ghaemiyeh.com
الجزء الثاني
من
كتاب منتهى الأفكار
تقرير بحث شيخنا وملاذنا الحجة آية الله
الآغا ميرزا هاشم الآملي
دام ظله العالي
تأليف: محمد تقي المجلسي الاصفهاني
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
(الطبعة الثانية)
مطبعة مهر
ایران - قم
محرر الرقمي: علي رضا حقاني فر
الصورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين.
ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين .
وبعد فهذا هو الجزء الثانى من كتابى الموسوم ( بمنتهى الأفكار ) قد أودعت فيه جملة ما استفدته من بحث شيخنا الأعظم وملاذنا الأفحم ، فريد عصره ووحيد زمانه ، شمس سماء التحقيق ، وقطب فذلك التدقيق ، العلامة المتبحر البارع فى العلوم العقلية والنقلية ، سماحة الحجة ،آية الله العظمى ، حضرة الحاج ( الآغا ميرزا هاشم الأملى ) أدام الله أيام افاضاته المنيفة .
وقد اشتهر تعريف الأول بانه هو الواجب الذي لا بدل له، فلا يسقط الأمر المتعلق به بفعل غيره ، والثانى بانه هو الواجب الذى له بدل ، فيسقط الأمر المتعلق به بفعل غيره ، لا اشكال في تحقق التخيير بالمعنى المزبور في الشرع الأنور . وانه يسقط أمره بفعل كل واحد من الأفعال المخير بينها شرعاً، وانه يجوز الجمع بينها دفعة وتدريجة، وانه يجوز قصد التقرب بخصوصيات الافراد ، وانه إذا ترك الجميع يعاقب ، انما الإشكال فى ان هذا السنخ من الواجب ، هل هو على ظاهره ، بمعنى ان
التخيير قد وقع بين امور متبائنة بما هي كذلك ، أو أن التخيير قد صدر من الشارع بنحو الإرشاد الى افراد الواجب التعيينى الذى تعلق به غرضه ، وخفيت على المكلفين افراده ، فيكون إنشاء التكليف به ، بصورة التخيير بين امور متبائنة ، لكي يستفاد منه حدود ذلك الواجب اجمالا.
والباعث على هذا القول أمران (أحدهما) انه لاريب فى كون هذا السنخ من الوجوب ناشئاً عن مصلحة داعية اليه ، هى الغرض منه ، ولاريب أيضاً فى عدم امكان ترشح الأثر الواحد من أمور متبائنة ، بما هي متبائنة ، كما هو مسلم عند أهل الفن ، فلا محالة يكون هذا الغرض الواحد أثراً للطبيعة الصادقة على هذه الامور المتبائنة ، ويكون هذا الأثر الواحد مترشحاً منها ، لا بما هي متبائنة ، بل بما هي متحدة في الطبيعة الصادقة عليها ، وعليه لا بد من أن تكون تلك الطبيعة القائم بها ذلك الغرض الواحد ، هى متعلق الأمر والتكليف واقعاً ، ويكون التخيير الشرعي بين الامور المتبائنة إرشاداً إلى افراد تلك الطبيعة ، حيث انها قد خفيت على المكلفين (ثانيهما) ان الحكم عبارة عن الارادة التشريعية ، وهي لابد من ان تتعلق بأمر معين والوجوب التخييرى حسب الفرض متعلق بالمردد بين الأمرين أو الامور ، فيلزم تعلق الارادة بالمردد ، فلابد وان يستكشف كون الواجب هو الجامع الذي بين حدوده بايجاب ذلك الامور تخييراً .
وقد تفصى بعض الأساطين من مشايخنا ، عن هذا الاشكال ، بان الترديد في متعلق الارادة ، انما ينا فى الارادة التكوينية ، وأما الارادة التشريعية ، فهي عبارة عن الشوق إلى فعل الغير، والشوق كما يتعلق بالأمر الجزئى ، يتعلق بالأمر الكلى أيضاً ، بخلاف الارادة التكوينية ، فانها لا تتعلق إلا بالأمر الجزئى ، فليس كلما ينافي الإرادة التكوينية ، فهو ينا فى الإرادة التشريعية ، فاذا جاز تعلق الإرادة التشريعية بما لا يجوز تعلق الإرادة التكوينية به ، وهو الأمر الكلى ، جاز أيضاً تعلق الإرادة التشريعية بالأمر المردد ، وان لم يجز تعلق الإرادة التكوينية به
وفيه (أولا) ان الإرادة تكوينية كانت أم تشريعية ، لا يعقل تعلقها بالأمر المتشخص بالوجود ، لأن النفس انما تريد الشيء الذي ترغب فيه ، وتشتاق اليه .
حيث لا يكون موجوداً فى الخارج ، فاذا كان موجوداً ، امتنع تعلق الإرادة به تكوينية كانت أو تشريعية فاذا ثبت ان متعلق الإرادة مطلقاً ، لابد من كونه أمراً غير موجود ، فيلزم كونه أمراً كلياً ، وان انحصر صدقه في الخارج حيثما يوجد . فى فرد واحد ، و( ثانياً) ان الإرادة تكوينية كانت أم تشريعية لا تتعلق بفعل من الأفعال إلا بلحاظ اشتماله على مصلحة تلائم نفس المريد ، فلا محالة يكون موضوع تلك المصلحة شيئاً متعيناً في نفسه ، قابلا لأن يتشخص في الخارج بوجوده ، ومفهوم أحدهما المردّد بين أمرين مثلا ، لا تعين له فى نفسه ، ولا وجود له فى الخارج يتشخص به ، فيمتنع ان يكون موضوعاً لتلك المصلحة .
وتحقيق القول فى شرح حقيقة الواجب التخييري يتوقف على تمهيد مقدمة .
وهى ان الغرض الذي يحصل بفعل من الأفعال ، ويدعو المولى الحكيم الى إرادة تشريعية ، يكون على أنحاء .
منها ما لا يحصل إلا بنوع خاص من الأفعال ، وهذا النوع قد تكون له افراد جلية في نظر العقلاء ، وقد تكون له افراد خفية ، وعلى كل حال لابد من تعلق الإرادة بنفس النوع الجامع بين تلك الافراد ، لأنه هو المشتمل على تلك المصلحة التي يحاول الحكيم تحصيلها ، وتكون جميع الخصوصيات الحافة بالافراد جلية كانت أم خفية ، خارجة عن مركز الإرادة وموقفها ، نعم قد يتعلق الأمر بخصوص بعضها حيث يكون خفياً ، إرشاداً الى كونه فرداً للنوع الذى تعلق به الأمر المولوى ، وهذا النحو من الواجب هو المصطلح عليه بالواجب التعييني.
ومنها ما يحصل بنوعين أو أنواع من الأفعال المتبائنة ، بما هي متبائنة ، بناء على ما هو الحق من امكان صدور الأثر الواحد نوعاً من المتعدد نوعاً ، وعليه فلا محالة تتعلق الإرادة بكل واحد من الأفعال بخصوصه ، فتكون خصوصيته التي امتاز
بها عن عدله داخلة في متعلق الإرادة ، ولا يستلزم ذلك تعلق الإرادة بأخدها المردد ، فيتوجه اليه الإشكال السابق أعنى امتناع تعلق الإرادة بالمردد ، بل تتعلق الإرادة بكل واحد منها ، وتكون مطلقة من حيث اقتران الفرد بوجود الآخر وعدمه ، ومقيدة بعدم كونه مسبوقاً بوجود الآخر لا على نحو دخل التقييد المزبور في متعلق الحكم، بل لأجل أن نهاية حد ملاك الحكم والإرادة في متعلقه تكون بسبق وجود عدله ، فهي اذن من هذه الحيثية نظير القضية الحينية، وعليه فلا يكون عدم عدله شرطاً فى وجوبه ولا وجوده ، ليستلزم في الأول عدم وجوب كل منهما حيث يتمتر نان فى الوجود، وفى الثانى عدم تحقق الامتثال لو أتى بنه لهما معاً وان شئت فعبر عن تلك الإرادة بالإرادة الناقصة الحافظة لبعض أنحاء وجود المتعلق عن بعض تروكه ، حيث انه ينرضى للمتعلق باعتبار اقترانه مع عدل آخر وسبقه به ، اعدام وتروك عدم مع عدم عدل آخر، عدم مع عدم سبقه به ، والإرادة فى المقام تحفظ الوجود عن هذين العدمين ، ولكن لا تحفظ عن عدم ذلك مع سبق العدل الآخر .
ومنها أن يكون كل من الفعلين أو الأفعال مشتملا على مصلحة مختصة به غير مصلحة الآخر ، ولكن قد يكون اتصافه بالمصلحة في حال عدم الآخر ، وقديكون اتصافه بها في كلا الحالين ، ولكن تكون فعلية تلك المصلحة متوقفة على عدم الآخر.
وهذا يكون على نحوين (أحدهما) ان لا تترتب عليها حال الاجتماع مصلحة أخرى . كما لم يترتب عليهما تلك المصلحة حسب الاشتراط
(ثانيهما) أن تترتب عليهما مصلحة اخرى ، ولا يخفى أن هذه المصلحة تضاد المصلحة المترتبة على كل منهما في حال عدم الآخر ، ومقتضى ذلك ، التخيير بين كل منهما منفرداً وبين اتيانهما جمعاً.
فهذه ثلاث احتمالات ، اما الأول فيلزم أن تتعلق الإرادة فيه. بالفعل حين عدم الفعل الآخر لفرض عدم اشتماله على المصلحة إلا في ظرف عدم عدله ، واما .. الثاني فتتعلق الإرادة فيه بالفعل وان لم يتمترن يعدم عدله ، ولكن لا يصح امتثال
أمره إلا فى ظرف عدم عدله ، لفرض اشتمال الفعل على المصلحة ، وان لم يقترن بعدم عدله ، ولكن لا تكون تلك المصلحة فعلية إلا في ظرف عدم عدله ، يونكل من هذين الواجبين لا يقع على صفة الوجوب ، لو فعله المكلف مع عدله ، لانتفاء الوجوب فى الأول حين وجود العدلين ، والمحدم صحة العمل في الثاني ، لفرض أن المطلوب فيه ، هو الفعل حين عدم عدله ، واما الاحتمال الثالث ، فيما ان لكل من المفعلين أو الأفعال ، مصلحة خاصة به حين عدم عدله ولمجموعهما أو جميعها مصلحة اخرى تترتب عليهما أو عليها فى محال الاجتماع ، يلزم ان تتعلق بكل منهما إرادة في حين عدم الآخر ، وبمجموعها إرادة اخرى تبعاً للمصلحة ، ويمكن ان يعتبر بانه بملاحظة تلك المصالح تتعلق إرادة ناقصة بكل من الطرفين ، بحيث تكون حافظة لوجود المتعلق ببعض أنحاء تروكه ، فتأمل ، ولا ريب فى انه يجوز للمكلف فى هذا الفرض أن يأتى بكل من الفعلين أو الأفعال بنحو الانفراد والاجتماع لتحقق التكليف فى كل من النحوين كما أشرنا اليه .
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الخطاب الذى ظاهره الوجوب التخييرى ، يدل باطلاقه على جواز الجمع بين الفعلين الذين تعلق بهما الوجوب تخييراً في مقام الامتثال لأنه بمقتضى الاطلاق ظاهر فى الإيجاب على سبيل منع الخلو المقتضى الجواز الامتثال بهما حال الاجتماع أيضاً ، وانما غايته المنع عن تركهما رأساً ، وحيث عرفت في المقدمة ، امكان الإيجاب كذلك بأحد وجهين من أنحاء الاغراض الداعية للإيجاب . أولهما النحو الثاني ، وهو ما لو قلنا بامكان صدور الواحد نوعاً عن المتعدد كذلك . وثانيهما الاحتمال الثالث من النحو الثالث ، وهو ما لو كان الغرض من كل منهما مشروطاً فعليته وتحصيله بعدم مقارنة الآخر ، مع فرض ترتب غرض آخر على المجموع ، فلا وجه لرفع اليد عن ظاهر الخطاب المتكفل للوجوب التخييرى.
والتكلف بتحصيل جامع بين الأطراف يكون هو الواجب ، مع أنه خلاف ظاهر تلك الخطابات ، لأن ظاهرها كون المتعلق بخصوصه مصّباً للإرادة والوجوب
ومباديها ، لا بما هو مصداق الجامع بينه وبين الآخر ، وانما السبب الوحيد لهذا التأويل والتكلف هو أحد المحذورين الذين سبق ذكرهما ، وقد عرفت عدم لزومهما بعد ما شرحنا لك فى المقدمة من الصور التي تلائم ما هو ظاهر الوجوب التخييرى من تعلق الإيجاب بكل واحد بخصوصه ، نعم لو لم يدل اطلاق الخطاب على جواز الجمع ، ولم يقم اجتماع أو غيره من الأدلة خارجاً عليه ، ليلزم الرجوع فيه الى مقتضى الاصول العملية ، وهو مختلف حسب اختلاف موجبات الشك ، فلو قطعنا بالاشتراط اتصافاً أو فعلية ، واحتملنا قيام مصلحة اخرى بالمجموع ، كما إذا دار الأمر بين الاحتمالات الثلاثة الأخيرة ، فالمرجع هو الاشتغال ، وان احتملنا جواز الجمع لأجل الشك في أصل الاشتراط ، كما لو دار الأمر بين جميع الاحتمالات الأربعة.فالمرجع هو البراءة ، لكن قد عرفت ان الخطاب المتكفل الوجوب التخييرى .
يدل على جواز الجمع ، مع امكان الأخذ بظاهره ، من وجوب كل من الأطراف بخصوصه ، من غير حاجة الى استكشاف وجوب الجامع .
هذا مضافاً إلى أن تحصيل الجامع بين أنواع الواجب التخييرى ، ليكون هو الواجب في الحقيقة، لا يندفع به محذور لزوم تعلق الإرادة بالمردد ، لأن الواجب التعيينى وان كان واحداً طبيعة ، إلا أنه لابد من ملاحظتها سارية الى جميع أفرادها حيث يكون مطلقاً ، أو الى بعض أفرادها ، حيث يكون مقيداً لامتناع الإهمال من الحكم ، وبما أن الواجب التعييني يكون شموله بدلياً في مقام امتثاله ، لزم أن تكون الإرادة السارية من الطبيعى الى حصصه ، متعلقة بالحصة المرددة بين حصصه ، لأنه على الفرض انما يريد وجود الطبيعى فى ضمن حصة من حصصه ، فيلزم على هذا. تعلق الإرادة بالحصة المرددة تبعاً لإرادة الطبيعي .
ولا مناص عن هذا الإشكال ، إلا بالتقريب الذى حررناه فى شرح حقيقة الواجب التخييرى ، ومعه لا حاجة الى تأويل الواجب التخييري ، بتعلق الإرادة التشريعية فيه بالجامع بين أنواعه ، بل اللازم هو القول بالواجب التخييرى ، كما هو
ظاهر الخطاب فيه ، لأنه لا محذور في مقام الثبوت، ولا قصور في مقام الاثبات .
ومما يؤيد ذلك ، هو الاتفاق على جواز التقرب بل لزومه بفعل كل نوع بخصوصه من أنواع الواجب التخييري ، مثلا اذا اختار المكلف الاعتاق ، من خصال الكفارة ، وجب عليه التقرب به بخصوصه لا بالجامع بينه وبين الاطعام والصيام ، وكذلك لو اختار احدها ، وهذا أصدق شاهد على ان كل واحد من خصال الكفارة ، هو بخصوصه ، واجب تخييراً ، اذ لو كان الواجب فيه ، هو الجامع بينها ، لما جاز التقرب مخصوص احدها ، لأنه تشريع واضح كما لا يخفى.
ثم انه يظهر من كلام بعض الأساطين من مشايخنا ، لزوم القول ؛ بالجامع في الواجب التخييرى ؛ مع القول بالوجوب التخييرى ، أما الأول فللعلم محصول غرض الشارع ، بفعل أى نوع فعله من انواع الواجب التخييرى ، ولما ثبت في محله بالبرهان الصحيح ان الأثر الواحد حقيقة ، لا يمكن صدوره من الأمور المتبائنة بما هي متبائنة ، فاذا وجدنا اثراً واحداً يترتب على وجود امور متبائنة ؛ علمنا ان ذلك الأثر الواحد ، لم يتولد إلا من الجامع بين تلك الأمور المتبائنة ، وأما الثاني فلان الجامع بين الأمور المتبائنة ، ربما يكون خفياً وبعيداً عن أذهان عامة المكلفين ؛ فيتعذر أو يستهجن جعله متعلقاً للخطاب الجارى على طريقة العقلاء في المحاورات وحيدذ يتعين الخطاب تخييراً بكل نوع من الانواع التي تشترك في ذلك الجامع .
وفيه انا لا نسلم امتناع صدور الأثر الواحد في النوع عن الامور المتبائنة فى النوع ؛ بل يجوز صدور الواحد نوعاً عن المتعدد نوعاً ، مثلا الحرارة أثر واحد نوعاً تجدها تحدث عن أمور متبائنة فى النوع كحدوثها عن النار والحركة والغضب مع انه لا جامع بين الجوهر أعنى النار ؛ والعرض أعنى الحركة ونحوها ، وانما الممتنع هو صدور الواحد بشخصه ؛ عن المتعددين باشخاصهم ؛ هذا هو المسلم الذي لا ريب فيه فى فنّه ، وعليه يتعين حمل الخطاب في الواجب التخييرى على ظاهره ؛ إذ لا محذور في مقام الثبوت ؛ ولا قصور فى مقام الاثبات ؛ فنحكم بوجوب كل
واحد من هذه الافعال المتبائنة فى النوع ؛ وجوباً تخييرياً ، تحصيلا لغرض واحد وعاً ، اذ لا غرض فى كل واجب حتى الواجب التعيينى الا غرض واحد فى النوع كما لا يخفى .
ولو سلَّمنا امتناع صدور الواحد مطلقاً عن المتعدد مطلقاً ، لكان اللازم أيضاً هو القول بالوجوب التخييرى ؛ على النحو الذى شرحناه ، اخذاً بظاهر الخطاب ؛ وحاصله ان كل واحد من هذه الانواع المتبائنة ، قد اشتمل على مصلحة غير مصلحة الآخر ؛ توجب اقتناع المولى بها في ظرف عدم الآخر ، كما انه تحدث مصلحة أخرى غير المصلحتين الأخريين ، فى حال اجتماع الفعلين ؛ توجب تلك المصلحة ، الأمر بالفعلين معاً ولأجل عدم امكان الجمع بين المصلحتين . وتساويهما رتبة . يأمر المولى الحكيم بكل من الفعلين فى ظرف عدم الآخر . وبهما معاً مخيراً . والدليل على جميع ذلك هو ظاهر الخطاب فى الواجب التخييرى . مضافا الى الاتفاق على جواز الجمع بين الفعلين الكاشف ذلك. عن تعلق الخطاب به . أعن الجمع بينهما . وإلا كان في وسعنا ان نقول ان المصلحتين متضادتان . لا يمكن اجتماعهما . فالواجب هو الاتيان بكل من الفعلين فى ظرف عدم الآخر . ولا يجوز جمعها . للتضاد المزبور .
ثم ان هنا أقوالا أخرى . (أحدها) ان متعلق الوجوب التخييري هو العنوان الانتزاعى الصادق على كل واحد من اطراف الواجب التخييرى . أعنى به عنوان احدهما . وفيه (أولا) أن ظاهر الخطاب هو تعلق الوجوب التخييرى بكل واحد من اطرافه بخصوصه و مشخصه . لا بالجامع بينها وان كان عنواناً انتزاعياً. وإلا خرج عن كونه واجباً تخييرياً . وتعين ان يكون واجباً تعيينياً . و(ثانياً) أن الوجوب لا يتعلق إلا بما تتعلق الارادة به. ولا ريب فى ان متعلق الارادة . هو الأمر المشتمل على المصلحة وعنوان أحدهما امن انتزاعى لا مصلحة ولا مفسدة فيه بالضرورة . فيستحيل تعلق الارادة به. ودعوى ان هذا العنوان . ملحوظ بنحو الآلة . لملاحظة معنونه لفنائه فيه . وان كانت صحيحة فى نفسها . الا ان ذلك يستلزم تعلق الارادة
والوجوب بالمردد بين أمرين أو أمور الذى لا تعين له عند المريد، ومثله يستحيل ان يتعلق به الأمر المعين . أعنى به الارادة المشخصة وإلا لزم تعين اللا متعين . أو الترديد فى المتعين . وكلاهما خلف .
(ثانيها ) ان متعلق الوجوب التخييرى هو كل واحد من اطرافة بخصوصه مشروطاً بعدم الآخر . التضاد ملا كانها حين الوجود ولا يستلزم ذلك شيئاً من المحذورين المذكورين ، لفرض تعلق الوجوب بكل واحد من اطرافه مشروطاً بعدم الآخر. فلا ترديد . ولتأثير كل منها أثراً غير أثر الطرف الآخر فلا يلزم صدور الواحد عن المتعدد .
وقد أورد عليه بعض الأساطين من مشايخنا بما حاصله ان التزاحم والتضاد بين الواجبين لو كان من حيث وجودهما . امكان اشتراط وجوب كل منهما ووجوده بعدم الآخر أمراً معقولا ومقبولا . كما هو شأن المتزاحمين على القول بالترتب . وأما إذا كان التضاد بين ملاكى الواجبين لا بين وجودهما . فان كان أحدهما أقوى من الآخر . فلابد من ان يكون بينهما كسر وانكسار في مقام التأثير وتأثر النفس بارادة أحدهما . ولا محالة يكون التأثير فى الإرادة . للاقوى منهما ، وان كانا متساويين فلا محالة تتأثر النفس بارادة أحدهما لا بعينه وعلى كل لا يتأتى من المولى الحكم في مثل هذا الفرض . اشتراط كل من اطراف الواجب التخييرى بعدم الآخر وجوباً أو وجوداً . فلابد أن يأمر بأحدهما المردد .
وفيه انا لو سلمنا وقوع الكسر والانكسار بين الملاكات . أو المصالح والمفاسد لكان ذلك فى الموضوع الواحد . كما هو شأن المقتضيين المتزاحمين في الأثر والتأثير وذلك الموضوع الواحد . في مثل هذا الفرض . ان كان هو نفس المولى الحكيم الذى يؤثر في نفسه تصور المصالح والمفاسد . . إرادة لبعض الأفعال . وكراهة لبعض آخر . فليكن الأمر كذلك في مقام تزاحم الواجبين في مقام الإمتثال . لاتحاد ملاك الكسر والإنكسار في المقامين . مع انه( قدس سره الشریف)لا يقول بوقوع الكسر والانكسار فى مقام تزاحم الواجبين . فيكون تخصيص محل الكلام . بوقوع الكسر
والإنكسار فيه بلا موجب له . و أما إذا كان موضوع الكسر والإنكسار . هو متعلق الحكم . كما فى صورة اجتماع الأمر والنهي . فحل الكلام ليس موضوعا واحداً . لفرض تعدد متعلق الحكم. وإذا التزم بوقوع الكسر والإنكسار بين الملاكات . حتى مع تعدد الموضوع . فاللازم حينئذ ان يقول بوقوعها بين الواجبين المتزاحمين فى مقام الإمتثال أيضاً . لاتحاد الملاك الموجب للكسر والانكسار في المقامين أعنى به عدم القدرة على الجمع بين الفعلين . أما لقصور الفاعل . كما في فرض تزاحم الواجبين فى مقام الإمتثال . واما القصور الفعل كما في محل الكلام .
والذى ينبغى ان يخدش به هذا القول . هو ان ظاهر الخطابات الشرعية في الواجبات التخييرية . هو كون المكلف مخيراً بين الأفعال التي تعلق بها الوجوب التخييرى . على سبيل منع الخلو . لا على سبيل منع الجمع مضافا الى لزوم الخلف فان مقتضى اشتراط كل من الطرفين وجوبا أو وجوداً بعدم الآخر . تأخره عنه فيلزم تقدم كل منهما على نفسه . مع انه على فرض كونه شرطاً للواجب على نحو ا على نحو يجب تحصيله . يلزم وجوب فعلها وتركها نفسياً وغيرياً .
هل ممكن التخيير بين الأقل والأكثر ، سواء كان متصلا أم منفصلا ، قد يقال بعدم امكانه ، اعدم إمكان وقوع الأكثر بحده امتثالا لتحقق الإمتثال بالأقل ومعه لا يبقى مجال للامتثال بالأكثر ، وعليه يكون التخيير بينهما لغواً ، فلا ممكن صدوره من الحكيم ، وقد رد هذا الدليل بانه أخص من المدعى ، اذ لا يتم إلا في مورد كون الأقل والأكثر ، تدريجيين ، مع كون الأقل مجعولا بنحو اللا بشرط من حيث كون الأكثر عدلا له، وأما في مورد كون الأقل والأكثر دفعيين ، أو جعل الأقل الملحوظ بنحو البشرط لا عدلا للاكثر ، فلا يصلح هذا الدليل للاستدلال به على امتناع المدعى على اطلاقه .
وفيه ان لحاظ الأقل بنحو اللحاظ البشرط لائى ، وان صحيح جعله عدلا
للاكثر ، إلا ان الفرض يخرج بذلك عن محل الكلام ، أعنى كون التخيير بين الأقل والأكثر ، بل يكون التخيير حينئذ بين المتباثنين .
نعم يمكن ان يستدل على امتناع التخيير بين الأقل والأكثر بوجه آخر .
وتقريبه ان الأقل ، إما ان يكون بذاته عدلا للاكثر أو محده الذي صار به أقل من عدله الآخر ، وعلى كل لا يتحقق التخيير فيه بين الأقل والأكثر ، اما الأول فللعلم بوجوب الأقل تعييناً ، إما بنفسه أو لكونه بعض الأكثر فيمتنع تعلق الرجوب التخييرى به ، وأيضاً يمتنع عدمه ، حيث يتحقق امتثال الوجوب التخييرى لتحققه ، إما يحده أو في ضمن الأكثر ولا شيء من الواجب التخييري . يمتنع عدمه بمجرد امتثال الخطاب التخييرى المتعلق به ، بل يجوز امتثاله في حال عدم بعض اطرافه . وإلا فلا يعقل التخيير بينها ، وأما الثاني فهو وان صح معه التخيير بين الأقل والأكثر ظاهراً ، إلا ان ذلك لا يكون من التخيير بين الأقل والأكثر الذى هو محل الكلام . بل يكون من التخيير بين المتباثنين حقيقة كما أشرنا اليه لأنه لا يلزم من وجود أحدهما وهو الأكثر وجود الآخر وهو الأقل بل ممكن وجود كل منهما مقارناً لعدم الآخر، كما هو شأن المتباثنين ، وعلى هذا يمتنع الإحتياط بفعل كلا الأمرين ، أعنى الأقل بحده والأكثر بحده لتضادها ، فيكون وجود كل منهما معانداً لوجود الآخر ، وظاهر كلام أهل الفن فى التخيير بين الأقل والأكثر هو امكان الإحتياط بفعل الأكثر ، وذلك يدل على ان الأقل لم يؤخذ تحده عدلا للاكثر فى الوجوب التخييرى ، بل اعتبروا الأقل بذاته عدلا للاكثر و مثله يمتنع تعلق الخطاب التخييرى به كما اشرنا اليه قريباً .
لا ريب في تحقق تكليف فى الشريعة المقدسة ، بنحو اذا فعل متعلقه جميع المكلفين ، وقع فعل كل واحد منهم امتثالا لذلك التكليف ، واذا فعل متعلقه بعض المكلفين ، وقع فعله امتثالا لذلك التكليف وسقط التكليف عن الباقين . وإذا لم يأت
متعلقه واحد منهم ، استحقوا جميعاً العقاب على عصيانه . وانما الكلام في شرح حقيقة هذا التكليف .
ذهب المشهور الى انه نحو من انحاء الوجوب العينى ، موضوعه أمر خاص . وقد توجه ذلك التكليف الى كل مكلف حين تحقق ذلك الموضوع ، مثلا وجوب تغسيل الميت المسلم تكليف خوطب به كل مكلف حين حصول ميت مسلم لم يغسل فعند حصول هذا الموضوع فى الخارج، يخاطب كل مكلف بتغسيله ، فاذا سبق أحد المكلفين الى تغسيله ، انتفى موضوع خطاب الباقين ، ولا ريب في ان كل خطاب يسقط بانتفاء موضوعه.
وقيل انه أيضاً وجوب عينى مطلق ، متوجه الى كل مكلف . لكن الواجب أعنى به متعلق هذا التكليف ، مشروط بشرط ، تتوقف صحة الواجب المزبور عليه وذلك هو كون متعلق هذا الخطاب غير مسبوق بالإتيان به من أحد ، لأن الغرض المترتب عليه ممتنع اجتماعه مع الغرض الآخر المترتب على الفعل الآخر من المكلف الآخر ، إما لتضادهما أو لتماثلهما .
وقيل ان الوجوب الكفائي هو الوجوب العينى التعييني ، غاية الأمر ان المكلف فى هذا التكليف هو طبيعى الإنسان الجامع لشرائط التكليف لا كل واحد واحد من أفراده ، فان الغرض من الواجب العينى التعيينى (تارة) يستدعى توجيه الخطاب به الى كل واحد من أفراد الإنسان الجامع لشرائط التكليف ، ويحصل منه بصرف وجود المكلف به . و(أخرى) لا يستدعى توجيه الخطاب به الى كل واحد من أفراد الإنسان الجامع لشرائط التكليف ، بل يكون غاية ما يستدعيه ، هو توجيه الخطاب بالمكلف به الى طبيعى الإنسان الجامع لشرائط التكليف ، إذ كما ان الغرض يحصل من الواجب بصرف وجوده ، كذلك يحصل من المكلف بصرف وجوده ، ولاريب فى ان الغرض الداعي الى التكليف بشيء لا يدعو الى اكثر مما تحصل به . والذي ينبغي أن يقال هو أن المصلحة في الواجب الكفائي ممكن ان تكون
على نحوين، كما هو شأن الواجب التخييرى ،(أحدهما)أن تكون المصلحة واحدة سنخاً ، قائمة بالجامع بين أفعال المكلفين، فاذا تحققت المصلحة الداعية الى التكليف بالواجب الكفائي بفعل بعض المكلفين ، فلا محالة يسقط التكليف عن الباقين . لاستحالة ان يبقى التكليف بلا داع اليه .
( ثانيهما ) ان يكون فى فعل كل واحد من المكلفين غرض خاص به غير الغرض المترتب على فعل الآخر ، ولكن ممتنع اجتماع الغرضين في موضوع واحد، أما لتضادهما أو لتماثلهما ، أو لتضاد أو تماثل متعلقهما، أعنى به أفعال المكلفين ، هذا كله من حيث الغرض الداعي الى تعلق الإرادة بافعال المكلفين، وأما الإرادة المتعلقة بافعال المكلفين ، فلا يمكن ان تكون الإرادة المتعلقة بفعل كل واحد من المكلفين مطلقة من حيث وجود فعل الآخر وعدمه، كما لا يمكن ان تكون مشروطة بعدم فعل الآخر . بل لابد أن تكون الإرادة متعلقة بفعل كل واحد من المكلفين حين عدم فعل الآخر بنحو القضية الحينية ، هذا اذا كان الغرضان من فعلى المكلفين متضادين أو متماثلين، وأما اذا لم يكن الغرضان متضادين أو متماثلين ، بان أمكن اجتماعهما. فيلزم ان تكون إرادة الفعل الواجب كفاية من كل واحد من المكلفين مشروطة بعدم سبق تحققه من واحد منهم ، فاذا قارن كل واحد منهم . بفعله وقع كل فعل من أفعالهم على صفة الوجوب ، لاقترانه بشرطه وهو عدم سبقه بمثله ، فاتضح ان الارادة المتعلقة بفعل كل واحد من المكلفين ارادة ناقصة بمعنى انها ليست إرادة له على كل فرض ، بل على فرض دون آخر ، سواء كانت الاغراض المترتبة على أفعال المكلفين متضادة لا يمكن اجتماعها أم كانت من سنخ واحد قائم بالجامع بين أفعال المكلفين.
اذا عرفت ذلك في مقام الثبوت ، فان كان الدليل الدال على الوجوب الكفائي في مقام الإثبات مشخصاً اياه بنحو من الأنحاء التي يمكن ان يتحقق على أحدها الوجوب الكفائي فيما تقدم فاللازم الأخذ به بجميع لوازمه ، وان لم ينل دليل الوجوب الكفائي على انه من
أى نحو من انحائه ، فلا محالة يلزم الرجوع الى الأصول العملية في الشك فى مقام الإمتثال ، مثلا اذا شك فى كون الخطاب المتوجه الى كل واحد من المكلفين . هل هو بنحو القضية الجينية . فلا يمكن اقتران المكلفين في العمل لتضاد الأغراض المترتبة على أفعالهم ، اوهو بنحو القضية المشروطة بعدم السبق بمثله فقط كما اشرنا اليه فى مقام الثبوت . فقد يقال ان اللازم حينئذ هو الاحتياط بانفراد المكلف بفعله بمعنى عدم اجتزائه بفعل الواجب إذا اقترن بمثله من مكلف آخر وبالتأمل فيما ذكرنا فى شرح حقيقة الواجب الكفائي ، يظهر ما في التوجيهات الثلاثة السابقة من الخلل.
أما التوجيه الأول المنسوب الى المشهور ، فيرد عليه انه أخص من الواجب الكفائى المقصود بيانه فى هذا التوجيه ، لأنا قد بينا ان الواجب الكفائي لا ينحصر ما ممكن اجتماع المكلفين في امتثاله كما هو الغالب ، بل يجوز أن يكون متعلق التكليف فيه عما لا يمكن مقارنة كل من المكلفين الآخر بفعله في مقام امتثال ذلك الواجب كما في صورة تضاد الأغراض المترتبة على أفعال المكلفين بها بنحو الكفاية ، وعليه ان كان بيان المشهور لحقيقة الواجب الكفائى بالتوجيه الأول تمرينماً صناعي آيتكفل بشرح حقيقته ، فهو تعريف غير جامع ، وان كان رسماً أو تقريباً غالبياً ، فلا مناقشة فى ذلك بنفسه ، إلا انه يلزم فى المقام شرح حقيقته بنحو لا يشذ عنه فرد منها كما أشرنا اليه .
وأما التوجيه الثاني، فيرد عليه أيضاً انه أخص من المقصود ، لما عرفت من أن الواجب الكفائي لا ينحصر في الخطاب المتعلق بافعال المكلفين التي لا يمكن اجتماعها في مقام الإمتثال ، لتضاد الأغراض المترتبة عليها ، مضافا الى ان كون الشيء مشروطاً ب ضده يستلزم الخلف ، وذلك لأنه لا ريب فى ان الشرط متقدم رتبة على المشروط ، فيكون كل من وجودى الضدين متأخراً رتبة عن عدم الآخر ، وبما ان النقيضين لا تقدم ولا تأخر بينهما بل في رتبة واحدة يلزم ان يكون وجود كل منهما متقدماً على الآخر ، لأنه في رتبة نقيضه أعنى به عدمه الذي
هو شرط وجود الآخر ، ومتأخراً عنه ، لأن وجود ذلك الضد في رتبة نقيضه أعنى به عدمه الذى هو شرط لوجود الضد المفروض تقدمه وتأخره في هذا الكلام ( هذا خلف) هذا كله فيما إذا كان عدم فعل كل مكلف شرطاً في صحة فعل الآخر . وأما إذا كان شرطاً لوجوب الآخر ، فيلزم حين عدم فعل كل مكلف أن يتوجه الخطاب الى كل مكلف عيناً بذلك الفعل ، لتحقق شرط الخطاب به ، فيكون خطاب كل مكلف به فعلياً في وقت واحد ، فلا يبقى فرق بين إطلاق الخطاب واشتراطه في تحقق المحذور وارتفاعه على فرض لزومه في صورة تضاد الأغراض المترتبة على أفعال المكلفين ، وحينئذ يكون اشتراط الخطاب لغواً .
وأما التوجيه الثالث فيرد عليه انه لا يتصور جامع بين أفراد المكلفين إلا الإنسان بالحمل الأولى ولا يتوهم ان يكون الانسان بهذا الحمل مكلفاً لأن المكلف هو الإنسان بالحمل الشائع المتصف بشروط التكليف من البلوغ والقدرة ونحوهما .
( في أن الأمر بالشيء هل يقتضى النهي عن ضده )
وقبل الخوض في المسألة ينبغى تقديم أمرين :
( أحدهما ) أنه لا ريب فى أن هذه المسألة من المسائل الأصولية ، لأن نتيجتها يمكن ان تقع فى طريق استنباط الأحكام الشرعية ، ولا ينافي ذلك اشتمالها على ملاك المبادىء الأحكامية، أعنى به كون أحد الحكمين مستلزماً ثبوته للحكم الآخر أو ليس مستلزم ، كما انه لا ريب فى عدم كونها من المسائل الفقهية، خصوصاً بملاحظة عنوانها المحرر في صدر المبحث ، نعم لو كان عنوان هذه المسألة هو انه هل يحرم ضد الشيء اذا تعلق به الأمر ، لكان التوهم كونها مسألة فقهية وجه مقبول ، ومع ذلك لا يستدعي العنوان المفروض كونها مسألة فتمهية ، لما تقدم نظيره في مسألة مقدمة الواجب من ان المقياس في المسألة الفقهية ، هو كون الحكم المبحوث عنه فيها أمراً
واحداً ناشئاً عن ملاك واحد ، وليس الأمر كذلك في المقام ، لأن الحرمة المبحوث عنها على تقدير كون البحث عن نفس الحرمة ، لا تكون ناشئة عن ملاك واحد .
بل عن ملاكات متعددة بتعدد الأوامر الناشئة منها .
( ثانيها ) أن الظاهر كون المراد بالأمر والنهى في العنوان هو ما يعم النفسي والغيرى والأصلى والتبعى ، كما ان المراد بالشيء هو ما يعم الفعل والترك ، كما في تروك الصوم ، ولا يختص بامر وجودى كما ير همه ظاهر لفظ الشيء ، وكما ان المراد بالاقتضاء هو الاقتضاء في مرحلة الثبوت لا في مرحلة الإثبات ، ولذا يجرى النزاع فما اذا كان الوجوب مستفاداً من دليل لى كالإجماع ، وعليه يكون النزاع عقلياً . وانما ذكر في مباحث الألفاظ ليكون الوجوب مستفاداً بحسب الغالب من الأدلة اللفظية كما هو ظاهر العنوان ، وأيضاً المراد من الضد هو الأمر الذى لا يتمكن المكلف ان يجمع عملا بينه وبين غيره ، سواء كانا ضدين اصطلاحاً أم مثلين أم متزاحمين باعتبار قصور قدرة المكلف عن الجمع بينهما اتفاقاً كصوم يومين لا يقدر المكلف على أزيد من واحد ، أم نقيضين وذلك لعموم ملاك النزاع في هذا البحث.
( إذا عرفت ذلك ) فاعلم ان البحث بحرى فى مقامين ( أحدهما ) الضد الخاص أعنى به ما لو تحقق من المكلف لامتنع عليه الإتيان بالمأمور به( وثانيهما )الضد العام أعنى به ترك المأمور به ، أما المقام الثاني فسيأتي تفصيل الكلام فيه ، وانما المهم هو الكلام فى المقام الأول ، لاشكال الأمر على العلماء الإعلام في كون الأمر بشىء هل يقتضى النهى عن ضده الخاص أو لا يقتضى ، فذهب طائفة منهم الى الأول. وأخرى الى الثانى .
أما القائل بالاقتضاء فقد استدل عليه بوجهين : ( الأول ) هو توقف وجود المأمور به على ترك ضده ، فيكون تركه مقدمة لوجود المأمور به ، وحينئذ يتعلق به ما يتعلق بسائر مقدمات الواجب من الوجوب التبعى والأمر الغيرى ، ولا حقيقة للنهى عن الشيء إلا طلب تركه( وفيه ) أنه لو كان عدم الضد مقدمة لوجود ضده .
لتوقف عدمه على وجود ضده توقف عدم المعلول على وجود مانعه ، فيكون ذلك دوراً صريحاً ( واجيب عنه ) بان توقف وجود الضد على عدم ضده فعلى ، بخلاف توقف العدم على الوجود، فانه لا يكون فعلياً إلا اذا فرض وجود مقتضى الضد وجميع شرائطه مع المانع أعنى به ضده، ففى هذا الفرض يكون عدم الضد مستنداً الى وجود المانع أعنى به ضده ، فيكون حينئذ توقف عدم ، فيكون حينئذ توقف عدم الضد على وجوده فعلياً . ولكن هذا الفرض فى الافعال الإختيارية التي هي محور التكليف يكاد يكون من قبيل فرض المحال ، لأن مقتضى الفعل الإختيارى هي إرادة الفاعل المختار أو هو نفسه ، والإرادة شرط تأثيره كبقية الشروط الأخرى ، وعلى كل لا يكون عدم الضد مستنداً حينما ينتفى إلا الى عدم مقتضيه أو عدم شرطه ، سواء كان الضدان الموجود والمعدوم من فعل شخص واحد كالإزالة والصلاة أم من فعل شخصين كان يريد أحدهما تسخين الماء مثلا ويريد الآخر تبريده ، أما في الأول ، فواضح لأن إرادة أحد الفعلين المتضادين تصرف الفاعل المختار عن الفعل الآخر ، فيستند عدمه الى عدم مقتضيه، بناء على كون الإرادة هى مقتضى الفعل الإختيارى ، أو الى عدم شرطه ، بناء على كون المقتضى هو الفاعل المختار ، والإرادة شرطه ، وأما فى الفرض الثانى ، فلأن الشخصين إما ان يتساويا فى القوة ، فلا يتحقق شيء من الضدين المزبورين ، لتمانع مقتضييهما ، فيستند عدم كل من الضدين الى عدم مقتضيه وإما ان يتفاوتا في القوة ، فالأقوى منهما يؤثر أثره ، ويمتنع الضعيف عن التأثير وحينئذ يستند عدم الضد الى عدم مقتضيه أيضاً ، لكون مقتضيه الإرادة غير المغلوبة وهى فى الفرض معدومة .
وقد أورد عليه بان الجواب المزبور لا يتم إلا اذا قيل بتقدم وجود المقتضى رتبة على وجود المانع ، وبما أن النقيضين في رتبة واحدة ، يكون عدم المقتضى متقدماً على وجود المانع ، فلا محالة يكون عدم المعلول مستنداً الى عدم المقتضى . لا الى وجود المانع لتقدمه عليه ، مثلا عدم الإزالة في المثال المعروف يستند الى
وجود الصارف لا الى وجود ضدها أعنى به الصلاة ، لكن المبنى المذكور غير صحيح لأن العلة التامة وان كانت متقدمة بالعلية على معلولها ، والمقتضى متقدم بالطبع على مقتضاه ، إلا ان اجزاء العلة لا تقدم لبعضها على بعض ، لانتفاء ملاك التقدم والتأخر عن كل واحد منها بالإضافة الى الآخر فاذا كانت العلة التامة مركبة من المقتضى والشرط وعدم المانع ، فلا يكون المقتضى متقدماً على الشرط وعدم المانع ولا متأخراً عنها ، وكذلك هما بالنسبة اليه ، فاذا لم يكن لكل من أجزاء العلة تقدم على الآخر أو تأخر عنه ، كان نقيض كل منهما كذلك بالنسبة الى نفس الآخر ونقيضه ، لقاعدة ان النقيضين في رتبة واحدة ، فما يثبت لأحدهما من الأحكام يثبت للآخر ، وعليه لا يكون عدم المقتضى متقدماً رتبة على وجود المانع ، ليستند عدم الضد اليه دون وجود المانع ، بل حيث ثبت كونهما في رتبة واحدة ، أعنى انه لا تقدم أعدم المقتضى على وجود المانع ولا تأخر له عنه ، يلزم استناد عدم الضد اليهما كما يستند وجوده الى نقيضهما. ونتيجة جميع ذلك هو كون توقف العدم على الوجود فعلياً كما هو شأن وجود الضد بالإضافة الى عدم ضده .وذلك يستلزم الدور كما أشرنا اليه .
والتحقيق ان الايراد المزبور غير تام ، لما تقدم في مبحث الشرط المتأخر من ان الشرط وعدم المانع حدود وقيود ، اذا تقيدت بها ذات المقتضى و تشخصت صارت خصة خاصة منه يعبر عنها أهل الفن بالحلة التامة ، ولا ريب في أن كل معروض متقدم بالطبع على عارضه، وبما ان نقيض كل شيء يكون في رتبته ، يلزم ان يكون عدم المقتضى متقدماً بالطبع على وجود المانع ، وعليه يكون عدم الضد مستنداً الى عدم مقتضيه لا الى وجود المانع ، لتقدم عدمه رتبة على وجوده . فاتضح من ذلك أنه لا دور فى فرض توقف وجود الضد على عدم ضده ، وقد فرّع بعض على ما بينا من تأخر رتبة المانع عن وجود المقتضى ، عدم امكان ما نعية وجود أحد الضدين للآخر ، فيبطل أصل الدليل ، لعدم تمامية التوقف
رأساً ، ببيان أن مانعية وجود أحدهما لوجود الآخر ، انما ممكن بعد فرض وجود المقتضى لكلا الضدين، لأن كون وجود أحدهما ما نعاً لا يكون إلا بعد تحقق علته التامة من المقتضى والشرط وعدم المانع حتى يتحقق له وجود ليكون مانعاً من وجود الآخر ، فالمقتضى لهذا الضد الذى فرض مانعاً لابد أن يكون موجوداً .
ثم فرض ما نعية هذا الضد للضد الآخر لا يكون إلا بعد وجود مقتضيه ، لما تقدم من انه لا يكون الشيء مانعاً عن وجود الشيء إلا بعد وجود مقتضى ذلك الشيء . ففرض ما نعية أحد الضد من للآخر لا يكون إلا بعد فرض وجود المقتضى لكل من الضدين وذلك محال فتأمل .
والذى ينبغى أن يقال فى إبطال توهم كون عدم الضد مقدمة لوجود ضده هو انه لا ريب فى كون وجود كل من الضدين فى عرض الآخر. إذ لا شبهة لأحمد في عدم كون أحدهما مقدمة للآخر ، ولكن لما كان بينهما غاية التنافي في الاجتماع في محل واحد ، استلزم ذلك مقارنة وجود أحدهما في المحل لعدم الآخر ، إذ ذلك شأن كل أمرين عرضيين متنافيين في حال الإجتماع ، ولو كان وجود كل منهما متوقفاً على عدم الآخر ، لاستلزم ذلك تقدم ما يفرض متأخراً ، وتأخر ما يفرض متقدماً المعبر عنه بتقدم الشيء على نفسه المساوق لتأخر الشيء عن نفسه (هذا خلف) بيان ذلك انا اذا فرضنا ان السواد مثلا متوقف وجوده فى المحل على عدم البياض توقف المعلول على عدم مانعه، كان عدم البياض متقدماً على وجود السواد طبعاً ، ومما أن النقيضين في رتبة واحدة يلزم ان يكون وجود البياض أيضاً متقدماً على وجود السواد رتبة ، وكما صح الفرض المزبور فى السواد مثلا يصح مثله في البياض لا محالة فاذا توقف وجود البياض فى الموضوع على عدم السواد ، كان عدمه متقدماً على وجود البياض ، وكان وجوده متأخراً عن عدم السواد ، وبما ان النقيضيين في رتبة واحدة يلزم أن يكون وجود البياض متأخراً أيضاً عن وجود السواد ، وقد فرض فى الفرض الأول متقدماً عليه( هذا خلف ) .
( الوجه الثانى ) ان وجود كل من الضد من ملازم لعدم الآخر ، ولا ريب فى ان المتلازمين لا يعقل ان يحكم الحكيم عليهما بحكمين مختلفين في وقت واحد . سواء كانا الزاميين ، أم كان أحدهما الزامياً والآخر غير الزامي ، أم كان كل منهما غير الزامي ، لاستحالة امتثالها معاً فى الأول ، ولوقوع الحكم غير الالزامي لغواً في الثانى ، ولوقوع أحد الحكمين غير الالزاميين لغواً في الثالث ، وعليه يلزم ان يكون المتلازمان في التحقق متماثلين في الحكم ، فيلزم من وجوب أحد الضدين كالإزالة وجوب عدم الآخر كالصلاة ، وبضميمة ما سيأتي في المقام الثانى من ان الأمر بالشيء يقتضى النهي عن نقيضه، أما بنحو العينية أو بالملازمة ، ينتج جميع ذلككون الضد الخاص منهياً عنه وهو المطلوب .
( والجواب عنه ) ان المتلازمين وان لم يعقل ان يحكم الحكيم عليهما محكمين مختلفين كما ذكر في تحرير هذا الوجه ، إلا أنه لا يلزم من ذلك وجوب أن يحكم عليهما بحكمين متماثلين ، لأن الأحكام انما تنشأ بملاحظة المصالح والمفاسد الكامنة فى متعلقاتها ، فاذا فرض ان أحد المتلازمين فيه مصلحة تستدعى الحكم عليه بالوجوب مثلا ، ولم تكن في ثانيهما تلك المصلحة ، استحال على الحكيم أن يحكم عليه بالوجوب ، لاستلزامه صدور الحكم منه بلا داع يستدعيه ، وهو منه بلا داع يستدعيه ، وهو محال ، غاية الأمر يلزم من ذلك خلو أحد المتلازمين من أحد الأحكام الشرعية ، ولا محذور فيه والشاهد على ذلك هو انا نجد أنفسنا إذا تعلق لنا غرض بطبيعي من الأعمال تعلقت به ارادتنا به بنفسه ، مع علمنا انه لا ينفك حين ابجاده من الخصوصيات الملازمة للفرد الموجبة لتشخصه ، فلو كان التلازم في الوجود يستلزم التماثل في أحكام الموجود ، لاستلزم تعلق الارادة بالطبيعى تعلقها بالخصوصيات الملازمة لوجوده فى بعض أفراده، وليس الأمر كذلك بالوجدان .
(ان قلت) لا ريب فى ان ارادة الفعل تكويناً تستلزم إرادة جميع لوازمه التي لا يمكن أن تنفك عنه ، وبملاحظة هذه الملازمة صح القول بوجوب مقدمة الواجب
فاذا كان ارادة الشيء تكويناً تستلزم إرادة لوازمه تكويناً ولو تبعاً ، ويصح بملاحظة مثل هذه الملازمة إرادة بعض اللوازم تشريعاً كما هو الشأن في مقدمة الواجب . فلتكن ملازمة وجود أحد الضدين لعدم الآخر تكويناً موجبة لإرادته تشريعاً كما كانت موجبة لإرادته تكويناً ، والملاك في جميع هذه الأمور واحد عقلا ، فما الموجب للتفكيك بينها حكما .
(قلت) فرق واضح بين المقيس والمقيس عليه من حيث الصغرى والكبرى .
( أما الصغرى) فلأن الضد يقارن وجوده عدم ضده، للتنافي بين وجوديهما في الإجتماع ، والعدم ليس بشيء تتعلق به الأرادة اصالة لتتعلق به تبعاً في مثل الفرض وانما يتحقق لعدم تعلق الإرادة بنقيضه أعنى به وجود الضد ( وأما الكبرى) فلا نسلم ان إرادة الملزوم تستلزم إرادة لازمه إرادة تكوينية تبعية ، وانما يلزم من وجوده وجود لوازمه تكويناً ، وذلك لا يستلزم ارادتها تكويناً اذا لم تشتمل على شيء من المصلحة ، وأما قياس ذلك على مقدمة الواجب فليس في محله ، للفرق بين المتلازمين في الوجود بلا ان يتوقف وجود أحدهما على وجود الآخر ، وبين الملزوم ولازمه المتوقف وجود أحدهما على وجود الآخر ، فان الملازمة بين الأمرين فى الثانى تستلزم ارادة الملزوم ارادة لازمة تكويناً تبعاً لتوقف وجود الملزوم على وجود اللازم ، فيصح بملاحظة الملازمة بين الارادتين تكويناً أن يقال بالملازمة بين إرادة الملزوم تشريعاً و بين إرادة لازمه تشريعاً أيضاً، لتوقف وجود الملزوم على وجود لازمه ، وأما المتلازمان اللذان لا يتوقف وجود أحدهما على وجود الآخر ، فلا موجب لاستلزام إرادة أحدهم الإرادة الآخر ، اذا لم يشتمل على غرض المريد كما أشرنا اليه ( فاتضح مما تقدم ) ان الأمر بالشيء لا يقتضى النهي عن ضده الخاص ، لا بملاك المقدمية ، ولا بملاك التلازم ، فان الإستدلال على ذلك ، أما يملاك المقدمية ، فهو وان كان صحيحاً من حيث الكبرى ؛ لاختيارنا القول بوجوب المقدمة ، الا أن الصغرى غير صحيحة ؛ لأنا قد يتنا أن وجود الضد ليس بمانع ليكون
عدمه من مقدمات وجود الضد الآخر ، وأما عملاك التلازم ، فلو سلمنا تحقق الصغرى فى المقام لما كنا نسلم صحة الكبرى أعنى بها كون المتلازمين في الوجود لابد أن يكون متماثلين في الحكم .
ولا فرق فما ذكرنا بين أن يكون الضدان لهما ثالث كما هو الغالب ، وبين أن لا يكون لهما ثالث ، إلا أن بعض الأساطين من مشايخنا قد فصل في الإقتضاء وعدمه فذهب الى عدم الاقتضاء فى الأول ، والى الاقتضاء في الثاني ، بتقريب أنه قد صح ان الأمر بالشيء يقتضى النهى عن نقيضه ، ولا ريب فى ان الضدين اللذين لا ثالث لهما فيهما ملاك النقيضين أعنى به امتناع ارتفاعهما وامتناع اجتماعهما ، فلا بعد في
صحة القول باقتضاء الأمر باحدهما للنهى عن الثاني بملاحظة الملاك المزبور.
ولا تخفى ما فيه ( أما أولاً) فلأنه فرق واضح بين النقيضين وبين الضد الملازم لعدم ضده من حيث اقتضاء الأمر باحدهما للنهي عن الآخر في نظر العرف ، فان العرف يرى ان أحد النقيضين إذا كان محبوباً كان نقيضه مبغوضاً ، مثلا اذا كان وجود الشيء د الشيء محبوباً ، كان عدمه مبغوضاً بنظر العرف ، وليس الأمر كذلك في الشيء ولوازمه ومقارناته ، فان الشيء اذا كان محبوباً لا يقتضى حبه ان يكون مقارنه في الوجود أو ملازمه محبوباً ليكون نقيض ذلك المقارن أو الملازم مبغوضاً ، لهذا قيل باقتضاء الأمر بالشيء للنهى عن نقيضه في الأول دون الثاني( وأما ثانياً) فانه اذا تنزلنا وقلنا بان حب الشيء يستلزم سراية الحب الى مقارنه أو ملازمه ، فلا موجب لحصر هذا الاقتضاء فى الضدين اللذين لا ثالث لهما ، لأن الملاك الموجب للإقتضاء المزبور هى الملازمة أو المقارنة فى الوجود ، وهذا الملاك متحقق في كل ضد مع عدم ضده، سواء كان لهما ثالث أم لم يكن ، اذ لا دخل لعدم الثالث في الملاك المزبور كما لا يخفى .
( المقام الثانى ) فى أن الأمر بالشيء هل يقتضى النهي عن ضده العام أعنى به ترك المأمور به ، وعلى الاقتضاء فهل هو بنحو المطابقة أو التضمن أو الالتزام فيه
خلاف بين العلماء الأعلام ( وتحقيق ذلك محتاج الى تمهيد مقدمة ) وهى ان التكليف يتدرج في تحققه ويتطور باطوار ثلاثة فاول ما ينشأ فى النفس بملاحظة المصلحة والمفسدة هو حب المأمور به وبغض المنهى عنه ، ثم يترقى الى الإرادة والكراهة ثم يصير باظهار تلك الارادة والكراهة بما يدل عليهما من العبارات والإشارات أمراً و نهياً ، وحينئذ يصح انتزاع العناوين المعروفة من البعث والايجاب والزجر والتحريم ونحوها ، فالأمر بالشيء هى ارادته التى نشأت في نفس المولى بملاحظة المصلحة التى اشتمل عليها الفعل المأمور به التى أظهرها مما يدل عليها من العبارات والاشارات ، والنهي عن الشيء هي كراهته التى نشأت فى نفس المولى بملاحظة المفسدة التى اشتمل عليها الفعل المنهى عنه التي أظهرها بما يدل عليها ، وعليه يكون الأمر بعثاً الى ايجاد المأمور به تحصيلا للمصلحة القائمة به والنهى زجراً عن إيجاد المنهى عنه تفصياً عن المفسدة المتولدة منه ، هذا هو الذي يقتضيه مبادىء التكليف بملاحظة المصالح والمفاسد ، إلا أن المشهور ذهبوا الى ان النهى هو طلب ترك المنهى عنه بملاحظة المفسدة التي اشتمل عليها وجوده ، وقد عرفت ان التكليف بشيء أمراً كان أم نهياً لا يكون إلا ملاحظة ما يشتمل عليه نفس المكلف به من المصالح والمفاسد ، وترك الشيء بماهو ترك لا مصلحة فيه ولا مفسدة ، فلا موجب لتعلق التكليف به ، وبما أن وجود الشيء هو الذى تتولد منه المصالح أو المفاسد ، يلزم ان يكون هو محور التكليف بعثاً اليه أو زجراً عنه .
( اذا عرفت ذلك ) فاعلم أنه على المشهور ممكن تقريب كون الأمر بالشيء نفس النهي عن الضد العام في جميع أطوار التكليف المزبورة ، وذلك لأن النهى اذا كان مفاده طلب ترك المنهى عنه ، كان مفاد النهي عن الضد العام هو طلب ترك الترك ولا ريب فى ان ترك الترك وان كان مغايراً مفهوماً للوجود والفعل ، إلا انه متحد معه مصداقاً ، بل لا مصداق له في الخارج غيره ، وعليه يكون الأمر بالشيء متحداً مصداقاً مع النهي عن تركه ، وان تغايرا مفهوماً ، ولا فرق في هذا التقريب بين
أطوار وجود الأمر من الحب والإرادة واظهارها الى خارج النفس بما يدل عليها المصحح لانتزاع عنوان الأمر منها ( وأما على المختار ) فلا يتمشى هذا التقريب . لأن الأمر بالشيء لا يعقل ان يكون زجراً عن تركه ، لتغايرهما مفهوماً ومصداقاً نعم إذا قيل ان الأمر بالشيء وجوباً يستلزم الزجر عن تركه ، فلا مانع من قبوله لأن الشيء المشتمل على مصلحة تدعو الى ارادته من الغير بنحو الالزام يكون تركه مبغوضاً لمريده بغضاً يساوق حب فعله والجاده فى المرتبة ، ولا ريب في ان ملاك الزجر هو بغض المزجور عنه ، سواء كان الداعي الى بغضه اشتماله على المفسدة ، أم شدة حب نقيضه ، هذا حاصل ما أفاده أستاذنا الأعظم في تقريب الملازمة بين الأمر بالشيء والنهى عن ضده العام في درسه الموقر في الأصول ، ولكن نظره السديد في درسه المنور فى الفقه قد رجح القول بعدم الملازمة بين الأمر بالشيء والنهي عن ضده العام ، لأن حب الشيء ولو كان بنحو الغلو والافراط لا يستلزم بغض تركه على نحو الحقيقة ، بل بالعرض والمجاز ، لأن البغض كالحب لا ينشأ في النفس متعلقاً بشيء إلا لملاك يقتضيه ، ولا ريب فى أن ترك الشيء المحبوب أو المراد ليس فيه ملاك يدعو الى بغضه أو كراهته ، كما أن الشيء المبغوض لملاك يقتضى بغضه لا يكون تركه محبوباً بلا ملاك يقتضى حبه وارادته ، نعم يصح نسبة البغض الى ترك المحبوب بالعرض والمجاز عرفاً وكذا الأمر بالنسبة الى ترك المبغوض كما أشرنا اليه.
وأما ثمرة البحث عن الاقتضاء وعدمه في الضد الخاص ، فهو فساد الضد المنهى عنه اذا كان عبادة بناء على الاقتضاء بضميمة كون النهى عن العبادة موجباً لفسادها ، وعدم فساد الضد ولو كان عبادة بناء على عدم الاقتضاء ، مثلا إذا تحققت المزاحمة بين واجب موسع وآخر مضيق ، أو بين مضيقين ، أحدهما أهم من الآخر فى الشريعة ، فبناء على الاقتضاء تفسد العبادة الموسعة اذا فعلها المكلف قبل المضيق وكذا المهم في وقت الاهم ( هذا ) ولكن قد يشكل تحقق الثمرة المذكورة ، لأن العبادة ان قيل بتوقف صحتها على تعلق الأمر بها فلا محالة تقع فاسدة وان بنى على عدم اقتضاء
الأمر بالشيء للنهى عن ضده ، لأن من يقول بعدم الاقتضاء لا يقول بجواز تعلق الأمر بالضدين معاً فى عرض واحد ، وان قيل بصحة العبادة المأتى بها بداعى ملاكها المصحح للأمر بها عبادياً وان لم تكن مأموراً بها فعلا لفعلية الأمر بضدها الأهم . فهي تقع صحيحة ، ولو قيل باقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضده ، لأن النهى المزبور نهی غیری ، ملاكه كون عدم الضد مقدمة لوجود ضده ، لا اشتمال وجود الضد المنهى عنه في المقام على مفسدة توجب بغضه ، ليمتنع التقرب به .
ويمكن دفع الاشكال عن الثمرة بان العمل المشتمل على مصلحة تعبدية ،انما يصح التقرب به ويصلح له إذا لم يردع الشارع عنه ، وأما مع النهى عنه ولو غيرياً فلا يكاد يصح التقرب به وان لم يشتمل على مفسدة ذاتية ، خصوصاً إذا قلنا بأن وجود الضد مقدمة لعدم ضده ، إذ عليه يكون فعل الضد مقدمة للمعصية ، فيكون مبغوضاً لكونه شروعا في المعصية، كما أشرنا الى ذلك في استحقاق الثواب على مقدمة الواجب في بعض مباحثها ، فاتضح صحة الثمرة المذكورة بناء على كفاية اشتمال العمل على ملاك العبادة في صلوحه للتقرب به وان لم يكن مأموراً به فعلا ؛ لما أشرنا اليه من أنه على الإقتضاء تكون العبادة منهياً عنها فلا يصح التقرب بها وان اشتملت على ملاك التعبد بها للردع عنها شرعا ، وبناء على عدم الاقتضاء يصح التقرب بها وان لم تكن مأموراً بها لكفاية الملاك العبادي في صحة التقرب بذيه اذا لم يردع عنه .
وقد يدفع الإشكال عن الثمرة أيضاً بناء على افتقار العبادة في صحتها الى الأمر بها بما ينسب الى المحقق الثانى ( قدس سره الشریف) في خصوص مزاحمة الموسع بالمضيق ؛ وحاصله انه اذا قيل بالاقتضاء يقع الضد المنهى عنه فاسداً ؛ للنهى عن العبادة الموجب لفسادها ، واذا قيل بعدم الإقتضاء تقع العبادة صحيحة وان قلنا بافتقار صحتها الى الأمر بها ؛ لأنه يكفى في جواز تعلق الأمر بالطبيعة قدرة المكلف على الاتيان بها ولو في بعض أفرادها ، ولا ريب فى ان الموسع مأمور به ولو لأهميته من المضيق في آخر الوقت ، كما هو الشأن فى الصلاة مع الإزالة في المثال المعروف ؛ والصلاة
في أول الوقت لا تخرج بمزاحمة الأزالة لها عن كونها فرداً لطبيعة الصلاة المأمور بها ، وعدم الأمر بخصوص الفرد المزبور أعنى به الصلاة في وقت المزاحمة ؛ لا يقدح في صحة امتثال الأمر المتعلق بطبيعة الصلاة غير المقيدة بعدم بعض أفرادها كما فى صورة الاقتضاء ، فاذا كانت الصلاة مأموراً بها وقت المزاحمة للقدرة على امتثال أمرها باتيان الفرد غير المزاحم ، وانطباق طبيعة الصلاة المأمور بها على هذا الفرد منها أعنى به الصلاة وقت المزاحمة قهرياً ، حصل الامتثال به قهراً ، إذ لا حقيقة للامتثال إلا فعل المأمور به بفعل بعض أفراده .
وقد أورد عليه بعض الأساطين من مشايخنا بما حاصله ان ما ذكره المحقق( قدس سره الشریف) لا يتم إلا على القول بان القدرة شرط عقلى فى جواز التكليف ، فان المكلف به على ذلك يكون مطلقاً من قيد القدرة ، فيكون المأتي به حال المزاحمة فرداً حقيقياً للواجب الموسع ؛ وأما على التحقيق من كون القدرة قيداً لنفس المكلف به يقتضيه طبع التكليف والبعث الى المكلف به ؛ لأن التكليف بشيء هو التسبب الى ابجاده بامر الغير به ، فاذا فرض كون ذلك الغير عاجزاً عن إيجاده ؛ فلا يتأتى من الملتفت الى عجزه ان يريد ذلك الشيء منه ، فضلا عن أن يأمره به ويبعثه اليه ، وهذا أمر فطرى لا ربط له بالحسن و القبح عقلا كما هو مبنى المشهور في اشتراط التكليف بالقدرة القبح تكليف غير القادر ، وأما على التقريب الأول ، فالتكليف بطبعه يستلزم كون المكلف به مقدوراً ، فلا محالة يكون المكلف به مقيداً بالقدرة ؛ ومعه لا يكون المأتى به حال المزاحمة فرداً للمأمور به لكون المأتى به في هذا الحال غير مقدور عليه شرعاً ، لتعجيز الشارع المكلف بتكليفه بالأهم في تلك الحال . فلا ينطبق المأمور به على المانى به ليكون ذلك امتثالا لأمره.
(هذا) ولكن لا يخفى ان في كلا التحقيقين من الدفع والايراد عليه مواقع للنظر . أما فى توجيه المحقق( قدس سره الشریف) فلانه وان سلمنا كون القدرة شرطاً عقلياً في جواز التكليف . لا قيداً فى المكلف به. وسلّمنا صحة الشرط المتأخر . واخترنا
ان المكلف به هو طبيعي العمل لا فرده ، لكن العقل لا يجوز تعلق التكليف بالطبيعي. إلا من الناحية التى يرى المكاف قادراً فيها عليه ، فاذا فرضنا ان المكلف قادر على الطبيعي من بعض نواحيه ؛ عاجز عنه من ناحية أخرى ، فالعقل لا يصحح التكليف بذلك الطبيعي باعتبار جميع نواحيه، لأن انبساط التكليف عليه كذلك لغو قبيح. فلا محالة يكون المكلف به حصة منه ، وعليه لا يكون المأتى به حال المزاحمة فرداً لتلك الحصة ليتحقق الإمتثال به ، وأما ما في ايراد بعض الأساطين من مشايخنا .
فهو (أولا) التزامه بصحة توجيه المحقق( قدس سره الشریف)لولا أخذ القدرة قيداً وشرطاً في المأمور به . مع ان التوجيه المزبور لا يتم على مختار صاحب الايراد ، حتى مع الغض عن أخذ القدرة قيداً فى المأمور به ، لأن توجيه المحقق( قدس سره الشریف)لا يتم إلا على القول باحد الأمرين ، اما امكان الشرط المتأخر ، واما امكان الواجب المعلق ، لأن فعلية الأمر بالواجب الموسع فى حال مزاحمة الواجب المضيق مع كون القدرة شرطاً في فعلية التكليف ، ومع عدم القدرة في نظر الشارع على الموسع في حال مزاحمة المضيق لا تتأتى الا اذا اكتفينا بالقدرة على الموسع فى الزمان الثاني أعنى به حين ارتفاع المزاحمة بالمضيق، فالاكتفاء بالقدرة المتأخرة فى فعلية الأمر في الزمان الأول هو أحد فروع القول بالشرط المتأخر ، أو اذا قيل بان الواجب الموسع وان كان وجوبه حال المزاحمة فعلياً إلا ان ظرف امتثاله والإتيان متعلقه هو الزمان الثاني أعنى به حين ارتفاع المزاحمة ، وهو تمسك بالواجب المعلق وصاحب الايراد المزبور لا يقول بكل منهما ( وثانياً ) ان ما ذكره وجهاً للفرق بين مختاره ومختار المحقق . فليس بوجه يوجب الفرق في النتيجة ، وذلك لأنا لو سلمنا ان نفس التكليف يستلزم بطبعه كون المكلف به مقدوراً لما كنا نسلم امكان أخذ ما يقتضيه الحكم قيداً في الموضوع ، لأن الموضوع متقدم بالطبع على حكمه ، وهو متأخر عنه كذلك ، ولا مكن أخذ ما ينشأ من المتأخر قيداً أو جزءاً في المتقدم وإلا لزم تقدم المتأخر ، أو . تأخر المتقدم بل يكون حال ما ينشأ من الحكم حال نفس الحكم بالنسبة الى موضوعه
فكما ان نفس الحكم لا يمكن ان يكون قيداً لموضوعه كذلك ما ينشأ منه ، وعليه يكون متعلق الحكم غير مقيد بالقدرة ، وان قيل ان المكلف به وان كان غير مقيد بالقدرة ، إلا انه على ذلك يكون حصة من طبيعى المكلف به ، أعنى ان المكلف به هى الصلاة في حال كونها مقدورة للمكلف ، فالصلاة المقارنة للقدرة عليها هي متعلق التكليف، وعليه لا يمكن أن ينطبق المأمور به على المأتى به حال المزاحمة . لعدم كونه مقدوراً ، فلا يكون فرداً من أفراد تلك الحصة ، قلنا هذا التقريب بنفسه بحرى في مدعى المحقق الثاني أيضاً.
( تذييل )
قد مر فى طى كلامنا فى ثمرة البحث ان اشتمال العمل على ملاك العبادة كاف في صحة التقرب به ، ووقوعه عبادة ، هذا من حيث الثبوت ، وأما اثبات ان العمل مشتمل على ملاك العبادة أو غير مشتمل ، فهو محل الكلام في هذا المقام ، لهذا نقول قد يتمسك لاثبات الملاك المزبور فى العمل الذى لو لا مزاحمته بالواجب الأهم لكان التكليف به فعلياً ، باطلاق مادته من حيث قيد القدرة ، بتقريب أن القدرة اذا أخذت قيداً للمكلف به فى لسان الدليل، فلا محالة تكون مقومة للملاك الذى بملاحظته حدث التكليف بذيه ، اذ لولا دخلها فيه لما اخذت قيداً مقوماً في المكلف به ، فاذا سقط الأمر لا نتفائها لم يبق ما يدل على تحقق ملاك العبادة في العمل ، وأما اذا لم تؤخذ القدرة قيداً في متعلق التكليف فى لسان الدليل ، بل تعلق التكليف بالعمل مطلقاً من حيث القدرة والعجز ، فلا ريب فى ان التكليف بذلك العمل المطلق يدل على أن متعلقه بما هو مطلق مشتمل على ملاك يقتضى التعبد به ، فلا تكون القدرة حينئذ دخيلة في تحقق ذلك الملاك ، وعليه لا يكون انتفاء القدرة في مورد المزاحمة موجباً للوهن فى دلالة الاطلاق المزبور على تحقق الملاك العبادي في المادة المطلقة ( وفيه ) أن الإطلاق انما يتم حيث لا يكون الكلام محفوفاً بما يمكن ان يكون قرينة
على ارادة القيد المحتمل دخله فى المطلوب، وأما حيث يكون محفوفاً به فلا ممكن انعقاد ظهوره في الاطلاق، والخطاب في المقام من هذا القبيل ، لأنه لا ريب في أن الدليل على اشتمال المادة على الملاك في الجملة منحضر في الخطاب المتعلق بها وأما عموم الملاك وكون المادة مشتملة عليه حيثما تحققت ، وان كانت غير مخاطب بها . فانما يستفاد من إطلاقها حيث ينعقد لها ظهور فيه ، وكيف ينعقد لها ظهور فيه . مع احتمال إرادة تقييدها بقيد القدرة ، اتكالا على الخطاب الملازم لذلك القيد في فى الدلالة عليه ، وعليه لا يبقى فى المقام ما يدل على عدم إرادة القيد المزبور . فتنحصر دلالة الخطاب على الملاك في خصوص الحصة التي تعلق بها الخطاب ، وأما الحصة غير المقدورة ، فلا دلالة لشيء في المقام على اتصافها بالملاك المزبور ، لبطلان الاطلاق مما ذكرنا ، وعدم دليل آخر حسب الفرض .
(ان قلت) لا ريب فى ان متعلق الخطاب متقدم بالرتبة على نفس الخطاب ، كما هو شأن كل معروض مع عارضه، وأيضاً لا ريب فى ان ملازم كل أمر يكون فى رتبته وعليه يستحيل تقييد متعلق الطلب والخطاب بالقدرة الملازمة له بناء على مذهب المشهور من قبح تكليف العاجز ، لأن القدرة التي تلازم الخطاب تكون في رتبته فتكون متأخرة عن متعلقه ، فلا يمكن أخذها قيداً فيه ، لتقدمه رتبة على الخطاب وإلا لزم تقدم المتأخر أو تأخر المتقدم، وهو محال ، وكذا بل بطريق أولى من ذلك ، اذا قلنا باقتضاء نفس الخطاب لكون متعلقه مقدوراً ، وما يستحيل تقييد متعلق الخطاب به ، كيف يمكن أن يكون الخطاب المستلزم له بياناً لدخله في متعلقه ليمكن الإتكال عليه فى الدلالة عليه ويكون احتماله مانعاً من الإطلاق .
( قلت ) لا ريب في أن متعلق الخطاب وان كان قبل تعلق الخطاب أمراً كاياً إلا أنه بعد تعلق الخطاب به يكون حصة منه ، لأن الخطاب ولوازمه توجب تحصصه حينما يتعلق به ، ولازم ذلك عدم إمكان أخذ الإطلاق في المتعلق ، وبعبارة أخرى أخذ الحكم وقيوده فى المتعلق وان كان مستحيلا ، الا ان كل واحد من الحكم
والمتعلق يتضيق من ناحية الآخر ، فالحكم بعدما صار ضيقاً من جهة دخل القدرة فيه ، يوجب التضيق في المتعلق ، غاية الأمر سقط الخطاب للعجز ، ولكن اتكال المتكلم فى دخل القدرة في مصلحة المتعلق يكون باشتراط القدرة في الخطاب ( فتدبر ) فالصحيح في مقام إثبات عموم الملاك ، وتحققه في حالتي القدرة والعجز ، هو التمسك باطلاق الهيئة، بيان ذلك هو ان للهيئة ثلاث دلالات ( احدها ) دلالة الهيئة على فعلية البحث الى المادة على الاطلاق ( ثانيها )دلالتها على تعلق ارادة الآمر تشريعاً بالمادة على الاطلاق أيضاً ( ثالثها ) دلالتها على اتصاف المادة بالملاك على الاطلاق أيضاً ، وحيث دل الدليل المنفصل، وهو العقل ، على قبح تكليف العاجز ، سقط ظهور الهيئة عن الحجية فى الدلالتين الأوليين ، وبقيت الدلالة الثالثة من دون معارض يوجب سقوطها عن الحجية .
( ان قلت ) هذا انما يتم فيما لو كانت هذه الدلالات الثلاث بعضها في عرض الاخرى ، ولكنها ليست كذلك ، بل بعضها في طول الأخرى ، فاذا سقطت دلالة المطابقة ، فلا محالة تسقط دلالة الالتزام ، مثلا اذا كان مدلول الهيئة بالمطابقة هي فعلية البعث الى المادة ، وقد سقط هذا الظهور عن الحجية ، فلا محالة تسقط الدلالة الالتزامية ، أعنى بها دلالة فعلية الخطاب على وجود ملاك يستدعى الخطاب بذيه عن الحجية .
( قلت ) سقوط الظهور عن الحجية بالدليل المنفصل لا يستدعى بطلان نفس الظهور ، فاذا كان ظهور دلالة المطابقة محفوظاً . وان لم يكن حجة ، كان ظهور دلالة الالتزام محفوظاً لتبعية ظهور دلالة الالتزام النفس ظهور دلالة المطابقة وجوداً . واذا سقط أحد الظهورين عن الحجية لدليل منفصل عارضه . فلا موجب لسقوط الظهور الآخر عن الحجية . وعليه تكون الدلالة الالتزامية في المقام حجة في مدلولها ( فتحصل مما تقدّم ) انه تترتب ثمرة عملية على النزاع في الاقتضاء وعدمه . وهى صحة العبادة المأتى بها بداعى الملاك بناء على عدم الاقتضاء ، وبطلانها بناء على
فی توضیح الفرق بین التزاحم والتعارض
الاقتضاء ، وانه ممكن استكشاف وجود الملاك فى العمل العبادى حين المزاحمة بالاهم ، باطلاق الهيئة ، وان سقط ظهورها في فعلية الطلب حينئذ عن الحجية .
وقد يتوهم امتناع استكشاف الملاك في مثل المقام ، لفرض استحالة فعلية الخطابين معاً فيه ، فيعلم بكذب أحد الدليلين الظاهرين في فعلية كليهما ، ومعه يكون الفرض المزبور من فروض باب التعارض ، فاذا رجحنا أحد الدليلين كان هو الحجة دون الآخر، وحينئذلا يبقى فى المقام ما يمكن ان يكشف بوجوده عن وجود الملاك في متعلق الدليل المرجوح ، للبناء على كذبه بترجيح غيره عليه ( وفيه ) ان اريد بذلك سقوط أحد الخطابين عن الفعلية لامتناع فعلية كليهما معاً فهو مسلم ، ولكن ذلك لا يستلزم كون المورد من موارد المعارضة ، بل يجوز ان يكون من موارد التزاحم ،لاشتراك الموردين فى هذا الأثر ، وان اريد ان سقوط أحد الخطابين عن الفعلية يستلزم كذب أحدهما فيكون من موارد المعارضة ، فهو غير مسلم ، لسقوط أحد الخطابين عن الفعلية في مورد التزاحم ، مع عدم استلزامه لكذبه في هذا المورد واتضاح هذه الجملة فى المقام يتوقف على توضيح الفرق بين حقيقة التزاحم والتعارض و بيان أحكام كل منهما في الجملة ، وأما تفصيل ذلك فسيأتي ان شاء الله تعالى في محله . ومع هذا فالتوضيح الذى لا بد منه في المقام يتوقف على تحرير الكلام من جهات .
(الأولى) ان حقيقة المعارضة ، هو تنافى الدليلين بنحو يكون كل منهما مكذبا للآخر فى مدلوله فعلية واقتضاء ، سواء كان تنافيهما بالذات كما لو كان مدلول أحدهما مضاداً لمدلول الآخر، مثل ان يكون مدلول أحدهما الأمر بشيء ومدلول الآخر النهي عن ذلك الشيء ، أم كان بالعرض كما لو علم بكذب أحدهما في نفسه ، واشتبه بالآخر غير الكاذب ، وفي كلا القسمين يكون المرجع هي مرجحات باب التعارض وأما التزاحم فهو التدافع بين موجودين مستقلين لا تسعهما قدرة المكلف ، إما لكونهما متماثلين ، كانقاذ الغريمين ، وإما لكونهما متضادين ، كالازالة والصلاة .
او التمانع بين ملاكين اتصف بهما موجود واحد يقتضى أحدهما التأثير في نفس المولى
الحكم بارادته ، ويقتضى الآخر التأثير فيها بكراهته ، كالصلاة في المكان المغصوب فعلى هذا يكون التعارض بين الدليلين منحصراً فى الدليلين اللذين يدلان على حكمين متضادين لعنوان واحد ، كالخمر المحكوم بطهارته في بعض الأخبار ، وبنجاسته في بعض آخر ، أو الدليلين اللذين علم من الخارج بكذب أحدهما ، وأما الدليلان اللذان يدلان على حكمين متضادين لعنوانين متلازمين في الوجود ، أو كان بينهما عموم وخصوص من وجه ، كالصلاة فى المكان المغصوب ، فليسا ممتعارضين ، بل هما متزاحمان كما أشرنا اليه.
والسرّ في ذلك ان التعارض وان دلت الأدلة الشرعية على أحكامه إلا أنها لم تشرح حقيقته ولم يتبين معناه ليؤخذ به صدقاً وتطبيقاً على موارده ، وأما التزاحم فلم يتعرض لبيان حقيقته ولا لشيء من أحكامه شيء من الأدلة الشرعية بل هو أمر عقلى موضوعاً وحكما ، فيلزم الفحص عقلا عن حقيقته ، فاذا تشخصت عندنا علمنا ان ما سواها من الموارد التى يتدافع فيها الدليلان هو من موارد التعارض فنقول ملاك التزاحم الجامع بين جميع موارده هو تحقق ملاك كل من الحكمين في مورد التزاحم مع سقوط أحدهما عن الفعلية ، لاستحالة امتثالها معاً في مورد التزاحم سواء كان التزاحم بين متعلقى الحكمين كالصلاة والازالة ، أم كان بين ملاكيهما في التأثير كالصلاة في المكان المغصوب . فكما يحرز تحقق ملاك كل من الحكمين في كلا الأمرين المتزاحمين فى الوجود ، باطلاق دليليهما ، كذلك ممكن إحراز تحقق ملاك كل من الحكمين فى الأمر الواحد ذى العنوانين كالصلاة فى المكان المغصوب باطلاق دليليهما وكما يصح إحراز فعلية أحد الحكمين باحراز اقوائية ملاكه أو بغيره من المرجحات في المتزاحمين في الوجود كانقاذ الغريقين ، كذلك يصح إحراز فعلية أحد الحكمين باحراز أقوائية ملاكه أو بغيره من المرجحات في تزاحم الملاكين في الامر الواحد ذى العنوانين كالصلاة فى المكان المغصوب ، فاذا شخصنا عقلا ملاك التزاحم كما ذكرنا ، اتضح لنا ان كل مورد يتدافع فيه الدليلان ويمتنع الأخذ بمدلوليهما معاً
فيه ولا يشتمل على ملاك التزاحم المزبور هو من موارد التعارض الكاشف عن كذب أحد الدليلين فى الحكم وملاكه ، وهو منحصر في تعارض الدليلين الحاكمين محكمين متضادين على أمر واحد بعنوان واحد ، وفي مورد العلم بكذب أحد الدليلين من الخارج ، وقد أشرنا لك تلويحاً في غصون هذا التحقيق ان مناط التزاحم سواء كان في الوجود أم في الملاك هو تحقق إطلاق كل من دليلى الحكمين الكاشف عن تحقق الملاك ، ومناط التعارض هو عدم تحقق الاطلاق المزبور ، سواء كان التنافى والتدافع بين الدليلين في مورد التزاحم في الوجود أم في مورد التنافى فى الحكم ، فتحصل من جميع ذلك ان الدليلين اللذين يدلان على حكمين متضادين ان كان متعلق حكميها شيئاً واحداً عنواناً ومعنوناً كانا متعارضين، لأن كل حكم يكشف بدليل الإن عن وجود ملاك في متعلقه يستدعيه ، وعن مبادئه القائمة فى نفس الحاكم به من الحب والبغض والإرادة والكراهة وغيرها ، ويدل بدليل الالتزام على الزجر عن نقيض متعلقه ان كان ذلك الحكم ايجاباً، وعلى طلب نقيض متعلقه ان كان ذلك الحكم تحريماً ، فيكون كل من الدليلين المتعارضين مكذباً بالدلالة الالتزامية للآخر في مفاده وملاكه ، وأما إذا كان متعلق كل من الحكمين المتضادين مغايراً المتعلق الآخر عنواناً وان كانا متلازمين فى الوجود فضلا عما لو كانا متصادقين اتفاقاً على موجود واحد فلا يكون الدليلان الدالان عليهما متعارضين ، لأنه لا يكون أحدهما مكذباً للآخر فى مفاده ولا فى ملاكه ، لا بالمطابقة ولا بالالتزام ، لفرض المغايرة بين ما يدعو اليه أحد الحكمين ، وما نزجر عنه الآخر .
ومما ذكرنا في الفرق بين التعارض والتزاحم يظهر لك الخلل في كلام بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف)حيث ذكر ان ملاك التعارض ، هو ان يكون بين مدلولى الدليلين تعاند وتناف في مرحلة الثبوت ، بحيث لا يمكن جمعهما في مقام الجمل والتشريع، لاستلزام ذلك التناقض في نفس الشارع ، حيث يكون متعلق الحكمين المتنافيين شيئاً واحداً ، أو التكليف بما لا يطاق حيث يكون بين متعلق
الحكمين تضاد دائماً كما لو أوجب القيام دائماً والقدود كذلك ، أو يكون متعلق كل من الحكمين المتضادين ملازماً المتعلق الآخر ، كما لو أوجب استقبال المشرق وحرم استدبار المغرب ، وأما ملاك التزاحم فهو ان لا يكون بين الحكمين تناف وتعاند فى مقام الجعل والتشريع ، وان حصل ذلك بينهما اتفاقا في مقام الفعلية ، وهو يتحقق فى موارد ( الأول ) ان يحصل بين متعلق الحكمين تضاد اتفاقا ، كالغريقين والإزالة والصلاة ، حيث لا يقدر المكلف إلا على واحد منهما في وقت واحد ( الثانى ) هو أن لا يقدر إلا على فعل أحد الأمرين في وقتين ؛ كالقيام في الصلاة الذي لا يقدر عليه المكلف إلا فى أحد ركعاتها ( الثالث ) هو ان يستلزم اتفاقا وجود أحد متعلقى الحكمين المتضادن لوجود الآخر ؛ كما لو حرم على المكلف استدبار الجدى مع وجوب استقبال القبلة عليه في الصلاة ( الرابع ) هو ان يتحد اتفاقا أيضاً متعلق الوجوب مع متعلق النهى ؛ كالصلاة في المكان المغصوب ؛ بناء على جواز الإجتماع ، بدعوى انضمام أحد المتعلقين الى الآخر ، لا اتحادهما حقيقة وإلا كان من موارد التعارض كما أشرنا اليه (الخامس) هو ان يكون أحد متعلق الحكمين المتضادين مقدمة وجودية للمتعلق الآخر اتفاقا أيضاً ، كما لو توقف انقاذ المؤمن من الهلكة على التصرف في مال المؤمن الآخر بغير رضاه ، انتهى موضع الحاجة من كلامه .
وفيه مواقع للنظر ( أما أولا ) فلأن القدرة من شروط فعلية التكليف ؛ وليست كالعلم لتكون من شروط التنجيز ، فان كان حقيقة التزاحم في نظره هو تزاحم الحكمين في التحريك والدعوة . فلا يكون فى الموارد التي فرضها من موارد التزاحم تزاحم بين الحكمين أصلا . لعدم كونهما معاً فعليين، بل لا محالة يكون أحدهما فعلياً دون الآخر . وان كان حقيقته هو تزاحم الحكمين الإنشائيين في الفعلية . فلا محالة يكون تزاحمهما في الفعلية موجباً لتزاحمهما في الإنشاء أيضاً. لأن علم الشارع مثلا باستحالة ترتب الأثر المقصود بالإنشاء إلا على أحدهما يمنع من إنشاء ما لا يكون
له أثر في مقام التكليف، لكونه امواً حينئذ ، وعليه يكون حقيقة التزاحم هو تزاحم ملاكي الحكمين في التأثير فى نفس الحاكم بارادة كل منهما وان أصر( قدس سره الشریف) على انكار ذلك ، بدعوى ان التزاحم المبحوث عنه ، انما يتحقق بين الأحكام ، حيث يدعو كل منها الى امتثال نفسه باتيان متعلقه المستقل بوجوده وملاكه عن متعلق الآخر. وأما ملاكات الأحكام اذا اجتمعت في شيء واحد ، فلا محالة يتمع بينها التزاحم في التأثير و الكسر والإنكسار ، فيؤثر أقواها في الحكم على وفقه ، فلا يتحقق في الواقع إلا حكم واحد يتعلق بذلك الشيء الواحد الذي اجتمعت فيه الملاكات المتعددة . فاذا دل دليلان على حكمين متضادين متعلقين بشيء واحد ولو بعنوانين ، كانا متعارضين للعلم بانه ليس في الواقع إلا حكم واحد من الحكمين اللذين دلا عليهما .
ولو كان التزاحم المبحوث عنه فى هذا الفن هو التزاحم بين ملاكات الاحكام. لانسد باب التعارض ، لأن كل دليلين متعارضين يكشفان بطريقة الان عن وجود ملاكين فى متعلق الحكمين المتضادين اللذين دلا عليهما ، وهو باطل بالضرورة وبذلك يتضح لك أن المراد بالتزاحم هو ما أشرنا اليه ، إلا انه لا يخفى عليك ما في هذا الكلام بعد ما شرحنا لك حقيقة التزاحم، وعرفت ان التزاحم بين الاحكام لاقة له ، وانما هو وهم من الأوهام ، لأن التزاحم بين أمرين لا يتحقق إلا بعد تحققهما ، وقد عرفت انه اذا وقع تزاحم بين حكمين فى مقام الامتثال لا يكون إلا أحدهما فعلياً ، وأما الحكم الآخر فلابد أن ينتفى ويسقط حتى عن درجة الإنشاء . لأن بقاءه ولو إنشاء بلا أثر يترتب عليه لغو محض ، لا يعقل صدوره عن الحكم ولا يلزم من ذلك انتفاء التعارض بين الأدلة ، لأنا قد أشرنا إلى أن الدليلين اذا دلا على حكمين متضادين متعلقين بامر واحد بعنوان واحد ، فهما متعارضان ، وإذا كان متعلق الحكمين المتضادين عنوانين متغايرين وان كانا متلازمين فى الوجود أو متصادقين على موجود واحد ، فالملاكان متزاحمان ، وقد تقدم تفصيل ذلك ( وأما ثانياً ) فهو أن التفصيل بين ان يكون التزاحم بين الحكمين المتضادين دائمياً فهو
من موارد التعارض ، وبين أن يكون التزاحم بينهما اتفاقياً فهو من موارد التزاحم لا يكاد يرجع الى محصل ، لأنا قد أشرنا الى ان مناط التعارض ان كان هو انتفاء الحكم واقعاً فى أحد الدليلين لأن صدقهما معاً غير معقول ، فلا فرق في ذلك بين المتزاحمين اتفاقا والمتزاحمين دائماً ، لأن جعل الحكم الفعلى فى الثانى غير معقول كالأول ، والإنشائى وان كان معقولا ، إلا انه ان كان بلا أثر يترتب عليه كان لغواً محضاً ، وان كان بلحاظ حال الجهل بالحكم الفعلى ليكون الإنشائى المزبور فعلياً حينئذ ، فليكن ذلك مسوغا للجمل فى المتزاحمين دائماً ، كما كان مسوغا له في المتزاحمين اتفاقاً .
( الجهة الثانية ) قد اشتهر ان من آثار التزاحم تنجز الخطاب بالمهم حين العلم به والجهل بخطاب الأهم، لأنه لم يكن مانع من تنجز خطاب المهم حين العلم بخطاب الأهم ، الا تنجزه الموجب لعجز المكلف عن امتثال خطاب المهم ، وفى حال الجهل بخطاب الأهم والعلم بخطاب المهم ينتفى التنجيز عن خطاب الأهم ، فلا يكون المكلف عاجزاً عن امتثال خطاب المهم ، فيتنجز بالعلم به ، وعلى هذا يتفرع قولهم بصحة العبادة في حال الجهل بالنهي واجتماعه مع الأمر على القول بجوازه ، وليس الأمر كذلك في باب التعارض ، فانه في حال الجهل باحد الحكمين المتعارض دليلاهما . والعلم بالآخر ، لا يتنجز على المكلف الحكم المعلوم منها ، لأنه ليس في مقام التعارض إلا حكم واحد فى الواقع ، فان تعلق العلم به تنجز وإلا فلا ( وفيه ) ان الخطاب بالأهم انما يتقدم على الخطاب بالمهم لأهمية ملاك متعلقه ، وهو أمر واقعى لا يتغير ساله باعتبار حالى العلم والجهل الطريقيين كما هو المفروض ، ولا محالة يكون الحكم تابعاً لملاكه في الواقع حينئذ .
( ان قلت ) لا ريب فى ان ملاك المهم لا قصور فيه من حيث تأثيره في الحكم على وفقه ، وانما منع من فعلية الحكم على وفقه حين المزاحمة بالأهم تنجز الأهم في حال ان قدرة المكلف لا تسع الاتيان بهما ، فلا محالة يحكم العقل بتقديم الأهم ، وأما
إذا لم يكن خطاب الأهم منجزاً للجهل به أو لنسيانه مع العلم بخطاب المهم ، فالقاعدة تقضى بفعلية خطاب المهم وتنجزه على المكلف ، لأن المقتضى لذلك موجود والمانع مفقود.
( قلت ) قدرة المكلف على امتثال الخطاب من شروط فعليته ، وليست كالعلم لتكون من شروط التنجيز بعد الفعلية، فإذا كانت القدرة لا تسع الإتيان بالأهم والمهم معاً ، فلا محالة يكون الخطاب بالاهم لأهميته في نظر العقل واجداً لشرط فعليته فيكون فعلياً ، فاذا تعلق به العلم تنجز ، وإلا بقى فعلياً ، وان لم يتنجز على المكلف الجاهل به ؛ وأما خطاب المهم فيما انه فى حال المزاحمة بالأهم يكون فاقداً لشرط فعليته ، يبقى خطاباً انشائياً محضاً ؛ وان تعلق العلم به ، فان العلم ليس من شروط فعلية الخطاب لينقلب به عن الإنشائية الى الفعلية في مثل هذا الفرض .
( الجهة الثالثة ) فى بيان مرجحات باب التزاحم والتعارض ، أما مرجحات باب التزاحم فهي أمور ( الأول ) هو ان يكون أحد الواجبين مضيقاً والآخر موسعاً : لا ريب في تقديم المضيق على الموسع لحكم العقل بلزوم الجمع بين الغرضين اللازمين مهما أمكن ، ومثله ما لو وقعت المزاحمة بين التعييني وبعض أفراد الواجب التخييرى ؛ وقد يتوهم انه لا مزاحمة في هذه الموارد ؛ لأن الواجب الموسع أو التخييرى لا اقتضاء له بالنسبة الى الفرد المزاحم ؛ والواجب المضيق والتعييني ذو اقتضاء ، وبالضرورة انه لا مزاحمة بين اللا اقتضاء وذى الاقتضاء ، الا انه توهم محض ؛ لأن ملاك المزاحمة المتحقق بين المضيقين بنفسه موجود ومتحقق بين جميع أفراد الواجب الموسع والمضيق ؛ سواء قلنا بان المزاحمة تكون بين الحكمين ، أو بين ملاكيهما ، أما إذا كانت المزاحمة بين الملاكين ، فواضح ان الفرد المزاحم من أفراد الواجب الموسع أو أحد أطراف التخييرى واجد للمصلحة التي أوجبت الوجوب الموسع أو الوجوب التخييرى بلا فرق بينها وبين المصلحة التي يشتمل عليها الفرد غير المزاحم ، وأما اذا كانت المزاحمة بين الحكمين ، فلا ريب في انكل حکم شرعی تابع سمة وضيقاً للمصلحة التى تقتضيه ، فاذا فرضنا ان المصلحة الإلزامية
متحققة في الفرد المزاحم من أفراد الواجب الموسع مثلا ؛ فلا محالة يكون الحكم الذي يتحقق حين المزاحمة الذى هو حصة من الحكم الكلى الإلزامي الموسع ؛ حكم إلزامياً بالضرورة ، ومعه لا يعقل ان يكون ذلك الحكم المتعلق بالفرد المزاحم بلا اقتضاء.
( الثانى ) هو كون الفرد المزاحم لا بدل له في نظر الشرع ، فيترجح تقديمه على ما له بدل فى مقام التزاحم ، كما لو دار أمر المكلف بين ان يصلى بالطهارة المائية مع نجاسة بدنه أو ساتره ، وبين أن يصلى بالطهارة الترابية مع تطهير بدنه أوساتره بما لديه من الماء الذى لا يكفى إلا لأحدهما . فلا محالة يلزم تقديم تطهير البدن أو الساتر من الخبث بالماء الموجود. ثم التيمم والصلاة ، لأن الطهارة من الحدث بالماء لها بدل وهو التيمم . بخلاف الطهارة من الخبث فانها لا بدل لها في الشرع . وقد قرب ذلك بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف) بوجهين
(احدهما) ان ما لا بدلله له اقتضاء للإتيان به بخصوصه . وما له بدل لا اقتضاء له للإتيان به بخصوصه . وبالضرورة ان اللا إقتضاء لا يزاحم ذا الإقتضاء (وفيه) ان هذا التقريب غير سديد على إطلاقه لأن بدل الواجب ان كان واجداً لمصلحة المبدل أو وافياً بها . صح هذا التقريب فيه . نظير القصر والإتمام في الصلاة . وأما إذا لم يكن البدل كذلك بل كان البدل وافياً ببعض مصلحة المبدل . فلا محالة يكون حكم المبدل داعياً اليه بخصوصه . ومقتضياً للإتيان به . فاذا زاحمه واجب آخر فلا بد من ملاحظة المرجحات الأخرى فى مقام تقدمه أو تقديم الواجب الآخر . ولا يكفى فى تقديم غيره عليه كونه ذا بدل بالنحو المذكور . كما هو الشأن في باب التيمم والمثال المزبور . وقد تقدم تفصيل ذلك فى باب الأجزاء فلاحظ ( ثانيهما ) هو أنه يستفاد من جعل البدل الطولى للواجب . ان خطاب المبدل مقيد بالقدرة الشرعيه بخلاف ما لا بدل له .
