمارية، وامتداد مساحته، وتحديد مصلّى النبي (ص) به، كما تكلم عن بعض المعالم الحضارية به: المنارة، والسقاية، والذين تولّوا عمارته من الولاة والتجّار؛ واقترح في نهاية عرضه بعض المقترحات المعمارية فيما يخص بابه. (2)10. المسجد الذي اعتمرت منه عائشة، بعد حجّها في حجة الوداع، و هذا المسجد بالتنعيم، تحدث الفاسي هنا عن من قام بتعميره من الخلفاء والملوك، والأعيان، كما حرّر مساحته. (3)11. مسجد الفتح بالقرب من الجموم، من وادي مر الظهران، يقال: إنّه من المساجد التي صلّى فيها النبي (ص) بين مكة والمدينة، ذكره شيخنا القاضي زين الدين بن حسين المراغي المدني في تاريخه للمدينة المنورة، في المساجد التي نقل أنّ النبي (ص) صلّى فيها بين مكة والمدينة، ونص كلامه:
«ومسجد في المسيل الذي بوادي مر الظهران، حين يهبط من الصفراوات عن يسار الطريق وأنت ذاهب إلى مكة، ومرّ الظهران هو بطن مر، المعروف الآن بمسجد الفتح».
أخيراً اختتم هذا الجزء من هذا الباب بقوله: «فهذه الأماكن المباركة بمكة وحرمها، وقربه، المعروفة الآن بالمساجد، وقد ذكر الأزرقي مساجد أخر لا يعرف موضعها الآن..». (4)ثم انتقل إلى عنوان جديد آخر: (ذكر المواضع المباركة بمكة المشرفة المعروفة بالمواليد)، بدأها بقوله:
«هذه المواضع هي مساجد، وإنما هي معروفة عند الناس ب- (المواليد) و لذلك أفردناها عن المساجد بالذكر، فمنها:
والمستغرب من ذلك ما قيل من أنّ النبي (ص) ولد بالردم، وقيل بعسفان، والقول بأنه ولد بالردم، رواه أبوحفص بن شاهين في الناسخ والمنسوخ؛ لأنه قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن جراد قال: ولد رسول الله (ص)
بالردم، وختن بالردم، واستبعث من الردم، وحمل من الردم، قال البكري: ردم بني جمح بمكة، كانت فيه حرب بينهم وبين بني محارب بن فهر، فقتلت بنو محارب من بني جمح أشد القتل، فسمي ذلك الموضع بما ردم عليه من القتل؛ انتهى. (1)ثم تحدث فيما بعد عن الموضوعات التالية فيما يخصّ هذا المكان الشريف: ما ورد في بركة الموضع، وصفته على ما أدركه الفاسي وتحديد مساحته، وأخيراً ذكر أسماء الخلفاء الذين تولّوا عمارته.
الأول: الموضع الذي يقال له: مولد فاطمة.
والثاني: الموضع الذي يقال له: قبة الوحي، وهو ملاصق لمولد فاطمة.
والثالث: الموضع الذي يقال له: المختبأ، وهو ملاصق لقبة الوحي، وهذه الدار أفضل الأماكن بمكة بعد المسجدالحرام، على ما ذكر المحب الطبري، ولعلّ ذلك لسكنى النبي (ص) فيها سنين كثيرة، من حين تزوج خديجة، وإلى حين هاجر؛ ولكثرة نزول الوحي عليه فيها، وفيها بنى النبي (ص) بخديجة، وفيها ولدت أولادها منه، وفيها ماتت (س). (3)3. ومنها الموضع الذي يقال له: مولد علي بن أبي طالب (ع) قريباً من مولد النبي (ص) من أعلاه مما يلي الجبل، وهو مشهور عند أهل مكة بذلك، لا اختلاف بينهم فيه، ولم يذكره الأزرقي، وذكره ابن جبير، وعلى بابه مكتوب: هذا مولد أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وفيه ربي رسول الله (ص)؛ أمر بعمله سيدنا ومولانا أبوالعباس أحمد بن الناصر لدين الله أميرالمؤمنين في سنة ثمان وستمائة. (4)ثم تكلم على صفة المكان، وذرعه، يذكر العلامة عفيف الدين عبد الله الميرغني الرأي الآخر، بأنّ علياً (ع) «ولد في جوف الكعبة، وضعفه النووي، (5)وهو يشير بهذا إلى موقف آخر يتبناه علماء الشيعة وهو أنّ ولادة أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه كان بالكعبة المشرفة، ومن المؤلفات الجامعة لهذا الموقف كتاب (وليد الكعبة). (6)
1) المصدر السابق.
2) المصدر السابق، 511: 1.
3) المصدر السابق.
4) المصدر السابق،: 512.
5) عدة الإنابة في أماكن الإجابة،: 210، الطبعة الأولى، تحقيق عبدالله نذير أحمد مزي، مكةالمكرمة: المكتبة المكية، عام 1429 ه-/ 2008 م، في التعريف بهذا المكان يقول المحقق: «وهو بالمحل المعروف بشعب علي، وهو مقابل لمولد النبي 9 من أعلاه مما يلي الجبل، مشهور عند أهل مكة، لا اختلاف فيه، جامع اللطيف: 287».
6) من إعداد وتقديم السيد محمدرضا الحسيني الجلالي، الطبعة الأولى، إيران: مطبعة شريعت، عام 1383/ 1425 ه-.
«ولا أثر له الآن، فأصبح مواقف سيارات على يسار المولد النبوي للمتجه إلى الحرم». (1)4. ومنها الموضع الذي يقال له مولد جعفر الصادق (ع) بالدار المعروفة بدار أبي سعيد بقرب دارالعجلة؛ لأنّ على بابه حجراً مكتوباً فيه: (هذا مولد جعفر الصادق، ودخله النبي (ص)، (2)ثم ذكر مساحته، ومن قام بعمارته.
ثم وضع تحت عنوان: (ذكر الدور المباركة بمكة المشرفة) فجاءت منتظمة حسب الترتيب التالي:
دار أمّ المؤمنين السيدة خديجة (س)، وقد سبق الحديث عنه.
ومنها على مايقال: دار لأبي بكر، بهذا الزقاق، وهي مشهورة فيه، وعلى بابها حجر مكتوب فيه: هذه الدار دار صاحب رسول الله (ص) في الغار، ورفيقه في الأسفار. (3)ثم تناول الجانب التاريخي لهذه الدار، ووصف المسجد الذي بها.
ومنها دار الأرقم المخزومي، وهي الدار المعروفة بدار الخيزران عند الصفا؛ والمقصود بالزيارة منها هو المسجد الذي فيها، وهو مشهور من المساجد التي ذكرها الأزرقي ... ولعل هذا الموضع أفضل الأماكن بمكة بعد دار خديجة بنت خويلد (س)، لكثرة مكث النبي (ص) فيه يدعو الناس للإسلام مستخفياً، وإقامته (ص) بهذا الموضع دون إقامته بدار خديجة، ولذلك كانت أفضل من هذا الموضع، والله أعلم. (4)وقد تكلم عن وصف هذا المسجد، ومساحته، والكتابة الموجودة على اللوحة الموجودة فيه.
(ع). ومن الدور المباركة بمكة، دار العباس بن عبدالمطلب بالمسعى؛ وفيها العلم الأخضر وهي الآن رباط للفقراء. (5)هذه جملة الأماكن الإسلامية المأثورة في مكة المكرمة، على ما وصل إليه تعدادها مصنفة لدى تقي الدين الفاسي.
و ذكر، بعد ما تقدم عنواناً آخر، هو: (ذكر الجبال المباركة بمكة وحرمها)، وضمن ما جاء فيه:
ومن تصنيفات الفاسي المهمة في هذا الموضوع، ما ذكره في الباب الثاني والعشرين: (في ذكر أماكن بمكة المشرفة التي لها تعلق بالمناسك، وهي ستة وعشرون موضعاً، مرتبة على ترتيب حروف المعجم)، تكلم عنها بالتفصيل. (1)* رابعاً، كتاب: (الجامع اللطيف في فضل مكة وأهلها وبناء البيت الشريف)
تأليف العلامة جمال الدين محمد جار الله بن محمد نور الدين بن أبي بكر بن علي بن ظهيرة القرشي المخزومي (ت 986 ه-/ 15 (ع) 8 م). (2)خصّ الخاتمة (في ذكر الأماكن المعظمة والمشاهد المكرمة التي تقصد زيارتها المشهورة بالفضل بمكة شرفها الله تعالى، وحرمها، وضواحيها، من المواليد، والدور، والمساجد، والجبال، والمقابر، وما أشبه ذلك).
بدأ أول ما بدأ بذكر المواليد فقال:
" وكون هذا المكان مولده (ص) مشهور، متوارث، يأثره الخلف عن السلف، وجرت العادة بمكة في ليلة الثاني عشر من ربيع الأول في كل عام، أنّ قاضي مكة الشافعي يتهيأ لزيارة هذا المحل الشريف بعد صلاة المغرب، في جمع عظيم، منهم الثلاثة القضاة، وأكثر الأعيان من الفقهاء، والفضلاء، وذوي البيوت، بفوانيس كثيرة، وشموع عظيمة، وزحام عظيم". (3)ثم استمر في عرض هذه الأماكن بالتفصيل، يرد ذكرها هنا مجملة كالتالي:
2." مولد السيدة فاطمة (س) ابنة سيدنا رسول الله (ص)"، وهو في دار أمّها خديجة (س)، بمكة في الزقاق المعروف بزقاق الحجر، وسماها الطبري: دارخزيمة، وغالب هذه الدار كانت في زمن المؤلف، على صفة المسجد، وكانت بها قبة يقال لها: قبة الوحي، إلى جنبها موضع يزوره الناس يسمى المختبأ، زعموا أنّ النبي (ص) كان يختبئ فيه من الحجارة التي يرميه بها المشركون، ولا أصل لذلك.
ومنها فيما قيل مولد سيدنا حمزة بن عبد المطلب، عم النبي (ص)، وهو بأسفل مكة على طريق الذاهب إلى بركة الماجن، (بالنون)، وأهل مكة يقولون: ماجد (بالدال)، وهو خطأ، قال الفاسي: ولم أر شيئاً يدل على صحة ذلك، بل في صحته نظر؛ لأنّ هذا الموضع ليس محلًا لبني هاشم، والله أعلم.
مكان يذكر أنه موضع ولادة عمر بن الخطاب، وقد ضعفه الفاسي فيقول: «ولا أعلم في ذلك شيئا يستأنس به ...»
ومنها موضع .. يقال له مولد جعفر الصادق (ع) ... (1)ثم استمر في ذكر الدور المباركة، فأعاد ذكر ما قد سبق ذكره منها، باعتبار أنها مساجد، وذكر من هذه الدور (دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي المعروفة (في عهده) بدار الخيزران المجاورة للصفا، والمقصود بالزيارة المسجد الذي فيها، لأنّ النبي 9 كان مستتراً فيه مبدأ الإسلام، وفيه أسلم عمر بن الخطاب، وحمزة بن عبدالمطلب وغيرهما، ومنه ظهر الإسلام، وبه كان اجتماع الصحابة، فله فضل كبير، وهذا المسجد بنته الخيزران جارية المهدي العباسي ...
و ذكر هنا أيضاً: دار العباس بن عبد المطلب، التي أصبحت فيما بعد رباط للفقراء بالمسعى المعظم، وكان في جدارها الميلان الأخضران اللذان يسنّ الجري بينهما حالة السعي. (2)ثم ذكر المساجد المأثورة في منى وجهتها فقال: منها ما هو موجود معروف إلى يومنا هذا، ومنها ما هو داثر لايعرف بمكة وخارجها، ثم ذكر المساجد المعروفة في وقته، فعدّدها وذكر منها: مسجد البيعة، ومسجد الجن، ومسجد الإجابة المعروفة في وقتنا الحاضر.
أخيراً استعرض (المساجد التي في منى وجهتها) وذكر منها: مسجد البيعة، مسجد النحر بين الجمرتين: الجمرة الأولى والوسطى على يمين الذاهب إلى عرفة، ومنها: مسجد الكبش على يسار الصاعد إلى عرفة بسفح ثبير، ومنها: مسجد عائشة، وهو بسفح ثبير أيضاً، ومنها: مسجد الخيف، ومنها: بلحف الجبل المشرف على مسجد الخيف المسمى بالضب (بمعجمة موحدة) نقله الصغاني، وبالصفايح أيضاً (بصاد مهملة، آخره تحتية ومهملة)، وقيل: الصابح ... ويعرف بغار المرسلات، وهو مشهور به إلى هذا الوقت، وفي (صحيح البخاري) في (باب ما يقتله المحرم من الدواب) من رواية ابن مسعود أنه قال: بينما نحن مع النبي (ص) في غار بمنى إذ نزلت عليه: والمُرْسَلاتِ عُرْفاً، وإنه ليتلوها، وإني لأتلقاها من فيه، وإنّ فاه لرطب بها، إذ وثبت علينا حية، فقال النبي (ص): أقتلوها، فابتدرناها فذهبت، فقال النبي (ص): وقيت شركم، كما وقيتم شرها. ومنها: مسجد عرفة الذي يصلي فيه الإمام، وهو مشهور.. ومنها: مسجد التنعيم التي اعتمرت منها عائشة بعد حجها عام حجة الوداع ...، ومنها: مسجد الجعرانة وهو الذي أحرم منه النبي (ص) بعمرة مرجعه من الطائف بعد فتح مكة ... (3)
وقد تعقب العلامة جمال الدين محمد بن ظهيرة المساجد التي ذكرها الإمام الأزرقي، ولم تعرف في وقته فقال:" وأما المساجد التي ذكرها الأزرقي، ولم تعرف الآن فخمسة مساجد:
الأول: مسجد بأعلى مكة، بين شعب ابن عامر المعروف الآن بشعب عامر.
الثاني: مسجد بأجياد، يقال: إنّ النبي (ص) اتكأ هناك في موضع منه، قال الأزرقي: إنّ أهل العلم ينكرون ذلك، وإنما يثبتون أنه صلّى بأجياد الصغير، و لايوقف على موضع مصلاه أيضاً تحقيقاّ بل حدساً بغير أصل.
الثالث: مسجد بأعلى مكة يقابل مسجد الحرس، يقال له: مسجد الشجرة قيل: إنّ النبي 9 كان بمسجد الحرس، فدعا شجرة كانت في هذا المسجد، فأقبلت عليه، فسألها عن شيء، ثم أمرها بالرجوع فرجعت إلى موضعها، وقد دثر.
الرابع: مسجد بذي طوى، في علومكة بين الثنيتين اللتين يدخل منهما الحاج.
الخامس: مسجد السرر .. غير أنّ تعيين محله يقيناً لايوقف عليه الآن بل جهته.
السادس: مسجد بعرفة عن يمين الموقف يقال له: مسجد إبراهيم، وليس بمسجد عرفة الذي يصلي فيه الإمام.