فانه مقيد بالقدرة العقلية. وسيأتى ان المقيد بالقدرة العقلية يلزم تقديمه على المقيد بالقدرة الشرعية فيما لو وقع التزاحم بينهما (وفيه) أن المستفاد من جعل البدل الطولى للواجب . هو أن خطاب البدل نفسه مقيد بعدم القدرة لا خطاب المبدل مثلا
قوله تعالى ولم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً ، الآية . يدل على ان الأمر بالتيمم مقيد بعدم القدرة على الماء ، لا ان الأمر بالوضوء مقيد بالقدرة على الماء كما لا يخفى.
( الثالث ) أن يكون أحد الواجبين المتزاحمين مقيداً بالقدرة شرعاً بمعنى ان القدرة أخذت قيداً للوجوب فى لسان دليله ، والواجب الآخر لم يقيد وجوبه بها فى لسان دليله بل العقل قيده بها ، فيلزم تقديم الواجب المطلق من قيد القدرة شرع على الواجب المقيد بها شرعاً فى مقام التزاحم لأن الوجوب المطلق يتنجز على المكلف الجامع لشرائط التكليف وبتنجزه عليه تنتفى القدرة شرعاً على الواجب المقيد بها شرعا ( ويمكن الخدشة فيه ) بان القدرة التي يجدها المكلف متساوية النسبة الى كل واحد من الواجبين المتزاحمين فالمكلف قادر على كل واحد منهما بانفراده فكل منهما واجد لشرطه شرعاً وعقلا فيكون تخصيص الواجب المطلق بالقدرة لمنع تنجزه من القدرة على الواجب المقيد بها شرعا تخصيص بلا مخصص وترجيح بلا مرجح ، كما أنه يمكن تقريب المرجح المزبور بوجه آخر وهو أن أخذ القدرة قيداً للحكم في لسان دليله يكشف عن دخلها فى ملاك الحكم وعدم أخذها يكشف عن عدم دخلها فيه وباطلاق المادة يستكشف وجود الملاك حتى فى مورد التزاحم ، واذا دار أمر المكلف في مقام الإمتثال بين واجبين متزاحمين ، أحدهما واجد لملاك وجوبه يقيناً وثانيهما غير معلوم وجدانه لملاك وجوبه فالعقل يرجح الأخذ بالواجب المعلوم وجدانه للملاك على المشكوك فيه نظير دوران خروج بعض الأفراد عن العموم بين التخصيص والتخصص بترجيح التخصص على التخصيص فيه.
(الرابع) هو أن الواجبين المتزاحمين وان كانا طوليين من حيث زمان الإمتثال كالركبة الأولى مع ما بعدها من الركنات من حيث القيام فيها إلا أن قدرة المكلف لما كانت لا تفى إلا بالقيام في احديها وقع التزاحم بينها من حيث الإتيان بالقيام بمعنى انه إذا فرض ان المصلى حيثما قام فى الركعة لا يقدر على القيام فيما بعدها واذا لم يقم فيها تمكن من القيام فيما بعدها فقد قيل في مثل هذا الفرض انه يترجح القيام
في الركعة الأولى مثلا لكون الخطاب به مقيداً بالقدرة في لسان الدليل مع كونه في مقام الامتثال أسبق زماناً من الآخر فاذا كان القيام مقدوراً في الركعة الأولى مثلا كان واجداً لملاك الخطاب به فلا محالة يكون الخطاب به فعلياً لاجتماع شرائط فعالیته ومعها يكون الخطاب به فى الركعة الأولى موجباً لإنتفاء القدرة على القيام في الركعة التالية فينتفى ملاك الخطاب به فلا يكون فعلياً ، وعلى هذا لا يبقى مجال لملاحظة ايهما أهم من الآخر ليقدم عليه لأن ذلك فرع اشتمال كل منهما على ملاك التكليف به وقد أشرنا الى ان واجد الملاك منهما هو أحدهما فقط وهو الوجود الأول ( وفيه ) أن ما ذكر انما يتم فيما اذا قيل بفعلية الخطاب بالأمر الأول من الأمرين الطوليين فقط كما هو لازم القول بامتناع الواجب المعلق ، وأما إذا قيل بفعلية كلا الخطابين بكلا الأمر من غاية الأمر ان تقدم أحدهما في الوجود شرط في صحة الثانى فى مقام الإمتثال كالظهر بالنسبة الى المصر فلا يتم التقريب المزبور ؛ إذ القدرة متساوية النسبة بالاضافة الى كلا الأمرين فلا موجب يرجح تأثيرها في فعلية ملاك التكليف بالأمر الأول دون الثانى ، وعلى هذا لا محالة يلزم القول بالتخيير بين القيام في الركعة والقيام في الركعة التالية مثلا ، وكذا القول في المتزاحمين الطوليين في مقام الإمتثال فيما إذا كانت القدرة شرطاً عقلياً ولم يكن أحدهما أهم من الآخر فانه لابد من القول بالتخيير في صرف القدرة فى أحدهما ، ولا يلتفت الى ما قيل من انه لابد من صرف القدرة فى أول الأمرين لأنه مخاطب به فعلا وقادر على امتثال خطابه فيلزمه عقلا الإتيان به لما عرفت من وجهه آنفاً ، هذا بعض الكلام فيما يتعلق باحكام التزاحم والتعارض وسيأتى ان شاء الله تعالى تفصيل ذلك في مباحث التعادل والترجيح .
ثم انه بعدما اتضح ان الأمر بالشيء لا يقتضى النهي عن ضده الخاص فهل الأمر بالشيء يمنع من الأمر بضده الخاص مطلقاً أو في بعض الأحوال دون بعض وبعبارة أخرى ان استحالة اجتماع الأمرين الفعليين بكلا الضدين في وقت واحد هل تقتضى سقوط الأمر بالمهم منهما مطلقاً أو تقتضى تقييد إطلاق أمره بامر الأهم
فيه خلاف ( والتحقيق ) ان نقول ان الضدين أما أن يكونا متساويين في الملاك وأما أن يكون لأحدهما مزية على الآخر ، وعلى كل من التقديرين أما أن يكونا مضيقين أو موسعين وأما أن يكونا مختلفين ، فهنا ست صور يلزم التعرض لكل منها أما الصورة الأولى وهى أن يكونا متساويين فى الملاك مع كونها مضيقين وفى هذه الصورة أما أن يكون الضدان لهما ثالث أو لا يكون لهما ثالث ، وعلى الثاني يكون التخيير بينهما طبعياً لا عقلياً ولا شرعياً لامتناع اجراء المولوية في التخيير بينهما لأن تشريع التخيير بين أمرين انما يصبح حيث يكون التخيير بينهما غير ثابت قبل التشريع وما لا ثالث لهما يكون التخيير بينهما في مقام العمل ثابتاً بالطبع فيلغى جمله بالتشريع، وأما ما كان لها ثالث فيمكن جعل التخيير بينهما شرعاً وعقلا إذ بعدما كان المكلف ممكنه تركهما معاً كان الإلزام بهما على نحو التخيير شرعاً وعقلا بلا مانع منه ولا محذور فيه ، وبما أن ملاكى المحكمين متساويان ولا مانع من جعل الحكم التخييرى على واجدى الملاكين المزبورين لزم في الحكمة جعل التكليف التخييرى في هذه الصورة ، هذا فى الجملة لا ريب فيه ، انما الكلام فى تشخيص حقيقة هذا التخيير فهل هو تخيير شرعى أو تخيير عقلى ، والحق هو الأول واثباته يتوقف على شرح حقيقة التخيير ، لهذا نقول قد تقدم في مبحث الواجب التخييرى شرح حقيقته من حيث مبادئه وكيفية جعله إلا أن المقام يستدعى أن نعيد بعض الكلام الخصوصية كون متعلق التكليف التخييرى فى المقام هو الضدان ، والتصور العقلى يقضى ان الأطوار التي يمكن ان يتحقق التكليف التخييرى على أحدها شرعاً هي ثلاثة أمور ( أحدها ) ان يكون التكليف بكل من الضدين مشروطاً بعدم الآخر سواء كان عدمه سابقاً على الأمر أم متأخراً عنه ( ثانيها ) ان يكون المكلف به مشروطاً بعدم الآخر مع إطلاق التكليف المتعلق بهما سواء كان تقييد المكلف به بعدم الآخر بنحو يستلزم تعلق الوجوب الغيرى بالقيد كما هو شأن الواجب المطلق بالنسبة الى شروط متعلقه أم كان بنحو لا يستلزم تعلق الوجوب الغيرى بالقيد كما هو شأن الواجب المعلق
بالنسبة الى الشرط المعلق عليه ( ثالثها ) أن يكون التكليف بكل من الضدين تعيينياً لكنه لا فى جميع الأحوال بل في حال عدم ضده فيكون كل من الضدين واجباً تعيينياً في حال عدم ضده، وبعبارة أو جز يكون متعلق كل من الخطابين حصة من الضدين وهى الحصة المقارنة لعدم الضد الآخر ، هذا كله في مرحلة الثبوت ، وأما مقام الإثبات فالمتعين فيه هو الوجه الأخير ، وذلك لعدم خلو الوجه الأول والثانى من الخدوش .
( أما الوجه الأول) فلأن عدم الضد الذى جعل شرطاً لوجوب ضده ان كان عدمه المطلق فيلزم حصول شرط كل من الوجوبين المتعلقين بالضدين عند عدمهما معاً وذلك يستلزم فعلية التكليف بالضدين معاً في وقت واحد وان كان عدم الضد بعد الأمر بضده الآخر هو شرط التكليف بكل منهما فيلزم من ذلك عدم التكليف بكل منهما للدور إذ الأمر بكل منهما مشروط بعدم الآخر بعد تعلق الأمر به والعدم المزبور يتوقف على الأمر بالضد توقف المشروط على شرطه ، وقد فرضنا ان الأمر به متوقف على عدم ضده بعد تعلق الأمر به ، وذلك يؤدى الى توقف الشيء على نفسه .
( وأما الوجه الثانى ) فلأن كون عدم كل من الضدين شرطاً في صحة الآخر أى شرطاً لنفس الواجب لا لوجوبه سواء كان ذلك الشرط مما يجب تحصيله أم مما لا يجب يستلزم الخلف ( بيان ذلك ) ان مقتضى الاشتراط هو تأخر المشروط عن شرطه فاذا فرض أن وجود أحد الضدين مشروط بعدم ضده لزم ان يكون وجود كل منهما متأخراً عن عدم الآخر وعدم كل منهما متقدما على وجود الآخر وبما ان نقيضى كل ماهية في رتبة واحدة يلزم ان يكون وجود كل من الضدين متقدماً على الآخر ومتأخراً عنه ( هذا خلف ) مضافا الى انه يلزم في صورة كون الشرط ما يجب تحصيله ان يكون كل من الضدين مأموراً بايجاده وبعدمه نفسياً وغيرياً وذلك لا يؤثر في انتفاء قبحه من الحكم ، فاتضح بذلك انه لا محيص عن اختيار الوجه
فی أن التخییر بین الضدین شرعی لاعقلی
الثالث كما أشرنا اليه ، ومما ذكر نا ظهر أنه لا موجب لرفع اليد عن الأمرين المتعلقين بالضدين والقول بسقوطهما معاً في حال التزاحم ، بل يمكن القول بتحققهها معاً في حال التزاحم وغيره بإنشائها معاً على الوجه الثالث .
إذا عرفت ذلك يتضح لك أن التخيير في المقام شرعى لا عقلى لأن الفارق بينهما هو كون طرفى التخيير فى الشرعى أمرين متبائنين قد تعلق الوجوب التخييرى بهها بما هما متباثنان ، وأما التخيير المقلى فلا يكون إلا بين أمور تندرج تحت جامع يكون هو متعلق التكليف ولما ان العقل لا يرى فرقاً بينها من حيث اشتمالها على الجامع المأمور به يخير المكلف بينها في مقام امتثال التكليف المتعلق بالجامع ، ولا ريب فى أن متعلق التكليف فى المقام هى الأمور المتبائنة بما هي متبائنة لفرض ان التكليف متعلق بالضدين بما هما ضدان ، والتكليف وان تعلق ابتداء بكل منهما مستقلا ولكن الجمع بين التكليفين فى مقام التزاحم دل على أن التكليف المتعلق بهما في المقام المزبور تكليف تخييرى ، ولا فرق فى التكليف التخييرى بين أن ينشأ بخطاب واحد كالتكليف التخييري المعروف فى الفن وبين أن ينشأ بخطابين كان هو مقتضى الجمع بينهما كما في المقام ، وأما ما أفاده بعض الاعلام( قدس سره الشریف) في وجه استفادة التكليف التخييرى فى المقام من ان كلا التكليفين المتعلقين بالضدين قد سقط في مقام التزاحم لأن بقاء أحدهما بخصوصه مع تساويهما في نظر الشرع كما هو المفروض ترجيح بلا مرجح ، وبقاء أحدهما لا بعينه غير معقول ، واهمال كلتا المصلحتين الملزمتين المستقلتين بلا استيفاء ما يمكن منهما قبيح من الحكيم تعالى بل من كل عاقل غير غافل . فلا محالة يكشف جميع ذلك قطعاً عن إرادة الشارع لهما إرادة تشريعية تخييرية (فهو غير سديد ) لأنه لا موجب لسقوط كلا التكليفين المتعلقين بالضدين في مقام التزاحم ليكشف ذلك مع باقى المقدمات المزبورة عن إرادة تشريعية تخييرية متعلقة بالضد من بل قد عرفت ان تزاحم التكليفين المطلقين المتعلقين بالضدين يكشف عن ان الشارع قد أنشأهما من أول الأمر وفى بدء التشريع بنحو لا يقع بينهما تزاحم حيث
يتفق ذلك كما أشرنا الى وجهه فى الوجه الثالث من الوجوه المتصورة في كيفية التكليف التخييري .
( هذا )وقد يقرب كون التخيير في المقام تخييراً عقلياً بوجهين( أحدهما ) ان الخطابين المتعلقين بالضدين يسقط كلاهما في مقام التزاحم ،والعقل لما استكشف وجود الملاك الملزم في كل من الضدين فلا محالة يلزم المكلف بتحصيل أحدهما (وفيه) ما عرفت من انه لا موجب لسقوط كلا الخطابين بل التزاحم يكشف عن سقوط اطلاقهما فقط فلاحظ( ثانيهما) ما عن بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف) من ان كلا من الخطابين تام الاطلاق ولا مانع من الأخذ باطلاقه إلا المجز عن الجمع بينهما في مورد التزاحم ، وذلك يكشف عن عدم ارادته حيث يتحقق العجز بالجمع ، وأما الإرادة المتعلقة بكل منهما حيث لا يأتى بالآخر فلا مانع منها لعدم العجز حينذ عن امتثاله ، فلا محالة يقيد العقل اطلاق كل بصورة الإتيان بمتعلق الآخر فيكون مفاد كل من الخطابين المطلقين بعد التقييد عقلا مفاد التقييد لفظاً كما إذا قال أنقذ زيداً الفريق من الغرق إذا لم تنقذ عمرواً وأنقذ عمرواً إذا لم تنقذ زيداً ، وبعد التقييد المزبور يبقى كل من الخطابين بحاله فى مقام التزاحم والعقل مستقل بتخيير المكلف بينهما فى مقام الإمتثال ( وفيه ) ما عرفت آنفاً من ان أطراف متعلق الخطاب ان كانت أموراً متبائنة لا تندرج تحت جامع تعلق به الخطاب فالتخيير بينها شرعى لأن العقل لا يستقل بالتخيير بينها بل الشارع هو الحاكم بالتخيير بينها وان لم يكن كذلك فيكون التخيير عقلياً، بمعنى ان الخطاب متعلق بامر ينطبق على وجودات متعددة لا يرى العقل فرقاً بينها من حيث صدق ذلك الأمر عليها فيخير المكلف بينها فى مقام امتثال الخطاب المتعلق بالأمر الجامع بينها ، ولا ريب في ان متعلق كل من الخطابين وان قيد اطلاق كل منهما بالآخر مباين المتعلق الآخر لفرض التضاد ، وبعد استكشاف العقل التقييد المزبور يستفاد أن الشارع قد خاطب المكلف بكل من هذين الضدين بهذا النحو من الخطاب ولو بانشائين ، ولا نعنى بالتخيير
الشرعى إلا الخطاب بامرين متبائنين ما هما متبائنان على سبيل التخيير بينهما ولو بدليلين كما هو الفرض في المقام ، ولا فرق أيضاً في كون التخيير شرعياً بين ان تكون أطراف التخيير متحدة الملاك وان تكون متعددة الملاك كما هو الشأن في المقام . مضافا الى ما عرفت من أن تقييد كل من الخطابين بعدم الإتيان متعلق الآخر غير صحيح ، لأنه إن كان المراد بالعدم عدمه قبل الخطاب به لزم فعلية الخطابين حين التزاحم وعدم الإتيان بشيء منهما الحصول شرط كل منهما ، وان كان المراد بالعدم عدمه بعد تعلق الخطاب به لزم الخلف كما بينا ذلك موضحاً فيما سبق .
ثم ان بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف)قد رتب على النزاع في كون التخيير شرعياً أو عقلياً ثمرات ( منها ) ان المكلف على القول بكون التخيير شرعياً لا يستحق إلا عقاباً واحداً فيما لم تمتثل شيئاً من الخطابين، وأما على القول بكون التخيير عقلياً فالمكلف يستحق عقابين كما هو الشأن فى تركه لكلا الضدين على القول بالترتب ( وفيه ) ان تعدد العقاب فى المقام لو سلمناه فانما هو تابع لتعدد المعصية الموجب لحصولها ، إما تفويت الملاك الذي صار الشارع بصدد تحصيله بالأمر والنهي ، وإما مخالفة التكليف ، ولا ربط للعقاب فضلا عن تعدده بكون التخيير في المقام شرعياً أو عقلياً إذكون التخيير عقلياً لا يكشف عن تعدد تفويت الملاك ولا تعدد مخالفة التكليف كى يوجب تعدد العقاب ( ومنها ) انه إذا احتمل أهمية أحد الواجبين من الآخر فعلى القول بالتخيير الشرعى فى المتساويين يكون مورد الشك في الأهمية داخلا في مسألة دوران الأمر بين التخيير والتعيين الشرعيين ، فيلحق هذه الصغرى حكم الكبرى المزبورة من البراءة أو الإشتغال ، وأما على القول بالتخيير العقلى فى المتساويين فلابد من القول بالإشتغال في المقام وان قلنا بالبراءة في تلك المسألة. وذلك لأن وجود الحكم في الطرف المحتمل أهميته معلوم ضرورة ان التكليف الفعلى على تقدير كون المحتمل أهميته أهم فى الواقع منحصر فيه ، وعلى تقدير مساواته للآخر فيما ان الإطلاقين لابد من سقوطها يكون الخطاب المتعلق به فعلياً
في ظرف عدم الإتيان بالآخر ، وعلى كلا التقديرين يكون محتمل الأهمية إذا جيء به مصداقا للواجب الفعلى وهذا بخلاف الطرف الآخر كما هو واضح ( وفيه ) ان هذا التقريب لا يغاير التقريب الذى تمسك به القائل بالإشتغال في مسألة دوران الأمر بين التخيير والتعيين الشرعيين ، ولا نفهم فيه خصوصية يختص بسببها بالقول يكون التخيير عقلياً مع احتمال الأهمية في المقام ( ومنها ) انه اذا وقع التزاحم بين واجبين طوليين متساويين ملاكا كما في دوران الأمر بين القيام في الركعة الأولى والقيام فى الركعة الثانية مثلا ، فعلى القول بالتخيير الشرعى يثبت التخيير فيهما أيضاً ، وأما على القول بالتخيير العقلى فالتكليف السابق زمان امتثاله يكون فعلياً دون المتأخر لان سقوط كل من التكليفين المتزاحمين بناء على التخيير المقلى لا يكون إلا بامتثال الآخر ، وبما ان امتثال التكليف المتأخر متأخر زماناً لتأخر متعلقه على الفرض فلا يكون للتكليف المتقدم مسقط فيتعين امتثاله على المكلف بحكم العقل ( وفيه ) (أولا) انه لا وجه لتسليمه ثبوت التخيير فيهما على القول بالتخيير الشرعى لأنه لا يقول بصحة الواجب المعلق ولا بصحة الواجب المشروط بالشرط المتأخر . والتزاحم بين الواجبين الطوليين فى الإمتثال لا يتحقق إلا على القول بالواجب المعلق أو المشروط بالشرط المتأخر ، فما لم يقل بصحة أحدهما لا تتحقق مزاحمة بين مثل هذين الواجبين فلا يتحقق موضوع الخلاف في كون التخيير بينهما شرعياً أو عقلياً ، (وثانياً) مضافا الى عدم التزاحم بين مثل هذين الواجبين بناء على مختاره كما أشرنا اليه ليتفرع عليه ما ذكره ان العدم الذى قيد به اطلاق كل من الخطابين المتزاحمين هو عدم الإتيان بالمواجب الذى يكون بديل وجوده فى ظرفه لا العدم الأزلي ، ولا ريب فى ان عدم القيام فى الركعة الثانية مثلا المقارن للركعة الأولى ليس هو العدم البديل لوجوده في ظرفه بالضرورة بل هو العدم الأزلي ، وعليه لا يكون شرط التكليف بالقيام فى الركعة الأولى مثلا متحققا ليكون التكليف به فعليا ، وكذا الأمر فى الركعة الثانية فان الخطاب بالقيام فى الركعة الثانية مشروط بعدم القيام
في الركعة الأولى العدم المتعقب للخطاب بالقيام فيها ، وقد فرضنا ان الخطاب لم يصر فعلياً لعدم شرطه فلا يكون عدم القيام فى الأولى شرطاً لفعلية الخطاب بالقيام في الثانية ، وعلى هذا لا يكون الخطاب بالقيام فعلياً فى كل من الركعتين ، نعم بناء على مختارنا من ثبوت التخيير الشرعى فى المتساويين العرضيين وصحة الشرط المتأخر يصح القول بالتخيير الشرعى فى المتساويين الطوليين بان يكون متعلق الخطاب بالقيام فى الركعة الأولى فى مورد المثال المزبور هي الحصة منه المقارنة لعدم القيام فى الركعة الثانية ، ومتعلق الخطاب بالقيام فى الركعة الثانية هى الحصة منه المقارنة لعدم القيام في الركعة الأولى ، وعليه لا يبقى مجال لتوهم لزوم القيام في الركعة الأولى وصرف القدرة الموجودة فيه لأنه أسبق زماناً في مقام الامتثال مع فرض تساويهما ملاكا ، فتحصل مما تقدم ان منشأ المطاردة والتزاحم بين الخطابين هو اطلاقهما ، فاذا فرض ان متعلق كل من الخطابين المطلقين هي حصة من الضد أعنى بها الحصة المقارنة لصدم الضد الآخر ارتفعت المطاردة وانتفى التزاحم من بين الخطابين ، هذا كله فى الضدين المتساويين في الملاك، وكذا الأمر بعينه فما اذا كان أحدهما أهم من الآخر معنى أن خطاب الأهم وان كان مطلقاً ولكن خطاب المهم قد انشأ بنحو القضية الحينية أى انه قد تعلق بالضد المهم حين ترك الضد الأهم وعليه فنقول انما يمكن تقرير منع المطاردة بين الأمرين من وجوه :
(أحدها ) ما عن شيخنا الاستاذ( قدس سره الشریف) و محصله ان من المعلوم كون وجود كل شيء طارداً لجميع اعدامه المضافة الى اعدام مقدماته أو وجود أضداده ، فطلب مثل هذا الوجود يتمتضى حفظ متعلقه من قبل مقدمات وجوده وعدم أضداده بقول مطلق ، وفى هذه الصورة يستحيل الترخيص الفعلى لمقدمة من مقدماته أو وجود ضد من أضداده ، إذ مثل هذا الترخيص الفعلى بواحد من الأمور المزبورة مضاد مع الأمر الفعلى بالوجود المزبور الحافظ الجميع شئونه ، نعم لو خرج أحد الأعدام المزبورة عن حيز الأمر أما باخذه قيداً لنفس الأمر أو باخذ وجوده من
باب الاتفاق ولا بداعي الأمر فى المتعلق على وجه لا يتوجه الأمر اليه ولا يتمتضى حفظه ، فلا جرم يخرج الوجود المزبور على النحو المذكور عن حيز الأمر جزما ، غاية الأمر لا يبقى تحت الأمر إلا حفظه من سائر الجهات الراجعة الى سد سائر الأبواب ، ومثل هذا الأمر ولو كان بوجوده فعلياً قبل سد هذا الباب الخارج عن حيز الأمر ، ولكن لا يكون مثل هذا الامر محركا نحو متعلقه من سد سائر الابواب إلا فى ظرف انسداد هذا الباب من باب الإتفاق ولو بسوء الإختيار ، ومن المعلوم أن هذا المقدار من فعلية الأمر بشيء لا يضاد مع ورود الترخيص الفعلى على تفويته من قبل تفويت بعض مقدماته ، إذ مرجع مثل هذا الترخيص الى كون المولى صارفا للنظر عن حفظ المعلول من قبل المقدمة المرخص فيها مع كونه بصدد حفظه من سائر الجهات ، غاية الامر قضية ذلك. عدم حر حركته نحو الحفظ المزبور إلا فى ظرف انسداد هذا الباب من العدم من باب الاتفاق بلا محركيته نحوه بقول مطلق ، وممثل هذا البيان أيضاً جمعنا بين الاوامر الفعلية الواقعية مع الترخيصات الفعلية الظاهرية من دون شوب تزاحم بينهما ، وحيث كان الامر كذلك فلا بأس بان يصير مثل هذا المرخص فيه محرما وواجب الترك ، اذ من قبل تحريمه لا يزداد شيئاً يصلح للمنع عن مقدار اقتضاء الامر بذيها من الحفظ من غير ناحيتها المفروض عدم محركيته إلا فى ظرف عصيان المحرم ووجوده من باب الإتفاق ولو بسوء اختياره، فحينئذ من أين تقع المزاحمة في اقتضاء مثل هذا النهى عن المقدمة مع الأمر الفعلى محفظ ذيها من سائر الجهات، وذلك لان غاية اقتضاء النهى عن هذه المقدمة هو فتح باب عدم المحلول من قبل هذه المقدمة من دون اقتضائه فتح سائر أبواب العدم له ، وغاية اقتضاء الامر بالمعلول حسب الفرض هو سد سائر الابواب بلا اقتضائه سد هذا الباب الذي لازمه عدم محركية نحوه إلا فى فرض تحقق انسداد هذا الباب من باب الاتفاق ، وحينئذ فمن أين يوجب أحد الأمر من باقتضائه طرد ما يقتضيه الآخر ، كيف و معنى المطارده بين الأمرين
اقتضاء كل أمر طرح مقتضى الآخر وهذا المعنى غير متحقق في البين أصلا ( وان شئت قلت) ان اطاعة كل أمر انما هو بالحركة على طبق ما يقتضيه ذلك الامر. ومن المعلوم أنه من قبل الطاعة أحد الأمرين لم يلزم عصيان الآخر ، أو ذلك فى طرف الاهم واضح ، وهكذا في طرف المهم ، لان اطاعته في ظرف اختياره العصيان بسوء اختياره الغير المستند الى اطاعته أصلا ، بل اطاعته هذا بالنسبة الى عصيانه الصادر منه بسوء اختياره كالحجر فى جنب الجدار من دون دخله فيه ولو من باب الملازمة أبداً، وبهذا البيان أيضاً صح دعوى أن عصيان أحد الأمرين ليس من تبعات الامرين المزبورين، بل انما هو جاء بسوء اختيارة الخارج عن مقتضاهما ، ولذا صح لنا دعوى ان الأمر ما القانا فيما لا يطاق ولا في عصيان امره الآخر مع فرض اقتضائه قلب العصيان بالإطاعة كما هو الشأن في صورة اطلاق الامرين على وجه يقتضى كل واحد سد جميع أبواب العدم ، وحيث اتضح مثل هذا البيان في الأمر بشيء مع النهي عن مقدمة من مقدماته ظهر لك أيضاً وجه تتميم مثل هذا البيان بالنسبة الى الاضداد ، إذ بعد فرض اخراج بعض انجاء العدم الملازم مع وجود الضد الاهم مثلا عن حيز الامر اما من جهة اشتراط أمره بعصيان غيره أو بجعل العصيان الحاصل لا بداعى الامر من لوازم الجهة المطلوبة ، فينحصر مفاد الامر بالمهم بحفظ وجوده من قبل سائر الاضداد وسد باب عدمه من قبلها وهذا المقدار من الاقتضاء لا يطارد مقتضى الأمر بالاهم كما ان الامر بالاهم أيضاً لا يطارد مقتضى هذا الامر لعدم اقتضائه إلا فتح باب عدمه من قبل نفسه لا من قبل وجود سائر الاضداد .
( ثانيها ) ان من الواضح كون اقتضاء كل أمر لا طاعة نفسه في رتبة سابقة على اطاعته ، كيف وهو مرتبة تأثيره وأثره ، وبديهي ان كل علة في رتبة أثره منعزل عن التأثير بل تمام اقتضائه لأثره فى مرتبة ذاته المتقدم على مرتبة أثره ومعلوله ، ولازم ذلك كون نقيض اطاعته المعبر عنه بعصيانه أيضاً في رتبة متأخرة
عن الامر واقتضائه ، فحينئذ تمام اقتضاء الامر فى رتبة سابقة على العصيان هو قلب العصيان بالاطاعة بلا اقتضاء له فى ظرف العصيان ووجوده ، وبهذه الملاحظة نقول بانه لا إطلاق للامر بالنسبة الى ظرف وجود العصيان وان كان يجامع كلا منهما ، والى مثل هذا المعنى نظر بعض الاساطين( قدس سره الشریف)فى قوله بأن الأمر اطلاقا ذاتيا بالنسبة الى حالتي الإطاعة والعصيان ولم يكن اطلاق لحاظى بالنسبة اليهما ، اذ فى ظرف وجود كل منهما لا وجود للأمر من حيث الرتبة فضلا عن اقتضائه القائم بذاته .
وحيث كان الامر كذلك ( فنقول ) انه لو انيط أمر آخر بعصيان مثل هذا الامر فلا شبهة في أن مجرد هذه الاناطة يخرج الأخرين عن المزاحمة في التأثير ، اذ في رتبة الامر بالاهم وتأثيره في صرف قدرته نحوه لا وجود للمهم ، وفى رتبة وجود المهم لا يكون اقتضاء للأمر بالاهم ، فحينئذ لا يبقى مجال مطاردة بين الامرين بل كل يؤثر فى رتبة نفسه على وجه لا يوجب تخيير المكلف في امتثال كل منهما ، ولا اقتضاء لكل من الأمرين فى القاء المكلف فيما لا يطاق بل كل يقتضى موضوعاً لا يقتضى غيره خلافه .
( ثالثها ) ان من المعلوم ان الأمر بذات كل واحد من الضدين لا استحالة فيه لمجال القدرة بالنسبة الى كل واحد ، وانما الخارج عن حيز القدرة هو الجمع بين الضدين ، فحينئذ ان كان توجه الامرين نحو المكلف على نحو يقتضى الجمع بينهما ولو بالملازمة كان للاستحالة وجه لإلقاء الأمر اياه فى المحال ، وأما ان لم يكن توجههما الى المكلف على هذا النحو فلا يلزم من توجيه أمريه اليه القائه فيما لايطاق، وحيث كان الامر كذلك ، فنقول ان الأمرين ان كانا بنحو الاطلاق على وجه يقتضى كل حفظ متعلقه بقول مطلق ، فقضية ذلك انتهاء الأمر فى امتثالها الى الجمع بينهما وهو محال ، وأما لو كان أحدهما مشروطاً بعصيان الآخر فلا يقتضى توجه ذين الأمرين جمعاً ، بل كل يحرك نحو متعلقه في ظرف انعزال الآخر عن التأثير و في رتبة انعدام بديلة، ومثل هذا المعنى لا يوجب الزام المكلف بالجمع الذى هو ملاك الاستحالۀ
فى المقام ( وإن شئت قلت) ان الأمرين بالضدين اذا كانا مقتضيين لوقوع أحد الوجودين ليس إلا ، غاية الأمر أحدهما يقتضى الوجود التعييني المستلزم لعدم الآخر والآخر يقتضى الآخر لكن لا على نحو يقتضى اعدام غيره بل في ظرف انعدام غيره من باب الإتفاق ، فلا يكون مثلها ملقياً للمكلف فيها لا يطاق ، وانما الملق له فيه انما هو في صورة اقتضائهما الوجودين فى الخارج وهو من لوازم اطلاق الأمرين لا مطلقهما كما لا يخفى( وان شئت توضيح المقام بأزيد من ذلك ) فلاحظ الموارد المسلمة من فروض كون العصيان شرطاً متقدماً ، حيث انه ليس مناط جوازه مجرد عدم اجتماع الأمرين فى زمان واحد ، كيف وفى المتضادين في الزمانين لو علق أحد الأمرين بشيء آخر غير حاصل فعلا ومعلوم الحصول فيما بعد ، لما كاد يصبح الأمر المطلق باحدهما والمشروط بما فرض فى الآخر ، بل هو أيضاً مورد اباء العقل عن مثله مع انه شريك مع المشروط بالعصيان المتقدم في عدم توجه الأمرين في زمانين فمثل ذلك برهان جز مى على ان مناط الجواز وعدمه في تلك المسألة ليس هو اجتماع الأمرين فى الزمان الواحد وعدمه ، بل عمدة الوجه مزاحمة كل أمر غيره في اقتضائه صرف القدرة الموجودة نحو متعلقه كانا في زمانين أم فى زمان واحد ، ومثل هذه الجهة هو الفارق بين فرض اشتراط الأمر بعصيان ضده أو بشيء آخر، حيث انه فى الصورة الأولى لا مزاحمة بين الأمرين في حفظ القدرة المزبورة وصرفها نحو كل متعلق بخلافه فى الصورة الأخرى ، فاذا كان مناط المنع هذه المزاحمة ، فلو ارتفعت من البين بأحد التقريبين فلا مانع من اجتماعها حتى فى زمان واحد ، وإلا فلا مجال للجمع بينهما ولو في زمانين كما هو ظاهر .
ثم انه بعد الفراغ عن مقام الثبوت لا يبقى مجال الاشكال في مرحلة الإثبات اذ رفع اليد عن الإطلاق لابد وان يكون بالمقدار اللازم ، وحينئذ فبعد رفع المحذور باخراج أحد الأعدام عن حيز التكليف كان اطلاق الدليل المقتضى للحفظ من سائر الحيثيات بحاله ، نعم لا يقتضى هذا المقدار الالتزام بالوجوب المشروط
بعصيان غيره الراجع الى اناطة طلبه بعصيان غيره وفى فرضه ولحاظه فضلا عن اناطته بوجوده خارجا ، بل كما يصحح المطلب بذلك كذلك يصحح الأمر بمجرد تعلق الطلب بالحفظ من سائر الجهات الملازم مع انحفاظه من الجهة الأخرى من باب الإتفاق من دون اناطة طلبه بوجود شيء ، غاية الأمر يكون محركية مثل هذا الأمر ملازماً مع وجود ما هو خارج عن حيز التكليف بلا طولية أمره بالنسبة اليه لا في فعليته ولا في محركيته ، وقد تقدم في بحث الواجب المشروط أيضاً ان كل مشروط يقتضى وجوباً مطلقاً غير منوط بشيء في ظرف العلم بتحقق الشرط في موطنه، غاية الأمر كان متعلق هذا الأمر الغير المنوط حصة من الحفظ الملازم للحفظمن الجهة المعهودة لا منوطاً به، وعليه فعمدة ما وعليه فعمدة ما هو مقدمة للبيان الأول هو اخراج أحد الاعدام عن حيز التكليف بلا احتياج الى الالتزام باناطة التكليف به لا بفعليته ولا بفاعليته ، غاية الأمر يلازم محركيته بالنسبة الى متعلقه مع الوجود المزبور الخارج عن حيز التكليف لا انه مشروط به ، فحينئذ صح لنا دعوى عدم ابتناء تصحيح الترتب على بيان الواجب المشروط والالتزام به فى المقام، بل تمام المناط على توجه التكليف الثانى على حفظ الوجود من سائر الجهات لا نفس الوجود الحاوى لحفظه بجميع الحيثيات ، وربما يتضح مرامنا هذا بالرجوع الى ما حققناه فى الواجب المشروط وفرقه مع المعلق وعليك بالتأمل التام فانه من مزال الأقدام.
رقد يمكن رفع المطاردة من بين الخطابين المزبورين بوجه رابع ، وتوضيح ذلك يحتاج الى ذكر أمور : ( الأمر الأول ) أن النسبة التى يشتمل عليها الكلام على ضربين ( أحدهما ) النسبة التامة التى ينصح السكوت عليها ، وهى النسبة التي يكون الكلام ناظراً اليها بنحو الايقاع والإيجاد بعد العدم سواء كان الكلام المشتمل عليها قد أفادها بنحو الاخبار مثل قولك قام زيد وزيد قائم أم بنحو الانشاء مثل قولك قم يا زيد ( ثانيهما ) النسبة الناقصة التى لا يصح السكوت عليها المعبر عنها بالنسبة التقييدية، وهى النسبة التى يكون الكلام بظاهره ناظرآ اليها بما أنها معلومة
الوقوع والوجود على سبيل التوصل بها الى افادة أمر آخر ، مثل قولك زيد القائم ضرب عمرواً ، فانك تجد هذا الكلام قد نسب بظاهره الى زيد القيام المعلوم عند المخاطب ليتوصل به الى افادة أمر آخر غير نسبة القيام الى زيد كتعريفه به ، ولهذا تكون افادة النسبة التامة بنحو الأخبار متقدمة رتبة على النسبة الناقصة التقييدية. لأن الاخبار بها بعدها للتقييد بها الأفادة أمر آخر غير نفسهل ومن هنا تسمعهم يقولون الاوصاف قبل العلم بها أخبار والاخبار بعد العلم بها أوصاف (الامر الثاني) لا ريب فى ان متعلق الإرادة التشريحية ومبادئها هى احدى النسب التامة الإيقاعية ولا يعقل ان يكون من النسب التقييدية الناقصة ، و لا نا قد بينا ان النسبة التقييدية مفروضة الوجود، والكلام انما تعرض لها لانها مفروضة الوجود والتحقق الافادة أمر آخر ، ومقروض الوجود لا يعقل ان تتعلق به الإرادة التشريعية أو شيء من مبادئها ، لأن فرض وجود المراد التشريعي فرض سقوط الإرادة التشريعية ( الأمر الثالث ) لا ريب في ان عنوان الإطاعة ينتزع عن وجود الفعل المأمور به الماتى به بداعى الامر، فيكون متأخراً عن الفعل وهو أيضاً متأخر عن الأمر . فلا محالة تكون الإطاعة متأخرة عن الامر بمرتبتين ، وبما أن نقيض كل شيء يكون فى مرتبة نقيضه يلزم أن يكون العصيان متأخراً عن الامر عمر تبتين ، إذا عرفت ذلك تعرف ان فعلية الأمر بالاهم وان اجتمعت في الزمان مع فعلية الأمر بالمهم إلا أنها لم تجتمع معها فى الرتبة ، لأن فعلية الأمر بالمهم لما كانت مشروطة بعصيان. أمر الاهم كانت متأخرة عن فعلية أمر الاهم بمرتبتين ، ومعه لا تعقل المطاردة بين الامرين وإن اجتمعا في الزمان ، وأما ما أفاده استاذ الاساتذة( قدس سره الشریف)في كفايته فى بيان امتناع الترتب من أن أمر المهم وان لم يكن في رتبة الاهم لاشتراطه بعضيان أمن الاهم إلا أن أمر الاهم لاطلاقه يكون في رتبة الامر بالمهم فزاحمه وتمتنع فعلية. الامر بالمهم ( ففيه) انه بعد فرض كون الأمر بالمهم فى طول الامر بالاهم لاشتراط الأول بعصيان الثاني لا يبقى مجال لتوهم كون أمر الاهم في رتبة أمر المهم ، لان
أمر الاهم مطلق غير مشروط بترك المهم وذلك لأن امتناع ان يكون أمر المهم فى رتبة أمر الاهم موجب لامتناع ان يكون أمر الاهم فى رتبة أمر المهم ، لأن أمر الاهم متقدم رتبة على أمر المهم وهو متأخر عنه ، فيلزم من فرض كون الأمر بالاهم فى رتبة الأمر بالمهم ان يكون ما فرضناه متقدما متأخراً ، (هذا خلف).
( ان قلت ) جمل عصيان أمر الاهم شرطاً فى فعلية أمر المهم اما أن يكون بنحو الشرط المقارن واما بنحو الشرط المتأخر ، فان كان بالنحو الأول فهو وان ارتفعت به المطاردة من بين الأمرين إلا انه موجب لعدم اجتماعهما فى الفعلية فى زمان واحد أيضاً ، وهذا خلاف مبنى الترتب ، وان كان بالنحو الثانى فهو وان أو جب اجتماعهما فى الفعلية فى زمان واحد إلا انه لا يرفع المطاردة من بين الامرير كما هو واضح ، وكذا الحال اذا جعل العزم على عصيان أمر الاهم أو التعقب بعصيانه شرطاً للأمر بالمهم .
( قلت ) انا نختار الشق الأول أعنى به كون العصيان المقارن شرطاً للأمر بالمهم ، وتوهم ان ذلك يستلزم تأخر الامر بالمهم عن عصيان أمر الاهم زماناً ليلزم عدم اجتماعهما في وقت واحد ، غير سديد لأن ذلك خلط بين الشرط المتقدم والشرط المقارن ، فلو كان عصيان أمر الاهم قد جعل شرطاً بنحو الشرط المتقدم لفعلية أمر المهم لاستلزم ذلك عدم اجتماعهما فى الفعلية في زمان واحد ، ولكن الامر ليس كذلك بل كان عصيان أمر الاهم شرطاً للأمر بالمهم بنحو الشرط المقارن، ولا ريب فى ان ذلك يستلزم اقترانهما في الفعلية في زمان واحد .
( ان قلت ) ان زمان الامر بالمهم وان اتحد مع زمان عصيان أمر الأهم إلا أن عصيان أمر الاهم لما كان علة لسقوطه وشرطاً لفعلية أمر المهم كان ذلك موجباً لفعليته حين سقوط أمر الاهم فلم يلزم من ذلك اجتماعهما في وقت واحد بل عند نهاية وجود أمر الاهم يحدث الأمر بالمهم.
( قلت ) ليس العصيان علة لسقوط الأمر وإلا لزم أن يكون عدم المعلول
علة لعدم علته لأن الأمر واقع في سلسلة علل وجود المأمور به ، بل العصيان كاشف عن انتهاء اقتضاء مقتضى الأمر فيكون سقوط الأمر بانتفاء مقتضيه ، ومن الواضح ان امد الامر واقتضاء مقتضيه انما ينتهى بعد تحقق العصيان في الخارج لا حين العصيان، وعليه فلا محالة يكون الأمر بالمهم حين العصيان حادثاً والأمر بالأهم غير ساقط فيجتمعان معاً فى الفعلية في زمان واحد ، فاتضح من جميع ما تقدم انه لامانع من الأمر بالضدين بنحو القضية الحينية سواء كانا متساويين أم كان أحدهما أهم من الآخر ، ولا موجب لاشتراط الأمر باحدهما بعدم الآخر ليكون الأمر باحدهما فى طول الآخر ، ويستلزم الدور فيها اذا كان الاشتراط من الطرفين ، ولو أغمضنا عن ذلك وقلنا بصحة الإشتراط، لأمكن القول بالأمر بالضدين في آن واحد بحيث يكون الأمر بالمهم فى طول الأهم من دون أن يستلزم ذلك طلب الجمع بينهما كما عرفت تفصيل ذلك ( هذا ) وقد مهد بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف) لتجويز الأمر بالضدين على نحو الترتب مقدمات بعضها غير صحيح وبعضها غير دخيل فى مقام الإثبات .
(الأولى) ان الأمر باحد الضدين إذا كان مشروطاً بعدم الآخر فلا محالة يكون في طوله ولا يستلزم ذلك طلب الجمع بينهما ، لذا لو أمكن الجمع بينهما كما اذا كانا متخالفين كالقراءة ودخول المسجد وجمعها ، لما وقع أحدهما المعين على صفة الوجوب لكون التكليف به مشروطاً بعدم الآخر ، ولا يخفى أن هذه المقدمة نتيجة باقى المقدمات بل هي حقيقة الترتب المدعى امكانه ، فلا وقع لتحريرها في عرض المقدمات التى يستنبط منها صحة الترتب وامكانه.
( الثانية ) ان كل شرط علق عليه التكليف هو في الحقيقة موضوعه أو جزئه أو قيده ، ولا محالة ان كل تكليف يدور مدار موضوعه وجوداً وعدماً ، ولا يخرج الحكم المشروط عن كونه مشروطاً بعد تحقق شرطه ليكون مطلقاً لا يتوقف بقائه على بقاء الشرط ، لأن ذلك يساوق عدم توقف الحكم بقاء على بقاء موضوعه وهو
محال نعم لو كان الشرط من دواعي التشريع وعلله لكان لتوهم بقاء الحكم مطلقاً بعد تحققه وجه وجيه ، وعليه لا يبقى مجال لتوهم أن الأمر بالمهم وان كان مشروطاً بعصيان الأمر بالأهم يكون حين عصيان أمر الأهم مطلقاً فيطارد الأمر بالأهم.
ولا يخفى ما فيه من مواقع النظر أما أولا) فلما بينا فى الجزء الأول من الكتاب من أن شرط الحكم لا يمكن ان ترجع الى موضوعه لأن دخل الموضوع في الحكم يغاير دخل الشرط فيه، هذا فى مرحلة الثبوت ، كما ان ظاهر القضية الشرطية بحسب القواعد العربية فى مقام الإثبات هو ذلك و ( أما ثانياً ) فلأنه يستحيل أن يصير الوجوب المشروط بعد حصول شرطه مطلقاً ولو لم يرجع الشرط الى الموضوع . بل عليه تكون استحالة صيرورة المشروط مطلقاً أوضح منها بناء على رجوع الشرط الى الموضوع لأن ارتباط الحكم بشرطه أشد منه بموضوعه لكونه من مقومات علته التامة دون موضوعه و ( أما ثالثاً ) فلأن بقاء المطاردة عند القائل بالإمتناع لا ينحصر بصيرورة التكليف المشروط مطلقاً حين حصول شرطه ليجاب باستحالة انقلاب المشروط مطلقاً كما أشير اليه ، بل يمكن بقاء المطاردة وان لم ينقلب المشروط مطلقاً بعد حصول شرطه باطلاق الأمر بالأهم ، فالأمر به بما انه مطلق يماشى الأمر بالمهم في رتبته ويطارده وان كان مشروطاً كما أشار اليه أستاذ الاساتذة ( قدس سره الشریف)فى كفايته وبني عليه رأيه في الإمتناع .
( الثالثة ) ان فعلية التكليف فى الواجبات المضيقة كالصوم ونحوه تكون مقارنة لوجود موضوعه زماناً ، مثلا الخطاب بالصوم يكون مقارنا لوجود الفجر من دون تقدم عليه ولا تأخر عنه شيئاً ما ، وإلا لزم تقدم الحكم على موضوعه أو تأخره عنه وذلك مساوق لعدم كون الموضوع موضوعاً ( هذا خلف ) وكذا حال الإمتثال والعصيان بالنسبة الى التكليف الفعلى ، لأن الإمتثال كالمعلول بالنسبة الى الخطاب، وعليه فلا محالة يكون ظرف التكليف الفعلى وامتثاله أو عصيانه في المضيقات شيئاً واحداً ( ولا يخفى ما فيه ) فان دخل هذه المقدمة في ثبوت المدعى
لا يتوقف على لزوم مقارنة التكليف مع امتثاله أو عصيانه زماناً في المضيقات . بل يمكن أن يكون لها دخل فيه حتى مع جواز انفكاكه عنه كما إذا قيل بجواز الواجب المعلق ، وعليه لا موقع لتجشم الإستدلال على لزوم المقارنة المذكورة بما أشار اليه مع أنه لا يخلو من نظر ، فان كون نسبة الإمتثال الى التكليف الفعلى نسبة المعلول الى علته مع إرادة نسبة المعلول الى علته التامة فهو غير صحيح وإلا لزم عدم امكان العصيان ، ومع إرادة نسبة المعلول الى علته الناقصة فهو على تقدير تسليمه لا يستلزم المقارنة المدعاة في المقام، بل يجوز انفكاك ظرف التكليف عن ظرف الإمتثال مع حفظ النسبة المزبورة ، وأما ما أفاد من تفرع دفع الإشكالات الواردة على الترتب على هذه المقدمة فغير تام ، اذ بعضها متفرعة على حصول المقارنة ولو لم تكن لازمة ، وهو الذي أشرنا اليه سابقاً ، وبعضنها غير مبتنية عليه أصلا ، وهو ان زمان خطاب المهم هو زمان فعلية العصيان إلا ان هذا الزمان هو زمان سقوط خطاب الأهم فلا يجتمع الأمران في زمان واحد .
وقد أجاب عنه بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف) بأن ذلك يبتنى على القول بلزوم تقدم الخطاب زماناً على الامتثال ، فانه عليه لابد من تقدمه على العصيان أيضاً فان الإمتثال والعصيان يتواردان على موضوع واحد ، وزمان أحدهما هو بعينه الزمان الذي يمكن ان يقع فيه الآخر ، فاذا كان الخطاب متقدماً على الإمتثال فلابد من تقدمه على العصيان أيضاً ، ولكنك قد عرفت بطلان هذا المبنى وان زمان الإمتثال أو العصيان متحد مع زمان الخطاب ، انتهى( ولا يخفى ما في هذا الجواب المزبور ) فان القائل بلزوم تقدم الخطاب على كل من الإمتثال والعصيان زماناً لا يلتزم بسقوط الأمر في ظرف الإطاعة والعصيان ، كما ان ذلك لا يتفرع على القول المزبور ، فلا وجه لجعل الاشكال المتقدم مبتنياً على هذا القول ، بل الإشكال متفرع على الإلتزام بعلية كل من الإطاعة والعصيان لسقوط الخطاب ولكنه خلاف التحقيق ، بيان ذلك أن الإطاعة لا يمكن أن تكون علة لسقوط
التكليف لأن التكليف من أجزاء علة وجود الشيء خارجا ، فلا يعقل ان يكون وجود المعلول خارجا علة لعدم علته ، وكذلك لا يعقل علية العصيان لسقوط التكليف ، إذ عدم المعلول لو كان علة لسقوط التكليف لما أمكن وجود ممكن تعلق به التكليف فى الخارج إذ هو مسبوق بعدمه ، بل انما ينتفى التكليف عند تحقق كل منهما بانتهاء أمده ، ومن الواضح أن أمده انما ينتهى يتحقق الإطاعة أو العصيان فى الخارج ففى زمان الإطاعة أو العصيان يكون الأمر ثابتاً فيجتمع الأمران في المقام في زمان واحد وهو زمان عصيان الأمر بالأهم .
( الرابعة ) ان طلب الفعل لا يمكن تقييده بالوجود أو العدم بالضرورة بمعنى انه يقول له صل صلاة موجودة أو معدومة ، لأن ذلك يستلزم تحصيل الحاصل في الأول وطلب الجمع بين النقيضين في الثاني ، وما لا يمكن التقييد به لا يمكن الإطلاق منه التقابلها تقابل العدم والملكة ، وكذلك الشأن بالإضافة الى الإطاعة والعصيان وكما لا يمكن تقييد الطلب بالإطاعة والعصيان لا يمكن اطلاقه باعتبارهما ، وعليه لا يكون طلب شيء على تقدير عصيان طلب ضده طلباً للضدين على تقدير واحد ليكون ذلك طلباً للجمع بين الضدين لأن طلب أحد الضدين انما هو على تقدير عصيان التكليف بالآخر وقد فرضنا أن اطلاقه لا يتناول تقدير عصيانه ليجتمع باطلاقه مع طلب ضده فى هذا التقدير فيؤل ذلك الى طلب الجمع ( ولا يخفى ما فيه ).
( أما أولا ) فلما عرفت سابقاً من أن دفع المطاردة والمزاحمة بين الخطابين المتساويين لا يتوقف على اشتراط كل منهما بعدم امتثال الآخر ، بل لا يمكن ذلك للمحاذير التى أشرنا اليها سابقاً ، بل رفع المطاردة من بينهما يحصل بانشاء الخطاب بكل من الضدين المتساويين بنحو القضية الجينية لمعنى أنه يطلب كلا من الضدين حين عدم الآخر أى الحصة منه المقارنة لعدم ضده وبذلك نتصور فعلية كلا الخطابين في حال عدم الضدين معاً من دون ان يستلزم ذلك طلب جمعهما ، واذا صح رفع المطاردة من بين الخطابين المتساويين بهذا النحو من الإنشاء والخطاب
أى بنحو القضية الحينية من الطرفين ، فلنرفع به المطاردة من بين الخطابين اللذين أحدهما أهم من الآخر ، فيكون الخطاب بالمهم بنحو القضية الحيفية من طرف واحد بلا تكلف اشتراط أحدهما المعين بعصيان الآخر ، فيكون الخطاب بالمهم فعلياً حين عصيان خطاب الأهم، أى أن الواجب هى الحصة من الضد المهم المقارنة لعصيان خطاب الأهم ، لا أن الخطاب بالمهم يكون مشروطاً بعصيان خطاب الأهم ومعلقاً عليه ( وبعبارة أخرى ) بعد ما كان الغرض من الترتب الجمع بين الأمرين الفعليين فى البين بلا مزاحمة بين أحدهما للآخر ، بمعنى انه كما يمكن الجمع بينهما بالإلتزام بطولية الأمرين بملاحظة اشتراط احدهما بعصيان الآخر ، كذلك يمكن الجمع بينهما في عرض واحد ، بان يلزم أحد الأمرين تاماً وحافظاً للوجود الملازم لعدم الآخر مطلقاً ولو كان حاصلا باقتضاء هذا الامر ولو بالواسطة ، والآخر ناقصاً وحافظاً للوجود الملازم مع عدم الآخر الحاصل بدواعى أخر لا باقتضاء هذا الامر ، من دون التزام بشرطية العدم المزبور فى الطلب أصلا بل الطلب مطلق ، وانما الضيق في متعلقه بملاحظة خروج بعض أنحاء عدمه عن حيز الطلب على وجه لا يقتضى تحصيله وقلب وجود ضده بعدمه ، بخلاف الطلب الآخر حيث أن اقتضائه لوجود مطلوبه تام بنحو يقتضى قلب وجود ضده بالعدم، ومن المعلوم أنه لا يكون أيضاً تزاحم بين مثل هذين الطلبين مع أنهما في عرض واحد بلا ترتب بين الامرين أصلا كما هو الشأن في الامر بكل واحد عند تساويهما في الملاك ، إذ من البديهي أن رفع التزاحم بين الامرين هناك يستحيل بطولها ، وطولية أحدهما للآخر ترجيح بلا مرجح ، وطولية كل منهما بالنسبة الى الآخر مستحيل لجريان مناط الدور فيه فلا محيص فى تلك المسألة من الالتزام بنقص فى الطلب بان لا يحوى جميع اعدام معروضه.
بل كان متعلقاً به بنحو يقتضى حفظ الوجود من أصل العدم المقارن لعدم الاخر من باب الاتفاق ، بمعنى كون معروض الوجوب سد هذا الباب الملازم لعدم بديله من جهة الإتيان ، واليه أرجعنا جميع التكاليف التنجيزية ، وحينئذ نقول بعين هذا
الوجه نتصور التكليف بالمهم في عرض التكليف التام بالأهم ،( ولئن شئت قلت ) كما لا مانع من الجمع بين الطلبين الناقصين في الضدين لا مانع من الجمع بين الطلب التام والناقص بلا احتياج الى هذه المقدمة الطويلة.
( وأما ثانيا ) فلخص ما أفاد أن الخطاب من حيث الإطلاق والإشتراط( تارة ) يلاحظ بالنسبة إلى أمر خارجى أجنبي عن الخطاب كالاستطاعة
(واخرى) يلاحظ بالنسبة الى ما هو متأخر عنه رتبة ولكن كان بمثابة ما هو أجنبي عن الخطاب كالعلم والجهل به ( وثالثة) ما هو متأخر عنه رتبة وكان بمثابة نفس الخطاب كالإطاعة والعصيان ، وفى الأول أمكن طرو الجهتين على الخطاب ، وفي الثاني لا يمكن طروهما بالنسبة إلى نفسه وان أمكن فى مقتضيه ، وفى الثالث لا يمكن طر وهما عليه فعلا ولا نتيجة أصلا، ثم ان ما أفاد في القسم الثاني من إمكان تقييد المقتضى أعنى الغرض بالعلم مثلا منظور فيه ، إذ يستحيل تقيد شيء بالعلم به أو العلم يما هو متأخر عنه رتبة ، فلا محيص من الالتزام فيه بالإطلاق الحالى الغير القابل للتقييد باحد الحالين ذاتاً ، وهو المراد من الإطلاق في الأحكام أيضاً، لا أن المراد منه إطلاق الملاك لفساد تقييده ، وأما ما أفاد فى الجهر والإخفات والقصر والاتمام فليس من باب تقييد المصلحة فيهما بحال العلم بهما ، بل هو من باب كون المأتى به فيهما وافياً بمرتبة من المصلحة التى لا تبقى معها القدرة على تدارك البقية ، وحينئذ فالمصلحة الأصلية محفوظة في حال الجهل أيضاً غاية الأمر لا يمكن تداركها ، نعم الأولى لهذا المعنى من الإطلاق الملاكي، المثال بقصد القربة ، فانه أمكن تقييد المصلحة به كما أمكن اطلاقها مع عدم امكان اطلاق الحكم بالنسبة اليه كما لا يخفى . وحينئذ ربما يكون قصد القربة من قبيل الثالث الذى يكون الحكم محدثاً له ، ومع ذا أمكن إطلاق المصلحة والملاك بالنسبة اليه دون الحكم ( ثم ينبغى التنبيه على أمور ).
( الأول) انه قد يورد على القول بالترتب انه يستلزم القول باحد أمرين لا قائل بشيء منهما، لأنه على فرض عصيان كلا الأمرين إما أن يقول باستحقاق العاصي
لمقابين مثلا وهو خلاف العدل ، إذ لم يكن المكلف في ذلك الزمان الذي عصى فيه قادراً على أكثر من إطاعة واحدة بفعل واحد، ولا ينوب عن الإطاعة الواحدة ويحل محلها إلا عصيان واحد يستحق به العاصي عقاباً واحداً ، وإما أن يقول باستحقاقه لعقاب واحد وهو خلاف بناء العقلاء فى التكليف الالزامي ، إذ لا يقرر أحد منهم تكليفاً إلزامياً على من له الزامه بغير الوعيد بالعقاب على فرض عصيانه فضلا عمن يقول باللطف فى حقه تعالى ، ومن أظهر موارد اللطف جعل الثواب والعقاب على إطاعة التكليف وعصيانه ، هذا كله إذا كان كلا التكليفين مورد الترتب مولوياً ، وأما اذا فرض أن الأمر بالمهم يكون أرشادياً ليتمحض جعل العقاب على عصيان أمر الأهم، فهو خلاف مبنى القول بالترتب ، لأن موضوع الترتب هو التكليفان المولويان ، إذ لا ريب فى أن منكر صحة الترتب لا ينكر وجود المصلحة الملزمة فى المهم لو لا مزاحمة الأهم منه ، ولا ينكر أن العقل يرشده إلى فعل المهم حين عصيانه أمر الاهم ( ويمكن أن يجاب عن ذلك ) بأنه يمكن القائل بالترتب ان يلتزم بو - بوحدة العقاب وتعدده بلا أن يستلزم ذلك شيئاً من المحاذر المزبورة ، أما تمدد العتاب فلتعدد التكليف فان كلا من التكليفين فى نفسه مقدور على امتثاله في ذلك الزمان الواحد ، وانما الممتنع هو الجمع بينهما فيه ، وهو أمر لم يتعلق به التكليف فاذا عصى المكلف كلا من الخطابين فقد عصى تكليفاً يقدر على امتثاله فيستحق عقابه المقرر على فرض عصيانه ، وأما وحدته فلأن جعل العقاب على فرض عصيان التكليف انما هو من باب اللطف ليكون التصديق به داعياً للمكلف الى امتثال التكليف ولا ريب فى أن المولى الحكيم لا يكلف العبد إلا بعمل واحد في الزمان الذى لا يسع اكثر منه ، وعليه لا يبقى داع للمولى الى جعل عقابين على فرض عصيان كل من التكليفين اللذين لا يسع الوقت إلا الإتيان متعلق أحدهما ، لفرض ان المولى لا يريد من المكلف إلا فعل أحدهما بالنحو الذى قرره للعبد من الترتيب في الإطاعة وكون المكلف قادراً على امتثال كل من التكليفين فى نفسه لا يصحح جعل المقاب
على عصيان كل منهما مع كون المولى لا يريد إلا الإتيان متعلق أحدهما في الوقت الذى لا يسع اكثر منه ، لكون التصديق به لا يكون داعياً الى الإتيان بمتعلق كل من التكليفين لاستحالة ذلك ، فيكون جعل العقاب كذلك لغو آكما لا يخفى ، ووحدة العقاب في المقام لا تنافى كون كل من التكليفين المترتبين تكليفاً مولوياً ، وقد يقيس القائل بتعدد العقاب ما ذهب اليه من التعدد على تعدد العقاب بعصيان المكلفين للواجب الكفائى الذى لا يمكن امتثاله إلا لاجدهم مثل دفن الميت ، فكما يستحق كل واحد منهم عقاباً على حدة لعصيانه ذلك التكليف الذي كان يقدر على امتثاله بنفسه وان لم يمكن اجتماعه مع غيره فيه ، كذلك المكلف الواحد الذي عصى كلا التكليفين المترتبين اللذين كان يقدر على امتثال كل منهما فى نفسه ( وفيه ) انا لوسلمنا صحة القياس لما سلمنا ثبوت المقيس عليه فانا نمنع تعدد العقاب بتعدد المكلفين الذين عصوا في الواجب الكفائى المزبور ، بل نقول باستحقاق جميعهم عقاباً واحداً يشتركون فيه اشتراكا يوجب تحصصهم وانقسامه عليهم ، ومما يوهن القول بتعدد العقاب عدم قولهم به فى الضدين المتساويين فى الاهمية الموجبة لوجوب كل منهما على فرض ترك الآخر فانهم فى مثل الفرض المزبور لا يقولون باستحقاق تارك كلا الضدين إلا لعقاب واحد مع أن ملاك استحقاق المقابين في ترك الواجبين المترتبين موجود بنفسه فى ترك الواجبين المتساويين، ومما يوهن القول بتعدد العقاب أيضاً استلزامه لاستحقاق المكلف في بعض الاحوال لعقوبات كثيرة ، كما اذا كانت الواجبات المترتبة فى الاهمية كثيرة وذلك بعيد جداً ، ومع هذا قد استقر رأى شيخنا الاستاذ( قدس سره الشریف) على استحقاق عاصى كلا الخطابين المترتبين العقابين لتفويته لمصلحتين ملزمتين كان المولى بصدد تحصيلهما ، ولا ربط للعقاب بنفس امتثال التكليف ليقال أن المكلف لا يقدر فى الوقت الواحد إلا على امتثال تكليف واحد فلا موجب لاستحقاق عقابين ، بل المولى يعاقب عبده على تفويته المصلحة التي صار بصدد تحصيلها بالتكليف ، وعلى الفرض انه قد فوت عليه
مصلحتين توخي تحصيلهما بتكليفين مترتبين فاستحق على تفويتهما عقابين .
( الثانى ) إثبات الترتب بين الخطابين المتزاحمين هل يفتقر الى دليل مستقل خاص به أو يكفى فى إثباته ووقوعه نفس إطلاق دليلى الخطابين المتزاحمين ( الحق هو الثاني ) أما على المختار فواضح ، اذ قد عرفت ان الجمع العرفي بين الخطابين المتزاحمين يقتضى أن يكون كل منهما ملحوظاً بنحو القضية الحينية فما اذا كانا متساويين أو يكون المهم منهما ملحوظاً بنحو القضية الحينية فيما إذا كان أحدهما أهم من الآخر وعليه يكون التكليف الترتي مستفاداً من نفس اطلاق الدليلين المتزاحمين باعتبار الجمع العرفى المذكور ، وأما على رأى من يقول بسقوط كلا الخطابين المتساويين عند التزاحم واستكشاف المقل خطاباً تخييرياً متعلقاً بكلا الواجبين على سبيل التخيير فكذلك ممكن القول بالترتب فى الخطابين اللذين أحدهما أهم من الآخر ، بأن يقال ان العقل كما استكشف من وجود المصلحة الملزمة في كل من متعلق الخطابين المتساويين خطابا تخييرياً تحصيلا لاحدى المصلحتين الملزمتين حيث لا يمكن تحصيلهما معاً ولا يسوغ اهمالهما معاً ، كذلك يستكشف العقل في حال اطلاق خطاب الأهم تقييد اطلاق خطاب المهم بحال عصيان خطاب الأهم تحصيلا للمصلحة القائمة في المهم حيث تفوت المصلحة القائمة في الأهم بالعصيان .
ثم إن بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف) قد فصلّ في تحقق الترتب بين الخطابين اللذين أحدهما أهم من الآخر بما حاصله ان خطاب المهم ان كان قد أخذت القدرة قيداً فيه فلا يمكن الترتب فيه حال مزاحمة الأهم له ، لأن تقييد خطابه بالقدرة يكشف عن دخلها فى ملاك خطابه ، وفى حال المزاحمة لا قدرة عليه فلا ملاك فيه ليستدعى ذلك الخطاب به بنحو الترتب ، وان كان لم تؤخذ القدرة قيداً فيه فلا مانع من تعلق الخطاب به بنحو الترتب ، لأنه لا قصور في الملاك الموجب للخطاب به في حال المزاحمة (والتحقيق ) ان يقال ان الخطاب بالمهم اذا لم يكن مقيداً بالقدرة فلا إشكال في صحة جريان الترتب فيه كما اشير اليه ، وان كان مقيداً بالقدرة فاما ان يقيد بالقدرة التامة أعنى بها القدرة عليه سواء أتى بالاهم أم لم يأت به ، وإما أن
يقيد بالقدرة في الجملة أعنى بها القدرة عليه في حال ترك الأهم ، فان كان مقيداً بها تامة فلا مجال لجريان الترتب فيه لا لدخلها في ملاكه اذ لم يحرز كون التقييد بها شرعياً لاحتمال كونه ارشادياً لأنه كثيراً ما ينشأ الأمر بالشيء عرفا مقيداً بالقدرة ، وكثرة الانشاء كذلك تمنع من ظهور هذا القيد في كونه تشريعياً ، ولكن مع هذا لا يكون له ظهور في كونه قيداً ارشادياً فلا يكون الخطاب ظاهراً فى الأطلاق لكونه محفوقاً مما يمكن ان يكون قرينة على التقييد ، ومع اجماله في التقييد والاطلاق لا يمكن احراز الملاك فى الفرد المزاحم ليحكم بتناول الخطاب له بنحو الترتب ، وان كان مقيداً بالقدرة في الجملة فالقيد المزبور متحقق في حال ترك الأهم لفرض القدرة على المهم فى هذا الحال ، فلا مانع من تناول الخطاب بنحو الترتب لهذا الفرد لاشتماله على ملاكه كما لا يخفى ، وأما مع الشك في كون القيد هل اخذ بنحو الأول أو بنحو الثانى فلا مانع من التمسك باطلاقه لكون القدرة فى الجملة أحد أفراد القدرة المطلقة ومعه ممكن جريان الترتب ، وعليه يتفرع صحة الوضوء فيما اذا وجب عليه التيمم وصرف الماء الموجود فى الأهم منه في نظر الشارع ولو قلنا بأخذ القدرة قيداً في وجوب الوضوء فى لسان دليله، لعدم دلالته على اكثر من كون القدرة في الجملة قيداً لوجوب الوضوء ، ولا ريب فى تحقق هذه القدرة فيما اذا عصى وصرف الماء الموجود في الوضوء دون الأهم منه ، ومعه يصح الوضوء بنحو الترتب لوجود ملاك وجوبه فيه حينئذ ، هذا مضافا الى عدم صحة الدليل المستدل به على تقييد وجوب الوضوء بالقدرة ، لأن عمدة ما استدل به هو ان تقييد وجوب التيمم بعدم القدرة على الماء المراد به عدم التمكن منه ولو لوجوب صرفه في الأهم من الوضوء يقتضى تقييد وجوب الوضوء بوجود القدرة بقرينة المقابلة ، لأن التقسم بأخذ القيود وجوداً أو عدماً قاطع للشركة ، وذلك لأن تقييد وجوب أحد الأمرين المتقابلين بعدم شيء بعينه لا يستلزم عقلا أو عرفا تقييد وجوب الامر الآخر بوجود ذلك الشيء ، الجواز ان يكون عدمه دخيلا في تحقق ملاك وجوب ذلك الأمر المقيد
وجوبه بعدمه ، ولا يكون وجوده دخيلا فى تحقق ملاك وجوب الامر الآخر بل يكون هذا الأمر الآخر واجدآ لملاك وجوبه وان لم يجب فعلا لاهمية ضده الموجبة لوجوبه فعلا ، كما هو الشأن فى وجوب صرف الماء في حفظ النفس المحترمة والتيمم للصلاة ، فان وجوب صرف الماء في غير الوضوء صير المكلف غير متمكن من الماء للوضوء ، فوجب عليه التيمم لوجود شرطه أعنى به عدم القدرة على الماء وعدم التمكن منه فيكون وجوب التيمم فعلياً لتحقق شرطه ، ووجوب الوضوء غير فعلى لمزاحمة ما هو أهم منه له لا لعدم شرط وجوبه وقضية أن التقسيم قاطع للشركة وان كانت واضحة ولكن يكفى فى قطع الشركة عدم كون التكليف بالوضوء في عرض التكليف بالتيمم بل فى ظرف عصيان التيمم ولا احياج الى قطع شركة الخطابي طولياً فضلا عن قطع شركة الملاكي .
( الثالث) قد ذهب كاشف الغطاء( قدس سره الشریف) الى ان صحة كل من الجهر والاخفات فى موضع الآخر جهلا انما هى من باب الخطاب الترتي ، و به دفع الإشكال المعروف من انه كيف يجتمع استحقاق العقاب على ترك المأمور به من الجهر والاخفات مع صحة العبادة ، وقد أورد عليه بعض الاساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف) باشكالات ( منها ) ان موضوع الترتب هو كون التضاد بين متعلقى الخطابين اتفاقياً وأما اذا كان دائمياً فيخرج مورده عن باب التزاحم الى التعارض ، والجهر والاخفات من الامور المتضادة دائماً فلا يمكن جريان الترتب فيهما ( وفيه ) ما عرفت سابقاً من أن دوام التضاد بين متعلق الخطابين لا يستلزم كونهما من قبيل المتعارضين بل بجوز كونهما من قبيل المتزاحمين المشتمل كل منهما على ملاك حكمه ، ودوام التضاد لا يوجب كون أحد الخطابين لغواً وإلا لزم ذلك فى صورة التضاد الاتفاقى ودخول مورده في باب التعارض مع انه( قدس سره الشریف)لا يلتزم بذلك ، فما يصحح به التزاحم في الخطاب في صورة التضاد الاتفاقى يمكن أن يصحح به التزاحم فيه في صورة التضاد الدائمى أيضاً ، مثلا في صورة التضاد الاتفاقى كما يحكم بالتخيير بين الخطابين اذا
كانا متساويين ، وبالترتب بينهما اذا كان أحدهما أهم من الآخر ، فكذا في صورة التضاد الدائمى جاز أن يحكم بالتخيير بينهما اذا كانا متساويين ، وبالترتب إذا كان أحدهما أهم من الآخر ( ومن هنا يتضح لك ) أن جعل الخطابين حيث يكون متعلقاها دائمى التضاد لا يستلزم كون أحدهما لغواً ، ثم انه كما يجوز القول بالترتب فى الخطابين المتضادين دائماً بالجمع العرفى المصحح له فيهما مع الاتفاق ، كذا يجوز القول به فيما اذاورد دليل على صحة امتثال الخطاب بضد متعلقه كما في الجهر موضع الاخفات وبالعكس جهلا ، فيجوز أن تكون صحة ذلك لتعلق الخطاب بالجهر مترتباً على ترك الاخفات وبالعكس ، وقد كشف عن ذلك الخطاب الترتبي ، نفس الدليل الذي دل على صحة الجهر في موضع الاخفات وبالعكس و ( منها) ان الترتب الذى حقيقته فعلية الخطاب بالمهم حين عصيان خطاب الاهم لا يكاد يجرى إلا في الضدين اللذين لهما ثالث لتتحق فائدة للبعث الى كل منهما بنحو الترتب ، وأما الضدان اللذان لا ثالث لها فلا فائدة في البعث الى المهم منهما بنحو الترتب ، لأنه على تقدير ترك الاهم منهما يتحقق فعل المهم قهراً ومعه يلغو البعث اليه والخطاب به على تقدير عصيان خطاب الاهم ، والجهر والاخفات من هذا القبيل اذ على تقدير ترك الجهر يتحقق الاخفات وبالعكس( وفيه ) ان الكبرى المزبورة وان كانت صحيحة الا أن كون الجهر والاخفات من صغرياتها ممنوع ، اذ يمكن للمكلف ترك كل منهما بترك القراءة ، واذا جاز على المكلف ترك الاخفات حين ترك الجهر وبالعكس بترك القراءة نفسها صح الخطاب بكل منهما على تقدير ترك الآخر بنحو الترتب و ( منها ) ان الترتب كما أشرنا اليه هو الخطاب بالمهم حين عصيان خطاب الاهم وهذا المعنى لا يكاد يتأتى في مثل الجهر موضع الاخفات وبالعكس لانه انما يصح ذلك من الجاهل بالحكم أو الناسي ، وأما العامد فلا يصبح منه ذلك ، والخطاب فى حال الجهل به غير قابل للبعث والتحريك بالضرورة فلا يمكن أن يكون قابلا للإطاعة أو العصيان ، وأماكون
الجاهل المقصر مستحقاً للمقاب فليس لعصيان التكليف النفسى الواقعي بل لعصيان
التكليف الطريق المتعلق بالإحتياط قبل الفحص، وعليه لا يكون موضوع الترتب متحققاً في الموضع الذي يصح الجهر فيه من المكلف مع كونه مكلفاً بالإخفات و بالعكس ( وان شئت قلت ) ان عصيان الأمر بالإخفات وان كان متحققاً فما اذا أجهر المكلف بقرائته موضع الإخفات إلا أنه لا يمكن ان يجعل ذلك العصيان موضوعاً للأمر بالجهر في مورده ، لأن الخطاب المعلق على موضوع خاص لا يجوز إلا باحراز موضوعه، والعصيان المزبور انما جعل موضوعاً لوجوب الجهر مثلا في حال الجهل بوجوب الاخفات فلا يكون في حال إحرازه موضوعاً لوجوب الجهر فلا خطاب به ، وفى حال الجهل بوجوب الإخفات مثلا وان كان عصيانه موضوعاً لوجوب الجهر حسب الفرض إلا انه لا فائدة للخطاب بالجهر في حال الجهل به إذ لا أثر له في تحريك المكلف نحو المخاطب به فيكون جعله لغو آ كما لا يخفى ، وهذا نظير ما قيل في جعل نسيان بعض أجزاء المركب المأمور به موضوعاً للخطاب بباقى أجزائه ، حيث ان وجود الخطاب بالباقى في حال نسيان ذلك الجزء لا أثر له في تحريك المكلف نحو الباقى لعدم الالتفات اليه ، وفي حال الالتفات اليه ينتفى النسيان الذي هو مو ضوع الخطاب بالباقى فينتفى الخطاب به، وعليه يستحيل الخطاب بأمر ما معلقاً على موضوع بهذا النحو ، وفيه ( أولا ) ان الباعث على القول بالترتب هو التخلص من قبح التكليف بالضدين فى وقت واحد لاستحالة اجتماعهما فيما اذا كان التكليف بكل منها في ذلك الوقت فى عرض التكليف بالآخر ، والتخلص من قبح التكليف كذلك يحصل بمجرد تعليق الخطاب بالمهم على ترك الأهم سواء كان عصياناً أم جهلا أم نسياناً أم لسبب آخر ( وثانياً ) انه لو سلمنا ان موضوع الخطاب الترتي هو عصيان خطاب الأهم ولكنه ليس موجباً لانتفاء موضوع الترتب في المقام ، لفرض ان جهر المكلف فيهما يلزمه الإخفات فيه كان تقصيراً ، وترك امتثال التكليف المجهول للتقصير فى تحصيل العلم به يوجب استحقاق العقاب عليه لتنجزه بوجوب الاحتياط على المكلف قبل الفحص عنه ، فيكون ترك امتثاله قبل الفحص عصياناً له لجعل
الاحتياط طريقاً للوصول اليه كترك امتثال التكليف المجهول الذى أدت الامارة المعتبرة اليه ، وبهذا يتضح لك أن ما ذكره من كون استحقاق العقاب على مخالفة التكليف المجهول انما هو لعصيان الأمر الطريق بالإحتياط لا لعصيان الأمر النفسي الواقعى غير وجيه ، وأيضاً بهذا قد اتضح لك أن قياس فرض الترتب في مسألة الجهر والإخفات على فرض تعليق الخطاب بباقى الأجزاء على نسيان بعضها قياس مع الفارق ، لتحقق عصيان الخطاب بالإخفات فى حال الجهل به تقصيراً ، إذ لا يكون المكلف مقصراً إلا إذا احتمل كونه مكلفاً بضد ما يأتى وأما إذا كان غافلا عن ذلك فهو قاصر كالناسى وخارج عن حيز الكلام فى هذا المقام ، وعليه يكون الجاهل بوجوب الإخفات مثلا عن تقصير عالماً بوجوب الجهر عليه حينئذ إما لوجوبه ابتداء أو لوجوبه ترتباً مع احراز موضوعه وهو عصيان وجوب الإخفات ، وأين هذا من تعليق الخطاب بباقى الأجزاء على نسيان بعضها الذى نزول لمجرد الالتفات اليه ولو بنحو الاحتمال هذا مضافا الى ان ما أفاده( قدس سره الشریف)في الناسي من عدم امكان تكليفه تام لو كان النسيان والذكر موجبين لتغيير موضوع الحكم ، وإلا فلو بنينا على ان الموضوع بالنسبة الى جميع المكلفين هى الطبيعة الجامعة بينهما وان الاختلاف فى الأصناف انما هو للإختلاف فى المصداق فلا احتياج حينئذ الى تحليل الداعى للجميع ، بل الداعى للجميع هو الأمر بالطبيعة ، غاية الأمر انه لا يصدر من كل طائفة إلا مصداق خاص ، فالكل يأتى بالمأمور به بداعي الأمر بالطبيعة حتى الناسي من دون احتياج الى الالتفات الى كونه ناسياً ، ثم انه على فرض كون النسيان موجباً لتغيير موضوع الحكم سيجيء في محله ان شاء الله تعالى امكان تكليف الناسي بأمر ملازم لنسيانه لا بوصف نسيانه ولو بنحو القضية الحقيقية .
( الرابع ) انه لا فرق في جواز الترتب ووقوعه بين ان يكون الواجبان آنيين حصولا كا نقاذ أحد الغريقين أم كانا متدرجين صدوراً كازالة النجاسة عن المسجد وأداء فريضة الوقت فى آخره ، فان الدليل المصحح للترتب في الآنيين غير مختص
بهما ملاكا ولساناً بل يشمل عملاكه ولسانه الواجبين المتدرجين صدوراً أيضاً ، غاية الأمر أن ترك امتثال خطاب الأهم يكون شرطاً مقارناً لفعلية خطاب المهم من دون حاجة الى شرط آخر في الواجبين الآنيين ، وأما فى المتدرجين فيكون ترك امتثال خطاب الأهم فى الآن الأول شرطاً مقارناً لفعلية خطاب المهم ، وترك امتثاله في الآن الثاني والثالث الى ان يفرغ المكلف من فعل المهم شرطاً متأخراً
( وان شئت قلت ) ان استمرار ترك امتثال خطاب الأهم الى أن يفرغ المكلف من فعل المهم شرط متأخر فى فعلية خطابه ، مضافا الى الشرط المقارن أعنى به ترك امتثال خطاب الأهم فى الآن الأول ( ان قلت ) ان اشتراط التكليف بشرط متأخر على خلاف الأصل في الشروط ، ولذا اضطر بعض أهل الفن الى تأويل ما ورد في الشرع موهماً لذلك واضطرب كلامهم فی توجيهه ، فهو على فرض امكانه يحتاج ثبوته في موردما الى دليل خاص به ، ودليل الترتب غاية ما يدل عليه هو جواز فعلية الخطاب بالمهم حين ترك امتثال خطاب الأهم على نحو المقارنة ، وأما كون ترك امتثاله في الآن الثاني والثالث الى أن يفرغ المكلف من فعل المهم شرطاً متأخراً في فعلية خطاب المهم فليس دليل الترتب ناظرآ اليه أو دالا عليه ، فلا محالة يلزم على مدعيه اثباته بدليل آخر ، وحيث أنه ليس في الموارد التي قيل بجريان الترتب فيها ما يدل على ذلك يكون البحث عن جواز الترتب وامتناعه قليل الجدوى لانحصار فائدته على فرض جوازه فى الواجبين الآنيين ( قلت ) مبنى الترتب هو امكان الجمع بين الاطلاقين والأخذ بكل منهما حيث لا يزاحمه الآخر باشتراط أمر أو أمور عقلا ، فكما أن العقل لا يرى محذوراً في الأخذ باطلاق دليل المهم حين ترك امتثال خطاب الاهم بنحو المقارنة فى الواجبين الآنيين كذلك لا يرى محذوراً في الأخذ باطلاقه حين ترك امتثال خطاب الأهم بنحو المقارنة واستمراره الى حين الفراغ من فعل المهم بنحو الشرط المتأخر في الواجبين المتدرجين ، فاذا جاز ذلك ثبوتاً جاز الأخذ بإطلاق الدليل اثباتاً ، وليس فى أدلة الترتب دليل لفظى بالاشتراط
ليقال بظهوره في الشرط المقارن وان الشرط المتأخر على خلاف الاصل لابد في القول به من دليل بخصه .
( الخامس ) انه قد عرفت الحال في الواجبين المضيقين وأما الواجبان اللذان أحدهما مضيق والآخر موسع كازالة النجاسة عن المسجد والصلاة الفريضة في سعة الوقت فالتحقيق فيهما جريان الترتب أيضاً فان صحة الصلاة إذا لم نقل بكفاية الملاك فيها تتوقف على القول بالترتب ، وتوهم أن القدرة على طبيعة الصلاة في الجملة ولو بالقدرة على بعض أفرادها أعنى به الصلاة في آخر الوقت تكفى في جواز الأمر بها حين المزاحمة فيصح امتثال الأمر المتعلق بطبيعة الصلاة بفردها الواقع حين المزاحمة لانه بعض أفرادها بحكم العقل قد عرفت فساده فيما سبق ، سواء قلنا ان القدرة شرط عقلا في صحة التكليف أم قيد عقلا المكلف به فراجع مبحث الثمرة .
( تنبیه)
قد ذكر صاحب الفصول فرعا يرى أن صحته وفساده يبتنيان على جواز الترتب وامتناعه وهو أنه إذا جاز للمكلف التصرف في الماء الموجود في إناء لا يجوز التصرف فيه كالاناء المغصوب واناء الذهب أو الفضة وأراد أن يغتسل أو يتوضأ من ذلك الاناء ، فقد قيل بصحته استناداً الى امكان الترتب ، إذ لا فرق في جواز الأمر بالمهم مشروطا بعصيان خطاب بنحو الشرط المقارن أم بعصيان خطابات متعددة متدرجة في الوجود بنحو الشرط المتأخر كما تقدم في مثل الإزالة والصلاة في آخر الوقت وكما في الفرع المذكور ، فان الوضوء وان كان متدرجا في الوجود إلا أنه مخاطب به بخطاب واحد ، والنهي عن استعمال ذلك الإناء وان كان ينحل الى نواهي متعددة بعدد الاستعمالات إلا انه لا مانع من اشتراط ذلك الامر الواحد بعصيان تلك النواهى المتعددة بنحو الشرط المقارن والمتأخر ، وقد قيل بفساد ذلك استناداً الى ان الامر بالطهارة المائية مشروط بالقدرة على استعمال الماء ، وهو غير
مقدور للنهى عن استعمال الإناء المجعول فيه الماء ، إذ ما كانت مقدمته غير مقدور عليها فهو غير مقدور ، واذا كان الأمر بالطهارة المائية في هذا الفرض غير واجد الشرطه استحال وجوده ، ومعه لا كاشف عن كون الطهارة ذات ملاك ملزم ليصح الخطاب بها بنحو الترتب ، وقد تقدم أن الخطاب الترتى لا يمكن القول به إلا إذا أحرز كون المخاطب به ذا ملاك ملزم في حال المزاحمة ، ولكن قد عرفت فيما سبق ما في هذا الكلام ، فانا لا نسلم تقييد وجوب الطهارة المائية بالقدرة عليها شرعاً ولو سلمنا ذلك فالقدرة عليها في ظرف امتثال وجوبها الترتي كاف في تحقق الشرط المزبور لاطلاق دليله وقد مر تفصيل الكلام في هذا المرام فراجع .
( السادس ) انه لا فرق في جواز الترتب فى التكليفين اللذين لا يمكن امتثالها معاً في وقت واحد بين ان يكون امتناع امتثالها ناشئاً عن تضاد متعلقيهما ذاتاً ، وبين أن يكون ناشئاً عن عدم قدرة المكلف اتفاقا وان لم يكن بينهما تضاد ذاتاً كما اذا فرض ان المكلف لا يقدر من باب الاتفاق إلا على أحد أمرين اما قراءة القرآن وأما دخول المسجد ، أو لا يتقدر إلا على القيام فى ركعة واحدة إما الركعة الأولى او الركعة الثانية ، والسر فى ذلك ان ملاك الترتب حيث بجوز هو اشتمال كل متعلقى التكليفين المتزاحمين على ملاك ملزم في مورد المزاحمة ولا يمكن الاتيان بالمهم إلا إذا ترك الآخر ، سواء كان التكليفان المتزاحمان عرضيين كانقاذ الغريقين أم طوليين كالقيام فى الركعة الأولى والقيام في الركعة الثانية ، فاذا وقع التزاحم بين القيام في الركعة الأولى والقيام في الركعة الثانية في صلاة من لا يقدر إلا على القيام في احدى الركعتين فان كانت كانتا الركعتين متساويتين في ملاك وجوب القيام تخير المكلف بين القيام فى الأولى والقيام في الثانية ، وان كانت الأولى أهم وجب القيام فيها بالخصوص ، ولولا أن ترك الواجب من أجزاء الصلاة موجب لبطلانها لصححناها فيما اذا ترك القيام في الركعة الأولى وقام فى الثانية على نحو الترتب والشرط المتقدم ، وان كانت الركعة الثانية أهم لزم على المكلف ان يصرف قدرته الفعلية في
القيام فى الثانية ، وبما انه قد دل إطلاق الخطاب بالقيام في كانتا الركعتين على وجود ملاكه في كل من قيام الركعة الأولى وقيام الركعة الثانية ، صح أن يأتى المكلف بالقيام فى الأولى نحو الترتب والشرط المتأخر بمعنى أن ترك القيام فى الركعة الثانية شرط لوجوبه فى الأولى بنحو الشرط المتأخر ، ولا مانع منه بعد امكانه وصحة الجمع بين الإطلاقين ، اما في نظر العرف واما فى نظر العقل كما سبق بيانه مفصلا ، هذا كله مع الغض عن اشكال ان ترك بعض الواجبات من أجزاء الصلاة موجب لبطلانها كما أشرنا اليه في الفرض السابق إلا أن بعض الأساطين من مشايخنا
( قدس سره الشریف) قد منع من امكان الترتب في هذا الفرض بناء على ما بنى عليه من استحالة الشرط المتأخر والواجب المعلق ، وعليه لا يكون القيام في الركعة الثانية واجباً على المكلف قبل تمامه فى الركعة الأولى فلا يقع التزاحم بين خطاب قم في الركعة الأولى وخطابه في الركعة الثانية ، نعم يكون المكلف حين الشروع في الركعة الأولى مخاطباً يحفظ قدرته للقيام فى الثانية بخطاب متمم الجعل ، وخطاب حفظ القدرة وان كان مزاحماً لخطاب القيام فى الركعة الأولى إلا أنه لأهمية القيام في الركعة الثانية يقدم على خطاب القيام في الركعة الأولى ، ولكن مع هذا لا يمكن جريان الترتب في مثل هذا الفرض بان يؤمر بالقيام في الركعة الأولى على تقدير عصيان خطاب حفظ القدرة ، لأن عصيانه يكون باحد أمرين (أحدهما) صرف القدرة فى القيام في الركعة الأولى (ثانيهما) القيام لعمل آخر غير الصلاة ، وعلى كلا التقديرين لا يصح الأمر بالقيام في الركعة الاولى على تقدير عصيان خطاب حفظ القدرة ، أما على التقدير الأول فلأنه يلزم تحصيل الحاصل ، لفرض أن المكلف فى هذا التقدير قد عصى الخطاب المزبور بنفس القيام فى الركعة الأولى ، فيكون موضوع الخطاب الترتى نفس وجود متعلقه ، فالأمر به على فرض وجوده تحصيل للحاصل بالضرورة ، وأما على التقدير الثاني فلامتناع الأمر بالقيام فى الركعة الأولى على تقدير عصيان خطاب حفظ القدرة بالقيام في بعض الأعمال غير الصلاة لخروجه حينئذ عن الركعة الأولى وغيرها من أجزاء
الصلاة بالخروج عن نفس الصلاة لأجل العمل المنافي لها ، وهذا الملاك مطرد في كل مورد يكون وجود المهم في الخارج مصداقاً لعصيان خطاب الأهم ، ولاجل ذلك لا يمكن الخطاب الترتبى فى موارد اجتماع الأمر والنهي بأن يكون الأمر بالصلاة مشروطاً بعصيان حرمة الغصب بخلاف مثل مورد الأمر بالصلاة والإزالة فان الصلاة لا تكون في الخارج من مصاديق عصيان الامر بالإزالة بل يكون عصيانه من لوازم وجود الصلاة في الخارج .
ولا يخفى ما فى هذا الكلام من مواقع النظر ( أما أولا ) فلما عرفت فيما حققناه من امكان الواجب المعلق والشرط المتأخر ، وعليه يكون القيام في الركعة الثانية واجباً على المكلف قبل الإتيان بالركعة الأولى ، وبما انه أهم من القيام في الركعة الاولى يتعين التكليف به ، فاذا عزم المكلف على عصيان الخطاب بالقيام في الركعة الثانية وقام فى الاولى فلا مانع من الخطاب بالقيام فيها بنحو الترتب على عصيان خطاب القيام في الثانية بنحو الشرط المتأخر و ( أما ثانياً ) فلأنا لو سلمنا امتناع الواجب المعلق فى المقام ووقوع التزاحم بين خطاب القيام في الركعة الأولى وخطاب حفظ القدرة للقيام في الثانية ، لما كان الامر بالقيام في الاولى مشروطاً بعصيان خطاب حفظ القدرة لغواً ، لان اشتراط التكليف بشرط لا يستلزم إلا مقارنة فعلية التكليف لوجود شرطه ولا ريب فى أن المكلف حين شروعه في عصيان خطاب حفظ القدرة يتأتى منه عصيان هذا الخطاب بالقيام في غير الصلاة ، ومعه لا يكون الامر بالقيام فى الركعة الأولى بشرط عصيان الخطاب المزبور لغواً لتمكن المكلف من ترك القيام فى الاولى مع عضيان ذلك بالقيام في عمل آخر غير الصلاة نعم لو كان اشتراط التكليف بشرط يستدعى تقدم الشرط زماناً على التكليف ، لصح ما أفاده المحقق المزبور من أن التكليف بالقيام في الأولى بنحو الترتب يكون لغواً لحصول متعلقه فى الخارج، هذا إذا كان التكليف باجزاء العبادة توصلياً كما هو المعروف وإلا فلا يكون لغواً أيضاً لتوقف تحقق التقرب بالجزء على الأمر به
ولكن قد عرفت فيما تقدم ان الركن الوطيد في بناء الترتب المشيد هو اعتبار المقارنة بين التكليف الترتى وشرطه أعنى به عصيان خطاب الاهم ، إذ معها يتصور اجتماع الخطابين في آن واحد ويكون ذلك محوراً للنزاع في امكان الترتب وعدمه، وأما إذا اعتبرنا التقدم الزماني فى شرط الخطاب الترتبي فلا موجب لتوهم امتناعه إذ لا مانع من الخطاب بالضد فى وقت عدم الخطاب بضده ولو لسقوطه بالعصيان ومن هذا البيان يتضح لك انه لا فرق بين مثل الفرض المذكور أعنى به كون عصيان خطاب الاهم مستلزماً لاحد فعلين ، وبين مثل مورد التكليف بالإزالة والصلاة الذي لا يستلزم تركهما فيه فعلا ما من أفعال المكلف، فكما ان المكلف في مورد التكليف عليه بالإزالة ثم بالصلاة يتمكن من الصلاة وعدمها عند ترك الإزالة فيكون مختاراً فى فعل الصلاة ولا يستلزم ترك الإزالة لفعلها ، كذلك في الفرض المزبور فان المكلف اذا ترك حفظ القدرة كان متمكناً من القيام في الركعة الأولى وعدمه ولو بالقيام فى عمل آخر غير الصلاة ، ولا يستلزم ترك حفظ القدرة فعل القيام في الركعة الأولى، بل المكلف يكون حين ترك امتثال خطاب حفظ القدرة مختاراً فى القيام في الأولى وعدمه، وأيضاً اتضح لك ان القيام في الركعة الأولى أو في عمل آخر غير الصلاة لا يكون مصداقا لترك حفظ القدرة بل يكون ترك حفظ القدرة من لوازم ذلك القيام أو من مقارناته كما هو شأن ترك الإزالة مع الصلاة ، إذ لا يعقل ان يكون الفعل الوجودى والامر الثبوتى مصداقا لمفهوم عدمى سلبي ، ومما ذکر نا ظهر امکان جريان الترتب فى موارد اجتماع الامر والنهى بناء على الجواز ولا سيما على مذهب من اختار ان المجمع مركب من متعلق الأمر والنهي تركيباً انضمامياً ، بيانه انه لا ريب فى أن الصلاة ليس مصداقا للغصب بناء على الجواز ولا سيما على التركيب الإنضمامى بل تكون من لوازمه أو مقارناته كما أن الغصب أيضاً كذلك بالنسبة الى الصلاة ، فيجوز حيثما يشرع فيه وفى عصيان نهيه ان يأمره المولى بالصلاة ولا يكون أمره بها لغواً لما أشرنا اليه من أن اشتراط التكليف بشرط
لا يستلزم الا مقارنة فعلية التكليف لوجود ذلك الشرط ، وحين المقارنة يتمكن المكلف من فعل الصلاة وتركها لإمكان ان يغصب بغير الصلاة ، وحينئذ يكون المكلف مختاراً في فعل الصلاة حين الغصب وتركها بفعل غيرها فيصح تعلق التكليف بها بنحو الترتب ، نعم لو كان اشتراط التكليف بشرط يستلزم تأخر التكليف زمانا عن وجود شرطه لمكان التكليف بنحو الترتب فى غير العبادات لغواً ، وأما فيها فلا لتوقف التقرب على الأمر بها ولا يكون تعلقه بالعبادة بنحو الترتب لغواً ولو قيل باستلزام الشرطية التأخر الزماني كما لا يخفى ، وعليه تصبح الصلاة في المكان المغصوب مع العلم بالغصب وحكمه لامكان التقرب بها بامتثال امرها فضلا عن ملاكه اذا لم نقل يكون القبح الفا على ما نعاً من التقرب بالمجمع ، وأما اذا قلنا بكونه منه فلا تصبح الصلاة لامتناع التقرب بها ولو بداعي ملاكها لاتحاد كل من الفاعل والايجاد للمجمع وان كان هو مركباً في نفسه من موجودين أحدهما مبغوض والآخر محبوب الا أن ذلك الإيجاد الواحد يمتنع في نظر العقلاء أن يكون موجباً لاستحقاق العقاب في نفس الوقت الذي يكون موجباً لاستحقاق الثواب فيه ، نعم تصح الصلاة بنحو الترتب فضلا عن الملاك فيما لو جهل الغصب لما أشرنا اليه من أن شرط الأمر بالمهم في مورد الترتب هو ترك امتثال أمر الأهم لا خصوص عصيانه وعليه يكون المكلف فى حال الجهل بالغصب أو محكمه عن قصور مأموراً بالصلاة لتحقق شرط الأمر بها وهو ترك امتثال النهى عن الغصب ، هذا كله بناء على الجواز اذ عليه يكون المجمع مورداً لتزاحم خطاب لا تخصب وخطاب صلّ بالإتفاق ، فعلى القول بترجيح جانب النهى يمكن القول بصحة الصلاة للقائل بالجواز والترتب وأما على القول بالإمتناع فعلى القول بالتعارض في المجمع لا يمكن القول بجريان الترتب فيه لعدم الملاك الموجب لفعلية الخطاب بالمجمع حين ترك امتثال الخطاب الآخر ، وأما على المختار من أن المجمع ولو على الامتناع يكون من موارد التزاحم أيضاً كما أشرنا اليه فما سبق، فيمكن جريان الترتب أيضاً بلا محذور من حيث
الثبوت ولا قصور من حيث الإثبات ، أما الأول فلعدم استلزام وجود الغصب في الخارج وجود الصلاة فى المكان المغصوب ، بل يمكن تحقق الغصب بغير العمل الصلاتي فلا يكون الأمر بالصلاة مرتباً على عصيان النهي عن الغصب لغواً ، لتمكن المكلف حين الشروع فى عصيان النهى عنه من البجاده بعمل غير الصلاة كتمكنه من انجاده بنفس الصلاة ، فاذا كان المكلف مختاراً في فعل الصلاة وتركها حين الشروع فى الغصب جاز أمره بها بشرط عصيان النهى عن الغصب ، وأما الثاني فلاطلاق الخطاب بالصلاة الشامل لمورد الاجتماع الكاشف عن تحقق ملاك الأمر فيه إلا انه يشكل التقرب بمثل هذه الصلاة للمحذور المزبور فى صحة الصلاة بناء على جواز الاجتماع بل ذلك المحذور يكون أشد لزوماً منه بناء على الإمتناع كما لا يخفى .
( السابع ) هل يجوز النهي عن المقدمة المحرمة بنحو الترتب فما اذا كان الأمر بذيها فعلياً لكونه أهم من ترك المقدمة المحرمة ، حيث يعصى المكلف الخطاب المتعلق بذيها ( فيه قولان ) الأول هو القول بامكان جريان الترتب فيه وقد شيده بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف)بتحرير جهات .
( الجهة الأولى)ان سقوط حرمة المقدمة المحرمة حيث يتوقف الواجب على ايجادها انما يتحقق فيما اذا كان وجود الواجب أهم من ترك المقدمة المحرمة ، وأما اذا تساويا فى نظر العقل فلا يمكن التخيير بينهما عقلا فما اذا كانت المقدمة متقدمة زماناً لفرض أن ملاك الحرمة تام وغير مغلوب لملاك الوجوب الغيرى لتبعية قوته لقوة ملاك الوجوب النفسى فى ظرفه ، والمفروض انها متساويان وليس الوجوب النفسى فعلياً في ظرف وجود المقدمة المحرمة لتستلزم فعلية وجوبه وجوب جميع مقدماته لامتناع الواجب المعلق فلم يبق فى هذا الفرض ما يزاحم فعلية الحرمة فى المقدمة المحرمة فلا محالة تكون حرمتها فعلية إذ مقتضيها موجود والمانع منها مفقود ( وفيه ) أنه مع فرض تساوى الحرام والواجب في نظر الشارع لابد من القول بالإباحة فى مورد المزاحمة فكما يجوز ترك الواجب المتوقف على مقدمة محرمة
ليس هو باهم منها عند الشارع كذلك يجوز فعل المقدمة المحرمة التي ليست هي بأهم من الواجب المتوقف عليها .
وأما توهم أنه فى فرض التساوى وتقدم زمان امتثال التكليف بالمقدمة المحرمة على زمان امتثال التكليف بفعل ذى المقدمة ، يتفرد ملاك النهى فى المقدمة المحرمة فى التأثير لعدم مزاحمة واجب له فى ظرفه لفرض تأخر زمان ذى المقدمة عن زمان النهى عنها مع امتناع الواجب المعلق ولعدم امكان الخطاب بحفظ القدرة للواجب ذى المقدمة في ظرفها لأن حفظ القدرة في المقام انما يكون بفعل المقدمة المحرمة ، وبما أن المفروض هو تساوى المقدمة المحرمة وذيها الواجب في نظر الشارع يكون متمم الجعل أعنى به الخطاب محفظ القدرة مساوياً في الأهمية للخطاب بترك المقدمة المحرمة ، ولا محالة يتولد من تساويهما التخيير في حفظ القدرة بفعل المقدمة المحرمة وامتثال النهى عنها بتركها ، ولا ريب انه لا محصل للخطاب تخييراً بين فعل الشيء وتركه .
(فهو مدفوع ) أما أولا فلأنه قد تقدم أن التحقيق هو امكان الواجب المعلق ، وأما ثانياً فلأن القائل بهذا القول يقول بفعلية وجوب الواجب المتوقف على مقدمات تتقدم على وجوده زماناً وان لم يتحقق شيء منها ، فلنفرض الواجب المتوقف على مقدمة محرمة من هذا القبيل، ومعه تتحقق المزاحمة بين وجوب ذى المقدمة وحرمتها ومما يرشد الى ذلك التزامه بسقوط الكراهة عن المقدمة المكروهة حيث يتوقف عليها واجب فعلى ( فاتضح مما تقدم) ان المقدمة المحرمة تسقط حرمتها وتصير واجبة وجوباً غيرياً فما اذا كان المتوقف عليها وجوده أهم من تركها فى نظر الشارع ، اذ تصير مباحة أو محرمة تخييراً بين تركها وفعل الواجب المتوقف عليها فيما اذا كان الواجب المتوقف عليها مساوياً لها في نظر الشارع دون ما اذا كان أهم كما لا يخفى .
( الجهة الثانية ) ان مقدمة الواجب وان كان الواجب منها هو ما يتحقق به
الوصول الى الواجب النفسى ، ويكفى فى اتصاف ما ليس بمحرم منها بالوجوب الغيرى نفس الايصال والوصول في الواقع إلا ان ذلك لا يكفي في اتصاف ما كان محرماً منها بالوجوب بل لا بد من قصد التوصل بها الى ذيها حين الاتيان بها ، فمن تصرف فى المكان المغصوب لا بقصد انقاذ الغريق أو اطفاء الحريق المتوقف على التصرف فيه ثم بدا له بعد التصرف المزبور ان ينقذ الغريق أو يطفىء الحريق ففعل ذلك الواجب ، كان تصرفه فى ذلك المكان لا بقصد التوصل الى الواجب المذكور و ان فعله بعد ذلك ، تصرفا محرماً يستحق به العقاب ، والحاكم بذلك هو الوجدان السليم ( وفيه ) ان صدور مثل هذا الكلام من مثل هذا الهمام مما يراه العقل من شواذ الأوهام ، وذلك لأن ملاك الوجوب الغيرى ان كان هو الايصال في الواقع فلا محالة تكون المقدمة المحرمة الموصلة فى الواقع مشتملة على ملاك الوجوب الغيرى وواجبة به ، غاية الأمر أن المكلف اذا فعلها مع التفاته الى حرمتها وعدم قصد التوصل بها إلى الواجب المتوقف عليها يكون متجرياً وان فعله بعد ذلك كمن فعل بعض الواجبات فى الواقع مع اعتقاده بحرمته ، فلو قلنا بحرمة الفصل المتجرى به لصارت المقدمة المزبورة محرمة بعنوان التجرى لا بملاك حرمتها الواقعية وهذا شيء أجنبي عما كان القائل المذكور بصدد اثباته، وقد تقدم وجه آخر لسقوط الحرمة عن المقدمة المحرمة عند قصد الايصال الى الواجب فقط مع الجواب عنه في بحث مقدمة الواجب فراجع.
( الجهة الثالثة ) قد يتوهم اختصاص القول بالترتب في المقدمة المحرمة باشكالين ( أحدهما ) لزوم اجتماع الوجوب والحرمة فى فعل واحد لانه بعنوان كونه مقدمة يكون واجباً وبجريان الترتب فيه يكون محرماً ( ثانيهما ) ان جريان الترتب في المقدمة المحرمة مشروط بعصيان أمر الواجب النفسى المتوقف على تلك المقدمة المحرمة، ولا ريب فى ان عصيانه لا يكون إلا فى ظرفه وهو متأخر عن ظرف المقدمة المحرمة فيكون جريان الترتب فيها مشروطاً بأمر متأخر والشرط المتأخر
على التحقيق غير ممكن ، وجعل عنوان التعقب هو الشرط تأويل ، موضوعه ظهور الدليل فى الشرطية المتأخرة ، وليس فى محل الكلام دليل ظاهره ذلك ليأول بعنوان التعقب ، ولكن (التحقيق) عدم ورود كلا الاشكالين ، وتوضيح اندفاعهما يتوقف على بيان مقدمتين( الاولى ) ان الأمر بالمقدمة وان كان غير الأمر بذيها ومترشحاً منه، لكنه في رتبته فى مقام البعث اليه وهدم تقدير عصيانه ، فلا يكون الامر بالمقدمة في رتبة عصيان الأمر بذيها ( الثانية) ان المقدمة انما تتصف بالوجوب اذا وقعت في سبيل التوصل بها إلى الواجب النفسى المتوقف عليها ، فاذا لم تقع في سبيل التوصل الى ذيها فلا موجب لاتصافها بالوجوب ، واذا فرض انها ذات ملاك يقتضى تحريمها فلا مانع حينئذ من اتصافها بالحرمة .
( اذا عرفت ذلك ) اتضح لك عدم ورود الاشكال الأول بما قررناه في المقدمة الأولى لأن وجوب المقدمة متقدم على حرمتها مرتبتين اذ قد فرضنا ان وجوبها في رتبة وجوب ذيها وحرمتها متأخرة برتبة واحدة عن عصيان الأمر بذيها وعصيانه متأخر عنه أيضاً برتبة واحدة ، فتكون الحرمة متأخرة عن الوجوب بمن تبتين ، ومعه لا وجه لدعوى اجتماعهما في موضوع واحد ، كما انه اتضح أيضاً بالمقدمة الثانية أنه لابد من القول باتصاف المقدمة المحرمة بالحرمة اذا لم تقع في سبيل التوصل الى الواجب النفسى المتوقف عليها ، والعقل كما يرى ان وجوبها منوط بالتوصل بها الى ذيها كذلك يرى أن حرمتها مشروطة بعدم ترتب الواجب النفسى عليها ، وبما ان العقل قد حكم بامتناع الشرط المتأخر ، فلا محالة يرى أن شرط اتصافها بالحرمة هو تعقبها بعدم ترتب الواجب النفسى عليها لانفس عدم الواجب فى ظرفه ليلزم توقف حرمتها على الشرط المتأخر ، هذا ملخص ما أفاده في الجهة الثالثة .
ولا يخفى ما فيه من مواقع النظر ( أما أولا) فانه لا يعقل ان يكون وجوب المقدمة في رتبة وجوب ذى المقدمة لكونه مترشحاً منه ترشح المعلول من علته ،
كما انه لا يعقل ان يكون وجوب المقدمة داعياً وباعثاً الى الاتيان بذيها ، لأن كل أمر انما يكون داعياً وباعثاً الى ايجاد متعلقه لا متعلق غيره كما هو واضح ، و (أما ثانياً) فانه لا ضرورة فيما أتعب نفسه في إثباته من دعوى كون الوجوب الغيرى فى رتبة الوجوب النفسى لاستنتاج تأخر حرمة المقدمة عن وجوبها في الرتبة ، فان ذلك حاصل ولو قلنا باختلاف الوجوب النفسى والوجوب الغيرى في الرتبة . وتأخر الوجوب الغيرى عن النفسى رتبة كما هو الحق ، وذلك لأن حرمة المقدمة اذا كانت مشروطة بعصيان الوجوب النفسى كانت الحرمة متأخرة عن العصيان المزبور وهو في رتبة الوجوب الغيرى لأنهما كليهما متأخران عن الوجوب النفسى فتكون حرمة المقدمة متأخرة عن وجوبها ، وبذلك يندفع اشكال اجتماع الضدين في موضوع واحد ، و ( أما ثالثاً ) فانه لا ريب في أن كل خطاب وان ورد في مقام البيان لا اطلاق له بالاضافة الى اطاعة نفسه وعصيانه لحاظاً ، كما أنه لا ريب في قبوله للاطلاق اللحاظى بالاضافة الى اطاعة غيره وعصيانه ، فما ذكره بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف) فى بعض مقدمات هذا التحرير من ان الأمر الغيرى لا اطلاق له بالاضافة الى اطاعة وعصيان الامر النفسى المتوقف امتثاله على امتثاله( وبهذا يبنى على وجوب المقدمة مهملة لاستحالة الاطلاق والتقييد بالايصال) لا وجه له على اطلاقه ، لأنه أن أراد انه لا اطلاق له حتى بالاضافة الى عصيان الأمر النفسى المترتب على ترك مقدمة غير المقدمة التي وقع الكلام في اطلاق وجوبها وعدمه (فهو غير صحيح) وإلا كان القول بوجوب المقدمة مطلقاً موصلة كانت أم غير موصلة قولا بالممتنع ، مع انه ليس كذلك ، حتى ان القائل بالموصلة لم ينكر على القائل بوجوب المقدمة هذا القول من أجل انه قول بالممتنع ، بل استند فى اثبات مدعاه وابطال مدعى غيره الى دليل آخر ، ولو كان الاطلاق المزبور ممتنعاً لكان الاجدر في الاستناد في الصحة والفساد الى امتناع الاطلاق المزبور وامكان غيره وان أراد انه لا اطلاق له بالاضافة الى عصيان الواجب النفسى المترتب على ترك
خصوص المقدمة التى وقع الكلام فى اطلاق وجوبها وعدمه فهو (صحيح ) إلا أنه في الحقيقة يرجع الى عدم امكان اطلاق الخطاب بالاضافة الى اطاعة نفسه وعصيانه كما لا يخفى ، و ( أما رابعاً ) فان اجتماع الضدين في موضوع واحد انما يكون بنفس الوجود لا برتبة الوجود أو الموجود فلا يكون اختلافها موجباً لتعدد الموضوع وهو واضح ، ولا موجباً لتخالف الموجودين كالبياض والحلاوة ليجوز اجتماعهما فى موضوع واحد( والتحقيق ) هو عدم امكان جريان الترتب في المقدمة المحرمة أما على القول باشتراط وجوب المقدمة بالايصال فواضح ، إذ على فرض عصيان الأمر المتعلق بذيها لا تكون مقدمته واجبة لعدم شرط وجوبها أعنى به الايصال فلا تكون المقدمة حينئذ الا محرمة من أول التشريع الى حين العمل ، وعلى هذا ينقسم طبيعي المقدمة المحرمة الى حصتين ( إحديهما ) واجبة بالوجوب الغيرى من أول الأمر وهى الحصة التي تقع في طريق التوصل والايصال الى ذيها (الثانية) محرمة من أول الأمر أيضاً الى حين الإتيان بها، وهى التي لم تقع في طريق الايصال الى ذيها ، فلم يكن هناك شيء واحد توارد عليه حكمان باعتبارين ، نهم بناء على مذهبنا في الترتب من أن الواجب حين عصيان امر الاهم هي حصة من المهم لا ان الأمر المتعلق بالمهم مشروط بعصيان أمر الأهم أو بتركه ليكون في طوله كما هو مذهب المشهور ، تكون المقدمة الواقعة فى طريق الإيصال الى ذيها واجبة مطلقاً بمعنى ان الإيصال ليس شرطاً للوجوب بل هو من قبيل شروط الواجب وقيوده إلا انه مع ذلك لا مجال للترتب اذ هنا أيضاً ينقسم طبيعي المقدمة المحرمة الى حصتين ( إحديهما ) واجبة بالوجوب الغيرى ليس إلا، و( الثانية ) محرمة نفسية ليس إلا. فلا يتصور اجتماع حكمين فعليين ولو بالترتب وأما بناء على كون وجوب المقدمة غير مشروط بالإيصال ولا بنحو الحينية كما هو المختار ، فكذلك لأن ترك ذى المقدمة الذى هو شرط فى حرمة المقدمة فى هذا الفرض ان كان الترك المستند الى ترك المقدمة المحرمة التي تكون حرمتها محل الكلام بالفعل ، يلزم ان يكون النهي عنها
معلقاً على تركها فى الحقيقه ، ولا ريب فى كون مثل هذا التكليف بهذا النحو لغواً لكونه تحصيلا للحاصل ، وان كان شرط حرمة المقدمة هو ترك ذى المقدمة المستند الى ترك غير المقدمة المحرمة، لم يلزم كون التكليف بتركها لغواً ، ولكن يلزم أن يكون فعل واحد مأموراً به ومنهياً عنه في وقت واحد ، لأن كون المقدمة الواجبة هي ذات المقدمة المهملة من حيث الايصال وعدمه غير معقول كما أشرنا اليه فيما سبق فلا محالة يكون وجوب المقدمة مطلقا من حيث تقدير اطاعة الامر المتعلق بذيها وعصيانه ومعه تقع المطاردة بين الأمر المتعلق بها والنهى الحاصل عنها حين ترك ذيها ، لأنه معلق على تقدير عصيان الأمر المتعلق بذيها .
هذا كله فيما اذا كانت المقدمة سابقة فى الزمان على ذيها ، وأما إذا كانت مقارنة له مثل ترك أحد الضدين بالنسبة الى وجود ضده بناء على المقدمية ، فقد يقال بامكان وجوب ترك المهم غيريا وحرمته مترتبا على عصيان خطاب الاهم ، بتقريب ان ترك المهم مقدمة لفعل الاهم فيكون واجبا ، وبما ان اطلاق النهي عن المهم يتناول مورد ترك الاهم ولا مانع من فعليته مشروطاً بعصيان خطاب الاهم فيكون محرماً، وهذا النحو من المقدمة المحرمة بحرى فيه من الكلام ما جرى فى النحو . الأول منها إلا الاشكال من جهة الشرط المتأخر ، فانه لا يتوجه في هذا النحو من المقدمة المحرمة لفرض اقترانها بذيها فى مقام الامتثال وبعدمه حال العصيان ، ومما . ذكرنا فيما سبق تعرف ان هذا النحو من المقدمة المحرمة لا بحرى فيه الترتب المشهور أيضاً ، لانه أن قلنا بأن متعلق الوجوب الغيرى هى المقدمة الموصلة أو قلنا بان الوجوب الغيرى يتعلق بالمقدمة بنحو القضية الحينية ، فالواجب بالوجوب الغيرى غير المحرم بالحرمة النفسية ، لصيرورة طبيعى المقدمة حصتين ، احديهما ما يكون واجباً ليس إلا ، وثانيتها ما يكون محرماً ليس إلا ، وان قلنا بعدم اشتراط الوجوب الغيرى بالايصال أو بعدم القضية الحينية ، فلا محالة يكون وجوب المقدمة مطلقاً لاستحالة الاعمال فى الواقع ، ومعه تكون المقدمة فى فرض ترك ذيها متعلقة
للامر الغيرى والنهي النفسى المعلق على ترك ذيها كما هو المفروض ( فلاحظ ) .
( الأمر الثامن ) انه لا ريب في امتناع الترتب فيها اذا كان التزاحم ناشئاً عن ملازمة وجود الواجب لوجود الحرام ، وان كانت الامثلة التي ذكروها لهذه الكبرى كوجوب الاستقبال وحرمة استدبار الجدى لأهل العراق ، ووجوب الجهر وحرمة الإخفات في الجهرية وبالعكس فى العكس لا تخلو من مناقشة قد تقدمت .
( الأمر التاسع ) قد يتوهم امتناع الترتب فيما اذا كان التزاحم ناشئاً من اتحاد متعلق الأمر والنهي خارجا كما فى موارد اجتماعهما ، لأن جريان الترتب في هذه الموارد مستلزم لاحد محذورين ، إما طلب الحاصل واما طلب الممتنع ، وقد تقدم تقريب ذلك وفساده فيما سبق فراجع .
( الامر العاشر ) قد يستشهد على وقوع الترتب فضلا عن صحته ببعض الفروع الفقهية التى ينحصر وجه صحتها فى جواز الترتب ( منها ) ما لو فرضت حرمة الاقامة على المسافر فعصى ونوى الاقامة وجب عليه الصوم، فيكون أول الفجر مخاطباً بترك الإقامة مطلقاً وبالصوم على تقدير عصيات النهى ، و ( منها ) ما لو فرض وجوب الإقامة على المسافر من أول الزوال ، فيكون وجوب القصر عليه مترتبا على عصيان وجوب الاقامة ، إذ هو لو عصى ولم ينو الاقامة لتوجه اليه خطاب القصر ، و ( منها ) وجوب الخمس على من وجب عليه اداء دينه الذى استدانه قبل سنة الربح ، فانه اذا عصى ولم يؤد ذلك الدين فى سنة الربح وجب عليه اخراج خمس فاضل المؤنة بعد تمام سنته.
ولا يخفى ان ما ذكروه شاهداً لوقوع الترتب من هذه الفروع لا مساس لها بالترتب ، وذلك لأن الخطابين المتزاحمين في مقام الامتثال ان كان التضاد بين متعلقيهما تكوينيا لا بسبب اعتبار الشارع او اشتراطه فى أحدهما أو كليهما ما يوجب التنافى بينهما والمعاندة في الوجود ، كشرب الماء لحفظ نفسه من التلف عن العطش والوضوء به للصلاة ، فان التنافى بينهما ذاتى تكويني ، بخلاف الصوم وانقاذ الغريق المستلزم
للارتماس فى الماء ، فان التنافي بينهما تشريعى أى حصل بسبب اشتراط الشارع في الصوم عدم الارتماس فى الماء الموجب للتنافى بين حصوله والانقاذ المزبور ، (فان كان التضاد بين المتعلقين تكوينياً كما أشرنا اليه ) توجه النزاع في امكان الترتب بدعوى ارتفاع قبح التكليف بكلا الضدين فى وقت واحد بنحو الترتب المزبور ، وعدم امکانه بدعوى أن الترتب فى الخطاب بالضدين فى وقت واحد لا يوجب ارتفاع قبح التكليف بالضدين فى وقت واحد ، مع توجه كلا الخطابين الى المكلف في آن واحد كما هو المفروض في الترتب المشهور ، وان كان التضاد بين متعلق كلا الخطابين حاصلا بسبب اشتراط الشارع فى أحدهما أو كليهما ما يوجب التعاند بينهما في الوجود فلا مجالة تقع المعارضة بين دليليهما ، فلابد من العلاج من هذه الناحية فلا تكون المعاندة والمضادة بين متعلقيهما ذاتاً فى الرتبة السابقة حيث يكون الخطاب بالضدين اللذين تكون المعاندة بينهما فى الرتبة السابقة على الخطاب محالا بنظر العقل مطلقاً كان أم مشروطاً .
( وبعبارة أخرى) يمكن القول بالفرق بين المقام والامثلة المزبورة بأن فيها تكن مضادة بين متعلقى الأمرين ذاتاً وانما جاءت المضادة من ناحية تقيد أحد الطلبين بعدم الآخر ، فهذه المضادة محلولة للطلب ولا تؤخذ في معروضه فلا يصدق على ذلك تعلق الطلب بالضدين لا مطلقاً ولا مشروطاً بخلاف ما نحن فيه إذ جهة المضادة بينهما محفوظة فى الرتبة السابقة على الطلب ، وحينئذ فلا ترفع باشتراط الطلب بعدم الآخر ، فيصدق حينئذ اجتماع الطلبين الفعليين المتضادين ، أحدهما مطلق والآخر مشروط على نحو لا يوجب سقوط الطلب الآخر معه ، والعقل يأبى عن ذلك وهذا بخلافه فى الامثلة المزبورة كما لا يخفى .
وفيه فصول ( الفصل الأول ) فى شرح مفاد صيغة النهي هل يكون هو طلب
ترك الفعل المنهى عنه ، أو طلب كف النفس عنه ، أو انه ربط زجرى بين الناهي والمنهى والفعل المنهى عنه ، وجوه بل أقوال ، أقربها إلى الحقيقة والتحقيق هو الأخير كما تقدم مثله فى مفاد صيغة الأمر وانه ربط بعثى ، والوجه في ذلك هو ما أشرنا اليه فى مبحث صيغة الأمر من أنه ليست صيغة النهي إلا عبارة عن المادة الدالة على طبيعى الفعل المنهى عنه ، والهيئة الدالة على النهى عنه ، ولا ريب فى ان مفاد الهيئة المزبورة معنى حر فى ربطى كما هو شأن كل هيئة ذات معنى ، كما انه لاريب فى استفادة الزجر من صيغة النهى عن الفعل المنهى عنه ، فلا محالة تكون نتيجة هذه المقدمات المسلمة ان مفاد صيغة النهى هو الربط الزجرى ، وبما أن ارادة مفاد صيغة النهى بالارادة الجدية تستلزم كراهة متعلقها أعنى به مفاد مادة تلك الصيغة كراهة تشريعية ، فلا محالة يكون ظهورها في إرادة مفادها جداً موجباً لظهورها فى كراهة متعلقها كراهة تشريعية ، وحينئذ يصح انتزاع عنوان التحريم منها لظهورها فى الكراهة المزبورة ، إذ لا حقيقة للتحريم إلا الكراهة التشريعية المظهرة بما يدل عليها من قول أو فعل ، كما هو الشأن في صيغة الأمر وقد تقدم الكلام فيها .
ومن هذا يتضح لك فساد القول الأول ، اذ قد عرفت ان صيغة النهي مركبة من مادة تدل على الفعل المنهى عنه وهيئة تدل على معنى حرفي خاص بها ، وليس هو إلا الربط الزجرى ، فلو كان مفاد صيغة النهى هو طلب ترك الفعل المنهى عنه. لزم أحد أمرين إما وضع صيغة النهى بازاء هذا المعنى المركب من الطلب والترك والفعل المنهى عنه ، وهو خلاف الظاهر بل المقطوع به ، لأن صيغة النهى كصيغة الامر من المشتقات التى تكون مادتها ناظرة الى معنى ، وهيئتها الى معنى آخر مرتبط بالمادة، وليس هو إلا الربط الزجرى فى النهى ، كما ان معلول صيغة الأمر هو الربط البعثى ، وإما اهمال بعض تلك المعانى المركب منها مفاد النهى من الدال عليه اذا التزمنا بالاشتقاق فى صيغته ، لأن مادتها مختصة بالدلالة على المعنى المنهى عنه . وهيئتها بالدلالة على أمر ربطى قائم بمعنى المادة ، ولابد من أحد الأمرين المذكورين
إما الطلب وإما الترك ، والذى يناسب مفهوم لا هو الترك فيبق الطلب بلا دال عليه ومعه لا يبقى لصيغة النهى مفاد يصح السكوت عليه ، وهو خلاف الوجدان بالضرورة ، وبهذا يتضح لك فساد القول الثانى ، لأن كون مفاد صيغة النهي هو طلب كف النفس عن المنهى عنه يستلزم من المحاذير ما استلزمه القول الأول .
ثم ات المشهور دلالة النهى بنفسه على طلب ترك جميع أفراد المنهى عنه العرضية والطولية ، مع كون المشهور أيضاً هو تحقق امتثال الأمر بايجاد صرف طبيعة المأمور به ، وحينئذ يتوجه عليهم طلب وجه الفرق بين الأمر والنهي حيث يكتفون امتثال الامر بايجاد صرف الطبيعة المأمور بها ، ولا يكتفون في امتثال النهى بترك صرف الطبيعة المنهى عنها ، بل لا بد في صدق امتثاله عندهم من ترك جميع أفراد الطبيعة المنهى عنها العرضية والطولية ، مع كون النهى كالأمر فى أنه مركب من صيغة ومادة ، ولا تدل صيغته على أكثر من طلب الترك كما هو المشهور أو الربط الزجرى كما هو المختار ؛ كما انه لا تدل مادته على اكثر من الطبيعة السارية الشائعة فى جميع أفرادها كما هو المشهور في معنى الإطلاق ، أو من الطبيعة المهملة التي يكون سريانها فى مقام الإطلاق من مقدمات الحكمة كما هو مذهب سلطان العلماء وعلى كل فليس في النهي ما يوجب دلالته على العموم الاستغراق ، ولا في الأمر ما يوجب دلالته على العموم البدلى ، بل هما من حيث التركيب واجزائه على نهج واحد ، فما الموجب للفرق المزبور بينهما .
وقد اجيب عن هذا الاشكال بوجوه لا يخلو شيء منها عن خدشة (والتحقيق في الجواب ) هو أن يقال أن مادة كل من الأمر والنهي لا تدل إلا على الطبيعة المهملة التى تكون مقسما بالإضافة الى القيود التي تنضم اليها ، وانما نحتاج الى مقدمات الحكمة فى مقام الخطاب لأجل استكشاف كون المراد من المادة هي تلك الطبيعة المهملة بلا دخل قيد فيها من زمان أو مكان أو غيرهما لأن مقدمات الحكمة لا يستكشف بها أن المراد بمتعلق الأمر هو صرف الوجود أو الطبيعة السارية ؛
و بمتعلق النهى هو صرف الترك أو ترك الطبيعة السارية وإلا كان الاشكال المزبور متوجهاً ، بل يستكشف بها ان مفهوم المادة هو المراد بها بلا دخل قيد آخر في متعلق الأمر أو النهى زيادة على مفهوم المادة ، فاذا ثبت أن المراد بالمادة هو ذلك . استقل العقل فى مقام امتثال الأمر بكفاية الإتيان بتلك الطبيعة المهملة فى فرد ما اذ الجاد الطبيعة المهملة يتحقق بالجاد أحد أقسامها ، واللا بشرط القسمى أى الطبيعة المرسلة ذاتاً لا يراه العرف قيداً ، وذلك يكشف عن أن المراد هي الطبيعة المرسلة ذاتاً ، وبما ان الطبيعة المرسلة تكون قابلة لتعلق الحكم بها على نحو الشيوع البدلى والشيوع السارى يتوقف تعيين أحدهما على معين ، وعدم امكان الشيوع السارى فى الأمر يمين الشيوع البدلى وهو يساوق صرف الطبيعة وهى تحصل بذلك ، وأما فى مقام امتثال النهى فالعقل يستقل بلزوم ترك جميع أفراد الطبيعة المنهى عنها العرضية والطولية ، لأن المقصود بالنهى هو الزجر عن الاتيان بالطبيعة المهملة المنهى عنها ، ولا يتحقق الانزجار عنها إلا بترك جميع أفرادها العرضية والطولية.
( الفصل الثانى ) في جواز اجتماع الأمر مع النهي في فعل واحد ذي عنوانين يكون بلحاظ أحدهما مصداقا لمتعلق الامر وبالآخر مصداقا لمتعلق النهى وعدم جواز ذلك واعلم أن البحث فيه يكون من جهتين :
(الأولى) فى أن كلا من الأمر والنهي هل يسرى الى متعلق صاحبه حين صدقتهما على فعل واحد أو لا يسرى ، ولا يخفى أنه على القول بالسراية لا فرق بين أن يكون العنوانان المنطبقان على ذلك الواحد حيثيتين تعليليتين لتعلق الأمر والنهى به أو حيثيتين تقييديتين، لما سيأتي من انه على فرض كون الحيثيتين تقييديتين تلزم السراية المزبورة فى الجملة فى فرض اجتماعهما في الواحد .
( الثانية ) فى صحة العبادة مع اجتماع العنوانين في مورد واحد ، كالصلاة في الدار المغصوبة سواء فعلها المكلف عمداً أم جهلا أم نسياناً ، وسواء قلنا بالجواز أم بالإمتناع ، ولا يخفى أنه على القول بفساد العبادة لا موجب له إلا تخلف نية
التقرب من الملتفت الى جهة مبغوضية العمل المأتى به ، لا عدم استعداده للتقرب به لانتفاء ملاكه منه ، بل هو واجد لكل من ملاكى المحبوبية والمبغوضية بلا كسر وانكسار كما سيأتى تحقيقه ان شاء الله تعالى ، وعلى ذلك لا يظهر وجه لما ادعاه بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف) فى الجهة الأولى من ابتناء البحث على كون الجهة تعليلية أو تقييدية لما أشرنا اليه من أنه مع كون الجهة تقييدية يسرى كل من الأمر والنهى الى متعلق الآخر في الجملة ، ولا لما ادعاه أيضاً من ارجاع البحث على الجواز الى التزاحم وعلى الامتناع الى التعارض لما تقدم وسيأتى ان شاء الله تعالى من كون ذلك داخلا في التزاحم على الجواز والامتناع ( وتحقيق البحث في الجهتين يتوقف على تمهيد مقدمات ) .
( الأولى ) هل تكون هذه المسألة من المسائل الفقهية أو من المسائل الاصولية أو الكلامية أو من المبادىء الاحكامية ، لا يخفى أن البحث في هذه المسألة يمكن أن يكون بحثاً كلامياً باعتبار أن البحث عن امكان اجتماع الأمر والنهي في موضوع واحد حتى لا يكون التكليف بالمحال ، وعدم امكانه حتى يكون التكليف بالمحال ، (بحث كلامي) كما هو ظاهر ، فلا يرد عليه أن البحث عن كل حقيقة من الحقائق ليس بحثاً كلامياً ، كما انه ممكن أن يكون البحث فيها من المبادىء الاحكامية باعتبار أنه بحث عن أحوال الحكم المستفاد من الأمر أو الحكم المستفاد من النهى من حيث استعداده ولياقته للاجتماع مع الآخر ، كما أنه يمكن ان تكون من المسائل الأصولية العقلية باعتبار امكان وقوع نتيجتها في طريق استنباط حكم شرعى ، هذا بناء على أن صحة الصلاة وعدم صحتها مثلا من نتائج جواز الاجتماع وعدمه وأما إذا قلنا بعدم ابتناء صحة الصلاة وعدمها على جواز ذلك وعدمه بل قلنا بوقوع الصلاة في مورد النهي صحيحة حتى على القول بالإمتناع كما هو المختار فلا وجه حينئذ لكون المسألة اصولية كما لا يخفى .
( الثانية ) أن المراد بالواحد في عنوان المسألة هو الواحد النوعى ذو الجهتين
الموجود بالوجود السعى لا الواحد الشخصى الموجود بالوجود الشخصى لتكون نتيجة المسألة كلية ممكن أن تقع في طريق استناط حكم فرعى شرعى كلى ، وبهذا تعرف أن محل النزاع بين الأعلام هو الوجود الواحد الذي صدق عليه العنوانان . أحدهما متعلق الأمر والآخر متعلق النهى ، لا الوجودان المنضم أحدهما إلى الآخر بنحو صارا بالانضمام شيئاً واحداً فى الصورة وفى نظر العرف ، لأن كون الوجودين المتعددين في الواقع شيئاً واحداً بحسب الظاهر نظراً الى الصورة المحسوسة . لا يوجب محذوراً فى تعلق الأمر باحدهما والنهى بالآخر ، لأن تعدد الوجود فى الواقع يمنع من السراية التى هى محل النزاع بين القوم ، فكما أنه لا يرتاب عاقل في جواز تعلق الامر بشيء منفك بوجوده عن الشيء الذى هو متعلق النهى من ناحية محذور اجتماع الضدين كما هو الملحوظ في مقام البحث عن سراية كل من الأمر والنهى الى متعلق الآخر ، كذلك لا يرتاب في جواز ذلك فيما اذا انضم أحدهما الى الآخر وتجاورا فى الظرف .
( الثالثة ) ان ظاهر الأمر والنهى فى العنوان هو الأمر والنهي الفعليان وهذا لا يلتئم مع القبول بالجواز بأحد مبانيه الثلاثة التى ( أولها ) كون الأمر والنهي متعلقين بالطبيعة أعنى بها طبيعة المأمور به وطبيعة المنهى ه وعدم ربط لكل منهما بالحصة أو الفرد الذى هو مجمع العنوانين ليستلزم ذلك الاجتماع سراية كل من الأمر والنهى الى متعلق الآخر ، أو كون الامر متعلقاً بصرف الطبيعة والنهي متعلقاً بها على نحو يسرى الى جميع أفرادها وحصصها اذ المطلوب به هو ترك الطبيعة بترك جميع أفرادها ، فالنهى وان سرى الى الفرد الا أن الأمر لا يسرى اليه ليلزم اجتماعهما في متعلق واحد ( ثانيهما ) ان الأمر والنهي وان كان يسرى كل منهما من متعلقه أعنى به الطبيعة الى أفرادها في الخارج إلا انه لاريب في كون فردكل طبيعة غیر فرد الطبيعة الأخرى ، فاذا صدق متعلق الامر ومتعلق النهي على فعل واحد کشف ذلك عن وجود فرد من الطبيعة المأمور بها وفرد من الطبيعة المنهى عنها قد
انضم أحدهما الى الآخر في ذلك الفعل الواحد صورة ومع تعدد الوجود لا تعقل السراية ( ثالثها ) ان صدق متعلق الأمر ومتعلق النهى على فعل واحد وان لم يكشف عن تعدد الوجود بتعدد طبيعتى متعلق الأمر والنهي، لإمكان حصولها في وجود واحد إلا أنه لا ريب في تعدد الطبيعتين الموجودتين في ذلك الفعل الواحد في الخارج ، وتعددهما كاف في عدم السراية .
( إذا عرفت ذلك ) تعرف انه لا ملائمة للعنوان المزبور مع شيء من هذه المباني ، اما مع المبنى الأول فلعدم الإجتماع في شيء واحد أصلا، ومعه لا وجه للبحث عن جوازه وعدمه كما هو واضح ، واما مع الثاني والثالث فلاستحالة فعلية التكليفين المزبورين أعنى بهما الأمر والنهى فى وقت واحد ، لان مورد الإجتماع على المبنيين المزبورين ليس باقرب الى جواز الإجتماع من الوجودين المنفكين المتلازمين ، فاذا كان تعلق الأمر والنهي الفعليين بالمتلازمين مستحيلا فتعلقهما ممثل مورد الإجتماع يكون أولى بالإستحالة والإمتناع .
( ان قلت ) ان المراد بالأمر والنهي هو الأمر والنهي الإنشائيان ، وعليه يمكن البحث عن الجواز وعدمه ، فمن يقول بالجواز يرى أن مورد الإجتماع يكون من موارد التزاحم ، وأن كلا من متعلق الأمر والنهي مخاطب به بخطاب الانشائي فى مورد الإجتماع ، ويكون التزاحم فى مقام الفعلية ، ومن يقول بالإمتناع يرى أن مورد الإجتماع يكون من موارد التعارض ، وان الخطاب المجعول في مورد الإجتماع هو أحد الخطابيين فعلياً كان أم انشائياً.
( قلت ) أولا قد أشرنا فيما سبق الى أن ظاهر الأمر والنهي في العنوان هو الفعليان ، وثانياً قد أشرنا أيضاً في مباحث الضد الى أنه كما لا يمكن أن يتوجه خطابان فعليان الى المكلف في مورد التزاحم ، كذلك لا يمكن تعلق خطا بين انشائيين فيه لأن جعل الخطاب الذي لا يمكن أن يكون فعلياً في مورده يكون لغواً بالضرورة بل حقيقة التزاحم هو تزاحم ملاكي الخطابين في تأثير الإرادة والكراهة أو الحب
والبغض فى نفس من له الأمر والنهي، فالأولى فى تحرير عنوان هذه المسألة انه هل يوجب اجتماع متعلق الأمر مع متعلق النهى فى شيء واحد سراية حب الأمر من المأمور به الى المنهى عنه وبغضه من المنهى عنه الى المأمور به أولا يوجب اجتماعهما فيه ذلك ، فمن يقول بالجواز يرى أن الشيء الواحد ذا الجهتين يكون محبوباً من جهة ومبغوضاً من جهة أخرى ، ومن يقول بالإمتناع يرى انه لا يمكن ان يكون شيء واحد ذو جهتين محبوباً ومبغرضاً ولو بلحاظ جهتيه ، لأن تعدد الجهة لا يوجب تعدد متعلق الحب والبغض فيسرى الحب الى متعلق البغض وبالعكس وهو غير معقول ؛ وعليه يكون التزاحم بين الملاكين في نفس الحب والبغض في مورد الاجتماع ، بخلاف القول بالجواز فان التزاحم بين الملاكين بناء عليه يكون فى تأثيرها الارادة والكراهة فى نفس المولى لا ان يكون فى الحب والبغض مورد الإجتماع .
( المقدمة الثالثة ) فى بيان الفرق بين هذه المسألة والمسألة الآتية أعنى بها مسألة النهي في العبادة ، فقد يفرق بينهما بأن موضوع البحث في المسألة الأولى هو ما اذا تعلق الأمر والنهى بطبيعتين متبائنتين متصادقتين على شيء واحد ، وموضوع البحث في المسألة الثانية هو ما اذا تعلق النهى بعنوان هو أخص مطلقاً من العنوان الذى تعلق به الأمر مثل قوله صل وقوله لا تصل فى المكان المغصوب (وفيه ) ان ذلك لا يطرد فرقا بين المسألتين على جميع مبانى الجواز ، لأن بعض تلك المبانى هو كون الشيء ذا جهتين يكون بإحديهما متعلقاً للأمر وبالاخرى متعلقا للنهي . وهذا المبنى يصدق ويتحقق فما اذا تعلق الأمر بالعنوان العام والنهى بعنوان أخص منه مطلقاً مثل صل أو لا تصل فى المكان المغصوب .
وقد يفرق بينهما أيضاً بأن المسألة الأولى يبحث فيها عن أن النهي هل يسرى الى متعلق الأمر وبالعكس أو لا يسرى ، وأما المسألة الثانية فيبحث فيها عن أن العبادة اذا تعلق بها النهى هل يوجب فسادها أم لا ، فقد تكون نتيجة المسألة الاولى من صغريات المسألة الثانية ، كما إذا قيل بالإمتناع وتقديم جانب النهى في المسألة
الأولى فتكون الصلاة فى المكان المغصوب مثلا منهياً عنها ، وبذلك يتحقق مصداق من مصاديق موضوع المسألة الثانية أعنى به أن النهى فى العبادة يوجب الفساد .
( وفيه ) أن فساد العبادة بسبب النهى عنها المبحوث عنه في المسألة الثانية هو فسادها لعدم امكان التقرب بها لكشف النهي عنها عن عدم اشتمالها على الملاك المقرب ، فلذا تقع فاسدة حتى فى حال الغفلة والنسيان ، وأما فساد العبادة فيما اذا قلنا بامتناع الاجتماع وتقديم جانب النهى فهو مختص بحال الالتفات لعدم تأتى نية التقرب من المكلف حينئذ ، فإذا تقع العبادة المنهى عنها بسبب الإجتماع والإمتناع صحيحة فى حال الغفلة والنسيان اجماعاً ، وما ذاك إلا لاشتمالها على الملاك المقرب لعدم مزاحمة النهى إياه حتى على الامتناع ، وعليه لا يمكن أن تكون نتيجة المسألة الأولى وان قلنا بامتناع الإجتماع وتقديم جانب النهى من صغريات المسألة الثانية.
(فالتحقيق في بيان الفرق بين المسألتين ) هو أن المسألة الأولى تكون من مسائل التزاحم والمسألة الثانية تكون مسائل التعارض ؛ بيان ذلك انه بعد ما ثبت باطلاق الأمر والنهي تحقق ملاك كل منهما في مورد الاجتماع مع استحالة فعلية كلا التكليفين فيه حتى على القول بالجواز كما هو الحق ، يكون البحث في المسألة الاولى عن تأثير ملاك كل من المأمور به والمنهى عنه فى نفس المولى حب الأول وبغض الثاني : فالقائل بالجواز لا يرى مانعاً من تأثير كل منهما أثره من الحب والبغض.
والقائل بالإمتناع يرى التزاحم بين الملاكين فى التأثير ، ولا محالة يؤثر أقواهما أثره في نفس المولى ، إما حب المجمع أو بغضه ولذا تراهم يحكمون بصحة صلاة الناسي والغافل عن الغصب وان قالوا بالإمتناع وما ذاك إلا لتحقق ملاك الأمر في الصلاة الواقعة فى المكان المغصوب كما أشرنا الى ذلك قريباً ، وأما المسألة الثانية فهى من موارد التعارض ، فاذا قيل بتقديم دليل النهى كشف ذلك عن عدم ملاك الأمر. في متعلقه ، فلذا لا يصح التقرب به حتى فى حال النسيان والغفلة لعدم الملاك المقرب كما صح التقرب بالعبّادة في مورد الاجتماع في حال الغفلة والنسيان حتى على القول.
بالإمتناع لتحقق الملاك المقرب فيها .
( هذا ) وقد فرق بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف) بين المسألتين مما أشرنا اليه في الفرق الثاني إلا أن القائل بالفرق الثاني يرى أن المسألة الأولى والثانية كانتيهما من مسائل التزاحم ، وأما بعض الأساطين التابع له في القول المزبور فقد ذهب الى أن المسألة الأولى على القول بالجواز تكون من مسائل التزاحم ، وعلى القول بالإمتناع تكون من مسائل التعارض ، نظر آ منه الى أن القول بالجواز لا مصحح له إلاكون المجمع مؤلفاً من وجودين وماهيتين قد انضم أحدهما الى الآخر ، فصارا شيئاً واحداً في الصورة ، ومعه يقع التزاحم في مقام الإمتثال ، وأما القول بالإمتناع فلا محالة يبتنى على كون المجمع وجوداً واحداً انتزع منه لبعض المناسبات عنوان تعلق به الامر كما انتزع منه عنوان آخر تعلق به النهى حيث لا تزاحم بين ملاكيهما فاذا حدثت المزاحمة بين ملاكيهما بالإجتماع في الوجود الواحد ، فلابد من الكسر والانكسار أو التكافؤ ، وعليه تقع المعارضة بين دليل الامر ودليل النهي في مورد الاجتماع، فإذا رجع وقدم دليل النهي على دليل الامر ، يكشف ذلك عن انكسار ملاك الامر في مورد الاجتماع .
وفيه ( أولا ) ان جعل مبنى الجواز هو كون المجمع مركباً من وجودين انضم أحدهما إلى الآخر (غير سديد) لما سيأتى من أن ذلك يوجب خروج مورد الاجتماع عن محل النزاع ، مع انه يمكن القول بالجواز فيما اذا كان المجمع وجوداً واحداً ذا جهتين ( وثانياً ) ان القول بوقوع التزاحم بين الخطابين الانشائيين في مقام الفعلية (غير سديد) أيضاً ، لان التزاحم فى الفعلية يستلزم أن يكون الخطاب الإنشائي الذي لا يصير فعلياً في مورد التزاحم لغواً ، اذ المقصود بالإنشاء لجعل الداعي هو فعليته ليكون داعياً، ومع علم المولى بعدم صيرورته فعلياً لا يتأتى منه الإنشاء في ذلك المورد ، فلا محالة يكون موضوع التزاحم هو الملاكان سواء كانا متفقين في الاثر كملاكى الواجبين أم كانا مختلفين فى الاثر كملاكى الوجوب والحرمة ، ففى مثل
المقام يقع التزاحم بين ملاك المأمور به وملاك المنهى عنه في تأثير الإرادة والكراهة لمورد الإجتماع على القول بالجواز ، أو في تأثيرهما الحب والبغض في نفس المولى لمورد الإجتماع على القول بالإمتناع ، ويشهد لما ذكرناه قوله بكون جعل الخطابين المتزاحمين دائماً لغواً لعدم امكان صيرورة الإنشائى منهما فعلياً ، فادرج موردهما في مسائل التعارض لذلك ( وثالثاً ) لو سلمنا أن مقياس التزاحم هو ماذكره فلماذا يخص التزاحم ميمورد الوجودين سواء كانا منفكين أم منضمين ، وما المانع من تعميمه لما إذا كان مورد الإجتماع وجوداً واحداً ذا جهتين ، فان كان المانع من ذلك هو عدم القدرة على امتثال كلا الخطابين الانشائيين ، فمورد تعدد الوجود مثله ، وان كان المانع هو تضاد الاحكام ولا يمكن اجتماع حكمين في وجود واحد ولو كان ذا جهتين ، فهو منقوض باشتمال الوجود الواحد على المصلحة والمفسدة في مورد الامتناع في نظره ، هذا مضافا الى أن تضاد الاحكام انما يتحقق في مقام فعليتها . وأما الانشائية منها فلا تضاد بينها .
( المقدمة الرابعة ) العنوانان المنطبقان على شيء واحد يكونان بالنسبة الى معنونهما على انحاء ( الاول ) أن يكونا من الماهيات المتأصلة التي يتحقق مطابقها في مقولة من المقولات العشرة ، ويكون لها جنس وفصل حقيقيان فيما اذا كانت جوهراً أو جنس وفصل جعليان أي اعتباريان فيما اذا كانت عرضاً بناء على بساطة الاعراض ، فان كان مطابق العنوانين جوهراً ، فلابد من أن يكون لما يصدق عليه كل من العنوانين من ذلك الموجود الخارجى وجود خاص به وان كان أحد الوجودين منضما الى الآخر كالنفس مع البدن على قول ، ولا يمكن أن يكون للماهيتين الجوهريتين وجود واحد لما برهن عليه في محله ، وان كان مطابق العنوانين عرضاً من الاعراض التسعة ، فعلى قول المشهور من أن للعرض وجوداً غير وجود موضوعه يلزم أن يكون لما يصدق عليه كل عنوان وجود خاص به قد انضم كل منهما الى الآخر في موضوع واحد ، وعليه لا محالة يكون التركيب في مورد الاجتماع
تركيباً انضمامياً ، وأما على قول من يرى أن العرض من أطوار موضوعه وحدوده وان الوجود الذى يفاض على موضوع العرض هو بنفسه يسرى الى اعراضه لانها أطواره وحدوده ، فيكون مورد الاجتماع وجوداً واحداً ذا جهات متغايرة مفهوماً متحدة وجوداً ( الثانى ) أن يكون العنوانان من المفاهيم غير المقولية ، وهذا على نحوين .
(النحو الاول) أن يشترك العنوانان فى الصدق على ذات واحدة ، ويمتاز كل منهما بجهة وخصوصية مبائنة الخصوصية العنوان الآخر ، كمفاهم المشتقات ، فانه لاريب في أن الذات التي يصدق عليها العنوانان المشتقان واجدة حقيقة ومشتملة على خصوصيتين بهما يكون امتياز كل من العنوانين عن الآخر ، كالعالم والعادل الصادقين على زيد الواجد للعلم والعدالة مثلا هذا بناء على أن تكون الذات مأخوذة في مفهوم المشتق وإلا فيدخل ذلك فى النحو الثاني كما سنشير اليه هذا في موضوع متعلق الخطاب واما نفس متعلقه كالصلاة والغصب بناء على أن الغصب نفس التصرف في مال الغير المحترم بغير اذنه ، فيلزم أن يكون فعل الصلاة في المكان المغصوب مشتركا بين خصوصية الصلاتية وخصوصية الغصبية ، لأن تصرف المصلى في المكان المغصوب فعل واحد تشخص و اتصف بالخصوصيتين المزبورتين كذات المصلى نفسه التي صدق عليها عنوان المصلى وعنوان الغاصب .
( النحو الثانى ) أن يصدق العنوانان على فعل واحد باعتبار اضافتين له الى غيره بنحو لا تجتمع الاضافتان في ذلك الواحد بما هو واحد ، مثلا بعض الاجسام له علو وسفل ، فهو على وحدته له اضافتان متقابلتان انتزعتا منه ولكن لم تتلاقيا فيه ، فيمكن أن يكون بعض الأفعال كفعل المصلى في المكان المغصوب كذلك ، فان ذلك الفعل الواحد باعتبار اضافته الى أوضاع المصلى من القيام والركوع والسجود والجلوس يصدق عليه عنوان الصلاة ، وباعتبار اضافته الى ملك الغير الذي لا يرضى بالتصرف فيه ، يصدق عليه عنوان الغصب .
هذا كله بالنسبة الى متعلق الخطاب ، وأما موضوعه كالمشتق بناء على خروج الذات عن مفهومه ، إذ عليه يكون صدق المشتق عليه مجازياً ، وبناء على ان الوصف فيه جلوة للذات ، فحينئذ يكون ممنون كل واحد من العالم والعادل مثلا أمراً مغايراً معا مع الآخر ( وان شئت قلت) ان الوصف ينتزع من مرتبة من الذات غير المرتبة التي ينتزع منها عنوان الآخر ، فالوصفان وان تصادقا على الذات الواحدة ، ولكن لا بما هي واحدة ، وان أبيت عن ذلك في مثل العالم والعادل الذي يكون المبدأ فيه أمراً مقولياً ، فلا شبهة فى امكان انتزاع عنوان اعتبارى من مرتبة من الذات و عنوان آخر من مرتبة أخرى منه .
( فاتضح مما تقدم ) أن العنوانين الصادقين على شيء واحد إن كانا من المفاهيم المتأصلة ، يلزم أن يكون مطابقهما ماهيتين موجودتين في موضوع واحد بناء على اختصاص الاعراض بوجود غير وجود موضوعاتها ، وان لم يكونا من المفاهيم المتأصلة ، فلا محذور فى أن يكون مطابقهما شيئاً واحداً له اضافتان باعتبارهما صدق عليه العنوانان المزبوران، ومما ذكر نا ظهر ما في كلام بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف)الذي بينه في مقدمات مفصلة ، وملخصه أن المفاهيم تكون على نحوين (أحدهما) مفاهيم العناوين المشتقة كمفهوم العالم والفاسق أو المصلى والغاصب ( ثانيهما ) مفاهيم مبادىء المشتقات التي بعضها من الصفات النفسية كالعلم والعدالة ، وبعضها من الأفعال کا الصلاة والغصب ، فان كان المفهومان من النحو الأول فلا محالة يصدقان على شيء واحد باعتبار جهتين ، ويكون ذلك الشيء الواحد مركباً مع العنوانين الصادقين عليه تركيباً اتحادياً ، وان كان المفهومان من النحو الثاني فلا محالة يكون بازاء كل منهما حيث يصدق مصداق خاص به فيلزم تعدد المصاديق حيث يتعدد صدق المفاهيم ويكون التركيب في مورد اجتماعها في الصدق تركيباً انضمامياً .
والسر في جميع ذلك هو أن مبدأ كل مشتق لما كان ملحوظاً بشرط لا ، كان ماهية مباينة المبدأ المشتق الآخر ، فتكون مفاهم مبادىء المشتقات ماهيات متبائنة
مندرجة كل ماهية تحت مقولة غير مقولة الماهية الأخرى ، ويتفرع على ذلك أن يكون المصداق كل مفهوم من مفاهيم المبادى. وجود خاص به ، وإلا لزم أن تتحقق الماهيتان المتبائنتان بوجود واحد في الخارج وهو محال ، وأيضاً يلزم أن يكون للجنس الواحد فصلان وهو أيضاً محال ، ويستنبط من جميع ذلك أن يتركب الشيء الذي يصدق عليه مفهومان أو أكثر من تلك المفاهيم تركيباً انضمامياً، وهذا بخلاف الشيء الذي يصدق - العنوانان من المشتقات ، فان ما يصدق عليه العنوان المشتق هي الذات المتلبسة بمبدئه ، ولا تتعدد الذات الواحدة بتعدد العناوين الصادقة عليها بسبب تلبسها بمبادئه .
ولا يخفى ما فيه ( أولا ) أن ما ذكره من لزوم وجود مطابق لكل مفهوم من مفاهيم مبادىء المشتقات حيث تصدق ولو في مورد واحد انما يتم بأمرين (أحدهما) كون المفهوم من الأعراض التسعة ( ثانيهما ) لزوم أن يكون لكل عرض وجود خاص به ، واذا سلمنا صحة الأمر الثانى فلا نسلم أن مبدأ كل مشتق هو من الاعراض التسعة التى اذا صدق مفهوم احدها فى الخارج استلزم صدقه لوجود مصداقه مصداقه بوجود خاص به ، بل المفاهيم التي تكون مبادىء للمشتقات أعم من المفاهيم العرضية ، لأن بعضها من الأمور الإعتبارية المحضة التي ليست منشأ لانتزاع في الخارج لتكون من حيثيات ما له وجود فى الخارج، مثلا مفهوم الملكية وما يشتق منها ليس من الاعراض التسعة فان هذه الامور من الاعتبارات العقلائية التي تحصل ببناء المقلاء وتواطيهم عليها ، ومثلها لا يستلزم صدق شيء منه فى الخارج وجود مطابق له فيه .
ألا ترى ان الملكية توجد ويشتق منها عنوان المالك والمملوك ولا مطابق لها يشار اليه أو يلاحظ كونه موجوداً ولو بوجود منشأ انتزاعه في الخارج، بل يعتبر العقلاء بحدوث سبب الأملاك كون الشخص مالكا والشيء مملوكا له لمصالح تدعوهم الى ذلك الاعتبار ، ومن هذا القبيل مفهوم الغصب فان العقلاء اعتبروا التصرف في مال الغير بغير اذنه ظلماً ، وعبروا عنه بالغصب ، واعتبر الشارع المقدس الاوضاع
الخاصة واذ كارها عبادة ، وعبر عنها بالصلاة ، وعليه لا محذور في صدق كلا المفهومين الاعتباريين على حركة واحدة أو مقولة واحدة أو مقولات متعددة في مورد واحد .
وبهذا يظهر لك عدم استلزام صدق المفاهيم الاعتبارية المزبورة على وجود واحد حقيقة للمحذورين المذكورين أعنى بهما وجود الماهيتين المتبائنتين بوجود واحد ، وتميز الجنس بفصلين ، لأن ذلك انما يلزم حيث يكون المفهومان من المفاهيم العرضية المقولية التي تكون من الأعيان الخارجية أو من حيثيات الأعيان الخارجية وأما المفاهيم الاعتبارية المحضة التي يحصل مطابقها في الخارج بنفس بناء العقلاء وتواطيهم على وجوده كالتعظيم والتحقير اللذين يتحقق أحدهما بمثل القيام للقادم ويتحقق الآخر مثل صرف الوجه وتصغير الخد عند ملاقاة بعض الأصدقاء ،فانها يمكن أن تصدق على وجود واحد ومقولة واحدة في وقت واحد بلا استلزام ذلك لشيء من المحذورين .
( وثانياً ) ان قوله بالفرق بين المشتق ومبدئه حيث التزم بأن الشيء الذي يصدق عليه العنوانان المشتقان مركب منهما تركيباً اتحادياً ، وان الشيء الذي تصدق عليه مبادىء العنوانين مركب منهما تركيباً انضمامياً لأن مفهوم المشتق ملحوظ لا بشرط ومفهوم المبدأ ملحوظ بشرط لا ، انما يتم بناء على قول المشهور من أهل العربية من دخول الذات في مفهوم المشتق ، فيلزم من صدق العنوانين المشتقين على شيء واحد أن يكون ذلك الشيء الواحد مصداقا للعنوانين مع وحدته باعتبار مفهوم الذات ، المركب منه ومن مفهوم المبدأ مفهومهما .
وأما على قول بعض أهل المعقول من انه لا فرق بين المشتق ومبدئه إلا بالاعتبار المزبور أعنى به لحاظ مفهوم المشتق لا بشرط ، ومفهوم مبدئه بشرط لا فلا يكاد يتم الفرق بينهما باعتبار الثمرة المترتبة عليه ، أعنى بها كون التركيب في مورد صدق العنوانين المشتقين اتحادياً ، وفي مورد صدق مفهوم المبدئين انضمامياً ، وذلك
لان لحاظ المفهوم باللحاظين المزبورين لا يوجب تغيراً جوهرياً في ذات الملحوظ فى مقام تحققه فى الخارج ، وانما يوجب ذلك اللحاظ مغايرة فى نحو التعقل .
( المقدمة الخامسة ) العنوان المأخوذ فى طى الخطاب سواء كان متعلقاً للخطاب أم موضوعا المتعلقه قد يكون مشيراً الى ذات متعلق التكليف أو الى ذات موضوعه بلا أن يكون نفس العنوان دخيلا في متعلق التكليف كما اذا أمر المولى عبده وقال له اذا أساء أحد الى مؤمن فاضر به ، فانا نعلم انه لا دخل لنفس الضرب في متعلق الأمر ، بل متعلقه هو التأديب كما هو الشأن في حرمة قول أف للوالدين ، فان هذا العنوان قد جيء به مشيراً الى نفس متعلق الأمر ، وبلا أن يكون دخيلا في موضوعه بنحو العلية للحكم أو بنحو التقييد به ، كما لو قيل أكرم من في دار زيد وقد يكون العنوان دخيلا فى متعلق الخطاب أو موضوعه بنحو العلية ، كما لو قيل اكرم العالم فيما اذا كان العلم علة لوجوب اكرام العالم لاجزء لموضوعه ، وقد يكون دخيلا في موضوع الحكم، فقد يكون تمام الموضوع وقد يكون جزء الموضوع .
هذا كله فيما اذا تعلق الحكم بعنوان سواء كان ذلك العنوان هو بنفسه متعلق ذلك الحكم أم كان موضوعا له ، وأما صدق العنوان على معنونه فيما اذا كان العنوان من الأوصاف التى يصح حملها على المتصف بها كما يصح توصيفه بها مثل عنوان العالم فقد يكون مبدأ ذلك الوصف حيثية تعليلية لصحة صدقه على الذات المتصفة به ، بناء على أن يكون مبدأ الوصف المزبور علة لصحة انتزاع الوصف العنوانى من الذات التي تلبست بحدوث مبدئه آناً ما ، وقد يكون المبدأ حيثية تقييدية لصحة الصدق ، بناء على أن يكون الوصف منتزعا من الذات المتقيدة بمبدئه .
وأما على القول بكون الوصف العنواني موضوعاً لنفس المبدأ الملحوظ لا بشرط ، أو موضوعاً للذات المقيدة بالمبدأ على أن يكون القيد داخلا ، فلاوجه للبحث عن كون المبدأ حيثية تعليلية أو حيثية تقييدية في صحة صدق الوصف العنواني على معنونه ، لأن المبدأ على الأول نفس الوصف العنوانى ، ومعه لا وجه لاحتمال
كونه حيثية تقييدية فضلا عن احتمال كونه حيثية تعليلية في صحة صدقه على نفسه وعلى الثانى يكون الوصف العنوانى مركباً من الذات والمبدأ والنسبة ، وحينئذ يكون المبدأ جزءاً من المعنون ، كما يكون مفهومه جزء من مفهوم الوصف العنوانى ومع فرض كون المبدأ جزء لا وجه للبحث عن كونه حيثية تعليلية أو حيثية تقييدية لصحة صدق الوصف العنوانى المركب على معنونه المركب ، اذكون الحيثية تعليلية يستلزم المغايرة بينها وبين العنوان الصادق على معنونه ، والمفروض أن مفهوم المبدأ جزء من مفهوم العنوان المركب ، ونفس المبدأ جزء من المعنون المركب ، وصدق مفهوم الشيء عليه ذاتي ، وأما كون المبدأ حيثية تقييدية فيستلزم ذلك خروج القيد ودخول التقييد فى العنوان والمعنون ، والمفروض أن القيد والتقييد كليهما داخلان في العنوان المركب .
ومما ذكرنا يتضح لك أيضاً أن صدق مفهوم المبدأ أعنى به المصدر أو اسمه على حقيقته الخارجية أمر ذاتى لا يعلل ، فلا وجه للبحث عن كون المبدأ المزبور هل هو بوجوده الخارجي حيثية تعليلية اصدق مفهومه عليه أو حيثية تقييدية . ومن ذلك كله تعرف ما فى كلام بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف)في هذا المقام من مواقع النظر .
( أما أولا ) فانه( قدس سره الشریف) بنى على أن المبدأ حيثية تعليلية لصدق الوصف العنوانى على الذات ، وقد عرفت أن ذلك لا يستقيم على مبناه في مفهوم العناوين المشتقة ( أما ثانياً ) فانه ( قدس سره الشریف) بنى على أن المبدأ أعنى به المصدر أو اسمه يكون في
مقام صدق مفهومه على حقيقته فى الخارج حيثية تقييدية ، حيث يصدق المبدء ان على شيء واحد فى الخارج ، فيكون حقيقة كل مبدأ حيثية تقييدية للآخر ، كالصلاة والغصب حيث يصدقان على فعل في الخارج، وفرع على ذلك انه يلزم أن تكون كل حيثية موجودة بوجود خاص بها ، ومع تعدد الوجود يتعدد الموجود ، ولا محالة يكون كل منهما ماهية غير الأخرى ، مندرجة تحت مقولة من المقولات التسعة ،
وعليه يكون التركيب فى الفعل الواقع مصداقا لها تركيباً انضمامياً ، مثلا فعل المكلف للصلاة فى المكان المغصوب يكون مركباً من ماهيتين ماهية الصلاة وماهية الغصب .
( وفيه ما عرفت ) من أنه لا يلزم من صدق عنوانين على شيء واحد فى الخارج أن يكون لكل منهما وجود حقيقة في الخارج، لجواز أن يكون أحدهما أمراً اعتبارياً غير مقولى ليستلزم صدقه فى الخارج وجود حقيقة له ، واذا جاز أن يكون العنوان أمراً اعتبارياً جاز أن يصدق على فعل واحد حقيقة في حال صدق عنوان آخر عليه ، سواء كان ذلك مقولياً أم اعتبارياً مثل قرينه ، كما هو الشأن في مثل فعل المكلف للصلاة في المكان المغصوب ، فانه لا ريب في كون الغصب عنواناً اعتبارياً ينتزعه العقلاء من تصرف المكلف في مال الغير بغير اذنه ، فاذا صدق هذا العنوان على فعل كشف عن كون ذلك الفعل تصرفا فى مال الغير بغير اذنه ، ولذا لا يصدق عنوان الغصب على تصرف من ليس مكلف فى مال الغير بغير اذنه لأن العقلاء لا يعتبرون تصرفه غصباً وتعدياً ، ومن الغريب انه يرى الحركة الواحدة بالوجدان حركتين مثل قيام المصلى في المكان المغصوب ، فانه بالوجدان حركة واحدة مع انه غصب .
( ان قلت ) لا مناص من الالتزام بكون الصلاة حركة والغصب حركة أخرى انضمت احديهما الى الأخرى، فصارتا شيئاً واحداً في نظر العرف ، اذ لو كان المتحقق في الخارج حركة واحدة متحيثة بحيثيتين لزم أحد محذورين إما تشخص الجنس بفصلين أو تصور المادة بصورتين ، أعنى بهما حيثية الصلاتية وحيثية الغصبية وإما عروض عرضين على ثالث في عرض واحد لو فرضنا ان الصلاة والغصب عرضان قد عرضا على الحركة في المكان المغصوب ، وكلا المحذورين باطل ( اما الأول)فلما برهن عليه في محله من امتناع تشخص الجنس بفصلين أو تصور المادة بصورتين و
( اما الثانى ) فهو وان كان مختلفاً فيه إلا أن المعروف عند المحققين امتناعه أيضا وعليه يلزم الاذعان بتحقق حركتين فى مورد صدق الصلاة والغصب على فعل واحد
( قلت ) اذا صح ما ذكرتم من الدليل فانما يثبت به مدعاكم من تعدد الحركتين فما لو كانت الصلاة ماهية مقولية وكذلك الغصب ، واما اذا كان كل منهما أمراً اعتبارياً فلا يثبت بالدليل المزبور ذاك المدعى اذ لا موضوع له حينئذ ، وقد أوضحنا فيما سبق ان الغصب من الاعتبارات العقلائية التى امضاها الشرع ،وليست له حقيقة مقولية ، ولذا لا يتحقق الغصب في نظر العقلاء بالنسبة الى تصرف من ليس بمكلف.
( واتضح مما ذكرناه ) انه لا محيص من القول بالإمتناع في الصلاة في الدار المغصوبة ، إذ قد عرفت ان الحركة الصلاتية متحدة مع الغصب وجوداً ، وعرفت أيضاً ان عنوان الصلاة لا يغاير مع عنوان الغصب بتمام الحقيقة ، اذ على ما بينا ، هما يشتركان في الفعل الشاغل فى دار الغير ، ومعه لا مجال للجواز كما يأتي بيانه ، ولو سلمنا ان القيام في الصلاة مثلا مركب في الواقع الذى لا ندركه من حركتين لكان كل من هاتين الحركتين غصباً ، لأن حركة الصلاة وان كانت مختصة بها الا أنها لا تخرج بذاك الاختصاص عن كونها غصباً لفرض وقوعها في المكان المغصوب .
هذا مضافا الى انه لو قيل بأن الغصب ماهية مقولية لما كان وجه لدعوى أن تلك الماهية من مقولة الأين كما ادعاه ، لأن الغصب في نظر العرف هو فعل الشاغل للمكان بغير اذن مستحقه ، لا انه هو كون الشاغل فى ذلك المكان ، فالقيام والقعود فى الصلاة كما يكون مصداقا للصلاة يكون مصداقا للغصب ، ومعه يكون معنون بعض اجزاء الصلاة بنفسه معنون الغصب، ويكون التركيب بينهما اتحادياً ، وعليه يعود محذور الاجتماع .
ولو سلمنا ان ماهية الغصب موجودة بوجود خاص بها منضم الى وجود ماهية الصلاة حيث تقع فى المكان المغصوب فلا اتحاد بينهما ليلزم محذور الاجتماع ؛ لكان تحريم التصرف في مال الغير بغير اذنه كافياً فى عود محذور الاجتماع ، لأنه لا ريب فى كون الصلاة فى المكان المغصوب تصرفا في مال الخير ، فيكون بعض أجزاء الصلاة كالقيام والقعود من أجل انه تصرف في مال الغير بغير اذنه حراماً ، ومن أجل انه
جزء من الصلاة الواجبة واجباً ، هذا مضافا الى امكان القول بأن حركة الصلاة بالقيام والقعود فى المكان المغصوب استيفاء لمنفعته ، ومن الواضح أن استيفاء منافع مال الغير بغير اذنه محرم فيعود محذور الاجتماع.
(المقدمة السادسة ) لا يخفى ان محل النزاع فى مورد الاجتماع هو ما اذا تعلق الامر بطبيعة تغاير متعلق النهى ، إما بالعموم والخصوص من وجه أو بالعموم والخصوص مطلقاً (وتوهم) ان متعلق الأمر والنهى اذا كان بينهما عموم وخصوص مطلقاً لا يمكن جريان النزاع فى ذلك لأن وجود العام في الخارج نفس وجود الخاص فكيف ممكن جريان النزاع فى مثله بجواز الاجتماع وعدمه (مدفوع) بأن مغايرة وجود متعلق الأمر لوجود متعلق النهى فى مورد الاجتماع توجب لخروجه عن محل النزاع لا دخوله فيه، واتحاد المتعلقين وجوداً وتعددهما عنواناً في مورد الاجتماع يوجب دخوله فى محل النزاع ، لأن محل النزاع عند المشهور هو الوجود الواحد ذو الجهتين اللتين يكون باحديهما متعلقاً للأمر وبالأخرى متعلقاً للنهى سواء كان بين الجهتين عموم وخصوص من وجه أم كانت إحديهما أخص من الأخرى مطلقاً ، وانما النزاع فى أن وحدة الوجود هل توجب سراية النهى من الجهة التي تعلق بها الى الجهة التي تعلق بها الأمر وبالعكس أو لا توجب وحدة الوجود لتلك السراية، وأما مع فرض تعدد الوجود في الخارج فلا موجب للنزاع فى الجواز والامتناع والسراية وعدمها ، بل لا محيص عن القول بالجواز عند جميع أهل الفن .
نعم العنوانان اللذان أحدهما أخص من الآخر مطلقاً ، انما يدخل مصداقها فى محل النزاع اذا كان أخصها حصة من طبيعة متعلق النهى ، وقد تعلق النهى بتلك الحصة الخاصة والأمر تعلق بالأعم أو بالعكس ، كما اذا قال المولى صل ولا تغصب فى الصلاة ، فان النهى فى مثله قد تعلق بحصة خاصة من الغصب وهي الحصة الملازمة البعض أفراد الصلاة ، والظاهر أن هذا المعنى هو مقصود صاحب الفصول
( قدس سره الشریف) حيث
عمم محل النزاع الى ما لو كان بين العنوانين عموم وخصوص مطلقاً ، وأما اذا كان أخصها الذى تعلق به النهى حصة من طبيعة متعلق الأمر كما اذا قال صل ولا تصل في الحمام ، فلا يصح دخول مصداقهما في محل النزاع ، لفرض أن الأمر قد تعلق بالطبيعى الذى يكون متعلق النهى حصة منه ، وبما ان الطبيعي يتحقق في جميع حصصه يلزم تحقق الأمر المتعلق به في جميع تلك الحصص تبعاً له ، ومنها الحصة المنهى عنها فيلزم اجتماع الأمر والنهى فى واحد حقيقة ، أعنى به الصلاة في الحمام مثلا ثم ان موضوع النزاع يعم ما اذا كان متعلق الأمر والنهي طبيعة واحدة .
ولكن كان موضوع كل منهما مغايراً للآخر سواء كان تغايرهما بالعموم والخصوص من وجه أم بالعموم والخصوص المطلق ، كما اذا قيل اكرم العالم ولا تكرم الفاسق وارحم الحيوان ولا ترحم العقور ( وقد يتوهم ) خروج ما لو اتحد متعلق الأمر والنهى ، وتغاير موضوعا هما بالنحو المزبور عن محل النزاع ، بزعم أن موضوع الأمر والنهي يكون من العناوين المشتقة . وبما أن المشتق يصدق على نفس الذات التي صدر صدر منها المبدأ من حيث صدوره منها ، فيكون المبدأ حيثية تعليلية ، ويكون الموضوع فى الحقيقة نفس الذات التي صدق عليها العنوان . وعليه يلزم اتحاد موضوع الأمر والنهي في مفروض الكلام ( وفيه ) ان موضوع الحكم لا يلزم ان يكون من العناوين المشتقة ، بل يجوز أن يكون من الجوامد كما هو الغالب ، فان كان موضوع الحكم من العناوين المشتقة يتم ما ذكر مع القول بكون المشتق منتزعا من الذات بتوسيط المبدأ ، اذ عليه يكون المبدأ جهة تعليلية لصدق المشتق ، أو القول بدخول الذات في مفهوم المشتق ، اذ عليه أيضاً يشترك العنوانان في الذات فلا يوجب تغاير متعلق الأمر والنهي فيرد المحذور ، وان قلنا بأن عنوان المشتق منتزع عن الذات ملاحظة صدور المبدأ منها أو اتصافها به بنحو يكون صدور المبدأمنها أو اتصافها به علة لانتزاع العنوان الخاص من تلك الذات، فيكون مفهوم المشتق حينذ نفس الذات من حيث صدور المبدأ الخاص منها ، أو من حيث اتصافها به على أن يكون القيد
خارجا والتقيد به داخلا ، فلا محالة تكون الذات مع وحدتها حصتين أو اكثر باعتبار تقيداتها الموجبة لاختلاف مفاهيم المشتقات مع اتحادها من حيث ذات المعنى أعنى به الذات ، فاذا صدقت العناوين المشتقة على مصداق واحد وجوداً . فلا محالة يكون ذلك المصداق الواحد متعدداً باعتبار اضافاته الى مبادىء تلك المشتقات الصادقة عليه ، وبهذا الاعتبار يتعدد موضوع الأمر والنهي المتعلقين بطبيعة واحدة ، وأوضح من هذا تعدداً للموضوع ما اذا كان العنوان المشتق نفس المبدأ المنتسب الى ذات ما أو نفس المبدأ الملحوظ لا بشرط ، فان صدق العنوانين المشتقين على ذات واحدة يكشف عن وجود مطابقهما في تلك الذات ، فيكون موضوع الأمر غير موضوع النهى فى الخارج حقيقة ولا محالة يكون تعدد الموضوع موجباً لتعدد متعلق الخطابين ، كما في مثل اسجد لله تعالى ولا تسجد للصنم .
(تنبيه)
لا فرق فيما هو محل للكلام فى هذا المقام بين مثل صل ولا تغصب وبين مثل توضأ ولا تغصب أو أشرب الماء ولا تغصب ، فكما أن الصلاة في المكان المغصوب تكون من صغريات مسألة جواز الإجتماع ، كذلك الوضوء بالماء المغصوب أو شربه ، وقد خالف في ذلك بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف)حيث فرق بين المثال الأول والثانى ، فقال بالجواز فى الأول وعدم الجواز في الثاني ، معللا ذلك بأن الصلاة في المكان المغصوب توجب تحقق ماهيتين ، إحديهما الصلاة والأخرى الغصب قد انضمتا في هذا العمل الواحد ، بخلاف الوضوء بالماء المغصوب أو شربه ، فان التصرف بالماء المغصوب لا يتصف إلا بالغصب ( ولا يخفى ما فيه) فانا لا نرى فرقا بينهما بالوجدان ، مضافا الى أن ذلك مخالف لما بنى عليه في المقام ، وهو أن متعلق الأمر والنهى بما انهما طبيعتان من فعل المكلف، لا محالة يكون صدقهما في الخارج كاشفاً عن وجود مطابق لكل منهما في مورد الصدق ، فاذا فرض صدق الوضوء
والغصب على الوضوء بالماء المغصوب ، فلا مناص له من القول بتحقق مصداقين لكل منهما فى هذا المورد ، أو العدول عن المبنى المزبور .
( المقدمة السابعة ) قد عرفت فى طى المقدمات السابقة ان مبانى القول بجواز الإجتماع مختلفة ( منها ) ان الأمر والنهي متعلقان بالطبيعة ولا يسريان الى الفرد. وبما أن الطبيعة المأمور بها غير الطبيعة المنهى عنها ، فلا يلزم من صدق الطبيعتين المزبورتين على وجود واحد فى نظر العرف تعلق الأمر بما تعلق به النهى ، تخلاف ما اذا قلنا بسراية الأمر والنهى من الطبيعى الى فرده ، فانه يلزم من صدق طبيعة المأمور به وطبيعة المنهى عنه على واحد ، سراية كل من الأمر والنهي الى متعلق الآخر( وقد استدل على عدم السراية بوجوه) أحسنها ما حاصله ان الأمر والنهي متعلقان بالطبيعة ، فاذا وجد متعلق كل منهما سقط التكليف المتعلق به ، أما فى الأمر فبالإطاعة ، وأما في النهى فبالعصيان ، ولا ريب في أن الفرد هو نفس وجود الطبيعة ، فاذا كان وجودها في الخارج موجباً لسقوط التكليف المتعلق بها .
فكيف يقعل أن يسرى الأمر الى متعلق النهى وبالعكس فى مورد صدق متعلقيهما لأن السراية فرع ثبوت السارى ، وقد عرفت أن مورد الصدق يوجب سقوط كل من الأمر والنهى بالإطاعة والعصيان ( هذا ) ولا يخفى عليك انه ينمهم من هذا التقرير ، ان القول بالجواز يبتنى على القول بتعلق الأوامر والنواهى بالطبايع ، وان القول بالإمتناع يبتنى على القول بتعلق الاوامر والنواهى بالأفراد ، وذلك أحد مباني القول بالجواز والإمتناع ، وكيف كان فتعليل الجواز والإمتناع بما ذكر غير صحیح، لأن النهى إن تعلق ببعض أفراد المأمور به بعنوان يخصه بنحو يدخل عنوان المأمور به فى عنوان المنهى عنه كالصلاة في الحمام والعالم الفاسق في مثل صل ولا تصل في الحمام واكرم العلماء ولا تكرم الفساق منهم ، فلابد من القول بالإمتناع وان لم يسر الأمر من الطبيعى الذى تعلق به الى فرده، لأن الشيء الواحد لا يعقل أن يكون بعنوانه الخاص به محبوباً ومبغوضاً ومراداً ومكروهاً ، فضلا عن أن
یکون مأموراً به ومنهیاً عنه،واما ان تعلق الأمر والنهی بعنوانین کل منهما منفک عن الأخر ،وأن صدقا اتفاقاً علی مورد واحد، مثل صل ولاتغصب، أو لاتکن فی موضع التهمۀ ،فلا مانع من القول بالجواز، وأن استلزم تعلق الأمر بالطبیعی سرایۀ الأمر ألی فرد ذلک الطبیعی، لأن العقل لایری امتناعاً فی أن یکون ذا مصلحۀ من حیثیۀ وذا مفسدۀ من أخری ،والوجدان أقوی شاهد علی وقوع ذلک فضلاً عن إمکانۀ اذ علیه ینتزع کل عنوان عن مرتبۀ من الوجود غیر المرتبۀ التی ینتزع منها عنوان آخر فالأمر والنهی لا یجتمعان فی العنوان لتغایرهما ذاتاً ولا فی المعنون لتغایرهما حداً.
(هذا کله )فیما اذ ا کان المراد بالفرد هو صرف وجود الطبیعی فی الخارج.
وأما اذا کان المراد بالفرد هو وجود الطبیعی بجمیع خصوصیات الوجود المشخصۀ له،فقد یقال بابتناء مسألۀ اجتماع الأمر والنهی جوازاً وامتناعاً علیالقول بسرایۀ الأمر من الطبیعی الی فرده بمشخصاته التی لاتنفک عنه وعدم القول بسرایۀ ،فاذا قیل بالسرایۀ فلا مناص عن القول بالأمتناع لاستلزم السرایۀ المزبورۀ به والمنتهی عنه ،لأن الجحۀ المنهی عنها صارت فی مورد الصدق من مشخصات فرد الطبیعی المآمور به ،والسرایۀ توجب أن تکون تلک الجهۀ مأموراً بها، وکذلک الجهۀ المآمور بها، وأما اذا لم نقل بالسرایۀ فلا مانع من القول بالجواز، لفرض أن متعلق الأمر غیر متعلق النهی عنواناً ومصدقاً، فلا موجب لسرایۀ الأمر إلی متعلق النهی وکذا العکس (هذا)ولکن التقریب المزبور لاینتج المدعی المذکور حتی علی القول بالسرایۀ ،وذلک لأن تشخص کل موجود علی التحقیق ،أنما هو بنفس الوجود.
وعلی قول آخر فإنما هو بعوارض الوجود ،فعلی هذا القول یصح أن تکون إعراض الجواهر الموجود من مشخصات ،وأما نفس العرض فعند المحققین من أهل الفن
لا يمكن أن يعرض عليه عرض آخر، فينحصر تشخصه بنفس وجوده ، وأما على القول الآخر فيجوز تشخص العرض بعرض آخر يعرض عليه ، وأما الاعراض الاخرى التي لا تعرض عليه ، وانما تقارنه في الوجود والموضوع والزمان والمكان فلا وجه لجعلها من مشخصاته(وحينئذ) نقول ان كان مصداق العنوانين الصادقين على مورد الاجتماع متجاورين فى الموضوع كالعلم والعدالة في العالم العادل ، فلا يكون كل من هذين العرضين مشخصاً للآخر قولا واحدا ، لأنه لم يكن أحدهما عارضاً على الآخر ، وأما اذا قلنا بامكان ان يكون بعض الاعراض عارضاً على بعض آخر من مقولة أخرى كمقولة الأين العارضة على مقولة الوضع في مثل الركوع والسجود ونحوهما من الصلاة وغيرها ، حيث إن العرف يرى أن عرض الاين قد عرض على هذا الوضع، فلا مانع من أن يكون من مشخصاته بناء على القول بامكان ذلك ، وأما اذا قلنا بامتناع عروض العرض على عرض آخر ، فلا يمكن أن يكون بعض الاعراض من مشخصات عرض آخر من مقولة أخرى ، بل يكون كلاهما من مشخصات الموضوع الذى عرضا عليه بناء على خلاف التحقيق كما أشرنا اليه ( فاتضح) ان من يقول بامتناع عروض العرض على عرض آخر ، لا يسوغ له أن يقول بابتناء جواز الإجتماع وعدمه على القول بسراية الأمر من الطبيعي الذي تعلق به الى فرده مشخصاته ، وعدم القول بسرايته اليه وذلك لأن متعلقات الاوامر والنواهى كلها من عوارض المكلف ، فلا يجوز أن يكون بعضها من مشخصات بعض آخر على التحقيق ( هذا كله) فيما اذا كان محل النزاع يعم ما اذا كان المجمع مشتملا على ماهيتين مقوليتين ، واما اذا قلنا بأن محل النزاع في هذه المسألة هو خصوص الوجود الواحد ذى الجهتين اللتين يكون باحديهما مصداقا المتعلق الامر. وبالأخرى مصداقا المتعلق النهى ، ولا يشتمل على ماهيتين مقولتين ، إحديهما هي مصداق متعلق الأمر ، والاخرى هي مصداق متعلق النهى ، وإلا كان خارجا عن محل النزاع فى هذه المسألة كما اشرنا الى ذلك فيما سبق ، فعدم ابتناء هذه المسألة على
سراية الامر أو النهى من متعلقه الى الفرد وعدمها فى غاية الوضوح ، ومما ذكرنا اتضح لك ما في كلام بعض الاساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف)فراجع .
( المقدمة الثامنة ) قد أشرنا فما سبق الى أن محل النزاع ولو على ما اخترنا من تحريره هو من موارد التزاحم ، وقد تقدم شرحها ، ولذا نحتاج فى شمول محل النزاع المورد ما الى اثبات كونه مشتملا على المصلحة والمفسدة الداعيتين الى الامر والنهى ، إما باطلاق الخطاب ، وإما بدليل آخر من الخارج ، كما هو الشأن في جميع موارد التزاحم في قبال التعارض الذى حقيقته هو تنافى الدليلين إما أولا وبالذات كما إذا دل أحدهما على وجوب شيء ، ودل الآخر على حرمته أو اباحته مثلا ، وإما ثانياً وبالعرض ، كما اذا دل أحدهما على وجوب صلاة الظهر يوم الجمعة مثلا ، ودل الآخر على وجوب صلاة الجمعة، لانا علمنا من دليل آخر انه لا تجب يوم الجمعة إلا إحدى الصلاتين ، فالعلم الإجمالي بوجوب إحديهما وعدم وجوب كلتيهما معاً ، أوجب لنا العلم بكذب أحد الدليلين ، فكل من الدليلين اذا انضم الى العلم الاجمالي المزبور استلزم كذب الدليل الآخر ، وهذا هو معنى تنافيهما ثانياً وبالعرض ، والا فمدلول كل منهما بحسب ذاته لا ينافى مدلول الآخر ، لتعدد المتعلق وامكان الجمع بينهما ( ودعوى ) أن القسم الثانى من التعارض ليس من حقيقة التعارض في شيء بل هو من قبيل اشتباه الحجة باللا حجة ، ( لم يظهر لها وجه ) لان الدليلين انما يقع بينهما التعارض سواء كان أولا وبالذات أم ثانياً وبالعرض ، حيث يكون كل منهما جامعاً لشرائط الحجية ، وأما اشتباه الحجة باللا حجة فانما هو فما اذا علمنا بأن أحد الدليلين غير جامع لشرائط الحجية واشتبه بالدليل الجامع ( ومما يشهد لذلك ) انه لو كان العلم بكذب أحد الدليلين الجامعين لشرائط الحجية مانعاً من وقوع التعارض بينهما لاستلزم ذلك عدم وقوع التعارض بين الدليلين مطلقاً ، لان جميع موارد التعارض يعلم اجمالا بكذب أحد الدليلين المتعارضين ، ومما ذكرنا اتضح عدم ورود اشكال بعض الاساطين من مشايخنا على استاذ الاساتذة (قدهم)
في المقام فراجع .
( المقدمة التاسعة ) قد تكرر منا أن محل النزاع هو الوجود الواحد ذو الجهتين اللتين لا يكون بازاء شيء منهما وجود بخصها ، وبما ان الاعراض المقولية لها وجود فى الخارج يخصها ، ينحصر محل النزاع فى الامور الاعتبارية التي يكون قوامها باعتبار المعتبر كالصلاة والغصب ، ولا فرق فى هذه الامور الاعتبارية بين كونها بنفسها من أفعال المكلف كالصلاة والغصب ، وبين كونها بالواسطة من أفعال المكلف كالافعال التوليدية، مثل الاحراق المتولد من القاء المحترق في النار ( ودعوى) أن الافعال التوليدية خارجة عن محل النزاع ، لانها بنفسها غير مقدورة ، وانما المقدور للمكلف هو أسبابها ، فلا محالة يتوجه التكليف اليه باسبابها ، فيلزم اجتماع الامر والنهي في واحد شخصى ؛ حيث يكون سباً لامرين توليديين : أحدهما مأمور به والآخر منهى عنه ( لا وجه لها في الظاهر) لان الافعال التوليدية وان لم تكن مقدورة أولا وبالذات ، الا انها مقدورة ثانياً وبالمرض ؛ للقدرة على اسبابها . والمقدور عليه بالواسطة مقدور ؛ وهذا المقدار من القدرة كاف في جواز التكليف عقلا بلا شبهة ، وبما أن ظاهر الخطاب هو تعلق التكليف بنفس الفعل التوليدى فلا موجب لصرفه عن ظاهره ، وادعاء تعلق التكليف واقعاً بنفس السبب ليتفرع عليه ما ذكر .
ثم انه لو أغمضنا عما ذكرنا ووسعنا محل النزاع بحيث دخل فيه الواحد ذو الجهتين المقوليتين اللتين يكون بازاء كل منهما وجود خاص بها ، فلابد أن يكون كل واحدة من الجهتين المقولتيين مقولة برأسها من المقولات التسعة قد تعلق بها التكليف بنفسها ، واجتماع الجهتين المقوليتين فى الواحد لا يوجب أن تكون إحديهما مقومة الأخرى : ( ودعوى ) ان متعلق الأمر والنهي كما يكون كل منهما مقولة برأسها ، كذلك يكون متعلق أحدهما مقولة ومتعلق الآخر متما للمقولة التي تعلق بها الآخر ، كمقولة الاين حيث تضاف الى عرض آخر ، مثل أن يقال قام زيد
في الدار وصام يوم الجمعة ، فان مقولة الأمن فى هذه الامثلة ونحوها قد وقعت مضافة الى عرض آخر ، وهو القيام والصيام، وكالشدة والضعف اللذين يتحققان في بعض الاعراض ، وكالابتداء والانتهاء اللذين تتصف بهما الحركة سيراً كانت أم غيره، والمراد بمتمم المقولة في المقام هو العرض الذي يستحيل عروضه للجوهر بدون وساطة بعض الأعراض الأخرى (لا وجه لها في الظاهر) لأن ظاهر هذا الكلام ان بعض الأعراض قد يكون واسطة في عروض عرض آخر على الجوهر وهو رأى فاسد لا يقول به صاحب هذه الدعوى ، وقد صرح هو بنفسه بامتناع ذلك في بعض كلامه تبعاً للمحققين من أهل المعمول ، وحينئذ يكون متمم المقولة بهذا المعنى قولا غير تام على مبنى قائله ، فضلا عن مبنى غيره .
ولو أغمضنا عن النظر فيه، لكان للنظر فيما مثل به مجال واسع ، فان مقولة الأين في مثل قام زيد فى الدار وجلس أمام المعلم ، لم تعرض القيام والجلوس أولا وبالذات ، وزيداً ثانياً وبالعرض ، بل انما عرضت على زيد أولا وبالذات ، واذا جوزنا عروض العرض على عرض آخر ، فهو أيضاً قد عرض أولا وبالذات على مقولة الوضع الحاصل لزيد بالقيام أو الجلوس ، واذا منعنا من عروض العرض على عرض آخر كان عروض الأين في المثال المزبور على مقولة الوضع ثانياً وبالعرض ، فلا وجه لما ادعاه من كون مقولة الأين قد عرضت على زيد في المثال المزبور ونحوه ثانياً وبالعرض ، وعلى هذا القياس يكون النظر فى باقى الامثلة سجلها صاحب هذه الدعوى ، ولا جدوى فى التعرض لكل واحد منها بخصوصه ، وبما ذكر اتضح لك ما فى كلام بعض الاساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف) فلاحظ .
( المقدمة العاشرة ) قد عرفت فيما تقدم أن التكليف أمراً كان أم نهيالايسرى من متعلقه الى الخصوصيات الفردية ، وأما حصص المتعلق ، فان كان متعلق التكليف ملحوظاً بنحو الطبيعة السارية ، فلا محالة يكون التكليف المتعلق به انحلالياً ويسرى الى جميع حصص متعلقه ، واما اذا كان ملحوظاً بنحو صرف الوجود ، كما هو شأن
اكثر الاوامر مع متعلقاتها ، فالتكليف المتعلق به وان كان يسرى الى حصص متعلقه الا انه لا يسرى اليها بما هى حصص خاصة ، بل الى نفس الطبيعى المتحقق في ضمنها وعليه اذا صدق متعلق الأمر الملحوظ بنحو صرف الوجود ، ومتعلق النهي على شيء واحد في الخارج . فلا محالة يكشف كل منهما عن وجود ملاك التكليف في ذلك الشيء الواحد ، فمتعلق الأمر يتضمن وجود المصلحة الداعية الى الامر به . ومتعلق النهى يتضمن المفسدة الداعية الى النهى عنه ، غاية الأمر أن المصلحة قائمة بنفس طبيعي متعلق الأمر ، والمفسدة قائمة بجميع حصص متعلق النهى ، لفرض سرايته اليها ، ولازم ذلك هو وقوع المزاحمة بين المصلحة والمفسدة القائمتين في ذلك الشيء الواحد في احداث الإرادة لذلك الشيء والكراهة له فى نفس المكلف ؛ فاذا كانت المفسدة أقوى من المصلحة ، فلا محالة يكون هذا الفرد مبغوضاً ومنهياً عنه ، وأما اذا كانت المصلحة أقوى من المفسدة ، فيمكن أن يكون هذا الفرد محبوباً باعتبار طبيعة المأمور به المتحققة فيه ، ومبغرضاً باعتبار الخصوصية التي توجب كون الطبيعي حصة في هذا الفرد ، وهى عدا الخصوصية الفردية التى قلنا أن التكليف أمراً كان أم نهياً لا يسرى اليها ( ويتفرع على ذلك ) ان العقل يحكم بامتثال المكلف الأمر المتعلق بالطبيعة المأمور بها بغير هذا الفرد مع امكانه وان كانت المصلحة فيه أقوى من المفسدة ؛ ولكن الخصوصية الموجبة لتخصص المفسدة به سالمة من الكسر والانكسار ، لعدم سراية مصلحة الطبيعة المأمور بها اليها ، فلا محالة يحكم العقل حيث تكون للمكلف مندوحة أن ممتثل الامر بغير هذا الفرد جمعاً بين غرضى المولى .
( اذا عرفت ما شرحناه في هذه المقدمات ) فاعلم انه ليس نتيجة جواز الاجتماع هو تعلق الإرادة والكراهة التشريعيتين بالمجمع ؛ فضلا عن تعلق الامر والنهي الفعليين به ؛ لامتناع الثانى بالوجدان ولزوم اللغوية في الأول بالعيان ؛ فيمتنع صدوره من الحكم ، وانما نتيجة جواز الاجتماع هو تعلق الحب والبغض بالمجمع نعم اذا كان المجمع مركباً من وجودين انضم أحدهما الى الآخر ، وكان أحدهما بازاء
عنوان متعلق الأمر ؛ والآخر بازاء متعلق النهى ؛ فلا اشكال في جواز الإجتماع أعنى به تعلق الحب باحدهما وتعلق البغض بالآخر ؛ إلا أن مثله خارج عن محل النزاع لفرض التعدد في مصداق متعلق الأمر ومتعلق النهى كما أشرنا إلى ذلك فيها سبق( وأما ما ينبغي أن يجرى فيه النزاع) وهو الوجود ذو الجهتين ؛ فالحق فيه هو التفصيل ؛ لأن المجمع ان كان فعلا واحداً مشتركا بين جهتى الأمر والنهي ؛ مثل حركة المكلف في المكان المغصوب . فانها ان صدرت منه بعنوان الصلاة . صارت قدراً مشتركا فيه بين الصلاة والغصب . لاجتماع هاتين الجهتين في تلك الحركة على وحدتها ، فما يكون غصباً منها يكون بنفسه جزء من الصلاة : وفي مثله يسرى الحب لا محالة من متعلق الأمر الى متعلق النهى والبغض . وان كان المجمع فعلا واحداً وجوداً . الا انه غير مشترك بين جهتى الأمر والنهى بالطور المزبور . بل كانت جهة الأمر منطبقة على بعض فعل المكلف . وجهة النهي على بعضه الآخر بنحو لا يكون ما يصدق عليه متعلق الأمر نفس ما يصدق عليه متعلق النهى مع وحدة وجود ذلك الفعل . ونظيره في الجوهر هو كون طرف من الجسم محبوباً . وطرف آخر منه مبغوضاً لشخص واحد . ففي مثله لا مانع من الإجتماع. نظير الفعل المركب من وجودين قد انضم أحدهما الى الآخر .
توضيح ذلك انه ربما يكون كل واحد من العنوانين حاكياً عن جهة في الوجود بنحو لا يحكيها غير هذا العنوان . بل العنوان الآخر يحكى عن جهة أخرى من الوجود . وان كانت الجهتان تحت حد واحد . وبذلك كانتا مجتمعتين في وجود واحد. ولكن مجرد وحدة الحد لا يخرجهما عن التعدد جهة وحيثية كالحيوانية والناطقية . والشاهد على ذلك مشاهدة اختلاف آثار الشيء المعلوم استناد كل أثر الى حيثية من حيثياته . وترى أيضاً التزامهم باستناد الامر البسيط الواحد الصادر عن الاثنين الى الجهة المشتركة بينهما . مع ان هذه الجهة متحدة وجوداً وحداً مع الخصوصية الممتازة ، ومثل ذلك برهان على قابلية الوجود الواحد المنشأ للآثار
المختلفة للتقسيم الى جهة دون جهة مع فرض القاء الحد من بينهما الموجب لكون الجتهين فى وجود واحد . ومن المعلوم أن هذه الوحدة الحدية لا تنافي قابلية هذا الوجود للتقسيم عقلا الى جهات يرى العقل كلها منطوياً في وجود واحد ومجتمعاً تحت حد فارد .
( ولئن شئت توضيح المطلب) فتمايس هذه الجهات العقلية وقابلية الوجود للتقسيم اليها عقلا بالقطعات المحسوسة في الوجود القابل للتقسيم خارجا . اذ ترى حينئذ عدم اباء العقل عن تعدد الجهة مع فرض وحدة الوجود خارجا لوحدة حده غاية الامر أنه ربما لا يكون الوجود قابلا للتقسيم حساً بل العقل يقسمه حسبما يرى فيه من الآثار المختلفة المستند كل منها الى قسم من الوجود والى جهة فيه غير الجهة الاخرى المستند اليها الاثر الآخر كما هو ظاهر (نعم) قد لا يكون العنوانان من هذا القبيل بل كلاهما حاكيان عن جهة واحدة . ومنشأ اختلافهما ليس الا اختلاف كيفية اللحاظ من حيث الاجمال والتفصيل . كعنوان الانسان والحيوان الناطق .