فهذه المساجد المذكورة لم تعرف الآن ... (1)* خامساً: كتاب (الإعلام بأعلام بيت الله الحرام في تاريخ مكة المشرفة).
تأليف الإمام محمد قطب الدين بن أحمد علاء الدين بن محمد النهروالي المكي الشهير بالقطبي (91 (ع)- 990 ه-/ 1511- 1582 م).
جعل الحديث عن الأماكن التاريخية المأثورة خاتمة كتابه بعنوان:
(خاتمة في ذكر المواضع المباركة والأماكن المأثورة بمكة المشرفة)، وقد عرض لها بشكل مفصل، وتتبع تاريخي منتظم، بدءاً من المواضع التي وردت في رسالة الإمام الحسن البصري، ثم ذكر الزيادات التي ذكرها النقاش فيما يتصل بهذه الأمكنة، جاء في مقدمتها:
«دار السيدة خديجة (س)، ثم مولد النبي (ص)، ثم دار الأرقم المخزومي»، ثم ذكر بقية الأمكنة، وما يتصل بتاريخها، وعمارتها.
اقتصر الإمام القطبي النهروالي .. على المعروف منها في عصره، وهو ما أنهى مقالته بقوله: «فاقتصرنا على المعروف منها». (2)* سادساً: كتاب (الأرج المسكي في التاريخ المكي وتراجم الملوك والخلفاء)
تأليف: علي بن عبد القادر الطبري (ت 10 (ع) 0 ه-/ 1659 م). (1)عقد (الفصل الثالث: في الأماكن المشهورة فيها [مكة]، وفي المساجد) فقال: «بمكة ونواحيها أماكن مشهورة يستحب زيارتها، ومساجد متعددة غير المسجد الحرام، و رُبط كثيرة ذكرها المتقدمون، فما نبّه المتقدمون عليه من المساجد المأثورة، ننبّه عليه عند ذكره، ونذكر الجميع باعتبار ما هو موجود في زمننا، والمواليد التي ذكروها صارت في زمننا كلها مساجد». (2)فبدأ أول ما بدأ بذكر مكان ولادة النبي (ص) قائلًا: «بفم شعب علي، وهو معروف وقد ذكروه، وكان عمّره الناصر العباسي (553- 622 ه-/ 1158- 1225 م)، ثم الأشرف شعبان صاحب مصر، ثم الناصر فرج بن برقوق، ثم الملك المظفر الغساني صاحب اليمن، ثم السلطان سليمان خان، فعمّره قبة ومسجداً يصلى فيه، وذلك في عام خمسة وثلاثين وتسعمائة، ثم عمّره سلطان الإسلام ومرجع الخاص والعام مولانا السلطان الغازي محمد خان ابن مولانا المقدس السلطان مراد خان، وذلك في سنة تسع بعد الألف، وكانت هذه العمارة على يد شخص من أكابر الدولة العثمانية يقال له: غضنفير أغا، وأنفق على ذلك أموالًا عظيمة، ورفع جدران المحل المذكور، وجعل عليه قبة عظيمة، ومنارة، وأوقف عليه وقفاً بالديار الرومية، ورتب له مؤذناً، وخادماً، وإماماً، وجعل لكلٍ في كل عام شيئاً معيناً، يحمل من مغلات الوقف المذكور، ويقسم عليهم، ثم جعلت له السلطنة الشريفة مدرساً بمعلوم، يدرس في يومين من أيام الأسبوع بالمحل المذكور.
ومنها: مولد السيدة فاطمة (س)، وهو بزقاق الحجر على يمين الذاهب إلى المسجد الحرام.
ومنها دارخديجة: وهو بجانب مولد السيدة فاطمة (س)، ودار خديجة (س)، أفضل محل بالحرم بعد المسجد الحرام.
ومنها دار الخيزران: و هي الصفا معروفة، وقد ذكروها، و فيها مسجد يقال له: (المختبأ)، لأنّ النبي (ص) كان مستتراً فيه في مبدأ الاسلام، و صار لفظها بالمسجد يطلق عليها كلها، و لها إمام وخادم ... (3)هكذا يستمر المؤرخون المكيون في تتابع وتواتر علمي في توثيق هذه الأمكنة، وبيان ما طرأ عليها من إصلاحات، واهتمام الملوك والولاة المسلمين بها، حتى العصر الحاضر من هؤلاء.
تأليف: علي بن تاج الدين بن تقي الدين السنجاري، (105 (ع)- 1125 ه-/ 164 (ع)- 1 (ع) 13 م). (4)ذكر: (أماكن مكة و مزاراتها) فجاء تحت هذا العنوان العبارة التالية: «و بمكة أماكن كثيرة، ومزارات مشهورة، وقد ذكرها المؤرخون في مطولاتهم، وسيأتي ذكر بعضها في محل الحاجة ..». (5)
1) الطبعة الأولى، تحقيق و تقديم أشرف أحمد جمال، مكة المكرمة: المكتبة التجارية، مصطفى باز، عام 1416 ه-/ 1996 م.
2) الأرج المسكي في التاريخ المكي و تراجم الملوك و الخلفاء،: 68.
3) الأرج المسكي في التاريخ المكي و تراجم الملوك والخلفاء: 70.
4) الطبعة الأولى دراسة وتحقيق: جميل عبدالله محمد المصري، مكة المكرمة: جامعة أم القرى، عام 1419 ه-/ 1998 م، 1:.
5) منائح الكرم في أخبار مكة والبيت و ولاة الحرم، 226: 1.
تأليف: العلامة محمد بن أحمد بن سالم بن عمر المكي المالكي، المعروف بابن الصباغ (ت 1321 ه-/ 1903 م). (1)عقد الفصل الثالث في (الأماكن التي يستجاب فيها الدعاء بمكة المشرفة وحرمها، وما قاربها ...)، ثم قال:" و ذكر القاضي مجد الدين الشيرازي في كتابه: (الوصل والمنى) مواضع أخر بمكة وحرمها يستجاب فيها الدعاء؛ لأنه نقل عن النقاش المفسر أنه قال في منسكه: ويستجاب الدعاء على ثبير، وفي مسجد الكبش، زاد غيره وفي مسجد الخيف ..» إلى أن قال: وفي دار خديجة زوج النبي (ص) ليلة الجمعة، وفي مولد النبي (ص) يوم الاثنين عند الزوال، وفي دار الخيزران عند المختبأ بعد العشاءين". (2)* تاسعاً: (سالنامة العربية في شأن الدولة العثمانية) الصادرة عام 1303 ه-/ 1885 م. (3)ذكرت (المواضع المباركة المأثورة بمكة شرفها الله تعالى) بإسهاب، وذكرت ما جرى عليها من إصلاحات وتطوير. (4)* عاشراً: أحمد بن محمد الحضراوي (1252- 132 (ع) ه-) في كتابه:
(العقد الثمين في فضائل البلد الأمين).
خص الفصل الثالث (في مآثرها [مكة المكرمة] المشتملة عليها)، وصلت لديه إلى واحد وثلاثين موضعاً، لم يكن عرضه مقصوراً على ما هو منسوب منها للنبي (ص) بل سرد ما يتصل ببعض الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، عرض لكل ما ذكره السابقون، صحح منها الصحيح، وزيف منها ما ليس صحيحاً.
الفصل الثالث: في ذكر المساجد المأثورة المباركة. (6)
1) الطبعة الأولى دراسة وتحقيق عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، مكة المكرمة: مكتبة الأسدي، عام 1424 ه-/ 2004 م.
2) تحصيل المرام في أخبار البيت الحرام والمشاعر العظام ومكة والحرم وولاتها الفخام، 586: 2.
3) الطبعة الثانية، مكة المكرمة: المطبعة الميرية، عام 1303 ه-.
4) سالنامة العربية في شأن الدولة العثمانية،: 148.
5) مرقوم بالكومبيوتر، دراسة وتحقيق عبد الملك بن عبد الله بن دهيش.
6) إفادة الأنام بذكر أخبار بلد الله الحرام، 37: 2- 67.
الفصل الرابع: في ذكر المواضع المعروفة بمكة بالمواليد.
استعرضها تفصيلًا، وتتبع تواريخ عمارتها، واهتمام الملوك والأمراء بها. (1)الفصل الخامس: في ذكر الأماكن المشهورة التي لها تعلق بالمناسك. (2)الفصل السادس: في ذكر بعض الأماكن التي ليس لها تعلق بالمناسك، ولكنها اشتهرت بين الناس). (3)إلى غير ذلك من المؤلفات التاريخية العديدة.
تستمر سلسلة التواتر العلمي المكتوب في عصرنا الحاضر- فيما أحاط به العلم-.
تأليف: المربي العلامة الشيخ عبدالمالك بن عبد القادر بن علي المعروف بالطرابلسي (ت 1418 ه-/ 199 (ع) م).
عدّ منها ثلاثين موضعاً، شمل المشاعر المقدسة؛ وقد رسم خريطة لمكة المكرمة، وضح عليها مواقع الأماكن الإسلامية التاريخية المأثورة المعروفة في الوقت الحاضر. (4)* ثالث عشر: معالم مكة التاريخية والأثرية. (5)تأليف: المؤرخ الشيخ عاتق بن غيث البلادي حفظه الله.
و هو أشمل كتاب في موضوعه، كما يتضح هذا من العنوان والمضمون، وسيأتي الحديث عنه مفصلًا إن شاء الله.
لاشك أنّ هذه المجموعة من المؤلفين الثقات، ومعظمهم من المحدثين والفقهاء، والقضاة ورجال العلم حديثهم عما صح من الأماكن المأثورة بمعناه الاصطلاحي، يحقق التواتر في أجلى صوره، وأدق معانيه.
*** 5. المتواتر من الأماكن المأثورة فى مكة المكرمة استقلالًا المنثور منها
ألّف عدد من العلماء المكيين المؤلفات المستقلة في الأماكن المأثورة المتواترة في مكة المكرمة، المتوافر منها فيما تم الاطلاع عليه في الوقت الحاضر مطبوعاً:
تأليف السيد عفيف الدين عبد الله بن إبراهيم ميرغني الحسيني، المتقي المكي، الطائفي، الحنفي (الملقب بالمحجوب). (1)ذكر المؤلف في مقدمة الكتاب: «لما طالعت بعض شرح العالم العلامة الشيخ إدريس الشماع الشافعي على منظومة الشيخ عبد الملك العصامي، المسمى ب-: (الإنابة في أماكن الإجابة)، وكانت تلك منظومة مقيدة بأوقات معينة، كما ذكره الإمام أبو بكر بن محمد بن الحسن بن النقاش، وقد ذكره كثير من علمائنا غير مقيدة، كما رواه الشيخ الجليل سيد التابعين الحسن البصري، عن النبي (ص) كما ذكره الشيخ عبد الملك في آخر نظمه، وقد كنت رأيت بيتين في ذلك غير مقيدين للشيخ الإمام والعالم الهمام عمر بن إبراهيم بن نجيم صاحب النهر الفايق شرح كنز الدقايق، خطر لي أن أجمع عليهما بعض الفوايد، وأذكر كل فايدة في محلها اللائق بها ليسهل به إدراكها، وحفظها؛ لكني رأيت عدة ما فيها خمسة عشر موضعاً، وقد أنهاها غيره من علمائنا إلى عشرين، فنظمت الزيادة في بيت، وألحقته بهما، وشرحت الكل؛ والبيتان والزيادة هما هذان:
دعاء البرايا يستجاب بكعبة و ملتزم و الموقفين، كذا الحجر
طواف، وسعي، مروتين، وزمزم مقام، و ميزاب، جمارك تعتبر
منى، و يمان، رؤية البيت حجره لدى سدرة عشرون تمت غرر
وسميت ما جمعته بالكتاب: (عدة الإنابة في أماكن الإجابة)، لكوني أذكر في كل محل بعض ما يناسبه من مسائل فقهية، وأدعية مأثورة ومروية، تتميماً للفوايد، وتحصيلًا للعوايد .. (2)* 2. (تحفة الأنام في مآثر البلد الحرام).
العلامة السيد عبد الله بن السيد محمد صالح الزواوي المكي (1266- 1343 ه-/ 1849- 1924 م):
جاء في مقدمة الرسالة قوله:
«مكة المكرمة هي بلد الله، وفيها بيته المعظم الذي هو أول بيت وضع للناس في الأرض، الموصوف بكونه مباركاً، وهدًى للعالمين، وبكونه فيه آياتٌ بيناتٌ، وبكونه من دخله كان آمناً، وجعله الله قبلةً لجميع الأمة المحمدية في جميع العالم..» إلى أن يقول: «وكلها مباركة يستجاب فيها الدعاء، ولكن لاشك أنّ بعضها يترجح على بعض بمزايا اختصت بها، لكونه عليه الصلاة والسلام ولد فيها، أو تعبد فيها، أو لوجود أثر منه، أو عنه (ص)، أو عن أصحابه الكرام، وذلك البعض المرجح كثير، ومختلف فيه، ولكن المشهور من ذلك الذي يعتاد الأماثل التردد عليه، ويزورونه، ويدلون الحجاج عليه، هو ما هو معلوم
عند أكثر أفاضل المطوفين من العارفين، وذلك البعض جبال، ومساجد، وموالد، وهي الدور التي ولد فيها الأماثل، وسكنوها، وزاد فضلها بهم ...». (1)ثم خص كلًا من تلك الأماكن بالعرض المفصل وقال عندما جاء العرض ل- (الموالد) معرفاً بها: «وهي الدور التي ولد فيهاالأماثل الكرام، وسكنوها وزاد بهم فضلها، منها الموضع الذي يقال له: مولد النبي (ص) بسوق الليل وهو على الصحيح البيت الذي ولد فيه رسول الله (ص)، وتربى فيه، وموضع مسقط رأسه الشريف في نفس المحل معروف إلى الآن». (2)* 3. معالم مكة التاريخية والأثرية
تأليف: عاتق بن غيث البلادي، حفظه الله.
كتاب موسوعي يدل عليه عنوانه، حيث يتطرق لكافة الأماكن التاريخية، والأثرية في مكة المكرمة، وما حولها، مرتباً ترتيباً هجائياً، يتميز بأنه يقدم معلومات تاريخية مفيدة عن الموقع الذي يتحدث عنه، ويزيد عليه إضافة معلومات جديدة لما استحدث على الموقع في تعبير واضح، وبهذا يكون المؤلف حفظه الله أوصل الحاضر بالماضي، وهذه ميزة التاريخ والمؤرخين في المدرسة التاريخية المكية حتى العصر الحاضر، يقدم البحث أنموذجاً للإضافات المفيدة في هذا الكتاب.
يقول المؤرخ الشيخ عاتق البلادي- حفظه الله- عن مكان المولد النبوي الشريف:
«المولد النبوي الشريف: هو المكان الذي ولد فيه رسول الله (ص)، وهو الشعب الذي كان يسكنه بنو هاشم، وفيه حاصرتهم قريش عند بعثته؛ وكان هذا المكان اتخذ مسجداً، ثم هدم لكثرة تبرك الناس به، ثم بنيت في المكان عمارة حسنة جعلت مقراً لمكتبة مكة، وهي مكتبة عامة يرتادها طلبة العلم، بناها الشيخ عباس قطان سنة 13 (ع) 0 ه- عمرها من ماله الخاص، واشترى مكتبة الشيخ ماجد كردي من أولاده، فجعلها أساس مكتبة مكة اليوم، ثم سلمها لوزارة الإعلام (كانت مديرية الإعلام) ثم سلمتها إدارة الإعلام للأوقاف. (3)***
قيس بن عبادة الأنصاري
قيس بن سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي الساعدي.
ويكنى: أبا الفضل، وقيل: أبو عبدالملك. (1)كان أبوه سعد بن عبادة زعيماً للخزرج، و له ستة أولاد كلهم نصروا الإسلام ونبيه (ص) وقد ضمته مدرسة الصحبة لرسول الله (ص) بعد إسلامه، فجعلت منه صحابياً جليلًا، ذا مواقف كبيرة في عهد رسول الله (ص) ومعه سعد بن معاذ زعيم الأوس، وكأنهما أبيا إلّا أن يكونا شريكين فاعلين في كل معروف قدم للرسالة والرسول (ص) و للمهاجرين وفي كل موقف برّ وصدق وإخلاص، بدءاً بالسكن والطعام، ومروراً ببناء علاقات اجتماعية مع المهاجرين كالزواج والعمل وحتى نصل إلى المشاركات الفعلية في المعارك والغزوات التي خاضها المسلمون ضد أعدائهم، فلا تجد شيئاً من ذلك إلّا ورأيت الأنصار بشقيهم الأوس والخزرج قد احتلوا مواقعهم المؤثرة والمثمرة والفاعلة.. ولا يسعني أن أتحدث عن أنصاري حتى أتحدث شيئاً ولو كان مختصراً عن هذه الجماعة وساحتها المعطاء، بما تحمله من مناقب كبيرة ورفيعة ومواقف جليلة، ووفاء بما عاهدوا الله تعالى عليه حين بايعوا رسوله (ص).
أذكرمن مواقفهم:
والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً ثمن ذلك لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ إنها شهادة قرآنية عظيمة، وجائزتها مغفرة من الله تعالى ورزق كريم، وهي جائزة ما أعظمها! وحتى وصفهم الله تعالى في آية أخرى وَالَّذِينَ تَبَوَّأوُا الدَّارَ والإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ ولَا يجِدُونَ فىِ صُدُورِهِمْ حَاجَةً ممَّا أوُتوُا ويُؤْثِرُونَ عَلىَ أنْفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. (2)وهنا أكتفي بما يقوله صاحب تفسير (في ظلال القرآن) فهو أدق وأجمل ما رأيت وهو يعرض هذه الصورة القرآنية الرائعة، وهي تصف ما هم عليه من مناقب وعطاء، حين يتعرض لتفسير هذه الآية:
وهذه كذلك صورة وضيئة صادقة تبرز أهم الملامح المميزة للأنصار؛ هذه المجموعة التي تفردت بصفات، وبلغت إلى آفاق، لولا أنها وقعت بالفعل، لحسبها الناس أحلاماً طائرة، ورؤىً مجنحة، ومثلًا
عليا قد صاغها خيال محلق. وَالَّذِينَ تَبَوَّأوُا الدَّارَ والإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي دار الهجرة، يثرب مدينة الرسول (ص) وقد تبوأها الأنصار قبل المهاجرين، كما تبوأوا فيها الإيمان، وكأنه منزل لهم ودار، وهو تعبير ذوظلال، وهو أقرب ما يصور موقف الأنصار من الإيمان، لقد كان دارهم ونزلهم ووطنهم الذي تعيش فيه قلوبهم، وتسكن إليه أرواحهم، ويثوبون إليه ويطمئنون له، كما يثوب المرء ويطمئن إلى الدار.
يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ ولَا يجِدُونَ فىِ صُدُورِهِمْ حَاجَةً ممَّا أوُتوُا ولم يعرف تاريخ البشرية كله حادثاً جماعياً كحادث استقبال الأنصار للمهاجرين بهذا الحب الكريم، وبهذا البذل السخي، وبهذه المشاركة الرضية، وبهذا التسابق إلى الإيواء واحتمال الأعباء، حتى ليروى أنه لم ينزل مهاجر في دار أنصاري إلّا بقرعة، لأنّ عدد الراغبين في الإيواء المتزاحمين عليه أكثر من عدد المهاجرين!
ولَا يجِدُونَ فىِ صُدُورِهِمْ حَاجَةً ممَّا أوُتوُا
مما يناله المهاجرون من مقام مفضل في بعض المواضع، ومن مال يختصمون به كهذا الفيء، فلا يجدون في أنفسهم شيئاً من هذا، ولايقول: حسداً ولا ضيقاً، إنما يقول:" شيئاً" مما يلقي ظلال النظافة الكاملة لصدورهم والبراءة المطلقة لقلوبهم، فلا تجد شيئاً أصلًا.
ويُؤْثِرُونَ عَلىَ أنْفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ
والإيثار على النفس مع الحاجة قمة عليا، وقد بلغ إليها الأنصار بما لم تشهد البشرية له نظيراً، وكانوا كذلك في كل مرة وفي كل حالة بصورة خارقة لمألوف البشر قديماً وحديثاً.
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
فهذا الشحّ، شحّ النفس، هو المعوق عن كل خير؛ لأنّ الخير بذل في صورة من الصور، بذل في المال، بذل في العاطفة، بذل في الجهد، وبذل في الحياة عند الاقتضاء، وما يمكن أن يصنع الخير شحيح يهم دائماً أن يأخذ ولا يهم مرةً أن يعطي، ومن يوق شح نفسه، فقد وقي هذا المعوق عن الخير، فانطلق إليه معطياً باذلًا كريماً، وهذا هو الفلاح في حقيقة معناه". (1)وفعلًا بذل الأنصار المال والعاطفة والجهد والحياة .. فنالوا منزلة الفلاح كما شهدت بذلك السماء.
1) سيد قطب «في ظلال القرآن» تفسير سورة الحشر: 9.
يا رسول الله! قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لايطمعون أن يأكلوا منها ثمرةً إلّا قرًى أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه، نعطهم أموالنا، والله مالنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلّا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم.
قال رسول الله (ص): فأنت وذاك فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال: ليجهدوا علينا. (1)نشأته وإسلامه:
في هكذا بيت كريم وعريق ولد قيس بن سعد، ونشأ وتربى، صحيح أنني لم أجد مصدراً يؤرخ لولادة قيس، إلّا أنّ عمره حين هجرة المسلمين إلى المدينة المنورة لعله كان قرابة ستة عشر عاماً.
صار قيس بعد إسلامه- حين جاء به أبوه إلى رسول الله (ص)- نقيباً من نقباء الأنصار، وحظي بصحبة مباركة لرسول الله (ص)، ونال شرف خدمته عشر سنوات، وكان صاحب لوائه في بعض غزواته، واستعمله على الصدقة ..
صفاته:
كان أديباً شاعراً وخطيباً محاوراً جريئاً لا يفوته شيء .. يظهر هذا كله في حواراته، و ردوده على معاوية وغيره كما سيأتي.
كما كان رجلًا شجاعاً مقداماً، زاده الله تعالى قوةً في الجسم، وبسطةً في الطول حتى أنه فاق الناس طولًا، تشاهد رجلاه يخطان الأرض وهو على فرسه، وقد ذكر ابن عساكر في تاريخه خبراً: أنّ ملك الروم أرسل إلى معاوية أن ابعث إليّ بسراويل أطول رجل من العرب، فقال لقيس بن سعد: ما نظننا إلّا قد احتجنا إلى سراويلك؛ فقام، فتنحى، فجاء بها، فألقاها إلى معاوية، فقال: يرحمك الله، وما أردت إلى هذا؟ ألّا ذهبت إلى بيتك، فبعثت بها؟! فقال قيس من الطويل:
أردت بها أن يعلم الناس أنها سراويل قيس والوفود شهود
و ألا يقولوا: غاب قيس وهذه سراويل عاديّ نمته ثمود
و إني من الحي اليماني لسيد و ما الناس إلّا سيد ومسود
فكدهم بمثلي إنّ مثلي عليهم شديدوخلقي فيالرجالشديد
فأمر معاوية بأطول رجل في الجيش، فوضعها على أنفه، فوقعت في الأرض؛ فدعا له بسراويل، فلما جاء بها، قال له قيس: نح عنك ثيابك هذه.
فقال معاوية من البسيط:
1) أنظر السيرة النبوية لابن هشام 234: 3، وغيرها.
أما قريش فأقوام مسرولة و اليثربيون أصحاب التبابين
فقال قيس من البسيط:
تلك اليهود التي- يعني- ببلدتنا كما قريش هم أهل السياخين. (1)
وقد بانت عليه قدرات الزعامة وهو بعد صبياً، وظل قومه ينظرون إليه ويتعاملون معه كقائد وزعيم رغم حداثة سنه، حتى نقل قولهم المشهور: «لو استطعنا أن نشتري لقيس لحيةً بأموالنا لفعلنا» وهو قول يحكي لنا ما عليه الرجل من مقومات قيادية توفرت فيه، ولا ينقصه شيء منها إلّا اللحية في أعرافهم، وقد علت وجوه رجالهم، ولهذا صدر منهم قولهم المذكور، الذي يتضمن اعترافهم بملاكاته تلك، وهو اعتراف من الصعب أن يصدر منهم إذا ما عرفنا طبيعتهم وشموخهم وتعاليهم ..
وقد نسب إلى رسول الله (ص) أنه قال:
«إنّ الجود شيمة أهل هذا البيت»، «أما أنه في بيت جود»!
يا لها من شهادة عظيمة!
وافق قيس أهله بصفات جميلة" جود وسخاء ومروءة" حتى أصبح مثلًا بالجود والكرم؛ نعم هناك صفات جليلة، الجود والكرم والسخاء طغت كلها على سلوكه وسيرته وسيرة أبيه سعد بن عبادة، وجده من قبل، واشتهر بينهم بها، فقد غدا قيس منزلًا للقرى، فكانوا يجدون عنده المأوى الذي يؤوى إليه، فيقرى الضيف، ويشبع الجائع، ويكسى العريان، وتقضى حاجة المحتاج، وكان الناس يقولون: «من أحب الشحم واللحم فليأت أطم دليم بن حارثة» وهو الجد الثاني لقيس؛ وكان ينادي له مناد من فوق مرتفع: هلموا إلى اللحم والثريد، هلم إليه أيها الغريب .. حتى كان يوقد ناره ليلًا وهي عادة الكرام يومذاك، ليهتدي إليها الغريب الساري ليلًا والضال، والذي يبحث عما يجد عنده أمانه وزاده .. وكان بهذا يفعل كما كان أبوه وجده يفعلان.
ومما جاء في سخائه وكرمه أنّ قيساً اشترك مع ثلاثمائة صحابي في غزوة سيف البحر بقيادة أبي عبيدة بن الجراح، فأصابهم فيها جوع شديد وفنى ما معهم من زاد، فقام قيس فذبح ثلاثة جمال له، وبعد مدة ذبح ثلاثة أخرى، ثم ذبح لهم ثلاثة أخرى، حتى نهاه أبوعبيدة عن ذلك حين رزق الله الجيش بحوت كبير، ظلوا يأكلون منه ثمانية عشر يوماً، وعندما عادوا للنبي (ص) و ذكروا له ذلك، قال عن قيس: «أما أنه في بيت جود».
ولهذا ولكثرة ما عرف به قيس من السخاء والكرم، حتى ورد أنه كان يستدين ويطعم المجاهدين في سبيل الله تعالى، دفع ذلك بعض الصحابة كأبي بكر وعمر، أو أنهما تحدثا يوماً عن سخائه وكرمه، إلى القول:" لو تركنا هذا الفتى لسخائه لأهلك مال أبيه" فلما سمع سعد ذلك قام عند النبي (ص) فقال:" من يعذرني من ابن أبي قحافة وابن الخطاب يبخلان علي ابني" ولما اشتكى لأبيه ما زعمه بعضهم أنه لا مال لي
1) أنظر مختصر تاريخ دمشق 113: 21- 114 ترجمته. التبان: بالضم والتشديد، سراويل صغير مقدار شبر يستر العورة. ومن طريق آخر أورده الحافظ: «السخاخين» السخينة: حساء يؤكل في الجدب، وكانت قريش تعير به.
وإنما المال لأبي، قال لهم: أبي يقضي عن الأباعد، ويحمل الكل، ويطعم في المجاعة ولا يصنع هذا بي، فلما سمع أبوه هذا منه قال له: فلك أربع حوائط (بساتين) وكتب بذلك كتاباً وأشهد عليه ..
وعرف قيس بأنه كان يطعم الناس في أسفاره مع النبي (ص)، وكانت لقيس بن سعد صحفة يدار بها حيث دار وكان إذا نفد ما معه تدين، وكان ينادي في كل يوم: هلموا إلى اللحم والثريد.
و وقفت على قيس بن سعد عجوز، فقالت: أشكو إليك قلة الجرذان، فقال قيس: ما أحسن هذه الكناية! املؤوا بيتها خبزاً ولحماً وسمناً وتمراً.
و في رواية ابن عبد البر في الاستيعاب قال لها: ما أحسن ما سألت! أما والله لأكثرن جرذان بيتك، فملأ بيتها طعاماً وودكاً (دسماً) ..
و كان قيس إذا جاءه من يرد له دينه يقول له: إنا لا نعود في شيء أعطيناه؛ أو إنا قوم إذا أعطينا شيئاً لم نرجع فيه، وذلك لما أقرض رجلًا ثلاثين ألفاً فجاء يقضيه.
وفي رواية أنّ قيس بن سعد باع أرضاً من معاوية بتسعين ألفاً، فقدم المدينة فنادى مناديه: من أراد القرض فليأت، فأقرض منها خمسين ألفاً وأطلق الباقي، ثم مرض بعد ذلك فقل عواده، فقال لزوجته: قريبة بنت عتيق أخت أبي بكر: إني أرى قلة من عادني في مرضي هذا، و إني لأرى ذلك من أجل مالي على الناس من القرض، فبعث إلى كل رجل ممن كان له عليه دين بصكه المكتوب عليه، فوهبهم ماله عليهم؛ وقيل: إنه أمر مناديه فنادى: من كان لقيس بن سعد عليه دين فهو منه في حل، فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه من كثرة العواد.
و في خبر لما مرض قيس فاستبطأ إخوانه عن عيادته، سأل عنهم، فقيل: إنهم يستحون مما لك عليهم من الدين، فقال: أخزى الله مالًا يمنع الأخوان من الزيارة، ثم أمرمنادياً لينادي: من كان لقيس عليه دين، فهو في حل منه، فكسرت درجته بالعشي لكثرة من عاده.