أو من حيثية اللا بشرطية وبشرط اللائية. نظير مفهوم الضرب والضارب بناء على التحقيق من وضع المشتق للمبدأ اللا بشرط بلا أخذ ذات فيه. وربما لا يكون العنوانان مختلفين فى تمام الجهة ولا متحدين فيه . بل هما مشتركان في جهة ومختلفان فى جهة أخرى كالصلاة والغصب المنتزعين عن حركة خاصة بخصوصية الصلاتية وبخصوصية الخصبية مع اشتراكهما فى ذات الحركة المتخصصة بالخصوصيتين . ونظير
ذلك ما اذا كان العنوانان من قبيل المشتق المنتزع كل منهما عن الذات بلحاظ اتحادها مع الوصف بنحو من الاتحاد . كالحلو والبياض بناء على المشرب الآخر من أخذ الذات فى حقيقته . غاية الأمر الفرق بين ذين العنوانين و بين عنوان الصلاة والغصب المنتزع عن الذات بلحاظ اتصالها بالخصوصيتين . هو الفرق بين العرض والعرضى وخارج المحمول والمحمول بالضميمة . الذى ينتهى لب الفرق بينهما الى كون الجهتين في الأول وجوديين تحت حد واحد على وجه قابل للتقسيم الى وجود ووجود تحليلا
وفى الثانى صرف اضافة الوجود الى شيء واضافته الى شيء آخر بنحو من الاضافة التي كان الخارج ظرفا لنفسها لو لم يكن لوجودها ، وهي التي عبرنا عنها بالحد القياسي للشيء الذي له واقعية تتبع الوجود المحدود به ، لا انها من الإعتبارات المحضة التي لا واقعية لها أبداً .
وحيث اتضح ذلك فنقول ان مدار جواز اجتماع الحب والبغض في وجود واحد ليس على الالتزام بتعلق هذه الصفات بالصور الذهنية ، كيف ومن البديهي ان هذه الصور المختلفة فى حيال ذاتها ليست متعلق هذه الصفات ، بل هي عند القائل بالتعلق انما تكون موضوع هذه الصفات المزبورة بما هي مرآة للخارجيات ، ومن البديهي ان شأن المرآت كونها مغفولا عنها وان تمام التوجه فيها الى المعنون بها . وحينئذ فلو كان العنوانان حاكيين عن جهة واحدة كالفرض الثانى من الفروض المتقدمة ، فلا شبهة فى انه من العنوانين اللذين لا ترى بهما الاجهة واحدة . ومع وحدة الجهة المرئية يستحيل اتصافهما بالمتضادين وان كانا من حيث المفهومية اثنين ولكن مرآتيتهما عن الواحد صارت منشأ للغفلة عن اثنينيتهما ، وتمام التوجه حينئذ الى وحدتهما منشأ ومحكياً ، والعقل فى مثلهما يأبى عن التصديق بتعلق المتضادين بهما كاباته عن تصديق محبوبية صورة الانسان و مبغوضية صورة أخرى منه لمحض حكايتهما عن جهة واحدة ( لا يقال) ان لازم هذه المقالة عدم تصديق العقل بتحقق الارادتين بتوسط الصورتين الحاكيتين عن منشأ واحد ، لأن المثلين كالضد من فحينئذ كيف التزمتم سابقاً بعدم رجوع الطلب بالجامع الى الطلب بالفرد (لانا نقول) ان تعدد الإرادة ( تارة ) من جهة تعدد الغرض ، ففي مثله نلتزم بالاستحالة أيضاً ( وأخرى ) لا يكون منشأ تعددها الا تعدد صورتها ، ففي مثله نقول ان تمام توجهه الى الجهة الواحدة ، وغفلته عن اثنينية الصورة صار منشأ للغفلة عن اثنينية الارادة الناشئة عن اثنينية صورتهما ، بل يراهما حينئذ ارادة واحدة قائمة على شيء واحد ، وهذا بخلاف العنوانين المختلفين من غير جهة اختلاف الصورة ، فانه حينئذ لا تكون
الغفلة عن تعدد الصورة منشأ للغفلة عن تعددهما ، فيلزم حينئذ المحذور المتقدم كما هو ظاهر ، وأيضاً نقول أن مدار عدم جواز الاجتماع ليس على مجرد وحدة الوجود خارجا ، وذلك لأن معية المحبوبية والمبغوضية بعد ما كانت في التعلق تابعة للجهات المتصورة الحاكية عن الوجود ، وكان تعلقها بها بتبع قيام المصلحة والمفسدة به الملحوظ فيها حكم العقل بالتقسيم الى المؤثر فيهما ، فلو كان العنوانان من قبيل الأول القابل للتقسيم في لحاظ العقل الى جهة مؤثرة فى المصلحة وجهة أخرى مؤثرة في المفسدة ، فلا يأبى العقل عن ملاحظة كل جهة فى أن تتعلق بها المحبوبية أو المبغوضية حسبما يرى فيها من المصلحة أو المفسدة ، إذ من المعلوم ان المانع من اجتماعهما ليس إلا حيثية اجتماع الضدين ، والمفروض عدم أول الأمر إلى ذلك ، لأن الجهة المتعلقة للمحبوبية ليست الا ما تستند اليه المصلحة بلا سراية المحبوبية الى غير هذه الجهة كما ان المبغوضية أيضاً متعلقة بالجهة الوافية بالمفسدة من دون سراية المبغوضية منها الى الجهة الاخرى أبداً ، لأن المفروض ان تعلق الحب بشيء تابع لمقدار من الوجود الوافي بالمصلحة ، وحيث فرضنا أن المصلحة لم تكن قائمة بشراشر جهات الوجود ، بل ببعض حيثياته من دون دخل الحيثية الاخرى فيه أبداً ، فلا مجال السراية المحبوبية إلى أزيد من هذا المقدار، فيتذ يبقى المقدار الآخر من الوجود ( وهى الجهة الأخرى الوافية بالمفسدة ) بلا مزاحم لطرو المبغوضية عليه ، نعم لا يمكن تعلق البعث والزجر الفعليين نحو كل منهما ، لأن حالهما من تلك الجهة حال المتلازمين الغير القابل لتعلق ذلك بهما ، ولكن مثل هذه الجهة أجنبى عن محل الكلام كما أشرنا اليه سابقاً .
فعمدة هم القائل بالجواز هو جعل المقام من قبيل المتلازمين القابلين لرجحان أحدهما ومرجوحية الآخر فى آن واحد وان لم يكونا قابلين لتعلق البعث والزجر الفعليين بهما لشبهة التكليف بما لا يطاق، ومن التأمل فيما ذكرنا ظهر حال القسم الأخير من صور تعدد العناوين ، فان الجهة المشتركة لا تتصف إلا باحدى الصفتين
من المحبوبية المحضة أو المبغوضية كذلك ، وأما الجهة الفارقة فلا بأس بتوجه المحبة نحوها ولو بملاحظة دخلها في المصلحة ، والشاهد على ذلك هو توجه الإرادة نحو ايجادها عند فرض الاضطرار الى الجهة المشتركة ، اذ ذلك برهان جزمى على تأثير المصلحة الضمنية في رجحانها مع فرض عدم قابلية ضميمتها لها ، لفرض غلبة المفسدة فيها بنحو تكون علة تامة المبغوضيتها من دون صلاحية الاضطرار اليها للمنع عنها وان كان مانعاً عن الزجر عنها فعلا ، وبواسطة ذلك نقول أنه لا بأس بتعلق الامر الفعلى بتحصيل الخصوصية الدخيلة فى مصلحته في هذه الصورة ، ولذا قلنا فى الجاهل بالغصبية أو المضطر اليه انه لا بأس باتيان الصلاة بداعى الامر بجعلها صلاة ، لا بداعى الامر بتمام الصلاة الذي يكون عبارة عن حركة خاصة لفرض مبغوضية ذات الحركة وان كان صدورها عذر ، نعم مع عدم تعلق عذر بالجهة المبغوضية لا تصلح الجهة الزائدة لتعلق البعث اليها مع فعلية الزجر عنها تعييناً ، بل تبقى على صرف رجحانها ، وان كان لا يثمر هذا المقدار فى صحة العبادة بملاحظة مبعدية ذات الحركة الدخيلة في عباديتها كما أشير اليه ، ولكن ذلك المقدار لا يخرج المقام عن مورد اجتماع المحبوبية والمبغوضية ، غاية الأمر أنه لما لم تكن الجهة الراجحة تمام حقيقة العبادة ، فلا تثمر في صحتها عند وقوع ذات العمل مبعداً ، نعم لو كان
وان العبادة من قبيل القسم الأول ، فلا بأس بالالتزام بصحة العبادة أيضاً ، لأن المفروض ان ما هو المعنون بالعنوان العبادي من جهة الوجود راجح بتمامه لا بجزء منه ، فلا بأس حينئذ باتيانه بداعى رجحانه ، ولا تضر به مبعدية الجهة الأخرى المتحدة معه وجوداً ، اذ ذلك المقدار لا يضر بمقربية الجهة الاخرى كالمتلازمين.
فقد ظهر بما ذكرنا ان ما لا يثمر في جواز اجتماع المحبوبية والمبغوضية من العناوين ، هو ما كان من قبيل الوسط من المفروض دون الأول منه والآخر ، كما ان ما يثمر في صحة العبادة باتيان المجمع ، هو ما كان من قبيل الأول منها دون الآخر ، وقد ظهر بما ذكرنا أيضاً ان مدار الجواز والامتناع في الاجتماع المزبور
هو وحدة المعنون بما هو معنون وتعدده ، فلا يثمر تعدد العنوان في الجواز مع وحدة المعنون ، كما لا يضر به وحدة الوجود مع تعدد المعنون بعنوانيه ، ولئن شئت فاجعل مثل هذا البيان طريقاً للجمع بين كلمات كثير من الاعاظم بحسب ما هو المرتكز في اذهانهم وان غفلوا فى مصيرهم الى اطلاق الجواز أو الإمتناع ، وتأمل في المقام فانه من مزال الأقدام .
( ان قلت ) ان التفصيل المزبور انما يكون له مجال حيث نقول بتعلق الامر والنهى المستلزمين للارادة والكراهة والحب والبغض بوجود الفعل الخارجي ، وليس الأمر كذلك ، لأن الفعل المأمور به أو المنهى عنه اذا وجد وتحقق في الخارج سقط الامر بالإطاعة ، والنهى بالمعصية ، واذا كان الوجود الخارجي موجباً لسقوط التكليف ، فلا محالة يكون موجباً لسقوط ما يستلزمه التكليف من الإرادة والكراهة والحب والبغض ، وعليه لا بد ان يكون متعلق التكليف أمراً كان أم نهياً هى الصور الفانية في الموجودات المفروضة في الخارج وهذه الصور في حد ذواتها معان متبائنة ، لا امتزاج بينها ليستلزم امتزاجها سراية بعض عوارضها من بعضها الى بعضها الآخر ، واذا صح هذا التقرير فلا مناص عن القول بجواز الإجتماع أى عدم لزوم الإجتماع لفرض تعدد متعلق الأمر والنهي .
( قلت ) بل يلزم الاجتماع على أحد شق التفصيل المذكور وان قلنا بعدم تعلق التكليف وشيء من مبادئه المزبورة بالموجود الخارجى ، وذلك لأنا قد ذكرنا في التفصيل المذكور ان المجمع اذا كان فعلا واحداً وجوداً ومقوماً ماهية لعنوان متعلق الأمر والنهى ؛ وهو معنى الاشتراك بينهما الذى أشرنا اليه في صدر التفصيل فلا مناص عن القول بالإمتناع ومع فرض كون المجمع مقوماً ماهية لعنوان متعلقى الامر والنهي . يلزم اجتماع الأمر والنهي بمبادئهما في نفس الصور التي فرض كونها بنفسها متعلق التكليف. هذا مضافا الى أن الصور المذكورة انما يتعلق بها التكليف لا باعتبار نفسها . بل بما انها فانية في مصاديقها المفروضة فى الخارج . وحاكية
عنها ، فهي دائماً ملحوظة للنفس لحاظاً آلياً، ومع توجه النفس بها الى ما يطابقها وما تحكى عنه من الأفعال التي تفرض وجودها في الخارج فتشتاق اليها أو تنفر منها لا يتأتى من النفس الاشتياق بتوسط صورة الى مصداقها والتنفر بتوسط صورة أخرى الى مصداقها الذى هو نفس ذلك المصداق الذى اشتاقت اليه بتوسط صورته وان تعلق الحب والبغض بنفس الصور المتبائنة ، فلم يلزم اجتماعهما في واحد ، إلا أن النفس لا تلاحظ الصورة بذاتها و لنفسها ، بل تلاحظ بها مصداقها وما يطابقها من الافعال المفروض كونها ستوجد في الخارج ، واذا كان نظر النفس بالصورة الى ما ورائها ، فتجد انها تشتاق الى ذلك وتحبه ، وكذلك تنفر عنه وتبغضه ، فلا يعقل أن يتأتى منها كلا الامرين في شيء واحد حسب ادراكها ، وقد اتضح لك مما ذكرنا عدم صحة ما استدل به بعض السادة الاعلام على جواز الاجتماع ، وقد اشرنا الى محصل ذلك الدليل وبيان ما فيه من الاشكال السابق وجوابه فلا نعيد .
هذا وقد استدل استاذ الاساتذة ( قدس سره الشریف)على الامتناع بدليل استنتجه من مقدمات (الأولى) ان الاحكام التكليفية متضادة في مقام فعليتها ( الثانية) ان متعلق الاحكام ليس هي العناوين بل مصاديقها ومعنوناتها بتوسط عناوينها الفانية فيها ( الثالثة ) ان الموجود الواحد يمكن أن تنطبق عليه مفاهيم متعددة متغايرة (الرابعة) ان الوجود الواحد لا يمكن ان تكون له إلا ماهية واحدة .
و نتيجة جميع هذه المقدمات ان القول بالجواز يستلزم اجتماع حكمين متضادين في موضوع واحد ، وهو الفعل الواحد ذو الجهتين الذى هو محل النزاع في هذه المسألة وما يستلزم المحال فلا محالة يكون محالا فيكون الاجتماع ممتنعاً وهو المطلوب . وقد أورد عليه بعض الاساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف) بما هذا نصه ، وهذا الاستدلال وان كانت جملة مقدماته بديهية ، الا ان المقدمة الثالثة منها ممنوعة ، لما ذكرناه سابقاً من انه يستحيل انتزاع مفهومين بينهما عموم من وجه من موجود واحد بجهة واحدة، بل لابد وان يكون بجهتين، وبينا أيضاً ان قياس المقام بصدق
المفاهيم المتعددة على البارى تعالى في غير محله ، وحينئذ فيقع الكلام في أن الجهتين اللتين لابد منهما في صدق المفهومين ، هل هما تعليليتان حتى يكون التركيب اتحادياً ، فيستحيل الإجتماع، أو تقييديتان والتركيب انضمامى ، حتى لا يلزم محذور من الاجتماع ، فعمدة ما يترتب عليه الجواز والامتناع هو ذلك ، ولم يجعل هذا محلا للنفى والاثبات في كلامه أصلا( انتهى ) ( ولا يخفى ما فى الايراد المزبور ) فانه ليس مراد المستدل بالدليل المذكور من امكان صدق العناوين المتغايرة على الشيء الواحد هو امکان انتزاع تلك العناوين المتغايرة المتكثرة من الشيء الواحد من جهة واحدة ، بل مراده امكان صدق المناوين المتغايرة على الشيء الواحد وانتزاعها منه ولو باعتبار جهات متكثرة فيه ، وقد قرب امكان ذلك بوقوعه في المقام الاقدس أعنى به صدق الصفات الحسنى على ذات واجب الوجود لذاته ( تعالى ) مع كمال وحدته ، ولكن ذلك لا ينافي اعتبار جهات متكثرة في تلك الذات البسيطة التامة. ليصح بلحاظ تلك الجهات انتزاع تلك الصفات من الذات المقدسة جل شأنها ( واما ما أفاده ( قدس سره الشریف)) من أن صدق العناوين المتغايرة على الفعل الواحد ان كان باعتبار جهتين تقييديتين ، فالصدق كذلك يكشف عن كون التركيب بينهما في ذلك الواحد تركيباً انضمامياً ، وان كان باعتبار جهتين تعليليتين كان التركيب اتحادياً ، فهو خلط بين العناوين المقولية والعناوين الإعتبارية ، وقد عرفت ان أحد العنوانين اذا كان اعتبارياً كان التركيب اتحادياً ، اصدق العنوانين على معنون واحد ، ولا يحتاج ذلك الى كون الجهة تعليلية، ولذا لم يتعرض شيخ مشايخنا صاحب الكفاية ( قدس سره الشریف) للتفصيل بين الجهة التقييدية والجهة التعليلية، لأنه قد جعل محل البحث في هذه المسألة هو ما جعله المشهور محلا للنزاع في الجواز والإمتناع ، وهو الواحد ذو الجهتين ، ولا محالة يلزم فيما هو محل النزاع عندهم أن تكون احدى الجهتين عنواناً اعتبارياً، سواء كانت الأخرى كذلك أم كانت عنواناً مقولياً .
فاتضح بهذا انه لا يرد على صاحب الكفاية( قدس سره الشریف) ما أفاده بعض الأساطين
من مشايخنا( قدس سره الشریف) في كلامه السابق ، نعم يرد عليه أن الجواز والإمتناع لا يدوران مدار سراية الأمر من العنوان الى معنونه وعدم سرايته ، بل يدوران مدار دخول أحد العنوانين في الآخر وعدمه، فاذا دخل أحد العنوانين في الآخر لزم القول بالإمتناع لسراية الأمر عبادته الى متعلق النهى وبالعكس ، وان لم نقل بسراية الامر من العنوان الى معنونه ، واذا لم يدخل أحد العنوانين في الآخر لزم القول بالجواز ، وان سرى الأمر من العنوان الى وجود المعنون ، كما اذا فرضنا وجوداً واحداً يكون بعضه مصداقاً لعنوان وبعضه الآخر مصداقاً لعنوان آخر : قانه فى مثله لا يلزم سراية الأمر ولا شيء من مبادئه الى متعلق النهي ، ولا العكس لفرض ان الحد الذى يكون مصداقا لعنوان المأمور به ليس نفس الحد الذي يكون مصداقا للمنهى عنه .
ثم أن بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف) اختار الجواز بتقريب أن محل البحث هو الفعل الذي ينطبق عليه عنوانان بينهما عموم من وجه ، أحدهما قد تعلق به الأمر ، والآخر قد تعلق به النهى ، وقد تقرر أن الفعل الذي يصدر من المكلف حيث يصدق عليه عنوانان ، يكون مركباً من حقيقة العنوانين المنطبقين عليه تركيباً انضمامياً ، للزوم أن يكون بازاء حقيقة كل عنوان وجود خاص به ، وعليه لامانع من أن يتعلق بأحد العنوانين أمر وبالآخر نهى ، لعدم استلزام ذلك سراية أحدهما إلى الآخر.
وفيه (أولا) انك قد عرفت انه لا اختصاص للنزاع في هذه المسألة بما اذا كان بين العنوانين عموم وخصوص من وجه ، بل يمكن أن يجرى هذا النزاع ولو كان بين العنوانين عموم وخصوص مطلقاً ( وثانياً ) انك قد عرفت غير مرة ان دعوى لزوم أن يكون بازاء كل عنوان حيث يصدق وجود خاص به ، ناشئة من الخلط بين العناوين المقولية والعناوين الاعتبارية، فاذا كان كلا العنوانين مقولياً .
وكان بازاء كل منهما وجود خاص به ، فلا يكاد يرتاب أحد من العقلاء في عدم
سراية الأمر المتعلق باحدهما الى الآخر المتعلق به النهى ، فلا بد أن يكون محل النزاع عند أهل الفن نظرية لا تخلو من الغموض الموجب لإختلاف الانظار فيها ، ولا يكون ذلك إلا اذا كان أحد العنوانين اعتبارياً، سواء كان الآخر كذلك أم مقولياً ليوجب صدقههما على شيء واحد توهم السراية وعدمها ، فيكون ذلك موجباً للنزاع فى الجواز والامتناع( تبصرة) قد مر عليك أن الموجب للقول بالجواز أحد أمرين ( أحدهما ) ما اذا لم يؤخذ متعلق الأمر في عنوان متعلق النهي ، وكان صدقهما على شيء واحد غير موجب لاجتماعهما في موقع الصدق كما أشرنا الى تحليل ذلك (ثانيهما) ما اذا كانت مصلحة الامر أقوى من مفسدة النهى، وكان المقصود ممتعلق الأمر هو صرف الوجود كما هو الغالب ؛ فما ان النهى يقصد به مطلق الوجود والطبيعة السارية . يكون الفرد الذي يتحقق فيه صرف وجود المأمور به واجداً لمصلحة الأمر بصرف وجوده ، والمفسدة النهى بخصوصية الوجود الموجبة لكونه فرداً ، والمفسدة في هذه الخصوصية لا مزاحم لها من مصلحة الامر ؛ فلا مانع من تعلق بعض مبادى النهى بها ؛ أعنى به البغض والكراهة وان لم يكن النهي عنها فعلياً لمزاحمة الامر إياه .
( وينبغى التنبيه على أمور) الاول انه قد ذكر بعضهم قيد المندوحة في عنوان البحث ، فهل له فائدة فيه ، قد يقال بذلك وقد يقال بعدم الفائدة فيه ، وسيظهر لك وجه كل من القولين فى التفصيل الذى نشرحه( وذلك ان يقال ) ان محذور الاجتماع امران ( أحدهما ) هو اجتماع الضدين لو سرى الأمر بمبادئه الى متعلق النهي وبالعكس ( ثانيهما ) هو لزوم التكليف بما لا يطاق لو كانت الارادة والكراهة فعليتين في مورد الاجتماع ، أما لزوم اجتماع الضدين فوجود المندوحة لا يدفعه ولا يمنعه اذا كان اجتماع الأمر والنهى فى الواحد ذى الجهتين مستلزماً لسراية كل منهما الى متعلق الآخر ، كما ان عدم المندوحة لا يوجب السراية اذا كان تعدد الجهة مانعاً من السراية المذكورة ، وأما لزوم التكليف بما لا يطاق فيختلف حسب اختلاف الأمر فى اعتبار المندوحة باختلاف مبانى القول بالجواز ؛ فعلى مبنى من يرى أن
الأمر والنهى لا يسرى شيء منهما من متعلقه الى فرده الخارجى ، لأن الخارج بالاضافة الى المكلف به موطن سقوط التكليف لا موطن ثبوته ، لا مناص عن اعتبار وجود المندوحة . إذ مع عدمها لا يكون الا أحد التكليفين فعلياً لاستحالة فعليتهما معاً من الحكيم ، حيث لا يستطيع المكلف الا على امتثال أحدهما ( نعم ) لامانع من تعلق بعض مبادىء التكليف كالحب والبغض بمتعلق التكليف ، ولو لم يكن نفس التكليف فعلياً ، لعدم المندوحة مع فعلية التكليف الآخر ، اذ لا يلزم محذور من تعلق الحب بالطبيعة المأمور بها، وتعلق البغض بالطبيعة المنهى عنها ، لأن محذور التكليف بما لا يطاق مختص بفعلية نفس التكليف كما لا يخفى ، وأما اذا قيل بسراية التكليف من متعلقه الى فرده ، وكفاية تعدد الجهة فى عدم سراية الامر من متعلقه الى متعلق النهى وبالعكس ، أو كان تعدد الجهة موجباً لتعدد وجود مطابق الجهة ، فيكون التركيب بينهما انضمامياً ، فوجود المندوحة لا يرفع محذور التكليف بما لا يطاق . لفرض فعلية كلا التكليفين في المجمع نفسه ، ضرورة أن كون المكلف قادراً على امتثال كل من التكليفين بفرد لا يشمله التكليف الآخر لا يوجب قدرته على امتثال كلا التكليفين بالفرد الذى يشمله كلاهما كما لا يخفى.
( فان قلت ) وجود المندوحة يوجب كون اجتماع كلا التكليفين مأمورياً ، أى أن المأمور هو الذي أوجبه على نفسه بسوء اختياره ولا قبح فيه على الأمر . ومع عدم المندوحة يلزم أن يكون الاجتماع ،آمرياً ، لو كان كلا التكليفين فعلياً .
أى أن المولى هو الذي أوقع المكلف فى ضيق ما لا يطيق من التكليف ، ولاريب في قبح ذلك .
( قلت ) قد عرفت ان محذور الاجتماع (تارة) ينشأ من ناحية اجتماع الضدين و ( أخرى ) ينشأ من ناحية التكليف بما لا يطاق ، فعلى القول بالجواز باحد تلك المبانى المذكورة ، لا يلزم من فعلية كلا التكليفين فى المجمع ؛ محذور اجتماع الضدين لا من ناحية الآمر ولا من ناحية المأمور ولو لم تكن مندوحة ، وعلى القول بالامتناع يلزم محذور اجتماع الضدين من ناحية الآمر ولو مع وجود المندوحة ، لفرض أن
الأمر هو الذى كاف المكلف بالمجمع أمراً و نهياً ، وأما محذور التكليف بما لا يطاق فبناء على سراية التكليف من متعلقه الى فرده ، يلزم التكليف ما لا يطاق من ناحية الأمر ولو مع وجود المندوحة ، لفرض أن المولى قد كلف العبد في المجمع بتكليفين لا يتقدر على امتثالها معاً ، وبناء على عدم سراية التكليف من متعلقه الى فرده ، لا يلزم التكليف بما لا يطاق فى حال المندوحة لا آمرياً ولا مأمورياً ، وأما في حال عدمها فانه و ان لزم التكليف ما لا يطاق، إلا انه آمرى ، وعلى كل حال فلاوجه للتفصيل بين وجود المندوحة ليكون الاجتماع مأمورياً وبين عدمها ليكون الاجتماع آمرياً .
( الأمر الثانى ) لا يخفى أن مورد الاجتماع سواء قلنا بالجواز أم بالإمتناع . داخل في باب التزاحم دون باب التعارض ، وتوضيح ذلك يتوقف على بيان الفرق بين التزاحم والتعارض ثبوتاً واثباتاً ، كى يتضح حال هذا المقام ، وقد شرحنا الفرق بينهما في باب الترتب ، فلنقتصر هنا على خلاصة البيان في الفرق المذكور تفصياً عن اتعاب الناظر بالإحالة .
فنقول اما الفرق بينهما ثبوتاً فلأن التزاحم هو التمانع بين ملاكي التكليفين سواء كانا مصلحتين لا يمكن الجمع بينهما لقصور قدرة المكلف أم كان أحدهما مصلحة والآخر مفسدة ولا يقدر المكلف على الاتيان ممتعلق الأولى وترك متعلق الثانية . وعلى الثانى لا فرق فى التزاحم بين متعلق المصلحة ومتعلق المفسدة ، بين كونه في الموجودين المنفكين المتلازمين في التحقق ، أو في الوجودين المنضم أحدهما الى الآخر ، أو فى الوجود الواحد ذى الجهتين ، بنحو يكون من جهة ذا مصلحة ، ومن جهة أخرى ذا مفسدة ، وحقيقة التزاحم في جميع هذه الموارد هو تزاحم الملاكين في تاثيرهما في نفس الحاكم الارادة لكل من الفعلين المشتملين على المصلحة ، أو الإرادة لفعل والكراهة لآخر ، أو تأثير الحب والبغض في نفسه كما في بعض الصور ( وأما التعارض) فحقيقته التكاذب بين الدليلين في اثبات الملاك ، بمعنى ان كلا من الدليلين المتعارضين يكذب الآخر في اثباته الملاك للحكم الذي دل عليه ، ولا
فرق فى التعارض بين كونه ذاتياً للدليلين ، وبين كونه عارضياً لهما من جهة العلم بكذب أحدهما ، مع كونهما جامعين لشرائط الحجية ، ولا يخفى انه عند الشك وعدم احراز أحد المناطين يحكم بالتعارض ، ضرورة ان التكاذب بين الدليلين ولو من جهة الفعلية محرز بالوجدان ، ومع عدم احراز المناط في كلا المتعلقين لاحكم للعقل ، فيشمله دليل العلاج ، فعليه يمكن ان يتمال كل مورد أحرز فيه ان المناط في كلا المتعلقين ، فهو داخل في التزاحم والا ففى التعارض .
( وقد يتوهم ) ان حقيقة التزاحم هو التمانع بين الحكمين الإنشائيين في مقام الفعلية ، فلا محالة ينحصر ذلك فى موارد التكليف بفعلين لا يقدر المكلف على جمعهما أو التكليف بفعل شيء وترك شيء آخر بنحو لا يقدر المكلف أيضاً على امتثال كلا التكليفين المزبورين، وأما التزاحم بين ملاكات الأحكام في تأثيرها الإرادة في نفس المولى كما هو الشأن في الوجود الواحد ذى الجهتين ، فهو داخل في باب التعارض . و مما يشهد لذلك ان التعارض لو كان منحصراً في صورة عدم كون أحد الحكمين واجداً للملاك ، لاستلزم ذلك ان لا يبقى للتعارض مورد ، لأن استكشاف عدم كون أحد الحكمين واجداً للملاك لا يحصل إلا باحد أمرين (أحدهما) نفس تعارض الدليلين الكاشف عن كذب أحدهما لا بعينه فى مدلوله وهو الحكم، وكذبه فيه لا يستلزم انتفاء ملاكه رأساً ، لجواز وجوده في نفس الواقع مغلوباً لملاك الحكم الآخر لقوته وتقدمه فى التأثير ، و ( ثانيها ) الدليل الخارجي الذي دل على أن أحد الحكمين في هذين الدليلين لا ملاك له، ولا محالة يستلزم ذلك ان يكون دليله كاذباً في مدلوله ( وهو الحكم ) ومثل هذين الدليلين لا يدخل في باب التعارض . بل يكون من قبيل اشتباه الحجة باللاحجة ، وهو ليس من التعارض الفني في شيء كما لا يخفى .
( هذا ) ولا يخفى ما فيه ( أما أولا ) فلأن الكلام في المقام ليس في انطباق عنوان التعارض عليه وعدمه ، بل الكلام فيما لو دل أحد الدليلين على حرمة شيء
ودل الآخر على وجوبه مثلا ، وعلمنا أن ذلك الشيء واجد لملاك الحرمة وملاك الوجوب معاً ، فهل يلزم حينئذ أن يعامل مع مثل المورد معاملة التعارض ، ويرجع فيه الى المرجحات السندية وغيرها ، أو يعامل معه معاملة التزاحم ، فيرجع فيه الى مرجحات باب التزاحم ، ويؤخذ بما هو أقوى ملاكا وان كان أضعف سنداً ، ولا ريب فى أن العقل اذا أدرك ذلك يحكم على طبق الملاك الأقوى ، ويلزم بالعمل بدليله وان كان أضعف من دليل الحكم الآخر ، وأما طريق العلم باشتمال الشيء على ملاكى الوجوب والحرمة أو أقواهما فسيأتي بيانه وتفصيل القول فيه ، و (أما ثانياً) فلأن جعل موضوع التزاحم هو الحكمان الإنشائيان حيث يتزاحمان في الفعلية كلام شعرى لاسندله ، لأن القدرة على امتثال التكليف ان كانت شرطاً في انشائه كما انها شرط في فعليته فهو المطلوب ، وان اعتبرت شرطاً في فعليته دون انشائه لزم انشاء حكم لا فعلية له في حال عجز المكلف ؛ وحيث انه لا أثر للحكم التكليفي الا تحريك المكلف نحو المكلف به ؛ يكون انشائه في حال العجز لغواً لا يتأتى من الحكيم الملتفت ، ولو سلمنا امكان جعل حكمين انشائيين لا يمكن أن يكون كلاهما فعليين كما هو المدعى في مورد الموجودين بوجودين انضماميين ، أو الموجودين بوجودين منفكين متلازمين ، فما الموجب لاخراج الوجود الواحد ذى الجهتين من هذا الحكم بعد فرض اشتمال ذلك الواحد على ملاكى الوجوب والحرمة ، فلم لم يجوز انشاء حكمين على وفق الملاكين المزبورين ؛ غاية الأمر لا يكون فعلياً الا أحدهما ، كما هو شأن حكمى الموجودين المتلازمين ، والوجودين الإنضماميين ( وأما ) ما أورد به على المدعى من أن التعارض لو كان هو تنافى الدليلين في ثبوت ملاكي الحكمين اللذين دلا عليهما ؛ لانحصر التعارض في صورة العلم بعدم كون أحد الحكمين واجداً للملاك الخ .
( فغير وارد على المدعى ) لأنه إما أن يكون كل من الدليلين المتعارضين نافياً للملاك عن الحكم الذي دل عليه الآخر ؛ وإما أن يعلم من دليل آخر انه لاملاك لأحد الحكمين اللذين دل على كل منهما دليل معتبر ، وسيأتي بيان كون كل من الدليلين
المتعارضين نافياً للملاك عن الحكم الذي دل عليه الآخر، وعليه لا ينحصر التعارض في صورة العلم بعدم كون أحد الحكمين واجداً للملاك ، وايضاً لا يلزم أن تكون هذه الصورة من قبيل اشتباه الحجة باللاحجة لأنا قد أشرنا فما سبق الى ان اشتباه الحجة باللاحجة منحصر فيما لو علمنا من الخارج بكون أحد الدليلين غير جامع في الواقع لشرائط الحجية ، ولكن لم نعيينه بشخصه .
(فاتضح مما تقدم )أن التزاحم بين الأمر والنهى انما يتحقق بين ملاكات الاحكام في تأثيرها للارادة والكراهة فى نفس الحاكم ، حيث يكون متعلقاهما متلازمين في الوجود، أو يكون وجود أحدهما منضما الى وجود الآخر ، وأما اذا انطبق متعلق الأمر ومتعلق النهى على وجود واحد ذى جهتين ،فان كانت الجهتان متمازتين في موقع صدقهما بنحو لا يكون موقع صدق أحدهما نفس موقع صدق الآخر، كان حالها حال الوجودين المنضم أحدهما إلى الآخر ، وان كانت الجهتان مشتركتين في بعض مدلول كل منهما وفى موقع صدقه ، بمعنى أن يكون بعض مفهوم إحديهما هو نفس بعض مفهوم الأخرى ، وكذلك موقع صدق بعض مدلول إحديهما نفس موقع صدق بعض مدلول الأخرى كالصلاة والغصب ، فان الفعل أعنى به العمل الصادر من الفاعل مشترك بين أفعال الإنسان جميعها ، والصلاة والغصب من أفعاله ، فهما مشتركان في ذلك الفعل ، ويمتاز أحدهما عن الآخر بخصوصية يتخصص بها ذلك الفعل الخاص ، مثلا الصلاة فعل الانسان المشتمل على الخصوصيات المعلومة الموجبة ليكونه صلاة ، والغصب هو تصرف الانسان المكلف فى مال غيره بغير اذنه ، فاذا صدق هذان الفعلان على بعض أفعال الانسان ، فقد اشتركا أيضاً في موقع الصدق كالصلاة في المكان المغصوب ، فان مفهوم الصلاة يصدق بجزئه م أعنى به الفعل على حركة المكلف في المكان المغصوب ، وأيضاً مفهوم الغصب يصدق بجزئه العام المزبور على تلك الحركة نفسها ، وهذا الفعل الخارجي الواحد الذي صار مقوما لمصداق الصلاة ومصداق الغصب، لا يعقل أن يكون محبوباً ومبغوضاً لشخص واحد
في زمان واحد ، فلا محالة يقمع التزاحم والتصادم بين ملاكات الاحكام في ذلك الفعل الواحد ، فى تأثير الحب والبغض فى نفس الحاكم ، فاذا فرض أن أحد الملاكين أقوى من الآخر يكون له الأثر فى نفس الحاكم، وتتبعه الارادة أو الكراهة . ( هذا كله ) فى بيان الفارق بين التزاحم والتعارض ثبوتاً ، وأما بيانه اثباتاً فالضابط الذى يتشخص به المتزاحمان ، هو كون المكلف به عنوانين لا يتمكن المكلف من الإتيان لمعنونيهما لتضادهما مع اتحاد سنخ التكليف المتعلق بهما ، أو كون المكلف به عنوانين متلازمين فى الوجود ، سواء كانا موجودين بوجودين ، أم كانا منطبقين على وجود واحد ذى جهتين مع اختلاف سنخ التكليف المتعلق بههما كالوجوب والحرمة في مثل الصلاة في المكان المغصوب ، أو انقاذ الغريق في المكان المغصوب .
( بيان ذلك ) ان كل تكليف متعلق بعنوان ما ، لا محالة يكشف بطريق الإن أولا وبالذات عن وجود ارادة أو كراهة متعلقة بمتعلقه ، وثانياً وبالعرض عن مبادىء الإرادة أو الكراهة من الحب والبغض ، والمصلحة والمفسدة ، فاذا كان ظاهر الأدلة يتمضى بتوجه تكليفين الى المكلف لا يقدر على امتثالها معاً ، فلا محالة يقع التزاحم بين ذينك التكليفين فى مقام الفعلية ، فلا يكون إلا أحدهما فعلياً ، وما أن بقاء التكليف الآخر على طور الإنشاء لغو ليس إلا ، يمتنع انشائه أيضاً من الحكيم الملتفت ، وكذلك يقع التزاحم بين ملاكى التكليفين في تأثير هما الإرادة والكراهة في نفس المولى مطلقاً حتى على القول بالجواز ، وفى تأثيرهما الحب والبغض فى نفسه أيضاً على القول بالإمتناع ( ان قلت ) اذا سقط الخطاب فعلية وانشاء في مورد التزاحم كما هو المفروض ، فبماذا يستكشف وجود ملاكه حتى يحكم بوقوع التزاحم بينه وبين الملاك الآخر ( قلت ) قد يتمسك لاثبات الملاك الذي سقط خطابه في مورد التزاحم باطلاق المادة ، بتقريب أن الخطاب اذا تعلق بفعل ما ، فيكشف بطريق الإن عن وجود ملاك يقتضيه فى ذلك الفعل ، وبما أن الفعل المزبور لم يقيد بالقدرة عليه حين الخطاب به ، كشف اطلاقه من هذه الجهة عن عدم دخل القدرة
في الملاك الذي اقتضى التكليف به ، اذ لو كان قيد القدرة دخيلا فيه ، لزم التقييد به كسائر القيود التي لها دخل فيه ، ويقيد العقلاء بها متعلق الخطاب ( ولا يخفى مافيه )لأن الإطلاق الدال على عدم اعتبار القيد لا يتم إلا باجتماع مقدمات الحكمة التي من جملتها خلو الكلام أو المقام عما ممكن أن يكون قرينة على إرادة القيد المحتمل دخله ، ولاريب فى أن الكلام أو المقام غير خال من ذلك ، لأنا قد بينا أن التحقيق هو أن وجود الخطاب الإنشائى فضلا عن الفعلى مشروط بالقدرة على امتثاله ، وقد أشرنا إلى أن عمدة ما يدل على تحقق أصل الملاك فى متعلق الخطاب ، هو نفس الخطاب ، فاذا ، فاذا صح الإستدلال بالخطاب على وجود أصل الملاك في متعلق الخطاب صح الاتكال عليه وجعله قرينة على مقدار سعة الملاك ، اذ يجوز عقلا أن يكون ملاك الخطاب بقدر نفس وجود الخطاب لا أزيد منه كما أنه لا يمكن أن يكون
انقص منه ، ومع هذا كله لا يمكن حصول الاطلاق المزبور بالضرورة .
والصحيح في الاستدلال على تحقق الملاك في متعلق الخطاب وان سقط الخطاب بالعجز ، هو التمسك بظهور الخطاب في تحقق الملاك ، (بيان ذلك) ان الخطاب بأمر ما مطلق غير مقيد بالقدرة لفظاً ، يشمل باطلاقه القادر والعاجز ، وكما يكون الخطاب ظاهراً فى هذا الإطلاق مطابقة، كذا يكون ظاهراً بالالتزام فى ارادة متعلقه من القادر والعاجز أيضاً، وأن متعلقه محبوب المنشىء الخطاب ، وانه مشتمل على ملاك يقتضى انشاء الخطاب به مطلقاً ، ولا ريب فى أن ظهور الخطاب فى هذه الأمور بالمطابقة والالتزام حجة عند العقلاء ، وكما لا يسقط ظهوره في شيء من هذه الأمور عن الحجية الا بحجة أقوى منه ، كذا لا يستلزم سقوط ظهوره فى شىء من هذه الأمور عن الحجية ، سقوط ظهوره فى الباقى عن الحجية ، فاذا فرض أن الدليل العقلى قيد اطلاق الخطاب بالقدرة ، فسقط ظهوره فى شمول العاجز عن الحجية ، لم يكن ذلك التقييد موجباً لسقوط ظهوره في اشتمال متعلقه على الملاك مطلقاً ولو في حال العجز عن الحجية ، لعدم الدليل المزاحم لهذا الظهور ، وكون
ظهور الخطاب فى اشتمال متعلقه على ملاك يقتضيه فى طول ظهوره في الاطلاق الشامل للقادر والعاجز ، لا يقتضى سقوط الظهور الثانى عن الحجية بسقوط الظهور الأول عنها ، لأن كل ظهور هو بنفسه حجة مستقلة عند العقلاء ، والظهور الأول انما هو بنفسه واسطة في ثبوت الظهور الثاني . لا بما انه حجة يكون واسطة في ثبوته حتى يوجب سقوطه عن الحجية انتفاء الظهور الثانى ، ولا ريب في أن الكلام الظاهر فى معنى ، لا يخرج عن ظهوره فيه بسقوطه عن الحجية لدليل منفصل أقوى منه.
( ان قلت ) انما ينعقد ظهور لكل كلام في معنى ما ، اذا لم تتصل به قرينة حالية أو مقالية توجب احتمال ارادة غير ذلك المعنى احتمالا عقلائياً ، فضلا عما لو كانت القرينة موجبة لصرف الكلام عن معناه الوضعى الى معنى آخر ، فينعقد له ظهور فيه ولا ريب فى أن الدليل العقلى الذى يوجب تقييداً أو تخصيصاً لبعض المطلقات أو العمومات من قبيل القرينة المتصلة بالكلام التي تمنع من انعقاد ظهوره في الاطلاق أو العموم اذا لم توجب له ظهوراً فى المقيد أو الخاص ، (وعليه) يلزم أن يكون الدليل العقلى الموجب لتقييد اطلاق الخطاب في الاوامر والنواهى بالقدرة مانعاً من انعقاد ظهوره فى الاطلاق الشامل للقادر والعاجز ، فاذا لم ينعقد له ظهور في ذلك ؛ لم ينعقد له ظهور في باقى الامور المزبورة أيضاً لان ظهوره فيها مترتب على ظهوره الأول .
( قلت ) القرينة العقلية التى توجب تقييد بعض المطلقات أو تخصيص بعض العمومات على نحوين ( الاول ) هو ادراك العقل بادنى التفات وتوجه ان الحكم المذكور في الكلام لا يراد على اطلاقه أو عمومه ؛ كما لو قال المولى تهجد في الليل بتلاوة القرآن ، فان مثل هذا الخطاب لا ينعقد له ظهور في الاطلاق الشامل لحالتي اليقظة والنوم ، لادراك العقل ان الحكم المذكور فى هذا الخطاب لم يرده المولى على اطلاقه
( الثانى ) هو ما لا يكون كذلك ، بل لا يدرك العقل امتناع ارادة الاطلاق أو العموم إلا بعد أمغان النظر وترتيب مقدماته المؤدية الى اذعانه بالإمتناع ، وفى
مثله لا محالة يبعقد للكلام ظهور في الاطلاق أو العموم ، فاذا أدرك العقل بعد ذلك امتناع ارادة الاطلاق أو العموم ، كان ادراكه ذلك من قبيل القرينة المنفصلة التي لا توجب هدم الظهور فى الاطلاق أو العموم ، وانما توجب سقوط ذلك الظهور عن الحجية ، وما تمسكنا به من الاطلاق فى المقام من قبيل الثاني ، فلا يوجب تقييد الدليل المقلى للخطاب أمراً كان أم نهياً بالقدرة انهدام ظهوره في الاطلاق ، وانما يوجب سقوط ظهوره فيه عن الحجية .
ثم لا يخفى انه لا فرق فى جميع ما ذكرناه بين الأمر والنهي ، ولا بين أن يكون مصداق متعلقيها وجودين متلازمين ، أو وجودين انضم أحدهما الى الآخر أو وجوداً واحداً ذا جهتين ، ضرورة أن الملاك في جميع هذه الفروض أمر واحد فالقول بالفرق بينها باحراز ملاك التكليف فى كل من الوجودين المتلازمين ، أو الوجودين المنضم أحدهما الى الآخر ، دون الوجود الواحد ذى الجهتين (تحكم محض) (هذا كله) فى بيان الضابط في اثبات التزاحم بين الدليلين، وأما بيان الضابط فى احراز التعارض بين الدليلين ، فهو أن نقول أن ملاك التعارض هو كون كلا التكليفين متعلقين بعنوان واحد ، سواء كان العنوانان متساويين في جميع الخصوصيات أم كان أحدهما مطلقاً بالنسبة الى الآخر ، والآخر مقيداً بخصوصية ما ، مثل أن يقول صل ولا تصل ، أو يقول صل ولا تصل في الجمام ، وسواء كان موضوع التكليف متحداً أم كان متغايراً بالعموم والخصوص من وجه ، أو بالعموم والخصوص مطلقاً ، مثل أن يقول اكرم العالم ولا تكرم الفاسق ، أو اكرم العالم ولا تكرم الساحر .
و تقريب وجه التعارض فى هذه الموارد ممكن أن يكون بوجهين :
( الأول ) هو أن المكلف اذا خوطب بخطابين يكون مفاد كل منهما غير مفاد الآخر من الأحكام الخسة ، وكان متعلق كل من الحكمين شيئاً واحداً ، فالمكلف حينئذ يدرك بفطرته ان منشى كلا الخطابين لا يريد كلا الحكمين معاً ، للتناقض أو
التضاد المانع من اجتماعهما في شيء واحد ، ولكنه يجوز ارادة أحدهما فى الواقع فلا محالة لا ينعقد لكل من الخطابين المتعارضين ظهور في الفعلية لأن ادراك المكلف والتفاته الى التنافى بين ارادة كلا الحكمين منه يكون كالقرينة المتصلة بالكلام المانعة من انعقاد ظهوره فيما لولاها لا نعقد له ظهور فيه وبطريق أولى لا ينعقد لهما ظهور فى الإرادة والكرامة والحب والبغض والمصلحة والمفسدة ، ونتيجة ذلك انه لا يمكن في حال تدافع الخطابين احراز ملاك الأمر ولا ملاك النهى ، فلا محالة يدخل كلا الخطابين في باب التعارض ، وبهذا يفارق مع ما اذا كان متعلق الخطابين متعدداً ولا تكون فيهما جهة اشتراك وان اجتمعا في واحد شخصى ، اذ فيه أيضاً لا ممكن اجتماع الإرادة والكراهة ، الا انه كان بحكم العقل الذي هو كالقرينة المنفصلة ، فلا يصادم الظهور ، وحينئذ يمكن استكشاف المصلحة والمفسدة ، فيدخل في باب التزاحم وهذا بخلاف المقام حيث يكون حكم العقل بعدم امكان اجتماع الارادة والكراهة كالقرينة المتصلة المانعة عن انعقاد الظهور رأساً ، فلا يمكن استكشاف المصلحة والمفسدة كي يدخل في باب التزاحم ، وملخص جميع ذلك ان كل خطابين وقع بينهما التدافع والتصادم ، اذا ثبت وجود الملاك فى متعلق كل منهما كانا متزاحمين ، واذا لم يثبت وجود الملاك فى متعلق كل منهما كانا متعارضين .
( الثاني ) ان كل أمر تعلق بفعل ما ، يدل بطريق الإن على اشتمال ذلك الفعل على مصلحة تقتضيه ، ويدل بالملازمة على عدم المفسده التي تزاحم المصلحة المستدعية له ، وكذلك النهى يدل على اشتمال المنهى عنه على مفسدة ملزمة بالنهى عنه ، ويدل بالملازمة على عدم المصلحة التي تزاحم المفسدة الموجبة له ، وعليه يكون كل من الدليلين المتعارضين مكذباً للآخر فما يثبته ويقتضيه ، وهذا هو ملاك التعارض في جميع الموارد التي أشرنا إلى وقوع التعارض فيها ، مثل صل ولا تصل وهو أوضحها ، وقريب ، وقريب منه نحو صل ولا تصل فى الحمام ، فان الأمر باطلاقه يدل على وجود مصلحة فى متعلقه مطلقاً بنحو لا تزاحمها مفسدة تقتضى النهى عنه .
وخطاب لا تصل فى الحمام مثلا يدل على وجود مفسدة في الصلاة في الحمام بنحو لا تزاحمها مصلحة تقتضى الأمر به ، وكذلك مثل أكرم العالم ولا تكرم الفاسق ، فان الأمر يدل باطلاقه على وجود مصلحة فى اكرام العالم ولو كان فاسقاً بنحو لا تزاحمها مفسدة تقتضى النهى عنه ، والنهى يدل باطلاقه على وجود مفسدة في اكرام الفاسق ولو كان عالماً بنحو لا تزاحمها مصلحة تقتضى الامر به ، وبهذا يظهر لك أن كلا من الدليلين المتعارضين يكذب الآخر فيما يدعيه ويقتضيه في جميع هذه الموارد .
ثم انه قد عرفت في المقدمات ان متعلق التكليفين اذا كانا متغايرين بالهوية . لا يلزم أن يكون بينهما عموم من وجه كالغصب المنهى عنه والصلاة المأمور بها . بل يجوز أن يكون أحدهما أعم من الآخر مطلقاً ، كالصلاة المأمور بها مطلقاً وحصة خاصة من الغصب المنهى عنه ، مثل صل ولا تغصب بالصلاة ، كما انه لوكان متعلقاهما عنوانين متحدين ، لم يلزم أن يكونا متحدين في تمام العنوان ؛ مثل صل ولا تصل ؛ أم فى بعض العنوان مثل صل ولا تصل في الحمام ؛ حيث يكون بينهما عموم مطلق . بل يمكن ان يكون بينهما عموم من وجه ، مثل صل صلاة الصبح ولا تصل فى الحمام ، الا أن مورد العموم مطلقاً فى فرض التغاير كمورد العموم من وجه في فرض الاتحاد وقوعه في الشرع نادر جداً ؛ ولذا استقر ديدن الفقهاء على أن يعاملوا مع العنوانين المتحدين ، ولو كان بينهما عموم مطلقاً ، معاملة المتعارضين .
؛ ومع العنوانين المتغايرين اللذين بينهما عموم من وجه ؛ مثل صل ولا تغصب ؛ معاملة المتزاحمين ، نعم اذا كان بين موضوعى الحكمين عموم من وجه ؛ مثل أكرم العالم ولا تكرم الفاسق ، فالمشهور يعاملون مع مورد اجتماعهما معاملة المتعارضين أيضاً . لاتحاد متعلق الحكمين أعنى به الاكرام.
اذا عرفت ذلك اتضح لك أن الحق هو ما ذهب اليه العلمان شيخنا الأنصاري والمحقق الخراساني«قدس سرهما»من المعاملة مع مورد اجتماع الأمر والنهي معاملة المتزاحمين على الجواز وعلى الإمتناع ، والسر في ذلك هو ما أشرنا اليه في عنوان تحرير
هذه المسألة ، من أن ملاك النزاع فيها هو تعلق الخطابين بعنوانين متغايرين بالهوية وقد عرفت فيما سبق أن الخطابين اذا تعلقا بعنوانين متغايرين بالهوية ، فلا محالة يكونان فى مورد اجتماعها متزاحمين ، الا أن بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف) خالف في ذلك وفصل في المقام ؛ حيث زعم أن مبدأ كل من العنوانين اذا كان جيلية تقييدية ووجود كل منهما انضمامياً ، كان الخطابات في مورد الاجتماع متزاحمين واذا كان مبدأ كل من العنوانين حيثية تعليلية . كان الخطابان في مورد الاجتماع متعارضين .
ثم انه( قدس سره الشریف) قرب مدعى العلمين المذكورين ؛ بما حاصله ان المجمع لعنوانى الأمر والنهى . لا محالة يكون مشتملا على ملاك الوجوب وملاك التحريم . ولا ريب في أن كلا من الملاكين يقتضى حكما على طبقه . فيجتمع فيه حكمان اقتضائيان .
واذا كان أحد الملاكين أقوى من الآخر . فلا محالة يكون حكمه فعلياً دون الآخر حيث يعلم المكلف بكل منهما (نعم) اذا علم يحكم الضعيف منهما دون الآخر . يكون فعلياً لعدم المانع من فعليته . اذ ليس هو الا فعلية حكم الاقوى ، والمفروض انه في حال الجهل به لا يكون فعلياً . وبعد الفراغ من تقريبه بما ذكر أورد عليه بأمور (الأول) انه لا ريب فى انه لا يكون فعلياً في مورد الاجتماع الا أحد الحكمين سواء على المكلف بكليهما أم بأحدهما ( وعليه ) يكون جعل الحكمين الاقتضائيين في مورد الاجتماع لغواً محضاً . مضافا الى أن الحاكم اذا كان حكيما ملتفتاً الى جميع جهات حكمه . لا يتأتى منه جعل حكمين اقتضائيين فى مورد الاجتماع . لفرض عليه باقوى الملاكين . وامتناع تأثير كلا الحكمين في دعوة المكلف إلى الإتيان بمتعلقيها فى مورد الإجتماع ( هذا ) ولا يخفى ما فيه ( أما أولا ) فلأن لغوية جعل الحكمين الاقتضائيين في مورد الاجتماع منقوضة بما هو ملتزم بوقوعه في مورد الاجتماع على الجواز من تحقق الحكمين الانشائيين. مع انه لا ريب في كون انشائهما فيه لغواً محضاً، فما يجيب به هناك . يمكن أن يجلب به على فرض الامتناع و ( أما ثانياً ) فلان
دعوى كون الحكم الاقتضائى حكما مجعولا بالقصد والاختيار ، ليكون جعله لغواً حيث لا يكون له أثر( لم يظهر وجهها )لأن الحكم الاقتضائى حسب ترتب الحكم في نشئاته لا وجود له فعلى الا وجود مقتضيه ، فهو موجود بوجود مقتضيه . ولهذا سمى بالحكم الاقتضائى، وعليه لا يكون الحكم في هذه النشأة مجعولا شرعياً ليكون جعله في مثل المورد لغواً .
( الأمر الثانى ) انه لا وجه لاناطة فعلية الحكم الاقتضائى فى طرف المهم بعلم المكلف به حال جهله بالأهم في مورد الإجتماع على القول بالإمتناع ، لأن الحكم في هذا المورد على الامتناع منوط بعلم الحاكم باقوى الملاكين ، واجتماع شرائط جعل الحكم ، ليتأتى منه جعله. (نعم) اذا جعل الحكم صارت فعلية ذلك الحكم المجعول منوطة بعلم المكلف ، كما هو شأن المتزاحمين ، حيث ان كلا الحكمين قد تحقق في مورد التزاحم ، وصارت فعلية أحدهما منوطة بعلم المكلف به ، فاذا علم بهما معاً ، وكان أحدهما أهم صار هو الفعلى ، والاصارا فعليين على نحو التخيير ، واذا لم يعلم الا باحدهما صار هو الفعلى ، وان كان المجهول أهم فى الواقع من المعلوم ، لأنه لا مانع من فعلية المهم الا فعلية الأهم ، فاذا انتفت فعليته للجهل به ، لم يبق مانع من فعلية المهم ( هذا ) ولكن لا يخفى ما فيه فان ما أفاده( قدس سره الشریف) من كون علم المكلف وجهله بالحكم غير دخيل في تأثير ملاكه فيه، بل علم الحاكم بقوة الملاك وضعفه واجتماع شرائطه وعدمه هو الدخيل فى تأثيره في جعل الحكم وعدمه ، وان كان سديداً وحقاً لا محيص عنه ، الا أن هذا التحقيق غير مختص بصورة الإمتناع ، بل كما بحرى فى فرض الإمتناع كذلك يجرى في فرض الجواز ، وان كان مورد الاجتماع على الجواز من موارد التزاحم ، لأن المانع من فعلية كلا الخطابين في مورد التزاحم ليس الا عجز المكلف ، وهو أمر واقعى لا دخل لعلم المكلف وجهله فيه ، كما ان جعل الحكم على وفق أحد الملاكين أو كليهما تابع لعلم الحاكم بذلك الملاك ومقدار قوته ، لا لعلم المكلف ، ولو سلمنا أن علم المكلف بالمهم وجهله بالاهم يوجبان فعلية المهم
فى فرض الجواز والتزاحم ، لكان اللازم أن يوجبا بمثله فى فرض الإمتناع ، لفرض تحقق ملاك الوجوب وملاك التحريم في المجمع ذى الجهتين ، وليس المانع من تأثير هما كليهما في جعل الحكمين على وفقهما الا عجز المكلف عن امتثال الخطابين اللذين يناسبان ذينك الملاكين على فرض جعلهما ، فالملاك في فعلية الخطاب للعلم به والجهل بالآخر في فرض تزاحم الحكمين هو بنفسه موجود في فرض تزاحم الملاكين ، اذ المفروض انه لا قصور فى نفس ملاك الحكم وانما القصور في قدرة المكلف ، فاذا علم بتحقق الملاك فى المهم دون الاهم ، فلا محالة يوجب ذلك ارادة المولى للمهم أو لتركه وخطابه به ، ولا سيما المولى العالم باحوال عبده من حيث العلم والجهل ، فهو من أول الأمر يريد منه المهم فى حال علمه بملاكه وجهله بملاك الأهم .
( الأمر الثالث ) ان التقريب المزبور لو كان صحيحاً لاستلزم القول بتحقق الامتثال في مثل خطاب اكرم العالم ولا تكرم الفاسق مع تقديم جانب النهي في مورد الاجتماع ، أعنى به العالم الفاسق فيما اذا علم المكلف بعلم زيد مثلا ولم يعلم بفسقه والحال انه لا يلتزم به أحد( وفيه )ما عرفت آنفاً من أن متعلق الأمر ومتعلق النهى اذا كانا شيئاً واحداً وان كان موضوع كل من الخطابين مغايراً لموضوع الآخر كما تقدم فى الايراد من المثال ، يتمع التدافع بين التكليفين فى الدلالة على ملاكه ونفى ملاك الآخر ، فلا يمكن احراز شيء من الملاكين ، فلا محالة يدخل التكليفان في هذا الحال فى باب التعارض ، وهذا هو السر فى بناء المشهور على عدم تحقق الإمتثال في مثل المثال المزبور ، حيث يكون المكلف جاهلا بفسق العالم الذى اكرمه ؛ وعليه لا يصح النقض على العالمين( قدس سره الشریف) باتفاق المشهور على عدم امتثال المكلف الخطاب اكرم العالم الفاسق حيث يكون جاهلا بفسقه ، لأن العلمين( قدس سره الشریف)يوافقان المشهور فى مثل ذلك ، ولا يتمولان بوقوع التزاحم فى الواحد ذى الجهتين الا اذا كان بنفسه متعلقاً للتكليف ، لا ما اذا كان موضوعه واحداً ذا جهتين كالعالم الفاسق (فتلخص من جميع ما تقدم) ان مجمع الأمر والنهي داخل في باب التزاحم سواء قلنا
بالجواز أم قلنا بالإمتناع .
( التنبيه الثالث ) لا يخفى أن النزاع في جواز الإجتماع وعدمه كما يجرى في العبادات ، كذلك بحرى فى المعاملات ، والكلام في المقامين واحد من حيث سند الجواز والإمتناع ، مثلا لو آجر المكلف نفسه على عمل قد يصير تصرفا في مال الغير كنساجة الثوب في المكان المغصوب بنحو يكون متعلق الاجارة هو نفس عمل المكلف لا نتيجته ، فاذا نسج الأجير الثوب مثلا في المكان المغصوب ، فان قيل بالجواز فحينئذ قد أو فى الأجير بالعقد، لأن العمل الذى أتى به غير منهى عنه ، فهو مال بحكم الشرع والعرف ، ويشمله متعلق الإجارة بمفهومه وحكمه ، فلا محالة يستحق الاجرة المسماة، وان قيل بالإمتناع فلا يكون الأجير موفياً بعقد الإجارة ، لأن العمل الذي أتى به منهى عنه ، فهو ليس بمال في الشرع : فلا تشمله الاجارة ولا يستحق عامله أجرة عليه ، لا المسمى ولا المثل لعدم المالية كما أشرنا اليه ، نعم على القول بالجواز لابد من تحقق المندوحة حين الإيجار والإستيجار ، والا وقعت الاجارة باطلة من حينها .
( التنبيه الرابع ) قد يتمسك لكفاية تعدد الجهة في جواز اجتماع حكمين متضادين من الأحكام التكليفية الخمسة في وجود واحد ذي جهتين بما ثبت في الشريعة المقدسة من وجوب شيء وكراهة بعض أفراده بعنوان أخص مطلقاً من عنوان الواجب ، أو بعنوان يكون بينه وبين عنوان الواجب عموم من وجه . فالأول كالصلاة في الحمام ، والثاني كالصلاة في مواضع التهمة ، ولا يخفى أن اجتماع الحكمين في المواضع المذكورة يكون من اجتماع الحكمين المتضادين في وجود واحد ذى الجهتين . ووقوعها في الشريعة وان لم يكشف عن امكان الإمتثال فما اذا كان النهى تحريمياً ، للفرق بين التحريمي والتنزيهي بأن التحريمي يكون ما نعاً عن التقرب بخلاف التنزيهي ، ولكن يكشف عن جواز الجمع بين الأمر والنهي التحريمي في مقام الجعل والإنشاء . أو المحبوبية والمبغوضية . ضرورة أنه لا فرق في رفع غائلة .
اجتماع الضدين بين الحرمة والكراهة كما هو واضح والتحقيق يقضى بعدم صحة الدليل المذكور والتصديق بذلك يتوقف على بيان العبادات المكروهة . وتصوير كونها عبادة مع اشتمالها على حزازة توجب كراهتها عند الشارع .
( فنقول ) ان العبادات المكروهة فى الشريعة تكون على نحوين ( أحدهما ) العبادة المكروهة التى من سنخها بدل غير مكروه . سواء صارت تلك العبادة مكروهة بعنوان أخص مطلقاً من العنوان الذي كانت به عبادة كالصلاة في الحمام . أم صارت مكروهة بعنوان كان بينه وبين العنوان الذي صارت به عبادة عموم من وجه . كالصلاة في مواضع التهمة ( ثانيهما ) العبادة المكروهة التي ليس لها بدل كصوم اليوم العاشر من المحرم .
( أما النحو الأول ) فهو يكون على قسمين أيضاً ( الأول ) أن تكون بين متعلق الأمر ومتعلق النهى جهة اشتراك فى المعنى المقوم لماهية كل منهما . مع امتياز كل منهما عن الآخر بخصوصية غير خصوصية الآخر . كما أنهما يشتركان في مصداق واحد حيث يتحققان في الخارج . وذلك هو ملاك القول بالإمتناع عندنا حيثما يكون الأمر والنهي الزاميين ( الثانى ) هو ما لا تكون فيه بين متعلق الأمر ومتعلق النهى جهة اشتراك فى المعنى المقوم لماهية كل منهما . وهو ملاك القول بالجواز عندنا كما أشرنا اليه فيما سبق ( أما القسم الأول) فحاصل الكلام فيه أن الأمر المتعلق بالطبيعة المأمور بها بما انه يدعو الى صرف الوجود في مقام ايجادها لا يتعلق بالخصوصيات الفردية التى لا تنفك عنها أفراد تلك الطبيعة ولا بالخصوصيات الموجبة لكونها حصصاً منها . ولا يدعو الى شيء منها أولا وبالذات . بل انما يدعو الى الطبيعة المحفوفة بها أولا وبالذات . والى تلك الخصوصيات الحافة بها ثانياً وبالعرض . وأما النهى مطلقاً ولو كان تنزيهياً فيما انه يزجر عن فعل متعلقه بنحو الطبيعة السارية . فينحل الى نواهى متعددة بعدد حصص متعلق النهى . فتكون كل حصة من متعلق النهى العام متعلقاً لنهى حقيقى خاص بها . وحينئذ تكون خصوصية
الحصة داخلة في حيز ذلك النهى الخاص بتلك الحصة ، وان كانت الخصوصية الفردية خارجة عنه ، وعلى هذا لو صدق عنوان المأمور به وعنوان المنهى عنه على فعل المكاف ، كالصلاة في الحمام ، لكشف ذلك عن وجود ملاك الأمر وملاك النهى في ذلك الفعل الواحد ، وبما أن ملاك النهى فى هذه الحصة لم يتقاوم ملاك الأمر لكونه أقوى منه ، فيسرى الأمر الى تلك الحصة تبعاً لطبيعي الصلاة المتحقق فيها. و بما أن الأمر فى مثل قوله صل لا يدعو الا الى صرف وجود متعلقه ، تكون تلك بما الحصة بما هى أحد أفراد صرف وجود طبيعة الصلاة مأموراً بها ، لا بما هي حصة خاصة ، وهذا بخلاف النهى فانه قد تعلق بها بخصوصها ، فهو يزجر عنها بخصوصها لتحقق ملاك النهى فى تلك الحصة الخاصة بما هي خاصة ، فاذا فرضنا ان ملاك الأمر . مزاحم لملاك النهى وغالب عليه في طبيعى الصلاة المتحقق في الحصة الخاصة ، لم يكن لملاك النهى مزاحم فى خصوصية الحصة الموجبة . لكونها حصة من ذلك الطبيعي فى قبال حصة أخرى منه . فيؤثر ذلك الملاك أثره فى نفس الخصوصية . وليس هو الا النهى عنها ( ويتفرع على ذلك) ان العقل يرجح امتثال أمر الصلاة مثلا بحصة منها غير الحصة التى تعلق النهى بها . لكونها ذات خصوصية مكروهة للمولى . ولكن لو جاء بهذه الحصة المنهى عنها تنزيهاً . لا متثل بها أمر الصلاة . لاشتمال هذه الحصة على طبيعى الصلاة وملاك الأمر بها . بلا تفاوت بينها وبين غيرها من هذه الجهة أصلا ( نعم ) هذه الحصة لاشتمالها على الخصوصية المكروهة الموجبة للتنزه عنها في نظر المولى افترقت عن بقية الحصص التى لم تشتمل على مثل هذه الخصوصية ( وبذلك يتضح لك)ان الكراهة فى العبادة تكون على حقيقتها المعروفة فى غير العبادة، ولا نحتاج الى تأويلها بأقلية الثواب (ومما ذكرنا ظهر حال القسم الثانى) وهو ما اذا تعلق الأمر بعنوان والنهي بعنوان آخر بنحو لو انطبقا على وجود واحد لما كان موقع صدق احدهما هو نفس موقع صدق الآخر ، كما أوضحناه سابقاً .
ثم ان الفرق بين العبادة المكروهة على التقريب المذكور و بين مورد اجتماع
الأمر والنهي التحريمي على الجواز ، يتحقق بامكان امتثال أمر العبادة في الاول مطلقاً ، وفى الثانى فى حال الجهل بالنهي فقط( والسر في ذلك ) ان النهي التنزيهي في الأول وان كان فعلياً لا يمنع عن امتثال أمر العبادة بالحصة التي تعلق بها ، لأنه يتضمن جواز الإتيان بمتعلقه والترخيص فى مخالفته ، وهذا الجواز والترخيص يلا ثمان كمال الملائمة للامر المتعلق بالعبادة ، فيصح امتثاله بمتعلق النهى التنزيهي في حال فعليته والعلم به ، بخلاف النهى التحريمي ، فانه يمنع عن الإتيان بمتعلقه ، ولا يرخص المكلف فى مخالفته، فينا في بذلك كمال المنافاة للامر المتعلق بالعبادة فكيف يمكن امتثال هذا الأمر بمورد النهى التحريمي في حال العلم به ( هذا ) وقد تفصى بعض الأساطين من مشايخنا
( قدس سره الشریف)عن اشكال تعلق النهى بالعبادة المكروهة ولو على الإمتناع ، بما حاصله ان الأمر متعلق بطبيعة المأمور به ، ولا يسرى الى فردها وانما العقل يرخص المكلف في تطبيق تلك الطبيعة المأمور بها على أي فرد من أفرادها حيث لامانع من الإتيان بذلك الفرد كما هو الشأن في المقام ، فاذا تعلق النهى التنزيهيى بفرد من أفرادها لم يلزم من ذلك اجتماع الأمر والنهى فى واحد ، ولامانع عقلا وشرعاً من تطبيق الطبيعة المأمور بها على ذلك الفرد المنهى عنه تنزيهاً ، لترخيص الشارع في مخالفة النهى التنزيهي ، بخلاف ما اذا كان النهى الزامياً
( ولا يخفى مافيه) لأن ما ذكره في المقام ان تم لزمه أن يقول به فيما اذا كان النهي الزامياً ، لاشتراك الأحكام في المضادة ، واتحاد الملاك الذى سوغ لأجله اجتماع الأمر والنهي في العبادة المكروهة ، مع أنه لا يقول بجواز الإجتماع فى النهي الإلزامي بلحاظ الملاك الذي سوغ لأجله اجتماع الأمر والنهي التنزيهي في العبادة المكروهة ، بل يجعل ملاك الجواز ثمة كون التركيب في مورد الإجتماع انضمامياً ، ليتعدد متعلق الأمر والنهي، وملاك الإمتناع كون التركيب في مورد الإجتماع اتحادياً ، وهل يفترق حال مورد الإجتماع في النهى الإلزامي عن حاله في النهي التنزيهي ، ليجوز اجتماع الأمر والنهي التنزيهي حتى مع كون التركيب في مورده اتحادياً ( نعم هناك فرق بينهما ) من حيث
امكان امتثال الأمر بالعبادة بالحصة المكروهة منها ، لكون النهى المتعلق بها تنزيهياً تجوز مخالفته شرعا وعقلا ، وعدم امكان امتثال الأمر بها في مورد الإجتماع مع كون النهى تحر بمياً ، ولو قلنا بالجواز في حال العلم بالنهي ، وهذا الفرق لادخل له بالملاك الذي نقول بلحاظه بجواز الإجتماع أو امتناعه ( وأما النحو الثاني ) من العبادة المكروهة ، وهى التي لا بدل لها مثل صوم يوم عاشوراء ، فقد يقال في توجيه كراهتها مع كونها عبادة مقربة ( وجوه ) .
( منها ) ما عن العلامة الانصارى( قدس سره الشریف)من أن الفعل المتعبد به لا يكون بنفسه مكروهاً ، وانما يكون تركه مستحباً أكد من وجوده ، لانطباق عنوان راجح عليه ، فيكون وجود تلك العبادة وتركها من سنخ العبادات المتزاحمة ( وأورد عليه) انه لا يعقل أن يكون وجود الشيء وعدمه مستحبين مأموراً بهما في وقت واحد . ضرورة أن طلب ايجاد الشيء يناقض طلب تركه في آن واحد ( ولكن ) ذلك لا يوجب خدشاً فى هذا الوجه ، لان كون وجود الشيء وعدمه مستحبين ومطلوبين انما يوجب التزاحم بين هذين الحكمين الاستحبابيين ، ولا ريب في أن هذين الحكمين المتزاحمين لا فرق بينهما وبين سائر الاحكام الاستحبابية المتزاحمة ، فكما أن تزاحمها لا يوجب إلا ثبوت التخيير بينها ، كذلك تزاحم هذين الحكمين المتعلقين بوجود الشيء وتركه ( نعم الذى يمكن أن يكون وارداً عليه ) هو أن الوجه المزبور بحسب القواعد المقلية غير معقول (أما أولا ) فلأن الأمر والنهي انما يتعلقان ببعض الافعال باعتبار ما فيها من المصالح والمفاسد ، وعدم الشيء بما هو عدم لا يعقل أن يكون مشتملا على مصلحة أو مفسدة ، لهذا تجد الأمر والنهي يتعلقان بنفس الفعل بعثاً اليه أو زجراً عنه ، و ( أما ثانياً ) فلأن العنوان الراجح المنطبق على عدم العبادة المكروهة اذا كان مفهوماً ثبوتياً لا يعقل أن ينطبق على العدم ؛ لتناقض المفهوم مع مصداقه ( هذا ) مضافا الى كون التوجيه المذكور لا يلائم ظاهر النهى عن العبادة المكروهة ، فإن ظاهره كون فعل العبادة مرجوحاً ؛ لا ان تركها راجح
( ومنها ) ما عن بعض الاساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف) ومحصله ان التكليفين المتوجهين الى مكلف واحد سواء كانا متماثلين أم متخالفين فان كان ظاهر دليليهما هو تعلق التكليفين بفعل واحد و عنوان فارد ، كما اذا نذر المكلف أن يصلى بعض الصلوات المستحبة ، فان الامر المتوجه الى المكلف بسبب نذره انما يتعلق بتلك الصلاة المنذورة ، وحينئذ إما أن يتأكد الامر الندبي فيصير وجوبياً ، أو يزول بمزاحمة الوجوب ؛ لانه قد تعلق بما تعلق به الامر الندبى ، والاحكام المتماثلة لا يمكن اجتماعها في موضوع واحد ، فاما أن يؤكد بعضها بعضاً ، أو ينفى قويها ضعيفها . وان كان ظاهر دليليهما هو تعلق التكليفين بعنوانين ؛ بمعنى أن يكون المأمور به بما هو مأمور به متعلقاً للأمر الآخر بعنوان آخر ، كقضاء الصلاة الفائتة عن الميت .
فاذا استؤجر عليه تعلق الامر الايجارى بايقاع الصلاة الفائتة مثلا بداعى أمرها . و نظير ذلك صوم اليوم العاشر من المحرم . فان متعلق الأمر الندبى هو الصوم بما هو صوم . وهو عمل راجح فى حد ذاته . وأما متعلق النهي التنزيهي فهو التعبد بهذه العبادة في هذا اليوم تنزيهاً للمؤمن عن مشابهة اعداء الدين وبذلك يختلف عنوان متعلق الأمر عن عنوان متعلق النهى التنزيهي .
( هذا ) ولا يخفى ما فيه ( أما أولا ) فلأن الظاهر من خطاب النذر والإيجار هو يكون متعلقيهما شيئاً واحداً . وهو العمل المأتى به بداعى أمره كالصلاة . لان متعلق النذر هو العمل الراجح. ونفس الصلاة مع غض النظر عن الإتيان بها بداعى أمرها لا رجحان فيها . فيكون متعلق النذر هي الصلاة بداعى أمرها . كما هو الشأن في متعلق الإجارة و ( أما ثانياً ) فلأنه لو سلم ان الامر الاستحبابى يتعلق بذات الصلاة والصوم . والأمر الايجارى والنهي التنريهى يتعلقان بهما بما انهما مأمور بهما . فلا يدفع محذور الإجتماع لان حقيقة النهى المتعلق بالفرد الخاص تنبسط لامحالة على الخصوصية وذى الخصوصية . فالصوم الموجود في ضمن الفرد الخاص له قسط من ذلك النهى . فيجتمع مع الامر المتعلق به . وكذلك
أيضاً حال الأمر الايجارى ( ان قلت ) نعم لو كان النهي متعلقاً بالفرد الخاص من أفراد الصوم لصح ما ذكرتم ، ولكن المدعى غير ذلك ، لأنا قد أشرنا إلى أن النهى قد تعلق بالتعبد بالفرد الخاص ، لا بالاتيان به بداعى أمره ، وأمر الصوم انما تعلق بنفس الصوم ، والأول غير الثانى عنواناً وحقيقة ( قلت ) لا ريب في دخول التعبد أعنى به التقرب الى الله تعالى فى الصوم المطلوب ، إما فى حيز الأمر المتعلق ب-ه والغرض الداعى اليه كما هو الحق ، وإما في الغرض الداعى الى الامر به ، ولزوم اجتماع الأمر والنهي في مورد النهى التنزيهي على الأول واضح ، وأما على الثاني . فالاجتماع المزبور وان لم يلزم، الا انه يلزم منه كون التعبد بالصوم مثلا في ذلك اليوم محبوباً ومبغوضاً ، وهو إن لم يكن أسوأ حالا من الإجتماع فهو مثله في كونه محالا (فتحصل) ان الأمر والنهي يجتمعان إما فى الحصة من الطبيعي ان كان المنهى عنه هو اتيان العمل بداعي الأمر ، وإما في نفس الدعوة ان كان المنهى عنه هو نفس التقرب . ضرورة ان التقرب أيضاً يكون على التحقيق تحت الأمر ، نعم بناء على خروجه عن تحته يجتمع فيه الحب والبغض ، وهو أسوأ حالا من اجتماع الأمر والنهي كما لا يخفى . ( فالأولى ) فى توجيه هذا القسم من العبادات المكروهة ما عن شيخنا الاستاذ( قدس سره الشریف) من أن الأمر متعلق بنفس العبادة، أعنى به الصوم المتقرب به في يوم عاشوراء مثلا، وان النهى متعلق بجعل ذلك اليوم ظرفا له كالصلاة في الحمام ، بمعنى أن الصلاة فى الحمام لم يتعلق بها النهى ، وانما تعلق النهي بجعل الحمام ظرفا لها(وذلك)لا ينا فى كون الصوم محبوباً فضلا عن كونه مطلوباً كما هو الشأن في الصلاة فى الحمام ( وهذا التوجيه) وان كان خلاف الظاهر ، الا انه أقرب اليه من توجيه الكراهة فى العبادة بكون الفرد المنهى عنه منها أقل ثواباً من الفرد غير المنهى عنه لحمل النهى على حقيقته فيها على الأول دون الثانى( فاتضح مما تقدم ) ان وقوع العبادات المكروهة في الشريعة المقدسة لا يدل على جواز الاجتماع فيما هو محل
النزاع. ( أما القسم الأخير من أقسام العبادة المكروهة ) فقد عرفت أن مورد الاجتماع فيه مركب تركيباً انضمامياً ، وان متعلق الأمر فيه غير متعلق النهى وجوداً ومثله خارج عن محل النزاع في جواز الإجتماع وعدمه ، وأما باقى الأقسام فوقوعها في الشريعة لا يدل على جواز الإجتماع فيما اذا كانت مفسدة النهى أقوى من مصلحة الامر أو مساوية لها ( نعم ) تكون تلك الاقسام شاهدة على جواز الإجتماع فيما اذا كانت مفسدة النهى أضعف من مصلحة الامر كالعبادة الواجبة المكروهة ...
( الجهة الثانية ) من الجهتين اللتين قسمنا اليهما البحث في هذه المسألة هي في تحقيق أن الإتيان بالمجمع هل يمكن الامتثال به أم لا ( وملخص الكلام في هذا المقام ) هو ما أشرنا اليه فيما سبق من أن نتيجة القول بالجواز ليس هو تحقق الامر والنهي معاً في مورد الاجتماع لا فى مقام الفعلية ولا فى مقام الانشاء ، لعدم القدرة على امتثالها معاً على الأول ، ولزوم كون أحدهما لغواً على الثانى ( وأما ) توهم كفاية وجود القدرة على الجاد الطبيعة بما لا يزاجمه النهى فى توجه الأمر بها الى المكلف في حال المزاحمة كما عن المحقق الثانى ( فهو غير وجيه ) لما عرفت من أن تعلق الامر بالطبيعة على ارادة صرف الوجود يوجب سراية الارادة التشريعية التى هى حقيقته الى كل حصة من حصص الطبيعة على سبيل التخيير بينها وبين الاخرى ، فكما أن الحكم المتعلق بالطبيعة على نحو مطلق الوجود ينجل الى أحكام متعددة بعدد وجودات تلك الطبيعة على سبيل التعيين ، كذلك الحكم المتعلق بالطبيعة على نحو صرف الوجود ينحل فى الحقيقة الى أحكام متعددة بعدد حصص تلك الطبيعة على سبيل التخيير ، ولا ريب فى اعتبار القدرة فى صحة التكليف بكل حصة من حصص الطبيعة المأمور بها ، وعليه يكون مورد الإجتماع من موارد التزاحم على القول بالجواز لعدم القدرة إلا على امتثال أحد التكليفين، فلابد من ملاحطة مرجحات باب التزاحم . ثم القول بفعلية ما تقتضيه وسقوط الخطاب الآخر.
(وبذلك) يتضح لك انه لا وجه للتفصيل في صحة امتثال الأمر المتعلق بالطبيعة
بمورد الإجتماع وعدم الصحة على القول بالجواز ، بأنه إن كان اعتبار القدرة في جواز التكليف من جهة حكم العقل به ، فاللازم هو القول بصحة الامتثال بمورد الإجتماع كما ذهب اليه المحقق الثانى( قدس سره الشریف) ، وان كان اعتبار القدرة في التكليف من جهة اقتضاء نفس التكليف للقدرة ، فاللازم هو القول بعدم صحۀ الامتثال بمورد الإجتماع ، لان المكلف في مورد الاجتماع غير قادر إلا على امتثال تكليف واحد .. فاحد التكليفين تعييناً كان أو تخييراً غير فعلى في مورد الاجتماع ، وذلك لما شرحناه قريباً من أنه على الأول أيضاً لابد من تحقق القدرة على الحصة الموجودة في مورد الاجتماع بالنسبة الى الارادة التشريعية المتعلقة بها تخييرياً بينها وبين الحصة الاخرى من حصص الطبيعة المطلوبة على نحو صرف الوجود .
(اذا عرفت ذلك) فاعلم انه يصبح الامتثال بالمجمع على القول بالجواز والامتناع فيما اذا كان جانب الامر أهم من جانب النهى، لتحقق الامر في مورد الاجتماع . وأما اذا كان جانب النهى أهم من جانب الامر ، فلا محالة يكون النهي فعلياً دون الامر في مورد الاجتماع، سواء قيل بالجواز أم بالامتناع فاذا علم المكلف بترجيح النهى على الامر فى مورد الاجتماع أو جهل به أو بغفل عنه عن تقصير ، فقد قيل بامتناع امتثال أمر العبادة بفعل المجمع ، أما على الامتناع فاضح، إذ عليه يكون مورد الاجتماع مع ترجيح جانب النهى مبغوضاً فقط ، ومعه لا يمكن التقرب به.. وأما على الجواز فلأن صدور العمل عبادة من المكلف منوط بأحد أمرين ، أحدهما تعلق الامر به، وثانيهما اشتماله على الملاك المقرب ، والاول غير متحقق على الفرض . على الترتب ، وهو ممتنع الجريان فى مورد الاجتماع ، والثانى وان كان متحققاً الا أن صحة التقرب به مشروطة بعدم اقترانه بالقبح الفاعلى ، ومع علم المكلف بفعلية النهى دون الامر فى مورد الاجتماع أو جهله به أو غفلته عنه تقصيراً يكون عاصياً للمولى ومرتكباً لامر يقبح صدوره من مثله عند العقلاء ، ومعه لا يمكن أن يكون الملاك العبادي مقرباً للمكلف المذكور ، واذا امتنع أن يكون الملاك مقرباً في هذا
الحال ، امتنع على المكلف التقرب به ، ولكن التحقيق يقضى بصحة امتثال أمر العبادة بمورد الاجتماع على القول بالجواز ، أما على القول بالترتب فواضح ؛ لتحقق الامر بالعبادة المقارنة لعصيان النهى ، وأما على القول بعدمه وكفاية الملاك العبادي فى صحة التقرب بالعمل المشتمل عليه ، فلتحقق الملاك العبادي في مورد الاجتماع . وأما دعوى كون القبح الفاعلى ما نعاً من التقرب بذى الملاك العبادي ، فهي دعوى لا شاهد على صحتها من المنقول أو المعقول ، فهى موكولة الى مدعيها قبولا ودليلا ( نعم ) على القول بلزوم وجود الأمر في صحة العبادة ، وعدم امكان الترتب ، وعدم كفاية وجود الملاك العبادى فى التقرب بالعمل المشتمل عليه ، لا يمكن التقرب بمورد الاجتماع ، ولا يقع عبادة من المكلف ، وحينئذ لا يبقى فرق بين القول بالجواز والامتناع .
( ان قلت ) يلزمكم القول بجواز التقرب بمورد الاجتماع حتى على القول بالامتناع ، لأنكم ترون اشتمال مورد الاجتماع على كلا الملاكين ملاك الأمر وملاك النهى ، وترون أيضاً كفاية الملاك العبادى فى صحة التقرب بالعمل المشتمل عليه وعدم كوين القبح الفاعلى ما نعاً منه
( قلت ) فرق واضح بين حال المجمع على القول بالجواز ، وحاله على القول بالامتناع ، فان مورد الاجتماع على القول بالامتناع يكون مبغوضاً فقط للمولى ، لفرض كون ملاك النهى فيه أقوى من ملاك الأمر ، وأما على القول بالجواز فهو يكون ملاحظة ملاك الأمر محبوباً من جهة، وبملاحظة ملاك النهى مبغوضاً من جهة أخرى ومن الواضح أن العقل لا يرى مانعاً عن حصول التقرب بفعل يكون محبوباً من جهة ، وان كان مبغوضاً من جهة أخرى ، بخلاف ما لو كان مبغوضاً فقط، الا ان الإنصاف يقضى بأن ما ذكرناه انما يتم فيها اذا كان المجمع مركباً تركيباً انضمامياً، ليكون المكلف مطيعاً بفعل ، وعاصياً بآخر . وأما اذا كان المجمع وجوداً واحداً فلا يكون الفعل مقرباً اذ تكون المبغوضية لتنجز النهى سبباً للعصيان الموجب لمنع كون الفعل مقرباً ، فلا يمكن التقرب به مع كونه
مبغوضاً فعلا ، وان كان من غير الجهة التي كان محبوباً بها ، فان العقلاء يرون امتناع تحقق الطاعة بالفعل الذى تتحقق به المعصية ، ولا يرون أثراً لتعدد الجهة عقلا ( هذا كله ) فيها اذا علم بالنهى أو جهل به تقصيراً ، وأما اذا جهل المكلف بالنهى أو غفل عنه أو نسيه عن قصور ، فيصح امتثال الأمر بالمجمع حتى على القول بالامتناع ، أما على الجواز فلوجود المصلحة الموجبة لكون ذيها محبوباً مع عدم تنجز النهي في هذا الحال ، فيكون المجمع ما يصح ان يتقرب به ، ولا محالة يتأتى من المكلف في هذا الحال قصد التقرب ، أما في حال الغفلة والنسيان فواضح ، لأنه لا يرى نفسه في هذا الحال الا مأموراً بالمجمع ، فيأتي به قاصداً لامتثال الأمر المتوهم ، وأما في حال الالتفات والشك بالحرمة إما للجهل بها عن قصور أو للجهل بالغصب مثلا كذلك ، فان دلت امارة معتبرة على عدم المشكوك فيه من الحرمة أو الغصب ، فقد حصل للمكلف علم بالأمر الظاهري بفعل المجمع ، لأن الامارة وان دلت على عدم الحرمة أو عدم الغصب الا أن ثبوت مدلولها يستلزم ثبوت الأمر بالمجمع ، والامارة حجة فى مدلولها مطابقة والتزاماً فيصح منه قصد امتثال هذا الأمر ، كما انه يصح قصد امتثال الامر الواقعى المحتمل وجوده ، فيأتى به رجاء ويقع عبادة ، وان جرى الأصل فى عدم حرمته أو عدم كونه غصباً ، فما أن الأصل المثبت ليس حجة ، ينحصر قصد التقرب بالمجمع فى اتيانه بقصد امتثال الامر المتعلق به في الواقع رجاء أو بقصد الملاك العبادي المتحقق فيه .
ولا يخفى ان ما ذكرناه من صحة العبادة بفعل المجمع مبنى على ما اخترناه من صحة العبادة المأتى بها بقصد التقرب بالملاك العبادى أو بقصد امتثال الأمن المتوهم تعلقه بفعل عبادى لم يتعلق به أمر واقعاً لمانع ، وأما على القول بتوقف العبادة على تعلق الأمر بها حقيقة ، وعدم كفاية قصد الملاك العبادي في وقوعها عبادة ، فلا يصح الإتيان بالمجمع عبادة حيث يكون النهى أهم من الأمر ، لما عرفت من أن نتيجة جواز الإجتماع ليس هو فعلية كلا الخطابين ، لأن ذلك مستحيل حيث لا يستطيع
المكلف إلا امتثال أحدهما ، بل نتيجة الجواز هو فعلية الحب والبغض معاً في مورد الإجتماع. إذ لا مانع من فعليتهما فيه كما لا يخفى ( وأما توهم ) ان الأمر حين الجهل بالنهى يصير فعلياً، اذ لا محذور في فعليته حينئذ ، لأن محذور فعلية كلا الخطابين فى وقت واحد هو أحد أمرين، إما قبح تكليف العاجز ، وإما استحالة صدور الفعل الإختيارى من فاعله بلا داع، لأن الامر المولوى هو الطلب بداعى جعل الداعي. فاذا علم المولى بأن انشاء الامر لا يمكن أن يكون داعياً للعبد في هذا الوقت ، استحال صدوره منه ، وكلا هذين المحذورين منتف في حال الجهل بالنهى ، لان المكلف قادر على امتثال الامر في حال الجهل بالنهى ، ويمكن أن يكون انشاء الامر فى هذا الحال داعياً للعبد إلى فعل المأمور به ، حيث أن النهى المجهول لا يمكن أن يدعو الى ترك المنهى عنه ( فهو مدفوع ) بما عرفت من أن المانع من فعلية كلا الخطابين هو عجز المكلف عن امتثالها معاً ، وهو متحقق في حال الجهل والعلم بهما . فلا يمكن أن يكونا فعليين معاً، سواء تنجزا معاً أو تنجز أحدهما ( هذا كانه على الجواز )وأما على الإمتناع فيمكن التقرب بمورد الاجتماع في حال عدم العلم بالنهى لاشتمال المجمع على الملاك العبادي ، والملاك فيه وان كان مغلو باً لترجيح المفسدة عليه بالفرض ، فيكون مبغوضاً فقط، لكن حيث يكون النهي غير منجز للجهل به فلا تكون المبغوضية منشأ للعصيان ، وهو الاساس الوحيد لسقوط الفعل عن قابلية التقرب به ، فعليه يكون الفعل مقرباً ، فيصح التقرب به ، أو بقصد امتثال الامر المتوهم ، وأما في حال العلم بالنهى أو الجهل به عن تقصير ، فتنجزه يوجب كون المبغوضية سبباً للعصيان ، والفعل كذلك لا يكون مقرباً ، بل العلم يمنع من التقرب بملاك الامر المشتمل عليه مورد الإجتماع ، لانه فعل واحد وجوداً ، وان كان متعدداً جهة ، والعقلاء لا يرون تعدد الجهة موجباً لتعدد ذى الجهات ، بل التعدد منوط بتعدد الوجود في نظرهم، وبما أن المجمع واحد وجوداً ومبغوض فعلا . فيمتنع في نظرهم التقرب به فى هذا الحال ، فلا يتأتى من العاقل الملتفت الى النهي
قصد التقرب بالملاك الذى يشتمل عليه مورد الإجتماع ( وبهذا يتضح ) وجه الإجماع على صحة الصلاة في المكان المغصوب فى حال عدم العلم بالنهي أو الغصب قصوراً ، وفسادها في حال العلم بالنهى والغصب أو الجهل بأحدهما تقصيراً (وتوهم) أن المجمعين كلهم من القائلين بالجواز( بعيد فى نفسه ) مع انه خلاف المعروف من مذهب القدماء ، فان اكثرهم ان لم يكن كانهم قائلون بالإمتناع ( هذا كله ) مع وجود المندوحة ، وأما مع عدمها أعنى به الاضطرار الى التصرف في مال الغير بغير اذنه . فهو إما أن يكون بسوء الاختيار، وإما أن يكون لا بسوء الاختيار ؛ وعلى التقديرين فاما أن يقطع ببقاء الاضطرار الى آخر الوقت ، وإما أن يقطع بارتفاعه فى أثناء الوقت ، وإما أن يشك ( وحينئذ ) فاما أن يكون اضطراره شرعياً معنى أن الشارع الزمه بالتصرف في مال الغير ؛ وفيه بحرى الاستصحاب ، فيترتب عليه جميع الاحكام المترتبة على بقاء الاضطرار الى آخر الوقت ، واما أن يكون اضطراره عقلياً ، فان كان له أثر شرعى جرى فيه الاصل المزبور ؛ وان لم يكن له أثر شرعي كما هو الشأن في المقام ؛ فلا يجرى فيه الاصل المذكور ؛ وعلى جميع التقادير ، فأما أن تكون أرض المكان وفضائه كلاهما غصباً ، واما أن تكون نفس الارض فقط غصباً ، فههنا صور .
( الاولى ) هى ما اذا كان الاضطرار لا بسوء الاختيار مع القطع ببقائه الى آخر الوقت ، أو استصحاب بقائه ، حيث تكون الارض والفضاء كلاهما غصباً . والتحقيق يتمضى فى هذه الصورة بجواز الصلاة على النحو المشروع في حق المختار . سواء قلنا بالجواز أم بالامتناع وتقديم جانب النهى ؛ (والسر في ذلك) ما عرفت آنفاً من أن المجمع على الجواز وعلى الامتناع يكون واجداً لملاك الأمر ، وبما أن المكلف مضطر الى الغصب ، يكون النهى عنه ساقطاً ؛ فلا محالة يكون المجمع حينئذ صالحاً للتقرب به .
( فان قلت ) سقوط النهى للعجز عن ترك متعلقه لا يوجب انتفاء البغض
عنه ، فاذا فرض كون الفعل مبغوضاً وان لم يكن معاقباً عليه لسقوط النهى عنه فلا يكون صالحاً للتقرب به ؛ اذ لا يعقل أن يتقرب العبد الى مولاه بما هو مبغوض له فعلا ( قلت ) الجهة التي يتقرب بها العبد ليست هي الجهة المبغوضة أعنى بها حيثية الغصب التي سقط النهى عنها وبقيت مبغوضة فقط ، بل الجهة التي يتقرب بها هي حيثية الصلاة الموجودة فى هذا الفعل ، وهى حيثية صالحة في نفسها للتقرب بها ؛ لو لم يمنع عن التقرب به كونه مما يستحق العبد العقاب عليه ، فاذا كان الفعل مشتملا على جهة توجب صلاحيته للتقرب به ، وليس مما يستحق العقاب عليه وان كان مشتملا على جهة توجب النهى عنه في غير هذا الحال ، صبح التقرب به بلحاظ الجهة المحبوبة ، لانتفاء المانع عن التقرب به أعنى به الجهة التي توجب استحقاق العقاب على الفعل بالفعل هذا مع امكان التقرب بقصد تحصيل غرض المولى بالمجمع ؛ لانه مشتمل على المصلحة التى من أجلها تعلق الامر بالصلاة مثلا.
( ان قلت) الاضطرار انما يوجب سقوط النهى بالمقدار الذي لا بد منه . فاذا اضطر المكلف الى التصرف فى المكان المغصوب بالجلوس فيه مثلا ، لزم الاقتصار عليه، اذ ما زاد عليه من التقلبات والتنقلات فيه . لا يكون مضطراً اليه حسب الفرض . فلا موجب لسقوط النهى عنه فيه : وعليه يكون الواجب على المكلف حينئذ هى صلاة المضطر . أعنى بها الصلاة جالساً مؤمياً . لان الصلاة لا تسقط بحال (قلت) لا ريب فى الكبرى . وأما الصغرى وهي أن صلاة المختار تستلزم تصرفا في المكان اكثر من صلاة المضطر( فهو توهم محض ) لان صلاة المختار لا تستلزم تصرفا في المكان أكثر من كون الانسان فيه . وهو نفس الكون الذى اضطر اليه المكلف . فما يشغله الانسان من المكان في حال قيامه لا يزيد على ما يشغله فى حال جلوسه . وكذا ما يشغله في حال ركوعه وسجوده . لان المحتاج الى الحيز هو جسم الانسان . وهو في حال الجلوس لا ينقص عنه في حال القيام أو في حال الركوع أو السجود ( هذا عقلا ) وأما عرفا فعدم استلزام صلاة المختار للتصرف
فى المكان اكثر من التصرف بصلاة المضطر أوضح من ذلك بشهادة الوجدان هذا فما اذا كانت الأرض والفضاء مغصوبين ، وأما اذا كانت نفس الأرض فقط مغصوبة فالظاهر لزوم الاقتصار على صلاة المضطر ولتكن من قيام ، لاستلزام الجلوس فضلا عن الاضطجاع ونحوه تصرفا أكثر مما هو مضطر اليه كما لا يخفى ، هذا مقتضى القاعدة الا أن كلام الفقهاء( قدس سره الشریف) مطلق في جواز صلاة المضطر الى الغصب كصلاة المختار ، ولعله لندور الفرض الأخير ، أو لاستلزام الصلاة كما أشرنا اليه حرجا فيه ( هذا كله ) بناء على ترجيح جانب النهى ، وأما على القول بترجيح جانب الأمر حيث يقع التزاحم بينه وبين النهى ، فصحة الصلاة في المكان المغصوب مع الاضطرار الى التصرف فيه لا تحتاج الى بيان فضلا عن البرهان ، لأن الصلاة حينئذ لاقصور فيها ثبوتاً ، وعموم الدليل على وجوبها لاقصور فيه اثباتاً ، فيصح التقرب بها من حيث ذاتها فضلا عنه من حيث خطابها .
( الصورة الثانية ) فما اذا اضطر الى الغصب لا بسوء الاختيار وكان عالماً بارتفاع الاضطرار بعدما يمضى من الوقت مقدار ما يمكن أن يصلى فيه ذلك المكلف المضطر ، فهل يجوز له البدار الى أداء الصلاة فى ذلك المكان المغصوب في حال الاضطرار ، أو يجب عليه الانتظار الى زمان ارتفاع الاضطرار ؟ .