و قد عرف جمع من الأشراف بالكرم، فغدا الناس يتحدثون بسخائهم و جودهم، و كل فريق يبالغ في وصف من يراه الأكرم والأسخى، فعن خبر الهيثم بن عدي أنه اختلف ثلاثة عند الكعبة في أكرم أهل زمنهم، فقال أحدهم: عبد الله بن جعفر، وقال الآخر: قيس بن سعد، وقال الآخر: عرابة الأوسي، فتماروا في ذلك حتى ارتفع ضجيجهم عند الكعبة؛ فقال لهم رجل: فليذهب كل رجل منكم إلى صاحبه الذي يزعم أنه أكرم من غيره، فلينظر ما يعطيه و ليحكم على العيان.
فذهب صاحب عبد الله بن جعفر إليه، فوجده قد وضع رجله في الغرز ليذهب إلى ضيعة له، فقال له: يابن عم رسول الله ابن سبيل ومنقطع به؛ قال: فأخرج رجله من الغرز وقال: ضع رجلك واستو عليها فهي لك بما عليها، وخذ ما في الحقيبة، و لا تخدعن عن السيف فإنه من سيوف علي، فرجع إلى أصحابه بناقة عظيمة، وإذا في الحقيبة أربعة آلاف دينار، ومطرف من خز وغير ذلك، وأجل ذلك سيف علي بن أبي طالب.
و مضى صاحب قيس إليه فوجده نائماً، فقالت له الجارية: ما حاجتك إليه؟ قال: ابن سبيل ومنقطع به. قالت: فحاجتك أيسر من إيقاظه، هذا كيس فيه سبعمائة دينار ما في دار قيس مال غيره اليوم، واذهب إلى مولانا بغلامينا في معاطن الإبل فخذ لك ناقةً وعبداً، واذهب راشداً. فلما استيقظ قيس من نومه،
أخبرته الجارية بما صنعت، فأعتقها شكراً على صنيعها ذلك. وقال: هلا أيقظتني حتى أعطيه ما يكفيه أبداً، فلعل الذي أعطيتيه لايقع منه موقع حاجته.
و ذهب صاحب عرابة الأوسي إليه فوجده وقد خرج عن منزله يريد الصلاة وهو متوكئ على عبدين له- وقد كف بصره- فقال له: يا عرابة! فقال له: قل، فقال: ابن سبيل ومنقطع به. فخلى عن العبدين ثم صفق بيديه، باليمنى على اليسرى، ثم قال: أوه أوه، والله ما أصبحت ولا أمسيت وقد تركت الحقوق من مال عرابة شيئاً، ولكن خذ هذين العبدين، قال: ما كنت لأفعل. فقال: إن لم تأخذهما فهما حران، فإن شئت فأعتق، وإن شئت فخذ، وأقبل يلتمس الحائط بيده. فأخذهما وجاء بهما إلى صاحبيه.
فحكم الناس على أنّ ابن جعفر قد جاد بمال عظيم، وأنّ ذلك ليس بمستنكر له، إلّا أنّ السيف أجلّها؛ وأنّ قيساً أحد الأجواد؛ حكم مملوكته في ماله بغير علمه، واستحسن فعلها واعتقها شكراً لها على ما فعلت؛ وأجمعوا على أنّ أسخى الثلاثة عرابة الأوسي؛ لأنه جاد بجميع ما يملك، وذلك جهد من مقل. (1)ومثل هذه الروايات كثيرة في تراثنا، ولعل القارئ يرى في هذه الأخبار- وهي على ذمة أصحابها- التي تحكي لنا قصص الكرام، مبالغةً قد تصل إلى حد الخيال، ولكن تبقى صفات الكرم والسخاء والمروءة، من أروع ما اتصف به الإنسان العربي!
و حتى كتب الواقدي أنه كان من كرام أصحاب رسول الله (ص) و أسخيائهم، وحتى كتب الذهبي: جود قيس يضرب به المثل ..
وكيف لايكون قيس كذلك جواداً كريماً و ذا مروءة، وهو الذي طالما كان يدعو ربه، وقد عرف بكثرة الدعاء، ويقول: أللهم ارزقني مالًا وفعالًا، فإنه لايصلح الفعال إلّا بالمال! أللهم إنه لايصلحني القليل، ولا أصلح عليه! أللهم هب لي حمدا ومجداً، فإنه لامجد إلّا بفعال، ولا فعال إلّا بمال، أللهم لايصلحني القليل، ولا أصلح عليه!
وهو الذي كان حبّ صفات الكرام ويتغنى بها، حيث يقول: تمنيت أن أكون في حال رجل رأيته! أقبلنا من الشام، فإذا نحن بخباء، فقلنا: لو نزلنا هاهنا، فإذا امرأة في الخباء، فلم تلبث أن جاء رجل بذود (القطيع من الإبل الثلاث إلى التسع) له، فقال لامرأته: من هؤلاء؟ قالت: قوم نزلوا بك. فجاء بناقة فضرب عرقوبيها، ثم قال: دونكم ... فنحرناها. فلما كان من الغد جاءنا بأخرى ... فقلنا: اللحم عندنا كما هو. قال: إنا لانطعم أضيافنا الغاب (اللحم البائت). قال قيس: فقلت لأصحابي: إنّ هذا الرجل إن أقمنا عنده لميبق عنده بعير، فارتحلوا بنا. فقلت لقيمي: اجمع ما عندك، قال: ليس إلّا أربعمائة درهم. قلت: هاتها، وهات كسوتي ... فدفعناه إلى امرأته، ثم سرنا، فلم نلبث أن رأينا شخصاً ... فقلت: واسوأتاه! استقل والله ما أعطيناه ... فقال: دونكم متاعكم، فخذوه، فقلت: والله ما كان إلّا مارأيت، ولقد جمعنا ما كان عندنا، قال: إني والله لم أذهب حيث تذهبون، فخذوه، قلنا: فلانأخذه، قال: والله لأميلن عليكم برمحي ما بقي منكم رجل أو تأخذونه، قال: فأخذناه، فولى وقال: إنا لانبيع القرى.
هذا من شيم الكرام فالقرى لايباع، يا له من موقف ما أروعه وأجمله!
1) أنظر في هذا مختصر تاريخ دمشق 109: 21- 110.
وتفرد بأخرى عن أهل بيته، فقد عرف قيس بذكاء ودهاء وفطنة، و بالتالي مكر وكيد وخداع.
لقد كان الرجل يتمتع بهذه القدرات الخاصة، وقد لانجد مثيلًا لها إلّا عند القلة من البشر، وهو أمر لمسه من يعيشون معه، فكانوا يحسبون له ولما يحمله من تلك القدرات ألف حساب، فقد كان يعرف بدهاء عجيب، وذكاء حاد، وفطنة قلّ نظيرها، ظهرت على سيرته ومن خلال تعامله مع من حوله، حتى صاروا يحذرونه في تعاملاتهم، وفيما يطرحونه من آراء، وفيما يتفوهون به من أقوال، وما يتخذونه من مواقف، فردوده تتسم بالسرعة والدقة واللباقة بل بالمخادعة والمكر .. وقد عرف بأنه واحد ممن هم لايتجاوزون أصابع اليد بالدهاء والمكر والكيد، حتى اشتهروا بأنهم من دهاة العرب، يقال لهم ذوو رأي العرب في مكيدتهم: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وقيس بن سعد؛ و كان قيس و ابن بديل مع علي (ع)، فيما وقف الأول والثاني ضد الإمام علي (ع)، وظلّ المغيرة معتزلًا بالطائف وأرضها إلى حين. (1)كلّ هذا كان وقيس يعيش الجاهلية بكل ما تحمله، أي قبل إسلامه، لكنه ما أن أعلن إسلامه حين أخذه أبوه سعد بن عبادة إلى رسول الله (ص) قائلًا: هذا خادمك يا رسول الله! فأسلم على يديه، وصدق فيه حتى تغيرت حياته، وغدا يتعامل تعاملًا آخر يتناسب وإسلامه وأخلاق الدين الجديد وقيمه ومبادئه، حيث تغير تغيراً جذرياً وكلياً، وهو ما جعل قيس يضحك ويقول حين يتذكر تلك الأيام والمواقف والأحداث المتصفة بدهائه عبر مكره وخداعه وكيده:" لولا الإسلام لمكرت مكراً لاتطيقه العرب" ويقول أيضاً:" لولا أني سمعت الرسول (ص) يقول: «المكر والخديعة في النار»، لكنت من أمكر هذه الأمة".
إنّ أروع ما قرأته عن الرجل قدرته على الدهاء وعلى الإمساك به في الوقت ذاته، فالدهاء الذي يتمتع به لم يترك قيس له العنان، ويجعله مطلقاً كما هو حال معاوية وابن العاص اللذين لم يتقيدا بشرع، فيما قيده قيس بالشرع، نعم كما كانت له قدرة على الدهاء كانت له القدرة على ضبطه بضوابط دينه.
كتب الشيخ عبدالحسين الأميني في الغديرعن قيس: شهرته بالدهاء مع تقيده بالدين وكلاءته حمى الشريعة والتزامه البالغ في إعمال الرأي بمايوافق رضا مولاه سبحانه، وكفه عما يخالف ربه، نثبت لقيس الأولوية والتقدم والبروز بين دهاة العرب، ولا يعادله من الدهاة الخمسة المشهورين أحد إلّا عبد الله بن بديل؛ وذلك لاشتراكهما في المبدإ، والتزامهما بالدين الحنيف، والكفّ عن الهوى، والوقوف عند مضلات الفتن ..
أقول: إنّ لقيس و ابن بديل أسوة بالإمام علي (ع) حين يقول في معاوية: «والله، ما معاوية بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر؛ و لولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس، ولكن كل غدرة فجرة، وكل فجرة كفرة، ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة؛ والله ما أستغفل بالمكيدة، ولا أستغمز بالشديدة». (2)وفعلًا اعترف الناس بذلك وبمؤامراته التي كان يحيكها، والتي تبين قدرته على الخديعة والكيد والمكر، وهم عاجزون عن ردها والتغلب عليها، ولكنهم وقفوا مبهورين بما رأوه منه بعد إسلامه، وكيف حوله من
ذاك الذي عرف به بينهم وفي أوساطهم إلى مؤمن يتسم بالأمان والاستقامة والصدق والوديعة والطمأنينة .. وصار عند النبي (ص) حسن التدبير وذا فكر سليم إضافةً إلى شجاعته وبسالته وإقدامه، وظلّ قريباً للنبي (ص) وملازماً له حتى قال عنه أنس: كان قيس بن سعد بن عبادة من النبي (ص) بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير، وظلّ حاملًا لواء الأنصار مع رسول الله (ص) وشهد معه غزواته حتى أنّ رسول الله (ص) أخذ الراية من أبيه سعد يوم فتح مكة وأعطاها لابنه قيس لبطولته وفروسيته .. وبقي هكذا أميناً وصاحب عهد وميثاق، ورجلًا وفياً بارزاً طيلة حياته، حتى وافاه أجله رضوان الله تعالى عليه.
نصرته للحق:
وهناك صفة أخرى تألقت فيه حتى غدت علامةً واضحةً رافقته طيلة حياته المليئة إيماناً وجهاداً ومواقف ثمينةً، إنها نصرة الحق، ولا تأخذه في ذلك لومة لائم، إنها الشجاعة توأم الجود، إنه الإقدام المنبثق من الحق وللحق، الحاضر في جميع مشاهده، التي استبسل بها تحت راية رسول الله (ص) وحتى بعد رحيله (ص) إلى الملكوت الأعلى، قد تجلت شجاعته مواقف عظيمةً واعيةً يضعها بين يدي الإمام علي (ع)، لما علم أنّ علياً مع الحق والحق مع علي.
فحين نقضت طائفة عهد البيعة للإمام علي (ع)، وحينما أعلن معاوية تمرده على الإمام علي (ع) وحربه، وحين مرقت أخرى، وقف قيس مع الجانب الذي تمثل فيه الحق والعدل، فنهض إلى جانب الإمام علي (ع) قوياً عزيزاً لا يلين، متيقناً لاينتابه شك في ذلك ولاريب، متوثباً لايخشى لومة لائم، وإذا به يتألق في كل معارك الحق ضد الباطل يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين في معركة الجمل ومعركة صفين فالنهروان، وهو يحمل لواء الأنصار وصوته يعلو سماء المعارك هذه:
هذا اللواء الذي كنا نحفّ به مع النبي، وجبريل لنا مدد
ما ضر من كانت الأنصار عيبته ألا يكون له من غيرهم أحد
قوم إذا حاربوا طالت أكفهم بالمشرفية حتى تفتح البلد. (1)
يذكرني وعيه الرسالي هذا بموقف الصحابي الجليل عمار بن ياسر، وذلك لما وقف عمار يرشد من جاءه مسترشداً، فقال له: «هل تعرف صاحب الراية السوداء المقابلة لي؟ فإنها راية عمروبنالعاص، قاتلتها مع رسول الله (ص) ثلاث مرات، وهذه الراية ما بخيرهن ولا أبرهن، بل هي أشرهن وأفجرهن! أشهدت بدراً وأحداً وحنيناً، أو شهدها لك أب يخبرك عنها؟ قال: لا.
قال: فإنّ مراكزنا على مراكز رايات رسول الله (ص) يوم بدر ويوم أحد ويوم حنين، وإنّ هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الأحزاب".
وفي رواية مشابهة أنّ عماراً قال: والذي نفسي بيده، لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر، لعرفت أنّ مصلحتنا على الحق، وأنهم على الضلالة (على الباطل). (2)
فإن دل هذا على شيء وهو يدل قطعاً، فإنه يدل على وعي دقيق بالوضع القائم والأحداث التي حصلت، وعلى إلمام بالرؤية الرسالية في الأحداث الجارية وبصيرة بها، مهما تلبست بأغطية هدفها أن تعمي الرؤية عن الحقيقة .. وهو وعي افتقدته طائفة كبيرة من المسلمين، فيما عمت أخرى وصمت غيرها، فآلت الأمور إلى فتنة تركت آثارها السيئة على الساحة يومذاك، بل وعلى الأجيال المتعاقبة ..
إذن فهو صاحب بصيرة في الأمور، ونظرة بعيدة، وذو حزم وحنكة، و قد حظي بهذا باتفاق المؤرخين وإطباقهم، ومن ذلك قوله للإمام علي (ع):
يا أميرالمؤمنين ما على الأرض أحد أحب إلينا أن يقم فينا منك، لأنك نجمنا الذي نهتدي به، ومفزعنا الذي نصير إليه، ولكن والله لو خليت معاوية للمكر، ليرومن مصر، وليفسدن اليمن، وليطمعن في العراق، ومعه قوم يمانيون قد أشربوا قتل عثمان، وقد اكتفوا بالظن عن العلم، وبالشك عن اليقين، و بالهوى عن الخير، فسر بأهل الحجاز وأهل العراق، ثم أرمه بأمر يضيق فيه خناقه، ويقصر له من نفسه.
فقال: أحسنت والله يا قيس ..
وحين دعاه معاوية لمفارقة علي (ع) و مناه حين تفرق عنه الناس، فكتب إليه كما ينقل الزمخشري: يا وثن ابن وثن! تدعوني إلى مفارقة علي بن أبي طالب والدخول في طاعتك، وتخوفني بتفرق أصحابه عنه، وانثيال الناس عليك وإجفالهم إليك، فوالله الذي لا إله غيره، لاسالمتك أبداً وأنت حربه، ولا دخلت في طاعتك وأنت عدوه، ولا اخترت عدو الله على وليه، و لاحزب الشيطان على حزبه.
ويروى أنه بعد محاججة طويلة جرت بين قيس ومعاوية، وقعت بعد استتباب الأمر لمعاوية، قال قيس في جملتها: ولعمري ما لأحد من الأنصار ولا لقريش، ولا لأحد من العرب والعجم في الخلافة حق مع علي (ع) وولده من بعده، فغضب معاوية وقال: يابن سعد، عمن أخذت هذا وعمن رويته وعمن سمعته؟ أبوك أخبرك وعنه أخذته؟ فقال قيس: سمعته ممن هو خير من أبي، وأعظم علي حقاً من أبي، قال: من؟ قال: علي بن أبي طالب (ع) عالم هذه الأمة وصديقها..
قالوا فى ولائه:
عرف قيس بحبه وولائه لأهل البيت (عليهم السلام)، وهو الذي كان في غديرخم يهتف قائلًا:
و علي إمامنا و إمام لسوانا أتى به التنزيل
حين قال النبي من كنت مو لاه فهذا مولاه خطب جليل
إنّ ما قاله النبي على الأمة حتم ما فيه قال و قيل
وهذا بعض ما قالوه في ذلك:
يقول الميرداماد: هو من خلص أنصار رسول الله (ص) ومن العشرة الذين نصروه .. ومن أصفياء أولياء أميرالمؤمنين (ع).
فيما قال الفضل بن شاذان: هو من السابقين الذين رجعوا إلى أميرالمؤمنين (ع) وذكر العلامة هذا وأضاف: وهو مشكور، وذكر أنه لم يبايع غير إمامه فيما عرفه إبراهيم الثقفي في كتابه الغارات أنه: من شيعة علي.
أمّا ابن أبي الحديد فيصفه بأنه: من كبار شيعة أمير المؤمنين (ع)، وقائل بمحبته و ولائه .. و مخلص في اعتقاده.
و ذكره السيد الخوئي في معجمه: عده الشيخ تارةً في أصحاب رسول الله (ص) وأخرى في أصحاب علي (ع) قائلًا: قيس بن سعد بن عبادة وهو ممن لم يبايع أبا بكر؛ وثالثة في أصحاب الحسن (ع) ...
و عده البرقي في آخر رجاله من المنكرين على أبي بكر، وهم اثنا عشر رجلًا وقال: ثم قام قيس بن سعد بن عبادة فقال: يا معشر قريش قد علم خياركم أنّ أهل بيت رسول الله (ص) أحق بمكانه في سبق سابقة وحسن عناء، وقد جعل الله هذا الأمر لعلي بمحضر منكم وسماع أذنيكم، فلا ترجعوا ضلالًا فتنقلبوا خاسرين.
وفي ترجمة البراء بن مالك أنه من السابقين الذين رجعوا إلى أميرالمؤمنين (ع).
و في ترجمة البراء بن عازب: أنه ممن شهد بسماعه من رسول الله (ص) قوله يوم غدير خم: من كنت مولاه فعلي مولاه.
وتقدم في ترجمة عبيد الله بن العباس خطبته في ذم عبيد الله ونصرة الحسن (ع) وكتابه إلى الحسن (ع) بعد لحوق عبيد الله بمعاوية.
وله خطبة جميلة يحرض فيها الإمام أمير المؤمنين (ع) على قتال معاوية حين بلغ علياً (ع) مسير طلحة والزبير، فقال له أمير المؤمنين (ع): أحسنت يا قيس وأجملت. (1)ذكر يونس بن عبد الرحمن في بعض كتبه: أنه كان لسعد بن عبادة ستة أولاد، كلهم قد نصر رسول الله (ص) وفيهم قيس بن سعد بن عبادة، وكان قيس أحد العشرة الذين لحقوا النبي (ص) من العصر الأول ممن كان طولهم عشرة أشبار بأشبار أنفسهم، وكان شبر الرجل منهم يقال إنه مثل ذراع أحدنا، وكان قيس وسعد أبوه طولهما عشرة أشبار بأشبارهما، ويقال إنه كان من العشرة: خمسة من الأنصار، أربعة من الخزرج كلها، ورجل من الأوس؛ و سعد لم يزل سيداً في الجاهلية والإسلام، و أبوه وجدّه وجدّ جدّه لم يزل فيهم الشرف، وكان سعد يجير فيجار له وذلك لسؤدده، ولم يزل هو وأبوه أصحاب إطعام في الجاهلية والإسلام، وقيس ابنه بعده على مثل ذلك. (2)وأقوال أخرى فيه:
جمع فضائل أخرى من مكارم الأخلاق ومحاسنها، راح عدد من المؤرخين وعلماء الرجال يذكرونها له، وهذه أقوال بعضهم:
أبوعمر: كان قيس أحد الفضلاء الجلة، وأحد دهاة العرب، وأهل الرأي والمكيدة في الحروب، مع النجدة والبسالة والسخاء والكرم، وكان شريف قومه غير مدافع هو وأبوه.
المبرد: كان قيس بن سعد شجاعاً جواداً.
ابن كثير: كان سيداً مطاعاً، ممدوحاً شجاعاً، و كانت له صفة يدار بها حين يدار.
و جمع الخطيب البغدادي لقيس الشجاعة مع البطولة والسخاء مع الكرم ...
فيما قال الزركلي: هو أحد الأجواد المشهورين وكان شريف قومه ...
ابن شهاب كما أخرج البغوي: كان قيس حاملًا راية الأنصار، مع رسول الله 9 وكان من ذوي الرأي من الناس ..
و أيضاً قال عنه ابن كثير: كان قيس يقادم بدهائه وسياسته معاوية وعمرو بن العاص .. وكتب الحلبي في سيرته: من وقف على ما وقع بينه وبين معاوية لرأى العجب ...
قيس مبعوثاً:
لمكانته الكبيرة وقدرته، كان يسجل حضوراً في بعوث رسول الله (ص) و الإمام علي (ع) إلى بعض المناطق والبلدان، فقد كانت لرسول الله (ص) سرايا و بعوث عديدة بقيادة علي (ع) أو صحابي من الصحابة، فحظي قيس ببعضها، فقد ذكر محمد بن سعد في الطبقات: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي حدثني شيخ من المصطلق عن أبيه أنّ رسول الله (ص) لما انصرف من الجعرانة سنة ثمان، بعث قيس بن سعد بن عبادة إلى ناحية اليمن وأمره أن يطأ صداء (قبيلة من اليمن) فعسكر بناحية قناة في أربعمائة من المسلمين، وقدم رجل من صداء فسأل عن ذلك البعث، فأخبروه، فخرج سريعاً حتى ورد على رسول الله (ص) فقال: جئتك وافداً على من ورائي فأردد الجيش وأنا لك بقومي، فردهم رسول الله (ص) فقدم منهم بعد ذلك على رسول الله (ص) خمسة عشر رجلًا فأسلموا و رجعوا إلى بلادهم ففشا فيهم الإسلام، فوافى النبي (ص) مائة رجل منهم في حجة الوداع.
ولعله البعث نفسه لكن بعبارة أخرى أو هو غيره حين ذكروا أنه (ص) أرسل قيس بن سعد في أربعمائة نفر إلى قبيلة صداء من قبائل مذحج، التي تسكن نجران وما يجاورها؛ لأنّ نجران كانت تشكل منطقة استراتيجية، و طريقاً آمناً بين الحجاز واليمن، وقبائل مذحج لم تسلم إلّا بعد أن حاربها أميرالمؤمنين (ع)..
لما تمت البيعة للإمام علي (ع) بالخلافة، كان واحداً من ثلاثة بعثهم الإمام علي (ع) إلى الكوفة، لخلع أبي موسى الأشعري عنها؛ لما بلغه أنه يخذل أهل الكوفة عن اللحاق به نحو البصرة: «... وقد بعثت إليك الحسن وعماراً وقيساً، فأخل لهم المصر وأهله، واعتزل عملنا مذؤوماً مدحوراً ...». (1)ولما نكث كل من الزبير وطلحة بيعتهما للإمام، وتوجها إلى البصرة وقد اصطحبا معهما عائشة، كما جاء في كتاب قثم بن عباس- الذي استخلفه على المدينة- إلى علي يخبره أنّ طلحة والزبير وعائشة قد خرجوا من مكة، يريدون البصرة، و قد استنفروا الناس فلم يخف معهم إلّا من لا يعتد بمسيره، ومن خلفت بعدك فعلى ما تحب.
فلما قدم على علي (ع) كتابه غمه ذلك، وأعظمه الناس، وسقط في أيديهم. وكما جاء- أيضاً- بكتاب أخيه عقيل بن أبي طالب: ... وإني خرجت معتمراً، فلقيت عائشة معها طلحة والزبير وذووهما، وهم متوجهون إلى البصرة، فقد أظهروا الخلاف و نكثوا البيعة ...
كان لقيس موقف يشخص فيه أموراً مهمةً، ويدعو الإمام علياً (ع) لمواجهة هؤلاء الناكثين، فقال: يا أميرالمؤمنين، إنه والله ما غمنا بهذين الرجلين كغمنا بعائشة؛ لأنّ هذين الرجلين حلالا الدم عندنا،
1) الإمامة والسياسة، لابن قتيبة الدينوري 81: 1.
لبيعتهما و نكثهما، ولأنّ عائشة من علمت مقامها في الإسلام، و مكانها من رسول الله (ص)، مع فضلها ودينها وأمومتها منا ومنك، ولكنهما يقدمان البصرة، وليس كل أهلها لهما، وتقدم الكوفة، وكل أهلها لك، وتسير بحقك إلى باطلهم، و لقد كنا نخاف أن يسيرا إلى الشام، فيقال: صاحبا رسول الله وأم المؤمنين، فيشتد البلاء، وتعظم الفتنة، فأما إذا أتيا البصرة وقد سبقت إلى طاعتك، وسبقوا إلى بيعتك، وحكم عليهم عاملك، ولا والله ما معهما مثل ما معك، ولا يقدمان على مثل ما تقدم عليه، فسر فإنّ الله معك، وتتابعت الأنصار فقالوا وأحسنوا. (1)و بعد كلامه هذا كان واحداً من وفد ضم ثلاثة في خبر أو أربعة في خبر آخر: الحسن بن علي (ع) وعبد الله بن عباس وعماربن ياسر وقيس بن سعد بن عبادة حين نزلوا الكوفة، و معهم كتاب أميرالمؤمنين (ع).
و قد خطب الإمام الحسن (ع) يستنفر أهلها لمعركة الجمل، وبعد خطبة عمار، قام قيس خطيباً فقال:
«أيها الناس! إنّ هذا الأمر، لو استقبلنا في الشورى، لكان أميرالمؤمنين (ع) أحق الناس به، لمكانه من رسول الله (ص) وكان قتال من أبى ذلك حلالًا، فكيف في الحجة على طلحة والزبير، وقد بايعاه طوعاً، ثم خلعاه حسداً وبغياً، وقد جاءكم علي في المهاجرين والأنصار»، ثم أنشأ يقول:
رضينا بقسم الله إذ كان قسمنا علياً و أبناء الرسول محمد
وقلنالهم أهلًا وسهلًا ومرحباً بمد يدينا من هدًى وتودّد
فما للزبير الناقض العهد حرمة و لا لأخيه طلحة اليوم من يد
أتاكم سليل المصطفى ووصيه و أنتم بحمد الله عارضة الندي
فمن قائم يرجى بخيل إلى الوغى و ضم العوالي و الصفيح المهند
يسود من أدناه غير مدافع وإن كان ما تقضيه غير مسود
فإن يأت ما نهوى فذاك نريده و إن تخط ما نهوى فغير تعمد. (2)
ولاية مصر:
في هذه الفقرة نتناول أمراً مهماً في ملف حياة هذا الصحابي الجليل، يعد الأكثر إثارةً في سيرته و جدلًا، فقد دعاه الإمام علي (ع) وأرسله والياً له على مصر، في شهر صفر سنة ست وثلاثين هجرية، حين عين عماله وهو في المدينة المنورة، بعد بيعته بالخلافة يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، و قبل توجهه إلى معركة الجمل في جمادى الآخرة سنة 36 هجرية قائلًا:
سر إلى مصر فقد وليتكها، و اخرج إلى رحلك، و اجمع إليك ثقاتك، و من أحببت أن يصحبك، حتى تأتيها ومعك جند، فإنّ ذلك أرعب لعدوك وأعز لوليك، فإذا أنت قدمتها إن شاء الله، فأحسن إلى المحسن، واشتد على المريب، و ارفق بالعامة والخاصة، فإنّ الرفق يمن.
فقال له قيس بن سعد: رحمك الله يا أميرالمؤمنين! فقد فهمت ما قلت، أما قولك: أخرج إليها بجند، فوالله لئن لم أدخلها إلّا بجند آتيها به من المدينة لا أدخلها أبداً، فأنا أدع ذلك الجند لك، فإن أنت احتجت إليهم كانوا منك قريباً، وإن أردت أن تبعثهم إلى وجه من وجوهك كانوا عدةً لك، و أنا أصير إليها بنفسي وأهل بيتي؛ و أما ما أوصيتني به من الرفق والإحسان، فإنّ الله عزّوجلّ هو المستعان على ذلك.
فخرج في سبعة نفر من أصحابه حتى دخل مصر، فصعد المنبر فجلس عليه، و أمر بكتاب معه من أمير المؤمنين فقرئ على أهل مصر، ... ومما جاء فيه: و قد بعثت إليكم قيس بن سعد بن عبادة أميراً، فوازروه، وكانفوه، و أعينوه على الحق، و قد أمرته بالإحسان إلى محسنكم، والشدة على مريبكم، و الرفق بعوامكم وخواصكم، و هو ممن أرضى هديه، و أرجو صلاحه و نصيحته ...
ثم إنّ قيس بن سعد قام خطيباً، يدعو الناس للبيعة قائلًا بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد (ص): ألحمد لله الذي جاء بالحق، وأمات الباطل، وكبت الظالمين؛ أيها الناس! قد بايعنا خير من نعلم بعد محمد نبينا (ص)، فقوموا أيها الناس فبايعوا على كتاب الله عز وجل وسنة رسوله (ص) فإن نحن لم نعمل لكم بذلك فلا بيعة لنا عليكم.
فقام الناس فبايعوا واستقامت له مصر وبعث عليها عماله، إلّا قرية خربتا (خرنبا، عند ابن الأثير) من قرى مصر لم تبايع، وأهلها كانوا يومئذ عشرة آلاف، قد أعظموا قتل عثمان، فبعث بعض رجالهم إلى قيس: إنّا لانقاتلك فابعث عمالك، فالأرض أرضك، ولكن أقرنا على حالنا حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس.