( التحقيق ) انه يجوز له البدار ، لأن النهى عن الغصب قد سقط بالاضطرار والصلاة فى المكان المغصوب كالصلاة فى غيره من حيث اشتمالها على الملاك الداعى الى الأمر بها ، فلا محالة تكون الأوامر العامة شاملة لهذه الحصة من الصلاة ، وأما لو أخر صلاته الى أول وقت تمكنه من الخروج ، وأراد أن يصلى في المكان المغصوب بحيث لا يزيد زمان صلاته فيه على زمان خروجه منه ، فهل تصح صلاته حينئذ (قيل لاتصح) لأن ترك الغصب واجب ، وهو يتوقف على الخروج ، فيكون واجباً بالوجوب الغيرى ، وبما أن المكث فى المكان المغصوب لأداء الصلاة هو ضد الخروج ، يكون تركه واجباً بالوجوب الغيرى أيضاً ، لأن الأمر بالشيء يقتضى
النهي عن ضده ، وعليه تكون الصلاة المتحدة مع المكث المزبور منهياً عنها ، والنهى فى العبادة يقتضى الفساد ، ولا يخفى ما فيه ( أما أولا) فلان كون ترك الغصب واجباً ، أن أراد به الوجوب الشرعى ( فهو ممنوع ) لأنه لا ريب في كون الغصب حراماً شرعا ، وترك الحرام الشرعى ليس بواجب شرعي ، اذ حرمة الفعل تغنى عن وجوب الترك فيكون وجوبه لغواً، وان أراد به الوجوب العقلى ( فهو مسلم ) ولكنه لا يقتضى وجوب مقدمته و ( أما ثانياً ) فلأن ترك الضد الخاص ليس مقدمة لوجود ضده كما حقق فى محله .
( والتحقيق ) أنه يمكن أن يتمال بصحة الصلاة في المدة التي لا تزيد على مدة الخروج ، لعدم النهى فى المدة المزبورة عن الغصب ، للاضطرار اليه ، فيكون التصرف في ملك الغير بغير اذنه بمقدار مدة الخروج عنه غير حرام ، فاذا أراد المكلف صرف هذا المقدار من التصرف في الصلاة بغير الخروج ، فلا محذور في صلاته ، كما اذا صلى فى حال الاضطرار ( نعم ) يلزم من ذلك أن يكون خروجه بعد الصلاة منهياً عنه ، ومعاقباً عليه ، لأنه قد اختار بسوء اختياره تأخير الخروج وصرف المقدار المضطر اليه فى الصلاة ( فتأمل ) هذا اذا لم تستلزم الصلاة مستقراً فيه زماناً اكثر من زمان الخروج ، وأما اذا استلزمت ذلك ، فان كان الوقت يسع الخروج والصلاة بعده فيه بجميع أجزائها وشروطها ، أو بادراك ركعة منها بناء على شمول دليل من أدرك لهذا الفرض ، فالظاهر أنه يجب عليه أداء صلاته فى خارج المكان المغصوب بعد خروجه منه ، لأنه اذا بقى في المكان وصلى فيه وقع بعض صلاته منهياً عنه ، عنه ، لفرض زيادة التصرف في الصلاة على التصرف في الخروج واذا فرض امكان أن يصلى فى خروجه منه صلاة المختار جاز له ذلك أيضاً ، إلا أنه فرض محض ، وان كان الوقت لا يسع الخروج والصلاة بعده ، وجب على المكلف أن يصلى فى حال الخروج، ويمكن أن يتمال بجواز أن يصلى بعض صلاته في المكان المغصوب بمقدار المدة التى تسع الخروج ، ويتم صلاته في حال الخروج
فيصح بعضها المأتى به فى حال اللبث في المكان بمقدار مدة الخروج على ما اخترناه من أن مدة الخروج مما اضطر اليه المكلف ، ويجوز له أن يصرف هذه المدة في اللبث ، إلا أنه يكون عاصياً فى الخروج، لكونه دفع غير مضطر اليه ، وأما بعضها الآخر المأتى به في حال الخروج ، فيصح على مذهب المشهور ، لأنهم يقولون بصحة الصلاة في حال الخروج وان كان عصياناً للنهى السابق الساقط حين تحققه بالاضطرار اليه بسوء الاختيار .
( الصورة الثالثة ) ما اذا اضطر الى الغصب بسوء الاختيار مع قطعه بادراك الصلاة فى خارج المكان المغصوب ولو بادراك ركمة من الوقت ، بناء على شمول حديث من أدرك كما أشرنا اليه ، والظاهر أنه يجب عليه تأخير الصلاة الى ما بعد الخروج ، فلو عصى وصلى فى المكان لمكان الوجه هو بطلان الصلاة ، نعم يحتمل ضعيفاً صحة الصلاة في حال المكث ، بناء أن الخروج لا يكون غصباً ، وان دخل المكان بسوء اختياره ، بناء على قول من يختار وجوب الخروج معلقاً على الدخول وعلى ما اخترناه من جواز صرف المدة التى تسع الخروج في الصلاة حال المكث . وان استلزم ذلك حرمة الخروج حينئذ ، وأما اذا ضاق الوقت عن الخروج والصلاة خارج المكان ، فلا شبهة فى أنه يجب عليه الصلاة حال الخروج ، وانما الاشكال فى أنه هل يجب عليه أن يصلى بركوع وسجود ، غير مكث ، بل حال المشى للخروج ، أو يجب عليه أن يصلى بصرف الاخطارات النفسية والنية القلبية وتحقيق بيان أن الحق فى أى الطرفين يتوقف على بيان حال الخروج تكليفاً ووضعاً وعليه نقول قد اختلفت أقوال الفقهاء في هذه المسألة .
( فذهب بعض) الى أنه حرام وواجب فعلا( وفيه ) أنه ان أراد كون الفعل الخروج حراماً بالفعل وواجباً كذلك ( فهو غير معقول ) وان كان المكلف غير عادل لأن حقيقة التكليف هو الانشاء بداعى جعل الداعي للمكلف الى الفعل الذي يراد وقوعه ، أو الى ترك الفعل الذى يزجر عنه ، ولا يتأتى من كل عاقل ارادة وجود
الشيء ، وارادة عدمه فى وقت واحد من شخص واحد ( هذا ) مضافا الى أن التكليف بالمحال قبيح لا يصدر من الحكيم، وان أراد أنه حرام شأناً وواجب فعلا فهو يرجع الى بعض الأقوال الآخر .
( وذهب آخر ) الى أن الخروج واجب فعلا ، ولكنه يجرى عليه حكم المعصية للنهى عنه قبل الدخول ، لعموم النهى عن التصرف في مال الغير بغير اذنه الشامل لهذا الفرد، أعنى به الخروج ، وحيث اضطر اليه بعد الدخول ،سقط النهى عنه وبقى حكمه وهو استحقاق العقاب(وقد أورد عليه) بأن هذا القول يستلزم اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد ( وهو محال ) اذ ملاك الاستحالة في اجتماع الأمر والنهى فى واحد هو اتحاد المتعلق واتحاد زمان المنهى عنه والمأمور به . لا اتحاد زمان وجود النهى وزمان وجود الأمر ، كى يقال أن زمان النهي سابق على زمان الأمر ، والملاك المزبور متحقق فى هذا الفرض ، ويمكن دفع هذا الإيراد بنظير ما قربوا به الترتب ، بل هو واضح امكاناً للدفع( وذلك ) أن يقال أن الخروج وان كان منهياً عنه قبل الدخول ، ولكن يجوز أن يؤمر به بعده ، لسقوط النهى عنه بتقديم النهى عن البقاء الموجب لسقوط النهى عن الخروج للتزاحم بينهما وحينئذ لا مانع من شمول دليل وجوب التخلص عن الخصب للخروج ، لكونه فرداً من أفراد التخلص عن الغصب ، وترتب الحكمين فى الفعلية بهذا النحو من الترتب أقرب الى الامكان من الترتب المعهود ، لإستلزامه فعلية كلا الحكمين في زمان واحد بخلاف ما نحن فيه ، فان فعلية أحد الحكمين مرتبة على سقوط الحكم السابق ، إلا أنه يرد على هذا القول استلزامه لتعلق حب شخص واحد وبغضه بشيء واحد في وقت واحد ، وهو أوضح استحالة من اجتماع حكمين فعليين في شيء واحد .
( وذهب ثالث ) الى ان الخروج محرم شرعا لعموم النهي عن التصرف في مال الغير بغير اذنه الشامل للخروج ، ولكن بعد سقوط النهى عنه بالتزاحم المزبور يرشد العقل المكلف إلى الخروج تخلصاً من أشد المحذورين وهو البقاء ، بارتكاب
أقلهما ضرراً وهو الخروج ، مع إستحاقۀ العقاب عليه من أجل أنه بسوء اختياره أوقع نفسه في هذه الأضرار التي لا يجد طريقاً للتخلص من أشدها إلا بارتكاب أقلها ، وصيرورته مضطراً إلى الخروج بعد الدخول لا ينافي كونه منهياً عنه قبله . وانما أوقعه فى الاضطرار الى مخالفة هذا النهى سوء اختياره ، وقد قيل الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار.
( وذهب رابع ) الى أن الخروج واجب شرعا ، ولا يجرى على فاعله حكم المعصية ، لكونه فرداً من أفراد رد مال الغير اليه ، أو مصداقا من مصاديق التخلص عن الحرام ، وسيظهر لك فى هذين القولين في تحرير القول الخامس الذى هو المختار ( فنقول ) ان الخروج ليس بحرام شرعا لا قبل الدخول ولا بعده ، وليس بواجب شرعا أيضاً ، وانما يلزم العقل به تبعاً لإلزامه بامتثال النهي عن المكث في المكان . أما عدم كونه واجباً فلإنتفاء ملاك الوجوب النفسى والغيرى كليهما عنه ، إذ ليس الخروج من ملك الغير رداً له اليه إذ رد مال الغير انما تخليته وهي منتزعة من عدم البقاء فى الدار ، وهو ملازم للخروج ولا علية بينهما ، وبالجملة لا ينطبق على الخروج عنوان رد المال ولا التخلص عن الحرام ، كيف ونفس الخروج فرد من التصرف في مال الغير وهو غصب ( وبذلك يتضح ) ان ليس في الخروج ملاك الوجوب النفسى ، وأما الملاك الغيرى فهو من لوازم كون وجود الشيء مقدمة لوجود شيء آخر أو مانعاً من وجوده ، والخروج ليس بشيء منها ، أما أنه ليس بمقدمة لوجود شيء واجب ، فلأن غاية ما يدعى وجوبه في المقام هو التخلص من الحرام أعنى به الغصب بالبقاء ، والتخلص على فرض كونه واجباً نفسياً فهو عنوان منتزع من ترك الحرام بالتلبس في فعل غيره، فلا محالة يكون مقارناً للخروج انتزاعا ، وأما أنه ليس بمانع من وجود الحرام، فلأن المكث في المكان كون خاص هو ضد الكون فيه حال الخروج منه ( وقد حقق فى محله ) ان وجود أحد الضدين ليس مانعاً من وجود الضد الآخر ، وعلى فرض كونه ما نعاً يلزم أن يكون عدمه مقدمة لوجود
الضد ، لأن عدم المانع من شرائط العلة التامة لوجود الشيء ، وأما المانع فليس مقدمة العدمه، لأن العدم لا يحتاج الى علة ليكون وجود المانع من مقومات علة العدم ( وبهذا يتضح ) ان الخروج ليس مقدمة لترك المكث والبقاء في المكان ، فلا يكون واجباً غيرياً ، كما لم يكن واجباً نفسياً ، ولو سلمنا كون الخروج مقدمة لترك المكث في المكان ، لما كان وجه لوجوبه غيرياً ، لأن ترك الحرام ليس بواجب شرعا لتجب مقدمته كما أشرنا اليه فما سبق ، وأما عدم كونه حراما فلأن بعض شرائط التكليف هو كونه مقدوراً عليه فعلا وتركا وكذا عقلا وشرعا ، لقبح التكليف بغير المقدور عليه عقلا ، ولكون التكليف لغواً فيما إذا كان المكلف به غير مقدور شرعاً ، ولا ريب في أن الخروج وان كان تركه مقدوراً بالقدرة على ترك الدخول ، ولكن فعله غير مقدور شرعا ، لتنجز النهي عن المكث في المكان ، فاذا كان المكلف به غير مقدور فعلا وتركا في ظرفه المعد لوجوده ، امتنع تعلق التكليف به ، وعليه يكون الخروج غير منهى عنه ولو قبل الدخول ، لكونه غير مقدور على فعله وتركه شرعا ، لفرض تنجز النهي عن الدخول ، والمكث في المكان المدخول ، على المكلف قبل دخوله فيه ( و بهذا ظهر لك ) ان ما أفاده العلمان الشيخ الأنصارى والمحقق الخراسانی( قدس سره الشریف) موافق للبرهان من جهة ، وغير موافق له من جهة أخرى أما ما ذكره الشيخ ( قدس سره الشریف) فلكونه موافقاً له بعدم تعلق النهى بالخروج ، وغير موافق له بدعوى وجوبه ، وأما ما ذكره المحقق الخراساني( قدس سره الشریف) فلكونه موافقاً له بعدم تعلق الوجوب الشرعى بالخروج ، وغير موافق له بدعوى أنه أنه من منهى عنه قبل الدخول، وجريان حكم المعصية عليه بعد الدخول ، ثم انه لو أغمضنا عما اخترناه لمكان ما أفاده المحقق الخراساني( قدس سره الشریف)أجرى بالقبول ؛ لكونه من صغريات القاعدة المسلمة ، أعنى بها قولهم (الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ) وأما منبع بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف) انطباق القاعدة المذكورة على مورد النزاع استناداً إلى أمور توهم أنها تدل على مدعاه ( فهو غير وجيه ) لان تلك
الامور التى استند اليها ( لا تخلو من النظر ) .
( الأول ) انه لابد من تحقق الاضطرار بسبب اختيار المكلف لفعل شيء يلزم من وجوده الاضطرار ؛ ولترك فعل يلزم من عدمه الاضطرار في مورد صدق القاعدة ، والخروج مثلا لا اضطرار اليه بعد الدخول ؛ لكون المكلف في سمة من فعله وتركه باختيار المكث فى المكان ( وفيه ) أنه بعد اختيار ان المعجز الشرعي كالمعجز العقلى لا يبقى موقع لهذه المناقشة ، وعليه يكون المكث بعد تنجز النهى عنه فى حكم الممتنع عقلا ، فيكون الخروج مضطراً اليه ، كما لو كان المكث ممتنعاً عقلا .
( الثاني ) ان مورد القاعدة المذكورة ما إذا لم تكن المقدمة التي بسبب فعلها أو تركها يكون المكلف مضطراً إلى ترك الواجب أو فعل الحرام ، دخيلة في تحقق ملاك وجوب الواجب أو حرمة الحرام ؛ وأما اذا كانت تلك المقدمة دخيلة في تحقق ملاك الحكم ، فلا يكون الإضطرار بسبب تلك المقدمة مورداً لقاعدة ( الامتناع بالإختيار لا ينا فى الإختيار ) لأن المكلف ( حينئذ ) لم يفوت على المولى بارتكاب المقدمة أو بتركها الموجب لاضطراره غرضاً ملزماً أو امتثال حكم منجز ؛ اذ لم يكن الفعل الذي اضطر اليه أو الى تركة متصفاً قبل تلك المقدمة بالملاك الملزم بالحكم. وبعد فعل تلك المقدمة أو تركها وان اتصف بالملاك المزبور . إلا أن الإضطرار المقارن لوجوده رتبة وزماناً يمنع من جعل الحكم على طبقه . وكذا الخروج من المكان انما يتصف بملاك الحكم بعد الدخول الموجب للإضطرار . أما قبله فلا يكون الخروج متصفاً بملاك الحكم. فضلا عن تعلق الحكم به . ليكون المكلف بالدخول قد صير نفسه مضطراً الى مخالفة الحكم المنجز عليه . وتفويت غرض المولى بسوء اختياره ( وفيه ) ما لا يخفى فان الكلام فى هذا المقام انما هو في حرمة الخروج مع الاضطرار اليه بعد الدخول لا في وجوبه . ولا ريب فى أن الخروج فرد من أفراد الغصب . ومشتمل على ملاكه قبل تحقق الدخول . لأن كونه فرداً للغصب في عرض الدخول. وان كان وجوده في الخارج فى طوله . فاذا كان الغصب
محكوماً بحكم ما . فلا محالة يسرى ذلك الحكم الى جميع أفراده تبعاً لسريانه فيها . ما لم يمنع من تعلقه بفرد ما من أفراده مانع خاص به . وعليه يكون الخروج محرماً على المكلف قبل الدخول . فلو دخل واضطر الى الخروج . فقد فوت غرض المولى وامتثال تكليفه بسوء اختياره . وصار المورد من موارد القاعدة المزبورة .
( الثالث ) أن مورد القاعدة المذكورة هو ما اذا كانت المقدمة بوجودها موجبة لتمكن المكلف من امتثال التكليف وبعدمها لعدم تمكنه من امتثاله
( وما فيه الكلام على عكس ذلك ) فان المكلف يضطر بدخول المكان الى الخروج منه . فلا يكون من موارد القاعدة(وفيه ما لا يخفى ) فان مفاد هذه القاعدة ليس حكما تعبدياً ليؤخذ بإطلاق دليله أو تقييده . بل هو حكم عقلى وهو من القضايا التي قياساتها معها في نظر العقلاء . فكل مورد كان المكلف متمكناً من امتثال التكليف المتوجه اليه وعمل عملا أو أهمل عملا امتنع عليه بسبب ذلك العمل أو الإهمال امتثال ذلك التكليف . كان ذلك المورد من موارد القاعدة المذكورة .
( الرابع ) ان الاعتراف بكون العقل يلزم باختيار الخروج من الممكان المغصوب بعد دخوله تخلصاً من أشد المحذورين بارتكاب أخفهما . اعتراف بكون الخروج مقدوراً للمكلف . ومعه كيف يمكن دعوى امتناع عدمه . كى يكون من موارد القاعدة ( وفيه ) ان تنجز النهي عن المكث فى المكان يجعله كالمعدوم شرعا ولا ريب فى أن المكث والخروج ضدان لا ثالث لهما . فلا يرتفعان ولا يجتمعان فاذا تحقق عدم المكث فلا محالة يتحقق الخروج ويكون ممتنع العدم . وكذا ما هو بمنزلته أعنى به كون المكث محكوماً بعدمه شرعاً . فانه يستلزم كون الخروج محكوماً بوجوده فيكون عدمه ممتنعاً . ويصح حينئذ تطبيق القاعدة المذكورة عليه ( فاتضح مما تقدم ) أن كل واحد من الامور الأربعة المزبورة لا يصح الاستناد إليه في منع كون الخروج من موارد القاعدة المذكورة. الا انه قد عرفت أن الخروج لكونه غير مقدور شرعا للمزاحمة بينه وبين المكث . لم يتعلق به النهي حين تشريع النهي
عن الغصب ، فلا يكون مورداً لقاعدة ( الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ) لأن امتناع عدمه لم يكن باختيار المكلف، بل بنهى الشارع عن المكث قبل الدخول و بما ذكرنا من أن الخروج كما لا يكون واجباً نفسياً لا يكون واجباً غيرياً ، تعرف أنه لا وجه لقياس الخروج فى كونه واجباً على شرب الخمر للتداوى فيما اذا أمرض المكلف نفسه باختياره مرضاً يتوقف زواله على شرب الخمر ( وذلك ) لأن شرب الخمر في الفرض المذكور يتوقف عليه حفظ النفس المحترمة وانقاذها من الملكة . وهو واجب نفسي ، فلا محالة يكون شرب الخمر واجداً لملاك الوجوب الغيرى . بخلاف الخروج فانه ليس مقدمة لواجب أصلا كما أوضحنا ذلك فيما سبق ، اذا عرفت حال الخروج من حيث كونه منهياً عنه أو غير منهى عنه ، فلنرجع الى بيان حال الصلاة حال التلبس بالخروج .
( منقول ) ان الصلاة حال التلبس بالخروج بناء على كونه مأموراً به أو غير منهى عنه كما هو المحتار ، لا مانع من صحتها اذا أداها بكيفية صلاة المختار ولم يمكث في أثناء الخروج ، وأما بناء على كون الخروج منهياً عنه قبل الدخول ، سواء كان مأموراً به بعده كما هو مذهب بعضهم أم غير مأمور به ، فقد يقال بصحة الصلاة على القول بالجواز، وسقوط الأمر بها على القول بالإمتناع( أما الأول )فلان الصلاة في حال الخروج واجدة لملاك الأمر ، وعموم ( الصلاة لا تسقط بحال ) يكشف عن ارتفاع القبح الفاعلى عن الصلاة في حال الخروج ، و ( أما الثاني ) فلأن الصلاة غير واجدة لملاك الأمر، لكونه مغلوباً بملاك النهى مع عدم التمكن من الصلاة في الوقت بغير حال الخروج كما هو الفرض ، فلا محالة يسقط الأمر بالصلاة ( ولا يخفى ما فيهما ) وذلك لأنه على القول بالجواز مع ابتلاء المكلف بالقبح الفاعلى المانع من صحة الصلاة المقترنة به لا يكشف عموم ( الصلاة لا تسقط بحال ) عن انتفاء القبح الفاعلى عن الصلاة بكيفية المختار من الركوع والسجود حال الخروج ، لأن السموم المزبور لا يدل إلا على كون المكلف مأموراً بالصلاة التى يقدر عليها
عقلا وشرعا ، والصلاة المقترنة بالقبح الفاعلى المانع من صحتها لا يشملها هذا العموم مع التمكن من فرد آخر من الصلاة غير مقترن بالقبح الفاعلى ، ليدل شموله للفرد المقترن به على انتفائه ، لأن الفرد غير المقترن بالقبح الفاعلى صلاة مقدور عليها عقلا وشرعا، والفرد المقترن به وان كان صلاة ، إلا أنه غير مقدور عليه للنهى عنه شرعا ،ونعنى بالفرد غير المقترن بالقبح الفاعلى هى الصلاة بغير ركوع ولا سجود التي يتمتضر فيها على النية والقراءة والايماء بالرأس للركوع والسجود بناء على انه لا يعد تصرفا عرفا، وإلا فبالايماء بالأجفان ،وعلى القول بالإمتناع لا وجه لسقوط التكليف بالصلاة المستفاد من عموم( الصلاه لا تسقط بحال ) مع التمكن من الصلاة بالطور المزبور ، إذ هى لا تستلزم التصرف الممنوع منه شرعا ليلزم الاجتماع فتبطل على الإمتناع ( هذا ) إلا أن الأصحاب لا يفتون بلزوم الاقتصار على الصلاة بالطور المزبور ، بل يفتون بلزوم الصلاة بطورها للمختار فى حال الخروج بلا مكث لشيء من أفعال الصلاة ، ويمكن أن تكون فتواهم بذلك استناداً الى ان الخروج لم يكن منهياً عنه قبل الدخول ، فتكون مؤيدة لما اخترناه . كما يمكن أنهم لا يرون السجود والركوع بلا مكث لهما تصرفا منهياً عنه ( هذا ) ولكن شيخنا الاستاذ( قدس سره الشریف) قد رجع عما اختاره أولا من كون الخروج غير منهى عنه ، وذهب الى أنه منهى عنه قبل الدخول، لكونه مقدوراً على تركه بترك الدخول ، وفرع على ذلك لزوم أن يضلى المكلف فى حال الخروج بالطور المزبور وفاقا للشيخ صاحب الجواهر( قدس سره الشریف) وخلافا للمشهور ، اللهم الا أن يقال أن الموجب لتقديم النهى على الأمر في المقام هو العلم باهتمام الشارع المقدس بحق الانسان اكثر من اهتمامه بحق نفسه ، فحيث يدور الأمر بين تفويت حق الإنسان المحترم المحترم وتفويت حق الله تعالى ، يبقى التكليف الموجب للإحتفاظ بحق الإنسان المحترم على فعليته وتنجزه ، ويسقط التكليف المتعلق بحق الله تعالى ، وأما حيث لا يدور الأمر بين الحقين ، بل كان التكليف فى المقام مستلزماً لتفويت حق الانسان المحترم
سواء احتفظ المكلف بحق الله تعالى أم تساهل به... فلا موجب لسقوط التكليف المتعلق بحق الله تعالى ، كما هو الشأن في المقام ، فان الخروج بعد الدخول لا بد منه فى نظر الشرع والعقل ، لتنجز النهي عن المكث ، فيكون حق الإنسان المحترم في الخروج لازم التفويت على كل حال . ولا يكون ترك الصلاة بطورها للمختار موجباً لحفظ حقه ، كما لا يكون الإتيان بها كذلك موجباً لتفويت حقه . وعليه تكون الصلاة بالطور المزبور مأموراً بها في حال الخروج . سواء قلنا بجواز الاجتماع أم قلنا بامتناعه . وبالتأمل فيما ذكرنا يظهر الحكم في الصورة الرابعة . وهى ما إذا اضطر الى المكث في المكان المغضوب بسوء الإختيار ولم يتمكن من الخروج الى آخر الوقت
والذي ينبغي الكلام فيه قبل بيان المختار والاستدلال عليه امور .
( الأول ) هو أن الفساد على القول به ينشأ من نفس النهى . سواء تنجز أم لم يتنجز . بخلاف الفساد المترتب على النهى في المسألة السابقة . فانه مترتب على تنجزه لا على وجوده في نفس الأمر مطلقاً ولذا بنينا على صحة الصلاة في المكان المغصوب فى صورة الجهل ( والوجه فى ذلك ) ما عرفت في بيان الفرق بين المسألتين . من أن مورد الإجتماع في المسألة الأولى لابد أن يكون مندرجا فى باب التزاحم . وهذه المسألة مندرجة في باب التعارض ، وفساد العبادة في مورد الإجتماع على فرضه لا بد أن يكون ناشئاً من أحد أمرين . إما من جهة كون الفعل غير صالح للتقرب به . وأما من جهة عدم تأتى نية القربة من المكلف . وكلا الأمرين من آثار تنجز النهي على المكلف . وإما فساد العبادة بملاك أن النهى في العبادة يوجب الفساد فانما هو من جهة التعارض الكاشف عن عدم ملاك الأمر فى العبادة المنهى عنها . وأنت تعلم أن النهى بوجوده الواقعي يدل على عدم ملاك الأمر في متعلقه . ولا دخل لتنجزه في دلالته على ذلك .
( الثاني ) هل المراد بالاقتضاء في العنوان هو التأثير والاستلزام فى مقام الثبوت . بمعنى أن مدلول النهى بذاته يقتضى ويستلزم فساد ما تعلق به النهى فما اذا كان عبادة . فلا محالة يكون البحث على ذلك عقلياً في مقام الثبوت . أو أن المراد بالاقتضاء المزبور هي دلالة النهى نفسه التزاماً على عدم كون متعلقه مشروعا . وعليه يكون البحث الفظياً فى مقام الإثبات ؟ . وظاهر كلام القائلين بالدلالة على الفساد هو الأعم . بمعنى أن المنهى ان كان مولوياً . كانت دلالته على الفساد باقتضاء مدلوله للفساد . وان كان النهى ارشادياً كانت دلالته عليه بنفسه التزاماً . وأما القائلون بعدم دلالته على الفساد . فلا محالة ينحصر وجه انكارهم للدلالة في الاقتضاء بمعنى التأثير والاستلزام فى مقام الثبوت . فيكون متعلق النزاع عندهم هو النهى المولوى دون الأعم . اذ لا يعقل أن يقول عاقل بعدم فساد العبادة التي تعلق النهي بها ارشاداً الى عدم كونها مشروعة .
( الثالث ) قد يتوهم اختصاص النزاع بما يشمله اطلاق الدليل أبو عمومه بحيث أنه لو لا النهى لموقع صحيحاً فيما اذا كان عبادة . أو نافذاً فيها اذا كان معاملة . ليتوجه البحث عن كون النهي يقتضى فساد ما تعلق به أو لا يقتضى فساده . لأن محل النزاع اذا كان عاماً لكل ما تعلق به النهى سواء شمله عموم دليل الأمر واطلاقه أم لم يشمله . كان النزاع فى اقتضاء النهى لفساد ما لم يشمله دليل الأمر ( بلا فائدة ) لان متعلق النبهى سواء كان عبادة أم معاملة . اذا لم يشمله دليل الأمر فلا محالمة يكون فاسداً بمقتضى الأصل . فان الأصل فى العبادة والمعاملة هو الفساد حيث لايدل دليل على صحتهما( وفيه )أن النتيجة التى تحصل بالأصل . لا محذور في الإستدلال عليها وتحصيلها بالدليل الإجتهادى . كما هو الشأن في جملة الإطلاقات التي يستدل بها على عدم اعتبار ما يحتمل كونه قيداً . مع ان الأصل كاف في عدم اعتباره ، بل لا وجه للإستناد إلى الأصل في النتيجة التي يدل عليها الدليل الإجتهادي . اذهو في طوله .
( الرابع ) الظاهر أن المراد من الشيء المأخوذ في العنوان يعم العبادات وللمعاملات مطلقاً ، كما أن المراد من المعاملة مطلق ما لا يقتصر في صحته الى نية التقرب ، وهو المعبر عنه بالمعاملة بالمعنى الأعم و الوجه في جميع ذلك) هو عموم ملاك البحث و عموم عنوانه ، وعليه لا وجه لتخصيص النزاع بالمعاملات بالمعنى الأخص فضلا عن العبادات ( نعم ) لا بد من تقييد محل النزاع بما يمكن عروض الصحة والفساد عليه ، بمعنى أنه يمكن أن يتحقق فى الخارج صحيحاً ويتحقق فاسداً ، لعدم امكان جريان النزاع فى الشيء الذى تكون صحته ملازمة لوجوده ، وفساده ملازماً لعدمه ، ولذا تخرج المسببات عن محل النزاع ، لعدم امكان وجودها بنحوين من حيث الصحة والفساد ، فانها ان تمت علتها تحققت بما يليق بها من الوجود في نظامها والا استمرت على المعدم . كما أنه تخرج عنه الأسباب التي لا ينفك أثرها عنها . كالأسباب التي توجب الضمان كيف حدثت . لظهور دليلها بتأثيرها في ذلك بنفس تحققها بلا اعتبار شرط فيه . وذلك للعلم بخروجها تخصيصاً وان امكن دخولها ثبوتاً . فيكون تعميم البحث بنحو يشملها لغواً . والمراد بالعبادة كل عمل لو تعلق به الأمر لكان تعبدياً لا يسقط الا اذا صدر مقروناً بنية القربة . لا العمل الذى هو عيادة ومقرب بالفعل . كي يتوهم التنافى بين كونه عبادة وكونه منهياً عنه ، ولا خصوص العبادة الذاتية أعنى بها العمل الذى لا يتوقف تقرب فاعله الى المعبود على أمره به. كالركوع والسجود فان مثليهما يكفى في وقوعه عبادة قصد فاعله تعظيم من سجد له أو ركع أو قبل يده . لأن قصر النزاع في هذه المسألة على خصوص هذه العبادة مع عموم الملاك تخصيص بلا مخصص.
ثم ان المراد بالصحة والفساد في محل النزاع هو كون الشيء وافياً بالأمر المطلوب حصوله به. ويقابله الفساد. وهو كون الشىء غير واف بالأمر المطلوب صوله به ، ولا ريب فى أن الصحة في العبادات والمعاملات لها آثار شتى تترتب عليها ، كما أن الفساد موجب لانتفاء جميع تلك الآثار ، وكل من يتعلق له غرض
بالصحة فيهما يعرفها ويشير اليها بالأثر الذى يهمه من آثارها المختلفة ، كما انه يعرف الفساد بعدم ترتب ذلك الأثر على الموجود الفاسد ، مثلا الفقيه يهمه من صحة العبادة اسقاط المأتى به منها للقضاء أو الاعادة، فلهذا عرفها بأن الصحيح هو ما اسقط القضاء والاعادة ، والفاسد ما لا يسقط شيئاً منهما ، والمتكلم بما انه يبحث عن أحوال المبدأ والمعاد والتكليف وشارعه عرف الصحة بما يهمه من آثارها وهو كون المأتى به موافقاً للشريعة والفساد بعكس ذلك .
(الخامس) لا أصل في المقام يعول عليه ويرجع اليه في المسألة الأصولية سواء كان البحث في هذه المسألة لفظياً أم عقلياً، وأما المسألة الفرعية فيختلف حالها من حيث متعلق الشك ، فان كان متعلقه المعاملة ، بمعنى أن النهى عنها اوجب الشك فى صحتها ( فالأصل ) حيث لا عموم أو لا اطلاق يقضى بصحتها ( هو الفساد ) وان كان متعلق الشك هى العبادة ، فان كان النهي عن نفس العبادة ، فالأصل أيضاً يقضى بفسادها ، وان كان النهى عن جزئها أو شرطها ، فلا محالة يرجع الشك الى الشك في كون المنهى عنه ما نعاً من صحتها ( وحينئذ ) يختلف الأصل من حيث الخلاف في المبنى في مثل الشك المذكور ، فبعضهم يرجع الى أصالة الإشتغال ، وآخر الى أصالة البراءة (كما هو محرر في محله ) واما ان هذه المسألة هل هي مسألة أصولية فالظاهر انها كذلك ، لامكان وقوع نتيجتها فى طريق استنباط الأحكام الفرعية . بناء على ما حررناه فى عنوان المسألة ، كما هو المعروف عند أهل الفن ، وأما بناء على ما يراه بعضهم من أن النهى ان كان مولوياً فلا وجه للقول بالفساد ، وان كان ارشادياً الى فساد المنهى عنه ، فلا وجه للنزاع فى اقتضاء النهي الفساد ، بل اللازم حينئذ هو الفحص عن حال النواهى ؛ لتشخيص المولوى منها عن الارشادي .
ليرتب على كل أثره ؛ فلا تكون المسألة حينئذ أصولية كما لا تكون فرعية ، اذا عرفت هذه المقدمات فاعلم أنه يقع الكلام في مقامين
والنهي فيه قد يتعلق بنفس العبادة ، وقد يتعلق بجزئها ، كما انه قد يتعلق بشرطها ووصفها الملازم أو المفارق ، أما ما تعلق بذات العبادة فالتحقيق أنه لا يدل على فسادها ؛ اذ ما ذكر دليلا على الفساد أو يتوهم كونه دالا عليه( وجوه) كلها منظور فيه .
( فالأول ) أنه لا ريب فى أن النهى يدل على وجود مفسدة في متعلقه . واطلاق الأمر أو عمومه الشامل المتعلق النهى وان كان يدل على وجود مصلحة فيه إلا أن تقديم النهى على الأمر فيه دل على غلبة ملاك النهى ( أعنى به المفسدة ) على ملاك الأمر ( أعنى به المصلحة ) فلم يبق له أثر مرغوب فيه عند الشارع ، وحينئذ لا يكون صالحاً للتقرب به ؛ كما انه لا يتأتى من الملتفت الى النهى عنه نية التقرب به ( هذا ) ولا يخفى ان هذا الدليل لو تم ؛ فانما يدل على فساد العبادة في حال تنجز النهى على المكلف . لأنه هو الحال الذى يكون فيه المنهى عنه مبغوضاً والإتيان به مبعداً للعبد عن المولى. ولا يتأتى من المكلف نية التقرب به . وأما المنهى عنه في حال عدم تنجز النهى عنه فلا يكون مبغوضاً بالفعل. ولا يكون الإتيان به مبعداً للعبد . فاذا كان ذلك الفعل مشتملا على ملاك الأمر . والتفت المكلف اليه مع جهله بالنهى عنه جهلا يمنع من تنجزه ، فلا مانع من التقرب بمتعلقه فى هذا الحال ولو . بملاحظة الملاك . والمفروض أن المدعى فى محل النزاع في هذه المسألة هو كون النهى بوجوده الواقعي الفعلى دالا على فساد متعلقه سواء تنجز أم لم يننجز . وعليه يكون الدليل المذكور أخص من المدعى كما لا يخفى .
( الثانى ) انه قد تقدم أن محل النزاع هو ما اذا تعلق النهى بما تعلق به الأمر ولو بنحو يكون بينهما عموم وخصوص مطلقاً . كما اذا قال صم ولا تصم يوم العيد وصل ولا تصل فى الحمام . فانه( حينئذ ) يكون بين دليل الوجوب مثلا ودليل
الحرمة تعارض ( وذلك ) ان دليل الوجوب يدل بطريق الإن على وجود المصلحة الملزمة فى متعلقه . والعرف يفهم من ذلك بنحو الالتزام ان لا مفسدة فيه . كما أن دليل الحرمة يدل بطريق الإن على وجود المفسدة فى متعلقها . والعرف يفهم من ذلك بنحو الإلتزام أن لا مصلحة فيه. وهذا هو التعارض الحقيقى . وعلى تقدير تكافى. الدليلين أو تقديم دليل الحزمة تكون العبادة في مورد التعارض غير مشروعة وذلك كاف فى فسادها ( وفيه ) ان هذا التقريب لو تم . لما دل على كون النهى دالا على فساد العبادة التى تعلق بها . اذ نتيجة التعارض هو التساقط . وذلك يستلزم الشك فى كون مورد المعارضة مشروعاً . وبضميمة اصالة الفساد في كل عبادة شك في تشريعها ينتج الفساد ( هذا ) بناء على التساقط . وأما بناء على تقديم دليل الحرمة فان كان الدليلان متبائنين فلا محالة يكون ترجيح أحد المتعارضين بملاحظة المرجحات السندية أو ما يؤل اليها و ( حينئذ ) يكون تقديم دليل الحرمة كاشفاً عن كذب دليل الوجوب . وموجباً لفعلية النهى فى مورد المعارضة . وفعلية النهي عن العمل المحتمل كونه عبادة تدل على كونه غير مشروع فيقع فاسداً . وان كان الدليلان متعارضين بالعموم والخصوص المطلق . فيما أن الحق هو تقديم الخاص على العام لكونه أقوى دلالة على حكم مورد المعارضة . يكون حجة في مدلوله المطابق . لأنه مورد المعارضة .. وأما مدلوله الالتزامى فلا يتقدم فيه على العام . إذ ليس هو باقوى دلالة عليه من دلالة العام على مدلوله الالتزامى . فاذا تكافنا تساقطا . وذلك يوجب الشك في كون مورد المعارضة مشروعاً . فلابد من الرجوع الى اصالة الفساد في استنتاج فساد مورد المعارضة حيث يؤتى به عبادة . فلا يكون نفس النهى حينئذ دالا على فساده ( نعم ) اذا قيل بكون الخاص حجة في جميع دلالته مطابقة والتزاماً وان كان الموجب لتقديمه هو كونه أقوى دلالة . أو قيل بتقديم الخاص لكونه قرينة على ما يراد بالعام . اتجه القول بدلالة النهي على الفساد.
( هذا كله ). فيما اذا كان النهى مولوياً . وأما اذا كان ارشاداً الى عدم الوجوب
فعدم دلالته على الفساد في غاية الوضوح ، لأن انتفاء الوجوب انما يدل على عدم ملاكه بخصوصه ، وذلك لا ينا فى ثبوت ملاك الاستحباب أو مطلق الرجحان ، فاذا دل دليل على استحباب متعلق النهى الارشادى لم يكن ذلك معارضاً للنهى الإرشادى ، وكذلك لو كان النهى في مقام افادة عدم تشريع فعلية الطلب ، كما قيل بذلك في توجيه النهي عن التطوع فى وقت الفريضة لأن انتفاء فعلية الاستحباب لمانع منها لا يستلزم انتفاء ملاك الاستحباب . فاذا استفيد من النهى عدم فعلية الطلب الاستحبابى ، وكان ثمة عموم يشمل مورد النهى ، صار المورد المزبور من موارد اجتماع الأمر والنهي على الإمتناع .
( ان قلت) اذا كان النهى دالا على عدم فعلية الإستحباب والعموم يدل على فعليته ، وقع التعارض بين الدليلين من حيث الفعلية فقط ، وبقيت دلالة الأمر على وجود ملاك الحكم الاستحبابى بلا معارض ، فيصح الإتيان بمتعلق النهي بداعى الملاك الاستحبابي عبادة ، وعليه لا يكون المورد من موارد اجتماع الأمر والنهي على الإمتناع ، بل من موارده على الجواز.
(قلت ) اشتمال متعلق النهى على ملاك الوجوب مع عدم فعلية الوجوب . أمر معقول حيث يكون النهى ارشاداً الى عدم فعلية الوجوب ( وحينئذ) يمكن الإتيان بمتعلق النهى الإرشادى بداعى ملاك الوجوب عبادة ، فيكون مستحباً . وأما اذا انتفت فعلية الإستحباب كما هو المفروض ، امتنع الإتيان بمتعلق النهى الإرشادي عبادة بداعى ملاك الإستحباب، لأن وقوع الشيء عبادة يستلزم رجحان الإتيان به ، وهو نفس الإستحباب ، والمفروض عدمه ، فلا محالة يكون المورد من موارد الإجتماع على الإمتناع ، وكذلك لا يدل النهي على الفساد فيها اذا كان النهي ظاهراً في عدم تشريع العبادة اقتضاء ، بمعنى انه يدل على عدم اشتمال الفعل على ملاك يقتضى التعبد به ، فاذا كان ثمة ما يدل على تشريع التعبد به ، وقع التعارض بين الدليلين، وحيث لا مرجح لأحدهما يتساقطان .. فيرجع الى اصالة
عدم تشريع التعبد بذلك الفعل ، ومنه يستفاد الفساد لا من النهى ، فاتضح من جميع ما تقدم أن النهى لا يدل بنفسه على الفساد ( نعم ) تحقق النهى يهيأ المورد الجريان أصالة عدم التشريع المستتبع لأصالة الفساد ، إلا أن يكون النهى ارشاداً الى فقد شرط أو وجود مانع ، فانه لا محالة يدل على الفساد ( حينئذ ) .
و بملاحظة ما ذكرنا يترجح فى النظر أن يحرر النزاع في تشخيص الصغرى . بمعنى انه يلزم الفحص عن حال النواهى المتعلقة بالعبادات لتمييز النهى الارشادي عن المولوى كي يترتب على كل منهما أثره من الحكم بالفساد وعدمه ، لأن الكبرى في كل منهما أعنى بهما الارشادى والمولوى مفروغ عن حكمها بملاحظة ما ذكرناه.
والظاهر أن النهى اذا لم يكن وارداً عقيب توهم الوجوب ، أو لم يكن ناظراً الى حال من أحوال المأمور به ، يكون ظاهراً في المولوى ، وعلى هذا يكون ظهوره فى الارشاد محتاجاً إلى قرينة ، كوروده عقيب توهم الوجوب ، أو كونه ناظراً الى بعض أحوال المأمور به ونحو ذلك ، وماكان ناظراً الى بعض أحوال المأمور به قد يكون ارشاداً الى كون متعلقه غير العبادي مانعاً من صحة العبادة ، كالنهي عن الأكل والشرب فى الصلاة ، وقد يكون ارشاداً الى كون العبادة المنهى عن ايقاعها فى العبادة الأخرى مانعة من صحة العبادة ، وفى هذا الفرض لا يستلزم النهى المتعلق با يتماع العبادة في عبادة اخرى فساد تلك العبادة التي تعلق بها ، لأنه لم يكن ظاهراً إلا فى الارشاد الى كون متعلقه مانعاً من صحة العبادة الاخرى ، لا فى الارشاد الى فساد متعلقه ، ( نعم ) اذا كان أبطال العبادة الاخرى محرماً كما الصلاة اليومية كان للكلام في صحة العبادة المانعة من صحة العبادة التي حرم إبطالها مجال واسع فلو فرضنا أن الشارع قد نهى عن الصلاة في الصلاة ، وصلى المكلف صلاة اخرى فى أثناء صلاته اليومية ، فلا اشكال في بطلان صلاته اليومية ، لاقترانها بالمانع . وأما فساد الصلاة المأتى بها فى اثناء الصلاة اليومية ، فهو مبنى على المسألة السابقة أعني مسألة جواز اجتماع الأمر والنهي في واحد وعدمه ، لأن الصلاة المزبورة
تكون مصداقا للإبطال المحرم ، ومصداقا للصلاة الواجبة أو المندوبة التي أراد المكلف امتثال أمرها بهذا الفرد.
( هذا كله ) فى النهى عن نفس العبادة ، وأما النهي عن جزئها أو شرطها أو وصفها اللازم كالجهر والاخفات ، فحصل الكلام فيه ، أن النهي عن شيء من هذه الأمور كالنهي عن نفس العبادة يكون على انحاء ( فتارة ) يكون نهياً مولوياً محضاً ( واخرى ) يكون النهي عن الشى وارداً في مقام توهم وجوب الاتيان بالشيء المزبور في العبادة ( وثالثة ) يكون فى مقام توهم كون الشيء مشروع الاتيان به في العبادة ( ورابعة ) يكون فى مقام توهم كون الشىء جزء من العبادة ( وخامسة ) يكون فى مقام الارشاد الى ما نعية المنهى عنه عن صحة العبادة ( هذا كله ) من حيث الثبوت ، وأما من حيث الاثبات ، فالضابطة في مقام الشك في ارادة أحد هذه الأمور من النهى ، هو أحد أمرين(أحدهما) أن يكون النهي وارداً فى مقام وجوب شيء في العبادة ، أو فى مقام توهم كون الاتيان به مشروعا فيها ، أو في مقام كونه جزء منها ، فالضابطة في جمل النهي على خلاف ظاهره الأولى أعنى به المولوية . هو أن يكون النهي وارداً في مقام توهم كون الشيء المنهى عنه واجباً ، أو كونه مشروع الانيان به فى العبادة ، فلا محالة يكون وروده في هذا المقام موجباً لظهوره فى نفى الأمر المتوهم ( وثانيهما ) أن يكون النهى عن الشيء غير وارد في مقام من المقامات المزبورة فالضابطة أيضاً فى حمله على خلاف ظاهره من المولوية هو أن يكون ناظراً الى حال المأمور به كما اذا قيل لا تأكل في الصلاة فلا محالة يكون النهى فى هذا المورد ظاهراً فى كون المنهى عنه مانعاً من صحة المأمور به ،( وقد تحصل من ذلك) ان النهى وان كان فى نفسه أعنى مع قطع النظر عن القرينة ظاهراً فى المولوية ، إلا أن وروده فى مقام من المقامات المذكورة يوجب ظهوره في غير المولوية ، فلا يحمل عليها مع وروده في بعض هذه المقامات إلا لقرينة تنفى ظهوره الثانوى ، وحال النهى فى جميع هذه الموارد من حيث دلالته على فساد المنهي عنه
و عدم دلالته، حال النهى عن نفس العبادة ، وجميع ما قيل فيه يجرى فى النهى فى هذه الموارد ، وعليه لا يكون النهى دالا على فساد الجزء ، أو العبادة المأتى بها في أثناء العبادة الاخرى ، وان كان النهي وارداً في مقام توهم أن متعلقه مشروع. فيكون دالا على عدم تشريعه، لأن العموم الذى يدل على كونه مأموراً به ، يدل على تشريعه ، فيكون معارضاً للنهى الدال على عدم تشريعه ، ومع التساقط يكون المرجع هي أصالة عدم التشريع فيكون هذا الأصل هو الدال على عدمه لا النهى وأما النهى الدال على ما نعية المنهى عنه ، فعدم دلالته على فساد المنهى عنه ، أوضح من بقية النواهى : لأنه لا يدل إلا على كون متعلقه مانعاً من صحة المأمور به . فاذا كان ثمة عموم . الأمر به ، صح وقوعه عبادة وان أوجب فساد العبادة الاخرى التي اقترنت به ( نعم ) اذا كان ابطال العبادة الاخرى محرماً كالصلاة اليومية ، كانت صحة العبادة المبطلة لها و عدمها مبنية على جواز اجتماع الأمر والنهي و عدمه كما ذكرناه فيما تقدم مفصلا . وأما فساد العبادة التى جيء بالمنهى عنه في ضمنها . فان كان النهنى دالا على ما نعية المنهى عنه . فلا اشكال فى فسادها ، وان كان النهى دالا على نفى الوجوب ، أو نفى تشريع المنهى عنه . أو الحرمة المولوية . فهو وان لم يدل على فساد متعلقه . بل كان فساده مستنداً إلى أصالة عدم تشريعه ، إلا أن فساده قد يوجب فسياد العبادة التي وقع فيها ، أما السكونه زيادة فيها أو النقص جزء منها . وقد لا يوجب فسادها اذا لم يوجب شيئاً من ذلك . وعلى كل فلا يكون النهى عنه موجباً لفساد العبادة التي جى به فيها .
( هذا ) إلا أن بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف) قد زعم دلالة النهى المولوى على فساد بالعبادة التي أوقع المكلف فيها المنهى عنه، بدعوى أن النهى عنه يستلزم تقييد العبادة بعدمه .. وتقييدها بعدمه يستلزم اموراً كل واحد منها يكفى لفساد العبادة (أحدها ) صيرورة المنهى عنه ما نعاً من صحة تلك العبادة . لذلا نعنى بالمانع من صحة شيء إلا ما كان ذلك الشيء مقيداً بعدمه ( ثانيها ) وقوع الزيادة
فى العبادة ( ثالثها ) خروج المنهى عنه عن مطلق الذكر ، فان النهى عن ذكر خاص يوجب تقييد أدلة رجحان مطلق الذكر.
(هذا) ولا يخفى ما فيه من مواقع النظر ( أما أولا ) فلما عرفت من أن النهي عن ايتماع شيء فى العبادة يكون على انحاء مختلفة ( منها ) ما يكون ظاهراً في كون المنهى عنه ما نعاً من صحة العبادة ، كما اذا قيل لا تأكل أو لا تبك في الصلاة و ( منها ) ما يكون ظاهراً في الحرمة المولوية كالنهي عن الرياء الذي قد ينطبق على بعض أجزاء العبادة، ومثله لا يستفاد منه تقييد العبادة بعدم المنهى عنه بالنهى العام بسبب انطباق العنوان العام ، فلا وجه لدعوى أن النهى مطلقاً عن شيء في العبادة يوجب تقييدها بعدمه و ( اما ثانياً ) فلأن الزيادة التي توجب بطلان العبادة لا يستند بطلان العبادة الى عنوانها الوجودى ، أعنى به عنوان الزيادة ، بل یستند بطلانها الى انخرام القيد الذى تقيدت العبادة به ، وهو عدم تلك الزيادة. فاذا كان كل ما قيدت العبادة بعدمه يكون وجوده مانعاً فلا محالة تكون الزيادة أحد مصاديق المانع و ( حينئذ ) يستند بطلان العبادة ذات الزيادة الى وجود المانع . لا الى عنوان الزيادة ، وعليه لا يكون وجه لجعل الزيادة بعنوانها الخاص مبطلا آخر غير وجود المانع ، وكذلك الشأن في الذكر المحرم اذا فرض كونه مبطلا ( هذا كله ) فى حكم الجزء والوصف غير المفارق ، وأما الوصف المفارق فان كان وجوده الموضوعه انضمامياً ، فالنهى عنه اذا لم يكن ارشاداً الى مانعية المنهى عنه . فالنهى عنه لا يوجب فساد العبادة مطلقاً، أى سواء كان مفاده نفى المشروعية ، أو نفى وجوب المنهى حيث يتوهم وجوب شيء لها أم كان نهياً نفسياً ، وسواء كان ذلك النهى منجزاً أم كان غير منجز ، وان كان الوصف المفارق وجوده لموضوعه اتحادياً ، فلا مجالة يكون من صغريات مسألة اجتماع الأمر والنهي في واحد ، وقد عرفت أن مورد الاجتماع حيث يكون عبادة مع تنجز النهي لا يكون صحيحاً ، سواء قلنا بالجواز أم بالإمتناع مع تقديم النهي، ومع عدم تنجزه يكون صحيحاً. وينبغي التنبيه على أمور
( الأول ) أنه قد ظهر من مطاوى ما ذكرنا أن
المانعية واعتبار عدم شيء تستفاد من أحد أمور ( أحدها ) النهى الغيرى نظير استفادة الشرطية من الأوامر الغيرية ( ثانيها) النهى النفسي الدال على حرمة العبادة حرمة ذاتية كالنهى الدال على حرمة الصلاة فى الحرير بناء على كون تحريمها فيه نفسياً ( والوجه فى ذلك) هو ما أشرنا اليه من أن الحرمة النفسية مع اطلاق الوجوب النفسى شمولياً كان أم بدلياً متنافيان ، فلا محالة يكون دليل الحرمة لكونه أقوى من دليل الوجوب مقيداً له بعدم المنهى عنه ( ثالثها ) وقوع التزاحم بين الأمر والنهى حيث لا يستطيع المكلف إلا لامتثال أحدهما مع تقديم النهى ، أما ما يستفاد من الأول أعنى به المانعية ، فهو حكم واقعى كسائر الأحكام الواقعية غير المقيدة بشيء من العلم والجهل ، أو الاختيار والاضطرار ، ولازم ذلك أن يكون اقتران العبادة بالمنهى عنه بهذا النهى موجباً لفسادها وان كان المكلف جاهلا أو مضطراً
( هذا ) مع استفادة المانعية من النهى ، وأما مع الشك فى مفاد النهى فتبتنى صحة العمل وعدمها على القول بالبراءة والإحتياط فى مثله ، و ( أما الثالث ) فقد عرفت أن النهى لا يوجب فساد العبادة إلا اذا كان منجزاً ومقدماً على الأمر حيث يتزاحمان لأن العبادة فى هذا الفرض انما تفسد باعتبار فقدها لأحد أمرين بهما يكون قوامها وهما نية التقرب وكون العمل المتقرب به صالحاً للتقرب به ، وفي حال تنجز النهى لابد أن تكون العبادة فاقدة لأحدهما ، وهو صلوحها للتقرب بها ، اذ لا يعقل أن يتقرب العبد بعمل يستحق عليه العقاب ، وقد تكون فاقدة لكليهما معاً ، وذلك فيما اذا كان المكلف ملتفتاً الى أن المنهى عنه لا يمكن التقرب به ، فيمتنع عليه (حينئذ) نية التقرب ، وأما في صورة عدم تنجز النهى كما اذا كان المكلف غافلا عنه أو ناسياً إياه ، فصحة العبادة فى غاية الوضوح، لتالى نية التقرب من المكلف وصلوح العمل . للتقرب به لكونه مشتملا على ملاك الأمر العبادي الذي لا نقص فيه ، والمانع من التقرب به هى فعلية البغض والكراهة له ، وذلك لا يكون إلا حيث يتنجز النهى. وكونه غير مأمور به فى الواقع لا يقتضى عدم وقوع التقرب به ، لفرض كونه
مشتملا على ملاك العبادة التي لا نقص فيها ، وكذلك لو كان المكلف شاكا بالشك البدوى في النهى ، فانه مع جريان البراءة لا يكون مستحقاً للعقاب على العمل المنهى عنه في الواقع ، فيصح التقرب به باعتبار اشتماله على ملاك العبادة ( وأما الثانى ) فقد ذهب المشهور الى الفرق بين حال الجهل والنسيان وحال الاضطرار ، بأن حكموا بوجود النهى فى حال الجهل والنسيان والمانعية المستفادة منه كما فى حال العلم به ، وبعدم النهى والمانعية المستفادة منه في حال الاضطرار ؛ وعليه تقع العبادة المنهى عنها نهياً نفسياً ( فاسدة ) وان كان الفاعل لها جاهلا بذلك النهى أو ناسياً له و ( صحيحة ) فى حال الاضطرار الى مخالفة النهى( والسر في ذلك) ان النهى في حال الجهل والنسيان فعلى ، فلا محالة يكون مقيداً لإطلاق الأمر المتعلق بالعبادة بعدم الفرد المنهى عنه منها ، بخلاف حال الإضطرار ، فان النهى يسقط عن الفعلية بالإضطرار الى مخالفته ؛ ومع سقوط النهى لا يبقى موجب للتقييد المزبور ؛ فلا محالة تقع العبادة المنهى عنها بالنهى الساقط بالاضطرار صحيحة ( وعلى ذلك ) فرعوا أنه اذا شك فى المانعية لأجل الشك في الحرمة النفسية ؛ كان المرجع هي البراءة ، ولو بنينا على الإحتياط في الشك في الأقل والأكثر الإرتباطيين و (ذلك) لأن الشك في المانعية ناشيء عن الشك في الحرمة النفسية ، ومع جريان البراءة فيها لا يبقى منشأ لانتزاع المانعية واستفادتها .
( والذي ينبغي أن يقال ) هو أنه قد عرفت أن النهي النفسي المتعلق بالعبادة لا يتمتضى بنفسه فسادها ، بل هو يهيا العبادة الجريان أصالة الفساد ( وذلك ) لأن النهى اذا تعلق بعنوان قد تعلق به الأمر ولو باطلاقه كما هو المفروض في المقام . حصل التعارض بينه و بين الأمر ، فيتساقطان . ومعه يكون مقتضى الأصل هو عدم المشروعية . ولا يخفى أن النهى في حال الاضطرار وان سقط به عن الفعلية . إلا أنه لم يسقط عن الدلالة على ملاكه فى متعلقه وانه لا ملاك لغيره فيه . وعليه يقع التعارض بين الأمر فى دلالته على ملاكه و بين النهى كذلك . ومع التساقط يكون
مقتضى الأصل أيضاً هو عدم المشروعية ( فاتضح) أنه لا فرق بين حال الجهل والنسيان وحلل الاضطرار فى فساد العبادة .. لاستفادة المانعية فيهما ( هذا ) على ما أسسناه فى مبنى فساد العبادة المنهى عنها ، وأما على ما قيل في وجه فسادها من تصادم ملاك الأمر وملاك النهى . وترجيح جانب النهى . فعدم صحة العبادة في حال الاضطرار الى مخالفة النهى( فى غاية الوضوح) اذ سقوط النهى عن الفعلية بالاضطرار لا يستلزم سقوط ملاكه . ومع بقائه وغلبته على ملاك الأمر يوجب تقييد الأمر ( وذلك ) يقتضى فساد العبادة فى حالى الاضطرار أيضاً ( هذا ) ولكن المبنى المزبور(غير صحيح ) لما عرفت غير مرة من أن ملاك النهى لا يمنع من صلوح العمل المشتمل عليه وعلى ملاك الأمر العبادي للتقرب به حيث لا يكون النهى منجزاً . وانما المانع هو تنجزه . لمنافاة استحقاق المقاب لاستحقاق الثواب على عمل واحد فى وقت واحد . فاذا فرض سقوط النهي عن التنجز . وكانت مخالفته غير موجبة لاستحقاق العقاب كما هو الشأن في حال الاضطرار . فلا مانع من صحة العبادة وان لم تحرز تعلق الأمر بها فى هذا الحال . لكفاية اشتمالها على ملاكه التام ( هذا كاله ) فى الاضطرار العقلى . وأما الاضطرار الشرعي. فيمكن أن يوجه فيه كلام المشهور في دعوى الفرق بين حال الجهل والنسيان وحال الاضطرار . بتقريب أن سقوط النهى في حال الإضطرار الشرعي لابد أن يستفاد من دليل نقلى شرعى . فلا محالة يكون بمنزلة الإستثناء من العموم . فيكشف عن عدم جعل الحكم بمبادئه في مورد الاضطرار ( وعليه ) لا يبقى مجال لتوهم المعارضة بين الأمر والنهى فى حال الاضطرار ، بل يبقى مورد الاضطرار داخلا تحت اطلاق
الأمر أو عمومه بلا معارض .
( التنبيه الثانى ) هل يختص البحث في هذه المسألة بالنهي النفسي التحريمي . لظهور عنوان النهى فيه . واختصاص الأحكام المبحوث عنها ملاكا به ، أو يعم النواهي الاخرى من العبري والتنزيهي لعموم الملاك وشمول عنوان المنهى الجميع
النواهى ، أو لعموم الملاك وان كان ظاهر العنوان خاصاً بالأول ، قيل بالأول( والحق هو الثانى) أما شموله للنهى التنزيهي فلأن أقوى ما يكون مانعاً من شمول البحث له هو ما تقدم تقريبه( وحاصله ) ان متعلق الأمر هو صرف الوجود ومتعلق النهى هى الطبيعة السارية، وبما أن متعلق الأمر غير متعلق النهي ، وان النهى تنزيهي يتضمن الرخصة فى فعل متعلقه ، فلا يكون قاطعاً لطريق امتثال الأمر فحيث يريد المكلف امتثال الأمر بالفرد المنهى عنه لم يكن النهى حينئذ دالا على فساد العبادة بوجه من الوجوه( ولكن)لا يخفى انه لا فرق بين النهى التحريمي والنهى التنزيهي في ملاك الدلالة على الفساد، فكما أن النهى التحريمى يوجب تقييد اطلاق الأمر المتعلق بالعبادة لمنافاته للأمر ، لدلالته على حزازة في متعلقه لا يمكن معها التقرب به ، كما ان في الأمر بالعكس، ولأن جانب النهى قد فرضناه ارجح من الأمر فقدمناه عليه ، فیلزم تقييد اطلاقه به ،
( فكذلك النهي التنزيهي ) فانه بناء على عدم كونه للإرشاد الى قلة الثواب يدل على حزازة في متعلقه ، وان كانت أضعف من حزازة النهى التحريمي ، إلا انها لا يمكن معها التقرب بمتعلق النهي . فلا محالة يلزم تقييد اطلاق الأمر بالتقريب السابق ، وكون متعلق الأمر هو صرف الوجود ومتعلق النهى هى الطبيعة السارية، لا يقتضى عدم اجتماع الخطابين فى واحد وجوداً وعنواناً ، لأن تعلق الأمر بصرف الوجود يوجب سريانه الى وجود كل فرد من الطبيعة المأمور بها على البدل ، وتعلق النهى بالطبيعة السارية يوجب تعلقه بكل فرد من الطبيعة المنهى عنها على سبيل العموم الشمولى( وعلى هذا ) يلزم اجتماع الأمر مع النهى فى الفرد المنهى عنه ( وأيضاً ) يتجه الاستدلال على فساد العبادة المنهى عنها تنزيهاً بالتقريب الذى استندنا اليه في دلالة النهى عليه ، أعنى به وقوع المعارضة بين ملاك النهى وملاك الأمر فى العبادة المنهى عنها تنزيهاً ، تبعاً للمعارضة بين الأمر والنهي، وتلك المعارضة توجب الشك فى اشتمال العبادة على الملاك العبادي المقرب ، فلا محالة يكون المرجع حينئذ هي اصالة عدم تشريع تلك العبادة
( ان قلت ) هذا يتم فى العبادة المستحبة ، وأما الواجبة فلا يكاد يتم التقريب المزبور فيها ، لكون ملاك الأمر فيها أقوى من ملاك النهى ، وكونه أقوى منه يوجب غلبته فى الأثر، أعنى به الحكم على طبقه ، لا على ملاك النهي التنزيهي . ولذا يجوز امتثال امن العبادة الواجبة بالفرد المكروه .
( قلت ) أنما جواز امتثال أمر العبادة الواجبة بالفرد المكروه فانما هو لدليله الذي دل على ان الأمر المتعلق بالعبادة الواجبة مطلق ، لم تقيده النواهي التنزيهية. وهذا الدليل خارج عن دليل وجوب العبادة ، ولذا أشكل علينا وجه النهى تنزيهاً عما هو مأمور به ولو بنحو العموم البدلى ، فكل وجهه بوجه كما سبق بيانه ، وأما اذا قطعنا النظر عن الدليل الخارجى وقصرناه على نفس الدليلين المتعارضين ، أعنى به دليل وجوب العبادة ودليل النهى التنزيهى عن بعض افرادها ( فلا محالة) بها ترى الدليلين متعارضين ، بمعنى ان كلا منهما يكذب الآخر فى مدلوله ، وكون ملاك الوجوب فى ذاته أقوى من ملاك النهى التنزيهي لا يستلزم وجوده فى مورد المعارضة ، وانما يستلزم غلبته فى التأثير حيث يكون موجوداً، ويزاحمه ملاك النهي التنزيهي ( فلا محالة ) يقدم عليه لأهميته ، وفى مورد المعارضة لا يعلم أى الملاكين متحقق كي يحكم على طبقه ، فيتم التقريب السابق في فساد العبادة المنهى عنها ولو تنزيهاً ، وأما دخول النهى الغيرى . أعنى به طلب ترك الضد لكونه مقدمة لوجود ، فلأن أظهر ما يحتج به على عدم دخوله هو ان النهى المزبور عبارة أخرى عن طلب ترك الضد لكونه مقدمة لوجود ضده( وذلك ) لا يدل الا على سقوط الأخر النفسى الذى كان متعلقاً به. للتنافى بين الأمر الغيرى المتعلق بالترك والأمر النفسى المتعلق بالوجود . وسقوطه للمنافاة المزبورة لا يستلزم سقوط ملاكه فيصح العمل المزاحم للواجب الأهم بلحاظ اشتماله على الملاك العبادي المقرب . وهذا الدليل يمكن أن يخدش فيه بما يصحح دخول النهى الغيرى المزبور في محل النزاع . وحاصله أن ترك الضد اذا فرضناه مقدمة لوجود الضد الواجب . فلا
محالة يكون وجوده مقدمة لترك الواجب . وبما ان ترك الواجب الفعلى حرام . يكون فعل الضد المستلزم لترك الواجب مرجوحا ان لم يكن حراماً ، ومع فرض مرجوحا لا يمكن التقرب به ، فيكون النهى الغيرى بالمعنى المزبور دالا على فساد العبادة . لاستلزامه عدم صلوح تلك العبادة للتقرب بها .. ولا نعنى بدلالته على الفساد إلا هذا المعنى .
لا يخفى ان النهي عن المعاملة قد يتعلق بسببها كالنهي عن البيع في وقت النداء لصلاة الجمعة ، بناء على أن نفس المسبب أعنى به النقل والانتقال والتسبب اليه غير مبغوضين . لعدم مزاحمة شيء منهما للصلاة . وانما المزاحم هو نفس السبب . وقد يتعلق بالمسبب كالنهي عن بيع المصحف والعبد المسلم على الكافر . وقد يتعلق بنفس التسبب كبيع المنابذة . بناء على ان النهى عنه مولوى . وقد يتعلق النهى بلوازم المعاملة كالنهى عن أكل ثمن العذرة والميتة بقوله ( عليه السلام ) ثمن العذرة سحت .
( أما الأول ) وهو النهى عن السبب فيما اذا كان مولوياً فلا يدل على فساد السبب كما لا يدل على صحته ( ضرورة ) ان كون السبب مبغوضاً لا يستلزم فساده بمعنى عدم ترتب أثره عليه . اذ لا منافاة بين كون الشيء فيه استعداد وصلاحية للتأثير أثراً خاصاً به. سواء كان أمراً اعتبار يا كاسباب المعاملات بالمعنى الأعم فضلا عن الأخص عرفا وشرعا. أم كان أمراً حقيقياً كالأسباب التكوينية مثل النار الماسة للورق . وبين كون وجوده فى بعض الأوقات ذا مفسدة تستدعى النهى عنه فاذا كان ثمة دليل يدل على كون الشيء الفلاني سبباً للأثر الكذائى حيث يوجد . فلا يدل النهى المولوى عن ايجاده في بعض الأوقات على عدم تأثيره الأثر الذى كان يترتب عليه قبل النهى . فكما ان النهى عن ايجاد السبب التكوينى لا يدل على عدم ترتب أثره عليه . بل لا يتوهم أحد من العقلاء التنافي بين النهي المولوى
وترتب أثره التكوينى عليه . فيضطر الى تأويله أو تكذيبه . كذلك النهي عن ايجاد السبب التشريعي . واذا كان دليل النهى المولوى عن ايجاد السبب التشريعي مستلزماً التخصيص عموم دليل جوازه أو تقييد اطلاقه. فهو لا يستلزم تخصيصه أو تقييده من ناحية امضائه أو تشريعه لأن دليل جواز المعاملة كما يدل على جواز ايقاعها . يدل على تشريعها واعتبارها سبباً للأثر المترتب عليها . والنهي عن ايجاد السبب انما يقيد اطلاق دليلها من جهة دلالته على جواز الإتيان بسبها حيث شاء المكلف. ولا ربط للنهى المولوى بجهة دلالته على تشريع تلك المعاملة وبيان اعتبار ذلك السبب سبباً لوجود الأثر الذى اعتبر أثراً له . بل لا يتأتى من المتكلم الحكيم ان يدل المخاطب بالنهى المولوى بما هو كذلك على الغاء تشريع ذلك السبب وعدم اعتباره سبياً للأثر الذي دل دليل التشريع على اعتباره ( نعم ) اذا كان النهى المتعلق بالسبب ارشادياً . كان ظاهراً فى بيان الغاء سببية ذلك السبب وعدم تشريعه اذ لا تحصل للإرشاد المستفاد من ذلك النهى الا ذلك كما لا يخفى .
( اما الثانى ) وهو تعلق النهى بالمسبب . فان كان النهي مولوياً . فقد يقال بدلالته على الفساد كما قيل بدلالته على الصحة (والتحقيق) انه لا يقتضى شيئاً منهما ( اما ) دعوى دلالته على الفساد . فقد قيل في تقريبها ان كل معاملة يستلزم تشريعها أن يكون للمتعاملين فيها سلطان وقدرة على تحصيل الأثر المطلوب بها . والنهي المولوى عن ابجاد الاثر المطلوب بتلك المعاملة يوجب سلب ذلك السلطان والعجز شرعا عن ايجاد الاثر المترتب عليها ... ولا تعنى بدلالة النهي عن المسبب على فساده الا كون النهى مقتضياً للعجز عن ايجاد متعلقه في اعتبار الشرع أو العرف . ولما ذكرنا أفتى الفقهاء بفساد الاجارة المتعلقة بالواجباب المجانية . وبطلان بيع المنذور به التصدق وأمثال ذلك .
( ولكن لا يخفى ما فيه ) فان أقصى ما يستفاد من النهي المولوى عن المسبب هو كونه مبغوضاً للمولى وانه يريد من العبد تركه في ظرف النهي . وأما كون العبد
بالنهى عاجزاً عن ايجاده فلا دلالة له عليه بأى نحو من انحاء الدلالات ، وأما فساد الاجارة المتعلقة بالواجبات المجانية ، فهو مستند الى الدليل الذي دل على لزوم الاتيان بها مجاناً ، ولا ربط له بالمدعى المزبور، وأما بطلان بيع المنذور به التصدق فهو من الأحكام التي وقع فيها الخلاف ( والتحقيق ) هو صحة بيعه وان كان حراما كما هو الشأن في نظائره ، وأما دعوى دلالة النهى على الصحة ، فقد يقال في تقريبها ان متعلق النهي المولوى لابد أن يكون مقدوراً للمكلف فعلا وتركا ، وكون النهي المولوى دالا على الفساد أعنى عدم تحقق المسبب لا يتصور إلا بنحوين من الاقتضاء لذلك( أحدهما ) كونه مشيراً الى فساد متعلقه أعنى به المسبب وكاشفاً عن عدمه و ( حينئذ ) يكون وجوده لغواً محضاً، لأن النهى المولوى هو انشاء الزجر عن الفعل المبغوض بداعى جعل الداعى الى تركه ، واذا كان الشيء فاسداً في نفسه، فلا موجب لجعل الداعي الى تركه
( ثانيهما ) هو كون النهي المولوى بنفس وجوده مستلزماً لفساد المنهى عنه و امتناع وجوده من المكلف و ( حينئذ ) يلزم من وجود النهى عدمه ، لأن النهى المولوى مشروط بالقدرة على فعل متعلقه وتركه ، فاذا فرض ان وجود النهى يستلزم امتناع وجود المنهى عنه ، فقد استلزم وجوده انتقاء شرط وجوده ، والمشروط ينتفى بانتفاء شرطه ، واذا امتنع ان يكون النهى المولوى دالا على فساد متعلقه لما تقدم. فهو أيضاً يقتضى أن يكون دالا على صحة متعلقه ، لأن امتناع كون متعلقه فاسداً يوجب كونه صحيحاً ، ولا نعنى بدلالته على الصحة إلا ذلك .
( هذا ) ولا يخفى ان ( دعوى ) كون النهى المولوى دالا على الصحة مطلقاً ( غير صحيحة )لأن المعاملة ان كانت من مجعولات الشرع موضوعا وحكما ، فلاريب فى أن النهي المولوى عن مسببها يدل على صحته ، لما ذكر قبلا ، وإن كانت من مجعولات العرف موضوعا وحكما ، بمعنى انها من المعاملات العرفية التي لم يرد من الشرع اعضائها ، أو كانت عرفية وقد امضاها الشرع ، فالنهي المولوى في هذين
الموردين لا يدل على الصحة، لاحتمال أن يكون المسبب باعتبار العرف مبغوضاً للشارع ، فينهى عنه وان لم يعتبره صحيحاً ، مثلا الملكية المسببة عن البيع الربوى المعتبر في العرف مبغوضة للشارع ، فاذا نهي عنها مولوياً لم يكن نهيه هذا دالا على صحة هذه الملكية في نظر الشارع الجواز أن تكون الملكية بهذه المعاملة غير معتبرة في الشرع ، كما هو المفروض فى المعاملة الربوية ( نعم ) يدل النهى المولوى على صحة الملكية المسبية عن البيع الربوى في نظر العرف ، لما ذكرنا من اشتراطكون المنهى عنه مولوياً ممكن الوقوع من المنهى.
( ان قلت ) هذا التقريب معقول ومقبول في النهي عن المسبب في المعاملة العرفية التى لم يرد من الشارع امضائها ، وأما المعاملة التي أمضاها الشارع ، فهى حينئذ تكون بالامضاء شرعية ( فلا محالة) يكون النهى المولوى عن مسببها نهياً عن المسبب الشرعى ، فيدل على الصحة، واكثر المعاملات التى بايدى المتشرعة من هذا القبيل ( قلت ) امضاء الشارع للمعاملة العرفية لا يخرجها عن كونها معاملة عرفية، وثبوت الحكم الوضعى الشرعى لها لا ينفى الحكم العرفى عنها ، فاذا تعلق النهى المولوى بمسبب معاملة عرفية امضاها الشرع، ولم تعين القرينة مورد النهى . او جب احتمال النهى بملاحظة الحكم العر فى اجمال الخطاب ، ومعه لا تكون للنهى دلالة على الصحة في نظر الشارع ، فيكون المرجع فى الحكم بالصحة هي العمومات . وعلى كل حال فلا فائدة لكون النهى دالا على الصحة الا فى الموارد التي لا دليل فيها من الشرع على الصحة . وتلك الموارد منحصرة في المعاملات العرفية التي لم يرد من الشارع امضائها. وفى مثلها لا يدل النهى المولوى إلا على صحة المسبب في نظر العرف الذين اعتبروا تلك المعاملة . وثبوت صحته في العرف لا يجدى شيئاً في الشرع ( فلا محالة ) يكون المرجع عند الشك هى اصالة الفساد .
( هذا كله ) فيما اذا أحرز كون النهى مولوياً بحسب القرينة الخاصة ، وأنما اذا لم تكن هناك قرينة خاصة تعين حقيقة النهي .فيمكن أن تكون الضابطة
العامة في النواهى المتعلقة بالمعاملات العرفية سواء دل على امضاء نوعها عموم أم لم يدل . هيكون تلك النواهى ردعاً عن تلك المعاملات . لكونها مخلة بالنظام العام و ارشاداً الى عدم امضائها . فما كان منها غير مشمول بنوعه العموم من عمومات الامضاء . كان النهى المتعلق به ردعا للمكلفين عن الأخذ بسيرة العرف في تلك المعاملة ، وما كان منها مشمولا بنوعه لعموم من عمومات الامضاء . كان النهى عن صنف من أصناف نوع تلك المعاملة ردعا عن ذلك الصنف . وتخصيصاً للعموم الدال على امضاء نوع المعاملة . الا انه يمكن أن يقال أن النهي عن بعض المعاملات لا يوجب ظهوره في الردع عنها والإرشاد الى عدم امضائها . بل ذلك يوجب اجماله . لأن احتمال كونه مولوياً مكافى لاحتمال كونه ردعا عن المعاملة وارشاداً الى عدم امضائها . وتكافؤ الاحتمالين فيما يراد بالنهى يوجب اجماله . و( حينئذ ) فان لم يكن عموم أو اطلاق يدل على الامضاء ، فلا يمكن استكشاف الامضاء .
لاحتمال كون ذلك النهى ردعا وارشاداً الى عدم الامضاء .فلا محالة يكون المرجع اصالة الفساد . وان كان هناك عموم أو اطلاق يدل على امضاء نوع المعاملة فلا مانع من التمسك به لصحة المعاملة التي تعلق بها النهى . لأن اجماله يسقطه عن المعارضه وبما انه منفصل فلا يسرى اجماله الى العام أو المطلق الدال على امضاء نوع المعاملة وبملاحظة ما حررناه والتأمل فيه . يظهر ما يلزم ان يقال في النهي عن التسبب اذ لا فرق بينه وبين ما تقدم فى ملاك القول فيه .
ثم ان النهى المتعلق باجزاء أسباب المعاملات ان كان وارداً مورد تو هم كونه جزء للسبب . فلا محالة يكون ظاهراً في بيان عدم كونه جزء له . وان لم يكن وارداً فى ذاك المورد ولم تكن قرينة تعين كونه مولوياً . فلا محالة يكون ظاهراً في كون المنهى عنه ما نعاً من صحة السبب المقترن به . والا كان مولوياً لا يدل على الفساد كما لا يدل على الصحة كما اسلفنا القول فيه (هذا) مع ظهور النهى في أحد هذه المعانى . وأما مع الشك فيما يراد به . فلا محالة يكون المرجع هي أصالة الفساد في
المعاملة المقترنة بالمنهى عنه بذلك النهى المجمل . وان كان الأمر على عكس ذلك في العبادة .. لأن احتمال كون المنهى عنه مانعاً يكون مجرى لاصالة البراءة في العبادة دون المعاملة .. فان البراءة العقلية لا تجرى فيها لعدم احتمال العقاب والبراءة الشرعية وان مصلح عنوانها لشمول المعاملة . إلا أن ورودها مورد الإمتنان يمنع من شمولها للمعاملة لأنه يلزم من شمولها لها وجوب الوفاء بها . وهو خلاف الامتنان الذي توخاه الشريعة السهلة السمحة برفع المجهول عن الامة ( هذا كله ) فيما اذا تعلق النهى بالسبب والمسبب . وأما اذا تعلق النهى بأثر المعاملة كما فى مثل قوله ( عليه السلام ) الميتة سحت . فالظاهر انه يدل على فساد المعاملة . لظهور النهى في مثله في الارشاد . بل يمكن أن يقال بدلالة النهى الظاهر في المولوية على فساد المعاملة اذا كان مفاده الزجر عن التصرف المطلق فى أثر تلك المعاملة كما فى المثال المزبور . فان تحريم ثمن الميتة ظاهر فى الزجر عن التصرف المطلق في المال المأخوذ عوضاً عن الميتة.. لأن تحريم الأعيان لما لم يكن معقولا لزم أن يكون متعلقه هو فعل المكلف ولما لم يعين الشارع متعلقه وكان تخصيص بعض أفعال المكلف بالتقدير ترجيحاً بلا مرجع الزم أن يكون الفعل المحذوف المقدر هو مطلق فعل المكلف . ليشمل كل فعل من أفعاله مما يمكن وقوعه على ذلك المال ، وليس هو الا التصرف المطلق فيه .
فاذا كان التصرف المطلق فيه حراماً كان اعتبار كونه ملكا له لغواً كما لا يخفى .
ثم انه قد تذكر فى المقام روايات خاصة استدل بها بعضهم على الصحة . وبعضهم على الفساد. والحق انها لا تدل على شيء منهما ( منها ) ما رواه فى الكافى والفقية عن زرارة عن الباقر( عليه السلام )سأله عن مملوك تزوج بغير اذن سيده فقال( عليه السلام )ذلك الى سيده ان شاء أجازه وان شاء فرق بينهما . قلت أصلحك الله تعالى ان حكم بن عتيبة وابراهيم النخعى وأصحابها يقولون ان أصل النكاح فاسد ولا يحل اجازة السيد له ، فقال أبو جعفر ( عليه السلام ) انه لم يعص الله وانما على سيده فاذا أجاز فهو له جائز .
أما تقريب دلالتها على عدم استلوام النهى المولوى للقصاد فهو ان الزواية ظاهرة فى الدلالة على صحة نكاح العبد بغير اذن سيده بعد اجازته أمام ، وعلى عصيان العيد السيده وعدم عصيانه لله تعالى ، ولا ريب في ان عصيان العبد لسيده مستلزم العصيانه الله تعالى ، فلابد أن يكون المراد بالعصيان المنفى عن العبد هى مخالفة عمله للقانون الشرعى فى الحكم الوضعى ، فيكون مغاد كلامه ( عليه السلام ) هو ان العبد فى نكاحه بغير اذن سيده لم يأت بمعاملة غير مشروعة . وان تصرفه في نفسه بالنكاح بغير اذن سيده لا يبطل مشروعية المعاملة التى أتى بها ، غاية الأمر أن نفوذ هذه المعاملة ولزومها في حق العبد متوقف على رضا سيده بها . لأنها معاملة أجراها في ماله غيره ، فيكون عصيان العبد للنهى التكليفى غير ضار بمشروعية النكاح الذى أوقعه بغير اذن سيده . وذلك يدل على أن عصيان النهى المولوى في المعاملة المشروعة لا يوجب فسادها وعدم مشروعيتها ، وظهور الرواية فى عدم دخل خصوصية المورد في الحكم يوجب عمومه لجمع المعاملات .
(وفيه ) ان الظاهر من لفظ العصيان المستند إلى العبد هو كون معناه شيئاً واحداً في موردي النفي والإثبات ، أعنى بهما قوله( عليه السلام ) انه لم يعض الله وانما على سيده ، فاذا كان مفاد لفظ العصيان فى مورد النفى هو مخالفة القانون الشرعى فى الحكم الوضعى ، لزم أن يكون لفظ العصيان في مورد الاثبات أعنى به عصيان السيد هو أيضاً مخالفة القانون الشرعى فى الحكم الوضعى، أعنى به توقف نفوذ نكاح العبد مثلا على اجازة سيده، فيكون عدم استيذان العبد سيده فى ايتماع النكاح معصية لهذا القانون الوضعى ، وعليه لا تكون الرواية المزبورة دالة على عدم استلزام النهى المولوى للفساد ، وذلك لأن مخالفة العبد للقانون الوضعى فى نكاحه لا تستلزم نهياً مولوياً لتكون للرواية دلالة على المدعى المزبور ، بل يكون مفاد الرواية هم توقف نفوذ نكاح العبد ولزومه على اجازة مولاه . تقدمت على النكاح أو تأخرت عنه ، فاذا تقدمت فقد اقترن النكاح بشرطه ، واذا تأخرت فقد وقع
النكاح غير مقترن بشرطة ، فيكون العبد عاصياً في هذا النكاح حتى تحصل الاجازة من سيده ، فاذا حصلت فقد انتفت المعصية وجاز النكاح .
وأما تقريب دلالة الرواية على كون النهى المولوى موجباً للفساد ، فهو أن يقال ان ظاهر لفظ العصيان هى مخالفة الحكم التكليف ، وبما أن الامام (عليه السلام) كان بصدد الرد على من قال بفساد نكاح العبد ، وكان دليله على عدم الفساد هو عدم معصية العبد لله تعالى ، يلزم أن يكون عصيان الله تعالى موجباً للفساد ، لأنه اذا كان عدم الفساد مستنداً الى عدم العصيان ، كان وجود الفساد مستنداً الى وجوده كما هو شأن العلة والمعلول ، ( وأما ) ان معصية العبد لسيده تستلزم معصيته الله تعالى فيكون ذلك دليلا على عدم استلزام النهى المولوى للفساد كما تقدم ، وعليه يقع التعارض بين الظهورين ( فهو مسلم ) إلا أنه يفهم من مجموع الظهورين حيث انهما في كلام واحد ، ان المعصية التي تزول بلحوق رضى المعصى وتعقبه لها لا توجب فساد المعاملة ، وذلك لمعصية العبد الله تعالى الناشئة من معصيته لسيده . وانما الموجب الفساد المعاملة هو عصيان الله تعالى الذي لا يزول برضى غيره .
وفيه ( أولا) انه قد تقدم ان لفظ المعصية في موردي النفي والإثبات ظاهر في معنى واحد ، وهى مخالفة الحكم الوضعى . ومعه يبطل التقريب المزبور من أصله و ( ثانياً ) انه لو كان لفظ المعصية ظاهراً فى مخالفة الحكم التكليفي ، لاستلزم أن يكون سيد العبد قد أمره بشيء أو نهاه عنه لمخالفه فيه، لتصح نسبة المعصية اليه .
وذلك خلاف ظاهر الرواية ، اذ ظاهرها ان المولى لم يكن قد نهى عبده عن النكاح ، وانما أوقعه العبد قبل مراجعة سيده. وقبل أن يسبق منه نهيه عنه . وعليه يلزم أن نحمل لفظ المعصية المتعلقة بالسيد على مخالفة الحكم الوضعى ، ومعه لا يمكن أن يستفاد من معصية العبد لسيده فى الحكم الوضعى معصيته الله تعالى في الحكم التكليفى ، لأن مخالفة الحكم الوضعى لا توجب إلا بطلان المعاملة أو عدم لزومها كما لا يخفى ، مضافا الى لزوم التفكيك فى مفاد لفظ المعصية في موردي النفي
والإثبات ، بارادة مخالفة الحكم الوضعى من المعصية في النفي، وارادة مخالفة الحكم التكليف منها فى الإثبات ، وذلك خلاف الظاهر كما أشرنا اليه ، وعلى مثابة هذه الرواية دلالة بقية الروايات التي استدل بها على كانتنا الدعويين نفياً وإثباتاً ، فلا يكون التعرض لها ولما قيل فيها من تقريب الدلالة وردها أمراً مهتها في هذا الباب.
( تذنيب )
هل النهي عن التشريع يوجب فساد العمل الذي تعلق به التشريع ، سواء كان عبادة. أم معاملة ، وان كان مشروعا في الواقع ولكن لم يعلم به المشرع أم لا يوجب ذلك ( توضيح هذه المسألة ) يتوقف على بيان امور .
( الأول ) ان المنشىء لحكم تكليفى سواء كان تعبدياً أم توصلياً ، قد ينشأه وهو يرى نفسه في رتبة النبوة وأهلية التشريع العام للأحكام الآلهية ، وقد ينشأه وهو لا يرى نفسه فى تلك الرتبة ولا بتلك الأهلية ، بل يرى نفسه مصلحاً عاماً يراعى المجتمع العام فينشأ له برأيه قوانين يلزم اتباعها ، كما هو شأن الملوك مع الرعية فى قوانينها الجارية بينهم ؛ وكما هو شأن العشار فى القواعد التي يعملون بها ويرون صلاحهم العام بالعمل على طبقها ؛ وقد ينشأه وهو لا يرى نفسه في مرتبة النبوة وأهلية التشريع العام ، ولا في مرتبة الاصلاح بجعل القوانين الاجتماعية ، بل يرى نفسه تابعاً للدين الذي شرعه نبيه الذى اتبعه ، ولكن يرى ان العمل الذي حكم بوجوبه أو بحرمته أو بحكم آخر من الأحكام الاخرى ، يلزم عقلا أن يحكم عليه بذلك الحكم ؛ ويمرر فى مقررات الدين الذي يتدين به ويحرر في ديوان أحكامه(ربما يقال) ان انشاء الحكم بالطريقة الأولى ليس تشريعاً وان كان شبيهاً به كل الشبه : لأن التشريع هو ادخال ما لا يعلم كونه من الدين في الدين(وعليه)لا يكون تأسيس الانسان للاحكام التي يريد أن يجعلها ديناً يدعو غيره الى العمل به فى عرض بقية الاديان تشريعاً ؛ لأنه لم يضف الى دين حكما ليس منه .كي تكون تلك
الاضافة تشريعاً في ذلك الدين . وان كان انشاء الحكم بهذه الطريقة أقبح من التشريع ( ولكن) لا يخفى ان حرمة التشريع لو كانت شرعية سمعية وكانت بذلك اللسان لكان للتفكيك بين الطريقتين فى انشاء الأحكام وجه مقبول . وأما اذا كانت حرمة التشريع عقلية كما هو الظاهر . فلا فرق بين الطريقتين . فيكون انشاء الحكم بكل منهما تشريعاً . لاتحاد ملاك حرمة ذلك الانشاء فيهما . ولا تتقيد حرمة التشريع بادخال الحكم المنشأ جديداً فى الدين، لأن التشريع في نظر العقل هو بناء من ليس هو أهلا لذلك على وجوب شيء لا يعلم بوجوبه أو حرمة شيء لا يعلم بحرمته . والتزامه في نفسه بذلك الحكم الذي بنى عليه في قلبه . سواء عمل على طبقه أم لم يعمل وسواء كان بصدد جعل تلك الأحكام التى بنى عليها فى نفسه دينا مستقلا في عرض غيره من الأديان أم كان بصدد اكمال الدين الذي يتبعه بضم ما أنشأه من الأحكام اليه . وسواء كان ما بنى على وجوبه مثلا واجباً فى الواقع وهو لا يعلم به أم لم يكن له الحكم الذي بنى عليه كما سنشير اليه . وعلى كل فانشاء الحكم بالطريقمة الثالثة لاريب في كونه تشريعاً كما ان انشاء الحكم بالطريقة الثانية لا ريب فى عدم كونه تشريعا .
( الأمر الثانى ) هل التشريع هو البناء النفسى على كون الفعل الفلانى محكوماً بأحد الأحكام الخمسة والالتزام القلبي بذلك . سواء اقترن ذلك بالعمل على طبقه أم لم يقترن به . أو هو ذلك مع اقترانه بالعمل على طبقه ( الظاهر هو الأول ) بشهادة انه اذا التزم قلباً بوجوب عمل على أحد لم يكن ذلك واجباً في الشرع يعد ذلك تشريعاً منه وان لم يعمل هو به . بل لم يكن من شأنه العمل به . كما اذا التزم في نفسه بوجوب الصلاة على الحائض وأفتى لها بذلك ( ان قلت ) الافتاء بوجوب عمل التزم المفتى به فى نفسه كما فى المثال المزبور هو من العمل على طبق البناء النفسي ( قلت ) الاخبار بالحكم الذي التزم به المشرع فى نفسه ليس . العمل المقوم التشريع ، بل هو العمل الذي التزم بوجوبه مثلا فى نفسه ، والمفتى بوجوب شىء التزم به في نفسه لم يكن قد التزم في نفسه بوجوب الافتاء والاخبار به ليكون
اخباره و افتائه به تشريعاً ( وعلى الأول) لا يكون الفعل المأتى به بعنوان التشريع محرماً ومعاقباً عليه ،لأن التحريم متعلق بالفعل القلبي ، أعنى به نفس البناء والالتزام بالوجوب أو غيره من الأحكام فى النفس ، سواء عمل على طبقه أم لم يعمل ( وعلى الثانى ) يكون الفعل المأتى به بعنوان التشريع قبيحاً عقلاً ومحرماً شرعا بناء على تحقق الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع ، لأن التشريع القبيح عقلا والمحرم شرعا هو البناء النفسى على وجوب شيء مثلا المقترن بالعمل على طبقه فيكون العمل على طبق البناء النفسى مقوماً للتشريع، فيجرى عليه حكم التشريع ( واتضح مما ذكرنا ) ان التشريع بكلا معنييه لا يكون من سنخ الإفتراء على الله تعالى لأن الإفتراء على الله تعالى أو على غيره هو الاخبار عنه بأنه فعل كذا أو قال كذا وقد عرفت أن التشريع ليس اخباراً عن الله تعالى بأنه قد أوجب الفعل الكذائي أو حرمه ، بل المشرع هو بنفسه يبنى فى نفسه على وجوب شيء مثلا ويأمر من يتبعه بالعمل على طبق بنائه للمصلحة التى تخيلها .
( الأمر الثالث ) التشريع قد يكون فى نفس الحكم المتعلق بالعمل ، وقد يكون في تطبيق متعلق الحكم الشرعى(أما الأول) فقد عرفت حقيقته
( وأما الثانى ) فهو أن يبنى على أن بعض أفراد الصلاة الواجبة مثلا المشتمل على بعض المستحبات يكون بجميع أجزائه وخصوصياته الواجبة والمستحبة فرداً للصلاة الواجبة فقط كما انه يمكن أن يبنى على أن الفرد الناقص من أفرادها هو فرد للصلاة التامة من حيث الأجزاء والشرائط
، فيأتى به امتثالا لأمرها ( اذا عرفت هذه الامور ) فاعلم ان الكلام في المقام قد يكون فى العبادات ، وقد يكون في المعاملات ، فاما العبادة المأتى بها تشريعاً ، فان كانت مأموراً بها في الواقع ، ولكن المشرع لا يعلم بكونها مشروعة ، فلا محالة تقع صحيحة بناء على القول الأول من كون التشريع فعلا قلبياً ليس إلا ، إذ لا نقص فيها من حيث الاجزاء والشرائط ، سواء كان التشريع في أصل الحكم أو في تطبيق الواجب على الفرد الذي تخيل كونه مشتملا على بعض الزيادات
كتاب منتهى الأفكار كم
غير المأمور بها في العبادة . وكانت فى الواقع مأموراً بها ، إما لأنها جزء من العبادة الواجبة فى الواقع وإما لأنها من المستحبات فيها ، أو فى التطبيق على الفرد المشتمل على الزيادات غير المبطلة وان لم تكن مأموراً بها في الواقع ، وكذلك تقع العبادة صحيحة على القول الثاني ، بناء على عدم الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع . فان التشريع وان تحقق بنفس العبادة ،إلا أنها لما كانت مأموراً بها في الواقع لم يكن هناك ما يمنع من التقرب بها .
( ان قلت )لا ريب فى أن قصد امتثال الأمر من شروط صحة العبادة ، ومع قصد التشريع لا يتأتى منه قصد امتثال أمر العبادة وان كانت مأموراً بها في الواقع لفرض ان المكلف لا يعلم بذلك ، وبنائه على وجوبها تشريعاً لا يوجب اتيانه للعبادة بداعى هذا الوجوب التشريعي ، ولو فرض اتيانه لها بداعى الوجوب المزبور لما كان قصد امتثال هذا الوجوب مقرباً ومصححاً للتعبد بها الله تعالى ، لأن قصد امتثال الأمر انما يكون مقرباً إلى الله تعالى من أجل انه يوجب ارتباط العمل به تعالى وخضوع العامل له تعالى ، وقصد امتثال الوجوب التشريعي لا يوجب ارتباط العمل به تعالى وخضوع العامل له بل بالمشرع ، ومعه كيف يعقل أن تكون العبادة المأتى بها بهذا الداعى مقربة اليه تعالى وان كانت متعلقة لأمره في الواقع .
( قلت ) أما التشريع في التطبيق فلا يتوجه عليه هذا الايراد ، لفرض أن المشرع بالتطبيق يعلم أن طبيعة العبادة مأمور بها ، وانما قصد التشريع في الفرد الذي يريد به تحقيق امتثال الأمر المتعلق بالطبيعة ، فلا محالة ينحصر الاشكال المزبور في التشريع بأصل الجعل ، وحينئذ نقول صدور العمل من فاعله عبادة ومقرباً الى الله تعالى لا يتوقف إلا على كون العمل المأتى به صالحاً للتقرب به مع الاتيان به بقصد التقرب به إلى الله تعالى ، وصلاحية العمل لذلك ( تارة ) تكون ذاتية لجملة العبادات من الصلاة والصوم وغيرهما ( وأخرى ) تكون عرضية تحصل له بسبب تعلق الأمر به جملة الاعمال من غير العبادات اذا تعلق بها الأمر ، فانها يصح أن
يأتى بها فاعلها عبادة اذا قصد امتثال أمرها، ومثل هذه الاعمال تتوقف عباديتها والتقرب بها الى الله تعالى على تعلق أمره تعالى بها ، كغسل الثوب من النجاسة وأما ما كان صالحاً للتقرب به والعبادية بذاته كالسجود والتسبيح ، فيصح التقرب به ويقع عبادة من فاعله بنفس الاتيان به بداعي التقرب به الى الله تعالى وقصد الخضوع به له تعالى ، لأن العمل صالح لذلك بذاته ، ولذا حكموا بصحة صلاة من صلى الفريضة فرادى فاعادها ندباً بالجماعة ثم انكشف له بطلان صلاته فرادى ، مع انه لم يقصد بصلاته المعادة جماعة إلا امتثال الأمر الندبي ، فيكون وقوع ما لم يقصده وهو امتثال أمر الفريضة بهذه الصلاة المعادة مبنياً على ما أشرنا اليه من كون الماتى به صالحاً للتقرب به والعبادية بذاته ، وليس المأمور به فى الفريضة إلا ذلك وقد حصل ، وهكذا الشأن في صحة العبادة المأمور بها في الواقع الماتى بها تشريعاً ، لعدم علم الآتى بها بمشروعيتها ، فانه بعد تأتى نية التقرب بها منه يكون قد تعيد وتقرب بعبادة صحيحة في حد ذاتها غير فاقدة لشيء مما يعتبر في صحة العبادة .
( هذا كله ) بناء على القول الأول ، وأما على القول الثاني أعنى به سراية قبح التشريع الى العمل مع القول بالملازمة بين حكم العقل والشرع ، فقد يقال بالتفصيل بين العبادات والمعاملات كما عن بعض الأساطين من مشايخنا و قده ، أعنى القول بدلالة النهى على الفساد فى الأول دون الثاني، بتقريب أن العبادة الماتى بها تشريعاً وان كانت صالحة للتقرب بها فى نفسها واقعاً . إلا ان الاتيان بها تشريعاً أوجب طر و عنوان قبيح مبغوض عليها . فمنعت فعلية قبحه وبغضه عن صلاحية تلك العبادة للتقرب بها بالفعل لأن القبح الفاعلى يمنع من صحة التقرب بالعمل الصالح في نفسه كالقبح الفعلى . وهذا بخلاف المعاملة فانها على الفرض معتبرة واقعاً . وقبحها الفاعلى العارض عليها بسبب التشريع لا يخل باعتبارها الواقعي .