و وثب مسلمة بن مخلد الأنصاري وهو من رهط قيس، فنعى عثمان و دعا إلى الطلب بدمه.
فأرسل إليه قيس: ويحك، علي تثب؟! فوالله ما أحب أن لي ملك الشام إلى مصر و أني أقتلك؛ فبعث إليه مسلمة: إني كاف عنك ما دمت أنت والي مصر.
و بما أنّ قيساً كان له حزم و رأي، فبعث إلى الذين بخربتا: أني لا أكرهكم على البيعة، و أن أدعكم و أكف عنكم، فهادنهم وهادن مسلمة بن مخلد، و جبى الخراج، ليس أحد من الناس ينازعه. (1)والذي يستظهر من الأخبار أنّ مصر لم تكن واحدةً في موقفها من ولاية قيس، بل من خلافة أمير المؤمنين (ع)، فهي ساحة قلقة تفرق أهلها بين مواقف شتى، وهو ما نراه جلياً فيما جاء في تاريخ الطبري: و أما قيس بن سعد، فإنه لما انتهى إلى أيلة لقيته خيل، فقالوا: من أنت؟ قال: من فالة عثمان، فأنا أطلب من آوي إليه وأنتصر به، قالوا: من أنت؟ قال: قيس بن سعد، قالوا: امض، فمضى حتى دخل مصر، فافترق أهل مصر فرقاً، فرقة دخلت في الجماعة وكانوا معه، وفرقة وقفت واعتزلت إلى خربتا وقالوا: إن قتل قتلة عثمان فنحن معكم، وإلّا فنحن على جديلتنا حتى نحرك أو نصيب حاجتنا، وفرقة قالوا: نحن مع علي (ع) ما لم يقد إخواننا، وهم في ذلك مع الجماعة؛ وكتب قيس إلى أمير المؤمنين (ع) بذلك. (2)فهي وإن كان أغلب الثائرين على الخليفة عثمان منها، إلّا أنّ هذا لايعني أنها بلد يطمأن إليه، والأوضاع مستقرة فيه، بل هو كما أوجد معارضين للخليفة الثالث، يمكن أن يوجد معارضين أيضاً لخلافة الإمام علي (ع)،
ونظراً لأهمية موقعها ودورها الذي لعبته في الثورة على الخليفة الثالث عثمان، قد تلعب غيره في أي نزاع يحصل، مما يجعلها بؤرة أزمة، ومحل نظرالآخرين ومطامعهم، وبالتالي تحتاج إلى أمير يمسك العصا من وسطها ولو إلى حين، ويدير شؤونها بلباقة وحنكة وصبر وسعة أفق، وبعد نظر، وهو ما تمتع به قيس بن سعد، حتى أنّ الإمام علياً (ع) لما بلغه اضطراب أمرها بعد قيس على محمد بن أبي بكر، قال: لايصلح لمصر إلّا قيس أو الأشتر، وكان الأشتر بعد صفين قد عاد إلى عمله بالجزيرة، وقال لقيس: أقم عندي على شرطتي حتى تنقضي الحكومة، ثم تسير إلى أذربيجان، وأرسل إلى الأشتر وهو بنصيبين فاستدعاه، وولّاه مصر وكتب له عهداً مشهوراً.
فهذه شهادة من الإمام على ما يتمتع به قيس من قدرات قيادية تنفع في مواطن الأزمات ..
وقد أبان قيس حقيقة موقفه وخطورته برسالتيه للإمام (ع)؛ الأولى حيث قال:
بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فإني أخبر أميرالمؤمنين أكرمه الله أن قبلي رجالًا معتزلين، قد سألوني أن أكف عنهم، وأن أدعهم على حالهم حتى يستقيم أمر الناس، فنرى ويروا رأيهم، فقد رأيت أن أكف عنهم، وألّا أتعجل حربهم، وأن أتألفهم فيما بين ذلك، لعل الله عزّوجلّ أن يقبل بقلوبهم، ويفرقهم عن ضلالتهم، إن شاء الله.
والرسالة الثانية- لما وصل إليه كتاب الإمام (ع):
«بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فسر إلى القوم الذين ذكرت، فإن دخلوا فيما دخل فيه المسلمون وإلّا فناجزهم إن شاء الله»- كتب إليه: أما بعد يا أميرالمؤمنين! فقد عجبت لأمرك، أتأمرني بقتال قوم كافين، مفرغيك لقتال عدوك! وإنك متى حاربتهم ساعدوا عليك عدوك، فأطعني يا أميرالمؤمنين! واكفف عنهم، فإنّ الرأي تركهم، والسلام.
وقيس بموقفه هذا- كما في مواقفه الأخرى- كان بحق من المخلصين لأميرالمؤمنين (ع) ومناصحيه، والصادقين في ولائهم الواعي له كما هو واضح في رسالته الجوابية الثانية لمعاوية والتي تأتينا، فقد استطاع أن يهدئ هذه الجبهة، ويشكل بموقعه هذا خطراً كبيراً على معاوية، حتى ذكر الطبري في تاريخه أنه كان أثقل خلق الله على معاوية؛ لقربه من الشام مخافة أن يقبل علي في أهل العراق، ويقبل إليه قيس بن سعد في أهل البصرة، فيقع معاوية بينهما؛ وهذا الذي يبدو أنه دفع معاوية إلى مراسلة قيس يمنيه، لاستمالته أو على الأقل لتهدئة الأمر بينه وبين قيس، وتطييب الأجواء بعيداً عن الإمام علي (ع) وهو يومئذ بالكوفة وقبل أن يسير إلى صفين.
وهي تدل على شدة خوف معاوية من تولي قيس ولاية مصر، خصوصاً أنّ الحرب لابدّ منها بينه وبين الإمام علي (ع)، فتقدم بخطوته هذه إلى قيس فلعله يحقق شيئاً ينفعه.
رسالة معاوية:
من معاوية بن أبي سفيان إلى قيس بن سعد، أما بعد، فإنكم إن كنتم نقمتم على عثمان بن عفان في أثرة رأيتموها، أو ضربة سوط ضربها، أو في شتيمة رجل، أو في تسييره آخر، أو في استعماله الفتى، فإنكم قد علمتم- إن كنتم تعلمون- أنّ دمه لم يكن يحل لكم، فقد ركبتم عظيماً من الأمر، وجئتم
شيئاً إدّاً، فتب إلى الله عزّوجلّ يا قيس بن سعد! فإنك كنت في المجلبين على عثمان بن عفان- إن كانت التوبة من قتل المؤمن تغني شيئاً- فأما صاحبك فإنا استيقنا أنه الذي أغرى به الناس، وحملهم على قتله حتى قتلوه، وأنه لم يسلم من دمه عظم قومك، فإن استطعت يا قيس أن تكون ممن يطلب بدم عثمان فافعل، تابعنا على أمرنا، ولك سلطان العراقين إذا ظهرت ما بقيت، ولمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان، وسلني غير هذا مما تحب، فإنك لا تسألني شيئاً إلا أوتيته، واكتب لي برأيك فيما كتبت به إليك، والسلام.
فلما جاءه كتاب معاوية، كتب إليه: أما بعد، فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من قتل عثمان، وذلك أمر لم أقارفه، ولم أطف به. وذكرت أنّ صاحبي هو أغوى الناس بعثمان، و دسهم إليه حتى قتلوه، وهذا ما لم أطلع عليه، وذكرت أنّ عظم عشيرتي لم تسلم من دم عثمان، فأول الناس كان فيه قياماً عشيرتي، وأما ما سألتني من متابعتك، وعرضت علي من الجزاء به، فقد فهمته، وهذا أمر لي فيه نظر وفكرة، وليس هذا مما يسرع إليه، وأنا كاف عنك، ولن يأتيك من قبلي شيء تكرهه حتى ترى ونرى إن شاء الله، والمستجار الله عزّوجلّ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
هذه الإجابة الهادئة كما يراها القارئ، والتي لاتخلو من فنّ السياسة لمصلحة يراها الرجل، أو هو «أحب أن يدافعه ولايبدي له أمره، ولايعجل له حربه» أو أنه «لم يره إلّا مقارباً مباعداً، ولم يأمن أن يكون له في ذلك مباعداً مكايداً»، كما صرح به في تاريخ الطبري؛ فيما جعلت معاوية متحيراً في فهم مراد قيس حتى عدها خديعةً يبتغي من ورائها تحقيق أغراض له، وهو يعرف قيساً جيداً في دهائه، ويرى نفسه أنه لايصانع بالخداع ولا يخادع بالمكائد، لهذا كتب إليه ثانيةً: أما بعد، فقد قرأت كتابك، فلم أرك تدنو فأعدك سلماً، ولم أرك تباعد فأعدك حرباً، أنت فيما هاهنا كحنك الجزور، وليس مثلي يصانع المخادع، ولا ينتزع للمكايد، ومعه عدد الرجال، وبيده أعنة الخيل، والسلام عليك.
فلما قرأ قيس كتاب معاوية هذا ورأه أنه لايقبل معه المدافعة والمماطلة، أظهر له ذات نفسه، فكتب إليه:
بسم الله الرحمن الرحيم؛ من قيس بن سعد إلى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد، فإنّ العجب من اغترارك بي، وطمعك في، واستسقاطك رأيي؛ أتسومني الخروج من طاعة أولى الناس بالإمرة، وأقولهم للحق، وأهداهم سبيلًا، وأقربهم من رسول الله (ص) وسيلةً، وتأمرني بالدخول في طاعتك، طاعة أبعد الناس من هذا الأمر، وأقولهم للزور، وأضلهم سبيلًا، وأبعدهم من الله عزّوجلّ ورسوله (ص) وسيلةً، ولد ضالين مضلين، طاغوت من طواغيت إبليس! وأما قولك إني مالئ عليك مصرخيلًا ورجلًا، فوالله إن لم أشغلك بنفسك حتى تكون نفسك أهم إليك، إنك لذو جد؛ والسلام.
فلما بلغ معاوية كتاب قيس آيس منه وثقل عليه مكانه. (1)المكيدة!
1) المصدر السابق.
وردت الأخبار، وراحت الأقوال تختلف في سبب عزله، وهي بلا شك تحتاج الى تدقيق وإعمال نظر فيها، تبين أنّ قيساً قام بعمل لم ينل قبول بعض رفاق دربه، فيما فسره آخرون لصالحه، وفريق ثالث اتخذ منه وسيلة لتشويه شخصيته خصوصاً عند الإمام علي (ع)، فيكون مبرراً لعزله عن ولاية مصر، التي تقض مضاجعهم مادام قيس عليها، وأبطال هذا الفريق هم معاوية وعمرو بن العاص، غايتهم منها إبعاد قيس عن ولاية مصر وهو ما يريده معاوية" فكل من ولي يكون أهون علينا من قيس" وإن استطاعوا التفريق بينه وبين الإمام علي (ع) فهو أقر لعيونهم، وأسلم لتحقيق آمالهم وأهدافهم ..
ذكر الخبر كما في تاريخ دمشق لابن عساكر وفي غيره أيضاً أنّ عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان كان قد شق عليهما وعلى أهل الشام ما يصنع قيس بن سعد من مناصحة علي، وما ضيق على أهل الشام، فلا يحمل إليهم طعام؛ فكان عمرو بن العاص ومعاوية جاهدين أن يخرجا قيساً من مصر، ويغلبا عليهما، وكان قيس قد امتنع منهما بالمكيدة والدهاء، فمكرا بعلي (ع) في أمره، فكتب معاوية كتاباً في قيس إليه يذكر فيه ما أتى إلى عثمان من الأمر العظيم، وأنه على السمع والطاعة. ثم نادى معاوية: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس في السلاح، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: يا أهل الشام إنّ الله ينصر خليفته المظلوم، ويخذل عدوه، أبشروا، هذا قيس بن سعد، ناب (سيدهم وكبيرهم) العرب، قد أبصر الأمر، وعرفه على نفسه، ورجع إلى ما عليه من السمع والطاعة، والطلب بدم خليفتكم. وكتب إلي بذلك كتاباً، وأمر بالكتاب فقرئ، وقد أمر بحمل الطعام إليكم، فادعوا الله لقيس بن سعد، وارفعوا أيديكم، وابتهلوا له في الدعاء بالبقاء والصلاح. فعجّوا وعجّ معاوية وعمرو! ورفعوا أيديهم ساعة، ثم افترقوا، فأخذ معاوية بيد عمروبن العاص، فقال: تحين خروج العيون اليوم إلى علي (ع)، يسير الخبر إليه سبعاً أو ثمانياً فيكون أول من يعزل قيس بن سعد، فكل من ولي يكون أهون علينا من قيس، فتحينوا خبر علي، فلما ورد الخبر كان أول من حمله إليه محمد بن أبي بكر، فأخبره بما صنع، ورفده الأشتر، ونالا من قيس، وقالا: ألا استعملت رجلًا له حق، فجعل علي لا يقبل هذا القول على قيس بن سعد، ويقول (ع): «إنّ قيساً في سر (في سر قومه، أي في أفضلهم ...) وشرف في جاهلية وإسلام، وقيس رجل العرب. فيأبى محمد بن أبي بكر أن يقصر عنه، فعزله علي (ع). (1)والمكيدة كما تذكر عن الزهري في تاريخ الطبري أنه قال: كانت مصر من حين علي (ع)، عليها قيس بن سعد بن عبادة، وكان صاحب راية رسول الله (ص) وكان من ذوي الرأي والبأس، وكان معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص جاهدين على أن يخرجاه من مصر ليغلبا عليها، فكان قد امتنع فيها بالدهاء والمكايدة، فلم يقدرا عليه، ولا على أن يفتتحا مصر، حتى كاد معاوية قيس بن سعد من قبل علي، وكان معاوية يحدث رجالًا من ذوي الرأي من قريش يقول: ما ابتدعت مكايدةً قط كانت أعجب عندي من مكايدة كدت بها قيساً من قبل علي وهو بالعراق حين امتنع مني قيس.
قلت لأهل الشام: لا تسبّوا قيس بن سعد، ولا تدعوا إلى غزوه، فإنه لنا شيعة، يأتينا كيس نصيحته سراً، ألا ترون ما يفعل بإخوانكم الذين عنده من أهل خربتا، يجري عليهم أعطياتهم وأرزاقهم، ويؤمن
1) مختصر تاريخ دمشق 111: 21.
سربهم، ويحسن إلى كل راكب قدم عليه منكم، لايستنكرونه في شيء. وهممت أن أكتب بذلك إلى شيعة من أهل العراق، فيسمع بذلك جواسيس علي عندي وبالعراق.
وفي حديث هشام بن محمد عن أبي مخنف أنه لما آيس معاوية من قيس أن تابعه على أمره، شق ذلك، لما يعرف من حزمه وبأسه، أظهر للناس قبله، أنّ قيس بن سعد قد تابعكم، فادعوا الله له، وقرأ عليهم كتابه الذي لان له فيه وقاربه.
واختلق معاوية كتاباً من قيس بن سعد فقرأه على أهل الشام:
بسم الله الرحمن الرحيم: للأمير معاوية بن أبي سفيان من قيس بن سعد، سلام عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلّا هو، أما بعد، فإني لما نظرت رأيت أنه لا يسعني مظاهرة قوم قتلوا إمامهم مسلماً محرماً براً تقياً، فنستغفر الله عزّوجلّ لذنوبنا، ونسأله العصمة لديننا، ألا وإنني قد ألقيت إليكم بالسلم، وإني أجبتك إلى قتال قتلة عثمان، إمام الهدى المظلوم، فعول علي فيما أحببت من الأموال والرجال أعجل عليك، والسلام. (1)عزله
إذن، مواقف قيس من طائفة من الناس عثمانية الهوى في قرية خربتا.
موقفه مع مسلمة بن مخلد الأنصاري ورسالته إليه.
رسالته الجوابية الأولى إلى معاوية.
والأهم هو غياب حكمة كل هذه الأمور حتى عند بعض أصحاب الإمام (ع)- على ذمة ما ورد- والتي لم تغير من موقف الإمام (ع) منه ولم يفقد ثقة الإمام به وهو القائل: «إني والله لا أصدق بهذا على قيس».
ولكنها- ولا شك- تركت آثارها و خلقت جواً ملوثاً في الساحة، وراح الناس ينشغلون بتأويلاتهم لما سمعوا بما شاع في أهل الشام أنّ قيس بن سعد بايع معاوية، وسرحت العيون (جواسيس معاوية) إليهم بذلك، وراحت تضغط بقوة حين سرحت عيون علي بن أبي طالب إليه بذلك، فلما أتاه ذلك أعظمه وأكبره وتعجب له ودعا بنيه ودعا عبد الله بن جعفر فأعلمهم ذلك فقال: ما رأيكم؟ فقال عبد الله بن جعفر: يا أميرالمؤمنين دع ما يريبك إلى ما لايريبك، أعزل قيساً عن مصر.
قال لهم الإمام (ع): «إني ما أصدق بهذا على قيس»، فقال عبد الله: أعزله، فوالله لئن كان هذا حقاً لا يعتزل لك إن عزلته.
وكان هدف قيس من عمله هذا كما جاء في رسالته الجوابية لأميرالمؤمنين (ع) حين طلب منه أن يناجزهم، هو أن يتفرغ الإمام (ع) للعدو الأكبر، فيما لايرى هذا عبد الله بن جعفر وغيره، الذي راح يفسر مواقف قيس بالممالأة، وأنّ الحل هو قتالهم وقد عبر عن خوفه هذا حين قال للإمام (ع): يا أميرالمؤمنين! ما أخوفني أن يكون هذا ممالأة لهم منه.
1) أنظر تاريخ الطبري 3: حوادث سنة 36.
بل صار يدعو الإمام (ع) إلى عزله قائلًا: يا أميرالمؤمنين! أعزله، فوالله لئن كان هذا حقاً لا يعتزل لك إن عزلته.
وأظنّ عبد الله بن جعفر ومن قد يكون معه، قد اقتنع حين لم يتمرد قيس على إمامه، بل أطاع أميرالمؤمنين (ع)، فلبى أمره حين استبدله بمحمد بن أبي بكر وهو أخ لعبد الله بن جعفر من أمه أسماء بنت عميس التي كانت زوجة لجعفر بن أبي طالب وبعد استشهاده تزوجها أبو بكر، ثم الإمام علي (ع)، وإن غضب قيس كما ورد، فلا أظن غضبه إلّا لمصلحة عليا أدركها ولم يدركها غيره حتى من بعض أصحاب الإمام (ع)، الذين خفيت عليهم حكمة ما قام به قيس، وقد تكون مكيدة معاوية قد انطلت عليهم وأقلقتهم، ووسائل إعلامه التي تهدف إلى ضعضعة وتمزيق الساحة قد تركت أثرها، فخشيت هذه الثلة المؤمنة، فبادرت إلى الإمام ليضع حلًا، ولعل أميرالمؤمنين (ع) رأى أنّ المصلحة تقتضي تبديله، لحسم الخلاف في الساحة، ودفع القلق والاضطراب عنها، والتفرغ للاستعداد لمعركة صفين وهي قادمة لا محالة.
إذن لم ير معاوية وصاحبه عمرو بن العاص إلّا الكيد لقيس، فلعلهما ينجحا في النيل منه و تشويه سمعته عند أصحاب الإمام وعند العامة من الناس والجند ..، إن لم تستطع زعزعت مكانته عند الإمام (ع)، الذي ازداد تمسكاً به في مواطن أخرى.
وأما قيس فقد تلقاه وهو عائد إلى المدينة حسان بن ثابت وكان عثماني الهوى فقال له: نزعك علي بن أبي طالب، وقد قتلت عثمان فبقي عليك الإثم، ولم يحسن لك الشكر! فقال له قيس بن سعد: يا أعمى القلب والبصر، والله لولا أن ألقي بين رهطي ورهطك حرباً لضربت عنقك، أخرج عني.
وقيس حتى في هذا كان لا يريد اشغال الساحة بنزاعات جانبية تحول دون تحقيق النصر على معاوية، .. ولم يكن حسان وحيداً في موقفه، بل هو يحكي تياراً يترقب أي خلل في ساحة علي (ع)، لا فقط ليشمت بل ليوسعه ويعمقه؛ وحتى لايترك مبرراً لأعلام معاوية أن يكيد ويملأ الساحة بأقوال وأباطيل مضللة راح يلقيها هنا وهناك؛ بادر قيس وهو يردف قوله:" والله إنّ هذا لقبيح، أن أفارق علياً وإن عزلني، والله لألحقن به" بالقدوم على علي (ع)، يصحبه سهل بن حنيف، فخبره قيس، فصدقه علي .. وعرف أنّ قيس بن سعد كان يقاسي أموراً عظاماً من المكايدة ..، فأطاع علي قيس بن سعد في الأمر كله.
وفي رواية أنّ أم المؤمنين أم سلمة أرسلت إلى قيس تلومه وتقول: فارقت صاحبك، قال: أنا لم أفارقه طائعاً هو عزلني، .. فكتبت إلى علي تخبره بنصيحة قيس وأبيه في القديم والحديث ... فكتب علي إلى قيس يعزم عليه إلا لحق به. فقال: والله ما أخرج إليه إلّا استحياء، وإني لأعلم أنه مقتول؛ معه جند سوء لا نية لهم، فقدم على علي، فأكرمه، وحباه؛ فأخبره قيس بخبره، وما كان يعمل بمصر، فعرف علي أنّ قيساً كان يداري أمراً عظيماً من المكيدة التي قصر عنها رأي غيره. وأطاع علي قيساً في الأمر كله، وجعله على شرطة الخميس الذين كانوا يبايعون على الموت .. وشهد هو وسهل بن حنيف معه صفين. (1)إذن ما إن عزل عن ولاية مصر حتى التحق مع الإمام علي (ع) في معركة صفين، وقد أدرك معاوية الدور الجديد لقيس وبينه بوضوح، وهو يتغيظ على كل من مروان والأسود بن أبي البختري، اللذين كما في الخبر
1) المصدر السابق؛ ومختصر تاريخ دمشق 112: 21.
عن الزهري، أخافا قيس حين عودته إلى المدينة من مصر بعد عزله منها حتى ركب راحلته، فظهر إلى علي، فقال لهما محملهما مسؤولية التحاق قيس بعلي (ع): أمددتما علياً بقيس بن سعد ورأيه ومكانه، فوالله لو أنكما أمددتماه بمائة ألف مقاتل ما كان ذلك بأغيظ لي من إخراجكما قيس بن سعد إلى علي. (1)ففي أي موقع وضع فيه هذا الصحابي الجليل، كان يشكل أهمية بالغة، ويمثل طورة كبيرة راحت تؤرق معاوية وتقلقه، سواء أكان والياً على مصر أم قائداً يحمل راية الأنصار في معسكر علي (ع)، أو زعيماً لشرطة الخميس في إدارة الإمام (ع) ..
قال نصر بن مزاحم في كتاب صفين: إنّ أميرالمؤمنين (ع) لما عزم على المسير إلى صفين دعا من كان معه من المهاجرين والأنصار فاستشارهم فقام فيمن قام قيس بن سعد بن عبادة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أميرالمؤمنين انكمش بنا إلى عدونا ولا تعرج، فوالله لجهادهم أحب إلي من جهاد الترك والروم، لادهانهم في دين الله، واستذلالهم أولياء الله من أصحاب محمد (ص) من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان؛ إذا غضبوا على رجل حبسوه أو ضربوه أو جرموه أو سيروه، وفيئنا لهم في أنفسهم حلال ونحن لهم فيما يزعمون قطين، قال: يعني رقيق.
فقال أشياخ الأنصار منهم خزيمة بن ثابت وأبو أيوب الأنصاري وغيرهما: لم تقدمت أشياخ قومك وبدأتهم يا قيس بالكلام؟ فقال: أما أني عارف بفضلكم معظم لشأنكم، ولكني وجدت في نفسي الضغن الذي جاش في صدوركم حين ذكرت الأحزاب ... (2)من كلماته وأشعاره، وأراجيزه وهو يقاتل:
اخترت شيئاً مما ذكرته بعض المصادر، فقد روى نصر بن مزاحم في كتاب صفين أنّ معاوية لما تعاظمت عليه الأمور يوم صفين، جمع خواص أصحابه فقال لهم: إنه قد غمني رجال من أصحاب علي وعدّ فيهم قيس بن سعد في الأنصار، فعبأ لكل رجل منهم رجلًا من أصحابه، فجعل من قريش بسر بن أرطأة لقتال قيس بن سعد، فغدا بسر بن أرطأة في اليوم الثالث في حماة الخيل، فلقى قيس بن سعد في كماة الأنصار، فاشتدت الحرب بينهما، وبرز قيس كأنه فنيق مقرم، وهو يقول:
أنا ابن سعد زانه عباده والخزرجيون رجال ساده
ليس فراري في الوغى بعاده إنّ الفرار لل-- فتى قلاده
يا رب أنت لقني الشهاده والقتل خير من عناق غاده
حتى متى تثنى لي الوساده
وطاعن خيل بسر، وبرز له بسر بعد ملي (أي بعد مضي ملي من النهار، أي ساعة طويلة) ويطعن بسر قيساً، فيضربه قيس بالسيف فرده على عقبيه، ورجع القوم جميعاً ولقيس الفضل.
وجمع قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الأنصار، وقام فيهم خطيباً، فقال: إنّ معاوية قد قال ما بلغكم، وأجاب عنكم صاحباكم، فلعمري لئن غظتم معاوية اليوم، لقد غظتموه بالأمس، وإن وترتموه في
الإسلام فقد وترتموه في الشرك، وما لكم إليه من ذنب أعظم من نصر هذا الدين الذي أنتم عليه، فجدوا اليوم جداً تنسون به ما كان أمس، وجدوا غداً جداً تنسونه به ما كان اليوم، وأنتم مع هذا اللواء الذي كان يقاتل عن يمينه جبرائيل، وعن يساره ميكائيل، والقوم مع لواء أبي جهل والأحزاب، وأما التمر فإنا لم نغرسه، ولكن غلبنا عليه من غرسه، وأما الطفيشل فلو كان طعامنا لسمينا به كما سميت قريش السخينة. (1)ثم قال قيس بن سعد في ذلك:
يا ابن هند دع التوثب في الحر ب إذا نحن في البلاد نأينا
نحن من قد رأيت فادن إذا شئت بمن شئت في العجاج إلينا
إن برزنا بالجمع نلقك في الجمع و إن شئت محضةً أسرينا
فألقنا في اللفيف نلقك في الخز رج ندعو في حربنا أبوينا
إن نشأ فارس له فارس منا و إن شئت باللفيف التقينا
أي هذين ما أردت فخذه ليس منا وليس منك الهوينا
ثم لا تنزع العجاجة حتى تتجلي حربنا لنا أو علينا
ليت ما تطلب الغداة أتانا أن-- عم الله بالشهادة عينا
إننا إننا الذين إذا الفتح شهدنا و خيبراً وحنينا
بعد بدر وتلك قاصمة الظهر و أحد و بالنضير ثنينا
يوم الأحزاب قد علم الناس شفينا من قبلكم واشتفينا
فلما بلغ شعره معاوية دعا عمرو بن العاص فقال: ما ترى في شتم الأنصار؟
قال: أرى أن توعد ولا تشتم، ما عسى أن تقول لهم؟ إذا أردت ذمهم فذم أبدانهم ولا تذم أحسابهم. قال معاوية: إنّ خطيب الأنصار قيس بن سعد يقوم كل يوم خطيباً، وهو والله يريد أن يفنينا غداً إن لم يحبسه عنا حابس الفيل، فما الرأي؟ قال: الرأي التوكل والصبر، وأن تبعث إلى رجال من رؤساء الأنصار فتعاتبهم، فأرسل معاوية إلى رجال من الأنصار ... فمشوا إلى قيس، فقالوا: إنّ معاوية لايريد شتمنا، فكف عن شتمه؛ فقال: إنّ مثلي لايشتم، ولكن لا أكف عن حربه حتى ألقى الله.
وتحركت الخيل غدوة فظن قيس أنّ معاوية فيها، فحمل على رجل يشبهه فقنعه بالسيف فإذا غير معاوية، وحمل الثانية على آخر يشبهه فضربه، ثم انصرف وهو يقول:
1) الطفيشل: بوزن سميدع، كما في القاموس، ويقال له أيضاً" طفشيل"، ولفظه فارسي معرب، وهو بالفارسية" تفشله" أو" تفشيله" ضرب من اللحم يعالج بالبيض والجزر والعسل، وفسر في القاموس بأنه نوع من المرق، وجعله البغدادي في كتاب الطبيخ ضرباً من التنوريات، أي الأطعمة التي تنضج في التنور، وفي منهاج الدكان 220:" طفشيل كل طعام يعمل من القطائي، أعني الحبوب كالعدس والجلبان وما أشبه ذلك". أنظر حواشي الحيوان 24: 3/ 226: 5، فهو مرق معروف، يعيب معاوية الأنصار بأنّ طعامهم التمر وهذا المرق. أما السخينة فهو طعام رقيق يتخذ من دقيق وسمن وقيل من دقيق وتمر، أغلظ من الحساء وأرق من العصيدة، وكانت قريش تكثر من أكلها فعيرت بها حتى سموا سخينة أو صار لقباً لها. أنظر كلًا من هامش الصفحة 446 من كتاب وقعة صفين لنصر بن مزاحم ت 212 وتحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي 1، قم- إيران، 1403 ه-. وأيضاً أعيان الشيعة الجزء 27: 43- 32، رقم الترجمة 9500 قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري. دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لبنان.