(هذا) ولا يخفى ما فيه من مواقع النظر ( أما أولا ) فلأنه بناء على ما أفاده( قدس سره الشریف) فى دلالة النهى المولوى عن السبب على فساد المعاملة من استلزام النهي
المزبور السلب قدرة المكلف على الفعل المنهى عنه . لا يتصور الفرق بين النهى المتعلق بالفعل المبغوض فى نفسه لذاته . وبين النهي عن التشريع بالفعل الموجب لبغض الفعل بالعرض . وتعليل ذلك بأن النهى فى الأول متعلق بالفعل الصادر . دون النهى التشريعي فانه متعلق بالاصدار. غير موجب للفرق فى الملاك الذى استند اليه فى دلالة النهى المولوى على الفساد فى المعاملة . أعنى به استلزام النهى
لسليب القدرة . فان النهى عن الفعل الصادر اذا كان موجباً لسلب القدرة . فكذلك اصدار الفعل . هذا مضافا الى ان التشريع بناء على السراية يوجب تعلق النهى بنفس الفعل المشرع ، غاية الأمر بسبب التشريع لا بسبب مفسدته الذاتية.
( وأما ثانياً ) فلأن الفعل المأتى به عبادة بعنوان التشريع اذا كان حسناً فى الواقع وتأتى من فاعله نية القربة - فلا موجب لفساده وعدم صحة التقرب به الا توهم أمرين(أحدهما )القبح الفاعلى . وقد تقدم انا لا نسلم قدحه بصحة العبادة وافساده لها مع كونها جامعة الجميع الأجزاء والشرائط ( ثانيهما ) طرو مفسدة على العبادة بسبب طرو عنوان التشريع عليها . وهو لا يلتزم بقدح ذلك في العبادة : لأن العبادة فى نفسها صالحة للتقرب بها . وانما يكون التشريع بايقاعها غير عالم بمشروعيتها . فلا محالة يكون متعلق المفسدة الحادثة بسبب التشريع هو ايتماع العبادة بذلك النحو . وأما نفس العبادة فلا نقص فيها .
هذا ( والذي ينبغي ان يتمال ) هو أن التشريع ان استلزم سراية حرمته الى العمل الذي تعلق به فلا يوجب تحريمه لفساده اذا كان معاملة . لا ناقد بينا فيما سبق عدم استلزام النهى المولوي لفساد المعاملة . وأما اذا كان متعلق التشريع عبادة . فان كان المكلف ملتفتاً الى حرمة التشريع وكونه قبيحاً . فلا محالة توجب سراية النهى الى متعلق التشريع فساد العبادة. لتنجز النهى عن فعل تلك العبادة لوقوعها مبغوضة على فاعلها ، وكذلك الجاهل المقصر . وان كان المكلف غافلا عن حكم التشريع أو ناسياً له صحت العبادة. لعدم فعلية البغض الذي يستلزمه النهي الذي
تعلق به النسيان أو الغفلة ، ولفرض كون العمل في حد ذاته مما يصلح للتقرب به ( هذا كله) في التشريع في أصل الحكم، وأما اذا كان التشريع في تطبيق الواجب على بعض أفراده ، إما بزيادة ما يرى فى نفسه انه فعل زائد في العبادة ، وإما بنقص ما يرى انه من العبادة بحسب الشرع، ولكن يرى أن نقصه منها أجدر بها في ذلك الوقت ، فان كان ما زاده فيها باعتقاده ليس زائداً عليها في الواقع ، بل هو بعض أجزائها يكون ذلك الجزء منهياً عنه في الواقع، بناء على سراية النهى من التشريع الى الفعل الذي تعلق به التشريع . وبالنهى عنه ينكشف أن ذلك الجزء ليس طبيعيه جزء ، بل الحصة الخاصة منه يكون هو الجزء ، أعنى بها الحصة التي لم يتعلق بها التشريع ، لأن تعلق النهى المولوى بشيء ينافي اعتباركونه جزء من مركب مأمور به ، مع اطلاق دليل كون ذلك الشيء جزء من المركب المأمور به ، فالجمع بين دليل حرمة ذلك الجزء الذى تعلق به التشريع واطلاق دليل كون طبيعي ذلك الجزء جزء من المركب المأمور به ، يقتضى تقييد دليل الجزء بغير الحصة التي تعلق بها التشريع ( وعليه ) يكون ما أتى به من العبادة فاسداً لنقصه ، اذ الجزء الذي تعلق به التشريع ليس جزء من العبادة المأمور بها، بل جزئها هو ما لا تشريع فيه ، وان كان ما زاده فيها باعتقاده ليس زائداً عليها في الواقع لعدم اعتبار الشارع كونه جزء منها ، فان كانت تلك الزيادة مما اعتبر الشارع عدمها قيداً في العبادة ، فلا محالة تكون العبادة فاسدة ، وإلا فلا موجب لفسادها ، لأن فعل المنهى عنه بالنهى المولوى فى العبادة لا يوجب فسادها اذا لم يعتبر الشرع عدمه قيداً فيها كالنظر الى الاجنبية أو لمسها في حال الصلاة ، وأما اذا نقص العبادة شيئاً يعتقد أنه بعض منها فى أصل الشرع ولكن رأى أن الأصلح بها فى الوقت الذى فعل العبادة فيه هو نقصها من ذلك الشيء ، فان صادف المأتى به الواقع وكانت العبادة المأمور بها في أصل الشرع هو نفس ذلك الناقص ، فلا محالة تقع العبادة صحيحة ، وإلا وقعت فاسدة لنقصها عما هو معتبر فيها في أصل الشرع كما لا يخفى .
( خاتمة ) هل يكول قبح التشريع كقبح الظلم مما يمكن تنفيذ المولوية فيه بالنهى عنه شرعا ، أو يكون كقبح التجرى مما لا يمكن تنفيذ المولوية واستعمالها فيه، لأن المتجرى لا يمكن وصول النهى المولوى عن التجرى اليه في حال تجريه ، لاعتقاده بتحقق التكليف الذى يرى أنه قد عصاه، فلا يعقل وهو في هذه الحال أن يرى نفسه متجرياً ليرى توجه خطاب التجرى اليه بالنهى له عنه ، اذ فعلية وصول التكليف الى المكلف منوطة بفعلية علمه بوجود موضوعه في الخارج ، ويستحيل فعلية علمه بكونه متجرياً في حال تجريه. اذ يلزم من فعلية ذلك العلم عدمه كما لا يخفى ( والحق هو الأول ) لأن التشريع مما يمكن الالتفات اليه في حال التلبس به ، بل لايد لا بد من ذلك بحسب العادة، اذ التشريع متقوم بعدم العلم بمشروعية الحكم الذى يحكم به المشرع ، فهو في هذه الحال يرى نفسه انه قد حكم بما لم يعلم مشروعيته ، فهو مشرع بالحمل الشايع . واذا أمكن علم المكلف بتحقق موضوع التشريع في حقه أمكن وصول حكمه المولوى اليه ، كما أن الظلم كذلك( وعليه ) لا يبقى مانع من جعل الحكم المولوى على وفقه من هذه الجهة .
لا يخفى ان المشهور قد عرفوا المفهوم بأنه هو ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق ، فيكون المنطوق على عكسه ، وهو ما دل عليه اللفظ في محل النطق ، وقد فسيروا المنطوق بالمدلول عليه بالمطابقة والمفهوم بالمدلول عليه بالالتزام (هذا) ولا يخفى أن التعريف المزبور مخدوش من جهات ( الاولى ) ان مقتضى اطلاق هذا التعريف شمول المفهوم لكل دلالة التزامية، لصدق التعريف المزبور على كل دلالة التزامية حيث انها دلالة لا في محل النطق ، مع ذهاب المشهور إلى أن المفهوم هو قسم خاص من الدلالة الالتزامية ،لاشتراط اللزوم البين بالمعنى الأخص في ثبوت المفهوم ، إلا أن يتمال ان الدلالة الحاصلة من اللزوم غير البين بالمعنى الأخص
ليست من الدلالات اللفظية ، ولا ريب في كون المفهوم من الدلالة اللفظية (الثانية) ان التعريف المزبور يشمل الدلالة الالتزامية فى المعانى الافرادية ، كدلالة لفظ الشمس على الضوء ، مع أن المفهوم هى الدلالة الالتزامية فى المعانى التركيبية ، اذ المفهوم هي دلالة القضية الملفوظة على قضية أخرى غير ملفوظة ( الثالثة ) ان هذا التعريف يشمل انتفاء شخص الحكم الذي دل عليه المنطوق عند انتفاء موضوعه . والمفهوم عندهم هي دلالة المنطوق على انتفاء سنخ الحكم المذكور في المنطوق عند انتفاء بعض القيود المذكورة في المنطوق ، أو على ثبوت سنخ الحكم المذكور في المنطوق في قضية اخرى غير مذكورة (فالأولى في تعريفه ان يقال) ان المفهوم القضية الكلية غير منطوق بها تدل عليها القضية المنطوق بها لاشتمالها على خصوصية تستلزم الدلالة على ذلك ( وكيف كان) فالمهم هو بيان امور يتوقف عليها تحصيل النتيجة المطلوبة فى مباحث المفهوم .
(الأول) هو انه قد أشرنا إلى أن المفهوم هو انتفاء سنخ الحكم الثابت في المنطوق أو ثبوته لموضوع آخر، لا انتفاء شخص الحكم الثابت في المنطوق ، فان انتفاء شخص الحكم بانتفاء موضوعه أو بعض قيوده أمر ضرورى عقلى ( وعليه) لا بد من شرح معنى سنخ الحكم وشخصه
( فنقول) أن لكل موجود متأصلا كان أم اعتبارياً نحوين من التشخص (أحدهما) التشخص الذاتي ، وهو تشخص الموجود بوجوده الذى أخرجه من كتم العدم، وصار به شيئاً من الأشياء ( ثانيهما ) عوارض ذلك الوجود ومقارناته ، والتشخص الثاني يكون فى طول الأول ، بل ان تسميته ، بالتشخص لا تخلو من التسامح وضرب من العناية . لأن تلك العوارض والمقارنات لا تتحقق إلا مقارنة وملابسة لأمر متشخص بغيرها . وقد أشرنا إلى أن الموجود الاعتبارى كالمتأصل يكون على هذين النحوين من التشخص . مثلا اذا فرضنا أن الوجوب أمر اعتبارى . فإذا وجد في الخارج فلا محالة وتشخص بكلا نحوى التشخص ( أما الأول ) فبوجوده الذى أخرجه من كتم العدم و (أما الثاني) فيكو
متعلقاً بالفعل الفلاني وموضوعه الشخص الفلاني مثل أكرم زيداً . واذا كان موقتاً فبالوقت المعين له . وهكذا بقية القيود التي تكتنف بالحكم . وعليه يكون الحكم متشخصاً أولا وبالذات بوجوده الخاص به وثانياً وبالعرض بمقارناته وعوارضه (وعليه) يكون المراد بالحكم الشخصى هو الحكم المتشخص بالتشخص المزبور . وهو حقيقة الحكم الذى هو موضوع الاطاعة والعصيان . وأما سنخ المحكم فالمراد به أحد أمرين . إما صرف وجود طبيعي الحكم . وهو وان لم يكن حكما بالحمل الشايع إلا أنه لابد من ارادته كذلك حيث يثبت المفهوم : وإما الطبيعة السارية بنحو تكون الطبيعة ما به ينظر . كما هو الشأن في القضية الحقيقية . مثلا قولنا ان جاءك زيد فاكرمه بناء على المفهوم يفيد بسبب دلالة أن الشرطية على كون ما بعدها أعنى به مدخولها علة منحصرة ، أن صرف وجود طبیعی وجوب الاكرام معلول للمجيء فلا محالة يستلزم ذلك ان المجيء اذا انتفى ينتفى صرف وجود طبيعي الوجوب . لانحصار التأثير في ذلك بالمجيء . أو أن التعليق المزبور يفيد أن مدخول ان الشرطية إذا اتشفى انتفى كل فرد من أفراد طبيعى الوجوب المتعلق بالاكرام كما هو مفاد الطبيعة السارية . ولما كان تعليق جميع أفراد الوجوب على الشرط غير معقول لزم أن يكون المعلق هو صرف وجود الوجوب . أو نقول ان المعلق هو جميع أفراد الوجوب بدعوى أن الوجوب المعلق بجميع أفراده كناية عن لازم ذلك من انتفاء سنخ الوجوب عند انتفاء الشرط المعلق عليه .
( الأمر الثاني ) قد اشتهر بين الأعلام وصار من المسلمات ان شخص الحكم المذكور فى القضية ينتفى بانتفاء موضوعه أو انتفاء بعض قيوده . وأيضاً اشتهر بل هو من المتسالم عليه ان المعارضة تتحقق بين الدليلين المثبتين اللذين أحدهما مطلق والآخر مقيد فيها اذا علم ان المقصود بهما شيء واحد . ومن جميع ذلك يستنبط ان كل قيد يذكر في موضوع القضية يكون بخصوصه وشخصه دخيلا في ثبوت محمولها وعلة منحصرة له . ضرورة انه لو لم يكن ظاهر القضية ومفادها عرفاً هو ذلك لما
كان وجه لحكمهم بانتفاء شخص الحكم بانتفاء موضوعه أو بعض قيوده ، لجواز أن يكون الجامع بين شخص الموضوع وغيره هو الدخيل في ثبوت المحمول وعلته ، فاذا انتفى شخص الموضوع المذكور في القضية أو بعض قيوده لم يدل ذلك على انتفاء شخص الحكم ، لتجويز العقل أن يقوم مقامه غيره مما يجمعهما جامع هو في الحقيقة علة لثبوت ذلك الحكم ، أو أن يقوم مقام شخص الموضوع شخص فعل آخر في ثبوت المحمول المذكور فى القضية بناء على جواز تبادل العلل على معلول واحد شخصى في سبيل بقائه ، وأما تسالمهم على تحقق المعارضة بين المطلق والمقيد المثبتين فهو مما يدل على ظهور القيد المذكور فى القضية فى كون المقيد به هي العلة المنحصرة للمحمول المذكور فى القضية ، إذ لولا ذلك الظهور لما وقع التعارض بين المطلق الظاهر في عدم اعتبار قيد ما فى موضوع محمول القضية وبين المقيد المزبور ، لفرض عدم ظهوره في دخل القيد المذكور فيه فى ثبوت المحمول ، فيلزم من تسالمهم على المعارضة المزبورة ، انه قد بلغ الغاية ظهور القيد فى كونه هو العلة المنحصرة لثبوت محمول القضية لموضوعها .
( فاتضح من جميع ذلك ) ان كلما يذكر في عقد الوضع وان كان ذلك نفس عنوان الموضوع فضلا عن قيده أو شرط الحكم يكون ظاهراً في كونه علة منحصرة لثبوت المحمول له ، وعلى ذلك يلزم صرف النظر الى البحث عن كون الحكم المذكور في عقد الحمل ، سواء كان معلقاً على الشرط أم ناظراً الى قيد في عقد الوضع أم متعلقاً بعنوان خاص أو معنى شخصى ليدخل العدد واللقب ونحوهما أو مقيداً بالوصف الخاص ، هل المقصود به شخص الحكم أو سنخه ، اذ بثبوت الأول ينتفى المفهوم ، وبثبوت الثانى يثبت المفهوم ، كما ان ثبوت كونه سنخاً يتوقف على جريان مقدمات الحكمة على ما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى عند التعرض لاثبات المفهوم في كل ما يدعى له المفهوم من الشرط والوصف وغيرهما ، وعلى ذلك يجوز أن يكون للقضية الواحدة المشتملة على جهتين مما يرجب المفهوم كالشرط والغاية مفهوم بلحاظ
جهة دون جهة أخرى ، الجريان مقدمات الحكمة فى تلك الجهة الموجب لتولد المفهوم دون الجهة الأخرى وان كان الحكم المذكور فى القضية واحداً . فان المعنى وان بلغ في وحدته حد الجزئية يجوز عليه الاطلاق بلحاظ قيد دون قيد ، فلا تكون وحدة المعنى مانعة من تبعيض الاطلاق كما توهم ( وحاصله ) ان الحكم المذكور في القضية شيء واحد فلا يعقل ان يكون المقصود به سنخ الحكم بالاضافة الى الشرط المذكور فيها وشخصه أو يكون مهملا بالاضافة الى الوصف المذكور فى القضية المزبورة (وحله) ما أشرنا اليه من أن المعنى الواحد وان بلغ حد الجزئية في وحدته يمكن تحقق الاطلاق فيه بلحاظ بعض القيود التي يمكن أن تلحقه دون بعضها الآخر.
فالاطلاق فى الجزئيات الحقيقية أحوالى وفى غيرها أحوالى وأفرادى ، وتحقق الاطلاق والإهمال فى المعنى الواحد في القضية الواحدة مما لا بد منه ، لندور تحقق الاطلاق بمقدماته المعروفة فى المعنى الواحد من جميع جهاته وبلحاظ جميع قيوده وأحواله كما لا يخفى ، وهذا فيما اذا أمكن انفكاك الوصف عن الشرط والشرط عن موضوع الحكم واضح غايته ، واما اذا كان الوصف والشرط متلازمين ، فالظاهر هو ثبوت المفهوم من حيث الشرط وان لم يكن للوصف مفهوم ، لأن الوصف لا اقتضاء له من حيث دلالته على المفهوم، والشرط ذو اقتضاء ، فلا تزاحم بينهما فى الدلالة على الثبوت والانتفاء ليوجب ذلك الاجمال أو الرجوع الى المرجحات ، وأما اذا كان الموضوع نفس الشرط أو ملازماً له كما اذا كان الشرط محققاً للموضوع مثل قولهم اذا ركب الأمير فخذ ركابه ، أو اذا رزقت ولداً ذكراً فاختنه ، فقد يتمال بثبوت المفهوم في مثله وان كان ذلك من سنخ مفهوم اللقب ( والسر فيه ) هو أن موضوع الحكم في مثل القضية المذكورة نفس الشرط المعلق عليه ، فيكون بملاحظة كونه موضوعا للحكم بلا اقتضاء بالنسبة الى المفهوم كما هو الشأن في سنخ مفهوم اللقب ، وبملاحظة كونه شرطاً معلقاً عليه الحكم يكون ذا اقتضاء ، ولا ريب في أن اللا اقتضاء لا يعارض ولا يزاحم ذا الاقتضاء فى مقتضاه ، ونتيجة ذلك هو ثبوت
مفهوم الشرط الملازم لمفهوم اللقب ، وهذا التقريب انما يتم حيث تنحصر فائدة تعليق الحكم على وجود موضوعه فى افادة كون الحكم المزبور مختصاً بالموضوع المذكور في القضية ، وأما اذا لم تنحصر فائدة تعليق الحكم على وجود موضوعه في افادة الاختصاص المزبور ، بل جاز أن يكون تعليق الحكم لافادة أن هذا الحكم يدور ثبوته في الخارج مدار ثبوت موضوعه فى أى فرد من أفراده بنحو القضية الحقيقية ، فيصح أن يقال لافادة هذا المعنى بمثل قولنا اذا ركب الأمير فخذ ركابه ، والظاهر ان الذى يفهمه العرف من مثل هذه القضية هو هذا المعنى ، فلا يصح القول بالمفهوم فى مثل هذه القضايا استناداً الى الاحتمال الأول في فائدة التعليق لعدم ظهور القضية المذكورة فيه، بل الاحتمال الثانى هو الراجح لظهورها فيه عند العرف . والى الاحتمال الثانى استند شيخنا الأنصاري( قدس سره الشریف) فى نفى المفهوم عن آية النبأ كما انه استند الى الاحتمال الأول استاذ الاساتذة ( قدس سره الشریف) في اثبات المفهوم لتلك الآية المباركة .
ثم انه قد تكون بين الحكم والشرط الذي علق عليه ملازمة فى الثبوت والانتفاء كالحكم الظاهرى مع موضوعه أعنى به الجهل بالحكم ، فالظاهر انه لا مفهوم لمثل قوله ان جهلت حكم شيء أو لم تعلم بحكمه فهو لك حلال ، اذ الحلية الظاهرية ملازمة للجهل بالحكم الواقعي ، وانتفاء الحكم بانتفاء موضوعه ضرورى ، والحلية الظاهرية ليس لها فرد آخر يمكن تحققه في غير مورد تحقق شرطها أعنى به الجهل بالحكم الواقعي ليدل التعليق على انتفاء طبيعة الحكم المعلق بجميع أفراده عند انتفاء الشرط المعلق عليه لتكون تلك الدلالة مفهومية .
( تنبيه ) هل يمكن تخصيص نفس المفهوم أو تقييده مع بقاء المنطوق على عمومه أو اطلاقه، أو لا يمكن ذلك ، بل لا بد من التصرف في نفس المنطوق بالتخصيص أو التقييد حيث يقصد تخصيص المفهوم أو تقييده ( الحق هو الثانى ) لما عرفت من أن المفهوم هو دلالة المنطوق بالالتزام البين على معنى آخر غير مادل
عليه ، فيكون المفهوم دلالة عقلية غير مستقلة ، فلا محالة يكون ظل المنطوق وتابعاً له في جميع خصوصياته بنحو لا يمكن أن ينفرد بخصوصية لا يشتمل منطوقه عليها اذا عرفت هذه المقدمات وتبين لك معنى المفهوم الكلى وما يكون به ثبوته ، فاعلم ان مما لا بد منه فى هذا المبحث هو تعيين صغريات كبرى المفهوم المذكور . والبحث عن كل مفهوم خاص في فصل يخصه .
لا يخفى أن أهل الفن قد اختلفوا في ثبوت المفهوم للقضية ، فذهب بعضهم الى ثبوته وآخرون الى نفيه ، أما المثبت فقد استند فى اثباته الى أحد أمرين بعد تسليم ان المفهوم فى القضية الشرطية لا يتحقق إلا اذا كان الشرط فيها علة منحصرة لثبوت الجزاء المعلق عليه ، وكان الجزاء المعلق على الشرط هي طبيعي الجزاء المعلق سواء كان حكما أم غيره ( أولهما ) هو الوضع بمعنى أن أدوات الشرط والتعليق قد وضعت للدلالة على أن مدخولها علة منحصرة لثبوت الجزاء المعلق على ثبوته وآية الوضع المزبور هو تبادر المعنى المذكور من القضية الشرطية ( ثانيهما ) هو جريان مقدمات الحكمة في احراز كون الشرط المذكور في القضيه هو بشخصه يتوقف على ثبوته ثبوت الجزاء نظير اثبات كون متعلق الوجوب هو بشخصه واجباً لا بجامعه ، فيثبت بذلك كون الوجوب تعيينياً لا تخييرياً ( ان قلت ) كون الشرط المذكور فى القضية الشرطية دخيلا بشخصه وخصوصيته في تحقق الجزاء لا يجدى فى ثبوتكون الشرط علة منحصرة ، الجواز أن يكون شرط آخر بشخصه أيضاً علة أخرى لتحقق الجزاء ( قلت ) نعم ولكن بضميمة إحدى المقدمتين الآنى ذكرهما يدل الظهور المزبور على الانحصار ( الأولى ) أن ظهور الجملة الشرطية في كون الشرط المذكور فيها بشخصه علة لثبوت الجزاء يمنع من احتمال وجود علة أخرى الثيوت الجزاء المذكور لامتناع اجتماع علتين على معلول واحد (لا يقال ان الجزاء
المعلق على الشرط وان كان هو سنخ الوجوب و الا انه يكون عند وجوده حصة منه ، ولا مانع عقلا من كون شرط آخر علة لحصة أخرى من الوجوب المعلق على الشرط المذكور في القضية ( لأنا نقول) اذا كان المانع من اجتماع علتين على معلول واحد هو لزوم المساحة بين العلة والمعلول ولا يعقل المسانخة بين شيء واحد وشيتين متبائنين فامتناع كون شرط آخر شرطاً للجزاء المعلق على الشرط المذكور فى القضية واضح وان كان المعلق سنخ الوجوب وحينئذ تدل القضية الشرطية بالمطابقة على كون الشرط المذكور فيها علة للجزاء المعلق عليه وبالالتزام على نفى كون غير الشرط المذكور علة للجزاء المعلق فيها ، واذا كان المانع هو اختصاص شخص المعلول لشخص العلة ويمتنع بالضرورة اختصاص شخص واحد بشخصين مستقلين كل منهما باختصاص مستقل غير الآخر فمقدمات الحكمة تنفى احتمال أن يكون هناك شرط آخر لو وجد الاستلزم وجود حصة أخرى من سنخ الوجوب المعلق اذ سكوت المتكلم فى مقام البيان يفيد ذلك . وأما النافى فهو يستند ( تارة ) الى كون القضية الشرطية غير دالة إلا على مطلق التلازم بين وجود الشرط ووجود الجزاء بمعنى أن مفاد القضية الشرطية هو تحقق الجزاء عند تحقق الشرط و
( اخرى) الى كون القضية الشرطية وان دلت على علية الشرط للجزاء إلا أنها لا تدل على كونه علة منحصرة له ولا يخفى ان تعليق ثبوت المفهوم في القضية الشرطية على كون ط علة منحصرة وانتفائه على عدم كونه كذلك مستدرك للاتفاق على كون الشرط علة منحصرة بالنسبة الى شخص الحكم المعلق عليه ،، وعليه يكون النزاع في كون الشرط علة منحضرة أو غير منحصرة لغواً، وانما المفيد فى ثبوت المفهوم وعدمه هو البحث عن كون الجزاء المعلق على الشرط هل هو طبيعى الحكم أو حصة منه ( فعلى الأول) يثبت المفهوم (وعلى الثانى ) ينتفى ، وحينئذ نقول ان الحكم التكليفى إما أن ينشأ بمادته كافظ الوجوب والتحريم ، وإما بهيئته مثل افعل ولا كلا التقديرين فلا محالة يكون المنشأ هو طبيعى الوجوب أو التحريم
أما الحكم المنشأ بمادته فواضح لأن المادة موضوعة بالوضع العلم والموضوع له عام وأما المنشأ بهيئته فكذلك على التحقيق من أن الحروف موضوعة بالوضع العام والموضوع له عام ، فإذا كان مفاد كل من المادة والهيئة هو طبيعى الوجوب أو الحرمة مثلا أمكن احراز اطلاقه في كل منهما بمقدمات الحكمة ، فاذا أحرز اطلاق الحكم ثبت ان المعلق على الشرط هو طبيعى الوجوب المطلق، فيثبت هذا الطبيعى بثبوت الشرط وينتفى بانتفائه ، لأنه موضوع هذا الحكم ، وقد ثبت ان كل حكم يثبت بليوت موضوعه وينتفى بانتفائه، ولا حقيقة للمفهوم الذى هو محل الكلام الاذلك.
(ان قلت ) على هذا يثبت مفهوم اللقب فضلا عن مفهوم الوصف ( قلت ) لا يخفى ان كل حكم يحكم به على موضوعه لا محالة يكون مطلقاً بالاضافة الى كل قيد لم يذكر في عقد الوضع، مثلا اذا قيل يجب اكرام زيد أو اكرم زيداً يكون وجوب الكرامه مطلقاً بالإضافة الى جميع الأحوال والطوارى، التي يمكن أن تطرأ على زيد ويتلبس بشيء منها ، فيكون زيد هو موضوع وجوب الاكرام الذى لوحظ مطلقاً بالإضافة الى قيامه وقعوده وبجينه وغيرها ولا محالة ان هذا الوجوب المطلق لا ينتفى الا بانتفاء زيد، اذهو موضوعه ، فاذا علق الوجوب على حدوث شيء مما يمكن أن يكون ذلك الوجوب مطلقاً بالإضافة اليه كاطلاقه بالإضافة الى غيره ، كما اذا قيل اكرم زيداً ان جاءك ، فقد أنشأ المتكلم هذا الوجوب مطلقاً من حيث قيام زيد وقعوده وبقية أحواله وكلما يمكن تقييد هذا المطلق به إلا من حيث مجيئة ، فان المتكلم قد قيد هذا المطلق من هذه الجهة فعلق هذا الوجوب المطلق من جميع الجهات على المجيء، فاذا ثبت المعلق عليه أعنى به المجىء ثبت الوجوب مطلقاً ، وإذا انتفى المجيء انتفى طبيعى الوجوب المطلق، تحقيقاً لمعنى الشرطية الثابتة بالتعليق لشخص المجيء ، فاذا دل دليل على وجوب اكرام زيد مثلا ان قام ولم يجى. فلا محالة يكون معارضاً للدليل الأول الدال على وجوب اكرامه على تقدير مجيئه .
( لا يقال ) الاطلاق الذى تثبته مقدمات الحكمة هو اطلاق الوجوب المعلق
على الشرط ، فيكون مفاد القضية الشرطية هو اطلاق الوجوب المعلق لا تعليق الوجوب المطلق ، والذى يثبت به المفهوم هو الثاني دون الأول ( لانا نقول ) لا ريب فى ان الموضوع والمحمول فى القضية الشرطية قد اخذا مطلقين اذ لم يقيد شيء منهما بقيد ، وانما ذكر الشرط التقييد النسبة الواقعة بين ذلك المحمول والموضوع فلا محالة يكون المحمول أعنى به وجوب الإكرام مثلا ملحوظاً بنحو الإطلاق في رتبة سابقة على تقييد نسبته بالشرط، وينتج ذلك أن المحمول المطلق قد علق على الشرط، فيكون مفاد القضية الشرطية هو تعليق الوجوب المطلق لا اطلاق الوجوب المعلق ( نعم ) لو كان الموضوع مقيداً بقيد ما كالموضوع الموصوف تقيد المحمول قهراً لانتسابه الى المقيد ، فيكون مفاد القضية المذكورة هو اطلاق الوجوب المقيد من غير ناحية القيد ، وبما ذكرنا تعرف الفرق بين القضية الشرطية وبين القضية التي أخذ الوصف جزء من موضوعها أو كان اللقب تمام موضوعها . وان الملاك الذي أوجب ثبوت المفهوم فى القضية الشرطية غير موجود في القضيتين الاخريين لأن المحمول فى القضية التى موضوعها المعنى المقيد بصفة ما في مثل اكرم الرجل العالم وإن كان هو طبيعى الوجوب الملحوظ بنحو الاطلاق ، إلا أن الإطلاق. طرأ على الوجوب المقيد بالإنتساب الى الموضوع الخاص ، فلم يكن الوجوب المطلق منتسباً الى موضوع خاص مقيد بالوصف ليوجب انتفاء الوصف انتفاء الوجوب المطلق عن ذات الموضوع،
( لا يقال ) أى فائدة الملاحظة هذه الخصوصية في اثبات المفهوم في مفهوم الوصف مع الإعتراف بان الحكم المحكوم به على المعنى الموصوف هو طبيعى الوجوب الملحوظ بنحو الاطلاق ولو بعد انتسابه الى موضوعه ، وان الحكم أياً كان ينتفى بانتفاء موضوعه ، وان انتقاء وصف الموضوع يوجب انتفائه ، فيوجب ذلك انتفاء الوجوب المطلق عن ذات الموضوع أعنى به مثل الرجل في قضية اكرم الرجل العالم ، ولا نعنى بمفهوم الوصف إلا ذلك .
( لانا نقول ) لا ريب فى أن انتفاء الموضوع يوجب انتفاء حكمه أياً كان ولكنه من باب السالبة بانتفاء الموضوع، وذلك لا يستلزم انتفاء مثل الحكم المزبور عن موضوع آخر ، ولا ريب في أن الرجل الجاهل موضوع آخر في عرض الرجل العالم ، فلا يكون ثبوت طبيعي الوجوب له مطلقاً منافياً لانتفاء طبيعي الوجوب عن الرجل العالم كما هو الشأن فى مفهوم اللقب.
و ممكن تقريب دلالة القضية الشرطية على المفهوم بنحو آخر غير الأول( وحاصله )ان كل كلام يصح السكوت عليه لتمام فائدته يتم تركيبه بموضوعه و محموله سواء كانت القضية خبرية أم انشائية ، ولا ريب فى أن المحمول فى القضية مطلقاً هو معنى اللفظ الملحوظ بنحو الاهمال كما هو مفاد كل لفظ موضوع بالوضع العام والموضوع له عام ، وان كان حمله على الموضوع وانتسابه الى الموضوع يوجب تعينه بنحو من أنحاء التعين من الخصوص أو العموم ؛فمثل زيد قائم أو يقوم وان كان المستفاد منه هو تلبس زيد بفرد ما من أفراد طبيعى القيام وحصة ما منه وهو نحو من انحاء التعين ، إلا ان هذا النحو من التعين انما حصل للمحمول من حمله على الموضوع وانتسابه اليه ، اذ حمل معنى على آخر انما يكون بلحاظ فنائه في مطابقه في الخارج ، وليس مطابقه فى الخارج إلا حصة من طبيعى معنى اللفط المحمول ، وإلا فلا ريب في أن المعنى الموضوع له اللفظ بالوضع العام والموضوع له عام هو طبيعى المعنى المبهم المهمل الذى يكون النظر عند تصوره مقصوراً على ذاته وذاتياته . وكونه عاماً ولو بنحو العموم البدلى أو خاصاً ولو بارادة حصة منه نحو من انحاء التعين ؛ خارج عن ذاته وذاتياته ؛ فلا يكون اللفظ الموضوع له دالا عليه بنفسه ؛ بل انما يستفاد من دلالة أخرى لفظية كالتنوين في مثل النكرة ، أو عقلية معنوية كالحمل والانتساب ، ولا فرق في هذا الشأن بين قضية( يجب اكرام زيد)وقضية( اكرم زيداً) فكما ان المستفاد من قضية( يجب اكرام زيد) هو طبيعة الوجوب المهملة من حيث الأفراد خصوصاً وعموماً ، كذلك قضية ( اكرم زيداً ، واكرم
الرجل ، واكرم الرجل العالم ) فان المستفاد من جميع هذه القضايا هي طبيعة الوجوب المهملة من حيث الافراد عموماً وخصوصاً وساير خصوصياتها ، وأما قضية إن جاءك زيد فاكرمه أو إن صار الرجل عالماً فعظمه فظاهرها ان الوجوب المعلق هو سنخ الوجوب وطبيعيه المطلق ، اذ لو كان مراد المتكلم هو افادة وجوب اكرام زيد بنحو الاهمال وكذا تعظيم العالم ، لافاده بقوله اكرم زيداً الجانى وعظم الرجل العالم ، فيكون عدوله عن الطريقة العامة في الافادة والاستفادة الى التعليق موجباً لظهور الجملة الشرطية فى تعليق طبيعى الوجوب المطلق على الشرط .
( ان قلت ) ليس الباعث للمتكلم على التعليق هو افادة كون الحكم المعلق طبيعى الوجوب المطلق ، بل الباعث على التعليق هو افادة كون الشرط المعلق عليه دخيلا فى ثبوت الحكم لموضوعه .
( قلت ) لا ريب فى أن افادة كون الشرط دخيلا فى ثبوت الحكم لموضوعه لا تتوقف على التعليق ، بل تتأتى بنحو التوصيف، بأن يجعل الموضوع مركباً من الذات والوصف كما أشرنا الى ذلك فى الامثلة السابقة ، بخلاف افادة كون الحكم المعلق على الوصف هو طبيعى الوجوب المطلق ، فانها لا تتأتى للمتكلم إلا بالتعليق على الشرط ، فيجعل الوصف المزبور شرطاً ، ويعلق عليه الحكم ، فيكون عدوله عن التوصيف الى التعليق موجباً لظهور الجملة الشرطية فى أن كون الحكم المعلق فيها هو طبيعى الوجوب المطلق ، اذ لا مزية للتعليق على التوصيف الا هذه النكتة .
وينبغي التنبيه على أمور ( الأول) اذا تعدد الشرط واتحد الجزاء فهو يكون على قسمين ( أحدهما ) ان لا يكون الجزاء قابلا للتكرار ولو بدليل آخر ، كما هو الشأن في الفائدة المترتبة على هذا البحث فى مثل قوله ( عليه السلام) اذا خفى الأذان فقصر واذا خفيت الجدران فقصر . ولا يخفى ان الجملة الشرطية ظاهرة في أمرين (الأول ) كون الشرط المذكور فيها هو بشخصه دخيلا في ثبوت الجزاء المعلق عليه لا بالجامع بينه وبين غيره ( الثاني ) هو كون الشرط المذكور علة تامة لوجود الجزاء
المعلق عليه ، أما ظهور الجملة الشرطية في الأمر الأول فهو مستند الى الوضع وأما ظهورها في الأمر الثاني فالى مقدمات الحكمة ، اذ اطلاق كون الشرط هو الدخيل في ثبوت الجزاء سواء اقترن بغيره أم لم يتمترن يفيد كونه علة تامة مستقلة لثبوت الجزاء، اذ لو كان الشرط المذكور جزء من علة الجزاء لوجب على المتكلم ان يذكر باقي الأجزاء والاكان ناقضاً لغرضه، وعلى ذلك يقع التعارض بين مفهوم كل من الجملتين اللتين أتحد الجزاء فيهما ومنطوق الأخرى في المشهور ، وبين منطوقيهها على التحقيق ، لأن المفهوم ظل المنطوق ومن آثاره التابعة له فى السعة والضيق ، فلا يعقل التصرف في المفهوم مع بقاء المنطوق على حاله من الاطلاق أو العموم (وعليه) يكون التعارض في الحقيقة بين المنطوقين، فلابد من التصرف فى أحدهما أو فى كليهما بما يرفع التعارض( وذلك )لا يكون إلا بالتصرف في أحد الظهورين ، إما في ظهور الجملة الشرطية في العلة المنحصرة ، فيسقط ظهور كل من الجملتين فى العملة المنحصرة عن الحجية بالمعارضة ، فنأخذ بظهور كل منهما فى العملة التامة ونحكم بثبوت الحكم المعلق على الشرط عند ثبوت كل شرط من الشرطين المذكورين في الجملتين . اذ قد بنينا على كون كل واحد منهما علة تامة لثبوت الحكم المعلق عليه ، وإما بالتصرف فى ظهور كل منهما فى العلة التامة والاستقلال، فيسقط ظهور كل منهما في ذلك عن الحجية بالمعارضة المذكورة، ونحكم بأن الشرط المعلق عليه الحكم في كل من الجملتين جزء العلة التي يتوقف ثبوت الحكم عليها ، فلا نحكم بثبوت الحكم المعلق على الشرط عند ثبوت أحد الشرطين، بل عند اجتماعهما معاً لكونهما معاً تمام العلة لثبوته .
( ومما ذكرنا ) ظهر انه لا وجه لتقديم ظهور الشرط فى الانحصار على ظهوره في الاستقلال بتوهم أن ظهوره في الانحصار مستند الى الوضع دون ظهوره في الاستقلال لكونه مستنداً الى مقدمات الحكمة ، لما عرفت من أن الظهور المستند إلى الوضع هو كون الشرط بشخصه دخيلا فى ثبوت الحكم المعلق عليه لا بالجامع بينه وبين غيره ، وأما كون الشرط المذكور هو تمام العلة لثبوت الحكم المعلق أو جزء
منها فليس ظهورة في كونه تمام العلة مستنداً الى الوضع ، بل الى أحدى المقدمتين اللتين تقدمت الأشارة اليهما ، أعنى بهما القاعدة المقلية ومقدمات الحكمة( وعليه) تستقر المعارضة المزبورة بين الجملتين، وبما أن المعارضة في المقام تكون من قبيل المعارضة بالعموم من وجه ، يسقط كلا الدليلين عن الحجية لتعيين حكم كل منهما بخصوصه ، لأنا نعلم بصدق أحدهما مع احتمال صدقهما معاً لاحتمال كون كل شرط من الشرطين المذكورين فى القضيتين المتعارضتين هو جزء الموضوع المنوط به الترخص ، ولا محالة يكون الموجع حينئذ هو الأصل ، وأثره يختلف باختلاف الموارد ، فقاصد السفر يستصحب وجوب التمام حتى يخفى عليه الأذان والجدران . كما ان الراجع من السفر يستصحب وجوب القصر حتى يستبين له كلا الأمرين .
( القسم الثانى ) هو ما إذا تعدد الشرط واتحد الجزاء وأمكن تكراره ، مثل قوله ان أفطرت عمداً فكفر وان ظاهرت فكفر ، فتارة يبحث عن تداخل الأسباب ، واخرى عن تداخل المسببات ، واللازم حينئذ هو تمييز كل واحد منهما في بحث مستقل فيهنا مقامان .
( المقام الأول ) فى البحث عن صحة تداخل الأسباب وعدمها ، وفيها خمسة أقوال ( الأول ) هو عدم صحة التداخل مطلقاً بمعنى أن كل شرط يعلق عليه الحكم يقتضى الوجوب المعلق عليه ووجود متعلق ذلك الوجوب ( الثانى ) هو صحة التداخل بمعنى عدم اقتضاء الشرطين سواء اقترنا وجوداً أم تعاقباً ولم يأت المكلف بالجزاء المكلف به الاجزاء واحداً ( الثالث ) هو عدم التداخل في وجود الحكم المعلق عليهما ، بمعنى أن كل شرط يستلزم وجود حكم من أفراد الحكم المعلق عليه فيجتمع كلا الفردين من طبيعة الوجوب مثلا في الطبيعة المكلف بها ، فيؤكد أحدهما الآخر ( الرابع ) هو التفصيل بين ما اذا تعدد الشرط شخصاً وجنساً ، وبين ما اذا احمد جنساً ، فقد قيل بالتداخل فى الثاني دون الأول ، مثل أن أفطرت عمداً فكفر وان ظاهرت فكفر ، فاللازم هو عدم التداخل لتعدد الشرط في هاتين القضيتين
شخصاً وجنساً بخلاف مثل قوله ان نمت فتوضاً ، فاللازم هو التداخل فما اذا تعدد النوم ولم يأت بالجزاء، (والتحقيق) يقتضى القبول الأول ، أعنى به عدم التداخل مطلقاً لأن ظاهر كل شرط يقتضى وجوباً ووجوداً مستقلين مختصين به ، كما ان ظاهر الجزاء هو كون المعلق على الشرط طبيعي الوجوب المتعلق بطبيعي المكلف به وبما أن طبيعى المكلف به في كلتا القضيتين الشرطيتين شيء واحد، لأن المطلوب بالأمر هو صرف الوجود ، وذلك لا يعقل التعدد فيه ، وحيتذ تقع المعارضة بين ظهور الشرطين وظهور الجزاء، فلا بد من تقديم أحد الظهور بن على الآخر . فاللازم هو تقديم ظهور الشرطين على ظهور الجزاء لوجهين (الأول) هو أن تقديم ظهور الجزاء على ظهور الشرطين يستلزم تقديم ظهور واحد على ظهورين، والعرف يأبى عن ذلك ، بخلاف تقديم ظهور الشرطين على ظهور الجزاء فانه بما يوافق العرف عليه ( الثاني ) هو ان الجزاء لا ظهور له فى وحدة المطلوب وتعدده ، بل هو بلا اقتضاء بالنسبة الى هذين القيدين، وانما يجزى الواحد فى أمتثال الأمر لكونه مما يتحقق به المأمور به ، ولذا يتحقق الامتثال أيضاً بفردين من الطبيعي المأمور به ان أتى بهما دفعة واحدة ( وعليه ) لا يقع التعارض بين ظهور الجزاء وظهور الشرطين الدال على التعدد، لأن الأول بلا اقتضاء والثاني ذو اقتضاء .
( ان قلت )لو سلمنا أن ظهور الشرطين في التعدد مقدم على ظهور الجزاء في الوحدة ولكن لا نسلم ان الجزاء في القضية الشرطية الطلبية هو متعلق الطلب ليستلزم ذلك عدم التداخل في الامتثال ، بل الجزاء في القضية الشرطية الطلبية هو نفس الطلب المعلق على الشرط، فاذا اقتضى تعدد الشرط تعدده كانت نتيجة ذلك هو تعدد الوجوب، فاذا كان متعلق الوجوب طبيعة واحدة استلزم تعلق كلا الوجوبين بها تأكد كل منهما بالآخر ، ولا يستلزم ذلك تعدد وجود متعلق الوجوب.
( قلت ) نعم ولكن قد يجاب عن هذا الاشكال بأن كل شرط يقتضى وجود حصة من متعلق الوجوب . فيتعدد وجود متعلق الوجوب بتعدد الشروط فلا
محالة يتعدد الوجوب أيضاً بتعدد الواجب ، اذ هو مقدمة لتحصيله في الخارج ، فبمقتضى تقديم ظهور الشرطين فى التعدد على ظهور الجزاء فى الوحدة يلزم القول بتعدد الجزاء أعنى به متعلق الطلب ( وفيه ) ان الشرط بالضرورة ليس علة أو مقتضياً لوجود الجزاء أعنى به متعلق الطلب ، وانما هو علة لحدوث المصلحة الداعية الى الطلب في متعلقه ، فيكون اجتماع شرطين أو اكثر على جزاء واحد موجباً لحدوث مصلحتين أو أكثر فيه ، وذلك لا يوجب اكثر من تعدد طلب ذلك الأمر الواحد حسب تعدد المصلحة فيه ، فاذا تعلقت به أوامر متعددة أوجب اجتماعها فيه تأكيد بعضها بعضاً ، وذلك هو معنى التداخل .
(والحق فى الجواب ) هو أن يقال ان كل شرط أو ان كل وجود مر وجودات الشرط المعلق عليه الطلب ، مثل ان افطرت فكفر وان ظاهرت فكفر ومثل أن أفطرت فكفر حيث يتعدد الافطار ، يقتضى طلباً مستقلا غير ما يقتضيه الشرط الآخر أو الوجود الآخر لنفس الشرط الواحد ، وبالضرورة ان الطلب المستقل لا يمكن الاحتفاظ باستقلاله إلا اذا تعلق بموضوع غير ما تعلق به الطلب الآخر ، اذ لو تعاقبا بموضوع واحد لفقد كل منهما استقلاله وحدوده . واندك كل منهما في صاحبه ، فحدث منهما طلب أكيد واحد متعلق بذلك الامر الواحد . لاستحالة اجتماع المثلين فى موضوع واحد، وعليه تكون دلالة الخطاب بالمطابقة على استقلال الطلب دلالة بالالتزام على استقلال متعلقه.
ثم ان بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف) قد استدل على لزوم تعدد متعلق الجزاء اذا تعدد الشرط كما فى الامثلة المزبورة ، بما حاصله ان الشرط يدل بالوضع على تعدد الجزاء ، ومقدمات الحكمة تدل على كفاية الواحد من طبيعة الجزاء ، ومع تحقق الدلالة الوضعية لا يبقى مجال لدلالة مقدمات الحكمة ، فتكون الدلالة الوضعية على التعدد واردة على دلالة مقدمات الحكمة على كفاية الواحد ، ولكن قد اتضح لك ما في هذا الاستدلال بعدما أحطت خبراً بما حررنا ، فانك قد عرفت ان دلالة
الشرط على تعدد الجزاء انما هى بمقدمات الحكمة ، لاستناد هذه الدلالة الى استفادة كون الشرط المذكور علة مستقلة لثبوت الجزاء ، وقد تقدم ان استفادة كون الشرط كذلك انما تستند الى مقدمات الحكمة باعتراف هذا المستدل ( وعليه ) لا يبقى وجه لتقديم ظهور الشرط فى تعدد متعلق الجزاء على ظهور الجزاء فى وحدته لما عرفت من استناد كلا الظهورين الى مقدمات الحكمة ، هذا مضافا الى أن الجزاء فى القضية الشرطية الطلبية هو الطلب لا متعلقه ، فكون الشرط المتعدد موجباً لتعدد الجزاء لا يوجب تعدد متعلق ،الجزاء ، لأن الجزاء على الفرض هو الوجوب مثلا ، وتعدد الوجوب لا يوجب تعدد وجود متعلق الوجوب المتعدد اذا كان متعلق الوجوبين طبيعة واحدة ، بل يكون تعدد الوجوب في المتعلق الواحد موجباً لتأكيد بعضه بعضاً ( فالتحقيق ) ان الدال على لزوم تعدد وجود متعلق الجزاء مع كون طبيعة واحدة هو ما أشرنا اليه فيما سبق .
وقد اتضح من جميع ذلك عدم صحة القول الثاني والثالث ، وأما القول الرابع أعنى به التفصيل بين ما اذا كان الشرط طبيعة واحدة ، وما اذا كان طبيعتين ، بلزوم التداخل فى الأول ، وعدمه فى الثانى ، فتقريب دليله هو أن الشرط اذا كان طبيعتين مثل إن أفطرت فكفر وإن ظاهرت فكفر ، فتمد تقدم أن ظاهر هذين الخطابين هو استقلال كل شرط فى تأثيره بثبوت الجزاء المعلق عليه ولو بمساعدة مقدمات الحكمة ، وقد تقدم الكلام فيه ، وأما اذا كان الشرط طبيعة واحدة بالاضافة الى الجزاء المعلق عليه ، مثل ان نمت فتوضاً ، واذا التقى الختانان وجب الغسل ، فالظاهر هو التداخل بمعنى عدم تعدد الجزاء ، أعنى به وجوب الوضوء والغسل في المثالين المزبورين فما اذا تعدد وجود الشرط من مكلف واحد قبل أن يأتى بمتعلق الجزاء أعنى به الوضوء أو الغسل ، كما اذا نام مرتين أو اكثر أو قارب كذلك( وذلك ) لأن التكليف قد علق على تحقق صرف وجود طبيعة النوم وصرف وجود التقاء الختانين، وصرف الشيء لا يتكرر( وبعبارة اخرى ) ان طبيعة الطلب قد علقت
على تحقق صرف طبيعة الشرط، فاذا حصلت طبيعة الوجوب فى المرة الأولى استحال تحصيلها في المرة الثانية من وجود الشرط، لأن المطلوب في الأولى قد حصل ، ويستحيل تحصيله في المرة الثانية ، وهذا المعنى يساوق بالنتيجة ظهور الشرط والجزاء في وحدة المعلق والمعلق عليه( والجواب ) ان العرف وان كان ينمهم أن المطلوب في الأوامر هو صرف وجود الطبيعة فيجتزى في مقام امتثال الأمر بايجاد متعلقه مرة واحدة لتحقق المطلوب فيها ، الا أنه يرى ان الشرط المعلق عليه الأمر كلما تحقق فى الخارج صار سبباً لتحقق الأمر المعلق . فيفهم من تعليق الطلب عليه أنه قد أخذ شرطاً بنحو القضية الحقيقية والطبيعة السارية . كما هو الشأن في جميع الأسباب الطبيعية مع مسببانها . وهذا هو معنى ما تقدم من أن مقدمات الحكمة تقضى بكون الشرط المعلق عليه الطلب هو بنفسه سبباً لتحقق الطلب المعلق عليه كلما تحقق فى الخارج ( وعليه ) لا ينبغي توهم التداخل . فاتضح أن الحق هو القول الأول : أعنى به عدم التداخل في الأسباب مطلقاً .
(وينبغى التنبيه على أمر ) وهو أن تقديم ظهور الشرط في التعدد على ظهور الجزاء فى الوحدة حتى يلزم القول بتعدد الجزاء وتعدد متعلقه بتعدد وجود الشرط هل يستلزم القول بتعدد موضوع متعلق الجزاء أيضاً . مثلا اذا قال المولى ان جاءك زيد فتصدق على فقير . فجاء زيد مرتين أو اكثر. فكما يجب أن يتصدق مرتين أو اكثر حسب تعدد المجىء . فهل يلزم أن يتعدد موضوع تصدقه أعنى به الفقير . أو . يكفي أن يتصدق مرتين أو أكثر على فقير واحد (الظاهر هو الثاني) لأن ما أوجب التعدد فى الجزاء أعنى به الطلب . وكذا متعلقه أعنى به الفعل المكلف به . غير موجود في محل الكلام أعنى به موضوع التكليف .واطلاقه كاف في جواز الاجتزاء بالتصدق أكثر من مرة على فقير واحد. لصدق أنه قد تصدق مرتين أو اكثر على فقير كما هو واضح .
( المقام الثانى ) فى البحث عن صحة تداخل المسببات أعنى به الاجتزاء بفعل
واحد فى امتثال اكثر من تكليف واحد فما اذا كان متعلق كل واحد من تلك التكاليف نفس متعلق الآخر كالوضوء في مثل اذا نمت فتوضأ واذا بلت فتوضأ . ولا يخفى أنه لا يبقى مجال للقول بالتداخل المذكور في هذا المقام بعد القول بعدم التداخل فى المقام الأول . لأن الدليل الذي دل على تعدد الجزاء ومتعلقه فما اذا تعدد الشرط وجوداً سواء تعدد ماهية أم اتحد . هو بنفسه يدل على عدم جواز التداخل في المقام . الا اذا دل عليه دليل خاص كالوضوء الواحد في أجزائه في امتثال الأوامر المتعددة بسبب تعدد وجود الشروط المعلق عليها وجوب الوضوء ثم ان جماعة من الأعلام الذين لم يقولوا بصحة التداخل المزبور في هذا المقام قالوا بجواز التداخل وصحته فيما اذا كان بين موضوعي الخطابين عموم وخصوص من وجه . مثل أكرم العالم واكرم الهاشمى . فاضاف هاشمياً عالماً : زاعمين ان التداخل فى مثل هذه الموارد على وفق القاعدة . فلا يفتقر جواز التداخل فيها الى دليل خاص ، وذلك لأن اكرام الهاشمى العالم ينطبق عليه عنوانان . أحدهما عنوان اكرام الهاشمي . وثانيهما عنوان اكرام العالم. وتعدد العناوين المنطبقة على وجود واحد كاشف عن تعدد الاضافات . وهو موجب لتعدد الامتثال بالنسبة الى تلك التكاليف المتعددة.
هذا ( ولا يخفى ما فيه ) فان الموجب لا متناع التداخل في المقام الأول هو ظهور كل شرط في حدوث وجوب مستقل تابع له . واقتضاء كل وجوب وجود متعلقه مستقلا أيضاً. فيكون اجتماع وجوبين أو أكثر في متعلق واحد موجباً لتأكيد بعضها بعضاً . وذلك خلاف ظاهر كل قضية شرطية فى استقلال جزائها في الوجود . وهذا المانع موجود بنفسه فى فرض كون موضوعى الخطابين بينهما عموم وخصوص من وجه . وتعدد الاضافة لا يوجب تعدد المضاف . فلا يمكن أن يكون وجود واحد وان تعددت اضافاته امتثالا لخطابين مستقلين في الوجود اذكل واحد منهما يدعو مستقلا الى ايجاد متعلقه مستقلا . وتعدد الاضافات في
الواحد لا يوجب تعدده في الواقع لتكون الوحدة ظاهرية ، ولذا نقول بتعارض الخطابين المتنافيين فما اذا اجتمعا فى مثل الفرض المزبور( وعليه ) لابد من القول بأحد أمرين : إما التداخل فى الأسباب . فيكون اجتماع الوجوبين أو اكثر في متعلق واحد موجباً لتأكيد بعضها بعضاً . ويكون الفعل ذو الاضافات المتعددة امتثالا واحداً لأمر واحد متأكد . وإما لزوم امتثال كل خطاب بايجاد متعلقه مستقلا عن ايجاد متعلق الآخر . فيلزم اكرام العالم الهاشمي مرتين في الفرض المذكور.
( واما ) ما عن بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف) من انه لا محذور في تداخل المسببات فيما اذا كان عموم متعلق أحد الوجوبين بدلياً ، بمعنى أن المطلوب بخطابة هو صرف الوجود ، مثل اكرم عالماً ، سواء كان عموم الآخر بدليل مثله ، أم شمولياً بمعنى الطبيعة السارية، مثل اكرم الهاشمي ، لأن الوجوب في الأول يتعلق بنفس الطبيعة ، والامتثال انما يتحقق بالفرد ، لأنه هو مطابقها بنظر العقل ، ولذا يكون التخيير بين أفرادها في مقام امتثال الأمر المتعلق بالطبيعة عقلياً ، وفى مثله لا يسرى الوجوب المتعلق بالطبيعة منها الى أفرادها ، وأما اذا كان عموم متعلق الأمر شمولياً ، فانه لا محالة فانه لا محالة يسرى الوجوب من الطبيعة الى أفرادها ، لكون كل فرد منها مأموراً به، وعليه لا يلزم في مثل اكرم عالماً واكرم هاشمياً أو اكرم الهاشمى اجتماع وجوبين فى وجود واحد ليؤكد أحدهما الآخر ، بل يبقى كل وجوب باستقلاله ، غاية الأمر ان العقل لا يرى فرقا في مقام امتثال ذينك الأمرين ، بين اكرام العالم الهاشمي . وبين اكرام العالم فقط أو الهاشمي فقط ، لأن طبيعة الاكرام المأمور بها في ذينك الخطابين كما تنطبق على اكرام كل منهما وحده ، كذلك تنطبق على اكرام الشخص الجامع لهما ، ولم يكن المانع من القول بصحة التداخل في المسببات إلا استلزامه لاتحاد الحكمين المستقلين ، وبما ذكرنا اتضح لك انتفاء المانع المذكور ( فلا يخفى ما فيه) اذ لا فرق فى سراية الحكم الى الحصة الخارجية بين كون متعلقه هو الطبيعة السارية أو صرف الوجود ، إلا في دخول المشخصات الموجبة للتحصص
فى متعلق الحكم فى الأول دون الثاني ، لأن الطبيعي الذي هو متعلق الحكم في القضية المطلوب بها صرف الوجود لا ريب في تحققه فى الحصة الخارجية ، ولذا يحصل بها الامتثال للأمر المتعلق بالطبيعى بنحو صرف الوجود ، وعليه يعود المحذور المذكور ، فلا محيص عن القول بأحد الأمرين المزبورين، من تأكيد أحد الحكمين ولزوم الاتيان بمتعلق الحكمين مرتين أو اكثر حسب تعدد الموضوع فى الشخص الواحد
( هذا كله) فيما اذا تعدد الشرط واتحد الجزاء عنواناً ، وأما اذا تعدد الشرط وتعدد الجزاء عنواناً ، وكان بين عنوانى الجزائين عمرم من وجه ، مثل أن استضافك الفقير فاضفه ، وان افطرت في رمضان فاطعم ستين مسكيناً ، فاستضافه فتمير حين
كونه مشغول الذمة بشيء من الكفارة الكفارة ، فهل تجزى ضيافة ذلك الفقير عن اطعام بعض المساكين المتعلقين بتلك الكفارة ، وتكون ضيافته امتثالا لكلا الأمرين المتوجهين اليه بسبب تحقق الشرطين المزبورين من الافطار في شهر رمضان.
واستضافة الفقير ، بعد البناء على عدم تداخل الأسباب ( قولان ) مبنيان على جواز اجتماع الأمر والنهى وامتناعه ، فان قلنا بأن صدق العنوانين المتغايرين على وجود واحد كاشف عن تعدد المعنون فى ضمن ذلك الوجود الواحد قد انضم بعضه. الى بعض ، أو قلنا بأن تعدد الجهة فى الشيء الواحد كاف في صحة تعلق الأمر والنهي به ، صح القول بكفاية الفعل الواحد المطابق لعنواني الجزاء، لعدم استلزام ذلك الاجتماع حكمين فى شيء واحد، ليكون ذلك موجباً لتأكيد أحدهما الآخر الذى هو خلاف البناء على عدم التداخل فى الأسباب، وأما اذا قلنا بالإمتناع في مسألة جواز الاجتماع ، لعدم تعدد المعنون فى صورة انطباق العنوانين على وجود واحد وعدم كفاية تعدد الجهة فلا يجزى الفعل الواحد المطابق للعنوانين المتغايرين .. الاستلزام انطباقهما عليه اجتماع الحكمين المتماثلين في شيء واحد الموجب ذلك لتأكيد أحدهما الآخر ، لاستحالة اجتماع المثلين في موضوع واحد ، وقد تقدم أن تأكيد أحد الحكمين للآخر موجب لحدوث حكم واحد في ذلك المجمع ، فلا محالة يكون .
الإتيان به امتثالا لذلك، فيبقى الحكم الآخر الذي اوجب تحققه الشرط الآخر بلا امتثال ، لأن فرض الكلام هو البناء على عدم تداخل الأسباب .
قد تقدم الكلام كبروياً فى أنه اذا تعدد الشرط واختلف حقيقة ، واتحد الجزاء طبيعة ، فهل يمكن التداخل فى المسبب، أعنى به كفاية فعل واحد في امتثال تكليفين ، ولكن بقى ع أن نتكلم صغروياً فى دلالة الخطاب على اختلاف حقيقة الجزاء واتحادها ، حيث يكون عنوان الجزاء واحداً في الخطابين المختلفين من جهة الشرط مثل أن حاضت المرأة فلتغتسل بعد نقائها ، وان أجنبت فلتغتسل بعد الجنابة ، فهل يكون اضافة الغسل الى سبب خاص موجباً لاعتباره حقيقة مغايرة لحقيقة الغسل المضاف الى سبب خاص آخر . الظاهر ان الأضافة المزبورة لا تدل على كون متعلق الجزاء المضاف الى سبب خاص قد اعتبره الشارع حقيقة مغايرة للمتعلق المضاف الى سبب آخر . وان يمكن اعتبار العمل الواحد من حيث الماهية في الواقع ماهيتين متغايرتين من حيث الأثر والحكم. بلحاظ بعض الفوائد والمصالح . مثل غسل الجنابة وغسل الحيض . فانهما فى اعتبار الشارع ماهیتان متغايرتان لاختلاف الأثر المترتب على كل منهما . مع انهما فعل واحد ماهية وحقيقة في نظر الفلسفي . وهكذا جملة من الواجبات والمستحبات الشرعية . ولا ريب في امكان ذلك في مقام الثبوت . إلا أن الاشكال فى مقام الإثبات . فان تعدد الشرط واختلافه لا يدل على اختلاف متعلق الجزاء فى اعتبار الشارع . هذا بالنظر الى ظاهر الخطاب وأما استفادة المغايرة من نفس الاضافة المذكورة فهو أمر غير معقول . لأن هذه المغايرة لا تطرأ على متعلق الجزاء إلا في رتبة متأخرة عن ذات المتعلق . لأنها انما تنشأ من انشاء الحكم معلقاً على الشرط. ولا ريب في أن الحكم المعلق على الشرط متأخر بالطبع عن متعلق الجزاء. أعنى به الحكم. وما ينشأ من المتأخر لا محالة
يكون متأخراً ( وعليه ) كيف يعقل أن تكون تلك المغايرة مقومة لمتعلق الحكم . وإلا لزم تقدم المتأخر أو تأخر المتقدم وكل منهما غير معقول .
( هذا كله ) فيما يتعلق باحر از ظهور القضية الشرطية من حيث جواز تداخل الأسباب وتداخل المسبات . وأما اذا شككنا في جواز التداخل في كل منهما لعدم ظهور القضية فيما يصح معه التداخل . فلا بد من الرجوع فى موارد الشك الى الأصل فلابد العملى . فقد يقال باختلافه حسب اختلاف منشأ التداخل . أما تنقيح الأصل في مورد الشك في تداخل الأسباب( فتوضيحه) أنه قد تقدم أن منشأ جواز التداخل فى الأسباب هو أحد أمور ثلاثة ( أحدها ) عدم ظهور الشرط في الاستقلال( ثانيها )عدم ظهور الشرط فى الانحصار ( ثالثها ) عدم ظهور الشرط في اقتضائه حكما مستقلا محدوداً . بل يكون غاية ما يقتضيه هو حدوث طبيعي الحكم بنحو صرف الوجود . أما على الأمرين الأولين فلا اشكال في أن المرجع هو البراءة . للشك فى حدوث التكليف الزائد على الأول . وأما على الأمر الثالث فقد يتمال بأن المرجع هو الاشتغال . لأن المفروض هو ظهور الشرط في الاستقلال والانحصار وكون الشرط كذلك يقتضى بكل وجود من وجوداته أثراً . فاذا شككنا فى ذلك الأثر . أنه الوجوب المستقل المحدود أو هو تأكيد الوجوب الحادث بوجود أحدهما . فاليقين بوجود ذلك الأثر يوجب اليقين باشتغال ذمة المكلف به عند حدوثه . والاقتصار فى الامتثال باتيان متعلق الجزاء مرة واحدة يوجب الشك في فراغ الذمة مما اشتغلت به أولا . وحينئذ يكون المرجع هو الاحتياط .
إلا أن التحقيق يقتضى الرجوع الى البراءة أيضاً. لأن الشك في كون الأثر المترتب على وجود الشرط هو الوجوب المحدود أو صرف الوجود . يوجب الشك في حدوث تكليف زائد مستقل على التكليف الواحد . سواء تعدد وجود الشرط دفعة واحدة أم تعاقبت وجوداته . غاية الأمر أنه على فرض كون التكليف فى الواقع واحداً يكون مؤكداً . لفرض تأثير كل شرط في أحداث تكليف يكون مستقلا
في المحل القابل ويؤكد التكليف الآخر حيث يكون المحل غير قابل لهما على الاستقلال وعليه يكون المرجع هى البراءة ، للشك في حدوث تكليف آخر غير المتيقن ، وأما تنقيح الأصل في مورد الشك في تداخل المسببات فهو أن منشأ الشك في هذا المقام لا محالة يكون أحد أمرين ( الأول ) هى الشبهة الموضوعية بمعنى أنه بعد البناء على كفاية العمل الواحد ذى الجهتين في امتثال التكليفين المستقلين نشك فى أن ضيافة العالم الهاشمي هل تكون مصداقا لعنوانى الاكرام والضيافة المأمور بهما في مثل اكرم العالم وأضف الهاشمي ، أو ليست هى إلا مصداقا لعنوان واحد ، ولا ريب في أن المرجع هو الاشتغال( والثانى ) هى الشبهة الحكمية بمعنى أنه نشك في كفاية الحمل الواحد ذى الجهتين فى امتثال التكليفين المستقلين، والمرجع أيضاً هو الاشتغال كما لا يخفى .
( التنبيه الثالث )لا ريب في أن المفهوم هو انتفاء سنح الحكم المعلق على الشرط المذكور فى القضية الشرطية عند انتفاء الشرط المعلق . وعلى هذا ينبغي أن يكون مفهوم القضية الشرطية التى كان الحكم المعلق فيها عاماً موجبة جزئية ، إن كانت القضية الشرطية سالبة، مثل أن صمت فلا تأكل شيئاً ، وسالبة جزئية ، إن كانت القضية الشرطية موجبة كلية ، هذه هي القاعدة المشهورة عند أهل الميزان ، إلا أنه وقع الخلاف في المقام ، فذهب بعض الأساطين من مشايخنا و قده الى التفصيل فى مقام الثبوت ومتمام الاثبات ، أما في المقام الأول فقد زعم أن المعلق على الشرط اذا كان هو العموم فلا محالة يكون المفهوم موجبة جزئية ان كانت القضية سالبة كلية ، واذا كان المعلق هو الحكم العام فلا محالة يكون المفهوم موجبة كلية ان كانت القضية سالبة كلية ، وأما المقام الثاني فقد أفاد فيه ان قضية الجزاء السالبة ان كان العموم الذى تعلق به السلب فيها مستفاداً من صيغ العموم الاسمية ، مثل كل وجميع ، فالقضية صالحة لأن يراد بها عموم السلب وسلب العموم ، ولا يمكن تعيين أحدهما إلا بالقرينة ، وان كان العموم الذى تعلق به السلب مستفاداً . صيغ العموم
الحرفية مثل هيئة الجمع المعرف باللام ، وكان معنى حرفياً غير قابل لأن يلحظ بنفسه ويعلق على الشرط ، أو كان ذلك العموم مستفاداً من وقوع النكرة في سياق النفى أو النهى ، ولم يكن فى اللفظ ما يدل عليه ، فلا محالة يكون المعلق في القضية الشرطية هو الحكم العام، فيكون نقيض هذا الحكم العام ان كان سلباً موجبة جزئية ، وان كان ايجاباً سالبة جزئية ، ولم يلتزم بتلك القاعدة فيما اذا كان الحكم عاماً استغراقياً افرادياً ، بمعنى أن الحكم متعلق بكل فرد ، فيكون الحكم انحلالياً ، فلا محالة يكون الجزاء في مثل هذه القضية الشرطية منحلا الى عدة أحكام خاصة يكون بازاء كل فرد من أفراد متعلق الحكم العام حكم يخصه ، وتكون القضية الشرطية قضايا شرطية متحدة الشرط حقيقة ، ومتحدة الجزاء نوعا ، ومختلفة في متعلق الجزاء نوعا ، مثلا اذا قال الشارع الماء اذا بلغ قدركر لا ينجسه شيء ، فقد أفاد بذلك انه اذا بلغ الماء قدركر لا ينجسه البول ولا ينجسه الغائط ولا ينجسه الدم الى آخر النجاسات وعليه يكون مفهوم مثل هذه القضية الشرطية موجبة كلية اذا كان الحكم المعلق فيها سلبياً وسالبة كلية اذا كان الحكم المعلق فيها ايجابياً .
(والتحقيق فساد هذا التفصيل ) لأن ملاك وحدة المفهوم وتعدده في القضية الشرطية هو وحدة التعليق والربط وتعددهما ، لا تعدد الحكم ووحدته فى مقام التطبيق ، لأن تحليل العقل للحكم الواحد عنواناً الى أحكام متعددة بعدد أفراد الموضوع في الخارج ، تطبيق من العقل لذلك الحكم الواحد على موارده التي هي مصاديق موضوعه الواحد المنطبق بنظر العقل أيضاً على تلك الموارد ؛ فلم يكن المتكلم بمثل قوله اذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شيء قد أنشأ عدة قضايا شرطية بعبارة واحدة ، لأن النسبة التعليقية الشرطية المستفادة من اداة الشرط هي نسبة واحدة لوحدة أداة الشرط المفيدة لها ، فلا محالة يكون المنتسب بها معنى واحداً . وأما ما بنى عليه من الفرق بين ما اذا كان المعلق على الشرط عموم الحكم أو الحكم العام( فقيه ) ان ما يثمر فى الايجاب الكلى في هذا المفهوم هو سوق القضية لتعليقات
متعددة بعدد الحكم ، والا فلو كان المقام مسوقا لبيان تعليق واحد ، لا فرق فيه بين كون المعلق عموم الحكم أو الحكم العام المنحل الى أحكام متعددة لموضوعاته ، ففى الحقيقة تكون استفادة الايجاب الكلى من لوازم الانحلال في ناحية التعليق ، لامن لوازم الانحلال في ناحية المعلق
( وتوهم) الملازمة مع الانحلال في ناحية التعليق (مدفوع جداً ) كما لا يخفى ، فالاولى أن يقال بعد استغراقية الحكم (تارة) تكون القضية مسوقة لتعلق كل واحد مستقلا( واخرى) لتعلق كل واحد ضمناً ، ففي كل واحد من القسمين يكون معروض التعليق هو الحكم العام ( نعم ) قد يكون المعروض عموم الحكم الذى هو معنى واحد بسيط، وفى مثله لا يتصور إلا تعليق واحد بلا قابليته للانحلال الى تعليقات متعددة ، بخلاف الصورة الأولى ، ولذا نقول ان في فرض استفادة العموم من الهيئة كان ظاهر القضية هو رجوع التعليق الى حكم العام وانما الكلام فى أنه بتعليق واحد أو بتعليقات متعددة ، وظهورها فى الثانى فى غا البعد ، فلا تستفاد منه حينئذ إلا الموجبة الجزئية .
وأما ما استنتجه( قدس سره الشریف) فى مقام الاثبات من أن الدال على العموم اذا كان معنى حرفياً مستفاداً من مثل هيئة الجمع، أو كان مستفاداً من وقوع النكرة في سياق النفى ، فلا محالة يكون المعلق هو الحكم العام كما في الرواية ( ففيه) أنه لو سلمنا ذلك ولكن لا نسلم أن يكون لازمه انحلال التعليق ، بل القضية قابلة لأن تكون مسوقة لتعليق واحد قائم بالحكم العام ، فلا ينتج ذلك أيضاً إلا الايجاب الجزئى كما لا يخفى( و بالجملة ) استفادة عموم التعليق بنحو يقتضى انحلاله الى تعليقات متعددة في جعل هذه القضايا لولا القرينة الخارجية دونها خرط القتاد .
ثم ان ما تمسك به ( قدس سره الشریف) من عدم القول بالفصل بين أنواع النجاسات ، بأنه اذا ثبت تنجس الماء في الجملة ، فيثبت تنجسه بكل نجس ( ففيه ) ان العموم فى المفهوم ( تارة ) ولاحظ فى افراد النجس (واخرى) فى انحاء ملاقاته من ورود النجس عليه أو وروده على النجس ، وربما يثمر فيه سلب العموم أو الايجاب الجزئى
اذ لا يكون فى انحاء الورود عدم القول بالفصل ، وبذلك أيضاً ربما يستنتج طهارة الغسالة أو تتميم الكر بالنجس مع استهلاكه فى الماء لا بالملاقاة فضلا عن المتنجس اذ العمومات حينئذ تسقط عن الدليلية في هذه المقامات .
لا يخفى أنه قد اشتهر بين الأعلام انه لا مفهوم للوصف ، وهذا هو الحق لما من من أن الضابطة فى الحكم بالمفهوم هو كون المحمول فى القضية من سنخ الأمر الذي حمل على موضوعها وجوباً كان ذلك المحمول أم غيره ، مع ظهور الخصوصية التي تذكر في الكلام زائداً على الموضوع والمحمول فى كونها علة منحصرة في ثبوت المحمول للموضوع المذكور فيه ، وقد عرفت أنه اذا لم يكن في القضية قيد زائد على ما تتم به الفائدة في الكلام عند العرف لا يمكن استظهار كون المحمول فيها هو سنخ المحمول وطبيعته ( وعلى ذلك نقول ) ان الوصف الذي يوصف به الموضوع لا يكون إلا جزء منه لا قيداً زائداً عليه بنحو تتم القضية بدونه ( وحينئذ ) يكون موضوع القضية الموصوف بوصف ما مركباً من معنيين ، الذات ووصفها ( وعليه) لا يبقى فرق بين اللقب وموضوع القضية الموصوف بوصف ما ، فكما ان اللقب ليس قيداً زائداً على ما تتم به القضية ، كذلك وصف موضوع القضية ( وعليه ) لا يكون في القضية التى موضوعها مركب من الذات والوصف قيد زائد يوجب استظهار كون المحمول فيها هو السنخ ، ومع انتفاء هذا الظهور لا يمكن الحكم بالمفهوم .
(ان قلت) كما ان الكلام الذى يصح السكوت عليه يتم بذات الموضوع والمحمول فى القضية الشرطية ، وهما جاء وزيد مثلا ، ويكون ذكر الشرط لافادة معنى زائد على المعنى الذى يفيده الموضوع والمجمول ، وذلك المعنى الزائد هو كون المحمول في القضية طبيعة المحمول وسنخه بما هي طبيعته ، لا الطبيعة المهملة ، فينتج ذلك انتفاء المحمول عند انتفاء الشرط المعلق عليه ذلك المحمول ، كذلك الكلام المركب
من موضوع موصوف و محمول ، يتم بنحو يصح السكوت عليه بذات الموضوع والمحمول ، فيكون ذكر الوصف متمحضاً لافادة معنى زائد على المعنى الذي يفيده ذات الموضوع والمحمول ، وذلك المعنى الزائد هو كون المحمول في القضية طبيعة المحمول وسنخه بما هي طبيعته لا الطبيعة المهملة ، فينتج ذلك انتفاء المحمول عند انتفاء الوصف .
( قلت ) المرجع في تشخيص كون القيد زائداً على ما تتم به القضية ، والكلام الذي يصح السكوت عليه ، هو نظر العرف ، وهو يفرق بين القيد الذي يكون جزء الموضوع القضية وبين القيد الذى لا يكون جزء له ، بل كان ذكره في الكلا لتشخيص نسبة الحكم الى موضوع القضية، فيما ان القضية تتم بذات الموضوع والمحمول ، يكون ذكر القيد الموجب لتشخيص نسبة الحكم في الكلام زائداً عليه في نظر العرف ، بخلاف القيد المقوم للموضوع ، لذا يكون الوصف من أجزاء الموضوع ، فيكون حكم المفهوم المستند اليه ، حكم المفهوم المستند الى اللقب ( هذا ) ولا يذهب عليك ان دعوى كون الوصف من قيود الموضوع ومقوماته لا تستلزم انتفاء فائدة لذكر الوصف في الكلام كما تستلزم انتفاء المفهوم ، بل تكون لذكره فائدة مهمة ، أما اذا كان الموصوف به اسماً من أسماء الأجناس ، فان الوصف يكون مقوماً لموضوع الحكم ، كما في مثل الرجل العالم يجب اكرامه ، أو اكرم الرجل العالم وأما اذا كان الموصوف به علماً من الأعلام ، فان الوصف يكون مشخصاً الموضوع الحكم ومشيراً اليه ، مثل زيد العالم يجب اكرامه ، أو اكرم زيداً العالم ، وأشباه هذه الفوائد ، وأما الشرط فان فائدته هو تعليق سنخ الحكم عليه ، الموجب لانتفائه عند انتفائه ، وهذا هو المفهوم المتنازع فيه .
( وينبغى التنبيه على أمور ) ( الأول) لا يخفى أن محل النزاع في ثبوت مفهوم الوصف ، هو ما اذا كان موضوع الوصف أعنى به الذات يثبت لها الوصف (تارة) وينتفى عنها ( أخرى ) مع بقائها ، وأما اذا كان الوصف ملازماً للذات في الصدق
فلا وجه للنزاع المزبور ، كالضاحك بالنسبة الى الانسان .
ثم انه اذا قلنا بثبوت مفهوم الوصف ، فانما يثبت لخصوص الموضوع الذى نسب الوصف اليه ، لا له ولغيره من الموضوعات التي تتصف بذلك الوصف ( تارة ) وتتجرد عنه ( أخرى) مثلا اذا ورد أن فى الغنم السائمة زكاة ، فعلى القول بمفهوم الوصف تدل القضية المزبورة على انتفاء الزكاة عن الغنم المعلوفة ، لا على انتفاء الزكاة عنها وعن الابل والبقر المعلوفة، لأن الابل والبقر لم يؤخذ شيء منهما موضوعا لوصف السائمة فى القضية المزبورة .
( الأمر الثاني ) قد يتوهم ان السر فى حمل المطلق على المقيد هو ثبوت المفهوم للوصف ، اذ لولا دلالة الوصف على انتفاء الحكم المعلق عليه عند انتفائه لما كان وجه لسلب الحكم عن بقية أفراد المطلق ، سواء كان عموم المطلق شمولياً أم بدلياً وان قيل بشدة ظهور الوصف في المفهوم فى المطلق الشمولى ( ولكنه مندفع) بأن السر فى الحمل المزبور هو احراز وحدة التكليف ، وظهور القيد فى كونه جزء لموضوع التكليف أو جزء المتعلقه ، ومعهما لا يتحقق امتثال ذلك التكليف الواحد إلا باحراز موضوعه أو متعلقة المفروض كونه مركباً من القيد والذات ، ولذا لا تكون منافاة بين المطلق والمقيد توجب حمل أحدهما على الآخر اذا لم يكر التكليف المتعلق بهها واحداً .
والكلام فيه يكون من جهتين (الأولى) ان الغاية هل تكون داخلة في المغيا وقد اختلفوا في ذلك على أقوال ( ثالثها) التفصيل بين ما اذا كانت الغاية من جنس المغيا وعدمه ، فتميل بالدخول مع المجانسة ، وبعدمه مع عدمها ( رابعها ) التفصيل بين الأدوات الدالة على الغاية ، فقيل بالدخول فيما اذا كانت الأداة الدالة على الغاية هي كلمة حتي ؛ وبعدم الدخول فيما اذا كانت الأداة هي كلمة الى .
( والتحقيق ) هو عدم دخول الغاية فى المغيا ؛ بل لا يعقل الدخول حسمها يفهم من تركيب الكلام( وذلك ) لما بينا فى محله من أن الحروف موضوعة للدلالة على المعانى النسبية الواقعة بين المعانى الاسمية ، فتكون اطراف النسبة خارجة عنها فاذا فرض ان كلمة الى تدل على النسبة التي يعبر عنها بالانتهاء ، فلا محاله يكون ما بعد كلمة الى من اطراف معناها ، فيكون خارجا عما قبلها ، كما ان الامر كذلك في مثل كلمة من المعبر عن معناها بالابتداء ، فان ما قبلها يكون خارجا عما بعدها ؛ لكونه من أطراف معناها ، ومن هنا يظهر أن ما بعد كلمة الى لا يكون بحسب الدقة هو الغاية ، بل الغاية هى نفس النسبة التي دلت عليها كلمة الى ؛ ويكون مدخول كلمة الى هو طرف الغاية الحقيقية ( وعليه ) تعرف انه لا موقع للنزاع في ان مدخول كلمة الى هل هو داخل في المنيا أو خارج عنه ؛ ومن هنا ظهر فساد التفاصيل المتقدمة ولا سما التفصيل بين أداة الى وأداة حتى ؛ وان استحسن ذلك التفصيل بعض الأساطين من مشايخنا و قده، توهما منه ان أداة حتى كثيراً ما تستعمل للدلالة على شمول الحكم المغيا للفرد الخفى ، كما هو ظاهر المثل المعروف (اكات السمكة حتى رأسها) وقد نشأ الوهم من الخلط بين أداة حتى العاطفة كما فى المثال المزبور . وأداة حتى الدالة على الغاية مثل قوله تعالى حتى مطلع الفجر.
( الجهة الثانية ) هل يكون للغاية مفهوم ( فيه أقوال ) ثالثها هو التفصيل بين أن تكون الغاية قيداً للموضوع . لمتعلق الحكم ( فلا مفهوم لها ) وبين أن تكون الغاية غاية لنفس الحكم ( فلها مفهوم ) وهذا هو الحق( وذلك )لأن الغاية اذا كانت قيداً لموضوع الحكم أو لمتعلقه كان موضوعه أو متعلقه أمراً خاصاً ،فيكون بحكم اللقب و الموضوع الموصوف . فكما أن الحكم الوارد على الموضوع الخاص مثل اكرم زيداً أو اكرم الرجل العالم . أو الحكم المتعلق بأمر خاص مثل صل في المسجد يكون طبيعة مهملة . وبالانشاء تتشخص . فتكون حصة من طبيعة الوجوب مثلا ، كذلك الحكم الوارد على موضوع مقيد بغاية ، كما اذا قيل الوجه من قصاص الشعر الى الذقن
يجب غسله ، واليد من أطراف أصابعها إلى مرفقها يجب غسلها ، فلا يكون هذا الحكم فى هذه القضية إلا طبيعة مهملة ، تشخصت بالانشاء ، فكانت حصة من الوجوب ، والمفهوم لا يتحقق إلا اذا كان الحكم المنشأ سنخاً أى طبيعة مرسلة . ليكون انتفائه بانتفاء الموضوع أو الشرط موجباً لانتفاء جميع أفراد الحكم ، وهذا هو معنى المفهوم .
( ان قلت ) كيف يمكن أن يكون انتفاء الشرط موجباً لانتفاء جميع أفراد الحكم المعلق على ذلك الشرط ، مع ان اللفظ موضوع لطبيعي المعنى أى معنى كان . والحكم كالوجوب وغيره من جملة معانى الالفاظ، ومنها الهيئات الموضوعة للمعاني فاذا انشأ الحكم بلفظه الموضوع له، فتمد وجد طبيعيه بالوجود اللفظى ، وكما ان الطبيعي اذا وجد بوجوده الحقيق الخارجى يكون حصة ، ويجوز عليه التعدد حسب تعدد العلل الموجبة لوجوده ، مع كونه واحداً في طبيعته ، كذلك طبيعى الحكم اذا وجد بوجوده اللفظى الانشائى يكون حصة ، ويجوز عليه التعدد حسب تعدد العلل الموجبة لوجوده الانشائي ، فاذا كان مجيء زيد مثلا علة لوجود وجوب اكرامه . فقال المتكلم اكرم زيداً ان جاءك ، فلا يدل ذلك على انتفاء طبيعي وجوب اكرام زيد اذا انتفى مجيئه ، لجواز أن تتحقق علة اخرى لوجود ذلك الطبيعي بوجود آخر.
( قلت ) لا يخفى ان كل لفظ وضع بالوضع العام والموضوع له عام اذا استعمل فى معناه يكون له بما له من المعنى اطلاق ،افرادى ، كما يكون له اطلاق من الجهات الأخرى ، واللفظ الدال على الحكم سواء كان مادة أم هيئة يكون له هذا الاطلاق . فاذا علق اطلاقه الافرادى شمولياً كان أم بدلياً على شرط . أفاد ذلك التعليق انتفاء ذلك الحكم المطلق بالاطلاق الافرادى عند انتفاء الشرط المعلق عليه فيثبت المفهوم الذى حقيقته هو انتفاء جميع افراد الحكم المعلق عند انتفاء الشرط المعلق عليه.
( ان قلت ) كما يثبت المفهوم للقضية الشرطية بهذا التقرير . يمكن جريانه
فى القضية المشتملة على الوصف، فيثبت به المفهوم للوصف ، قلت ( أولا ) ان العرف لا يرى للحكم المعلق على الوصف اطلاقا افرادياً كما يرى ذلك للمعلق على الشرط ( وثانياً) لو سلمنا ثبوت الاطلاق الأفرادى للحكم المعلق على الوصف لما كان ذلك بحدى فى ثبوت المفهوم، لأن الوصف في نظر العرف جزء من موضوع الحكم ، وانتفاء الوصف يرجب انتفاء الموضوع ، ومعه ينتفى الحكم الثابت له عقلا أى حكم كان ، والمفهوم المبحوث عنه في هذا الباب هو دلالة الكلام على انتفاء جميع أفراد الحكم عن الموضوع المحقق الذي ثبت له ذلك الحكم في حال ثبوت المعلق عليه .
( ان قلت) اذا كان ثبوت المفهوم الشرطى متوقفاً على الاطلاق الافرادي الشمولي ، ففي صورة كون الحكم المعلق مدلولا للهيئة يكون ذلك الحكم معنى حرفياً ومفهوماً نسبياً ، وقد ثبت عندهم ان المعنى الحرفى تابع في الاطلاق والتقييد لطرفيه ولا ريب فى أن متعلق الحكم المزبور كالاكرام في مثل اكرم زيداً ان جاءك مهمل حيث الاطلاق الأفرادى الشمولي ، ومعه كيف ممكن ثبوت الاطلاق الأفرادى الشمولي للحكم .
( قلت ) اذا قلنا بامكان الاطلاق والتقييد فى المعنى الحرفي كما هو الحق . فلابد أن يراد من تبعية المعنى الحرفي في الاطلاق والتقييد لطرفيه ، عدم تنافى اطلاق أحد طرفيه أو تقييده لاطلاق المعنى الحرفي أو تقييده ، بمعنى ان يلتئم معنى أحد طرفيه أو كليهما مع المعنى الحرفي المتعلق بهما ، سواء كان معنى أحد الطرفين مهملا أم مطلقاً اطلاقا بدلياً ، حيث يكون معنى الحرف المتعلق بهما مطلقاً اطلاقا شمولياً، لأن الاهمال والبدلية لا ينافيان الشمول في الواقع ( نعم ) اذا قيل ان المعنى الحر فى تابع فى اللحاظ والتعقل لطرفيه الاسميين فلا محالة يكون في الاطلاق والتقييد تابعاً لطرفيه ، ولذا قيل في علم البيان ان استعارة الحروف تبعية لا استقلالية أى تابعة لاستعارة المعنى الاسمى المتعلق به ذلك الحرف ، الا انه قد تقدم ان هذا القول غير صحيح، بل يمكن ملاحظة المعنى الحر في كملاحظة طرفيه ، ويجرى فيه
الاطلاق والتقييد كما يجرى في طرفيه .
( فتحصل مما تقدم ) ان أدوات الغاية اذا اخذت إحديها غاية للحكم فيكون لها مفهوم ، كما يكون للقضية الشرطية ، واذا اخذت غاية للموضوع أو المتعلق الحكم فيكون حالها حينئذ حال اللقب أو الوصف، وعليه لا يكون لها مفهوم ، (هذا كله) فى مقام الثبوت . وأما فى مقام الاثبات ، فالظاهر في المحاورات العرفية ان الغاية اذا ذكرت في سياق الموضوع قبل ذكر الحكم كانت قيداً للموضوع ، كما اذا قيل الوجه من قصاص الشعر الى الذقن يجب غسله ، وأما اذا ذكرت الغاية بعد ذكر الحكم كانت غاية للحكم ، كما اذا قيل هم من طلوع الفجر الى المغرب ، هذا بحسب القرائن العامة ، وقد تكون هناك قرينة خاصة تعين كون الغاية المذكورة في الكلام غاية للحكم وان تقدمت عليه في الذكر أو تأخرت عنه .
لا خلاف ولا إشكال فى ثبوت المفهوم لأدوات الخصر ، بل يظهر من بعضهم كون مفهوم أدوات الحصر من أقوى المفاهيم ظهوراً، ولا يخفى ان ملاك ثبوت المفهوم وتحققه ان كان هو العلة المنحصرة، كما هو شأن مفهوم الشرط والوصف ، فالأمر كما ذكر بعضهم من كون مفهوم الحصر هو أقوى المفاهيم ، لأن أدوات الحصر موضوعة لافادة الانحصار ، وأما اذا كان ملاك ثبوت المفهوم مركباً من العلة المنحصرة وكون المراد بالحكم أو المحمول سنخه كما أشرنا اليه وغولنا عليه فكون مفهوم الحصر من أقوى المفاهيم ليس بهذا الظهور والوضوح ، لأن اثبات كون المراد بالحكم أو المحمول هو سنخه يتوقف على مقدمات الحكمة في جميع المفاهيم ( ومعه ) يشكل القول بأظهرية بعضها من بعض
( اللهم ) إلا أن يكون نظر القائل بأظهرية مفهوم الحصر الى كون الحصر مستفاداً من أدواته بالوضع ، وان توقف استفادة كون الحكم أو المحمول سنخه على مقدمات الحكمة بخلاف باقى المفاهيم، فان
افادة الانحصار والسنخية كليهما تتوقف على مقدمات الحكمة.
قد يقال بثبوت المفهوم للعدد ،مثلا اذا قال المولى تصدق بعشرة دراهم ، دل ذلك على عدم وجوب التصدق بما زاد على العشرة (والتحقيق) أن يقال القضية ان اشتملت على ما يدل ان العدد المذكور فيها قد قصد به تحديد موضوع الحكم فلا محالة يكون له مفهوم ، إلا ان هذا المفهوم ليس هو المفهوم المبحوث عنه في هذه المباحث، لأن المقصود بالبحث فيها هو المفهوم الذي يدل عليه الكلام بنفسه إما وضعاً وإما للقرينه العامة الملازمة له في نظر العرف ، لتكون نتيجة البحث قاعدة كلية نفياً واثباناً ، وأما دلالة الكلام على المفهوم اتفاقا لوجود قرينة خاصة فليس من المفاهيم المقصودة بالبحث ، ولذا قد يكون لللقب مفهوم اتفاقاً ، بلحاظ حصول بعض القرائن الدالة على انحصار موضوع طبيعى الحكم المذكور في القضية في خصوص الموضوع المذكور فيها ، وان لم تشتمل القضية على قرينة خاصة تدل على كون العدد مقصوداً به التحديد فالظاهر ان العدد يكون حينئذ بمنزلة اللقب فلا يكون له مفهوم .
لا يخفى ان العموم قد عرف بتعاريف شتى ممكن أن يكون أحسنها هو القول بأن العموم هو استيعاب مفهوم اللفظ لكل فرد من الافراد التي يصدق عليها ، وهذا الاستيعاب قد يدل عليه بعض الاسماء لوضعها للدلالة عليه ، مثل لفظ كل وجميع واشباههما ، وقد يدل عليه بعض الحروف ، لوضعها للدلالة عليه أيضاً ، مثل ال الموضوعة للاستغراق ، كالجمع المحلى باللام ، وقد يدل عليه الكلام بسبب دلالته على معنى يستلزم العموم في نظر العقل ، كما فى صورة دخول النفى أو النهى على النكرة
المقصود بها الجنس ، فان نفى الجنس يستلزم في نظر العقل نفى جميع أفراده ( ومما ذكرنا ) يظهر معنى الخصوص، وهو كون المفهوم مشتملا على خصوصية توجب صدقه على بعض ما يصدق عليه العام من الافراد فقط ، سواء كانت تلك الخصوصية مانعة من وقوع الاشتراك فى ذلك المفهوم الخاص كمفهوم الجزئى الحقيق ، أم لا تكون مانعة كمفهوم الجزئى الاضافى .
(ان قلت ) على هذا يكون معنى العموم معنى حرفياً ، لأن الاستيعاب والاحاطة نسبة بين المستوعب بالكسر والمستوعب بالفتح ، مع ان بعض ما يدل على العموم اسم مثل لفظة كل وجميع لوقوعها مسنداً ومسنداً اليهما ( قلت ) لا يخفى ان صيغ العموم التي ادعوا دلالتها عليه مختلفة فى كيفية الدلالة . فبعضها يدل عليه بالمطابقة ، مثل الجمع المحلى باللام وبعضها يدل عليه بالالتزام ، مثل كل وجميع وأى وغيرها ، فان مفهوم هذه الالفاظ مفهوم اسمى يلازم تحققه الاستيعاب والاحاطة ، وبعضها يدل عليه بالاستلزام ، مثل وقوع النكرة في سياق النفى أو النهى كما أشرنا اليه . وينبغي التنبيه على أمور( الأول) انه قد تداول بين أهل الفن تقسيم العموم الى ثلاثة أقسام( أحدها ) العام المجموعى ، وهو ما تعلق الحكم فيه بمجموع الافراد لا بكل واحد واحد ، كما تقول لا يرفع هذا الحجر إلا جميع رجال القرية
(ثانيها ) هو العام الأفرادى ، وهو ما تعلق الحكم فيه بكل فرد فرد ، كما تقول اكرم العلماء أو كل عالم ( ثالثها ) العام البدلى ، وهو ما تعلق الحكم فيه بفرد ما من أفراد طبيعة موضوع الحكم. كما تقول أعتق رقبة ( والظاهر) ان حقيقة العموم في جميع هذه الاقسام محفوظة . وهذه الخصوصيات كالموارض المفارقة للنوع . لا كالموارض المنوعة للجنس . وانما الكلام فى منشأ تلك الخصوصيات التي بسببها ينقسم العموم الى الاقسام المذكورة . فقد قيل ان منشأها نفس أدوات العموم . وهو المشهور وقيل منشأها اختلاف كيفية تعلق الحكم بالعام . فقد يتعلق الحكم بالعام بنحو
البدلية . مثل اكرم رجلا . وقد يتعلق به بنحو الاستغراق الافرادى . مثل اكرم كل عالم واكرم العلماء . وقد يتعلق به بنحو الاستغراق المجموعى . مثل قولك هذا الحجر لا يرفعه إلا هؤلاء الرجال . أى مجموعهم . والتحقيق هو التفصيل . لأن بدلية العموم البدلى تستفاد من نفس مدخول أداة العموم . وكذلك السريان المطلق المشترك بين العموم الافرادى والعموم المجموعى فانه أيضاً يستفاد من نفس المدخول . وأما خصوصية السريان المزبور من كونه افرادياً أو مجموعياً فانما تستفاد من كيفية تعلق الحكم بمتعلقه . وهى مدلول عليها باداة العموم أو قرينة خارجة .
(ثم) ان كانت هناك قرينة من حال أو مقال لتعيين حال العام من حيث كونه مجموعياً أو إستغراقياً فيمين بتلك القرينة . وأما ان لم تكن . وانتهى الأمر الى الشك واحتمال كل منهما من غير معين . فهل الأصل يقتضى العموم الاستغراقى أو المجموعى (وجهان) يظهر من بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف) ان الأصل في ذلك هو الحمل على الاستغراقى . لأنه قد ذهب الى ان كلا منهما يشتركان في الدلالة على استيعاب جميع الافراد . غايته ان الافراد المستوعبة ولاحظ بالنسبة اليها نوع وحدة في العام المجموعي . فبهذا اللحاظ يكون المجموع كأنه قد لوحظ شيئاً واحداً . وهذا بخلاف العام الاستغراقى . فانه لا يزيد على أصل الحاظ الاستيعاب بالنسبة الى الافراد . وعليه فلابد هناك من تحقق لحاظ زائد كي يكون العام مجموعياً . وحينئذ فلو شككنا فى ذلك . فيما أن المتكلم لم يكن في كلامه في عالم الإثبات ما يدل على لحاظ الافراد بذلك اللحاظ الزائد . فنستكشف به عدمه فى مقام الثبوت . من أجل تطابق عالم الثبوت لعالم الاثبات .
(هذا) ولكن لا يمكن المساعدة على ما ذكره . وذلك لأن مراده و قده ، ان كمان ان المجموعية والاستغراقية تتقومان بلحاظ الوحدة وعدم لحاظها . وشأنهما في ذلك شأن التعظيم والهتك وما شابههما مما يتقوم باللحاظ ( فليس الأمر كذلك ) كما هو واضح . وان كان المراد ان لحاظ الوحدة في العام المجموعي انما يكون
طريقاً إلى كون المصلحة المتحققة هناك ارتباطية ( فهذا مسلم ) الا ان الفارق لا يكون حينئذ هو اللحاظ . بل الفارق أمر واقعى لا يكون اللحاظ الا طريقاً اليه . وهو ان المصلحة فى العام الاستغراقى تكون منحلة بعدد الافراد ، وموجودة في كل فرد منها بالاستقلال ، وهذا بخلاف العام المجموعي ، فان المصلحة المتحققة فيه لا تكون إلا ارتباطية ، ( وعليه ) فهما أمران متباثنان يجمعهما الشمول والاحاطة ، ولكل منهما خصوصية بها يمتاز عن الآخر ، لا أن يكون أحدهما هو الجامع وحده . والآخر هو الجامع مع الزيادة ، كى نرفع تلك الزيادة مع الشك فيها بالبيان المتقدم.
( ان قلت ) ان حال العام في المجموعية والاستغراقية تكون كمال المطلق بالنسبة الى الشمول والبدلية ، فكما ان الاطلاق والسريان لا يكون الا برفض القيود و لحاظ انها ليست دخيلة ، وانما يكفى هذا المقدار في تحقق الشمول والإحاطة ، فكذلك العام ، فانه لا يدل إلا على الشمول والاحاطة ، ولكن الإحاطة التي لم يلاحظ معها شيء آخر ، ولم تكن معها مؤونة زائدة، انما تكون استغراقية لا مجموعية .
( قلت ) ليس الأمر فى كل من المقيس والمقيس عليه كذلك ، فان الإطلاق والسريان وان كان لا بد فيه من رفض القيود ، إلا أن مجرد رفض القيود لا يحقق الاطلاق والسريان ، بل يمهد السبيل اليه ، ويكون الملحوظ قابلا لأن يلاحظ سارياً ومطلقاً ، وتعيين انواع الإطلاق والسريان لا يكون إلا بدليل خارج أو حكم العقل من جهة نساوى الأقدام، ومثله العام كما تقدم .
ويظهر من بعضهم الحمل على المجموعية، بتقريب ان العموم لا معنى له بحسب الواقع إلا المجموعية ، وكون الافراد مجتمعة فى حكم ما ، وهذا لا فرق فيه بين الدوال على العموم على اختلافها من أسماء أو حروف ، فالاستغراق يحتاج الى لحاظ زائد ندفعه بالأصل كما تقدم .
(وهذا أيضاً لا يمكن المساعدة عليه ) وذلك فان لحاظ العموم انما يكون
لحاظاً آلياً غير منظور اليه بالإستقلال، بل بتبع الواقع الملحوظ به ، وقد ذكرنا ان الواقع يكون على نحوين متبائنين ، فلا يمكن المصير اليهما إلا بمعين .
( الثاني) لا يخفى ان أدوات العموم وان كانت مشتركة في الدلالة على الاستيعاب المطلق، إلا انه يفترق بعضها عن الآخر فى بعض الخصوصيات ، ألا ترى أن لفظة كل مع ظهورها في الدلالة على الاستيعاب تختص بالعموم الأفرادى ، ولا تستعمل في غيره من البدلى أو المجموعي ، وهو بخلاف لفظة جميع فانها تستعمل في والمجموعي ، مثلا تقول هذا الحجر يرفعه جميع من في الدار بمعنى كل واحد منهم ، ويصبح أيضاً أن تريد بذلك مجموعهم ، والعبارة الصريحة في ذلك هى أن تقول هذا الحجر لا يرفعه إلا جميع من في الدار ، وكذلك لفظة أى فانه يصح استعمالها في العموم البدلى والأفرادى، مثل أن تقول اكرم أى عالم شئت كما تقول اكرم عالماً ، أو أن تقول اكرم أى عالم يأتى اليك كما تقول اكرم كل عالم يأتى اليك ( نعم ) لا يبعد كون استعمال أى في العموم البدلي اكثر منه في العموم الإفرادى .
( الثالث ) لا يخفى ان اسماء مراتب الأعداد تشترك مع صيغ العموم في شمول مفهوم كل منهما لجميع الأفراد التى يتوقف صدقه عليها ، مثلا مفهوم قول القائل عشرة رجال يشمل جميع الأفراد التي يتوقف صدقه عليها ، وكذلك الحكم المتعلق بتلك المرتبة من المدد ، فاذا قال اكرم عشرة رجال ، تعلق الحكم المزبور بكل واحد من أفراد العموم في مثل قولك اكرم جميع الرجال أوكل رجل في دارك ، فهذه هى جهة الإشتراك بينهما ؛ ولكن يفترق كل منهما عن الآخر بوجهين ( أحدهما )ان دلالة اسماء مراتب الأعداد على الشمول والإستيعاب المزبور تكون بالإستقلال لأنها معنى اسمى ؛ ودلالة صيغ العموم على الإستيعاب تكون بالتبع ؛ لأنها معنى حرفى ، كما تقدمت الإشارة الى ذلك من أن معنى العموم في صيغه من المعانى الحرفية فاسماء مراتب الأعداد وان اشتركت مع صيغ العموم في الإستيعاب والشمول في
مقام الصدق ؛ ولكنه افترق كل منهما عن الآخر من حيث حيث الدلالة والمفهوم كما أشرنا اليه ( الثانى ) ان أسماء مراتب الأعداد تدل على معنى محدود ؛ لا يقبل الزيادة ولا النقصان فى مقام الصدق ، بخلاف صيغ العموم ؛ فانها تدل على معنى غير محدود ؛ يقبل الزيادة والنقصان فى مقام الصدق.
( ثم )ان الفاظ العموم تدخل على اسماء الأعداد كالعشرة ؛ فيقال : كل عشرة ، ويكون حال اسم العدد هنا حال اسم الجنس الذي يدخل عليه العموم . إلا أنه يفترق عنه بان اسم الجنس يكون مبيناً في حد ذاته فيبين دائرة الإستيعاب أيضاً . وأما اسم العدد فهو يحتاج الى مميز يميزه . كان يقال كل عشرة رجال ( وهناك فرق آخر ) وهو أن الفاظ العموم الداخلة على اسم الجنس لا تفيد الا الشمول .
وأما الإستغراق أو المجموع فلابد وان يمين كل واحد منهما بقرينة خارجية . ولكن أسماء الأعداد إذا دخلت عليها الفاظ العموم فان لها جهة بلحاظها يكون الشمول فيها مجموعياً . وهذا باعتبار مدخول الفاظ العموم الذى هو اسم العدد . ولها جهة أخرى مرددة بين الإستيعاب والمجموع . وهذا باعتبار نفس الفاظ العموم التي تقدم انها لا تدل إلا على مجرد الشمول فقط ( نعم ) قد يقال بأن المميز لإسم العدد إن كان منكر آ كان يقال كل عشرة رجال . فان الجملة هنا انما تدل على المجموع فى الإستيعاب . وأما ان كان معرفا كأن تقول كل عشرة من الرجال . فان هذا لا يدل إلا على المجموع فى أفراد مخصوصة . ولا يستفاد منه الإستيعاب . إلا ان هذا ليس بلحاظ المعنى الموضوع له لألفاظ العموم أو أسماء الأعداد . بل بلحاظ القرائن الخارجية .
ومما ذكرنا ظهر حال دخول الفاظ العموم على التثنية والجمع . وان حالها حال أسماء الأعداد. فلا فرق بين قولنا كل رجلين وقولنا كل اثنين من الرجال . وهكذا الجمع . ولكنهما يفترقان عن أسماء الأعداد بأن دلالة أسماء الأعداد على ذوات الأعداد تكون بالدلالة المطابقية . وهذا بخلاف صيغ التثنية والجمع . فان
دلالتهما على العدد إنما تكون دلالة تبعية ، وذلك ، فانها بمالهما من المدلول المطابق يدلان على الحصص المعينة من الطبيعة ، فالتثنية تدل على حصتين ، والجمع يدل باقل مراتبه على ثلاث حصص ، وهكذا جال سائر المراتب ، وأما دلالتهما على نفس الأعداد أبى تلك المرتبة الخاصة وهى الاثنينية أو الثلاثية وما شابه ذلك ،فان هذا انما يكون بملازمة هذه المراتب لتلك الحصص المدلول عليها بالمطابقة. ثم ان الجمع يفترق عن اسم العدد بفارق آخر ، وهو ان الجمع في طرف القلة محدود بجد خاص وهو الثلاثة ، ومن هذه الجهة يشبه اسم العدد واما فى طرف الكثرة فليس بمحدود بحد خاص ، فيفترق عن اسم العدد الذي هو محدود من الطرفين ومن هذه الجهة يشبه أسماء الأجناس ،( ولا يخفى ) . ان الفاظ العموم اذا دخلت. على الجمع فهناك يتحقق لحاظان ، لحاظ الجمع بعنوانه و لحاظه بأفراده ، فعلى اللحاظ الأول تكون العناوين التي ينطبق عليها الجمع متداخلة ، وهذا بخلاف اللحاظ الثاني. فان التداخل لا يمكن فرضه هناك، مثلا لو قلنا كل رجال فبلحاظ صيغة الجمع في هذه الجملة ، وهي كلمة( رجال) ولفرضها صادقة على أقل مراتب الجمع وهى ثلاثة ممكن تشكيل كل ثلاثة ثلاثة من نفس الأفراد التى شكانا منها الفرد السابق بالاختلاف كان نضيف الى اثنين من هذه الثلاثة فرداً من الثلاثة الأخرى ، ونضيف بقية هذه الاثنين من تلك ، فيتحقق هناك فردان آخران في قبال الأولين ، وعليه فهى مرددة بين هذين اللحاظين ، إلا أن الثاني وهو اللحاظ باعتبار الأفراد كي لا ممكن التداخل متعين ، بلحاظ تعلق الحكم بها ، حيث ان كل موضوع لا يكون غالباً بل دائماً. محكوما بحكمين ، فبهذه القرينة نعين ان اللحاظ كان باعتبار الأفراد دون العنوان .
( الرابع ) هل العام المخصص يكون حقيقة مطلقاً ، أم مجازاً كذلك ، أم يفصل بين المتصل والمنفصل أم بين الاستثناء وغيره ، أقوال أقواها أولها وما ممكن أن يستدل به عليه ، وجوه ، أسلمها عن الإشكال هو أن مدخول أدات العموم بما انه طبيعة من الطبايع، موضوع للطبيعة المهملة على ما أسسه سلطان العلماء ( قدس سره الشریف)
وأما نفس أدوات المصموم فهى على التحقيق موضوعة لتوسعة ما ينطبق عليه المدخول مجرداً أم سقيداً ، لا ما يراد من المدخول ، اذ الأول هو المتبادر منها حسب ارتكاز العرف ومساعدة الاعتبار ( ضرورة) ان الالفاظ حسب وضعها تكشف عن المتنافيل ، وأما كونها مرادة أم لا فهو أجنبي عن دائرة الوضع الأولى ، ومن أجل هذا لا احتياج فى استفادة العموم الأفرادى استخراقياً كان أم مجموعياً الى مقدمات الحكمة، اذ يستفاد العموم بنفس وضع أداته ، ومع ذلك لا مجال لاجراء تلك المقدمات ، ( نعم ) لو كانت المقدمات موضوعة لتوسعة ما يراد من المدخول عموماً أو خصوصاً ، والمفروض ان المدخول موضوع للطبيعة المهملة ( فحينئذ ) لابد فى استفادة العموم من جريان مقدمات الحكمة ، ولكن قد عرفت انه خلاف المتبادر من اللفظ . وما يساعده الاعتبار( فالتحقيق ) ان ما يحصل بحكم العقل من مقدمات الحكمة ، يصل بالفاظ العموم بالوضع، ومعه لا مجال لجريانها كما لا يخفى (هذا) حال الالفاظ من حيث ار انتها عن المداليل ، ويكون في طول ذلك وضع آخر حسب ما بنى عليه العقلاء ، وهو ارائة الالفاظ المستعجلة فى المداليل والمفاهيم المستكشفة بالوضع والقرار الأولى عن كونها مرادة للافظ بالإرادة الجدية .
واصطلحوا على الأول بالظهور التصوري، وعلى الثانى بالظهور التصديقی (ولا يخفى) أن مدخول أداۀ العموم حیث يكون موضوعا للطبيعة المهملة ، فلا زال يكون عند استعمال اللفظ فى مدلوله منفكا عن الإرادة الجدية مطلقاً ، حتى فيما لو كان المرادهو العموم الأفرادى ( ضرورة) ان الطبيعة المهملة لا تكون مرادة بالارادة الجدية . لعدم امكان الاهمال فيها ( والسر فى ذلك) ان الاستغراق أيضاً زائد عن مدلول اللفظ حيث ان الموضوع له للفظ هو اللا بشرط المقسمى ، وهو يكون مقسما لجميع الأقسام ومن جملتها المطلقة أعنى المجردة حتى عن قيد التجرد ، أي مصداق المجرد وهو اللا بشرط القسمى ، فالموضوع له ( وهى الطبيعة المهملة ) هو المقسم لجميع الأقسام، ويكون غيرها حتى المطلقة منها ، غاية الأمر انه لا بالمباينة بل بالمغايرة
الحاصلة بين المقسم وأقسامه فدائماً يستعمل مدخول أداة العموم في مدلوله الذي هو الطبيعة المهملة ، ويستفاد القيد الزائد حتى الاطلاق بدال آخر من الفاظ العموم أو مقدمات الحكمة ، ونتيجة ذلك ان الارادة الاستعمالية فى مدخول أداة العموم لا زالت تكون منفكة عن الارادة الجدية كما لا يخف ( هذا ) حال مدخول أدوات العموم ( وأما ) نفس الأدوات فهي كما عرفت موضوعة لاستيعاب ما ينطبق عليه مدخولها فحينئذ ان لم يكن فى البين قيد لا متصلا ولا منفصلا ، فيستفاد منها العموم الاستغراقى على تقريب سيأتى ان شاء الله تعالى ، وان كان هناك قيد فان كان متصلا بالكلام ، فتكون الأدوات أيضاً مستعملة في استيعاب ما ينطبق عليه المدخول غاية الأمر تكون دائرة ما استعمل فيه لفظ المدخول مضيقة وهو مراد جدى ، وان كان منفصلا فيما أن الأدوات أيضاً مستعملة فى استيعاب ذلك فلم يكن العموم مراداً جدياً ، غاية الأمر انه استعمل فيه اللفظ لمصلحة دعت اليه ، وقد بين المراد الجدى ببيان منفصل (فلا محالة )تنفك الارادة الاستمالية حينئذ عن الارادة الجدية.
( فقد تحصل مما تقدم ) ان العام المخصص لا يكون مجازاً أما مدخول أدوات العموم فلأنه دائماً يستعمل في معناه الذى هو الطبيعة المهملة والقيد الزائد يستفاد من دال آخر مما هو مستعمل فيه متصلا كان أم منفصلا ، وأما نفس الادوات فلأنها على ما عرفت تستعمل فيما وضعت له من استيعاب ما ينطبق عليه مدخولهنا مطلقاً ، ولا فرق فى ذلك بين الصور المذكورة ، ولكن في الصورة الاولى والثانية
( أعنى ما اذا لم يكن هناك قيد أصلا أو كان ولكنه متصل بالكلام ) فكما يكون ذاك الاستيعاب والعموم مراداً بالارادة الاستعمالية كذا يكون مراداً بالارادة الجدية أيضا ،وهذا بخلاف الصورة الثالثة ( وهى ما اذا كان هناك قيد منفصل ) فان الاستيعاب المزبور الذى هو مراد استعمالى ليس بمراد جدى أيضاً ، بل كان المراد الجدى بعض ما ينطبق عليه المدخول لا هو بنحو الاستيعاب ( ومن الواضح )أن المدار فى المجازية وعدمها هو مرحلة الاستعمال لا الارادة الجدية .
( ومما ذكرنا ) ظهر ان المخصص لا يكون قرينة على استعمال مدخول أداة العموم أو نفس الأدوات في غير ما وضع له . لما ذكرنا من أن المدخول مستعمل فى معناه الذى هو الطبيعة المهملة ، وان ما يدل على المراد هو المخصص مطلقاً غاية الأمر فى المخصص المتصل ينعقد الظهور التصديق من الأول فى الخاص بتعدد الدال والمدلول ، وأما فى المنفصل فلا ينعقد الظهور التصديق من الأول فيه ، بل فى العموم ، إلا أنه يبين بدليل منفصل عدم إرادته وان المراد هو الخاص و المخصص المنفصل لا يعدم ظهور العام فى العموم ، بل يصادم حجيته فيه ويخصصها بمقدار الخاص .
( ان قلت ) ما المراد من الارادة الاستعمالية ، فان أريد بها استعمال اللفظ فى المعنى فانياً فى المطابق بحيث يكون المفهوم واللفظ كلاهما مغفولين . فهذه هي الارادة الجدية . وان اريد بها استعمال اللفظ في المعنى بداع آخر مثل السخرية ونحوها . فهذا وان كان ممكناً . اذ لا يلزم أن يكون الاستعمال بداع الجد . إلا أنه لا يعقل الالتزام بكون العمومات الواردة فى الكتاب والسنة مستعملة فى معانيها بالارادة الهزلية .
( قلت ) قد عرفت حقيقة الارادة الاستعمالية وانها ليست ارادة هزلية ولا مجال التفوهها ، بل المراد ان استعمال اللفظ فيما وضع له حالمكونه فانياً في مطابقه( تارة ) على نحو يكون المطابق الموضوع له اللفظ والمستعمل فيه تمام المراد للمتكلم و( اخرى) لا يكون ذلك تمام مراده بل تتميمه ببيان آخر متصل أم منفصل .
وأما استعمال اللفظ في المفهوم. ففي كلا المقامين على حد سواء . غاية الأمر فيما اذا كان البيان منفصلا كان ما استعمل فيه اللفظ منفكا عن الارادة الجدية . وهذا بخلاف ما اذا كان متصلا كما لا يخفى فذاك المعنى والمقصود من الارادة الاستعمالية .
( الثانى من الوجوه ) ما أفاده بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف)ومحصله ان الميزان في كون اللفظ حقيقة هو كونه مستعملا في معناه الموضوع له . بحيث
ان الملقى فى الخارج كأنه هو نفس ذلك المعنى البسيط العقلانى ،وهذا الميزان متحقق فيما اذا خصص العام كتحققه فيما اذا لم يخصص ، وذلك من جهة أن أداة العموم لا تستعمل إلا فيما وضعت له ، كما ان مدخولها لم يستعمل إلا فيما وضع له أما عدم استعمال المدخول إلا فى نفس ما وضع له ، فلأنه لم يوضع إلا لنفس الطبيعة المهملة الجامعة بين المطلقة والمقيدة ( ومن الواضح)انه لم يستعمل إلا فيها ، وأفادة التقييد بدال آخر كافادة الاطلاق بمقدمات الحكمة لا تنافى استعمال اللفظ في نفس الطبيعة المهملة كما هو ظاهر ، ففى موارد التخصيص بالمتصل ، قد استعمل اللفظ في معناه واستفيد قيده الدخيل في غرض المتكلم من دال آخر ، وأما في موارد التخصيص بالمنفصل ، فالمذكور فى الكلام وان كان منحصراً بنفس اللفظ الموضوع للطبيعة المهملة ، ولأجله كانت مقدمات الحكمة وجبة لظهوره فى ارادة المطلق . إلا أن الاتيان بالمقيد بعد ذلك يكون قرينة على ان المتكلم اقتصر حينما تكلم على بيان بعض مراده ، إما لاجل الغفلة عن ذكر القيد ، أو المصلحة في ذلك ، وعلى كل تقدير فاللفظ لم يستعمل إلا في معناه الموضوع له ، وأما عدم استعمال الأداة إلا فيما وضعت له ، فلأنها لا تستعمل أبداً إلا في معناها الموضوع له ، أعنى به تعمم الحكم لجميع أفراد ما اريد من مدخولها ، غاية الأمر ان المراد من مدخولها ربما يكون أمراً وسيعاً وربما يكون أمراً ضيقاً ، وهذا لا يوجب فرقا في ناحية الأداة أصلا انتهى موضع الحاجة .
ويرد عليه ( أولا ) ان اداة العموم انما وضعت لتعميم الماهية المهملة التي هي مفاد مدخولها ، فان كان المدخول لفظاً مجرداً عن القيد ، فأداة العموم تقتضى التعميم في دائرة هذا اللفظ المجرد ، وان كان مقروناً بقيد ، فأداة العموم تقتضى التعميم في دائرة المقيد ، كما هو الشأن في مقدمات الحكمة عند القاء اللفظ مجرداً أم مقروناً بالقيد ( ففي الحقيقة ) تقوم الفاظ العموم مقام مقدمات الحكمة ، فكما أن المقدمات المزبورة تفيذ الاطلاق فى دائرة المدخول على اختلاف حاله من حيث
التجرد عن القيد والإقتران به، كذلك أداة العموم ، غاية الأمر تكون استفادة العموم هناك بالعقل ، وهنا يوضع اللفظ( وحينئذ ) فشأن الفاظ العموم حسب وضعها تعميم دائرة مدخولها ، فلو فرض ارادة غيره في الواقع فهو يكون على خلاف وضعها، وعلى هذا فلا يتصور استعمالها في حقايقها إلا بدعوى التفكيك بين المراد الاستعمالى والجدى بالتقريب الذى شرحناه سابقاً ، وحيث انه يكفى في ضرب القاعدة القاء العام الحاكى بظهوره عن العموم بلا احتياج في ذلك الى ارادته فيه واقعاً فى مقام الاستعمال ، فلا طريق لنا الى التفكيك مع امكانه (وتوهم ) انه يكنى فيه اصالة الحقيقة (مدفوع) بأنه يحتاج جريانه إلى ترتب أثر عملى عليه ولا أثر عملى للارادة الاستعمالية كى تجرى فيها أصالة العموم والحقيقة ، كما أن تو هم ارتكازية الاستعمال فى العموم حتى فى موارد ارادة الخاص واقعاً (مدفوع) جداً ( فتدبر).
و(ثانياً) بعد الاعتراف بأن اداة العموم انما تفيد التعميم في ما هو المراد من المدخول ، بحيث لو ورد دليل مخصص لا يكشف عن مجازيتة ، بل يمين المراد من المدخول حتى اذا كان ذاك الدليل المخصص منفصلا ، فذلك يلازم احتياج الحكم بالتعميم عند تجرد المدخول عن القيد إلى مقدمات الحكمة لتعيين المراد، وإلا فالمهية المهملة التي هي الموضوع لها لفظ المدخول قابلة لأن يكون المراد منها مطلقاً أو مقيداً ، فحينئذ لا يقتضى لفظ العموم بنفسه التعميم في مدخوله ، بل يحتاج الى مقدمات أخرى تقتضى تسوية الأفراد في اقتضاء الأداة لتعميم الارادة لها وبعد هذه كيف يعقل تقديم ذلك على الاطلاق ، فالتقديم المزبور انما يتم على فرض اقتضاء الاداة للتعميم فى دائرة اللفظ المجرد بمقتضى وضعها بلا احتياج فيه الى مقدملت الحكمة ومع ذلك كيف لا يقتضى المخصص المنفصل عدم مجازيته مع عدم تفكيك الارادة الجدية عن الإرادة الإستعمالية فى المورد فتدبر فيه ، فهل ترى هذا غير التهافت بين الكلامين .
و ( ثالثاً ) ان ارجاع المخصصات مطلقاً ، سواء كانت نوعية أم فردية الى التقييد خال عن السداد . كما سيجيء بيانه مفصلا ) وبالجملة ) فعلى ما أسسه ( قدس سره الشریف)وان كان لا يلزم المجاز فى العام المخصص إلا انه مع فساده في نفسه يستلزم عدم تقدم العام على المطلق ، ولا يمكن الالتزام به، فبناء على مبنى تقدم العام على المطلق لا مناص من ذلك إلا بالالتزام بما اخترناه من كون الأدوات موضوعة لتوسعة ما ينطبق عليه المدخول مع تفكيك الإرادة الجدية عن الارادة الإستعمالية . وإلا فيلزم المجاز في أدوات العموم كما لا يخفى ، ونتيجة ذلك كون الخاص مصادماً لحجية العام لا لظهوره .
( الثالث من الوجوه ) ما أفاده استاذ الاساتذة ( قدس سره الشریف)ومحصله ان مدخول العام دائماً يستعمل في مفهومه(وهى الطبيعة المهملة ) غاية الأمر يعين المراد منه ( تارة ) ببركة مقدمات الحكمة
( واخرى ) بالقيد المتصل ( وثالثة ) بالقيد المنفصل فلا زال المراد مستفاداً مر تعدد الدال والمدلول ، وانما يستعمل المدخول في مفهومه( وهى الطبيعة المهملة) وأما الأدوات فهى أيضاً مستعملة فيما وضعت له من استيعاب ما يراد من المدخول المستفاد من مقدمات الحكمة أو القيد المتصل أو المنفصل، غاية الأمر انما أخر البيان فى موارد القيود المنفصلة لأجل مصلحة اقتضته ، ويكون ابراز العموم مع أنه غير مراد لإعطاء الحجة ضرباً للقانون ليكون مرجعاً عند الشك ، فكل من الأدوات ومدخولها مستعمل في مفهومه ، فلا مجاز فى البين( ولا يخفى ) انه على هذا الأساس أيضاً قد انفكت الارادة الاستعمالية عن
الارادة الجدية فى صورة انفصال المخصص .
( ان قلت )اذا كانت الأدوات موضوعة لاستيعاب ما يراد من المدخول فلا يلزم التفكيك بين الارادتين ، اذ الأدوات كما مر موضوعة لاستيعاب المراد منه . وهو يبين ببيان آخر متصل أم منفصل ، فأيضاً لا انفكاك بينهما حينئذ ( نعم ) من يقول بأنها موضوعة لاستيعاب ما ينطبق عليه المدخول ؛ فلا مناص له من القول
بالتفكيك بين الإرادتين .
( قلت ) لو كانت الأدوات موضوعة لاستيعاب ما يراد من المدخول مع تبيينه بالأعم من البيان المتصل والمنفصل اللازم منه كون ظهور الدليل المنفصل مصادماً لظهور العام وقرينة حاكمة عليه ، فالأمر كما ذكر لا انفكاك بين الإرادتين الا انه ليس كذلك ؛ بل الأدوات حسب مختاره و قده ، موضوعة لاستيعاب المراد من المدخول المبين بدليل متصل ( فلا محالة ) يصير الدليل المنفصل مصادماً لحجية العام ويقدم عليه ؛ وعليه يلزم التفكيك بين الارادتين ، وبهذه الجهة يشترك القول يكون الأدوات موضوعة لاستيعاب المراد من المدخول مع القول بكونها لاستيعاب ما ينطبق عليه المدخول من جهة لزوم التفكيك بين الإرادتين .
( هذا ) وقد اشكل عليه بعض الأساطين من مشايخنا و قده ، بأن ورود العام في بعض الموارد لبيان حكم الشك ضرباً للقاعدة كما في الاستصحاب وقاعدة الطهارة ونحوهما وان كان مما لا ينكر ، إلا ان التخصيص في مثل تلك العمومات في غاية القلة ؛ لأن تقدم شيء عليها في الغالب انما يكون بنحو الورود أو الحكومة. وأما العمومات الواردة لبيان الأحكام الواقعية الثابتة الأشياء بعناوينها الأولية من دون نظر الى حال الشك وعدمه ، فعمل أهل العرف بها حال الشك لا يكشف عن كونها واردة في مقام ضرب القانون والقاعدة ( ضرورة ) ان عملهم بها عند الشك فى ورود التخصيص عليها انما هو من باب العمل بالظهور الكاشف عن كون الظاهر مراداً واقعاً ، وعن ان المتكلم التى كلامه بياناً لما أراده في الواقع ، وعليه فيستحيل كون تلك العمومات واردة لضرب القانون والقاعدة في ظرف الشبك كما هو واضح .
وقد أجاب عنه شيخنا الاستاذ( قدس سره الشریف) بأن المراد من ورود العام في مقام ضرب القاعدة والقانون كون الغرض من القائه على المكلف ( مع عدم ارادته بتمامه بل ارادة جعل الحكم لبعض الأفراد لأنه المراد بالإرادة الجدية ) هو اعطاء
الحجة بيد العبد ليعمل على طبقها بملاحظة ما دل على الأخذ بالظهور الذى هو حكم ظاهرى فى حقه الى ان ينكشف له الواقع من الدليل المخصص ( وحينئذ ) فالغرض من الحكم الظاهرى هو مفاد دليل التعبد بالعام لا نفس العام كى يكون من قبيل عمومات الاستصحاب ونحوها ( هذا ) وانت خبير بأن ما أفاده( قدس سره الشریف) من أن مفاد العام ليس حكما ظاهرياً ، بل الحكم الظاهرى هو دليل اعتبار العام
( في غاية المتانة ) كما أن كون المقصود من القاء العام ، هو أعطاء الحجة بيد المكلف ليعمل على طبقه ما لم ينكشف الخلاف عليه أيضاً( مما لا إشكال فيه ) ولكن هذا المقدار من البيان لا يوضح المقصود من ضرب القاعدة والقانون( فالصحيح ) أن يقال ان المخصص المنفصل
( تارة ) يرد قبل وقت الحاجة و ( اخرى ) بعد وقتها ، فعلى الأول ليس ابراز العموم بداعى ضرب القانون ليكون مرجعاً للعبد عند الشك . بل يكون انشاء الخطاب بداع الجد بالنسبة الى موضوعه ، وهو الخاص الذي يبين بدليل منفصل ( وحينئذ) فان كان من عادة المتكلم اعطاء مرامه بدليل منفصل أيضاً فلا ينعقد ظهور للكلام الى أن يرد المخصص، أو يجىء وقت حضور العمل ، وان لم يكن من عادته ذلك ، فينعقد الظهور للكلام ، فيتخيل العبدانه المراد ، ثم ينكشف خطأه قبل حضور وقت الحاجة ، وأما لو ورد المخصص قبل حضور وقت العمل فانشاء الخطاب يكون بالنسبة الى الجميع عن جد ، غاية الأمر يكون بالنسبة الى بعض الأفراد عن مصلحة واقعية ، وبالنسبة الى بعضها عن مصلحة ثانوية ينتهى أمدها عند ورود المخصص ، وفى هذا القسم يصبح ان يقال ان القاء العام يكون لضرب القاعدة كى يكون مرجعاً للعبد ليعمل على وفقه حتى يتبين الحال ، وعلى كل حال لا يكون مفاد العام حكما ظاهرياً ولا مفاد دليل اعتباره أيضاً كذلك ( نعم ) يمكن أن يقال في القسم الأول اذا لم يكن من عادة المتكلم اعطاء مرامه بدليل منفصل ان مفاد دليل اعتباره يكون حكما ظاهرياً كما لا يخفى .
اذا خصص العام ، فهل هو حجة فى الباقى مطلقاً أم يفصل بين ما اذا خصص بدليل متصل أو منفصل ، وجهان بل قولان ، الأقوى هو الأول ، وقد استدل عليه بوجهين .
( الوجه الأول ) وهو الصحيح أنها في المتصل فلما عرفت من أن أدوات العموم انما وضعت لاستيعاب ما ينطبق عليه المدخول مطلقاً أو مقيداً واستعملت فيه ، والمدخول أيضاً استعمل فيما وضع له ، وقد بين المراد منه بدال آخر متصل فالظهور التصديق من الأول انعقد للعام فى غير ما خصص فكأنه ما خصص أصلا(وعليه ) فلا مجال للشك في حجيته في الباقي ، وأما في المخصص المنفصل فلما عرفت أيضاً من أن الأدوات والمدخول كليهما مستعملان فيما وضعا له . ولذا لم يكونا مجازاً ، وقد انعقد الظهور التصديق للعام فى العموم ، والمخصص المنفصل لا يصادم ذاك الظهور ، اذ انعقاد الظهور التصديق فى العموم لا يتوقف على عدم البيان مطلقاً أعم من المتصل والمنفصل كي ينقلب الظهور عند وصول البيان ولو منفصلا ، بل يتوقف على عدم البيان المتصل ، فان الظهور التصديق يستقر بما يكون في الكلام حين الخطاب ، والمخصص المنفصل انما يصادم حجية العام في عمومه ، وبما انه أقوى منه فيقدم عليه بمقدار حجيته ( وحينئذ ) فالعام فى غير ما يصادمه الخاص تكون حجيته بلا معارض فيجب أن يؤخذ به .
( الوجه الثانى)ما أفاده بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف) من أن ذلك ظاهر فى موارد التخصيص بالمتصل ، لأنه لا تخصيص في تلك الموارد حقيقية . وانما تكون دائرة العموم فيها ضيقة من أول الأمر، فالتمسك بالعام في موارد الشك فى التخصيص يكون تمسكا بالعموم من غير ثبوت تخصيص فيه أصلا ، وأما في موارد التخصيص بالمنفصل فلأن التخصيص في القضايا الخارجية أو الحقيقية .
سواء كان التخصيص انواعياً أم افرادياً انما يزاحم اطلاق المدخول ، فيكون مقيداً له ولا يكون مصادماً للعموم أبداً . فاذا كان للمدخول اطلاق من جهات عديدة ، وفرض ورود مقيد عليه من جهة وارتفع اطلاقه من تلك الجهة فلا وجه الرفع اليد عن اطلاقه من بقية الجهات كما هو الحال في غير المقام من موارد التمسك بالإطلاق ( انتهى ) موضع الحاجة من مرامه .
ولا يخفى أن ما أفاده ( قدس سره الشریف) بناء على ما بنى عليه في غاية المتانة ، إلا أن مبناه خال عن السداد ، اذ مضافا الى ما عرفت من عدم كون الأدوات موضوعة لاستيعاب ما يراد من المدخول ، ومع فرضه لا مجال لتقدم ذلك على الاطلاق الشمولي ، ولا مجال أيضاً لارجاع التخصيص الى تقييد المدخول خصوصاً اذا كان عمومه افرادياً ( اذ يكون وزان التخصيص وزان طريان الفقد على بعض الأفراد فهل يرضى الذوق السليم ايجاب فقد بعض الأفراد لتعنون المدخول بعنوان غيره) يبقى مجال السؤال عن أن الأدوات ، هل هي موضوعة لاستيعاب المراد من المدخول المستكشف بالقيد الأعم من المتصل والمنفصل الملازم لتصادم المنفصل منه مع ظهور العام بحيث ينقلب ظهوره بعد وصول ذلك ، فكان الظهور التصديق منوطاً بعدم ورود البيان بالأعم من المتصل والمنفصل حتى يكون الدليل المنفصل قرينة على هدم الظهور كما يظهر ذلك منه( قدس سره الشریف) في المبحث السابق ، أو هي موضوعة لاستيعاب ما يراد من المدخول المستكشف بالدليل المتصل حتى لا يصادم الدليل المنفصل ظهور العام ، بل يصادم حجيته كما يصرح بذلك في المبحث الآتى .
( حجة المفصل) ان العام اذا خصص بالمتصل فالظهور من الأول ينعقد فى الخاص فكأنه ما خصص أصلا فيجب الأخذ به ، وأما في المنفصل فينعقد الظهور في العام وبعد التخصيص ينكشف ان العام ما استعمل في معناه فيكون مجازاً لا محالة فلا يكون له ظهور في الباقى لأن مراتب المجازاة متعددة ولا موجب لتعيين أحدها أعنى به تمام الباقى من دون قرينة دالة عليه ( هذا ) وقد ظهر فساده مما سبق من أن
المخصص متصلا كان أم منفصلا لا يوجب المجاز فى ناحية أداة العموم ولا في ناحية مدخولها ، بل الظهور من الأول ينعقد في الخاص مع الاتصال وفى العام مع الانفصال، والمنفصل لا يصادم ذاك الظهور بل حجيته ، والعام يبقى على ظهوره في غير ما يصادمه الخاص فى الحجية فيكون حجة فيه بلا اشكال .
ثم إن في تقريرات شيخنا الانصاري( قدس سره الشریف)في مقام الجواب عن الاحتجاج المزبور ( ما هذا نصه ) والاولى أن يجاب بعد تسليم مجازية الباقى بأن دلالة العام على كل فرد من أفراده غير منوطة بدلالته على فرد آخر من أفراده ولو كانت دلالة مجازية ، إذ هى بواسطة عدم شموله للافراد المخصوصة لا بواسطة دخول غيرها في مدلوله ، فالمقتضى للحمل على الباقي موجود والمانع مفقود ، لان المانع في مثل المقام انما هو ما يوجب صرف اللفظ عن مدلوله ، والمفروض انتفائه بالنسبة الى الباقى لاختصاص المخصص بغيره ، فلو شك فالاصل عدمه ( انتهى ) موضع الحاجة من بيانه .
ويرد عليه ان العام بعد ما استعمل حسب الفرض في غير ما وضع له أى فى بعض ما وضع له لا فيما يباينه ( فحينئذ ) ان كان الدليل المخصص المنفصل سبياً لقلب ظهور العام عن العموم و بياناً لعدم كونه مستعملا في العموم ، فعليه لا دلالة له على الباقى لا وضعاً ولا بالقرينة كما هو المفروض ، اذ لا معنى لبقاء العام على الدلالة بالنسبة الى الباقى حسب وضعه ، حيث ان اللفظ الواحد ليست له بمقتضى وضع واحد إلا دلالة واحدة ( فحينئذ ) لا معنى لدعوى عدم اناطة دلالة العام على وجوب اكرام الباقى مثلا بعد التخصيص بدلالته على وجوب اكرام مورد التخصيص ، اذ استقلال كل واحد في الوجوب واقعاً غير استقلال لفظ العام في الدلالة على كل واحد ، لأن تعدد المرئى غير تعدد المرآت واستقلال المحكى في الوجود واقعاً غير استقلال الحاكى ، فلوازم أحدهما لا تسرى الى الآخر ، وان لم يكن الدليل المخصص المنفصل سبياً لذلك، بل كان رافعاً لحجية العام بمقدار حجيته
فهو في غاية المتانة ، الا أن هذه الصورة لا تحتاج الى اتعاب النفس في اثبات استقلال اللفظ في الدلالة على الباقى ، بل ومع عدم الاستقلال أيضاً يكون دالا عليه ، والدليل الخاص انما يزاحم لحجية دلالة العام بمقدار ما يدل على خلافه فيبق الباقى تحت الحجية ، غاية الأمر ان هذا الفرض خلاف مفروض كون العام مستعملا في غير ما وضع له وكونه مجازاً فيه كما لا يخفى .
ثم ان ما أفاد( قدس سره الشریف)من أن دلالة العام على كل واحد واحد من الافراد غير منوطة بدلالته على غيره من الأفراد ، فمرجعه الى ان اللفظ الواحد له دلالات وحكايات متعددة بعدد محكيها ، ولازمه دلالة اللفظ على العموم والخصوص ( فحينئذ ) يكون الفرد المخصوص محكياً بنحو الاجمال في ضمن عمومه ، وبنحو التفصيل بدلالة مستقلة وهو كما ترى( وتوهم ) ان دلالته على العموم تنحل الى دلالات مخصوصة (مدفوع) بأن العموم والخصوص مفهومان مختلفان لا يكاد ممكن ارجاع أحدهما الى الآخر ، وما افيد من التحليل ان اريد به آن مرجع العموم الى دلالات متعددة تفصيلا على كل فرد فرد فهو خلاف الوجدان ، وان اريد به ان مرجعه الى دلالات متعددة بنحو الاجمال ، فهو عين الدلالة الواحدة على العموم فاین دلالات متعددة على كل فرد خاص ، إذ من البديهي ان اختصاص كل فرد بدلالة مخصوصة به لا تنفك عن الدلالة التفصيلة وهو أيضاً كما ترى .
(ان قلت) هذا الاشكال بعينه جار على ما اخترتم من كون الأدوات مستعملة فى معناها ، وهو الاستيعاب لما ينطبق عليه المدخول ، وان المخصص لا يصادم ظهور العام بل حجيته بحيث لا يكون مجاز فى البين ، وذلك لأن للعام ظهوراً وحدانياً وهو استيعاب ما ينطبق عليه المدخول حسب الفرض ، وهذا الظهور الوحداني حجة ببناء العقلاء اذا لم يعلم خلافه وعدم تطابقه مع المراد ، فاذا ثبت عدم ارادته بالنسبة الى بعض الأفراد ، وانه ليس مطابقاً لما هو المراد فيسقط ذاك الظهور الوحداني عن الحجية ، وبعد ذلك ليس فى البين ظهور كى يكون حجة كما هو الشأن
فيما لو كان العام مجازاً
( قلت ) لا وقع للإشكال المزبور ، حيث ان العام وان كان له ظهور وحداني ولكنه بعد التخصيص باق على الفرض ، والمحكى به متعدد بالوجدان ، فلا غرو فى كون العام حجة بالنسبة الى بعض المحكى به دون بعض( ولا يقاس ) هذا بما اذا كان الظهور بنفسه ساقطاً في بعض الأفراد حتى يقال بأنه ليس في البين ظهور آخر كي يكون حجة ، وذاك الظهور الوحداني قد سقط بسقوطه في البعض .
اذا كان المخصص مجملا فهل يسرى اجماله الى العام أم لا فنقول ان المخصص إما أن يكون متصلا أو منفصلا ، وعلى كل تقدير إما ان يكون اجماله من جهة الدوران بين الأقل والاكثر ، وإما من جهة الدوران بين المتباينين . فان كان متصلا فلا شبهة في سراية الاجمال من المخصص الى العام مطلقاً ، لأن العام لا ينعقد له ظهور فى العموم اذا اتصل به قيد ، بل يكون شموله بالنسبة الى مورد القيد خاصة. فاذا أجمل القيد يصير مورد العام مجملا ، فاذا قيل مثلا اكرم العلماء غير الفساق . وتردد مفهوم الفسق بين ارتكاب مطلق الذنب أو ارتكاب خصوص الكبيرة ، فقد تردد العام الذي هو موضوع الحكم أعنى به العلماء بين خصوص من لم يرتكب ذنباً وبين مطلق من لم يرتكب الكبيرة وان ارتكب ذنباً غيرها ، والقدر المتيقن دخوله في مفهومه هو خصوص الأول ، فيرجع في غيره الى الأصل ، وكذلك الأمر فيها هو مردد بين المتباثنين، فيتردد العام بسببه بين أمرين متباثنين ، ولكنه حجة فى غيرهما من أفراده، ولا فرق فى ذلك بين القول بأن المخصص المتصل يوجب تعنون العام بعنوان خاص ، أو القول بعدمه وان العام لا يفرق حاله بعد التخصيص وقبله ، اذ حال التخصيص كمال فقد بعض الأفراد، فيكون الخاص خارجاً عن أفراد العام بلا ايجاد عنوان آخر له ، وبهذا يفارق مع التقييد حيث
أنه يوجب تغير عنوان المطلق ( والسر فى ذلك)انه لا ينعقد مع اتصال المخصص ظهور للعام في العموم على كل تقدير ، بل الظهور التصديق يضيق بأمر مردد بين الأقل والاكثر ، أو المتباثنين فيصير العام بحملا ، وأما اذا كان المخصص منفصلا ، فلا يسرى الاجمال حقيقة الى العام مطلقاً ، لما عرفت من أن المخصص المنفصل لا يصادم ظهور العام بل يصادم حجيته ، ففى الحقيقة ليس فى العام اجمال كما لا يخفى(نعم) لو كان اجمال المخصص من جهة دورانه بين المتبائنين ،فيسرى الاجمال حكما الى دائرة حجية العام للعلم بتخصيصه بأمر دائر بين المتبائنين ، فيسقط العام عن الحجية بالنسبة اليه ويكون حجة فما بقى ، ولا يخفى ان سقوط العام عن الحجية يكون في كل واحد منهما بعينه ، وأما الواحد لا بعينه فلا وجه لسقوطه فيه ، وسقوط الحجية بالنسبة الى واحد مردد بين الأمرين لا وجه له أيضاً .
(وخلاصة الأمر فيه ) ان حكم العام ان كان حكما طلبياً ومحلا للابتلاء ، فالظاهر عدم قصور فى اجراء اصالة الظهور بالنسبة الى الواحد المردد الزائد عن المقدار المخصص واقعاً، ونتيجة هذا الأصل الانتهاء الى العلم الاجمالي بالتكليف المنتهى الى حكم العقل بالاحتياط ، بحيث لو كان حكم العام الزامياً وحكم الخاص غير الزامي وجب الاحتياط باتيان الفردين اللذين علم بخروج أحدهما عن حكم العام ولكنه مردد بينهما . وذلك للعلم الاجمالى بالتكليف بأحدهما المقتضى للاحتياط بالجمع كما لا يخفى ؛ ولو كان حكم العام والخاص كاليهما الزامياً ، فيدور الأمر حينئذ بين الوجوب والحرمة فى كل من الفردين فيلحقه حكمه الفردين فيلحقه حكمه من التخيير ابتداء أو استمراراً حسب ما قرر في محله ، وان لم يكن حكما طلبياً أو كان كذلك و لكن لم ينته الأمر الى حكم العقل بالاحتياط من جهة خروج أحد الطرفين عن محل الإبتلاء، فنى حجية اصالة الظهور بالنسبة الى فرد مردد أيضاً كالفرض السابق اشكال ، لعدم انتهاء مثل هذا الأصل الى أمد أصلا فلا مجال الحجيته
( ضرورة ) انه لا يعقل التعبد بشيء إلا من جهة ترتب أثر عملى عليه كما هو ظاهر ( هذا كله ) فيما اذا كان
اجمال المخصص من جهة دورانه بين المتبائنين ، ( وأما ) اذا كان اجماله من جهة دورانه بين الأقل والاكثر فالمشهور سقوط العام عن الحجية في المقدار المتيقن من الخاص ويكون حجة فيما بقى ( والسر فيه) ما عرفت من أن المخصص المنفصل لا يصادم ظهور العام بل يصادم حجيته ، وحينئذ فانه يصادمها بالمقدار الذي يكون حجة فيه وهو المقدار المعلوم منه ، فيقدم على العام في الحجية لا قوائيته منه ، وأما فيما زاد على المقدار المعلوم فلا يكون حجة كي يصادم العام في الحجية فالعام يبقى على حجيته فيه كما لا يخفى .
(هذا) والذي ينبغي ان يقال انه ( تارة) نقول بكون المخصص المنفصل موجباً لتغير عنوان موضوع العام بنقيض الخاص في مقام الحجية وان لم يكن موجباً لتغير ظهوره ( واخرى) نقول بأن العام لا يفرق حاله بعد التخصيص عن حاله قبله من جهة العنوان المأخوذ فى دليله ؛ بل تخرج أفراد الخاص عنه كما لو ماتوا وعلى الأول ان كان ظاهر التخصيص أخراج ما علم من الخاص بحيث يصادم مع حجية العام فيما علم كونه من الخاص ؛فالأمر كما بنى عليه المشهور من حجية العام فيما بقى من المقدار المعلوم من الخاص( ضرورة )ان المخصص اذا كان يصادم العام بالمقدار المعلوم من الخاص وهو القدر المتيقن منه ، فالعام بما له من الظهور فى العموم يبقى على حجيته فيما زاد على المقدار الذي يصادمه فيه الخاص بلا مزاحم ؛ هذا وان كان ظاهر التخصيص اخراج ما ينطبق عليه الخاص واقعاً كما هو متبادر من التخصيص ، فلازم ذلك سراية اجمال الخاص الى العام حكما وان لم يسر اليه واقعاً و في الحقيقة ( ضرورة ) ان الخارج عنه الأفراد المخصوصة المشار اليها بالعنوان المردد بين الأقل والاكثر ، فيقطع إجمالا بعدم حجية العام في المقدار المردد بين الأقل والاكثر( وحينئذ ) فلا يثمر ظهور العام في العموم بعد العلم يتخصيصه بأفراد يشار اليها بعنوان مردد .
( وتوهّم ) أن الخاص حيث يكون محملا فلا يكون حجة إلا في المقدار المعلوم
منه ، فلا محالة يصادم العام فى ذلك المقدار ، ولا معنى لتصادمه معه فما لا يكون حجة ، ضرورة أن المخصص اذا صادم العام في القدر المتيقن منه ، فالعام بماله ظهور فى العموم يبقى فيما لم يصادمه الخاص( وهو الزائد عن القدر المعلوم منه ) على الحجية بلا مزاحمة شيء له ( مدفوع) بأنه فرق بين تصادم الخاص مع العام بحيث يقدم عليه لا قوانيته ، وبين تصادمه معه بحيث يوجب اجماله ، وفى الأول فظاهر ان الخاص يقدم على العام بمقدار حجيته، وفي الثاني أعنى في سراية الإجمال فلا احتياج الى كون الخاص حجة في دائرة معينة ... بل ان اجماله يوجب الاجمال في دائرة حجية العام وان لم يوجب اجماله في الدلالة .
( هذا كله ) بناء على ان المخصص المنفصل يوجب تعنون العام بنقيض الخاص ( وأما على المختار) من أن التخصيص لا يوجب الا قصر الحكم في بعض الأفراد بلا تغيير في الموضوع العام ، بل يكون حاله بعد التخصيص كحاله قبله ( و بهذا يفارق التقييد) فالتحقيق هو ان العام حجة فيما زاد على القدر المتيقن من الخاص (والسر فيه ) ان العام على ذلك يكون ظاهراً فى العموم وحجة فيه بلا انخرام في كلتا جهتيه ففي كل فرد ينطبق عليه العام يحرز حكمه به ، وتكون نتيجة التخصيص اخراج أفراد مخصوصة عن العام كما فى قرض موتهم ، ولازم ذلك ان كل فرد أحرز كونه من الخاص فيحرز اخراجه عن العام ، وكل فرد لم يحرز كونه من الخاص فما مجرز اخراجه عن العام
(وحينئذ) فالعام لحفظ كلتا جهتيه يحرز حكم هذا الفرد ، وإجمال الخاص لا يضر به لا حقيقة ولا حكمل، ولا يقاس هذا بالخاص المردد بين المتبائنين اذ نعلم فيه باخراج ما هو المردد بلا ان يكون في البين قدر متيقن بخلاف المقام ، فانه لا علم لنا فيه بالإخراج إلا بالمقدار المعلوم من الخاص ، وحينئذ فلا يمس بكرامة العام أجمال أصلا ،بقى هنا امور .
( الأمر الأول) انه هل يجوز التمسك باصالة عدم التخصيص في احراز عدم كون ما شك فى انه من مصاديق العام مصداقا له مع العلم بأنه ليس محكوما تحكمه
كما اذا شك في أن زيداً عالم مع العلم بحرمة اكرامه ، فيحكم عليه باصالة عدم تخصيص العام ( وهو قولنا اكرم العلماء) إنه ليس من أفراده ، فيحكم عليه بما لغير العالم من الأحكام ( فيه اشكال ) ويظهر من شيخنا الأعظم (قده ، في غير واحد من موارد كتاب الطهارة ، وكذا من استاذ الأساتذة المحقق الخراساني( قدس سره الشریف) في مبحث الصحيح والأعم ، الرجوع الى اصالة العموم في رفع الشك عن المصداق ، المصداق ، ولكنه: خلاف التحقيق( والوجه فيه ) ان مرجع اصالة عدم التخصيص الذي كان مورداً لبناء المقلاء الى اصالة العموم فى العام
( ومن المعلوم ) ان العام انما يدل على ثبوت جكمه لكل واحد من أفراده، فاذا شك فى ثبوت حكمه الفرد كان العام نافياً لذاك الشك ، وأما اذا علم الحكم وشك فى أن موضوعه هل هو من أفراد العام أو ليس من أفراده ، فلا يدل العام على نفى ذلك الشك وان المشكوك خارج عن مدلوله ان قلت ان عكس النقيض من لوازم القضية بحيث يلزم من صدقها صدقه ، مثلا اذا كان كل انسان حيواناً كان كلما ليس بحيوان غير انسان ، فمثل قضية قولنا اكرم العلماء ينعكس بعكس النقيض الى أن كلما لم يجب اكرامه ليس بعالم ، فاذا ثبت ان زيداً مثلا لا يجب اكرامه وجب الحكم عليه بأنه ليس بعالم كما يتقتضيه عموم العكس وحيث ان الظهور من الامارات فهو حجة في مدلوله الالتزامى كحجيته في مدلوله المطابق، فيكون العام دائماً دالا بالالتزام على أن كل ما لم يكن محكوماً بحكمه فليس هو من أفراده .
( قلت ) ان حجية مثبتات الأمارات أعنى حجيتها في مدلولها الالتزامى ليس على نحو العموم بالنسبة الى جميع اللوازم وفى جميع الموارد ، بل تختلف حسب اختلاف مقدار دلیل حجيتها ، فربما يكون دليل اعتبارها مطلقاً فنأخذ به ونلتزم بحجية مثبتاته مطلقاً ، وربما يكون دليل اعتبارها مهملا فنقتصر على القدر المتيقن من دلالته ، وربما نفرق بين الملزوم واللازم، فلاحظ مثل أدلة اليد واصالة الصحة وامثالها، حيث نقول بحجيتها في بعض اللوازم دون بعض، ولما كان دليل حجية
الظهور هو بناء العقلاء وهو من الأدلة اللبية كان اللازم الاقتصار على القدر المتيقن من دلالته ، ولم يثبت بناء العقلاء على حجية الظهور بالاضافة الى عكس نقيض القضية ، فلا يحكم بحجيته فيه، بل يرجع فيه الى اصالة عدم الحجية .
( ان قلت ) بعد ما كان بناء أهل العرف على التمسك باصالة العموم لاثبات الحكم لجميع الأفراد واستفادة الكلية من دليل الآثار ، فلا يعتنون الى التفكيك . بل لا يلتفتون إلى التفكيك بين ثبوت الواقع وترتب لازمه عقلا من عكس نقيضه ( قلت ) وجه التفكيك هو عدم تكفل العام لتعيين صغرى الحكم نفياً واثباتاً وإن ما تكفله العام حسب بناء العقلاء هو اثبات الكبرى ، وبهذا الأساس بنينا على عدم حجية العام فى الشبهة المصداقية ( فحينئذ) نقول ان اثبات عكس نقيض العام الذي هو من لوازم المدلول واقعاً بمثل هذا الأصل فرع حجيته بالنسبة الى الشبهة المصداقية لنفس العام بعد التفات العرف الى التفكيك بينها وبين الشبهة الحكمية في الحجية ، فلا محيص لهم فى مثل هذه القضايا الظنية التعبدية من التفكيك بين حجية الظن في أصلها دون عكس نقيضها ( وحينئذ ) ليس غرضنا من هذا البيان التفكيك بين القضية الواقعية وعكس نقيضه واقعاً كى يقال انه عقلى ، بل تمام همنا الى عدم طريق مثبت لهذا اللازم ، إلا مع فرض حجية الأصل المزبور في الشبهة الموضوعية وإلا فلا طريق لنا اليه فى الحقيقة ، ففى جميع القضايا الظنية التعبدية يثبت العموم والموجبة الكلية ولا يثبت عكس نقيضه من جهة التفكيك فى حجية أصالة العموم بين الشبهات الحكمية والمصداقية ( فافهم ) .
( الأمر الثانى) اذا خصص العام بعنوان مبين مفهوماً مردد مصداقاً ، فهل يجوز التمسك بالعام فى الفرد المردد بين كونه مصداقاً للخاص أم لا فما اذا كان المخصص متصلا بالعام ، الظاهر هو اتفاق الاعلام على الجواز كما انه لا ينبغى الشك فيه ، اذ قد عرفت ان الخاص المتصل يوجب انعقاد الظهور التصديق من الأول في الخاص ، فالتمسك بالعام فى الفرد الذى شك فى انطباق الخاص عليه كالتمسك بالخاص
الظهور ، ثم يستكشف لازمه بناء على حجية مثبته.
( الثاني ) ما عن بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف)من أن لازم ورود المخصص كقولنا لا تكرم الفساق مثلا هو دخل قيد سلبي في موضوع الحكم لباً ، ومقتضى ذلك رفع اليد عن ظهور العام في كون العالمية تمام الموضوع للحكم ويستكشف من المجموع ان الموضوع اللي هو عالم غير فاسق ( ومن المعلوم ) انه وان أحرز في الفرد المشتبه جزء موضوع الحكم ببركة العموم الحاكى عن ان كلما هو عالم جزء المطلوب ، ولكن لا يحرز قيده الآخر السلبي بمثل هذا العام ، فلا مجال حينئذ لاجراء حكم الوجوب على المشكوك لعدم احراز قيد موضوعه فيه .
(ويرد عليه )ان ما افيد انما يتم بناء على كون لسان المخصص لسان الاشتراط والتقييد ، وأما لو كان لسانه لسان الاخراج وحصر بقية الأفراد في الموضوعية فلا يوجب مثله أخذ قيد عرضى فى موضوع الحكم سلبياً كان أم ايجابياً ، بل غاية الأمر يقتضى مثله حصر الحكم في بعض الأفراد دون بعض ، ولكن ليس لازمه دخل شيء زائد عن خصوصية الفردية في حكمه ، بل مقتضاه تحديد الحكم بمقدار دون مقدار ، ومثل هذا التحديد كما يناسب مع تمام مدلول العام عند العلم بانحصار أفراده بالعدول ، كذلك يناسب مع احتماله بملاحظة حفظ ظهوره المحتمل للمطابقة من جهة احتمال الحصر من دون استلزام ذلك تصرفا في ظهوره ، غاية الأمر لولا التخصيص لكان احتمال مطابقة الظهور للواقع من جهتين ، وبعد التخصيص ينحصر احتمال المطابقة بجهة واحدة ، وذلك المقدار غير مضر لشمول دليل الصدق لمثله.
( وبعبارة اخرى ) ان مفاد العام ليس الا على نحو يكون كل فرد منه باقياً فيه بعد التخصيص بمثل ما يكون داخلا فيه قبله ( ومن المعلوم ) ان كل فرد من العلماء العدول الداخلة فى العام قبل التخصيص هو تمام الموضوع لحكمه من دون دخل عنوان التقييد بالعدول فيها ، ولا التقييد بعدم الفسق ، بل الموضوع للحكم هو هذه الأفراد الملازمة للعدالة أو عدم الفسق ، لا المقيد بأحدهما ، كما أن الأفراد
الفساق الداخلة فى العام قبل التخصيص هى ذوات أفراد العام الملازمة للفسق وعدم العدالة ، فلا يقيدها اللازم أيضاً بأمر وجودى أو عدمى
( وحينئذ ) فنتيجة اخراج هذه الأفراد عن تحت العام قصر الحكم بالباقى قبل التخصيص ، ولقد عرفت أن ما هو تحت العام قبل التخصيص ليس إلا الأفراد الملازمة للعدالة أو عدم الفسق لا المقيد بها ، فالباقي بعد اخراج الفساق أيضاً ليس الا هذه الأفراد الملازمة للعدالة أو عدم الفسق بلا تغيير عنوان فيها ، فالتخصيص فى الحقيقة بمنزلة موت بعض الأفراد ، فكما أن بموتها لا ينقلب عنوان الداخل عما له من العنوان الذى يكون بذاك العنوان تمام الموضوع لحكم العام لا جزئه ، كذلك بعد التخصيص أيضاً لا تخرج الأفراد الباقية عن تمامية الموضوع للحكم، فشأن دليل المخصص ليس إلا حصر أفراد العام بالبقية مع بقائها على ما هي عليه من تمامية الموضوعية للحكم كما هى شأنها قبل التخصيص ، لا ان شأن المخصص قلب ما هو تمام الموضوع بجزء الموضوع ( نعم ) ذلك شأن دليل التقييد ، اذهو يقلب الطبيعة عن اطلاقها الى التقييد الملازم لصيرورة الطبيعة جزء الموضوع ، فكم فرق حينئذ بين باب التخصيص و باب التقييد ، فدلالة العام بعد التخصيص على حكم بقية الأفراد تكون بعين دلالته عليه قبله حتى فى عالم الثبوت ، ومن هذه الجهة صار المقام مركزاً للبحث ، فتوهم القائل بالجواز ان عنوان العام شامل لذلك المشكوك مع بقائه على كونه تمام الموضوع للحكم بعد التخصيص أيضاً كقبله ، بلا تغيير في موضوع الحكم من هذه الجهة ، مع عدم معارضة دليل المخصص له لعدم حجيته فى المشكوك ، ولم يتوهم القائل المزبور في المقام جواز التمسك بالمطلق عند الشك فى مصداق المقيد نظير اطلاق دليل النذر في صورة الشك فى رجحان المتعلق ، وذلك يكشف عن تغاير بابى التخصيص والتقييد ، وان عدم تغير عنوان موضوع الحكم في باب التخصيص صار منشأ لتوهم الجواز في المقام دون باب التقييد ( وحينئذ ) فلا تقنع نفسك في وجه عدم الجواز الى ما ذكر من التقريب الراجع الى خلط باب التخصيص بياب
التقييد ( فتدبر جيداً ) .
( الثالث) ما عن بعض من أن اصالة العموم انما تكون متكفلة لرفع الشك من ناحية الشارع الذي يكون في المقام منحصراً بالشبهة الحكمية ، ولا تكون متكفلة لرفع الشبهة في الموضوع الناشئة من قبل الامور الخارجية ( ومن المعلوم ) ان الشك فى مطابقة عموم وجوب اكرام العالم مثلا للواقع من جهة احتمال حصر العلماء في العدول نشأ عن الشبهة الموضوعية، ومثل هذا الشك ليس من شأن الشارع رفعه .
( هذا ) ويرد عليه ان ما ليس من شأن الشارع رفعه هو الشك فى المصداق الجزئي الخارجي، وأما رفع الشك عنه يجعل طريق بعنوان كلي فشأنه ذلك ، ولذا جعل الشارع امارات كثيرة لتشخيص الموضوعات الخارجية كاليد والبينة والسوق فمن الممكن كون أمره بالأخذ بالظهور فى أمثال المقام أيضاً مثل أمره بأخذ اليد والسوق وامثالهما ( وتوهم ) انه لو سلم كون شأنه ذلك ، ولكن السيرة في هذه الظواهر انما قامت على حجيتها من حيث الشبهة الحكمية لا الموضوعية للحكم الواقعي ( مدفوع جداً ) بل السيرة قامت على الأخذ بالظاهر مهما احتمل مطابقته للواقع.
( الرابع ) ما عن شيخنا الأستاذ( قدس سره الشریف)من أن الحجية بعد ما كانت منحصرة في الظهور التصديقي المبني على كون المتكلم فى مقام الافادة والاستفادة ، انما يتحقق في فرض تعلق قصد المتكلم بابر از مرامه باللفظ ، وهو فرع التفات المتكلم بما تعلق به مرامه ، وإلا فمع جهله به واحتماله خروجه عن مرامه ، فكيف يتعلق قصده با بر از مرامه باللفظ ، ومن المعلوم ان الشبهات الموضوعية طراً من هذا القبيل(ومرجع هذا الوجه) الى منع كون المولى فى مقام افادة المرام بالنسبة الى ما كان هو بنفسه مشتبهاً فيه ، فلا يكون الظهور حينئذ تصديقاً كى يكون واجداً الشرائط الحجية : لا الى منع شمول دليل الحجية للظهور من حيث كونه امارة لتعيين الموضوع كما توهم : كيف ومع الاغماض عما ذكرنا لا قصور في جعل المولى هذا الظهور أيضاً من الامارات على تعيين الموضوعات كسائر الامارات المجعولة منه حتى
بالنسبة الى ما هو بنفسه جاهل بوجوده كما هو ظاهر واضح ( وحينئذ ) فالعمدة في وجه المنع هو ما أشرنا .
( هذا ) والانصاف ان ما أفاده « قده ، متين غايته الا انه يمكن ان يوجه منع حجية العام بوجه ادق ، وهو ان الشبهة المصداقية في المقام ليست شبهة مصداقية بالنسبة الى الحكم الواقعى فقط، بل هى شبهة مصداقية لما هو مشمول للحجة القطعية ( فحينئذ ) نقول ان اصالة العموم انما تكون حجة بالنسبة الى كل فرد نقطع بعدم كونه تحت حجة واصلة على خلافه ، وأما لو شك في كون الفرد مشمولا للحجة الواصلة على خلافه ، فلا يكون مجرى للاصل المزبور( وبعبارة اخرى ) نقول ان اصالة العموم انما تكون حجة عند الشك في وجود الحجة على التخصيص واقعاً ، وأما عند الشك فى مخصصية الحجة الموجودة بالنسبة الى هذا الفرد ، فلا مجرى لهذا الأصل ولو من جهة الشك فى قيام السيرة عليه فافهم واغتنم .
(تنبیه )
لا يخفى انه يلزم التهافت بين القول بامكان التمسك بالعام في الشبهة المفهومية للمخصص الدائر بين الأقل والأكثر ، وبين القول بعدم امكان التمسك به في الشبهة. المصداقية للمخصص على غير المختار ، بيانه أن مفاد التخصيص ان كان اخراج الخاص بما علم من أفراده ، فعليه يلزم الأخذ بالعام فيما زاد على ما علم كونه من أفراد الخاص من دون فرق فى ذلك بين أن تكون الشبهة مفهومية أو مصداقية ، اذ الملاك على الفرضين واحد ( ضرورة ) ان ما علم كونه من الخاص فهو العالم الفاسق المرتكب للكبيرة مثلا فى الشبهة المفهومية ، وأفراد الميتة المعلومة مثلا في الشبهة المصداقية ، وماسوى ذلك من الأفراد كالمرتكب للصغيرة فى الأولى ، وكالافراد المشكوكة الخارجية في الثانية ، خارجة عن أفراد الخاص فيعمها العام ، وان كان مفاد التخصيص اخراج ما ينطبق عليه الخاص واقعاً ( فحينئذ ) كما لا يمكن الأخذ بدليل الخاص لا يمكن
الأخذ بعموم العام أيضاً، من دون فرق فى هذا أيضاً بين أن تكون الشبهة مفهومية أو مصداقية كما هو ظاهر ، ولا فرق فيما ذكر ناكله ، بين أن تكون نتيجة التخصيص تقييد مدخول العام وتعنونه بنقيض الخاص ، أو تكون نتيجته تقييد ما هو الحجة فعلى أي تقدير ما يكون الملاك لعدم امكان الأخذ بالعام في الشبهة المصداقية ، هو الملاك لعدم امكان الأخذ به في الشبيبة المفهومية ، ضرورة أن دليل الخاص من حيث اجماله لو اوجب الاجمال فى دليل العام ( فحينئذ ) لا يمكن التمسك بالعام في كلا المقامين وان لم يوجب الاجمال فيه كما هو الأساس في الشبهة المفهومية فكذلك يكون الأمر في الشبهة المصداقية أيضاً .
( الأمر الثالث) بعد ما عرفت من عدم امكان التمسك بالعام في الشبهة المصداقية المخصص، فهل يمكن ادراج الفرد تحت العام بجريان أصل العدم الأولى أم لا ( قولان ) الأقوى امكان التمسك به في بعض الفروض ( تقريب ذلك ) . يتوقف على تمهيد مقدمات .
( الاولى ) أنه بعد ما كان مرجع تقييد شيء بشيء الى اعتبار اضافة بين الشيئين ، فمركز هذه الاضافة ليس إلا الذهن ، كيف وقد يكون طرف هذه الاضافة الطبايع بالاضافة الى خصوصياتها المفردة ، وكذا الذوات بالنسبة الى أوصافها ،ومن البديهى اقتضاء النسبة المزبورة اثنينية الطرفين، وان صقع هذه التجزئة والتجريد بين الطبايع وخصوصياتها ليس إلا الذهن ، وإلا فالخارج ظرف اتحادهما كما هو الشأن بين الذوات وأوصافها ، اذ الخارج ظرف اتحادها مع الوصف بنحو لا يتصور تخلل عدم بينهما ، مع ان شأن النسبة المزبورة ذلك ( ومن هنا نقول ) ان سنخ هذه النسب غير سنخ الاضافات المقولية والنسب الخارجية الموجبة لاحداث هيئة للطرفين فى الخارج ( نعم ) قد تطابق هذه النسبة الاعتبارية مع الاضافة المقولية، ولكن مجرد ذلك لا يقتضى ارجاعها اليها(وحيتذ) لا محيص من الالتزام بأن ظرف عروض التقيدات ذهني، وحيث أن طرفيها قد لوحظا مرآتا
للخارج فربما تتصف النسبة المزبورة بالخارجية ، كما هو الشأن في متعلق الارادات والعلوم وغيرهما من الصفات الوجدانية ، كالتمنى والترجى وغيرهما ، حيث أن ظرف عروضها الذهن ، وان الخارج ظرف اتصافها .
( الثانية ) انه بعد ما يكفى لاستصحاب كل طرف من النقيضين ترتب الاثر على نقيضه بلا احتياج الى ترتب الأثر على نفسه ، لا شبهة فى أنه لو ترتب الأثر على المقيد بأمر وجودى ، يكفى فى نفى الأثر استصحاب نقيض المقيد بالوصف من نفى المقيد أو نفى القيد أو نفى النسبة الخارجية بينهما ، غاية الأمر لا يجرى الأصل فى الأخير إلا في ظرف وجود الذات ، وإلا ففي ظرف عدمها ينتفى المقيد بنفى الذات ، ولا يكاد يستند الى نفي النسبة ، فلا أثر النفي النسبة حينئذ بخلاف فرض وجود الذات ، فان نفى النسبة أيضاً من أحد أفراد نقيض المقيد ، وان كان في طول فنى القيد (ثم) انه لا فرق فى هذا الأصل بين أن يكون مجراه سلب الذات أو النسبة أو القيد ، بنحو السلب التام أو الناقص ، بطور السلب المحصل لا المعدولة ، كيف والمعدولة فى طول السالبة المحصلة ، إذ النسبة السلبية التى بها قوام القضية السلبية مأخوذة في محمول المعدولة ، فتصير النسبة المقومة لصيرورتها قضية ، ، فى طول النسبة في السالبة المحصلة ، ولذا تخرج المعدولة عن كونها نقيضاً للموجبة ، بل كانت من أضدادها ، فلا يكفى أثر الموجبة الجريان الأصل فيها ( وتوهم ) ان السالبة المحصلة ليست بقضية ، اذ القضية لابد وان تشتمل على النسبة والربط بين الموضوع والمحمول فلا يكون المتصف بعنوان القضية إلا المعدولة (كلام ظاهرى ) اذ الربط بين الشيئين كما يمكن بوضع شيء على شيء كذلك يمكن برفع الشيء عن الشيء ، فكان الفرق بين النسبة الايجابية والسلبية كالفرق بين الوصل والفصل ، حيث أن كليهما نسبة
( غاية الأمن ) فى الأول ايجابية وفى الأخير سلبية محضة ( فما اشتهر ) من أن مرجع السلب المحصل الى سلب الربط قبال المعدولة الراجعة الى ربط السلب ( ممنوع ) بل مرجع السلب المحصل الى ربط سلبي لا ربط سلب كما لا يخفى ( نعم ) النسبة السلبية
لما كانت قائمة بالذات في صقع الذهن كالايجابية على ما عرفت ، فربما يصدق مفاد السلب المحصل مع انتفاء الموضوع فى الخارج، وهذا المقدار لا يخرجه عن كونه قضية مشتملة على الموضوع والمحمول والنسبة السلبية التي ليس صقع جميعها إلا الذهن( الثالثة ) ان القيد وصفاً كان أو غيره انما يصير ذا أثر في ظرف عروض التقيد عليه لأنه ظرف شرطيته، فيصير الوصف قهراً ذا أثر شرعى في المرتبة المتأخرة عن تقيده فلا جرم يكون عدم ذات الوصف ذا الأثر في هذه الرتبة .
، لأنه فى هذه الرتبة نقيض الوجود المتصف بالأثر ، نظراً الى لزوم حفظ الرتبة بين النقيضين( وحينئذ ) ليس مطلق عدم الذات ولو في رتبة التقيد فضلا عن السابق عليه ذا الأثر بالمناط المزبور ، بل الذى يكون ذا أثر هو العدم المتأخر عن التقيد المتأخر عن الذات ( ولئن شئت قلت ) ان مركز الاستصحاب هو العدم المتأخر عن الذات برتبتين ، فما هو متأخر عن الذات برتبة واحدة خارج عن محط الاستصحاب ، لعدم كونه نقيض ما هو ذو الأثر في كبرى الدليل كما لا يخفى (نعم) يكف فى الاستصحاب أيضاً ترتب الأثر على الشيء في ظرف البقاء وان لم يترتب عليه الأثر في الزمان السابق المتيقن حدوثه ( وحيث اتضح مثل هذه الجهات) فنقول ان التقيد القائم بالشيئين فى لسان الدليل ( تارة ) قائم بالذاتين مطلقاً من دون اناطته بوجود الذات الذي هو موضوع القضية( واخرى ) قائم بهما في ظرف وجود الذات الذي هو موضوع القضية ، ومثال الفرضين واضح ، فعلى الأول كما هو الغالب فى القضايا المقيدة ، كالإمرأة القرشية ، والشرط المخالف ، واليد الاماني ، وماء الكر ، وأمثالها ، لا شبهة فى أن التقيد المزبور قائم بنفس الذات في الرتبة السابقة على وجوده ، نظير الملازمة القائمة بنفس الذات المحفوظة في المرتبة الصادقة حتى مع عدم الطرفين في الخارج، خصوصاً مع فرض استحالتهما فيه ، كالملازمة بين تعدد الآلهة وفساد العالم ؛ ففى هذه الصورة لا شبهة انه في ظرف عدم الذات كان التقيد القائم بالطرفين محفوظاً ، ولا يوجب عدم الذات في الخارج سلب هذا القيد
لما عرفت من أن معروض التقيد ليس إلا نفس الذات المحفوظة بين طرفى الوجود
والعدم و(حينئذ)يصدق على عدم الوصف حتى فى ظرف عدم الذات عدم ذات القيد الذى هو نقيض موضوع الأثر ، فاذا جر هذا العدم بالاستصحاب الى حين الوجود ، يصدق نقيض القيد فى هذا الظرف ، فيترتب عليه الأثر من رفع الحكم الثابت لوجوده ، وأما لو كان التقيد المزبور منوطاً بالوجود المزبور ، فلا شبهة انه في ظرف عدم هذا الوجود لا يكون تقيد أصلا، ففى هذا الظرف وان صدق عدم الوصف الناشيء عن عدم الموصوف ، لكن مثل هذا العدم لا يكون ذا أثر لا لنفسه ولا بمناط المناقضة، والأول واضح وهكذا الثانى ، لأن ذات العدم فى ظرف عدم الموضوع ليس نقيضاً للوجود المأخوذ في الرتبة المتأخرة عن التقيد المتأخر عن وجود الموضوع برتبتين ، فلا جرم يكون ذو الأثر هو العدم المتأخر عن التقيد المتأخر عن الوجود برتبتين ( وحينئذ ) فلو جر هذا العدم الى زمان الوجود ، فلا ينتزع منه العقل إلا العدم المتأخر عن الوجود برتبة واحدة ، وهذا العدم لا أثر له بل ماله الأثر هو العدم المتأخر عن التقيد المتأخر عن الوجود برتبتين ، فلا مجال حينئذ لاجراء الاستصحاب فيه ، بل انما يصير مجرى الأصل هو العدم فى ظرف التقيد المتأخر عن الوجود لا مطلقاً ( وحينئذ) الأصل فى الاعدام يصير عقيما في هذه الصورة لا في الصورة السابقة فالعمدة في المسألة ملاحظة هذه الجهة .
وعن بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف)جعل جريان هذا الأصل وعدمه منوطاً بكون الوصف المأخوذ قيداً بما هو شيء فى حيال ذاته ، أو بما هو قائم
بموصوفه ، وسمى الأول بالوصف المقارن ، والآخر بالنعتى ( وتوضيح مقالته) هو أن الوصف الذي له وجود فى غيره ( تارة ) يلاحظ نفس وجوده بما هو شيء في خيال ذاته بلا نظر الى حيث قيامه بغيره
( واخرى ) يلاحظ وجوده بما هو قائم بغيره ، فعلى الأول لا بأس بجريان الأصل في الاعدام الأزلية ، لأن عدم الوصف في ظرف عدم الموصوف نقيض نفس وجوده ، فبالاستصحاب يترتب
الأثر على العدم المزبور ، من نفى الأثر القائم على الوجود، وأما على الثاني فلاشبهة في أن عدم ذات الوصف في ظرف عدم الموصوف لا يكون نقيضاً للوجود القائم بالذات ، لأن الوجود القائم بوجود الغير يكون في رتبة متأخرة عن وجوده . فلاجرم يكون نقيض هذا الوجود المتأخر عن وجود موصوفه بوصف قيامه به هو العدم في ظرف وجود هذا الموصوف ، لا مطلق العدم، فلا مجال لجر العدم السابق بالاستصحاب ، هذا غاية مرامه.
( أقول ) لا يخفى ان وجود الوصف بعد ما كان في الخارج قائماً بالموصوف وان الموصوف من أجزاء علة وجوده ، فتمهراً يصير بحسب الرتبة متأخراً عنه ولازم حفظ الرتبة بين النقيضين ان يكون عدمه أيضاً في الرتبة المتأخرة عن نقيض الموصوف ، كما هو الشأن فى العلة والمعلول ، وإلا ففي ظرف الاعدام لا يكون تأثر و تأثير( وحينئذ ) فكما يصدقان بوجود الموصوف يوجد الوصف . كذلك يصدق ان بعدمه يعدم ، وعليه فنقيض وجود الوصف لا يكاد ينحصر بالعدم فى ظرف وجود موصوفه ، بل له فردان احدهما العدم فى ظرف الوجود ، والآخر العدم في ظرف عدم موصوفه ( نعم ) عدم الوصف متأخر رتبة عن الموصوف وجوداً وعدماً ، وعليه فمجرد اخذ حيث قيام الوصف بالموصوف قيداً في لسان الدليل لا يوجب حصر نقيضه بالعدم في ظرف وجوده ، بل يصدق نقيض الوصف بالعدم فى ظرف عدم الموصوف أيضاً ( وحينئذ ) فلو فرضنا أخذ التقيد فى مرحلة الذات ، فلا بأس باستصحاب عدم الوصف المتحقق في ظرف عدم موصوفه الى حين وجوده ، ولا يكاد ينقلب عدم الوصف بانقلاب عدم الموصوف بالوجود كما هو واضح ( وتوهم ) أن مرجع أخذ الوصف بنحو النعتية قيداً الى دخل قيامه بالموصوف في أصل التقيد ، ولازم ذلك دخل وجود الذات أيضاً في التقيد ، فيرجع مآله الى الصورة الثانية فى الحكم بعدم جريان الأصل فيه عند الشك أيضاً
(مدفوع) بأن مجرد النعتية بالمعنى المزبور لا يقتضى دخل القيام المزبور في أصل
التقيد ، بل يناسب مع دخله في القيد القائم به التقيد لا فيه نفسه ( وحينئذ ) لنا ان نلتزم بعدم اقتضاء الوصف بنحو النعتية منع جريان الأصل في نقيضه الازلى ( فتدبر ) ولئن سلمنا حصر نقيضه بالعدم فى ظرف الوجود ( فنقول ) بعد ما يكفى فى استصحاب الشيء ترتب الأثر عليه في ظرف بقائه بلا احتياج الى الأثر في ظرف حدوثه ، أن عدم الوصف في ظرف عدم الموصوف بملاحظة تأخره رتبة عن نقيض الموصوف يصير متأخراً عن وجوده أيضاً ، حفظاً للرتبة بين النقيضين .
فاذا جر عدم الوصف الى حين وجود موصوفه صدق حينئذ نقيض الوصف القائم بوجود موصوفه ، وهو العدم فى ظرف الوجود ، فيترتب عليه أثر بقائه وان لم يكن لحدوثه أثر ، لعدم كونه نقيض وجوده .
( فان قلت ) أن عدم الوصف انما يصير متأخراً رتبة عن عدم موصوفه بملاحظة كونه نقيض وجوده المتأخر عن وجوده ، وإلا فمع صرف النظر عن هذه الجهة لا مجال لتأخر رتبة عدم الوصف عن عدم الموصوف ، بل ليس في البين حينئذ إلا العدم المقارن لعدم موصوفه ، وجر العدم المزبور لا يوجب تأخره عن الموصوف كي يصير نقيضاً لوجوده المتأخر عنه رتبة ، وانما هو نقيض لذات وجوده الغير الملحوظ قيامه بموصوفه ، وهو المسمى بالوصف المقارن ، فالاستصحاب المزبور يثمر في هذا المقام، لا في المقام السابق المأخوذ فيه الوصف نعتياً، ومن حيث انه قائم بموصوفه .
( قلت ) ان وجود الموصوف بعد ما كان من أجزاء علل وجود الوصف . كيف يعقل أن يكون عدمه مقارناً لعدم جزء علته ، بل المعلول وجوداً وعدماً متأخر عن علته بجميع أجزائه وجوداً وعدماً ، فلا محيص من الالتزام بتأخر عدم الوصف عن عدم الموصوف قهراً ، من دون فرق بين أخذه في عالم القيدية بنحو النعتية أو بنحو آخر ، فلا جرم يصير عدم الوصف في رتبة متأخرة عن وجود موصوفه أيضاً في ظرف بقائه الى حين الوجود ، لحفظ الرتبة بين النقيضين
( وحينئذ ) لا فرق فى هذه الصورة بين أن يكون القيد ذات الوصف مستقلا . أو بما هو قائم بالغير نعتياً ، كما هو ظاهر ( فتلخص ) انه في ظرف أخذ التقيد بين الموصوف والوصف بنحو الاطلاق لا بأس باستصحاب الخدم المزبور ، ولو كان المأخوذ قيداً بنحو النعتية ، وان كان ظرف التقيد متأخراً عن وجود موصوفه . فلا يكاد يثمر استصحاب عدم الوصف الى حين وجود الموصوف ، ولو فرض كون القيد هو الوصف لا بنحو النعتية ؛ لأن جر هذا العدم الى حين الوجود لا يثبت إلا عدم الوصف في ظرف وجود موضوعه برتبة واحدة ، وهذا لا أثر له ، وانما الاثر للعدم الملحوظ في الرتبة المتأخرة عن التقيد المتأخر عن الوجود برتبتين .
ولا يكاد ينطبق على المستصحب هذا العدم كما أشرنا( وحينئذ) مدار جریان الاستصحاب في الاعدام الازلية ما ذكرنا من التفصيل لا ما أفيد ، ثم لا بأس أيضاً بذكر ما لبعض الاساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف)في تقريب عدم جريان الاصل الازلى فى . تنقيح موضوع العام من رسم مقدمات ، فذكر فى محكى بيانه .
( الاولى ) أن التخصيص سواء كان بالمنفصل أو بالمتصل استثناء كان أو غيره فهو انما يوجب تقييد عنوان العام بغير عنوان المخصص ، فاذا كان المخصص أمراً وجودياً فيكون الباق تحت العام معنوناً بعنوان عدمى ، وان كان أمراً عدمياً فيكون الباقى معنوناً بعنوان وجودي( والسر فى ذلك ) هو ما تقدم من ان كل انقسام يمكن أن يفرض فى موضوع الحكم قبل عروض الحكم عليه . سواء كان بلحاظ أحواله وطواريه أم بلحاظ مقارناته . فلابد وان يكون موضوع الحكم بالاضافة الية إما مطلقاً أو مقيداً ياحد القسمين. ولا يمكن الاهمال فى الانقسامات الاولية بحسب الواقع (وحينئذ) فاذا فرضنا خروج قسم من الاقسام عن تجت العام حكما فاما أن يكون الباقى تحته بعد التخصيص مقيداً بنقيض الخارج . فيكون دليل المخصص رافعاً لإطلاقه ( فهو المطلوب ) وإما أن يبقى على اطلاقه بعد التخصيص أيضاً. فيلزم التهافت والتناقض بين المدلولين ( نعم ) هناك فرق بين المتصل والمنفصل
فان التقييد فى المتصل انما هو بحسب الدلالة التصديقية، اذ المفروض عدم انعقاد الظهور الا فى الخاص من أول الأمر ، وهذا بخلاف التقييد في المنفصل ، فانه بالاضافة الى المراد الواقعى لا بالنسبة الى ما يستفاد من الكلام لفرض تمامية الظهور فى العموم ، لكن هذا المقدار من الفرق لا يكون بفارق في المقام بعد اشتراكهما في تقييد المراد الواقعي .
( الثانية) ان العنوان المخصص اذا كان من قبيل الأوصاف القائمة بعنوان العام ، سواء كان من العناوين المتأصلة أو الانتزاعية ، فلا محالة يكون موضوع الحكم بعد التخصيص مركباً من المعروض والعرض القائم به ، أعنى به مفاد ليس الناقصة المعبر عنه في كلام العلامة الأنصارى و قده ، بالعدم النعتى ( والسر في ذلك ) هو أن انقسام العام الى أوصافه ونعوته القائمة به فى مرتبة سابقة على الانقسام الى مقارناته ولواحقه فاذا كان دليل التخصيص كاشفاً عن تقييد ما ، ورافع لاطلاقه بمقتضى المقدمة الاولى ، فلابد وان يكون هذا التقييد بلحاظ الانقسام الأولى .
أعنى به الانقسام الى أوصافه ونموته ، حتى يرجع التقييد الى مفاد كان الناقصة . اذ التقييد اذا كان راجعاً الى عدم مقارنته مع وصفه القائم به على نحو مفاد كان التامة بحيث كان الموضوع فى الحقيقة هو عنوان العام وعدم عرضه المحمولى ، فاما أن يكون ذلك مع بقاء الاطلاق بالقياس الى جهة النعتية ، حتى يرجع استثناء الفساق من العلماء الى تقييد العلماء ، بأن لا يكون معهم فسق ؛ سواء كانوا فاسقين أم لا ، أو يكون ذلك مع تقييد جهة النعتية أيضاً ، (والأول) غير معقول لوضوح التدافع بين الاطلاق من جهة النعتية والتقييد بالعدم المحمولى ( والثاني ) مستلزم للغوية التقييد بالعدم المحمولى، لكفاية التقييد بالعدم النعتى عنه ، وهذا هو الميزان الكلى فيها اذا كان الموضوع مركباً من العرض ومحله ، اللازم فيه أن يكون التقييد بلحاظ مفاد كان الناقصة أو ليس الناقصة .
( الثالثة ) ان تقابل الوجود النعتى الذي هو مفاد كان الناقصة والمعنى الاشتقاقي
المعبر عنه بالعرضى المحمول مع العدم النعتى الذى هو مفاد ليس الناقصة ، انما هو تقابل العدم والملكة المشروط فيه وجود الموضوع والممكن ارتفاعها بارتفاع موضوعهما ، إذ الموضوع بعد وجوده هو الذي يوجد فيه الوصف ، فيكون الوجود نعتاً أو لا يوجد فيه ذلك فيكون العدم نعتاً، وأما الموضوع قبل وجوده فهو غير قابل لا للوجود النعتى ، ولا للعدم كذلك ، وهذا بخلاف التقابل بين نفس وجود المرض المعبر عنه بالوجود المحمولى . وماهو مفاد كان التامة ، ومعنى المبدأ الذي هو عرض غير محمول مع عدمه ، فانه من قبيل تقابل الايجاب والسلب غير الممكن ارتفاعها لكونهما معروضين لنفس الماهية المعراة عن كل شيء ، فكما لا يعقل تحقق الوجود النعتى قبل وجود موضوعه، فكذلك لا يعقل تحقق العدم النعتى المقابل له أيضاً .
( اذا عرفت هذه المقدمات ) تعرف ان الخارج عن تحت العام وهو عنوان القرشية انما يكون حيث يقيد الباقى بنقيض هذا العنوان بمقتضى المقدمة الاولى .
ولابد وأن يكون هذا التقييد على نحو مفاد كان الناقصة بمقتضى المقدمة الثانية ، ويستحيل تحقق هذا العنوان المأخوذ فى الموضوع قبل وجود موضوعه بمقتضى المقدمة الثالثة ، فلا يمكن احراز قيد الموضوع باصالة العدم ، فان المستصحب إما أن يكون هو العدم النعتى المأخوذ في الموضوع فهو مشكوك من أول الأمر ، ولا حالة سابقة له كما اعترف به( قدس سره الشریف) وإما أن يكون هو العدم المحمولى الملازم للعدم النعتى بقاء ، فلا يمكن الحكم بتمامية الموضوع باستصحابه الا على القول بالاصول المثبتة (انتهى ما أفاده في هذا المقام ) .
ويرد عليه ( أولا) ان ما ذكره في المقدمة الأولى من أن موضوع الحكم بالنسبة الى الطوارى إما مطلق الخ ، ليس على ظاهره من الحصر ، بل هنا شق ثالث وهو أن يكون الموضوع حصة من الوجود الملازمة للطوارى سلبياً أم ايجابياً ( ولئن شئت توضيحه ) فنقول ان الموضوع للحكم قبل التخصيص هى أفراد من العام كالعلماء الملازمة مع العدالة أو عدم الفسق مثلا ، وأفراد منه أيضاً الملازمة
مع الفسق أو عدم العدالة من دون تقيد كل واحد من الصنفين بقيد وجودى عدمى ولا اطلاق ، وبعد التخصيص أيضاً كان الباقى موضوعا للحكم كذلك (وحينئذ) فلا يبقى للكلام المزبور مجال أصلا ، وبذلك جعلنا لباب التخصيص مقاماً ولباب التقييد مقاماً ، وقلنا بأن التخصيص للعام لا يحدث عنواناً للباقى تحته بعد التخصيص لا اثباتاً ولا ثبوتاً ، وهذا بخلاف التقييد ( فتدبر ) كى تعرف حال المقدمة الاولى .
و ( ثانياً ) فمع الغض عما ذكر نقول انه اذا فرض قيد ملازم لجهة من الجهات كالقعود الملازم لعدم القيام ، فهل يكون تقييد الموضوع به مستلزماً لتقييد الموضوع بها أيضاً ( كلا ثم كلا) مع ان البرهان المزبور جار فيه أيضاً ، إذ مع تقييد الموضوع بالقعود ، فلو يبقى اطلاق الموضوع من حيث عدم القيام بحاله ليلزم التناقض ، فلابد من تقييده بأمر سلبي ، اذ حيث لم يكن اطلاق فلا بد من تقييد ، وحينئذ فلازم ذلك تقييد كل موضوع بجميع لوازم قيده وبعدم أضداده .
وذلك مما يأباه الفكر السلم ، فلا محيص حينئذ عن الالتزام بشق ثالث ، وان مجرد عدم الاطلاق بشيء لا يقتضى التقييد (وحينئذ) فلا يتم ما أفيد في المقدمة الثانية بل لنا أن ندعى ان القدر المتيقن من التقيد الوارد من ناحية التخصيص تقيد الوجود بعدم الوصف المقارن ، وان النعتية تحتاج الى عناية زائدة.
و ( ثالثاً ) لنا قلب الاشكال عليه بأنه بعد التقييد بالعدم النعتى ، فهل يبقى الموضوع على اطلاقه من حيث العدم المحمولى أم لا ، فالأول يستلزم التناقض ، فلا محيص عن التقييد لعدم الواسطة بين الاطلاق والتقييد ( فتدبر ) .
و ( رابعاً ) ان مرجع مفاد كان الناقصة الى قيام أحد الوصفين بالموصوف على نحو القيدية قبال مفاد كان التامة التى مرجعها الى أخذها في الموضوع بما هو شيء في قبال ذاته ( فحينئذ ) لنا مجال القول بأن تقييد الذات بوصف قائم به ( تارة ) يكون فى رتبة سابقة على وجود الذات . بحيث ربما يضاف الوجود الى المقيد به فيقال وجود زيد القائم. ولا يخفى ان شأن هذا التقييد اثبات الملازمة بين الذات
ووصفه ( ومن البديهى ) ان الملازمة بين الشيئين لا تلازم وجود طرفى الملازمة وذلك برهان جزمى بأن التقييد في مرتبة الذات سابق على وجود القيد والمقيد كنفس الذات ( ومن المعلوم ) أن هذا التقييد في عالم تحققه موجب لاتصاف الذات بوصفه بنحو النعتية . وليست نعتية الوصف للذات من تبعات وجود ذاته . اذ لا نعنى من النحتية إلا ملاحظة الوصف في عالم قيديته للذات قائماً بها قبال لحاظه مستقلا في قبال الذات
( ومن الواضح ) ان هذه الاعتبارات في القيود ملحوظة في عالم تقييد الذات بها الذي هو في رتبة سابقة على الوجود بنحو يضاف الوجود الى المقيد بأى نحو فارغا عن تقييده ( وحينئذ ) فجهة النعتية محفوظة فى أمثال المقام في مرتبة الذات . لا في المرتبة المتأخرة عن وجود الذات
( نعم ) ما هو محفوظ في المرتبة المتأخرة عن وجود الذات هو نفس وجود الوصف . وفى هذه المرحلة كان وجود الوصف مشروطاً بوجود الذات محمولياً كان أم نعتياً . فتقابل عدم الوصف مع وجوده في هذه المرحلة كان من تقابل العدم والملكة . ففي مرتبة عدم الذات لا صقع للوصف كي يضاف اليه الوجود والعدم . لفرض شرطية وجود الذات لوجود الوصف خارجا . من دون فرق في ذلك بين اعتبار الوصف نعتياً أو محمولياً ( وحينئذ ) لا محيص في مقام الفرق بين الاعتبارين من ملاحظة كل منهما في عالم التقييد . وحيث فرض كون التقييد في مرتبة الذات . فلا مناص من اعتبار النعتية والمحمولية فى هذه المرتبة .
انه بعد ذلك نقول أن جهة النعتية محفوظة فى المرتبة المتقدمة على الوجود كالمحمولية. فيضاف الوجود الى الوصف النعتى أو المحمولى . لأن النعتية واردة على الوجود في المرتبة المتأخرة عنه . كيف وفى هذه المرتبة لا تقييد حسب الفرض والتقييد من الاعتبارات الواردة على القيد في ظرف التقييد به الذي هو عين ظرف المقيد ( وحينئذ ) نقول مرجع نعتية الوصف في هذه المرتبة لحاظه قائماً بالذات .
ونقيض هذا المعنى الذى هو مفاد ليس الناقصة عدمه أيضاً بنحو النعتية قائماً بالذات
( ومن البديهي ) انه فى ظرف عدم الذات يلاحظ عدم الوصف القائم بذاته ، لا بما هو هو كي يصير محمولياً ، فاذا صدق عدم الوصف نعتياً في ظرف عدم الذات لمحض حفظ الذات في الحالتين ، فلا قصور في استصحاب العدم النعتى كاستصحاب العدم المحمولى ( نعم ) لو فرض اعتبار التقييد في الرتبة المتأخرة عن الوجود ولو بجعل الوجود صرف التقييد كان لما افيد وجه ، اذ فى ظرف عدم الموضوع لا صقع للتقييد ، فلا يتحقق قبل الوجود إلا عدم ذات الوصف في الرتبة السابقة ، واثبات هذا العدم لا يجدى فى ظرف الوجود إلا من جهة المقارنة مع القيد وهو لا يثمر ولكن بناء على هذا لو فرض أحد القيود بنحو الوجود المحمولى أو عدم المحمولى فاستصحاب عدمه الثابت في ظرف عدم الذات أيضاً لا يجدى لأنه في هذا الظرف لا يكون قيداً ، بل عدم وصف في المرتبة المتأخرة عن عدم الذات، فالوصف محفوظ حينئذ في المرتبة السابقة على وجودات ، وهو غير القيد الذي عبارة عن الوصف في الرتبة اللاحقة عن وجوده ، فمن أين يثمر استصحابه ( وحينئذ ) فحق المقام هو جعل مبنى جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية وعدمه على ما ذكرنا من ملاحظة اعتبار التقييد فى المرتبة السابقة على الوجود أو اللاحقة ( ففى الأول ) لا بأس بجريان استصحابها وان اخذ الوصف بنحو مفاد ليس الناقصة (وفى الثانى) لا يجرى الاستصحاب ولو اخذ الوصف بنحو المحمولية ( فتدبر فانه دقيق ) .
( نعم ) يبقى الكلام فى تمييز مرتبة التقييد انه من قبيل الأول أو الثانى (وحينئذ )فيمكن تأسيس أصل في المقام لتمييز هذه الجهة( فتقول ) ان كان الموضوع المأخوذ في طى الخطاب مطلقاً من حيث تقيده بالوصف ، فلا محيص من من كشف التقييد فى مرتبة الذات ، نظراً الى أن ما هو من حدود الخطاب وقيوده نظير ماهو معروضه ليس إلا المهيات الحاكية عن الوجود ( غاية الأمر ) اناطة الخطاب بمثله تقتضى عدم محركية الخطاب إلا في ظرف وجود الموضوع خارجاً بملاحظة كونه من لوازم تطبيقه ( ومن البديهي ) حينئذ ان ما هو الموضوع هو الذات المقيد بحيث
تلاحظ اضافة الوجود اليه ، ولا نعنى من اعتبار التقييد في مرتبة الذات الا هذا ( نعم ) لو كان الموضوع المزبور من حيث تقييده بوصفه مشروطاً بوجوده ، فهذا التقييد لابد وان يكون محفوظاً في الرتبة المتأخرة عن الوجود حسب اناطته اليه وحيث أن غالب الموضوعات المقيدة مطلقة من هذه الجهة ، فلا محيص من ادراجها في القسم الأول، فلا بأس حينئذ بجريان الاستصحاب في مثلها على ما شرحناه نعتياً كان الوصف أم محمولياً .
( الأمر الرابع) قد يتمسك بقاعدة المقتضى والمانع الجواز التمسك بالعام فى الشبهة المصداقية وتقريب ذلك على وجهين .
( الوجه الأول) ان العام فى مقام الحجية يكون حجة عند العقلاء بالنسبة الى ما يشمله من الأفراد، فكل فرد أحرز كونه مصداقاً للعام في نفسه ، فانه يكون مقتضياً للحجية بالنسبة اليه ، غايته ان المخصص المفروض في المقام ، وهو المخصص المنفصل انما يمنع من التمسك بالعام فيما لو ثبت كونه من أفراد المخصص ( والسر فيه ) ليس هو ارتفاع ما يوجب حجية العام عند التعارض ، اذ المخصص المنفصل لا يتأتى منه ذلك ، بل هو ملاك تقديم أقوى الحجتين على الاخرى ، وأما موارد الشك فشأن العام شأن كل حجة كان بناء العقلاء على التمسك بها في موارد الشك فى تحقق المانع ، إلا ان يثبت المانع فترتفع اليد عن المقتضى ( فحينئذ ) لما كان المقتضى للتمسك بالعام بالنسبة الى ذلك الفرد متحققاً ، والمخصص مشكوك المانعية بالاضافة اليه ، فيندرج تحت بناء العقلاء على التمسك بالمقتضى الى أن يثبت المانع.
( وفيه)أنه قد ظهر مما ذكرنا من الوجوه لعدم صحة التمسك بالعام في الشبهات المصداقية ، ان العام( حينئذ )يكون مشكوك الاقتضاء لا متيقنه ، وانما الشك من جهة المانع ، وذلك لأن الوجوه المذكورة كانت ترجع الى أحد أمور .
( الأول ) ما اخترناه من أن التعارض بين العام والمخصص المنفصل انما هو فى الدلالة التصديقية ، والدلالة التصديقية تكون حجة عند العقلاء فما لو كان
المتكلم يستهدف رفع الشبهة عن المخاطب بالنسبة الى كشف الدلالة التصديقية عن مقصوده ، وهذا الغرض بالاضافة الى مورد الشبهات الحكمية متحقق ، اذ المتكلم انما يكون بصدد أن محقق ما به يستكشف مراده، وهو الدلالة التصديقية ، ويكون توجهه الى هذه الجهة ، وأما بالاضافة الى الشبهات المصداقية ، فكثيراً ما يفرض كون المتكلم العرفي مشاركا مع المخاطب فى الجهل فيها ، وأنها هل تكون من أفراد العام أو من أفراد المخصص ، فلا يمكن فرض كونه مستهدفاً لرفع الشك عن المخاطب بالنسبة الى ذلك . والشارع المقدس أيضاً يسير على منهاج العرف ، فلا يمكن التمسك لذلك بالكلام الصادر منه ( وعليه ) فيرجع الأمر الى الشك في أصل الاقتضاء لا الى احرازه والشك في المانع .
( الثانى ) ان الجهة التى تكون راجعة الى كل مشرع ومقنن هى جهة التشريع وجعل القانون ، وعلى المشرع ان يرفع الشك ويزيل الشبهة من هذه الجهة ، وأما ان المصداق الخارجي كان من مصاديق الموضوع الذي جعل له حكما مبيناً على نحو يرتفع الشك عنه ، فليس من وظيفته ، ولم يتعهد بالقيام به أيضاً ، مضافا الى انه فى الموارد العرفية كثيراً ما يفرض كونه مشاركاً مع المخاطب في الجهل بالمصداق الخارجى كما أشرنا اليه ( وعليه ) فالمام الذي القى الى المخاطب لكي يكون متما للكشف من قبل المتكلم فى موارد الشك لا يتأتى منه تتميم الكشف في موارد الشبهة المصداقية ، بل فى الشبهة الحكمية ، فلا يكون بالنسبة الى الشبهات المصداقية متيقن الحجية والاقتضاء، بل مشكوك الحجية والاقتضاء ، لما ذكرنا من أن رفع الشك من هذه الجهة ليس وظيفة للشارع مع فرض الجهل بالنسبة اليها في الموالى العرفية ولا ينطبق ذلك حينئذ على موارد قاعدة المقتضى والمانع .
( الثالث ) ان الخاص انما يخصص مدخول العام بالمصاديق المندرجة تحته ( وعليه )فيكون العام بالنسبة الى اندراج مورد الشك فيه مشكوكاً فيه ، كما لوكان متقيداً ومتخصصاً من أول الأمر، فيكون ( حينئذ ) مشكوك الحجية والاقتضاء
بالإضافة الى ذلك .
(الرابع) ان وظيفة الخاص انما هى تقييد عنوان الحجية ، فتصير دائرة عنوان حجية العام بعد ورود الخاص عليه مضيقة ، فيشك في شمولها لمورد الشبهة المصداقية ( وحينئذ ) فيرجع هذا الى الشك فى المقتضى لا الى احرازه والشك في المانع( ولا يخفى عليك ) ان هذه الأمور عدا الأول منها غير تامة، إذ كثيراً ما يكون المتكلم فى مقام رفع الشك عن المصاديق كما فى موارد قاعدة اليد ؛ فلا يتم الثاني ، وان التخصيص لا يرجع الى تقييد مدخول العام أو دائرة الحجية ؛ بل مرجعه إلى تقطيع الحجة بلا تقييد ، فلا يتم الثالث والرابع أيضاً . إلا ان هذه كلها مشتركة فى أن العام يكون مشكوك الاقتضاء بالنسبة الى الشبهة المصداقية كما هو ظاهر .
( الوجه الثانى) ان العموم بظهوره اللفظى يدل على ان الأفراد المندرجة تحته باجمعها تكون واجدة للملاك الملزم الذى او جب جمل الحكم المستفاد من العام وحيث إن الخاص منفصل هنا . فلا يوجب رفع الظهور بل رفع حجيته . فلا يلزم منه إلا ارتفاع الحكم الفعلى . لا أصل المحبوبية أو الملاك الملزم . فان هذين الأمرين وان كانت الدلالة عليهما فى طول الدلالة على الحكم . إلا أن الظهور حيث كان باقياً ولم يرتفع هو بنفسه . بل ارتفعت حجيته فقط في الموارد المخصصة . ففي وسعنا أن نأخذ بهاتين الدلالتين ( وعليه ) ففى موارد الشك في التخصيص على نحو الشبهة المصداقية . يرجع الأمر الى احراز المقتضى . وهو الملاك الملزم . والشك فى طرو المانع من تأثيره في مقتضاه . فالمقل يحكم بلزوم استيفائه . والخروج عنه الى أن يثبت المانع . ويكون نظير موارد الشك في القدرة . حيث يحكم العقل بلزوم الخروج عن عهدة الحكم . مع انه يرجع إلى الشك في الفعلية . ولكن العقل مع هذا يحكم بلزوم الاتباع . وتكون نتيجته هى فعلية الحكم .
( وقد أورد عليه ) بأن موارد التخصيص قد يحتمل كونها متممة لاقتضاء
المقتضى الثابت بالعام ، كقوله ( عليه السلام) لا صلاة إلا بطهور ، حيث انه تدل على أن الطهارة متممة للملاك الملزم الموجب لا يجاب الصلاة ، وقد يحتمل كونها ما نعة للمقتضى( بالكسر ) لا لنفس المقتضى( بالفتح ) بمعنى أنها مزاحمة لملة المقتضى ( بالكسر ) فتكون مانعة عن نفس المقتضى لا مزاجمة للمقتضى ( بالكسر ) كى تكون مانعة عن مقتضاه ( وعليه ) فيرجع الشك الى الشك في أصل ثبوت المقتضى إما من جهة الشك فى اكتماله أو في أصل وجوده لاحتمال المانع عنه .
(ولكن هذا ليس بوارد) وذلك لأن احتمال تتميم اقتضاء المقتضى في مثل هذه الموارد يرجع الى كونه شرطاً للمأمور به ، وقد تقدم منا ان الشرط يندرج في موارد التقييد لا التخصيص، وبينهما فرق سنشير اليه فى الأمر الخامس، وسنبين فيه ( ان شاء الله تعالى ) انا لو سلمنا صحة التمسك بالعام في الشبهات المصداقية للمخصص ، لما كان هذا مستلزماً لصحة التمسك بالمطلق فى موارد الشك في التقييد على نحو الشبهة المصداقية ، وأما احتمال أن يكون الخاص مانعاً عن أصل المقتضى ( بالكسر ) فهذا مندفع بما تقدم منا من أن الخاص المنفصل انما يرفع حجية العام وبتبعها يرفع الحكم الفعلى ، وأما ما يكون فى طول الحكم من المحبوبية والملاك الملزم فالدلالة عليهما من العام باقية فنأخذ بها ، وليس هناك ما يرفعها ، فلا يتم ما ذكر .
( ولكن الحق فى الجواب ) ان يقال ان العقل انما يحكم بلزوم الاتباع في خصوص تلك الموارد التي يرجع الشك فيها الى الشك في القدرة ، وهذا مثل ما اذا احرز نا ملاكين ملزم بن نحتمل أن لا نقدر على استيفائهما معاً ، فالعقل يحكم (حينئذ) بلزوم الاستيفاء لكل منهما الى أن يتحقق عدم القدرة عليه ، وأما في موارد التخصيص فالخاص لا يكشف عنه ، وجود ملاك ملزم آخر غير الذي دل عليه العام ، بل انه يدل على وجود المانع للملاك الذى كان العام دالا عليه ( وعليه ) ففى موارد الشبهة المصداقية لا حكم للعقل بالنسبة اليها ، إذ ليس مرجعها الى الشك في القدرة ، ولا حكم للعقل في غيره .
(الأمر الخامس ) انه بناء على جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية في المخصص ، لا يلزم جواز التمسك بالمطلق عند الشك فى مصداق قيده وشرطه ، وذلك لأن مرجع التخصيص في العمومات ليس إلا حصر موضوع الحكم بالافراد الباقية تحته ، بلا اقتضاء تغيير في موضوعها ، بل الأفراد الباقية كانت على ما هي عليها من الموضوعية قبل التخصيص ، غاية الأمر نتيجة التخصيص قلة الافراد المحكومة بخصوصيتها الذاتية بلا ازدياد خصوصية عرضية عليها ، وبهذه الملاحظة أمكن دعوى صدق العام بما له من معناه على البقية فى فرض انحصار أفراده فيه ، وهذا بخلاف باب المطلق والمقيد ، اذ ببركة التقييد يخرج المطلق عما له ظهور في تماميته في الموضوعية ، بل بالتقييد يستكشف كونه جزء موضوع ، ومن المعلوم ان اصالة الاطلاق لا يحرز جزئه الآخر عند الشك فيه ، وهذه الجهة هي النكتة في عدم تمسك أحد بالمطلق عند الشك فى تحقق شرطه ، كيف ولازمه جواز التمسك باطلاق العبادة لدى الاعمى المتمسك بالاطلاق فى نفى شرطية شيء لاحراز وجود الشرط المشكوك ، نظير الشك في تحقق الطهارة للصلاة ، ولا أظن التزامه من أحد ، وليست نكتته إلا ما ذكر نا ( فاذا اتضح ذلك ) نقول انه يتفرع على هذه الجهة عدم جواز التمسك باطلاق دليل الوفاء بالنذر عند الشك فى رجحان متعلقه ، أو الشك في تحقق قيد متعلق نذره، لعدم صلاحية اصالة الاطلاق لاحراز قيده الثابت بدلیل منفصل فضلا عن القيد المأخوذ فى نفس متعلق نذره في كلامه ، فان مرجع الشك فيه الى الشك فى تطبيق عنوان المطلق على المورد كما هو ظاهر ، من دون اختصاص مثل هذه بكون الحكم المشمول للعام من أحكام العناوين الثانوية ، ولا بكون القيد المأخوذ فيه من أحكام العناوين الأولية ، فعمدة النكتة في عدم جواز التمسك بالمطلق فى هذه المقامات هي هذه الجهة ، لا ما أفاده استاذ الاساتذة(رحمۀ الله علیه) فى كفايته فراجع( الأمر السادس) انه قد عرفت ان باب التخصيص من أى جهة فرداً أم زماناً أم وصفاً لا يوجب إلا حصر الباقى تحت العام في الافراد الخاصة بخصوصيتها
الذاتية ، بلا طرو لون من قبل دليل المخصص بالنسبة الى الفرد الباقى تحت العام .
غايته انه يستكشف من دليل الخاص انحصار الحكم في الافراد الملازمة لعدم عنوان المخصص لا المقيد بها ، ومن جهة ذلك لا يكاد يجرى الأصل في القيود العدمية إلا بالنسبة الى سلب حكم الخاص، لا اثبات حكم العام لكونه مثبتاً، فحينئذ ما يظهر استاذ الاساتذة(قدس سره الشریف) من كشف دليل التخصيص عن كون بقية الافراد بجميع عناوينها مشمولة للحكم غير العنوان الخارج، فبالأصل يحرز العنوان السلبي المأخوذ فى حكم العام بعد احرازه بالوجدان ( منظور فيه ) اذ ذلك انما يتم على فرض اقتضاء التخصيص بحالة أو وصف خاص كون بقية الأوصاف سلبية كانت أم ايجابية دخيلة في موضوع الحكم ولو بنحو القيدية ، وإلا فمجرد ملازمة الافراد الباقية تحت العام أو المطلق مع عدم الحالة الخاصة أو الفرد الخارج منه لا يتمتضى دخل التقييد بعدمه فيه ، وبدون هذه الجهة كيف يثمر الأصل السلبي لاثبات حكم العام
( نعم )هنا مطلب آخر ، وهو انه على فرض كون البطلان مترتباً على عنوان الخاص يكفى الأصل المزبور في نفي هذا الحكم ، ومثل هذه الجهة يكفي في اثبات الحكم بالصحة عرفا ، وهكذا الأمر في طرف العكس ، بل يمكن ان يقال ان النقض الحكم العام الثابت للخاص كالاستثناء اذا ارتفع بالأصل الموضوعى الباقى لعنوان الخاص . فيكفى هذا المقدار لاجراء حكم العام عليه ، لأن سلب النقض عن شيء عين اثبات ايجابه عليه كما لا يخفى ( نعم ) ربما يشكل ذلك فى صورة اثبات ضد حكم العام على المخصص، وفيها نسلم عدم ثبوت حكم العام ؛ بل الأصل يبقى حكم الخاص فقط . ولعله من هذه الجهة يحكم بصحة الشرط مع الشك في مخالفته لكتاب الله باصالة عدم المخالفة : لا أن مثل هذا اللسان يقتضى دخل قيد سلى في موضوع الوفاء بالشرط كيف وقد عرفت ان لسان مثل هذه التخصيصات لا يحكى الا عن حصر موضوع الحكم بغير الحالة المخصصة ، ولازمه ليس أزيد من ملازمته لعدمه ؛ لا انه يثبت به ببيانه التقييد والشرطية ، بل هو يحتاج الى بيان آخر وعناية اخرى كما هو ظاهر
ومن هنا ظهر أن التمسك بمثل اصالة عدم القرشية أيضاً انما يثمر في الحكم بعدم حيضية ما فوق الخمسين ؛لا الحكم بحيضية مجرد الخمسين ؛ بل انما هو من باب كونه قدراً متيقناً من الدليل : لا من جهة دخل القيد السليى في موضوع الحكم الاثباتى كما لا يخفى .
( الأمر السابع ) انه لو بنى على عدم جواز التمسك بالعام فى الشبهة المصداقية للمخصص اللفظى . فهل يجوز التمسك به فى الشبهة المصداقية للمخصص اللى لا يجوز ذلك ( قولان ) مستند الثانى أى عدم الجواز ؛ هو كون المخصص اللبي كالمخصص اللفظى . اذهو إما أن يكون حكم العقل الفطرى . فهو كالمخصص المتصل يوجب انعقاد الظهور في الخاص من أول الأمر . وإما أن يكون حكم العقل النظرى أو الاجماع . فهو كالمخصص المنفصل يوجب تقطيع الحجية في الخاص ( فعلى أى تقدير) كان حاله حال المخصص اللفظى في عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية له . ومستند الأول أى الجواز . هو الفرق بين القاء الحجتين كما في المخصص اللفظى . فانه على هذا يلزم التقييد . فالعقل يأبى عن الأخذ بالعام في الفرد المشتبه له . وبين القاء حجة واحدة كما فى اللى فانه لا يلزم عليه التقييد . فلا مانع . الأخذ بالعام في ذلك .
وقد فصل بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف) في انحاء المخصص اللي . فبنى على أن التخصيص ان كان من ناحية الملاك. فيجوز التمسك بالعام في ذلك (ضرورة) عدم امكان تقييد الدليل بالملاك . فلا مانع من التمسك بعمومه . وان كان من ناحية اخرى . فلا يجوز التمسك بالعام لصحة تقييد دليله . فيكون حاله ( حينئذ ) حال المخصص اللفظى في وجه عدم الجواز .
( هذا ) والذى ينبغى ان يقال انه يختلف الأمر حسب اختلاف المبانى فى وجه عدم جواز التمسك بالعام فى الشبهة المصداقية . فعلى المختار من أن المدار في حجية العام هو الظهور التصديق على المراد . وهو ينعقد فيما اذا كان المتكلم بصدد
رفع الشبهة عنه كالشبهة الحكمية دون ما اذا لم يكن المتكلم بصدد رفع الشبهة عنه كالشبهة المصداقية كما تقدم ، لا فرق بين المخصص اللفظى واللي من حيث عدم انعقاد الظهور التصديقى للعام في جهة رفع الشبهة عن المصداق ( لا يقال ) ربما يكون المقنن بصدد رفع الشبهة عن المصداق كموارد حجية اليد والامارات الآخر ، فليكن العام كذلك ( لانا نقول ) هذا يكون خلاف ظاهر الدليل المتكفل لبيان الحكم الأولى( نعم ) للمقنن أن يعطى عاماً آخر متكفلا لرفع الشبهة عن المصاديق ( وأما ) لوكان مدار المنع من ذلك تضييق دائرة حجية العام فى غير عنوان الخاص ، لكان للتفصيل بين المخصص اللفظى واللى مجال ، حيث انه على هذا المسلك يكون العام حجة في غير عنوان الخاص حسما ينطبق عليه عنوانه واقعاً لا بالمقدار المعلوم منه (وحينئذ ) فلا يجوز عند العقل الأخذ بالعام فى الفرد المشكوك صدق عنوان الخاص عليه ، هذا بالاضافة الى المخصص اللفظى ، واما في المخصص اللبي فيتقيد العام بالمقدار المقطوع خروجه منه (ومن المعلوم ) ان صفة القطع كسائر الصفات الوجدانية لا يسرى من الصور الى الخارج، فحينئذ اذا أحرز فردية المشكوك للعام فلا مانع من الأخذ به ولو مع الشك في كونه مراداً منه لاحتمال خروجه لباً .
هل يشترط في العمل بالعام الفحص عن المخصص أو لا يشترط أو يفصل بين ما كان معرضاً للتخصيص حسب عادة المتكلم فيجب الفحص عنه ، وما لم يكن كذلك فلا يجب وجوه وأقوال ( أقواها ) هو التفصيل ، وأحسن ما يكون دالا عليه (وجهان ) .
(الوجه الأول) ان وجه حجية العام هو قيام السيرة العقلانية على اتباعه لأجل كشفه نوعاً عن ارادة المتكلم لما ينطبق عليه لفظ العام بحيث يستقر الظهور النوعي التصديق على ارادته له ، وفيما كان العام معرضاً لورود المخصص كالاخبار
الواردة في السنة اتمتنا المعصومين ( صلوات الله عليهم ) لم يكن بناء من العقلاء على اتباعه فلا مجال لحجيته، إذ لا يستقر للعام( والحال هذه ) ظهور تصديق كاشف عن المراد الجدى كما هو واضح .
( ولا يخفى) ان الاستدلال لا يبتنى على احتياج مدخول العام الى جريان مقدمات الحكمة في تحقق الظهور التصديق الكاشف عن المراد ، ليكى يزعم ان العام اذا كان معرضاً للتخصيص ينهدم أساس جريان مقدمات الحكمة ، فلا ينعقد الظهور فلا يتحقق موضوع الحجية ، لأن ذلك مع كونه فاسداً في نفسه كما عرفت سابقاً فلا يبتنى الاستدلال عليه ، اذ مع القول بانعقاد ظهور العام في جميع ما ينطبق عليه مدخوله بلا احتياج الى جريان مقدمات الحكمة كما هو الحق ، نقول أيضاً ان انعقاد الظهور كذلك منوط بعدم كون العام معرضاً للتخصيص ، وأما اذا كان معرضاً له فلا ينعقد له الظهور فلا يتحقق موضوع الحجية كما لا يخفى .
( ان قلت ) لو كان الأمر كذلك لما أمكن التمسك بالعام بعد الفحص أيضاً إلا مع حصول العلم بعدم التخصيص ، إذ بعد الفحص أيضاً مع عدم حصول العلم بفقد التخصيص يحتمل وجود المخصص
( وعليه ) فلا ينعقد الظهور فلا يتحقق موضوع الحجية .
( قلت ) ليس المانع من انعقاد الظهور نفس احتمال وجود المخصص ، اذ هو موجود في كل كلام ولو لم يكن من دأب المتكلم به ذكر المخصص منفصلا ، كما هو كذلك في نوع المتكلمين العرفية ، بل المانع من انعقاد الظهور هو معر معرضية العام للتخصيص منفصلا ، وهذا ينشأ من أن يكون دأب المتكلم ذكر المخصص منفصلا كما في الأخبار الواردة فى الشريعة المقدسه ( ومن المعلوم ) أن هذه العادة لها طريق مخصوص حسب اختلاف عادة كل مقنن( فالتحقيق ) انه فى مظان عدم وجود المخصص عادة حسب دأب المتكلم ، لخرج الكلام عن المعرضية ، فينعقد له الظهور على المراد ، والعقلاء لا يعتنون باحتمال وجود المخصص له بعد ذلك ( ومن التأمل
فما ذكرنا ) يظهر ما في مقالة بعض الأساطين من مشايخنا « قده ، في جواب هذه الشبهة فراجع .
( الوجه الثانى) لوجوب الفحص عن المخصص ، هو انا نعلم اجمالا بوجود مخصصات كثيرة للعمومات الواردة فى الكتاب والسنة ، ومقتضى ذلك عدم جواز العمل بها إلا بعد الفحص عن المخصص كما هو الشأن في عدم الرجوع الى أصل عملى قبل الفحص عن الحجة من جهة العلم الاجمالى بوجود واجبات ومحرمات في الشريعة المقدسة.
( ويرد عليه ) انه لا يصح الاستناد في وجوب الفحص عن المخصص الى العلم الاجمالى بوجود مخصصات فى الكتاب والسنة ، اذ لازم ذلك عدم وجوب الفحص عند الظفر بالمخصصات بمقدار المعلوم بالاجمال، اذ به ينحل العلم الإجمالى مع بناء الأصحاب على وجوب الفحص حتى فى شبهة واحدة باقية بعد الفحص ولو مع الظفر بالمخصصات اكثر مما علم اجمالا .
( وقد أجاب عنه ) بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف) بما حاصله انا اذا علمنا بعد المراجعة الى ما بايدينا من الكتب المعتبرة أن فيها ما يخالف الأصول اللفظية والعملية ، فكل ما فيها من التكاليف الالزامية والتخصيصات الواردة على العمومات يكون منجزاً لا محالة ، لأن المفروض تعلق العلم به بهذا العنوان أعنى به وروده فى تلك الكتب ، وهذا العلم يوجب التنجز بمقدار سعة عنوان متعلقه (وعليه) فالأحكام والمخصصات الواقعية الموجودة في تلك الكتب بما انها معلومة بهذا العنوان مع قطع النظر عن مقدار كميتها تكون ذات علامة وتعين ، فلا ينحل العلم بها بالظفر بمقدار يعلم بتحققه من التكاليف والمخصصات في هذه الكتب ، لأن العلم بالتكليف المردد بين الأقل والاكثر انما يكون منحلا الى العلم بوجود الأقل والشك في وجود الاكثر اذا لم يكن الاكثر ظرفا لعلم اجمالى آخر متعلق بعنوان لم تلاحظ فيه الكمية وأما فيما اذا كان كذلك كما في المقام ، فلا يكون العلم بوجود الأقل موجباً للانحلال
لأن غاية الأمر ان العلم بالتكاليف أو المخصصات من جهة تعلقه بما هو مردد بين الأقل والاكثر لا يكون مقتضياً لتنجز الاكثر ، وذلك لا ينافي تنجزها من جهة تعلقه بماله تعين وعلامة( وعليه ) فكل حكم احتمل المكلف جعله في الشريعة ، أو كل عام احتمل أن يكون له مخصص يجب الفحص عنه في تلك الكتب لكونه من أطراف العلم الاجمالى المتعلق بماله تعين وعلامة ، ولا يفرق في ذلك بين الظفر بالمقدار المتيقن من حيث الكمية والعدد وعدم الظفر به ( انتهى موضع الحاجة ).
ولا يخفى ما فيه لأن كون المعلوم بالاجمال ذا تعين وعلامة انما يمنع من انحلال العلم الاجمالي بالظفر بالمقدار المتيقن اذا لم يكن ماله العلامة والتمين مردداً بين الأقل والاكثر ، وأما اذا كان مردداً بين الأقل والاكثر كما في المقام ، فلا يمنع من الانحلال ، فانظر بعين الانصاف الى مثل ما اذا علم اجمالا بأن فى قطعة من الغنم وجود محرمات وعلم تفصيلا مقروناً بهذا العلم أيضاً بأن عدد السود منها محرمة فهل يتفوه أحد( حينئذ) بجعل الاحتياط فى البقية بمحض العلم بعنوان المحرم.
( فالصحيح في الجواب عن الاشكال ) أن يقال ان الأمر في المقام وإن انتهى الى الأقل والاكثر إلا أن الأقل أيضاً مردد بين الأمور المتبائنة ، اذ عدد المخصص والمعارض وان انتهى أمره الى الأقل والاكثر، إلا أن الأقل المعلوم حيث انه مردد بين المتباينات فى أبواب الفقه، فيصير تمام الأبواب طرفا لهذا العلم ، فلا يمكن الأخذ بالعام قبل الفحص( وبالجملة) لولا جهة تردد الأقل بين الامور المتباينة لما كان العلم الاجمالي الأول مقروناً بعلم اجمالي آخر ذى علامة مانعاً عن الانحلال كما هو واضح .
( ان قلت) لو كان سند وجوب الفحص العلم الاجمالى المذكور ، لكان لازم ذلك هو جواز التمسك بالعام بعد الفحص أيضاً ( ضرورة ) ان الفحص لا يوجب زوال العلم المذكور( وبعبارة اخرى ) يجب الفحص الى أن يحصل العلم بعدم وجود المخصص مع انه لا قائل به .
( قلت ) الأمر كما ذكر لو لم يكن العلم الاجمالي من الأول محدداً بعنوان خاص يزول بمقدار من الفحص ،ولكن العلم الاجمالي في المقام محدد من الأول بذلك . حيث انا علينا بوجود مخصصات أو مقيدات بمقدار لو تفحصنا عنه لظفرنا به (ومن المعلوم ) أنه مع العلم كذلك لو تفحص عنها بالمقدار المتعارف في مظان وجودها فلم يظفر بها ، يكشف هذا عن أن المورد خارج عن معرضيته للمعارض والحاكم كما لا يخفى .
( فصل )
هل الخطابات الواردة فى الكتاب والسنة تختص بالمشافهين أم يعمها والغائبين أم يعمهما والمعدومين ( وجوه وأقوال ) ولا يخفى ان الخطابات الواردة في لسان أهل المحاورة على نوعين .
( أحدهما ) ما يكون بعنوان عام غير مصدر بأدوات الخطاب ، مثل عنوان أن المؤمنين يجب عليهم كذا وأمثاله ، ولا شبهة في أن هذا القسم من الخطابات تشمل الغائبين والمعدومين أيضاً عند وجودهم وانطباق عنوان العام عليهم (ضرورة) انه لا وجه ( حينئذ ) لتوهم الاختصاص إلا عدم امكان بعث الخطاب للغائبين خصوصاً المعدومين ، ( ولكنه مندفع) بأن الخطابات العامة المجعولة لبيان الكبرى لم يحصل منها البعث والتحريك إلا في ظرف الانطباق والعلم بتلك الخطابات . فالغائب عند الاطلاع بالخطاب ، وكذا المعدوم بعد وجوده وانطباق العام عليه مع علمه بالخطاب، يمكن أن يكون الخطاب باعثاً لهما ( وهذا واضح ) .
( ثانيهما) ما يكون مصدراً بادوات الخطاب ، وهذا أيضاً على قسمين ( الأول ) كون القضية على نحو القضية التطبيقية بحيث يكون المتكلم متكفلا للتطبيق ومن لوازمه علم الأمر بوجود شرط التكليف لا لحاظه كما توهم، ولا شبهة في هذا القسم أيضاً من حيث عدم شمول الخطاب الغير من استهدف تطبيقه عليه كما هو ظاهر
( الثانى ) كون القضية عامة كبروية بحيث تشمل مدخول أدوات الخطاب غير الحاضرين في مجلس المشافهة ، وحيث ان الحكم يتحقق بعد تحقق موضوعه خارجا فتكون القضية خارجية ، وان كانت الأفراد غير موجودة فى ظرف الانشاء (وهذا القسم محل للنزاع ) وقد استدل للعموم فيه بوجوه .
(الأول) ان ادوات الخطاب حرفا أو هيئة موضوعة للخطاب الايقاعي ولا شبهة في أن الخطاب الايقاعي كما يصح بالنسبة الى المشافهين ، يصح أيضاً بالنسبة الى الغائبين بل المعدومين ، أعنى صحة التخاطب عرفا محفوظة في الجميع ، فانظر الى العبارات الدارجة بين أهل اللسان حيث يخاطبون الغائبين والمعدومين ( والسر فيه ) ان مقوم الخطاب يكون ايتماع مفهومه ، وهو محفوظ على الجميع كما هو الشأن في سائر المقامات. (ولا يخفى مافيه ) اذ أدوات الخطاب كسائر الأدوات مثل أداة التمنى والترجى وإن كانت موضوعة للخطاب الايقاعى ، وهو منحفظ مع الغائبين والمعدومين .
( ولكن ) أشرنا غير مرة الى أن وضع الأداة وإن كان لذلك ، إلا أن هذا إذا لم يقترن فى الكلام بقرينة عامة أو خاصة ، وأما إذا اقترن بقرينة في الكلام . فيبنى على ما تقتضيه تلك القرينة ، والغالب فى المحاورات ان الدلالة السياقية قائمة على كون المستعمل فى مقام الجد بابراز المفاهم المحكية بالأدوات ، أعنى كونه فى مقام القاء ما تحكى تلك الأدوات جداً ( فعليه ) يعود محذور استحالة مخاطبة الغائبين والمعدومين .
( الثانى ) لو سلم ان الظهور السياقى فى المحاورات قرينة عامة على كون الخطاب ابرازاً لا لقاء مطابق مفهومه جداً ، وهذا ممتنع في حق الغائبين والمعدومين ، الا أن غايته سقوط الخطاب عن شمولهم ، وهذا لا يمنع عن شمول المدخول لهم ، لفرض كونه عاماً للغائبين والمعدومين ، نظير سقوط الخطاب فى موارد العجز والتمسك باطلاق المادة لكشف المصلحة العامة منها .
(وفيه) ما تكرر منا من أن التمسك باطلاق المادة لكشف المصلحة في امثال المقام ( غير صحيح) لاحتفاف المادة بما يصلح للقرينية على تضييق المصلحة بمقدار وجود الخطاب ، حيث انه يمكن اتكال المتكلم فى عدم ذكر القيد على قصور الخطاب وعدم شموله للغائبين والمعدومين (وعليه ) فلا مجال لجريان مقدمات الحكمة في المادة لكشف الاطلاق منها كما لا يخفى .
( الثالث) ما عن بعض الأساطين من مشايخنا( قدس سره الشریف) من أن الخطاب وان كان حسب وضعه غير شامل للغائبين والمعدومين ، إلا أنه يمكن ادعاء كونهم بمنزلة الحاضرين ، فكانوا مشمولين للخطاب بالعموم ، وهذا أمر دارج بين أهل اللسان في محاوراتهم نظير ( اعلم وافهم) المسطور في الكتب حيث يكون عاما .
( وفيه ) ان صحة المخاطبة كذلك من جهة الادعاء مما لا تنكر ، إلا أن الادعاء كذلك يحتاج الى عناية زائدة عما يقتضيه طبع وضع الالفاظ ، ولا يصار اليه إلا بالقرينة الدالة عليه ، ومع عدمها لمقتضى سیاق الكلام ، هو الحمل على كون التطبيق حقيقياً وبلا عناية ، كما يقتضيه طبع الوضع الأولى للفظ ، ونتيجة اختصاص الخطاب بالمشافهين ، وعدم شموله للغائبين والمعدومين كما لا يخفى .
وقد عرف المطلق بأنه هو ما دل على شايع فى جنسه ، ولا يخفى ان للشياع معنيين (أحدهما ) سريان الطبيعة فى كل فرد على وجه يطابق مفاده في استيعاب الأفراد مفاد العموم الاستغراقى وان اختلفا فى الدلالة على شمول الحكم لكل فرد من حيث الخصوصية ، اذ فى الطبيعة السارية المعبر عنها بالعموم السريانى لا تكون الأفراد من حيث الخصوصيات الفردية مشمولة للحكم ، بل الحكم سار في كل فرد من حيث كونه مصداقاً للطبيعة ، وذلك مثل أحل الله البيع واكرم العالم ، ومن المعلوم ان من لوازم هذا المعنى عدم سقوط الطلب باتيان فرد منه ، بل هو باق بالنسبة
الى بقية الأفراد .
( ثانيهما ) كون الطبيعة على وجه قابل للانطباق على القليل والكثير والواحد والاثنين قبال الطبيعة المضيقة المعبر عنها بالحصة المخصوصة الغير القابلة للانطباق على غيرها( ومن المعلوم )ان هذا النحو من الشياع انما هو من لوازم ملاحظة الطبيعة عارية عن جميع الحيثيات عند تعلق حكمها بها حتى عن حيث تجردها الذهنى اذ مثلها ( حينذ ) يكون موضوع حكم العقل بأنه يصدق على القليل والكثير ، ومن لوازمه الاجتزاء بأول وجود من وجوداتها فى مقام امتثال الطلب على وجه يسقط الطلب بصرف ايجادها فى الخارج بفرد واحد لانطباق تمام ما هو الموضوع عليه ، كما أن المعنى الأول من لوازم لحاظ سريان الطبيعة في ضمن كل فرد ، وهما في قبال لحاظ الطبيعة فى ضمن فرد خاص الذى بواسطة مثل هذا الاعتبار صار حصة من حصص الطبيعة المطلقة .
( وحيث اتضح ذلك ) ظهر لك ان الشياع بالمعنى الأول والثانى انما نشأ من قبل كيفية اعتبار الطبيعة فى الذهن باطوار مختلفة بلا وجود مفهوم ثالث يجمع الفردين إلا مفهوم الشياع المنتزع بتعقل ثانوى عن انحاء اعتبارات الطبيعة ذهناً ومثله يكون من المعقولات الثانوية والكليات العقلية الغير القابلة للانطباق على الخارجيات مما ينطبق عليه معروض هذا الشياع ، وهو نفس الطبيعي المعتبر في الذهن بأحد الاعتبارين ، كما أن عنوان ضيق الطبيعة المانع عن الانطباق على الكثيرين أيضاً من المعقولات الثانوية الغير القابلة للانطباق على الحصة الخارجية ، بل ما ينطبق عليها هو المعروض له بذاته( وعليه ) فنقول ان مقتضى اطلاق التعريف شموله لكلا القسمين ، ولازمه كون اللفظ عند القائل بوضعه للمعنى الاطلاقي على وجه لا يحتاج فى اثبات اطلاقه الى مقدمات الحكمة موضوعا لنفس الذات العارية عن واحد من الاعتبارين اللذين ينشأ من كل منهما نحو من الشياع( كيف ) ولو اختص وضع اللفظ بالماهية المعروضة لأحد الاعتبارين لزم أن يكون استعماله فى المعتبر
بالاعتبار الآخر مجازاً كما هو الشأن عندهم فيما لو استعمل اللفظ فيما اعتبر حصة ومضيقاً ( وعمدة النكتة فيه) ان كل اعتبار يوجب أحداث نحو صورة من المهية في الذهن تباين الصورة الاخرى الناشئة عن الاعتبار الآخر ، فبعد تباين الصور كيف يجوز استعمال اللفظ الموضوع لاحدها في غيره .
ثم لا يتوهم عاقل ان اختلاف الصور بعد ما كان من قبل الاعتبار ، فلا محيص في مقام التطبيق من تمريته عن هذا الاعتبار ، إذ مع لحاظه فيه يستحيل انطباقه على الخارجيات ، اذ لنا أن نقول ان قوام الصور الذهنية طراً بصرف اعتبارها ، غاية الأمر ( تارة) تلاحظ الصورة بما هي أمر معتبر ذهنى وهو مقام تحليتها في الذهن ، فهى بهذا الاعتبار غير قابلة للانطباق على الخارج( واخرى ) تلاحظ ذات الصورة الخاصة الناشئة عن اعتبار خاص لا بما هي معتبرة وهو مقام تخليتها عن الذهن (ومن المعلوم) أنها بهذا الاعتبار تنطبق على الخارجيات ، ولكن لا ينافي هذا المقدار مع اختلاف ذات الصور بما هي الصورة الناشئة واقعاً من ناحية الاختلاف فى انحاء الاعتبارات (ولن شئت توضيح ما ذكرنا من هذه الجهة) فلاحظ المفاهيم البسيطة الاجمالية مع التحليلية التفصيلية ، كمفهوم الانسان والحيوان الناطق ، اذ من البديهي ان اختلاف هاتين الصورتين أيضاً ناشيء عن اختلاف الاعتبارين مع فرض وحدتها ذاتاً ووجوداً ، والحال ان كلا منهما منطبق على الخارج ، وكان اللفظ الموضوع لاحدهما بالخصوص مجازاً فى غيره ( وبالجملة نقول) انه بعد التزام المشهور بكون المادة فى حيز غالب الأوامر موضوعة للمهية المطلقة مع كون الاطلاق هو الشياع بالمعنى الثانى بضميمة التزامهم بكون اللفظ فى حيز غالب النواهى أيضاً موضوعا للمهية المطلقة المعلوم كون الاطلاق فيها هو الشياع بالمعنى الأول ، لا مجال لتوهم تخصيص الشياع المأخوذ في التعريف بأحد المعنيين ، اذ لازم ذلك حينئذ الالتزام بخلاف الظاهر في اللفظ الواقع في حيز احدى الطائفتين من الأحكام ، وحيث كان كذلك فلا محيص من عدم كفاية وضع اللفظ عند المشهور
لاثبات أحد الشياعين ، بل هم فى اثبات أحدهما دون الآخر محتاجون الى اقامة قرينة اخرى على تعيينه ، ولو كان ذلك من قبيل الدالين والمدلولين، فهم في هذه الجهة نظير السلطان بالنسبة الى خصوصية الشياع وان اختلفا في عدم احتياج اثبات أصل الشياع الى دال آخر ، اذ السلطان يدعى ان وضع اللفظ ليس مختصاً بأحد الاعتبارين الموجبين لنحوين من الشياع ، بل الموضوع له ما هو المحفوظ مع جميع الاعتبارات التي منها ما يوجب ضيقاً في الملحوظ على وجه لا ينطبق على الكثيرين ولذا يلتزم بأن استعمال اللفظ فى المقيدات أيضاً استعمال فى المعنى الحقيقى ، غاية الأمر من باب الدالين والمدلولين ، كما ان لازم كلامه أيضاً احتياج استفادة الشياع والاطلاق بأى نحو الى دال آخر ، وهذا بخلاف المشهور فانهم فى استفادة الشياع فى الجملة يتكلون بنفس اللفظ ، كما ان فى صورة ارادة الطبيعة المضيقة المعبر عنها بالاب الخاص المقرون بفرد كذا يلتزمون بكون اللفظ مجازاً ، وليس من باب الدالين والمدلولين ويلزمهم عدم التفرقة بين اطلاق الكلي على الفرد واستعماله فيه ، وانما تكون التفرقة المزبورة من شأن السلطان الغير الآخذ للشياع في مداليل الالفاظ ، وحينئذ فالسلطان وان كان شريكا مع القوم في تعريف المطلق ، وليس بينه وبينهم نزاع فى هذا المقام ، لكن عمدة نزاعه معهم فى أسماء الاجناس من وضعها للاطلاق بهذا المعنى وعدمه( وعليه) فيصح مثل هذا التعريف للمطلق في قبال المقيد لباً عند كلا الفريقين ، غاية الأمر المشهور يدعون ان الكاشف عن هذا المعنى هو اللفظ ، والسلطان يدعى ان كاشفه مقدمات الحكمة .
( نعم هنا مطلب آخر ) وهو أن المراد من (جنسه) في التعريف ليس الجنس الاصطلاحي ، بل لا بد أن يكون المراد سنخ ما كان اللفظ موضوعاً له ، فربما يشمل الأفراد بالنسبة الى الحالات الطارئة عليها ، اذ يتصور لذات كل فرد بحسب التحليل الذهنى حصص متعددة حسب تعدد الحالات المتبادلة الواردة عليه بحسب الازمنة المختلفة على وجه يرى العقل قابليته لتقطيعه الى حصة وحصة واقعاً كل منها
معروضاً لحال خاص في زمان لا يكون مثل هذه الحصة معروضاً لغيره ، بل المعروض له هي الحصة الأخرى ، وبذلك البيان ربما ترجع جملة من الوحدات المأخوذة في التناقض الى وحدة الموضوع والمعروض بما هو معروض لا بما هو موجود . والاختلاف فيها لباً الى الاختلاف في الحصة المعروضة لوصف كذائي وان كان مثل هذه الحصة متحداً مع حصة أخرى وجوداً، فربما تجي تصويرات المهية وانحاء وضع اسماء الأجناس في الأفراد الخاصة والأعلام الشخصية ، نظراً الى أن لفظ زيد مثلا( تارة ) يكون موضوعا لنفس الذات المعراة عن جميع الحيثيات التي هي الجهة المشتركة بين جميع انحاء حصصه المتحققة مع أية منها ، ولازمه كونه صادقاً مع تحققها بأى نحو من الحالات المتضادة ، ومقتضاه الاجتزاء بأى نحو من تحققه وبأي صفة يتحقق( واخرى ) يراد منه الذات السارية مع أى حصص من حصصها ، بحيث ان لازمه كون المطلوب وجوده السارى مع أى حالة على نحو يكون المطلوب وجوده بما هو وجود زيد لا بما هو ذو حالة بهذا التقييد ( غاية الأمر ) التعبير بمثل هذه الحالات انما هو من شأن الاشارة بمثلها الى الحصة المعروضة ، وفى الحقيقة مرجع التعميم من حيث الحالات الى التعميم من حيث الحصص المعروضة ، وإلا فنفس الحالات أجنبية عن الحكم رأساً ( وثالثة ) يراد منه الحصة الخاصة المعروضة لحال كذا بنحو الاشارة لا التقييد ( ومن المعلوم ) ان هذه الحصة غير صالحة للانطباق على سائر حصصه ، ويتصف مثلها بعدم شياعه فيما هو من سنخه ، بخلاف الصورتين السابقتين ، اذ على كل منهما يصدق نحو من الشياع (و بهذه الملاحظة ) ربما يجىء نزاع المشهور مع السلطان فيها من ان اللفظ موضوع للجامع بين الحصص على نحو لم تلحظ معه خصوصية حصة دون حصة ، الذي يكون لازمه الشياع البدلى أو الذات السارية في جميع الخصص ، أو للمجمع لهذه الاعتبارات المتحققة مع أي اعتبار وصورة في الذهن ، كي يكون اللفظ موضوعا لذات مهملة مجتمعة في الذهن مع جميع الاعتبارات ، الذي يكون لازمه هو احتياج استفادة
أحد الشياعين الى قرينة اخرى من مقدمات الحكمة أو غيرها .
و بهذا البيان اتضح عدم اختصاص تعريف المطلق بخصوص اسماء الاجناس بل يشمل الاعلام الشخصية ، فلذا صح اتصاف زيد بكونه مطلقاً تارة ، ومقيداً اخرى ، ومهملة ثالثة ( غاية الأمر) الفرق بين أسماء الأجناس والاعلام انما هو فى كون الحصص المتصورة فى أسماء الأجناس لها وجودات وتحصلات مختلفة ، وفى الأفراد الشخصية والأعلام لا تتصور للحصص المتصورة وجودات خارجية . بل جميع الحصص تحت حد واحد ووجود فارد ( غايته) ان المقل على حسب امتداد هذه الذوات بالنسبة الى الأزمنة ينتزع منها حصصاً تحليلية لا يحكى كل حصة إلا عن قطعة من الذات الغير الحاكية عنها الحصة الاخرى . ولذا يقع كل قطعة معروضة لصفة مضادة مع صفة غيرها بلا اجتماع بين المتضادين في محل واحد ، ( وبهذا البيان) ظهر أيضاً وجه انطباق هذا التعريف على النكرة حتى بناء على التحقيق من جعل مدلولها مساوقاً للفرد المنتشر ، اذ جميع هذه الاعتبارات كما يجىء فى الفرد المعين ، كذلك يجىء فى الفرد المنتشر ، وسيتضح ذلك عند التعرض لبيان مفهوم النكرة ( ان شاء الله تعالى ) .
والأولى هو التعرض لحال كل واحد مما سمى انه مطلق ( فمنها ) اسم الجنس وقد عرف بأنه صرف المفهوم الغير الملحوظ معه شيء ( أقول ) لا شبهة في أن المهية لو اعتبرت هكذا معنى أن يكون الملحوظ في الذهن نفس الطبيعي عارياً عن جميع الحيثيات ، فلازمه عقلا هو الصدق على القليل والكثير ، وهو المعبر عنه بالصورة المنتزعة عن صرف وجود الشيء المنطبق على أول وجود من وجوداته ومثل هذا المعنى هو الذي لو علم بكونه متعلقاً لطلب المولى لتحقق الامتثال بحكم العقل بأي فرد من أفراده ، (وحينئذ ) فلو كان مدلول اللفظ هو هذه الصورة من المهية فى الذهن التي ينتزع عنها المقل بتعقل ثانوى كونها مجردة عن جميع الحيثيات حتى عن حيثية التجرد الملحوظ ذهناً فلا يحتاج عقلا في الحكم بالتخيير في امتثال
الأوامر إلى أزيد من إصالة الحقيقة، من دون لزوم اجزاء مقدمات الحكمة في شي. أصلا ، اذ غاية نتيجة مقدمات الحكمة فى متعلق الأوامر هى اثبات أن الطبيعي مجرداً عن جميع الحيثيات حتى عن حيثية السريان بدلياً أم استغرافياً هو موضوع الحكم الذى يكون من لوازمه عقلا هو الاكتفاء فى امتثاله بأي فرد ، والحال انه خلاف مذهب السلطان ومن تبعه ( وتوهم ) ان شأن المقدمات المزبورة هو اثبات كون هذا المعنى تمام الموضوع للحكم لا جزئه (مدفوع) بأن ما هو معروض القيد من المهية لا يكون مجرداً واقعاً عن جميع الحيثيات ، بل المعروض أحد حصصها المقيدة بأمر كذائي( ومن البديهي) أنه لا يكون موضوعا لحكم العقل بالصدق على القليل والكثير.
( و ببيان آخر ) نقول أن المهية اذا لوحظ منها في الذهن قيد من القيود خرجت عن التجرد واقعاً وصارت في الذهن محدودة بحد ينتزع عنه عنوان الضيق المانع عن الصدق على الكثيرين ، ولازمه ليس إلاكونها حصة من حصصها الغير القابلة للصدق على سائر الحصص(وبديهى) ان لمثل هذا المعنى في الذهن صورة مباينة مع الصورة الجامعة بين الحصص التى لم يلحظ فيها مع الذات شيء من الاعتبارات المضيقة ، ولذا ترى عدم انتقال الذهن من تصوير الجامع المزبور الى شيء من حصصه الخاصة المتحققة في ضمن الأفراد الخاصة فضلا عن الخصوصيات الزائدة عنها ، وحينئذ فلو كان اللفظ موضوعا للمعنى العارى عن التقييد بشيء حتى عن لحاظ هذا العراء فيه ، وهو المعنى الذى لم يلحظ معه في الذهن شيء ، فمقتضى اصالة الحقيقة حينئذ ليس إلا كونه مراداً جدياً ، ولازمه كون ما هو فى حيز الطلب واقعاً هو هذا المعنى الملازم مع كونه تمام الموضوع لاجزئه ،( فحينئذ) فما فائدة مقدمات الحكمة ( وعليه ) فلا محيص من نسبة هذا المعنى الى المشهور الملتزمين بان استعمال المطلق فى الحصة المقيدة مجاز ، ولو اريد قيده بدال آخر فى قبال السلطان القائل بحقيقته .
( فان قلت ) ان مجازية المطلق في القيد فرع اخذ خصوصية التجرد في الموضوع له ، وليس الأمر كذلك لأنه لو لوحظت مع المهية هذه الخصوصية الذهنية
( قلت ) ما المراد من الخصوصية التي يرجب اخذها في المدلول عدم انطباقها على الخارجيات ، فان كانت هذه نفس الحد الخاص للصورة واقعاً المتعقل بتعقل اولى الذي هو منشأ انتزاع عنوان التجرد الذهني كنفس الصورة التى هى منشأ انتزاع صفة الكلية فى الذهب بتعقل ثانوى ( ففيه ) ان هذا المقدار لا يمنع عن الصدق ، كيف وكثير من المفاهيم البسيطة الاجمالية مع التحليلية التفصيلية انما تكون مختلفة في الذهن بمثل هذه الحدود، نحيث لو اغمض عنها ، وجاءت الذات في الذهن بحد آخر تصير مباينة مع الصورة الاخرى مع فرض اتحادهما ذاتاً وخارجاً ، وان كانت الخصوصية المانعة عن الانطباق عنوان التجرد المنتزع من الخصوصية الخاصة بتعقل ثانوى( فهو في غاية المتانة ) ولكنه أجنى عن مرامنا ، اذ المقصود من أخذ الخصوصية هو اخذ واقع التجرد المتعقل بتعقل أولى في مدلول اللفظ ( ومن البديهي ) ان اخذ مثل هذه الخصوصيات التي كانت من المعقولات الأولية لا يمنع عن انطباق الصورة المتخصصة بها على الخارجيات بالضرورة ، ولذا قلنا في مدلول الضربانه موضوع للمادة المحدودة بحد فقدان الذات ، بخلاف الضارب فانه لا بشرط عن هذا الحد ، وكان في الذهن متصلا بالذات ومتحداً معها بنحو من الاتحاد .
( فتلخص مما ذكرنا ) انه لو اعتبر الطبيعي في الذهن مجرداً عن جميع الحيثيات فتمهراً تصير صورة الطبيعى فى الذهن محدودة بحد الفقدان عما وراه ، ومثل هذه الصورة بهذه الخصوصية الواقعة موضوع لحكم العقل بالصدق على القليل والكثير بحيث لو لوحظت المهية متقيدة بقيد تصير محدودة بحد آخر ، فتصير ببركته موضوعة الحكم العقل بعدم صدقها على الكثيرين ( فحينئذ) لو كان وضع اللفظ المهية المجردة الموضوعة لحكم العقل بالصدق على القليل والكثير ، فلا محيص من التزامه بمقالة المشهور ويلزمه کون استعماله فى ذات المقيد مجازاً حتى مع ارادة القيد من دال آخر.
( فان قلت ) بناء على ما ذكرت لا تكون فى الذهن إلا احدى الصورتين من دون تصوير شق ثالث، لاستحالة تحقق صورة فى الذهن عارية عن خصوصية
فقدان شيء معها ووجدانه ، لاستحالة الجامع بين النقيضين ، والمفروض أيضاً ان المهية المجردة هى التى تنطبق على القليل والكثير ، وهي المسماة باللا بشرط القسمى الذي بنى المشهور على وضع اللفظ بازائه ، والمهية المضيقة أيضاً هي التي لا تنطبق على غيرها ( فحينئذ ) من أين يتحقق قسم ثالث يسمى بالمهية المهملة التي هي مختار السلطان من كونها معنى اللفظ بحيث انه يحتاج فى اثبات أحد المعنيين الى دال آخر من مقدمات الحكمة أو غيرها على قيد من قيود . ( قلت ) ما أفدت من عدم تصوير شق ثالث في الذهن غير الصورتين في غاية المتانة، ولكن نقول لا شبهة فى أن ذات المهية كما اذا تحققت في الخارج كانت محفوظة في ضمن جميع الشخصيات الخارجية من دون استقلال لها في الوجود ( كذلك ) اذا تحققت في الذهن ربما يكون تحققها فيه أيضاً بأطوار مختلفة من لحاظها مجردة عن جميع الحيثيات
( تارة ) ومقيدة ببعض القيود الخارجية ( اخرى ) وببعض القيود الذهنية المنتزعة عنها بتعقل ثانوى ( ثالثة ) وبحيثية سريانها في جميع الأفراد بنحو الاستغراق
( رابعة ) وبنحو البدلية ( خامسة ) الى غير ذلك من امثال هذه الاعتبارات ( ومن البديهي) ان الطبيعي بصورته الذهنية أيضاً محفوظ في ضمن جميع هذه الاعتبارات من دون أن يكون له نحو آخر من وجود متباين عن جميعها فلا جرم يكون الطبيعي في الذهن مجمعاً الجميع هذه الاعتبارات الذهنية ، بلا تصور صورة اخرى مباينة له ذهناً ، كما لا يكون له وجود مستقل خارجاً .
( فحيث اتضح ذلك ) فنقول أن مرجع نزاع السلطان مع القوم حقيقة الى أن اللفظ هل هو موضوع المهية باعتبار خاص وصورة مخصوصة من المهية ، وهي صورة تجردها في الذهن عن جميع الحيثيات حتى عن حيثية التجرد الذهني الذي من المعقولات الثانوية المنتزعة عن حد فقدان صورة الطبيعة في الذهن عن جميع التقييدات الذى هو موضوع لحكم العقل بالصدق على القليل والكثير ، وكان من لوازمه جواز الاجتزاء بأى وجود منه مهما وقع متعلقاً للطلب ، وأيضاً من لوازمه
مجازية استعمال اللفظ فى نفس الحصة المقيدة ، وان اريد قيدها بدال آخر كما هو مقاله القوم على ما نسب اليهم ، أم ليس الأمر كذلك ، بل اللفظ موضوع لذات المهية المحفوظة فى الذهن فى ضمن صور متباينة حسب تباين الاعتبارات من دون أخذ خصوصية حد الفقدان والوجدان بجهة زائدة عن ذاتها في مدلول اللفظ، وان لم ينفك في الذهن عن أحدهما ، ولازمه كون الموضوع له معنى مبهما لا يكون له بنفسه حد خاص وصورة مخصوصة فى الذهن قبال سائر الاعتبارات ، بل هو مجتمع فى الذهن مع كل حد كاجتماعه فى الخارج مع كل تشخص .
(و بهذه الملاحظة نقول ) ان طبع اللفظ لا يتمتضى ارائة معنى صالح للصدق على القليل والكثير ولا معنى مضيق غير صالح، بل يجتمع مع كل منهما على وجه ينميد اللفظ نفس الذات مبهمة فى ضمن إحدى الصور الذهنية التي منها صورتها فاقدة عن جميع الحيثيات ، ومنها صورتها متقيدة بأحد القيود المانع عن الصدق المزبور وانما تكون استفادة مثل هذه الخصوصيات بدال آخر، مثل مقدمات الحكمة أو لفظ آخر دال على تقييدها بأحد القيود ، وهذا هو معنى قولهم بأن اللفظ موضوع عند السلطان للمهية المبهمة العارية عن حيثية السعة والضيق ، بمعنى عرائها عنهما في مقام وضع اللفظ لها ، لا عرائها عنهما ذهناً ، كيف وقد عرفت بأن صور المهية في الذهن إما أن تكون مجردة عن جميع الحيثيات ومحدودة بحد الفقدان عن جميع التقييدات ، فهى الموسعة محضاً من دون قابليتها للضيق ، وإما أن تكون صورتها في الذهن مقرونة بأحد القيود ، فتكون مضيقة من دون صلاحيتها للتوسعة . من دون تصوير مفهوم آخر في الذهن فاقد عن الخصوصيتين وعار عن الحيثيتين مع انه لو كانت له صورة ثالثة مباينة مع هذه الصور ذهناً ، فكيف يكون استعمال المطلق فى مورد ارادة هذه الصور حقيقة ،بداهة ان مدار الحقيقة والمجاز فى الاستعمالات على وحدة الصورة الذهنية بلا اعتناء فيها الى وحدة الذات أو وحدة الوجود خارجاً ، فمثل ذلك برهان قطعى على أن مدلول اللفظ في الذهن نحو معنى
يناسب مع جميع الصور ، وليس ذلك إلا ما هو المحفوظ في ضمن جميع الاعتبارات والحدود الذهنية بلا استقلال لنفسه في الذهن بحد وخصوصية مستقلة ، ولذا سمى بالمبهمة نظراً الى كونه في الذهن متحققاً بلا حد لنفس المعنى مستقلا ، بلا محدود بحدود زائدة عن حيز الوضع والاختصاص، فكان المقام من تلك الجهة نظير مفهوم المبدأ السارى في ضمن هيئات مخصوصة حاكية عن خصوصيات واطوار ذهنية طارئة على مبدأ واحد سار في ضمن جميع الخصوصيات ، ومتشكل بأحد الأشكال الذهنية الحاكية عن الأشكال الخارجية ، وبهذه الملاحظة نقول بوضع المادة أيضاً لمعنى مبهم سار في ضمن صور متباينة ومجمع لاعتبارات عديدة كما أشرنا الى شرحه في بحث المشتق فراجع هذا كله في اسم الجنس .
وما قيل بكونه من المطلق علم الجنس (الظاهر) من بعض أهل الفن أخذ الاشارة الذهنية الموجبة لنحو من التعين فيه العارى عنه أسم الجنس ، ولذا كان علم الجنس عند النحاة معرفة ويترتب عليه أحكامها بخلاف اسم الجنس ( ولكن يرد عليه ) ان الاشارة المأخوذة فيه ليس إلا من سنخ اللحاظ المحسوب من الوجودات الذهنية و لازم أخذ مثل هذا المعنى فى المفهوم عدم قابلية انطباقه على الخارج إلا بالتجريد مع أن مفهوم اسامة بلا تجريد ينطبق على الحيوان مثلا ، ومن جهة هذه الشبهة التزم باتحاد مفهومه مع مفهوم اسم الجنس ، وان الموضوع له لاسامة هو عين ماهو مفهوم للفظ أسد ، وان تعريف اسامة وغيره من أعلام الجنس لفظى .
(والذي ينبغي أن يقال) ان حقيقة الإشارة عبارة عن نحو توجه من النفس الى الصور ، وغير مرتبط بعالم اللحاظ ، ولذا ترى عند لحاظ صور متعددة قد تتوجه النفس الى بعضها دون بعض ، وتشير بأنه أحسن من غيره مع فرض اجتماع الجميع في الذهن ، ومثل هذا التوجه من الوجودات الخارجية القائمة بالنفس نظير العلم بها تصديقياً أم تصورياً (وعليه ) فلو قيد المعنى بمثل هذا الوجود كتقييده بالعلم به لا يضر ذلك بانطباق المقيد به على الخارج، كانطباق عنوان المعلوم أو
المقيد بالمعلومية على الخارج، اذ مثل هذه التقييدات راجعة الى تقييد المعنى بكونه متعلقاً بهذه الوجودات الخارجية ، لا مقيداً بأمر ذهنى ووجوده كذلك .
هذا مضافا الى انه على فرض كون هذه الاشارات أيضاً من سنخ الوجودات الذهنية ( نقول) ان الاشكال انما يرد على فرض أخذ التقيد بها في مفهوم اللفظ وإلا فلو قيل بأن اللفظ موضوع لنفس ذات تعلق بها الاشارة وما هو معروضها بلا أخذ تقيدها بها ، يكفى هذا المقدار للفرق بينه وبين اسم الجنس ، اذ في علم الجنس اعتبرت الذات بنحو لا يكون لها اطلاق يشمل ما لا يشار اليه ، وان لم يكن مقيداً بالاشارة أيضاً، بخلاف اسم الجنس، حيث أنه موضوع الذات الأعم مما يشار اليه وما لا يشار اليه ، وهذا المقدار أيضاً يكفى في تعريف علم الجنس معنوياً اذ ما هو معروض الاشارة له نحو من التعين ليس لغيره ، بلا احتياج ( حينئذ ) الى التجشم فى جعل التعريف لفظياً فقط، ولقد حققنا نظير ذلك في الفرق بين المعنى الاسمى والحرفي على مذاق صاحب الفصول ، بجعل المعنى الحر فى نفس ما هو معروض اللحاظ المرأتي ، في قبال المعنى الاسمى بجعله ما هو معروض اللحاظ الاستقلالي ، ومرجعهما الى كون الموضوع له فى الحروف معنى توئماً مع اللحاظ المرآتى لا مطلقاً ولا مقيداً به، وهكذا فى معانى الاسماء و ( عليه ( فلا ترد عليه أيضاً الاشكالات الثلاثة التي أوردها شيخ مشايخنا( قدس سره الشریف) فى كفايته ، ولا يلزم بناء عليه أيضاً الالتزام باتحاد معنى الاسماء والحروف كي ينحصر جهة الفرق بكيفية استعمالها فى المعنى ، وتتمة الكلام في محله.
ثم ان من جملة المطلقات مفهوم النكرة ، وتوضيح مفهومه انه الطبيعة المقيدة بكونها في ضمن أحد الشخصيات المفردة بنحو يكون القيد نفس التشخص الغير المعين المنطبق على الخارج بنحو التبادل ، وان ( الأحد ) اخذكما للقيد قبال الاثنين والثلاث ، لا انه بنفسه قيد ، بل القيد كما قلنا نفس التشخص الملازم للفردية (غاية الأمر ) بواسطة عدم تعينه واقعاً كان مثل هذا المفهوم أيضاً قابلا للصدق على
الكثيرين ( غايته ) بنحو التبادل قبال صدق اسم الجنس ، اذ هو قابل للصدق على الكثيرين عرضياً ، وقبال الطبيعة المتشخصة بشخص معين ، اذ لا يكاد صدقها على الكثيرين أصلا ، فالنكرة تكون معنى وسطاً بين هذا التشخص و بين الطبيعة اللا بشرط العارية عن قيد التشخص رأساً ، فمن جهة تقيد الطبيعة فيها بقيد التشخص تشبه الاخير من حيث عدم الصدق على الأفراد عرضياً ، ومن جهة عدم تعين التشخص فيها ، تشبه الطبيعة اللا بشرط من حيث الصدق على الكثيرين ، ولذا يعبر عنها بالفرد المنتشر لأنه بملاحظة أخذ التشخص في مفهومها كان فرداً ، ومن جهة عدم تعيين القيد المزبور كان القيد منتشراً بالنسبة الى الشخصيات المعينة بنحو صالح للانطباق على كل منها صدقا تبادلياً منتشراً .
( ومن هذا البيان ) ظهر فساد توهم جعل المفهوم المزبور عبارة عن الطبيعة المقيدة بعنوان أحد التشخصيات الذى هو أيضاً كلى صادق على الكثيرين عرضياً اذ على كل تشخص يصدق عنوان أحد التشخصات فى عرض واحد ، اذ مثل هذا المعنى لا يخرجه عن الجنسية الى الفردية ، بل هو أيضاً اسم جنس أخص من الجنس المطلق ، وذلك لا يناسب مع جعلهم النكرة فرداً منتشراً ، فالذي يناسب ذلك هو جعل القيد ما هو مصداق التشخص ، لا مفهومه العام ( غاية الأمر ) مصداقاً غير معين قبال المصداق المعين ، وان لفظ أحد أيضاً بيان لكم المصداق المزبور ، لا قيده لمفهوم التشخص.
و توهم ان مصداق التشخص في الخارج يلازم التعيين وان كان صحيحاً ، ولكن هذه التشخصات الخارجية المتعينة بالذات فى مقام أخذها قيداً للطبيعة ( تارة ) ير خذ فيها واحد معين منها فى قبال الغير
( واخرى )يؤخذ فيها واحد غير معين فهنا نحوان من التعيين ( أحدهما ) تعيين كل منها بحسب ذاته ( وثانيهما ) تعيين كل منها بالاضافة الى غيره بنحو يكون طارداً له( وحينئذ ) فالقيد في الفرد المنتشر والمعين مشترك فى التعيين الذاتي ، اذ مصداق كل تشخص متعين ذاتاً ، وانما الفارق
ان القرينة المعروفة ليست الا مقدمات الحكمة المشهورة بين الاعلام ونتيجة المقدمات يرجع الى كون المتكلم فى مقام البيان بكلامه الوارد في مورد التخاطب ، ولم ينضم الى اطلاق لفظة قرينة اخرى حاكية عن خصوصية خاصة زائدة ، فلا محيص من ارادة الاطلاق ، وإلا يلزم الخلل في إحدى المقدمتين ، لأن إرادة الخصوصية بلا اقامة القرينة تنافى لكونه فى مقام بيان مرامه بلفظه ، كما ان ارادة الاهمال في لب المرام بلا ضم خصوصية به غير معقول، فلا محيص من ارادة الاطلاق .
( هذا ) ولقد توهم من هذا البيان ان نتيجة هذه المقدمات كون موضوع الحكم هو اللابشرط القسمى الذى عبارة عن الطبيعة العارية عن جميع الحيثيات التي هي من مصاديق الطبيعة اللا بشرط المقسمى المجتمع مع العارية والمقيدة على ما أسلفناه وان طبع مقدمات الحكمة قلب اللا بشرط المقسمى الى القسمى في الموضوعية( وحينئذ) نقول ان لازم هذه المقالة كون نتيجة المقدمات هو الشياع بمعنى الصرف ولا يشمل السارى ( بداهة) ان الطبيعى الغارى عن جميع الخصوصيات مساوق الصرف الوجود الغير القابل للانطباق على ثانى الوجود بنفسه ، ولازمه سقوط الحكم قهراً بأول وجوده ، إما بالاطاعة كما فى الأوامر ، أو بالعصيان كما في النواهى( وحينئذ ) يحتاج فى استفادة الطبيعة السارية فى كثير من المقامات خصوصاً في النواهى الى مقدمة زائدة عن المقدمات المزبورة ، مع أن المرتكز فى الاذهان الذى هو أيضاً مشى المشهور عدم احتياج النواهي أيضاً في اطلاقها إلى أزيد من مقدمات الحكمة ، حتى مع التزامهم بعدم سقوط النهى بعصيانه الأولى ، بل الوجودات المتعاقبة أيضاً مبغوضات بمقتضى الاطلاق( وحينئذ ) تجي. في البين شبهة الفارق بين الأوامر والنواهى من اختلاف نتيجة الاطلاق بينهما كما اشرنا اليه . (والذي يقتضيه التحقيق فى حل الاشكال ) ان يقال ان هذه الشبهة انما تجرى على الزعم المزبور من اقتضاء طبع مقدمات الحكمة قلب موضوع الحكم بخصوص اللا بشرط القسمى ، وأما لو قيل بأن طبع المقدمات لا يقتضى أريد من كون
مدلول اللفظ الجامع بين اللا بشرط وبشرط شيء تمام الموضوع في الحكم بلا دخل خصوصية زائدة فيه، فلا شبهة فى أن هذا المعنى في طرف الأوامر لا ينتج إلا. الاكتفاء بأول وجوده ، وأما في طرف النواهى التى كان المطلوب فيها عدم هذا الوجود ، فلا شبهة فى أن ذلك يقتضى قلب الوجودات المتعاقبة أيضاً بالعدم، لأن بوجود كل يصدق تحقق مدلول اللفظ ، والفرض أن ما هو تمام الموضوع فى النهى. هو هذا الوجود الصادق على الوجودات المتعاقبة أيضاً ، فترك هذا المعنى لا يكون إلا بترك تمام أفراده المرضية والتعاقبية ، بخلافه في الأوامر ، فان مقتضى طلب وجوده مجرد ايجاد هذا المعنى ، وهو يتحقق بأول وجوده ( وحينئذ ) فليست نتيجة المقدمات المزبورة قلب اللابشرط المقسى بالقسمى ، في عالم الموضوعية ، كيف واللا بشرط القسمى كما اسلفناه يستحيل انطباقه على ثانى الوجودين كما هو شأن صرف الوجود من كل شيء ، بل طبع المقدمات جعل الموضوع بتمامه نفس مدلول اللفظ ، غاية الأمر هذا المدلول في طرف الايجاد بتمامه يتحقق بأول وجوده ، وفى طرف الترك لا يكاد يتحقق تركه الا بترك تمام أفراده حتى المتعاقبة (وحينئذ ) فهذه التفرقة ما جاءت من قبل دخل السريان في مدلول المادة في النواهى دون الاوامر وانما يقتضيها العقل من حيث وقوعه في طي النواهي فقط ، بملاحظة ان اعدام هذه الطبيعة من حيث قابلية انطباقها على الأفراد التعاقبية لا يكون إلا باعدام الافراد المزبورة ، ولا يكون الحاكم فى البابين إلا طبع الاطلاق بلا احتياج الى قرينة خارجية .
( فان قلت ) ان اللا بشرط المقسمى على ما شرحت لا يمكن له وجود مستقل فى الذهن ، بل لا محيص من أن يتحقق فى ضمن أحد المصور من المجردة والمخلوطة(وحينئذ ) فان كانت في طى خطاب الأمر والنهى صورة واحدة ، فلا محيص من أن تكون فى فرض تمامية المقدمات صورة مجردة ، ولازمه مجيء اللا بشرط المقسمى فى ضمن اللا بشرط القسمى ، فيلزم كون متعلق الأوامر والنواهي قهراً هي الطبيعة اللا بشرط القسمى الأبية عن انطباقها على ثانى الوجود كما اعترفت (وحينئذ)
يبقى الاشكال السابق في بيان الفارق بين الأوامر والنواهى من سقوط الأوامر بأول وجود الطبيعي وعدم سقوط النواهي بتركه .
( قلت ) ما افيد من اقتضاء طبع المقدمات كون الصورة الحاصلة في طى الخطاب هي الصورة المجردة عن جميع الحيثيات في غاية المتانة ، اذ لازم كونه في مقام البيان وعدم ذكر القيد معه كون الموجود في ذهن المتكلم هى الطبيعة المجردة ( ولكن نقول) ليس لازمه كون المطلوب من الطبيعي بهذه الخصوصية ، بل من الممكن كون تمام المطلوب من هذه الصورة أيضاً الجهة المشتركة المحفوظة فيها لا بخصوصيتها ، غاية الأمر ان اقتضاء الخطاب لا يجاد الطبيعى يوجب الاكتفاء بأول وجوده ، نظراً الى أن تمام المعنى منطبق عليه ، فقهراً يسقط الخطاب ، بخلافه فى طرف النواهى ، فان مقتضى الخطاب فيه اعدام هذا المعنى( وبديهى) ان اعدامه باعدام تمام مصاديقه التي منها الوجودات المتعاقبة كما هو ظاهر ، ولعمرى ان توهم كون المطلوب هو اللا بشرط المقسمى ، وان طبع المقدمات قلب المقسمى بالقسمى. انما ينشأ عن اقتضاء البيان وعدم ذكر القيد ليكون الموجود في الذهن هي الطبيعة المجردة ، فيتوهم ان تمام المطلوب أيضاً هى الطبيعة بهذه الخصوصية الملازمة للضيق فى انطباقها على ثانى الوجودين، وإلا فلو فتح البصر يرى ان اقتضاء البيان وعدم ذكر القيد ليكون الصورة الحاصلة هى المجردة لا يوجب كون المطلوب أيضاً هي هذه الصورة بهذه الخصوصية ، بل طبع المقدمات علاوة عما ذكر يقتضى كون ما هو مدلول اللفظ تمام الموضوع للخطاب الموجب لاختلاف النتيجة في الخطابات الايجادية والاعدامية باختلاف اقتضاء نفس الخطاب عقلا من دون اختلاف في موضوع الحكم كما هو ظاهر لمن تدبر .
ثم ان هيهنا أموراً (الأول) ان اقتضاء المقدمات المزبورة هل يكون باقتضاء عقلى أجنبي عن اللفظ بحيث لا يوجب له ظهوراً فى الاطلاق ، أم ليس كذلك بل كانت تلك المقدمات من القرائن الحافة بالكلام الموجبة لقلب ما له من الشأن
وضعاً الى ظهور موافق لطبع ما تقتضيه القرينة .
(والذي يقتضيه التحقيق فى المقام ) هو أن يقال أن مثل هذه المقدمات اذا كانت من القرائن الحافة بالكلام ، فلا قصور في صيرورتها موجبه الحصول وجهة للفظ كسائر القرائن الحافة به ( نعم ) حيث أن مرجع المقدمات المزبورة الى الحكم المقلى الجزمى بالملازمة بينها وبين الاطلاق ، فان أحرزت المقدمات المزبورة بنحو الجزم والوجدان ، فقهراً يوجب ذلك الجزم بالاطلاق ( ولكن) لا ينافى ذلك لظهور الكلام فيه( غاية الأمر) ليس هذا الظهور ( حينئذ )من الظواهر الظنية كسائر ظواهر الالفاظ ، فالقائل بخروج باب الاطلاق عن الظواهر اللفظية ان أراد هذا ( فنعم الوفاق ) بل يكون باب التقييد أيضاً من ذلك ، اذ مرجعه أيضاً الى حكم جزمى عقلى بالملازمة بين ذكر القيد فى الكلام مع التقيد ، وإلا يلزم عند عدم فائدة أخرى لغويته ، ولذا اعتبروا في التقييد عدم كون القيد وارداً مورد الغالب ، أو لبيان جهة أخرى، وان أراد انه لا يتحقق للفظ مع المقدمات المزبورة وجه ودلالة أصلا ، فهو خلاف الانصاف ، كما انه لو فرض احراز المقدمات المزبورة بأصالة البيان الراجعة الى الظواهر الحالية الظنية ، فربما أمكن أيضأدعوى كفاية هذا المقدار في كسب اللفظ منها ظهوراً فى المراد، فيصير حينئذ من الظواهر الظنية كسائر ظواهر الالفاظ المحرزة بالوجدان مع ظنية مطابقتها للواقع ، ولئن بنينا على أن المقدمات المزبورة بوجودها الواقعي موجبة لظهور اللفظ ، ففى هذا الفرض لم يكن الظهور فى الاطلاق محرزاً بالوجدان ، بل اصالة البيان يصير طريقاً لاحراز ظهوره ، وهذا المقدار أيضاً يكفى للاتكال به فى مقام الاحتجاج
( نعم ) لو لم يكن ظهور كونه في مقام البيان من الظواهر الحالية التي هي كظواهر الالفاظ فى كونها مورداً لاتكال العقلاء ، يشكل أمر الاتكال به في احراز الاطلاق ، اذ مرجمه حينئذ الى الظن بالظهور ، واتباعه مورد الاشكال إلا لدى من التزم بحجية الظن المطلق فتدبر .
( الثاني ) ان أساس المقدمات المعهودة ( تارة ) على كون المتكلم في مقام بيان تمام مرامه باللفظ المطلق ، فلا شبهة فى أن هذا المقدار مضاد مع التقييد ، أو ملازم العدم قرينة على خلاف الاطلاق ، إذ القرينة المزبورة أيضاً مضادة مع البيان المزبور( وحينئذ )لازمه كفاية هذا البيان لاثبات الاطلاق بلا احتياج الى مقدمة اخرى من عدم القرينة على التقييد ،اذ مثل هذه الجهة من لوازم البيان المزبور في فرض الاطلاق( وحينئذ ) فلو كانت المقدمة الملازمة للاطلاق عند احتفاف الكلام بها موجبة لظهور اللفظ في الاطلاق، فيكفى البيان المزبور لاكتساب اللفظ وجهة الظهور ، بلا معلقية الظهور المزبور حينذ على أمر سلى من عدم القرينة على التقييد( وعليه ) فلو احرزت هذه المقدمة بنحو الجزم والوجدان يقتضى ذلك الجزم بمخالفة ظهور القرينة على التقييد للواقع ، ولو كان في كلام آخر ، كما انه لو فرض احرازها باصالة البيان يكون لازمه ظهور حاله في عدم . اقامة قرينة على التقييد ، فيزاحم ظهور اطلاقه مع ظهور لفظه في التقييد ولو في هذا الكلام ، بلا تعليق لأحد الطرفين على عدم الآخر كي يجيء مقام ورود أحدهما على الآخر في كلام واحد فضلا عن الكلامين ، وذلك ظاهر .
( واخرى ) يكون اساس المقدمات على كون المتكلم فى مقام تمام مرامه بتمام الكلام الذى به تخاطبه ، لا بخصوص اللفظ المطلق ، ففى هذه الصورة لا شبهة في ان هذا المقدار من البيان لا ينافي التقييد ، ولا قيام قرينة عليه( وحينئذ ) فيحتاج فى اثبات الإطلاق الى مقدمة أخرى من عدم قيام قرينة على التقييد ، ولازمه دخل هذا الأمر السلى فى القرينة على الاطلاق، فقهراً يصير هذا الامر السلبي دخيلا فى ظهور اللفظ أيضاً تبعاً لدخله فى المقدمة الموجبة لظهور اللفظ على وفقها ( وحينئذ ) قيام القرينة المزبورة على التقييد يرفع الظهور المزبور ، من دون فرق بين كون احراز البيان بمقدمات جزمية أم باصالة البيان الناشيء عن ظهور جال المتكلم في مخاطباته ( نعم ) هنا شيء آخر ، وهو ان الكلام الذى كان المتكلم فى مقام
بیان تمام فرامه به هو مطلق كلامه ، ولوكان منفصلا عما به تخاطبه فعلا ، أو خصوص ما به تخاطبه ويكون مشتملا على اللفظ المطلق، فعلى الأول يكون عدم القرينة فى كلام آخر أيضاً وارداً على ظهور اللفظ فى الاطلاق ، واما ان كان الكلام الذى كان المتكلم فى مقام بيان مرامه به هو خصوص الكلام الذى به تخاطبه ، ففى هذه الصورة لا شبهة فى استقرار ظهوره في الاطلاق بمجرد عدم ذكر القيد متصلا به ومع استقراره يزاحم ظهوره مع ظهور القرينة في كلام آخر، ولازمه مع احراز المقدمات جزماً طرح ظهور القيد في كلام آخر للجزم بخلافه، ومع احراز المقدمات بالأصل يقع مزاحمة بين ظهور هذا الكلام فى الاطلاق وظهور قرينة اخرى في كلام آخر في التقييد ، فلا محيص في مثله الأخذ بأقوى الظهورين بلا ورود أحدهما على الآخر .
( نعم ) لو كان لشىء ظهور في التقييد عند اتصاله بما فيه اللفظ المطلق وكان به التخاطب ، فلا محيص من الأخذ بظهور القيد لو روده على ظهور الاطلاق، لكونه معلقاً على أمر سلبي كما عرفت ، وفى هذه الصورة لا يتوهم اتصال الظهور التنجيزى فى الكلام بما يصلح للقرينية ، اذ ذلك انما يتم في المجمل لا في المبهمات الغير الصالحة القرينية في قبال الظهور التنجزى كما لا يخفى ، وحيث يكون بناء العرف على التصوير الأخير فلا محيص في ترجيح أحد الظهورين من المصير الى التفصيل بين صورة الاتصال بالكلام وانفصاله فتدبر .
( الثالث ) ان متعلق البيان في المقام ( تارة) يكون تمام المرام بنحو يفهم المخاطب أيضاً انه تمامه(واخرى ) يكون تمام المرام واقعا ولو لم يفهم المخاطب انه تمامه ، فعلى الأول لا نحيص من الأخذ بالاطلاق حتى مع وجود القدر المتيقن في البين ، اذ مع الشك في دخل الخصوصية لو كانت هي مقصودة لكان مخلا بغرضه . فلا محيص من عدم دخلها ، ولازمة الأخذ بالاطلاق ، لأنه لازم الأمر السلبى
( وتوهم ) أنه من الممكن ايكال دخل الخصوصية الى البيان المقلى من الأخذ بالقدر
المتيقن فى البين (مدفوع) بأن الاطلاق والتقييد في الذهن أمران متباثنان ، الرجوع الاطلاق الى عدم دخل الخصوصية فى الغرض ، ورجوع التقييد الى دخلها وهما متباثنان فى عالم اللحاظ بلا وجود متيقن بين الاعتبارين ، ومع فرض كون كون المتكلم فى مقام بيان متعلق غرضه بنحو يفهم المخاطب أيضاً ذلك ، لا يبقى مجال المتيقنية أحدهما بالنسبة الى الآخر ، كى يبقى مجال اتكال المتكلم في بيان متعلق غرضه الى حكم العقل بالاخذ بالمتيقن ( نعم ) ما هو متيقن هو دخول الخاص في المرام ، وأما أنه بنحو له بخصوصيته دخل في الغرض أم لا ، فلا يكاد يستفاد من الكلام شيئاً ، والمفروض ان المتكلم فى مقام بيان تمام مرامه بكلامه بنحو يفهم المخاطب أيضاً ما له الدخل في غرضه وعدمه ، والقدر المتيقن المزبور غير واف بهذه الجهة كما لا يخفى ( نعم ) على الفرض الثانى لا قصور في الأخذ بالمتيقن وعدم التعدى منه الى غيره ، لاحتمال كون الخاص تمام المقصود وان لم يفهم المخاطب انه تمامه( وحينئذ ) يكون اضرار وجود المتيقن بالاطلاق مبنياً على عدم احرازكون المتكلم فى مقام البيان بالنحو الأول ، وإلا فمع احرازه من حاله لا مجال للاقتصار على المتيقن فى باب المطلقات كما هو ظاهر ؛ كما ان الميزان في احراز مقدار المتيقنية بالاطلاق أيضاً تابع لمقدار البيان ؛ فان كان في مقام بيان تمام مرامه الواصل الى المكلف ولو من الخارج وان لم يفهم المكلف انه تمام مرامه ، فلازمه اضرار وجود المتيقن بالاطلاق مطلقاً ولو من الخارج ، وأما ان كان في مقام بيان تمام مرامه الواصل الى المكلف بالكلام الذى به تخاطبه فلا يضر بالاطلاق إلا وجود المتيقن من قبل الكلام المزبور ، ولا يضر حينئذ وجود مطلق المتيقن بالاطلاق كما هو ظاهر ؛ والى المسلك الأخير سلك استاذ الأساتذة ( قدس سره الشریف) في المقام ، كما ان ظاهر بقية الكلمات هو الأول ، وأردأ الوجوه أوسطها ، اذ لم أر من توهم اضرار مطلق المتيقنية باطلاق اللفظ كما لا يخفى .
( الرابع ) قد أشرنا سابقاً الى أنه كما يكون الاطلاق بتوسط الحكم العقلى
كذلك التقييد أيضاً يكون بتوسط الحكم المقلى ، وذلك لأن ذكر قيد في الكلام عند عدم فائدة أخرى له من وروده مورد الغالب، أو شدة الاهتمام ببيان دخول ذاك الفرد في المقصود، أو غير ذلك يكشف عن دخله في غرضه ، وإلا يلزم لغوية ذكره فى الكلام ، بل وبهذا البيان يلتزم بأن كل عنوان مأخوذ في موضوع لابد وان يكون بخصوصيته دخيلا في المقصود ، وإلا يلزم لغوية ذكره بخصوصيته ، فكما أن اطلاق اللفظ مع عدم ذكر قيد يتمتضى عدم دخل شيء في المقصود أزيد من مفاد الاطلاق ، كذلك كل قيد اذا ورد في الكلام ولم يكن لذكره فائدة اخرى لا محيص من الحكم بدخله بخصوصيته في الغرض فراراً عن اللغوية .
( ولئن شئت قلت ) ان المقدمات السابقة من كون المتكلم فى مقام بيان مرامه بكلامه كما تقتضى مع عدم القرينة على التقييد ارادة الاطلاق وبذلك يحصل لللفظ وجهة وظهور فيه ، كذلك يستفاد من كونه فى مقام البيان عند عدم قرينة على بيان فائدة اخرى لذكر القيد ان القيد بخصوصه دخيل في المرام ، وبه يحصل أيضاً لللفظ القيد وجه وظهور في التقييد ، ولازمه كون هذا المفاد قطعياً عند قطعية المقدمات وظنياً عند ثبوتها بالاصل الراجع الى ظهور حال المتكلم في كونه في مقام ذكر ماله دخل في غرضه ، وهو المدرك لكون الأصل في القيود المذكورة في الكلام هو القيدية الى أن يعلم خلافه من قرائن خاصة ، بل قد أشرنا آنفاً إلى أن هذه الجهة هو المدرك فى كون الأصل في كل عنوان مأخوذ فى حيز الجطاب دخله بخصوصه في الخطاب ، سواء كان العنوان المزبور عنواناً لنفس الموضوع ، أو كان من قيوده أو قيود حكمه ، وبواسطة ذلك ربما يستفاد انحصار العلة أو الموضوع فيه (كيف) وعلى عدم الانحصار يستحيل دخل خصوصية فى موضوع حكم شخصى أو علته ( نعم ) حيث ان القضية لم تكن ظاهرة في أزيد من تعلق شخص الحكم فلا يكون له مفهوم ( وعليه ) يكون قصور القضية عن أن يكون لها المفهوم المصطلح من أجل قصورها عن مقام تعليق سنخ الحكم على العنوان الخاص، لا لقصور العنوان عن
افادة دخل الخصوصية في موضوع الخطاب ( كيف ) ولازمه عدمه اقتضاء انتفائه انتفاء شخص الحكم أيضاً ، مع أن هذا عندهم كالنار على المنار .
( فصل )
اذا ورد مطلق ومقيد ( فتارة ) يكونان فى كلام واحد ( واخرى) في كلامين فعلى كل تقدير ( تارة ) يكونان مثبتين ( واخرى ) نافيين( وثالثة) مختلفين ، وعلى التقديرين الأولين ( تارة ) يقطع بوحدة المطلوب منهما ( واخرى ) يحتمل تعدد المطلوب ، فهذه الصور ينبغى البحث عن جميعها ، أما الصورة الأولى وهى فرضهما في كلام واحد مع كونهما مثبتين والقطع بوحدة المطلوب فيهما ، فالظاهر عدم قصور فى دليل التقييد ووروده على الاطلاق، لكونه بياناً وارداً على ظهور المطلق المنوط بعدم بيان على التقييد .
( وتوهم ) ان ظهور القيدية أيضاً جاء من قبل حكم العقل بدخل الخصوصية عند عدم قرينة على القائها بوجه من الوجوه ، ويكفى الاطلاق اللفظى لالقاء هذه الخصوصية فيرتفع التقييد ، بل وظهور دليله فيه .
(مدفوع) بأنه ظهور دليل التقييد فى الخصوصية منوط بعدم كون ذكر القيد لبيان المرام ، وفى هذه الجنة لا يصلح الاطلاق لرفعه بل ، وظهور دليل الاطلاق منوط بعدمه، فاصالة البيان اذا كان وافياً للبيانية ، فكان الدليل المزبور وارداً على ظهور الاطلاق قهراً ( هذا ) اذا كان من باب وحدة المطلوب .
( وأما )مع احتمال تعدده فلا شبهة في أن ظهور دليل التقييد في دخل الخصوصية غير مضاد مع اطلاق الدليل الآخر، فلا يصلح للبيانية بالاضافة الى اطلاقه ، إلا فى فرض ظهور دليل التقييد في دخل الخصوصية بالنسبة الى جميع مراتب الحكم ، ولكنه يرجع بالآخرة الى عدم تعدد المطلوب بين الاطلاق والتقييد. ( نعم ) يجمع ذلك مع الاحتمال المزبور فيحكم بالتقييد أيضاً مثل صورة وحدته
ومما ذكرنا ظهر حال النافيين أيضاً بجميع شقوقه اذ ما ذكرنا في المثبتين جار في النافيين أيضاً لولا دعوى بعد وحدة المطلوب في النافيين بل الظاهر مر دلیل هما انتفاء الحكم عن المطلق والمقيد وفى مثله لا مقتضى للتقييد أصلا كما أن الظاهر من دليل المستحبات النفسية أيضاً هو تعدد المطلوب ولذا ليس بناتهم على التقييد في المستحبات فراجع .
( وأما ) في صورة اختلافهما فالظاهر فيه أيضاً تقييد الاطلاق بلا مجىء التفصيل المزبور عن فرض وحدة المطلوب وعدمها ، ثم ان ذلك كله عند اتصال القرينة بالكلام ، وأما عند انفصاله فالظاهر استقرار ظهور دليل المطلق فى اطلاقه لما عرفت من أن الغالب كون المتكلم فى مقام بيان مرامه بكلام به التخاطب . ومع عدم اقتران هذا الكلام بالقرينية على التقييد يك فى ذلك المقدار فى ظهور دليل المطلق في الاطلاق ولازمه قابلية معارضته مع ظهور دليل المقيد في كلام آخر بلا صلاحية ورود دليل التقييد على الاطلاق، فيعامل معهما حينئذ معاملة الظاهرين الوضعيين من الأخذ بأقوى الظهورين ولقد أشرنا الى هذه الجهة في مقدمة المرام بنحو ظهر وجه من توهم ورود دليل القيد على المطلق ولو كانا في كلامين ولكن اثبات المقدمة المنتجة لمثل هذه الجهة دونه خرط القتاد كما أن توهم مزاحمة قرينة التقييد مع الاطلاق حتى فى كلام واحد أيضاً مبنى على مقدمة لا مجال للالتزام بمثلها ، ولذا نقول ان مقتضى التحقيق المصير الى التفصيل بين كونهما في كلام واحد فيكون ظهور دليل القيد وارداً على الاطلاق أو كونهما في كلامين فيكونان من باب تعارض الظاهرين المستقرين المستتبع للأخذ بأقواهما ان كان وإلا فيكونان بحكم المجمل كما هو ظاهر لمن تدبر ، وحينئذ فلتميز الأقوائية لم تكن ضابطة كلية تكون أصلا في المقام بل منوط بخصوصيات المورد بمناسبات مغروسة في الأذهان بنحو يكون نظر الفقيه متبعاً فيها .
لا يخفى أن المبين هو ما له ظهور تصديق محاورى بحيث يمكن أن يتكل المتكلم به في كشف المراد ، ولا فرق بين أن يكون ذلك من جهة الوضع أو القرينة ، والمجمل بخلاف ذلك أعنى ما ليس له ظهور تصديق ، والمنشأ لذلك تارة عدم العلم بالوضع واخرى عدم العلم بالمراد مع فرض العلم بالوضع فلا اختصاص له بصورة عدم العلم بالوضع كما توهم ، والأمر سهل ، والمتبع خصوصيات الموارد الخاصة حسب القرائن المحفوفة هذا آخر ما تيسر لنا ايراده والحمد لله أولا وآخراً .
وقد وقع الفراغ من تسويده بيد مؤلفه الأسير الفاني محمد تقى المجلسي الإصفهاني فى 12 شهر ذى القعدة الحرام سنة 80هجری
1 - الدرة البهية في مسائل التحية
2 - ولاية الاولياء في بيان الولايات
3- محاضرات الاصول
4 - رسالة في مسائل الاجارة
5 - رسالة في الرضاع وفروعه
6 - رسالة في التقليد واحكامه
7 - رسالة في تنجيس المتنجس
8-رسالة فى بيان حدّ الكر وحكمه
9 - رسالة في انفعال الماء القليل
10 - رسالة في بيان موضوع الربا واحكامه
11 - رسالة في فروع العلم الاجمالي
12 - رسالة في مسائل الصوم
13 - المختار من مبانى الاصول
14 - المنتقى في شرح العروة الوثقى
15 - آداب الجمعة في سنن يوم الجمعة وليلتها
16 - شرح الكلمات القصار للنبي وعترته الاطهار(عليهم السلام)
17 - كتاب الاربعين في الاحاديث الجامعة
18- النوادر والشوارد فى الاصول والقواعد
19 - مجمع الشتات في المسائل المتفرقات
20 - الآيات المستشهدة لولاية آل الرسول(عليهم السلام)
21 - ابحاث مختلفة في الفقه الاسلامي
22 - تفسير الكلمات المعضلة من الايات
23 - منتهى الافكار في الاصول
24 - الملتقطات من المستطرفات
25 - تعليقات منيفة على العروة الوثقى
( من الكتاب )
رقم الصحيفة.... الموضوع
3....( المبحث العاشر ) في تقسيم الواجب الى تعيينى وتخييرى
12....( تذييل ) في امكان التخيير بين الأقل والاكثر وعدمه
13....( المبحث الحادى عشر ) في شرح حقيقة الوجوب الكفانى
17....(المبحث الثاني عشر ) فى عدم اقتضاء الأمر للنهى عن الضد
27...في دفع الاشكال عن ثمرة بحث الاقتضاء
30....( تذييل) فى امكان احراز الملاك باطلاق المادة وعدمه
33....فى توضيح الفرق بين التزاحم والتعارض
39...فى مرجحات باب التزاحم والتعارض
43...فى اقتضاء الأمر بالشيء عدام الأمر بضده
45...في أن التخيير بين الضدين شرعي لا عقلى
47...في بيان ثمرات كون التخيير شرعياً أو عقلياً
49...فى رفع المطاردة بين الخطابين بالضدين
57...تقريب بعض الأساطين و قده ، لجواز الترتيب
63.....فى الاشكال على الترتب والجواب عنه
65....تفصيل بعض الأساطين( قدس سره الشریف) في الترتب
67....الاشكال على الجهر موضع الاخفات بنحو الترتب
69....دفع الاشكال عن الجهر موضع الاخفات
71....جريان الترتب في الواجبين التدريجيين
73....عدم الفرق فى الترتب بين انحاء المضادة
75....الاشكال على جواز الترتب في بعض انحائه
رقم الصحيفة.... الموضوع
77....جريان الترتب في مورد اجتماع الأمر والنهي
79....عدم جريان الترتب في المقدمة المحرمة
85....فى الاستشهاد ببعض الفروع على الترتب
86....( المقصد الثاني في النواهى ) الفصل الأول في شرح مفاد النهى
89....فى البحث عن اجتماع الأمر والنهي في فعل واحد
91....فى أن ظاهر الأمر والنهي هي الفعلية
93....الفرق بين مسألة الاجتماع والنهى فى العبادة
95.... بيان ما أفاده بعض الأساطين في الفرق بين المسألتين
97....فى أنحاء العناوين المتعلق الأمر والنهى
103....فى منع اشتمال الصلاة على الحركتين في الخارج
105...في تحرير محل النزاع في مبحث الاجتماع
109....في ذكر مبانى القول بجواز الاجتماع
115....فى أنحاء العناوين المتعلق الأمر والنهي
117....بيان المدارفي جواز الاجتماع وامتناعه
119....فى بيان ما هو الأساس للقول بالجواز
121....في استدلال استاذ الأساتذة على الامتناع
123....فى دفع ما أورد على استاذ الأساتذة
125....بيان الفائدة للمندوحة في جواز الاجتماع
127....نقل القول فى حقيقة التزاحم والاشكال عليه
128....فى وقوع التزاحم بين ملاكات الأحكام
131...في كشف الملاك بظهور الخطاب
133....بيان الضابط لاجراز التعارض بين الدليلين
رقم الصحيفة ...الموضوع
137....فى عدم اناطة فعلية الحكم بعلم المكلف به
139....كفاية تعدد الجهة في جواز الاجتماع
140....فى أقسام العبادات المكروهة وتوجيه كراهتها
147....في بيان تحقق الامتثال بالمجمع وعدمه
151...انحاء الاضطرار الى التصرف في مال الغير
163...( الفصل الثالث ) فى أن النهى عن الشيء هل يقتضى فساده
167...( المقام الأول فى العبادات )
169...في عدم اقتضاء النهى في العبادة للفساد
171....نخبة الكلام في النهي عن الجزء أو الشرط
175....التحقيق فى ما يترتب على النهي النفسي في العبادة
179...( المقام الثانى فى المعاملات )
181...فى عدم اقتضاء النهى فساد العبادة ولا صحتها
183...في النهى عن أجزاء أسباب المعاملات
185....في تقريب دلالة النهي على الفساد واشكاله
187...( تذنيب ) في البحث حول النهى التشريعي عن الشيء
189....في بيان انحاء النهى التشريعى ولوازمه
191....فى ما يترتب على النهي التشريعي على السراية
194...( المقصد الثالث في المفاهيم )
195...فى أن المفهوم هو انتفاء سنخ الحكم
199...( تنبيه ) في امكان تخصيص المفهوم بجهة خاصة
200...( فصل في مفهوم الشرط)
201....في دليل النافي لمفهوم الشرط والجواب عنه
رقم الصحيفة ...الموضوع
205....فى الكلام حول ما اذا اتحد الشرط والجزاء
207....بيان الأقوال في صحة التداخل وعدمها
209....فى أن تعدد الشرط يقتضى تعدد الجزاء
211....في البحث عن صحة تداخل المسببات
215....( تنبيه ) بحث صغروي حول التداخل فى المسبب
220....( فصل في مفهوم الوصف)
222....( فصل في مفهوم الغاية )
226....( فصل في مفهوم الحصر )
227....( فصل في مفهوم العدد )
227....(المقصد الرابع فى العموم والخصوص )
229....فى أنه لا أصل يقتضى العموم الاستغراقي أو المجموعي
231...فى اشتراك أسماء الأعداد مع صيغ العموم
233.... في بيان الفرق بين الجمع واسم العدد
235....بيان أن العام المخصص لا يكون مجازاً
241...فى أن المراد من القاء العام إعطاء الحجة
242...( فصل ) فى حجية العام المخصص بالنسبة الى الباقى
243...نقل الكلام فى عدم مجازية العام المخصص
246....(فصل ) فى انه هل يسرى اجمال المخصص الى العام أم لا
251...التمسك بالعام في الشبهة المصداقية
259...ادراج الفرد تحت العام بالأصل الأزلى
265....تصحیح جريان استصحاب العدم الأزلى
277...( فصل ) في اشتراط الفحص عن المخصص في العمل بالعام
283...( المقصد الخامس فى المطلق والمقيد )