قولوا لهذا الشاتمي معاويه إن كل ما أوعدت ريح هاويه
خوفتنا أكلب قوم عاويه إلي يا بن الخاطئين الماضيه
ترقل إرقال العجوز الجاريه في أثر الساري ليالي الشاتيه
فقال معاوية: يا أهل الشام! إذا لقيتم هذا الرجل فأخبروه بمساويه؛ وفي خبر فلما تحاجز الفريقان شتمه معاوية شتماً وشتم الأنصار، فغضب النعمان ومسلمة فأرضاهما بعدما هما أن ينصرفا إلى قومهما، ثم إنّ معاوية سأل النعمان أن يخرج إلى قيس، فيعاتبه ويسأله السلم، فخرج فقال له: يا قيس ألستم معشر الأنصار تعلمون أنكم أخطأتم في خذل عثمان، وقتلتم أنصاره يوم الجمل، وحملتم خيولكم على أهل الشام بصفين، فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم علياً، لكانت واحدة بواحدة، ولكنكم خذلتم حقاً ونصرتم باطلًا، ثم لم ترضوا حتى أوغلتم في الحرب، ودعوتم إلى البراز، ثم لم ينزل بعلي أمر قطّ إلّا هونتم عليه المصيبة، ووعدتموه بالظفر، وقد أخذت الحرب منا ومنكم ما قد رأيتم، فاتقوا الله في البقية.
فضحك قيس ثم قال: ما كنت أراك يا نعمان تجترئ على هذه المقالة أنه لاينصح أخاه من غش نفسه، وأنت والله الغاش الضال، أما ذكرك عثمان فإن كانت الأخبار تكفيك فخذ مني واحدة، قتل عثمان من لست خيراً منه، وخذله من هو خير منك؛ وأما أصحاب الجمل، فقاتلناهم على النكث؛ وأما معاوية فوالله أن لو اجتمعت عليه العرب لقاتلته الأنصار؛ وأما قولك إنا لسنا كالناس، فنحن في هذه الحرب كما كنا مع رسول الله (ص) نتقي السيوف بوجوهنا والرماح بنحورنا حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون، ولكن انظر يا نعمان! هل ترى مع معاوية إلّا طليقاً أو أعرابياً أو يمانياً مستدرجاً بغرور؟ وانظر أين المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه؟ ثم انظر هل ترى مع معاوية غيرك وغير صويحبك، ولستما والله ببدريين ولا أحديين، ولا لكما سابقة في الإسلام، ولا آية في القرآن، ولعمري لئن شغبت علينا، فقد شغب علينا أبوك، وقال قيس في ذلك:
و الراقصات بكل أشعث أغبر خوص العيون تحثها الركبان
ما ابن المخلد ناسياً أسيافنا في من نحاربه ولا النعمان
تركا البيان وفي العيان كفاية لو كان ينفع صاحبيه عيان
وطالما كان يردد وهو يخوض غمار معركة صفين:
قلت لما بغى العدو علينا حسبنا ربنا ونعم الوكيل
حسبنا ربنا الذي فتح البصر ة بالأمس والحديث طويل
و عليٌّ إمامنا و إم-- ام لسوانا أتى به التنزيل
وقد نال تقدير الإمام علي (ع) واحترامه وثناءه، يقول نصر بن مزاحم: إنّ علياً دعا قيس بن سعد فأثنى عليه خيراً، وسوده على الأنصار. (1)وهو كموقف رسول الله (ص) في فتح مكة حين أعطاه راية الأنصار كما ذكرنا.
1) أنظر وقعة صفين: 450- 453؛ والإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري 130: 1- 131؛ و أعيان الشيعة، ترجمته.
مع الإمام الحسن (ع):
عرف قيس في ولائه لعلي (ع) وأهل بيت النبوة (عليهم السلام)، وينضم في هذا الولاء إلى الصحابة سلمان وأبي ذر والمقداد وعمار رضوان الله تعالى عليهم، وخير دليل مواقفه التي أشرنا إليها مع علي (ع)، ومع الإمام الحسن (ع) وهو يعد لحرب معاوية وفي سلمه وصلحه، فقد ظل قيس بعد استشهاد الإمام علي (ع) على ولائه لأهل بيت رسول الله (ص) ويرى أنّ الإمام الحسن (ع) هو الوارث الشرعي للإمامة، لهذا بادر إلى مبايعته دون تردد أو تباطئ، واستمر واقفاً إلى جنبه مدافعاً غير مبال بالأخطار، و كان تحت قيادته خمسة آلاف ممن حلقوا رؤوسهم حداداً على استشهاد الإمام علي (ع)، واستعداداً للشهادة بين يدي الإمام الحسن (ع).
ولما خطب الحسن (ع) الناس، وحثهم على الجهاد معه، فتثاقلوا قام قيس في جماعة، فأنبوا الناس ولاموهم وحرضوهم، وكلموا الحسن (ع) بمثل كلام عدي بن حاتم الذي سبقهم في حديثه والقائل به: أنا ابن حاتم سبحان الله ما أقبح هذا المقام، ألا تجيبون إمامكم وابن نبيكم؟! أين خطباء مضر (المصر) الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة، فإذا جد الجد فرواغون كالثعالب، أما تخافون مقت الله؟ ... (1)وقد شكر الإمام الحسن (ع) لقيس مواقفه الشجاعة، حين وقف قيس يؤنب الناس ويلومهم على تخاذلهم، فقال له الإمام ولعدي بن حاتم الطائي ومعقل بن قيس الرياحي وزياد بن صعصعة التيمي: صدقتم رحمكم الله، ما زلت أعرفكم بصدق النية والوفاء والقبول والمودة الصحيحة، فجزاكم الله خيراً. (2)وحين انسل عبيد الله بن العباس ليلًا من معسكر الإمام الحسن (ع) إلى معسكر معاوية، وأصبحوا بغير أمير، صلى بهم قيس ثم خطبهم، فقال: أيها الناس لا يهولنكم ولا يعظمن عليكم ما صنع هذا الرجل الوله الورع (أي الجبان) إنّ هذا وأباه وأخاه (فإن هذا وأباه لم يأتيا قط، كما عن الكشي في معجم رجال الحديث 12: (ع) 485 عبيد الله بن عباس) لم يأتوا بيوم خيراً قط، إنّ أباه عم رسول الله (ص) خرج يقاتله ببدر فأسره كعب بن عمرو الأنصاري، فأتى به رسول الله (ص) فأخذ فداه فقسمه بين المسلمين، وإنّ أخاه ولاه علي (ع) على البصرة، فسرق مال الله ومال المسلمين، فاشترى به الجواري، وزعم أنّ ذلك له حلال، وأنّ هذا ولاه أيضاً على اليمن فهرب من بسر بن أرطأة، وترك ولده حتى قتلوا، وصنع الآن هذا الذي صنع، فتنادى الناس ألحمد لله الذي أخرجه من بيننا، إمض بنا إلى عدونا، فنهض بهم وخرج إليهم بسر بن أرطأة في عشرين ألفاً، فصاحوا بهم هذا أميركم قد بايع، وهذا الحسن قد صالح، فعلام تقتلون أنفسكم؟ فقال لهم قيس: اختاروا إما القتال مع غير إمام، أو تبايعون بيعة ضلال، فقالوا: بل نقاتل بلا إمام، فخرجوا وضربوا أهل الشام حتى ردوهم إلى مصافهم.
وكتب معاوية إلى قيس يدعوه ويمنيه، فكتب إليه قيس: لا والله، لاتلقاني أبداً إلّا وبيني وبينك الرمح.
فكتب إليه معاوية: أما بعد فإنما أنت يهودي ابن يهودي، تشقي نفسك وتقتلها في ما ليس لك، فإن ظهر أحب الفريقين إليك نبذك وعزلك، وإن ظهر أبغضهما إليك نكل بك وقتلك، وقد كان أبوك أوتر غير
قوسه ورمى غير غرضه، فأكثر الحز وأخطأ المفصل، فخذله قومه وأدركه يومه، فمات بحوران طريداً غريباً، والسلام.
فكتب إليه قيس بن سعد- رحمه الله-: أما بعد، فأنما أنت وثن ابن وثن من هذه الأوثان، دخلت في الإسلام كرهاً، وأقمت عليه فرقاً، وخرجت عنه طوعاً، ولم يجعل الله لك فيه نصيباً، لم تتقدم بإسلامك (أو لم يقدم إسلامك) ولم يحدث نفاقك، ولم تزل حرباً لله ورسوله، وحزباً من أحزاب المشركين، فأنت عدوّ الله ورسوله والمؤمنين من عباده؛ وذكرت أبي، ولعمري ما أوتر إلّا قوسه، ولا رمى إلّا غرضه، فشغب عليه من لاتشق غباره، ولاتبلغ كعبه، وكان امرءاً مرغوباً عنه، مزهوداً فيه؛ وزعمت أني يهودي ابن يهودي، ولقد علمت وعلم الناس أني وأبي من أنصار الدين الذي خرجت منه، وأعداء الدين الذي دخلت فيه وصرت إليه، والسلام.
فلما قرأ معاوية كتابه غاظه وأراد إجابته، فقال له عمرو بن العاص: مهلًا إن كاتبته أجابك بأشد من هذا، وإن تركته دخل فيما دخل فيه الناس، فأمسك عنه؛ وانصرف قيس بمن معه إلى الكوفة. (1)بيعته لمعاوية!
إضافةً لما سبق من القول فإني لم أجد خبراً أو روايةً تثبت أنّ قيساً بايع معاوية رجاء رحمته أو خوفاً من عذابه، وبقي على عهده الذي قطعه على نفسه بقوله: «إني حلفت أن لا ألقاه إلّا وبيني وبينه الرمح أو السيف» وفي رده على معاوية كما يحمله خبر آخر أنه لما قدم على معاوية ليبايعه كما بايع أصحابه، فقال معاوية: وأنت يا قيس تلجم علي مع من ألجم؟! أما والله كنت أحب ألّا يأتي هذا اليوم إلّا وقد أصابك ظفر من أظفاري موجع! فقال له قيس: وأنا والله قد كنت كارهاً أن أقوم في هذا المقام، فأحييك بهذه التحية.
فقال له معاوية: ولِمَ؟ وهل أنت إلّا حبر من أحبار اليهود؟ فقال له قيس: وأنت يا معاوية كنت صنماً من أصنام الجاهلية، دخلت في الإسلام كارهاً، وخرجت منه طائعاً.
فقال معاوية: أللهم غفراً، مد يدك. فقال قيس: إن شئت زدت وزدت. (2)ولكنه بايع نزولًا عند رغبة الإمام الحسن (ع) واستجابةً له كما نراه في الأخبار.
في معجم رجال الحديث، قال الكشي: جبرائيل بن أحمد وأبو إسحاق حمدويه وإبراهيم ابنا نصير قالوا: حدثنا محمد بن عبد الحميد العطار الكوفي عن يونس بن يعقوب عن الفضل غلام محمد بن راشد، قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: «إنّ معاوية كتب إلى الحسن بن علي (ع) أن أقدم أنت والحسين بن علي وأصحاب علي، فخرج معهم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، وقدموا الشام فأذن له معاوية وأعد لهم الخطباء، فقال: يا حسن قم فبايع، فقام فبايع، ثم قال للحسين (ع): قم فبايع، فقام فبايع، ثم قال: يا قيس قم فبايع فالتفت إلى الحسين (ع) ينظر ما يأمره فقال: يا قيس إنه إمامي يعني الحسن (ع)».
حدثني جعفر بن معروف قال: حدثني محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن جعفر بن بشير، عن ذريح، قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: دخل قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري صاحب شرطة الخميس على معاوية، فقال له معاوية: بايع، فنظر قيس إلى الحسن (ع)، فقال: أبا محمد بايعت؟ فقال له معاوية: أما تنتهي؟ أما والله إني، فقال له قيس: ما شئت، أما والله لإن شئت لتناقض، فقام (فقال)، وكان مثل البعير جسيماً، وكان خفيف اللحية، قال: فقام إليه الحسن، فقال له: بايع يا قيس! فبايع. (1)وفي رواية ذكرها أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين أنه لما صالح الحسن (ع) معاوية، اعتزل قيس بن سعد في أربعة آلاف وأبى أن يبايع.
وفي رواية أخرى لأبي الفرج أيضاً أنّ معاوية أرسل إلى قيس يدعوه إلى البيعة فأتي به، قال: وكان رجلًا طويلًا يركب الفرس المسرف، ورجلاه تخطان في الأرض، وما في وجهه طاقة شعر، وكان يسمى خصي الأنصار، فلما أرادوا أن يدخلوه إليه قال: إني قد حلفت أن لا ألقاه إلّا وبيني وبينه الرمح أو السيف، فأمر معاوية برمح أو سيف فوضع بينه وبينه ليبر يمينه.
وفي رواية لما صالح الحسن معاوية، اعتزل بن سعد في أربعة آلاف وأبى أن يبايع، فلما بايع الحسن أدخل قيس بن سعد ليبايع؛ قال أبومخنف في حديثه: فأقبل على الحسن (ع) فقال: أنا في حل من بيعتك؟ قال: نعم. فألقي لقيس كرسي وجلس معاوية على سريره، فقال له معاوية: أتبايع يا قيس؟ قال: نعم، فوضع يده على فخذه ولم يمدها إلى معاوية، فجثا معاوية عن سريره وأكب على قيس حتى مسح يده على يده، فما رفع قيس إليه يده. (2)و في رواية سعيد بن عبد الرحمن بن حسان، التي تضمنت حواراً دار بين معاوية وقيس بن سعد بحضور رهط من الأنصار، رد قيس على ما أثاره معاوية .. ومن تلك الردود قوله: .. وأما استقامة الأمر عليك فعلى كره منا، وأما فلنا حدك يوم صفين، فإنا كنا مع رجل نرى طاعته لله طاعة، .. (3)وفي خبر أنه ما أن تم الصلح بين الإمام الحسن (ع)- بعد تخاذل جنده، وتآمربعضهم، وطعنه- ومعاوية، حتى وقف قيس حين عاد إلى المدينة المنورة مخاطباً جنوده، الذين كان يرى أنّ لهم في ذمته حق الشورى في الاختيار:
إن شئتم جالدت بكم حتى يموت الأعجل منا، وإن شئتم أخذت لكم أماناً.
واختار جنوده الأمان وقالوا: خذ لنا أماناً؛ فأخذ لهم الأمان من معاوية. (4)يذكرني موقف قيس هذا بموقف أبيه سعد بن عبادة الذي رفض بيعة الخليفة الأول رغم ما تعرض له من ترغيب تارةً، وتهديد أخرى، حتى توفي؛ رائع جداً أن يقف الإنسان مدافعاً عن رأي يتبناه أو موقف اتخذه إذا كانا قائمين على دليل يقطع بصحته وأنه معذر له يوم القيامة.
وفاته:
بعد جهاد طويل ومواقف رائعة مليئة بالحق والحكمة والوفاء مع رسول الله (ص) ومع الإمام علي (ع) والإمام الحسن (ع)، توفي سنة 60 وقيل: 85 أو 95 هجرية في المدينة المنورة، وقيل في تفليس؛ حشره الله تعالى مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً!