ghaemiyeh.com
مكتبة الروضة الحيدرية
مزيل اللبس في مسألتي شقّ القمر و ردّ الشمس
تأليف
السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان عفي عنه
سرشناسه: خِرسان، محمد مهدي، 1928 م.
عنوان و پدیدآور: مزيل اللبس في مسألتي شقّ القمر و ردّ الشمس / تأليف محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان.
مشخصات نشر : قم دليل ما ، 1387
مشخصات ظاهری : 552 ص .
شابک: ISBN 978 - 964 - 397 - 383 - 4:
وضعیت فهرست نویسی : فیپا
یادداشت: عربی
موضوع : محمد ، پیامبر اسلام 53 قبل از هج--رت - 11 ق. - معجزات.
موضوع : علی بن ابي طالب ، امام اول 23 قبل از هج--رت - 40 ق . معجزات
موضوع : احادیث خاص (ردّ الشمس).
موضوع : شقّ القمر.
رده بندی کنگره: 1387: 4 م 4 خ/ 6 / 221 BP
رده بندی دیویی: 297/43
شماره کتابشناسی ملی : 1225828
مزيل اللبس في مسألتي شقّ القمر و ردّ الشمس
محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخِرسان
منشورات دليل ما
الطبعة الاولى: 1429 ه.ق - 1387 ه .ش
طبع في: 1500 نسخة
المطبعة: نگارش
السعر مُجلّداً : 7000 توماناً
ردمک 4 - 383-397 - 964 - 978
العنوان ،ایران ،قم، شارع معلم، ساحة روح الله، رقم 65
هاتف و فكس: 7733413 - 7744988( 98251)
صندوق البريد: 1153 - 37135
WWW.Dalilema.com
info@Dalilema.com
مركز التوزيع
الهاتف 7737011 - 7737001
طهران، شارع إنقلاب، شارع فخر رازي، رقم 32 ، منشورات دلیل ما الهاتف 66464141
مشهد، شارع الشهداء، شمالي حديقة النادري، زقاق خوراكیان، بناية گنجینه كتاب التجارية، الطابق الأول، منشورات دلیل ما
الهاتف 5 - 2237113
سرشناسه: خِرسان، محمد مهدي، 1928 م.
عنوان و پدیدآور: مزيل اللبس في مسألتي شقّ القمر و ردّ الشمس / تأليف محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان.
مشخصات نشر : قم دليل ما ، 1387
مشخصات ظاهری : 552 ص .
شابک: ISBN 978 - 964 - 397 - 383 - 4:
وضعیت فهرست نویسی : فیپا
یادداشت: عربی
موضوع : محمد ، پیامبر اسلام 53 قبل از هج--رت - 11 ق. - معجزات.
موضوع : علی بن ابي طالب ، امام اول 23 قبل از هج--رت - 40 ق . معجزات
موضوع : احادیث خاص (ردّ الشمس).
موضوع : شقّ القمر.
رده بندی کنگره: 1387: 4 م 4 خ/ 6 / 221 BP
رده بندی دیویی: 297/43
شماره کتابشناسی ملی : 1225828
بسم الله الرحمن الرحیم
بسم الله الرحمن الرحيم الرحيم
و به نستعين
الحمد لله ربّ العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، و صلواته التامة الدائمة على خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، الأئمة الهداة المهديين الميامين، ورضوانه عن الصحابة المهتدين، و التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، و لعنته الدائمة على المشكّكين بآياته في معجزاته و كراماته لأنبيائه و أوليائه من العالمين .
و بعد
فهذه سطور كتبتها استجابة لحاجة في نفس يعقوب قضاها، ردّاً لعادية المشكّكين في معجزتي النبي الصادق الأمين صلی الله علیه و آله و سلم في مسألتي انشقاق القمر بمكة المكرمة ما قبل الهج--رة تصديقاً لنبوته، ثم ردّ الشمس في المدينة المنورة بعد الهج--رة، بفضل دعائه وكرامة لوصيه و والد خلفائه، ثم من بعد عهده صلی الله علیه و آله و سلم ردّت الشمس مرة ثانية، لابن عمه أمير المؤمنين علیه السلام ، و هي تعد في ردّها ثانية أيضاً معجزة للنبي صلی الله علیه و آله و سلم ، لأنّها بفضل دعاء وصيّه، فهي كرامة له كما معجزة لابن عمّه فيها تحقيق وصايته ما دامت علاقة التضايف بينهما - ما زالت و لم تزل و لن تزال - قائمة .
فعليّ علیه السلام هو نفس رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم و بحكم آية المباهلة فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّه عَلَى الْكَاذِبِينَ. (1)و على علیه السلام من النبي صلی الله علیه و آله و سلم والنبي صلی الله علیه و آله و سلم من على علیه السلام بحكم قول رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : «علي مني وأنا منه، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي»(2)
و عليّ علیه السلام من النبي صلی الله علیه و آله و سلم والنبي صلی الله علیه و آله و سلم من علیّ علیه السلام و جبرئيل علیه السلام منهما كما في حديث وقعة أحد حين قتل علیّ علیه السلام أصحاب الألوية فقال جبرئيل علیه السلام : يا محمد إنّ هذه هي المواساة، فقال صلی الله علیه و آله و سلم له : إنه مني وأنا منه، قال جبرئيل علیه السلام : وأنا منكما يا رسول الله»(3).
وعلیّ علیه السلام من النبي صلی الله علیه و آله و سلم و النبي منه بحكم قوله صلی الله علیه و آله و سلم علي البريدة وقد جاء يشتكيه فقال: «يا بريده لا تقع في علي علي منّي وأنا منه، وهو وليكم بعدي»(4).
و حيث انّ المعجزات تثيرها التحدّيات و هذا ما سيأتي الحديث عنه في مجاله إن شاء الله تعالى، وحيث أنّ المشركين الأوائل لم يذعنوا بالتصديق في مسألة شقّ القمر، فكذلك المشككين الأواخر من الزوامل خالفهم التوفيق وما حالفهم، فكانوا بئس
1) راجع كتاب علي إمام البررة 1 : 425 ستجد من المصادر أكثر من مائة مصدر كلها من التراث السني، فما بالك بالتراث الشيعي
2) راجع نفس المصدر :2 80 - 95 ستجد موارد الحديث سبعة، وتجد مصادر أكثر من ثمانين كلها من التراث السني، من بينها صحيح البخاري وصحيح مسلم، وصحيح ابن حبان، ومسند أحمد، وسنن الترمذي، وسنن ابن ماجة وغيرها فراجع واغتنم .
3) نفس المصدر الثاني .
4) نفس المصدر الثاني
الخلف لأولئك السلف، فهم كالذين آمنوا ببعض الكتاب و كفروا ببعضه، فلئن اعترفوا للنبى صلی الله علیه و آله و سلم بالنبوة لكنّهم لم يذعنوا للوصى بالكرامة فضلاً عن المعجزة-، و هؤلاء هم نفس النواصب الشمس، الذين إن صدقوا بشقّ القمر غير أنّهم أبوا التصديق بردّ الشمس.
و لم يكتفوا بذلك بل أثاروا الشبهات والشكوك بغير حجة مقبولة، بل هي أفائك مرذولة، وما ذلك إلّا لأنّها - مسألة ردّ الشمس في المرتين - تعدّ من جملة الكرامات التي تعلن بفضل الإمام أمير المؤمنين علیه السلام و كرامته على الله سبحانه، و هذا ما يسخن عيون النُصّاب، فأثاروا الشك و الإرتياب لدى الأغرار و الأعراب، و لفّوا الفضيلة بالتعتيم و الضباب، و ما دروا أنّ الشمس تبقى منيرةً و إن جلّلها السحاب .
فرأيت أنّ الواجب عليَّ بيان ما سنحت به الفرصة من عرض يكشف عن أولئك النفر و ما عندهم من أوهام، ما زالت تخفى الإجابة عليها عند العوام، بالرغم من كثرة ما كتبه الأعلام و دبّجته الأقلام فلعلّ و عسى أن أكون في كتابة هذه السطور ممّن يهدي به الله رجلاً واحداً فذلك، خير لي مما طلعت عليه الشمس وغربت كما هو مضمون الحديث النبوي الشريف(1)، فإن وفّقت في ذلك و أصبت فهو أقصى المنى، و إن تكن الأخرى فذلك مبلغ علمي، و فوق كل ذي علم عليم، و الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، و ما توفيقي إلا بالله عليه توكّلت و إليه أنيب، فإنّه نعم المجيب و المثيب.
1) الكافي ،5 : 28 ، التهذيب 6 : 141 ، مجمع البيان 2 : 75 .
وما يزال البحث يستدعي مزيداً من التفكير و مزيداً من العمل لأنّه أكبر من هذا الجهد المتواضع مهما بذلت فيه من مجهود، و إنّما هو محاولة جادة عسى أن تكون بذرة تثمر يانعاً نافعاً، من جهد الآخرين ممن وهبهم الله تعالى عقلاً كاملاً ولبّاً راجحاً، فإنّ الحياة بخير ما دام التعاون يعمر مجالاتها مع بذل الجهد و حسن النية و الإخلاص في العمل . و الله ولي التوفيق.
شهر ربيع الأول سنة 1425ه--
الراجي عفو المنان
محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخِرسان
عفي عنه
ولقد رتّبتُ مطالب هذه الرسالة على النحو التالي:
تمهيد، ثم ثلاثة أبواب، ثم الخاتمة مسك الختام، و سوف أستعرض بعون الله سبحانه و تعالى الأبحاث التالية:
أبحث في التمهيد عن معرفة الشمس و القمر من خلال آي الذكر الحكيم، و انهما من الآيات اللاتي تتغير عن مسارها ومدارها، ويجريان مجرى سائر الآيات في خضوعهما لخرق القوانين الطبيعية الكونية بإرادة الخالق المُبدئ و المُعيد .
و أبحث في الباب الأول: ذكر المنكرين للمعجزتين - انشقاق القمر و ردّ الشمس مرّتين - من خلال ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في معرفة هُوِيَّةِ المنكرين، وذلك من خلال ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في أسماء المنكرين للمعجزات جملةً و تفصيلاً، إلّا القرآن المجيد . المبحث الثاني: في أسماء المنكرين لمعجزة شقّ القمر من الأولين والآخرين وماذا عندهم؟
المبحث الثالث: في أسماء المنكرين لمعجزة ردّ الشمس من خلال مسألتين:
المسألة الأولى في أسماء المنكرين لردها على العهد النبوي الشريف .
المسألة الثانية في أسماء المنكرين لردها على العهد العلوي المنيف .
الفصل الثاني: و فيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول في معنى الإعجاز و ما هي المعجزة ؟
المبحث الثاني: ما هو الفرق بين المعجزة و بين الكرامة ؟
المبحث الثالث: في هل السحر و الشعبذة يساوقان الإعجاز ؟
الفصل الثالث: في إمكانية خرق القوانين الطبيعية الكونية، و الشواهد على ذلك دون أن يلحق بالكون الفساد.
وأبحث في الباب الثاني: في إثبات معجزة انشقاق القمر من خلال دليل الإثبات برواية الأثبات .
وأبحث في الباب الثالث المسائل التالية:
أولاً ماذا عن ردّ الشمس امكاناً ؟
ثانياً ماذا عن ردّ الشمس وقوعاً في الأمم السالفة ؟
ثالثاً الأوصياء الثلاثة الذين ردت لهم الشمس
الأول: سليمان بن داود وصي أبيه داود علیهما السلام
الثاني يوشع بن نون وصي موسى عالم علیهم السلام
الثالث على بن أبي طالب وصى محمد صلوات الله عليهما و آلهما و سلم، و قد ردّت له علیه السلام مرَّتين .
المرّة الأولى: بالصهباء في العهد النبوي الشريف، ونبحث هناك المسائل التالية:
المسألة الأولى: من روى ذلك من الصحابة.
المسألة الثانية: هل انّ ابن عباس روى حديث ردّ الشمس.
المسألة الثالثة: تلون أبي هريرة في روايته حديث ردّ الشمس.
المسألة الرابعة : من هم نفاة الحديث، و ماذا قالوا ؟
المسألة الخامسة : تصحيح الحديث لدى المحدثين.
المسألة السادسة: المؤلفون في الحديث.
المسألة السابعة: مصادر الحديث في التراث الإسلامي الشيعي و السنّي.
المسألة الثامنة: أهازيج الشعراء منذ القرون الأولى .
المرة الثانية: ببابل بعد العهد النبوي الشريف، و نبحث المسائل التالية:
المسألة الأولى: من ذكره من علماء الإسلام .
المسألة الثانية: زيغ البخاري في الجامع الصحيح عن التصريح مع ذكره الحديث بالتلميح ؟
المسألة الثالثة : مسجد الشمس في بابل - الحلة - معلم قائم و شاهد .
المسألة الرابعة : في شواهد شعرية لهذه المرّة.
وأذكر في الخاتمة مطارفة أدبية بين عالِمَينِ عَلمين شيعيّ وسنّي حول معجزة ردّ الشمس للإمام ببابل، جديرة بأن تكون هي مسك الختام، نسأل الله تعالى التوفيق لبلوغ المرام بالتمام .
خير بداية أستفتح بها رسالتي في البحث حول مسألتي انشقاق القمر وردّ الشمس، هي الآيات القرآنية التي تعرّفنا بالشمس والقمر معرفة تقرّبنا من إدراك معنى الإعجاز المتعلّق بهما، و أنّها كسائر آيات الله سبحانه و تعالى و ما أكثرها : وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ. (1)
لقد ورد ذكرهما في أكثر من عشرين آية في القرآن المجيد مجتمعين و منفردين، كلها دالة على الخالق البارئ المصوّر و هو المبدئ و المعيد .
و من تفكّر في عظيم المخلوقات استبصر فهماً و علماً في عظمة الخالق جل اسمه وعظم شأنه، و أنّه القادر على كل شيء، وسأتلو بعض تلكم الآيات التي ذكر فيها الشمس و القمر أو أحدهما في دلالتها على تغير مجراهما و مدار هما، مشفوعة بشذرات نبوية و نفحات إمامية فيما يوضح المرام، و يعيننا على فهم ذلك في المقام، فكم للرسول الكريم صلی الله علیه وآله و سلم من غرر الحكم و درر الكلم، و للإمام علیه السلام في نهج-- البلاغة مما نستوحي منه معاني القرآن، و لا عجب فهما مع القرآن والقرآن معهما كما في الحديث النبوي الشريف بالنسبة للإمام علیه السلام (2)، و الآن إلى تلاوة بعض تلكم الآيات البينات .
1- فقد قال سبحانه و تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِهِ أَنَ آنَهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ
1- قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحیيِ وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(1) 2 - و قال سبحانه وتعالى في حديث إبراهيم علیه السلام و بدء إظهار دعوته إلى توحيد الله تعالى: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَءَا كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْأَفِلِينَ * فَلَمَّا رَءَا الْقَمَرَ بَازِعاً قَالَ هَذَا رَبِّ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّ لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةِ قَالَ هَذَا رَبِّ هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمٍ إِنِّي بَرِيءٌ ممَّا تُشْرِكُونَ * إِنّي وَجَّهَتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ(2)
3- وقال سبحانه و تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلا بالحقِّ يُفَصِّلُ الآيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(3).
4 - و قال سبحانه و تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمّى يُدَبِرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الأَبَتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ(4)
5- وقال سبحانه و تعالى: وَءَايَةٌ هُمُ الَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ * وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لمُسْتَقَرٍّ لَّها ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَ كُلُّ فِي
فَلَكٍ يَسْبَحُونَ(1) 6- وقال سبحانه وتعالى: وَمِنْ ءَايَتِهِ الَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلقَمَرِ وَ اسْجُدُوا للهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (2)
-7- وقال سبحانه وتعالى: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَ جَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَ قَمَراً منيراً (3)
8- وقال سبحانه وتعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِن يَرَوْا ءَايَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ(4).
9- وقال سبحانه وتعالى: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجا (5)
10 - وقال سبحانه وتعالى: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (6)
هذه عشر آيات كريمات من القرآن المجيد تضمّنت تعريف الإنسان بوحدانيّة الخالق البارئ المصور من خلال بعض مخلوقاته التي تجلّت فيها عظمة قدرته و بليغ صنعه، فجلّت الآؤه و عظمت نعماؤه .
وكانت الشمس والقمر من جملة تلكم المخلوقات اللاتي تخضع في مجراها و مرساها لحكم الواحد القدير ، حتى في خرق القوانين الطبيعية الكونية كما يحسبها الإنسان، فإنّ الله سبحانه بقدرته يغيّر ما يشاء كيف يشاء إذا اقتضت الحكمة الإلهية ذلك، لغاية من الغايات، و لله خرق العادات، كإظهار معجزة أو كرامة لنبي من أنبيائه أو ولي من أوليائه، أو تخويفاً لأعدائه إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ(1)
وقال سبحانه وتعالى: وَمَا مَنَعَنَا أَن نُرْسِلَ بِالأَيْتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالأَیَتِ إِلا تخويفاً(2).
و قال سبحانه وتعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعاً وَ يُنشئ السَّحَابَ الثَّقَالَ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَ الْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَ هُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّه وَ هُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (3)
فالشمس و القمر من بعض آيات الله سبحانه و تعالى، وما يجري فيها وعليهما إنما هو بأمر الله تعالى، فالكسوف للشمس، و الخسوف للقمر ، لا يحدثان لموت أحد و لا لحياته و لا يدلّان على سوء التقدير أو التدبير إلا بتقدير اللطيف الخبير، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم و قد صلي بالناس صلاة الكسوف و قد أطال في صلاته ثم انصرف وقد تجلّت الشمس فقال: «إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله ...» (4)
و قال أمير المؤمنين علیه السلام في خطبة الأشباح «جعل شمسها آيةً مبصرةً لنهارها،
وقمرها آيةً ممحوّةً من ليلها، فأجراهما في مناقل مجراهما، و قدّر سيرهما في مدارج درَجَها، ليُميّز بين الليل والنهار بهما، و ليعلم عدد السنين والحساب بمقاديرهما »(1)
و قال أيضاً عنهما: «والشمس والقمر دائبان في مرضاته..»(2)
إلى غير ذلك من أقواله علیه السلام في نهج-- البلاغة و غيره .
ومن نافلة القول الإطالة في إثبات وحدانية الخالق وتصرفه في مخلوقاته كيف يشاء، و الشمس والقمر من بعض آياته كما قال أبو العتاهية في مشهور أبياته (3):
فوا عجباً كيف يُعصى الإله *** أم كيف يجحدهُ الجاحد؟
و الله في كل تحريكة *** و في كل تسكينة شاهد
و في كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد
1) نهج-- البلاغة شرح محمد عبده 1: 166
2) نفس المصدر ا: 158
3) تاريخ مدينة دمشق 13: 453 ، وشرح نهج-- البلاغة لابن أبي الحديد 2 338، وتاج العروس 9: 298 (عته)، والكنى والألقاب للقمي 1 : 121 في ترجمة أبي العتاهية، غير أن ابن كثير في تفسير ه 1 : 26 في تفسير قوله تعالى: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) في الفاتحة نسب الأول والثالث إلى ابن المعتز، و الصحيح لأبي العتاهية، فالشعر بسلوكه أشبه، و لم يكن ابن المعتز في الشعر أنبه
الباب الاوّل
في ذكر المنكرين للمعجزتين:
انشقاق القمر و ردّ الشمس مرّتين
في ذكر المنكرين للمعجزتين: انشقاق القمر و ردّ الشمس مرتين والكلام في ذلك من خلال ثلاثة فصول:
إذ لا يخفى أنّ مسألتي شقّ القمر و ردّ الشمس هما آيتان من واد واحد - كما يقولون - يشتركان في جهة الإعجاز بفعل خرق القوانين الطبيعية الكونيّة، و إن لم يكن التحدّي مروياً فيهما معاً، فقد رويَ ذلك في شقّ القمر، و لم يُروَ في ردّ الشمس، على ان التحدي ليس شرطاً إجماعياً في صدور المعجزة كما سيأتي بيانه . و مهما يكن فقد كان موقف المسلمين قديماً و حديثاً من هاتين الآيتين مختلفاً، شأنهم في كثير من المسائل العقائدية و الفقهية بل و حتى التاريخية .
فثمة من ينفي فينكر وقوع المعجزات إلا القرآن، ومنهم أنكر آية شقّ القمر، و منهم من ينفي ردّ الشمس كذلك، على تباين في وجهات النظر عندَ النافين المنكرين المستكبرين، و لابدّ لنا من كشف حالِهم و مقالِهم و ردّ مزاعمهم التي تشار بين حين و آخر، لزرع الشك والارتياب في صحة وقوع الآيتين في قلوب السذّج من الناشئة الذين لم يستضيئوا بنورالعلم.
ولا شك إنّ لكل ساقطة لاقطة، فلا مناصَ لنا من عرض آراء النافين و مناقشتها بما يسع المقام لكشف الرين عن قلوب الناشئة، إذ لا شك في الآيتين عند من محض الإيمان في قلبه، و رأى فيها من التكريم ما يفرض عليه التسليم
أما أولئك الذين في قلوبهم مرض فلهم آراؤهم، و علينا أن نعرضها إجمالاً بعد معرفة هُوِيَّةِ أولئك المنكرين المستكبرين الذين جعلوا القرآن عضين ليعرفهم القارئ.
و فیه ثلاثة مباحث:
لا بُدّ لنا - ما دمنا مسلمين مؤمنين صادقين في إيماننا، و محقّين في دعوتنا، و واثقين من أنفسنا – من وقفة إعلام جادّ وصادق نكشف بها زيف طائفة من المسلمين المخدوعين بأوهام المبشرين، الذين موّهوا عليهم بأنّ خرق القوانين والعادات ليس من العلم في شيء، و استغفلوهم عمّا يُراد لهم من سوء في عقائدهم، فغرّروا بهم باسم سلطان العقل، و تحكيم العقل، و هي كلمة حقٍ أريد بها باطل، أو أسيء فهمها .
فهم على حذر من المعجزات، و يميلون إلى عدم قبولها، فمنهم النظام، و الجاحظ، و هشام بن عمرو الفوطي، وهؤلاء كلهم من المعتزلة و قد أنكروا معجزة شقّ القمر، و سيأتي الحديث عنهم في الباب الثاني .
و المعتزلة لهم مواقف مقبولة، وعند بعضهم مقالات مرذولة و لكن، هلّم الخطب في بعض كتّاب العصر وليتهم كالمعتزلة، ولم يكونوا مهزلة، لقد تبعوا في مواقفهم ما وفد به عليهم الغزو الثقافي، فشايعوا من حيث لا يعلمون أعداء دينهم، بحجج موهومة واهية لقد ذهب جلّ المنكرين لوقوع المعجزات من النبي صلی الله علیه و آله و سلم غير القرآن الكريم متمسكين بأن النبي صلی الله علیه و آله و سلم لم يصح له أيّ معجزة غير القرآن الذي أذعن المشركون من قريش وغيرهم بأنّه معجزة، حيث تحدّاهم بأن يأتوا بسورة من مثله فلم يستطيعوا، و لست في مقام بيان إعجاز القرآن، وهذا ما اختلف فيه من المسلمين اثنان.
إلا إنّي أحببت أن أنبه على أنّ أقصى ما عند المنكرين من حجة في ذلك، أن قالوا: إنّ المعجزة لو أتى بها متحدّياً لوجب أن تأتي ثمارها من إيمان مَن تحدّاهم، خصوصاً إذا كانوا هم طلبوا منه تلك المعجزة، ولم يُحدّث التاريخ عن موقف واحد استجابوا له فيه، بل على العكس فقد حدثهم بمعجزة الإسراء والمعراج فرجع بعض من آمن به.
وجواب النقض بأنّ الوليد بن المغيرة من زعماء المشركين كان يسمع آيات الله ثم يولي مستكبراً، و مات على شِركِه لعنه الله، و كم له من شبيه.
و أما الردّ عليهم في غير النقض، فإسلام خلق من الناس عظيم يوم أخبر صلی الله علیه و آله و سلم بأكل الاُرضة ما في صحيفة المقاطعة إلا مواضع بسم الله عزّ و جل (1)، ثم إنّ القرآن الكريم و هم أقروا بأنه المعجزة الخالدة، جعل السبب في عدم استجابتهم لله في ذلك، لا لأنّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم لم يستجب لهم أو لم تصدر منه معجزة تبهرهم، بل لأنّهم كانوا يطالبون بالآيات كفراً و عناداً وإمعاناً في الاستهزاء بالنبي صلی الله علیه و آله و سلم كما هو واضح في أسلوب طلبهم ونوع مطالبهم.
فالقرآن حكى عنهم حالهم بقوله تعالى: وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلاهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهُ وَ الْمَلائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِیِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّی هَلْ كُنتُ إِلا بَشَرًا رَسُولا(2)
و لو علم الله عز و جل فيهم خيراً لأجابهم إلى جميع ما طلبوا، و لكنّهم كما وصفهم تعالى في آية أُخرى، و هي قوله: وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنْ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا
﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (1) وشواهد هذا ما حدث في معجزة تكثير الطعام في بدء الدعوة مثلاً، فقال أبو لهب : سحركم محمد، و في معجزة انشقاق القمرأيضاً قالوا سحركم محمد و هكذا و هكذا، وقد حكى تعالى قولهم: وَ قَالُوا مَهُمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. (2)و قال تعالى: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (3)و قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ) (4)
و لقد ولع بعض الباحثين عن حياة الرسول الكريم صلی الله علیه و آله و سلم ، فصوّروه بإطناب كبشر عادي، و أكثروا من الاستشهاد بآيات تنفي الغلو فيه، نحو قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ (5)و يكثرون من الاستشهاد بمثل قوله تعالى: إِنّما الآياتُ عِنْدَ الله (6). و نحو ذلك ثم هم وصفوه بالعبقرية، و بالبطولة، و بالقائد، حتى أكثروا من إصدار الكتب عنه بتلك الأسماء ( عبقرية محمد) و (محمد القائد) و (محمد البطل ) و أمثالها.
وهذه كلها مما لا ينبغي أن تحلّ محلّ وصف محمد النبي و الرسول، وما ذلك منهم إلا لاستبعاده عن حقائق النبوة و آيات الوحي، و دلالة المعجزة الخارقة على صدقه والآية في تصديقه، فهم قلدوا المستشرقين الذين كادوا المسلمين من حيث لا يشعرون مثل جوستاف
لوبون و غولدزيهر و لامنس وغيرهم ممّن سمّموا أفكار طائفة من أناس تربّوا في مدارسهم، فكان من سوء حظهم أن صاروا ببغاوات يرددون ما يتلى عليهم، وقد خدعوا بزبرجة الألفاظ و بهرجة الألقاب في عصر النهضة العلمية، حيث هبّت رياح الغرب في الشرق. فكان من أُولئك المخدوعين في مصر - و منها انتشرت السموم فهي مباءة الفساد باسم الثقافة العصرية - وفي بلاد الشام و غيرها طائفة من الكتاب، نذكر منهم على سبيل المثال محمد حسين هيكل في كتابه (حياة محمد) ومحمد الغزالي في كتابه (فقه السيرة) و محمد جميل بيهم في كتابه (فلسفة تاريخ محمد) فهؤلاء ناقشوا صدور الآيات و المعجزات للنبي صلی الله علیه و آله و سلم إلا القرآن، فألحقوا باقي المعجزات بالأساطير، و ما ذلك إلا لضعف إيمانهم بالدين، حتى سمى لهم شبلي شمّيل: الإيمان بالدين إيماناً بالمعجزة المستحيلة (1)، وأمثال هؤلاء في كتاب المسلمين كثار و عُثار .
و من الواضح انّ إنكارهم للمعجزات الخارقة الثابتة بالنقل المتواتر، دليل على عدم إيمانهم الكامل بمعنى النبوة انتي هي من المعاني الغيبية التي لا تخضع للمقاييس المحسوسة، و لا تثبت لمدعيها من دون إعجاز خارق ، فإنكار المعجزات الخارقة هو هدم لمعنى النبوة وسلبها عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم، وقد تهربوا من وبال النتيجة، فصاروا يصفونه بالعبقرية وبالذكاء الحادّ وقوة الإرادة ...
وإلى القارئ ما قاله أحدهم وهو محمد حسين هيكل في كتابه (حياة محمد) فهو في مقدمته للطبعة الثانية كشف عن مدى النقد اللاذع الذي لاقاه في طبعة كتابه الأولى، و ها هو في مقدمة الطبعة الثانية يترنح مبهوراً بمن ناصره على رأيه في إنكار المعجزات الخارقة، و أن ليس غير القرآن من معجزة للرسول صلی الله علیه و آله و سلم، وسمى الشيخ محمد رشيد رضا تلميذ محمد
1) ذكر ذلك في مقدمته لتعريب كتاب (بوكنز) في شرح مذهب داروين عن نظرية النشوء والإرتقاء.
عبده وآخرين ممن لا أطيل المقام بذكرهم .
فإلى ما قاله هيكل في كتابه (حياة محمد) قال: في صفحة 54 من تقديم الطبعة الثانية: «ولو أنّنا عرضنا كثيراً من الأمور التي ترويها كتب السيرة وكتب الحديث على ما في القرآن لما وسعنا إلا أن نأخذ برأي الأئمة المدقّقين .
فقد كان أهل مكة يطلبون إلى النبي أن يجري ربّه على يديه المعجزات إذا أرادهم أن يصدّقوه، فنزل القرآن يذكر ما طلبوا و يدفعه بحجج مختلفة، قال تعالى: وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهَ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِبِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّی هَلْ كُنتُ إِلا بَشَرًا رَسُولا(1)
وقال تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهَ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللهَ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمْ الْمُوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (2)ولم يرد في كتاب الله ذكر لمعجزة أراد الله بها أن يؤمن الناس كافة على اختلاف عصورهم برسالة محمد إلّا القرآن الكريم.
هذا مع أنه ذكر المعجزات التي جرت بإذن الله على أيدي من سبق محمداً من الرسل،
كما أنه جرى بالكثير ممّا أفاء الله على محمد و ما وجّه إليه الخطاب فيه، و ما ورد في الكتاب عن النبي العربي لا يخالف سنة الكون في شيء .
أمّا و ذلك ما يجري به كتاب الله وما يقتضيه حديث رسول الله، فأيّ داع دعا طائفة من المسلمين فيما مضى، و يدعو طائفة منهم اليوم إلى إثبات خوارق مادية للنبي العربي ؟ إنّما دعاهم إلى ذلك أنهم تلوا ما جاء في القرآن عن معجزات من سبق محمداً من الرسل، فاعتقدوا أنّ هذا النوع من الخوارق المادية لازم لكمال الرسالة فصدّقوا ما روي منها و إن لم يرد في القرآن، و ظنّوا أنّها كلما ازداد عددها كانت أدلّ على هذا الكمال، و ادّعى أن يزداد الناس إيماناً، و مقارنة النبي العربي بمن سبقه من الرسل مقارنة مع الفارق، فهو خاتم الأنبياء و المرسلين، و هو مع ذلك أول رسول بعثه الله للناس كافة، و لم يبعثه إلى قومه وحدهم ليبيّن لهم .
لذلك أراد الله أن تكون معجزة محمد معجزة إنسانية عقلية، لا يستطيع الإنس و الجن الإتيان بمثلها و لو كان بعضهم لبعض ظهيراً .
هذه المعجزة هي القرآن وهي أكبر المعجزات التي أذن الله بها، وقد أراد جل شأنه منها أن تثبت رسالة نبيه بالحجة البينة والدليل الدامغ، وأراد لدينه أن ينتصر بفضل منه في حياة رسوله، ليرى الناس في انتصاره قوة سلطانه، ولو أراد الله أن تكون المعجزة المادية وسيلة إلى إقناع من نزل الإسلام على رسوله بينهم لكانت و لذكرها في كتابه . لكن من الناس من لا يصدّقون إلا ما يقرّه العقل لذلك كانت الوسيلة إلى إقناع الناس كافّة برسالة محمد أوثق ما تكون اتصالاً بقلوبهم و عقولهم، فجعل القرآن، حجته البالغة، معجزة النبي الاُمّي إليهم، وجعل انتصار دينه
و قوة الإيمان به آيتين من طريق الدليل اليقيني و الإقناع الصادق، و الدين الذي يقوم على هذا الأساس أدعى إلى أن يؤمن الناس جميعاً به على كرّ العصور، واختلاف الأمم و تباين اللغات».
و قال في صفحة 56: «و إن كتب السيرة جميعاً لتذكر أنّ طائفة من الذين آمنوا برسالة محمد قبل الإسراء، قد ارتدّت عن إيمانها حين ذكر النبي أنّ الله أسرى به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله . ولم يؤمن سراقة بن مالك بن جعشم لما تبع محمداً حين هج--رته إلى المدينة ليأتي أهل مكة به حياً أو ميتاً طمعاً في مالهم، على رغم ما روت كتب السيرة من معجزة الله في سراقة و في جواده، ولم يذكر لنا التاريخ أن مشركاً آمن برسالة محمد المعجزة من المعجزات كما آمن سحرة فرعون لما لقفت عصا موسى ما صنعوا.
ثم أنّ ما ورد في كتب السيرة والحديث عن المعجزات قد اختلف فيه أحياناً، و قد كان على الرغم من ثبوته في كتب الحديث موضع النقد أحيانا اُخرى، و قد أشرنا إلى مسألة الغرانيق في هذا التقديم و ذكرناها مفصلة في الكتاب، و قصة شق الصدر قد وقع فيها الخلاف على ما روته حليمة ظئر النبي لأمه، كما وقع على الزمن الذي حدثت فيه من سن النبي، و ما روت كتب السيرة وكتب الحديث عن قصة زيد و زينب مردود من أساسه للأسباب التي أبديناها عند الكلام عن هذه القصة أثناء الكتاب .
وقد وقع مثل هذا الخلاف على ما حدث في هذا مسيرة جيش العسرة إلى تبوك، فقد روى مسلم في صحيحه عن معاذ بن جبل أنّ النبي قال لمن سار معه إلى تبوك: «إنّكم ستأتون إن شاء الله غداً عين تبوك، وإنّكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئاً حتى آتي، فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان والعين مثل الشراك تبضّ بشيء من ماء، قال: فسألها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم هل مسستما من مائها شيئاً ؟ قالا : نعم،
فسبّهما النبي صلی الله علیه و آله و سلم و قال لهما : ما شاء الله أن يقول، قال: ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلاً قليلاً حتى اجتمع في شيء . قال : و غسل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فيه يديه ووجهه ثم أعاده فيها فجرت العين بماء منهمر - أو قال غزير، شك أبو علي أيّهما قال - حتى استقى الناس، ثم قال يُوشك يا معاذ إن طالت بكَ حياةٌ أن ترى ما ها هنا قد ملىء جناناً»(1).
فأما كتب السيرة فتروي قصة تبوك على صورة أخرى لا يرد فيها ذكر المعجزة، و إنّما تجري فيها الرواية على نحو غير ما ورد في صحيح مسلم ، من ذلك ما رواه عنها ابن هشام إذ قال: قال ابن إسحاق : فلما أصبح الناس ولا ماء معهم شَكَوا إلى رسول الله ، فدعا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فأرسل الله سبحانه السحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء.
قال ابن إسحاق : فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رجال من بني عبد الأشهل قال: قلت لمحمود : هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم ؟ قال : نعم ! والله إن كان الرجل ليعرفه من أخيه و من أبيه ومن عمه و في عشيرته ثم يلبس بعضهم بعضاً على ذلك، ثم قال محمود: لقد أخبرني رجال من قومي عن رجل من المنافقين معروف نفاقه كان يسير مع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم حيث سار، فلما كان من أمر الماء بالحجر ما كان و دعا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم حين دعا فأرسل الله السحابة فأمطرت حتى تروّى الناس قالوا أقبلنا عليه نقول : ويحك ؟ هل بعد هذا شيء ؟ قال: سحابة مارّة .
وهذا الاختلاف على الوقائع يجعل تأكيدها والقطع بها أمراً غير ميسور في نظر العلم، و يقتضي من الذين يمحّصونها ألّا يقفوا عند القول الراجح والمرجوح وقوفاً لا يثبت إحدى الروايتين ولا ينفي الأخرى، وأقل ما يجب عليهم إذا لم تثبت الرواية عندهم أن
1) راجع صحیح مسلم 7: 60 ط صبيح
يُغفلوها . فإذا عثر غيرهم من بعد على الأدلة اليقينية عليها فذاك، وإلا بقيت غير ثابتة ثبوتاً علميا».
هذا ما قاله في كتابه ( حياة محمد ) الطبعة الثانية سنة 1354 هج----، ونترك للقارئ حكمه عليه، ولا يفوتني التنبيه على تغيير مواقفه في طبعتي كتابه(1)، و لم يكن وحيد عصره ولا فرید دهره في رأيه في المعجزات الخارقة للعادات، بل هناك آخرون سابقون عليه و لاحقون له ولكل ساقطة لاقطة، و ذكرنا اسم رشيد رضا صاحب المنار .
و نضيف محمداً الغزالي حيث ذهب في كتابه فقه السيرة(2)إلى نفي وقوع ذلك، راجع ما كتبه بعنوان (النبي وخوارق العادات) فقد جاء فيه: « جرت حياة الرسول عليه الصلاة و السلام - الخاصة والعامة – على قوانين الكون المعتادة، فلم تخرج - في جملتها - عن هذه السنن القائمة الدائمة ... و من المحققين من يرى أنّ القرآن هو المعجزة الفريدة لرسول الله عليه الصلاة والسلام، و هم يلحظون في هذا الحكم التعريف اللفظي للمعجزة من أنّها خارق للعادة مقرون بالتحدّي، ولم يعرف هذا التحدّي إلّا بالقرآن، و قد ملنا إلى قريب من هذا الرأي لا
1) لاحظ صفحة 104 من الطبعة الأولى تجده ذكر حديث بدء الدعوة (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) فذكر قول النبي : .... فأتيكم يوازرني على هذا الأمر وأن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟: فأعرضوا عنه وهموا بتركه، لكن علياً نهض وما يزال صبياً دون الحلم وقال: أنا يا رسول الله عونك، أنا حرب على من حاربت .... فإنّه أسقط من الحديث أولاً ما فرع به رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه من قوله لعلي: فأنت أخي ووصيي ووارثي، ثم نسب إلى أمير المؤمنين الا لا ثانياً أنه قال: أنا يا رسول الله عونك أنا حرب على من حاربت، وهذا ما لم يقله أمير المؤمنين علیه السلام ، بل الذي قاله كما في تاريخ الطبري وغيره: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبته وقال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فأسمعوا له وأطيعوا . وهذا ما حذفه في الطبعة الثانية في سنة 1354 هج--- في صفحة ،139 ، ولعله لو طبعه ثالثة لغير وبدل بما شاء له الهوى وأملاه عليه الموروث .
2) فقه السيرة : 34 ط دار الكتاب العربي سنة 1372
بالنظر إلى التعريف اللفظي للمعجزة، بل بالنظر إلى القيمة الذاتية للخوارق الأُخرى بالنسبة إلى الأهداف الرفيعة التي جاء بها الإسلام، على أنّه لا صلة للعقيدة ولا للعمل بهذه البحوث، فالرجل الفاسد لا يغفر له فساده إيمانه بأنّ الرسول عليه الصلاة والسلام أظلته غمامة، أو كلّمه جماد، و الرجل الصالح لا يغمز مكانته إنكاره لهذه الخوارق ... فإن هذه البحوث ترجع إلى التقدير العلمي لأدلّة الأبحاث، و التقويم المحض لما في الوقائع نفسها من معان، و ليس للخطأ و الصواب فيها مساس بإيمان ...» إلى غير ذلك ممّا قاله بحجة و بغير حجة.
ونحن لا نقول بأنّ الإيمان بصدور المعجزات هو ميزان الثواب و العقاب، بل نقول بأن تكذيب صدورها من النبي صلی الله علیه و آله و سلم يستلزم تكذيبه فيما جاء به وأخبر عنه من غيب علّمه اللطيف الخبير .
وأعطف عليهم محمد جميل بيهم في كتابه (فلسفة تاريخ محمد) و لم يذكر مكان الطبع و أحسبه في بيروت، فقد ابتدأ الفصل الثاني عشر بعنوانه : على أي شيء قام دين محمد ؟
فقال:
«يخيّل لفئة من المسلمين أنّ الفوز الذي أحرزه النبي في معركة النضال ضد المشركين يعود إلى ما أجراه الله على يديه من المعجزات، و إنّ هذه المعجزات كان لها شأن، و أيّ شأن، في إقبال الناس على الإيمان برسالته ... و نحن نعالج هنا هذا الموضوع لنثبت أنّ الإسلام لم يقم على المعجزات ... » هل قام الإسلام على المعجزات ؟ عنوان جاء فيه:
«تحيط بالأنبياء و الرسل هالة من التعظيم مشفوعة بالمحبة، درج المؤمنون بهم على تزويدها بمقدار كبير من أنباء المعجزات يتفق مع تعظيمهم لهم و محبتهم، و كان بعض رجال الإيمان يجيزون لأنفسهم الأخذ بذلك التزويق بغية حمل الناس على الإيمان بذويهم
من أصحاب الرسالة، على اعتبار أن الغاية تبرّر الواسطة، و استناداً إلى علمهم بأنّ عامة الشعوب هم كالأطفال يستطيبون السير بقدر ما فيها من عجائب و غرائب.
وقد اقتبس بعض المسلمين هذه الطريقة حينما تناول الأعاجم منهم تدوين التاريخ، ذلك بأنّ فريقاً من هؤلاء كانوا يشتهون أن لا تبقى سيرة النبي مجرّدة عن الخوارق والمعجزات التي تحفل بها سيرَ أنبيائهم في أديانهم السابقة، فراحوا ينسبون لمحمد معجزات لم يرد ذكرها في القرآن، و لم يشر إليها الحديث . و على ما روى كتاب مفيد العلوم و مبيد الهموم ص26: «فإنّ معجزات الرسول بلغ عددها 4050 معجزة جمعت في مجلدين».
و لما وضعوا سيرة مولد النبي استساغ بعض الفرس الذين أسلموا أن يزجّوا فيها تلك الخرافات التي كانت تحفل بها سيرة نبيّهم السابق زرادشت، فجاءت قصة المولد على شكل مليء بالخوارق التي لا تتفق مع مصادر الإسلام، ومليء بالسخائف التي لا تتلاءم مع عظمة محمد .
وقد قال محمد عبد الله السمّان في هذه المناسبة : «إنّه لمن دواعي الأسف أن يكون محمد هذا كل نصيبه اليوم من التقدير أن ترتفع عقائر المؤذّنين من فوق مآذنهم، ومحترفي التواشيح الدينية في إذاعاتهم وحفلاتهم لتتحدّث عن محمد ... كحيل العينين، أحمر الخدين، جميل الوجه، الذي ظلله الغمام، وكلّمته الغزالة، و حنّ إليه الجذع، وشكا إليه البعير، وسبّح له الحصى، ونبع الماء من بين أصابعه»(1).
والواقع أن ثِقات العلماء من المسلمين كابن رشد في كتابه (الكشف عن مناهج-- الأدلة) أجمعوا على أنّ محمداً كان في دعوته إنّما يعتمد على الإقناع والإيمان، وكان كما وصفه حسين هيكل في كتابه (حياة محمد) «حريصاً على أن يقدر المسلمون أنّه بشر مثلهم يوحى إليه، حتى كان لا يرضى أن تنسب إليه المعجزة غير القرآن» و أنكر هؤلاء الثقات
1) محمد رسول البشر: 124 .
على أمثال البيهقي وأبي نعيم والقاضي عياض تكديسهم المعجزات فيما وضعوه من أسفار.
وقد عالج هذا الموضوع الشيخ محمد عبده في كتابه (الإسلام والنصرانية) وقال عن محمد «كان لا يعتمد على شيء في دعوته إلى الإيمان بالله و وحدانيته سوى الدليل العقلي والفكر الإنساني الذي يجري على نظامه الفطري،فلا يدهشك بخلاف العادة،و لا يغشي بصرك بأطوارغير معتادة».
وجرى محمد رشید رضا في كتاب (الوحي) مجرى اُستاذه الشيخ محمد عبده وقال: «إنّ محمداً لم يدع أحداً من الناس، ولا أمة من الأمم، إلى الإيمان برسالته، بأن قدّم بين يدي دعواه خارقاً من الخوارق الأفعال،مثل قلب عين من الأعيان إلى عين أخرى ..».
وكان استناد هؤلاء الثِقات يقتصر على القرآن الذي بين أيدينا، وعلى الحديث الصحيح، و هما وحدهما المرجع في هذا الشأن و الحكم، ففي القرآن آيات متعدّدة تشير إلى تكرار طلب المشركين من النبي أن يجري ربه على يديه المعجزات حتى يؤمنوا به، وفي الجواب على هذا التحدّي كان القرآن يرد عليهم:
وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلاهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِالله وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِبِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلا بَشَرًا رَسُولا (1). وَأَقْسَمُوا بِالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللهَ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ(2)
قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنها إِلكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ. (1) وفي الحديث الشريف: «ما من الأنبياء نبي إلّا أُعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنّما كان الذي أُوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثر تبعاً» .
وبعد هذا الكلام الصريح في الجواب على تحدّي المشركين في صدد طلب المعجزات، ألا يحق لنا أن نتساءل من أين جاؤا ب-- ( 4050 ) معجزة نسبوها لمحمد ؟ ثم نتساءل من أين استقى واضعوا تلك السير النبوية الخوارق التي زجوها فيها ؟
بلى إنّ هناك آية واحدة لمحمد أشار إليها القرآن في معرض طلبات المشركين المتكررة أن يأتيهم بالمعجزات، وهي تنزيل الكتاب عليه:
وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّهَا الآيَاتُ عِنْدَ اللهَ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ (2) فبعد ما قرأناه من أقوال كتّاب المسلمين في إنكارهم لمعجزات الرسول جملةً و تفصيلاً، فلا عجب لو رأينا كاتبا مسيحياً كالدكتور نظمي لوقا يذهب إلى ذلك في كتابه (محمد الرسالة والرسول) فيقول في ص 86 - 87:«إنّ رسول الإسلام هو أول رسول بُعث إلى الناس، وانبرى لدعوتهم إلى دينه من غير مدد من المعجزات الخاطفة للأبصار الخالبة للأنظار، فقد أُريد للناس أن يشعروا أنّ رسولهم مثلهم حقاً وصدقاً كما جاء في سورة الكهف لا يملك من الخوارق أكثر مما يملكون، وليس له من سلطان عليهم، وإنما الأمر إليهم .. كي يكون اهتداؤهم نابعاً من قدراتهم البشرية، و عن إقناعهم الذاتي، بغير
تأثير غريب عن معدن العقل والضمير ...»(1)
وقال في ص:88: «وفي يقيني أن تأييد حق بخارقة غير طبيعية مسألة لا تستساغ إلا في حالات انحطاط العقل البشري، فهذا أشبه بالإحتيال على الطفل ليقبل الطعام الذي يقيم أوده، وهو حري أن يطلبه و يلجّ في طلبه لو أوتي الرشد.
كذلك العقل السويّ يجد امتهاناً له أن يحتال عليه صاحب دعوى بخارقة لا علاقة لها بصدق تلك الدعوى، فإنّ كل دعوى صادقة أو كاذبة لذاتها لا لأمر خارج عنها، فالحقيقة لآية نفسها ولا مراء في ذلك ...».
وقال في ص 90 : «ولا أملك نفسي من الإعجاب أن أورد هنا ما قاله الإمام محمد عبده في مفتتح كتابه (الإسلام والنصرانية): فالإسلام في هذه الدعوة لا يعتمد على شيء سوى الدليل العقلي والفكر الإنساني الذي يجري على نظامه الفطري، فلا يدهشك بخارق العادة، ولا يغشي بصرك بأطوار غير معتادة، ولا يخرس لسانك بقارعة سماوية، و لا يقطع حركة فكرك بصيحة آلهية.
وقد اتفق المسلمون إلا قليلاً ممّن لا يعتقد برأيهم فيه، على أن الإعتقاد بالله مقدّم على الإعتقاد بالنبوات، و أنه لا يمكن الإيمان بالرسل إلا بعد الإيمان بالله، فلا يصح أن يؤخذ الإيمان بالله من كلام الرسل و لا من الكتب المنزلة، فإنّه لا يعقل أن تؤمن بكتاب أنزله الله إلّا إذا صدّقت قبل ذلك بوجود الله، و بأنّه يجوز أن ينزل كتاباً أو يرسل رسولاً ، رحم الله الأستاذ الإمام» .
أقول: هؤلاء النماذج من جملة الزبارج و إن كانوا هم الذين يتحملون وزر الناشئة
1) محمد الرسالة والرسول تأليف الدكتور نظمي لوقا، مقدمة بقلم السيد كمال الدين حسين وزير التربية والتعليم للجمهورية العربية المتحدة، قررت وزارة التربية والتعليم تدريس هذا الكتاب بمدارسها بإقليمي الجمهورية / الطبعة الثانية أغطس 1959م طبعة خاصة بوزارة التربية والتعليم . تراجع الصفحات التالية منه 86 - 87 - 88 .
المشككة، إلّا انّ لهم سلف فماذا عنهم؟
أما الذين أنكروا وقوع آية انشقاق القمر، بمكة وحملوا الآية في قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ (1)على كونه فيما بعد، فمنهم الحسن البصري المتوفى سنة 110 هج----، وعطاء المكي المتوفى سنة 135 هج---- والبلخي ؟ و لابدّ من التعريف بهؤلاء الثلاثة لتقييم موقفهم في إنكار وقوع آية الانشقاق، و مبلغ حجتهم من الصحة.
فأما الأولان وهما الحسن البصري وعطاء المكّي فكلاهما من التابعين، و قد طعن العلماء في أخبارهما، حتى قال أحمد بن حنبل: «ليس في المراسيل أضعف من مراسيل الحسن و عطاء، كانا يأخذان عن كل أحد» فما ظنك بآرائهما، و سيأتي مزيد عن ذلك إن شاء الله .
وأما ثالث القوم فذكرَ المفسرون بأنّه البلخي ولم يفصحوا عن اسمه، ولدى الفحص عن المعروفين من المفسرين بهذه النسبة ، وجدنا أسماء أربعة كلّهم يلقب بالبلخي:
أولهم مقاتل بن حيّان البلخي الخراز من تابعي التابعين، ذكره النووي في تهذيب الأسماء و اللغات 2: 110 و قال: روى عن... و عطاء بن أبي رباح... و الحسن البصري... و اتفقوا على توثيقه والثناء عليه ...(2)
ثانيهم مقاتل بن سليمان البلخي المتوفى سنة 150 هج----، وهذا ورد في ذمه الكثير حتى قال البخاري: مقاتل بن سليمان خراساني منكر الحديث سكتوا عنه، وقال السعدي عنه، كان دجّالاً جسوراً، سمعت أبا اليمان يقول: قدم هاهنا فلما أن صلّى الإمام أسند ظهره إلى
القبلة قال: سلوني عما دون العرش - وحُدثّتُ أنّه قال مثلها بمكة - فقام إليه رجل فقال : أخبرني عن النملة أين أمعاؤها ؟ فسكت(1).
وذكره الداودي في طبقات المفسرين (2)فقال: كذّبوه وهج--روه، و رمي بالتجسيم، وهذا روى عن عطاء ومجاهد و السبيعي و الزهري و الضحاك بن مزاحم.
فهذا أحد الرجلين اللذين اسم كلٍ منهما مقاتل، وكل منهما منسوب (البلخي) فيا هل ترى من هو المقصود ؟ وأقرب احتمالاً أن يكون هو المراد بالبلخي ؟ وكل منهما يروي عن عطاء إلّا أنّ الأول يروي عن الحسن البصري فربما كان هو المراد، و إن وردَ مدحه على لسان مترجميه، وقد يكون هو الثاني لشهرته بالتفسير كما قال ابن أبي حاتم في تعريفه : هو صاحب التفسير و المناكير وهو الأرجح عندي.
ثالثهم هو أبو زيد أحمد بن سهل البلخي المتوفى سنة 322 هج----، و هذا الرجل تحامل عليه أبو حيان في الإمتاع والمؤانسة (3)بغير حقٍ وقد ذكره الداودي في طبقات المفسرين(4)، فحكى عن النديم في الفهرست فقال : كان فاضلاً في علومٍ كثيرة، وكان يسلك طريق الفلاسفة، و يقال له: جاحظ زمانه، و كان يرمى بالإلحاد (؟!) يحكى عن أبي القاسم البلخي الذي ذكره أنه قال: هذا رجلٌ مظلوم، وإنّما هو موحّد - يعني معتزلياً - و أنا أعرف
1) رواه ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال 6: 435 ، وذكر النووي في تهذيب الأسماء واللغات 2 : 111 ط المنيرية أن الأوزاعي كان حاضراً فقال لرجل : قم إليه فاسأله ما ميراثه من جدتيه ؟ فحار ولم يكن عنده جواب، فما بات فيها إلّا ليلة واحدة فخرج من الغداة .
2) طبقات المفسرين 2: 330
3) الإمتاع والمؤانسة 2 : 15 .
4) طبقات المفسرين 42:1 .
به من غيري، وقد نشأنا معاً و قرأنا المنطق ... .
وذكروا له عدة كتب منها (عصمة الأنبياء) و (نظم القرآن) و (غريب القرآن) و (بيان أنّ سورة الحمد تنوب عن جميع القرآن) و (الحروف المقطعة في أوائل السور) و (كتاب في تفسير (الفاتحة) و (قوارع القرآن) إلى غير ذلك من مؤلفات تكذّب زعم رميه بالإلحاد .
ولم يذكر عنه شيء في إنكار وقوع شقّ القمر، بل على العكس من ذلك فقد ذُكِرَتْ معاجز النبي صلی الله علیه و آله وسلم في كتاب البدء و التاريخ المنسوب إليه(1)، فقال: ثم كان انشقاق القمر يقول الله عزّ و جلّ : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ (2).
ثم غلبة الروم بقول الله عزّ و جلّ : لم غُلبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ(3)
وله كلام غير هذا في عدّة مواضع من الكتاب المشار إليه، غيرَ أنّ نسبة الكتاب إليه لا تصح لورود تواريخ في ضمن الكتاب من بعد سنة 322 ه-- التي أرّخوا فيها وفاة أبي زيد أحمد بن سهل البلخي، و لعلّ الكتاب لمطهر بن طاهر المقدسي كما كتب على ظهره، و مهما تكن صحة النسبة و عدَمها، فإنّ البلخي المنسوب إليه القول بعدم صدور معجزة شقّ القمر ليس أحمد بن سهل هذا.
رابعهم عبد الله بن أحمد بن محمود أبو القاسم البلخي الحنفي، و يعرف بالكعبي عالم متكلّم رئيس أهل زمانه توفي سنة 319 ه-- ، وله عدّة تصانيف ذكرها النديم في الفهرست، وابن خلكان في الوفيات و الخطيب في تاريخ بغداد و غيرهم، وهو ليس المنسوب إليه
القول بإنكار وقوع شقّ القمر .
لئن كان الحسن وعطاء ومقاتل البلخي أنكروا وقوع انشقاق القمر بمكة، لكنهم لم ينكروا وقوعه بعد ذلك في يوم القيامة .
ولكن هلمّ الخطب في ثلاثة آخرين أنكروا ذلك جملة و تفصيلاً، وهؤلاء لم يذكرهم المفسرون، بل ذكرهم المتكلّمون و أصحاب المقالات والفرق عند ذكرهم، و هم:
أولهم: إبراهيم بن سيار النظام توفي سنة 231 ه--، من شيوخ المعتزلة، نسب إليه القول بذلك القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه تثبيت دلائل النبوة وسيأتي كلامه في ذلك.
ثانيهم: عمرو بن بحر الجاحظ توفي سنة 255ه-- ، نسب إليه القول بذلك المرزوقي المتوفى سنة 453 ه-- في كتابه الأزمنة و الأمكنة، وسيأتي كلامه في ذلك.
ثالثهم: هشام بن عمرو الفوطي - معاصر المأمون العباسي - نسب إليه القول بذلك صديق حسن خان القنُوجي المتوفى سنة 1307 ه-- في كتابه خبيئة الأكوان(1)
وذكره ابن النديم في الفهرست : 214 ط رضا تجدد تحت عنوان (ذكر) قوم من المعتزلة أبدعوا وتفردوا ) وذكر بعض مقالاته الفاسدة منها: «إنّ الشيطان لا يدخل في الإنسان وإنّها يوسوس له من خارج والله جل عن ذلك، يوصل وسوسته إلى قلب ابن آدم ليبتليه. وذكره عبد القاهر البغدادي المتوفى سنة 429 ه-- في كتابه الفرق بين الفرق : 96 - 99 ط عزت العطار سنة 1367 ه-- وقال: وفضائحه بعد ضلالته تترى منها ، ثم عد ثماني فضائح كما سماها، ونحا نحوه أبو المظفر الإسفرايني المتوفى سنة 471ه-- في كتابه التبصير في الدين: 46 ط عزت العطار سنة 1359
بمصر، فعد جملة من فضائحه، وذكر قوله : إن انشقاق القمر وفلق البحر وقلب العصا حية لا يدل على شيء من معجزاتهم فإن صح هذا فيس هو بإنكار للانشقاق كما ذكره صديق حسن خان في خبيئة الأكوان .
، و سيأتي كلامه في ذلك.1) راجع خبيثة الأكوان، لصديق حسن خان القنوجي ص 242 ط الجوائب سنة 1296 ه-- جاء في سير أعلام النبلاء :2179 ط دار الفکر: هشام بن عمر و أبو محمد الفوطي المعتزلي الكوفي... صاحب ذكاء وجدال، وبدعة ووبال....
فهؤلاء الثلاثة الذين عثرت على أسمائهم ممن أنكروا معجزة شقّ القمر، وكلّهم من المعتزلة مضافاً إلى الثلاثة السابقين، و ثلاثة أيضاً من الآخرين ولعل لهم أتراباً و أضراباً، فلا نطيل الوقوف فعلاً عندهم ، فمن وراء الجميع يوم الحساب.
والمسألة الثانية في المنكرين لردها على العهد العلوي المنيف
فالمسألة الأولى في المنكرين لردّ الشمس في أيام الرسول صلی الله علیه و آله و سلم، وهم فيها أحصيت ثمانية، و إنّ إنكار الأبناء الثمانية لكرامة ردّ الشمس هو الثابت و المحقق عندي، ولا غرابة من هؤلاء لأنهم أناس لم يستمرثوا طعم الإيمان من خلال حب الإمام أمير المؤمنين علیه السلام الذي قال فيه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: حبّه من الإيمان و بغضه من النفاق (1)ولما أنكروا ردّ الشمس، عددناهم من النواصب الشُمس، وهؤلاء الأبناء الثمانية، هم التالية أسماؤهم:
1- ابن المديني المتوفى سنة 234 هج-
2- ابن فورك المتوفى 446 هج-
3- ابن حزم الظاهري المتوفى سنة 456 هج-
4- ابن عساكر الشافعي الشامي المتوفى سنة 573 هج-
5- ابن الجوزي الحنبلي المتوفى سنة 597 هج-
6- ابن تيمية الحراني الحنبلي المتوفى سنة 728 هج-
7- ابن قيم الجوزية الحنبلي المتوفى سنة 767 هج-
1) راجع كتاب علي إمام البررة 1: 93 - 101 .
8- ابن كثير الشامي الشافعي المتوفى سنة 774 هج-.
هؤلاء هم أصحاب الشبهات والتشكيكات الذين وقفت على آرائهم في مسألة ردّ الشمس في العهد النبوي الشريف، فضلاً عن إنكارهم لها في العهد العلوي المنيف، فقد تبدت صفحاتهم السُّودُ عن نُصبهم و عنادهم ، فسوّدوا صفحاتهم بمدادهم، إذ لم يستسيغوا أن يكون حديث ردّ الشمس و فيه كرامة للإمام أميرالمؤمنين علیه السلام أن يكون صحيحاً، فناقشوا في إسناده تارة و في متنه أُخرى، ولم يأتوا بالمفيد، و إنّما هو اجترار يتلمّظه القريب منهم من البعيد، وفي ذلك إنكار قدرة المبدئ والمعيد.
وإلى القارئ قبل ذكر أقوالهم ومعرفة أحوالهم، بما يسعه المجال، أن ننبّهه على أمر ذي بال، وهو أنّ ردّ الشمس في جوهره من سنخ آية شقّ القمر ، فكلاهما من وادٍ واحد، فمن سلّم بتلك الآية فيجب عليه أن يذعن مسلّماً للآية الأُخرى، لأنهما في حقيقتها كانا معجزة للنبي صلی الله علیه و آله و سلم ، فما صدر على عهده و نزل الوحي السماوي بمدّه، فكذلك ما صدر من بعده، فهو صادر من وصيّه أمام جنده، و قد ثبتت وصايته، وصحت روايته، كما سيأتي تفصيل ذلك . و الآن إلى مزيد من معرفة أولئك النفر المنكرين المستكبرين، فنقول:
أولهم علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح ... السعدي مولاهم البصري المعروف بابن المديني (ت 234 هج) ذكره العقيلي في الضعفاء و قال: جنح إلى ابن أبي دؤاد والجهمية (1)وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال(2)، وتحامل على العقيلي في ذكره لابن المديني في كتابه و مع ذلك الدفاع المستميت عنه حكى في سير أعلام النبلاء قول الأصمعي لعلي بن المديني:
والله يا علي لتتركن الإسلام وراء ظهرك(1).
أقول: (ويل لمن كفّره النمرود) إذا كان مثل الأصمعي الناصبي يقول مثل هذا القول لعلي بن المديني فما ظنك به ... وحكى الذهبي خبر الرقعة التي ناولها ابن أبي دؤاد لابن المدينى و قال هذه طرحت في داري، فإذا فيها:
يا ابن المديني الذي شُرعت له *** دنیا فجاد بدينه لينالها
ماذا دعاك إلى اعتقاد مقالة *** قد كان عندك كافراً من قالها
أمرٌ بدا لك رُشدَه فقبلتَه *** أم زهرةَ الدنيا أردت نوالها
فلقد عَهدتك لا أباً لك مرة *** صعب المقادة للتي تدعى لها
إن الحريب لَمَنْ يصابُ بدينهِ *** لا مَنْ يُرَزّى ناقةً و فصالَهَا(2)
فهذا الرجل الذي كان مع ابن أبي دُؤاد و طعم من دنياه فطمع هو الآخر في دينه، وكلاهما من زمرة وعاظ السلاطين الذين كانوا مع المتوكل الناصبي المعلن بنصبه لعنه الله ، لا يستغرب منه لو قال: خمسة أحاديث يروونها ولا أصل لها عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم
حديث: «لو صدق السائل ما أفلح من ردّه » و حديث : «لا وجع إلّا وجع العين، و لا غمّ إلّا غم الدين» وحديث: «أن الشمس ردّت لعلي بن أبي طالب» وحديث أنّه قال صلی الله علیه و آله و سلم: «أنا أكرم على الله من أن يدعني تحت الأرض مائتي عام» و حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم انهما كانا يغتابان»(3)
الحديث الأول (لو صدق السائل ما أفلح من ردّه) ذكر في موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 6 : 762 نقل عن ثمانية مصادر منها التمهيد لابن عبد البر وإتحاف المهرة بزوائد المسانيد العشرة لابن حجر العسقلاني وغيرها فراجع . الحديث الثاني (لا) وجع إلا وجع العين، ولا غمّ إلّا غم (الدين ورد في الموسوعة المشار إليها آنفاً بلفظ (لا وجع إلا وجع العين، ولا هم إلا هم الدين) عن سبعة مصادر منها مجمع الزوائد في مكانين، ومنها سلسلة الأحاديث الضعيفة : 746 وغيرها فهر إذن له أصل وإن كان بعض رواته ضعيفاً .
الحديث الثالث (انّ الشمس ردّت لعلي بن أبي طالب) وهذا هو بيت القصيد عند ابن المديني الذي كان يلحس قصاع ابن أبي دؤاد وهما معاً من زبانية المتوكل الناصبي العنيد، وسيأتي البحث حوله سنداً ومتناً بما يغني ويفيد.
الحديث الرابع (أنا أكرم على الله من أن يدعني تحت الأرض مائتي (عام) ورد في الموسوعة المشار إليها آنفاً 2: 509 نقلاً عن الحاوي واللثالي فراجع الحديث الخامس أفطر الحاجم والمحجوم انّهما كانا يغتابان) ورد في الموسوعة نقلاً عن أكثر من ثلاثين مصدراً بينها سنن أبي داود في أربعة مواضع ، والترمذي في موضع واحد وابن ماجة في ثلاثة مواضع، ومسند أحمد في خمسة عشر موضعاً، وسنن البيهقي في ثلاثة مواضع، وسنن الدارمي في موضعين، ومصنف عبد الرزاق في خمسة مواضع، ومعجم الطبراني الكبير في سبعة مواضع إلى غير ذلك من المصادر من دواوين الحديث لأعلام المحدثين، فكل هؤلاء لم يستضيئوا بنور علم ابن المديني، وخفي عليهم ما علمه ابن المديني، وفيهم أحمد بن حنبل وكان معاصراً له ومصاحباً له، ثم جفاه لأنه دخل مداخل السوء وضلع في ركاب الظالمين .
1) سير أعلام النبلاء 3: 345
2) الأبيات في تاريخ بغداد 11: 469 - 470
3) بدائع الفوائد لابن قيم الجوزية 3: 195 ط المنيرية، وعنه أفست دار الكتاب العربي ،بيروت، ولم يعقب ابن القيم على ذلك بشيء، وكأنه ارتضى ذلك من ابن المديني مع أنّ الأحاديث التي ذكرها كلها لها تخريجات صحيحة في دواوين الحديث، وإليك ذكر المصادر وعلى القارئ المراجعة للتأكد من كذب ابن المديني ومن وافقه .
ثانيهم محمد بن الحسن الأصفهاني و يعرف بابن فورك وصفه الذهبي بقوله: (الإمام العلّامة الصالح شيخ المتكلّمين ...) (... حمل مقيدا إلى شيراز للعقائد ...) وهذا يستدعي وقفة تأمل، والبحث عن سبب حمله مقيّداً، ولئن دمدم الذهبي في ذكره فقد أبانه أبو الوليد الباجي بقوله: (أنّ السلطان محموداً سأله عن رسول الله ، فقال : كان رسول الله و أما اليوم
فلا، فأمر بقتله بالسم) و قال ابن حزم (كان يقول: إنّ روحَ رسول الله قد بطلت و تلاشت، وما هي في الجنة) (1).
وذكر الذهبي في ترجمة السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي في سير أعلام النبلاء (2)أنّ ابن فورك دخل على السلطان محمود فقال: لا يجوز أن يوصف الله بالفوقية لأن لازم ذلك وصفه بالتحتية، فمن جاز أن يكون له فوق جاز أن يكون له تحت، فقال السلطان ما أنا وصفته حتى يلزمني، بل هو وصف نفسه، فبهت ابن فورك، فلما خرج من عنده مات، فيقال: انشقت مرارته .
أقول: ومن العجب من الذهبي في وصفه للرجل (بالإمام العلّامة الصالح شيخ المتكلمين..)
فأين منه الصلاح و هو صاحب هذه المقالات الشنيعة الفظيعة !؟ و مع ذلك فقد حكى عن ابن خلکان :قوله و مشهده بالحيرة يزار ويستجاب الدعاء عنده، و عن عبد الغافر :قوله قبره بالحيرة - من نيسابور - يُستسقى به .
فهذا الرجل أنكر ردّ الشمس بدعوى امتناع خرق النواميس الطبيعية الكونية، لأنّ ذلك يستلزم حدوث اختلال في النظام الكوني في المجموعة الشمسية، ولو صح ذلك لزم أن يراه جميع أهل الأرض ، وينقل إلينا بالتواتر لأنّه حدث مهمّ، و هذا لم ينقل فهو إذن لم يكن، وهذه مقالة بعض الفلاسفة، و تبعهم على هذه الشبهة بعض المتكلمين و منهم ابن فورك المذكورآنفاً . فقد قال ذلك في كتابه الفصول، بعد أن أخرج الحديث عن أسماء بنت عميس، فاعترض وقال: إنه لو كان صحيحاً لرآه جميع الأبشار - يعنى البشر - في سائر الأقطار.
وهذا ما حكاه عنه البياضي في الصراط المستقيم (1)ثم قال البياضي رداً عليه: أجبنا بانشقاق القمر للنبي المختار، ولم تعترف به طوائف الكفار، و قد اختلف الناس بما هو أظهر من ذلك، البسملة والوضوء وغيره ممّا كان النبي صلی الله علیه و آله و سلم يكرّره .
ثالثهم علي بن أحمد ابن حزم الظاهري الأموي هوىً و ولاءً والمجوسي أصلاً و ابتداء ، راجع بشأنه تاريخ ابن خلكان في ترجمته، ستجد طائفة من أقوال العلماء فيه، نحو: كان كثير الوقوع في العلماء المتقدمين، لا يكاد يسلم أحد من لسانه، وكان لسان ابن حزم وسيف الحجاج بن يوسف الثقفي شقيقين(2)، إلى غير ذلك.
فهذا الرجل أنكر ردّ الشمس وشتم الرافضة لقولهم بذلك كما في كتابه الفِصَل في الملل والنحل، وقد ذكر ذلك ثلاث مرّات .
1- قال: ولا يختلفون - الرافضة - في أنّ الشمس ردّت على علي بن أبي طالب مرّتين : أفيكون في صفاقة الوجه وصلابة الخد و عدم الحياء على الكذب أكثر من هذا، على قرب العهد وكثرة الخلق (3).
2- وقال : ولا فرق بين من ادعى شيئاً مما ذكر - وقد ذكر جملة من الخرافات - وبين دعوى الرافضة ردّ الشمس على علي بن أبي طالب مرتين(4).
3- وقال: و أقل الروافض غلواً يقولون: إن الشمس ردّت على علي بن أبي طالب مرّتين. أقول: و هذا الذي قاله ابن حزم كله مجرّد شتائم، ولم يذكر كلمة واحدة وجهاً
للتكذيب، فكل ما فاه به هو سب وسخرية و استهزاء، وساوى بين الحديث الثابت - كما سيأتي - وبين الخرافة وجعل ذلك من الغلوّ، ولم يَشفَعهُ بحجة مقبولة أو مرذولة، لكي ينظر القارئ فيها قبولاً أو ردّاً، فكان مبلغ علمه قبح الكلام و شتم الكرام، الذي هو سلاح اللئام .
ونحن بعد أن قدّمنا معرفته للقارئ في تطاوله على من يخالفه الرأي، فلا نطيل الوقوف معه في محاسبته، ونكتفي بما قاله فيه محمد بن عبد الهادي - تلميذ ابن تيمية - «و هو كثير الوهم في الكلام على تصحيح الحديث و تضعيفه، وعلى أحوال الرواة»(1)وبما قاله الشيخ ناصر الدين الألباني تعقيباً على ذلك: فينبغي أن لا يؤخذ كلامه على الأحاديث إلا بعد التثبت من صحته وعدم شذوذه، شأنه في الفقه الذي يتفرّد به، وعلم الكلام الذي يخالف السلف فيه..» (2)وحكى ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان في ترجمة ابن حزم أقوال من جرحوه وفيهم مؤرخ الأندلس .
أقول: كيف يتأتى النظر فيما قاله في الحديث هنا إذ لم يأت في إنكاره بغير شتم الرافضة فإنكاره من الدفع بالصدر و زيادة في الأصر .
رابعهم من المنكرين المستكبرين هو ابن عساكر الشافعي الشامي، فهو لدة ابن حزم في دفعه بالصدر، وإن كان هو غيره في ازدياد الأصر ، فقد ذكر الحديث بأسانيده في كتابه تاريخ مدينة دمشق الكبير في (ترجمة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ) وعقّب على ذلك بقوله : «هذا حديث منكر ، وفيه غير واحد من المجاهيل»(3)
أقول : و لابدّ لنا من تعقيب على ذلك حين نذكر الحديث بأسانيده، عند النظر في رجاله، لنُري القارئ مَن هم المجاهيل الذي عناهم، فيعلم صدقه من كذبه، في حكمه على المتن بالنكارة، وعلى غير واحد في رجال الإسناد بالجهالة . وهذا ما سنقرؤه للقارئ في الباب الثالث إن شاء الله تعالى.
خامسهم: من المنكرين المستكبرين هو ابن الجوزي الحنبلي، فقد ذكر الحديث في كتابه الموضوعات (1)ذكره بعدة طرق، وعقّب عليها بقوله: «هذا حديث موضوع بلا شك، وقد اضطرب الرواة فيه» ثم نثر ما في مخيّلته من أقصى حيلته، فاتهم به ابن عقدة الزيدي، وختم كلامه بقوله : «قلت : ومن تغفيل واضع هذا الحديث أنّه نظر إلى صورة فضيلة، و لم يتلمح إلى عدم الفائدة، فإنّ صلاة العصر بغيبوبة الشمس صارت قضاء، فرجوع الشمس لا يعيدها أداءً . و في الصحيح عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم : إن الشمس لم تحبس على أحد إلّا ليوشع».
أقول: لقد كفانا مؤنة الرد عليه جماعة من الحفّاظ و في مقدّمتهم سبطه يوسف بن قزأوغلي في كتابه تذكرة الخواص، كما ردّ عليه الحافظ ابن حجر العسقلاني والسيوطي، وغير هؤلاء، كما سيأتي محكي أقوالهم في الباب الثالث إن شاء الله تعالى .
سادسهم من المنكرين المستكبرين هو ابن تيمية الحراني الحنبلي الذي تحامل بظلم على العلامة الحلي في رده على كتابه (منهاج الكرامة) بكتابه (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية) فقد قال فيه(2):
فصل: قال الرافضي - يعني به العلّامة الحلي - التاسع: رجوع الشمس له مرتين... والجواب أن يقال: فضل علي و ولايته لله ، وعلوّ منزلته عند الله، معلوم عند الله و الله
الحمد من طرق ثابتة، أفادتنا العلم اليقيني، لا يحتاج معها إلى كذب، و لا إلى ما لا يعلم صدقه . وحديث ردّ الشمس له، قد ذكره طائفة كالطحاوي والقاضي عياض وغيرهما، وعدّوا ذلك من معجزات النبي صلی الله علیه و آله و سلم، لكن المحققون من أهل العلم والمعرفة بالحديث، يعلمون أنّ هذا الحديث كذب موضوع ، كما ذكره ابن الجوزي في كتاب الموضوعات، فرواه من كتاب أبي جعفر العقيلي في الضعفاء (ثم حكى ما ذكره ابن الجوزي) إلى أن قال: أما الثاني ببابل، فلا ريب أنّ هذا كذب، وإنشاد الحميري لا حجة فيه، لأنه لم يشهد ذلك والكذب قديم فقد سمعه فنظمه، وأهل الغلو في المدح والذم ينظمون مالا تتحقق صحته، لا سيما والحميري معروف بالغلو .
أقول: وسيأتي الردّ عليه في الباب الثالث حين يقرأ القارئ رواية الصحابة والتابعين والأعلام من الحفاظ للحديث، ويقف على أسماء جمع تمن خصه بتأليف خاص، هنالكم سيعرف من هو الكذاب الأشر، ويتبين له مبلغ ابن تيمية في العلم والدين .
سابعهم من المنكرين المستكبرين هو ابن قيم الجوزية - وهذا تلميذ ابن تيمية - وعلى شاكلته في ترسم خطاه وتكذيبه لحديث ردّ الشمس، فقد أنكره في كتابه (المنار المنيف في الصحيح والضعيف)(1).
ثامنهم من المنكرين المستكبرين هو ابن كثير الشافعي الشامي، وهو كسابقه في تلمذته على ابن تيمية، واقتفاء أثَرِهِ فقد قال(2): «أما حديث ردّ الشمس بسبب علی رضی الله عنه، فقد تقدّم ذكرنا له من طريق أسماء بنت عميس وهو أشهرها، و أبي سعيد و أبي هريرة
وعلي نفسه، وهو مستنكر من جميع الوجوه، وقد مال إلى تقويته أحمد بن صالح المصري الحافظ، وأبو جعفر الطحاوي، والقاضي عياض، و كذا صحّحه جماعة من العلماء الرافضة كابن المطهر وذويه، و ردّه و حكم بضعفه آخرون من كبّار حفاظ الحديث و نقادهم، كعلي بن المديني، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، و حكاه عن شيخه محمد ويعلى بن عبيد الطنافسيين، و كأبي بكر محمد بن حاتم البخاري المعروف بابن زنجويه أحد الحفّاظ، و الحافظ الكبير أبي القاسم ابن عساكر، وذكره الشيخ جمال الدين أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب الموضوعات.
وكذلك صرّح بوضعه شيخاي الحافظان الكبيران أبو الحجاج المزي و أبو عبد الله الذهبي . وقال : وأغرب من هذا ما ذكره ابن المطهر في كتابه المنهاج: إنّها ردت لعليّ مرّتين، فذكر الحديث المتقدّم ثم قال: وأما الثانية فلما أراد أن يعبر الفرات ببابل، اشتغل كثير من أصحابه بسبب دوابهم، و صلّى لنفسه في طائفة من أصحابه العصر ، و فاتت كثيراً منهم فتكلموا في ذلك، فسأل الله ردّ الشمس فرُدّت .
أقول : وله نحو هذا في الشمائل : 144 - 163. و لا كثير غرابة من ابن كثير، بعد أن عرفناه تلميذ ابن تيمية، وقد حبس معه في سجن القلعة مرة في حياته، و دفن معه بعد مماته، له مواقف ناصبية معلنة في أحداث السقيفة و ما بعدها، و سيأتي في الباب الثالث ما يدحض مزاعمه في هذا الحديث .
فهؤلاء الأبناء الثمانية الذين أصرّوا مستكبرين على نفي وقوع حادثة ردّ الشمس في أيام النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، فضلاً عن إصرارهم بتكذيب حدوثها من بعده، و قبل الشروع في الرد عليهم من الخير أن نبصّر القارئ الكريم بمعنى الإعجاز ، و ما المعجزة ؟ و ما هو الفرق
بينه وبين الكرامة، و هل السحر و الشعبذة يساوقان الإعجاز؟
و قبل الإجابة عَنْ هذه المسائل، نقول: إن باب المعجزات التي صدرت عن الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، يستعظمه أهل الشك و الإلحاد، لما فيه من مخالفة الطبع و الخروج عن العادة، و قد ردّ عليهم أعلام المسلمين، بما يغني عن الإطالة في الرد عليهم، فأودعوا كتبهم، دلائل الإعجاز بالشواهد و الآثار، و سبيل المعجزات للأنبياء علیهم السلام في خروجها عن العادة سبيل إيجاد أعيان الخلق لا من سابقة، كما انّ إيجاد الخلق لا من شيء لا مفهوم و لا معقول، ولكن يُعرف و يُعلم بقيام الأدلّة عليه، كذلك معجزات الأنبياء علیهم السلام غير موهومة و لا معقولة، و إنّها تعلم بقيام الأدلة عليها.
والآن إلى الفصول التالية من هذه الرسالة:
في الجواب عن الشبهات من خلال ثلاثة مباحث :
1 - قال علماء اللغة (1)انّ معنى الإعجاز الفوت والسبق، يقال: أعجزني فلان أي فاتني، إذا عجزت عن طلبه و إدراكه، و أصل العجز التأخر عن الشيء وحصوله عند عجز الأمر، و صار اسماً للقصورعن فعل الشيء، وهو ضد القدرة، قال تعالى: أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ(2)و أعجزت فلاناً وعجزته: جعلته عاجزاً .
و قد نوقش في ذلك بأنّه صح لغة بمقتضى المواضعة، إذ لا تصح المعجزة إلا عن ما تصح القدرة عليه (3)وقالوا: إنّ المعجزة مشتقة من الإعجاز ، و هي اسم فاعل له لحقته التاء للتأنيث بعد نقله من الوصفيّة إلى الإسميّة .
2 - وقال علماء الكلام الإعجاز أن يأتي المدّعي لمنصب من المناصب الإلهية، بما يثبت دعواه و تفوّقه و سبقه في كل مجال كان فيه التحدي، و يعجز عنه غيره، و هو ما لا يقدر عليه في صفته أو في جنسه، فأما ما لا يقدر عليه في صفت مثل فلق البحر، فإنا وإن كنا نقدر على
تفريق الأجسام المؤتلفة، لكن لا على تلك الصفة، فتلك الحالة لا نقدر عليها .
وأما ما لا يقدر عليه في جنسه مثل إحياء الموتى، وقلب العصا ثعباناً .
وأما مالا يقدر عليه لا في صفته ولا في جنسه مثل شقّ القمر فلقتين .
فأما الإخبار بالغيوب فليس بمعجز، ولا وقوع المخبر به على ما أخبر معجز، إذ يجوز على خبر الغيب أن يكون صدقا أو كذباً كسائر الأخبار ، إلا أن يكون المخبر نبياً أو وصي نبيّ، فذلك يكون حجة.
أما ما يقوله أهل الكهانة و العرافة، فلا يجب التصديق به، وليس هو من الإخبار بالغيب الذي يلزمنا الإيمان به على نحو ما ورد في الكتاب المجيد: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(1)
فتبيّن أنّ المعجزة تطلق على الأمر الخارق للعادة، المفرون بالتحدّي، السالم من المعارضة، و هذا أوجز تعريف و أشهره و هو جامع مانع، وما قيل معه من بيان فهو توسع بقصد التوضيح .
وقد دخل في قولهم (الأمر) كل أنواع المعجزات الحسية والمعنوية ممّا كان من قبيل القول كالقرآن الكريم .
أو من قبيل الفعل كعصا موسى علیه السلام ، أو من قبيل ترك الخاصة كعدم إحراق النار سيدنا إبراهيم علیه السلام.
وقد خرج عن المعجزة بقولهم (الخارق للعادة) كل ما جرت به العادة و توصل إليه
1) البقرة: 1 - 5
عن طريق الأسباب والسنن الطبيعية، كالسحر و الشعبذة، و المخترعات العلمية بأنواع مكتشفاتها .
وخرج بقولهم: (المقرون بالتحدّي) الكرامة، وما فيه خوارق للعادة من دون تحد.
و خرج بقولهم: (السالم عن المعارضة) كل ما أمكن الإتيان بمثله من مظاهر غير معتادة يتوصل إليها بضرب من التمرين والرياضة.
و إنّما تكون المعجزة شاهد صدق صاحبها فيما إذا أمكن صدق دعواه، أما إذا لم يمكن ذلك، بل كان ممتنعاً بحكم العقل، كدعوى الإلهية مع الله تعالى أو بدونه، لاستحالة ذلك لَوْ كَانَ فِيهِمَا آهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا (1)أو ممتنعاً بحكم النقل، كدعوى النبوة بعد الخاتم صلی الله علیه و آله و سلم فلا يمكن تصديق المدعي لقول الخاتم صلی الله علیه و آله و سلم : «لا نبي بعدي»(2)و لا يجب على الله إبطال ذلك بعد حكم العقل بالاستحالة في زعم الإلوهية، وحكم النقل الثابت الصحيح بنفي النبوة بعد الخاتم صلی الله علیه و آله و سلم.
فَتحَصّلَ في تعريف الإعجاز بأنّه أمر له حقيقة واقعية، غير أنّه جارٍ على غير سنن الطبيعة، بل هو أمر خارق للعادة ومقرون بالتحدّي، وأما المقدمات الطبيعية فهي مطويّة فيه، وتتحقق المعجزة بلا وساطة سبب عادي، بل بالإرادة الربانية المحيطة بالأسباب والمسبّبات، المهيمنة على تأثير السبب في المسبَّب، وتأثر المسبَّب بالسبب، و عندما تحصل المعجزة يحصل اليقين بأنّ الله سبحانه فعلها تصديقاً لنبيه أو وصي نبيّه .
ولو لم يكن صادقاً في دعواه، لكان حدوث المعجزة على يده تصديقاً لكاذب، وهذا موجب لإضلال الناس، وهو قبيح، وتعالى الله سبحانه عن فعل القبيح، خلافاً لمن جوّز ذلك عليه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً .
لقد ذكر العلماء شروطاً للمعجزة الظاهرة على أيدي أنبياء الله تعالى و رسله، وسماها بعضهم بالصفات والأحكام، ولا مشاحّة في الإصطلاح، و لنقرأ بعض ما ذكروه.
فقال أبو بكر الباقلاني «أن تكون آياتهم - يعني الأنبياء علیهم السلام - من أفعال الله سبحانه التي ينفرد بالقدرة عليها دون سائر خلقه ... وأن يكون ظهور المعجزة مما يخرق العادة وينقضها، وأن يكون غير النبي أو الرسول و من أكرمه الله تعالى ممنوعاً وعاجزاً من إظهار ذلك على يده، وأن يكون مفعولاً عند تحدّي الرسل أن يأتي غيره بمثله »(1).
وما ذكره تضمن أربعة شروط، إلا أن غيره زاد عليها، فالعلّامة الحلي رحمه الله قال:
و لابد في المعجزة من شروط:
أحدهما: أن تعجز عن مثله أو عمّا يقاربه، الأمّة المبعوث إليها .
الثاني: أن يكون من قبل الله تعالى أو بأمره.
الثالث: أن يكون في زمان التكليف، لأنّ العادة تنتقض عند إشراط الساعة.
الرابع: أن يحدث عقيب دعوى المدّعي للنبوّة، أو جارياً مجرى ذلك، ونعني بالجاري مجرى ذلك، أن يظهر دعوة النبي في زمانه، وأنه لا يدّعي النبوة غيره، ثم يظهر المعجزة بعد أن ظهر معجزاً آخر عقيب دعواه .
1) الفرق بين المعجزة والكرامات والحيل والكهانة والسحر والنارنجات لابن الباقلاني : 8 - 31 منشورات جامعة الحكمة في بغداد سلسلة علم الكلام / 2
الخامس : أن يكون خارقاً للعادة (1).
ولم يبعد هذا أيضاً عما ذكره القرطبي في مقدمة تفسيره حيث ذكر أيضاً خمسة شروط، إن اختلّ أحدها فلا تكون معجزة، و هي باقتضاب:
1 - أن تكون ممّا لا يقدر عليه إلّا الله سبحانه كفلق البحر وانشقاق القمر مما لا يقدرعليه البشر .
2 - أن تكون خارقة للعادة، ولو لم تكن كذلك لم تكن معجزة، كجعل العصا ثعبانا، وخروج الناقة من شق الحجر، و نبع الماء من بين الأصابع، ونحو ذلك من الآيات الخارقة للعادة.
3- أن يدعيها مدعي الرسالة على الله سبحانه فيقول: آيتي هذه .
4 - أن تقع على وفق دعوى المتحدّي بها المستشهد بكونها معجزة له .
5 - عَجْزُ الآخرين عن الإتيان بمثلها على وجه المعارضة أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ (2)
هذه خلاصة ما قاله القرطبي، وقد زاد الشيخ المجلسي رحمه الله على تلك الشروط فجعلها سبعة حتى يتحقّق الإعجاز بها، فقال في حقيقة المعجزة: وهي أمر يظهر بخلاف العادة من المدعي للنبوة أو الإمامة عند تحدّي المنكرين على وجه يدلّ على صدقه، ولا يمكنهم معارضته، ولها سبعة شروط :
الأول أن يكون فعل الله أو ما يقوم مقامه من التروك، كما إذا قال معجزتي أن أضع يدي على رأسي و أنتم لا تقدرون .
الثاني أن يكون خارقاً للعادة.
الثالث أن يتعذّر معارضته فيخرج السحر و الشعبذة .
الرابع أن يكون مقروناً بالتحدّي، ولا يشترط التصريح بالدعوى، بل تكتفي قرائن الأحوال .
الخامس أن يكون موافقاً للدعوى، فلو قال معجزتي كذا، وفعل خارقاً آخر لم يدلّ على صدقه، كما نقل من فعل مسيلمة وأنه تفل في البئر ليزيد ماؤه فنضب ويبس(1).
السادس أن لا يكون ما أظهره مكذّباً له، كما لو أنطق الضبّ فقال: إنّه كاذب، فلا يعلم صدقه، بل يزداد اعتقاد كذبه، بخلاف أن يحيي الميت فيكذّبه، فإن الصحيح أنه لا يخرج عن المعجزة، لأنّ إحياءه معجزة وهو غير مكذِب، وإنّما المكذَب ذلك الشخص بكلامه، وهو بعد الإحياء مختار في تصديقه وتكذيبه، فلا يقدح تكذيبه، ومنهم من قدح فيه مطلقاً، ومنهم من فرّق بين استمرار حياته وبين ما إذا خرّ ميّتا في الحال، فقدح في الثاني دون الأول، و الأظهر ما ذكرناه .
السابع: أن لا تكون المعجزة متقدماً (كذا) على الدعوى، بل مقارناً (كذا) لها أو متأخراً (كذا) عنها بزمان يسير معتاد مثله، والمشهور انّ الخوارق المتقدّمة على دعوى النبوة كرامات وإرهاصات أي تأسيسات للنبوة (2).
وللراغب الإصفهاني كلام في مقدّمة التفسير، قال في فصل إعجاز القرآن نذكر بعضاً منه نختم به هذا المبحث قال:
المعجزات التي أتى بها الأنبياء علیهم السلام ضربان: حسّي وعقلي، فالحسّي يدرك بالبصر
كناقة صالح، و طوفان نوح، ونار إبراهيم، وعصا موسى علیهم السلام ، والعقلي ما يدرك بالبصيرة كالإخبار عن الغيب تعريضاً و تصريحاً و الإتيان بحقائق العلوم التي حصلت عن غير تعلّم .
فأما الحسي فيشترك في إدراكه العامة و الخاصة، و هو أوقع عند طبقات العامة، و آخذ بمجامع قلوبهم وأسرع لإدراكهم، إلا أنه لا يكاد يفرّق بين ما يكون معجزة في الحقيقة وبين ما يكون كهانة أو شعبذة أو سحراً أو سبباً اتفاقياً، أو مواطاة أو احتيالاً هندسياً أو تمويهاً و افتعالاً، إلا ذو سعة في العلوم التي يعرف بها هذه الأشياء .
و أما العقلي فيختص بإدراكه كله الخواص من ذوي العقول الراجحة، و الأفهام الثاقبة، والرؤية المتناهية، الذين يغنيهم إدراك الحق، وجعل تعالى أكثر معجزات بني إسرائيل حسياً لبلادتهم و قلة بصيرتهم، وأكثر معجزات هذه الأمة عقلياً لذكائهم وكمال أفهامهم التي صاروا بها كالأنبياء، و لذلك قال عليه الصلاة والسلام «كادت أمتي أن تكون أنبياء»(1)
راجع موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 5: 454
ولأنّ هذه الشريعة لما كانت باقية على وجه الدهر غير معرضة للنسخ، وكانت العقليات باقية غير مبتذلة جعل أكثر معجزاتها مثلها باقية.وما أتى به النبي صلی الله علیه و آله و سلم من معجزاته الحسّية كتسبيح الحصا في يده، و مكالمة الذئب له، ومجيء الشجرة إليه، فقد حواها وأحصاها أصحابه .
وأما العقليات فمن تفكّر بما أورده عليه الصلاة والسلام من الحكم التي قصرت عن بعضها أفهام حكماء الأمم بأوجز عبارة، اطلع على أشياء عجيبة، و مما خصه الله به من المعجزات القرآن، وهو آية حسيّة عقلية، صامتة ناطقة، باقية على الدهر، مبثوثة في الأرض، و لذلك قال تعالى: وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللهَ
1) لم أقف عليه ولا على مثله لفظاً، وإنّها ورد بلفظ «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» وهو من الأحاديث الضعيفة.
﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ . (1) ودعاهم ليلاً ونهاراً مع كونهم أولي بسطة في البيان، إلى المعارضة نحو قوله: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةِ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهَ(2)
وفي موضع آخر: وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(3)
وقال: قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيرًا (4)فجعل عجزهم علماً للرسالة، فلو قدروا ما قصروا، و لبذلوا أرواحهم في إطفاء نوره و توهين أمره، فلما رأيناهم تارة يقولون: لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ (5)وتارةً يقولون لو شئنا لقلنا مثل هذا(6)، وتارةً يصفونه بأنه: أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (7)وتارةً يقولون: لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً (8)و تارةً يقولون: إئتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدَّلْهُ(9)
كل ذلك عجزاً عن الإتيان بمثله علمنا قصورهم عنه، و محال أن يقال إنه عورض
1) العنكبوت : 50 - 51 .
2) البقرة: 23 .
3) هود: 13 .
4) الإسراء: 88 .
5) فصلت: 26
6) إشارة إلى أول الآية التالية، وهي قوله تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ الأنفال: 31 .
7) الأنفال: 31 .
8) الفرقان: 32 .
9) يونس: 15 .
فلم ينقل، فالنفوس مهتزّة لنقل ما دقّ و جلّ، و قد رأينا كتباً كثيرة صُنفت في الطعن على الإسلام قد نقلت و تداولت(1).
وأخيراً فاقرأ ما قال عمر فروخ في كتاب تاريخ الفكر العربي إلى أيام ابن خلدون(2):
و القرآن الكريم معجزة الرسول الكبرى في الإسلام وفي غير الإسلام، بمادته وأسلوبه، فليس في التاريخ كتاب بقي كيوم نزل معنى و نصّاً كالقرآن، ثم كان له من الأثر ما كان للقرآن الكريم في جميع ميادين الحياة، إنّ اسلوب القرآن الكريم هو الاسلوب الأمثل لأقدم اللغات الحيّة، وإنّ موضوعاته أصح الموضوعات، وهو الذي حفظ الإسلام، و حفظ اللغة العربية، و حفظ الأمة الإسلامية، ثم عجز البشر عن معارضته بالإتيان بسورة من مثله، أو بجزء من سورة .
ج - لابدّ لنا من معرفة معنى العادات و انخراقها، وأنّها إذا انخرقت دلّت على صدق الرسل، فنقول: إنّ العادة هي تكرار علم العالم بوجود الشيء المعتاد على طريقة واحدة، إما بتجدّد صفته و بتكرّرها ، أو ببقائه على حالة واحدة كما يقال عادة فلان إفشاء السلام، وعادة فلان إطعام الطعام، و عادة فلان الهذر و كثرة الكلام إلى غير ذلك مما يتكرر وقوعه على طريقة واحدة، أو تكون الصفة به لازمة، فتكون العادة هي الأمر المعتاد المتكرّر على وجه واحد، و إن كان ذلك بالإعتياد أيضاً بمعنى هو الوجود له و العلم به .
و قد تكون العادات ممّا يستوي فيها الناس وجميع أهل الأعصار و الأمصار كالأكل
والشرب والنوم، فلا معجزة في خرق ذلك، أو يستوي فيها أهل عصر دون غيرهم، وأهل مصر دون غيرهم، فلا يكون خرق العادة عند أهل ذلك العصر خرقاً لغيرهم، و إنما يكون خرق العادة بالشيء الذي يفعله الله سبحانه معجزة لنبيّه الذي يتحدى قبيله، و يحتجّ بهاعلى نبوته ليلزمهم العلم بصدقه، و أنه مرسل إليهم من الله تعالى .
فإن أرسل بشراً أرسله بما يخرق عادة البشر، وإن أرسل جنيّاً أظهر على يده ما هو خارق لعادة الجن، و إن أرسل طيراً أظهر على يده ما هو خارق لعادة الطير، و هكذا .
وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خلا فِيهَا نَذِيرٌ(1) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ(2) وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا(3) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ (4). فالعادة هي الحالة المستمرة في نظام الطبيعة عند تلك الأمة، فحدوث خرق العادة ليس في وسع العلم إنكاره، كما أنّه ليس كل خرق عادة يكون معجزة، بل العادة أحد شروطها كما مرّ بيانه.
و ثمة سؤال حول كلام النبي صلی الله علیه و آله و سلم مع قتلى الكفّار في قليب بدر، هل فيه خرق للعادة فهو معجزة أم لا ؟
قال ابن عطية في تفسيره المحرر الوجيز: فيشبه أن قصةَ بدرٍ خرق عادة لمحمد صلی الله علیه و آله و سلم في
أن ردّ الله إليهم إدراكاً سمعوا به مقاله، و لولا إخبار رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم بسماعهم لحملنا نداءه إياهم على معنى التوبيخ لمن بقي من الكفرة، وعلى معنى شفاء صدور المؤمنين.
أقول: روى البخاري، و مسلم، و الترمذي، وأبو داود، و النسائي، وأحمد بن حنبل جميعاً، والحديث بإسناد الأول عن قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش، فقذفوا في طويّ من أطواء بدر خبيث محبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشُدّ عليها رحلها، ثم مشي و تبعه أصحابه و قالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الرّكي، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان، و یا فلان بن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله ؟ فإنّا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ قال أبو طلحة فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم.
قال قتادة - أحد رواة الحديث عن أنس : أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخاً وتصغيراً ونقمة وحسرة وندما (1).
ومن المؤسف أن نجد البخاري يذكر هذا الحديث، ثم يذكر في الكتاب نفسه في آخرالباب بسنده عن ابن عمر قال: وقف النبي صلى الله عليه و آله و سلم على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعد ربّكم حقاً إنهم الآن يسمعون ما أقول، فذكر لعائشة فقالت: إنما قال النبي صلى الله عليه و آله و سلم إنهم الآن ليعلمون أنّ الذي كنت أقول لهم هو الحق، ثم قرأت إنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمُوْتَى حتى قرأت الآية .
أقول : فإحدى روايتي البخاري غير صحيحة لا محالة، رغم كونها في صحيح
1) صحيح البخاري كتاب المغازي باب قتل أبي جهل / 5 / 76/ ط بولاق السيرة النبوية لابن كثير 449:2 - 450 تحقيق مصطفى عبد الواحد مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر سنة 1384 هج-----
البخاري، ورغم أنّ راويها من الصحابة لتنافي الروايتين بين (يسمعون) وبين (ليعلمون)، فأيهما الصحيح ؟ وكيف بقداسة كتاب الصحيح ؟
وحتى هذه المعجزة لم تسلم من عبث الرواة، ليتطرق الريب في صحتها، وهذه بليّة تقديس الموروث، وأنّ ما ورد في الصحيحين لا يسع ردّه، وهذا من أفظع القول و أبخسه لحق أئمّة المذاهب الأربعة الذين ردّوا بعض ما أخرجه الشيخان من بعد في صحيحيهما «وقد أورد ابن القيم أكثر من مائة شاهد على ذلك في كتابه إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ، و لم يُضَلَّلْ أحدٌ أئمة المذاهب ولا علماءهم بسبب ذلک» (1)
وأما ما يجري الله سبحانه من خرق العوائد على أيدي بعض الأولياء من قلب بعض الأعيان ذهباً أو فضةً أو نحو ذلك، فهذا أمر لا ينكره مسلم، ولا يردّه مؤمن، و هذا ليس من قبيل الصناعات، وإنّما هذا عن مشيئة الله تعالى، و اختياره و فعله، إكراماً لوليه فأجرى تفعيله على يده، وأحسب هذا كافياً في بيان معنى الإعجاز والمعجزة و العادة.
سبق أن ذكرنا تعريف المعجزة و شرائطها، و هو يكفي لمعرفة الفرق بينها وبين الكرامة، لولا أنّ الكرامة و هى أيضاً نفحة من نفحات القدس تشرق على روح الولي، فَيَدْعُوَ الله سبحانه وتعالى، فيستجيب له، وتصدر على يديه أمور خارقة للعادة، فقد تظن أنّها معجزة، و ليست كذلك.
و بعيداً عن دعاوى بعض المغالين في كرامات بعض الأولياء و زعمها لكل من هبّ و دبّ، وبعيداً أيضاً عن خوارق قد تصدر عن بعض أصحاب الرياضات التي تهذّب
1) باقتضاب من كتاب نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث لإسماعيل الكردي: 333 ط دار الأوائل سنة 2002م .
نفوسهم، فتصفو حتى تشرق الروح، وإنّ للروح تسلطاً على الماديات، فتصدر منهم بعض الخوارق مما يحسبه الظمآن ماء، وهو كسراب بقيعة فيحسبها الجاهل بأنّها كرامة لذلك المرتاض، وهي ليست كذلك.
و لتقريب المراد إلى الأذهان نقولُ: إنّها مسألة قوة روحية تهيمن على الإنسان سواء كان طائعاً أم عاصياً، مسلماً أو غير مسلم، كما في مسألة تحضير الأرواح حيث يتجرّد الوسيط عن حالته العادية، و يصير في حالة أخرى تحت سلطان روحه، فليس ما يصدر عنه بكرامة، لأنّ الكرامة التي نبحث عنها لا تصدر إلا من الطائع لله تعالى من نبي أو وصي أو ولي امتحن الله قلبه بالإيمان، وهي من جميعهم بفضل من الله الحكيم العليم، الذي يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، ولا يأتي لهم جميعاً استعمال تلك القوة الروحية في مقام التنفيذ في كل حين .
وكم قرأنا في تاريخ الأنبياء والأوصياء والأولياء ما أصابهم من عظيم البلاء، فكانوا يصبرون على شدة اللأواء، وإيمانهم على قوته في السراء و الضراء، فهم يصيبهم ما يصيب الناس، ويألمون كما تألمون، ومع ذلك لم يستغلّوا تلك القوة الروحية في دفع ما أصابهم، ويبقى عظيم الفرق بين المعجزة وبين الكرامة هو التحدي في الأولى دون اشتراطه في الثانية،و يمكن لنا أن نقسمها إلى عدة اعتبارات فيما نحن عليه من الإعتقاد كمسلمين.
أولاً: إعتقاد جواز وقوعها بإشاءة الله تعالى و قدرته، فيوقعها إذا شاء إظهاراً لكرامة عبده من دون سبب وهذا مما لا نزاع فيه بين المسلمين.
ثانياً: إعتقاد تحقق وقوعها بالفعل لأناس ثبتت لهم بالنص من الكتاب المجيد، سواءٌ كان صاحبها نبياً كما في قصة إبراهيم علیه السلام حين جعل الله النار عليه برداً وسلاماً، أو غير نبي كما في قصة مريم علیها السلام عند ولادتها عيسى علیهما السلام.
فَأَجَاءَهَا الْمُخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا * فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا.(1) وما دونها قصة الذي عنده علمٌ من الكتاب، وقد أحضر السليمان علیه السلام عرش بلقيس من اليمن إلى فلسطين قبل أن يرتد إليه طرفه ، واعطف على هذا قصة أصحاب الكهف ونحو ذلك مما لا جدال في صحة وقوعه لوروده في القرآن المجيد .
ثالثاً: تصديق وقوع الكرامة لأناس صحّ فيها النقل برواية الآثار الثابتة الصحيحة، فيلزمنا تصديق ما ورد، ما دامت أدلّة الإثبات تامة الحجية عن الأثبات، كما في بعض الكرامات التي وقعت لبعض الأنبياء أو الأوصياء، فإنّها لم ترد صراحة في الكتاب العزيز، وما طلب الإشارة لمن طلبها فيه بعزيز، كما في مسألة ردّ الشمس على سليمان علیه السلام ، أو ليوشع بن نون علیه السلام ، أو للنبي صلی الله علیه وآله و سلم، أو لأمير المؤمنين علیه السلام ، كما سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى .
فهذا النوع دون ما سبق آنفاً، فذلك نعتقد صحته من دون تردد، لأن القرآن نصّ عليه في آياته، و هذا لم ينصّ عليه بل كان طريق إثباته ما صحّ من الروايات، فهو صحيح عند من يرى ذلك، ولا إثم على من لا يرى ذلك إن كان محايداً و لم يكن معانداً .
رابعاً عدم لزوم التصديق بكل ما ينسب إلى بعض من يرى الناس فيهم خيراً، ما دام لم يأت بذلك نصّ صريح من كتاب أو خبر صحيح، و هذا هو القسم الذي يقع فيه النزاع لأنه مجال للتردّد و التشكيك، لأنّه نقل إلينا عن طريق التاريخ كسائر ما فيه من أخبار
1) مريم: 23 - 25 .
الحوادث و الآثار، فهو دون القسم الثاني بلا شك، بل و لا كالقسم الثالث.
فمتى توفّرت شروط الصحة في قبول النقل، كان على من توفّرت لديه أن يذعن بالتصديق، و من لم تتوفّر لديه، فلا جناح عليه.
فإذا قيل لك: إنّ لفلان الولي كرامة كذا، فهو كما إذا قيل لك إنّه وُلد سنة كذا، أو حجّ سنة كذا، أو مات سنة كذا، فإن أقنعك الناقل الراوي بصدقه صدّقته في خبره عن الكرامة التي نسبها لوليّه ولا تكابره، وإلّا كنت معذوراً في الرفض، و ليس للمخبر عنه من سلطان يفرض عليك تصديقه، ما دمت غير واثق من صدقه، و لا هو ممّن جعل الشارع قوله حجة عليك في الدين .
أما إذا كان الراوي ممّن أمرنا الشارع بتصديقه لإيمانه وعدالته و وثاقته، فليس لنا أن نردّ قوله، بل علينا ترتيب الأثر على خبره ، و الردّ عليه يكون حينئذٍ مكابرة مقيتة و عناداً للحق .
فتحصّل أنّ الكرامة وقوعاً إنما يكون ثبوتها بالآثار الصحيحة، كما أنّ ثبوتها لشخص معين لا يستلزم ثبوت مثلها لشخص آخر، ولا مانع من أن يقع مثلها لآخرين إذا صحّ النقل، فما يحدث لأولياء الله تعالى من الكرامات الظاهرة التي لا شك فيها ولا شبهة ممّا ورد ذكره في الكتاب، هو حق صحيح لا امتراء فيه، لأنّه ورد في محكم التنزيل من قصص الصالحين الذين أجرى الله سبحانه لهم و على أيدیهم من الكرامات الظاهرة، كما في قصّة ذي القرنين و ممّا تهيأ له ممّا تعجز عنه الطباع البشرية، فقال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (1).
1) الكهف : 83 - 84 .
وقد مرّت الإشارة منّا إلى قصّة إبراهيم علیه السلام ، ومريم علیها السلام ، وقصة آصف بن برخيا الذي عنده علم من الكتاب، فأتى بعرش بلقيس السليمان علیه السلام قبل أن يرتد إليه طرفه، فهذا كله حق و من شك في ذلك كافر .
فتبيّن أنّ وقوع الكرامة من غيرهم ممّن كانوا هم من أهل الولاية والكرامة، فهو حق عند من تحقّق لديه الوقوع بالدليل الذي يطمئن إليه و يؤمن به قلبه، و ليس لأحد أن ينازعه في ذلك المعتقد، ولا أن يشنّع عليه، كما أنّه هو أيضاً ليس له أن ينازع غير المعتقد ليحمله على مشاركته له في اعتقاده .
نعم له أن يطرح عقيدته و حجته بالتي هي أحسن فمن استجاب أجاب، ومن لم يستجب فلا تثريب عليه، ولا شك أنّ اختلاف الرؤى إنما يحدث نتيجة القناعة الشخصية، و ربما خضعت لبعض المؤثرات الخارجية كما لو كان الإنسان واقعاً تحت طائلة الرواسب من طائفية أو بيئية وغير ذلك، وكان منساقاً مع هواه، فلا مانع من تنبيهه إلى خطأ ما هو واقع فيه بالتي أحسن، فإن ارعوى فاهتدى فذلك، و إن أصرّ معائداً ومستكبراً فالإعراض عنه أولى و أجدى .
فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ(1) وللجاحظ كلام في اختلاف أحوال الناس عند سماع الغرائب، يجدر بنا نقله في المقام، قال: وأكثر الناس لا تجدهم إلا في حالتين، إما في حال إعراض عن التبيّن وإهمال للنفس، وإما في حال تكذيب وإنكار وتسرّع إلى أصحاب الاعتبار و تتبع الغرائب والرغبة في الفوائد .
1) الأنعام: 125
ثم يرى بعضهم أنّ له بذلك التكذيب فضيلة، و انّ ذلك باب من التوقي، وجنس من استعظام الكذب، وأنّه لم يكن كذلك إلا من حاقّ الرغبة في الصدق، وبئس الشيء عادة الإقرار و القبول، و الحق الذي أمر الله تعالى به و رغّب فيه و حثّ عليه أن ننكر من الخبر ضربين: أحدهما ما تناقض و استحال، و الآخر ما امتنع في الطبيعة وخرج من طاقة الخلقة.
فإذا خرج الخبر من هذين البابين وجرى عليه حكم الجواز، فالتدبّر في ذلك التثبت، و أن يكون الحق في ذلك هو ضالتك، و الصدق هو بغيتك، كائناً ما كان، وقع منك بالموافقة، أم وقع منك بالمكروه، و متى لم تعلم أنّ ثواب الحق و ثمرة الصدق أجدى عليك من تلك الموافقة لم تقع على أن تعطي الثبت حقه (1)
ونعود إلى الكرامة وحقيقتها عند صاحب العقائد النسفية، و هو كتاب يقول به شطر كبير من أشاعرة هذه الأمة، قال النسفي في كتابه العقائد النسفية:«وكرامات الأولياء حق فيظهر - الله سبحانه - الكرامة على طريق نقض العادة للولي من قطع المسافة البعيدة في المدّة القليلة، وظهورالطعام و الشراب و اللباس عند الحاجة، و المشي على الماء و في الهواء، و كلام الجماد و العجماء، أو غير ذلك من الأشياء .
ويكون ذلك معجزة للرسول الذي ظهرت هذه الكرامة لواحد من أمته، لأنّه يظهر بها أنّه ولي و لن يكون ولياً إلا و أن يكون محقاً في ديانته، و ديانته الإقرار برسالة رسوله»(2).
و قال التفتازاني في شرح العقائد النسفية : «والدليل على حقيقة الكرامة ما تواتر عن كثير من الصحابة و من بعدهم بحيث لا يمكن إنكاره، خصوصاً الأمرالمشترك، وإن كانت التفاصيل آحاداً، و أيضاً الكتاب ناطق بظهورها من مريم و من صاحب سليمان علیه السلام كما تقدّم.
وينبغي أن يعتبر بحال من يقع الخارق منه، فإن كان متمسّكاً بالشريعة، متجنّباً للموبقات، فالذي يظهر على يده من الخوارق يعدّ كرامة، و إلا فهو سحر وشعبذة كما أنّ الكرامة ينبغي لصاحبها كتمان التحدّث بها من جهة رؤية النفس، فلا يأمن السلب من جهة العُجب ومن جهة الرياء لئلا يتشاغل عن الشكر لله عليها بالحديث عنها عند الناس كما أنّه لا يأمن الحسد عليها فيوقع غيره في المحذور.
وقد يستأنس لهذا الأخير بقول سيدنا يعقوب علیه السلام كما حكاه القرآن المجيد بقوله: قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا(1).
و قد كتب السبكي في طبقات الشافعية(2)بحثاً طويلاً استعرض فيه الكرامات و شُبَه القدرية في منعها و ذكر فساد تلك الشُّبَه ، و ساق جملة ممّا زعم صدوره من الكرامات على أيدي الصحابة والتابعين، ثم ذكر من أنواع الكرامات خمسةً و عشرين نوعاً و ختم كلامه
بقوله : و أظن أنواع كراماتهم تربو على المائة، و فيما أوردته دلالة على ما أهملته و مقنع و بلاغ لمن زالت عنه غفلته.
وما من نوع من هذه الأنواع إلا و قد كثرت فيه الأقاصيص و الروايات، وشاعت فيه الأخبار و الحكايات، و ماذا بعد الحق إلا الضلال، و لا بعد بيان الهدى إلّا المحال، و ليس للموفَق غير التسليم و سؤال ربّه أن يلحقه بهؤلاء الصالحين، فإنّهم على صراط مستقيم، و لو حاولنا حصر ماجرياتهم لضيقنا الأنفاس وضيّعنا القرطاس، و نحن نقول أيضاً: ولنترك الأمر إلى قناعة الناس .
قال تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمانَ وَمَا كَفر سلَيْمانُ وَلَكنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُا ما يُفرِّقُونَ به بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهَ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا به أَنفسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون(1)
وهنا ثلاث مسائل نمرّ بها باختصار:
الأولى في حقيقة السحر من خلال تعريفه .
الثانية في حقيقة السحر من خلال تفعيله .
الثالثة في حقيقة السحر من خلال تحريمه.
السحر أصله التمويه بالحيل و التخاييل، و هو أن يفعل الساحر أشياء و معاني، فيُخَيل للمسحور أنّها بخلاف ما هي به، كالذي يرى السراب من بعيد، فيُخيّل إليه أنّه ماء، و كراكب السفينة السائرة سيراً حثيثاً يُخيّل إليه أنّ ما يرى من الأشجار و الجبال سائرة معه . و قيل : هو مشتق من سحرت الصبي إذا خدعته، و كذلك إذا علّلته، والتسحير مثله قال لبيد:
فإن تسألينا فيم نحن فإننّا *** عصافير من هذا الأنام المسحِّر و قوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مِنْ المُسَحَرِينَ وقيل: أصله الخفاء، فإنّ الساحر يفعله في
1) البقرة: 102
خفية . وهناك أقوال غير هذا تلتقي عند قول الجوهري : السحر الأخذة، وكل ما لطف مأخذه و دقَ فهو سحر، و قد سحره يسحره سحراً، و الساحر: العالم، و سحره أيضاً بمعنى خدعه . وهذا ما يسمى في الجاهلية بالعضه، والعضه عند العرب شدة البُهت و تمويه الكذب. قال الشاعر :
أعوذ بربّي من النافثات *** في عضه العاضه المعضه
لقد اختلف هل له حقيقة أم لا ؟ فذكر الغزنوي في عيون المعاني له : أنّ السحر عند المعتزلة خدع لا أصل له، وعند الشافعي وسوسة و أمراض، قال: و عندنا أصله طلسم يبني على تأثير خصائص الكواكب، كتأثير الشمس في زئبق عِصّي فرعون، أو تعظيم الشياطين ليسهّلوا له ما عسر .
و قال الشيخ الطوسي في كتاب الخلاف (1): السحر له حقيقة و يصحّ منه أن يعقد، و يرقي، ويسحر فيقتل و يمرض و يكوّع (2)الأيدي، و يفرّق بين الرجل وزوجته، ويتفق له أن يسحر بالعراق رجلاً بخراسان فيقتله، عند أكثر أهل العلم أبي حنيفة و أصحابه و مالك و الشافعي، و قال أبو جعفر الاستربادي(3)من أصحاب الشافعي: لا حقيقة له، و إنما هو تخييل وشعبذة، وبه قال المغربي من أهل الظاهر، وهو الذي يقوى في نفسي .
و يدلّ على ذلك قوله تعالى مخبراً في قصة فرعون و السحرة:فإذَا حِبالُهُمْ وَ عِصِیُهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سَحْرِهِمْ أَنها تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى(4)
وذلك أنّ القوم جعلوا من الحبال كهيئة الحيّات، و طلوا عليها الزيبق، و أخذوا الموعد على وقت تطلع فيه الشمس، حتى إذا وقعت على الزيبق تحرّك فخيّل لموسى أنّها حيّات تسعى، و لم يكن لها حقيقة، و كان هذا في أشدّ وقت السحر، فألقى موسى عصاه فأبطل عليهم السحر فآمنوا به.
و أيضاً فإنّ الواحد منا لا يصح أن يفعل في غيره، و ليس بينه و بينه اتصال، و لا اتصال بما اتصل بما فعل فيه، فكيف يفعل من هو ببغداد فيمن هو بخراسان و أبعد منها ؟ و لا ينفي هذا قوله تعالى: وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ (1)لأنّ ذلك لا يمنع منه، وإنما الذي منعنا منه أن يؤثّر التأثير الذي يدّعونه، فأما أن يفعلوا ما يتخيل عند أشياء فلا يمنع منه.
و قال الشيخ الطوسي أيضاً: و رووا عن عائشة أنّها قالت : مكث رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ستة أشهر، و في رواية أخرى أياماً يُخيّل إليه أنّه يأتي النساء و لا يأتيهن، وذكر تمام الحديث(2).
و روى زيد بن أرقم قال: سحَر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم رجل من اليهود، و اشتكى ذلك أياماً، فأتاه جبرئيل، فقال له: إنّ رجلاً من اليهود سحرك ، و عقد لك عُقُداً في بئر كذا، فبعث عليّاً فأخرجه، و كلّما حلّ منه عَقَداً وجد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم راحة ، فلما حلّ الكل فكأنها نشط من عقال (3)وهذا نص .
ثم قال الشيخ الطوسي و هذه أخبار آحاد لا يُعمل عليها في هذا المعنى، و قد روي
عن عائشة أنّها قالت: سُحِرَ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فما عمل فيه السحر، و هذا يعارض ذلك.
و قال ابن إدريس الحلي: و لا حقيقة للسحر و إنّما هو تخيل و شعبذة، و عند بعض المخالفين إنّ له حقيقة ... والرسول صلی الله علیه و آله و سلم ما سُحر عندنا بلا خلاف، لقوله تعالى: وَالله يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ وعند بعض المخالفين أنّه سحر، و ذلك بخلاف التنزيل(1)
وقال الجصاص الحنفي(2): و قد أجازوا من فعل الساحر ما هو أطمّ من هذا و أفظع و ذلك أنهم زعموا أن النبي صلی الله علیه و آله و سلم سُحر، و أنّ السحر عمل فيه حتى قال فيه: إنّه يتخيل لي أنّي أقول الشيء و أفعله و لم أقله و لم أفعله، و أنّ امرأة يهوديّة سحرته في جفّ طلعته... .
و قد قال الله تعالى مكذباً للكفّار فيها ادعوه من ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال جلّ من قائل: وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلاً مَسْحُوراً و مثل هذه الأخبار من وضع الملحدين تلعّباً بالحشو الطغام، و استجراراً لهم إلى القول بإبطال معجزات الأنبياء علیهم السلام والقدح فيها، و أنّه لا فرق بين معجزات الأنبياء و فعل السحرة، و إنّ جميعه من نوع واحد .
قال القرطبي : وعندنا له حقيقة يخلق الله عنده ما يشاء، و قال: ذهب أهل السّنة إلى أنّ السحر ثابت و له حقيقة، و ذهب عامة المعتزلة و أبو إسحاق الاستربادي من أصحاب الشافعي إلى أنّ السحر لا حقيقة له، و إنّما هو تمويه و تخيل و إيهام لكون الشيء على غير ما هو به، و أنّه ضرب من الخفة و الشعوذة كما قال تعالى: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (3)ولم يقل تسعى على الحقيقة، و لكن قال: (يخيّل إليه).
وقال أيضاً: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ (1)وهذا لا حجة فيه، لأنا لا ننكر أن يكون التخيّل وغيره من جملة السحر ، و لكن ثبت وراء ذلك أمور جوّزها العقل، و ورد بها السمع، فمن ذلك ما جاء في هذه الآية من(2)ذكر السحر و تعليمه، ولو لم يكن له حقيقة لم يمكن تعليمه، ولا أخبر تعالى أنهم يعلّمون الناس السحر، فدلّ على أنّ له حقيقة، و قوله تعالى في قصة سحرة فرعون: وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ(3).
وقال القرطبي أيضاً : قال علماؤنا : لا يُنكر أن يظهر على يد الساحر خَرق العادات ممّا ليس في مقدور البشر من مرض و تفريق و زوال عقل و تعويج عضو، ذلك مما قام الدليل على استحالة كونه من مقدورات العباد .
قالوا: و لا يبعد في السحر أن يستدقّ جسم الساحر حتى يتولّج الكوّات و الخوخات، و الانتصاب على رأس قصبة، و الجري على خيط مستدق، والطيران في الهواء، والمشي على الماء وركوب كلب وغير ذلك .
و مع ذلك فلا يكون السحر موجباً لذلك، و لا علة لوقوعه، ولا سبباً مؤكداً ، ولا يكون الساحر مستقلاً به، وإنّما يخلق الله تعالى هذه الأشياء و يُحدثها عند وجود السحر، كما يخلق الشبع عند الأكل، والريّ عند شرب الماء.
روى سفيان عن عمّار الدهني أنّ ساحراً كان عند الوليد بن عقبة يمشي على حبل، ويدخل في أست الحمار و يخرج من فيه، فاشتمل له جندب على السيف، فقتله جُندب - هذا هو جندب بن كعب الأزدي و يقال البجلي - وهو الذي قال في حقه النبي صلى الله عليه وسلم : «يكون في
أُمتي رجل يقال له جندب يضرب ضربة بالسيف يفرّق بين الحق و الباطل» فكانوا يرونه جندبا هذا قاتل الساحر(1).
أجمع المسلمون على حرمته «ولا خلاف بينهم أن تعليمه وتعلمه وفعله محرّم لقوله تعالى: وَ لَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ فذمّ على تعليم السحر، وروي عن ابن عباس أنه رحمه الله قال : ليس منا من سَحَر أو سُحر له، وليس منا من تَكَهّن أو تُكهّن له، وليس منا من تطيّر أو تُطيّر له»(2).
وإن اختلفوا في حكم الساحر المسلم و الذمي، فذهب مالك إلى أنّ المسلم إذا سحر بنفسه بكلام يكون كفراً يقتل و لا يستتاب و لا تقبل توبته، لأنه أمر يَستسّر به كالزنديق
1) ترجمه ابن حجر في تهذيب التهذيب 118 : 2، جندب الخير الأزدي العامري قاتل الساحر، يكنى أبا عبد الله له صحبة، يقال أنّه جندب بن زهير ، ويقال جندب بن عبد الله، ويقال جندب بن كعب بن عبد الله، روى عن النبي : «حد الساحر ضربة بالسيف وعن سلمان الفارسي وعلي وعنه حارثة بن وهب الصحابي والحسن البصري وترجمه أيضاً في الإصابة 1 : 251 ونقل عن البخاري في تاريخه من طريق خالد الحذاء عن أبي عثمان قال: كان عند الوليد رجل يلعب فذبح إنساناً وأبان رأسه فعجبنا فأعاد رأسه، فجاء جندب الأزدي فقتله . ونقل عن البيهقي في الدلائل من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة عن أبي الأسود أنّ الوليد بن عقبة كان أميراً على العراق وكان بين يديه ساحر يلعب فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيقوم خارجا فيرتد فيه رأسه، فقال الناس: سبحان الله يحيي الموتى، ورآه رجل صالح من المهاجرين فنظر إليه، فلما كان من الغد اشتمل على سيفه فذهب يلعب لعبه ذلك فاخترط الرجل سيفه فضرب عنقه وقال: إن كان صادقاً فليحيي نفسه، فأمر ب-ه ال-ولي--د فسجن... وروي في أواخر ترجمته أن عثمان رفع إليه أمره فقال: أشهرت سيفاً في الإسلام لولا ما سمعت رسول الله له الله فيك لضربتك بأجود سيف بالمدينة، وأمر به إلى جبل الدخان أقول: هذا خليفة المسلمين وأخوه لأمه والي المسلمين عاقبا رجلاً من المسلمين لقتله ساحر المسلمين، فإن الله وإنا إليه راجعون .
2) السرائر لابن إدريس 6 : 261 من التنضيد بتحقيقي .
و الزاني، و لأنّ الله تعالى سمّى السحر كفراً بقوله: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرُ و هو قول أحمد و الشافعي و أبي حنيفة.
و إن كان الكلام الذي ذكر أنّه سحر به ليس بكفر لم يجز قتله، فعن الشافعي لا يُقتل الساحر إلا أن يقتل بسحره و يقول تعمّدت القتل، و إن قال لم أتعمّد لم يقتل، و في الفقهاء من قال غير ذلك على تفصيل مذكور في كتب الأحكام ولسنا بصدده، و خلاصة ما عندنا ما رواه الكليني والصدوق عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: «ساحر المسلمين يقتل وساحر الكفار لا يقتل، فقيل : يا رسول الله و لم لا يقتل ساحر الكفّار ؟ قال : لأنّ الكفر أعظم من السحر
ولأن السحر والشرك مقرونان»(1).
وهنا لابدّ لنا أن نلفت نظر القارئ إلى تصحيح خطأ حفلت به بعض كتب التفسير و الحديث، و ذلك هو أن الرسول الكريم صلى الله عليه و آله و سلم سحره لبيد بن الأعصم اليهودي، أو هو و بناته في قصّة سنذكرها، فرواها الرواة و تحيّر في فهمها بعض العلماء فحاول تبرير صحتها، و أنكرها آخر جملةً و تفصيلاً، و هي غير منسجمة تماماً، مع طبيعة النبوة و مهمة الرسالة، لذلك رأيت الإلمام باختصار برواية سحر النبي صلى الله عليه و آله و سلم و تخلخل عمودها الفقري - إن صحّ التعبير - لمجافاتها للرسالة.
فهي بالمفهوم المطروح لدى رواتها أنّه صلى الله عليه و آله و سلم يجوز عليه جميع ما يجوز على المسحور من فقدان الوعي و الاختلال في الأقوال و الأفعال، و بتعبير أعدائه وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ(2).
و لست أدري لماذا الإصرار من بعض أصحاب الكتب على إثباتها،و التمحل في تبريرها ما دامت روايتها مخدوشة سنداً، و مردودة متناً كما يلي إيضاح ذلك.
أولا : رواها شيخ المحدّثين عند أصحابه، و من جعلوا كتابه أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى و هو البخاري، فقد أخرج القصّة في صحيحه مكرراً، ففي كتاب الطب في باب السحر و قول الله تعالى: وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ و في كتاب الدعوات في باب تكرير الدعاء، و هذا ما رواه بإسنادٍ ينتهي إلى هشام عن أبيه عن عائشة، و مع ذلك تفاوت عنده النقل، و إليك ذلك :
هشام عن أبيه عن عائشة قالت: سَحَرَ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم رجل من بني زريق يقال له لبيد من الأعصم، حتى كان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يُخيّل إليه أنه كان يفعل الشيء و ما فعله، حتى كان ذات يوم - أو ذات ليلة - وهو عندي، دعا و دعا ثم قال يا عائشة، أشَعَرتِ أن الله تعالى أفتاني فيما استفتيته فيه ؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي و الآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه ما وجع الرجل ؟ فقال : مطبوب، قال: مَن طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال : في أي شيء؟ قال: في مشط و مشاطة و جفّ طلع نخلة ذكر، قال: و أين هو ؟ قال: في بئر ذروان.
فأتاها رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في ناس من أصحابه، فجاء، فقال: يا عائشة كأنّ ماءها نقاعة الحنّاء، و كأنّ رؤوس نخلها رؤوس الشياطين قلت يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: قد عافاني الله، فكرهت أن أثير على الناس فيه شراً، فأمر بها فدفنت .
و هذا أخرجه مسلم أيضاً في كتاب الطب في باب السحر بتفاوت يسير في ألفاظه فهو من المتفق عليه عند أصحابه .
وأخرج القصة ثانياً في كتاب الطب أيضاً باب هل يستخرج السحر ؟ وفي كتاب الأدب باب قول الله: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ (1)الآية، قال: حدّثني عبد الله بن محمد قال: سمعت ابن عُيْيَنَة يقول: أول من حدّثنا به ابن جريج يقول : حدّثني آل عروة عن عروة، فسألت هشاماً عنه فحدّثنا عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم سُحِر ، حتى كان يرى أنّه يأتي النساء و لا يأتيهنّ، فقال: يا عائشة، أعلمت أنّ الله قد أفتاني فيها استفتيته فيه؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر : ما بال الرجل ؟ قال : مطبوب، قال: ومن طبّه ؟ قال: لبيد بن الأعصم رجل من بني زُريق حليف ليهود كان منافقاً، قال: و فيم؟ قال: في مشط و مشاطة، قال: و أين ؟ قال: في جف طلعة ذكر تحت راعوفة في بئر ذروان .
قالت: فأتى النبي صلى الله عليه و آله و سلم البئر حتى استخرجه، فقال: هذه البئر التي اُريتها، و كأن ماءها نقاعة الحنّاء، و كأن نخلها رؤوس الشياطين قال: فاستخرج قالت: فقلت: أفلا تنشّرت؟ فقال: أما و الله فقد شفاني و أكره أن أثير على أحد من الناس شراً .
و لما كان الحديث رواه هشام عن أبيه عن عائشة، و هشام هذا هو ابن عروة الذي قال عنه الإمام مالك: «هشام بن عروة كذاب» (2)و ذكر ابن حجر في ترجمته في تهذيب التهذيب و هدي الساري ما يفي بمعرفة سقوطه لتدليسه، فقد حكى عن ابن خراش قوله: كان مالك لا يرضاه .. بلغني أنّ مالكاً نقم عليه حديثه لأهل العراق، قدم الكوفة ثلاث مرات، قدمة كان يقول: حدّثني أبي قال: سمعت عائشة، و قدم الثانية فكان يقول : أخبرني أبي عن عائشة، و قدم الثالثة فكان يقول : أبي عن عائشة .
و ذكر ابن حجر عن الآجري عن أبي داود لما حدّث هشام بن عروة بحديث أم زرع هج--ره أبو الأسود يتيم عروة، و قال العقيلي: قال ابن لهيعة: كان أبو الأسود يعجب من حديث هشام عن أبيه، و ربما مكث سنة لا يكلّمه.
أما أبوه عروة بن الزبير مضافاً إلى نُصبه فقد وقفت على كذبه في حديثه، قال: كنت غلاماً لي ذؤابتان فقمت أركع ركعتين بعد العصر، فبصرني عمر بن الخطاب و معه الدِرَّةُ، فلما رأيته فررت منه، فأحضر في طلبي حتى تعلّق بذؤابتي فنهاني، فقلت: يا أمير المؤمنين لا أعود.
أقول: و لما كانت ولادة عروة لستٍ خلون من خلافة عثمان، و كان بينه وبين أخيه عبد الله عشرون سنة، كما يقول ذلك مصعب الزبيري - و هو أعرف الناس بأنساب أهل بيته و تواريخهم - فقد أحرج الذين قالوا عنه كان ثقة كثير الحديث فقيهاً عالماً ثبتاً مأمون- كما عن ابن سعد - فصاروا يتصنّعون له العذر ، فقال ابن حجر في تهذيب التهذيب بعد ذكره الخبر الكاذب وقع منه و هم، و لعلّ ذلك جرى لأخيه عبد الله بن الزبير، و سقط اسمه على بعض الرواة .
و لا نطيل عند بقية رجال السند بدءاً من البخاري الذي عدوه من المدلّسين(1)، و اعتذروا عنه في هدي الساري، و في آخر تاريخه أنّه أخرج من بخارا لفتياه بنشر الحرمة في الرضاع من لبن البهيمة(2)، و انتهاء بأم المؤمنين التي حظيت دون غيرها من أمهات المؤمنين بأحاديث عجيبة و غريبة، رووها على لسانها و غلب على الكثير من أحاديثها طابع الغريزة الجنسية و ما يمت إليها.
و أما الحديث من جهة المتن، فإنّ إشكالية أكثر المسلمين في هذا العصر اعتقادهم بأنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم هو كغيره يعتريه ما يعتري سائر الناس من الأمراض الجسمية و النفسية بل و حتى العقلية، و هنا موطن الخطأ، و هنا موضع الضرر.
واختصاراً في الطريق نطلب من أولئك أن يرضوا لمن قام بعده تلك الصفات، و ليس من السهل زحزحتهم عن معتقدهم بعد أن ورثوا تركة ثقيلة في معتقدهم بأن ماضيهم هو الذي يملك الحقيقة، و لم يَسْمَعُوا لمن ناقش أو عارض فضلاً عمّن نقد أو خطأ، فهنالك الويل و الثبور . و تبعة ذلك كله على من قالها بصلف « إنّه هج--ر» «إنّه يهج--ر» «إنّه قد غلب عليه الوجع» كبرت كلمة تخرج من أفواههم.
وعلى من قال يُخيّل إليه أنه كان يأتي النساء و لا يأتيهنّ - كما مرّآنفاً - وازداد الشر تفاقماً حين احتلت شخصيات و كتب مواضع القداسة، فلا مجال للبحث النقدي، بل يجب الخضوع للنقل مادام الحديث من رواية الشيخين وهو في الصحيحين، و كانّهما وحي منزل (!).
فعلينا أن نعقل ما ننقل ثم نقبل أو لا نقبل، فليست كثرة الرواية من غير وعي و دراية بشيء محمود، و قد مرّ بنا ما يتعلق بسند الصحيح من التجريح، و لنعد إلى ما في متن الحديث من نقد يسقط عن الاعتبار، و حسبنا ما ذكره ابن حجر العسقلاني في فتح الباري(1)فقد أطال الكلام مدافعاً وإن لم يكن مقنعاً. .
فمن ذلك ما ورد في أحد الحديثين المذكورَينِ آنفاً، أنّ السحر استخرج و ورد في الآخر لم يستخرج، و كلا الحديثين في البخاري عن هشام عن أبيه عن عائشة، و للتوفيق بين الحديثين انبرى للجمع شرّاح البخاري لكل طريق و لم يحالفهم التوفيق، إذ قالوا إن المستخرج هو جفّ الطلع، و مراد من قال بعده الاستخراج هو المشط و الماشطة ممّا كان في داخل جفّ الطلع . و هذا مما يضحك و شرّ البلية ما يضحك .
ثم الاختلاف في الساحر من هو ؟ لبيد بن أعصم، أم بناته، أم غلام يهودي كان يخدم النبي صلى الله عليه و آله و سلم يقال له لبيد بن أعصم و كان تعجبه خدمته ، وهذا من رواية عمرة عن عائشة كما
1) فتح الباري 10: 237 - 245 .
في دلائل النبوة للبيهقي(1)، و هو خبر منكر إذ لم يعهد أن استخدم النبي صلى الله عليه و آله و سلم غلاماً يهودياً.
و لو سلّمنا لما رواه ابن حجر في فتح الباري بأنّ اسمه عبد القدوس، و قد مات و هو صبي نقلاً عن ابن بشكوال عن صاحب العتبية، ينافي ما تقدّم عن دلائل النبوة للبيهقي و في هذا الكتاب جملة روايات في قصة السحر متنافرة، لا نطيل الوقوف عندها، و لا عند غيرها من روايات مهلهلة الإسناد، متنافرة المتون.
و ممّا يضحك في المقام ذكر الملا علي القاري في مرقاة المفاتيح أنّه تكرّر سحره صلى الله عليه و آله و سلم مرّتين؛ ليتم له الجمع بين روايتي سحره لبيد بن أعصم، و رواية سحرته بنات لبيد و أحسبه لم يقف على رواية البيهقي سحره غلام كان يخدمه و اسمه عبد القدوس، و لو اطلع عليها لجعل السحر ثلاث مرّات
ثم إنّ المصيبة ما ذكروه من أنه صلى الله عليه و آله و سلم أقام مسحوراً أربعين ليلة، كما في المستخرج للإسماعيلي، وفي رواية أحمد عن الزهري ستة أشهر، و في إرشاد الساري سنة(2)، وليتهم حدّدوا لذلك سنة معيّنة لننظر متى كان كذلك حتى إنه يخيّل إليه أنه يفعل الشيء و ما فعله، و تاريخه صلى الله عليه و آله و سلم معدودة أحداثه فمتى كانت تلك السنة أو الستة أشهر، بل و حتى الأربعون ليلة.
و ما بال هذا الحدث لم يشعر بحدوثه من أزواجه سوى عائشة إن صحّت الرواية عنها ؟ أليس كان لكلهنّ القَسَم، و هنّ على حد سواء مع عائشة في شؤون الحياة الزوجية، فما بالها روت ذلك وحدها، و لم يرد عن أمهات المؤمنين في ذلك شيء يذكر .
و قالوا في شأن نزول المعوذتين إنما كان لتعويذه صلى الله عليه و آله و سلم ممّا ألمّ به من السحر، و انّهما مدنيتان بينما البيهقي و هو ممّن روى السحر، ذكر السور المكية و عدّ منها المعوذتين، كما في دلائل
النبوة (1)و عنه في الإتقان للسيوطي(2)، و تجد فيه نقولاً شتى في أنّ السورتين نزلتا بمكة، بينما القصّة المزعومة كانت بالمدينة ، و قد تَمَحَّلَ بعضهم فعدهما مدنيّتين تمشية لقصة السحر.
و قد صرّح غير واحد من أعلام الإسلام بكذب ما ورد في ذلك.
فقال العلّامة الحلي في كتابه (منتهى المطلب) في مبحث محرمات التجارة (3)بعد إيراده رواية البخاري: و هذا القول عندي باطل، و الروايات ضعيفة، خصوصاً رواية عائشة، لاستحالة تطرّق السحر إلى الأنبياء علیهم السلام.
وقال الشيخ البهائي: اعلم إنّا معاشر الإمامية على أنّ السحر لم يؤثر في النبي صلى الله عليه و آله و سلم، و أمره في هذه السورة - يعني الفلق - بالاستعاذة من سحرهن لا يدل على تأثير السحر فيه صلى الله عليه و آله و سلم و هو كالدعاء فى رَبَّنا لا تُؤَاخِذْنا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأًنا(4)و أما ما نقله المخالفون عنه أن السحر أثر فيه صلى الله عليه و آله و سلم، كما رواه البخاري و مسلم من أنه صلى الله عليه و آله و سلم سُحِر حتى أنه كان يُخيل إليه أنّه فعل الشيء ولم يكن فعله، فهو من جملة الأكاذيب، و لو صحّ ما نقلوه لصدق قول الكفار إنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلاً مَسْحُورًا(5). و لما كان بعض كتب أصحابنا وردت فيها القصة وفاقاً لروايات العامة، فتلك أخبار آحاد مخدوشة الإسناد لا يعمل بها .
قال السيد الجواد في مفتاح الكرامة(6): قد ورد في بعض أخبارنا وفاقاً لروايات عائشة أنه صلى الله عليه و آله و سلم سحره لبيد بن أعصم اليهودي، فقد أنكره الشيخ في الخلاف ،
والمصنف - يعني العلّامة الحلي - في المنتهى، و جماعة و هو كذلك قطعاً، تقضي به أصول المذهب، والروايات شاذة ضعيفة، محمولة على التقية، مخالفة للأصول و القواعد و الإعتبار فلا يلتفت إلى ما احتمله في البحار.
وعلى نحو ما مرّ قال الجصاص الحنفي في أحكام القرآن مستنكراً إثبات حقيقة السحر: و قد أجازوا من فعل الساحر ما هو أطمّ من هذا و أفظع، وذلك أنهم زعموا أنّ النبي علیه السلام سُحر، و أنّ السحر عمل فيه حتى قال فيه أنه يتخيّل لي أنّي أقول الشيء و أفعله ولم أقله و لم أفعله، و إنّ امرأة يهودية سحرته في جف طلعة و مشط و مشاقة - ما يسقط من المشط-حتی أتاه جبريل علیه السلام فأخبره أنّها سحرته في جف طلعة و هو تحت راعوفة البئر، فاستخرج وزال عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم ذلك العارض.
وقد قال الله تعالى مكذّباً للكفّار فيما ادّعوه من ذلك للنبي صلى الله عليه و آله و سلم ، فقال : إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلاً مَسْحُورًا (1)ثم قال: ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين تلعّباً بالحشو، الطغام، و استجراراً لهم إلى القول بإبطال معجزات الأنبياء علیهم السلام و القدح فيها، و إنّه لا فرق بين الأنبياء و فعل السحرة، و أنّ جميعه من نوع واحد .
و قال: و العجب ممّن يجمع بين تصديق الأنبياء علیهم السلام و إثبات معجزاتهم، وبين التصديق بمثل هذا من فعل السحرة، مع قوله تعالى: وَ لَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى فصدّق هؤلاء من كذّبه الله، و أخبر ببطلان دعواه و انتحاله .
و جائز أن تكون المرأة اليهودية بجهلها فعلت ذلك ظناً منها بأنّ ذلك يعمل في الأجساد، و قصدت به النبي علیه السلام فأطلع الله نبيّه على موضع سرّها، و أظهر جهلها فيما ارتكبت و ظنت، ليكون ذلك من دلائل نبوّته لا أنّ ذلك ضرّه و خلط عليه أمره، و لم يقل
1) الإسراء : 47
كل الرواة أنه اختلط عليه أمره، و إنّما هذا اللفظ زيد في الحديث و لا أصل له(1).
و قد ندّد الشيخ محمد عبده المصري بالقائلين بسحر النبي صلى الله عليه و آله و سلم ، فقال بعد كلام له في ذلك: «وقد قال كثير من المقلّدين الذين لا يعقلون ما هي النبوة و لا ما يجب لها : إنّ الخبر بتأثير السحر في النفس الشريفة، بصحة السحر ، فانظر كيف ينقلب الدين الصحيح و الحق الصريح في نظر المقلّدة بدعة - نعوذ بالله - يحتج بالقرآن على ثبوت السحر، ويعرض عن القرآن في نفيه السحر عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم و عدّه من افتراء المشركين عليه، ويؤول في هذه الآية ولا يؤول في تلك، مع أنّ الذي يقصده المشركون ظاهر، لأنّهم كانوا يقولون: إنّ الشيطان يلابسه علیه السلام ، و ملابسة الشيطان تعرف بالسحر عندهم و ضرب من ضروبه، و هو بعينه أثر السحر الذي نسب إلى لبيد، فإنّه خالط عقله و إدراكه في زعمهم.
و الذي يجب اعتقاده أن القرآن مقطوع به، و أنّه كتاب الله بالتواتر عن المعصوم صلى الله عليه و آله و سلم ، فهو الذي يجب الإعتقاد بما يثبته، وعدم الإعتقاد بما ينفيه، وقد جاء بنفي السحر عنه علیه السلام حيث نسب القول بإثبات حصول السحر له إلى المشركين أعدائه، و وبخهم على زعمهم هذا، فإذن هو ليس بمسحور قطعاً .
و أما الحديث - على فرض صحّته - فهو آحاد، و الآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد، و عصمة النبي من تأثير السحر في عقله عقيدة من العقائد لا يؤخذ في نفيها عنه إلا باليقين،و لا يجوز أن يؤخذ فيها بالظن و المظنون ...
ولو كان هؤلاء يقدّرون الكتاب قدره، و يعرفون من اللغة ما يكفي لعاقل أن يتكلّم، ما هذروا هذا الهذر، ولا وصموا الإسلام بهذه الوصمة، وكيف يصح أن تكون هذه السورة نزلت في سحر النبي صلى الله عليه و آله و سلم مع أنّها مكية في قول عطاء والحسن و جابر و في رواية
1) أحكام القرآن 1 : 60
كُريب عن ابن عباس، و ما يزعمون من السحر إنّما وقع بالمدينة، لكن من تعوّد القول بالمحال لا يمكن الكلام معه بحال، نعوذ بالله من الخبال».
فتبيّن لنا الفرق بين المعجزة و الكرامة و بين السحر و الشعوذة، و من أظهر الفوارق أنّ المعجزة غايتها الدعوة إلى الله سبحانه من غير معلّم، و تزداد ظهوراً مع الزمن، بينما السحر والشعبذة تفتقر إلى معلم و مرشد، و هي تظهر عند أناس يعرفون بالفساد، و أنّ الساحر يحتال على الناس بالتخيل كما نطق الكريم العليم في قرآنه العظيم في سحرة فرعون.
قال تعالى: فَإِذَا حِبَاهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى(1).
ولا شك انّ التخييل يحتاج إلى إعمال فكر و نظر، و تقديم الأسباب و الألآت، وقد تخطئ وقد تصيب، بينما المعجزة إنّما تحصل لصاحبها النبي بمجرّد توجهه بنفسه الكاملة، إلى المبدأ الأعلى جل شأنه فيطلبها منه عند حصول شرائطها كما قدمنا ذكرها، أما الساحر فليس كذلك، و إن أتى بكل ما أتى به من خوارق للعادة و قوانين الطبيعة المألوفة، و حسبنا بهذا كبير الفرق .
مضافاً إلى أنّ صاحب المعجزة يؤيّده الله سبحانه و تعالى بإظهارها تأييداً لنبيّه، بينما الساحر لا يفلح سعيه، كما قال تعالى مخاطباً نبيه موسى علیه السلام وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى(2)
و لما كان السحر مهما أتقن الساحر صنعته، و قوّى أثره و رفع قوّته، فهو عند المسحور ينتهي بانتهاء الساعة، ويزول أثره عند إبطاله، ولا يبقى زمناً طويلاً، أما المعجزة و الكرامة فليستا كذلك، فإنّهما يُبقيان أثراً في نفوس المؤمنين فيزدادوا إيماناً، كما قال تعالى مخاطبنا نبينا صلى الله عليه و آله و سلم: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا
﴿لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَ اتَّبَعوا أَهْوَاءَهُمْ * وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَ آتَاهُمْ تَقْواهُمْ(1). و لما كان النبي الكريم كما قال الحافظ ابن شهر اشوب له معجزات لم تكن لغيره، وذكر أنّ له أربعة آلاف و أربعمائة و أربعين معجزة، ذكرت منها ثلاثة آلاف تتنوع أربعة أنواع، ما كان قبله، و بعد ميلاده، و بعد بعثته، و بعد وفاته، و أقواها و أبقاها القرآن، لوجوه:
أحدها: إنّ معجزَ كل رسول موافق للأغلب من أحوال عصره، كما بعث الله موسى علیه السلام في عصر السحرة بالعصا فإذا هي تلقف، و فلق البحر يبساً، و قلب العصا حيّة فأبهر كل ساحر و أذلّ كل كافر .
و قوم عيسى علیه السلام أطباء فبعثه الله بإبراء الزمني و إحياء الموتى، بما دهش كل طبيب و أذهل كل لبيب .
وقوم محمد صلى الله عليه و آله و سلم بلغاء فصحاء فبعثه الله بالقرآن في إيجازه وإعجازه بما عجز عنه الفصحاء، و أذعن له البلغاء و تبلّد فيه الشعراء، ليكون العجز عنه أقهر، و التقصير فيه أظهر .
و الثاني: إنّ المعجز في كل قوم بحسب أفهامهم، و على قدر عقولهم و أذهانهم، وكان في بني إسرائيل من قوم موسى و عيسى بلادة و غباوة، لأنّه لم ينقل عنهم من كلام جزل أو معنى بكر، و قالوا لنبيهم حين مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم اجعل لنا إلهاً، و العرب أصح الناس أفهاماً و أحدّهم أذهاناً، فخصّوا بالقرآن بما يدركونه بالفطنة دون البديهة، لتخصّ كل أمة بما يشاكل طبعها.
و الثالث: أنّ معجز القرآن أبقى على الأعصار و أشهر في الأقطار، و مادام إعجازه فهو أحج و بالاختصاص أحق، فانتشر ذلك بعده في أقطار العالم شرقاً و غربا، قرناً بعد قرن، عصراً بعد
1) محمد: 16 - 17
عصر، وقد انقرض القوم و هذه سنة سبعين وخمسمائة من بعثته فلم يقدر أحد على معارضته(1).
و لنختم المبحث هذا كما بدأنا به بآية من آياته تعالى التي ذكر فيها نبينا الكريم بأقصى ما ورد في حقه، قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (2)و قال تعالى: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (3).
قال ابن عباس: يقول له لا ذُكرتُ إلّا ذُكرتَ معي في الأذان و الإقامة و التشهّد، و يوم الجمعة على المنابر ، و يوم الفطر، و يوم الأضحى، و أيام التشريق، و يوم عرفة، و عند الجمار، و على الصفا و المروة، و في خطبة النكاح، و في مشارق الأرض و مغاربها، و لو أنّ رجلاً عبد الله جلّ ثناؤه، وصدّق بالجنة و النار و كل شيء، و لم يشهد أنّ محمداً رسول الله، لم ينتفع بشيء و كان كافراً(4)
و على ذلك كان قول حسان بن ثابت
أغرّ عليه للنبوة خاتمٌ *** من الله مشهود يلوح ويُشْهَدُ
و ضمّ الإله اسم النبي إلى اسمه *** إذا قال في الخمس المؤذن أشهدُ
قال الرازي في تفسيره: و اعلم أنّه عامٌ في كل ما ذكروه من النبوة، و شهرته في الأرض والسماوات، اسمه مكتوب على العرش، و أنّه يذكر معه في الشهادة و التشهد، و أنّه تعالى ذكره في الكتب المتقدّمة، وانتشار ذكره في الآفاق، و أنه ختمت به النبوة، و أنّه يذكر في الخطب و الأذان و مفاتيح الرسائل، و عند الختم ، وجعل ذكره في القرآن مقروناً بذكره وَاللهُ وَرَسُولُهُ
أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ (1)و وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ(2)و أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ(3). و مناداته باسم الرسول و النبي، حين ينادي غيره بالاسم یا موسى يا عيسى، و أيضاً جعله في القلوب بحيث يستطيعون ذكره، و هو معنى قوله تعالى: سَيَجْعَلُ هُمْ الرَّحْمَانُ وُدّا (4)كأنّه تعالى يقول: أملأ العالم من أتباعك كلهم يثنون عليك و يصلّون عليك و يحفظون سنتك، بل ما من فريضة من فرائض الصلاة إلا و معه سنة، فهم يمثلون في الفريضة أمري، و في السُنَة أمرك .
و جعلت طاعتك طاعتي و بيعتك بيعتي: مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله (5)إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله(6).
لا تأنف السلاطين من أتباعك، بل لا جراءة لأجهل الملوك أن ينصب خليفة من غير قبيلتك، فالقراء يحفظون ألفاظ منشورك ، و المفسرون معاني فرقانك و الوعاظ يبلغون وعظك، بل العلماء و السلاطين يصلون إلى خدمتك، و يسلّمون من وراء الباب عليك، و يمسحون وجوههم بتراب روضتك، و يرجون شفاعتك، فشرفك باق إلى يوم القيامة(7)
في إمكانية خرق النواميس الطبيعية و الشواهد على ذلك دون أن يلحق بالكون الفساد اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهَ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ(1).
نحن إذ نحاول تقريب صدور المعجزات أو الكرامات إلى الأذهان، لنثبت وقوع معجزتي انشقاق القمر و ردّ الشمس ، فلابدّ لنا أن نؤمن أولاً: بانّهما خلقان مطيعان لأمر خالقهما ومدبّرهما كسائر مخلوقاته.
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بالحَقِّ(2). وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (3) و نؤمن ثانياً: بأنّ خرق النواميس الطبيعية الكونية - بمعنى خرق النظام الطبيعي على أيدي الأنبياء و الرسل علیهم السلام لا يتم إلا بإذن خاصّ من الله سبحانه و تعالى، كما قال تعالى: وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ الله فإذا جاءَ أَمرُ الله قضِيَ بالحقِّ
وَخَسِرَ هُنَالِكَ المُبْطِلُونَ(1). و نؤمن ثالثاً: بأنّ الأنبياء علیهم السلام لم يكن فيهم من ادّعى لنفسه الإتيان بمعجزته من صنعه وبقدرته، بل كانوا يقولون إنّها من عند الله سبحانه و تعالى: وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللهَ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ(2).
فإذا نحن آمنا بأنّ الله تعالى هو الخالق و المقدّر، فهو القادر على تغيير ناموس ذلك النظام الذي أتقن صنعه، فيغيّره بقدرته آناً ما استجابة لدعوة نبي من أنبيائه علیه السلام ، عند طلبه ذلك التغيير لمصلحة يراها، إتماماً للحجة على العباد، فأيّ محذور عقلي، أو أيّ تناقض، أو اختلال في سنن الطبيعة التي أتقن صنعها لو استجاب لدعائه نصرةٌ لأنبيائه ؟
دون أن يلحق بالكون الفساد .
نعم إنّما يكون ذلك التغيير الآني هو خرقاً لما هو مألوف عند الناس عادة، و لله خرق العادات، و هل إظهار المعجزة إلا خرق آني للنواميس الطبيعية المألوفة؟
و لما كانت الخوارق لسنن الطبيعة التي حدثت في الكون منذ تكوينه لا يمكن حصرها، و لا يحصيها إلا من هو مبديها و معيدها، جلت قدرته و عظمت الآؤه، و عدم العلم بها جميعاً لا ينافي في ادِّعاء الكثرة بعد أن وجدنا القرآن الكريم أشار إلى عدد منها في جملة من آياته.
كحدوث الطوفان أيام سيدنا نوح علیه السلام ، فهو في بدئه و نهايته آية من آيات ربّه الكبرى، قال تعالى: وَقَوْمَ نُوحٍ مَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً(3).
وتخلّف النار عن الإحراق كما في قصة سيدنا إبراهيم علیه السلام : قُلْنَا يَا نَارُ كُونِ بَرْدًا وَ سَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (1).
و خروج الناقة من الحجر آية سيدنا صالح علیه السلام : هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهُ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهَ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(2)
و انفلاق البحر لسيدنا موسى علیه السلام ، وَضَرْبُ طريق يَبَسٍ فيه لبني إسرائيل، قال تعالى: فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ(3)
وقال تعالى: وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ هُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسا(4).
و تحوّل عصاه إلى أفعى تلقف ما يأفكون، و مطر السماء الجراد و القمّل و الضفادع و الدم، إلى غير ذلك من الآيات التي كانت في الأمم السابقة.
وما وقع لنبينا صلی الله علیه و آله و سلم من الآيات التي فيها خرق لنظام الطبيعة كثيرة ، و لعلّ من أهمها الإسراء و المعراج، وانشقاق القمر، و ردّ الشمس إلى غير ذلك مما فيه دلالة على وقوع التغيير في السنن الكونيّة عند توفّر دواعيه من دون حاجة إلى تعليل و تفسير، ما دامت القدرة الإلهية هي المهيمنة على التسيير و التغيير وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ (5)وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحيطاً(6)
قال العالم الإنكليزي وليم جونز: القدرة التي خلقت العالم لا تعجز عن حذف شيء منه، أو إضافة شيء إليه، و من السهل أن يقال عنه في أنّه غير متصوّر عند العقل، و لكن الذي يقال عنه أنه غير متصوّر، ليس غير متصوّر إلى درجة وجود العالم(1).
و قال الفيلسوف مالبرانشي: إنّما نرى نحن توالي الحادثات، و لا نرى الرابطة التي تربط أحد الطرفين بالآخر، فلماذا تبقى هذه الرابطة متخفية عنا ؟ لكونها شيئاً الهياً لا يوجد مثله في المخلوق (2)
قال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَ-ا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(3).
«إذا أنعمت النظر في هذه الآية وجدتها تشير إلى أنّ كل شيء بتدبير، و أنّه مقصود، لأن تعاقب الليل و النهار يُحدث التغيرات الجوية، و يُحدث الرياح، و ينشأ عن ذلك مواسم المطر و الجفاف على نظام مستقر، و معنى هذا أنّ حياة الكائنات وموتها مرتبطان بسير الأرض في مدارها، فهل هذا كله مصادفات بحتة ؟ أليست كل هذه الأمور مرتبطة بعضها ببعض ؟
هذه كائنات كثيرة و يعمل كل منها في دائرته، و في الوقت يعاون غيره من الكائنات لتحقيق غرض واحد وهي مجتمعة تحيي الأرض بعد موتها .
هذا ما يقوله العلم الحديث المؤيد بالتجارب في المعامل و المراصد ... على أنّنا إذا ألقينا نظرة شاملة على ما في الكائنات ألفينا أنّ كل كائن مرتبط بحياتنا، و أنها جميعاً صادرة عن تدبير واحد، لها غرض واحد، و موجدها واحد، و إلى ذلك يشير قوله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَ قُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ(1)...»(2)
فمن الأجدر بنا النظر في آيات الرسل و بينات النذر بنظرة معتبر و متفكر لنصدق في قولنا: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار(3)
لا شك أنّ معرفة ذلك كانت عند الأمة العربية ضئيلة، و كل ما عندهم هو بعض المعلومات البدائية بقدر ما عندهم من قوة ملاحظة شخصية، و هو بحكم موقع بلادهم و تمازجهم مع جيرانهم من الروم و الفرس، و ما يرونه من مظاهر الحياة حولهم، استفادوا خبرة بمعرفة ارتباط الكثير من شؤون الحياة بظواهر كونية، فعرفوا الفصول الأربعة، فكيّفوا حالهم بطبيعة الظروف المناخية، و مدى تقلّبها من مكان لآخر ومن زمان إلى آخر.
فكانت الرحلة في الصحاري أيضاً تزيدهم خبرة بالنجوم و بالأزمنة و الأمكنة، بقدر قوة ملاحظتهم لما يسيّرون به حالتهم الحياتيّة و البيئية،و فسّروا بعض الظواهر الكونية
كالعواصف والرعد والبرق و حتى الخسوف و الكسوف تفسيراً يتناسب و مداركهم، لعدم ذات يدهم من وسائل العلم يومئذٍ.
ولنا - تسامحاً - أن نقول : إن كان عند بعضهم من علم الفلك النظري و العملي بعض الشيء، فهم في أشعارهم و أمثالهم يذكرون الكواكب و النجوم، فالشمس و القمر و الثريا و سهيل و الزهرة و الشعرى، كثر ذكرها، بل و حتى أن بعضهم كان يعبد بعضها(1)، و ما النسيء عندهم وحساب السنين إلا نتيجة ضبط الشهور والأيام على الشمس والقمر .
ولما منّ الله تعالى عليهم بأن بعث في الاُميين رسولاً منهم، يُطَهِرُهُمْ و يزكّيهم و يعلمهم الكتاب والحكمة، وجاءهم بالآيات البينات، فرأوا في قرآنه عَجَباً، فآمن به من آمن فهدي، وكفر به من كفر فغوى، و السؤال كم هم الذين كانوا أهل معرفة متطوّرة، و إيمان بعلاقة الأرض مع السماء ؟ وقليل ما هم.
نعم ازدادوا علماً بعد الفتوحات واطلاعهم على تراث الآخرين، و عرفوا المراصد و المناظير، وفرّقوا بين الإشعاع الشمسي المائل و العمودي، و مدى تأثيره في طول النهار وقصره، فصاروا بعد ذلك بقرون يعرفون خطوط الطول و العرض، و أنّ طول النهار لا يكون متساوياً على جميع دوائر العرض.
فعند الخط الاستوائي يبلغ أقصى النهار (12) ساعة، و عند دائرة عرض (66) شمالاً أو جنوباً يبلغ (24) ساعة، بينما طوله يبلغ (20) ساعة عند دائرة عرض (63) شمالاً أو جنوباً.
و إنّ هذا التباين يؤدّي إلى زيادة الفترة التي تكسب بها الأرض الاشعاع الشمسي، ولذا نجد الفصل الصيفي الحار في السنة في تلك الأقاليم، يكون مصاحباً للفترة التي يكون فيها النهار طويلاً، في حين نجد فصل الشتاء البارد يكون فيه النهار قصيراً، كل هذا
1) بلوغ الأرب للآلوسي 2: 237 - 240 ط الثالثة مطابع دار الكتاب العربي بمصر
لم يكن يعرفه المسلمون الأولون، فضلاً عن الكفّار في أول عهد الرسالة حين قالوا للنبي صلی الله علیه و آله و سلم أن يدعوا القمر فينشق و قد فعل و قال اشهدوا اشهدوا، كما سيأتي بيان ذلك في الباب الثاني .
و نحو ردّ الشمس، كما يأتي في الباب الثالث، بل و لم يعرفه حتى من جاء بعدهم من المنكرين لتلك الآيات حين قالوا: لو كان قد حدث ذلك لرآه العالم كله.
و أنّى لهم معرفة ذلك و هم لا يعلمون بأن النهار الذي هم فيه هو ليل عند غيرهم والصيف الذي هم فيه هو شتاء عند غيرهم، وربيعهم هو خريف عند غيرهم، فكيف يطلبون ما ظهر في سمائهم أن يظهر في سماء غيرهم في نفس ذلك الوقت ؟!
و لزيادة تنوير القارئ نرجوه أن يقرأ قوله تعالى في سورة الكهف(1): وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَ إِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَ هُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهَ مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا .
ولنتأمل في قوله تعالى:إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وليعرف معنى تَزَاوَرُ و هو كما في اللغة بمعنى مال عنه، فيكون تميل الشمس عنهم ذات اليمين، ثم قوله تعالى: وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ أي تميل عن شمالهم، لأنها لو طلعت عليهم قبالتهم لأحرقتهم و ثيابهم، فكانت تميل عنهم طالعة و غاربة و جارية، فلا تبلغهم فتؤذيهم بحرها و تغيّر ألوانهم و تبلي ثيابهم.
1) الكهف : 17
ففعل الشمس هذا هو آية من آيات الله تعالى، كما هو صريح قوله تعالى في نفس الآية المذكورة آنفاً: ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ الله و لو لم يكونوا في معرض الشمس شروقاً وغروباً ومع ذلك لم تصبهم الشمس، ولو لم تكن تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال لكانوا تعفّنوا، أليس هذا خرقاً لمسيرة الشمس عادة، و لو لم يكن في ذلك من آية لما ذكرها القرآن المجيد.
فقدرة القادر القدير هي التي جعلت الشمس تزاور عن كهفهم، و تميل في سيرها الطبيعي من دون أن يحسّ بها سائر الناس، و هم يعيشون تحت نورها كل يوم، و هي هي القدرة التي تحبس الشمس أو تردّها إلى الأفق عند اقتضاء الحكمة بحدوث تلك الآية و هي المعجزة من دون أن يحسّ بها جميع أفراد من تحت الشمس، و سيأتي من الشواهد النقلية على وقوع المعجزتين للنبي صلی الله علیه و آله و سلم- شقّ القمر وردّ الشمس - فهما صنوان في الذكر الحكيم جلّ خالقهما و مقدرهما أحسن تقدير .
و لنا في حدوث الكسوف و الخسوف، و هما من الظواهر المعتادة رؤيتها في غالب السنين، و مع إحساس الناس الذين هم في مقابلة الجهة التي يحدث فيها الكسوف والخسوف، فإن غيرهم ممن ليسوا في واجهتها لا يحسّون بحدوثها، و هذا أمر محسوس بالوجدان، ولا تحتاج معه إلى إقامة البرهان .
و من ساوره الشك في ذلك فليلّ قليلاً بحال ساكني القطبين الشمالي و الجنوبي من الكرة الأرضية، حيث ينعدم النهار ستة أشهر في أحدهما ، و مقابله انعدام الليل ستة أشهر في الآخر، وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ(1)
1) الأعراف: 54 .
وقال تعالى: وَ الشَّمْسُ تَجْرِي مُسْتَقَرٌّ هَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (1)
من خلال هذه الآيات الكريمة يمكننا أن نلمّ إجمالاً بتحركات الشمس و القمر و الكرة الأرضية ممّا أدركه علماء الفلك بعد ذلك بقرون، فالقرآن الكريم صرّح بأنّ الشمس تجري إلى حد معيّن، و هذا ما أدركه العلم الحديث بأنّ الشمس تتحرك مع مجموعتها الشمسية بسرعة 19 كيلومتراً في الثانية في اتجاه نقطة تقع في مكان ما في كوكبة الجاثي.
و صرّح القرآن الكريم في الآية الثانية بأن الشمس والقمر والأرض تتحرك، ولكن غير الحركة الأولى حيث قال: وَ كُلُّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ فالشمس لها حركة أخرى وهي دورانها حول نفسها، كما تدور الأرض حول نفسها، و كذلك القمر له حركة يدور حول نفسه، و دوران الأرض أشار إليه بقوله تعالى: وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ فدوران الأرض حول نفسها هو الذي يسبب الليل والنهاربانتظام، هذه حقائق علميّة أشار إليها القرآن قبل أن يدرك العلم عنها شيئا.
ومن الخير إلمام القارئ بماذا قاله العلم الحديث عن هذا، لنصل إلى الحديث الإعجاز في مسألتي انشقاق القمر وردّ الشمس.
لقد ذكر العلم الحديث أنّ الفصول الأربعة تنشأ نتيجة لدوران الأرض حول الشمس خلال العام في مدار يميل مستواه على خط الإستواء الأرضي بزاوية قدرها
1) يس: 38 - 40
(5،23) تقريباً، و هي نفس الزاوية المحصورة بين محور دوران الأرض حول نفسها و محور دورانها حول الشمس، فيترتب على ذلك تنقل الشمس في حركة ظاهرية مكوكية شمالاً وجنوباً حول خط الإستواء الأرضي؛ لتصل أشعّتها إلى الأطراف الشمالية و الجنوبية لكوكب الأرض خلال فترات زمنية معيّنة.
و لنا أن نتخيّل لو كانت زاوية الميل هذه مساوية للصفر، فماذا تكون النتيجة؟ طبعاً سوف تتعامد الشمس فقط على خط الإستواء، و لا تصل أشعتها إلى أطراف الأرض الشمالية والجنوبية لكوكب الأرض، الأمر الذي يؤدّي إلى تراكم الجليد عند قُطبَي الأرض، و زيادة مطردة في مساحة المناطق القطبية المتجمّدة ، بينما تزداد حرارة المناطق الاستوائية إلى حدود خطيرة غير محتملة، تعمل على انتشار الجفاف و التصحّر في هذه المناطق لتصبح جرداء لا نبات فيها و لا ماء.
و على العكس يؤدّي انحراف الشمس شمالاً و جنوباً حول خط الاستواء إلى تغيرات دورية في درجة الحرارة، والظروف المناخية بصفة عامة، تعمل على تلطيف الجو عند العروض المختلفة على الأرض، و يتغيّر تبعاً لذلك الغطاء النباتي، ممّا يتيح للأحياء التمتّع بظروف معيشيّة متنوّعة و متجدّدة، حيث تتنوع المحاصيل و الثمار التي تعيش عليها الأحياء من آن لآخر.
و خلال الرحلة السنوية للأرض حول الشمس تتعامد الأشعة الشمسيّة على خط الإستواء مرتين في العام .
احداهما: عند بداية الربيع في 21 مارس، و يعرف هذا الموضع بنقطة الإعتدال الربيعي.
أما المرة الثانية: فتحدث عند بداية الخريف في 21 سبتمبر، و تعرف بنقطة الإعتدال
الخريفي، وتنحرف الشمس شمالاً تتعامد على مدار السرطان (خط عرض 5،32 شمالاً) ، عند بداية الصيف في 21 يونيو، حيث تقع الشمس عند نقطة الإنقلاب الصيفي .
و تقع الشمس في نقطة الإنقلاب الشتوي في 21 ديسمبر، حيث تتعامد أشعتها على مدار الجدي خط عرض (23،5 جنوباً) و في حقيقة الأمر يوجد فصلان في آن واحد على الكرة الأرضية، فعندما يحلّ الصيف في نصف الكرة الشمالي يحلّ الشتاء في نصف الكرة الجنوبي، و عندما يحلّ الربيع في أحد نصفي الكرة الأرضية ، يحلّ الخريف في النصف الآخر.
و يختلف طول النهار و الليل خلال الفصول الأربعة حيث يطول النهار و يقصر الليل صيفاً، و يحدث العكس في فصل الشتاء، أما الإعتدالان الربيعي والخريفي، فيتساوى عادة طول الليل و النهار بواقع 12 ساعة لكل منهما .
وإذا ما اتجهنا إلى القطب الشمالي في فصل الصيف، نجد أنّ طول النهار يتزايد تدريجياً بينما يتناقص طول الليل في نفس الوقت، حيث يمتدّ طول النهار عند نقطة القطب الشمالي صيفاً إلى ستة شهور .
وعندما يحلّ النهار في منطقة القطب الشمالي يحلّ الليل لحظياً في منطقة القطب الجنوبي، و يستمرّ لستة شهور أيضاً، و تظل الشمس دائمة الإشراق خلالها على الدائرة القطبية ( خط عرض 5، 66 شمالاً ) عند نقطة الإعتدال الربيعي 21 مارس، و تستمر في إشراقها حتى تغرب في 21 سبتمبر عند نقطة الإعتدال الخريفي في 21 سبتمبر.
ونظراً لاختلاف ميل الأشعة الشمسيّة الساقطة في موقع ما على الأرض خلال فصل معين من السنة، تتفاوت درجة الحرارة و العوامل المناخية الأخرى من منطقة إلى أخرى على سطح الأرض، و يؤدّي ذلك إلى تنوّع في النباتات و المحاصيل و الثمار التي تعين الأحياء
على الأرض في سدّ حاجتهم من المقومات الحياتية (1).
فهذا الذي اكتشفه العلم الحديث بعد عدّة قرون بوسائله العلمية التقنية، كشف عنه القرآن الكريم من قبل بأنّ النظام الشامل في الكون سائر على قانون إلهيّ لا يتخلّف، و أنّ النظام الشمسي جزء من ذلك النظام الشامل، تسير عليه الكواكب بحساب دقيق لا يأذن باصطدامها، مع أنّ بعض تلك الكواكب غير منتظم في سيره، و مع ذلك فهو غير مغلوب بقانون الجاذبية لأحد من تلك الكواكب، إلا إذا أراد ذلك خالق الكون، و من يجهل المذنبات و الشهب والنيازك التي يراها الإنسان بالعين المجردة ؟ و هي معلومة للإنسان من قبل أن يعرف المراصد و وسائل الاكتشافات الحديثة من مرصد و منظار .
قال أبو تمام الطائي - و هو شاعر عربي كبير و شهير - في قصيدة له يمدح بها المعتصم في فتح عمورية وهي من روائع الشعر العربي و أولها:
السيف أصدقُ أنباء من الكتبِ *** في حدّه الحدّ بين الجد و اللعب
حتى قال فيها:
أين الروايةُ أم أين النجومُ و ما *** صاغوه من زُخرفٍ فيها و من كَذبِ تخرصاً و أحاديثاً مُلفّقةً *** ليست بنبع إذا عُدّت و لا غَرَبِ
عجائباً زعموا الأيامَ مُجفلةً *** عنهنّ في صَفر الأصفار أو رَجَب
و خوّفوا الناس من دهياءَ مظلمةٍ *** إذا بدا الكوكب الغربيّ ذو الذنب و صيّروا الأبرج العُليا مُرتبةً *** ما كان منقلباً أو غير منقلب
1) الفصول الأربعة مقتبس من مواقع الانترنيت
يقضون بالأمر عنها و هي غافلةٌ *** ما دار في فلكٍ منها و في قطبِ
لو بيّنت قطَ أمراً قبل موقعه *** لم تُخفِ ما حلّ بالأوثان و الصُلب(1)
قال الدكتور أحمد زكي مدير جامعة القاهرة في كتابه (مع الله .. في السماء)(2)" تحت عنوان مذنب أبي تمام، و ذكر بيتين من الشعر المتقدم على النحو التالي: الرابع ثم الثاني و قال: وهي - المذنبات - كما قال شاعرنا العربي الكبير، قد أثارت الناس أجيالاً طوالاً و أذعرتهم و أفزعتهم، و رأوا فيها نذر الشر و سوء الطالع، بل و علامة على قيام الساعة، و انتحر قوم رهباً ، و فرّت ملوك من عروشها هرباً، و توقفت حروب تطيّراً.
و رحم الله شاعرنا العربي إذ قال عنها في ذلك العهد البكر، في القرن التاسع الميلادي إنّها تخرّص و أقاويل، و خرافات و تهاويل، و لقد ظلّ القدماء يرجمون فيها بالظن و يخافون، قال أرسطو : إنّها أنفاس تخرج من الأرض، فلا تكاد تصعد إلى الطبقات العليا من الجو حتى تلتهب.
و ظلّ الناس يرون ما رأى أرسطو إلى نحو القرن السابع عشر، و بدأت بشائر العلم الأولى تهل، فرأى العلماء إنّها أشياء تبعد عن الأرض بُعداً أكبر كثيراً مِن بُعد القمر، فما هي للأرض بأنفاس ، ثم رأوا أنّها تدور حول الشمس، مقبلة عليها، فإذا انثنت حولها بَعُدت مدبرة عنها .
فهي تدور في قطع مخروطي عظيم، الشمس بؤرته، و قال آخرون: بل هي تدور في دائرة.
ثم قال : حتى إذا جاء العالم الفلكي الرياضي أدمند هالي - ولد عام 1656 ومات عام 1742 - اكتشف مذنّبه عام 1682 الشهر الذي أطلقوا عليه اسمه، و عُرف في التاريخ بأنّه
مذنّب هالي و درس مذنّبه هذا، و درس سجلات ظهور مذنبات سبقت و مداراتها . و خرج من ذلك على أن مذنباً ظهر في السماء عام 1531 ، و آخر عام 1607 ، و مذنّبه هو عام 1682 كلها مذنب واحد، يذهب و يختفي ثم يعود و يظهر مرة كل نحو من 76 عاماً .
و أنّ هذه المذنبات تدور حول الشمس في مدار بيضاوي اهليلجي، كبير التفرطح، الشمس في احدى بؤرتيه (؟؟؟) و هو فعل أكثر من ذلك . تنبّأ بأنّ هذا المذنب سيعود بناءً على ذلك عام 1759 ، و مات الرجل عام 1742 . وجاء عام 1759 بعد موته، و انتظر الناس مجيء هذا المذنّب، فإذا به يجيء ولا يخلف موعداً .
و من الأحياء بيننا من رآه عام 1910 ، و هم يذكرون ما أثاره ظهور هذا المذنّب، مذنب هالي عند ذاك في مصر و غير مصر، من مخاوف، كانت أصداء قليلة ظلّت تتردّد من أعماق الماضي البعيد . و عام 1910 كان موعد مجيئه، و هو بين عام 1759 وعام 1910 ظهر مرة واحدة كانت عام 1835 .
و قبل مجيء الفلكي هالي، أثبتت السجلات ظهور هذا المذنّب في دوره هذا رجوعاً إلى الوراء، إلى عام 989م و أقرأ بيت أبي تمام، فيخطر لي أن مذنّب أبي تمام هذا، «ذلك الكوكب الغربي و الذنب » ما هو إلا مذنّب هالي.
فهو لابد ظهر قبل عام 989 ب-- (76عاماً) ، أي لابدّ ظهر عام 913 ، ثم لابدّ قبل هذا العام ب-- ( 67 عاماً) أخرى أي عام 837م أي و أبو تمام في أوج حياته الشعرية القصيرة، أي و هو ابن 34 عاماً، فهو مات و عمره 42 عاماً.
نفى أبو تمام الخوف من هذا المذنب و أشباهه، نفاه هذا الشاعر السقّاء الذي كان يدور بالماء على الناس في جامع عمرو بالفسطاط، نفاه عام 837 م، و نفاه شعراً .
و نفى هالي الخوف عن هذا المذنّب و أشباه له، نفاه ذلك العالم خريج جامعة
أکسفورد، نفاه عام 1682 و نفاه علماً.
و قال أيضاً في ص 154 : و قد مرّ مذنب هالي بالأرض عام 1910 ، و في الليلة التاسعة عشر من مايو، فسحب ذيله على سطح الأرض و اجتمع العلماء حيث الذيل يفحصون و يسجلون، و مضت الليلة فما رأوا شيئاً، و لا سمعوا شيئاً، ولا قاسوا شيئاً، و مرّ الذيل فيهم فلم يصب منهم حساً .
و من العلماء من قدرّ أنّ كتلة المذنّب لا تزيد عن جزء من مليون من كتلة الأرض و مع هذا فهو في هذه الحدود قد يبلغ ملايين كثيرة من الأميال الطوال.
و قال أيضاً: وقد ينفلق رأس المذنّب فلقتين، فينتج عن ذلك مذنّبان، حدث ذلك في مذنّب بيلا، ودورته 6 و 6 من السنوات . حدث هذا عام 1846 ، و لما حان موعده عام 1852 عاد المذنّبان معاً، قد تباعد ما بينهما . و مضت دورات ثلاث بعد ذلك لا يعثر عليه، فلما حانت الدورة الرابعة، صادف أنّ الأرض تمرّ بمداره، فعثروا مكانه، في الطريق الذي وجب أن يسلكه، و في الموعد المرتقب على شهب ناصعة رائعة، و جاءت الدورة التالية فرأوا مكانه شهباً أيضاً، إذن لقد تكسّر المذنّب فلم يعد إلّا حطاماً
لأنّ الإنسان غير المؤمن، بل و حتى ضعيف الإيمان، أصبح يتطلّب البرهان المادي المحسوس ليؤمن به قبل أن يقتنع بما وراء المادة من قوة قاهرة تدبّر أمر الكون عن طريق الإيمان بالغيب.
بل لقد سرى الداء إلى بعض المؤمنين من حيث لا يشعرون، فصار حين يسأل عن معجزتي شقّ القمر و ردّ الشمس، فيجاب بما في الكتاب و السنّة، يبقى واجماً على أحسن تقدير، و إلا فهو يظل في دوامة النقاش، أما إذا أجبته بأنّ وكالة (ناسا) في أميركا ذكرت
هذا في مكتشفاتها، أو مرصد (فلوريدا ) ذكر هذا في أخباره آمن بذلك من دون تردّد، لماذا هذا ؟ إنّه من ضعف الإيمان .
و لما كانت المذنّبات عرفها الإنسان منذ أن عرف تاريخه، و حتى اعتبر ظهورها نذیر شر مستطير وشيك الوقوع، فهو يتطيّر منها، و لسنا بحاجة إلى بيان حول سخف تلك الرهبة من ظهور المذنّب ، و إنّما الحاجة أن نتابع ما يقوله علماء الفلك في تلك المذنبات و ظهورها، إذ لا يخلو عام بل و لا شهر في الغالب من مذنّب في متناول المرقب، و سمّي بعضها باسم مكتشفها كمذنّب (أنكي) و مذنّب (هالي)، و المجلات الفلكية تنشر أسماء المذنّبات بين حين و آخر، المنتظر ظهورها و مواعيدها، أما المذنّبات الكبيرة فالصحف و الإذاعات عادة تنشرعنها .
ومعظم المذنّبات تتكرّر رؤيتها مرة بعد مرة، و يمكن اعتبارها من جملة المنظومة الشمسية التي أرضنا بعضاً منها، لأنّ لها مدارات محدّدة حول الشمس هكذا يقول الفلكيون، و إن لم تحمل الصفات التي تتحلّى بها الكواكب و الأقمار، لأنّ أشكالها غير ثابتة تتغيّر بين حين و آخر، و مدارات معظمها مفلطحة شديدة الاستطالة، و هي لا تسيردائماً في منطقة البروج، فقد تأتي من أيّ اتجاه في السماء.
و أول ما يبدوا المذنّب بقعة غبشاء لا نميّز منها إلّا الرأس أو اللمّة لأنّه مثل كتلة شعر، و في بعض الأحيان نرى نقطة صغيرة مشرقة من الضوء منغمسة في اللمّة تسمّى النواة.
و يتراوح قطر اللمّة بين (30000) مليون ميلاً ، و إذا صار المذنّب على بُعد (250) مليون ميلاً، من الشمس حتى تزداد إضاءة اللمّة، و يزداد بريق النواة إذا كان في المذنب نواة.
ثم تأخذ اللمة بالإنتفاش، و تطرد كثيراً من المادة المحيطة بها إلى الجهة البعيدة عن الشمس لتضع الذَنَب، ربما كان الضغط الإشعاعي من الشمس هو الذي يطرد هذه المادة،
فالذنب دائماً إلى الجهة البعيدة عن الشمس .
و الذنب هو المنظر المدهش حقاً في المذنّب ، فهو يمتد في السماء ملايين عديدة من الأميال، ويحتلّ بقعة من الفضاء لا يجاريه إلا عملاق ضخم من النجوم أو عنقود نجومي أو مجرة، فهو ظاهرة غريبة، فهو رقيق جداً بحيث لا يخفي ما وراءه من نجوم، و هو دائماً يحافظ على اتجاه معين، فهو يشير إلى الجهة البعيدة عن الشمس، وقد ينقسم أحياناً أمام العين المجردة إلى قسمين أو أكثر.
و من الذي ينكر رؤية الشُهب التي تهوي كنجم يخرّ من السماء كالنجم الثاقب؟ ومن الذي ينكر رؤية المذنّبات التي ترى بالعين المجردة، فضلاً عمّا لا تراه إلا المراصد و المناظير، فترى بوضوح أذنابها الطويلة، و حين تتقاطع الأرض في مدارها مع مدارالمذنّب تتساقط الشهب على الأرض لاقترابها من نطاق جاذبية الأرض، فتهوى بسرعة تقارب 30 ميل في الثانية، ترتفع حرارتها بالإحتكاك بجوّ الأرض فتصل إلى درجة الإشتعال. و هي كلها عادة إلّا الضخم منها تتبخّر في أثناء ذلك بحيث لا يصل شيء منها إلى الأرض، و يشتعل عادة الشهاب على ارتفاع 100ميل عن سطح الأرض، و يتلاشى على ارتفاع أكثر من ثلاثين ميلاً.
و الآن فلنتذكر ما مرّ بنا عن مذنّب هالي، و ما قاله أبو تمام الطائي الشاعر العربي فيه، و ما قاله هالي الفلكي الإنجليزي فيه حتى سمّي باسمه، و قد ذكر الدكتور عبد الرحيم بدر مجموعة من المذنّبات وأسماءها و أوقات ظهورها، فمن أرادها فليرجع إلى كتابه (1)كما رجعت إليه فيما تقدّم من المعلومات باقتضاب .
و لقد مرّ بنا قول الدكتور أحمد زكي في كتابه مع الله في السماء عن مذنّب هالي، و قد مرّ
1) دليل السماء والنجوم : 71 ط دار الهلال بغداد .
بالأرض 1910، و في الليلة التاسعة عشرة من مايو فسحب ذيله عل-ى سطح الأرض، و اجتمع العلماء حيث الذيل يفحصون و يسجلون، و مضت الليلة فما رأوا شيئاً، و لا سمعوا شيئاً، و لا قاسوا شيئاً ، و مرّ الذيل فيهم فلم يصب منهم حسّاً.
فبماذا يفسّر المنكرون لمعجزتي شقّ القمر و ردّ الشمس، و أنّهما لو كانا لرآهما جميع الناس، فهذا مذنّب هالي قد رآه من كان يحسب له حسابه من الفلكيين، و لما مرّ بالأرض حتى سحب ذيله على سطح الأرض اجتمع العلماء حيث الذيل يفحصونه و يسجلون، و مضت الليلة فما رأوا شيئاً، و لا سمعوا شيئاً، و لا قاسوا شيئاً، و مرّ الذيل فيهم فلم يصب منهم حسّاً؟
فكيف يتوقعون أن يرى معجزتي شقّ القمر وردّ الشمس جميع الناس، و هما وقعا في جهة من الأرض على خط عرض مختلف عمّا هم عليه من خطوط أخرى بعداً و قرباً من الشمس.
فهل يعقل أن يراه من كان على غير ذلك الخط من العرض، كمن هو عند أحد القطبين الشمالي و الجنوبي مثلاً، إنّه مكابرة و عناد، و هذا أمر محسوس بالوجدان، فحدوث المعجزتين إنّما يحسّ بهما من كان مقابلاً لجهتهما حين الحدوث، و ملتفتاً إلى ذلك، لا من هو في غفلة عنها .
الباب الثاني
في معجزة شقّ القمر بين النفي و الإثبات
الباب الثانی
فی معجزة شقّ القمر بین النفی و الاثبات و الكلام في ذلك من خلال بدايات تمهيدية، ثم في مبحثين:
المبحث الأول: من هم النفاة ؟ و ما الذي قالوه ؟
المبحث الثاني: مع المثبتين و فيه أربعة محاور:
الأول: ما هي أدلة الإثبات عند المفسّرين ؟
الثاني: ما هي أدلّة الإثبات عند المحدّثين ؟
الثالث: ما هي أدلّة الإثبات عند المتكلّمين ؟
الرابع: ما هي أدلّة الإثبات عند المؤرّخين ؟
خاتمة: ماذا عن هذه المعجزة في العلم الحديث ؟
والآن إلى بدايات تمهيديّة بين يدي الباب:
آي من الذكر الحكيم في الكتاب المجيد . قال الله تعالى: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ : وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَ كُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكَرِ * خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الأجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ(1)
1) القمر : 1 - 8 .
لقد تقدّم الحديث في الباب الأول عن المعجزة بما أحسب فيه الكفاية في حدود ما أنعم الله تعالى به علينا من بيان وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (1)و انّي أعترف بقصوري عن بلوغ أقصى المنى، وقد قال تعالى: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً(2)وقال سبحانه وتعالى : وَفَوْقَ كُلَّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (3)
والآن لنقرأ شيئاً عن معجزة شقّ القمر، و هي مسألة يجب أن تبحث بعناية بالغة، تعتمد حجج الإثبات عن طريق الكتاب و السنة، كما يلزم أن نلمّ بما عند النفاة من حجة، ولا مانع من الاستئناس بما في العلم الحديث مما يوضّح لنا المزيد من المعلومات التي تؤيد ما قاله المثبتون، فإنّ كثيراً من الناس أصبحوا ينساقون مع إعلام وكالات الفضاء ويؤمنون بما تقوله وكالة ناسا الأمريكية، أو فيما ينشره مرصد فلوريدا، أو غيرهما من سائر المراصد والوكالات الفضائية العالمية.
و لسنا ممّن يحاول تقليل أهمية ما تنشره تلك الوكالات، ولكن مهما بلغوا في التقدّم العلمي، واُتيح لهم النفوذ في أقطار السماوات بسلطان، فلا يزالون في مرحلة النظريات، والنظرية ربما تتبدّل عند اكتشاف المجهول فعلاً المعلوم غداً والطريقة التي ينبغي أن نعتمدها نحن كمسلمين في الاستدلال على صحة وقوع معجزة شقّ القمر ، هي الإعتماد على القرآن المجيد و السنّة النبوية، و ما صح من أخبار لا تصادم ما ورد فيهما، وبهذه الطريقة السليمة نصل بطبيعة الحال إلى نتيجة مقنعة، يقرّها العقل، إذ تفرضها الحجة بالحكمة الحسنة لمن يفقهها.
و الله سبحانه وتعالى لم يتعبّد الإنسان بالإيمان إلّا عن طريق العقل، مضافاً إلى تنويره الفكر بصحيح النقل عن طريق الوحي، فيدرك المرء بالبرهان مبلغاً من المعرفة يستنيربه في الكشف عن سنن الوجود و عجائب الكون .
و هذه هي السبيل الأمثل التي دعا إليها نبينا صلی الله علیه و آله و سلم، و سار عليها مبلّغاً دعوته عن طريق قرآنه الخالد الذي هو معجزة عقلية قاهرة باهرة، قبل أن يكون معجزة قولية في نظمه و أحكامه .
وقد اعترف بفضله من آمن به و من لم يؤمن به، بل و حتى تجاوز في إعجازه أن بهرالملحد فضلاً عن الموحّد، و إليك نموذجاً مما قاله بعضهم من ملحد و موحّد .
لم أجد أبدع مما قاله الدكتور شبلي شميّل و هو عالم طبيعي مشهور بالإلحاد، و قد مرّ ذكره في الباب الأول، وهو مع ما كان عليه من عدم الإيمان برسالة النبي الكريم صلی الله علیه و آله و سلم الّا أنّه كان معجباً به و بالقرآن، مبهوراً بإعجازه، فقال:
دع من محمد في صدى قرآنه *** ما قد نحاه للحمة الغايات
إنّي و إن أك قد كفرت بدينه *** هل أكفرنَّ بمحكم الآيات
و مواعظ لو أنّهم عملوابها *** ما قيدوا العُمران للعادات
من دونه الأبطال في كل الورى *** من حاضر أو غائب أو آت(1)
فالرجل على كفره لم يجد أمامه غير الاعتراف بأنّ العقل البشري لا يغني وحده إلّا ما كانت الآيات المحكمات تعضده، و هي من رسالة محمد صلی الله علیه و آله و سلم التي دعا الناس إليها، ولو أنّهم
1) محمد الغزالي، نظرات في القرآن : 154 نقلاً عن إعجاز القرآن للسيد هبة الدين الشهرستاني رحمه الله
عملوا بها ما قيّدوا العمران للعادات، لذلك فهو مفضَّل على كل الأبطال في الورى سواء من كان حاضراً أو غائباً قد مرّ في التاريخ، أو آت من بعد، فكلهم دون محمد النبي الأمي صلی الله علیه و آله و سلم .
هذا ما قاله الملحد في النبي صلی الله علیه و آله و سلم وفي قرآنه ،والآن إلى مؤمن موحّد و ما قاله في النبي صلی الله علیه و آله و سلم وقرآنه:
ولم أجد موحّداً قال قولاً خيراً ممّا قاله البوصيري في قصيدته البردة، فأورد منه في المقام عدة أبيات تبرّكاً بذكره و تيمّناً باسمه صلی الله علیه و آله و سلم :
محمد سيد الكونين والثقلين *** و الفريقين من عُرب و من عجم
نبيّنا الآمر الناهي فلا أحد *** أبرَّ في القول لا منه و لا نعم
هو الحبيب الذي ترجى شفاعته *** لكل هول من الأهوال مقتحم
دعا إلى الله فالمستمسكون به *** مستمسكون بحبل غير منفصم
فاق النبيين في خَلقٍ وفي خُلُقٍ *** و لم يدانوه في علم ولا كرَم
وكلهم من رسول الله ملتمس *** غَرَفاً من البحر أو رشفاً من الدِيم
و واقفون لديه عند حدّهم *** من نقطة العلم أو من شَكلُة الحِكم
فهو الذي تمَ معناه وصورته *** ثم اصطفاه حبيباً بارئُ النسَم
منزّه عن شريك في محاسنه *** فجوهرُ الحسنِ فيه غيرُ منقسم
دعْ ما ادعته النصارى في نبيهم *** و احكم بما شئت مدحاً فيه و احتكم
و انسب إلى ذاته ما شئت من شرف *** و انسب إلى قدره ما شئت من عِظم
فإنّ فضل رسول الله ليس له *** حدّ فيعربَ عنه ناطق بفمِ
لو ناسبت قدرَه آياته عِظماً *** أحيى اسمُهُ حين يُدعى دارسَ الرمم
لم يمتحنا بما تعيا العقول به *** حرصاً علينا فلم نرتب و لم نِهم
أعيى الورى فهمُ معناه فليس يُرى *** للقُرب و البعد منه غير منفحم
كالشمس تظهر للعينين من بُعُدٍ *** صغيرةً و تكلّ الطرفَ من أمَم
وكيف يُدرِك في الدنيا حقيقته *** قومٌ نيامٌ تسلّوا عنه بالحُلم
أقسمت بالقمر المنشقّ إنّ له *** من قلبه نسبة (1)مبرورة القسَم
آياتُ حق من الرحمن مَحدَثة *** قديمة صفة الموصوف بالقَدم
لم تقترن بزمان وهي تخبرنا *** عن المعاد وعن عاد و عن إرم
دامت لدينا ففاقت كل معجزة *** من النبيين إذ جاءت ولم تدم
محکمات فما تبقين من شُبهٍ *** لذي شقاق وما تبغين من حكم
ما حوربت قطّ إلا عادَ من حَربٍ *** أعدى الأعادي إليها ملقي السَلم
ردّت بلاغتها دعوى معارِضِها *** ردّ الغَيورِ يَد الجافي عن الحَرَم
لها معان كموج البحر في مددٍ *** و فوق جوهره في الحسن و القيم
فما تعدّ ولا تحصى عجائبها *** ولا تسامُ على الإكثار بالسأم
قرّت بها عين قاريها فقلتُ له *** لقد ظفرت بحبل الله فاعتصم
1) والنسبة المناسبة وهي الشق فيهما.
إن تتلها خيفة من حرّ نار لظى *** أطفأتَ نار لظى من وردها الشَبَم (1)
كأنّها الحوض تبيض الوجوه به *** من العصاة وقد جاؤوه كالحُمم
و كالصراط و كالميزان معدلة *** فالقسط من غيرها في الناس لم يَقُم
لا تعجبنَ لحسودٍ راح ينكرها *** تجاهلاً وهو عين الحاذق الفهم
قد تنكر العين ضوء الشمس من رَمَدٍ *** ويُنكِر الفم طعمَ الماء منْ سَقَم(2)
هذان انطباعان متفقان هدياً، من شخصين مختلفين عقيدة وسلوكاً، من ملحد وموحّد، اتفقا على أنّ القرآن فيه من الآيات البيّنات ما فيه هدى للعالمين، و نقول فيه أيضاً كم من أسرار تكتنف جوهر ذات الإنسان وهو لا يعلمها، ممّا هو خارج نطاق المحسوس لديه وما هو مشاهدٌ للعيان عنده، فتلك الروح التي بها قوامه فهو في دوامة السؤال عنها، و قد أشار إلى ذلك قوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً(3)
فإنّ حقيقة الروح لا يزال أمرها مجهولاً لدَى الإنسان، و إنّما هي من الأسرار الخفيّة التي يستحيل رؤيتها تحت المجهر، أو معرفة حقيقتها حين دخولها عالم الجسد، أو مفارقتها له عند النوم أو الموت، فضلاً عن تمايزها لدى الأفراد، ثم هل هي النفس أو أنّها هي غيرها، و لكل من النفس ومن الروح نحو ارتباط بالجسد، ويبقى الإنسان هو ذلك المجهول في أكثر من ناحية وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَهْمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (4)
وتبقى اللاأدرية طاغية على العلم بحلّ ذلك الطلسم، الذي لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، و يبقى القرآن هو المعجزة الخالدة و فيه تبيان كل شيء كما قال تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ(1)
و يبقى هو يفضل سائر معجزاته ، بل و حتى سائر معاجز الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ، لأنّ تلك المعجزات كانت حسيّة، فهي محدودة بحدود الزمان والمكان الذي ظهرت فيه، فانقضت بانقضاء زمان حدوثها، فلم يشاهدها إلا من حضرها، ولولا القرآن الذي أخبرنا عنها لضاع ذكرها أيضاً .
بينما القرآن فاق بنواحي إعجازه بقاؤه وحياً و حياً من الحياة وغضّاً طريّاً كما انزل يوم أنزلت آياته من لدن حكيم خبير، و لا يبعد شاهداً في المقام ما رواه الشيخان - البخاري و مسلم - عنه صلی الله علیه و آله و سلم قال: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلىَّ فأرجو أن أكون أكثرهم تبعاً يوم القيامة » (2).
وقد نقل عن الإمام الشافعي أنّه قال: ما أعطى الله نبياً شيئا إلا وأُعطي محمد صلی الله علیه و آله و سلم ما هو أكثر منه، فقيل له : أعطي عيسى بن مريم إحياء الموتى، فقال الشافعي: حنين الجذع أبلغ، لأنّ حياة الخشبة أبلغ من إحياء الميت، ولو قيل : كان موسى فلق البحر عارضنا بفلق القمر، وذلك أعجب لأنه آية سماوية .
و إن سئلنا عن انفجار الماء من الحجر عارضناه بانفجار الماء من بين أصابعه صلی الله علیه و آله و سلم ، لأنّ خروج الماء من الحجر معتاد، أما خروجه من اللحم و الدم فأعجب، ولو سئلنا عن تسخير
الرياح السليمان عارضناه بالمعراج(1).
و لا شك أنّ معجزات النبي صلی الله علیه و آله و سلم فاقت معجزات سائر النبيين كمّاً وكيفاً و نعتاً و وصفاً(2). ، و اعتنى الأعلام بجمعها، فعقد لها البخاري باباً كبيراً في صحيحه بعنوان دلائل النبوة، و ذكر النووي في مقدمة شرح مسلم أنّ معجزات النبي تزيد على ألف و مائتين، و ألّف البيهقي و أبو نعيم كتابيهما باسم (دلائل النبوة) والحاكم في الإكليل، و القاضي عياض في الشفا و غيرهم خصّوها بالتأليف.
و قال الزمخشري في الكشاف : إن النبي صلی الله علیه و آله و سلم أعطاه الله آيات كثيرة وصلت إلى ألف آية أو أكثر و لو لم يؤتَ إلا القرآن وحده لكفى به فضلاً منيفاً على سائر ما أوتي الأنبياء، لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات (3)
وقال الحافظ ابن حجر: و أما ما عدا القرآن من نبع الماء بين أصابعه، و تكثير الطعام وانشقاق القمر، و نُطق الجماد، فمنه ما وقع التحدّي به، ومنه ما وقع دالاً على صدقه من غير سبق تحدٍ، و مجموع ذلك يفيد القطع بأنه ظهر على يده صلی الله علیه و آله و سلم من خوارق العادات شيء كثير(4)
لا شك عند جميع المسلمين أنّ القرآن المجيد هو المعجزة الخالدة، و لمّا كانت سورة القمر فيه هي إحدى كرائم سوره - و كلها كرائم - و قد ذكرنا افتتاح الباب ببعض آياتها من
أولها، وتلكم الآيات الكريمة - كسائر آيات القرآن الكريم - أنزلت بلسان عربي مبين، فلابد لنا من التدبّر في قوله تعالى في أول السورة: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ
قال الشيخ الطوسي في التبيان: هذا إخبارٌ من الله تعالى بدنو الساعة و قرب أوانها، فقوله: اقْتَرَبَتْ أي دنت و قربت و في اقْتَرَبَتْ مبالغة، كما أنّ في (اقتدر) مبالغة على القدرة، لأنّ أصل (افتعل ) طلب إعداد المعنى بالمبالغة نحو (اشتوى) إذا اتخذ شوى في المبالغة في اتخاذه وكذلك (اتخذ) من (أخذ) و الساعة القيامة .
وقال الطبري: تقديره اقتربت الساعة التي تكون فيها القيامة، و جعل الله تعالى من علامات دنوها انشقاق القمر المذكور معها، وفي الآية تقديم و تأخير، و تقديره انشقّ القمر و اقتربت الساعة، و من أنكر انشقاق القمر و أنّه كان وحمل الآية على كونه فيما بعد - كالحسن البصري وغيره و اختاره البلخي - فقد ترك ظاهر القرآن، لأنّ قوله : انْشَقَّ يفيد الماضي، وحمله على الاستقبال مجاز.
وقد روى انشقاق القمرعبد الله بن مسعود، و أنس بن مالك، و ابن عمر، و حذيفة و ابن عباس، و جبير بن مطعم، و مجاهد، و إبراهيم، و قد أجمع المسلمون عليه، و لا يعتدّ بخلاف من خالف فيه لشذوذه، لأنّ القول به أشهر بين الصحابة فلم ينكره أحد، فدلّ على صحّته، و أنّهم أجمعوا عليه، فخلاف من خالف فيما بعد لا يلتفت إليه، ومن طعن في انشقاق القمر بأنّه لو كان لم يخف على أهل الأقطار فقد أبعد .
لأنه يجوز أن يحجبه الله عنهم بغيم ، ولأنه كان ليلاً فيجوز أن يكون الناس كانوا نياماً فلم يعلموا به، لأنه لم يستمر الزمان طويل، بل رجع فالتأم في الحال، فالمعجزة تمّت بذلك(1).
فالإنذار بقرب الساعة أولاً : لا يستلزم انشقاق القمر بعدها أو عند قيامها، ثانياً:
1) التبيان 9 : 442 - 443 ط النعمان النجف الأشرف بتحقيق القصير
بزعم أن العطف بالواو ، يقتضي الترتيب أو التشريك بمعنى إذا جاءت الساعة سينشقّ القمر - كما هو المنقول عن الحسن البصري و عطاء و البلخي - وهذا من سخف الرأي، و مرذول القول . لأنّ الفعل الماضى دالّ على وقوع في زمان مضى و انقضى، و حمله على الإستقبال مجاز ، يفتقر إلى قرينة تنقله عن حقيقته، ودليل يسنده، وليس ذلك موجوداً في وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ.
والعطف على اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ لا يقتضي الترتيب و لا التشريك زماناً أو مكاناً، وكم من آية في القرآن الكريم معطوفة بالواو من غير ترتيب الثاني على الأول، بل على العكس.
وأوضح مثال وأقرب منال لدى كل مسلم هو ما يتلوه في كل يوم عشر مرات في فرائض صلاته على أقلّ تقدير، وهو قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ في سورة الفاتحة، و من الواضح أنّ طلب الاستعانة على العبادة يكون قبلها، وكم من نظير، و خذ إليك أظهر الشواهد، و يعرفه كل راكع و ساجد، و ذلك قوله تعالى: يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (1)ومن نافلة القول بيان أن الركوع قبل السجود، مع أنّ الآية الكريمة ورد فيها خلاف ذلك. وأيضاً في ذلك قوله تعالى لعيسى بن مريم : إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَى (2)والرفع قبل التوفّي ، و رحم الله ابن عباس حبر الأمة قيل له: تزعم أن العمرة قبل الحج، و قد قال الله : وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله (3)قال ابن عباس : فكيف تقرأ: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي
بِهَا أَوْ دَيْنِ (1)أفبالدَين تبدأ ؟ أم بالوصية و قد بدأ بالوصية (2) ومالنا نذهب بعيداً عن نفس السورة التي افتتحنا بها الباب - و هي سورة القمر - فقد وردت فيها ست آيات مختومة بقوله تعالى: عَذَابِي وَنُذُرِ أربع منها على نسق واحد وذلك قوله تعالى: فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (3)و اثنتان منها بلفظ واحد، وهو قوله تعالى: فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ(4).
ومن المعلوم أنّ النذُرُ إنّما هم قبل العذاب، لأنه تعالى قال في محكم كتابه :وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (5)و قال: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئلاً يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةُ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا(6).
فتبيّن أنّ العطف بالواو لا يقتضي الترتيب أبداً و لا التشريك، نعم ربّما قيل لتقديم المقدّم حظاً و فضلاً على المؤخر، كما نقل عن ابن جنّي متسائلاً بقوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ (7)فقدّم المؤخّر في موضع تعداد النعم فكان أولى.(8)
فلنا أن نقول أيضاً : ما دام تقديم المؤخّر في موضع تعداد النعم كان أولى، فكذلك في موضع التخويف بالنقم أيضاً فهو أولى، فإنّ التهديد باقتراب الساعة التي كان المشركون
يكذّبون بها كما قال تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ (1)وكانوا يسألون النبي صلی الله علیه و آله و سلم عنها مستهزئين ، فقال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا(2)وقال تعالى: يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنْ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا(3)
فقد خوفهم تعالى بقوله: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُوهدّدهم لما طلبوا من النبی صلی الله علیه و آله و سلم متحدين له ومعاجزين أن يشق لهم القمر ، فدعا ربّه وانشقّ القمر حتى رأوه فلقتين والنبي صلی الله علیه و آله و سلم يقول إشهدوا إشهدوا، كما سيأتي بيان ذلك موثقاً، فازدادوا عتوّاً كما حكى الله تعالى حالهم : وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ (4)فزاد تعالى في تخويفهم بقوله في أواخر السورة : بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (5).
فمعجزة شقّ القمر قد دلّ عليها القرآن المجيد، ومن أظهر دلائل حدوثها قوله تعالى حكاية عن مشركي قريش الذين هم طلبوا أن يريهم النبي صلی الله علیه و آله و سلم تلك المعجزة الظاهرة والآية الباهرة، فلما أراهم ذلك وقال إشهدوا إشهدوا أعرضوا و قالوا: سحَرَكم محمد، فقال تعالى :وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ .
ولو تخلّينا عن عقولنا وقلنا بما قاله الحسن وعطاء والبلخي، وأنّ انشقاق القمر سيحدث عند قيام الساعة، فكيف لنا بالجواب عن معنى قوله تعالى : وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِر ؟ وهل بعد قيام الساعة من تكليف ودعوة إلى الإيمان والإتيان بآية حتى يؤمنوا فلم يؤمنوا وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ ؟
والله سبحانه وتعالى قال في كتابه: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ (1).
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِيرَوْضَةٍ يُحبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ(2).
فإنّ فضل رسول الله ليس له *** حدٌ فيعربُ عنه ناطقٌ بفم
لو ناسبت قدره آياته عِظماً *** أحيى اسمه حين يُدعى دارس الرمم
لم يمتحنا بما تعيى العقول به *** حرصاً علينا فلم نرتب ولم نهم
أعيى الورى فهم معناه فليس يُرى *** للقُرب و البعد منه غيرُ منقحم
كالشمس تظهر للعينين من بُعُدٍ *** صغيرة و تكلّ الطرف من أُمَم
وكيف يُدرِك في الدنيا حقيقته *** قوم نيامٌ تسلوا عنه بالحُلم
رحم الله البوصيري حين أشار إلى القوم الذين لم يدركوا الحقيقة المحمدية بأبعادها وأمجادها، فشبهّهم بقوم نيام تسلّوا عنه بأضغاث الأحلام .
إنّ مسألة انشقاق القمر و ردّ الشمس كسائر المسائل التي يجب أن تُبحث بعناية تامة، تعتمد حجج الإثبات عن طريق الكتاب و السنة، و إذا ما وجدنا في وسائل العلم الحديث ما يزيدنا إيضاحاً نستطيع آنئذ أن نقنع المنكرين أو المشككين بالطريقة العلمية، وعندها نصل بطبيعة الحال إلى نتيجة مقنعة يقرها العقل و تفرضها الحجة.
فمثلاً إذا أمعنّا النظر في علم تشريح الأفلاك و علم تشريح الإنسان، لوجدنا الثاني أقرب إلينا معرفة لأنّا نعيشه إحساساً، بخلاف الأول إذ نعتمد فيه على الحدس غالباً، و مهما تقدّم العلم عبر وسائله المتطوّرة فإنّما يتجلّى لنا انّا لم نبلغ من العلم إلا قليلاً.
فدقائق الوجود و عجائب الكون وأسرار الخليقة، ما زالت طلاسم فوق طاقة العقل في إدراكه، وكم مرة مررنا بالآية الكريمة سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الأَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ هُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(1).
فمثلاً أسرار الكهرباء، و تحطيم الذرة، و ما نشأ عنهما من المخترعات قرّبت إلى العقل فهم إمكان تحوّل المادة إلى طاقة و قوة، ثم تحوّل القوة و الطاقة إلى مادة، وما زلنا بعد في بدايات الطريق، فأنّى لنا بلوغ ذروة العلم و منتهاه لنعرف الحقيقة و كنهها، وكل ما أدركته العقول هو الآثار لتلك الحقيقة المجهولة سراً، المعلومة قدراً .
و قس على ذلك علم استحضار الأرواح مثلاً الذي شاع و ذاع، فقد فسّر للناس كثيراً مما كانوا يجهلونه، و شيئاً كثيراً مما كانوا يختلفون فيه، و أعان على فهم تجرّد الروح، و إمكان انفصالها، و فهم ما تستطيعه من السرعة في طيّ الأبعاد، و هذا ممّا أعان على تقريب معجزة الإسراء و المعراج و كرامة طيّ الأرض، و نحوها مما صدر لنبينا صلی الله علیه و آله و سلم.
و لو أنّا تجرّدنا عن رواسب موروثة، و خداع دعايات مسمومة مبثوثة، لعرفنا أنّا نملك أمثل الوسائل لتمحيص السيرة ممّا علق بها من روايات مكذوبة، من أناس دخيلين على الإسلام، أمثال كعب الأحبار، و وهب بن منبه، و أبي الجلد و أضرابهم، ممّن دسّوا أنفسهم بين المسلمين، و بثّوا سُمومهم في أخبار إسرائيلية طفحت بها كتب السيرة و التاريخ و التفسير.
و زاد المستشرقون المبشّرون في الطين بلّة، و في النفس الضعيفة علّة، فكثر الدسّ و كثر
1) فصلت : 53 .
الشك واستجاب أصحاب الإيمان المستودع لدعاة التشكيك و زادوا بالإنكار، ولو أنّهم كانوا ممن محّص الله قلوبهم بالإيمان تمحيصاً يؤمنون معه بجلال عظمة الخالق لآمنوا بما أفاضه تعالى على نبيه المصطفى صلی الله علیه و آله و سلم من رفيع المقام، منذ أن اختاره وانتخبه فابتعثه، هادياً و ولياً و مرشداً، و داعياً إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة.
و توالى بعدهم ذكر أنماط في الأسقاط، فمنهم من صدّق بانشقاق القمر ، لكنه أنكر معجزة ردّ الشمس، كابن تيمية وله أشباه و أشياع و منهم من أنكرهما معاً إذ لم يستمرؤا طعم الإيمان على حقيقته، فضاقت نفوسهم أن يؤمنوا بما لم يروا، و حملهم التعصّب و العناد حتى على إنكار ما رووا، و زادهم النصب تعقيداً، و هم يتلون الكتاب أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالها(1)
هذا العنوان اسم كتاب صدر في مصر أيام الغزو الإلحادي الذي هبّت رياحه على المسلمين، فتهاوى الهشيم ممّن على أرض الإسلام مقيم، و ليس عليَّ من مؤاخذة لو أخذته من ذلك الكتاب وأنا أعترف له بالسبق .
إنّ التّقدم العلمي في وسائل الاكتشافات الحديثة، يساعد كثيراً على فهم أسرار في الإعجاز القرآني العلمي، وقد أشار إلى جملة منها الكاتب الإسلامي عبد الرزاق نوفل في كتابه (القرآن و العلم الحديث) و قد صدر في الطبعة الأولى سنة 1378 هج-- 1959م فقد جاء فيه «و من يعارض في أنّ القرآن كتاب علم فليتدبر آياته ليرى أنّ ألفاظ العلم قد تكرّرت في القرآن أكثر من 160 مرة، و أنّه قد حوى 6236 آية منها حوالي 750 آية كونيّة و علميّة، و الباقي آيات للتشريع و المعاملة و العبادات و العقائد و التكاليف و التوحيد
1) محمد : 24 .
و التأمل و قصص الانبیاء السابقین ... .
ومن يقول إنّ الآية الشريفة : يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ (1)آية معاملة أو تشريع أو تأمل أو توحيد ؟ ... أو ليست هذه الآية قد ضمّت أُصول علم الأجنّة الذي يقرّر أنّ الجنين بعد نموّه يكون محاطاً بثلاثة أغشية صماء لا ينفذ منها الماء و لا الضوء و لا الحرارة تعرف باسم المنبارية، و الأمبونية، و الخربونية ... أو لا يسمّى مثل هذا الغشاء الأصم في اللغة العربية ظلمة ؟
و من يقول أنّ الآية الشريفة: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا(2)ليست آية علميّة، قد قررت حقيقة لم تعرف إلا في السنين الأخيرة، و عندما اكتشفت نظرية (لابلاس) في خلق السماوات و الأرض اعتبر ذلك نصراً للعلم، في حين أنّ القرآن يقررها من عشرات المئات من السنين.
و الآيات المشابهة مئات، حيث علوم الطبيعة و الفلك و الجيولوجيا و النبات و الحيوان و الزراعة و الوراثة و علم النفس و الطب الاجتماعي و الصحة و التاريخ و الجغرافيا و الميتافيزيقا و ما لا سبيل إلى حصره .
وإذا أوضحنا للعالم غير العربي أنّ القرآن معجزة علميّة قد حوى أصول العلم الحديث، وسبق إلى كل مستحدث من العلوم، ألا يكون هذا الوجه من إعجاز القرآن كافياً لإقناع رجال الغرب بمعجزة القرآن .. لاسيما أنّ حديث العلم هو القول الفصل الذي لا يستطيع أي مكابر أن يجادل معه أو يشك فيه.
أو لا يكون إعجاز القرآن العلمي بذلك .. هو السبيل إلى تبليغ الدعوة الإسلامية
لغير العرب؟
إن اليوم الذي ننشر على العالم بلغاته المختلفة ما قد سبق القرآن إلى القول به، و أثبته التقدّم العلمي في مختلف العلوم، لهو اليوم الذي يكون فيه قد أدّينا الرسالة، و أبلغنا الدعوة ... و أظهرنا معجزة القرآن لغير العرب» (1).
وقد ذكر في كتاب نوفل شواهد في جملة من فروع العلم ورد في القرآن الكريم سبقه إليها قبل اكتشاف العلم الحديث لها . إلى أن قال في ص 97 من علم الديناميكا: «لم يعرف العلم شيئاً عن علم الديناميكا، أو ما يسمى بعلم الحركة إلا بعد عام 1664 حينما لاحظ العالم نيوتن سقوط تفاحة بجواره على الأرض ولم يدهشه أنها تسقط و إنما فكر في السبب الذي يجعل التفاحة تسقط من أعلى الشجرة ومن فوق رأس برج أو من على قمة جبل شاهق.
وتساءل إلى أيّ مدى يمتد جذب الأرض للجسم ... و هل تجذب الأرض القمر كذلك .. و هل لذلك كله حساب دقيق، و عكف على هذه الدراسات إلى أن وصل إلى قوانين أساسية في علم الحركة خاصّة بحركة كل الأجسام و الثقل ورد الفعل .
وفي أوائل القرن الحالي - القرن العشرين - ظهر العالم أينشتين الذي أدخل بعض التعديلات على نظريات نيوتن و خلص منها بنظريته النسبية التي يقول عنها العلماء أنّها تعتبر بحق فاتحة عصر جديد في تطور العلوم الرياضية والطبيعية و الفلكية، بل في تطورالتفكير الفلسفي نفسه.
و هذه النظريّة معقّدة إلى درجة كبيرة تحوي نظريات ومعادلات رياضية لإثباتها، و من نتائج هذه النظريّة أنّ الحوادث التي تحدث في مكان واحد يسهل على من يقيم في هذا المكان أن يرتبها ترتيباً زمنياً من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل، و لكن إذا كانت الحوادث
1) القرآن والعلم الحديث: 24 - 25 ط دار المعارف بمصر سنة 1378 هج----.
واقعة في أماكن متباعدة فكيف نحكم على تعاقبها الزمني ؟
إذا شاهد العالم خسوف القمر في الساعة الحادية عشرة، فمعنى هذا أنّ القمر لم يخسف في هذه الساعة، و إنّما خسف قبل المدة التي قضاها الضوء في الوصول من القمر إلى الأرض ... و لو حدث أن كان عالم يرصد الخسوف من كوكب آخر، فإنّه يراه في لحظة تختلف عن اللحظات التي يشاهدها الباحث الأرضي بقدر اختلاف البُعد بين الكوكب الآخر و القمر و بُعد الأرض عن القمر، إذاً فلا يوجد زمان مطلق، و كذلك البُعد بين نقطتين على سطح الأرض، قد يكون حقيقة مطلقة يسهل على أهل الأرض الإتفاق عليها.
و لكن ما معنى البُعد بين نجمين يبعد كل منهما عنّا ملايين الملايين من الأميال ..هل نفترض أنّ سكان الأرض و سكان كوكب آخر سيتفقان على مقدار البُعد ؟
إذاً فالزمن و الكتلة و المسافة كلها أشياء نسبية - و أقرب توضيح لذلك قول القائل إنّه مسافر من القاهرة إلى الإسكندرية بالقطار السريع، فيصل إليها في ساعتين - فقد يندهش شخص تعوّد السفر بالدابة، إذ يقطع هذه المسافة في أيام وليال و يقول : ما أسرع هذا القطار ! وقد يندهش آخر تعوّد السفر بالطائرة، فهو يقطع المسافة في دقائق و يقول: ما أبطأ القطار... فالذي يعتبره الإنسان سريعاً قد يراه غيره بطيئاً، وما ذلك إلا لأنّ كلاً منهما قد نسبه إلى سرعة معيّنة اعتادها، بل نحن في أغلب الأحيان نحسّ بثقل الوقت و بطء مروره ،و في أحيان أخرى نحسّ بسرعته و خفّة جريانه، و ما ذلك إلا تبعاً لحالة معيّنة نعانيها.
و القرآن الكريم قطعاً أول كتاب علمي أو ديني قد جاء بأساس النسبية، فقرر أنّ هناك يوماً طويلاً يبلغ ألف سنة مما نعدّ .. و هناك يوم يبلغ خمسين ألف سنة، و ذلك في الآية الخامسة من سورة السجدة التي نصّها: يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ.
والرابعة من سورة المعارج التي نصّها: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.
أما طول اليوم الذي تقول عنه الآية 17 من سورة المزمل فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شيبا فقد ذكرته الآية 47 من سورة الحج وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (1)
قبل الشروع في بيان ذلك علينا أن نبصر القارئ بمعنى (الخظرفة) فنقول: قال الجوهري في الصحاح: خظرف البعير في سيره، لغة في خَذَرَفَ إذا أسرع و وسّع الخطو، بالظاء المعجمة) (2)
أقول: لكن ورد في بقية المعاجم بالطاء المهملة ، قال صاحب القاموس: خطرف أسرع في مشيته أو جعل خطوتين خطوة في وساعته... و الخطريف كقنديل السريع، و كعصفور السريع العَنَقَ.. و في نهاية ابن الأثير خطرف في حديث موسى و الخضر علیهما السلام .
وإنّ الاندلاث و التخطرف من الانقحام و التكلّف، تخطرف الشيء إذا جاوزه و تعدّاه.
و في لسان العرب نحو ما تقدّم ، وحكى عن ابن بري يقال: خظرف في مشيته بالظاء والطاء أيضاً.
و في تاج العروس: خطرف هكذا هو في سائرالنُسخ بالسواد، و ليس هو في الصحاح، و كذا قال الصاغاني في التكملة، أهمله الجوهري، و الموجود في نُسخ الصحاح هو خظرف بالظاء المعجمة، و قد اشتبه على المصنف ذلك أو هو من النساخ، و رأيت شيخنا رحمه الله قد نبّه
على ذلك وعلّله بقوله : لأنّه لو كان بالمعجمة لأخره عن خطف.
قال ابن دريد : خطرف الرجل أسرع في مشيته و خطر ، أو خطرف البعير جعل خطوتين خطوة في وساعته كتخطرف فيها أي في الإسراع و جعل الخطوتين خطوة .
و الآن إلى خظرفة القمر و خطرفته، فقد ذكر ابن الأجدابي المتوفى حوالي سنة 650 هج-- في كتابه الأزمنة و الأنواء (1)قال:
و ربما خطرف القمر فنزل بالتي تليها، و ربما قصّر عنها فنزل دونها، و ربما عدل عن المنزلة فنزل بغيرها ممّا يتصل بها، فمن ذلك الهنعة، ربما عدل عنها فنزل بالتحايي (2)، و من الناس من يعد التحايي من الهنعة، وربما عدل عن الذراع فنزل بالذراع الأخرى (3)، وربما عدل عن السماك فنزل بعرش السماك، و ربما قصّر عن الشولة فنزل بالفقار(4)فيما بين القلب و الشولة، و ربما عدل عن البلدة فنزل بالقلادة(5)، و ربما قصّر عن الفرغ(6)الثاني فنزل
1) الأزمنة والأنواء: 87-88 تحقيق الدكتور عزة حسن ط وزارة الثقافة والإرشاد القومي دمشق سنة 1964م منازل القمر
2) التحابي: ثلاثة كواكب حذاء الهنعة، واحدها تحياة، وهي بين المجرة وبين توابع العيوق. وكان أبو زياد الكلابي يقول: التحايي هي الهقعة، انظر الأنواء: 42 - 86، والأزمنة 1: 189، والآثار الباقية : 342-351 واللسان، (حيا).
3) القمر ينزل بالذراع المقبوضة، وإذا عدل عنها نزل بالذراع المبسوطة وهما ذراعا الأسد . انظر الأنواء 48 - 49 ، والمعجم الفلكي : 38 كما في المصدر.
4) الفقار ستة كواكب كل كوكب منها فقرة، وهي في ذنب العقرب . انظر الأنواء: 86 ، والأزمنة 1 : 191
5) القلادة: ستة كواكب مستديرة صغار خفيّة، تشبه بالقوس، ويسميها قوم القوس، وتسمى الأدحي . انظر الأنواء: 75، والأزمنة 1 : 94
6) في الأصل المخطوط: القرع، وهو تصحيف
بالكَرَبَ (1)، وهو وسط الفَرغين(2)، و ربما نزل ببلدة الثعلب بين (3)الدلو والسمكة .
أقول: بعد هذا العرض اللغوي لمعنى كلمة (خطرف) و العرض الفلكي لمعنى خطرفة القمر، تبيّن لنا أن للقمر في سيره حالات مختلفة، فقد يسرع فيطوي ما بين المنزلتين بسير منزلة، و هذا ما فصّله ابن الأجدابي بقوله ربّما ربّما، و لم يذكر أن الفلك اختلّ في سيره مرة، بل و لا كان ذلك محسوساً لجميع الناس، بل لم يعرفه إلّا ذوو الإختصاص من الفلكيين ، وربما باستعانة المراصد.
فإذن مسألة انشقاق القمر لا يلزم التصديق بها إلى معرفة جميع الناس، بل يكفي معرفة أولئك الذين طلبوا الآية من النبي صلی الله علیه و آله و سلم، وأولئك السُفار الذين أحسّوا به للتوسع في ذلك.
فنقول : لقد رآه من كان بالهند كما في حديث رتن الهندي، وهو المعمّر المترجم في الإصابة ومعدود في الصحابة، و لا عبرة بتشكيك الذهبي بوجوده مع النقض عليه والإبرام، وحسبنا في المقام نقل ما عند ابن حجر من كلام .
قال الشيخ البهائي العاملي رحمه الله :
تذنيب: القمر إذا أسرع في سيره فقد يتخطّى منزلاً في الوسط، و إن أبطأ فقد يبقى ليلتين في منزل، أول الليلتين في أوله، وآخرهما في آخره، و قد يُرى في بعض الليالي بين منزلين(4).
فما وقع في الكشاف و تفسير القاضي عند قوله تعالى : وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ(1)من أنّه ينزل كل ليلة في واحد منها لا يتخطّاه، و لا يتقاصر عنه(2)ليس كذلك فاعرفه.
قال في الإصابة (3): رتن بن عبد الله الهندي... شيخ خفي خبره بزعمه دهراً طويلاً إلى أن ظهر على رأس القرن السادس، فادّعى الصحبة فروى عنه ولداه محمود وعبد الله وموسى بن مجلي... ثم عدّ أسماء تسعة غيرهم ممّن روى عنه الحديث، ثم ذكر كلام الذهبي في تجريده و ميزانه في تكذيبه، و إنّه ألّف في أمره جزءاً، و قد ظفر به ابن حجر ونقل عنه، فكان بعض ما فيه جملة أحاديث، منها:
قال علیه السلام : من مات على بغض آل محمد مات كافراً....
وقال: ما من عبد يبكي يوم أصيب ولدي الحسين إلا كان يوم القيامة مع أولي العزم.
واستمر ابن حجر يستعرض بقية ما في النسخة، ثم ذكر ما عند الذهبي من كلام في شأن تلك المرويات، والتشكيك بوجود رتن، وذكر غلاة الصوفية، واستبعاده وجود رتن، و استمر ابن حجر يحكي أقوال الذهبي إلى قوله:
ولعمري ما يصدّق بصحبة رتن إلا من يؤمن بوجود محمد بن الحسن في السرداب، ثم بخروجه إلى الدنيا فيملأ الأرض عدلاً، أو يؤمن برجعة علي، وهؤلاء لا يؤثر فيهم علاج .
وختم بقوله : انتهى ما ذكره الذهبي في خبر كسروثن رتن ملخصاً .
ثم قال: وقد وقفت على الجزء الذي أشار إليه، وفيه أكثر من ثلثمائة حديث كما قال، ثم وقفت على طريق أخرى إليه فأنبأنا غير واحد عن المحدث المكثر الرحال جمال الدين الاقشهري نزيل المدينة المنوّرة، عن علي بن عمران الصنعاني، عن رفيع الدين عمر بن محمد بن أبي بكر السمرقندي أنّه حدّثه من لفظه بالمسجد الجامع بصنعاء سنة أربع وثمانين، عن أبي الفتح موسى بن مجلّي، فذكر النسخة بطولها.
و في نسخة الإربلي المذكور قال رتن: كنت في زفاف فاطمة أنا وأكثر الصحابة ... إلى أن قال في ص 530 : و قرأت بخط المؤرخ شمس الدين محمد بن إبراهيم الجزري في تاريخه قال: سمعت النجيب عبد الوهاب بن إسماعيل الفارسي الصوفي بمصر سنة اثني عشرة وسبعمائة يقول : قدم علينا بشيراز سنة خمس وسبعين وستمائة الشيخ المعمر محمود ولد بابا رتن فأخبرنا أن أباه أدرك ليلة شقّ القمر و كان ذلك سبب هج--رته....
ثم قال ابن حجر : وقرأت قصّته من وجه آخر مطوّلة بخط الأديب الفاضل صلاح الدين الصفدي في تذكرته، و أنبأني عنه غير واحد شفاهاً إنّه قرأ في تذكرة الأديب الفاضل علاء الدين الوداعي، ثم ساق ما أنبأه به علي بن محمد بن أبي المجد شفاهاً عن الوداعي، فذكر الحديث بطوله فجاء فيه من قول رتن:
فلمّا تطاولت المدّة على ذلك كنا جلوساً في فناء ضيعتنا هذه في ليلة مقمرة ليلة البدر، والبدر في كبد السماء إذا نظرنا إليه وقد انشق نصفين، فغرب نصف في المشرق، ونصف في المغرب ساعة زمانية، وأظلم الليل، ثم طلع النصف الأول من المشرق و النصف الثاني من المغرب إلى أن التقيا في وسط السماء كأن أول مرة، فتعجبنا من ذلك غاية العجب، و لم نعرف لذلك سبباً .
فسألنا الركبان عن خبر ذلك و سببه، فأخبرونا أن رجلاً هاشمياً ظهر بمكة، و ادعى
انه رسول الله إلى كافة العالم، و أنّ أهل مكة سألوه معجزة كمعجزات سائر الأنبياء، وأنّهم اقترحوا عليه أن يأمر القمر أن ينشق في السماء و يغرب نصفه في المشرق و نصفه في المغرب، ثم يعود إلى ما كان عليه، ففعل لهم ذلك بقدرة الله تعالى .
فلما سمعت ذلك من السُفار اشتقت إلى أن أرى المذكور، فتجهّزت في تجارة و سافرت إلى أن دخلت مكة، فسألت عن الرجل الموصوف فدلّوني على موضعه، فأتيت إلى منزله، فاستأذنت عليه فأذن لي، فدخلت عليه فوجدته جالساً في وسط المنزل والأنوار تتلألأ في وجهه و قد استنارت محاسنه، وتغيّرت صفاته التي كنت أعهدها في السفرة الأولى فلم أعرفه.
فلما سلّمت عليه نظر إليَّ وتبسّم و عرفني وقال: وعليك السلام، أدنُ منّي، وكان بين يديه طبق فيه رطب، و حوله جماعة من أصحابه يعظّمونه و يبجّلونه، فتوقفت لهيبته، فقال: يا أبانا أدن منّي و كل، الموافقة من المروءة، والمنافقة من الزندقة.
فتقدمت وجلست وأكلت معهم من الرطب، وصار يناولني الرطب بيده المباركة إلى أن ناولني ستّ رطبات سوى ما أكلت بيدي، ثم نظر إليَّ وتبسم، وقال: ألم تعرفني ؟ قلت: كأني غير أني ما أتحقق . فقال : ألم تحملني في عام كذا، وجاوزت بي السيل حين حال السيل بيني وبين ابلي، فعرفته بالعلامة، وقلت له : بلى يا صبيح الوجه، فقال لي : أمدد يدك، فمددت يدي اليمنى إليه فصافحني بيده اليمنى وقال: قل أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أنّ محمداً رسول الله ، فقلت ذلك كما علّمني ، فسُرَّ بذلك، وقال لي عند خروجي من عنده : بارك الله في عمرك ، بارك الله في عمرك، بارك الله في عمرك.
فودّعته وأنا مستبشر بلقائه و بالإسلام، فاستجاب الله دعاء نبيّه، و بارك في عمري بكل دعوة مائة سنة و ها عمري اليوم ستمائة سنة، و زيادة و جميع من في هذه الضيعة
العظيمة أولادي و أولاد أولادي، فتح الله عليَّ وعليهم بكل خير و بكل نعمة ببركة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم.
ثم قال ابن حجر: وقد وقعت لي روايات أخرى غير ما ذكره الذهبي إلى رتن، منها ما قرأت في كتاب الوحيد في سلوك أهل طريق التوحيد للشيخ عبد الغفار بن نوح الفوصي، وقد لقيت حفيده الشيخ عبد الغفار بن أحمد بن عبد الغفار ... وساق الحديث عنه ثم عن البهاء الجَنَدي في تاريخ اليمن وعن غيره ممّا يؤكد وجود رتن والحديث عنه، وقد أطال في ذلك إلى أن قال: وقد تكلّم الصلاح الصفدي في تذكرته في تقوية وجود رتن، وأنكر على مَن ينكر وجوده، وعوّل في ذلك على مجرّد التجويز العقلي .. وليس النزاع فيه، إنما النزاع في تجويز ذلك من قبل الشرع بعد ثبوت حديث المائة في الصحيحين، والاستبعاد الذي عوّل عليه الذهبي ... .
ثم قال ابن حجر: ولما اجتمعت بشيخنا مجد الدين الشيرازي شيخ اللغة بزَبَيد من اليمن - وهو إذ ذاك قاضي القضاة ببلاد اليمن - رأيته ينكر على الذهبي إنكار وجود رتن، وذكر لي انّه دخل ضيعته لما دخل بلاد الهند، ووجد فيها من لا يحصى كثرة ينقلون عن آبائهم وأسلافهم عن قصة رتن، ويثبتون وجوده، فقلت هو لم يجزم بعدم وجوده، بل تردّد، وهو معذور إلى آخر ما في جعبة ابن حجر من حجر.
وأنا لا أروم إثبات أو نفي وجود رتن الهندي، فمهما يكن من أمره، و لكنّي أقول لا يوجد دخان من دون نار، ولا دار من دون ديّار، فإذا كان الرجل كاذباً فلماذا ترجمه ابن حجر في الإصابة ؟ فذلك هتك للصحابة، كضم الحجر إلى الجوهر، والعبد إلى القمر الأزهر، إذاً ليس هو خرافة بعد كل ما رواه عنه الذهبي وغيره من أحاديث ليس فيها من
نكارة، سوى استبعاد صحبته وروايته عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم، فليكن من قبيل أهل البدع، لنا روايته و عليه بدعته، خصوصاً بعد أن لم نجد بعض مرويّاته فيها ما يناقض الدين، بل و لا مثل ما عند الآخرين من مرويات الكذابين، وأخشى أن تكون دوافع بعض ما تقدّم من حديثه في ذكر أهل البيت الطاهرين علیهم السلام هو سبب الطامة التي لحقته حتى عدّ في الكذابين.
وفي إحدى المخطوطات الهندية القديمة، والمحفوظة في مكتبة المركز الهندي بمدينة لندن تحت رقم 2807 / 152 - 173، ذكر المفكر الإسلامي الكبير الأستاذ الدكتور محمد حميد الله في كتابه المعنون محمد رسول الله أنّ أحد ملوك ماليبار - و هي إحدى مقاطعات جنوب غربي الهند - وكان اسمه شاكرواتي فارماس (Chakarawati Farmas)شاهد انشقاق القمر
على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) و أخذ يحدث الناس بذلك.
وحدث أن مرّ عدد من التجار المسلمين بولاية ماليبار ، و هم في طريقهم إلى الصين، وسمعوا حديث الملك شاكرواتي فارماس عن انشقاق القمر، فأخبروه أنهم أيضاً قد رأوا ذلك، وأفهموه أنّ انشقاق القمر معجزة أجراها ربنا (تبارك وتعالى) تأييداً لخاتم أنبيائه ورسله (صلّى الله عليه وسلم) في مواجهة تكذيب مشركي قريش لنبوته و لرسالته .
فأمر الملك بتنصيب ابنه و ولي عهده قائماً بأعمال مملكة ماليبار، و توجّه إلى الجزيرة العربية لمقابلة المصطفى (صلى الله عليه وسلم) .
و بالفعل وصل الملك الماليباري إلى مكة المكرمة و أعلن إسلامه أمام رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، و تعلّم ركائز الدين الأساسية، و أفل راجعاً، و لكن إرادة الله (تعالى) أن ينتهي أجله قبل مغادرته أرض الجزيرة العربية، فمات و دفن في أرض ظفار، و حين وصل
الخبر إلى ماليبار كان ذلك حافزاً لدخول أهلها الإسلام زرافات و وحداناً (1)
والآن و بعد هذه البدايات التمهيدية، فلنقرأ بإمعان لنتابع ماذا عن انشقاق القمر في التراث الإسلامي، و ذلك من خلال مبحثين: الأول فيمن أنكر حدوث معجزة شقّ القمر و ما هي حجته ؟ و المبحث الثاني فيمن أثبت ذلك بوسائل الإثبات التي عنده .
لقد مرّ بنا في آخر الباب الأول ماذا قال العلم الحديث في المقام ؟ و ذكرت ما يقرّب إلى ذهن القارئ الذي ينتظر كلمة العلم الحديث، إمكانية خرق القوانين الطبيعية في الآيات الكونية، من دون تعرّض الكون للفساد، و الآن أود التنبيه على أنّ الذين قالوا بالاستحالة إنّما هم ممّن فاتهم الإذعان بقدرة الله تعالى أولاً، و لم يكن لديهم إثارة من علم الفلك ثانياً .
وإذا كان فيهم مَن لديه حرف منه فهو على هيئة بطليموس، ونظريته التي ثبت بطلانها بعد تقدّم العلم الحديث، و أصحاب تلك النظرية تصوّروا السماوات السبع و الأرضين السبع مثل بصلة، تعلو قشورها بعضاً فوق بعض، ويحيطها جميعاً فلك الأفلاك، وهي عندهم سبعة الأفلاك، يتصل بعضها بالآخر اتصالاً وثيقاً غير قابل للإنفكاك، مع وجود فواصل متفاوتة بين كواكبها ، و كل منها مستقر في فلكه، غير أنّه مرتبط مع غيره، فإذا حدث في واحد ما يغيّره جرى ذلك إلى البقية، وسرى إليها الإختلال وتأثر الجميع بذلك الإنحلال، لأنّ العالم كله بأفلاكه وأملاكه محدود في فضاء متناه .
1) مقتبس من مواقع الانترنيت .
هكذا رأي الهيئة القديمة التي نسبت إلى بطليموس، وتابعه عليها من تابعه ممن قال باستحالة الآيات الكونية، و منها انشقاق القمر و أعطف عليه ردّ الشمس، بناءً على هذه المقالة الفاسدة .
أما اليوم و العلم الحديث بلغ مبلغاً في الكشف العلمي بقوة غزا الكواكب بها حتى نفذ إلى أقطار السماوات بسلطانه، فأدرك بعض أسرار الإعجاز القرآني في آياته البينات نحو قوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ (1).
و أدركوا أنّ الفضاء لا نهاية له و هو في اتساع، و هذا ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى :وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا مُوسِعُونَ(2)
و قد توصّل العلماء إلى أنّ المجموعة الشمسية التي كوكب الأرض و كوكب القمر من توابعها و لها توابع نحوهما، إنّما هي إحدى مجموعات كثيرة و كبيرة من شموس أخرى، و كوكب القمر في مجموعتنا الشمسية هو أقرب كواكبها الأخرى إلى الأرض، و تلك كواكب على غرار كوكبنا الأرضي في تابعيته للشمس، و إن اختلف شكلاً و حجماً و حركة و قرباً و بعداً من الشمس.
كما توصّل العلماء عن طريق الأجهزة المتطوّرة أنّ بعض الكواكب سبق لها في الماضي السحيق أن حدث فيه انفجارات لا تزال أجزاء ما تناثر منه تسبح في الفضاء اللامتناهي نتيجة ذلك الإنشطار، و ربما بعضها اتخذ مداراً حول شمسنا بفعل الجاذبية منها، و هذا كله
لم يؤثّر على سير بقية أفلاك المجموعة الشمسية: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ(1)
فنقول للمنكرين الذين أعجزهم الجهل و عدم الإيمان بحدوث انشقاق القمر: ما بالكم تنكرون آية دلّ القرآن الكريم عليها، كما مرّ في المعجزة الخالدة هي الحجة الشاهدة، بحجة أنّ الإنشقاق فيه خرق و ثم التئام، و هذا حدث عظيم ينبغي أن يراه العالم، و أن يكتبه المؤرّخون من سائر الأمم وأن .. و أن ... نقول لهم: أيّها النفاة اتحدوا و أعدّوا و أنّى لكم و أنتم بين مشرق و مغرب، على اختلاف الزمان و المكان، و علينا أن نجمع شتاتكم و نعرّف فئاتكم كما نعرض فُتاتكم.
يمكننا أن نجعلهم فريقين يتجاذبان الإنكار، ولكن كل فريق يحطب بحبله، ويخطب بعقله .
فالفريق الأول: و يمثّله الحسن البصري، وعطاء المكي، و مقاتل بن سليمان البلخي فهؤلاء أوائل الذين أساؤوا فهم لغة القرآن، و لم يستضيئوا بنور العلم من معدنه، فقالوا في تفسير الآية الكريمة: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ إنّ الإنشقاق سيحصل عند قيام الساعة، و هو من أشراطها، و أنّ الآية الكريمة و إن جاءت بلفظ الماضي، لكنها أرادت المستقبل.
ومعنى (انشقّ) سينشق، فالآية غير دالة على تحقيق الوقوع، و هذا ما حكاه عنهم غير واحد من المفسّرين، و قد ردّوه عليهم ردّاً بليغاً، سيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
وقد وجدت لهم تبعاً في زلل هذا القول هو الحليمي، وقد حكاه عنه الرازي في كتابه
1) يس : 40 .
(نهاية القولِ) وستأتي مقالته عند التعريف به .
و الفريق الثاني: قد تجاوز الحدّ حتى في العدّ، فكان منه جماعة من شيوخ المعتزلة، کهشام بن عمرو الفوطي، والنظّام، و الجاحظ، و أبو الحسين K و كان منهم من الأشاعرة أبو إسحاق، و الحليمي الآنف الذكر أيضاً فهؤلاء أنكروا جملة من المعجزات، و كان انشقاق القمر واحداً منها، بحجة منع حدوث الخوارق سواء كانت معجزة أو كرامة.
و في العصر الحاضر وجدنا من لا يؤمن بهذا الحديث - معجزة شقّ القمر - أسفا، و له فيما كتب من تفسير هَدَفا، و قد ضلّ و أضلّ به كثيراً ممّن اتخذه كهفاً و كنفاً، ربما أتينا على ذكره في آخر المبحث و لو بنحو الإشارة.
ونعود إلى النفاة فنعرّفهم للقرآء حسب ما يقتضي المقام .
فأوّلهم الحسن البصري ( ت / 110 هج---- ) ذكره مترجموه في التابعين، و وصموه بالتدليس حتى قال عنه ابن العجمي في التبيين لأسماء المدلّسين: من المشهورين بالتدليس، و قد قال ابن سيرين: لا تأخذوا بمراسيل الحسن، فإنّه لا يبالي عمّن أخذ حديثه(1)
و قد استقصى حافظ ثناء الله الزاهدي - في كتابه تحقيق الغاية بترتيب الرواة المترجم لهم في نصب الراية في ترجمة الحسن البصري - كلمات الأعلام في مرويات الحسن عن الصحابة وتفنيد سماعه منهم، و هو مفيد في إثبات تدليسه، فراجع(2).
و لمّا كانت معجزة انشقاق القمر مذكورة في القرآن و إنّما يصحّ لأمثاله الكلام فيها عن علم تعلّمه مما رواه غيره في تفسيره و لما لم يذكر أحداً لنرى صحة روايته، فهو إذاً لم يكن ما قاله عن رواية، و إنّما كان ذلك رأياً منه، فحينئذٍ لا عبرة برأيه ما دام فسّر القرآن
برأيه، و كيف نقبل قوله و قد ورد التغليظ في ذلك حتى ورد مرفوعاً: «من فسَّر القرآن برأيه فأصاب تكتب - كتبت - عليه خطيئة» وفي لفظ «فليتبوأ مقعده من النار» (1)
و ثانيهم عطاء هو ابن رباح المكي (ت / 135 هج----) و هذا كسابقه في عدم الأخذ بمرسلاته حتى قال أحمد بن حنبل: و ليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن وعطاء، فإنّهما كانا يأخذان عن كل أحد (2)، و فوق هذا فقد ذكره أبو القاسم الكعبي أنّه كان من المرجئة(3)، و ذكر ابن حجر انّه قرأ بخط الذهبي قول ابن المديني: كان ابن جريج و قيس بن سعد تركا عطاء بآخره ...
فهو إذن في سماعه إشكال، وفي رأيه مثل ذلك خصوصاً في الإرجاء الدال على فساد معتقده.
و ثالثهم مقاتل بن سليمان البلخي (ت / 150 هج----) و قد مرّ بعض تعريفه، و يكفي في ذلك قول ابن أبي حاتم فيه صاحب التفسير و المناكير فهو ساقط لمناكيره، فلا نطيل الوقوف عنده لالتماس معاذيره، أنّى ذلك و هو من المجسّمة كما جاء في (المواقف) حيث قال: والمجسّمة قالوا هو جسم حقيقة فقيل مركّب من لحم و دم كمقاتل بن سليمان(4)
وفي ميزان الإعتدال في ترجمته من التصريح بأضاليله حتى نقل عن أبي حنيفة قوله : أفرط جهم في نفي التشبيه، حتى قال أنه تعالى ليس بشيء، و أفرط مقاتل - يعني في الإثبات - حتى جعله مثل خلقه، وقال ابن حبّان: كان يأخذ عن اليهود و النصارى من
علم القرآن الذي يوافق كتبهم، وكان يشبّه الربّ بالمخلوق، و كان يكذب في الحديث .
و في تاريخ بغداد: قال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: أخرجت خراسان ثلاثة لم يكن لهم في الدنيا نظير - في البدعة و الكذب - جهم بن صفوان، و عمر بن صبيح، و مقاتل بن سليمان، و روى أبو يوسف أنه قال: بخراسان صنفان ما على الأرض أبغض إليَّ منهما :
المقاتلية والجهمية(1).
ورابعهم: هو إبراهيم بن سيّار النظّام (ت / 231 هج--) من شيوخ المعتزلة، وهو صاحب القول بالطفرة حتى أضحت مثلاً فيقال لما لا يعقل و يتم بدون مقدّمات كطفرة النظام، بمعنى بلوغ المرحلة الثالثة من دون المرور بالثانية، وله مقالات شاذة أُخرى، والذي يعنينا من إنكاره معجزة شقّ القمر، و قد حكى ذلك عنه القاضي عبد الجبار في كتابه (2)، و ردّ عليه و على غيره، و سنقرأ ذلك في: ماذا عند المتكلمين .
و خامسهم عمرو بن بحر الجاحظ (ت / 255 هج--) من شيوخ المعتزلة البصريين، وهو في شهرته من خلال كتبه غني عن التعريف، ففي مقدّمات المطبوع منها كالبيان والتبيين، و كتاب الحيوان، و رسائله جمع السندوبي، وكذا الدراسات الخاصة به سوى المقالات الكثيرة، راجع بشأنها معجم المؤلفين لكحالة (3)ففي جميع ذلك ما يغنينا في ذكره، و لا يعنينا في أمره سوى التنبيه على إنكاره معجزة شقّ القمر.
فقد ذكر ذلك عنه المرزوقي في كتابه فقال: و أما انشقاق القمر فإنّ الجاحظ كان ينفيه، ويقول : لم يتواتر الخبر به، و يقول أيضاً: لو انشق حتى صار بعضه في جبل أبي قبيس لوجب
أن يختلف التقويمات، لأنّه قد عُلم سيره في كل يوم و ليلة، فلو انشقّ القمر لكان وقت انشقاقه لا يسير(1)
فأما قوله تعالى: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ فإنّما معناه سينشق، ونحن نثبته ونقول يكون كذلك، دليلاً خُصّ به عبد الله بن مسعود رحمه الله ، و إنّ سائر الناس لم يروه، لأنّ الله حال بينهم وبين رؤيته بغمامة أو غيرها، و يجوز أن يكون غير عبد الله رآه، فاقتصر في نقله على رواية عبد الله، و على ما نطق به القرآن من ذكره.
وسادسهم هشام بن عمرو الفوطي، من المعتزلة و له مقالات شاذة، كما له أتباع يسمون بالهشامية، و هم يقولون بجواز الإمامة، بمعنى عقدها في أيام الإتفاق و السلامة، أما في أيام الفتنة فلا - و هذا كذلك هو مذهب المحكّمة الأولى من الخوارج، فإنهم أجازوا ألا يكون في العالم إمام أصلاً- .
ومن مقالات الفوطي السيئة في القرآن عدم إعجازه و قال: إنّ القرآن لم يجعل عِلماً للنبي و هو عرض من الأعراض، و الأعراض لا يدلّ شيء منها على الله ولا على نبوة النبي، و في كتب المقالات و الفِرَق يجد الباحث أقوالاً شاذة أخرى، و منها إنكاره معجزة شقّ القمر، كما أنّ في ترجمته في كتب التراجم نقولاً عنه شتى في ذلك .
فالذهبي ذكره في سير أعلام النبلاء و قال أبو محمد الفوطي المعتزلي الكوفي ... صاحب ذكاء و جدال، و بدعة و وبال...(2)
ونهى عن قول (حسبنا الله و نعم الوكيل) و قال : لا يعذّب الله كافراً بالنار، و لا يحيي أرضاً بمطر، و لا يهدي و لا يضل .... و حكى عن المبرّد حكاية رجل مع هشام، و قد سأله
عن عمره و تقعّره في الجواب، ثم قال الذهبي: هذا غاية ما عند هؤلاء المتقعّرين من العلم، عبارات و شقاشق لا يعبأ الله بها، يحرفون بها الكلم عن مواضعه قديماً و حديثاً، فنعوذ بالله من الكلام وأهله، ونحوه .
و في تاريخ الإسلام (1)، و ذكره في ذيل ترجمة داود الجواربي في ميزان الإعتدال، و عدّ جماعة هو منهم فقال : هذا الضرب لا أعلم له رواية ... فلكونهم لم يرووا الحديث لم احتفل بذكرهم ولا استوعبتهم، فأراح الله منهم.
وقد ذكره ابن النديم في الفهرست(2)وذكر من مقالاته: إنّ الشيطان لا يدخل في الإنسان، وإنّما يوسوس له من خارج والله - جل عن ذلك - يوصل وسوسته إلى قلب ابن آدم ليبتليه .
وقال ابن الأثير في اللباب في تهذيب الأنساب(3): وأما الهشامية الثالثة فهم أصحاب هشام ابن عمرو الفوطي، و فضائحه كثيرة، منها أنّه حرّم على الناس أن يقولوا حسبنا الله و نعم الوكيل، و قد نطق القرآن بذلك، و ظن أنّ الوكيل يقتضي موكلاً، و لم يعلم أنّ الوكيل بمعنى الحفيظ، كقوله تعالى: لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيل (4)أي بحفيظ .
وأخيراً نكتفي بما قاله القاضي عياض عنه وعن معمر الصيمري في الشفاء....(5)و كذلك من أنكر القرآن أو حرفاً منه ... أو زعم أنه ليس بحجة للنبي صلى الله عليه و آله و سلم أو ليس فيه
حجة و لا معجزة، كقول هشام الفوطي، و معمر الصيمري، إنّه لا يدلّ على الله ولا حجة فيها لرسوله، و لا يدلّ على ثواب أو عقاب و لا حكم، ولا محالة في كفرهما بذلك القول، وكذلك نكفرهما بإنكارهما أن يكون في سائر معجزات النبي صلى الله عليه و آله و سلم حجة له... .
ويمكن إلحاق جماعة آخرين بمن تقدّم ذكرهم من النفاة، حيث وردت أسماؤهم في بعض المصادر فمنهم الحليمي كما ذكره الرازي في كتابه ( نهاية العقول) فقال : أما الإنشقاق فقد منع الحليمي وقوعه، بحمل انشقاق القمر على أنّه سينشق، و إن سلّمنا وقوعه فلعلّ المشاهدين ما كانوا في حد التواتر، لأنّه آية ليلية، و أكثر الناس تحت السقوف فلذلك لم ينتشر.
و لا غرابة بعد أن عرفنا الحليمي من خلال ذكر الشريف الجرجاني له و لآخرين ممن منعوا صدور الكرامات للأولياء مطلقاً، فقد قال في شرح المواقف: المقصد التاسع: في كرامات الأولياء و أنّها جائزة عندنا، خلافاً لمن منع جواز الخوارق واقعة، خلافاً للأستاذ أبي إسحاق و الحليمي منّا، و غير أبي الحسين من المعتزلة .. (1).
إنّما الغرابة كل الغرابة أن يفاجأ القارئ بأنّ الحليمي هذا حكي عنه انشقاق القمر في عصره (!) فإلى رواية ذلك.
ذكر الشمس الصالحي الشامي في كتابه (سبيل الهدى والرشاد) (2)بعد كلام له حول معجزة شقّ القمرفقال: وذكر الإمام الحليمي أنّ القمر انشق في عصره، و أنّه شاهد الهلال في الليلة الثالثة منشقًّا نصفين، عرض كل واحد كعرض القمر ليلة أربع أو خمس، ثم اتصل فصار في شكل أترجة إلى أن غاب .
ونحن ازاء هذه الرواية نحتاج إلى الوقوف على معرفة هذا الراوي الموصوف بالإمامة، فمن هو ؟ وما مدى صدقه ؟ حتى يمكن لنا تصديقه.
و لا شك أنّ خير سبيل إلى معرفته، قراءة ترجمته بأقلام غير أهل مذهبه ونحلته، وحسبنا ما قاله الحافظ الذهبي في تذكرته، فهو الناقد الخبير في الرجال، و أكتفي به في هذا المجال في الحال.
قال في تذكرة الحفاظ(1): الحليمي العلّامة البارع رئيس أهل الحديث بما وراء النهر، أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الشافعي، صاحب وجوه حسان في المذهب، وكان من أذكياء زمانه و من فُرسان النظر، له يد طولى في العلم و الأدب، أخذ عن الأستاذ أبي بكر القفّال و... .
له تصانيف مفيدة، حدّث عنه أبو عبد الله الحاكم مع تقدمه ونبله و... وهو من فرسان هذا الشأن مع أنّ له فيه عملاً جيداً، يقع لي حديثه عالياً، توفي في ربيع الأول سنة ثلاث وأربع مائة ....
أقول : ثم ساق عنه حديثاً بإسناده إليه عالياً، فقال:
أخبرنا المسند الجليل شرف الدين أبو الفضل أحمد بن هبة الله بن تاج الأمناء سنة خمس وتسعين وست مائة بقراءة أبي الحجاج الحافظ عن عبد المعز - بن - محمد قال: أنا أبو القاسم المستملي، أنا أبو سعد أحمد بن عبد الرحمن النيسابوري، أنا الإمام أبو عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي، أنا بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي، نا أحمد بن الحسين، نا مقاتل بن إبراهيم، نا نوح بن أبي مريم، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : الصاحب القرآن دعوة مستجابة عند ختمه.
1) تذكرة الحفاظ 3: 1030 ط الهند حیدر آباد .
ثم عقّب الذهبي بقوله : نوح الجامع مع جلالته في العلم ترك حديثه، و كذلك شيخه مع عبادته، فكم من إمام في فن مقصر عن غيره، كسيبويه مثلاً إمام في النحو و لا يدري ما الحديث، و وكيع إمام في الحديث و لا يعرف العربية، وكأبي نواس رأس في الشعر عَريّ من غيره، وعبد الرحمن بن مهدي إمام في الحديث لا يدري ما الطب قط، و كمحمد بن الحسن رأس في الفقه ولا يدري ما القراءات، و كحفص إمام في القراءة تالف في الحديث.
و للحروب رجال يعرفون بها.
و في الجملة: و ما اؤتوا من العلم إلا قليلا، و أما اليوم فما بقي من العلوم القليلة إلا القليل في أناس قليل، ما أقل من يعمل منهم بذلك القليل، فحسبنا الله و نعم الوكيل.
أقول : لو نشر الذهبي اليوم قبل يوم النشور ، فماذا كان يقول بعدما مرّ في السطور من نفثة الصدور، فإنّا لله و إنا إليه راجعون .
نعيبُ زماننا و العيبُ فينا *** و لو نطق الزمان إذاً هج--انا
ونعود إلى الإمام الحليمي في روايته و رؤيته فنقول: لقد ذكر له الأسنوي في طبقات الشافعية ترجمة، حكى فيها عن إمام الحرمين قوله في النهاية عن الحليمي: كان الحليمي عظيم القدر، لا يحيط بكنه علمه إلا غوّاص... .
وقال الأسنوي: ومن مصنفاته (شعب الإيمان) كتاب جليل جمع أحكاماً كثيرة،
ومعاني غريبة، لم أظفر بكثير منها في غيره (1)، و ترجمه ابن السبكي في طبقات الشافعية ترجمة مطوّلة، أورد فيها غرائب وعجائب من فتاوى الإمام الحليمي !؟ (2)فراجع .
1 - عند المفسّرين .
2 - عند المحدّثين .
3- عند المتكلِّمين .
4 - عند المؤرّخين .
و قبل ذلك عدّة مسائل :
إنّ الشاك في مسألتي انشقاق القمر وردّ الشمس، لا يخلو حاله إما أن يقول باستحالة ذلك عقلاً أو عادة .
فأما زعم الإستحالة العقلية فليس بشيء بعد أن لم يكن ذلك من المحال العقلي الذي مثّلوا بإجماع الضدين مثلاً، فلا يبقى إلّا زعم الإستحالة عادة، و هذا هو معنى الإعجازالذي يأتي به النبي صلی الله علیه و آله و سلم لإثبات غرضه مع التحدّي، و ربما كان بدونه.
ثم إنّ المشكك المنكر إما أن يكون مؤمناً بالله تعالى أو غير مؤمن به - و العياذ بالله - و الثاني لا كلام لنا معه، لأنّ الإيمان هو الأصل، و التصديق بالمعجزة فرع من الإيمان، والمؤمن بالله سبحانه - من أيّ الديانات كان أو المذاهب - و أيّاً كان موقعه من الدين و مبلغه من العلم، لا يسعه إنكار قدرة الباري جلّ و علا، كما لا ينكر أصل الإعجاز و حدوث المعجزة للأنبياء، كيف و جميع الكتب السماوية تثبت ذلك .
و ما دام الإنسان المسلم - مع غضّ النظر عن هويّته المذهبيّة - لا ينكر إمكان الوقوع، و إنما هو قد يستبعد ثبوت الوقوع، فنقول له: إن مجرّد الاستبعاد في المقام ليس بشيء بعد بيان أدلّة الإثبات .
لمّا كان انشقاق القمر وردّ الشمس آيتان مرّ على حدوثها عدّة قرون فلا مناص لنا إلّا النظر في أدلّة إثباتهما نقلاً بعد تجاوزنا مرحلة التصديق عقلاً، فعلينا البحث من الآن في الأخبار التي وردت مثبتة لكل من الآيتين، و من الطبيعي أن نقدّم البحث عن آية الإنشقاق لأنها أقدم زماناً، و أقوى إيماناً حيث يثبتها القرآن الكريم .
إنّ سورة القمر مكية، كما هو رأي جملة من المفسرين، و إن قيل بنزول بعض آياتها بالمدينة المنوّرة، و لا عبرة بقول من زعم أنّها نزلت ببدر، و حسبنا معرفة شأن النزول فهو كافٍ في إثبات كونها مكية، وذلك إنّ المشركين سألوا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أن يريهم آية على صدقه، فدعا ربه أن يشق لهم القمر فاستجاب الله تعالى لنبيه، كما سيأتي الحديث عن كيفية الإنشقاق في المسألة الآتية في معرفة من رأى و من روى.
وقد استفاضت روايات أهل البيت علیهم السلام و روايات غيرهم باتفاق أهل الحديث و المفسّرين على قبول تلك الروايات، و عدّوا انشقاق القمر من جملة معجزات النبي صلی الله علیه و آله و سلم ولم يأب ذلك إلا نفرٌ لم يتجاوزوا العشرة، و هم الذين سمّيناهم النفاة، و هم الغواة إذ قالوا بآرائهم ما ليس مقبولاً عند الرواة، فقالوا: معنى انشقّ القمر سينشق عند قيام الساعة، و التعبير بالماضي لتحقق الوقوع.
و هذا من السخف الظاهر، لأنّ التعقيب عليه بقوله تعالى:وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ شاهد على إعراضهم عند رؤيتهم تلك الآية العظيمة فقالوا: سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ و هذا القول لا معنى له في الآخرة إذ ليس في ذلك اليوم من يطلب منهم التصديق حتى يقولوا إنه : سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ فيوم القيامة يوم جزاء و لا عمل، و هذا كافٍ في الدلالة على الوقوع في الدنيا.
لا شك في أنّ اليهود والنصارى قد استحوذوا على كثير من مواقع
القوّة في هذه الحياة الدنيا، و زاولوا كثيراً من أساليب الخداع و التمويه لإغواء الناس ممن لا إيمان قوي لديهم فيصدهم عن الوقوع في شرك الصيادين، و ازدادوا علوّاً في الأرض و فساداً حين انتشرت مواقعهم على الانترنت سوى مالهم من مجلات و جرائد و وسائل إعلامية مرئية في الفضائيات أعجزت أولي القوة في الدنيا .
و الذي يعنينا في المقام ما نشروه بعنوان (دراسة عقلانية موضوعية لخرافة انشقاق القمر) اقتربت الساعة و انشقّ القمر .
من أين أتى محمد بهذه الآية؟؟ بهذه الدراسة الساخرة نشروا دراستهم على الموقع، و سنأتي على ما في دراستهم من تهويش في آخر ما سنذكره من أدلّة الإثبات في خاتمة الباب إن شاء الله تعالى، والآن إلى:
إنّ كتاب الله سبحانه الذي لا تنقضي عجائبه يحتوي على ما سلف من عبر الماضين و سير التالين و أحكام العباد بالدينونة لرب العالمين، و لم يتركهم ربّهم من دون فهم لكتابه عن طريق نبيه صلی الله علیه و آله و سلم في شريف خطابه وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (1)
وكان له حفظة يحفظونه تلاوة و يفهمونه تدبّراً، و قد فهموا ما فيه من أفكار دقيقة و معاني سامية، ربما تخفى على كثير ممن المسلمين ممّن أوتي حظاً من فهم، لذلك كان المفسّرون الأوائل من الصحابة الذين لا خلاف في شأنهم هم الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام ، ثم تلميذه حبر الأمة عبد الله بن عباس، ثم الباقون على مراتبهم في الحفظ و الاستيعاب (2).
وخضع بعض المفسّرين الذين لعقوا فتات الموائد عند الحاكمين فقالوا بأهوائهم، فكان الإنحراف الضال، و قد أخذوا دورهم في مروياتهم في كتب التفسير، و قد نبّه غير واحد إلى مروقهم، و كان الإسناد في التفسير بالمأثور أقلّ ضرراً من التفسير بالرأي، و وصل الحال ببعضهم إلى الخروج حتى على قواعد اللغة العربية، كما فيما نحن فيه في المقام، في آية الانشقاق، و لنقرأ بعض ما عند المفسّرين في ذلك.
سأذكر أقوال المفسّرين من مختلف المذاهب الإسلامية من شيعة و سنة بمن فيهم من الأحناف و المالكية و الشافعية و الحنابلة، و إلى القارئ بعض ما قالوه:
أولاً: من الشيعة ما قال الشيخ الطوسي في تفسير التبيان (1):
و من أنكر انشقاق القمر وأنّه كان، و حمل الآية على كونه فيما بعد، كالحسن البصري و غيره و اختاره البلخي، فقد ترك ظاهر القرآن، لأن قوله (انشق) يفيد الماضي، و حمله على الاستقبال مجاز، و قد روى انشقاق القمر عبد الله بن مسعود، و أنس بن مالك، و ابن عمر، و حذيفة، وابن عباس، و جبير بن مطعم و مجاهد، و إبراهيم، و قد أجمع المسلمون عليه، و لا يعتدّ بخلاف من خالف فيه لشذوذه، لأنّ القول به اشتهر بين الصحابة فلم ينكره أحد، فدلّ على صحته و أنّهم أجمعوا عليه، فخلاف من خالف فيما بعدُ لا يُلتفت إليه .
ومن طعن في انشقاق القمر بأنّه لو كان لم يخف على أهل الأقطار فقد أبعد (2)، لأنّه يجوز أن يحجبه الله عنهم بغيم، و لأنه كان ليلاً فيجوز أن يكون الناس نياماً فلم يعلموا به،
لأنّه لم يستمر لزمان طويل، بل رجع فالتأم في الحال، فالمعجزة تمّت بذلک
ثانياً: ما قاله الطبري في تفسيره جامع البيان(1):
يعني تعالى ذكره بقوله : اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ دنت الساعة التي تقوم فيها القيامة... وقوله : وَانْشَقَّ الْقَمَرُ يقول جل ثناؤه و انفلق القمر، و كان ذلك فيما ذكر على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم و هو بمكة قبل هج--رته إلى المدينة، و ذلك انّ كفار أهل مكة سألوه آية، فأراهم صلی الله علیه و آله و سلم، انشقاق القمر آية، حجة على صدق قوله، و حقيقة نبوته، فلما أراهم أعرضوا و كذبوا و قالوا: هذا سحر مستمر، سحرنا محمد، فقال الله جلّ ثناؤه: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ . و بنحو الذي قلنا في ذلك جاءت الآثار، و قال به أهل التأويل.
ثم ذكر الطبري الآثار المروية في ذلك، و الأخبار عمّن قالها من أهل التأويل، فساق رواية أنس بستة أسانيد و هي صريحة في أنّ أهل مكة سألوا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين، و في لفظ: فريقين، و في لفظ: فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما، ثم ساق رواية ابن مسعود قال: انشقّ القمر ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى حتى ذهبت منه فرقة خلف الجبل، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: اشهدوا.
و في لفظ آخر عنه قال: رأيت الجبل من فرج القمر حين انشق، و في لفظ ثالث أيضاً عنه قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة سحركم، فسلوا السُفار، فسألوهم، فقالوا: نعم قد رأيناه، فأنزل الله تبارك و تعالى: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ
ثم استمر الطبري في ذكر بقية الآثار و الأخبار عن حذيفة، و جبير بن مطعم، و ابن عباس، و مجاهد، و أبي سنان، و إبراهيم - النخعي -
1) جامع البيان 27 : 84 ط مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر .
ثالثاً: ما قاله الفخر الرازي الشافعي في تفسيره الكبير(1):
اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ أول السورة مناسب لآخر ما قبلها، وهو قوله تعالى: أَزِفَتْ الآزِفَةُ ، فكأنه أعاد ذلك مع الدليل ، وقال : قلت : أزفت الآزفة و هو حق إذا انشقّ القمر . و المفسّرون بأسرهم على أنّ المراد أنّ القمرانشق، و حصل في الإنشقاق، و دلّت الأخبار على حديث الإنشقاق، و في الصحيح خبر مشهود، رواه جمع من الصحابة و قالوا سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم آية الإنشقاق بعينها معجزة، فسأل ربه فشقّه و مضى.
و قال بعض المفسرين: المراد سينشق، و هو بعيد و لا معنى له، لأنّ من منع ذلك و هو الفلسفي يمنعه في الماضي و المستقبل، و من يجوزه لا حاجة إلى التأويل، و إنّما ذهب إليه ذلك الذاهب، لأنّ الإنشقاق أمر هائل، فلو وقع لعتم وجه الأرض، فكان ينبغي أن يبلغ حد التواتر .
نقول : النبي صلى الله عليه و آله و سلم له لما كان يتحدى بالقرآن، و كانوا يقولون : إنا نأتي بأفصح ما يكون من الكلام، و عجزوا عنه، فكان القرآن معجزة باقية إلى قيام القيامة لا يتمسك بمعجزة أخرى . فلم ينقله العلماء بحيث يبلغ حد التواتر .
و أما المؤرخون فتركوه، لأنّ التواريخ في أكثر الأمر يستعملها المنجم، و هو لما وقع الأمر قالوا بأنه مثل خسوف القمر، و ظهور شيء في الجو على شكل نصف القمر في موضع آخر، فتركوا حكايته في تواريخهم، و القرآن أدلّ دليل و أثبت مثبت له، و إمكانه لا يشك فيه، و قد أخبر عنه الصادق فيجب اعتقاد وقوعه.
و حديث امتناع الخرق و الالتئام حديث اللئام، و قد ثبت جواز الخرق و التخريب على
1) التفسير الكبير للفخر الرازي :29 28 ط الأولى التزام عبد الرحمن محمد بميدان الجامع الأزهر بمصر
السماوات و ذكرناه مراراً فلا نعيده.
رابعاً: ما قاله القرطبي المالكي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن(1):
قال: وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ أي و قد انشق، و كذا قرأ حذيفة (اقتربت الساعة وقد انشقّ القمر) بزيادة (قد) و على هذا الجمهور من العلماء، ثبت ذلك في صحيح البخاري وغيره من حديث ابن مسعود و ابن عمر، و أنس، و جبير بن مطعم ، و ابن عباس رضی الله عنهم.
وعن أنس قال: سأل أهل مكة النبي صلی الله علیه و آله و سلم آية، فانشقّ القمر بمكة فرقتين، فنزلت: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ إلى قوله : سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ
ثم قال القرطبي: وقد ثبت بنقل الآحاد العدول انّ القمر انشق بمكة، وهو ظاهر التنزيل، و لا يلزم أن يستوي الناس فيها، لأنّها كانت آية ليلية، و أنّها كانت باستدعاء النبي صلی الله علیه و آله و سلم من الله تعالى عند التحدي ...
خامساً: ما قاله السيوطي الشافعي في الدر المنثور(2):
أخرج النحاس عن ابن عباس قال: نزلت سورة القمر بمكة .
وأخرج ابن الضريس، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: نزلت بمكة سورة اقتربت الساعة ....
أخرج عبد الرزاق، و أحمد، و عبد بن حميد، و مسلم، و ابن جرير، و ابن المنذر، والترمذي وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن أنس قال: سأل أهل مكة النبي صلی الله علیه و آله و سلم آية فانشقّ القمر بمكة فرقتين، فنزلت:اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ - إلى قوله - سِحْرُ
مُسْتَمِرٌّ أي ذاهب، و أخرج البخاري ومسلم و ابن جرير عن أنس أنّ أهل مكة سألوا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما . و أخرج عبد بن حميد و الحاكم- و صحّحه - وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل من طريق مجاهد عن أبي معمر، عن ابن مسعود قال: رأيت القمر منشقاً شقتين بمكة قبل أن يخرج النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، شقة على أبي قبيس وشقة على السويداء، فقالوا: سحر القمر فنزلت: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ.
قال مجاهد: يقول كما رأيتم القمر منشقاً فإنّ الذي أخبركم عن اقتربت الساعة حق .
وأخرج عبد بن حميد ، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وابن جرير، وابن مردويه، من طريق أبي معمر عن ابن مسعود قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فرقتين، فرقة على الجبل وفرقة دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: اشهدوا .
رسول وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، والحاكم و صحّحه، و ابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل من طريق الأسود عن عبد الله قال: رأيت القمر على الجبل و قد انشق، فأبصرت الجبل من بين فرجتي القمر .
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه ، وأبو نعيم، والبيهقي كلاهما في الدلائل من طريق مسروق عن ابن مسعود قال: انشقّ القمر على عهد النبي صلى الله عليه و آله و سلم ، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة، فقالوا: انتظروا ما يأتيكم به السُفار فإنّ محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، فجاء السُفار، فسألوهم فقالوا: نعم قد رأيناه، فأنزل الله: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ....
وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، والحاكم، وأبو نعيم، والبيهقي
عن جبير بن مطعم في قوله: انْشَقَّ الْقَمَر قال: انشقّ القمر ونحن بمكة على عهد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم حتى صار فرقتين، فرقة على هذا الجبل وفرقة على هذا الجبل، فقال الناس: سحرنا محمد، فقال رجل: إن كان سحركم فإنّه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم....
وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس في قوله: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ قال : اجتمع المشركون على عهد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم منهم الوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والعاصي بن هشام، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والنضر بن الحرث فقالوا للنبي صلى الله عليه و آله و سلم: إن كنت صادقاً فشق لنا القمر فرقتين نصفاً على أبي قبيس ونصفاً على قعيقعان، فقال لهم النبي صلى الله عليه و آله و سلم إن فعلت تؤمنوا ؟ قالوا: نعم، وكانت ليلة بدر، فسأل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ربّه أن يعطيه ما سألوا، فامسى القمر نصفاً على أبي قبيس ونصفاً على قعيقعان، ورسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ينادي: يا أبا سلمة بن عبد الأسد والأرقم بن أبي الأرقم اشهدوا .
وأخرج أبو نعيم من طريق عن ابن عباس قال: انتهى أهل مكة إلى النبي صلى الله عليه و آله و سلم فقالوا: هل من آية نعرف انك رسول الله ؟ فهبط جبريل فقال يا محمد قل يا أهل مكة إن تختلفوا هذه الليلة فسترون آية، فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بمقالة جبريل، فخرجوا ليلة أربع عشرة، فانشقّ القمر ،نصفين نصفاً على الصفا ونصفاً على المروة، فنظروا بأبصارهم فمسحوها ثم أعادوا النظر، فنظروا ثم مسحوا أعينهم ثم نظروا، فقالوا: يا محمد ما هذا إلا سحر ذاهب، فأنزل الله: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ.
سادساً: قال الجزيّ في التسهيل لعلوم التنزيل في سورة القمر(1)، هذا إخبار بما جرى
1) التسهيل لعلوم التنزيل 4 : 79 .
في زمان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وذلك أنّ قريشاً سألته آية فأراهم انشقاق القمر فقال صلى الله عليه و آله و سلم اشهدوا، و قال ابن مسعود: انشقّ القمر فرأيته فرقتين فرقة وراء الجبل وأخرى دونه ، وقيل : معنى انشقّ القمر إنّه ينشق يوم القيامة، وهذا قول باطل تردّه الأحاديث الصحيحة الواردة بانشقاق القمر، وقد اتفقت الأمة على وقوع ذلك، وعلى تفسير الآية بذلك إلّا من لا يعتبر قوله : وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ هذه الضمائر لقريش، والآية المشار إليها انشقاق القمر، وعند ذلك قالت قريش سحر محمد القمر .
سابعاً: وقال الحافظ ابن شهر آشوب: أجمع المفسّرون والمحدّثون سوى عطا والحسن والبلخي في قوله تعالى: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ إنّه قد اجتمع المشركون ليلة بدر(1)إلى النبي صلى الله عليه و آله و سلم فقالوا: إن كنت صادقاً فشقّ لنا القمر فرقتين، قال: إن فعلت تؤمنون ؟ قالوا: نعم، فأشار إليه بإصبعه فأنشق شقتين رؤي حراء بين فلقيه - وفي رواية نصفاً على أبي قبيس ونصفاً على قيقعان، وفي رواية نصف على الصفا ونصف على المروة - فقال صلى الله عليه و آله و سلم : اشهدوا اشهدوا، فقال ناس سحرنا محمد، فقال رجل : إن كان سحركم فلم يسحر الناس كلهم، وكان ذلك قبل الهج--رة، و بقي قدر ما بين العصر إلى الليل و هم ينظرون إليه و يقولون هذا سحر مستمر، فنزل:وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا قارن تفسير السمعاني والبغوي والسمرقندي وغيرهم .
و في رواية: إنّه قدم السفار من كل وجه، فما من أحد قدم إلا أخبرهم أنّهم رأوا مثل ما رأوا ، قال نصر بن المنتصر :
والقمر البدر المنير شقه *** فقيل سحر عجب لما رأى
1) أي ليلة أربع عشرة من الشهر، وهي ليلة تمام البدر وكماله
قال المرحوم السيد الطباطبائي في تفسير الميزان(1):
كلام فيه إجمال القول في شقّ القمر: آية شقّ القمر بيد النبي صلی الله علیه و آله و سلم بمكة قبل الهج--رة باقتراح من المشركين ممّا تسلّمها المسلمون بلا ارتياب منهم .
و يدلّ عليها من القرآن الكريم دلالة ظاهرة قوله تعالى: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِر (2)فالآية الثانية تأبى إلّا أن يكون مدلول قوله : وَانْشَقَّ الْقَمَرُ آية واقعة قريبة من زمان النزول أعرض عنها المشركون كسائر الآيات التي أعرضوا عنها و قالوا سحر مستمر، ويدلّ عليها من الحديث روايات مستفيضة متكاثرة رواها الفريقان و تسلّمها المحدّثون، و قد تقدّمت نماذج منها في البحث الروائي .
فالكتاب والسّنة يدلّان عليها، وانشقاق القمر كرة من الكرات الجوية ممكن في نفسه لا دليل على استحالته العقلية، ووقوع الحوادث الخارقة للعادة - ومنها الآيات والمعجزات جائز .
و قال: ومن الاعتراض عليها ما قيل: إنّ الإنشقاق لا يقع إلا ببطلان التجاذب بين الشقين وحينئذٍ يستحيل الإلتيام، فلو كان منشقاً لم يلتئم أبداً .
والجواب عنه انّ الاستحالة العقلية ممنوعة، والاستحالة العادية بمعنى اختراق العادة لو منعت عن الإلتيام بعد الإنشقاق، لمنعت أولاً عن الإنشقاق بعد الإلتيام ولم تمنع، وأصل الكلام مبني على جواز خرق العادة .
لقد قرأنا شيئاً من أقوال المفسّرين الأوائل حول معجزة انشقاق القمر، و مرّ بنا أن! الذين خالفوهم في تلك الرؤية ثلاثة من الأوائل، هم الحسن و عطاء و البلخي، وتبعهم أربعة من الزوامل، وذكرت ما وسع المجال للمقال في تعريفهم، غيرأنّ في المتأخرين المعاصرين وقريباً منهم من نحا نحوهم، فتلمظ أقوال النافين على استحياء، بعد وضوح خلافهم لإجماع المفسّرين و المحدّثين الذين مرّبنا قريباً ذكره عن الحافظ ابن شهر آشوب .
ولا ينقضي العجب من أمثال المشايخ المصريين: طنطاوي و المراغي و سيد قطب، فلهم مواقف متأرجحة بين النفي و الإثبات، و يظهر منهم الميل إلى النفي، فلنقرأ ماذا عند المشايخ .
أولاً : رأي الشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره الجواهر(1):
مذكرات بالساعة وعذاب الدنيا بالهلاك، التفسير اللفظي:
بسم الله الرحمن الرحيم اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ أي سينشق يوم القيامة، أو أنّه قد انشق، كما روي عن أنس: (إنّ أهل مكة سألوا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين) أخرجه البخاري ومسلم، وكيفية ذلك أنه انشق فلقتين: فلقة فوق الجبل، وفلقة دونه، و معنى هذا أنّه يقول سبحانه: اقتربت القيامة، و ها هو ذا القمرانشقّ من الآن، كما تقول: أقبل الأمير و قد جاء البشير بقدومه، فإنّ انشقاق القمر دلالة على ما سيؤول عليه حال العوالم العلوية والسفلية، فإنّ مآلها الإنحلال و البوار .
يقول الله: انظروا أيها الناس، إنّكم تظنون الكواكب و الشمس و القمر لا يعتريها
1) تفسير الجواهر 23 265 - 266 ط دار الكتب العلمية بيروت سنة 2004 م .
البلى، إنّ القمر يقبل الفناء، والدليل على ذلك انشقاقه الذي استبان لكم، ليدلّكم على أنّه سيبيد من الوجود كما تبيد أرضكم ، و الممكنات بأسرها تقبل الفناء .
يقول المؤلف: ومن العجب أنّ علماء الهيئة في العلم الحديث لم يذكروا أنّ شيئاً اشتق من الأرض إلّا القمر .
ويقولون: إنّه أثناء دورانها قديماً انحلّ عنها و دار حولها، وهذا نوع من الإنشقاق، ولكنه انشق من غيره، و انشقاق القمر من الأرض دليل على أنّ الأرض تبدل غير الأرض والسموات، فإذن يكون انشقاق القمر في القرآن من المعجزات العلمية، لا من حيث انّ قريشاً رأوه منشقاً، و جبل حراء بين فلقتيه على رواية ابن مسعود فحسب، بل إنّ هذا حصل زمن النبوة تذكرة بانشقاقه من الأرض و انفصاله عنها، فكما انشقّ القمر نصفين هكذا كان هو مع الأرض سابقاً وانشقت الأرض فانفصل عنها القمر، و معنى هذا تجزّؤ المادة و فناؤها وذهابها و تبدّلها، هذا ما تشير إليه الآية، و إلا فلماذا خصّ القمر بالإنشقاق ؟
ولماذا لم يختر الله له الشمس أو كوكباً من الكواكب، ذلك لهذه النكتة، و هو أنّ القمر هو محل البحث الحديث، و أنّ له انشقاقاً عن غيره، فانشقاقه شقين عن الجبل، ودونه يشيرإلى ما كان له ذلك من انشقاقه من الأرض، ويكون ذلك من دواعي العلم والكشف والبحث .
وقال في معنى الآية: إنّ القمر قطعة من الأرض، و هي جزء من الشمس انفصلت عنها، فهما - القمر و الأرض - من التوابع للشمس، و انّ الإنشقاق المراد بهذه الآية انْشَقَّ الْقَمَرُ هو انفصال القمر عن الأرض (؟!) .
وهذا الرأي ما أنزل الله به من سلطان، ولا قامت عليه حجة و لا برهان، ويأبى عليه التصديق به و الإذعان ما تعقّب الآية من قوله تعالى حكاية عن حال المكذّبين: وَإِنْ يَرَوْا
آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ إذ لم ينقل عن أحد أنّه قال بانشقاق القمر عن الأرض سحر مستمر، وفات على فضيلة الشيخ أنّ لفظ (آية) نكرة في سياق الشرط يفيد العموم، بمعنى أنّهم كلما رأوا آية قالوا: سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ ثانياً: رأي الشيخ محمد مصطفى المراغي في تفسيره(1):
و هذا أعجب و أغرب فقد قال: إن آية الإنشقاق خبر عن حدث مستقبل لا عن انشقاق ماضٍ فقال: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ أي و سينشق و ينفصل بعضه من بعض حين يختلّ هذا العالم و تبدّل الأرض غير الأرض، و نحو هذا قوله: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ و قوله : إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ و كثير غيرها من الآيات الدالّة على الأحداث الكبرى التي تكون حين خراب هذا العالم وقرب قيام الساعة .
و يرى جمع من المفسّرين أنّ هذا حدث قد حصل، وأنّ القمر صار فرقتين على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قبل الهج--رة بنحو خمس سنين، فقد صحّ من رواية الشيخين وابن جرير عن أنس أنّ أهل مكة سألوا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء (جبل بمكة) بينهما، وفي الصحيحين و غيرهما من حديث ابن مسعود: انشقّ القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فرقتين، فرقة على الجبل و فرقة دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم اشهدوا .
و جاء عنه أيضاً : انشقّ القمر على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة، فقال رجل: انتظروا ما يأتيكم به السُفّار، فإنّ محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس، فجاء السُفّار فاخبروهم بذلك . رواه أبو داود الطيالسي .
و في رواية البيهقي فسألوا السُفار وقد قدموا من كل وجه فقالوا: رأيناه، فأنزل الله
1) تفسير المراغي 27: 76 - 77
تعالى: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ثم قال المراغي و الذي يدلّ على أنّ هذا إخبارعن حدث مستقبل لا عن انشقاق ماضٍ أُمور:
1- إنّ الإخبار بالإنشقاق أتى اثرالكلام على قرب مجيء الساعة، و الظاهر تجانس الخبرين، وأنّهما خبران عن مستقبل لا عن ماضٍ .
2- إنّ انشقاق القمر من الأحداث الكونية الهامة التي لو حصلت لرآها من الناس من لا يحصى كثرة من العرب وغيرهم، و لبلغ حداً لا يمكن أحداً أن ينكره، و صار من المحسوسات التي لا تدفع، و لصار من المعجزات التي لا يسع مسلماً و لا غيره إنكارها .
3- ما ادعى أحد من المسلمين إلّا من شذّ إنّ هذه معجزة بلغت حد التواتر، و لو كان قد حصل ذلك ما كان رواته آحادا ، بل كانوا لا يعدون كثرة .
4 - إنّ حذيفة بن اليمان و هو ذلكم الصحابي الجليل خطب الناس يوم الجمعة في المدائن حين فتح فارس فقال: ألا إنّ الله تبارك وتعالى يقول: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ، ألا و إنّ الساعة قد اقتربت، ألا و انّ القمر قد انشق، ألا و انّ الدنيا قد آذنت بفراق، ألا و إنّ اليوم المضمار و غداً السباق، ألا و إنّ الغاية النار، و السابق من سبق إلى الجنة.
فهذا الكلام من حذيفة في معرض قُرب مجيء الساعة و توقّع أحداثها، لا في كلام عن أحداث قد حصلت تأييداً للرسول و إثباتاً لنبوته، لأنّ ذلك كان في معرض العظة والإعتبار .
أقول: انظروا إلى الشيخ المراغي كيف راغ و زاغ ، فهو ينقل عن الشيخين - البخاري ومسلم - في الصحيحين وعن ابن جرير حديث أنس وابن مسعود في وقوع الإنشقاق، و عنده و عند قومه ما رواه الشيخان متفق عليه، يعني لا شك فيه، ثم رجع عن ذلك
مستدلاً بأربعة أمور على أنّه حدث مستقبل .
وللرد على أموره، نقول أما الأول وهو تجانس الخبرين في اقترب وانشق فنقول له ما رأيه في قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ هل عنده أنّ العبادة قبل الإستعانة ؟ لتجانس الخبرين، أو ليست الإستعانة هي قبل العبادة ليكون العبد قادراً عليها، و أصرح من ذلك في قوله تعالى: فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرٍ أو ليس النذُرهم في الدنيا و العذاب في الآخرة ؟ وقد مرت الإشارة إلى ذلك من قبل .
و أما ردنا ثانياً على قوله : لو كانت لرآها من الناس من لا يحصى كثرة من العرب وغيرهم ...، فنقول له: إنّ كثيراً من الأحداث الهائلة مرّت في الدنيا و لم يتناقلها جميع أهل الأرض كطوفان سيدنا نوح علیه السلام و مع طول مكثه ستة أشهر أو أقل، و مع ذلك فقد أنكره الفرس والصينيون وكثير من الشعوب الشرقية، بينما تناقله الغربيون لاسيما بعد التنقيبات الحديثة، و أيضاً وقوف الشمس ليوشع بن نون وصي موسى علیهما السلام في حربه ضد (الآموريين) فهذه الحادثة الهائلة العالمية أيضاً لم يتناولها المؤرخون، ولولا الكتب المقدسة لضاع خبرها .
وأما ثالثاً زعمه أنّه لم يدع التواتر إلا من شذّ، ولماذا هذا شاذ، و من أنكر يكون غير شاذ ؟ إنه منطق مفلوج.
وأما رابعاً ما نقله من خطبة حذيفة فهو في نقله صادق صائب، لكنه في تفسيره خاسر خائب ويقال له اقلب تصب، و ذلك أن حذيفة كان يقرؤها قد انشقّ القمر فمن كانت قراءته كذلك، لا يجعل من قوله في خطبته بالمدائن دليلاً على نفي الوقوع، مع أنّ هناك من استدل بقول حذيفة على الوقوع كما سيأتي .
ثالثاً: رأي السيد قطب في تفسيره في ظلال القرآن حيث بدا متأرجحاً بين الفريقين،
فهو يصدّق بوقوع انشقاق القمر بالنص القرآني و الروايات المتواترة - على حد تعبيره - لكنه سرعان ما ينكص عند تعليله الذي ذكرته بعض الروايات، ولئلا نتجنّى عليه فللقرّاء ما قال:
فالقول بأنّ انشقاق القمر كان استجابة لطلب المشركين آية - أي خارقة - يبدو بعيداً عن مفهوم النصوص القرآنية، و عن اتجاه هذه الرسالة الأخيرة إلى مخاطبة القلب البشري بالقرآن وحده، وما فيه من إعجاز ظاهر، ثم توجيه هذا القلب - عن طريق القرآن - إلى آيات الله القائمة في الأنفس و الآفاق و في أحداث التاريخ سواء ....
فأما ما وقع فعلاً للرسول صلی الله علیه و آله و سلم من خوارق شهدت بها روايات صحيحة، فكان إكراماً من الله لعبده، لا دليلاً لإثبات رسالته.
و مِن ثمّ نثبت - حادث انشقاق القمر - بالنص القرآني، و بالروايات المتواترة التي تحدّد مكان الحادث و زمانه و هيئته، و نتوقّف في تعليله الذي ذكرته بعض الروايات، و نكتفي بإشارة القرآن إليه مع الإشارة إلى اقتراب الساعة، باعتبار هذه الإشارة لمسة القلب البشري ليستيقظ ويستجيب(1).
ولعلّ أقومهم طريقة، و أحسنهم سليقة هو الشيخ محمد محمود حجازي من علماء الأزهر في كتابه (التفسير الواضح) (2)فقد قال: سورة القمر ، و هي مكية كلها في قول الجمهور، وهو الصحيح ... ثم ذكر ثماني آيات من أول السورة، و فسّر المفردات ثم ذكر في ص 34 رواية أنس قال: خطب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم و قد كادت الشمس تغيب فقال: (ما بقي من دنياكم فيما مضى إلا مثل ما بقي من هذا اليوم فيما مضى) قال الراوي: وما نرى من الشمس إلا يسيراً.
وثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث ابن مسعود وابن عمر وأنس وغيرهم أنّه قال: سأل أهل مكة النبي صلی الله علیه و آله و سلم آية فانشقّ القمر، و رواية البخاري انشقّ القمر فرقتين، و قد كذبه أهل مكة، و قالوا: سحرنا ابن أبي كبشة، فنزلت الآية: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ... إلى أن قال: فانشقاق القمر آية ظاهرة على هذا القرب وعلى إمكانه في العقول و الأذهان، وقيل: إنّه آية على قرب الوقوع ومعجزة للنبي صلى الله عليه و سلم كما مضى، و على ذلك فانشقاق القمر من معجزاته صلی الله علیه و آله و سلم، و يؤيّده الحديث السابق أول الكلام، و ظاهر الآيات هنا، فإن قوله تعالى : وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ يقتضي أنّ الإنشقاق آية رأوها و أعرضوا عنها و كذبوا بها .
و رأى بعضهم أنّ انشقاق القمر عبارة عن انشقاق الظلمة وقت طلوعه، لا انفلاقه فلقتين كما روي في البخاري .
و بعضهم يرى أنّه كناية عن وضوح الأمر و ظهوره، و لست أرى داعياً إلى إنكار انشقاق القمر على أنّه معجزة، فالمعجزة أمر خارق للعادة، و عدم تواتره لا يقدح، فإنّها آية ليلية، و قد ذكرت في القرآن و الصحيح أنّ منكرها لا يكفر بها لعدم تواترها في السنة، و ليست الآية نصاً فيها.
هذه نماذج من التفاسير الجديدة لمشايخ العلم في الأزهر الشريف، و كم فيها من الآراء و الأهواء، ما صار سبباً للإغواء و الإغراء، لدى العوغاء و الدهماء، مع أنّ أصحابها إن لم يكونوا رووا فقد رأوا ما في تراث المسلمين جميعاً من قوله صلی الله علیه و آله و سلم: «من فسّر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» و قوله الآخر صلی الله علیه و آله و سلم : « من فسر القرآن برأيه فأصاب تكتب - كتبت - عليه خطيئة ) و قوله صلی الله علیه و آله و سلم: «من فسّر القرآن برأيه و هو على وضوء - وضوئه - فليُعد
الوضوء»(1)
لقد مرّت بنا بعض الأحاديث في وقوع معجزة انشقاق القمر، فيما قرأناه عند المفسّرين، وفي ذلك كفاية لمن ألقى السمع و هو شهيد، ولكن لزيادة طالب المزيد، نذكر ما عند المحدّثين، ونبدأ بذكر من روى الحديث من الصحابة، ثم من أخرج أحاديثهم من أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن والسير .
1 - الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، ذكره غير واحد منهم القاضي عياض و الملا علي القارئ في شرح الشفاء (2)فقال: (فقال علي) كرّم الله وجهه (من رواية أبي حذيفة الأرحبي) وهو من الثقات المشهورين (انشقّ القمر ونحن مع رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم)
والجملة حالية، وضمير نحن لعلي ومن كان معه ....
2- عبد الله بن مسعود ، وحديثه أخرجه البخاري في مناقب الأنصار (باب انشقاق القمر) وأخرجه مسلم في صفات المنافقين (باب انشقاق القمر) وأخرجه الترمذي في التفسير (باب ومن سورة القمر) وقبلهم أخرجه أحمد في المسند(3)وابن جرير في التفسير في سورة القمر كما مرّ وغيرهم وغيرهم . حتى زاد السيوطي في الدر المنثور في نسبته إلى عبد بن حميد والحاكم وصحّحه وابن مردويه.
وقال السيوطي في تفسير قوله تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانِ مُبِينٍ عن
ابن مسعود قوله : كل ما وعدنا الله و رسوله فقد رأيناه غير أربع: طلوع الشمس من مغربها، والدجّال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، فأما الدخان فقد مضى، وكان سنّي كسنّي يوسف، وأما القمر فقد انشق على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وأما البطشة الكبرى فيوم بدر.
أقول: وأما حديثه في الإنشقاق فقد قال: رأيت القمر منشقّاً شقّين بمكة قبل مخرج النبی صلی الله علیه و آله و سلم شقة على أبي قبيس و شقة على السويداء، فقالوا: سحر القمر، فنزلت: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ يقول : كما رأيتم القمر منشقاً، فإنّ الذي أخبرتكم عن اقتراب الساعة حق.
3- جبير بن مطعم، وحديثه أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه (1)في ترجمة محمود بن أحمد أبو بشر الكرجي رواه بسنده عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: انشقّ القمر ونحن مع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم بمكة... وأخرجه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (2)
وأخرجه الفاكهي في أخبار مكة (3)
4 - حذيفة بن اليمان، وأخرج حديثه غير واحد، منهم ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمته (4)، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (5)بسنده عن أبي عبد الرحمن السُلمي
قال: جمّعت - يعني صليت الجمعة - مع حذيفة بالمدائن فسمعته يقول: إنّ الله تعالى يقول:اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ألا إن القمر قد انشق على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، ألا انّ الساعة قد اقتربت ... قال الملا علي القاري في شرح الشفاء ص 2 بهامش نسيم الرياض: ويؤيده قراءة حذيفة :(وقد انشقّ القمر) ويقوّيه قوله وَإِنْ يَرَوْا آيَةً أي معجزة يُعْرِضُوا أي عن الإيمان بها وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ أي دائم لترادف الآيات وتتابع المعجزات.
5 - عبد الله بن عباس، وحديثه في صحيح البخاري، قال ابن حجر في فتح الباري (1): ذكر عن ابن عباس أسماء الذين طلبوا من النبي صلی الله علیه و آله و سلم انشقاق القمر، و مَن هم الذين خاطبهم بقوله: اشهدوا، نقلاً عن دلائل النبوة لأبي نعيم من حديث ابن عباس رضی الله عنه أنّ السائل الوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، والعاصي بن وائل و العاصي بن هشام، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، وابنه زمعة، والنضر بن الحارث، وهم الذين قالوا سحرهم، والمخاطب بقوله: اشهدوا، أبو سلمة بن عبد الأسد، و الأرقم بن أبي الأرقم، و ابن مسعود.
وذكرالطحاوي أيضاً حديث ابن عباس، و نختم الكلام بما قاله ابن عباس رضی الله عنه في تفسير قوله تعالى: فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ قال : لو ظل المشركون يصعدون في تلك المعارج، و ينظرون إلى ملكوت الله تعالى وقدرته و سلطانه، و إلى عبادة الملائكة الذين هم من خشيته مشفقون لشكّوا في تلك الرؤية، وبقوا مصرّين على كفرهم و جهلهم كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاق القمر، وما خُصّ به النبي صلى الله عليه و سلم من القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن والإنس أن يأتوا بمثله(2).
6 - أنس بن مالك، وحديثه أخرجه البخاري في باب انشقاق القمر في مناقب الأنصار، ومسلم أيضاً بعدة أسانيد عنه قال: إنّ أهل مكة سألوا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين.
قال البيهقي في دلائل النبوة (1): رواه البخاري في الصحيح عن عبد الله بن محمد، و رواه مسلم عن زهير بن حرب كلاهما عن يونس بن محمد، ثم ذكر له روايتين وقال وكان يذكر هذا الحديث عند تفسير هذه الآية : اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وقال : رواه البخاري عن يزيد بن زريع إلا أنه لم يذكر فيه ولا في حديث يونس بن محمد عن شيبان قوله (مرّتين) وقد حفظه عن قتادة هؤلاء الثلاثة، و الله أعلم.
7- عبد الله بن عمر، وحديثه أخرجه مسلم في باب انشقاق القمر في صفات المنافقين، بعدّة أسانيد عن شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن عبد الله بن عمر في قوله عزوجل : اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ قال : وقد كان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم انشق فلقتين، فلقة من دون الجبل وفلقة من خلف الجبل، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : اللهم اشهد.
والآن إلى ما قاله المحدّثون:
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: و قد ورد انشقاق القمرأيضاً من حديث علي و حذيفة و جبير بن مطعم وابن عمر وغيرهم، فأما أنس وابن عباس فلم يحضرا ذلك، لأنّه كان بمكة قبل الهج--رة بنحو خمس سنين، وكان ابن عباس إذ ذاك لم يولد، و أما أنس فكان ابن أربع أو خمس بالمدينة، و أما غيرهما فيمكن أن يكون شاهد ذلك، و ممّن صرّح برؤية ذلك ابن مسعود .
1) دلائل النبوة 2 : 41 . والحديث في مسند الشاميين للطبراني 4 / 10 برقم 581ط الرسالة بيروت وفيه: - في قراءة حذيفة قد انشقّ القمر).
وقال : وجدت في بعض طرق حديث ابن عباس بيان صورة السؤال، وهو و إن كان لم يدرك القصة، لكن في بعض طرقه ما يشعر بأنه حمل الحديث عن ابن مسعود، فأخرج أبو نعيم في الدلائل من وجه ضعيف عن ابن عباس قال: اجتمع المشركون إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم منهم الوليد بن المغيرة، و أبو جهل بن هشام و العاص بن وائل و الأسود بن المطلب و النضر بن الحارث و نظراؤهم فقالوا للنبي صلی الله علیه و آله و سلم: إن كنت صادقاً فشق لنا القمر ،فرقتين فسأل ربّه فانشق فقال : اشهدوا (1).
وقال أيضاً: ذهب بعض أهل العلم من القدماء أنّ المراد بقوله: انْشَقَّ الْقَمَرُ أي سينشق كما قال تعالى: أَتَى أَمْرُ الله أي سيأتي . والنكتة في ذلك إرادة المبالغة في تحقق وقوع ذلك، فنزّل منزلة الواقع، والذي ذهب إليه الجمهور أصح، كما جزم به ابن مسعود وحذيفة وغيرهما، و يؤيّده قوله تعالى بعد ذلك: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ فإنّ ذلك ظاهر في أنّ المراد بقوله : وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وقوع انشقاقه، لأنّ الكفّار لا يقولون ذلك يوم القيامة، و إذا تبيّن أنّ قولهم ذلك إنما هو في الدنيا تبيّن وقوع الإنشقاق و أنّه المراد بالآية التي زعموا أنها سحر أه--(2).
قال ابن عبد البر : قد روى هذا الحديث جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجمّ الغفير إلى أن انتهى إلينا، و يؤيّد ذلك بالآية الكريمة، فلم يبق لاستبعاد من استبعد من عذر، وقد يطلع على قوم قبل طلوعه على آخرين، و أيضاً فإنّ زمن الإنشقاق لم يطل و لم تتوفّر الدواعي على الإعتناء بالنظر إليه، و مع ذلك فقد بعث أهل مكة إلى آفاق مكة يسألون عن ذلك، فجاءت السُّفار و أخبروا بأنّهم
عاينوا ذلك(1).
و قال الخطابي : انشقاق القمر آية عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء، و ذلك أنّه ظهر في ملكوت السماء خارجاً من جملة طباع ما في هذا العالم المركب من الطبائع، فليس ممّا يطمع في الوصول إليه بحيلة، فلذلك صار البرهان به أظهر، و قد أنكر ذلك بعضهم، فقال: لو وقع ذلك لم يجز أن يخفى أمره على عوام الناس لأنّه أمرٌ صدر عن حسّ و مشاهدة، فالناس فيه شركاء، و الدواعي متوفّرة على رؤية كل غريب، و نقل ما لم يعهد، فلو كان لذلك أصل لخلّد في كتب أهل التسيير و التنجيم، إذ لا يجوز إطباقهم على تركه، و إغفاله مع جلالة شأنه و وضوح أمره (2).
والجواب عن ذلك أن هذه القصة خرجت عن بقية الأمور التي ذكروها، لأنّه شيء طلبه خاص من الناس فوقع ليلاً، لأن القمر لا سلطان له بالنهار، ومن شأن الليل أن يكون أكثر الناس فيه نياماً و مستكنين بالأبنية، والبارز بالصحراء منهم إذا كان يقظان يحتمل أنه كان في ذلك مشغولاً بما يلهيه من سَمَرٍ وغيره، ومن المستبعد أن يقصدوا إلى مراصد مركز القمر ناظرين إليه لا يغفلون عنه، فقد يجوز أنّه وقع و لم يشعر به أكثر الناس،و إنما رآه من تصدّى لرؤيته ممّن اقترح وقوعه.
و لعلّ ذلك إنّما كان في قدر اللحظة التي هي مدرك البصر (3).
قال الصالحي في كتابه سبل الهدى والرشاد في الباب الثالث من أبواب معجزاته صلی الله علیه و آله و سلم في الجزء التاسع تنبيهات:
الأول: لم ينشقّ القمر لأحد غيرنبينا صلی الله علیه و آله و سلم .
الثاني: وقع في بعض الروايات عن أنس: فأراهم انشقاق القمر بمكة مرتين، رواه الإمام أحمد ومسلم، قال الحافظ ابن كثير: في ذلك نظر، والظاهر أنه أراد فرقتين، و تكلّم ابن القيم على هذه الرواية فقال: المرات يراد بها الأفعال تارة و الأعيان أخرى، والأول أكثر، ومن الثاني انشقّ القمر مرتين، أي شقتين و فرقتين، وقد خفي على بعض الناس فادعى أن انشقاق القمر وقع مرتين، وهذا ممّا يعلم أهل الحديث والسير أنه غلط، لأنّه لم يقع إلا مرة واحدة .
وقال البيهقي : قد حفظ ثلاثة من أصحاب قتادة وهم سعيد بن أبي عروبة، و معمر بن راشد وشعبة، لكن اختلف عن كل منهم في هذه اللفظة، و لم يختلف على شعبة و هو أحفظهم، و لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بلفظ مرتين، إنّها فيه (فرقتين) أو (فلقتين) بالراء أو باللام كذا في حديث ابن عمر (فلقتين)، وفي حديث جبير بن مطعم (فرقتين) وفي لفظ عنه (فانشق باثنتين).
و في رواية عن ابن عباس عن أبي نعيم في الدلائل: فصار (قمرين)، وفي لفظ (شقين)، وعند الطبراني من حديثه (حتى رأوا شقين) .
أقول: ونقل عن السيد الشريف الجرجاني في شرح المواقف، و عن ابن السبكي في شرح المختصر : انّ الحديث متواتر لا يمتري في تواتره عند أهل السنة .
و قال الصالحي: ثم انّ ذلك أنه وقع في الليل، وزمان الغفلة، وكان في زمان قليل، ورؤية القمر في بلد لا تستلزم رؤيته في جميع البلاد، ضرورة اختلاف المطالع، فقد يكون القمر طالعاً على قوم غائباً عن آخرين، و مكسوفاً عند قوم غير مكسوف عند آخرین،
والإعتناء بأمر الارصاد لم يكن بمثابته اليوم، و غفلة أهلها لحظة غير مستبعد، و الإنشقاق لا تختلف به منازله، ولا يتغيّر به سیره، غاية ما في الباب أن يحدث في القطعة الشرقية قوة سير لتلحق أختها الغربية.
و أي مانع من أن يخلق الله تعالى فيها من السرعة نحو ما خلق الله سبحانه في ضوء الشمس، فقد قال أهل الحكمة الجديدة أنّ بين الأرض والشمس ثلثمائة ألف فرسخ وأربعين ألف فرسخ، وأن ضوءها ليصل إلى الأرض في مدّة ثمان دقائق و ثلاث عشرة ثانية، فيقطع الضوء في كل ثانية سبعين ألف فرسخ، ولا يلزم أن يعلم سبب كل حادث، بل كثير من الحوادث المتكرّرة المشاهدة لم يوقف على أسبابها، كرؤية الكواكب قريبة مع بُعدها المفرط، فقد ذكروا أنّهم لم يقفوا على سببه، ويكفي في ذلك عدم وقوفهم على سبب الإبصار بالعين على الحقيقة، ولو أخبرهم مخبر بفرض إن لم يكن لهم أبصار بخواص البصر مع كونه قطعة شحم صغيرة معروفة أحوالها عند أهل التشريح، لأنكروا عليه غاية الإنكار، وكذّبوه غاية التكذيب و نسبوه إلى الجنون .
ومن سلم تأثير النفوس إلى حد أن يصرع الشخص بمجرد النظر إليه وتوجيه نَفسَه نحوه، لم يستبعد أن يكون هناك سبب نحو ذلك، وقد صحّ في إصابة العين أنّ بعض الأعراب ممّن له عين صائبة يفلق سنام الناقة فلقتين، وربما تصور له من رمل فينظر إليه ويغلفه، فينفلق سنامها مع عدم رؤيته لها نفسها، وهذا كله من باب المماشاة، وإلا فإرادة الله تعالى كافية في الإنشقاق، وكذا في كل المعجزات وخوارق العادات.
ولو كان لكل حادث سبب لزم التسلسل، وقد قامت الأدلّة على بطلانه، وكون الخرق يوجب صوتاً هائلاً ممنوع فيما نحس فيه، ومثله التجاذب، والأجسام مختلفة من حيث الخواص، فلا يلزم اتحاد جرم القمر والأرض فيها، و يمكن أن يكون احدى
القطعتين كالجبل العظيم بالنسبة إلى الأرض إذا ارتفع عنها بفاس مثلاً جذبته إليه إذا لم يخرج عن حد جذبها على ما زعموه، ويلتزم في تلك القطعة عدم الخروج عن حد الجذب، على أنّا في غنى عن كل ذلك أيضاً بعد إثبات الإمكان لشمول قدرته عزوجل، وأنه سبحانه فعّال لما يريد .
والحاصل أنه ليس عند المنكر سوى الاستبعاد، ولا يستطيع أن يأتي بدليل على الاستحالة الذاتية ولو انشق، والاستبعاد في مثل هذه المقامات قريب من الجنون عند من له عقل سليم .
وروي عن الحسن أنه قال هذا الإنشقاق بعد النفخة الثانية، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع، وروى ذلك عن عطاء أيضاً، ويؤيّد ما تقدّم الذي عليه الأكثرون قراءة حذيفة (وقد انشقّ القمر ) فإنّ الجملة عليها حالية فتقضى المقارنة لاقتراب الساعة ووقوع الإنشقاق قبل يوم القيامة، و كذا قوله : وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ وإن يروا آية يعرضوا فإنّه يقتضي أن الإنشقاق آية رأوها وأعرضوا عنها .
وقد أجاب أبو اسحاق الزجاج في المعاني فقال : أنكر بعض المبتدعة الموافقين لمخالفي الملة انشقاق القمر ، ولا إنكار للعقل فيه لأنّ القمر مخلوق له، يفعل فيه ما يشاء كما يكوّره يوم البعث و يفنيه، وأما قول بعضهم لو وقع الجاء متواتراً، واشترك أهل الأرض في معرفته، ولما اختص بها أهل مكة.
فجوابه: انّ ذلك وقع ليلاً وأكثر الناس نيام، وقل من راصد السماء إلا النادر، و قد يقع بالمشاهدة في العادة، أي ينكسف القمر وتبدو الكواكب العظام وغير ذلك في الليل، ولا يشاهدها إلا الآحاد، فكذلك الإنشقاق كان آية وقعت في الليل لقوم سألوا و اقترحوا
فلم يتأهّب غيرهم لها... .
وذكر الإمام الحليمي أنّ القمر انشق في عصره، و أنّه شاهد الهلال في الليلة الثالثة منشقاً نصفين، عرض كل واحد كعرض القمر ليلة أربع أو خمس، ثم اتصل فصار في شكل أترجه إلى أن غاب(1).
أقول: ولابن قتيبة كلام في ردّه على النظام بعض مقالاته الفاسدة في طعنه على الخلفاء وبعض الصحابة، ومنها قوله في ابن مسعود حيث قال: وزعم أن القمرانشق و أنه رآه، وهذا من الكذب الّذي لاخفاء به، لأنّ الله تعالى لا يشقّ القمر له وحده، ولا لآخر معه، وإنّما يشقّه ليكون آية للعالمين، و حجة للمرسلين، و مزجرة للعباد، و برهاناً في جميع البلاد، فكيف لم تعرف بذلك العامة، و لم يؤرخ الناس بذلك العام، و لم يذكره شاعر، و لم يسلم عنده كافر، و لم يحتج به مسلم على ملحد... .
فقال ابن قتيبة في رده: ثم طعنه على عبد الله بن مسعود رضی الله عنه بقوله إنّ القمر انشق وأنه رأى ذلك، ثم نسبه فيه إلى الكذب، وهذا ليس بإكذاب لابن مسعود، و لكنه بخس لعلم النبوة،و إكذاب للقرآن العظيم، لأنّ الله تعالى يقول: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ فإِن كان القمر لم ينشق في ذلك الوقت وكان مراده سينشق فيما بعد، فما معنى قوله :وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ بعقب هذا الكلام.
أليس فيه دليل على أنّ قوماً رأوه منشقاً فقالوا: هذا سحر مستمر من سحره وحيلة من حيله، كما قد كانوا يقولون في غير ذلك من أعلامه ؟ وكيف صارت الآية من آيات النبي صلی الله علیه و آله و سلم: والعَلَم من أعلامه، لا يجوز عنده أن يراها الواحد والإثنان و النفر دون الجميع ؟
1) سبل الهدى والرشاد للصالحي الشامي :9 : 431 ط دار الكتب العلمية بيروت سنة 1414 ه--
أوليس قد يجوز أن يخبر الواحد والإثنان والنفر و الجميع، كما أخبر مكلّم الذئب بأنّ ذئباً كلّمه(1)، و أخبر آخر أنّ بعيراً شكا إليه (2)، وأخبر آخر أنّ مقبوراً لفظته الأرض(3)؟
وقد عقد السيوطي في كتابه الخصائص الكبرى (4)باباً خاصاً في ذلك و سمّاه (باب انشقاق القمر) وذكر فيه عدّة أحاديث نقلاً عن الشيخين في الصحيحين والبيهقي وغيرهم، رواها ابن مسعود وابن عباس و ابن عمر و جبير بن مطعم و أنس، و هؤلاء الصحابة فيهم من حضر وشاهد فروی ما قد رأى كابن مسعود وجبير بن مطعم، ومنهم من لم يشاهد إلّا أنه روى عمّن رأى كابن عباس و ابن عمر و أنس، و حديث أنس أخرجه الشيخان فقال: إنّ أهل مكة سألوا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر مرتين، و هذا حديث متفق عليه عند من يحتج بالصحيحين .
كما أنّ حديث ابن مسعود المروي في الصحيحين أيضاً قال: انشقّ القمر بمكة على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم شقتين، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: (إشهدوا) ففي حديث أنس أنّ أهل مكة سألوا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أن يريهم آية فأراهم، و في حديث ابن مسعود ما يصدّقه حيث جاء في آخره فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: (إشهدوا) فإذا لم يكن ثمة طلب، ولم يكن ثمة تحدّ، على ماذا قال صلی الله علیه و آله و سلم(إشهدوا) ويؤيّد ذلك أيضاً ما قاله السيوطي بعد ذكره أحاديث الصحابة في ذلك فقال:
قال العلماء: انشقاق القمرآية عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء، وذلك أنّه
ظهر في ملكوت السماء خارجاً من جملة طباع ما في هذا العالم المركّب من الطبائع، فليس ممّا يطمع في الوصول إليه بحيلة، فلذلك صار البرهان به أظهر.
لا أطيل التطواف مع مقالاتهم ولكل وجهة هو مولّيها، ولكني أكتفي بذكر نماذج من المعتزلة، وآخرين من الأشاعرة، ثم من الإمامية الاثني عشرية.
فمن المعتزلة نقرأ ما كتبه القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه تثبيت دلائل النبوة(1)قال: باب آخر: وهو ما كان بمكة من انشقاق القمر فإنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم مرّ بمكة في ليلة قمراء ومعه نفر من أصحابه، فاجتاز بنفر من المشركين، فقالوا له: يا محمد إن كنت رسول الله كما تزعم فاسأل ربّك أن يشق هذا القمر، فسأل الله ذلك فشقّه، فقال المشركون: ساحروا بصاحبكم من شئتم فقد سرى سحره من الأرض إلى السماء، فنزلت القصة في ذلك، وهذا من الآيات العظام و البراهين الكرام على صدقه و نبوته صلی الله علیه و آله و سلم.
فإن قيل: ومن أين لكم أنّ القمر قد انشقّ له كما ادّعيتم ؟ أتعلمون ذلك ضرورة أم بدلالة ؟ أوليس النظّام (2)قد شك في هذا و قال: لو كان قد انشقّ لعلم بذلك أهل الغرب والشرق لمشاهدتهم له ؟ و هذا شيء سيكون عند قيام الساعة ومن أشراط القيامة، فبأيِّ شيء تردّون قوله وتبيّنون غلطه إن كان قد غلط ؟
قيل له: ما نعلم ذلك ضرورة و لكن نعلمه بدلالة، فمن استدلّ عرف، ومن لم يستدلّ لم يعرف، و من قصر عن الاستدلال و النظر غلط كما غلط إبراهيم النظّام .
فوجه الدلالة على ذلك أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قد احتج بذلك على المسلمين و المشركين، و تلا هذا القول عليهم من سورة القمر : اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ ولم يكن ليقدم و يحتج على العدو و الوليّ بما لا حاجة فيه، ويشير إلى أمر ظاهر يُشار إليه و يشاهده الناس، فلو أراد أن يكذّب و يردّ قوله ما زاد على هذا، وهذا لا يقع من عاقل و لا يختاره محصّل كائناً مَن كان، فكيف يقع ممّن يدّعي النبوة و الصدق، و هو أشد حرصاً بالناس كلهم على تصديقه واتباعه ؟ فلو أراد أن يكذبوه و يردوا قوله ما زاد على هذا، وهذا لا يذهب على متأمّل.
فإن قيل : فما تنكرون على من قال : إنه صلی الله علیه و آله و سلم ما احتج بهذا على نبوّته ؟ قيل له: لا فرق (بين) من ادّعى ذلك أو ادّعى في جميع ما أتى به من القرآن و غيره أنه ما احتج بشيء من ذلك على صدقه ونبوته . و ممّا يزيدك علماً بذلك، و يبيّن لك غلط النظام و جهل كل من ذبّ عن ذلك قوله تبارك وتعالى: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ فانظر كيف قال اقتربت الساعة، و أخبر عن أمر قد كان و مضى، ثم قال على نسق الكلام: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ فجاء بأمر قد كان و انقضى فنسق على الماضي بالماضي، و لو كان على ما ظنّ النظّام لقال: اقتربت الساعة و انشقاق القمر، أو كان يقول: و سينشقّ القمر، فلما لم يقل ذلك و قال: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ، علمت أنّه أخبر عن شيئين واقعين قد وقعا و كانا و حصلا.
ثم قال على نسق الكلام: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ فأخبر أنّها آية مرئية وحجة ثابتة، ثم قال على نسق الكلام: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ و هذا لا يقال فيما لم يقع و لم يكن، فتأمل هذا التقريع والتعنيف لتعلم أنّه أمر قد كان، و لا يسوغ أن يقال في أمر لم يكن و لم يقع هذا القول .
وأيضاً فإنّ ما يقع في القيامة وعند قيام الساعة لا يكون حجة على المكلفين ولا يعنّفون في ترك النظر و التأمل له، فإنّ التكليف حينئذٍ زائل مرتفع.
فأما قول النظّام : فلِمَ لا يشاهد هذه الآية كل الناس، فليس هذا بلازم، لأنّ الناس لم يكونوا من هذا على ميعاد، وإنّما هو شيء حدث ليلاً و ما كان عندهم خبر بأنّه سيحدث وسيكون في وقت كذا فينظرونه، و إذا كان كذلك فقد بطل ما قد ظنّه، يزيدك بياناً أنّ القمر قد ينكسف كله، فلا يرى ذلك من الناس إلّا الواحد بعد الواحد النفر اليسير لنومهم، فكيف بانشقاق القمر الّذي انشقّ ثم التأم من ساعته بعد أن رآه أولئك القوم الذين طلبوه.
وأيضاً فقد يجوز أن يحجبه الله عزوجل و المصالح العباد إلا عن أولئك القوم، لأنه قد يجوز أنّ في بعض البلاد من المكذّبين و المحتالين في تلك الساعة من لو رأى ذلك لقال : إنّما انشق شهادة لي على صدقي، و لا يكون ما ذكره النظّام قد جاء في ذلك من هذا الوجه أيضاً و بطل ما توهمه .
ومدار الأمر أن يكون هذا أمراً قد كان، و قد ذكرنا الدلالة على كونه فلا عذر لمن شك فيه، ومن الدلالة أيضاً أنّ ذلك قد كان، انّ الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم قد تذاكروه، فما فيهم من شك و لا ارتاب و لا توقّف، بل وقع إجماع منهم على كونه و وقوعه، فلا معتبر بمن جاء بعدهم ممّن خالفهم .
وقد ذكر انشقاق القمر علي بن أبي طالب، وعد الله بن مسعود، وجبير بن مطعم وابن عمر وابن عباس ، وأنس بن مالك، وخطب الناس مدينة(1)بن مالك بالمدائن و ذكر فيه انشقاق القمر، و كانوا يقولون: خمس قد مضين: الروم و القمر و الدخان و البطشة
1) هكذا المطبوع في المصدر، ولم ينبه المحقق على الوهم في ذلك والصواب هو حذيفة بن اليمان وهو الذي كان يقرأ في المدائن (اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ )
واللزام (1)
وبالبطشة فيقصد بها وقعة بدر لقوله تعالى: (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى ) .
وباللزام : فقد قيل أن المقصود بها وقعة بدر أيضاً كما ذكر ذلك ابن الأثير في النهاية 4 : 56 .
يتذاكرون هذا بينهم رحمة الله عليهم.وقد ذكرنا ما في العقل من الحجة في ذلك، وهي تلزم كل عاقل بلغته الدعوة، سواء كان من المسلمين أو من غيرهم، وفي ذلك أتمّ كفاية، ثم ذكرنا تذاكر الصحابة بذلك و هي دلالة أُخرى إذ لا يجوز أن يقول عاقل بحضرة جماعة، وقد أقبل على من يحدّثه قد كنّا في وقت كذا حتى حدث كذا و كذا - و هو يستشهد بالذي حدث بحضرتهم و يدعي عليهم و ما عندهم علم - فيمسكون عن تكذيبه و الردّ عليه، ثم ذكرنا الإجماع السابق من الصحابة ليتأكد ذلك على كل من كان من أهل الصلاة (2).
وقال أيضاً القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه تنزيه القرآن عن المطاعن
(3) مسألة: و ربما قيل كيف يصح قوله: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ولو كان انشقّ القمر على الحقيقة لنقل ذلك نقلاً ظاهراً ....
لكن الصحيح ما قاله مشايخنا من أنّه في أيام رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم انشقّ القمر و هو ظاهر القرآن، فإذا كان قد انشق بالمدينة أو بمكة و في سائر الأماكن غيوم تحجب عن رؤية ذلك، وكان أهل ذلك البلد في غفلة عنه إلا طبقة مخصوصة، فليس من الواجب نقل ذلك بالتواتر، بل يجوز أن ينقله الآحاد ، وقد نقل ابن مسعود و غيره هذا
كما نقل ردّ الشمس في أيام الرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فلم يجب في نقله الظهور، لأنّ ذلك ظهر آخر النهار لقوم مخصوصين ....
ومن الأشاعرة: أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي المتوفى سنة 429 ، قال في كتابه أصول الدين(1): إنّ معجزات نبينا صلی الله علیه و آله و سلم في الأعداد كثيرة الأمداد...
و منها انشقاق القمر بدعوته، و في ذلك نزل قوله تعالى : اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ، ولو لم يقع ذلك لقال له أعداؤه متى كان هذا ؟ ،وهذه معجزة سماوية، و كانت معجزات من قبله أرضية ....
ومن الأشاعرة أيضاً العضد الأيجي المتوفى سنة 756 ه-- قال في المواقف كما في شرحها للسيد الشريف الجرجاني المتوفى سنة 816 (2)قال:
الكلام في سائر المعجزات أي ما سوى القرآن و هي أنواع: الأول: انشقاق القمر على ما دلّ عليه قوله تعالى: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ . و هذا متواتر قد رواه جمع كثير من الصحابة كابن مسعود وغيره، قالوا قد انشقّ القمر شقين متباعدين بحيث كان الجبل بينهما، وكان ذلك في مقام التحدّي فيكون معجزة .
و قال السيالكوتي في حاشيته على ذلك قوله : اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ روي أنّ الكفار سألوا من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم آية فانشقّ القمر، و قيل معناه ينشق يوم القيامة، فعبّر عن المستقبل بالماضي لتحقق وقوعه، ويؤيّد الأول أنّه قرئ : وقد انشقّ القمر، أي اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها انشقاق القمر.
وأيضاً منهم السيد الشريف الجرجاني المتوفى سنة 816 في كتابه شرح المواقف
للقاضي العضد الأيجي ت 756 (1)قال: الكلام في سائر المعجزات أي سوى القرآن و هي :أنواع: الأول: انشقاق القمر على ما دلّ عليه قوله تعالى: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُوهذا متواتر قد رواه جمع كثير من الصحابة كابن مسعود وغيره قالوا قد انشقّ القمر شقين متباعدين بحيث كان الجبل بينهما، و كان ذلك في مقام التحدي فيكون معجزة .
و من الإمامية الاثني عشرية: العلّامة الحلي المتوفى سنة 762 ه-- قال في كتابه كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد للمحقق الخواجة نصير الدين الطوسي (2)قال:
المسألة الرابعة: في الطريق إلى معرفة صدق النبي صلی الله علیه و آله و سلم : ( قال ) المحقق: (وطريق معرفة صدقه ظهور المعجزة على يده، وهو ثبوت ما ليس بمعتاد أو نفي ما هو معتاد، مع خرق العادة ومطابقة الدعوى .
أقول: لما ذكر صفات النبي صلی الله علیه و آله و سلم وجب عليه ذكر بيان معرفته، وهو شيء واحد هو ظهور المعجزة على يده، و نعني بالمعجزة ثبوت ما ليس بمعتاد، أو نفي ما هو معتاد مع خرق العادة و مطابقة الدعوى، لأنّ الثبوت و النفي سواء في الإعجاز، فإنّه لا فرق بين قلب العصا حية، وبين منع القادر عن رفع أضعف الأشياء، وشرطنا خرق العادة، لأنّ فعل المعتاد أو نفيه لا يدلّ على الصدق.
و قلنا مع مطابقة الدعوى، لأنّ من يدعي النبوة ويسند معجزته إلى ابراء الأعمى، فيحصل له الصمم مع عدم برء الأعمى لا يكون صادقاً - ثم ذكر شروط المعجزة وقد سبق منا ذكرها نقلاً عنه في جواب (المسألة الأولى) من الفصل الأول فراجع - إلى أن قال في شرح قول المحقق الطوسي:(و ظهوره معجزة القرآن وغيره مع اقتران دعوة نبينا
محمد صلی الله علیه و آله و سلم يدل على نبوته، و التحدّي مع الاقتناع و توفّر الدواعي يدل على الإعجاز، والمنقول معناه متواتر من المعجزات يعضده .
أقول: لما فرغ من البحث في النبوة مطلقاً، شرع في إثبات نبوة نبينا محمد عليه وآله الصلاة و السلام، و الدليل عليه أنّه ظهرت المعجزة على يده و ادّعى النبوة فيكون صادقاً، إما ظهور المعجزة على يده فلوجهين الأول: أنّ القرآن معجزة .... الثاني: أنّه نقل عنه معجزات كثيرة كنبوع الماء من بين أصابعه صلی الله علیه و آله و سلم حتى اكتفى الخلق الكثير من الماء القليل بعد رجوعه من غزوة تبوك ... وانشق له القمر ...
وقال السيد عميد الدين الحسيني العبيدلي ت 754 في اشراق اللاهوت في نقد شرح الياقوت (1): (وقد يستدلّ بغير ذلك) - أي بغير القرآن - على نبوته صلی الله علیه و آله و سلم من ظهور الآيات كانشقاق القمر، ونبوع الماء من بين أصابعه، و تسبيح الحصى في كفه وحنين الجذع و غير ذلك من المعجزات المشهورة، فإنّها و إن كانت منقولة بالآحاد) إلا أنّها لما اشتركت في معنى واحد، و هو الإعجاز وخرق العادة صار المعنى المشترك متواتراً.
قال ابن التلمساني في شرح الشفا: ذكر بعضهم انّ الإمام العالم الأعرف أبا بكر بن الطيب، لما وجّهه صاحب الدولة سفيراً إلى ملك الروم ليظهر به رفعة الإسلام وبغض النصرانية، و جرت في تلك الوجهة القسطنطينية بينه و بين ملكها مع بطارقته و نبلاء ملته مناظرات ومحاورات . منها : أنّ الملك قال له: هذا الذي تدّعونه في معجزات نبيكم من انشقاق القمر كيف هو عندكم .
قال: هو صحيح عندنا انشقّ القمر على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم حتى رآه الناس، و إنّما
1) اشراق اللاهوت في نقد شرح الياقوت: 439ط ایران.
رآه من الحضور من اتفق نظره إليه في تلك الحال .
فقال الملك : كيف لم يره جميع الناس ؟
قال: الناس لم يكونوا على أهبة و وعد لحضوره.
قال: و هذا القمر بينكم وبينه قرابة، لأي شيء لم يعرفه الروم و غيرهم من سائر الناس، وإنما رأيتموه أنتم خاصة؟
قال: فهذه المائدة بينكم و بينها نسب، و أنتم رأيتموها دون اليهود و المجوس والبراهمة و أهل الإلحاد، و اليونان جيرانكم، فإنّهم كلهم منكرون لهذا الشأن ؟
فتحيّر الملك وقال في كلامه سبحان الله، وأمر بإحضار فلان القسّيس ليكلّمني و قال: نحن لا نطيقه فلم أشعر إذ جاؤوا بالرجل كالدبّ أشقر الشعر فقعد، وحُكيت له المسألة، فقال: الّذي قال المسلم لازم، لا أعرف له جواباً إلّا ما ذكره .
فقلت له: إنّ الكسوف إذا كان يراه جميع أهل الأرض؟ أم يراه أهل الأقليم الذي في محاذاته؟
فقال : لا يراه إلّا من كان في محاذاته.
قلت : فما أنكرت من انشقاق القمر كذلك إذا كان في ناحية لا يراه إلّا أهل تلك الناحية ومن تأهّب للنظر، و أما من أعرض أو كان في الأمكنة التى لا يُرى القمر فيها فلا يراه .
فقال: هو كما قلت، لا يدفعك عنه دافع، و إنّما الكلام في الرواة الذين نقلوا.
قلت: فأما الطعن في هذا فليس بصحيح .
فقال الملك : وكيف يطعن في النقلة ؟
فقال النصراني: شبه هذا من الآيات إذا صحّ وجب أن ينقله الجمّ الغفير حتى يتصل بنا العلم به، و لو كان كذلك لوقع لنا العلم الضروري به، فلما لم يقع دلّ على أنّه أكبر مفتعل باطل.
فالتفت الملك إليَّ وقال: الجواب؟
فقلت: يلزمه في نزول الملائكة بالمائدة ما لزمني في انشقاق القمر، ويقال له: لو كان نزول المائدة صحيحاً لوجب أن ينقله العدد الكثير ، فلا يبقى يهودي ولا نصراني إلا ويعلم هذا بالضرورة، و لما لم يعلموا ذلك بالضرورة دلّ أنّ الخبر كذب.
فبهت النصراني و الملك و من ضمّه المجلس، و انفصل الوطن على هذا(1)
إنّ البحث عمّا عند المؤرّخين لابدّ أن يكون عند الذين كتبوا في السيرة النبوية صلى الله تعالى وسلم على صاحبها وآله آلاف التحية، و لما كانت معجزاته كثيرة و لا يمكن حصرها كما قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات(2).
«وأما المعجزات غيره - يعني القرآن - فلا يمكن حصرها أبداً، لأنّها كثيرة جداً ومتجددة متزايدة، ولكن أذكر منها أمثلة كانشقاق القمر ...» .
ولما كان كلامنا في خصوص انشقاق القمر، فنذكر بعض ما قيل في ذلك عند المؤرّخين، ولما كان منهم من كان مجمع عدة عناوين فهو مؤرخ سيرة، و هو مفسّر، و هو محدّث كابن كثير مثلاً، فقد ذكر انشقاق القمر في جملة من كتبه، ففي تفسيره سورة القمر، و قد أطال الكلام واختصره في سيرته كما يلي، ونحن عنه أيضاً باختصار نكتفي به :
1 - ذكر ابن كثير في سيرته (3)و عقد فصلاً قال فيه : فصل في انشقاق القمر في زمان النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، وجعل الله له آية على صدق رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فيما جاء به من الهدى و دين الحق،
حيث كان ذلك وقت اشارته الكريمة، قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌمُسْتَمِرٌ* وَ كَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِر.
و قد أجمع المسلمون على وقوع ذلك في زمنه عليه الصلاة و السلام، و جاءت بذلك الأحاديث المتواترة من طرق متعدّدة تفيد القطع عند من أحاط بها ونظر فيها، و نحن نذكر من ذلك ما تيسّر إن شاء و به الثقة و عليه التكلان، و قد تقصّينا ذلك في كتابنا التفسير، فذكرنا الطرق والألفاظ محرّرة، و نحن نشير هاهنا إلى أطراف من طرقها، و نعزوها إلى الكتب المشهورة بحول الله ،وقوته، و ذلك مروي عن أنس بن مالك، وجبير بن مطعم وحذيفة، وعبد الله بن عباس، و عبد الله بن عمر، و عبد الله بن مسعود (رضي الله عنهم أجمعين).
ثم ذكر أحاديث الصحابة و مخرّجها إلى أن قال في ص 121 : و القمر حين انشق لم يزايل السماء، غير أنّه حين أشار إليه النبي صلی الله علیه و آله و سلم انشق عن اشارته فصار فرقتين، فسارت واحدة حتى صارت من وراء حراء، و نظروا إلى الجبل بين هذه وهذه، كما أخبر بذلك ابن مسعود أنه شاهد ذلك.
وقال في تحفة الطالب(1): اما انشقاقه من حيث الجملة فمعلوم بالتواتر، قال الله سبحانه وتعالى (2): اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ و أما اختصاصه بزمان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم، فقد جاء فيه أحاديث متعددة في الصحيحين من حديث ابن مسعود وابن عباس...
2- وقال القاضي عياض في الشفا بعد ما ذكر أن كثيراً من الآيات المأثورة عنه صلی الله علیه و آله و سلم
معلومة بالقطع ما نصه: أما انشقاق القمر فالقرآن نصّ بوقوعه و أخبر بوجوده، و لا يعدل عن ظاهر إلا بدليل، و جاء برفع احتماله صحيح الأخبار من طرق كثيرة، فلا يوهن عزمنا خلاف أخرق منحل عرى الدين، و لا يلتفت إلى سخافة مبتدع يلقي الشك في قلوب الضعفاء المؤمنين، بل نرغم بهذا أنفه، وننبذ بالعراء سخفه.
3- و منهم - مجمع العناوين - ابن الجوزي فقد قال في زاد المسير في تفسير السورة: و هي مكية بإجماعهم ... قال ابن عباس: اجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فقالوا: إن كنت صادقاً فشقّ لنا القمر فرقتين، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن فعلت تؤمنون؟ قالوا: نعم، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربّه أن يعطيه ما قالوا، فانشقّ القمر فرقتين ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي (يا فلان يا فلان اشهدوا) وذلك بمكة قبل الهج--رة.
وقد روى البخاري و مسلم في صحيحهما من حديث ابن مسعود قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم شقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اشهدوا).
وقد روى حديث الإنشقاق جماعة، منهم عبد الله بن عمر، و حذيفة، و جبير بن مطعم، و ابن عباس، و أنس بن مالك، و على هذا جميع المفسّرين، إلا أن قوماً شدّوا فقالوا: سينشق يوم القيامة، وقد روى عثمان بن عطاء عن أبيه نحو ذلك . وهذا القول الشاذ لا يقاوم الإجماع، و لأنّ قوله (انشق) لفظ ماض، وحمل لفظ الماضي على المستقبل يفتقر إلى قرينة تنقله و دليل، و ليس ذلك موجوداً، و في قوله : وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا دليل على أنه قد كان ذلك.
وقال ابن زيد: لما انشقّ القمر كان يرى نصفه على قيقعان، والنصف الآخر على أبي قبيس، قال ابن مسعود: لما انشقّ القمر قالت قريش: سحركم ابن أبي كبشة فاسألوا السُفّار، فسألوهم فقالوا: نعم قد رأيناه، فأنزل الله عزوجل : اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ
قوله تعالى : وَإِنْ يَرَوْا آيَةً أي آية تدلّهم على صدق الرسول، و المراد بها هاهنا: انشقاق القمر، و يعرضوا عن التصديق وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ ...
4 - و قال ابن عبد البر: روی حدیث انشقاق القمر جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجمّ الغفير إلى أن انتهى إلينا، و تأيد بالآية الكريمة .
وقال المناوي في شرحه لألفية السير للعراقي: تواترت بانشقاق القمر الأحاديث الحسان، كما حققه التاج السبكي وغيره، وفي نظم السيرة لأبي الفضل العراقي بانشقاق القمر الأحاديث الحسان، كما حققه التاج السبكي وغيره .
5- وقال برهان الدين الحلبي(1): و ممّا سألوه صلى الله عليه و آله و سلم من الآيات غير المعيّنات على ما رواه الشيخان، أو معيّنة كما في رواية ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، و سيأتي ما يُعلم منه أنهم سألوه صلى الله عليه و آله و سلم أو لا آية غير معيّنة ثم عيّنوها فلا مخالفة، ثم ساق رواية ابن عباس التي ذكر فيها أسماء الذين طلبوا الآية، ودعاء الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ربّه انشقاق القمر، فاستجاب له ربّه فانشقّ القمر فرقتين نصفاً على أبي قيس و نصفاً على قيقعان....
وقال في ص 306 فجاء السُفار وقد قدموا من كل وجه فأخبروهم أنّهم رأوه منشقاً، فعند ذلك قالوا هذا سحر مستمر، أي مطرّد ... فأنزل الله تعالى: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ... و هذا الكلام كما لا يخفى يدلّ على أنه لم يختصّ برؤية القمر منشقاً أهل مكة، بل جميع أهل الآفاق، وبه يردّ قول بعض الملاحدة: لو وقع انشقاق القمر لاشترك أهل الأرض كلهم في معرفته ولم يختص بها أهل مكة .
ولا يحسن الجواب عنه بأنّه طلبه جماعة خاصة فاختصت رؤيته بمن اقترح وقوعه، ولا بأنّه قد يكون القمر حينئذ في بعض المنازل التي تظهر لبعض الآفاق دون بعض، و لا
1) السيرة الحلبية 1:305 ط البهية بمصر سنة 1320
يقول بعضهم أنّ انشقاق القمر آية ليلية جرى مع طائفة في جنح ليلة و معظم الناس ينام، و في فتح الباري: حنين الجذع وانشقاق القمر نقل كل منهما نقلاً مستفيضاً يفيد القطع عند من يطلع على طرق الحديث، ثم ذكر في ص 307 خبر رتن الهندي نقلاً عن الإصابة، ثم عقّب عليه بتكذيب السيوطي له .
وقال البرهان الحلبي أيضاً : و في السنة التاسعة من النبوة كان انشقاق القمر له صلى الله عليه و آله و سلم(1).
وأخيراً نختم الكلام عمّا ذكره بعض المؤرخين بما قاله الإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي المتوفى سنة 942 في كتابه سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد(2).
قال الله - سبحانه و تعالی-: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ(3)أي وقع انشقاقُه ويؤيّده قول الله - سبحانه و تعالی- بعد ذلك بآية: يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ(4)؛ فإنّ ذلك ظاهر في أنّ المراد وقوعُ انشقاقه ؛ لأنَّ الكفّار لا يقولون ذلك يوم القيامة، و إذا تبيَّن أَنَّ قَوْلَهُم ذلك إنَّما هو في الدُّنيا يتبيَّن وقوع الإنشقاق، وأنّه المراد بالآية التي زعموا أنّها سِحْرٌ.
وفي صحيح البخاريِّ عَنْ عَبْد الله بن مَسْعُود، وكان يقول خمسٌ قد مضين: الروم و اللزوم، و البطشة، و الدُّخَان، و القمر ، وقد وَرَدتْ قِصَّةُ انشقاق القمر من حديث ابن مسعود، رواه الإمام أحمد والشيخان، والبيهقي، وأبو نُعيم من طرق عن ابن عُمَر، و رواه الشيخان والبيهقي عن جُبَيْر بن مطعم، و رواه الإمام أحمد و الترمذي و ابن جرير و الحاكم
والبيهقي عن حذيفة بن اليمان، ورواه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم ببعض هذه القصة عن ابن عباس، ورواه الإمام أحمد والشيخان وابن جرير وأبو نعيم من طرق عن أنس بن مالك، ورواه الإمام أحمد والشيخان وأبو نعيم من طرق متقاربة المعنى أدخلت بعضها في بعض عن أهل مكة.
قال ابن عباس رضی الله عنه-- كما عند أبي نُعيم : اجتمع المشركون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاصي ابن وائل والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب والنضر بن الحرث ونظراؤهم، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُرِيَهُمْ آيَةٌ ، وقَالُوا: إِنْ كُنْت صَادِقاً فَشَقَّ لنا القمر فرقتين نِصْفاً على أبي قبيس ونصفاً على قعيقعان وفي لفظ : حتى رَاوَحوا من بينهما قَدرَ ما بين العَصْر إلى اللَّيْل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اشْهَدُوا)، فنظر الكُفَّار ثم مالوا بأبصارهم فمسحوها ثم أعادوا النظر فنظروا ثم مسحوا أعينهم ثم نَظَروا فقالوا : سَحَر محمد أعيننا، فقال بعضُهم لبعضٍ: لئن كان سَحَرَنا فإنّه لا يستطيع أنْ يَسْحَرَ النَّاس كُلّهم، فانظروا إلى السُّفار، فإن أخبروكم أنّهم رأوا مثل ما رأيتم فقد صَدَق، فكانوا يلتقون الرَّكْب فيخبرونهم أَنَّهم رَأَوْا مثل ما رأَوْا فيكذبونهم، فَأَنزَلَ الله عزوجل: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ .
الأول: لم ينشقَّ القمر لأحَدٍ غير نبيِّنا صلی الله علیه و آله و سلم.
الثاني: وقع في بعض الروايات عن أنس: فأراهم انشقاق القمر بمكة مرَّتين رواه الإمام أحمد ومسلم .
قال الحافظ ابن كثير : في ذلك نظرٌ، والظَّاهِرُ أنّه أراد فرقتين، وتكلّم ابن القيم على هذه الرواية فقال: المرات يراد بها الأفعال تارة والأعيان أخرى، والأول أكثر و من الثاني (انشَقَّ
القَمَرُ مَرَّتيْن) أي شقّتين و فِرقَتَين ، و قد خَفِيَ على بعض النَّاس فادَّعَى أَنَّ انشقاق القمر وقع مرَّتين، و هذا مما يَعْلَمُ أهلُ الحديث و السير أنّه غَلَطٌ، لأنّه لم يقع الّا مَرَّةً واحدةً.
وقال البيهقي : قد حفظ ثلاثة مِن أصحاب قتادة : وهم سعيد بن أبي عَرُوبة، ومعمر بن راشد، و شعبة، لكن اختلف عن كُلَّ مِنْهُم في هذه اللفظَة، و لم يختلف على شعبة وهو أحفظهم، و لم يقع في شيء من طُرُق حديث ابن مسعود بلفظ مرتين، إنما فيه (فرقتين أو فلقتين) بالراء أو اللام، وكذا في حديث ابن عمر (فلقتين) و في حديث جُبَيْربن مُطعم (فِرْقتين) وفي لفظ عَنْهُ (فانشق باثنتين) وفي رواية عن ابن عبّاس عند أبي نُعَيم في الدَّلائل (فَصَارَ قَمَرَيْن) وفي لفظ : (شَقّتَيْن) و عند الطبراني من حديثه (حتى رَأَوْا شقين) قال : ووقع في النَّظم لشيخنا الحافظ أبي الفضل: وانْشَقَّ مَرَّتَيْن بالإجماع.
ولا أعرف من جزم من علماء الحديث بتعدد الإنشقاق في زمنه صلی الله علیه و آله و سلم ، ولم يتعرّض لذلك أحد من شُرّاح الصحيحين، ثم ذكر كلام ابن القيم وابن كثير قال: وهذا لا يتّجه غيره جمعاً بين الروايات، قال: ثم راجعت نظم شيخنا فوجدته يحتمل التأويل المذكور ولفظه :
فصَارَ فرقتين فرقة علت *** وفرقة للطود منهُ نزلت
وذاك مرتين بالإجماع *** والنص والتواتر السَّماع
فجمع بين قوله: (فرقتين) وبين قوله: (مرتين) فيمكن أن يتعلق قوله بالإجماع باصل الإنشقاق لا بالتعدّد، ووقع في بعض الروايات عن ابن مسعود: (وانشَقَّ القمر ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى جزأين) و هذا لا يعارض قول أنس أنّه كان بمكة، لأنّه لم يصرّح بأنّ النبی صلی الله علیه و آله و سلم كان ليلته بمكة، و على تقدير تصريحه فمنى من جملة مكة فلا تعارض، و قد وقع عند الطبراني من طريق زر بن حبيش عن ابن مسعود رضی الله عنه قال: (فرأيته فرقتين) .
قال الحافظ: و إنّما قال انشقّ القمر بمكة يعني أنّ الإنشقاق كان و هم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة، وقول ابن مسعود : (انشقّ القمر نصفاً على جبل أبي قبيس ونصفاً على قعيقعان) .
قال الحافظ : وهو محمول على ما ذكرت، وكذا ما وقع في غير هذه الرّواية، ومثله روايته عن عبد الله بن مسعود، وقد وقع عند ابن مردويه بيان المراد، فأخرج من وجه آخر عن ابن مسعود و قال: (انشقّ القمر على عَهْد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم و نحن بمكة قبل أن نصير إلى المدينة) فوضح أنَّ مُرَاده بذكر مكة الإشارة إلى أنّ ذلك وقع قبل الهج--رة، و تحرّر أنّ ذلك وقع و هم ليلتئذٍ بمنى .
و قال في موضع آخر في الكلام على الجمع بين روايتي ابن مسعود والجمع بين قول ابن مسعود تارة بمنى وتارة بمكة إمّا باعتبار التعدد إن ثبت، و إما بالحمل على أنّه كان بمنى، ومن قال كان بمكة لا ينافيه لأنّ من كان بمنى كان بمكة من غير عكس، و يؤيّده أنّ الرواية التي فيها بمنى قال فيها : (ونحن بمنى) ، والرواية التي فيها (مكة) لم يقل فيها ونحن وإنما قال: (انشق بمكة) يعني أنّ الإنشقاق كان وهم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة.
وقول ابن مسعود رضی الله عنه : انشقّ القمر نصفين نصف على أبي قبيس ونصف على قعيقعان وأنّ لفظ (السويداء) قال الحافظ : كان ليلتئذ بمكة، وعلى تقدير تصريحه فمنى من جملة مكة فلا تعارض.
وقد وقع عند الطبراني من طريق زرّ بن حبيش عن ابن مسعود قال: (انشقّ القمر بمكة فرأيته فرقتين)، وفي لفظ (السويداء) قال الحافظ: يحتمل أن يكون رآه كذلك وهو بمنى كأن يكون على جبل مرتفع بحيث رأى طرف جبل أبي قبيس، قال: ويحتمل أن يكون القمر استمر منشقاً حتى رجع ابن مسعود من منى إلى مكة فرآه كذلك وفيه بُعد، والذي يقتضيه
غالب الروايات أنَّ الإنشقاق كان قرب غروبه، يؤيّد ذلك إسنادهم الرواية إلى جهة الجبل.
ثم قال الحافظ: ويحتمل أن يكون الإنشقاق وقع أول طلوعه، فإنّ في بعض الروايات أنَّ ذلك كان ليلة البدر ، أو التعبير بأبي قبيس من تعبير الرواة ؛ لأنّ الفرض ثبوت رؤيته منشقاً إحدى الشقتين على جبل والأخرى على جبل آخر، ولا يغير ذلك قول الراوي الآخر: (رأيتُ الجبل بينهما) أي بين الفرقتين؛ لأنه إذا ذهبت فرقة عن يمين الجبل وفرقة عن يساره مثلاً صدق أنّ بينهما أي جبل آخر كان من جهة يمينه أو يساره صدق أنّها عليه أيضاً .
قال : وقد أنكر جمهور الفلاسفة انشقاق القمر متمسّكين أنّ الآيات العلوية لا يتهيأ فيها الإنخراق والإلتئام، وكذا قالوا في فتح أبواب السماء ليلة الإسراء، إلى غير ذلك من إنكارهم ما يكون يوم القيامة من تكوير الشمس وغير ذلك.
وجواب هؤلاء: إن كانوا كفّاراً أن يناظروا أولاً على ثبوت دين الإسلام، ثم يشركوا مع غيرهم ممّن أنكر ذلك من المسلمين، ومتى سلم المسلم بعض ذلك دون بعض ألزم التناقض، ولا سبيل إلى انكار ما ثبت في القرآن من الإنخراق والإلتئام في القيامة، فسيتلزم جواز وقوع ذلك معجزة للنبي صلی الله علیه و آله و سلم.
فقد أجاب القدماء عن ذلك، فقال أبو اسحاق الزجاج في المعاني: انكر بعض المبتدعة الموافقين لمخالفي الملة انشقاق القمر ولا إنكار للعقل فيه؛ لأنّ القمر مخلوق لله يفعل فيه ما يشاء كما يكوّره يوم البعث و يفنيه، وأما قول بعضهم: لو وقع لجاء متواتراً، واشترك أهل الأرض في معرفته، ولما اختص بها أهل مكة فصوابه أنّ ذلك وقع ليلاً وأكثر الناس نيام و قلَّ من يرصد السماء إلّا النادر، وقد يقع بالمشاهدة في العادة أي ينكشف القمر وتبدو الكواكب العظام وغير ذلك في الليل ولا يشاهدها إلا الآحاد ، فكذلك الإنشقاق
كان آية وقعت في الليل لقوم سألوا واقترحوا فلم يتأهب غيرهم لها .
قال: ذهب بعض أهل العلم من القدماء إلى أنّ المراد بقوله تعالى: وَانشَقَّ الْقَمَرُ أي سينشق.
كما قال تعالى: أَتَى أَمْرُ الله(1)أي سيأتي، والنكتة في ذلك إرادة المبالغة في تحقق وقوع ذلك فنزل منزلة الواقع والذي ذهب إليه الجمهور أصح، كما جزم به ابن مسعود وحذيفة وغيرهما، ويؤيّده قوله تعالى بعد ذلك: وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ(2)كما تقدّم تقريره في أول الباب .
وذكر الإمام الحليمي أنَّ القمر انشَقَّ في عَصْره، وأَنّه شاهد الهلال في الليلة الثالثة منشقاً نصفين، عرض كل واحد كعرض القمر ليلة أربع أو خمس، ثم اتَّصَل فصار في شكل اُترجة إلى أن غاب .
أقول: وبعد جميع ما مرّ من كلام علماء المسلمين من مفسّرين و محدثين، ومتكلمين ومؤرّخين، هل يبقى شك في صحة ما رووا و رأوا من وقوع آية انشقاق القمر ؟ ثم ان النبي صلی الله علیه و آله و سلم كان يقرأ بسورة القمر في الجمع و الأعياد في المجامع العامة، فيسمعها المؤمن والمنافق ومن في قلبه مرض، ولو لم يكن تحقق وقوع ذلك الإنشقاق لما كان يقرأ السورة، إنما جاء برسالته الحرصه على هداية الناس في تصديقهم له، فلا يعقل أن يقرأ لهم ما يعلمون كذبه فيه، فينفّرهم عنه ، ثم انّ المؤمنين برسالته كانوا يسألونه عن أدنى شبهة، وفي القرآن المجيد وردت الآيات في مثل ذلك كثيرة تحكي طبيعة ما كان يسألونه عنه، فقد
وردت يَسْأَلُونَكَ في خمسة عشر موضعاً .
فكيف يقرأ عليهم دائماً ما فيه الخبر بانشقاق القمر ، ولا يسأله عن ذلك مؤمن ولا کافر ولا منافق، وقد ندّد القرآن بهم حين استنكروا ما جاء في القرآن عن عيسى بن مريم علیه السلام فقال تعالى: وَمَا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَفَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (1)
فلو لم يكن انشقاق القمر معلوماً ومعروفاً عندهم لعظم في إنكاره القيل و القال، وكثر الإعتراض السؤال، وصار في ذلك من المراء والجدال، ما لا يخفى على أدنى الرجال، و لم يذكر في ذلك شيء، بل كان السامعون يسمعون و لا ينكرون، فعُلِمَ أنّ انشقاق القمر كان معلوماً عند الناس عامة، فلم ينكروا وقوعه على نحو تصديقهم لما ورد في باقي آيات السورة من حكاية آيات النبوة للأنبياء السابقين وتكذيب أممهم فقال تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ . ثم أخبر تعالى أنّه أبقى السفن آية على قدرة الرب، و على ما جرى لنوح مع قومه ثم قال : فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ لمن كذّب، وكذلك ذكر قصة عاد وثمود ولوط وغيرهم، وهو تعالى يقول عقب كل قصة : فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ .
وهو تهديد وتوعيد لكل من كذّب الرسل، فتبيّن بذلك صدق ما أخبر به الرسل من الإنذار، و ذكر قصة آل فرعون في السورة من الآية 41 حتى الآية 45 وما جرى لهم و حل بهم، فهل يعقل مع ذلك البيان الوافي الشافي من ال الأنبياء السابقين في آياتهم مع أممهم، أن تكون آية انشقاق القمر غير حادثة، ثم يقرأها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم على أمته في الجمعة والأعياد، وهم لا يعترضون ولا يسألون عنها ؟ إنّه كلامٌ هراء والتصديق به غباء .
1) الزخرف: 57 - 58 .
إنّ التقنيات الحديثة في موضوع الشبكات الفضائية والانترنيت ووسائل الاتصال، والأقمار الصناعية، هي على ما فيها من معلومات قيّمة علمية، فكرية وحضارية، فهي أيضاً لا تخلو أحياناً من أضرار تودّي بعقيدة الساذج إلى البلبلة و الضياع، وقد تبلغ به الحال إلى مرحلة الشك، وشبكات الانترنيت وغيرها سلاح ذو حدّين، بوسع الإنسان أن يستعمله في الأغراض المحلّلة فينتفع به، وإن هو أساء استعماله فيما يأثم به فعليه وزره و ساء عملاً .
ولما كانت معجزة انشقاق القمر التي عقدنا لها الباب وذكرنا ما أحسب فيه الكفاية لمن ألقى السمع و هو شهيد، فقد آمن بها المؤمنون منذ يوم حدوثها وحتى اليوم الحاضر، غير أنّ أصحاب الإيمان المستودع الذين يميلون مع كل ريح، وينعقون مع كل ناعق، استغواهم ما نشر على صفحة الانترنيت بعنوان (دراسة عقلانية موضوعية الخرافة انشقاق القمر) كما ستأتي الصورة بحذافيرها لغرض الردّ عليها في تذييل الخاتمة، أما الآن فإلى الخاتمة لنقرأ فيها ماذا عن تلك المعجزة في العلم الحديث ؟
خاتمة ماذا عن هذه المعجزة في العلم الحديث ؟
الصورة:
الصورة:
الصورة:
الصورة:
الصورة:
الصورة:
الصورة:
الصورة:
الصورة:
الصورة:
الصورة:
الصورة:
الصورة:
الصورة:
الصورة:
الصورة:
الصورة:
الصورة:
الصورة:
الصورة:
في الرد على رومانوس الحمصي في تكذيبه آية انشقاق القمر، دراسة على الانترنيت:
لقد بذل المبشرون المسيحيون - و هم دعاة الاستعمار - جُهداً بالغاً في دراسة الإسلام في محيطيه الفكري بفروعه المتعددة الجوانب والأنحاء، والاجتماعي بجوانبه المترامية الأطراف، وجاسوا خلال الديار، فانتهى بهم تعمّقهم إلى تبيّن ظاهرة خطيرة عامة، ستكون لها نتائج يقينية حاسمة في المستقبل، سواء القريب منه والبعيد، وذلك مفهوم ليُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ .
وهذا ما حمل بعض ذوي الضمائر الحية منهم فآمن به و هم القلّة النادرة، واختار فريق الحياد، ولم يمنعه ذلك من إبداء إعجابه بالإسلام و نبيه وقرآنه، ومن هؤلاء كارليل الذي يقول:
إنّ القرآن الكريم كتاب لا ريب فيه، وإن الإحساسات الصادقة الشريفة والنيات الكريمة تظهر لي فضل القرآن، الفضل هو أول وآخر فضل وجد في كتاب نتجت عنه جميع الفضائل على اختلافها، بل هو الكتاب الذي يقال عنه في الختام، وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ ، لكثرة ما فيه من الفضائل المتعددة (1)
ومن هؤلاء أيضاً ألكس لوازون الذي يقول:
خلف محمد للعالم كتاباً هو آية البلاغة وسجل الأخلاق، وهو كتاب مقدس، وليس بين المسائل العلمية المكتشفة حديثاً أو المكتشفات الحديثة مسألة تتعارض مع الاُسس
1) الإسلام روح المدنية: 37
الإسلامية، فالانسجام تام بين تعاليم القرآن و القوانين الطبيعية(1)
ومن هؤلاء وليم موير الذي يقول:
جميع حجج القرآن طبيعية ودالة على عناية الله بالبشر(2)
إلى غير هؤلاء ممّن يطول المقام بذكرهم، غير أنّي تعويضاً عن استيفائهم أذكر ما جاء في دائرة المعارف البريطانية ج/8: «إنّ لغة القرآن لها من الأهمية بمكان خطير تجد فيه أحسن اللهج--ات العربية وأفصحها، و إنّ ما يخصّه من الفصاحة والبلاغة والأسلوب البديع والتعبير العجيب، لأكبر عامل لبقائه وخلوده، ويجب أن يقال فيما يحتوي من الأحكام العقلية انّها منزّهة عن الخرافات، جديرة بالتحسين، قابلة للقبول والإذعان، و لم يهتم يقظ بصير، بمطالعته إلا كان له الحظ الوفير من القوانين اللازمة في الحياة، وكانت السعادة لا تفارقه مدى العمر»(3).
وإلى جانب من ذكرت كانت صليبية حاقدة تنفث سمومها على الإسلام و نبيه وقرآنه، كما شنّت حروباً على المسلمين فغزت ديارهم ودمرت آثارهم، و بدأ التعاون بين الكنيسة والحكومات، واشتد الحال منذ عهد نابليون بونابرت في حملته على مصر، و سمّوا ذلك العهد عهد النهضة، واستغفلوا ناشئة المسلمين عمّا يراد بهم باسم الثقافة العصرية، والعلوم الإنسانية، والقيم الحضارية إلى ما هنالك من مفردات لم تكن من قبل كالديمقراطية والتقدمية، فاجتذبوا الكثير دون أن يتنبهوا إلى ما في ذلك من خطر على هوياتهم الإسلامية الحقيقية، فأضاعوا الفرص و اجتاحهم عواصف الالحاد و التشكيك،
وشذّرتهم فرقاً و أحزاباً في مدارسهم الفكرية، وأنظمتهم الإجتماعية.
فكان من الطبيعي أن تنشط البعثات التبشيرية بنشاطها المحموم، و تنفث في أبواقها أنواع السموم، من شعارات برّاقة وثقافة مدجّنة باسم حرية الرأي في العقيدة والكلمة والسلوك، وفيها مكمن الخطر حيث إساءة الاستعمال، فكان التفسّخ الخلقي و الإنحلال، و من ينكر المردود السيء للبرامج الخلاعية والتمثيليات العاهرة، و كتب الجنس الصارخة، فكانت الكارثة في إشاعة الفحشاء بين الجيل الناشئ على حد قول الشاعر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى *** فصادف قلياً خالياً فتمكّنا
وهذا بعض أساليب الغزو الصليبي الذي ما برح يستخدم كل ما وسعه من
امكانات ثقافية وعقلية ونفسية في السياسة والاقتصاد والاجتماع فضلاً عن العسكرية، وقد نجح في توجيه الضربات الماحقة والمتلاحقة إلى المسلمين، ومن الحماقة أن يعزى ذلك كله إلى سبب جهل المسلمين وغفلتهم عمّا يُراد بهم، لا ليس الأمر كله كذلك، ولكن بسبب ضعف الإيمان في نفوسهم و حبّهم الحياة و كراهة الموت كما قال صلی الله علیه و آله و سلم حيث تنبأ لهم بذلك منذ خمسة عشر قرناً حيث قال:
ويل للعرب من شر قد اقترب من فتنة عُمياً صُمّا بكما » (1).
وعن ثوبان مولى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : «يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة على قصعتها، قال: قلنا: يا رسول الله أمن قلة بنا يومئذ ؟ قال : أنتم يومئذ كثير ، ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل، ينتزع المهابة من قلوب أعدائكم ويجعل في قلوبكم الوهن، قال قلنا: و ما الوهن ؟ قال: حبّ الحياة
1) راموز الأحاديث: 461 ط الاستانة سنة 1275ه--
وكراهية الموت» (1).
و قال صلی الله علیه و آله و سلم: «يكون في آخر الزمان اُمراء ظلمة، و وزراء فسقة، و قضاة خونة، و فقهاء کذبة، فمن أدركهم فلا يكوننّ لهم عرّيفاً، و لا جابياً، ولا خازناً، ولا شرطياً »(2)
و ازدادت الحملات الصليبية على المسلمين حتى إذا دبّت الصحوة فيهم أعلنت الحرب عليهم من جديد باسم الإرهاب، و انقادت الأغنام الأغتام لنعيق الصليبية، فصار المسلمون يقتل بعضهم بعضاً، و لا أريد أن أستعرض المآسي و العنف الديني و الطائفي الذي شوّه صفحات التاريخ الإنساني و منه تاريخ المسلمين، فقد تناولته المؤلفات الكثيرة بالعرض والدرس والفحص والتمحيص، و كثر النقاش حولها، و ضاقت الصحف، وزاد
الطين بلّة ما تطّلع به الفضائيات الكثيرة وشبكات الانترنيت التي أضحت في متناول كل من يريدها، ويتجاوب مع ما فيها، دون تمحيص، لما فيها من دسّ رخيص.
وهذا الحال هو السبب الذي دعاني إلى الحديث عنها، لأنّ العالم الإسلامي قد انزلق راضياً أو كارها - إلى المنحدر الرهيب، من دون محاسب أو رقيب .
ومن بعض تلكم السيئات التي أثارت حفيظة صديق رأى على شبكة الانترنيت عنوان: دراسة عقلانية موضوعية الخرافة انشقاق القمر ...
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انشَقَّ الْقَمَرُ
من أين أتى محمد بهذه الآية ؟؟
قال امرؤ القيس بن حجر الحارث الكندي الشاعر الجاهلي:
اقتربت الساعة وانشقّ القمر *** من غزال صاد قلبي و نفر
راجع فيض القدير شرح الجامع الصغير .
فثارت ثائرته وأتاني طالباً منّي أن أعطيه ما كتبته عن معجزة شقّ القمر، لينشره هو أيضاً على نفس الموقع، فهدأت من روعه و قلت له: لا تفزع ولا تجزع، ولا تحزن وقد صدق الله تعالى العليّ العظيم حيث يقول: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهُ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرِ(1). و قال تعالى : وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ هُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(2).
وقال تعالى: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ تُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ(3)
إنّ صاحب المقال الآنف الذكر، بالرغم من صورته الإنشائية، لكنه ظاهر منه الحنق البغيض المغيض ، وهو الذي وصلت به القحّة إلى التجاسر على النبي صلی الله علیه و آله و سلم، وهذا يكشف
عن استمرارية الصليبية في حربها على الإسلام والمسلمين بشتى وسائلها المتاحة، بدءاً من
أساطيلها التي تمخر عباب البحار، إلى طائراتها التي تشق الفضاء بزئيرها وتدك الديار إلى باقي أسلحة الدمار، ثم لم تغفل عن وسائل الإعلام و الدعاية مقروءة ومسموعة و مرئية، ومنها على شبكات الانترنيت ما يكفي لتدمير البيت وأهل البيت .
إنّها الصليبية لن تنتهي وستبقى كذلك صليبية إلى الأبد، إلى أن يأذن الله سبحانه فينزل عيسى علیه السلام و يصلّي خلف إمام هذه الأمة الإمام المهدي عج الموعود، فإذا رآه أهل الصليب آمن به من آمن : وَإِن مَّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ(1)
ألم يقل اللورد اللنبي في صراحة ووقاحة حين استولى على بيت المقدس في الحرب العالمية الأولى «الآن انتهت الحروب الصليبية»، ألم يقل فيشر - كبير مؤرخي انجلترا في القرن العشرين - معلقاً على الغاء الخلافة العثمانية:
«انّ آخر مظهر من مظاهر الحروب الصليبية قد انتهى بتوقيع معاهدة لوزان سنة 1923، ومن ذلك الوقت اختفى من الوجود العالم الإسلامي كحقيقة تاريخية، وحلّت محله سياسة اقليمية تسمى بمصر وسوريا ولبنان وفلسطين والسودان والجزائر ومراكش وتركيا ... الخ، وتخضع كل من هذه الوحدات السياسية لنفوذ دولة أوربية»(2).
ولم تمض فترة حتى صرخ غلادستون رئيس وزراء بريطانيا في عهد فكتوريا وقد أمسك بيده القذرة المصحف الشريف وقال لأعضاء مجلس العموم البريطاني: ما دام هذا الكتاب بين أيدي المصريين فلن يقر لنا قرار في تلك البلاد .
وما لنا نذهب بعيداً و بالأمس القريب كانت فتنة القناة المستقلة، و هي لا شك
عندي في أنّها كانت مستغلّة، وقد ألقحت الفتنة الطائفية بين المسلمين لصالح الكافرين من اليهود وأصحاب الصليب، فكانت تلك اللعبة في أن تبارى فيها أصحاب الذقون ممّن يُعرفون و لا يعرفون، وجميعهم لا يعرفون على مَ يهرفون ويعزفون (ماذا يراد بهم وأين يسار، والليل داج والطريق عثار)
فتطاعنوا وتطاحنوا، بما لم يجدي المسلمين شيئا في حياتهم، سوى الإلهاء بالمهاترات، وأنّى يجديهم البحث بإدانة السلف وقد شاب على ضلالتهم الخلف، لكنها الفتنة العمياء التي قال عنها صلی الله علیه و آله و سلم :
«كأنكم براكب قد أتاكم فينزل بكم فيقول الأرض أرضنا، و المصر مصرنا، و إنما أنتم عبيدنا ! وأجراؤنا، فحال بين الأرامل و اليتامى و ما أفاء الله على إمامهم»(1).
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد جاء الراكب من شذّاذ الآفاق و مردة أهل الكتاب، ونزلوا بنا في فلسطين و قالوا الأرض أرضنا و المصر مصرنا، و طردوا أهلها فشردوهم في البلدان ومن بقي منهم فهم أذلاء أجراء كالعبيد.
فلعن الله من أتى بهم ومن دعاهم إلى اقتناص الفرصة واغتنام العرصة، ألم يقل نابليون بونابرت في نداء موجّه ليهود العالم: (أيها الاسرائيليون: انهضوا فهذه هي اللحظة المناسبة) (2)فلنقرأ ما كتبه قال: (وفي سبيل تحقيق أغراضه لم يتردد نابليون أمام الموانع و الذرائع، فعند غزو مصر كان ادعاؤه أنّه الصديق الصدوق لخليفة المسلمين العثماني، الحريص على تثبيت سلطانه المهدد من المماليك في الداخل، و الملوك المسيحيين في الخارج
ووصل نابليون إلى حد ادعاء الإسلام إيماناً، كما قال: بصدق وصفاء تعاليمه .
وعندما بدأ نابليون زحفه من مصر إلى الشام داخلاً من فلسطين، توقفت جيوشه عند أسوار القدس و عكا و يافا، وغيرها من حصون المسلمين، و هنا أزاح نابليون ورقته الإسلامية وأخرج ورقة ثانية يهودية !
إن ورقة نابليون الإسلامية - وهي منشورة إلى المصريين عن صداقته للخليفة وعن اعتناقه للإسلام - كانت جاهزة مطبوعة من قبل أن تقلع الحملة الفرنسية من موانيها، وأما ورقة نابليون اليهودية فليس واضحاً متى بدأ التفكير فيها والإعداد لها، ومن المحتمل أنّ نابليون رتب لها قبل مغادرته لفرنسا، و لم يشأ أن يعلن عنها كي لا تؤثّر على ورقته الإسلامية، لكنه من المحقق أنّ بعض علماء الحملة الفرنسية بدءوا مبكراً في الإتصال ببعض حاخامات اليهود في فلسطين، مثل موسى موردخاي وجاكوب الجازي وربما غيرهما .
وكانت ورقة نابليون اليهودية، التي أظهرها أمام أسوار القدس، نداء إلى يهود العالم لم يوزع في فلسطين وحدها، وإنّما جرى توزيعه في الوقت نفسه في فرنسا، وإيطاليا، والإمارات الألمانية، وحتى في أسبانيا، الأمر الذي يشير إلى أنّ القضية أكبر وأوسع من ظرف محلي واجهه نابليون حينما استعصت عليه أسوار القدس .
كان نداء نابليون إلى يهود العالم على النحو التالي:
«من نابليون بونابرت القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسية في أفريقيا وآسيا إلى ورثة فلسطين الشرعيين .
أيها الإسرائيليون، أيها الشعب الفريد، الذي لم تستطع قوى الفتح والطغيان أن
تسلبه نسبه ووجوده القومي، وإن كانت قد سلبته أرض الأجداد فقط .
إن مراقبي مصائر الشعوب الواعين المحايدين - وإن لم تكن لهم مقدرة الأنبياء مثل
اشعياء ويوئيل - قد أدركوا ما تنبأ به هؤلاء بإيمانهم الرفيع أنّ عبيد الله (كلمة إسرائيل في اللغة العبرية تعني أسير الله أو عبد الله) سيعودون إلى صهيون وهم ينشدون، و سوف تعمّهم السعادة حين يستعيدون مملكتهم دون خوف .
انهضوا بقوة أيها المشرّدون في التيه، إنّ أمامكم حرباً مهولة يخوضها شعبكم بعد أن اعتبرأعداؤه انّ أرضه التي ورثها عن الأجداد غنيمة تقسم بينهم حسب أهوائهم ... لابدّ من نسيان ذلك العار الذي أوقعكم تحت نير العبودية، وذلك الخزي الذي شل إرادتكم لألفي سنة، إنّ الظروف لم تكن تسمح بإعلان مطالبكم أو التعبير عنها، بل أنّ هذه الظروف أرغمتكم بالقسر على التخلّي عن حقكم، ولهذا فإن فرنسا تقدم لكم يدها الآن حاملة إرث إسرائيل، و هي تفعل ذلك في هذا الوقت بالذات، وبالرغم من شواهد اليأس والعجز .
إنّ الجيش الذي أرسلتني العناية الإلهية به، ويمشي بالنصر أمامه و بالعدل وراءه، قد اختار القدس مقراً لقيادته، و خلال بضعة أيام سينتقل إلى دمشق المجاورة التي استهانت طويلاً بمدينة داود وأذلتها .
يا ورثة فلسطين الشرعيين ...
إنّ الأمة الفرنسية التي لا تتأجر بالرجال و الأوطان كما فعل غيرها، تدعوكم إلى إرثكم بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء .
انهضوا وأظهروا أنّ قوة الطغاة القاهرة لم تخمد شجاعة أحفاد هؤلاء الأبطال الذين كان تحالفهم الأخوي شرفاً لأسبرطة و روما، و أنّ معاملة العبيد التي طالت ألفي سنة لم تفلح في قتل هذه الشجاعة.
سارعوا إنّ هذه هي اللحظة المناسبة - التي قد لا تتكرّر لآلاف السنين - للمطالبة
باستعادة حقوقكم و مكانتكم بين شعوب العالم، تلك الحقوق التي سلبت منكم لآلاف السنين و هي وجودكم السياسي كأمة بين الأمم، و حقكم الطبيعي المطلق في عبادة إلهكم يهواه، طبقاً لعقيدتكم، و افعلوا ذلك في العلن و افعلوه إلى الأبد».
إن ورقة نابليون بونابرت الإسلامية كانت حيلة سهلة لخداع المصريين، سواء في ذلك العامة أو العلماء من مشايخ الأزهر .
ولابد من الاعتراف - لسوء الحظ - انّ الخدعة جازت على المصريين في ذلك الوقت بمن فيهم العامة والعلماء، وربما يغفر لهم جميعاً أن ضيقهم بجور الحكام المماليك جعلهم على استعداد لحلف مع الشيطان إذا كان ذلك ضرورياً للخلاص من أولئك الذين استبدوا بأقدارهم وأرزاقهم، وعجزوا في نفس الوقت عن حماية ديار الإسلام وديارهم .
ولقد جاء الشيطان إليهم يلبس عمامة، و صدقوه لأنّهم كانوا يريدون تصديقه، ولأنه لم يكن في مقدورهم ألا يصدقوه .
وعلى أي حال، فإنّ ورقة نابليون الإسلامية توقفت عند هذا الحد، ولم تبق منها إلا أوراق وذكريات، بعضها غريب و بعضها مسل، تحفل بها ملفات وزارة البحرية في باريس التي حفظت فيها معظم وثائق الحملة الفرنسية على مصر، و هي ترسم صورة مدهشة للسياسة و للحياة في مصر، بينما العالم ينتقل من القرن الثامن عشر إلى القرن التاسع عشر(1)
كان يترصد السفن الفرنسية المتسللة عائدة إلى مارسيليا محاولة اختراق طوق الحصار البحري . ولعل الخطأ الذي وقع فيه كثيرون بين الباحثين والدارسين، أنهم اتجهوا إلى الخزائن التي كان طبيعياً أن تودع فيها أوراق الحملة الفرنسية، وهي وزارة الخارجية أو وزارة الحربية أو وزارة المستعمرات . ثم خطر ببال أحد الأساتذة المصريين المدققين، وهو الدكتور أحمد حسين الصاوي، أن يلقي نظرة على محفوظات وزارة البحرية الفرنسية، وإذا الكنز معظمه موجود في خزائنها . وقد حاول الرجل أن يستلفت نظر بعض الجهات الرسمية إلى مساعدته في توثيق فترة من أهم فترات التاريخ المصري، ولم يستمع إليه أحد . ثم تكفلت جهود خاصة بمهمة الدعم وتمويل البحث والتصوير ، وبذل الدكتور الصاوي جهداً ممتازاً، وأمكن في النهاية الحصول على أكثر من عشرين ألف وثيقة من وثائق الحملة الفرنسية على مصر تلقى أضواءاً كاشفة على الاستراتيجيات للقوى الإمبراطورية في تلك الفترة، وكذلك على حياة مصر في لحظة من لحظات الانتقال الهائلة في التاريخ .
،1) كانت هناك باستمرار عملية بحث عن وثائق الحملة الفرنسية على مصر، والحقب طويلة بدا وكأن هذا الكنز التاريخي قد ضاع واندثر، وكان الظن أنه ربما غرق هذا الكنز عندما كانت الصناديق التي تضم أوراقه محمولة على ظهر مركب فرنسي من المراكب التي تسللت عائدة إلى فرنسا بعد فشل الحملة الفرنسية على مصر. وساعد على ترجيح هذا الاحتمال أن الأسطول البريطاني، بقيادة الأميرال نلسون
وكلها خليط مثير فيه رؤى استراتيجية بخط نابليون، كما أنّ ضمنها قصائد شعر غزل مكشوف كتبه عدد من الشيوخ غراماً و صبابة في بعض ضباط نابليون وعيونهم الزرق وشعرهم الذهب !
لكن ورقة نابليون اليهودية هي الوثيقة التي تستحق الإهتمام في السياق التاريخي، لأنها الأثر الإستراتيجي الباقي في المنطقة من تلك الأيام وحتى نهاية القرن العشرين و بداية القرن الواحد والعشرين .
إن نابليون بونابرت لم يكن يهودياً و لا كان موالياً لليهود، و العكس هو الصحيح، لكن ورقته اليهودية - المتمثلة في ندائه ليهود العالم من خارج أسوار القدس - لم تكن أكذوبة كما هو الحال في ورقته الإسلامية، ذلك أنّ ورقته الإسلامية كانت موجهة إلى كتلة بشرية من سكان مصر، عددهم في ذلك الوقت يفوق المليونين، وفي استطاعتهم إذا قاوموا أن يجعلوا مصر مصيدة الجيوشه وليس رأس جسر ، و هو لهذا مستعد لخديعتهم بأن يكذب عليهم .
وأما ورقته اليهودية فهي حالة مختلفة، لأنّ اليهود في فلسطين ذلك الوقت لم يزد عددهم على ألفين، و بالتحديد و طبقاً لتقرير مرفوع إلى نابليون نفسه من مجموعة ضباط استكشاف سبقت جيشه إلى فلسطين، هو 1800 ، منهم 135 في مدينة القدس، و هؤلاء ليس في مقدورهم - مهما فعلوا لا أن ينصروه و لا أن يخذلوه، و هكذا فإنّ ورقة نابليون اليهودية تحتاج إلى تفسير آخرغير التفسير الذي يجوزحيال ورقته الإسلامية .
وإذا لم تكن ورقة نابليون اليهودية أكذوبة، و إذا لم تكن خدعة سياسية مثل ورقته الإسلامية، فماذا تكون إذن ؟
إن التفسير الصحيح - والحوادث اللاحقة شاهد - هو أنّ هذه الورقة كانت رؤية .
و هي لم تكن رؤية نبي، و إنما كانت رؤية إمبراطور يملك حساً استراتيجياً نابهاً و بعيداً .
لوحة مرسومة للمحفل اليهودي الأكبر (سنهدرين) الذي رأسه الإمبراطور نابليون بعد عودته من حملة مصر وإعلان نفسه إمبراطوراً لفرنسا، وقد طرح فيه نابليون مرّة أخرى مشروعه لدولة يهودية في قلب الضلع الذي يضم مصر و سوريا.
واللوحة مرسومة سنة 1807 أي سنة انعقاد المحفل، و من الواضح أنّ الفنان الذي رسمها نقلها عن سكتش مسودة أعده أثناء افتتاح المؤتمر، ثم عاد إلى مرسمه واستكمل تفاصيلها .
ويظهر من المعلومات المتعلقة بهذه اللوحة أنّها بيعت بعد انتهاء عصر نابليون، ثم ظهرت في بعض المجموعات الخاصة، و سنة 1860 كانت هذه اللوحة ضمن مجموعة رأسمالي يهودي هو إسرائيل سولومون من اُسرة سولومون المشهورة وقد سمح ابنه بنشرها، وظهرت مطبوعة لأول مرة سنة 1871.
«تحدثت إليه عن آلام اليهود فلم يسمعني ، وحدثته عن مصالح بريطانيا فترك كأس البراندي الذي كان في يده ولمعت عيناه وبدأ يسمعني».
«اللورد شافتسبري في وصف حديث له مع بالمرستون رئيس وزراء بريطانيا».
كان نابليون بونابرت يعتقد بدراسة الجغرافيا والتاريخ أنّ مصر هي أهم بلد في العالم، وقد أصبح مؤمناً، بعد دراسته للاستراتيجيات الإمبراطورية بأنّ الإعتقاد الذي توصل إليه بشأن أهمية مصر حقيقة لا تقبل الشك، وقد كرر التعبير عن هذا الإعتقاد والإيمان كثيراً في تقاريره و مذكراته و أحاديثه، حتى تلك التي أجراها في المنفى و هو بعيد في جزيرة سانت هيلانة معزول بمحيطات و بحار عن السياسة وعن الحرب وعن الدنيا بأسرها .
كان الموقع المصري في تقديره فريداً:
*معبر مطل على البحر الأبيض النافذ من جبل طارق إلى الأطلنطي متناهيا إلى العالم الجديد في أمريكا، ثم هو مطل على البحر الأحمر الذي يمكن وصله بالبحر الأبيض
في أحلامه والذي يتدفّق بمياهه جنوباً حتى يدخل إلى بحر العرب عند عدن، ويمتد إلى المحيط الهندي ثم إلى المحيط الهادي.
*ثم هو بلد مستقر قرب رأس أفريقيا مستند في الوقت نفسه على كتف آسيا .
*وأخيراً، فإنّه موقع حاكم على طرق التوسع الإمبراطوري خصوصاً إلى الهند وما حولها وما وراءها، وبالتالي فالحصول عليه مقدمة ضرورية لأيّ قوة تريد أن تتصدّى لبريطانيا، وتريد أن تتحدّى سيطرتها على التجارة و على البحار .
لكن نابليون لم يكن ينظر إلى مصر وحدها، و إنّما كان يراها في اتصال غير قابل للانفصال مع السهل السوري الذي يشكل معها زاوية قائمة تحيط بالشاطيء الشرقي الجنوبي للبحر الأبيض، و هذه الزاوية القائمة بضلعها الجنوبي في مصر تمد تأثيرها بالعرض إلى كل الساحل الشمالي لأفريقيا، وبالطول إلى الجنوب حتى منابع النيل، ثم إنّها بضلعها الشمالي في سوريا تلامس حدود بلاد ما بين النهرين (العراق) و شبه الجزيرة العربية و الخليج، وحتى طرق الإقتراب البري والبحري إلى فارس والهند .
وهكذا فإنّ نابليون - شأنه شأن من سبقوه من الفاتحين - لم يكد يستقر في مصر حتى راح يمد بصره إلى سوريا، و حتى تكون الزاوية الجنوبية لشرق البحر الأبيض تحت سيطرته بالكامل، وكان ذلك بالضبط ما فعله فراعنة مصر ، وأباطرة الإغريق، و قياصرة الرومان، وأكاسرة الفرس، و هو نفسه ما قام به الخلفاء المسلمون في أعقاب عصر النبوة، ثم تواصل بعدهم بأمراء المؤمنين من الأمويين والعباسيين، ثم حفظ دروسه فيها بعد كل حاكم تولّى أمر مصر ابتداء من أحمد بن طولون و صلاح الدين و حتى ممالك مصر العظام من أمثال
الظاهر بيبرس وقلاوون .
أي أنّه وعلى طول العصور كان لابدّ أن تكتمل الزاوية الجنوبية الشرقية للبحر الأبيض، لتدخل في إطار سياسي واحد يجعل كل ضلع منها تأمين للضلع الثاني .. ضرورة جغرافياً وعبرة تاريخ !
لكن المعضلة في ظن نابليون أنّ سوريا قريبة بأكثر ممّا ينبغي من مقر الخلافة في تركيا، وقد يكون ممكناً في يوم من الأيام - طبقاً لتقديراته - أن تتصدّى دولة الخلافة لمشروعه و تقاتله في ولايتها السورية، و تجد في ذلك عوناً من إمبراطوريات أخرى منافسة له، كالإمبراطورية البريطانية
إضافة إلى ذلك فإنّ نابليون - مع اعتقاده ويقينه بأهمية الزاوية التي لا بديل عنها - كان يخشى إلى جانب الخطر الخارجي من أنّ الإسلام و العروبة في كل من مصر وسوريا - ضلعي الزاوية - يقدران في يوم من الأيام - كما حدث من قبل خلال الحروب الصليبية - على صنع قوة ذاتية تتشجع على الانفلات من ،قبضته، و قد تواجهه بما لا يتحسب له أو يريده !
وكان ملفتاً أنّه على امتداد التاريخ، كان كل من ضلعي الزاوية الاستراتيجية الحيوية في حالة بحث مستمر عن الآخر بصرف النظر عن متغيرات الظروف، وأوصاف العصور وصراعاتها فرعونية أو رومانية، بيزنطية أو إسلامية، صليبية أو استعمارية !
ومن هذه الحقائق الجغرافية والتاريخية تبلورت الرؤية الاستراتيجية ل-- (نابليون بونابرت) وتجلّت من خلالها الورقة اليهودية.
وبذلك فإنّ أحلام نابليون في غزو العالم تبدت في أول خطوة لها على النحو التالي:
1 - عليه أن يسيطر على الضلع الجنوبي لزاوية البحر الأبيض الشرقية - وهو مصر -
وقد نزلت جيوشه إليها .
2 - وعليه أن يؤمن سوريا لتكون زاوية جنوب شرق البحر الأبيض تحت سلطته، وهو الآن يزحف عليها .
3- و لكي يضمن عدم التقاء الضلعين عربياً و إسلامياً، فإنّه يزرع عند نقطة التقائهما، أي عند مركز الزاوية، شيئاً آخر لا هو عربي و لا هو إسلامي، لكن هذا الزرع لا يمكن خلقه من العدم، وإنما يحتاج خلقه إلى بذور حتى وإن كانت من جينات حفريات الأنثروبولوجيا بحيث يمكن غرسها في التربة، فإذا جرى ريها و أورق بعضها، فحينئذٍ قد يصعب التمييز بين الأصيل والدخيل، وبين الطبيعي و الهج--ين .
و هكذا تجيء ورقة نابليون اليهودية تصوراً للمستقبل و رؤية - ربما لا تتحقق بسرعة- لكنها قابلة للتحقيق في مستقبل الأيام .. و بها فقد ينشأ وطن يهودي يكون ضماناً إضافياً إذا أمكن، ويكون عازلاً إذا اقتضت الضرورات ! و في صياغتها فإن صاحبها استخدم الإمبراطورية و دروس التاريخ و أساطير الأديان القديمة و حوّلها إلى استراتيجية، و الثابت أنّ نابليون لم يتخلّ عن تقديراته الاستراتيجية حتى بعد أن اضطر إلى التسلل ليلاً من مصر و العودة إلى فرنسا، و راح يواصل من باريس صراعه للسيطرة على أوروبا، إلى حيث تحمله جياده و تصل مرامی مدافعه !
وعندما أصبح نابليون إمبراطوراً لفرنسا، فإن مصر كانت لا تزال في حساباته أهم بلد في العالم، و كانت فكرة الوطن اليهودي العازل بعدها مستولية عليه، و هكذا فإنّه دعا سنة 1807 إلى عقد مجمع يهودي سانهردان يحضره كل يهود أوروبا ممثلين في رؤساء طوائفهم، إلى جانب مشاهير حاخاماتهم، ليلم شمل الأمة اليهودية على حد قوله، ثم كان ملفتاً أن يكون القرار الذي يحمل رقم 3 من قرارات المجمع، قراراً يتحدث بالنص عن:
ضرورة إيقاظ وعي اليهود إلى حاجتهم للتدريب العسكري لكي يتمكنوا من أداء واجبهم المقدس الذي يحتاج إليه دينهم .
ولعل ذلك هو الذي أوحى إلى مفكر سياسي شهير مثل دو لاجار بأن يكتب كتابه اللافت للنظر : نابليون والعسكرية اليهودية ! أه-- .
أرأيت إنّها ل-- (صليبية إلى الأبد)(1)أرأيت ولا يزال (الإسلام في قفص الاتهام)(2)أرأيت كيف و (الغارة على العالم الإسلامي) (3)في كل يوم أرأيت يا أخي إنّها أسماء ثلاثة كتب لمؤلفين مسلمين، فإن اختلفوا زماناً و مكاناً، و تفاوتوا ثقافة وإيماناً، فإنهم اتفقوا مع آخرين أمثالهم في الدفاع عن الإسلام لكثرة دسائس (التبشير والاستعمار) (4)والتي لا يزال النشاط المحموم لأبناء الصليب يكيل السُباب والتهم لنبي الإسلام ظلماً وعدوانا .
وبالرغم من ظهور كلمة الحق وباعتناق الكثير للإسلام، فما زالت الحرب قائمة وما دعاني إلى هذا إلا حنق الصليبيين المتزايد على الإسلام و المسلمين، فكلما انتشرت كلمة الإسلام في الأرض كلما ازداد الكفرة عناداً، و تصاعدت حملاتهم الدعائية باختراع الأكاذيب، و تلفيق الدعاوى، و تزييف التاريخ و تناولوا شخصية الرسول الكريم بما لا يليق، بدءاً من أقوال البابا في روما، و مروراً بالصور الكاريكتورية في الصحف و انتهاءاً بشبكات الانترنيت و سائر القنوات الفضائيات.
و ما هذا إلا دليل إفلاس أُولئك الناس، و خواء نفوسهم حتى من تعاليم السيد
المسيح علیه السلام القائل للحواريين بالسلام والمحبة، بينما هم تعاووا على غزوهم البلاد الإسلامية بأسلحة الدمار الشامل، و شنهم الحروب الصليبية من جديد كما قال بوش، وبمساعدة العاصي من حكّام المسلمين.
و إنّها لبلية ما مثلها بلية، و انها لرزية ما فوقها رزّية، و لقد بليت الأمة الإسلامية برعاة لا يصلحون لرعية الإبل فضلاً عن تسنم المواقع القيادية، وهؤلاء هم عار الأمة، وفي غفلة من الوعي الإسلامي استطاعوا أن يكونوا عليهم حكاماً و للكفار خدّاما.
ولقد صدق الله تعالى عليهم لعنته بقوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (1).
وقال تعالى : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا * أَمْ هُمْ نَصِيبٌ مِنْ المُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (2)
ولا أُريد الإبتعاد عن حقيقة ما في العنوان الذي ذكرته، و انها لصليبية إلى الأبد .
و إلى القارئ صورة ما نشره رومانس الحمصي في موقعه .
عزيزي المسلم هذا الموقع ليس للتهج--م على الإسلام، ولكن هو فقط لعرض الحقيقة المغيبة عنك من قبل شيوخ الضلال وبدون عمليات تجميل، و إن كنت في شك مما تقرأ فارجع إلى كتبك وتأكد بنفسك .
وسيتم بعون رب المجد إضافة المزيد و الجديد دائما بواسطة خادم الكلمة ابن الرب
المعروف على البالتولك باسم
alfadi - mahaba أو 777 - ROMANOS
دراسة عقلانية موضوعية لخرافة إنشقاق القمر
اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ
القمر 1
من أين أتى محمد بهذه الآية ؟؟
قال امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي الشاعر الجاهلي
الساعة وانشقّ القمر *** من غزال صاد قلبي و نفر
راجع فيض القدير شرح الجامع الصغير
قد لا يعلم الجميع بأنّ ترتيب السور في القرآن ليس هو نفس ترتيب السور بحسب النزول.
الفاتحة هي أول سورة في القرآن بحسب الترتيب المصحفي، ولكن هذا لا يعني بأنّها أول سورة نزلت على محمد .
وهكذا ..
مثلا: أرى في بداية سورة القمر الآتي:
(54) سورة القمر (مكية إلّا الآية 45 ،فمدنية، و آيتها خمس وخمسون آية) نزلت بعد سورة الطارق فالرقم (54) يرمز إلى ترتيبها (بحسب التسلسل المصحفي)، وهذا لا يعني أنّها السورة رقم 54 بحسب نزولها على محمد .
وكلمة (مكية إلا الآية 45 فمدنية) تعنى أنّ كل آيات هذه السورة قد أنزلت بمكة
ما عدا الآية رقم 45 و كلمة ( نزلت بعد سورة الطارق) تعني أنّ سورة القمر نزلت بعد
سورة الطارق بحسب تسلسل النزول .
سُورَة يُونُس :
(مكية إلّا الآيات 40 و 94 و 95 و 96 فمدنية، وآياتها 109 او 110 نزلت بعد الإسراء ) .
يعني أنّ ترتيب سورة يونس في المصحف 10 .
کل آياتها نزلت بمكة إلا الآيات 40 و 94 و 95 و 96 فمدنية نزلت بعد سورة الإسراء.
أما ترتيبها بحسب تسلسل النزول هو 51 من أصل 114 سورة، يعني بعد نزول 51 سورة على محمد .
ماذا تقول سورة يونس عن معجزات محمد:
وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ الله فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ المنتظرين. (1) (إذاً بعد سورة القمر ب-- 14 سورة طلبوا أهل مكة) تفسير الجلالين (من محمد أن يأتيهم بآية لو كانوا رأوا انشقاق القمر أو حدث هذا الإنشقاق بالفعل لما طلبوا آية أو على الأقل كان القرآن رد عليهم وقال أما رأيتم انشقاق القمر والله أعلم).
سُورة الأنعام:
(مكية إلّا الآيات: 20 و 91 و 93 و 114 و 141 و 151 و 152 و 153 فمدنية وآياتها 165 ).
يعني أن ترتيب سورة الأنعام في المصحف 6
1) يونس: 20 .
کل آياتها نزلت بمكة إلا الآيات: 20 و 23 و 19 و 93 و 114 و 141 و 151 و 152 و 153 فمدنية نزلت بعد سورة الحجر .
أما ترتيبها بحسب تسلسل النزول هو 55 من أصل 114 سورة .
يعني بعد نزول 55 سورة على محمد .
ماذا تقول سورة الأنعام عن معجزات محمد:
وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُون(1) إذاً بعد سورة القمر ب-- 18 سورة طلبوا كفار مكة تفسير الجلالين من محمد أن يأتيهم بآية لو كانوا رأوا كفار مكة انشقاق القمر أو حدث هذا الإنشقاق بالفعل لما طلبوا آية أو على الأقل كان القرآن رد عليهم وقال أما رأيتم انشقاق القمر والله أعلم .
سورة الأنبياء:
(مكية وهي مائة واثنتا عشرة آية نزلت بعد سورة إبراهيم) .
يعني أنّ ترتيب سورة الأنبياء في المصحف 21 .
كل آياتها نزلت بمكة .
نزلت بعد سورة إبراهيم .
أما ترتيبها بحسب تسلسل النزول هو 73 من أصل 114 سورة .
يعني بعد نزول 73 سورة على محمد .
ماذا تقول سورة الأنبياء عن معجزات حمد
1) الأنعام: 37 .
بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلْ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ(1) إذاً بعد سورة القمر ب-- 26 سورة طلبوا من محمد أن يأتيهم بآية لو كانوا رأوا
انشقاق القمر أو حدث هذا الإنشقاق بالفعل لما طلبوا آية أو على الأقل كان القران رد عليهم و قال أما رأيتم انشقاق القمر والله أعلم .
سورة العنكبوت:
(مكية إلّا من آية 1 لغاية 11 فمدنية، وآياتها تسع وستون نزلت بعد الروم) . يعني أن ترتيب سورة العنكبوت في المصحف 29 .
كل آياتها نزلت بمكة إلّا من آية 1 لغاية 11 فمدنية، نزلت بعد سورة الروم .
أما ترتيبها بحسب تسلسل النزول هو 85 من أصل 114 سورة .
يعني بعد نزول 85 سورة على محمد .
ماذا تقول سورة العنكبوت عن معجزات محمد.
وَ قَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللهَ وَ إِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) إذا بعد سورة القمر ب-- 48 سورة طلبوا كفار مكة من محمد أن يأتيهم بآية لو كانوا رأوا كفّار مكة انشقاق القمر ، أو حدث هذا الإنشقاق بالفعل لما طلبوا آية أو على الأقل كان القرآن رد عليهم وقال أما رأيتم انشقاق القمر والله اعلم .
وهناك عشرات الآيات بعد سورة القمر طلبوا من محمد آية ولم يرد عليهم القرآن على الأقل أما رأيتم انشقاق القمر.
ماذا يقول العلم عن انشقاق القمر ؟
يبلغ قطر القمر حوالي 3480 كيلومتراً أي ربع قطر الأرض تقريباً، كما أنّ حجم القمر يوازي واحداً على خمسين من حجم الأرض تقريباً، و تزيد كتلة الأرض على كتلة القمر بحوالي 81 مرّة، لذا فإنّ معدل كثافة القمر يبلغ ثلاثة أخماس كثافة الأرض، ويبلغ معدل الجاذبية على سطح القمر سدس الجاذبية الأرضية .
من الصور السابقة يتضح لنا أنّ القمر لم ينشق ودائرته كاملة، و ليس هناك أي علامة تذكر أو أثر لأي انشقاق و التحام للقمر.
فعلى سطح القمر نرى أثار النيازك التي ضربته في الماضي وتركت علاماتها غائرة على سطحه بشكل واضح للعين البشرية، فأين هو أثر انشقاق القمر والتحامه يا مسلمين، ألم يكن وجود هذا الأثر دليل على صحة معجزة محمد لو أنها حقاً حدث ؟ وأما عدم وجوده فيؤكد أنّ القصة خرافية من أولها لآخرها.
للمزيد راجع الخارطة التفصيلية لسطح القمر 3 ميغا بايت
Click to view high resolution file
ترقبوا المزيد
صلوا لأجل ضعفي
+++
بشفاعة أبينا البار رومانوس الحمصي المرتل وبشفاعات جميع القديسين أيها
الرب يسوع المسيح إلهنا ارحمنا وخلصنا آمين
صفحات من كتاب صليبية إلى الأبد لعبد الفتاح مقصود:
وكأنّما الليلة المباركة التي أسرى الله فيها بنبيه الكريم، رسول الإسلام و السلام، قد زادت البطل العظيم (1)صفاء على صفاء، و أريحية إلى أريحية، فإذا به يرفق بالمسيحيين الذين لم يرفق بهم بنو قومهم، و أخوتهم في الدين، وبطريقهم الكبير..
وفى البطل المنتصر لدينه وسجاياه فسار في عدوه الباغي المقهور سيرة من يحرص على أن يرعى كرامة الانسانية في أي إنسان، كيفما كان هذا الإنسان وأينما كان ..
لم يجز السيئة بمثلها، بل كان عادة يجزيها بالصفح و أحياناً بالإحسان ..
لم يلجأ إلى العنف حيث كان أعداؤه يوغلون في الوحشية، و لا إلى القصاص
كانت متعتهم التنكيل بالمسلمين..
لم يرفع شعار حلفاء الغرب القديم الجديد: (ويل للضعيف و ويل للمغلوب) !
انما انتهج-- إزاء أعدائه دائما سياسة المبالغة في الرفق و التسامح، سمواً بنفسه عن غل الأحقاد..
بغير فدية أطلق سراح الفقراء .
وأعفى أيضاً الأرامل و اليتامى و الشيوخ ..
وبعث النساء بأموالهنّ و أتباعهنّ، في رعاية جنده و حراستهم، معززات مكرمات إلى حيث شئن من مناطق الأمان ..
تكفل بالعجزة و المحتاجين، فأقام لهم الخيام، و وزع عليهم الطعام، و منحهم هبات من ماله الخاص، عصمة لهم أن يتكففوا المسلمين، و يعيشوا على مذلة السؤال..
و نقل على نفقته، و في حماية الراية الإسلامية، كافة مهاجري المدن المفتوحة الذين
1) هو صلاح الدين الأيوبي .
آثروا العودة إلى أوروبا، حيث مواطنهم الأصلية، بينما تنكر لهم إخوانهم في المسيح، فأبوا لجوءهم إلى الأمارات الصليبية، و نهبوا متاعهم، و ساموهم الهوان .. و بينما أغفل ربابنة السفن الأوروبية وشائج الدين و الدم و القومية، و رفضوا سفرهم على سفنهم إلا بالأجر المعلوم !
يشير المؤرخ شامب دور إلى هذه الوقائع فيقول:
هكذا هو مسلك العرب والمسلمين، إبان الحرب و بعد الانتصار، إزاء الصليبيين موقف إنساني كريم ..
ويذكر جيبون متحدثاً عن تسامح دين الله :
السلام الذي ساد بين المسلمين والمسيحيين.. إنّما كان مؤسساً على تسامح الإسلام.
وينقل ترتون أنّ أحد قدامى بطاركة المسيحية، في صدر الدولة الإسلامية، منذ أكثر من ألف وثلثمائة عام، قال:
العرب الذين مكّنهم الله من السيطرة على العالم، ليسوا بأعداء للنصرانية بل
يمتدحونها، و يوقرون قديسينا و قسيسينا، و يبذلون المعونات للأديرة و الكنائس
ويقول الأسقف رولان:
كثيرون من المسيحيين كانوا يرون أنّ الإسلام تتمة طبيعية للمسيحية .. ومحمد إذ جاء، إنّما بعث بالقرآن مكملاً للتوراة والإنجيل ..
غير أنّ هذا كله، فيما نرى، لم يكن الغرب ليؤمن به، إلا و هو في قبضة الضعف والهوان....
فأما إذا استأسد فلا!
وأما إذا عرف كيف يهز في يمينه السلاح، فإنّه يشنّها على الشرق العربي حملة إفناء ..
صليبية في ظل الصليب ..
وحضارية في ظل الشعارات ..
فالحياة حكر عليه ..
والموت لمن عداه ..
هكذا هناك يرون المسيحية، و يرون المدنية..
على نفس هذا النهج-- الديني و الحضاري، كان الغرب دائماً، طوال تاريخه يسير، و إلى الآن ما زال يسير ..
حتى في عصر العلم و المدنية و النور، في القرن العشرين، يمارس على العرب و الإسلام نفس سياسة الإبادة التي رسمها آباؤه الكنيسيون .
ولمن شاء أن ينكر هذه النظرة، فلديه ما حاق بالعرب و المسلمين بليبيا و مصر و سوريا و المغرب، على يد الغرب المسيحي وكبريات دولة: انجلترا و فرنسا و إيطاليا، قبيل عشرينات هذا القرن و بعدها إلى الآن، من مذابح و فظائع و ويلات ..
فلير - كمثال - ما أصاب الليبيين على يد الطليان ..
ولمن شاء أن يتساءل فليقل : أهذه شرعة المسيح ؟
وليستعر لسان حافظ إبراهيم، شاعر النيل، للاجابة على السؤال حين قال:
مثل
کبلوهم، قتلوهم، مثلوا ***بذوات الخدر، طاحوا باليتامى
ذبحوا الأشياخ والزمني و لم *** يرحموا طفلاً و لم يبقوا غلاماً
بارك المطران في أعمالهم *** فسلوه: بارك القوم على ما؟
أبهذا جاءهم إنجيلهم *** آمراً يلقي على الأرض سلاما
كشفوا عن نية الغرب لنا *** وجلوا عن (بصر) الشرق الظلاما
فقرأناها سطوراً من دم *** أقسمت تلتهم الشرق التهاما؟
نعم !...
لو كنا نبصر !
لو كنا نقرأ و كنا نفهم....
أقول تعقيباً على ما ذكره الأستاذ مقصود:
من يقرأ؟ و من يسمع ؟ و كل في ظلمات الردى سابحون و مرديات الهوى غارقون وما زال أبناء الصليب يسوموننا أشد العذاب في بلداننا .
في أفغانستان، في باكستان، في العراق، في الصومال، في الجزائر، في مصر، في اليمن، في الأردن، في فلسطين في، في...
متى نعي ؟ وندفع الضيم عن أنفسنا ***بطلقة معها ماء المخاض دم
القسم الثالث :
(1)
1249م
على نفس نهج-- الصليبيين، ظل الغرب يسير.
مبادئ الإنسانية لم تستطع أن تميل به عن هذا الطريق .
سماحة المسلمين لم تشفه من عماه .
الهزائم التي نالت منه، لم ترده إلى جادة الصواب .
حقده على الشرق العربي، فيما بدا، كان الهواء الّذي يتنفسه و يحفظ عليه الحياة ..
و ها هو ذا لويس التاسع، ملك فرنسا، الذي وقع في أسر المسلمين، أثناء إحدى
حروب الكراهية و التعصب، و أودعوه دار ابن لقمان، لا يكاد يتحرّر من أسره، حتى يعد عدته لقهر الشرق العربي بأسلوب جديد..
فالرجل لا تعوزه الوسائل .
والخطة التي يفكر في انتهاجها تنيله غرضه، و هو آمن في بلاده، بعيداً عن الميدان ..
تقضي على أعدائه (الكفّار ) ! دون أن تعرضه لأخطار ..
كان أبناء الغرب يعلّقون عليه الآمال ..
كانوا ينظرون إليه كرجل دين، قبل نظرتهم إليه كعاهل دولة، و قائد قتال..
فهو (مؤمن) ! بمسيحيته، شديد الإيمان ..
و هو لورعه و تقواه غلب عليه لقب (القديس) ..
وهو بذخره (الروحي) ! خليق بأن يسير في شوط عدائه للمسلمين إلى غاية مداه .. و الروحانية، بلا ريب، أقوى سلاح، في مجال هذا الصراع ..
ونشط لويس ..
ودبر فأجاد التدبير..
بذهن صليبي (مغلق)، وبعين صليبية (عمياء) فكر و نظر في الأمور ..
ماذا عليه لو أنّه حارب المسلمين بجيوش سواه ؟..
بأعتى جيوش، و أقسى سلاح ؟..
بقوة من لا يعرفون الله ؟..
ماذا عليه، ليبلغ غرضه، لو أنّه فتح القمقم، و كسر سد يأجوج و مأجوج، و أطلق
المارد الوثني من عقاله ليجتاح الشرق العربي، و يسحق الإسلام؟
ماذا عليه لو أنّه حالف الشيطان !
وحالف التتار ..
و شهد تاريخ الحقبة ذلك (القديس) المسيحي المؤمن بدين سماوي، يحالف الوثنية لتمحق الدين السماوي الشقيق: الإسلام دون أن يأبه فتيلا بما تفرضه عليه رابطة الأخوة في (الله)..
وبعث (القديس) وفداً من كرادلته - أم ترى من زبانيته ! - ومعهم تحف ثمينة، وهدايا مقدسة إلى (هولاكو) بمنغوليا يخطب وده و يحرضه على غزو الشرق الاسلامي، والقضاء على من فيه و ما فيه .
و استعان في تنفيذ سياسته هذه ببعض بؤر مسيحية في بلاط طاغية المغول، ذات سلطان وتأثير .. كان منها الأميرة (دوكس خاتون) زوجة هولاكو، وكتبوكا قائده الأكبر، و داود و مرقص، و غيرهما من مستشاريه النسطوريين ..
وكان لابدّ أن يثمر هذا التحريض ..
فالدعوة إلى الدم تجذب مصاصي الدماء ..
وهولاكو، كان سيد السفاحين ..
وعندما لبى حفيد (جنكيز خان) دعوة القديس، وخرج من مملكته النائية القابعة في جوف آسيا، أخذ يمشي على الأرض الإسلامية، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، بجيوشه الهمجية كتنين هائل يزدرد كل ما يلقاه ..
كإعصار مجنون .
كطوفان عذاب ..
فقد راح يكتسح ما في طريقه من الإنسان، ومن حضارة الإنسان ..
يدك المدن و الحصون .
يسحق تراث الفكر .
يقتل البشر، حتى الرضع على أثداء الأمهات ..
يحيل الحياة إلى موت، و العمران إلى خراب ..
(2)
1258م
في بغداد وحدها، زهرة مدائن عالم ذلك الزمان، هولاكو يذبح الخليفة العباسی، ومستشاريه، و قضاته، و أهل بيته
حتى لأوشك المسلمون - بعد انحسار هذا البلاء - ألا يجدوا و ريثاً له من ذويه یوسدونه سدة الخلافة ..
و يأمر بالمدينة فتنهب، ثم تدمر، ثم تسلم للنيران حتى يفني السواد الأعظم من السكان .. مئات الألوف ..
في حلب .. يلتهم التنين المغولي حياة خمسين ألفاً من المسلمين ..
وفي حماه ..
وفي دمشق ..
وفي كل مكان حل به، كان يخوض في دم، و يمشي على جماجم، و لا يجلو إلا عن دمار وحريق وهلاك
وكان دائماً يحرص الحرص كله على سلامة أبناء دين زوجته المسيحية (دوكس خاتون) وحليفه التقي لويس ..
وعانى الشرق العربي الإسلامي من هذه المحنة القاصمة ما لم يعان مثله قبل هذه الأيام..
عايش الهول عشر سنوات ..
كان بين شقي رحى طاحنة، بقسوتها وحدتها، خليقة بأن تعصر دمه، و تعجن لحمه، و تدق عظمه لتقضى عليه بشراً و ديناً و حضارة ..
رحى بربرية يديرها الحقد و التعصب: شقها الأول صليبية الغرب في اليسار، وشقها الثاني صليبية المغول في اليمين..
فهما الاثنتان صليبيتان، و إن اختلف الجنس عن الجنس، و اختلف الدين عن الدين..
(دي ميسنيل) الأسقف المسيحي الذي كان من كبار رجال التبشير يصف حملة
هولاكو هذه فيقول:
كانت الحملة المغولية ضد الإسلام والعرب حملة صليبية حقيقية بالمعنى الكامل لهذا الوصف، حملة مسيحية! نسطورية.. تعلق بها أمل الغرب في القضاء على خصومه العرب و المسلمين.
وهللت (شعوب) الغرب لهذا الذي نزل بشعوب الشرق، طوال تلك السنوات، على يد التنين !
تابعت بالفرح خطواته و هو ينشر الهلاك .
ترنمت تشدو بأغنيات انتصاره ..
رقصت طرباً كأنّما على نغم أزيز الحرائق، و هدير التدمير، ودوي الإنهيار.
و نخب ما أصاب العرب و المسلمين من مذابح هولاكو، سكرت شماتة حتى الثمالة، وكان بودها لو ملأت بالدماء المسفوكة كؤوس الأنخاب !
ثم جلست، في طمأنينة و ثقة، تنتظر بالشوق لحظة الخلاص التي تحيك خيوطها وحشية حليفها الطاغية سفاح التاريخ !
هكذا كان موقف إنسان الغرب من إنسان الشرق، بدءاً و نهاية .. قولاً و عملاً، فكراً وعقيدة...
إنّه تعصب جموح .. لا يعرف العدل، و لا يعمل العقل .. عنصرية عمياء تتنكر
للأنسانية ..
أنانية جشعة لا تؤمن بأخوة البشرية ..
إنّها أيضاً مسيحية (غربية ) ! هي - بخطتها و مسلكها - مسيحية (غريبة) عن المسيحية الحقيقية ..
تخالف ما دعا إليه المسيح من سماحة و محبة و سلام ..
تحالف الشيطان على سحق الإسلام .
تتبع للوثنية ضد عقيدة سماوية .
تنصر أعداء الله على الله !
إنه تجسيد حي الجهالة الفكر ، و انطماس القلب، و عتمة الروح .
صورة كاملة للظلام !
الباب الثالث فی ردّ الشمس
في ردّ الشمس و فيه أربعة فصول:
الفصل الأول: ماذا عن ردّ الشمس إمكاناً ؟
الفصل الثاني: ماذا عن ردّها وقوعاً في الأمم السالفة ؟
الفصل الثالث: من هم الأوصياء الثلاثة الذين ردّت لهم الشمس؟
الفصل الرابع: في ردّ الشمس للإمام أمير المؤمنين علیه السلام مرتين:
المرة الأولى مكاناً و زماناً بالصهباء من أرض خيبر في العهد النبوي الشريف
صلی الله علیه و آله و سلم و نبحث المسائل التالية:
المسألة الأولى: من روى ذلك الحديث من الصحابة .
المسألة الثانية: هل أن ابن عباس روى حديث ردّ الشمس.
المسألة الثالثة: تلوّن أبي هريرة في روايته حديث ردّ الشمس .
المسألة الرابعة: مَن هم نفاة الحديث ؟ و ماذا قالوه ؟
المسألة الخامسة: تصحيح الحديث لدى المحدّثين .
المسألة السادسة: المؤلّفون في إثبات الحديث .
المسألة السابعة: مصادر الحديث في التراث الإسلامي، السنّي و الشيعي .
المسألة الثامنة : أهازيج الشعراء منذ القرون الأولى .
المرة الثانية مكاناً و زماناً ببابل بعد العهد النبوي الشريف و نبحث المسائل
التالية:
المسألة الأولى: في أسماء العلماء الذين ذكروها.
المسألة الثانية: زيغ البخاري في الجامع الصحيح عن التصريح مع ذكره
الحديث بالتلميح .
المسألة الثالثة: مسجد الشمس في بابل - الحلة - معلَمٌ قائم خالد و شاهد .
المسألة الرابعة: في شواهد شعرية لهذه المرة.
المسألة الخامسة : في نواصب (يريدون ليطفئوا نور الله).
الخاتمة: في المطارفة الأدبية بين العالِمَين العَلمين الشيعي والسني حول معجزة ردّ الشمس، وإخبات الثاني بالصحة و إذعانه للأول .
لقد قرأنا فيما سبق حول معجزة إنشقاق القمر، و أنّها ثابتة كما هو ظاهر القرآن المجيد، وأنه يجب الإعتقاد بصحّتها من حيث وجوب تصديق القرآن فيما أخبر به، و إن كان رواة نقل المعجزة زماناً و مكاناً و هيئة كانوا آحاداً كما يراه بعضهم، و لا ضير، فحسبنا القرآن الكريم شاهداً على ذلك.
وقد ادّعي مثل ذلك في معجزة ردّ الشمس أيضاً، مع أنّها آية ثابتة من طريق الخبر، ويمكن اثبات وقوعها بآي من القرآن المجيد كما في قصة ردّها على سليمان بن داود علیهما السلام ، كما سيأتي بيان ذلك موثقاً .
فالآيتان انشقاق القمر وردّ الشمس كلتاهما من سنخ واحد، ولذلك قرن بينهما غير واحد من العلماء في مقام الإستدلال على وقوعها، وقد مرّ بنا ما قاله القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه (تنزيه القرآن عن المطاعن) ولا ضير من إعادته في المقام للاستذكار، فقد قال: مسألة: وربما قيل كيف يصح قوله : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ ولو كان قد انشقّ القمر على الحقيقة لنقل ذلك نقلاً ظاهراً - إلى أن قال :
لكن الصحيح ما قاله مشايخنا من أنّه في أيام رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم انشقّ القمر و هو ظاهر القرآن، فإذا كان قد انشق بالمدينة أو بمكة و في سائر الأماكن غيوم
تحجب عن رؤية ذلك، وكان أهل ذلك البلد في غفلة عنه إلّا طبقة مخصوصة، فليس من
الواجب نقل ذلك بالتواتر، بل يجوز أن ينقله الآحاد ، وقد نقل ابن مسعود وغيره هذا .
كما نقل ردّ الشمس في أيام الرسول صلى الله عليه (وآله) وسلم فلم يجب في نقله الظهور، لأنّ ذلك ظهر آخر النهار لقوم مخصوصين (1)أه--.
و كذلك الحافظ ابن شهر آشوب قال في كتابه مناقب آل أبي طالب:
فأما طعن الملاحدة أنّ ذلك - ردّ الشمس - يبطل الحساب والحركات، فيجاب: بأنّ الله تعالى ردّها و ردّ معها الفلك فلا يختلف الحساب و الحركات، أو نقول: يردّها ثم يحدث فيها من السير ما يظهر و تلحق بموضعها و لا يظهر على الفلك.
وذلك مبنيّ على حدوث العالم و إثبات المحدث .
وأما اعتراض ابن فورك في كتاب الفصول من تعليق الأصول: أنّه لو كان ذلك صحيحاً لرأه جميع الناس في جميع الأقطار، فالانفصال منه بما اُجيب عنه من اعترض على انشقاق القمر للنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم (2)أ ه-- .
أقول و لعلّ أبا جعفر أحمد بن أبي زاهر الأشعري كتب كتابه باسم (أحاديث الشمس والقمر ) (3)جمع فيه ما ورد في هذا المضمار ، ثم انّ من ذكرت ممّن قرن أو قارن بين آيتي شقّ القمر وردّ الشمس لم يكن ذلك منه اعتباطاً ، بل لأنّه رأى أنّ كلاً منهما آية دالّة على معجزة للنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وكرامة للإمام علیه السلام ، و هما من سنخ واحد في خرق السنن الطبيعية فجمع بينهما، خصوصاً و قد أفصح عنهما الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود بقوله: انشقاق القمر
لرسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ، و ردّ الشمس لعلي بن أبي طالب، لأنّ كل فضل أعطى الله لنبيه صلى الله عليه (وآله) و سلم أعطى مثله لوليه إلّا النبوّة، وقيل: هذا خاتم النبيين وهذا خاتم الوصيين (1).
فلا مانع إذن عقلاً من حدوث شقّ القمر أو ردّ الشمس عند حدوث الدواعي من إظهار معجزة أو إعلان كرامة، ما دام كلٌ هو آية كسائر الآيات الرّبانية في الكون، قال سبحانه وتعالى: وَكَأَيِّن من آية في السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَ هُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (2)
وما دامت مسألة ردّ الشمس كمسألة شقّ القمر في خرق ناموس الطبيعة، فما هو وجه الاستنكار؟
أو لم ينزّل سبحانه في معجزة شقّ القمر قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة، وسمّيت السورة
التي فيها نزل قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ بسورة القمر .
كما أنزل سبحانه سورة سمّيت بسورة الشمس و هي سورة وَالشَّمْس وَضُحَاهَا وإن كانت الأولى نصاً في الإعجاز وليست الثانية كذلك، لكننا كمسلمين نؤمن بصحة ما في القرآن العظيم ؟
أولم نؤمن بقدرة الله سبحانه الذي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى أَلاَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (3).
أولم نؤمن بكرامة الرسول صلى الله عليه (وآله) و سلم على ربه فيحدِث له وعلى يديه المعجز عند طلبه؟
فيكون المقصود من إتيانه إظهاره لجمع خاص، نحو تسبيح الحصى، وحنين الجذع، ومجيء الشجرة، وجريان الماء من بين أصابعه، وإشباع الكثير من الطعام القليل ونحو ذلك، ممّا هو فيه خرق للعادة المألوفة.
والآن لماذا لا يكون المقصود من ردّ الشمس أو حبسها هو تحقيق الغرض الذي ردّت أو حبست من أجله، كالإنتصار من الأعداء كما في قصة يوشع علیه السلام ، أو أداء صلاة العصر في وقتها كما في ردّها لسليمان علیه السلام ، أو للإمام علیّ علیه السلام ، ولا يلزم من ذلك أن يطّلع عليه جميع الناس، بل يكفي أن يطلع عليه جَمع مَن حضر.
فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (1). وما بالنا نذهب بعيداً في تقريب إمكانية حدوث ردّ الشمس أو شقّ القمر، و هما معجزتان؟ أليس المعجزة إنّما هي خرق للعادة و المألوف رداً على التحدّي أو إظهاراً لكرامة مقصودة من دون تحدٍ ؟
ولنرجع بالإنسان المشكّك إلى التبصّر والتفكّر في هذه الأرض التي نعيش عليها جميعاً، أليس نرى جميعاً بالبداهة أنّها ساكنة مطمئنّة، ولا نحس لها أيّ حركة ؟ أليس هذا هو الرأي السائد و المحسوس البدهي ؟ أليس الرأي الديني والعلمي قائم على إثبات حركة الأرض، فكشف للناس و عرفهم أنها تدور، و أنها متحركة ؟
ألم يكذب الإنسان البدهي بذلك، لأنّه كيف يؤمن وأنّى له يصدّق بنظرية الحركة والدوران، و هو واقف عليها لا يحسّ بحركتها و لا بدورانها ؟
1) التوبة : 124 .
ولندع الأرض وتشكيك الإنسان الجاهل بحركتها ودورانها، وهلمّ إلى الإنسان العالم الذي استطاع أن يبلغ بأسباب العلم إلى تحطيم الذرّة و هو يتحدث عنها بإيمان، هل استطاع أن يرى ذرة واحدة ؟ إنّه لم ير قط ذرة، إنما رأى آثارها.
وهلمّ إلى الإنسان الذي يتحدّث - بإيمان - عن الالكترون والبروتونات والنيوترونات والطاقة و غير ذلك ممّا أثبت العلم الحديث وجودها بآثارها، وأنّها حقائق علمية مذهلة، وأصبح الناس يؤمنون بها تبعاً لإيمان العالم بها حيث تحدّث عنها و كأنها بعضٌ منه، وهو يؤمن بها بأقصى ما يستطيع الحسّ الإنساني من إيمان، فهل رأى أحد أعيانها؟ وكيف له ذلك وهي ليست بمرئية، أم أنه آمن بها لأنّه رأى آثارها ؟
إذن ليس من العقل أنك لا تؤمن بالشيء لأنك لم تره، ألم نؤمن بوجود القارات التي بُعدت عنا ولم نرها ؟ ألم يؤمن بوجود سور الصين العظيم من لم يره ولم ير الصين كلها ؟ ألم يؤمن بوجود ناطحات السحاب في أميركا من لم يرها ولا أميركا ؟
ألم يؤمن بوجود ساعة (بك بن) من لم يرها وربما لم يعرف أين هي؟ و إنّما سمعها عبر الإذاعات لأنّ التوقيت العالمي صار عليها .
إذن فليس الإيمان بشيء يعني مشاهدته بالرؤية البصرية، على أنّ مجرد الرؤية البصرية قد لا تصيب الواقع، ولذلك يحترس العالم و العاقل من الخداع البصري، و بالتالي عن انخداع الأفهام.
هذه آية تأنيب للإنسان الذي يرى عجائب المخلوقات من الهباء الذي يملأ الفضاء وحتى عجائب السماء، ثم يصرّ مستكبراً وينكر قدرة الخالق البارئ المصوّر، و هو أجهل ما يكون بنفسه، فلا يعرف ما هي النفس و ما حقيقتها ؟ و من أين أتت؟ وإلى أين تذهب حين
يقبر في باطن الأرض، وأقصى ما لديه معرفة بها أنّه أدرك أنّه لا يدري، و قد عبّر عن ذلك ابن سيناه حين شعّت سیناه فقال:
هبطت إليك من المحل الأرفع *** ورقاء ذات تدلّل وتمنّع
فإنسان لا يعرف عن وجوده تكويناً، أنّى له الإحاطة بجميع وحدات الوجود خارجاً عنه، خصوصاً ما بَعُد عنه ولم يبلغه منتهى علمه «وكل ما وصل إليه العلماء هو التأكيد بأنه مهما تقدّمت العلوم، و مهما استحدثت وسائل البحث و أجهزة الكشف، فإنّ العلم لن
يصل إلى ذلك على سبيل القطع، فعدد النجوم و الكواكب أمر يستحيل على العلم أن يصل إلى حقيقته، لأنه فوق الإدراك، و أكثر ممّا يتخيّله أيّ عقل حتماً.
ففي كل مرّة يصل العلم عن طريق أجهزة أكثر دقة و أشد حساسية و أبعد رصداً إلى عدد جديد يفوق سابقه زيادة لم تكن متوقّعة، وما زال العلم يوالي أبحاثه في استحداث وسائل جديدة للرصد.
و يقول عن عدد النجوم حجة الفلك العالمي السير جيمس جينز في كتابه الكون الغامض:
ربما كان مجموع عدد النجوم التي في الكون قريباً من مجموع عدد حبيبات الرمل التي تغطي شواطئ البحار في العالم كله (1)
فإذا كان هذا هو الحال بالنسبة للنجوم، وهي شموس تبلغ درجة حرارتها عشرات الملايين من الدرجات التي يقيسها الإنسان بأجهزته، فكيف يكون الحال بالنسبة لعدد الكواكب إذا ما عرفنا أنّ شمسنا هي واحدة من هذه النجوم، و أرضنا أحد الكواكب
1) طريق إلى الله ، عبد الرزاق نوفل 15 مؤسسة الخانجي ط 1 .
التسعة التي تكوّن مجموعة الشمس و تدور حولها، فإذا كان كل نجم ليس له سوى تسعة کواکب كما للشمس فقط، فيا ترى كم يكون عدد الكواكب؟ وكم يكون عدد الكواكب و النجوم . (1)
الشمس نجم عادي جداً بين الملايين من النجوم المنتشرة في أنحاء الكون، ولا تتميز في الواقع عن غيرها إلا بقربها منّا، و فيما عدا ذلك فهي وسط في كل شيء - في حجمها
و كثافتها و درجة حرارتها - و معدل بعدها عنا 93 مليون ميل، وهي كتلة مشتعلة من الغاز قطرها 865380 ميلاً، أي أقل من مليون ميل، وهذا القطر يمكن أن تصطف فيه 109 كرة أرضية كالتي نعيش عليها، الواحدة بقرب الأخرى، أما من ناحية حجمها فإنّنا نحتاج إلى مليون كرة أرضية لكي نملأها(2).
تحدث كسوفات الشمس عادة أكثر من خسوفات القمر، لكنّها لا تحدث إلّا على قسم صغير جداً من الكرة الأرضية. ولهذا لا تتاح مشاهدتها إلّا لمن يكونون في تلك المنطقة، أو لمن سار إليها من الفلكيين قاصداً(3).
ولا أريد التوسّع في ذلك، و لنرجع إلى مدى معرفة الإنسان بالشمس، فإذا عنده عنها؟
إنّ كل تطوّر في وسائل الاستكشاف و البحث العلمي عن الشمس تكويناً و حجماً و بُعداً و طاقة، لم تكشف عن كل أسرارها التي ما زال الكثير منها في الخفاء، و ما زالت
نتائج الأبحاث موضع حدس و تخمين، مع أنّها التي منها مصدر نورنا و نارنا، ومحور نظامنا ومصدر حياتنا، و كل ما يكشف منها وعنها كأنّما يزيدها غموضاً .
فلقد قالوا عنها: إنّها لم تزل تفقد خمسة ملايين طناً من وزنها في الساعة من احتراقها، و قالوا: إنّها لم تزل تجدّد وزنها و حجمها، هذا ما قالوه، و لكن لم يقولوا لنا من أين؟ وكيف؟ ولماذا ؟
هذا عن عن شمسنا، التي أرضنا التي نعيش عليها من احدى توابعها، و هي واحدة من شموس أكبر منها تزخر السماء بملايين أضخم منها حجماً وأكثر سرعة و تألقاً، و مع ذلك تبقى شمسنا على حالها و سيرها تطالعنا كل يوم، تشرق عند قوم و تغيب عند آخرين وَالشَّمْسُ تَجْرِي مُسْتَقَرٌّ مَّا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.
فإذا حدث إعجاز في ايقاف حركتها في كبد السماء، أو إعادة سيرها إلى الوراء ومن دون أيّ اختلال في النظام الكوني للحياة، فإنّما ذلك هو منتهى الإعجاز لكونه غيرمألوف لنا، و لو كان ذلك مألوفاً لم يكن معجزة.
ولما كان حديث ردّ الشمس لمولانا الإمام أمير المؤمنين علیه السلام متشعّب الجوانب، وقد أشبعه بحثاً - قديماً و حديثاً - أكثر من عالم و كاتب، غير أنّ أصحاب النفوس المريضة ما زالوا ينقّون نقيق الضفادع و لا يعدمون مغتراً بهم، ومعتراً بفنائهم، من أغرار لم يستضيئوا بنور العلم، فرددوا كالببغاوات ما سمعوه، و لا عجب فإنّ لكل ساقطة لاقطة، فرأيت من الواجب علي أن أمتح بدلوي من فيض ما كتبه الأولون، و أمتار بما عندهم فإنّهم لا يزالوان لهم فضل السبق على المتأخّرين في بسط موائدهم، ونيل عوائدهم وفوائدهم .
وكان الشمس الصالحي الدمشقي المتوفي سنة 942 ه--(1)ممّن كتب في إثبات حديث ردّ الشمس رسالته (مزيل اللبس عن حديث ردّ الشمس) فاستعرت منه الاسم، كما استعنت بمنهج--ه في الرسم .
لما رأيته في منهج--ه القويم، وبيانه المستقيم، ومسلكه السليم، فقد سلك سبيلاً جدداً منتظماً سدّد به البحث في بحثه، و سدّ نوافذ الخصوم في حجته، على اختصار مفيد، و لم يكن عندي عليه من مزيد، سوى ما استجدّ لدي مما لم يذكره من ردّ الشمس للإمام علیه السلام ببابل، إذ لم يكن هو بذلك قائل، و لا أظنه بذلك جاهل، فأضفته موضحاً، و عن مأخذه مصرّحاً، فأنا في رسالتي هذه مدين لكل من استفدت منه لفضله، و الفرع مرتهن بأصله.
لقد تقدّم فيما سبق ما يتعلّق بردّ الشمس في مسألة شقّ القمر وإمكانية ذلك له ولزيادة الإيضاح نخصّ ردّ الشمس بمزيد من البيان، و ذلك فيما بحثه العلماء قديماً و حديثاً، و ما أجابوا به عمّا يطرحه المشكّكون من مجرد استبعاد، و قد أفاضوا في ذكر أدلّة إثبات الوقوع، و حيث انّ استعراض جميع ذلك يحتاج إلى مزيد من الوقت و إطالة في البحث، فسوف أكتفي بذكر بعض ذلك:
فمن نماذج ما قاله القدماء قول الشريف المرتضى قدس سرّه في أماليه عند شرحه بيت
1) ترجمه غير واحد من أصحاب التراجم والفهارس ، ولعل أو فى ترجمة له عند المتقدمين ما في شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي 8: 250 في وفيات سنة 942 ، وعند المتأخرين ما جاء في مقدمة كتابه (سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد) المعروف بالسيرة الشامية، وهو كتاب نفيس قال مؤلّفه فيه : اقتضبته من أكثر من ثلثمائة كتاب، ولم أذكر فيه شيئاً من الموضوعات أثبت ما فيه من الأبواب وهي نحو ألف باب طبع في بيروت دار الكتب العلمية، وقد استفدت منه في خصوص المقام حيث ذكر في الجزء التاسع من الطبعة الحديثة في الباب الثالث والباب الرابع حيث ذكر مسألتي انشقاق القمر وردّ الشمس
الحميري في ردّ الشمس فقال: فإن قيل : كيف يصح ردّ الشمس، و أصحاب الهيئة والفلك يقولون: إنّ ذلك محال لا تناله قدرة . وهبه كان جائزاً على مذاهب أهل الإسلام، أليس لو ردّت الشمس من وقت الغروب إلى وقت الزوال، لكان يجب أن يعلم أهل الشرق
والغرب بذلك، لأنها تبطئ في الطلوع على بعض البلاد، فيطول ليلهم على وجه خلاف
العادة، و يمتدّ من نهار قوم آخرين ما لم يكن ممتدّاً؟
و لا يجوز أن يخفى على أهل البلاد غروبُها ثم عودُها طالعة بعد الغروب، و كانت
الأخبار تنتشر بذلك، و يؤرّخ هذا الحادث العظيم في التواريخ، و يكون أبهر و أعظم من
الطوفان .
قلت: قد دلّت الدلالة الصحيحة الواضحة على أنّ الفلك، و ما فيه من شمس وقمر ونجوم غير متحرك لنفسه و لا بطبيعته على ما يهذي به القوم، و أنّ الله تعالى هو المحرك له،
والمتصرف باختياره فيه، وقد استقصينا الحجج على ذلك في كثير من كتبنا، وليس هذا
موضع ذكره .
فأما علم أهل الشرق والغرب والسهل و الجبل بذلك على ما مضى في السؤال فغيرواجب، لأنّا لا نحتاج إلى القول بأنها ردّت من وقت الغروب إلى وقت الزوال أو ما يقاربه
على ما مضى في السؤال .
بل نقول: إنّ وقت الفضل في صلاة العصر هو ما يلي بلا فصل زمان أداء المصلّي
فرض الظهر أربع ركعات عقيب الزوال، و كل زمان و إن قصر و قلّ يجاوز هذا الوقت، فذلك الفضل فائت به، و إذا ردّت الشمس له هذا القدر اليسير الذي نفرض أنّه مقدار ما يؤدي فيه ركعة واحدة، خفي على أهل الشرق و الغرب و لم يشعروا به، بل هو ممّا يجوز أن يخفى على من حضر الحال و شاهدها، إن لم ينعم النظر والتنقير عنها، فبطل السؤال على
جوابنا الثاني المبني على فوت الفضيلة.
فأما الجواب الآخر المبنيّ على أنها كانت فاتت بغروبها للعذر الذي ذكرناه، فالسؤال
أيضاً باطل عنه، لأنّه ليس بين مغيب جميع قرص الشمس في الزمان، و بين مغيب بعضها وظهور بعضها إلا زمان يسير قصير، يخفى فيه رجوع الشمس بعد مغيب جميع قرصها إلى ظهور بعضها على كل قريب وبعيد .
ولا يُفطَن إذا لم يُعرف سبب ذلك على وجه خارق للعادة، و من فطَن بأنّ ضوء الشمس غاب ثم عاد بعضه جوّز أن يكون ذلك بغيم أو حائل .
أقول : ومن الخير ذكر مقدمة كتبها إمام حافظ متقن - و هو الحافظ الكنجي الشافعي -
قبل ما يزيد على ثمانية قرون و نصف، صدّر بها هذا الحديث في تمام الباب المائة من مناقب الإمام أمير المؤمنين علیه السلام التي أوردها في كتابه (كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب)، فقال:
فصل: في الحديث المروي في ردّ الشمس بدعاء النبي صلی الله علیه و آله و سلم حتى صلّى علي بن أبي طالب علیه السلام العصر، نعتضد بالله و نقول : مُنكِر ذلك إما أن ينكره من حيث الإمكان، أو من حيث صحة النقل من عدالة الرواة .
أما القسم الأول: فإنّ المتكلم فيه أحد رجلين: إما مَن يُثبت الشرائع أو ينفيها، أما
نفاتها كالدهرية و الفلاسفة و المنجمين فلا كلام معهم، و أما مثبتوها فلا يتمكنون من ذلك، للحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه في حبس الشمس .
كما أخبرنا الإمام الحافظ عثمان، والحافظ محمد بن محمود - عُرف بابن النجار - ببغداد، قالا: أخبرنا أبو الحسن المؤيد بن محمد الطوسي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل، أخبرنا أبو محمد محمد بن عيسى، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد، أخبرنا أبو
الحسين مسلم بن الحجاج، قال: وحدّثنا أبو كريب محمد بن العلا، حدَّثنا ابن المبارك عن
معمر، وحدثنا محمد بن رافع - واللفظ له - قال : أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن
همام بن منبّه، قال: هذا ما حدّثنا به أبو هريرة عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فذكر أحاديث منها :
وقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : غزا نبيّ من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بُضع إمرأة و هو يريد يبني بها و لمّا يبين، و لا آخر قد بنى بنياناً و لمّا يرفع سقفها، ولا آخر قد اشترى غنماً أو خلفات وهو منتظر ولادها .
قال: فغزا فأدنى للقرية حين صلاة العصر أو قريباً من ذلك، فقال للشمس : أنتِ مأمورة و أنا مأمور ، اللهم احبسها عليَّ شيئاً، فحُبست عليه حتى فتح الله عليه، قال: فجمعوا ما غنموا، فأقبلت النار لتأكله، فأبت أن تطعمه، فقال: فيكم غلول، فليبايعني من كل قبيلة رجل فبايعوه فلصقت يد رجل بيده فقال : فيكم الغلول، فلتبايعني قبيلتك فبايعته، فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة فقال: أنتم غللتم . قال : فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب، قال: فوضعوه في المال و هو بالصعيد، فأقبلت النار فأكلته، فلم تحلّ الغنائم لأحد من قبلنا، ذلك بأنّ الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيّبها لنا.
قلت: هذا حديث متّفق على صحته، رواه البخاري في الغلول، و أخرجه مسلم في الجهاد
كما سقناه، ورواه أحمد بن حنبل في مسنده، وقال: إنّ الشمس حُبست ليوشع بن نون علیه السلام .
ورواه الطبراني في معجمه كذلك .
ولا يخلو إما أن يكون ذلك معجزة لموسى علیه السلام أو ليوشع علیه السلام ، فإن كان الموسى صلی الله علیه و آله و سلم فنبينا أفضل، وعلى علیه السلام أقرب إليه من يوشع إلى موسى، وإن كان معجزة ليوشع علیه السلام فإن كان نبيّاً فعليٌّ مثله، وإن لم يكن نبياً فعليّ أفضل منه، إذ قال النبي صلی الله علیه و آله و سلم: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل».
وفي لفظ آخر : «أنبياء بني إسرائيل»، وحذف الكاف لقوة المشابهة، والمعنى: أنبياء
بني إسرائيل دعاة إلى الله سبحانه بالوعظ والزجر و التحذير و الترغيب، وعلماء أمته صلی الله علیه و آله و سلم قائمون في هذا المقام، منخرطون في سلك هذا النظام ، و علی علیه السلام أولى الناس بهذا النص لقوله : أقضاكم علي .
وأما القسم الثاني: وهو الإنكار من حيث العدالة من نقل ذلك وذكره في كتابه، فقد
عدّه جماعة من العلماء في معجزاته صلی الله علیه و آله و سلم، ومنهم ابن سبع، ذكره في (شفاء الصدور)، وحكم بصحته .
ومنهم القاضي عيّاض، ذكره في (الشفا بتعريف حقوق المصطفى)، و حكى فيه عن
الطحاوي أنّه ذكر ذلك في (شرح مشكل الحديث)، قال: روي من طريقين صحيحين . وقال ابن خزيمة: كان أحمد بن صالح يقول : لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلّف عن حديث أسماء بنت عميس في ردّ الشمس، لأنه من علامات نبوة نبينا صلی الله علیه و آله و سلم و قد شفى الصدور الإمام الحافظ أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي الموصلي في جمع طرقه في كتاب مفرد، ورواه الحافظ أبو عبد الله الحاكم في تاريخه في ترجمة عبد الله بن حامد بن محمد بن ماهان الفقيه الواعظ المحدّث، و خرّجه عنه.
ثم ذكر الكنجي الحديث كما خرّجه الحاكم في تاريخ نيسابور في ترجمة عبد الله بن حامد بن محمد بن ماهان، ثم قال : وقد أملاه أبو منصور أحمد بن شعيب بن صالح النجاري ببغداد في جامع المنصور في ملأ من أهل الحديث .
ثم ذكر الحديث، و قال: قلت: هكذا رواه أبو الوقت في الجزء الأول من أحاديث الأمير أبي أحمد .
و ضعّفه بعض المتأخرين، و ذكره فيها جمعه من الموضوعات، و احتجّ على ضعفه بحجة
داحضة، و قال: فيه اضطراب و اختلاف في الروايات، و قال: لا يجوز رواية مثل هذا
النصّ، لأن فيه خرقاً للعادة.
و العجب ممّن يذكر مثل هذا في مصنفاته ولا يعلم أنّه مردود عليه .
أما قوله: فيه اضطراب و اختلاف، قلنا: حديث الشفاعة وحديث المعراج متفق على
صحتهما، وهما كذلك.
و أما قوله: فيه خرق للعادة، فدليل على عدم معرفته ما قدّمناه من حديث ردّ الشمس
ليوشع من المتفق عليه أيضاً .
وقال الحافظ أبو نعيم في كتاب تثبيت الإمامة و ترتيب الخلافة فإن احتج بأنّ عليا علیه السلام رُدّت عليه الشمس بعد أن غابت حتى صلاها لوقتها . قيل: لو كان ذلك لعليّ
كان لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أولى وأحرى ، فقد فاتته يوم الخندق الظهر والعصر و لم تُرَد عليه الشمس .
قلت - و القائل هو الحافظ الكنجي - : و لم يطعن فيه من جهة النقل، قلنا : الرسول صلی الله علیه و آله و سلم الله مشرِّع ، فلو لم تفته صلاة لاختلّ على الأمة أمر القضاء، فتفويته للصلاة تشريع في حق الأمة، ولا كذلك علیّ علیه السلام ، فافترقا .
وروي عن عامر بن واثلة أبي الطفيل، قال: كنت يوم الشورى على الباب، و علي يناشد عثمان وطلحة والزبير وسعداً وعبد الرحمن، يعدّ من فضائله منها ردّ الشمس ...
ثم ذكر تمام حديث المناشدة مسنداً، و منه قوله علیه السلام : أمنكم أحد رُدّت عليه الشمس
بعد غروبها حتى صلّى العصر غيري ؟ قالوا : لا .
ثم قال الحافظ الكنجي قلت: ولهذا الحديث حكاية عجيبة، حكاها جماعة من أهل التواريخ، أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود المعروف بابن النجار، أخبرنا أبو محمد
عبد العزيز بن الأخضر، قال: سمعت القاضي محمد بن عمر بن يوسف الأرموي يقول: جلس أبو منصور المظفر بن أردشير العبادي الواعظ بمدرسة التاجية بباب أبرز ببغداد بعد صلاة العصر، و ذكر حديث ردّ الشمس، و شرع في فضائل أهل البيت، فنشأت سحابة غطّت الشمس، حتى ظنّ الناس أنّها قد غابت، فقام أبو منصور على المنبر قائماً، وأومى إلى الشمس وارتجل
لا تَغْرُبي يا شمسُ حتى ينتهي *** مدْحي لآل المصطفى ولنجلِه
واثني عِنانَكِ إن أردتِ ثناءَهم *** أَنَسِيتِ إِذْ كانَ الوقوف لأجله
إنْ كانَ للمولى وقوفُكِ فليكن *** هذا الوقوفُ لخيله ولرَجْلِهِ
قال: فطلعت الشمس، فلا يُدرى ما رُمي عليه من الأموال في ذلك اليوم .
ثم ذكر أبياتاً في ردّ الشمس من قصيدة الصاحب بن عباد، و هي في ديوانه(1)، و سيأتي ذكرها .
أقول: فبعد ما تقدّم ذكره تبيّن أنّ حديث ردّ الشمس من الأحاديث الصحيحة الثابتة سنداً و متناً، و ما إنكاره إلّا كإنكار الأعمى لضوء الشمس.
قال الدكتور محمد الخالدي في كتابه الأصول الفكرية للثقافة الإسلامية: قال: جاء في كتاب (الإسلام مع الحياة) بعنوان (العلم الحديث و ردّ الشمس): جاء في قصص الأنبياء: انّ يوشع بن نون كان في معركة مع أعداء الله، وكادت الشمس تغرب قبل أن ينتهي القتال، فخشي أن يعجزوه إذا امتدّ القتال إلى اليوم التالي،
1) ديوان الصاحب بن عباد 114 - 119 .
فقال للشمس: أنتِ في طاعة الله وأنا في طاعة الله، فأسألكِ أن تقفي حتى ينتقم الله من أعدائه قبل الغروب، فاستجاب الله الدعاء و وقفت الشمس، و زيد النهار حتى تم النصر
ليوشع .
وقال الله تعالى : فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بَعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقِ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (1)قال المفسّرون: إنّ موسى علیه السلام ومن معه هربوا من فرعون خوف القتل، فلما انتهوا إلى البحر ولم يجدوا سبيلاً إلى ركوبه، أوحى الله إلى موسى أن يضرب البحر بعصاه، وحينما امتثل ما أمر الله به تجمّع الماء على الطرفين بعضه فوق بعض، حتى صار كالجبل، و خرج موسى وأنصاره وتبعهم فرعون وقومه في نفس الطريق، فأغرقهم الله، وكان البحر يبساً في طريق موسى، و ماء في طريق فرعون .
و كذّب الكافرون كلاً من المعجزتين أو الحادثتين .
أولاً : لأنّها خرق لقوانين الطبيعة .
ثانياً: لو صحّت لجاء ذكرها في غير الكتب الدينية، لأنّها من الأحداث العالمية العجيبة.
وقرأت في جريدة الجمهورية - المصرية - عدد 13 / 12 / 1957م:
إنّ كتاباً في علوم الطبيعة ظهر حديثاً، وقد أثار ضجّة كبرى في الأوساط العلمية، و لدى المؤرخين حيث أثبت بالأرقام المحسوسة واقعة انشقاق القمر، و وقوف الشمس في كبد السماء .
أما المؤلّف فهو عالم روسي من علماء الطبيعة اسمه إيمانوئيل فليكوفسكي، درس العلوم الطبيعية في جامعة أدنبورج، ودرس التاريخ والقانون والطب في جامعة موسكو، ودرس علم الأحياء في برلين وفي زيورخ، ودرس الطب النفسي في فينّا.
1) الشعراء: 63
ولقد خرج المؤلّف من أبحاثه التي استمرت أكثر من عشر سنوات إلى استنتاجات علميّة تؤيّد بدون قصد ما جاء في القرآن الكريم وسيرة الأنبياء علیهم السلام ، و قد رأيت أن أنقل
للقرّاء مقتطفات من الكتاب، كما ترجمتها ونشرتها جريدة الجمهورية القاهرية .
قالت الجريدة: يقول المؤلف: إن نيزكاً هائلاً مرّ إلى جوار الكرة الأرضية في عهد يوشع خليفة موسى علیه السلام ثم عادت الظاهرة إلى الوجود بعد ذلك بسبعمائة عام ... .
وهذه الظاهرة الكونية الهائلة التي تسيّرها قوى خارقة غير مرئية، تفسّر المعجزات التي جاء ذكرها في الكتب السماوية والتوراة والإنجيل والقرآن .
إن اقتراب كوكب أو نيزك كبير من الأرض يحدث ظواهر متعدّدة:
منها: إنّ دوران الأرض حول نفسها يقلّ أو يقف، حتى يخيّل إلى الناس أن الشمس قد وقفت في كبد السماء.
ومنها: انشقاق البحر وانعقاد أعمدة من الغمام في النهار والليل .
ولقد مرّ كوكب في عهد الفراعنة، فأمطر الأرض سيلاً أحمر طبع الأرض والنيل والبحر بلون الدم .
و هذا يؤيّد ما جاء في الآية الكريمة: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ (1)وقد تساقط هذا التراب الأحمر في جهات متفرّقة من الأرض .
إنّ المعجزة التي تخرق كل قوانين الفلك والطبيعة لا تصنعها سوى قدرة الخالق وحده،
لقد تمّت المعجزة حين هرب موسى من اضطهاد فرعون مصر ، فتابعه فرعون بجيوشه، ولكن انشق البحر فمرّ موسى و من معه بسلام، حتى إذا أتبعهم فرعون وجنوده عاد البحر إلى سيرته الأولى، فانطبق على المطاردين، وابتلع الرجال والفرسان، ولم ينج منهم أحد.
1) الأعراف: 133
ويقول المؤلف: أنّه في العهد الذي يقابل عهد موسى يقول المؤرخون الصينيون: إنّ الشمس آنذاك لم تغرب حتى لقد حرقت الغابات و ذاب الجليد .
و هكذا لبثت الأرض ساكنة، كأن قوة جبّارة قد صنعتها، و لا يعرف على وجه التحديد كم استمرّ وقوفها قبل أن تتابع دورانها حول نفسها مرة أُخرى .
ولكن هل تابعت الأرض دورانها في نفس الاتجاه؟ إنّ الأرض الآن تدور من الغرب
إلى الشرق، فهل كانت هكذا دائماً ؟ إذا رجعنا في الإجابة على هذا السؤال إلى الخرائط
القديمة، فإنّ الإجابة هي لا .
لأنّ الخرائط التي رسمها قدماء المصريين في سقف أحد المعابد تدلّ على أنّ الأرض كانت تدور قبل وقوفها من الشرق إلى الغرب وهذا ما أكّده أفلاطون في حواره عن السياسة حيث قال:
«إنّ الشمس من قبل كانت تغيب حيث نراها تشرق» و هذا يفسّر الآية الكريمة:
رَبُّ الْمُشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمُغْرِبَيْنِ (1) انتهى ما أردنا نقله من كتاب الأصول الفكرية للثقافة الإسلامية(2).
وبعد هذا الذي ذكرناه لم يبق مجال لتصوّر أيّ مانع عقليّ من حدوث آية ردّ الشمس بعد غروبها بزعم لزوم بطلان الحساب في الحركات الفلكية، فقد تبيّن أنه زعم باطل في نفسه، ما دام حدوث الآية - وكل آية - إنّما هو بأمر الله خالق الخلق كله.
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ
وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ(1) كما تبيّن أيضاً بطلان زعم الزاعم أنّ ذلك يلزم أن يكون أمراً محسوساً لجميع الناس
في جميع الأقطار .
جاء في كتاب حكمة التشريع وفلسفته للشيخ علي أحمد الجرجاوي، أحد علماء الأزهر ورئيس جمعية الأزهر العلمية ... الطبعة الخامسة سنة 1381 ه-- ج 2 / 441
الجواب عن وقف الشمس لبعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .
سئل المغفور له شيخنا الجليل الأستاذ الإمام محمد بخيت المطيعي عن وقف الشمس لبعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وحبسها لآخرين ، فأجاب رحمة الله عليه جواباً مسدّداً بالأدلة والبراهين العقلية والنقلية .
قال السائل بعد الديباجة المعروفة: فسّروا لنا قوله تعالى : وَ وَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِیادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبّی حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَاب * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ
وبيّنوا لنا ما جاء في ذلك من ردّ الشمس لسليمان على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، وما ورد من أنّها رُدّت لنبينا صلی الله علیه و آله وسلم ، وحُبست لعليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه ورضي الله عنه، وليوشع عليه الصلاة والسلام، وكيف التوفيق بين ما ذكر وبين ما قاله علماء الهيئة في حركات الشمس ونظامها، وأنها لا تسكن أصلاً في طلوعها وغروبها إلى أن تصل لمستقرّها و تكوّر و تنكدر النجوم الخ .
فأجاب عليه سحائب الرحمة و الرضوان بما يأتي:
1) الزمر : 5
قبل الخوض في صحة ما قيل في ردّ الشمس لسليمان و لنبينا عليهما الصلاة والسلام.
وما ورد في حبسها ليوشع ولعلي رضی الله عنه، إن علماء الهيئة قد قالوا إنّ اليوم النجمي مستوى الزمن دائماً وليس كذلك اليوم الشمسي، لأنّ الأرض في بُعدها الأقرب تعوق الشمس بعض شيء عن الظهور في خط نصف النهار، فيكون اليوم حينئذٍ أزيد من أربع وعشرين ساعة، وإذا كانت الأرض في البُعد الأبعد فلا يبلغ أربعة وعشرين ساعة.
وهذا يدلّ على أنّ الله تعالى لم يجعل اليوم الشمسي مستوى الزمن، بل جعله تارة أزيد
من أربع وعشرين ساعة، وتارة أقل من ذلك.
والمراد اليوم هنا مجموع الدورة اليومية الشاملة الليل والنهار، وأناط زيادة اليوم عن أربع وعشرين ساعة بعلّة وقفنا عليها وعلمناها من طريق الحساب، وهي كون الأرض في بُعدها الأقرب تعوق الشمس حينئذٍ على وجه ما ذكر، وإذا جاز عوق الشمس لهذه العلة
جاز عوقها لعلّة أخرى يعلمها العليم الخبير، كما يجوز أن يعوقها سبحانه بلا علة أصلاً .
وعلماء الهيئة إنّما قالوا ما قالوه بناءً على النواميس الطبيعية المعتادة، وأما المعجزات
التي جاءت خارقة لعادة الله تعالى ولتلك النواميس، بل هي مبنيّة على نواميس خفية لا يطّلع عليها البشر، فلا معنى لأن يُعترض عليها بمخالفتها لما قضت به النواميس الطبيعية المعتادة، مع أنّها دائماً أبداً باعتبار كونها خارقة لعادة الله تعالى في خلقه لا تكون إلا مخالفة لتلك النواميس الطبيعية العادية .
وحينئذٍ لا إشكال أصلاً في كل ما ورد ممّا ذكر، ويحمل الردّ أو الحبس على وجود عائق عاق الشمس عن ظهورها في خط نصف النهار ، حتى طال النهار وكان أزيد من أربع وعشرين ساعة .
فليس معنى ردّ الشمس أنها تقهقرت واختلّ سيرها، ولا أن حبسها أنّها وقفت عن
سيرها وحركتها حتى ينافي ما قاله علماء الهيئة، ويخالف ما ثبت بالبراهين القطعية وما هو ثابت بالمعاينة، وحينئذٍ يُحمل الردّ والحبس على ما ذكرناه ويزول الإشكال ومع ذلك نحن نذكر لك ملخّص ما قاله جمع من المفسرين في ذلك وما له وما عليه،- ثم ذكر ما حكاه عن تفسير أبي حيّان وتفسير الآلوسي وغيرهما ممّا لم يأت لنا بجديد من عنده، ممّا لا حاجة بنا إلى نقله، كما لا نوافقه على رأيه في رفع الإشكال بإطالة النهار، لأنّ
عائقاً أعاق الشمس عن ظهورها في خط نصف النهار -.
وفيه مسألتان :
لقد علم ممّا سبق الإشارة على وقوع ذلك ، وورد اسم بعض الأنبياء علیهم السلام الذين ردّت عليهم أو حبسها عليهم، وكان من بين الأسماء يوشع بن نون، وسليمان بن داود، و لابدّ لنا من الإلمام بما ورد في التراث الإسلامي عنهما، وذلك من خلال الأحاديث التي وصلت إلينا، وموقف المحدثين منها سلباً وإيجاباً.
فإلى معرفة شيء من ذلك فأقول : انّ أبا هريرة يأبى ردّها مطلقاً، ويأبى حبسها لغير يوشع كما يبدو من خلال حديثه، فقد روى مرفوعاً انّ الشمس لم تحبس على بشر إلا ليوشع
ليالي سار إلى بيت المقدس.
ومن المعلوم أن ليس كل ما يرويه لنا أبو هريرة مقبولاً عند المحدثين، فقد ردّوا بعض
مرويّاته وناقشوا في صحتها، وحسبنا كتاب (أبو هريرة) للمرحوم السيد شرف الدين العاملي، وكتاب (شيخ المضيرة) للمرحوم الشيخ أبو رية المصري، ففيهما كشف صفحاته بما لا يبقي مجالاً لقبول كل ما يرويه.
ولما رُوي لنا عنه الحديث السابق، فلابدّ من وقفة تحقيق عنده، لنرى صحته سنداً ومتناً، حتى نتيقّن براءة ذمته مما رُمي به من الكذب في بعض أحاديثه، خصوصاً وحديثه في المقام، ممّا أثار عليه زوبعة الإتهام، ولا شك أنّ من ينتصر له لا يرضى بذلك، فهو يقف
مدافعاً، ولو دفعاً بالصدر، لئلا يحمل على أبي هريرة بالأصر ، وما أكثر المحامين عنه في كل عصر ومصر، وسأكتفي بواحد من المتأخرين المعاصرين، وهو الشيخ الألباني صاحب سلسلة الأحاديث الصحيحة ،وغيرها، فلنقرأ ماذا عنده عن حديث أبي هريرة .
لقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة مرفوعاً:
«إنّ الشمس لم تحبس على بشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس».
وفي رواية: غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه : لا يتبعني إلا رجل قد ملك بُضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبن ،(بها)، ولا آخر قد بنى بنياناً ولما يرفع سقفَها، ولا آخر قد اشترى غنماً أو خَلِفات وهو منتظر وِلادها . قال: فغزا فأدنى للقرية حين صلاة العصر، أو قريباً من ذلك.
«وفي رواية: فلقي العدو عند غيبوبة الشمس» فقال للشمس أنتِ مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها عليّ شيئاً، فحبست عليه حتى فتح الله عليه «فغنموا الغنائم» قال: فجمعوا ما غنموا
فأقبلت النار لتأكله فأبت أن تطعمه «وكانوا إذا غنموا الغنيمة بعث الله تعالى عليها النار فأكلتها» فقال: فيكم غُلول، فليبايعني من كل قبيلة رجل، فبايعوه، فلصقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغُلول فلتبايعني قبيلتك، فبايعته، قال: فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة «يده».
فقال: فيكم الغُلول أنتم غللتم، «قال: أجل قد غللنا صورة وجه بقرة من ذهب» قال: فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب، قال: فوضعوه في المال، وهو بالصعيد فأقبلت النار فأكلته، فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا، ذلك بأنّ الله تعالى رأى ضعفنا وعجزنا فطيّبها لنا.
وفي رواية فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم عند ذلك: إنّ الله أطعمنا الغنائم رحمة بنا وتخفيفاً لما علم من ضعفنا.
وهذا الحديث بروايتيه الآنفتي الذكر ذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة(1)ثم قال: هذا حديث صحيح جليل، ممّا حفظه لنا أبو هريرة و له عنه أربع طرق ثم ذكرها ومن أخرجها وحال رواتها، ثم عقّب عليها وأطال الحديث في ذلك إلى ص 351 فمن أراد
الاطلاع عليها فليراجع في المصدر المذكور .
ثم ذكر في ص 353 عنوان ( من فوائد الحديث). وفي رقم 3 قال:
وفيه أنّ الشمس لم تحبس لأحد إلا ليوشع علیه السلام ، ففيه إشارة إلى ضعف ما يروى أنه
وقع ذلك لغيره.
وقال الآلوسي في تفسيره (2): وهذا الحديث الصحيح عند الكل يعارض جميع ما تقدّم و قد تقدّم منه ذكر ردّ الشمس السليمان علیه السلام و للنبي صلى الله عليه وسلم وللإمام علي كرّم الله وجهه ورضي عنه بدعائه عليه الصلاة والسلام - وتأويله بأنّ المراد لم تحبس على أحد من الأنبياء غيري إلّا ليوشع، أو بالتزام أنّ المتكلّم غير داخل في عموم كلامه، بعد تسليم قبوله لا ينفي معارضته خبر الردّ لسليمان علیه السلام، فإنّه بظاهره يستدعي نفي الردّ الذي هو أعظم من الحبس له علیه السلام .
ثم قال :الآلوسي وبالجملة القول بردّ الشمس السليمان علیه السلام غير مسلم، وعدم قولي
بذلك ليس لامتناع الردّ في نفسه كما يزعمه الفلاسفة، بل لعدم ثبوته عندي أه-- .
فتبيّن من جميع ما تقدّم أنّ الشمس حُبست على يوشع علیه السلام ، كما في الحديث الصحيح
بطرقه المتعددة عن أبي هريرة، قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة(1):
ومن تمام الفائدة أن أسوق ما وقفنا عليه من ذلك - أي ممّا يروى انه وقع الغير يوشع-:
1 - ما ذكره ابن اسحاق في (المبتدأ) من طريق يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه أن
الشمس حبست لموسى علیه السلام لما حمل تابوت يوسف علیه السلام
قلت - والقائل هو الألباني - وهذا موقوف والظاهر أنّه من الإسرائيليات، وقصة نقل موسى لعظام يوسف علیهما السلام من قبره في مصر في المستدرك (2)بسند صحيح عنه علیه السلام وليس فيها ذكر لحبس الشمس .
2 - أنها حبست لداود علیه السلام
أخرجه الخطيب في (ذم النجوم) له من طريق أبي حذيفة، وابن اسحاق في (المبتدأ) بإسناد له عن علي موقوفاً مطولاً، قال الحافظ وإسناده ضعيف جداً، وحديث أبي هريرة المشار إليه عند احمد أولى، فإنّ رجال إسناده محتج بهم في الصحيح، فالمعتمد أنها لم تحبس إلا
ليوشع.
3- أنها حبست لسليمان بن داود علیهما السلام، في قصّة عرضه للخيل، وقوله الذي حكاه الله عنه في القرآن: رُدُّوهَا عَلَىَّ رواه الثعلبي ثم البغوي عن ابن عباس . قال الحافظ :
وهذا لا يثبت عن ابن عباس ولا عن غيره، والثابت عن جمهور أهل العلم بالتفسير من
الصحابة ومَن بعدهم أن الضمير المؤنث في قوله : رُدُّوهَا عَلَيَّ للخيل والله أعلم.
4 - ما حكاه عياض أن الشمس ردّت للنبي صلی الله علیه و آله و سلم يوم الخندق، لما شغلوا عن صلاة العصر حتى غربت الشمس، فردّها الله عليه حتى صلّى العصر . قال الحافظ : كذا قال:
وعزاه للطحاوي والذي رأيته في (مشكل الآثار) للطحاوي ما قدّمت ذكره من حديث أسماء. قلت - والقائل هو الألباني - ويأتي حديث أسماء قريباً إن شاء الله تعالى، وقصة
انشغاله صلی الله علیه و آله و سلم عن صلاة العصر في الصحيحين وغيرهما، وليس فيهما ذكر لردّ الشمس عليه صلی الله علیه و آله و سلم (1).
5- ومن هذا القبيل ما ذكره يونس بن بكير في زياداته في (مغازي ابن اسحاق) أنّ
النبي صلی الله علیه و آله و سلم لما أخبر قريشاً صبيحة الإسراء أنه رأى العير التي لهم، وأنها تقدم مع شروق الشمس، فدعا الله فحبست الشمس حتى دخلت العير .
قلت - والقائل هو الألباني - وهذا معضل، وأما الحافظ فقال : وهذا منقطع، لكن وقع في (الأوسط) للطبراني من حديث جابر أن النبي صلی الله علیه و آله و سلم أمر الشمس فتأخّرت ساعة من نهار، وإسناده حسن.
قلت - والقائل هو الألباني - : وفي النفس من تحسينه شيء، وإن كان سبقه إليه شيخه
الهيثمي في المجمع(2)، ولعلّ الحافظ نقله عنه والله أعلم ، ولئن صحّ هذا فلا يعارض حديث يوشع علیه السلام لإمكان الجميع بينهما، قال الحافظ: و وجه الجمع أنّ الحصر محمول على ما مضى للأنبياء قبل نبينا صلی الله علیه و آله و سلم فلم تحبس الشمس إلا ليوشع، وليس فيه نفي أنها تحبس بعد ذلك لنبينا صلی الله علیه و آله و سلم.
وبعد كتابة ما تقدّم وقفت والحمد لله على إسناد الحديث، فتبيّن أنه ليس بحسن، بل هو
ضعيف أو موضوع، و لذلك أودعته في سلسلة الأحاديث الضعيفة و الموضوعة رقم 976. 6 - ما رواه الطحاوي وغيره من حديث أسماء بنت عميس أن الشمس رُدّت بعد
غروبها لعليّ رضی الله عنه حتى صلّى صلاة العصر، وكان قد فاتته بسبب نوم النبي صلی الله علیه و آله و سلم على فخذه .
وهذه القصة لا تثبت، وهي عند الطحاوي من طريقين عن أسماء، فيهما ضعف وجهالة، وقال الحافظ ابن كثير في (البداية) عقب حديث حبس الشمس ليوشع علیه السلام :
وفيه أنّ هذا كان من خصائص يوشع علیه السلام ، فيدلّ على ضعف الحديث الذي رويناه أنّ الشمس رجعت حتى صلّى علي بن أبي طالب... وقد صحّحه أحمد بن صالح المصري،
ولكنّه منكر ليس في شيء من الصحاح ولا الحسان، وهو ممّا تتوفّر الدواعي على نقله، وتفرّدت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة لا يعرف حالها . والله أعلم.
وقد حكم عليها الذهبي بالوضع وذلك من جهة المتن، وسبقه إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن قبله أبو الفرج ابن الجوزي حيث ذكره في (الموضوعات) وقد تعقبه السيوطي في (اللئالي) بما لا يجدي، وكذا الحافظ ابن حجر حيث انتقد ابن تيمية و ابن الجوزي حكمهما على الحديث بالوضع والحق معهما كما بيّنته في السلسلة المشار إليها رقم (975) . انتهى ما نقلناه عن الألباني .
أقول: سيأتي الكلام حول تلوّن أبي هريرة في روايته الحديث ردّ الشمس في المسألة
الثالثة من الفصل الرابع، فانتظر .
لقد ورد فی الکتبالمعتبرة أنّ الشمس ردّت لثلاثة من الاوصیاء، ونحن نبحث عن:
1- ردّها لسليمان بن داود علیه السلام
2- ردّها ليوشع بن نون علیه السلام .
3- ردّها للإمام علي أمير المؤمنين علیه السلام في العهد النبوي.
ونضيف إليها نحن ردّها ثانية للإمام بعد العهد النبوي، وإنما اخترنا تلك الموارد لأنها مقبولة في حججها أكثر من غيرها، فقد ذكر الحافظ ابن شهر آشوب في كتابه مناقب ابن شهر آشوب(1)فقال: وعن ابن عباس بطرق كثيرة: أنّه لم تردّ الشمس إلا لسليمان وصيّ داود، وليوشع وصي موسى، ولعليّ بن أبي طالب وصي محمد صلوات الله عليهم أجمعين .
إذن فمسألة ردّ الشمس بعد غروبها أو حبسها عن سيرها الطبيعي المعتاد لفترة من الزمن، قد حدث في العالم مكرراً على فترات متباعدة، و لدواع خاصّة، بينها جميعاً قاسم
مشترك أنها كانت معجزة لأوصياء ثلاثة من الأنبياء، وهذا هو المتيقّن عندنا حسب ما ورد عن أئمة أهل البيت علیهم السلام ، وصح عن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضی الله عنه ، وهو في علمه تلميذ أمير المؤمنين علیه السلام ، وهو باب مدينة علم النبي صلی الله علیه و آله و سلم.
فما قاله حبر الأمة أخذه من عين صافية، و علينا أن نقرأ ما ورد في ردّ الشمس لهؤلاء
1) مناقب ابن شهر آشوب 2 : 145 ط الحيدرية.
الأوصياء الثلاثة:
لقد ردّ الله سبحانه وتعالى بأمره لسليمان بن داود الذي آتاه الله الملك وفصل الخطاب فقال سبحانه وتعالى في سورة ص: وَ وَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِیادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّ حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ (1)
وقد ذهب المفسّرون مذاهب شتى في تفسير قوله تعالى: حَتَّى تَوَارَتْ بِالحِجَاب و رُدُّوهَا عَلَيَّ ويمكن تلخيصها على سبيل منع الخلوّ بأنّها أربعة مذاهب :
الأول: أن يكون المراد بقوله : تَوَارَتْ بِالحِجَاب هي الشمس، والمراد بقوله:
رُدُّوهَا يعني الشمس . الثاني: أن يكون المراد بقوله في المقامين هي الصَّافِنَاتُ الجِیادُ يعني الخيل. الثالث: أن يكون المراد بقوله تعالى: تَوَارَتْ الشمس، وبقوله تعالى: رُدُّوهَا
يعني الخيل .
الرابع: أن يكون المراد بقوله تعالى: تَوَارَتْ الخيل، وبقوله تعالى:رُدُّوهَا يعني الشمس
ولبعض المفسّرين - كالرازي وغيره - تطويل في إثبات آرائهم، ولا يعنينا في المقام عرض مقالاتهم وأدلتهم ما دامت مخالفة لما ورد عن أهل البيت علیهم السلام، لأنّا نرى أنّه لا يعرف القرآن إلا من جعله النبي صلی الله علیه و آله و سلم عدلاً له في وجوب الرجوع إليه والتمسّك به، كما في
1) ص: 30 - 33
حديث الثقلين المتظافر نقله عن نيف وعشرين صحابياً(1).
وأهل البيت علیهم السلام من أظهر مصاديق الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويل الكتاب، ولديهم فصل الخطاب حيث قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُوا الأَلْبَابِ (2).
وما ورد عنهم هو المذهب الأول ، وهو المروي عن ابن عباس ترجمان القرآن رضی الله عنه، رواه عن الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، فقد ورد في تفسير الآيتين في جملة من مصادر التفسير : انّ ابن عباس حكى للإمام قول كعب الأحبار اليهودي - أنّه قال: رُدُّوهَا يعني الأفراس.
فقال الإمام علیه السلام : كذب كعب، لكنّ سليمان اشتغل بعرض الأفراس للجهاد حتى توارت - أي غربت - الشمس بالحجاب، فقال بأمر الله للملائكة الموكلين بالشمس: رُدُّوهَا يعنى الشمس ، فردّوها حتى صلّى العصر في وقتها، و إنّ أنبياء الله لا يظلمون لأنّهم معصومون (3).
1) راجع علي إمام البررة 1: 292 - 318 ، وفي الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي : 89ط الميمنية سنه 1321 قال ابن حجر ثم اعلم أن الحديث التمسك بذلك طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً، ومر له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه
2) آل عمران: 7 .
3) راجع تفسير القرطبي ومجمع البيان في تفسير سورة ص، كما روى قول الإمام في تفسير: (رُدُّوهَا) جماعة من المفسّرين، كالخازن في تفسيره 4 : 39 ط اليمنية سنة 1317 ، وذكره النسفي في تفسيره 4 : 41 ط دار الفكر بيروت من دون عزو، بينما الآلوسي عزاه في تفسيره :23: 175 ط المنيرية وحكاه عن الخفاجي والطبرسي أيضاً.
ولتنوير القارئ عن كعب الأحبار الذي كان يهودياً، و أظهر الإسلام في خلافة عمر، مع أنّه أدرك العهد النبوي فلم يسلم ، وهذا ما أثار الشك عند غير واحد في صحة إسلامه، حتى أنّ العباس بن عبد المطلب قاله له: ما منعك أن تسلم في عهد النبي صلی الله علیه و آله و سلم وأبي بكر حتى أسلمت الآن في عهد عمر، فقال: انّ أبي كتب لي كتاباً من التوراة فدفعه إليَّ، وقال: اعمل بهذا و اتّبعهُ و أخذ علي بحق الوالد أن لا أفضّ هذا الخاتم، وختم على سائر كتبه، فلما رأيت الإسلام قد ظهر ولم أر إلا خيراً، قالت لي نفسي: لعل أباك قد غيّب عنك علماً، ففضضت الخاتم فإذا فيه صفة محمد وأُمته، فجئت الآن فأسلمت(1).
قال محقق الخصائص : يلوح من سؤال العباس أنّه كان مرتاباً في إسلام كعب، ولهذا اعتذر له كعب بهذا العذر الذي نرجو أن يكون صادقاً فيه، فإنّ بعض الناس ليشكك في إسلام هذا الرجل، ويتّهمونه بالمشاركة في المؤامرة التي دُبّرت لقتل عمر، والعقل يستبعد أن يوصي يهودي ولده بالخروج من يهوديته والدخول في دين يناهضها، بل يظهر من قول كعب: فلما رأيت الإسلام قد ظهر، أنّه كان ينتظر نتيجة الصراع بين الإسلام وخصومه أه--. أقول : لقد غفل الأستاذ المحقق عن التنافي في قول كعب عن أبيه (إعمل بهذا) ثم قوله : ( وأخذ عليَّ بحق الوالد أن لا أفضّ هذا الخاتم ... ) .
فإذاً كيف هو يعمل بما في الكتاب، وأخذ عليَّ أن لا يفضّ خاتمه ؟ ! ولم يكن العباس هو الوحيد في ارتيابه من إسلام كعب، فقد كان ابنه عبد الله على شاكلته أيضاً مرتاباً في
1) الخصائص الكبرى للسيوطي 1 35 - 36 .
إسلام كعب، كما كان أيضاً على شاكلة الإمام في تكذيب كعب.
فقد روى عكرمة أنّ رجلاً أتى ابن عباس فقال: يابن عباس إني سمعت العجب من كعب الأحبار يذكر في الشمس والقمر - و كان ابن عباس متكئاً فاحتفز - ثم قال:
ماذا قال؟ قال: زعم كعب انه يجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنّهما ثوران عقيران فيقذفان في النار .
قال عكرمة : فطارت من ابن عباس شظيّة و وقعت أخرى غضباً .
ثم قال ابن عباس: كذب كعب الأحبار - قالها ثلاثاً - بل هذه يهودية يريد إدخالها في الإسلام...، ثم ساق الحديث بطوله (1).
ففي قول ابن عباس: كذب كعب الأحبار - قالها ثلاثاً - شاكل الإمام في تكذيب كعب، وفي قوله: «بل هذه يهودية يريد إدخالها في الإسلام ...» مما يكشف عن سوء ظنّه بإسلام كعب، فهو في ارتيابه شاكل أباه في ذلك .
ولم يقتصر تكذيب كعب على من ذكرت من أعلام أهل البيت وهم سادة المسلمين، بل إنّ أباذر وحذيفة وعمر وعوف بن مالك بل وحتى معاوية قد أكذبوه، وتكذيب معاوية له رواه البخاري في صحيحه في كتاب الإعتصام، فقد ذكر قول معاوية في كعب: كنّا نبلو عليه الكذب، وللشيخ محمد زاهد الكوثري في مقالاته كلام نافع في المقام فليراجع مقاله (كعب الأحبار والاسرائيلات) ص 31 - 35 .
و ممّن أكذب كعب الأحبار مضافاً إلى من سبق ذكره هو عبد الله بن مسعود، فقال لرجل أتى إليه فسأله من أين جئت ؟ قال : من الشام، قال: من لقيت ؟ قال: لقيت كعباً، فقال : ما حدثك كعب؟ قال: حدثني أنّ السموات تدور على منكب مَلَك، قال: فصدّقته
1) أخرجه الثعلبي في كتابه قصص الأنبياء : 11 - 12 ط مصطفي محمد بمصر سنة 1371ه--
أو كذّبته ؟ قال ما صدّقته ولا كذّبته، قال: لوددت أنّك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورحلها وكذب كعب ان الله يقول: إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَ لَئِن زَالَتا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ(1)
وفي خبر آخر ساقه الطبري مثله وفيه اسم الرجل جندب البجلي، و في آخر، قال: عبد الله ما تنتكث اليهودية في قلب عبد فكادت تفارقه .
الذي رواه ابن عباس رحمه الله عن الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، هو المرويّ أيضاً عن الإمام الصادق علیه السلام ، فقد قال الشيخ الصدوق ابن بابويه في كتابه من لا يحضره الفقيه (2):
إن الجهّال من أهل الخلاف يزعمون أن سليمان علیه السلام اشتغل ذات يوم بعرض الخيل حتى توارت الشمس بالحجاب، ثم أمر بردّ الخيل و أمر بضرب سوقها و أعناقها و قتلها، وقال: إنها شغلتني عن ذكر ربي .
وليس كما يقولون، جلّ نبي الله سليمان علیه السلام عن مثل هذا الفعل، لأنّه لم يكن للخيل ذنب فيضرب سوقَها وأعناقَها، لأنّها لم تعرض نفسها عليه ولم تشغله، و إنّما عُرضت عليه وهي بهائم غير مكلّفة ، والصحيح في ذلك ما روي عن الصادق علیه السلام أنّه قال:
إنّ سليمان بن داود علیه السلام عُرض عليه ذات يوم بالعشي الخيل، فاشتغل بالنظر اليها حتى توارت الشمس بالحجاب، فقال للملائكة: ردّوا الشمس عليَّ حتى أصلّي صلاتي في وقتها، فردّوها، فقام فمسح ساقيه وعنقه، و أمر أصحابه الذين فاتتهم الصلاة معه بمثل
ذلك، وكان ذلك وضوءهم للصلاة، ثم قام فصلّى، فلمّا فرغ غابت الشمس وطلعت النجوم، وذلك قول الله عزوجل:
وَ وَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجیادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّ حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَاب * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ . ثم قال الصدوق وقد أخرجت هذا الحديث مسنداً في كتاب الفوائد.
قال الآلوسي في تفسيره روح المعاني(1):
والذي يقول بردّ الشمس لسليمان يقول هو كردّها ليوشع، و ردّها لنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم في حديث العير، و يوم الخندق حين شغل عن صلاة العصر، و ردّها لعليّ كرّم الله تعالى وجهه ورضي عنه بدعائه عليه الصلاة والسلام، إلى أن قال بعد كلام طويل: وبالجملة القول بردّ الشمس لسليمان علیه السلام غير مسلّم، وعدم قولي بذلك ليس لامتناع الردّ
في نفسه كما يزعمه الفلاسفة، بل لعدم ثبوته عندي ؟ !
ونحن من حقنا أن نقول له: إذا لم يثبت عندك، فقد ثبت عند غيرك ممّن هو أقوم قيلاً و أهدى سبيلاً، و ذلك هو الإمام أمير المؤمنين علیه السلام و حفيده الإمام الصادق علیه السلام ، وهو المرويّ عن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضی الله عنه .
على أنّ إمامك الرازي جاء في تفسيره (2)في القول الخامس في تفسير الكوثر: و أما سليمان فإنّ الله تعالى ردّ له الشمس مرّة، و فعل ذلك أيضاً للرسول حين نام و رأسه في
حجر علي، فانتبه وقد غربت الشمس فردّها حتى صلّی، و ردّها مرّة أخرى لعليّ فصلّى العصر في وقته أه--.
و من الطريف أنّ الرازي كان قد اذكر ردّ الشمس لسليمان في تفسير قوله تعالى: رُدُّوهَا عَلَىَّ (1)فقال بعد الاحتمالات الأربعة في تفسير قوله تعالى: حَتَّى تَوَارَتْ و قوله : رُدُّوهَا وعود الضمير فيها إما إلى الشمس، لأنّه جرى ذكر ما له تعلّق بها وهو العشي، و إما إلى الصافنات، و إما أن يكون الأول متعلقاً بالشمس، و الثاني بالصافنات، وإما بالعكس.
ثم قال في استبعاده أن يكون الضميران عائدين إلى الشمس فقال : وروي أنه صلی الله علیه و آله و سلم لمّا اشتغل بالخيل فاتته صلاة العصر، فسأل الله أن يردّ الشمس فقوله: رُدُّوهَا عَلَيَّ إشارة إلى طلب ردّ الشمس، وهذا الإحتمال عندي بعيد، والذي يدلّ عليه وجوه - ثم ذكر سبعة وجوه كان سادسها - أنّ الشمس لو رجعت بعد الغروب لكان ذلك مشاهداً لكل أهل الدنيا، ولو كان الأمر كذلك لتوفّرت الدواعي على نقله و إظهاره، و حيث لم يقل أحد ذلك علمنا فساده ....
هذا بعض ما قاله في هذا المقام، على أنّ كلامه لا يخلو من النقض والإبرام، ومع ذلك فقد تراجع عن استدلاله بأنّ الشمس لو رجعت بعد الغروب لكان ذلك مشاهداً لكل أهل الدنيا... في تفسير سورة القمر (2)حيث قال : . المفسّرون بأسرهم على أنّ المراد أنّ القمر إنشق، وحصل فيه الإنشقاق، ودلّت الأخبار على حديث الانشقاق، وفي الصحيح خبر مشهور ، رواه جمع من الصحابة، وقالوا: سئل رسول الله آية الإنشقاق بعينها معجزة،
فسأل ربه فشقّه و مضى .
وقال بعض المفسّرين: المراد سينشق، وهو بعيد ولا معنى له، لأنّ من منع ذلك و هو الفلسفي يمنعه في الماضي والمستقبل، ومن يجوزه لا حاجة إلى التأويل، وإنما ذهب إليه ذلك الذاهب، لأنّ الإنشقاق أمر هائل، فلو وقع لعمّ وجه الأرض، فكان ينبغي أن يبلغ حد التواتر .
نقول: النبي صلی الله علیه و آله و سلم لما كان يتحدّى بالقرآن، و كانوا يقولون: إنا نأتي بأفصح ما يكون من الكلام، وعجزوا عنه، فكان القرآن معجزة باقية إلى قيام القيامة لا يتمسّك بمعجزة أخرى، فلم ينقله العلماء بحيث يبلغ حد التواتر .
وأما المؤرخون فتركوه لأنّ التواريخ في أكثر الأمم يستعملها المنجّم، وهو لما وقع قالوا بأنّه مثل خسوف القمر، وظهور شيء في الجو على شكل نصف القمر في موضع آخر فتركوا حكايته في تواريخهم، و القرآن أدلّ دليل، وأقوى مثبت له، وإمكانه لا يشك فيه، وقد أخبر عنه الصادق فيجب اعتقاد وقوعه، وحديث امتناع الخرق و الالتئام حديث اللئام، و قد ثبت جواز الخرق و التخريب على السموات، و ذكرناه مراراً فلا نعيده .
وأصرح من ذلك كله في رجوعه عمّا قاله في رجوع الشمس السليمان علیه السلام ، ما سبق منّا ذكره من قوله في سورة الكوثر: وأما سليمان فإنّ الله تعالى ردّ له الشمس مرة، وفعل ذلك أيضاً للرسول حين نام ورأسه في حجر علي، فانتبه وقد غربت الشمس فردّها حتى صلى، وردّها مرة أخرى لعليّ فصلّى العصر في وقته (1).
1) تفسير الرازي 32: 125
وللرازي في تفسير سورة الكوثر مقارنات بين كرامات الأنبياء ومعاجزهم، وتفضيل ما كان لنبينا محمد صلی الله علیه و آله و سلم على من سواه من أصحاب الكرامات، نحو ما قال: و أكرم موسى ففلق له البحر في الأرض، وأكرم محمد ففلق له القمر في السماء، ثم انظر إلى فرق ما بين السماء والأرض(1).
إنّ ما ورد في بعض الأحاديث من التعبير بردّ الشمس، لا يخلو من مسامحة لو لاحظنا الدقّة في التعبير، فإنّ ردّها إنّما يصحّ قوله إذا كان بعد غيابها، أما إذا رجعنا إلى بعض الأحاديث الأخرى نجد التعبير بحبس الشمس.
وهذا ما يؤكّده كتاب يشوع - يوشع - في الكتاب المقدس المتداول قديماً و حديثاً - كما سيأتي - فيكون التعبير بردّ الشمس بناء على المشارفة، لأنّها كادت أن تغرب، فوقفت في كبد السماء ولم تعجل إلى الغروب ببركة دعاء النبي يوشع علیه السلام .
وخلاصة الحديث عن ردّ الشمس أو حبسها للنبي يوشع كما في قصص الأنبياء للثعلبي(2)
قال: فلمّا انقضت أربعون سنة ومات موسى علیه السلام بعث الله يوشع بن نون نبيّاً، فأخبرهم أنّه نبي الله و أنّ الله قد أمره بقتال الجبّارين فصدّقوه و بايعوه، فتوجّه بيني إسرائيل إلى أريحاء و معه تابوت الميثاق، فأحاط بمدينة أريحاء ستة أشهر ، فلمّا كان في الشهرالسابع نفخوا في قرون و صاحوا صيحة واحدة، فسقط سور المدينة فدخلوها و قاتلوا الجبّارين و هزموهم ، و هج--موا عليهم و جعلوا يقاتلونهم.
فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها لا يقطعونها، وكان القتال يوم الجمعة، فبقي منهم بقية وكادت الشمس أن تغرب وتدخل ليلة السبت، فخشي يوشع أن يعجزوه، فقال: اللهمّ اردد الشمس عليَّ ، أو أنّه قال للشمس: إنّكِ في طاعة الله و أنا في طاعة الله، فسأل الشمس أن تقف و القمر أن يقيم حتى ينتقم من أعداء الله قبل غروب الشمس، فردّت له الشمس و زيد له في النهار ساعة واحدة حتى قتلهم أجمعين.
أقول: و هذا ما تؤكّده الآيتان 12 - 13 من الباب العاشر من كتاب يوشع - يشوع - كما في الترجمة العربية المطبوعة سنة 1844م فقد جاء فيها :
12 - حينئذ تكلّم يشوع أمام الربّ في اليوم الذي دفع الأموري في يدي بني
إسرائيل، وقال أمامهم أيتها الشمس مقابل جبعون لا تتحركي، والقمر مقابل قاع ايلون.
13 - فوقف الشمس والقمر حتى انتقم الشعب من أعدائهم، أليس هذا مكتوباً في سفر الأبرار؟ فوقفت الشمس في كبد السماء، و لم تكن تعجل إلى الغروب يوماً تاماً.
هكذا نقل النص الملا رحمة الله الهندي في كتابه القيم اظهار الحق (1)، و وجدته بتغيير يسير في الكتاب المقدس المطبوع في بيروت سنة 1951م و كتب عليه: و قد ترجم من اللغات الأصلية، نشر جمعيات الكتاب المقدّس المتحدة.
و إلى القارئ نص ما فيه في ص 211 في الاصحاح العاشر-يشوع-:
12 - حينئذٍ كلّم يشوع الربّ يوم أسلم الربّ الأموريين أمام بني إسرائيل، و قال أمام عيون إسرائيل: يا شمس دومي على جبعون، و يا قمرعلى وادي أيلون.
1) اظهار الحق :2: 99 ط سنة 1317 ه-- .
13- فدامت الشمس و وقف القمر حتى انتقم الشعب من أعدائه، أليس هذا مكتوباً في سفر ياشر ؟ فوقفت الشمس في كبد السماء، و لم تعجل الغروب نحو يوم كامل. أه-- .
و هذه الحادثة كانت قبل السيد المسيح بألف و أربعمائة و خمسين سنة كما يزعم المسيحيون (1)، وقد جاء في شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي(2): و يوم العنصرة، رابع عشري حزيران و هو موسم للنصارى مشهور ببلاد الأندلس، و في هذا اليوم حبس الله الشمس على يوشع بن نون علیه السلام، و فيه ولد يحيى بن زكريا علیه السلام .
لقد ورد في الحديث النبوي الشريف قوله صلی الله علیه و آله و سلم :والذي نفسي بيده لتركبنّ سنن من قبلكم حذو النعل بالنعل، و حذو القذة بالقذة (3):
وهذا ما استدلّ به الشيخ الصدوق ابن بابويه - في كلامه على ردّ الشمس ليوشع بن نون على صحّة ردّ الشمس للإمام أمير المؤمنين علیه السلام في حياة الرسول صلى الله عليه و سلم و بعد وفاته، ثم قال:
و قال الله عزوجل : سُنَّةَ الله الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلا(4)
و قال عزوجل: وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحويلا (5).
1) نفس المصدر السابق.
2) شذرات الذهب 3 :172
3) القذة: ريش السهم، وهذا مثل يضرب مثلاً للشيئين المتماثلين، قال ابن الأثير في النهاية : معنى الحديث يضرب مثلاً للشيئين يستويان ولا يتفاوتان والحديث ورد بألفاظ متفاوتة، منها ما في صحيح البخاري 3: 1274 برقم 3269 من كتاب أحاديث الأنبياء قال : لتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشير، وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه .... وما ذكرناه في المتن نقلاً عن تفسير الآلوسي 1 : 355 ط.
4) الفتح : 22 .
5) الإسراء: 77 .
كما ورد عن الإمام الشافعي وغيره نحو ذلك،فقد ذكر السيوطي في ختام ما أورده عن حديث ردّ الشمس في عهد النبي صلی الله علیه و آله و سلم فقال :
و ممّا يشهد بصحّة ذلك قول الإمام الشافعي رضی الله عنه وغيره: ما أوتي نبيّ معجزة إلا و أُوتي نبينا صلی الله علیه و آله و سلم نظيرها أو أبلغ منها، و قد صحّ أنّ الشمس حبست على يوشع ليالي قاتل الجبّارين،
فلابدّ أن يكون لنبيّنا صلی الله علیه و آله و سلم نظير ذلك، فكانت هذه القصّة نظير تلك، والله اعلم (1).
و قال السيوطي الشافعي في كتابه الحاوي في الفتاوي(2):
مسألة: هل ردّت الشمس للنبي صلی الله علیه و آله و سلم بعد ما غربت في وقعة الخندق أو في غيرها؟ و هل صلّى العصر في وقتها أو قضاها بعد غروب الشمس؟
الجواب: الثابت في الصحاح في غزوة الخندق أنّه صلّى العصر بعد المغرب، لكن روى الطحاوي أنّ الشمس ردّت إليه حتى صلّاها، و قال: إنّ رواته ثقات، حكاه عنه النووي في شرح مسلم، والحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الشرح الكبير، و يمكن الجمع بين هذه الرواية وما في الصحاح بأن يحمل قوله : «بعد ما غربت أو بعد المغرب» على وجود الغروب الأول، ولا ينافي ذلك كونها عادت، فغاية ما في الباب أن رواية الصحاح سكتت عن العود الثابت في غيرها .
وقد ورد أيضاً أنّ الشمس رُدّت لأجله بعد ما غربت عن علي رضی الله عنه، وكانت العصر فاتته، ورأس النبي صلی الله علیه و آله و سلم في حجره فقال : « اللهم إنّه كان في طاعتك و طاعة رسولك فاردد عليه الشمس، فطلعت بعد ما غربت» .
وورد أنّ الشمس حبست له في قصة الإسراء حين أخبرَ بقدوم العير فأبطأت
والقصتان في الشفا للقاضي عياض، و قد تكلّمت عليهما في تخريج أحاديثه أه-- .
وقال نحو ذلك في كتابه الخصائص في آخر باب ما وقع في غزوة الخندق . أقول: إنّ الذين قالوا: إنّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم فاتته الصلاة يوم الخندق فصلّاها بعد المغرب قضاء، هم الذين قالوا إنّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم نام عن صلاة الغداة، و هذا كله من الأخبار المكذوبة، و يكفي في ردّ قولهم ما أخرجه الشيخان عندهما في صحيحيهما وغيرهما راجع ما قاله الألباني في الصحيحة برقم 696 من قول النبي صلی الله علیه و آله و سلم: «تنام عيناي و لا ينام قلبي» (1)فإذا كان مستيقظاً بقلبه كيف يغفل عن الصلاة؟ يا أيها المصدّقون بنبوته أفلا تعقلون؟
و قال الآلوسي الشافعي سابقاً و الحنفي لاحقاً-في تفسيره روح المعاني (2):
والذي يقول بردّ الشمس لسليمان يقول هو كردّها ليوشع، و ردّها لنبينا صلی الله علیه و آله و سلم في حديث العير ويوم الخندق حين شغل عن صلاة العصر ، وردّها لعلي كرّم الله تعالى وجهه و رضي عنه بدعائه عليه الصلاة و السلام .
ثمّ قال - بعد ذكره الاختلاف في حديث ردّ الشمس برواية أسماء بنت عميس الآتي
وما قيل في صحته وعدمه - : وكذا اختلف في حديث الردّ يوم الخندق فقيل: ضعيف، و قيل: موضوع، و ادعى العلامة ابن حجر الهيتمي صحّته.
وما في حديث العير - و أظن أنّهم اختلفوا في صحّته أيضاً- ليس صريحاً في الردّ ، فإنّ : انه لما اُسري بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وأخبر قومه بالرفقة و العلامة لفظ الخبر: التي في العير ، قالوا : متى يجئ ؟
قال: يوم الأربعاء، فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون وقد ولى النهار ولم يجئ .
فدعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فزيد له في النهار ساعة، و حبست عليه الشمس.
قال الآلوسي: والحبس غيرالردّ ، و لو كان هناك ردّ لأدركه قريش و لقالوا فيه ما قالوا في انشقاق القمر ولم ينقل.
أقول: لقد مرّ منّا في الحديث عن ردّ الشمس ليوشع بن نون، من أنّ التعبير بالردّ وإن كان فيه نحو مسامحة، إلا أنّه صحيح باعتبار المشارفة لأنها كادت أن تغرب .
و ذكر الحافظ ابن شهر آشوب في مناقب آل أبي طالب (1): فصل في طاعة الجمادات له - أي للإمام - قال: و ذكر أنّ الشمس ردّت عليه مراراً، الذي رواه سلمان يوم البساط، ويوم الخندق، ويوم حنين، ويوم خيبر، ويوم قرقيسيا، ويوم براثا، ويوم الغاضرية، ويوم النهروان ويوم بيعة الرضوان، ويوم صفين، وفي النجف، وفي بني مازر، وبوادي العقيق وبعد أحد. وروى الكليني في الكافي أنّها رجعت بمسجد الفضيخ من المدينة (2)الوهدة الأرض المنخفضة وفي الصحاح : المكان المطمئن (3)هي أسماء بنت عميس الخثعمية . (4)
أقول: ذكر السمهودي في كتابه وفاء الوفاء 2 : 32 انّه قال المطري: و يعرف - مسجد الفضيخ
أقول: ولقد تشرفت بالصلاة في مسجد عند النخاولة - واقع في بعض بساتينهم وكان ذلك في الحجة التي سعدت فيها بخدمة سيدي الوالدين وذلك سنة 1398 ه-- وهو الله الذي دلّني عليه وأظنّه قال أنه مسجد الصيحاني، أو قال هو مسجد الفضيخ، وقد ذهب عني فعلاً اسمه الذي سماه به، ثم صلينا فيه لأنه بني لكرامة فيه صدرت للإمام أمير المؤمنين علیه السلام . (5)ولم أر في كلام أحد من المتقدّمين تسمية المسجد المذكور بمسجد الشمس، ثم حكى عن المجد الفيروزآبادي قوله : لا أدري لم اشتهر بهذا الاسم؟ و لعلّه لكونه على مكان عالي في شرقي مسجد قباء، أوّل ما تطلع الشمس عليه .
قال: ولا يظن ظان أنّه المكان الذي أعيدت الشمس فيه بعد الغروب لعليّ رضي الله تعالى عنه، لأنّ ذلك إنّما كان بالصهباء. ثم حكى قول أحمد بن صالح - شيخ البخاري - لا ينبغي لأحد من أهل العلم لا يحفظ حديث أسماء - كما سيأتي - ثم قال المجد: و هذا المكان أولى بتسميته بمسجد الشمس دون ما سواه إلى آخر ما قاله. أقول: و كأن المجد و السمهودي لم يعرفا الحديث الآخر الذي روته أسماء أيضاً، و الذي تقدّم نقله عن الكليني في الكافي فظنّا أنّ رجوع الشمس لعلیّ علیه السلام في حديث أسماء إنما هو الذي كان بالصهباء من خيبر دون غيره، نظراً لشهرته ، وهذا ما يفسره قول الحافظ ابن شهر آشوب و أما المعروف مرّتان: في حياة النبي صلی الله علیه و آله و سلم بكراع الغميم، و بعد وفاته ببابل
.1) المناقب : 143 ط الحيدرية .
2) روى الكليني في الكافي في كتاب الحج باب إتيان المشاهد وقبور الشهداء 4 : 561 ط دار الكتب الإسلامية، بسنده عن عمار بن موسى قال: دخلت أنا وأبو عبد الله الله مسجد الفضيخ فقال: يا عمار ترى هذه الوهدة
3) ؟ قلت: نعم، قال: كانت امرأة جعفر التي خلّف
4) عليها أمير المؤمنين علیه السلام قاعدة في هذا الموضع ومعها ابناها من جعفر، فبكت فقال لها ابناها ما يبكيك يا امّه؟ قالت : بكيت لأمير المؤمنين علیه السلام فقالا لها :تبكين لأمير المؤمنين ولا تبكين لأبينا؟ قالت: ليس هذا هكذا، ولكن ذكرت حديثاً حدّثني به أمير المؤمنين علیه السلام في هذا الموضع فأبكاني، قالا : وما هو ؟ قالت: قال: كنت أنا وأمير المؤمنين في هذا المسجد فقال لي: ترين هذه الوهدة؟ قلت: نعم، قال: كنت أنا و رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قاعدَين فيها إذ وضع رأسه في حجري ثم خفق حتى غطّ و حضرت صلاة العصر فكرهت أن أحرّك رأسه عن فخذي، فأكون قد آذيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ذهب الوقت وفاتت، فانتبه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فقال: يا علي صليت؟ قلت: لا، قال: و لم ذلك؟ قلت: كرهت أن أوذيك، قال: فقام و استقبل القبلة و مدّ يديه كلتيهما و قال: اللهم ردّ الشمس إلى وقتها حتى يصلّي عليّ، فرجعت الشمس إلى وقت الصلاة حتى صلّيت العصر ثم انقضّت إنقضاض الكوكب .
5) اليوم بمسجد الشمس، و هو شرقي مسجد قباء على شفير الوادي على نشز من الأرض مرضوم بحجارة سود و هو مسجد صغير، و عقّب السمهودي على ذلك بعد كلام بقوله:
ثم قال: وأما المعروف مرتان: في حياة النبي صلی الله علیه و آله و سلم بكراع الغميم، و بعد وفاته ببابل.
إنّ حديث ردّ الشمس للإمام علیه السلام ببركة دعاء النبي صلی الله علیه و آله و سلم، ممّا ينبئ عن كرامة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام على النبي صلی الله علیه و آله و سلم وكرامتهما معاً على الله تعالى، حيث استجاب فردّ الشمس
بعد غيابها، فصلّى الإمام صلاة العصر أداءً بوقتها، و تلك فضيلة لم تكن لأيّ من الصحابة مثلها، ولما لم يسع الصحابة إنكارها - كما في حديث المناشدة - وهذا ما أسخن أعين النُصّاب، فلم يجدوا مهرباً عنها إلا الإنكار و التشكيك، و لو دفعاً بالصدر.
و لكنّ الله تعالى أبي إلّا إظهار الحق، فأنطق به منصفاً حميداً و أكبث مبغضاً و عنيداً، فتناوله غير واحد من رجالهم بالذكر في كتبهم، كما ستأتي قائمة بأسماء المصادر التي روته من تراث السنة فضلاً عن الشيعة، و خصّه غير واحد منهم بالتأليف أيضاً كما سيجيء ذكرهم.
أما الذين أصرّوا على المكابرة في الإنكار، فهم نواصب معاندون، يبذلون جهدهم في إبطال ما يروى في فضائل الإمام علیه السلام و لو بتضعيف سند ما صحّ الحديث فيه، بل تجاوز ذو الصلف والشنآن من أتباع الشيطان و السلطان فطالوه بالوضع، وأنكروا وروده، وطعنوا في رجال إسناده حتى ولو كانوا من رجال صحاحهم، وهذه حرفة العاجز المكابر المماكر مثل أبناء الجوزي و ابن عساكر، وستأتي نماذج من أفائكهم.
ونقول لهم نحن عن رضىً بقول شيخهم الذهبي في كتابه الرواة الثقات(1): و الله
1) الرواة الثقات ط مطبعة الظاهر بمصر سنة 1324 .
حسيب من يتكلم بجهل أو هوى، فإنّ السكوت يسع الشخص.
والآن إلى ذكر الحديث برواية ابن كثير الشامي في البداية والنهاية (1)نقلاً عن الحاكم الحسكاني في جزئه الذي سماه (مسألة في تصحيح ردّ الشمس و ترغيم النواصب الشُمس).
قال ابن كثير: ثم أورد هذا المصنف من طريق أبي العباس بن عقدة، حدّثنا يحيى بن زكريا ، ثنا يعقوب بن سعيد، ثنا عمرو بن ثابت :قال: سألت عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب عن حديث ردّ الشمس على علي بن أبي طالب هل يثبت عندكم؟ فقال لي: ما أنزل الله في كتابه أعظم من ردّ الشمس قلت: صدقت جعلني الله فداك، ولكنّي أحب أن أسمعه منك.
فقال: حدثني أبي الحسن عن أسماء بن عميس أنّها قالت: أقبل علي بن أبي طالب ذات يوم وهو يريد أن يصلّي العصر مع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، فوافق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انصرف ونزل عليه الوحي، فأسنده إلى صدره،فلم يزل مسنده لصدره حتى أفاق رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فقال: أصليت العصر يا علي؟
قال: جئت والوحي ينزل عليك فلم أزل مسندك إلى صدري حتى الساعة، فاستقبل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم القبلة - وقد غربت الشمس - و قال : اللهم إنّ عليّاً كان في طاعتك فارددها عليه.
قالت أسماء: فأقبلت الشمس و لها صرير كصرير الرحى حتى كانت في موضعها وقت العصر ، فقام علي متمكناً فصلّى، فلما فرغ رجعت الشمس ولها صرير كصرير الرحى، فلما غابت اختلط الظلام و بدت النجوم .
هذه صورة الحديث، وستأتي روايات أخرى عن صحابة آخرين غير أسماء، فإلى معرفتهم في أول المسائل التي سنتناولها بالبحث في هذه المرة.
1) البداية والنهاية 6: 83 .
لقد رواه جماعة من الصحابة لا يتطرّق الريب إلى رواياتهم، فأولهم:
الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، فقد احتجّ به في حديث المناشدة يوم الشورى، وذلك يوم مجموع له رجال الصحابة الذين سمّاهم عمر، وهم عثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف، و ممّن لم يسمهم وقد شهد ذلك المشهد من الصحابة نفر: منهم ابن عباس وأبو ذر وأبو الطفيل عامر بن واثلة ،وغيرهم، وسيأتي مزيد بيان عن رواية ابن عباس، أما رواية أبي ذر فقد رواها السيوطي في رسالته (كشف اللبس في حديث ردّ الشمس) ولفظه :
قال علي يوم الشورى: أنشدكم بالله هل فيكم من رُدّت عليه الشمس غيري حين نام رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم و جعل رأسه في حجري حتى غابت الشمس فانتبه، فقال: يا علي صليت العصر ؟ قلت: اللّهمّ لا ، فقال : اللّهمّ ارددها عليه، فإنّه كان في طاعتك و طاعة رسولك.
و رواية عامر بن واثلة قال: كنت يوم الشورى على الباب و علي يناشد عثمان و طلحة و الزبير و سعداً و عبد الرحمن يعد من فضائله ردّ الشمس... فقال: أمنكم أحد ردّت عليه الشمس بعد غروبها حتى صلّى العصر غيري؟ قالوا: لا(1).
فرواية الإمام أمير المؤمنين علیه السلام في احتجاجه على بقية رجال الشورى الخمسة، و تصديقهم له، سوى من حضرهم من الصحابة، لدليل كافٍ وافٍ شافٍ على صحة الحديث، كما أنه يكشف عن أنّ أُولئك النفر الحضور كلهم ممن يروون الحديث ويؤمنون بصحته، و لو
1) رواه الحاكم وعنه الكنجي الشافعي في الباب 100 من كتابه كفاية الطالب: 387ط الحيدرية الثانية، والخوارزمي الحنفي في مناقب أمير المؤمنين الملا في الحديث 38 من الفصل 19 ص 220 ط حجرية، والحمويني في فرائد السمطين 1 : 321 ط بيروت وغيرهم .
كانت ثمة أدنى شبهة أو ريب لما وسعهم التصديق و الإذعان، بل لردوا على الإمام قوله.
الثاني: الإمام الحسين بن علیّ علیه السلام أخرج حديثه الدولابي (ت 310) في كتابه الذرية الطاهرة، والخطيب البغدادي في تلخيص المتشابه(1)، و العصامي في سمط النجوم(2)، والسيوطي في اللئالي المصنوعة(3)، نقلاً عن الخطيب وقال: وأخرجه أبو بشر الدولابي في الذرية الطاهرة .
الثالث: حبر الأمة عبد الله بن عباس، وسيأتي الحديث عن روايته في المسألة الثانية .
الرابع: أبو هريرة، وهذا يأتي الحديث عنه في المسألة الثالثة.
:الخامس : أبو رافع، وحديثه أخرجه ابن المغازلي المالكي في مناقبه(4).
السادس: جابر بن عبد الله الأنصاري، وحديثه أخرجه أبو الحسن شاذان الفضلي في
آخر رسالته في ردّ الشمس كما في اللئالي المصنوعة(5)، و أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد (6)نقلاً عن الطبراني في الأوسط، وقال: إسناده حسن.
السابع: أبو سعيد الخدري، وحديثه أخرجه الحاكم الحسكاني في رسالته (تصحيح ردّ
الشمس و ترغيم النواصب الشمس).
الثامن: أسماء بنت عميس، وحديثها في ذلك أكثر استفاضة في النقل من غيره، و عنه
كان يقول الحافظ أحمد بن صالح المصري (ت 248 )شيخ البخاري صاحب الصحيح : لا
ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلّف عن حفظ حديث أسماء الذي روي لنا عنه صلی الله علیه و آله و سلم ، لأنّه من أجلّ علامات النبوّة، وعنها جماعة من التابعين.
التاسع: أنس بن مالك، روى حديثه محمد بن سليمان الكوفي في مناقب أميرالمؤمنين
كما في كشف الرمس للمحمودي(1).
العاشر: أم سلمة كما في مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب(2).
الحادي عشر: أم هاني بنت أبي طالب كما في مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب (3)نقلاً عن أبي بكر الشيرازي، بالاسناد عن شعبة، عن قتادة، عن الحسن البصري، عن أم هاني روى هذا الحديث مستوفىً، ثم قال:
قال الحسن عقيب هذا الخبر: وأنزل الله عزوجل آيتين في ذلك قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةٌ مَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً يعنى هذا يخلف هذا، إن أراد أن يذكر فرضاً أو أراد شكوراً، وأنزل أيضاً : يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ.
إنّ في عدّ ابن عباس في رواة حديث الشمس فيه نحو مسامحة، إذ لم ترد عنه رواية
الحديث صراحة، و لو أنّها وردت منسوبة إليه فردّت، لفقدانها عنصر المشاهدة، وعليها الإشكال من جهة عدم حضوره يومئذٍ بالمدينة، بل كان بُعد بمكة لم يهاجربه أبوه إلا في السنة الثامنة قبل الفتح.
ولعل عذر من عدّه من رواة حديث الشمس، لما ورد عنه في ذلك مما تميّز به حتى عن الرواة حقيقة، و ذلك بإصحاره عن ثبوت الحديث و احتجاجه به على مَن يسأله عن فضائل الإمام علیه السلام ، وله حديث مع الإمام أمير المؤمنين علیه السلام حول ردّ الشمس السليمان علیه السلام ، وتكذيب كعب الأحبار في رأيه و روايته، فلنقرأ هذا برواية ابن حجر في فتح الباري: عن ابن عباس قال لي علي: ما بلغك في قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه الصلاة والسلام :
(ردّوها عليَّ)؟
فقلت: قال كعب: كانت أربعة عشر فرساً عَرَضها، فغابت الشمس قبل أن يصلّي
العصر، فأمر بردّها، فضرب سُوقها و أعناقها بالسيف فقتلها، فسلبه الله ملكه أربعة عشر يوماً، لأنّه ظلم الخيل بقتلها .
فقال علي: كذب كعب، وإنّما أراد سليمان جهاد عدوّه، فتشاغل بعرض الخيل
حتى غابت الشمس، فقال للملائكة الموكّلين بالشمس بإذن الله لهم (ردّوها عليَّ)
فردّوها عليه حتى صلّى العصر في وقتها، و إنّ أنبياء الله لا يَظلمون، و لا يأمرون
بالظلم(1)
و على ضوء ما عرفناه من اختصاصه بالإمام علیه السلام و أخذه العلم منه، حتى قال لما سئل عن مبلغ علمه من علم ابن عمه فقال : كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط (2)فلا غرابة في روايته لحديث ردّ الشمس، بعد أن كان الحديث مشهوراً حتى احتجّ به الإمام علیه السلام على أهل الشورى، كما في حديث المناشدة و قد مرّت الإشارة إلى ذلك،
وابن عباس ممّن حضر ذلك المشهد، كما لا غرابة في جوابه لمن سأله عن الإمام أمير المؤمنين علیه السلام فقال :
«ذكرت والله أحد الثقلين(1)، سبق بالشهادتين(2)، و صلّى القبلتين(3)، و بايع البيعتين (4)، واعطي السبطين (5)، و هو أبو السبطين الحسن والحسين، و ردّت عليه الشمس
مرّتين بعد ما غابت عن الثقلين(6)، و جرّد السيف تارتين(7)، و هو صاحب الكرتين(8)، فمثله
1) لحديث النبي الله : ( إني مخلّف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي) وعلي هو رأس العترة وأبوها، وقد بينت ذلك في كتاب علي إمام البررة 1 : 292 - 318
2) لحديث النبي : (أول هذه الأمة وروداً على نبيها و أولها إسلاماً علي بن أبي طالب) راجع كتاب علي إمام البررة 1 : 416
3) في حديث أبي رافع قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم أول يوم الإثنين، وصلت خديجة آخر يوم الإثنين، وصلى علي يوم الثلاثاء في الغد من يوم صلى النبي صلى الله عليه وسلم مستخفياً قبل أن يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم أحد سبع سنين وأشهراً، وقال أبو عمر في الإستيعاب في ترجمة الإمام: إنّه أول من أسلم، وأول من صلى أه--، واستشهد في محراب الصلاة والصلاة على شفتيه. راجع شواهد التنزيل 2: 126.
4) يشير إلى البيعة الأولى يوم الإنذار وراجع عنها: علي إمام البررة 1 : 72 - 92 ، والبيعة الثانية هي بيعة الرضوان عند الشجرة عام الحديبية، راجع عنها نفس المصدر 3: 116 - 125 .
5) هما الحسن والحسين الله، وبها كان يكنى الإمام فيقال له: أبو الحسنين، وأبو السبطين، وقد كناه النبي قب--ل موته بثلاث: بأبي الريحانتين فقال له: سلام عليك أبا الريحانتين أوصيك بريحانتي من الدنيا، فعن قليل ينهد ركناك ، والله خليفتي عليك فرائد السمطين 1 : 382.
6) يشير إلى المرتين اللتين ذكر ناهما في المتن ، فالأولى بالصهباء من أرض خيبر، والثانية ببابل من أرض العراق .
7) يشير إلى ما ابتلي به الإمام من حربي الجمل وصفين، حيث نكثت طائفة وقسط آخرون، وفي رواية ابن شاذان في مائة منقبة 130 / 75 ( وهما حرب بدر وحنين).
8) الكرة هي الحملة في الحرب، ولم يتبين لي وجه المراد بما في المتن .
في الأمة مثل ذي القرنين(1)
وفي النهاية لابن الأثير: أي طرفي الجنة جانبيها، وقال أبو عبيد وأنا أحسب أنه أراد ذو قرني الأمة فأضمر، :وقيل أراد الحسن والحسين، وفي تهذيب الأزهري ومنه حديث علي ، وذكر قصة ذي القرنين ثم قال: وفيكم مثله، فيُرى أنه عنى نفسه .
، ذاك مولاي علي بن أبي طالب»(2)..وكان يقول بضرس قاطع، و قد رُوي عنه بطرق كثيرة: أنّه لم تردّ الشمس إلا لسليمان وصي داود، وليوشع وصيّ موسى، و لعلي بن أبي طالب وصيّ محمد صلوات الله عليهم أجمعين(3).
لابد لنا أولاً من ذكر نبذة عن أبي هريرة تعرّف القارئ به معرفة تجعله على بصيرة من أمره في مرويّاته ، فهو المغمور اسماً ورسماً وحسباً ونسباً، قد أصبح بقدرة قادر يجتاح جميع الصحابة بطوفان أحاديثه، حتى لقب براوية الإسلام!
ومع ذلك التزويق والتلفيق بقي - ومع الأسف الشديد - متهماً عندهم في أحاديثه، حتى ذكروا تكذيبه عن عمر وعثمان وعلي وعائشة وآخرين من الصحابة والتابعين، فكان يتشكّى من اتهامهم له، ويتباكى ويضرب صلعته ويقول لهم: ألا إنّكم تحدّثون أنّي أكذب على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ...(4)
1) جاء في مسند أحمد 1: 159 ط افست صادر قال له: (يا علي إن لك كنزاً من الجنّة وانك ذو قرنيها.... قال المنذري أي ذو قرني هذه الأمة، وذالك لأنه كان له شجتان في قرني رأسه، احداهما من ابن ملجم لعنه الله والأُخرى من عمرو بن ود .
2) مناقب الخوارزمي : 136 ط الحيدرية .
3) مناقب ابن شهر آشوب 2 145 ط الحيدرية .
4) راجع طبقات ابن سعد 5: 239 ط مصر .
وفي رواية الجمع بين الصحيحين عن أبي رزين قال: خرج إلينا أبو هريرة فضرب بيده على جبهته فقال: ألا إنّكم تحدّثون أنّي أكذب على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم.
وفي رواية أبي القاسم الكعبي في قبول الأخبار (1)يضرب بيده ثم يقول: يا أهل العراق
تزعمون أنّي أكذب على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ليكون لكم المهنأ وعلي المأثم . ثم عقّب الكعبي على هذا بقوله : و هذا يدلّ على أنّهم كانوا يكذّبونه في ذلك الزمان .
وقد روى الذهبي في سير أعلام النبلاء(2)قول عمر لأبي هريرة: لتتركنّ الحديث عن
رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أو لألحقنك بأرض دوس ...
وروي عن أبي هريرة أنّه قيل له: أين كنت عن هذه الأحاديث فيما قبل؟ قال: كنت
أخشى خافقات عمر(3)
وفي صحيح مسلم في كتاب الزهد و الرقاق باب التثبت في الحديث (4)بسنده : كان أبو هريرة يحدّث و يقول اسمعي يا ربة الحجرة، اسمعي يا ربة الحجرة، و عائشة تصلي، فلما قضت صلاتها قالت لعروة: ألا تسمع إلى هذا و مقالته آنفاً، إنّما كان النبي صلی الله علیه و آله و سلم يحدّث حديثاً لو عدّه العادّ لأحصاه .
قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (5): و كان من قوله - يعني أبا هريرة - حدّثني
خليلي و قال خليلي و رأيت خليلي، فقال له علي: متى كان النبي خليلك يا أبا هريرة؟!
وقال في ص 29 : فلما أتى من الرواية عنه صلی الله علیه و آله و سلم ما لم يأت بمثله من صحبه من جلّة
أصحابه و السابقين الأولين إليه،اتهموه و أنكروا عليه و قالوا:كيف سمعت هذا وحدك ؟ ومَن سمعه معك ؟ وكانت عائشة رضی الله عنها أشدهم إنكاراً عليه لتطاول الأيام بها وبه .
وقال أيضاً: ومن عجيب شأنهم (أي رجال الحديث) أنّهم ينسبون الشيخ إلى الكذب
ولا يكتبون عنه ما يوافقه عليه المحدّثون بقدح يحيى بن معين وعلي بن المديني و أشباهها، و يحتجون بحديث أبي هريرة فيما لا يوافق على أحد من الصحابة، و قد أكذبه عمر وعثمان وعائشة(1).
و من أجل ذلك كتب الكاتب الإسلامي البليغ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله يقول:
كان أبو هريرة أكثر الصحابة رواية - و لهذا كان عمر وعثمان وعلي وعائشة ينكرون عليه و يتهمونه - وهو أول راوية اتّهم في الإسلام، وكانت عائشة أشدّهم إنكاراً عليه لتطاول الأيام بها وبه إذ توفيت قبله بسنة (2).
فهذا هو أبو هريرة مبدءاً و مآلاً و حالاً و مقالاً، و يبقى على المثل المشهور (في كل وادٍ أكثر من ثعلبة) .
لقد روى حديث ردّها بالصهباء وروى أنّها لم تحبس إلّا على يوشع بن نون، فهو متناقض في روايتيه، و هذا ما أوقع زوامل الأسفار ممّن يهواه في حيرة من أمره، ويمكن أن يكون روى ردّها في خيبر أولاً، فذلك كان بعد قسمة الغنائم كما في بعض المتون فيمكن تمشية حاله في روايته هذه، لأنه أسلم في السنة السابعة بعد فتح خيبر .
وقد أطعمه النبي صلی الله علیه و آله و سلم أو ساقاً من تمر كما يزعم ، فلا مانع من قبول روايته ؟ وإن لم يقبلها ابن الجوزي و لا ابن تيمية، وعنهما حكى الرفض ابن كثير في البداية والنهاية، و صافقهما على ذلك، إلا أن السيوطي ذكر ذلك عنهما و لم يوافقها بل ناقشها، فلنقرأ الحديث برواية أبي هريرة كما في تاريخ ابن كثير(1)قال ابن كثير:
وأما حديث أبي هريرة فأخبرنا عقيل بن الحسن العسكري، أنا أبو محمد صالح بن
الفتح النسائي، ثنا أحمد بن عمير بن ،حوصاء، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا يحيى بن یزید بن عبد الملك النوفلي عن أبيه ، ثنا داود بن فراهيج، وعن عمارة بن برد، و عن أبي هريرة فذكره وقال : اختصرته من طويل .
وهذا اسناد مظلم، ويحيى بن زيد وأبوه وشيخه داود بن فراهيج كلهم مضعفون، وهذا هو الذي أشار إليه ابن الجوزي انّ ابن مردويه رواه من طريق داود بن فراهيج، وضعّف داود هذا شعبة و النسائي و غيرهما، و الذي يظهر أنّ هذا مفتعل من بعض الرواة، أو قد دخل على أحدهم و هو لا يشعر، و الله أعلم.
أقول : وليس هذا بكثير من ابن كثير، فالرجل معروف بنصبه و عناده، و سيأتي ذكره وما عنده مع ذكر النفاة الغواة، و لكن هلمّ الخطب في حديث أبي هريرة الآخر الذي ينسف ما مرّ عنه نسفاً، فقد روى ابن الجوزي والذهبي وغيرهما عن أبي هريرة: (لم تردّ الشمس إلّا على يوشع بن نون).
وهذا ما أربك أصحاب الحديث في هذين الخبرين لما بينهما من التنافي ما لا يخفى، فإذا كانت الشمس لم تردّ إلا ليوشع، فكيف روى ردّها في الصهباء من أرض خيبر حتى صلّى
1) البداية والنهاية 6: 83 - 84 .
الإمام أمير المؤمنين علیه السلام فقبول الخبرين معاً يستلزم التنافي، وطرحهما معاً كسائر مرويّاته التي رواها ممّا كان يحدّث به ولا أساس له، فإذا حوقق في ذلك قال: ربّ كيس عند أبي هريرة لم يفتحه(1).
ورحم الله أمة محمد صلی الله علیه و آله و سلم من بلايا ما في ذلك الكيس، فلا موجب لطرحهما معاً بعد ورودهما في دواوين الحديث مكرراً، وترجيح أحدهما على الآخر من دون مرجح غير مقبول، فماذا هو الصحيح ؟
والجواب عندي كلاهما صحيح، إلا أنّ الزمان الذي حدّث فيه أبو هريرة بهما كان مختلفاً، فالأول - وهو الصحيح - كان في زمان لم يضلع فيه بعدُ مع الأمويين، و لم يلحس قصاعهم ويأكل مضيرتهم، ولما هملج مع الراكضين في ركابهم، صار يروي لهم ما يشعر بانتقاص الإمام علیه السلام ، وكم لنا على ذلك من شاهد.
وحسبنا في المقام شاهداً خبره حين دخل الكوفة مع معاوية، وكان يجلس العشيات
بباب كندة و يجلس الناس إليه، فجاء شاب من الكوفة فجلس إليه و قال: يا أبا هريرة أنشدك الله أسمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يقول لعليّ بن أبي طالب: اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه ؟ فقال : اللّهمّ نعم، فقال: فأشهد بالله لقد واليت عدوّه وعاديت وليّه، ثم قام عنه.
وروى الأعمش قال: لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة (سنة 41) جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه، ثم ضرب صلعته مراراً وقال: يا أهل العراق أتزعمون أنّي أكذب على رسول الله، وأحرق نفسي بالنار، والله لقد سمعت رسول الله يقول : إنّ لكل نبي حرماً، و إنّ حرمي المدينة ما بين عير إلى ثور،
1) تاریخ دمشق 19: 116 ، وسير أعلام النبلاء 2 : 597 ، وفي كتاب شيخ المضيرة أبو هريرة: 221 قال رواه البخاري.
فمن أحدث فيهما حدثاً فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين، و أشهد بالله أنّ علياً أحدث فيها، فلما بلغ معاوية قوله أجازه و أكرمه و ولاه إمارة المدينة(1).
(7)
وقد بيّنت بعض أكاذيبه في كتاب علي إمام البررة (2).
والآن إلى قراءة بعض ما قاله المنّاوي في فيض القدير(3)في شرح حديث أبي هريرة
الثاني، و ما أفاض به لرفع التنافي بين حديثيه.
قال في شرح حديث أبي هريرة: ما حُبست الشمس على بشر قط إلا على يوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس (خط) قيل في هذا الحبس إنها رجعت على أبراجها، وقيل وقفت فلم تردّ، وقيل هو بطوء حركتها .
قال بعض شرّاح مسلم : و الشمس أحد الكواكب السيارة، و حركتها مترتبة على حركة الفلك بها، فحبسها المذكور على التفاسير المذكورة إنّما هو لحبس الفلك لا لحبسها في نفسها.
ثم إنّ هذا لا يعارضه خبر ردّ الشمس على عليّ، لأنّ هذا في خبر صحيح، وخبر علي قال ابن الجوزي: موضوع لاضطراب رواته، لكن انتصر المصنف لتصحيحه وعمدته نقله عن عيّاض في الشفاء، وقد أقاموا عليه القيامة، و ذكر عظماء شرّاحه أنّه غير صحيح نقلاً و معنى، و تعجبوا منه مع جلالة قدره في سكوته عليه.
وابن تيمية له تأليف في الرد على الرافضة، ذكر فيه الخبر بطرقه و رجاله و حكم
بوضعه، و على التنزّل و فرض صحة الخبرين فلا معارضة، لأنّ خبر يوشع في حبسها قبل الغروب، و خبر علي في ردّها بعده، أو أنّ أخباره بأنّها لم تحبس إلا ليوشع قبل ردّها على عليّ.
ثم رأيت الحافظ قد أوضح تقرير هذه القصة فقال: أخرج الخطيب في كتابه ذمّ النجوم عن عليّ كرّم الله وجهه قال: سأل قوم يوشع أن يطلعهم على بدء الخلق و آجالهم، فأراهم ذلك في ماء من غمامة أمطرها الله عليهم، فكان أحدهم يعلم متى يموت، فبقوا على ذلك إلى أن قاتلهم داود على الكفر، فأخرجوا إلى داود من لم يحضر أجله، فكان يقتل من أصحاب داود ولا يُقتل منهم، فشكا إلى الله و دعاه فحبست عليهم الشمس فزيد في النهار، فاختلطت الزيادة بالليل والنهار فاختلط عليهم حسابهم أه-- .
قال ابن حجر: إسناده ضعيف جداً، وحديث أحمد الآتي رجاله محتجّ بهم في الصحيح، فالمعتمد أنّها لم تحبس إلّا ليوشع، وقد اشتهر حبس الشمس ليوشع حتى قال أبو
تمام:
فو الله لا أدري أأحلام نائم *** ألمّت بنا أم كان في الركب يوشع
ولا يعارضه ما في السير أنّ المصطفى صلی الله علیه و آله و سلم لما أخبر قريشاً بالإسراء أنّه رأى عيرهم تقدم مع شروق الشمس فدعا الله فحبست حتى قدمت، وهذا منقطع، لكن في الأوسط للطبراني عن جابر أنّ المصطفى صلی الله علیه و آله و سلم أمر الشمس فتأخّرت ساعة من نهار، و سنده حسن، و يجمع بأنّ الحصر على الماضي للأنبياء قبل نبيّنا، و ليس فيه أنّها لا تحبس بعده.
وفي الكبير للطبراني و الحاكم و البيهقي في الدلائل عن أسماء بنت عميس أنّ
المصطفى صلی الله علیه و آله و سلم دعا لما نام على ركبة علي ففاتته العصر ، فردّت حتى صلّى علي ثم غربت، وهذا أبلغ في المعجزة، وأخطأ ابن الجوزي في إيراده في الموضوع .
وجاء أيضاً أنّها حبست لموسى لما حبس تابوت يوسف، ففي المبتدا عن عروة أنّه تعالى أمر موسى أن يأمر بني اسرائيل أن تحمل تابوت يوسف، فلم يُدلّ عليه حتى كاد الفجر يطلع، و كان وعدهم بالسير عند طلوع الفجر، فدعا ربّه أن يؤخّر الفجر حتى يفرغ ففعل، وتأخير طلوع الفجر يستلزم تأخير طلوع الشمس لأنّه ناشئ عنها، فلا يقال الحصر إنما وقع في حق يوشع بطلوع الشمس، فلا يمنع حبس الفجر لغيره . و جاء أيضاً في خبر أنّها حبست لسليمان بن داود لكنه غير ثابت، انتهى ملخصاً.
لقد مرّ بنا في أول الرسالة في المبحث الثالث من الباب الأول أسماء المنكرين لمعجزة ردّ الشمس، وكان الكلام في مسألتين:
المسألة الأولى : في أسماء المنكرين لردها على العهد النبوي الشريف.
المسألة الثانية : في المنكرين لردّها على العهد العلوي المنيف. وذكرت في المسألة الأولى أسماء ثمانية من المنكرين، و قلت لأنّهم أُناس لم يستمرئوا طعم الإيمان من خلال حبّ أمير المؤمنين علیه السلام الذي قال فيه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : حبّه من الإيمان وبغضه من النفاق (1)وهم :
ابن فورك (ت / 446 ) .
ابن حزم الظاهري (ت / 456 ) .
1) علي إمام البررة 1: 93 - 101
ابن عساكر الشافعي الشامي (ت / 573) .
ابن الجوزي الحنبلي (ت / 597)
ابن تيمية الحراني الحنبلي (ت / 728).
ابن قيم الجوزية الحنبلي (ت / 767) .
ابن كثير الشامي الشافعي (ت / 774)
وهؤلاء كما أنكروا ردّ الشمس في العهد النبوي الشريف، أنكروا ردّها في العهد العلوي المنيف، وقد بيّنت ما يكشف حقائقهم وعقائدهم، فليرجع القارئ إلى ذلك في محلّه من هذه الرسالة، غير أنّي لم أذكر جميع ما عندهم من تزويق الباطل في إنكار الحديث. والآن سأكتفي بذكر أربعة من أولئك الثمانية، و هم الذين لا تزال آثارهم المطبوعة تضم آراءهم المصنوعة الممنوعة، و هم: ابن عساكر الشافعي الدمشقي، وابن الجوزي الحنبلي البغدادي، وابن تيمية الحراني الحنبلي، و ابن كثير الشامي الشافعي، و من تلاهم من المتأخّرين من الأشياع، فعنهم أخذوا، إذ لم يأتوا بجديد، إلّا اجترار اللاحق لما قاله السابق.
أولاً : فماذا قال ابن عساكر في كتابه تاريخ دمشق بعد ذكره الحديث، لقد قال:
807 :أخبرنا أبو المظفر ابن القشيري (1) وأبو القاسم المستملي (2) قالا: أنبأنا أبو عثمان البحيري (3) أنبأنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسن الدهبقاني بها (4) أنبأنا محمد بن أحمد بن محبوب - وفي حديث ابن القشيري: أنبأنا أبو العباس المحبوبي (5) - أنبأنا
سعيد بن مسعود (6)
حيلولة: وأخبرنا أبو الفتح الماهاني (7) أنبأنا شجاع بن علي (8) أنبأنا أبو عبد الله ابن مندة (9) أنبأنا علي بن أحمد البستي (10) أنبأنا أبو أمية محمد بن إبراهيم (11) أنبأنا عبد الله ابن موسى (12) أنبأنا فضيل بن مرزوق (13) عن إبراهيم بن الحسن (14) - زاد أبو
أمية ابن الحسن - عن فاطمة بنت الحسين (15) عن أسماء بنت عمیس (16) قالت: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يوحى إليه ورأسه في حجر علي، فلم يصلّ علي العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم صلّيت العصر ؟ - وقال أبو أمية: صليت يا علي ؟ - قال: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : - و قال أبو أمية: فقال النبي ع : اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة نبيك - و قال أبو أُمية: رسولك - فاردد عليه الشمس. قالت أسماء: فرأيتها غربت، ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت.
وتابعه عمار بن مطر الرهاوي (17) عن فضيل بن مرزوق .
:808: أخبرنا أبو محمد بن طاووس (18) أنبأنا عاصم بن الحسن (19) أخبرنا أبو عمر ابن مهدي (20) أنبأنا أبو العباس بن عقدة (21) أنبأنا أحمد بن يحيى الصوفي (22) أنبأنا عبدالرحمن بن شريك (23) حدثني أبي (24) عن عروة بن عبد الله بن قشير (25) قال: دخلت على فاطمة بنت علي (26) فرأيت في عنقها خرزة، ورأيت في يديها مسكتين غليظتين وهي عجوز كبيرة ، فقلت لها: ما هذا؟ فقالت: انّه يكره للمرأة أن تتشبه بالرجال، ثم حدّثتني أنّ أسماء بنت عميس حدّثتها انّ علي بن أبي طالب رضی الله عنه، دفع إلى نبي صلی الله علیه و آله و سلم و قد أُوحي إليه فجلّله بثوبه، فلم يزل كذلك حتى ادبرت الشمس - تقول: غابت أو كادت أن تغيب - ثم ان نبي الله صلی الله علیه و آله و سلم سرّي عنه فقال: أصلّيت يا علي؟ قال: لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهمّ
ردّ على عليّ الشمس، قالت أسماء: فرجعت الشمس حتى بلغت نصف المسجد.
قال عبد الرحمن: قال أبي : وحدّثني موسى الجهني (27) نحوه .
قال ابن عساكر: هذا حديث منكر، وفيه غير واحد من المجاهيل .
لقد حاول ابن عساكر ماكراً أن يوهم القارئ بقوله : ( هذا حديث منكر وفيه غير
واحد من المجاهيل) ليسقطه عن الإعتبار، ولكن لا يجوز لباحث أن يمرّ بسلام على ما قاله دون تحقيق في صحّة هذا الكلام، كما لا يجوز له أيضاً أن لا يعرف القارئ بابن عساكر من خلال كتابيه (تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري) فهو من كتب المغالاة مؤلَّفاً و مؤلّفاً، حتى قال ابن السبكي فيه: كل من لا يكون عنده كتاب التبيين لابن عساكر فليس من أمر نفسه على بصيرة. وكلمة ابن أبي الحجاج الأندلسي في فهرسته: لو لم يكن للحافظ ابن عساكر من المنّة على الأشعري إلا هذا الكتاب لكفى به .
و من خلال كتابه الآخر (تاريخ مدينة دمشق) وحسبنا أن نعتمد ( صفحة من حیاة المصنف) للشيخ محمد زاهد الكوثري ذكرها في مقدّمة التبيين مقدّمة الكتاب فنلخصها :
مولده وميلاده: ولد بدمشق أول المحرم من سنة تسع وتسعين وأربعمائة .
اسمه ولقبه: ثقة الدين أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبدالله بن الحسين بن عساكر، (وليس في أجداده من اسمه عساكر، وإنّما هي تسمية اشتهرت عليهم في بيتهم ولعلهم من قبل أمهات بعضهم على ما في ذيل الروضتين).
بعض شيوخه ورحلاته : تفقّه في حداثته بدمشق على الفقيه أبي الحسن السلمي،
وسمع فيها سنة 505... ورحل إلى بغداد عام عشرين، وأقام بها خمس سنين، ولزم بها التفقه وسماع الدروس بالنظامية ... وقصد مكة فسمع بها ... وانتقل إلى المدينة فسمع بها ... وتوجّه إلى الكوفة فسمع عمر بن إبراهيم... وعاد إلى بغداد ثم رجع إلى دمشق، ورحل إلى خراسان ودخل نيسابور سنة تسع وعشرين فسمع بها... و زاهر بن طاهر الشحامي، وسمع باصبهان وهراة.... ثم عاد إلى دمشق يحدث ويملي إلى آخر عمره وعدد شيوخه 1300 شيخ، و ثمانون امرأة و نيف، وذكر أسماء 32 بلداً غير ما مرّ ذكره.
وقال فيه النووي: هو حافظ الشام بل هو حافظ الدنيا الإمام مطلقاً الثقة الثبت،
ووصفه بعضهم بأنه كان فقيهاً أديباً سنياً ...(1)
وأما عن كتابه الآخر (تاريخ مدينة دمشق) ففي أول مقدمة المجلدة الأولى من طبعة المجمع العلمي العربي بدمشق تعريفاً به من محمد كرد علي، ثم مقدمة ضافية وافية بقلم المحقق صلاح الدين المنجّد نقتبس منها ما يكشف عن المؤلِّف والمؤلَّف، و مباركة سلطان الوقت الذي تبنّاه برعايته.
فقال في عنوان ( أثر نور الدين في حياته العلمية ) :
على أنّ دخول نور الدين دمشق سنة 549 / 1154 كان له أثر في حياة ابن عساكر العلمية، فقد تم بعده أمران لهما شأن: الأول إنجاز تاريخ دمشق، والثاني بناء دار الحديث النورية.
ويحدّثنا الحافظ عن الأمر الأول فيقول : وغير خبر جمعي له (لتاريخ دمشق) إلى حضرة الملك القمقام، الكامل العادل الزاهد المجاهد المرابط الهمام أبي القاسم محمود بن زنكي بن آق سنقر ناصر الإمام... وبلغني شوقه إلى الاستنجاز له والاستتمام، فراجعت العمل فيه راجياً الظفر بالتمام .
فيتضح لنا أنّ تاريخ دمشق لم يكن قد نجز تأليفه عندما دخل نور الدين دمشق، وأنّ نور الدين هو الذي تشوّق إلى استنجازه، فأتمّه الحافظ بعد سنة 549 ه-- .
أما الأمر الثاني فكان بناء دار الحديث النورية لتعليم الحديث، وهو من الأعمال التي قام بها نور الدين لنشر السنّة والقضاء على المذهب الشيعي، ودار الحديث هذه هي أول مدرسة أنشئت في الإسلام للحديث، وقد أنشئت لابن عساكر، وعهد إليه نور الدين
1) تذكرة الحفاظ 4 : 1333 ط حیدر آباد
بأمرها، وبين تأليف ابن عساكر كتاب باسمه (تقوية المنّة على إنشاء دار السنّة)...
فتبيّن لنا بوضوح أنّ ابن عساكر كان من أعوان السلطان، ومن تآليفه الباقية التي عندي (التبيين) و (تاريخ دمشق) تبيّن أنهما صدى لنوازع سياسية عاشها في عصره المضطرب، فالتبيين هو في الحقيقة صدى لافتراء الحنابلة وتعصّبهم على الأشاعرة والشافعية، وكذلك تاريخه مليء بالشواهد على تعصّبه ضد الشيعة وطال ذلك جملة رجالاتهم، وقد كتب هو كتاباً في ذم الرافضة(1).
ولو أنه استقام على شافعيته كما كان إمام الشافعية محمد بن ادريس الشافعي لكان خيراً له، فإنّ إمامه قال فيها صح عنه قوله:
إن كان رفضاً حب آل محمد *** فليشهد الثقلان انّي رافضي
لكنّ ابن عساكر، شايع نور الدين ولي نعمته في نُصبه ، فبدت منه نقثات النُصب في بعض تراجم تاريخه، وحيث كنّا نتحدّث عن روايته حديث ردّ الشمس وتعقيبه عليه بقوله:
(هذا حديث منكر وفيه غير واحد من المجاهيل) فاستدعى ذلك منّا هذا التعقيب
فنقول : لقد عرفنا القارئ بابن عساكر آخذين ذلك من أشياعه، فنحن غير متهمين عليه في إبداعه وابتداعه، ومن حقنا أن نسأله ما دام الحديث منكراً وفيه غير واحد من المجاهيل، لماذا أوردته في كتابك ؟
وإذ أوردته، لماذا لم تبيّن وجه النكارة في المتن؟ وإذ أغفلت ذلك، لماذا لم تسم واحداً من أولئك المجاهيل ؟ والجرح غير المفسّر غير مقبول، كما عليه أئمّة الجرح والتعديل الفحول، أما وقد أنكرت وماكرت في حقيقة هذا الحديث، صار لزاماً علينا أن نستقرئ
1) مقدمة محمد علي كرد ص ك.
رجال السند، وما قال فيهم علماء الجرح والتعديل من أصحابك وأحبابك، لنكشف للقارئ زيف مازعمت.
فنقول : لقد رويت الحديث - كما تقدم - بسندين :
فرجال السند الأول هم طائفتان الأولى هم:
1 - أبو المظفر ابن القشيري
2- أبو القاسم المستملي.
} من شيوخ ابن عساكر وهما أنبأهما
3- أبو عثمان البحيري، وهذا أنبأه .
4 - أبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسن الدهبقاني بها، وهذا أنبأه .
-5 - محمد بن أحمد بن محبوب - وفي حديث ابن القشيري - أنبأه العباس المحبوبي وهذا أنبأه سعيد بن مسعود
الطائفة الثانية وهم رجال سند الحيلولة :
1 - أبو الفتح الماهاني من شيوخ ابن عساكر، وهذا أنبأه
2 - شجاع بن علي، وهذا أنبأه .
3- أبو عبد الله بن مندة، وهذا أنبأه .
4- علي بن أحمد البستي وهذا أنبأه
5- أبو أمية محمد بن إبراهيم، وهذا أنبأه .
6 - عبيد الله بن موسى، وهذا أنبأه .
7- فضيل بن مرزوق، وهذا عن،
8-إبراهيم بن الحسن - زاد أبو أمية: ابن الحسن، وهذا عن
9 - فاطمة بنت الحسين، وهذه عن
10 - أسماء بنت عميس .
وأخيراً ذكر متابعة .
11 - عمار بن مطر الرهاوي عن فضيل بن مرزوق .
فهؤلاء سبعة عشر إنساناً هم رواة الحديث بالسند الأول، وأما رجال السند الثاني فهم:
1 - أبو محمد طاووس، وهذا من شيوخ ابن عساكر، أنبأه بالحديث
2 - عاصم بن الحسن، وهذا أخبره .
3- أبو عمر ابن مهدي، وهذا أنبأه .
4 - أبو العباس ابن عقدة، وهذا أنبأه .
5 - أحمد بن يحيى الصوفي، وهذا أنبأه .
6- عبد الرحمن بن شريك، وهذا حدّثه .
7-أبوه - شريك - وهذا عن
8- عروة بن عبد الله بن قشير، وهذا دخل على:
9 - فاطمة بنت علي فحدثته
10 - أسماء بنت عميس
11 - موسى الجهني حدّث عنه شريك أيضاً بالحديث.
فصار مجموع الرواة من غير المكرر / 28 راوياً، و علينا أن نتعرّف عليهم، لنرى كم منهم من المجاهيل الذين عناهم ابن عساكر، و أعلّ الحديث بهم بدءاً من مشايخه، و مروراً بمن رووا عنهم، وإنتهاءاً بأسماء بنت عميس، فنقول:
الأول: أبو المظفر بن القشيري: قال الذهبي في سير أعلام النبلاء(1):
1) سير أعلام النبلاء 14 : 495 - 496 .
ابن القشيري عبد المنعم الشيخ الإمام المسند المعمّر، أبو المظفر ابن الأستاذ أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري النيسابوري... قال السمعاني: شيخ ظريف مستور الحال سليم الجانب غير مداخل الأمور ... كان ابن عساكر يفضّله على الفُراوي، مات بين العيدين سنة 532 ، فتبيّن حال هذا فهو ليس من المجاهيل .
الثاني: أبو القاسم المستملي: وهذا من شيوخ ابن عساكر الذين ماكر في ذكرهم على صيغ متعدّدة، فأتعبني البحث عنه، لأنّه لم يذكر اسمه في هذا الحديث، ولما كان له عدّة شيوخه الذين يشتركون في هذه الكنية 15 شيخاً، والمستملي صفة لبعض المحدثين ليست لقباً، فصرت استقرئ أسانيد ابن عساكر في أحاديثه في ترجمة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام خاصة، فرأيت تلبيساً قد يكون متعمداً، ولا غضاضة لو سمّيته تدليساً، فقد روى عنه بعدّة عناوين كما يلي:
1 - أبو القاسم المستملي، كما في سند حديثنا المبحوث عنه في ج 2 / 283
2 - أبو القاسم الشحامي، كما في ستة مواضع في الجزء الأول، وعشرة في الجزء الثاني، وعشرة في الجزء الثالث
3- أبو القاسم ابن الشحامي، في 575 من الجزء الثالث .
4 - أبو القاسم زاهر بن طاهر في 16 موضعاً في الجزء الأول، و 23 موضعاً في الجزء الثاني، و 15 موضعاً في الجزء الثالث
5 - أبو القاسم زاهر مع أخيه أبي بكر وجيه بني طاهر في ص 451 ج 2 ، و ص 133 ج 3.
فهذه العناوين التي وردت في أحاديثه في ترجمة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام في الأجزاء الثلاثة بتحقيق المرحوم الشيخ المحمودي رحمه الله ، فمن الذي يظن أنّها جميعاً لرجل واحد، ولولا الاستعانة بكتابه الآخر (تبيين كذب المفتري) واستقراء أسانيده لما أمكنني معرفة
الحقيقة، غير أنّي عثرت في ص 74 و 417 على روايته عن أبي القاسم زاهر بن طاهر المستملي، وبإضافة (الشيخ) في ص191.
وفي ص 31 الشيخ أبو القاسم زاهر بن طاهر بن محمد بن محمد المعدّل الشحامي، وبوصف المعدل فقط في الصفحات التالية / 88،65 / 148 / 188 فتبيّن أنّ أبا القاسم المستملي المبحوث عنه هو زاهر بن طاهر بن محمد بن محمد الشحامي المعدّل ، فلماذا إذن ذكره ابن عساكر بخمسة عناوين في 83 موضعاً بينها موضع واحد فيه أبو القاسم المستملي ؟ حتى قلت: إنّه ماكر ومدلّس، أتدرون لماذا؟
والجواب ببساطة أنّ هذا الشيخ لم يكن يصلّي، ومع ذلك فهو موصوف عند بني قومه بالمعدِّل أرأيت (أكوساً عريض اللحية) ! فاقرأوا معي ما تيسّر من بعض ما قاله مترجموه فيه، و انتبهوا إلى أوصاف الثناء عليه :
فأولهم: معاصره و أحد الرواة عنه، والمدافع عنه أبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي، قال في كتابه المنتظم في أحداث سنة 535ه-- (1):
زاهر بن طاهر أبو القاسم بن أبي عبد الرحمن بن أبي بكر الشحامي، ولد سنة 446 ورحل في طلب الحديث و عمّر، وكان مكثراً متيقظاً صحيح السماع، وكان يستملي على شيوخ نیسابور، وسمع منه الكثير باصبهان والري وهمذان والحجاز وبغداد وغيرها، وأجاز لي جميع مسموعاته، وأملى في جامع نيسابور قريباً من ألف مجلس، وكان صبوراً على القراءة عليه، وكان يكرم الغرباء الواردين عليه ويمرّضهم ويداويهم ويعيرهم الكتب .
وحكى أبو سعد السمعاني أنّه كان يخلّ بالصلاة، قال: وسئل عن هذا فقال: لي عذر، وأنا أجمع بين الصلوات، ومن الجائز أن يكون به مرض، والمريض يجوز له الجمع بين
1) المنتظم: ج 10 ط حیدرآباد .
الصلوات، فمن قلة فقه هذا القادح رأى هذا الأمر محتمل قدحاً، توفى زاهر في ربيع الآخر من هذه السنة بنيسابور ودفن في مقبرة يحيى بن يحيى.
وثانيهم: ابن كثير الشامي الشافعي قال في كتابه البداية و النهاية(1):
زاهر بن طاهر بن محمد أبو القاسم بن أبي عبد الرحمن بن أبي بكر السحامي (كذا في المطبوع والصواب الشحامي) المحدّث المكثر الرحّال الجوّال، سمع الكثير وأملى بجامع نيسابور ألف مجلس، و تكلّم فيه أبو سعد السمعاني وقال: إنّه كان يخلّ بالصلوات، وقد ردّ ابن الجوزي على السمعاني بعذر المرض، ويقال: إنّه كان به مرض يكثر بسببه جمع الصلوات فالله أعلم، بلغ خمساً و ثمانين سنة، توفي بنيسابور في ربيع الآخر ودفن بمقبرته.
وثالثهم الذهبي، وقد ذكره في خمسة من كتبه :
أ- فقال في كتابه ميزان الاعتدال(2):
زاهر بن طاهر، أبو القاسم الشحامي، مسند بنيسابور، صحيح السماع، لكنه يخلّ بالصلاة، فترك الرواية عنه غير واحد من الحفّاظ تورّعاً، و كابر و تجاسر آخرون .
ب- وقال في كتابه العبر(3)في أحداث 533 : وتوفي... زاهر بن طاهر أبو القاسم
الشحامي النيسابوري المحدّث المستملي الشروطي مسند خراسان، روى عن أبي سعد الكنجرودي والبيهقي وطبقتهما، ورحل في الحديث أولاً وآخراً، وخرّج التاريخ، وأملى نحواً من ألف مجلس، ولكنه كان يخلّ بالصلوات، فتركه جماعة لذلك، توفي في ربيع الآخر
(وهذا ما ذكره بعينه ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب)(1)) نقلاً عنه.
ج- وقال في سير أعلام النبلاء(2):
الشحامي زاهر بن طاهر ... الشيخ العالم المحدّث المفيد المعمّر مسند خراسان، أبو القاسم ابن الإمام أبي عبد الرحمن النيسابوري الشحامي المستملي الشروطي الشاهد... وروى الكثير واستملى على جماعة و خرّج و جمع، و انتقى لنفسه السباعيات، وأشياء تدلّ على اعتنائه بالفنّ، و ما هو بالماهر فيه، و هو واهٍ من قبل دينه.
قال أبو سعد السمعاني: ورد علينا مرو قصداً للرواية بها، و خرج معي إلى اصبهان، لا شغل له إلا الرواية بها، وازدحم عليه الخلق، قرأت عليه تاريخ نيسابور في أيام قلائل، كنت أقرأ عليه سائر النهار ، و كان يكرم الغرباء و يعيرهم الأجزاء، و لكنه كان يخلّ بالصلوات إخلالاً ظاهراً وقت خروجه معي إلى اصبهان، فقال لي اخوه وجيه: يا فلان اجتهد حتى يقعد لا يفتضح بترك الصلاة، و ظهر الأمر كما قال وجيه، وعرف أهل أصبهان ذلك وشغبوا عليه .
وترك أبو العلاء أحمد بن محمد الحافظ الرواية عنه، وأنا فوقت قراءتي عليه التاريخ ما كنت أراه يصلّي، و عرّفنا بتركه الصلاة أبو القاسم الدمشقي، قال: أتيته قبل طلوع الشمس فنبّهوه فنزل لنقرأ عليه و ما صلّى، و قيل له في ذلك فقال: لي عذر وأنا أجمع الصلوات كلها و لعله تاب والله يغفر له، وكان خبيراً بالشروط وعليه العمدة في مجلس الحكم، مات بنيسابور 10 ربيع الآخر سنة 533 .
قلت - والقائل الذهبي - : الشره يحملنا على الرواية لمثل هذا، ثم ذكر أسماء جماعة
من رووا عنه فقال : وقد حدّث عنه أبو موسى المديني، والسمعاني وابن عساكر، وصاعد بن رجاء، ثم عدّ خمسة عشر اسماً من عيون المحدّثين و قال: و خلق كثير .
د- وقال في كتابه المغني في الضعفاء (1): زاهر بن طاهر الشحامي، صدوق في الرواية لكنه يخلّ بالصلوات؟ علا سنده و تكاثروا عليه، وروى عنه ابن عساكر الكثير.
ه-- - و ذكره في كتابه دول الإسلام في وفيات 533(2).
و رابعهم ابن حجر قال في لسان الميزان(3)بعد أن ذكر عبارة ميزان الاعتدال المتقدّمة قال: وقد اعتذر زاهر عن ذلك باصبهان و قال: لي عذر وأنا أجمع، ويحتمل أنّه كان به سلس البول .
وقد قال ابن النجار: كان صدوقاً من أعيان الشهود، وذكر قصّة الصلاة فقال: نقلاً عن السمعاني أنّه كان يرحل إلى البلاد يُسمع عليه كما يرحل الطالب ليَسمَع، ولما أراد الرحيل إلى أصبهان قال لي أخوه: قد كنت أمرته أن لا يخرج إلى اصبهان، فإنّه يفتضح عند أهلها بإخلاله بالصلاة، فأبى و وقع الأمر كما قال أخوه، فشنّعوا عليه وترك كثير منهم الرواية عنه، إلى أن قال : ولعله تاب ورجع عن ذلك في آخر عمره، مات سنة 533 بضع وثمانين سنة .
وخامسهم الصفدي في الوافي بالوفيات(4)قال : المستملي النيسابوري: زاهر بن طاهر بن محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف بن محمد بن المرزبان النيسابوري، شيخ وقته
في علوّ الإسناد و التفرد بالروايات، أسمعه والده في صباه من محمد بن عبد الرحمن الجنزروذي، وسعيد بن محمد بن أحمد البحيري، وأحمد بن إبراهيم المقريء وغيرهم.
وسمع هو نفسه على جماعة من المشايخ، وجمع لنفسه مشيخة، و خرّج تخاريج وجمع أحاديث الشيوخ، وحدّث بالكثير بخراسان والعراق، وكتب عنه الأئمّة والحفاظ، وانتشرت عنه الرواية، وحدّث ببغداد، وروى عنه ابن ناصر وأبو المعمّر الأنصاري، وكان صدوقاً من أعيان المعدّلين الشهود بنيسابور، وترك أبو العلاء أحمد بن محمد بن الفضل الرواية عنه لأنه كان يُخلّ بالصلوات، وتوفي سنة 533 بنيسابور، وعوتب على ترك الصلاة فقال: لي عذر وأنا أجمع بين الصلوات كلها، ولعله تاب ورجع في آخر عمره.
وسادسهم عبد الغافر قال في المنتخب من السياق (1): ثقة في الدين شيخ مشهورثقة، معتمد من بيت العلم والزهد والورع والحديث والبراعة في علم الشروط والأحكام .
أقول: وبهذا تمّت تمشية حال الرجل، فلا كلام حتى و لو أخلّ بالصلاة و الصيام وعلى الإسلام السلام ؟
وبجمل الثناء المزيّف تمّت تمشية الحال، فالرجل (دخل في طلب الحديث و عمّر وكان مكثراً متيقظاً صحيح السماع، وكان يستملي على شيوخ نيسابور) إلى آخر ما قاله ابن الجوزي وفيه: وأجاز لي جميع مسموعاته، واعتذر له عن إخلاله بالصلاة وتحامل على من قدحه بذلك فقال : ومن الجائز أن يكون به مرض، و المريض يجوز له الجمع بين الصلوات، فمن قلة فقه هذا القادح رأى هذا الأمر المحتمل قدحاً .
ومن حقنا أن نسأل ابن الجوزي - لكثرة فقهه - من أين له احتمال المرض، وتجويزه للمريض الجمع بين الصلوات، فإنّ أخا المتهم يشهد عليه بالإخلال، ويحذّر السمعاني من
1) المنتخب من السياق: 229 .
افتضاح أمره باصبهان ، وقد وقع ما كان يحذره، ثم هو لم يقل أنّي مريض بل قال لي عذر، فما هو عذره ؟ وإذا كان صادقاً فهلاً صادف مرّة أن جمع بين الصلوات بحضور أحد ليشهد له ؟
وكل ما جاء في الدفاع عنه تبرعي وغير شرعي ولم يرده الرجل، بل كان بمنتهى الوقاحة والصراحة ديدنه ترك الصلوات، وما ذكره الذهبي من امتناع جماعة في الرواية عنه تورعاً يكفي في تزييف المعاذير، وما حكاه السمعاني عن أبي القاسم الدمشقي - وأظن قوياً هو ابن عساكر الذي ماكر في ذكره - من قوله : أتيته قبل طلوع الشمس، فنبّهوه فنزل لنقرأ عليه وما صلّى، وقيل له في ذلك، فقال لي عذر وأنا أجمع الصلوات كلها، ولعله تاب... .
ولو صح عذره لمرض لما احتاج إلى توبة، والتوبة لا تكون إلا من ذنب، وهل من ذنب أعظم من ترك الصلاة، والأحاديث النبوية الشريفة في ذلك كثيرة .
نحو قوله صلی الله علیه و آله و سلم: بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة(1).
وقوله صلی الله علیه و آله و سلم: من لم يصل فلا دين له(2).
ولما كان الرجل معدوداً مع الشافعية، فلنقرأ ماذا قال إمامه في كتابه (الاُم).
هذا عنوان في كتاب (الأم) للشافعي(3)جاء فيه:
أخبرنا الربيع، قال الشافعي رحمه الله تعالى : من ترك الصلاة المكتوبة ممّن دخل في الإسلام قيل له لم لا تصلي ؟ فإن ذكر نسياناً، قلنا: فصلّ إذا ذكرت، وإن ذكر مرضاً، قلنا: فصلّ كيف أطقت قائماً أو قاعداً أو مضطجعاً أو مومياً .
فإن قال: أنا أطيق الصلاة وأحسنها، ولكن لا اُصلي وإن كانت علىَّ فرضاً، قيل له: الصلاة عليك شيء لا يعمله عنك غيرك، ولا تكون إلا بعملك، فإن صلّيت وإلا استبناك، فإن تبت وإلا قتلناك، فإنّ الصلاة أعظم من الزكاة والحجة فيها ما وصفت، و أنّ أبا بكر رضی الله عنه قال : لو منعوني عقالاً مما أعطوا رسول الله صلی الله علیه وآله و سلم لقاتلتهم عليه ، لا تفرقوا بين ما جمع الله .
قال الشافعي: يذهب فيها أرى والله تعالى أعلم إلى قول الله تبارك وتعالى: أقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ... وأطال الشافعي الكلام فمن ابتغاه فليراجعه.
ولو لم يكن قدح الرجل ثابتاً لما أطلت الكلام فيه، و بيّنت زيف دفاع ابن الجوزي وغيره، كيف لا يكون ثابتاً، و الذهبي يقول في ترجمة أخيه وجيه: وكان خيّراً متواضعاً متعبّداً لا كأخيه، وقد تفرّد في عصره.
وهذا هو الشاهد من أهله على إخلاله بالصلاة كما تقدّم عن السمعاني، ومع حاله هذا فهو إذاً ليس من المجهولين وإن لم يكن عندي من المقبولين.
لقد مررنا آنفاً بأسماء الرواة لحديث ردّ الشمس عند ابن عساكر، و قسّمناهم حسب ورودهم في السندين، وكان رواة السند الأول طائفتين، عرّفنا منهم اثنين وهما شيخا ابن عساكر.
1 - أبو المظفر ابن القشيري.
2 - أبو القاسم المستملي، والآن إلى بقية رجال السند حسب تسلسلهم المذكور آنفاً .
3- أبو عثمان البحيري ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء(1)فقال: البُحيري الشيخ الجليل الثقة أبو عثمان سعيد بن محمد بن أبي الحسين أحمد بن محمد بن جعفر بن محمد بن
1) سير أعلام النبلاء 13 : 497 .
بحير البحيريّ النيسابوري ... وقال عبد الغافر في (سياقه : شيخ كبير ثقة في الحديث، سمع الكثير بخراسان والعراق، و خُرّج له ثم سمّى شيوخه توفي سنة 451.
4 - أبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسن الدهبقاني لم أقف على الصحيح من نسبته،
واشتراكه مع الكثير في الاسم والكنية لم أتيقن المقصود منهم ، فليحقق في تصحيح النسبة .
5- محمد بن أحمد بن محبوب قال الذهبي في سير أعلام النبلاء(1): المحبوبي الإمام المحدّث مفيد مرو أبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب بن فضيل المحبوبي المروزي، راوي جامع أبي عيسى عنه ... وكانت الرحلة إليه في سماع الجامع، وكان شيخ البلد ثروة وافضالاً، وسماعه مضبوط... قال الحاكم سماعه صحيح ، قال الذهبي توفي سنة 346 في شهر رمضان
6- سعيد بن مسعود صاحب النضر بن شميل، المحدّث المسند أبو عثمان المروزي
أحد الثقات توفى سنة 271 وكان من أبناء التسعين(2)
7- أبو الفتح الماهاني ذكره السمعاني في التحبير (3)فقال : أبو الفتح يوسف بن عبد الواحد بن محمد بن يوسف بن محمد بن أبي الحسن ابن ماهان الباقلاني البقال من أهل اصبهان، شیخ صالح سديد السيرة، من أهل الخير سمع بإفادة أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد الدقاق الحافظ و عمّر حتى حدّث، سمع أبا منصور شجاع بن علي بن شجاع المصقلي... سمعت منه كتاب معرفة الصحابة لابن مندة بروايته عن شجاع عنه.
8-أبو منصور شجاع بن علي بن شجاع المصقلي الشيباني من أهل اصبهان، يسكن
باغ عيسى كثير السماع واسع الرواية معروف بالطلب، سمع أبا عبد الله بن مندة... توفي في
المحرم سنة 466 .
9 - ابن مندة الإمام الحافظ الجوّال، محدّث الإسلام أبو عبد الله محمد بن المحدث أبي يعقوب اسحاق بن الحافظ أبي عبد الله محمد بن يحيى بن مندة، قال الذهبي في سير أعلام النبلاء(1): ولم أعلم أحداً كان أوسع رحلة منه، ولا أكثر حديثاً منه مع الحفظ والثقة، فبلغنا أنّ عدة شيوخه (1700) شيخ .
10 - عثمان بن أحمد البستي أو التنسي، لم أقف على الصحيح في اسمه فتارة علي و تارة عثمان، وفي نسبته تارة البستي، و أُخرى التنسي، وبحثت في المظان فلم أجده، و أظن قوياً ثمة تصحيفاً فيهما . فليحقق.
11 - أبو أُمية محمد بن إبراهيم قال الذهبي في سير أعلام النبلاء(2): الإمام الحافظ المجوّد الرحّال أبو أمية محمد بن إبراهيم مسلم البغدادي ثم الطرسوسي... قال أبو داود: ثقة، و قال أبو بكر الحلال الفقيه: أبو أمية رفيع القدر جداً، كان إماماً في الحديث، مات بطرطوس سنة 273.
12- عبيد الله بن موسى بن أبي المختار الإمام الحافظ العابد أبو محمد العبسي - بوحدة - مولاهم الكوفي: أول من صنّف المسند على ترتيب الصحابة بالكوفة... وثقه ابن معين وجماعة، وحديثه في الكتب الستة، قال أبو حاتم : ثقة صدوق حسن الحديث... وروى أبو عبيد الآجري عن أبي داود قال: كان شيعياً محترقاً، جاز حديثه، قلت - الذهبي- : كان صاحب عبادة وليل صحب حمزة و تخلق بآدابه، إلا في التشيع المشؤوم فإنّه أخذه عن
أهل بلده المؤسس على البدعة . مات سنة 213... قال ابن مندة: كان أحمد بن حنبل يدلّ الناس على عبيد الله، وكان معروفاً بالرفض، لم يدع أحداً اسمه معاوية يدخل داره، فقيل: دخل عليه معاوية بن صالح الأشعري، فقال: ما اسمك ؟ قال معاوية: قال: والله لا حدثتك ولا حدثت قوماً أنت فيهم (1)
13 - فضيل بن مرزوق المحدّث، و ثقّه سفيان بن عيينة ويحيى بن معين، قال الذهبي في سير أعلام النبلاء(2): وقال ابن عدي: أرجو أنّه لا بأس به... و قال الحاكم عيب على مسلم إخراجه في صحيحه، قلت - الذهبي - : ما ذكره في الضعفاء البخاري ولا العقيلي ولا الدولابي، و حديثه في عداد الحسن - إن شاء الله - وهو شيعي كان يتألّه، قال الهيثم بن جميل: جاء فضيل بن مرزوق وكان من أئمة الهوى زهداً و فضلاً... توفى سنة 170 .
14 - إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، قال ابن حجر في تعجيل المنفعة (3)عن أبيه عن جده وعن فاطمة بنت الحسين، و عنه كثير النواويحي بن المتوكل وفضيل بن مرزوق، ذكره ابن حبان في الثقات
قلت - والقائل ابن حجر - : حديثه من زيادات عبد الله بن أحمد، وقع ذلك في مسند علي... وفاطمة بنت الحسين هي أمه، وهو أخو عبد الله بن الحسن بن الحسن... وقد ذكره ابن أبي حاتم فلم يذكر فيه جرحاً، وذكره الذهبي في المغني في الضعفاء، ولم يذكر لذكره فيه مستند .. وأرّخ ابن الجوزي وفاة إبراهيم هذا في (المنتظم) في ذي القعدة منها، وهو ابن ثمان وستين سنة.
15 - فاطمة بنت الحسين علیها السلام بنت علي بن أبي طالب الهاشمية المدنية، روت عن أبيها، وأخيها زين العابدين، وعمتها زينب بنت علي، وجدتها فاطمة الزهراء مرسل، وبلال المؤذّن مرسل، وابن عباس و أسماء بنت عميس، ذكرها ابن حبان في الثقات، و وقع ذكرها في صحيح البخاري في الجنازة قال: لما مات الحسن بن الحسن ضربت امرأته القبة: ماتت و قد قاربت التسعين(1).
16 - أسماء بنت عميس الخثعمية أُخت ميمونة بنت الحارث لأُمّها، و كانت أولاً تحت جعفر بن أبي طالب، ثم تزوجها أبو بكر، ثم علي بن أبي طالب و ولدت لهم، روت عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم، روى عنها ابنها عبد الله بن جعفر، و ابن ابنها القاسم بن محمد بن أبي بكر، وابن أختها عبد الله بن عباس، وابن أختها الأُخرى عبد الله بن شداد بن الهاد... وفاطمة بنت علي كان عمر يسألها عن تعبير الرؤيا، لما قتل ابنها محمد بن أبي بكر جلست في مسجدها، وكظمت غيضها حتى شخبت ثدياها دماً ....
17 - عمار بن مطر الرهاوي ذكره العقيلي في كتابه الضعفاء(2)وقال: يحدّث عن الثقات بمناكير... ثم ذكر له حديثين ثانيهما ردّ الشمس، وعقّب عليهما بقوله : لا يتابع عليهما بهذا الإسناد . فأما الحديث الأول... وأما الثاني فالرواية فيه لينة، وقد روى هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة أن النبي صلی الله علیه و آله و سلم قال : لم تردّ الشمس إلّا على يوشع بن نون(3).
18 - أبو محمد عبد الله بن أحمد بن طاووس إمام جامع دمشق ثقة مقرئ محقق ختم
عليه خلق، وله اعتناء بالحديث روى عن أبي العباس، قبيس...(1)
19 - عاصم بن الحسن قال الذهبي في سير أعلام النبلاء(2): العاصمي الشيخ العالم الصادق الأديب مسند بغداد في وقته، أبو الحسين عاصم بن الحسن... قال السمعاني: سألت أبا سعد البغدادي عن عاصم بن الحسن، فقال: كان شيخاً متيقناً أديباً فاضلاً، كان حفّاظ بغداد يكتبون عنه و يشهدون بصحة سماعه ... مات سنة 483 ه-- .
20 - أبو عمر ابن مهدي عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مهدي من مشايخ الشيخ الطوسي و يروي عن ابن عقدة، روى الشيخ عنه في أماليه فقال: أخبرني أبو عمرو سنة 416 في منزله ببغداد في درب الزعفراني رحبة المهدي، و في سير أعلام النبلاء(3): ابن مهدي الشيخ الصدوق المعمّر مسند الوقت أبو عمر... الفارسي الكازورني ثم البغدادي البزاز، قال الخطيب: كان ثقة (4)، و في العبر(5)ذكر وفاته سنة 410، و لابدّ أن يكون في تاريخ سماع الشيخ الطوسي سهو من الناسخ .
21 - ابن عقدة أحمد بن محمد بن سعيد... أبو العباس الكوفي الحافظ العلّامة، أحد أعلام الحديث، و نادرة الزمان و صاحب التصانيف على ضعف فيه، و هو المعروف بالحافظ ابن عقدة... و طلب الحديث سنة بضع وستين ومائتين، و كتب منه ما لا يُحدّ و لا يوصف عن خلق كثير بالكوفة و بغداد و مكة... قال الدارقطني : سمعت ابن عقدة يقول: أنا
أجيب في ثلثمائة ألف حديث من حديث أهل البيت خاصة... وقال أيضاً: ابن عقدة يعلم ما عند الناس ولا يعلم الناس ما عنده، و انّ الدارقطني كذّب من يتهمه بالوضع، و إنّما بلاؤه من روايته بالوجادة ومن التشيع(1).
22 - أحمد بن يحيى الصوفي الأودي أبو جعفر الكوفي العابد، قال أبو حاتم ثقة وقال النسائي: لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات(2)، وهو من رجال الصحاح .
23 - عبد الرحمن بن شريك النخعي الكوفي، روى عنه البخاري في الأدب، ذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما أخطأ، قال ابن عقدة مات سنة 227(3)
24 - شريك بن عبد الله العلّامة الحافظ القاضي أحد الأعلام على لين مّا في حديثه، وقد وثّقه يحيى بن معين و قال هو أثبت من أبي الأحوص ، قلت - الذهبي - : مع أنّ أبا الأحوص من رجال الصحيحين، وما أخرجا لشريك سوى مسلم في المتابعات قليلاً، و خرّج له البخاري تعليقاً (4). وفي ترجمته عجائب وغرائب و في تهذيب التهذيب (5)نحو ذلك
25 - عروة بن عبد الله بن قشير الجعفي أبو مهل الكوفي... قال أبو زرعة: ثقة، ذكره ابن حبان في الثقات (6)من رجال الصحاح وحديثه في أبي داود والترمذي في الشمائل وابن ماجة .
26 - فاطمة بنت علیّ علیه السلام وهي فاطمة الصغرى أُمها أُم ولد روت عن أبيها، و قيل لم تسمع منه وعن أخيها ابن الحنفية و أسماء بنت عميس، كانت عند أبي سعيد بن عقيل ثم تزوّجها سعيد بن الأسود بن أبي البختري قال موسى الجهني: دخلت على فاطمة بنت علي وهي ابنة ست وثمانين سنة، فقلت لها : أتحفظين عن أبيك شيئاً ؟ قالت : لا(1)، و قد روت عن أسماء بنت عميس حديث المنزلة وأخرجه ابن عساكر (2)في ترجمة الإمام بعدة أسانيد عن موسى الجهني عنها عن أسماء .
27- موسى الجهني من ثقات الكوفيين و عبّادهم، حدّث عن شعبة و القطان، و وثقّه أحمد وابن معين(3)، وهو من رجال الصحاح كما في تهذيب التهذيب (4)وعلّم له (م ن س ق) وحكى توثيق القطان وابن معين والنسائي والعجلي وابن حبان وابن سعد، و أرّخ وفاته سنة 144
والآن وقد قرأنا تعريف أولئك الرواة الذين روى ابن عساكر عنهم حديث ردّ الشمس، فوجدناهم كلهم من المعروفين، وليس فيهم من المجاهيل أحد، ولنقتصر في المقام على بيان خصوص الثاني من أسانيده التي عقّب عليها بزعمه فيها غير واحد من المجاهيل فنقول له : من هو المجهول منهم ؟
فلقد روى عن شيخه أبي محمد ابن طاووس، وهذا (إمام جامع دمشق ثقة مقرئ محقق ختم عليه خلق) راجع ما سلف في ترجمته نقلاً عن العبر للذهبي و غيره، و هذا روى
الحديث عن شيخه .
عاصم بن الحسن الذي قال السمعاني عنه أنّ أبا سعد البغدادي قال فيه: (كان شيخاً متقناً أديباً فاضلاً كان حفاظ بغداد يكتبون عنه ويشهدون بصحة سماعه) و هذا روى الحديث عن شيخه:
أبي عمر بن مهدي (الشيخ الصدوق المعمّر مسند الوقت... كان ثقة أميناً) راجع ما سلف عنه في ترجمته و هذا روى الحديث عن شيخه.
أحمد بن محمد بن سعيد ابن عقدة . الحافظ العلّامة، أحد أعلام الحديث و نادرة الزمان، قال فيه الدارقطني : ابن عقدة يعلم ما عند الناس و لا يعلم الناس ما عنده، وكذّب من يتهمه بالوضع، و إنّما بلاؤه من روايته بالوجادات ومن التشيع. راجع ما سلف عنه، وهذا روى الحديث عن شيخه:
أحمد بن يحيى الصوفي الكوفي العابد، و ثقّه أبو حاتم، و ذكره ابن حبان في الثقات، وهو من رجال الصحاح، راجع ما سلف عنه، وهو روى الحديث عن شيخه:
عبد الرحمن بن شريك أخرج له البخاري في الأدب، وذكره ابن حبان في الثقات، راجع ما سلف عنه، وهو روى الحديث عن أبيه :
شريك بن عبد الله القاضي الحافظ، وثقه يحيى بن معين وقال: هو أثبت من أبي الأحوص - وأبو الأحوص من رجال الصحيحين - خرج له البخاري تعليقاً ومسلم متابعة، راجع ما سلف عنه، وهو روى الحديث عن شيخه:
عروة بن عبد الله بن قشير، قال أبو زرعة : ثقة و ذكره ابن حبان في الثقات، وحديثه في أبي
داود والترمذي في الشمائل وابن ماجة، فهو من رجال الصحاح، وهذا روى الحديث عن:
فاطمة بنت علي أمها أم ولد روت عن أبيها - وقيل لم تسمع منه - وعن أخيها محمد
بن الحنفية وأسماء بنت عميس، كانت عند أبي سعيد بن عقيل، ثم تزوّجها سعيد بن الأسود بن أبي البختري، ماتت سنة 117 وهي ابنة 86 سنة، و روى عنها موسى الجهني الذي دخل عليها وروى عنها عدّة أحاديث منها: حديث المنزلة، و منها: حديث ردّ الشمس، وذكرها ابن حبّان في الثقات وترجمها ابن سعد في الطبقات، وهذه العلوية روت الحديث عن:
أسماء بنت عميس، وهذه من السابقات إلى الإسلام أسلمت قبل أن يدخل النبي صلی الله علیه و آله و سلم دار الأرقم، وبايعت ثم هاجرت مع زوجها جعفر إلى الحبشة، وفي الصحيح عن أبي بردة عن أسماء أن النبي صلی الله علیه و آله و سلم قال لها : (لكم هج--رتان وللناس هج--رة واحدة) و كان عمر يسألها عن تفسير المنام، راجع في ترجمتها ما سلف، مضافاً إلى الإصابة والإستيعاب وطبقات (1)ابن سعد.
وقد روى الحديث عن فاطمة بنت علي موسى الجهني، و تقدّم أنّه من الثقات الكوفيين وعبّادهم، و ثقّه القطّان وابن معين والنسائي وابن حبان والعجلي وابن سعد.
فهؤلاء جميعاً رجالاً ونساءاً من المعروفين وليسوا من المجهولين، ومن الموثّقين وليسوا من المجروحين، فلماذا الطعن في الحديث يا ناصبي، وأين أُولئك المجاهيل الذين زعمت وجودهم في السند؟
وأما إنكاره المتن لنكارته ولم يبين وجه النكارة؟ ولعلّها كانت من جهة خرق العادة حسب النواميس الطبيعية، وهذا هو معنى كونها آية من آيات الله تعالى، خارقة للعادة بدعاء النبي الكريم صلی الله علیه و آله و سلم، فلا نكارة فيه من هذه الجهة إلّا عند مَن يَعْرِفُونَنِعْمَتَ اللهُ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا (2).
وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَمْسًا هُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَاهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ(1)
وقبل ذكر ما عنده أودّ تنبيه القارئ بشيء عنه بلسان قومه ممّن لا يتهم عليه في خصوص كتابه الموضوعات:
1 - قال ابن الصلاح (2): ولقد أكثر الذي جمع في هذا العصر الموضوعات في نحو مجلدين ،فأودع فيها كثيراً ممّا لا دليل على وضعه، و إنّها حقه أن يذكر في مطلق الأحاديث الضعيفة.
2 - وقال ابن كثير : وقد صنّف الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي كتاباً حافلاً في الموضوعات، غير أنّه ادخل فيه ما ليس منه، وأخرج عنه ما كان يلزمه ذكره، فسقط عليه ولم يهتد إليه.
3- وقال ابن حجر العسقلاني (3): قول ابن الجوزي في هذا الحديث - سد الأبواب إلا باب على علیه السلام - إنّه باطل و إنّه موضوع، دعوى لم يستدلّ عليها إلا بمخالفة الحديث الّذي في الصحيحين، و هذا إقدام على ردّ الأحاديث الصحيحة بمجرد التوهّم ... .
4 - وقال السخاوي (4): إنّ من العجب إيراد ابن الجوزي في كتابه العلل المتناهية في
الأحاديث الواهية كثيراً مما أورده في الموضوعات، كما انّ في الموضوعات كثيراً من
الأحاديث الواهية .... وقال: ولذا انتقد العلماء صنيعه إجمالاً ... .
5 - ونقده السيوطي (1)فقال : وقد جمع في ذلك الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي كتاباً فأكثر فيه من إخراج الضعيف الذي لم ينحط إلى رتبة الوضع، بل ومن الحسن ومن الصحيح كما نبّه على ذلك الأئمّة الحفاظ، ومنهم ابن الصلاح في علوم الحديث وأتباعه، ثم ذكر السيوطي في تضاعيف كتابه شواهد على ذلك كثيرة .
وأخيراً نختم القول حول ابن الجوزي بما كتبه محققا كتاب (تنزيه الشريعة المرفوعة) لابن عراق الكناني، فقد أحاطا بما لديه خبراً، فقالا في كتاب الموضوعات الكبرى: لأبي
الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي المتوفى سنة 597ه-- ، تناول فيه ما ورد من الأحاديث في كتاب الكامل لابن عدي، والضعفاء لابن حيان، و العقيلي، و الأزدي، وتفسير ابن مردويه، ومعاجم الطبراني الثلاثة، و أفراد الدار قطني، و تصانيف الخطيب، ومصنفات أبي نعيم، و ابن شاهين، و تاريخ نيسابور، و تاريخ أصبهان و الأباطيل للجَوْزَقي .
لكن ابن الجوزي متساهل في الحكم على تلك المرويّات، فقد أورد فيه الضعيف، بل الحسن، بل الصحيح مما هو في سنن أبي داود، وجامع الترمذي، وسنن ابن ماجة،
ومستدرك الحاكم، وغيرها من الكتب المعتمدة، بل فيه حديث في صحيح مسلم، بل وفيه
حديث في صحيح البخاري من رواية حماد بن شاكر، و لذلك كثر انتقاد العلماء عليه. ومن العجيب أنّه أورد في هذا الكتاب أحاديث، وقد ذكرها بنفسها في كتابه (العلل
المتناهية) فناقض نفسه (2)، وهو مع جمعه الكثير فلم يستوعب الحديث الموضوع، قال الحافظ ابن حجر: وفاته من نوعي الموضوع و الواهي في الكتابين قدر ما كتب، و كذلك
وقع في تصانيفه الوعظية وما أشبهها شيء من الموضوع و شبهه على غير تحرير منه.
وقد انتقد ابن حجر موضوعات ابن الجوزي ، وذكر في كتابه (القول المسدّد في الذبّ
مسند أحمد) أربعة وعشرين حديثاً، لم تكن من الموضوعات ممّا ذكر في المسند، وذيّل
عن السيوطي على القول المسدّد، و استدرك أربعة عشرحديثاً أيضاً ذكرها ابن الجوزي وهي في المسند، و جمع السيوطي، ما في القول المسدد و ما ذيّله عليه، و زاد عليهما أحاديث، و جمعها في (القول الحسن في الذب عن السنن).
و بلغ ما فيه من الأحاديث نيفاً وعشرين ومائة حديث، ليست موضوعة، منها أربعة
في سنن أبي داود، و ثلاثة و عشرون في جامع الترمذي، و حديث في سنن النسائي، وستة عشر في سنن ابن ماجة، و حديث في صحيح البخاري من رواية حماد بن شاكر، وباقيها في خلق الأفعال للبخاري، وتعاليق الصحيح وسنن الدارمي ، و صحيح ابن حبان، ومستدرك الحاكم، و تصانيف البيهقي (1).
قال الحافظ ابن حجر : ( وتساهله وتساهل الحاكم أعدم النفع بكتابيهما). و لخّص الذهبي ما ورد من الموضوعات في المستدرك، فبلغ مائة حديث، و قد ذكر ابن رجب كلام
ابن القادسي في تاريخه عن ابن الجوزي(2)، و ذكر أنّ الناس لهم في ابن الجوزي كلام من وجوه:
منها كثرة أغاليطه في تصانيفه، قال: (وعذره في ذلك واضح ؛ وهو و أنّه كان مكثراً من
التصانيف فيصنّف الكتاب و لا يعتبره، بل يشتغل بغيره، و ربما كتب في الوقت الواحد في تصانيف عديدة) ثم ذكر أنّه كان ينقل من المصنفات من غير أن يكون متقناً لذلك العلم من جهة الشيوخ والبحث، ولهذا نقل عنه أنّه قال عن نفسه : (أنا مرتب ولست بمصنف)
وذكر عن الشيخ موفق الدين المقدسي قوله فيه: (وكان حافظاً للحديث، و صنّف فيه، إلا إنّنا لم نرض تصانيفه في السنة، و لا طريقته فيها).
وذكر ابن رجب: أنّه كان يؤلّف في كل فنّ معتمداً على قوّة فهمه، و حدّة ذهنه، فربما
صنّف شيئاً و صنّف في نقيضه، بحسب ما يتفق له من الوقوف على تصانيف من تقدّمه،
ذلك فقد اشتهر كتابه ، و تداوله العلماء بالنقد، و بالإختصار و التذييل عليه، فاختصره السفاريني الحنبلي محمد بن أحمد في مجلد، ويسمّى (الدرر المصنوعات في الأحاديث الموضوعات)، و اختصره الجلال السيوطي، وزاد على موادّه ما ورد في تاريخ ابن عساكر، وابن النجار، ومسند الفردوس للديلمي، و تصانيف أبي الشيخ ابن حيان، في كتاب (اللئالي المصنوعة)، و أفرد ما تعقّب به ابن الجوزي في النكت البديعات و اختصره في (التعقيبات) ويبلغ ما تعقّبه ثلاثمائة حديث و نيفاً، كما ذكره في آخر التعقيبات.
هذا غيض من فيض عن كتابه الموضوعات الذي أورد فيه حديث ردّ الشمس، و أعلّه بما في قلبه من علّة، أما ما قالوه فيه من قدح و تجريح، فحسبنا أن نذكر للقارئ قول ابن الأثير في تاريخه حوادث سنة 597 : وفي هذه السنة في شهر رمضان توفي أبوالفرج ...
ابن الجوزي ... وكان كثير الوقيعة في الناس لا سيما في العلماء المخالفين لمذهبه والموافقين له. ونحو هذا في تاريخ الخميس للديار بكري، والمختصر في أخبار البشر لأبي الفداء، و تتمته لابن الوردي .
ولا يبعد قول الذهبي مضموناً عمّا سبق، فقد نقده في تذكرة الحفاظ(1)، وكذا ابن حجر في لسان الميزان (2)إلى غير ذلك من الناقدين له الناقمين عليه.
قال في كتابه الموضوعات(1):
الحديث الحادي عشر : في ردّ الشمس له: أنبأنا عبد الوهاب الحافظ، قال: أنبأنا محمد المظفر، قال: أنبأنا العتيقي، قال: حدّثنا يوسف بن أحمد، قال: حدّثنا العقيلي، قال: حدّثنا أحمد بن داود، قال: حدّثنا عمار بن مطرح، و أنبأنا محمد بن ناصر ، قال أنبأنا عبد الوهاب بن منده - واللفظ له - .
قال: أنبأنا أبي، قال: حدّثنا عثمان بن أحمد التنيسي، قال: حدّثنا أبو أمية، قال: حدّثنا
عبد الله بن موسى، قالا: (كذا والصواب قال) حدّثنا فضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن
الحسن بن الحسين (كذا والصواب الحسن) عن فاطمة بنت الحسين، عن أسماء بنت عُميس قالت: كان رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلّم يُوحى إليه ورأسه في حجر علي رضی الله عنه ، فلم يصلّ العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله صلّى الله عليه (وآله) و سلّم: إنّه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس، قالت أسماء فرأيتها غربت، ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت.
فقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع بلا شك، و قد اضطرب الرواة فيه، فرواه سعيد بن مسعود عن عبيد الله بن موسى عن فضيل بن مرزوق عن عبد الرحمن بن عبد الله
بن دينار عن علي بن الحسن (كذا والصواب الحسين) عن فاطمة بنت علي عن أسماء، وهذا تخليط في الرواية، و أحمد بن داود ليس بشيء، قال الدارقطني : متروك كذّاب، وقال ابن حبّان: كان يضع الحديث، و عمار بن مطر قال فيه العُقيلي كان يحدّث عن الثقاة بالمناكير، وقال ابن عدي: متروك الحديث، و فضيل بن مرزوق ضعّفه يحيى، و قال ابن حبان: يروي
1) الموضوعات 1 : 355 ط 1 سنة 1386 نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.
الموضوعات ويخطئ على الثقاة .
قال المصنف : قلت وقد روى هذا الحديث ابن شاهين، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن
سعيد الهمداني، قال: حدثنا أحمد بن يحيى الصوفي، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن شريك،
قال : حدّثني أبي عن عروة بن عبد الله بن قشير، قال: دخلت على فاطمة بنت علي بن أبي طالب رضی الله عنه فحدّثتني أنّ أسماء بنت عميس حدّثتها أن علي بن أبي طالب . و ذكر حديث رجوع الشمس له، و هذا حديث باطل . أما عبد الرحمن بن شريك عن أبيه، فقال أبو حاتم الرازي: هو واهي الحديث .
قال المصنّف : قلت : و أما أنا فلا أتهم بهذا إلّا ابن عقدة، فإنّه كان رافضياً يحدّث بمثالب الصحابة .
أنبانا أبو منصور القزاز قال : أنبانا أبو بكر الخطيب، قال: حدّثنا علي بن محمد بن نصر، قال: سمعت حمزة بن يوسف يقول : كان أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة في جامع براثا يملي مثالب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو قال: الشيخين يعني أبا بكر وعمر، فتركت حديثه لا أحدّث عنه بشيء، وما سمعت منه بعد ذلك شيئاً . أنبانا أبو منصور القزاز، قال: أنبانا أبو بكر الخطيب، قال: حدثنا حمزة بن محمد
طاهر، قال: سئل الدارقطني و أنا أسمع عن أبي العباس لابن عقدة فقال: كان رجل سوء، وقال ابن عدي: سمعت أبا بكر بن أبي غالب يقول : ابن عقدة لا يتديّن بالحديث، لأنّه كان يحمل شيوخنا بالكوفة على الكذب، يسوّي لهم نسخاً و بأمرهم أن يرووها، وقد تيقنّا ذلك
منه في غير شيخ بالكوفة .
وقد رواه ابن مردويه من حديث داود بن فراهيج عن أبي هريرة قال: نام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، و رأسه في حجر علي بن أبي طالب رضی الله عنه، ولم يكن صلّى العصر
حتى غربت الشمس ، فلمّا قام النبي صلّى الله عليه (وآله) وسلم دعا له فردّت عليه الشمس حتى صلّى ثم غابت ثانية. وداود ضعيف ضعّفه شعبة.
قال المصنف: قلت: ومن تغفيل واضع هذا الحديث أنّه نظر إلى صورة فضيلة ولم يتلمح إلى عدم الفائدة، فإنّ صلاة العصر بغيبوبة الشمس صارت قضاء، فرجوع الشمس لا يعيدها أداء .
و في الصحيح عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم: إنّ الشمس لم تحبس على أحد إلا ليوشع.
أقول: و للردّ عليه فلنقرأ أولاً:
ماذا قال ابن عراق الكناني في تنزيه الشريعة المرفوعة(1)، و نعقّبه بما قاله سبطه راداً عليه.
104 - حديث أسماء بنت عميس، كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يوحى إليه ورأسه في حجر عليّ، ولم يصلّ العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم لعليّ: أصلّيت؟ قال: لا، قال رسول الله: اللّهمّ إنّه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس، قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت.
ابن الجوزي من طريق فضيل بن مرزوق، و قد ضعّفه يحيى (شا) من طريق ابن عقدة، و هو رافضي رمي بالكذب، و فيه أيضاً عبد الرحمن بن شريك، قال فيه أبو حاتم : واهي الحديث، وجاء أيضاً من حديث أبي هريرة أخرجه (مر) من طريق داود بن فراهيج، وقد ضعّفه شعبة (تعقب) بأنّ فضيلاً ثقة صدوق احتج به مسلم و الأربعة، و عبد الرحمن بن شريك و ثقّه غير أبي حاتم . وروى عنه البخاري في الأدب وابن عقدة من كبار الحفّاظ،
1) تنزيه الشريعة المرفوعة 1 : 378 ط 1 مكتبة القاهرة.
والناس مختلفون في ذمّه ومدحه و كذّب الدارقطني من اتهمه بالوضع، و قال حمزة السهمي: ما يتهمه بالوضع الاطبل، وداود و ثقه قوم ثم الحديث صرّح بتصحيحه جماعة من الأئمة و الحفاظ منهم الطحاوي، و للسيوطي جزء في تتبع طرق هذا الحديث، و بيان حاله سماه (كشف اللبس في حديث ردّ الشمس) وختمه بقوله : و ممّا يشهد لصحة ذلك قول الشافعي رضی الله عنه وغيره: ما أوتي نبي معجزة إلا أُوتي نبينا صلی الله علیه و آله و سلم نظيرها أو أبلغ منها ، وقد صح أنّ الشمس حبست على يوشع ليالي قاتل الجبارين، فلابدّ أن يكون لنبينا صلی الله علیه و آله و سلم نظير ذلك، فكانت هذه القصّة نظير تلك.
قلت : و ممّن صرّح بذلك جازماً به الإمام حازم القرطاجي فقال في مقصورته. .
والشمس ما ردّت لغير يوشع *** لما غزا ولعليّ إذ غفا
وقال الذهبي في تلخيص الموضوعات: أملى أبو القاسم الحسكاني مجلساً في ردّ الشمس فقال: روى ذلك عن أسماء بنت عميس وعلي وأبي هريرة وأبي سعيد بأسانيد متصلة، قلت: لكنها ساقطة ليست بصحيحة، ثم ساقه من طرق: منها أحمد بن صالح الحافظ، وابن برد الأنطاكي وغيرهما عن ابن أبي فديك، أخبرني محمد بن موسى الفطري، عن عون بن محمد، عن أمه أم جعفر، عن جدّتها أسماء بنت عميس أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم صلى الظهر ثم أرسل عليّاً في حاجة فرجع، و قد صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر، فوضع رأسه في حجر علي، ولم يحركه حتى غابت الشمس، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: إن عبدك عليّا احتبس بنفسه على نبيه فردّ عليه شرقها .
قالت أسماء: فطلعت الشمس حتى وقفت على الجبال والأرض، فقام علي وتوضّأ وصلّى العصر ، ثم غابت الشمس وذلك في الصهباء في غزوة خيبر.
قال الحسكاني: أم جعفر هذه هي بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب، و ابنها عون بن
محمد بن الحنفية، هذا حديث غريب عجيب انفرد به ابن أبي فديك، وهو صدوق، وشيخه
الفطري صدوق، واعترض على هذا بما صحّ عن أبي هريرة عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم : أنّ الشمس لم تحبس إلّا ليوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس، و قال شيعي: إنما نفى علیه السلام وقوفها، وحديثنا فيه الطلوع بعد المغيب فلا تضاد بينهما ، قلت : لو ردّت لعليّ لكان ردّها يوم
الخندق للنبي صلی الله علیه و آله و سلم أولى، فإنّه حزن وتألم ودعا على المشركين لذلك.
ثم نقول: لو ردّت لعليّ لكان بمجرد دعاء النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، ولكن لما غابت خرج وقت العصر ، ودخل وقت المغرب ، و أفطر الصائمون و صلّى المسلمون المغرب، فلو ردّت الشمس للزم تخبيط الأمة في صومها وصلاتها، و لم يكن في ردّها فائدة لعليّ إذ رجوعها لا يعيد العصر أداء، ثم هذه الحادثة العظيمة لو وقعت لاشتهرت و توفّرت الهمم والدواعي على نقلها، إذ هي في نقض العادات جارية مجرى طوفان نوح، وانشقاق القمر، انتهى كلام الذهبي
وأقول: قوله قال شيعي إنما نفى علیه السلام وقوفها إلى آخره في نسبته هذا الجواب لشيعي نظر ، فإنّ المجيب به الطحاوي في مشكل الآثار ، وللحافظ ابن حجر في فتح الباري جواب آخر، هو أنّ الحصر محمول على ما مضى للأنبياء قبل نبينا صلی الله علیه و آله و سلم ، وقوله لو ردّت الشمس لعليّ لكان ردّها يوم الخندق للنبي صلی الله علیه و آله و سلم الأولى، قد سبقه إليه الجوزقاني.
وجوابه إنّ ردّ الشمس لعليّ إنما كان بدعاء النبي صلی الله علیه و آله و سلم، ولم يثبت أنّه دعا في وقعة الخندق أن ترد عليه الشمس فلم ترد، بل لم يدع، على أنّ القاضي عياضاً ذكر في الإكمال نقلاً عن مشكل الآثار للطحاوي، ونقله عن القاضي عياض أئمة و أقرّوه منهم النووي في شرح مسلم، و الحافظ مغلطاي في الزهر الباسم ، والحافظ ابن حجر في تخريج الرافعي أنّ النبی صلی الله علیه و آله و سلم دعا الله يوم الخندق أن يردّ الشمس عليه فردّها حتى صلّى العصر، لكن في هذا
نظر من وجهين احدهما: أنّ الذي صحّ في وقعة الخندق أنه صلی الله علیه و آله و سلم صلّى العصر بعد ما غربت الشمس، وثانيهما أنّ الموجود في مشكل الآثار إنّما هو حديث أسماء في قصة خيبر .
وقوله: ورجوعها لا يعيد العصر أداء، جوابه: انّ في تذكرة القرطبي ما يقتضى أنّها وقعت أداء، قال رحمه الله : فلو لم يكن رجوع الشمس نافعاً و أنّه لا يتجدّد الوقت لما ردّها عليه الصلاة والسلام.
وفي كتاب المنتقى في عصمة الأنبياء للإمام نور الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر الصابوني الحنفي ما يقتضى ذلك أيضاً، فإنّه قال: و المقصود بردّ الشمس ردّ الوقت حتى تؤدّى الصلاة في وقتها انتهى.
ورأيته في تعليق لبعض معاصري أشياخنا من الشافعية من أهل حضرموت مجزوماً به ورتب عليه لغزاً، فقال: وعلى ذلك يقال رجل أحرم بصلاة قضاء عالماً بفوات الوقت فوقعت أداء، وصورته أحرم بصلاة العصر بعدما غربت الشمس، فطلعت قبل أن يفرغ منها بركعة انتهى، و رأيت في كتاب لبعض أشياخي في هذه القصّة أنّ الشيخ تقي الدين الشافعي ابن دقيق العيد حكى قولين للعلماء في أنّ هذه الصلاة كانت أداء أم قضاء .
تنبيه : تحصّل ممّا مرّ أنّ الشمس وقفت ثلاث مرات إن ثبتت قصّة الخندق، وورد وقوفها في ثلاث مرات أخرى فنذكرها تتميماً للفائدة .
أحدها لنبينا صلی الله علیه و آله و سلم، ذكر القاضي عياض في الشفا عن زيادة المغازي ليونس بن بكير أنّه لما أُسري برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخبر قومه بالرؤيا والعلامة التي في العير، قالوا: متى تجيء قال: يوم الأربعاء، فلمّا كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون وقد ولى النهار ولم تجى، فدعا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فزيد له في النهار ساعة، وحبست عليه الشمس حتى دخلت العير .
والثانية : لداود علیه السلام إن ثبت (ما) أخرجه الخطيب في كتاب النجوم عن عطاء، قال:
قيل لعليّ بن أبي طالب: هل كان للنجوم أصل، قال: نعم كان نبي من الأنبياء يقال له يوشع بن نون، فقال قومه : إنّا لا نؤمن بك حتى تعلمنا بدء الخلق وآجاله ؛ فأوحى الله تعالى إلى غمامة فأمطرتهم، واستنقع على الجبل ماء صافياً، ثم أوحى الله تعالى إلى الشمس والقمر والنجوم أن تجري في ذلك الماء، ثم أوحى إلى يوشع بن نون أن يرتقي هو وقومه على الجبل؛ فارتقوا الجبل، فقاموا على الماء حتى عرفوا بدء الخلق وآجاله بمجاري الشمس والقمر والنجوم وساعات الليل والنهار . فكان أحدهم يعلم متى يموت، ومتى يمرض، ومن الذي يولد له، ومن الذي لا يولد له.
قال: فبقوا كذلك برهة من زمان دهرهم، ثم إنّ داود علیه السلام قاتلهم على الكفر، فأخرجوا إلى داود في القتال من لم يحضر أجله، ومن حضر أجله خلفوه في بيوتهم، فكان يقتل من أصحاب داود ، ولا يقتل من هؤلاء أحد، فقال داود: رب أقاتل على طاعتك ويقاتل هؤلاء على معصيتك، فيقتل أصحابي ولا يقتل من هؤلاء أحد، فأوحى الله إليه إنّي كنت علمتهم بدء الخلق وآجاله، وإنّما أخرجوا إليك من لم يحضر أجله ومن حضر أجله خلفوه في بيوتهم، فمن ثم يقتل من أصحابك ولا يقتل منهم أحد، قال داود: يا رب على ماذا علمتهم، قال على مجاري الشمس والقمر والنجوم وساعات الليلوالنهار، قال: فدعا الله فحبست الشمس عليهم فزاد في النهار، فاختلطت الزيادة بالليل فلم يعرفوا قدر الزيادة فاختلط عليهم حسابهم، قال علي: فمن ثم كره النظر في النجوم .
قال الخطيب: في إسناده غير واحد مجهول، وما ذكر فيه من علم القوم بأوقات آجالهم وغير ذلك من غائب أحوالهم غير مقبول، وحبس الشمس على داود ليس بصحيح، وقد صحّ عنه صلی الله علیه و آله و سلم أن الشمس لم تحبس على أحد إلا على يوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس، انتهى .
والثالثة : السليمان بن داود علیه السلام روى الطحاوي والطبراني عن ابن عباس قال: قال علي ما بلغك في قول الله تعالى حكاية عن سليمان: (ردّوها عليّ)؟ فقلت: قال لي كعب: كانت أربعة عشر فرساً عرضها فغابت الشمس قبل أن يصلّي العصر، فأمر بردّها، فضرب سوقها و أعناقها بالسيف، فقتلها فسلبه الله ملكه أربعة عشر يوماً لأنه ظلم الخيل بقتلها، فقال علي : كذب كعب، وإنما أراد سليمان جهاد عدوّه، فتشاغل بعرض الخيل حتى غابت الشمس، فقال للملائكة الموكلين بالشمس بأذن الله لهم: ردّوها عليَّ، فردّوها عليه حتى صلّى العصر في وقتها، و إنّ أنبياء الله لا يظلمون فلا يأمرون الناس بالظلم.
قال الحافظ ابن حجر الشافعي في فتح الباري: هذا لا يثبت عن ابن عباس ولا غيره، وإن أورده جماعة من المفسّرين ساكتين عليه جازمين به، والثابت عن جمهور أهل العلم بالتفسير من الصحابة ومن بعدهم أنّ الضمير المؤنث في قوله: (ردوها) للخيل، والله أعلم.
أقول: ولقد كفانا مؤنة الردّ على ابن الجوزي جماعة من الحفاظ، وفي مقدّمتهم سبطه يوسف بن قزأوغلي في كتابه تذكرة الخواص، و ممّن ردّ عليه ابن حجر العسقلاني والسيوطي وغيرهما ممّن حكم بصحة الحديث.
والآن فلنقرأ ما ردّ به سبطه عليه فهو أقرب إليه نسباً، وأبعد عن التهمة فيه سبباً، فإنّه بعد أن أخرج الحديث بإسناد رجاله ثقات عدول لا مغمز فيهم ولا مهمز، إذ ليس فيهم أحد ممّن ضعّفه جده قال: فإن قيل : فقد قال جدّك في الموضوعات : هذا حديث موضوع بلا شك وروايته مضطربة، فإنّ في إسناده أحمد بن داود وليس بشيء، وكذا فيه فضيل بن مرزوق ضعيف، وجماعة منهم عبد الرحمن بن شريك ضعفه أبو حاتم .
وقال جدّك: أنا لا أتهم به إلّا ابن عقدة فإنّه كان رافضياً، فلو سلّم فصلاة العصر صارت قضاءاً بغيبوبة الشمس، فرجوع الشمس لا يفيد، لأنّها لا تصير أداءاً، قالوا: و في
الصحيح أنّ الشمس لم تحبس على أحد إلا على يوشع بن نون.
والجواب: انّ قول جدي رحمه الله : (هذا حديث موضوع بلا شك)، دعوى بلا دليل، لأنّ قدحه في رواته الجواب عنه ظاهر ، لأنّا ما رويناه إلّا عن العدول الثقات الذين لا مغمز فيهم، وليس في إسناده أحد ممّن ضعّفه.
وقد رواه أبو هريرة أيضاً، أخرجه عنه ابن مردويه، فيحتمل أنّ الذين أشار إليهم في طريق أبي هريرة.
وكذا قول جدّي: (أنا لا أتَّهم به إلّا ابن عقدة) من باب الظن والشك، لا من باب
القطع واليقين، وابن عقدة مشهور بالعدالة، كان يروي فضائل أهل البيت ويقتصر عليها، ولا يتعرّض للصحابة رضی الله عنهم بمدح و لا بذم، فنسبوه إلى الرفض.
وقوله: (صارت صلاة العصر قضاءاً ) .
قلنا: أرباب العقول السليمة والفِطر الصحيحة لا يعتقدون أنّها غابت ثم عادت،
وإنّما وقفت عن السير المعتاد، فكما يخيّل للناظر أنّها غابت وإنما هي سائرة قليلاً.
والدليل عليه أنّها لو غابت ثم عادت لاختلّت الأفلاك، و انسدّ نظام العالم، وقال الله تعالى: كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ، وإنّما نقول: إنّها وقفت على سيرها المعتاد، ولو ردّت على الحقيقة لم يكن عجباً، لأنّ ذلك معجزة لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وكرامة لعليّ علیه السلام ، وقد حُبست ليوشع بالإجماع، ولا يخلو إما أن يكون ذلك معجزة لموسى أو كرامة ليوشع، فإن كان لموسى فنبينا صلی الله علیه و آله و سلم أفضل منه، وإن كان ليوشع فعليّ أفضل من يوشع . قال صلی الله علیهو آله و سلم: (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)، وهذا في حق الآحاد، فما ظنّك بعليّ علیه السلام ؟
والدليل عليه أيضاً ما ذكره أحمد في الفضائل، فقال: ثنا محمد بن يونس، عن الحسن بن عبد الرحمن الأنصاري، عن عمر بن جميع، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن أبيه،
قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: الصدّيقون ثلاثة : حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجار و هو مؤمن آل ياسين، وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم .
وحزقيل كان نبياً من أنبياء بني إسرائيل مثل يوشع، فدلّ على فضل علیّ علیه السلام على أنبياء بني إسرائيل .
انتهى ما ردّ به سبط ابن الجوزي على جدِّه .
وعن الحافظ ابن حجر العسقلاني قوله بعد أن أورد الحديث من عند البيهقي وغيره: وهذا أبلغ في المعجزة ، وقد أخطأ ابن الجوزي بإيراده في الموضوعات. وعن الحافظ السيوطي قوله في (الدُّرَر) بعد أن ذكر أبيات ابن سيد الناس وأبيات السبكي، وهذا من هذين الإمامين الجليلين مما يقوي صحة الحديث، ولا يلتفت لإيراد ابن الجوزي الحديث في الموضوعات، وقد خطأه الحفاظ في ذلك .
لم أجد مَن هو أقرب منالاً وأصدق مقالاً في حق ابن تيمية من الذهبي الذي أثنى عليه كثيراً في تراجمه في عدة من كتبه وهو غير متهم عليه، حتى أنّه ألف كتاباً في سيرته و سمّاه (الدرة اليتيمية في السيرة التيمية) اطلع عليه ابن الوردي فأخذ منه، مختصراً له ما كتبه من تاريخه عن ابن تيمية راجع ج 2 ص 413 ط الحيدرية بتقديمي.
إلا أنّي أقتصر على ما ذكره في كتابه (زغل العلم) (1)وعنها في مقالات الكوثري ص 343 فقد قال: (... فوالله ما رمقت عيني أوسع علماً، ولا أقوى ذكاء من رجل يقال له ابن تيمية... وقد تعبت في وزنه وتفتيشه حتى مللت في سنين متطاولة، فما وجدت الذي أخّره مصر و الشام و مقتته نفوسهم و ازدروا به و كذّبوه وكفّروه، إلّا الكبر والعُجب
1) زغل العلم : 17 ط دمشق.
وفرط الغرام في رئاسة المشيخة، والإزدراء بالكبار، فانظر كيف وبال الدعاوى ومحبة الظهور نسأل الله المسامحة... وما دفع الله عنه وعن أتباعه أكثر، وما جرى عليهم إلا بعض ما يستحقون.
ثم قال أيضاً في ص 23... وقد رأيت ما آل أمره إليه من الحط عليه، والهج--ر والتضليل والتكفير والتكذيب بحق و بباطل، فقد كان قبل أن يدخل في هذه الصناعة منوّراً مضيئاً على محيّاه سيما السلف، ثم صار مظلماً مكسوفاً عليه قتمة عند خلائق من الناس، ودجّالاً أفاكاً كافراً عند أعدائه، ومبتدعاً فاضلاً محققاً بارعاً عند طوائف من الفضلاء، وحامل راية الإسلام وحامي حوزة الدين ومحيي السنة عند عموم عوام أصحابه.
وقال في رسالة بعث بها إليه ينصحه فيها ، وقد ذكرها في كتابه زغل العلم ص 134 كما ذكرها تقي الدين السبكي في كتابه (السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل = ابن القيم تلميذ ابن تيمية / 190)وأشار إليها السخاوي في الإعلان بالتوبيخ ص77 ، وغير هؤلاء، وإلى القارئ نصّ الرسالة نقلاً عن السيف الصقيل، لأنّ صاحبها نقلها من خط قاضي القضاة برهان الدين ابن جماعة، وكتبها هو من خط الحافظ أبي سعيد ابن العلائي، وهو كتبها من خط مرسلها شمس الدين الذهبي، وهي طويلة نقتبس منها .
... إلى كم ترى القذاة في عين أخيك وتنسى الجذع في عينك ؟ !
إلى كم تمدح نفسك وشقاشقك وعباراتك، وتذمّ العلماء وتتبع عورات الناس.
يا رجل بالله عليك كفّ عنا، فإنّك محجاج عليم اللسان لا تقر ولا تنام...
يا رجل قد بلعت (سموم) الفلاسفة وتصنيفاتهم مرات، وكثرة استعمال السموم يدمن عليه الجسم...
كان سيف الحجاج ولسان ابن حزم شقيقين واخيتهما ....
يا خيبة من اتبعك فإنّه معرّض للزندقة والإنحلال، لا سيما إذا كان قليل العلم والدين....
أما آن لك أن ترعوي ؟ أما حان لك أن تتوب و تنيب ؟ !....
أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل ؟ بلى والله ما أذكر أنّك تذكر الموت، بل تزدري بمن يذكر الموت، فما أظنك تقبل على قولي، ولا تصغي إلى وعظي... فإذا كان هذا حالك عندي، وأنا الشفوق المحبّ الوادّ، فكيف حالك عند أعدائك؟ وأعداؤك والله فيهم حلماء وعقلاء وفضلاء، كما أنّ أولياءك فيهم فجرة وكذبة وجهلة.....
إلى آخر الرسالة، وقد طبعت توثيقاً لها بصورة الزنكوغراف بخط ابن قاضي شهبة من ص 187 إلى ص 189 في كتاب السيف الصقيل، راجع بشأنها مقالات الكوثري ص 343، وحسبنا هذا في تعريف ابن تيمية وضلالاته وجهالاته من غير تجنّ عليه و ليسمه أشياعه بشيخ الإسلام، فهو على حد قول أحمد خيري في مقدمة مقالات الكوثري ص 23 : إنّ ابن تيمية كان من اللاعبين بدين الله، وأنّه في جلّ فتاواه كان يتبع هواه، وحسبك فساد رأيه في اعتبار السفر لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم سفر معصية لا تقصر فيه الصلاة(1).
لقد بدأ في كتابه منهاج السنة (2)فذكر ما قاله الرافضي - ويعني به ابن المطهر الحلي - في
1) انظر عبارته الوقحة بهذا النص في ص 118 من الجزء الأول من مجموع فتاواه طبع مطبعة كردستان العلمية بمصر سنة 1326 ، ولا بن تيمية عجائب غير هذه، منها وقوعه في الخليفة العادل عمر بن الخطاب فكأنه أراد الجمع بين غلاة النواصب في بغض علیّ علیه السلام، ومتطرفي الشيعة في بغض عمره ( عن هامش المصدر)
2) منهاج السنة 4 : 185 ط أفست عن بولاق سنة 1322 ه--
رجوع الشمس له - للإمام - مرّتين ... فقال في ص 186 :
والجواب أن يقال: فضل علي وولايته لله وعلوّ منزلته عند الله معلوم عند الله - و لله الحمد - من طرق ثابتة أفادتنا العلم اليقيني، لا يحتاج معها إلى كذب وإلى ما لا يعلم صدقه، وحديث ردّ الشمس له قد ذكره طائفة كالطحاوي و القاضي عياض و غيرهما، و عدّوا ذلك من معجزات النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، لكن المحققون من أهل العلم والمعرفة بالحديث يعلمون أنّ هذا الحديث كذب موضوع، كما ذكره ابن الجوزي في كتاب الموضوعات ... .
ثم بدأ يذكر ما قاله ابن الجوزي وما هو إلا اجترار لما قال، وقد مرّت أقوال
العلماء الذين عابوا ابن الجوزي على فعله ذلك، وذكرنا آخرهم سبطه، وهو أقرب إليه من غيره وغير متهم عليه ... فلا نطيل الوقوف عند هذا، ولكن الذي يلفت النظر تشبّثه بما زعمه ابن الجوزي أنّ الشمس إذا غربت خرج الوقت المضروب للصلاة، فالمصلّي بعد ذلك لا يكون مصلّياً في الوقت الشرعي ولو عادت الشمس، إلى أن قال: والأحكام المتعلّقة بغروب الشمس حصلت بذلك الغروب، فالصائم يفطر ولو عادت بعد ذلك لم يبطل صومه، مع أنّ هذه الصورة لا تقع لأحد ولا وقعت لأحد، فتقديرها تقدير ما لا وجود له، ولهذا لا يوجد الكلام على حكم مثل هذا في كلام العلماء المفرّعين.
أقول: إنّ كل تلك الهذرمة من ابن تيمية لنفي وقوع معجزة ردّ الشمس، و سيأتي إثباتها بأسانيد صحاح رغم أنف المنكر ، وإن عمي عنها الناصب المعاند ، و أما نفيه وقوع مثل هذا في كلام العلماء المفرّعين، فهو من قلة علم و سوء فهم، و إلا ففي كتب الفروع المتأخرة ذكر ذلك، ولو لم يكن له فرض وقوع سابقاً لما ذكروه.
قال ابن عابدين(1): عند قول المصنف (لو غربت الشمس ثم عادت هل يعود الوقت؟
الظاهرنعم) فقال بحث لصاحب النهر حيث قال: ذكر الشافعية أنّ الوقت يعود لأنّه عليه الصلاة والسلام نام في حجر علي رضی الله عنه حتى غربت الشمس، فلما استيقظ ذكر له أنّه فاتته
العصر فقال :
اللهمّ إنّه كان في طاعتك وطاعة رسولك فارددها عليه) فردّت حتى صلّى العصر
وكان ذلك بخيبر، والحديث صحّحه الطحاوي و عيّاض، و أخرجه جماعة منهم الطبراني بسند حسن، وأخطأ من جعله موضوعا كابن الجوزي، و قواعدنا لا تأباه، ثم قال:
قلت – والقائل ابن عابدين - على أن الشيخ إسماعيل ردّ ما بحثه في النهر تبعاً
للشافعية، بأنّ صلاة العصر بغيبوبة الشمس تصير قضاء، ورجوعها لا يعيدها أداء، و ما في الحديث خصوصية لعلي كما يعطيه قوله علیه السلام : إنّه كان في طاعتك وطاعة رسولك.
و أصرّ ابن تيمية متمادياً على إنكاره بقوله : وأيضاً فالنبي صلی الله علیه و آله و سلم فاتته العصر يوم الخندق فصلّاها قضاء هو و كثير من أصحابه، ولم يسأل انّه ردّ الشمس... وليس عليّ بأفضل من النبي صلی الله علیه و آله و سلم فإذا صلّاها هو و أصحابه معه بعد الغروب، فعليّ وأصحابه أولى بذلك، فإن كانت الصلاة بعد الغروب لا تجزي أو ناقصة تحتاج إلى ردّ الشمس كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أولى بردّ الشمس، وإن كانت كاملة مجزئة فلا حاجة إلى ردّها ....
أقول : كفانا مؤنة الرد عليه ما تقدّم من قول ابن عابدين والشيخ إسماعيل وغيرهما: بأنّ ما في الحديث خصوصية لعليّ كما يعطيه قوله علیه السلام : (إنّه كان في طاعتك وطاعة رسولك) ونضيف أن النبي صلی الله علیه و آله و سلم لما نهى يوم الخندق ع-ن الصلاة قبل الوصول إلى بني
1) في حاشية الدر المختار على الدليل المحتار 1 : 334 ط 3 بولاق سنة 1289 ه-- .
قريظة، لم يكن من عنده بل كان مشرعاً و مبلغاً عن ربّه، فلما فاتته الصلاة في وقتها قضاها هو وأصحابه، وهو في ذلك لئلا يحرج أمته على حد قول ابن عباس رضی الله عنه لجمعه بين الصلاتين من غير علة، فكذلك سنّ لأمته القضاء لمن فاتته الصلاة.
ثم استمر ابن تيمية في عناده قائلاً: و أيضاً فمثل هذه القضية من الأمورالعظام الخارجة عن العادة التي تتوفّر الهمم والدواعي على نقلها، فإذا لم ينقلها إلّا الواحد والإثنان علم بیان كذبهم في ذلك، وانشقاق القمر كان بالليل وقت نوم الناس ومع هذا فقد رواه الصحابة من غير وجه و أخرجوه في الصحاح والسنن و المسانيد من غير وجه ونزل به القرآن، فكيف بردّ الشمس التي تكون بالنهار ولا يشتهر ذلك، ولا ينقله أهل العلم نقل مثله، ولا يعرف قط أنّ الشمس رجعت بعد غروبها، وإن كان كثير من الفلاسفة والطبيعيين وبعض أهل الكلام ينكر انشقاق القمر وما يشبه ذلك، فليس الكلام في هذا المقام لكن الغرض أنّ هذا من أعظم خوارق العادات في الفلك، وكثير من الناس ينكر إمكانه ، فلو وقع لكان ظهوره ونقله أعظم من ظهور ما دونه ونقله، فكيف يقبل وحديثه ليس له إسناد مشهور ، فإنّ هذا يوجب العلم اليقيني بأنّه كذب لم يقع، وإن كانت الشمس احتجبت بغيم ثم ارتفع سحابها فهذا من الأمور المعتادة، و لعلّهم ظنّوا أنها غربت ثم كشف الغمام عنها، وهذا و إن كان قد وقع ففيه أنّ الله بيّن له بقاء الوقت حتى يصلّي فيه، ومثل هذا يجري لكثير من الناس.
أقول: أرأيت كيف كان ابن تيمية في عناده ؟؟ أتشك في أنّه أهل لما قال فيه ابن حجر في كتابه الفتاوي الحديثية :86: (عبد خذله الله وأضلّه وأعماه وأصمّه وأذلّه)، وبذلك صرّح الأئمة الذين بيّنوا فساد أحواله، وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الإجتهاد أبي الحسن السبكي وولده
التاج والشيخ الإمام العزابن جماعة و أهل عصرهم و غيرهم من الشافعية والمالكية والحنفية، ولم يقصر اعتراضه على متأخّري الصوفية، بل اعترض على مثل عمر بن الخطاب و عليّ بن أبي طالب علیه السلام . ثم قال ابن حجر :
والحاصل أن لا يقام لكلامه وزن، بل يُرمى في كل وعر و حزن، و يعتقد فيه أنّه مبتدع ضال مضلّ غال عامله الله بعدله، وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله آمين(1).
ثم استمر ابن تيمية متابعاً تضليله فذكر ما صنّفه الحاكم الحسكاني في (تصحيح ردّ الشمس وترغيم النواصب الشُمس)، و أخذ يذكر من تلك المسألة ما شاء له الهوى متلاعباً في نقله، ومتابعاً لذلك في نقده بما لا طائل معه، و لولا خوف الإطالة لذكرت جميع ذلك، فمن شاء فليرجع إلى كتابه منهاج السنة ج 4 ص 188 إلى ص 194.
و جل ما لديه من تعقيب أخذه أقوال ابن الجوزي في كتابه الموضوعات، و قد مرّ منّا بیان حاله و حال کتابه و رمی آخر سهم في كنانته حين قال: و قد صنّف جماعة من علماء الحديث في فضائل علي، كما صنّف الإمام أحمد، و صنّف أبو نعيم في فضائله، وذكر فيها أحاديث كثيرة ضعيفة ولم يذكر هذا، لأنّ الكذب ظاهر عليه بخلاف غيره، ثم ذكر الترمذي وأبو عمر ابن عبد البر والنسائي، وحيث لم يذكروا حديث ردّ الشمس، فهو کذب ؟ ! زه بهكذا تحقيق، و مرحاً وفرحاً بهكذا اجتهاد واستنباط !!(2).
ويبدو أنّه أحسّ بهوسه لم يبلغ في تهويشه غايته، فازداد في خزايته فعاد إلى ما قاله الحاكم الحسكاني من حكاية قول أحمد بن صالح، فذكره محرّفاً لفظه فيما نقله: : ( ينبغي لمن
كان سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء في ردّ الشمس لأنه من علامات النبوة) هكذا في ص 194 وفات الغبيّ أنّ التعليل يأبى صحّة نقله، و أنّ الصواب (لا ينبغي لمن کان .. الخ) وأقبح من ذلك كله طعنه في أحمد بن صالح وفي الطحاوي الذي نقل قول أحمد بن صالح فقال:
أحمد بن صالح رواه من الطريق الأول، ولم يجمع طرقه وألفاظه التي تدلّ من وجوه كثيرة على أنّه كذب، وتلك الطريق راويها مجهول عنده ليس معلوم الكذب عنده فلم يظهر له كذبه.
والطحاوي ليست عادته نقد الحديث كنقد أهل العلم، ولهذا روى في شرح معاني الآثار الأحاديث المختلفة.
وإنّما يرجح ما يرجحه منها في الغالب من جهة القياس الذي رآه حجة، ويكون أكثرها مجروحاً من جهة الإسناد لا يثبت ولا يتعرض لذلك، فإنّه لم تكن معرفته بالإسناد كمعرفة أهل العلم به، وإن كان كثير الحديث فقيهاً عالماً .
أقول: والآن أرى لزاماً علىّ تعريف القارئ بشيء موجز من ترجمة الطحاوي، ثم أحمد ابن صالح، ليتبيّن بنفسه كذب ابن تيمية في نقده لهذين العَلَمين .
أولاً الطحاوي من هو ؟ (1)هو الإمام المجتهد الحافظ المؤرخ النسابة أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، ولد بطحا الاشمونين بالصعيد الأدنى كما ذكره ياقوت في المشترك، وميلاده سنة 229 على الصحيح ... والطحاوي يشارك مسلماً في الرواية عن يونس بن عبد الأعلى، كما شارك أبا داود و ابن ماجة و النسائي في الرواية عن هارون بن سعيد الأيلي....
1) نقلاً عن مقالات الكوثري: 468 - 474 باقتضاب، وفيها جمل الثناء عليه من ابن عبد البر، وابن عساكر والسمعاني وابن الجوزي وسبطه، والذهبي، وابن كثير وغيرهم
كان عمر الطحاوي حين مات البخاري صاحب الصحيح 27 سنة، و حين مات
مسلم 32 سنة، وحين مات أبو داود 46 سنة، وحين مات الترمذي 50 سنة، وحين مات النسائي 74 سنة، وحين مات ابن ماجه 44 سنة، وحين مات أحمد بن حنبل 12 سنة، قال البدر العيني: ولا يشك منصف أنّ الطحاوي أثبت في استنباط الأحكام من القرآن ومن الأحاديث النبوية، و اقعد في الفقه من غيره ممّن عاصره سناً أو شاركه راوية من أصحاب الصحاح والسنن...
وقال العيني أيضاً: وأما الطحاوي فإنّه مجمع عليه في ثقته وديانته وأمانته وفضيلته التامة، ويده الطولى في الحديث وعلله وناسخه و منسوخه ولم يخلفه فيها أحد، ولقد أثنى عليه السلف والخلف .
قال الكوثري: وما ذكره ابن تيمية في حقه عند توهين حديث أسماء(1)، إنّما هو مجازفة من مجازفاته، وليس أدلّ على ذلك من الإطلاع على كتبه، وما كتبه كثير من الحفّاظ في حديث أسماء يرغم ابن تيمية الذي ألّف في أغلاطه الرجال، خاصة أبو بكر الصامت الحنبلي(2)جزءاً، و حق لمثله أن يقبع و لا يتكلّم في مثل ذلك، ولا كلام في صحة الحديث من حيث الصناعة، لكن حكمه حكم أخبار الآحاد الصحيحة في المطالب العلمية، ومعرفة الطحاوي بالعلل لا يتجاهلها إلّا من اعتلّ بعلل لا دواء لها، نسأل الله السلامة ...
1) هو حديث ردّ الشمس لعلي كرم الله وجهه وقد جمع أهل العلم بالحديث طرق هذا الحديث وحكموا عليه بالصحة، منهم أبو القاسم العامري، والحاكم النيسابوري، والسيوطي، ومحمد بن يوسف الصالحي، وصححه القاضي عياض، والاعتراف بصحة هذا الحديث ينافي انحراف ابن تيمية عن عليه، وتبدو على كلامه آثار بغضه إياه في كل خطوة من خطوات تحدّثه عنه (الحاوي: 26) عن هامش المصدر .
2) مع تحيزه لابن تيمية، عن هامش المصدر
أقول : حسبنا بهذا تعريفاً للطحاوي، و به تبيّن لنا زيغ ابن تيمية و مجازفته
ثانياً: أحمد بن صالح المصري، قال ابن عدي في كتابه الكامل(1): و أحمد بن صالح من حفّاظ الحديث، و بخاصة حديث الحجاز و من المشهورين بمعرفته، و حدّث عنه البخاري مع شدّة استقصائه، و محمد بن يحيى، و اعتمادهما عليه في كثير من حديث الحجاز وعلى معرفته، وحدّث عنه من الثقات و اعتمدوه حفظاً و إتقاناً، وكلام ابن معين فيه تحامل، و أما سوء رأي النسائي فسمعت محمد بن هارون بن حسان البرقي يقول: هذا الخراساني - يعني النسائي - يتكلّم في أحمد بن صالح، وحضرت مجلس أحمد بن صالح وطرده من مجلسه، فحمله ذلك على أن تكلّم فيه... وأحمد بن صالح من أجلّة الناس... ولولا أنّي شرطت في كتابي هذا أن أذكر فيه كل من تكلّم فيه متكلّم، لكنت أجلّ أحمد بن صالح أن أذكره .
وحسبنا هذا تعريفاً لأحمد بن صالح وتوثيقاً، و ليخسأ ابن تيمية في نقده له .
ويبقى ابن تيمية ممعناً في ضلالته وإضلاله في تفنيد حديث ردّ الشمس، فسلك سبيلاً ذي عوج فزعم التنافي بين الروايات، وهذا ما كفانا الردّ عليه الحجة المظفر، فلنقرأ ما قاله رحمه الله في كتابه دلائل الصدق .
لقد ذكر الحجة المظفر رحمه الله في كتابه دلائل الصدق مزاعم ابن تيمية في تنافي الروايات، فلخّصها قدس سره وأجاب عنها نذكرها بلفظه رحمه الله اشكالاً وجواباً... قال - أي ابن تيمية - : الأمر الثالث، إنّ خصوصيات الروايات متنافية من وجوه، وهو يكشف عن كذب الواقعة:
1) الكامل :1 183 ط دار الفكر.
الأول: دلالة بعضها على طلوع الشمس حتى وقعت على الجبال وعلى الأرض، وبعضها حتى توسّطت السماء، وبعضها حتى بلغت نصف المسجد .
وهذا دالّ على أنّ ذلك بالمدينة، لأنّ المقصود مسجدها، وكثير من الأخبار يدلّ على أنّه بالصهباء في غزوة خيبر
الثاني: انّ بعضها يدل على أن النبي صلی الله علیه و آله و سلم كان يوحى إليه، وبعضها كان نائماً ثم استیقظ.
الثالث: دلالة بعضها على أن علياً كان مشغولاً بالنبي صلی الله علیه و آله و سلم، و بعضها على أنه كان مشغولاً بقسم الغنائم.
إلى غير ذلك من الخصوصيات المتنافية .
فقال الشيخ المظفر رحمه الله :
والجواب: إنّ تنافي الخصوصيات لا يوجب كذب أصل الواقعة، و إنّما يقتضى الخطأ في الخصوصيات، إذ لا ترى واقعة تكثرت طرقها إلّا واختلف النقل في خصوصياتها، حتى أنّ قصة انشقاق القمر قد وردت - في الرواية التي تقدّمت عن الترمذي (1)- بأنّ القمر صار فرقتين على جبلين
وفي رواية أخرى للترمذي: انشق فلقتين فلقة من وراء الجبل وفلقة دونه(2).
وفي صحيح البخاري: فرقة فوق الجبل وفرقة دونه(3).
على أنّه لا تنافي بين تلك الخصوصيات، لأنّ المراد بجميع الخصوصيات في الوجه
الأول هو رجوع الشمس إلى وقت صلاة العصر، كما صرّح به في بعض الأخبار(1)، لكن وقعت المبالغة في بعضها بأنّها توسطت السماء (2)، والمبالغة غير عزيزة في الكلام، كما أنّ وقوع ردّ الشمس في غزوة خيبر، لا ينافي بلوغها نصف المسجد
وأما الخصوصيات في الوجه الثاني، فلا تنافي بينها أيضاً، لصحة حمل نوم النبي صلی الله علیه و آله و سلم على غشية الوحي، والاستيقاظ على تسرّيه، ولذا عبّر بعض الأخبار بالاستيقاظ بعد ذكر نزول جبرئيل و تغشي الوحي للنبي صلی الله علیه و آله و سلم (3)
وأما الخصوصيات في الوجه الثالث، فهي أظهر بعدم التنافي بينها، إذ لا يبعد أنّ قسم الغنائم هو الحاجة التي وقعت قبل شغل علیّ علیه السلام بالنبي صلی الله علیه و آله و سلم لا في عرضه، و على هذا القياس في سائر الخصوصيات التي يتوهم تنافيها(4).
ونضيف على ما قاله شيخنا المظفرقدس سره فنذكر للقارئ مزيداً من شواهد الإختلاف في الخصوصيات لاختلاف الرواة، وذلك لا يعني كذب أصل الواقعة، فمن ذلك قضية الإسراء والمعراج، وهي قضية لابدّ أن يسلّم ابن تيمية بصحتها، وإلا لم يكن مسلماً، فإنّ (الإسراء و المعراج آيتان من آيات الله الكبرى اختص بهما المولى جل جلاله فخر رسله صلوات الله و سلامه عليه و (آله) و عليهم أجمعين)
فالأول: مسراه صلی الله علیه و آله و سلم ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، و هذا ثابت بنص
1) الظاهر أن جميع الأخبار الواردة وليس بعضها قد صرحت بأن ردّ الشمس كان إلى وقت صلاة العصر.
2) لم يرد لفظ (السماء) في أتي من ألفاظ الحديث، ولعل مراده كناية عن (وسط المسجد) و (نصف المسجد) و (وقعت على الجبال) و (وقفت على الجبال) و (بيضاء نقية كما جاءت به نصوص الروايات فلاحظ .
3) تاريخ دمشق 70: 36 رقم 9409
4) دلائل الصدق 2 : 298 - 299 ط الأولى و 6 : 217 ط مؤسسة آل البيت علیهم السلام .
القرآن، فيكفر منكره .
وأما الثاني: فعروجه صلی الله علیه و آله و سلم إلى ما فوق السماوات العُلى، وهذا ثابت بأحاديث صحيحة، فيعدّ منكره مبتدعاً لا كافراً(1)، إلا أنّ الروايات في المعراج اختلفت، فمن العلماء من سلك طريق الترجيح، ومنهم من سلك طريق الجمع بينها بحملها على تعدد عروجه صلی الله علیه و آله و سلم حتی قال صاحب النونية الخضرية:
معراجه واقع يقظان في بدن *** بآية ومشاهير ووحدان
وقوعه كان تكراراً وقد دفعوا *** به تعارض ما دلّ الحديثان
وأسطورة أنّ السماوات لا تقبل الخرق والالتئام ذهبت أدراج الرياح، وإنكار
المعجزات والخوارق لا يجتمع والإيمان بالنبوّة كما في دلالة الحائرين لموسى بن ميمون فيلسوف اليهود .
وقال ابن سيد الناس(2): ذكر السهيلي رحمه الله خلاف السلف في الإسراء هل كان يقظة أو مناماً، وحكى القولين وما يحتج به لكل قول منهما، ثم قال: وذهبت طائفة ثالثة منهم شيخنا أبو بكر بن العربي إلى تصديق المقالتين وتصحيح المذهبين، وانّ الإسراء كان مرّتين، إحداهما في نومه توطئة له وتيسيراً عليه، كما كان بدء نبوته الرؤيا الصالحة، ليسهل عليه أمر النبوة فإنّه عظيم، تضعف عنه القوى البشرية (3).
1) لا بل كافراً، لأنّ الصلاة إنّها فرضت ليلة الإسراء في المعراج، فمن أنكر المعراج معناه أنكر فرض الصلاة وهي عمود الدين، فمن أنكرها جاحداً فهو كافر لا شك فيه .
2) عيون الأثر 1 : 147
3) قال ابن عباس: انّ رسول الله الله أقام بمكة خمس عشرة سنة، سبع سنين يرى الضوء والنور ويسمع الصوت وثماني سنين يوحى إليه (طبقات ابن سعد السيرة النبوية).
وكذلك الإسراء، سهّله عليه بالرؤيا لأنّ هوله عظيم، فجاء في اليقظة على توطئة وتقدمة رفقاً من الله بعبده وتسهيلاً عليه، و رجح هذا القول أيضاً للجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك فإنّ في ألفاظها اختلافاً، و تعدّد الواقعة أقرب لوقوع جميعها، و حكى قولاً رابعاً فقال: كان الإسراء بجسده إلى بيت المقدس في اليقظة، ثم أسرى بروحه صلی الله علیه و آله و سلم إلى ما فوق سبع سموات، ولذلك شنّع الكفار قوله : أتيت بيت المقدس في ليلتي هذه ، و لم يشنّعوا قوله فيها سوى ذلك، أه--(1).
وقول البخاري: (باب كيف فرضت الصلاة ليلة الإسراء) يدلّ على أنّ الإسراء
والمعراج في ليلة واحدة عنده، لأنها إنّما فرضت ليلة المعراج اتفاقاً (2).
أرأيت أيها القارئ كيف الإختلاف في الخصوصيات لا ينفي أصل الواقعة، و قس على ما تقدّم ممّا يتعلّق بشخص النبي صلی الله علیه و آله و سلم بدءاً من حديث بدء النبوة، واعطف حديث الهج--رة، واختم بحديث الوفاة، فكم ضمّت كتب السيرة من تفاوت في الخصوصيات مع ثبوت الواقعة، فما تشدّق به ابن تيمية من أنّ الإختلاف في الروايات يثبت كذب الواقعة، قول من لا يعقل ما يقول، أعماه الضلال و طبع على قلبه، وكان حقيقاً بما مرّ من قول ابن
حجر فيه:( أن لا يقام لكلامه وزن، بل يرمي في كل وعر و حزن، ويعتقد فيه أنه مبتدع ضال مضلّ غالٍ عامله الله بعدله، وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله . آمين)(3).
لقد أطنب مترجموه في نضد جمل الثناء عليه، و هم كثيرون، إلا أنّهم اتفقوا على رأي
واحد في أنّه كانت له خصوصية بشيخه ابن تيمية، ومناضلة عنه، و اتباع له في كثير من آرائه، وكان يفتي برأيه في مسألة الطلاق، وامتحن بسبب ذلك و أوذي (1).
فابن العماد الحنبلي(2)قال: و أخذ عن الشيخ تقي الدين فأكثر عنه، و ابن قاضي شهبة قال: كانت له خصوصية بابن تيمية، و مناضلة عنه، واتباع له في كثير من آرائه، و كان يفتي برأيه في مسألة الطلاق، و امتحن بسبب ذلك و أوذي، وتوفي في شعبان ودفن بمقبرة الصوفية عند شيخه ابن تيمية
وقد عرفنا من قبل ماذا كان رأي شيخه في حديث ردّ الشمس، فهو أيضاً على شاكلته، حتى أنّه لم يستح من إعلان نُصبه المعلَن في أول صفحة بدايته، كما صنع من قبل شيخه في أول منهاجه، فهو على وتيرته حتى في ذكره الصلاة البتراء، فالشيخ قد ابتدأ منهاجه بعد الحمد والثناء، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (صلى الله عليه أفضل صلاة وأكمل تسلیم) فلم يذكر الآل كما لم يذكر غيرهم من الصحابة، لكن التلميذ زاد في الطنبور نقمة، فقد افتتح كتابه البداية والنهاية بالحمد والثناء إلى أن قال في ذكر النبي صلى الله عليه وسلم.
(صلى الله عليه وعلى سائر إخوانه من النبيين والمرسلين، وشرف وكرم أزكى صلاة وتسليم، وأعلى تشريف وتكريم، ورضي الله عن جميع أصحابه الغر الكرام، والسادة النجباء الأعلام، خلاصة العالم بعد الأنبياء، ما اختلط الظلام بالضياء...) فهو ترضّى عن جميع الأصحاب ولم يذكر الآل بشيء، على أنّ في الأصحاب من لا يسوى شروى نقير
كالمنافقين والفاسقين الذين ندّدت بهم آيات الذكر الحكيم.
وليت ابن كثير كان كأستاذه الآخر ابن قيم الجوزية، وهو أيضاً مثله معدود من تلاميذ ابن تيمية بل أظهر تلامذته حتى قال ابن حجر .... وغلب عليه حب ابن تيمية حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله، بل ينتصر له في جميع ذلك، وهو الذي هذّب كتبه ونشر علمه، واعتقل معه بالقلعة، فلما مات أفرج عنه...) إلى غير ذلك من أقوال يطول المقام بشرحها ، فهو أيضاً ممّن ناقش في حديث ردّ الشمس في كتابه (المنارالمنيف في الصحيح والضعيف) ولكنّه لم يبخس الآل حقهم في الصلاة عليهم في بداية كتابه أعلام الموقعين فقال: (فصلّى الله وملائكته وأنبياؤه ورسله والصالحون من عباده عليه وآله كما وحّد الله وعرّف به ودعا إليه وسلّم تسليما ) ج 1 / 6 ط دار الأرقم بيروت سنة 1418 .
بل ذكر في ج 2 / 526 فقال : وسئل صلى الله عليه وسلم عن كيفية الصلاة عليه فقال : قولوا: (اللهم صل على محمّد وعلى آل محمد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد) متفق عليه .
ومهما يكن من تفاوت الحال بين ابن كثير وبين أستاذيه ابن تيمية وابن قيم الجوزية فقد غلب عليه هواه مثلهما على تفاوت ما بينهما كما بيّنت، وناقش حديث ردّ الشمس فقال في ج 6 / 77:
فأما حديث ردّ الشمس بعد مغيبها فقد أنبأني شيخنا المسند فذكر ابن عساكر ... وساق الحديث بأسانيده في ذكر ما قاله هو فيه من تعقيب عليه، وما قاله ابن الجوزي وغيره، وحكى قول الحافظ ابن ناصر البغدادي: هذا الحديث موضوع، ثم قال: قال
شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي، وصدق ابن ناصر(1)وذكر عن ابن الجوزي ما قاله في رواية ابن مردويه للحديث بسنده عن أبي هريرة من مناقشة مرّت الإشارة إليه ثم قال ابن كثير : هذا الحديث ضعيف ومنكر من جميع طرقه، فلا تخلو واحدة منها عن شيعي ومجهول الحال وشيعي ومتروك، ومثل هذا الحديث لا يقبل فيه خبر واحد إذا اتصل سنده، لأنّه من باب ما تتوفّر الدواعي على نقله، فلابد من نقله بالتواتر والاستفاضة لا أقل من ذلك (؟)
ثم قال:
ونحن لا ننكر هذا في قدرة الله تعالى، وبالنسبة إلى جناب رسول صلى الله عليه وسلم فقد ثبت في الصحيح أنّها ردّت ليوشع بن نون، وذلك يوم حاصر بيت المقدس... ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم جاهاً، وأجلّ منصباً، وأعلى قدراً من يوشع بن نون، بل من سائر الأنبياء على الإطلاق.
ولكن لا نقول إلّا ما صح عندنا ( عنه ) ولا نسند إليه ما ليس بصحيح، ولو صحّ
لكنّا من أول القائلين به، والمعتقدين له، وبالله المستعان.
1) من الغريب أن ينسب هذا إلى الذهبي في تصديقه قول ابن ناصر، مع أن الذهبي ذكر في ترجمته في تذكرة الحفاظ 4: 1289 في مناقشة قول ابن الجوزي الحنبلي في الدفاع عن ابن ناصر الذي قال فيه السمعاني : كان يجب أن يقع في الناس، فرد عليه ابن الجوزي، فقال الذهبي: ولا ريب أن ابن ناصر متعصب في الحط على بعض الشيوخ فدع الانتصار، وحكى الذهبي قول السلفي في ابن ناصر وهو شافعي أشعري: ثم انتقل إلى مذهب أحمد في الأصول والفروع ومات عليه، وساق الذهبي كيفية انتقاله من مذهب الشافعي إلى مذهب الحنابلة بسبب رؤيا رآها فقصها على أمه ثم على شيخه فأولها له بتغيير ،مذهبه، وذلك في رمضان سنة 93 ، وختم الترجمة برؤيا أُخرى لمن رآه بعد موته أنّ الله غفر له ولعشرة من أصحاب الحديث في زمانه لأنه رئيسهم، وهكذا تبقى أضغاث الأحلام في تاريخ المحدثين الأعلام عليها المعوّل يا سلام وبها مسك الختام . (أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظيم المطففين) 4 - 5
أقول: ونحن من حقنا أن نسأل ابن كثير، وأتباعه الناصبين من حاملي الهويّة، ما
رأيكم في بعثة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم التي لا شك لمسلم فيها مكاناً، وأنّها كانت بمكة وعمره يومئذٍ أربعون سنة، فما بال الصحابة الكرام لم يتفقوا على جوانب مهمّة من سيرته العطرة، ممّا ينبغي نقله بالتواتر والاستفاضة لا أقل من ذلك كما قال ابن كثير .
و لئلا يطول المقام نذكر للقارئ شاهداً واحداً عن جانب واحد فقط، وعن صحابي واحد، وعنه تابعي واحد، وذلك في مصدر واحد لا يسع ابن كثير ولا أشياعه التطاول عليه، أو تناوله بالنقد، وذلك المصدر هو مسند أحمد، ومع ذلك التفاوت فيما لا ينبغي الإختلاف فيه، كيف يكون حال ما يروونه في أمير المؤمنين علیه السلام .
هو ما أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده في (مسند ابن عباس ج 4 ) بتحقيق أحمد محمد شاکر:
1 - في صفحة 128 بتسلسل 2399 قال: حدّثنا حسن بن موسى، قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن عمار ابن أبي عمار عن ابن عباس أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أقام بمكة خمس عشرة سنة، ثمان سنين أو سبعاً يرى الضوء ويسمع الصوت، وثمانياً أو سبعاً يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشراً .(1)
2 - وأخرج أحمد أيضاً في صفحة 180 بتسلسل 2523 قال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا عمار ابن أبي عمار عن ابن عباس قال : أقام النبي صلی الله علیه و آله و سلم بمكة خمس عشرة سنة، سبع سنين يرى الضوء ويسمع الصوت، وثمان سنين يُوحى إليه، وأقام بالمدينة
1) قال شاكر: إسناده صحيح وانظر 2242 .
عشر سنين(1)
3- وأخرج في صفحة 236 بتسلسل 2680 قال: حدّثنا حسن، حدّثنا حماد بن سلمة، عن عمار ابن أبي عمار، عن ابن عباس أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أقام بمكة خمس عشرة سنة، ثمان سنين أو سبعاً يرى الضوء ويسمع الصوت، وثمانياً أو سبعاً يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشراً (2).
4 - وأخرج في صفحة 223 بتسلسل 2640 قال: حدّثنا عفان، حدّثنا يزيد بن زُريع، حدّثنا يونس، عن عمار مولى بني هاشم، قال: سألت ابن عباس : كم أتى لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم یوم مات؟ قال: ما كنت أرى مثلك في قومه يخفى عليك ذلك ؟ قال : قلت: إني قد سألت فاختلف عليَّ، فأحببت أن أعلم قولك فيه، قال: أتحسب ؟ قلت: نعم، قال: أمسك، أربعين بُعث لها، وخمس عشرة أقام بمكة يأمنُ و يخاف، وعشر مهاجراً بالمدينة (3).
أقول : فليقارن القارئ بين صور هذا الحديث الواحد المروي في مصدر واحد، عن تابعي واحد، عن صحابي واحد ليرى التفاوت في النقل، ففي الصورة الأولى والثالثة وسندهما واحد من أحمد إلى آخره نقرأ الترديد في سني الإقامة بمكة قبل الوحي وبعده (ثمان سنين أو سبعاً) يرى الضوء ويسمع الصوت، وثمانياً أو سبعاً يوحى إليه .
1) قال شاكر: إسناده صحيح وهو مكرر 2399
2) قال شاكر: إسناده صحيح وهو مكرر : 2399 ، 2523 ، وهو في تاريخ ابن كثير 5: 258 وقال: (رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به وانظر 2642 .
3) قال شاكر: إسناده صحيح، والحديث نقله ابن كثير في التاريخ 5: 258 - 259 عن هذا الموضع وقال: وهكذا رواه مسلم من حديث يزيد بن زريع وشعبة بن الحجاج، كلاهما عن يونس بن عبيد عن عمار عن ابن عباس بنحوه) وانظر 2242، 2399 ، وانظر أيضاً 1846 ، وما أشرنا إليه من الأحاديث هناك (مهاجراً) في ج (مهاجرة) وأثبتنا ما في ك وابن كثير
وفي الصورتين الثانية والرابعة تفاوتاً في الألفاظ خصوصاً في الرابعة، بينما الحديث بصوره هو حديث واحد وعن تابعي واحد عن صحابي واحد، فلماذا الإختلاف وتوفّرالدواعي على حفظه تستدعي ضبطه ؟
ولو أغمضنا عن هذه الصور، ورجعنا إلى ما أشار إليه المحقق شاكر في الهوامش بقوله انظر (2242) نجد أحمد يروي بسنده عن عكرمة عن ابن عباس قال: أنزل على النبي صلی الله علیه و آله و سلم وهو ابن أربعين، وكان بمكة ثلاث عشرة وبالمدينة عشراً، فمات وهو ابن ثلاث وستين(1).
وحديث عكرمة هذا أيضاً لم يسلم من الإختلاف فقد سبق لأحمد في روايته ج 3 صفحة 317 بتسلسل 2017 بسنده عن عكرمة عن ابن عباس: أنزل على النبي صلی الله علیه و آله و سلم وهو ابن ثلاث وأربعين، فمكث بمكة عشراً وبالمدينة عشراً، وقبض وهو ابن ثلاث وستين.
وأدهى من ذلك ما رواه أحمد في سنده أيضاً في ج 4 / 244 بتسلسل 2696 بسنده عن أبي سلمة عن عائشة وابن عباس : أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم لبث بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة عشراً (2)
هذا جانب واحد من سيرة الرسول صلی الله علیه و آله و سلم العطرة، أرأيتم كيف تفاوتت روايات المحدّثين المهرة ، وقد روى بعضها ابن كثير في أخبار السيرة، فهل نمّ على ما فيها من تفاوت(؟) وهل لفت نظر ما في خبر عائشة وابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة عشراً، وهذا يعني أن النبي صلی الله علیه و آله و سلم مات وعمره ستون سنة،
لأنه بعث وهو ابن أربعين، وهذا خلاف ما عليه إجماع المسلمين، ولو أردت الإفاضة في أمثال هذا لاحتجت إلى كتابة مجلدات في ذلك، وكم في فوات المحقّقين وهفوات المحدّثين من شواهد مليئة بالفوائد.
ولنعد إلى ابن كثير ولنقرأ ماذا بعدُ لديه في تكذيب حديث ردّ الشمس، قال في ج 6 / 79:
وقال الحافظ أبو بكر محمد بن حاتم بن زنجويه البخاري في كتابه (إثبات إمامة أبي بكر الصديق) فإن قال قائل من الروافض: إنّ أفضل فضيلة لأبي الحسن وأدلّ (دليل) على إمامته ما روي عن أسماء بنت عميس قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحى إليه ورأسه في حجر علي بن أبي طالب - ثم ساق الحديث إلى قولها: ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت - .
قيل له: كيف لنا لو صحّ هذا الحديث فنحتج على مخالفينا من اليهود والنصارى (؟) ولكن الحديث ضعيف جداً لا أصل له (؟) وهذا ممّا كسبت أيدي الروافض(؟) ولو ردّت الشمس بعد ما غربت رآها المؤمن والكافر، ونقلوا إلينا في يوم كذا من شهر كذا في سنة كذا ردّت الشمس بعد ما غربت (؟).
ثم يقال للروافض أيجوز أن تردّ الشمس لأبي الحسن حين فاتته صلاة العصر، ولا ترد لرسول الله ولجميع المهاجرين والأنصار وعليّ فيهم حين فاتتهم صلاة الظهر والعصر والمغرب يوم الخندق (؟) قال: وأيضاً مرّة أخرى عرّس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار حين قفل من غزوة خيبر، فذكر نومهم عن صلاة الصبح وصلاتهم لها بعد طلوع الشمس قال : فلم يردّ الليل على رسول الله وعلى أصحابه (؟) قال: ولو كان فضلاً أعطيه رسول الله، وما كان الله ليمنع رسوله شرفاً وفضلاً - يعني أعطيه علي بن أبي طالب .
ثم قال : وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني : قلت لمحمد بن عبيد الطنافسي: ما تقول فيمن يقول رجعت الشمس على علي بن أبي طالب حتى صلّى العصر؟ فقال: من قال
هذا فقد كذب، وقال إبراهيم بن يعقوب: سألت يعلى بن عبيد الطنافسي قلت: إنّ ناساً عندنا يقولون: إنّ عليّاً وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم و رجعت عليه الشمس، فقال: كذب هذا كله.
أقول: هذا بعض ما ذكره ابن كثير في تكذيب حديث ردّ الشمس، وقد استعان
بأقوال ابن زنجويه، وأقوال الجوزجاني وسؤاله من الطنافسيَيَن، وقد وضعت بعض علامات الاستفهام وجعلتها بين قوسين لغرض التنبيه على سُخف القائلين المنكرين لردّ الشمس ونُصبهم ، فإلى الجواب على تلك الاستفهامات قبل الإطراد بذكر جميع ما عند ابن كثير.
وقبل الجواب فلنعرّف هؤلاء الذين استعان ابن كثير بأقوالهم فنقول من هم ؟
ليعرفهم القارئ .
فأولهم الحافظ أبو بكر محمد بن حاتم بن زنجويه البخاري، صاحب كتاب (إثبات
إمامة أبي بكر الصديق) ترجمه الذهبي في تاريخ الإسلام(1)، فوصفه بالفقيه الفرائضي، وذكر شيوخه ومن روى عنه، وقال في آخر ترجمته: وكان إماماً في السنة.
وترجمه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق(2)، بأوسع ممّا ذكره الذهبي في ذكر الشيوخ والراوين عنه، وذكر وفاته لثمان خلون من ذي القعدة سنة 359 ، وذكر عن عبد العزيز وكان إماماً في السنة .
وثانيهم: إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وصفه الذهبي(3)بالحافظ الإمام... نزيل دمشق ومحدّثها ... قال ابن عدي ... وكان يتحامل على عليّ رضی الله عنه، وقال الدارقطني... وفيه
انحراف عن علي، وذكره ابن حبّان في الثقات وقال: كان حروري المذهب ولم يكن بداعية، وكان صلباً في السنّة حافظاً للحديث، إلا أنّه من صلابته ربما كان يتعدى طوره (؟).
وقال ابن عدي: كان شديد الميل إلى مذهب أهل دمشق في الميل على علي، اجتمع على بابه أصحاب الحديث فأخرجت جارية له فرّوجة لتذبحها فلم تجد من يذبحها فقال: سبحان الله فرّوجة لا يوجد من يذبحها وعلي يذبح في ضحوة نيفاً وعشرين ألف مسلم.
قال ابن حجر وكتابه في الضعفاء يوضح مقالته. ثم قال ورأيت في نسخة من كتاب ابن حبان حريزي المذهب - وهو بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وبعد الياء زاي - نسبة إلى حريز بن عثمان المعروف بالنُصب، وكلام ابن عدي يؤيّد هذا ....
أقول: وحريز بن عثمان المشار إليه هو من رجال البخاري والأربعة، وتوثيقه من أحمد بن حنبل وغيره كثير، ومع ذلك فقد بلغ من نصبه كان يقول: لا أحب عليّاً قتل آبائي، وكان يقول لنا إمامنا ولكم إمامكم، وعنه تكذيب حديث المنزلة، وأنّ لفظه إنّها أنت منّى بمنزلة قارون من موسی فسئل عمّن ترویه؟ قال: سمعت الوليد ابن عبد الملك يقوله وهو على المنبر(1).
فهذا حريز وهذا مذهبه، والجوزجاني على مذهبه، فما ظنك بما يرويه الرواة من حديث ردّ الشمس كيف يؤمل أن يصدّقه الجوزجاني، أضف إلى ذلك معرفة من حكى تكذيب الحديث عنهما وهما :
محمد بن عبيد الطنافسي حسبنا قول ابن سعد فيه: ثقة كثير الحديث صاحب سنّة، أتدرون ما هي السنّة؟ يعني كان عثمانياً يقدم عثمان على علي، قال الذهبي(2): وكان ممّن
يقدّم عثمان، وقلّ من يذهب إلى هذا من الكوفيين، عامتهم يقدّم عليّاً أو يقف عند عثمان، ومع هذا يوثّقه القوم ويقولون كان يقول: خير هذه الأمة بعد نبيّها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان. ويقول: اتقوا لا يخدعكم هؤلاء الكوفيون، أتدرون ماذا قال فيه أحمد بن حنبل ؟ قال: كان محمد رجلاً صدوقاً، وكان يظهر السنّة، وكان يخطئ ولا يرجع عن خطائه(1)
فهذا حال محمد بن عبيد الّذي سأله الجوزجاني عن حديث ردّ الشمس فكذّبه، وليس أخاه يعلى بن عبيد بأحسن حالاً منه، فكلا الأخوين حالهما الخاطئة الكاذبة عاملة ناصبة .
ولنرجع البصر إلى موارد علامات الاستفهام لنرى ماذا قال أولئك النُصّاب اللئام، وهي:
1 - قول ابن زنجويه الناصبي : فكيف لنا لو صحّ هذا الحديث فنحتج على مخالفينا من اليهود والنصارى ؟ والجواب يجده فيما احتج به أبو بكر ابن الباقلاني في مسألة انشقاق القمر، وقد تقدّم منّا ذكره، وإن كان في الإعادة إفادة إلا انّا نحيل القارئ على مراجعته، ثم نقول لابن كثير : هل هذّب تاريخه في سيرة الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ممّا يفتح ثغرة أمام الأعداء، نحو ما رويته عن البيهقي عن العباس انه قال للرسول صلی الله علیه و آله و سلم : (رأيتك في المهد تناغي القمر وتشير إليه بإصبعك، فحيث أشرت إليه مال) ثم ذكرت موافقة الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك، وهو حديث لم تعقّب عليه بغير قولك: (تفرّد به أحمد بن إبراهيم الحلبي وهو مجهول) فهل يعني ذلك شيئاً، وهل يصدّ عادية المستهزئين من أعداء الإسلام عن الهج--وم على السيرة النبوية من باب أمثال هذا الحديث من الواهيات والموضوعات، وكم سار في سيرته شوطاً بعيداً ممتلئاً بالخرافات والأساطير، فهلا داويت
1) راجع تهذيب التهذيب ج 9 / 328 - 329
جرحك يابن كثير.
لو لم يكن إبليس شارك ناصباً *** في نسله لم تدع بابن كثير
2- قول ابن زنجويه: ولكن الحديث ضعيف جداً لا أصل له (؟).
وهذا موضع العجب ممّن يوصف بالعلم والأدب، ثم يحكي هذا عن ابن زنجويه،
فإنّ الحديث إن كان ضعيفاً فيعني له أصل، وإن كان لا أصل له فليس بضعيف بل هو موضوع .
3-قال ابن زنجويه: وهذا مما كسبت أيدي الروافض (؟) .
وأقرّه ابن كثير على ذلك إذ لم يعقّب عليه بشيء، وقد كشف عن مبلغ حقده لا عن
مبلغ علمه حين ذكر هذا، ثم ذكر بعد كلام له ما كتبه الحسكاني في رسالته (مسألة في تصحيح ردّ الشمس وترغيم النواصب الشُمس) والحسكاني رجل من الحفّاظ الذين ترجمهم الذهبي في تذكرة الحفاظ، كما سيأتي مزيد تعريف عنه، فهو ليس من الروافض ولا رجاله الذين روى عنهم من الروافض فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
4 - مطالبة ابن زنجويه لتصحيح الحديث رؤية المؤمن والكافر، ونقلهم ذلك في يوم كذا في شهر كذا في سنة كذا... وهذا من الدفع بالصدر، فانشقاق القمر كذلك فهل يلغى حديثه لأنّه لم ينقله الكافر في يوم كذا، إلى آخر ما مرّ من هذيان .
ه - قول ابن زنجويه للروافض : أيجوز أن تردّ الشمس لأبي الحسن حين فاتته صلاة العصر، ولا ترد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولجميع المهاجرين والأنصار وعليّ فيهم، حين فاتتهم صلاة الظهر والعصر والمغرب يوم الخندق، وهذا مرّ الجواب عنه في الردّ على ابن تيمية فراجع.
6- ثم قال: وأيضاً مرة أخرى عرّس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار حين قفل
من غزوة خيبر، فذكر نومهم عن صلاة الصبح ... فلم يردّ الليل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه .
وهذا محض هراء ومن قبيح الإفتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المهاجرين، إذ أنّه صلى الله عليه وسلم تنام عيناه ولا ينام قلبه، فكيف تفوته صلاة الصبح ؟ وما ورد من خبر في ذلك غير صحيح، حتى ولو ركّبوا له إسناداً مقبولاً، ولئلا يتهمنا من لا حريجة له في الدين بأنّا قلنا ذلك جزافاً، فسأنقل كلاماً للأستاذ مصطفى عبد الواحد محقق السيرة النبوية لابن كثير قاله في مقدمته ج 1 / ص 15 :
(فإذا تتبعنا نقول ابن كثيرعن غيره وجدنا فيها ظاهرة عجيبة ... .
هي: أنّه يكاد لا يلتزم نصّ أي شيء ينقله.... ! فنقوله عن ابن إسحاق أغلبها بالمعنى، وقد تتبعت ذلك في بعض الصفحات، و رأيت أنّ إثبات الفروق بين ابن كثير وابن إسحاق شيء يطول مداه، فابن كثير يقدّم و يؤخّر ويزيد و يُنقص ، ويغيّر و يبدّل، ويفوت بهذا التغيير والتبديل كثير من جمال عبارة ابن إسحاق وتناسقها .
كذلك نجد روايات ابن كثير للأحاديث تختلف بعض الإختلاف عمّا في أيدي الناس من الكتب التي ينقل ابن كثير عنها ....
فأحاديث البخاري التي يرويها ابن كثير بقوله: (وقال البخاري) لا تنطبق حرفياً مع صحيح البخاري الذي بأيدينا ....
كذلك القول في روايته عن صحيح مسلم، وعن مسند أحمد، وعن دلائل النبوة لأبي نعيم، وعن دلائل النبوة للبيهقي، وعن الشفا للقاضي عياض، وعن الروض الأنف للسهيلي... تكاد لا تجد خبراً مطابقاً بحروفه لما في الكتب المتداولة، فلا يخلو الأمر من تغيير أو نقص أو اختصار ....
وحين نقف أمام هذه الظاهرة نبحث عن أسبابها فإنّ هناك أحد احتمالين:
1 - إما أن يكون ابن كثير - وهو الإمام الحافظ المتقن - كان يعتمد على حفظه
وروايته، ولا ينقل عن النسخ المتداولة .
2 - وإما أنّه كانت هناك نسخ أخرى تختلف عمّا وصل إلينا من هذه الكتب .
وعلى كل فإنّ مثل ابن كثير حجة في باب الحديث، ولكنها على أيّ حال ظاهرة
تستلفت النظر أن تكون روايات ابن كثير للأحاديث ونقوله عن الكتب مخالفة لما في أيدينا من هذه الكتب ... وهي مخالفة لفظية يسيرة في بعض الأحيان) انتهى ما قاله الشاهد من أهله، وهو المستخرج لسيرته من كتاب تاريخه فهي من فعله، والفرع مرتهن بأصله.
وقبل أن أنهي الكلام مع ابن كثير فيما ذكرناه، فإنّه ساق ما كتبه الحسكاني في (مسألة في تصحيح ردّ الشمس وترغيم النواصب الشُمس) وتلاعب في النقل والتحوير، وختم ذلك بقوله : قلت : والأئمة في كل عصر ينكرون صحّة هذا الحديث، ويردّونه ويبالغون في التشنيع على رواته كما قدّمنا عن غير واحد من الحفّاظ، كمحمد و يعلى بن عبيد الطنافسيين، وكإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني خطيب دمشق، وكأبي بكر محمد بن حاتم البخاري المعروف بابن زنجويه، وكالحافظ أبي القاسم ابن عساكر، والشيخ أبي الفرج ابن الجوزي، وغيرهم من المتقدّمين والمتأخّرين.
و ممّن صرّح بأنّه موضوع شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي، و العلامة أبو العباس بن تيمية، ثم ذكر قول ابن المديني خمسة أحاديث يروونها لا أصل لها وعدّ منها حديث ردّ الشمس، وهذا تقدم منّا تعريفه وتكذيبه.
ثم قال ابن كثير: والطحاوي رحمه الله وإن كان قد اشتبه عليه أمره، فقد روى عن أبي حنيفة رحمه الله إنكاره والتهكم بمن رواه، قال: أبو العباس بن عقدة ، ثنا جعفر بن محمد بن
عمير، ثنا سليمان بن عباد، سمعت بشار بن ذراع قال: لقي أبو حنيفة محمد بن النعمان فقال: عمّن رويت حديث ردّ الشمس ؟ فقال: عن غير الذي رويت عنه يا سارية الجبل.
فهذا أبو حنيفة رحمه الله وهو من الأئمة المعتبرين، وهو كوفي لا يتهم على حب علي بن أبي طالب وتفضيله بما فضّله الله به ورسوله، وهو مع هذا ينكر على راويه وقول محمد بن النعمان له ليس بجواب، بل مجرّد معارضة بما لا يجدي، أي أنا رويت في فضل علي هذا الحديث، وهو وإن كان مستغرباً فهو في الغرابة نظير ما رويته أنت في فضل عمر بن الخطاب في قوله يا سارية الجبل، وهذا ليس بصحيح من محمد بن النعمان، فإن هذا ليس كهذا إسناداً ولا متناً .
وأين مكاشفة إمام (قد شهد الشارع له بأنه محدّث) بأمر خير من ردّ الشمس طالعة بعد مغيبها الّذي هو أكبر علامات الساعة (؟) والذي وقع ليوشع بن نون ليس رداً للشمس عليه، بل حُبست ساعة قبل غروبها بمعنى تباطأت في سيرها حتى أمكنهم الفتح والله تعالى أعلم .
:أقول : ولنقف وقفة عابرة عند تعقيبه على ما ذكره الحسكاني في رسالته، فكان منه ذكر جماعة من النواصب المنكرين للحديث، وقد تقدّم التعريف بهم جميعاً، فلا طائل في الحديث عنهم.
وأما ما ذكره عن الطحاوي وأنّه قد اشتبه عليه أمره ؟ وليتني أدري من أين بدا له اشتباه الأمر عليه، وسيأتي عن الطحاوي إصراره على صحّة الحديث، وإنّي في حيرة من أمرهذا الإنسان الذي لا يستحي من الكذب.
فأمّا ما ذكره عن أبي حنيفة ومحمد بن النعمان، فليس كما نقل ، بل الواقعة كما في لسان
الميزان لابن حجر(1): ووقعت له مناظرة مع أبي حنيفة في شيء يتعلّق بفضائل علي، سمّي فيها محمد بن النعمان نسبة إلى جده، فقال أبو حنيفة كالمنكر عليه: عن من رويت حديث ردّ الشمس لعلي ؟ فقال عن من رويت أنت عنه: يا سارية الجبل(2).
بينما ذكر ابن كثير أنّه قال له: عن غير الذي رويت عنه يا سارية الجبل، و قد مرّعن محقق كتاب السيرة النبوية الّذي استخرجه من البداية والنهاية، أنّ ابن كثير يغيّر ويبدّل وليس بمأمون في النقل.
ومهما يكن فإنّ خبر يا سارية الجبل لم يثبت، وحبّذا لو كان له سند صحيح أو مقبول، ولكن الخبر روي عن طريق سيف بن عمر الذي قال عنه ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات، وقال: قالوا انّه كان يضع الحديث واتهم بالزندقة، وقال الحاكم: اتهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط، وقال ابن عدي بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة(3).
فهل يُقبل الإحتجاج بمرويات إنسان كهذا ؟ وختام الكلام في المقام مع الأبناء الثمانية وأتباعهم، لا نريد منهم أن يتركوا أثمتهم ومذاهبهم ويتبعونا قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى
1) لسان الميزان لابن حجر 5 : 301 ط حیدر آباد
2) وله كتاب مناظرات مع أبي حنيفة ذكره الطوسي في الفهرست، ومن نوادر مناظراته مع أبي حنيف-ة م-ا ذك--ره الخطيب البغدادي في تاريخه 13: 409 - 410 قال: كان أبو حنيفة يتهم شيطان الطاق بالرجعة، وكان شيطان الطاق يتهم أبا حنيفة بالتناسخ، قال: فخرج أبو حنيفة يوماً إلى السوق فاستقبله شيطان الطاق ومعه ثوب يريد بيعه، فقال له أبو حنيفة: أتبيع هذا الثوب إلى رجوع علي ؟ فقال : إن أعطيتني كفيلاً أن لا تمسخ قرداً بعتك، فبهت أبو حنيفة قال: ولما مات جعفر بن محمد، التقى هو وأبو حنيفة، فقال له أبو حنيفة: أما أمامك فقد مات فقال له شيطان الطاق: أما إمامك فمن المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم .
3) ميزان الإعتدال، وتهذيب التهذيب في ترجمته .
شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلا (1)، ولكن نريدهم أن يكونوا منصفين مع أنفسهم وأتباعهم قبل أن ينصفونا إن كانوا مهتدين، فلينظروا علياً كما ينظرون من تقدمه في الحكم، فسموهم جميعاً بالخلفاء الراشدين، ولا يمنعونه ما يعطونه لسائر الصحابة من المنزلة والحصانة . مع ما فضّله الله ورسوله به عليهم. فهم حين يتولون أبا بكر وعمر وعثمان، ويتبرأون من أعدائهم كائناً من كان، حتى إذا صاروا إلى علي اختلفت الموازين، فقالوا نحبّه ولا نتبرأ من أعدائه، بل ونوثّق من كان يبرأ منه ويسبّه علانية، لأنه كان إماماً في السنة، وكان صلباً في السنة، أو صاحب سنة، كما مرّت هذه كلها في تراجم النواصب الذين اعتمدهم ابن كثير في تفنيد حديث ردّ الشمس.
ثم ما ساقه ممّا جرى بين أبي حنيفة وبين محمد بن علي بن النعمان (مؤمن الطاق = شيطان الطاق) وسخرية الثاني بالأول حين سأله عمّن رويت حديث ردّ الشمس فقال : عمن رويت أنت عنه يا سارية الجبل، فانقطع أبو حنيفة عن الردّ عليه، فتنطع ابن كثير الكثير في التفسير مع التغيير، وفاته أنّ ما قاله محمد بن النعمان ليس مقايساً بين حديث ردّ الشمس وبين خبر يا سارية الجبل في الثبوت وعدمه، بل كان ساخراً من أبي حنيفة الذي لم يستطع الردّ عليه ومناقشته في ذلك.
ولعلّ أبا حنيفة أدرك بقوة الصفعة التي تلقّاها أنّ ابن النعمان سخر منه إذ قايسه على مذهبه في القياس فهزأ به، إذ لا قياس بين حديث ردّ الشمس الّذي فيه دعاء الرسول صلی الله علیه و آله و سلم أن يردّها، فردّت ببركة دعائه لكرامته صلی الله علیه و آله و سلم على ربه تعالى، ورواه الحفّاظ وصحّحوه، وبين خبر مداره علی سیف بن عمر، فاقرؤوا عنه ما تيسّر.
1) الإسراء: 84
قال ابن كثير في البداية والنهاية (1)(فتح فساودار أبجرد وقصة سارية بن زنيم). ذكر سيف عن مشايخه أنّ سارية بن زنيم قصد فساودار أبجرد، فاجتمع له جموع - من الفرس والأكراد - عظيمة، ودهم المسلمين منهم أمر عظيم وجمع كثير، فرأى عمر في تلك الليلة فيما يرى النائم معركتهم وعددهم في وقت من النهار، وأنّهم في صحراء وهناك جبل إن أسندوا إليه لم يؤتوا إلّا من وجه واحد، فنادى من الغد الصلاة جامعة، حتى إذا كانت الساعة التي رأى أنّهم اجتمعوا فيها، خرج إلى الناس وصعد المنبر، فخطب الناس وأخبرهم بصفة ما رأى، ثم قال: يا سارية الجبل الجبل، ثم أقبل عليهم وقال : إنّ لله جنوداً ولعل بعضها أن يبلغهم . قال : ففعلوا ما قال عمر ، فنصرهم الله على عدوهم، و فتحوا البلد و غنموا شيئاً كثيراً.
فكان من جملة ذلك سفط من جوهر، فاستوهبه سارية من المسلمين لعمر، فلما وصل إليه مع الأخماس قدم الرسول بالخمس، فوجد عمر قائماً في يده عصا وهو يطعم المسلمين سماطهم، فلما رآه عمر قال له: اجلس - ولم يعرفه ، فجلس الرجل فأكل مع الناس، فلما فرغوا انطلق عمر إلى منزله واتبعه الرجل، فاستأذن فأذن له، وإذا هو قد وضع له خبز و زیت و ملح فقال: ادن فكل.
قال: فجلست فجعل يقول لامرأته : ألا تخرجين يا هذه فتأكلين؟ فقالت: إني أسمع حسّ رجل عندك، فقال: أجل، فقالت: لو أردت أن أبرز للرجال اشتريت لي غير هذه الكسوة. فقال: أو ما ترضين أن يقال أم كلثوم بنت علي و امرأة عمر، فقالت : ما أقلّ غناء ذلك عنّي.
1) البداية والنهاية 7 : 130 .
ثم قال للرجل : ادن فكل، فلو كانت راضية لكان أطيب مما ترى، فأكلا فلما فرغا قال: أنا رسول سارية بن زنيم يا أمير المؤمنين . فقال: مرحباً وأهلاً . ثم أدناه حتى مست ركبتُه ركبتَه، ثم سأله عن المسلمين، ثم سأله عن سارية بن زنيم، فأخبره ثم ذكر له شأن السفط من الجوهر ، فأبى أن يقبله وأمر برده إلى الجند . وقد سأل أهل المدينة رسول سارية عن الفتح فأخبرهم، فسألوه : هل سمعوا صوتاً يوم الوقعة، قال: نعم، سمعنا قائلاً يقول: يا سارية الجبل، وقد كدنا نهلك فلجأنا إليه ففتح الله علينا.
ثم رواه سيف عن مجالد عن الشعبي بنحو هذا . قال عبد الله بن وهب عن يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر أنّ عمر وجّه جيشاً و رأس عليهم رجلاً يقال له سارية، قال: فبينما عمر يخطب فجعل ينادي: يا ساري الجبل يا ساري الجبل ثلاثاً.
ثم قدم رسول الجيش فسأله عمر ، فقال : يا أمير المؤمنين هزمنا فبينما نحن كذلك إذ سمعنا منادياً: يا سارية الجبل ثلاثاً، فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله . قال : فقيل لعمر : إنّك كنت تصيح بذلك، وهذا إسناد جيد حسن .
وقال الواقدي: حدّثني نافع بن أبي نعيم، عن نافع مولى ابن عمر أنّ عمر قال على المنبر يا سارية ابن زنيم الجبل، فلم يدر الناس ما يقول حتى قدم سارية بن زنيم المدينة على عمر، فقال: يا أمير المؤمنين كنّا محاصري العدو فكنّا نقيم الأيام لا يخرج علينا منهم أحد، نحن في خفض من الأرض وهم في حصن عال، فسمعت صائحاً ينادي بكذا وكذا يا سارية بن زنيم الجبل، فعلوت بأصحابي الجبل، فما كان إلا ساعة حتى فتح الله علينا.
وقد رواه الحافظ أبو القاسم اللالكائي من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر بنحوه، وفي صحته من حديث مالك نظر .
وقال الواقدي: حدّثني أسامة بن زيد عن أسلم عن أبيه، وأبو سليمان عن يعقوب بن
زید قالا: خرج عمر بن الخطاب يوم الجمعة إلى الصلاة، فصعد المنبر ثم صاح : يا سارية بن زنيم الجبل، يا سارية بن زنيم الجبل، ظلم من استرعى الذئب الغنم، ثم خطب حتى فرغ، فجاء كتاب سارية إلى عمر: إنّ الله قد فتح علينا يوم الجمعة ساعة كذا و كذا - لتلك الساعة التي خرج فيها عمر فتكلّم على المنبر - قال سارية : فسمعت صوتاً يا سارية بن زنيم الجبل، يا سارية بن زنيم الجبل، ظلم من استرعى الذئب الغنم، فعلوت بأصحابي الجبل، ونحن قبل ذلك في بطن واد، ونحن محاصروا العدو ففتح الله علينا، فقيل لعمر بن الخطاب: ما ذلك الكلام ؟ فقال : والله ما ألقيت له إلا بشيء ألقي على لساني . فهذه طرق يشدّ بعضها بعضاً .
لقد مرّت بنا صور لروايات القصة، وهي صور متهاوية سنداً، ومتنافية دلالة ومع ذلك قال عنها ابن كثير: فهذه طرق يشدّ بعضها بعضاً، فلا مناص لنا من بيان ما قلناه من تهاوي إسنادها، وتنافي متونها لنثبت للقارئ أنّ الهوى هو مصدر التعريف والتنكير عند ابن كثير، والآن نستعرض الصور كما رواها ابن كثير من ناحيتين:
الأُولى من ناحية السند فنقول: ذكر ابن كثير في البداية ثلاثة أخبار على النحو التالي:
الخبر الأول (ذكر سيف عن مشايخه ) ؟ فمن هم أولئك المشايخ الذين هم في بطون الأرحام، فلم يفصح بأسمائهم لنتعرّف أخبارهم في تراجم الأعلام.
الخبر الثاني: (ذكر سيف في رواية أخرى عن شيوخه)؟ وهذا كسابقه في جهالة
الشيوخ.
الخبر الثالث: (ثم رواه سيف عن مجالد عن الشعبي بنحو هذا) فهذا الخبر
سمى سيف شيخه مجالد، وهو عن الشعبي، فلنقرأ بعض ما قيل عنهم ممّا يكفي في تعريفهم،
ومن ثمّ نتبيّن كيف استحوذ الهوى المردي على ابن كثير فروى عنهم :
1 - فمن هو سيف ؟ هو سيف بن عمر، وما أدراكم من هو ذلك السيف الكهام الذي شهره ابن كثير في المقام، قال عنه ابن حجر(1): وضاع ليس بشيء، عامة حديثه منكر، اتهم بالزندقة .
وقال ابن عدي (2)بعد أن ذكر عنه بعض الأحاديث المنكرة: ولسيف بن عمر أحاديث غير ما ذكرت، وبعض أحاديثه مشهورة، وعامتها منكرة لم يتابع عليها، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق .
وفي رأي ابن حبان متروك بالاتفاق و متهم بالزندقة، و سئل يحيى بن معين عنه فقال: فليس خيراً منه، يعني لا يأتي خيراً منه، فلا خير فيه، و ذكره العقيلي في كتابه الضعفاء الكبير(3).
2- مجالد، قال ابن حجر في ترجمته في تهذيب التهذيب : ابن سعيد بن عمير بن
بسطام... الهمداني روى عن الشعبي... قال البخاري كان يحيى بن سعيد يضعّفه، وكان ابن مهدي لا يروي عنه، وكان أحمد لا يراه شيئاً، وقال عمرو بن علي : سمعت يحيى بن سعيد يقول البعض أصحابه أين تذهب؟ قال: إلى وهب بن جرير أكتب السيرة عن أبيه عن مجالد، قال تكتب كذباً كثيراً، لو شئت أن يجعلها إلى مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله فعل... وعن ابن معين: لا يحتج بحديثه ... وقال ابن حبّان: لا يجوز الإحتجاج به .
أما عن ما هويته فهو مؤدّب ولد عبد الملك بن مروان، وهو قاضيه في الكوفة أيام الحجاج ومن بعده، وكان جائراً في قضائه، وقد ذكرت له قضايا مجون تكفي في سقوطه، ذكره وكيع(1)وذكر مجيء الأحنف إليه فقال له: فاقض بينهما بما أراك الله، قال: لست برأي ربي أقضي، إنّما أقضي برأيي، كما ذكر الشعر الّذي شاع وذاع في الأصقاع حتى بلغ عبد الملك، وذلك في خصومة بين زوجين فتخاوصت له الزوجة ففتن بها وقضى لها، فقال الزوج عدة أبيات أولها:
فتن الشعبي لّما*** رفع الطرف إليها
ومن مجونه حضر وليمة فرأى أهلها سكوتاً، فقال مالي أراكم كأنّكم في جنازة؟ أين الغناء؟ وأين الدفّ؟ (2)وفوق ذلك كان ناصبياً معلناً بنصبه، حتى كان يحلف بالله: لقد دخل علي حفرته وما حفظ القرآن .
قال الصاحبي في فقه اللغة: وهذا كلام شنيع جداً فيمن يقول: سلوني قبل أن
تفقدوني، سلوني فما من آية إلا أعلم بليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل. وكان كذّاباً لا يستحي من كذبه مضافاً إلى نُصبه حين قال: (لم يشهد الجمل من
الصحابة إلا أربعة، فإن جاؤوا بخامس فأنا كذّاب، علي وعمار وطلحة والزبير) راجع بشأن هذا ما كتبته في كتابي علي إمام البررة (3)ستجد أنّ الذين شهدوا الحرب مع الإمام علیه السلام من المهاجرين والأنصار أربعمائة صحابياً منهم سبعون بدريّاً، وأما من كان مع طلحة
والزبير سوى عائشة فقد قتل 14رجلاً معدودين من الصحابة، فعلى هذا ثبت أنّ الشعبي
من الكذّابين، فلا يجوز الأخذ بأخباره فضلاً عن أحاديثه.
لكن أتباع الأمويين من الشاميين اللاحقين كالسابقين رفعوا بضبعه، وأشادوا بذكره، مع أنهم ذكروا فيه ما تقدّم وغيره، حتى حكوا عن إبراهيم النخعي قوله فيه: ذاك الكذّاب لم يسمع من مسروق شيئاً ....
فهذه هوية الثلاثة الذين وردت أسماؤهم في رواية قصة سارية الجبل، فذكرها ابن كثير ولم يعقب عليهم بشيء، ولنطوي صفحة هؤلاء الكذابين، وهم سلسلة الكذب الذين افتتح بهم ابن كثير حديثه عن (فتح فساو دار أبجرد وقصة سارية بن زنيم)
وسنأتي في الناحية الثانية على ما في أخبارهم من تناقض عجيب وغريب، ولننظر الآن بقية الرجال الذين رووا قصة ( يا سارية الجبل) وهم مجموعة ليسوا بدون من تقدّم في سوق الإعتبار، فلنقرأ عنهم ما قال أئمة الجرح والتعديل، ونذكرهم حسب ذكرهم في الأسانيد وهي أربعة:
السند الأول: (وقال عبد الله بن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان، عن
نافع، عن ابن عمر ...)
قال ابن كثير : وهذا إسناد جيد حسن(؟!) إنها مكابرة وقحة وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْإِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ(1).
هلمّوا معى نقرأ ما قاله في أولئك الرجال من لا يتهم عليهم، لنتبيّن كذب ابن كثير في تمشية حال السند .
فأولهم: عبد الله بن وهب، وهذا هو الفسوي، قال ابن حبان: دجّال يضع الحديث.
1) سبأ: 20
وكأنّه اجتمع مع الجويباري واتفقا على وضع الحديث، فقلّ حديث رأيته للجويباري إلا رأيته لعبد الله هذا(1).
وثانيهم: يحيى بن أيوب، وهذا هو الغافقي، قال ابن سعد: منكر الحديث، وقال
الإسماعيلي: لا يحتج به ... .
وقال أحمد: يخطئ خطاً كثيراً ....، وذكره العقيلي في الضعفاء الكبير(2)
وثالثهم ابن عجلان، وهذا هو محمد بن عجلان المدني القرشي، وقد أطال ابن حجر ترجمته في تهذيبه(3)بنقل أقوال الموثّقين له ومع ذلك فقد قال: إنّما أخرج له مسلم في المتابعات ولم يحتج به ... وحكى عن الواقدي انّه سمع عبد الله بن محمد بن عجلان يقول: حُمِلَ بأبي أكثر من ثلاث سنين ( ؟ ) وهذا من باب المزايدات السخيفة، وقد ذكر ابن قتيبة في كتابه المعارف (4)جماعة ممّن حُمل به أكثر من وقت الحمل، فذكر منهم الضحاك ابن مزاحم، وشعبة بن الحجاج، ومحمد بن عجلان، ولما ولد كانت قد نبتت أسنانه، ومالك بن أنس، وهرم بن حيان(5)
وإلى القارئ ما قاله القرطبي في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن) 9: 287 - 288 ط دار إحياء التراث العربي بيروت قال :
الخامسة: واختلف العلماء في أكثر الحمل ؛ فروى ابن جريج عن جميلة بنت سعد عن عائشة قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين قدر ما يتحوّل ظل المغزل ؛ ذكره الدَّار قطني . وقالت جميلة بنت سعد - أخت عبید ابن سعد، وعن الليث بن سعد - : إن أكثره ثلاث سنين . وعن الشافعي أربع سنين ؛ وروى عن مالك في إحدى روايتيه والمشهور عنه خمس سنين ؛ وروى عنه لا حد له، ولو زاد على العشرة الأعوام ؛ وهي الرواية
الثالثة عنه . وعن الزهري ست وسبع . قال أبو عمر : ومن الصحابة من يجعله إلى سبع ؛ والشافعي: مُدَّة الغاية منها أربع سنين . والكوفيون يقولون: سنتان لا غير . ومحمد بن عبد الحكم يقول: سنة لا أكثر . وداود يقول: تسعة أشهر، لا يكون عنده حمل أكثر منها . قال أبو عمر وهذه مسألة لا أصل لها إلا الاجتهاد، والردّ إلى ما عُرف من أمر النساء وبالله التوفيق.
روى الدار قطني عن الوليد بن مسلم قال: قلت لمالك بن أنس : إني حدثت عن عائشة أنها قالت: لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قدر ظلّ المغزل، فقال سبحان الله ! مَن يقول هذا ؟ ! هذه جارتنا أمرأة محمد بن عجلان تحمل وتضع في أربع سنين، امرأة صدق، وزوجها رجل صدق؛ حملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة، تحمل كل بطن أربع سنين. وذكره عن (
من أ . وفى و ابن المبارك (6)جعد قطط شديد الجعودة وجعدَ الشعر ضد السبط، يكون بعضه فوق بعض .(7)سُرار الصبي - بالضم -: ما تقطعه القابلة من سرّة الصبي .(8)وهذا الذي ذكره القرطبي تجده بصور متفاوتة في البسط والإجمال في كتب التفسير فراجع: تفسير الرازي 19: 15 ، وتفسير البغوي 3: 8، وتفسير الكشاف للزمخشري :2 : 351، وغيرها في تفسير الآية المذكورة، أما كتب الأحكام فقد تعرّضت بعضها لذلك في باب الرضاع وأقل الحمل وأكثره، فراجع حاشية رد المحتار 2: 554 مثلاً . أما كتب التراجم فقد ذكرت ذلك في ترجمة مالك إمام المالكيه راجع وفيات الأعيان لابن خلكان في ترجمته، وأكثرت ذكره كتب المالكية كتنوير الحوالك للسيوطي 1 4 ، وعدوه من مناقب مالك. فيا للسخف الذي يغلب عقول الناس فيهرفون بما لا يعرفون كيف يصدّقون بذلك والحال لو زاد الحمل على تسعة أشهر لقتل أمه، وهذا ما ذهب إليه الإمامية تبعاً لمذهب أهل البيت الهلال في ذلك
(9).1) لسان الميزان 3 :375 ط حیدر آباد .
2) راجع تهذيب التهذيب 11 : 187 .
3) التهذيب :9 : 341 - 342 .
4) المعارف: 594 - 595
5) من المزايدات السخيفة موضوع من حُمل به أكثر من وقت الحمل، وقد بحث هذا الموضوع في كتب التفسير وكتب الحديث وحتى كتب الأحكام، وتفاوتت فيه كلمات الأعلام، فاقرأوا بعض ما قاله المفسرون من العامة في تفسير قوله تعالى: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارِ) الرعد: 8.
6) ) المبارك ابن مجاهد قال مشهور عندنا كانت امرأة محمد بن عجلان تحمل وتضع في أربع سنين، وكانت تسمى حاملة الفيل . وروى أيضاً قال بينها مالك بن دينار يوماً جالس إذ جاءه رجل فقال : يا أبا يحيى ! أدع لامرأة حبلى منذ أربع سنين قد أصبحت في كرب شديد؛ فغضب مالك وأطبق المصحف ثم قال: ما يرى هؤلاء القوم إلا أنا أنبياء ! ثم قرأ، ثم دعا، ثم قال : اللهم هذه المرأة إن كان في بطنها ريح فأخرجه عنها الساعة، وإن كان في بطنها جارية فأبدلها (بها) غلاماً، فإنّك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، ورفع مالك يده . ورفع الناس أيديهم، وجاء الرسول إلى الرجل فقال: أدرك امرأتك، فذهب الرجل ؛ فما حط مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على رقبته غلام جعد قطط (
7) )، ابن أربع سنين، قد استوت أسنانه، ما قطعت سراره (
8) ) ؛ ورُوي أيضاً أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب فقال : ي-ا أمير المؤمنين ! إني غبت عن امرأتي سنتين فجئت وهي حبلى ؛ فشاور عمر الناس في رجمها، فقال معاذ بن جبل:يا أمير المؤمنين ! إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل ؛ فاتركها حتى تضع فتركها فوضعت غلاماً قد خرجت ثنيتاه ؛ فعرف الرجل الشبه فقال: ابني ورب الكعبة ! ؛ فقال عمر: عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ ؛ لولا معاذ لهلك عمر. وقال الضحاك وضعتني أمي وقد حملت بي في بطنها سنتين، فولدتني وقد خرجت سني . ويذكر عن مالك أنه حمل به في بطن أمه سنتين، وقيل: ثلاث سنين، ويقال: إن محمد بن عجلان مكث في بطن أمه ثلاث سنين، فماتت به وهو يضطرب اضطراباً شديداً، فشق بطنها وأخرج وقد نبتت أسنانه . وقال حماد ابن سلمة: إنّما سمى هرم بن حيان هَرِماً لأنه بقى في بطن أمه أربع سنين . وذكر الغزنوي أن الضحاك ولد لسنتين، وقد طلعت سنه فسُمّي ضحاكاً . عباد بن العوام: ولدت جارة لنا لأربع سنين غلاماً شعره إلى منكبيه، فمرّ به طیر فقال کش .
9) راجع الوسائل باب أقل الحمل وأكثره .
وقد ذكر ابن حجر في ترجمته أنّ لمحمد بن عجلان تصرّف سوقي مع امرأة تزوجها بالأسكندرية، فكان يأتيها في دبرها فشكته إلى أهلها، فشاع ذلك فصاحوا به فخرج منها وتوفي بالمدينة سنة 48 ، وختم ترجمته بقول العقيلي عنه: يضطرب في حديث نافع.
أقول: وما نحن فيه هو من حديث نافع، فتطويل البحث فيه غير نافع.
فتبيّن حال هؤلاء الثلاثة فهم بين دجّال يضع الحديث، وبين منكرالحديث لا يحتج به مسلم مع أنّه ساقط خلقياً في معاشرته الزوجية، ولا تنفعه كرامة بقائه حملاً أكثر من ثلاث
حتى نبتت أسنانه.
فكيف يقول ابن كثير: (وهذا إسناد جيّد حسن) فأين هي الجودة فيهم ؟ وأين هو الحسن يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازِ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللهَ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِالله الغَرُورُ (1)
هذا حال السند الأول، فماذا عن السند الثاني: قال : وقال الواقدي، هو محمد بن عمرقاضي بغداد متهم قاله الساجي، وقال البخاري: الواقدي مدني سكن بغداد متروك الحديث، تركه أحمد وابن المبارك وابن نمير وإسماعيل بن زكريا ... قال الشافعي: كتب الواقدي كلّها كذب (!)(2)قال الواقدي حدّثني:
نافع بن أبي نعيم: هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم القارئ المدني... و قد ينسب إلى جده ... قال أحمد: كان يؤخذ عنه القرآن، وليس في الحديث بشيء... وقال: منكر الحديث(3).
ونافع هذا روى عن نافع مولى ابن عمر أنّ عمرقال .... وهذا ممّا ينطبق عليه قول أحمد بن حنبل : نافع عن عمر منقطع (كما في ترجمته في تهذيب التهذيب) و وجهه واضح، لأنّه كان مولى لابن عمر أصابه في بعض مغازيه، ولم يخرج إليها إلا بعد أبيه.
السند الثالث قال ابن كثير : وقد رواه الحافظ أبو القاسم اللالكائي عن مالك عن
نافع عن ابن عمر ... قال : وفي صحته من حديث مالك نظر، أقول: ولم يكشف عن وجه ذلك النظر ، وأظنه ستراً على اللالكائي فهو : هبة الله بن الحسن... الذي قال فيه الذهبي في
تذكرة الحفاظ(1)الإمام أبو القاسم... الحافظ الفقيه الشافعي محدّث بغداد... و صنّف كتاباً في السنة... .
قال الخطيب: حدّثني علي بن الحسين بن جد العكبري قال: رأيت هبة الله الطبري في المنام فقلت: ما فعل الله بك ؟ فقال : غفرلي، قلت بماذا ؟ قال - كلمة خفية - :بالسنة.
أقول: هذا هو اللالكائي الذي غفر الله بالسنة إن صدقت الإحلام، و هو مؤلف
كتاب السنة، ولا تسل كيف روى ذلك عن مالك وهو قد مات سنة 418 ومالك مات سنة 194 وبين الوفاتين قرابة قرنين من الزمان ولعل الرواية أيضاً في المنام، ما دامت رؤى الأحلام ترفع وتنصب الأعلام، و ان أهدروا كرامة الإسلام.
السند الرابع: وقال الواقدي: حدّثني أسامة بن زيد عن أبيه، وأبو سليمان عن يعقوب بن زيد قال : خرج عمر ... أما الواقدي فقد تقدّم تعريفه، و أما أسامة بن زيد فقد قال يحيى بن معين: أسامة وعبد الله وعبد الرحمن هؤلاء أخوة كلهم ليس حديثهم بشيء(2)و ما دام أسامة حديثه ليس بشيء، فلا حاجة إلى معرفة أبيه زيد، فهو ابن اسلم مولى عبد الله بن عمر، ومولى القوم منهم.
وأما أبو سليمان فهو زيد بن وهب الجهني أبو سليمان الكوفي قدم المدينة بعد وفاة
النبي صلی الله علیه و آله و سلم بأيام، قال فيه أبو يوسف يعقوب الفسوي(3)... حديث زيد به خلل كثير، ولم يقرّه الذهبي في التذكرة (4)فقال : ولا عبرة بكلام الفسوي فيه فإنّه قد احتج به أرباب الصحاح .
أقول: وهذا منه دفع بالصدر، ومهما يكن فيكفي في أول السند أسامة بن زيد وليس حديثه بشيء، وهذا من حديثه .
ونعود إلى ابن كثير الذي ساق قصة سارية - كما سمّاها - بتلك الأسانيد المعلولة، وكل رجالها من المجروحين، ومع ذلك كابر كاذباً فقال: عن بعضها إسناده جيد حسن، وكشفنا حال رجاله و تبيّن كذبه، و مع هذا يقول بغير حياء: فهذه طرق يشدّ بعضها بعضاً . وليتني أعطيت صبراً فأغضيت عنه، أنى و قد مرّ بنا قوله معقّباً على حديث ردّ الشمس الذي أورده نقلاً عن الحسكاني وعن غيره بأسانيد عديدة فقال: قلت هذا الحديث ضعيف ومنكر من جميع طرقه، فلا تخلو واحدة منها عن شيعي ومجهول الحال وشيعي ومتروك... إلى آخر ما قال.
فلماذا لم تشدّ جميع تلك الطرق بعضها بعضاً ليقبلها ابن كثير ؟ إنها لحسيكة الشنآن التي في صدرك، وليس ذلك منك بجديد، فقد جاهرت بنصبك من دون حياء، وكشفت عن باطن خبيئتك وسوء طويتك في أحاديث فضائل الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، ففي حديث الطائر المشوي الذي قلت أنت فيه: (وقد جمع الناس في هذا الحديث مصنفات مفردة، منهم أبو بكر ابن مردويه ، والحافظ الطبري المفسر صاحب التاريخ... وبالجملة ففي القلب من صحة هذا الحديث نظر وإن كثرت طرقه)(1).
لماذا من صحته في قلبك منه نظر أيّها الشامي، لأنّك لم تستمرئ حب علیّ علیه السلام الذي حبّه إيمان وبغضه نفاق(2).
وندعو القارئ إلى أن يعيد قراءة ما ساقه ابن كثير في قصة سارية الجبل ليرى بنفسه الخلل، ففي أول أخباره عن سيف: إنّ عمر رأى فيما يرى النائم معركة المسلمين، وعددهم الغد في وقت من النهار وأنّهم في صحراء، وهناك جبل إن اسندوا إليه لم يؤتوا... فنادى من الغد الصلاة جامعة حتى إذا كانت الساعة التي رأى أنّهم اجتمعوا فيها، خرج إلى الناس وصعد المنبر فخطب وأخبرهم بصفة ما رأى ثم قال: يا سارية الجبل الجبل، ثم أقبل عليهم وقال: إن لله جنوداً ولعل بعضها أن يبلّغهم.....
وفي ثاني أخبار سيف انقلبت تلك الرؤيا بقدرة قادر إلى حال اليقظة، و أنّ عمر بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ قال:
فكان
يا سارية بن زنيم الجبل الجبل، فلجأ المسلمون إلى جبل هناك... وغنموا شيئاً كثيراً، فکان من جملة ذلك سفط من جوهر فاستوهبه سارية من المسلمين لعمر، فلما وصل إليه... فوجد الرسول عمر قائماً في يده عصا وهو يطعم المسلمين سماطهم، فلما رآه عمر قال له اجلس - ولم يعرفه - فجلس الرجل فأكل مع الناس.
فلما فرغوا انطلق عمر إلى منزله واتبعه الرجل، فاستأذن فأذن له، وإذا هو قد وضع له خبز وزيت وملح فقال: ادن فكل، قال: فجلست، فجعل يقول لامرأته، ألا تخرجين يا هذه فتأكلين ؟ فقالت : إنّي أسمع حسّ رجل عندك ، فقال : أجل، فقالت: لو أردتَ أن أبرز للرجال اشتريت لي غير هذه الكسوة، فقال: أو ما ترضين أن يقال أم كلثوم بنت علي وامرأة عمر ، فقالت : ما أقل غناء ذلك عنّي.
ثم قال للرجل: ادن فكل فلو كانت راضية لكان أطيب مما ترى، فأكلا، فلما فرغا قال: أنا رسول سارية ابن زنيم يا أمير المؤمنين، فقال: مرحباً وأهلاً، ثم أدناه حتى مست ركبتُه ركبتَه... إلى آخر القصة المشكوكة غير المحبوكة، حيث سلبت عمر غيرتَه العائلية،
فصار يستدعي زوجته أن تخرج فتأكل معه بحضور رجل أجنبي، فتمتنع لأنّها لا ترضى بكسوتها وتطلب غيرها أحسن منها.
وما أدري كيف رضي ابن كثير أن يذكرها على ما فيها من فجوات أخرى، مع روايته في تفسيره في سبب نزول آية الحجاب، وانّ عمر هو الذي قال للنبي صلی الله علیه و آله و سلم في سترهنّ فنزلت الآية موافقة له، ثم لماذا قبل أن يذكر هذه الرواية المهلهلة بهذه الصورة المفصلة التي جعلت البيت خلوا من باقي زوجاته وأولاده وبناته، مع أنّ له أمتان له منهما أولاد وبعضهم كان معه، ثم ما بال ذلك الرسول يأكل مرّة ثانية مع عمر مع أنّه سبق أن أكل مع المسلمين و شبع، فهل كان ممّن له سبعة أمعاء أو في بطنه معاوية؟
ثم أين هذا كله ممّا ذكره من رواية الواقدي عن نافع ... أنّ عمر قال على المنبر يا سارية بن زنيم الجبل، فلم يدر الناس ما يقول حتى قدم سارية بن زنيم المدينة على عمر فقال: كنا محاصري العدو... فسمعت صائحاً ينادي بكذا وكذا يا سارية بن زنيم الجبل فعلوت بأصحابي الجبل....
فأين صار الرسول ؟ وأين ضاع سفط الجوهر الذي أرسله سارية ؟
وما بال ابن كثير يذكر كل هذا ويغفل عما بين رواياته من تنافي، ويزيد أيضاً ما رواه أخيراً، وفيه:
فجاء كتاب سارية إلى عمر: إن الله قد فتح علينا يوم الجمعة ساعة كذا وكذا... لتلك الساعة التي خرج فيها عمر فتكلّم على المنبر، قال سارية : فسمعت صوتاً يا سارية بن زنيم الجبل، يا سارية بن زنيم الجبل... فهذه الروايات التي يضرب بعضها بعضاً ومع ذلك يقول فيها ابن كثير (فهذه طرق يشدّ بعضها بعضاً) أما حديث ردّ الشمس مع اعترافه بكثرة طرقه وتصحيح كثير من الأعلام له كما سيأتي يقول فيه: هذا حديث ضعيف ومنكر
من جميع طرقه ... إنّما أعماه الهوى عن طريق الحق وقول الحق.
أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةٌ فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (1). هكذا هو ابن كثير تلميذ ابن تيمية ذو القلب الزائغ عن الحق، فلم يذعن بصحة حديث ردّ الشمس، بل قال فيه ما تقدّم نافياً، لكنه في خبر يا سارية الجبل الذي ساقه بأسانيد كلها مطعون في رجالها بلسان قومه قال: (فهذه طرق يشدّ بعضها بعضاً) .
فماذا يرجوه القارئ المنصف ممّن (كانت له خصوصية بابن تيمية ومناضلته عنه و اتباع له في كثير من آرائه ... وامتحن بسبب ذلك وأوذي وتوفي في شعبان ودفن بمقبرة الصوفية عند شيخه ابن تيمية)(2)حشره الله مع إمامه وحشرنا مع إمامنا يوم يدعى كل إناس بإمامهم.
والآن إلى معرفة من صحّح الحديث من علمائهم ممّن يعترفون له بإمامته في الفقه كأحمد بن صالح المصري الذي هو من شيوخ البخاري .
وكأبي جعفر الطحاوي الذي قال عنه ابن كثير نفسه: وهو أحد الثقات الأثبات والحفاظ الجهابذة، وكالقاضي عياض الذي هو إمام وقته في الحديث وعلومه،
والنحو واللغة وكلام العرب... وآخرين غيرهم من أمثالهم فإلى معرفتهم.
لقد ذكر الحديث جماعة جزموا بصحته وهم من جهابذة المحدّثين فمنهم مَن صحّحه بنفسه، ومنهم من حكى ذلك عن غيره فأخبت خاشعاً طائعاً لصحته.
الأول: الحافظ أبو جعفر أحمد بن صالح المصري المتوفى سنة 248 ه-- ، وهذا من شيوخ البخاري، وروى عنه في صحيحه في غير موضع، منها في أول التوحيد، وهو صاحب الكلمة القيّمة الذهبية وهي قوله: (لا ينبغي لمن كان سبيله العلم أن يتخلّف عن حفظ حديث أسماء الذي رُوي لنا عنه صلى الله عليه وسلم، لأنّه من أجلّ علامات النبوة).
الثاني: الحافظ أبو جعفر الطحاوي المتوفى سنة 321 ، وهذا هو ابن اخت المزني صاحب الشافعي، قال فيه الذهبي: كان ثقة ديّناً عالماً عاقلاً، وأثنى عليه كثيراً، كما أثنى عليه ابن كثير في ترجمته فقال : وهو أحد الثقات الأثبات والحفاظ الجهابذة - فهذا العالم العاقل الديّن الثقة - كما وصفه الذهبي - والحافظ الجهبذ الثبت الثقة - كما وصفه ابن كثير - صحّح الحديث بما لا مزيد عليه، وإلى القارئ عين ما قاله في كتابه مشكل الآثار(1).
ولا يفوتني تنبيه القارئ إلى أمر ذي بال، وهو أن كتاب مشكل الآثار قد اختصره الحافظ القاضي أبو الوليد الباجي المالكي المتوفى سنة 474 . وسماه بالمختصر، ثم أتى القاضي أبو المحاسن يوسف بن موسى الحنفي المتوفى سنة 803 فاعتصر المختصر في كتابه (المعتصر من المختصر من مشكل الآثار) فهذين العالمَين العلَمين ذكرا ما ذكره الطحاوي، و أقرّاه على ما فيه، فلم أر حاجة إلى ذكر ما فيهما، ومن أراد المزيد فليرجع إلى المعتصر (2)، والآن إلى قراءة فاحصة فيما كتبه الطحاوي الحنفي حيث قال:
(بيان مشکل ما روي عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم في مسئلة الله عزوجل ردّ الشمس عليه بعد غيبوبتها، وردّ الله عزوجل إياها عليه وما روي عنه ممّا توهم مضادّ ذلك) .
حدّثنا أبو أمية، حدّثنا عبيد الله بن موسى العبسي، حدّثنا الفضيل بن مرزوق، عن
إبراهيم ابن الحسن، عن فاطمة ابنة الحسين، عن أسماء ابنة عميس قالت: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يوحى إليه ورأسه في حجر علي، فلم يصلّ العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : صلّيت يا علي؟ قال: لا، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم (اللهم إنّه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس)، قالت أسماء : فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت .
حدّثنا علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة، حدّثنا أحمد بن صالح، حدّثنا ابن أبي فديك، حدّثني محمد بن موسى، عن عون بن محمد، عن أمه أم جعفر، عن أسماء ابنة عميس أن النبي صلی الله علیه و آله و سلم صلّى الظهر بالصهباء، ثم أرسل عليّا علیه السلام في حاجة فرجع و قد صلّى النبی صلی الله علیه و آله و سلم العصر فوضع النبي صلی الله علیه و آله و سلم رأسه في حجر علي فلم يحرّكه حتى غابت الشمس، فقال النبي صلی الله علیه و آله و سلم: ( اللهمّ انّ عبدك عليّاً احتبس بنفسه على نبيّك فردّ عليه شرقها ) قالت أسماء: فطلعت الشمس حتى وقعت على الجبال وعلى الأرض، ثم قام علي فتوضّأ وصلّى العصر ثم غابت، وذلك في الصهباء .
قال أبو جعفر: فاحتجنا أن نعلم مَن محمد بن موسى المذكور في إسناد هذا الحديث؟
فإذا هو محمد بن موسى المدني المعروف بالفطري (1)وهو محمود في روايته، واحتجنا أن نعلم مَن عون بن محمد المذكور فيه؟ فإذا هو عون بن محمد بن علي بن أبي طالب، واحتجنا أن نعلم مَنْ أُمّه التي روى عنها في هذا الحديث؟ فإذا هي أم جعفر (2)ابنة محمد بن جعفر بن أبي طالب(3).
1) الفطري بكسر الفاء وسكون الطاء المدني صدوق من السابعة 12 تقريب
2) في كنى التقريب أم عون بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب، ويقال لها أم جعفر مقبولة من الثالثة رحمة الله عليها الحسن النعماني .
3) حكى القاضي عياض في الشفاء عن الطحاوي قوله: هذان الحديثان ثابتان ورواتهما ،ثقات، وما حكاه القاضي ذكره غيره عنه، راجع شرح الشفا للقاضي، ونسيم الرياض للخفاجي وغيرهما
فقال قائل : كيف تقبلون هذا وأنتم تروون عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدفعه فذكر (ما حدّثنا به) علي بن الحسين أبو عبيد، حدّثنا فضل بن سهل الأعرج، حدّثنا شاذان الأسود بن عامر، حدّثنا أبو بكر بن عياش، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم تحتبس الشمس على أحد إلا ليوشع.
وما حدّثنا يحيى بن زكريا بن يحيى النيسابوري أبو زكريا، حدّثنا فضل بن سهل
الأعرج، حدّثنا شاذان الأسود بن عامر، حدّثنا أبو بكر بن عياش، عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: لم تردّ الشمس منذ ردّت على يوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله تعالى وعونه: إنّ هذا الحديث قد اختلف علينا
راوياه لنا فيه على ما قد ذكرنا من كل واحد منهما مما قد رواه، فأما ما رواه لنا علي بن الحسين فهو أنّ الشمس لم تحتبس على أحد إلا على يوشع، فإن كان حقيقة الحديث كذلك فليس فيه خلاف لما في الحديثين الأولين، لأنّ الّذي فيه هو حبس الشمس عن الغيبوبة، والذي في الحديثين الأولين هو ردّها بعد الغيبوبة.
وأما ما رواه لنا يحيى بن زكريا فهو على أنّها لم تردّ منذ ردّت على يوشع بن نون إلى الوقت الذي قال لهم فيه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم هذا القول، فذلك غير دافع أن يكون لم ترد إلى يومئذ ثم ردّت بعد، هذا غير مستنكر من أفعال الله عزوجل، وقد روي في حبسها عن الغروب لمعنى احتاج إليه بعض أنبياء الله عزوجل أن يبقى عليه من أجله.
كما حدّثنا محمد بن اسمعيل بن سالم الصائغ، حدّثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة يعني القواريري، حدّثنا معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قال : أن نبيّاً من الأنبياء غزا بأصحابه فقال لهم: لا يتبعني رجل
بنى داراً لم يسكنها ، أو تزوج امرأة لم يدخل بها، أو له حاجة في الرجوع، فلقي العدوّ عند غيبوبة الشمس، فقال لهم إنّها مأمورة وإنّي مأمور حتى يقضي بيني وبينهم.
قال: فحبسها الله تعالى عليه ففتح عليه فغنموا الغنائم فلم يأكلها النار ، وكانوا إذا غنموا الغنيمة بعث الله تعالى عليها النار فأكلتها ، فقال لهم نبيهم : إنكم قد غللتم فليأتيني من كل قبيلة رجل فليبايعني، فأتوه فبايعوه فالزقت يد رجل منهم بيده، فقال له: إنّ أصحابك قد غلّوا فليأتوني فليبايعوني، فأتوه فبايعوه فألزقت يد رجلين منهم بيده فقال لهما : إنكما قد غللتها قالا : أجل غللنا صورة وجه بقرة من ذهب، فأتيا بها فألقياها في الغنايم، فبعث الله تعالى عليها النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : ( إن الله أطعمنا الغنائم رحمة رحمنا بها وتخفيفاً لما علم من ضعفنا )
قال أبو جعفر وكل هذه الأحاديث من علامات النبوة، وقد حكى علي بن عبد الرحمن بن المغيرة، عن أحمد بن صالح أنّه كان يقول : لا ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلّف عن حفظ حديث أسماء الذي روى لنا عنه، لأنه من أجلّ علامات النبوة .
قال أبو جعفر: وهذا كما قال: وفيه لمن كان دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عزوجل له بها دعا به له، حتى يكون ذلك المقدار الجليل والرتبة الرفيعة، لأنّ ذلك كان من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ليصلّي صلاته تلك التي احتبس نفسه على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم حتى غربت الشمس في وقتها على غير فوت منها إياه(1)، وفي ذلك ما قد دلّ على التغليظ في فوات العصر، ومن ذلك ما قد روي عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم.
حدّثنا عبد الغني بن أبي عقيل، حدّثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن
1) واختصر صاحب المعتصر هذه العبارة أحسن اختصار لله دره، فقال: وفيه لعلي المقدار الجليل والرتبة الرفيعة، وفيه ما يدلّ على التغليظ في فوت العصر، فوقى الله علياً ذلك بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لطاعته وكرامته لديه، الحسن النعماني .
أبيه قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم من فاتته صلاة العصر فكأنّما وتر أهله وماله.
قال أبو جعفر : فوقى الله عزوجل عليّاً ذلك لطاعته لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم، وفي هذا الحديث ممّا يجب أن يوقف عليه، وهو إباحة النوم بعد العصر إذا كان بعض الناس ذلك عنده مكروهاً.
الثالث: الحافظ المحدّث أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد القرشي الكنجي
الشافعي المتوفى سنة 658 ه--، ذكر الحديث في كتابه كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب علیه السلام ، و أطال في إثباته ، وإلى القارئ ما قال فإنّه نافع جامع، قال:
فصل: في الحديث المروي في ردّ الشمس بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى صلّى علي بن أبي طالب علیه السلام العصر.
نعتضد بالله ونقول : منكر ذلك إما أن ينكره من حيث الإمكان، أو من حيث صحة
النقل من عدالة الرواة .
أما القسم الأول: فإنّ المتكلم فيه أحد رجلين، إما من يثبت الشرائع أو ينفيها، أما نفاتها كالدهرية والفلاسفة والمنجّمين فلا كلام معهم، وأما مثبتوها فلا يتمكّنون من ذلك، للحديث الذي خرّجه مسلم في صحيحه في حبس الشمس، كما أخبرنا الإمام الحافظ عثمان، والحافظ محمد بن محمود - عرف بابن النجار - ببغداد، قالا: أخبرنا أبو الحسن المؤيد بن محمد الطوسي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل، أخبرنا أبو الحسين عبد الغافر، أخبرنا أبو أحمد محمد بن عيسى، أخبرنا أبو اسحاق إبراهيم بن محمد، أخبرنا أبو الحسين مسلم بن الحجاج، قال : وحدّثنا أبو كريب محمد بن العلا، حدّثنا ابن المبارك عن معمر، وحدّثنا محمد بن رافع و اللفظ له، قال: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمرعن همام بن منبه.
قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فذكر أحاديث منها، وقال رسول رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه : لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة و هو يريد أن يبني بها ولما يين، ولا آخر قد بنى بنياناً ولما يرفع سقفها، ولا آخر قد اشترى غنماً أو خلفات وهو منتظر ولادها، قال: فغزا فأدنّا للقرية حين صلاة العصر أو قريباً من ذلك، فقال للشمس : أنت مأمورة وأنا مأمور ، اللهم احبسها عليّ شيئاً، فحبست عليه حتى فتح
الله عليه .
قال: فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار لتأكله فأبت أن تطعمه، فقال: فيكم غلول فليبايعني من كل قبيلة رجل فبايعوه، فلصقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول فلتبايعني
قبيلتك فبايعته، فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة فقال: أنتم أغللتم، قال: فأخرجوا له مثل
رأس بقرة من ذهب، قال: فوضعوه في المال وهو بالصعيد، فأقبلت النار فأكلته، فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا، ذلك بأنّ الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيّبها لنا.
قلت: هذا حديث متفق على صحّته ، رواه البخاري في الغلول، وأخرجه مسلم في
الجهاد (1)كما سقناه .
ورواه أحمد بن حنبل في مسنده، وقال:إنّ الشمس حبست ليوشع ابن نون علیه السلام.
ورواه الطبراني في معجمه كذلك، ولا يخلو إما أن يكون ذلك معجزة لموسى علیه السلام أو ليوشع علیه السلام ، فإن كان لموسى علیه السلام فنبينا صلی الله علیه و آله و سلم أفضل، وعليّ علیه السلام أقرب إليه من يوشع إلى موسى، وإن كان معجزة ليوشع علیه السلام فإن كان نبياً فعلیّ علیه السلام مثله، وإن لم يكن نبياً فعلیّ علیه السلام أفضل منه إذ قال النبي صلی الله علیه و آله و سلم: (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)، وفي لفظ آخر:
1) صحيح البخاري 2 : 119 صحیح مسلم 2: 49 مسند أحمد بن حنبل 2 : 318 .
أنبياء بني إسرائيل)، وحذف الكاف لقوة المشابهة .
والمعنى أنّ أنبياء بني إسرائيل دعاة إلى الله سبحانه بالوعظ والزجر والتحذير والترغيب والترهيب، وعلماء أمته صلی الله علیه و آله و سلم قائمون في هذا المقام، منخرطون في سلك هذا النظام، وعلیّ علیه السلام أولى الناس بهذا النص، لقوله صلی الله علیه و آله و سلم: (أقضاكم علي )(1).
وأما القسم الثاني: وهو الإنكار من حيث العدالة من نقل ذلك وذكره في كتابه فقد
عدّه جماعة من العلماء في معجزاته صلی الله علیه و آله و سلم.
ومنهم ابن سبع ذكره في شفاء الصدور وحكم بصحته، ومنهم القاضي عياض ذكره
في الشفا بتعريف حقوق المصطفى، وحكى فيه عن الطحاوي أنّه ذكر ذلك في شرح مشكل الحديث، قال: روي من طريقين صحيحين .
وقال ابن خزيمة: كان أحمد بن صالح يقول : لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلّف عن
حديث أسماء بنت عميس في ردّ الشمس، لأنه من علامات نبوة نبينا صلی الله علیه و آله و سلم.
وقد شفى الصدور الإمام الحافظ أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي الموصلي في جمع
طرقه في كتاب مفرد، ورواه الحافظ أبو عبد الله الحاكم في تاريخه في ترجمة عبد الله بن حامد بن محمد بن ماهان الفقيه الواعظ المحدّث وخرّجه عنه.
كما أخبرنا بقية السلف محمد بن سعيد بن الموفق بن علي بن جعفر النيسابوري ببغداد، عن أبي زرعة طاهر بن الحافظ أبي الفضل بن محمد بن طاهر المقدسي، عن أحمد بن علي بن عبد الله بن خلف الشيرازي، عن الإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن نعيم بن الحكم النيسابوري، قال: حدّثني عبد الله بن حامد بن ماهان، حدّثنا أبو بكر محمد
1) راجع كتابي علي إمام البررة 1: 234 - 241
بن جعفر، حدّثنا محمد بن عبيد الكندي، حدّثنا عبد الرحمان بن شريك، قال: حدّثني أبي، عن عروة، عن عبد الله قال: دخلت على فاطمة بنت علیّ علیه السلام فرأيت في عنقها خرزة، ورأيت في يدها مسكتين غليظتين، وهي عجوز كبيرة فقلت لها: ما هذا ؟ قالت: إنه يكره للمرأة أن تتشبّه بالرجال .
ثم حدّثتني عن أسماء بنت عميس حديثها أنّ عليّا علیه السلام دفع إلى النبي صلی الله علیه و آله و سلم وقد أوحي إليه يجلله، بثوبه فلم يزل كذلك حتى أدبرت الشمس - يقول : غابت أو كادت تغيب - ثم إن نبي الله سرّي عنه، فقال: أصلّيت يا علي ؟ قال: لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم ردّ الشمس على عليّ)، فرجعت الشمس حتى بلغت نصف المسجد(1).
قال: أبي وحدّثني به موسى الجهني عن فاطمة بنت علیّ علیه السلام مثله.
قلت: هكذا ذكره الحاكم في تاريخ نيسابور في هذه الترجمة، وقد أملاه أبو منصور
أحمد بن شعيب بن صالح البخاري ببغداد في جامع المنصور في ملأ من أهل الحديث. أخبرنا عبد الله بن عمر الليثي، أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي، أخبرنا أبو عيسى سعيد بن أبي أحمد المعلم في سنة ثلاث وستين وأربعمائة، قال: أخبرنا الأمير أبو أحمد خلف بن أحمد بن محمد بن الليث بن خلف بن فرقد العربي مولى أمير المؤمنين - قدم علينا بهراة سنة 343 - قال : أخبرنا الإمام أبو منصور البخاري، قال: حدّثنا حامد بن سهل، قال: حدّثنا يحيى بن سليمان بن نضلة، قال: حدّثني إبراهيم بن محمد، عن عبد الله بن الحسن، عن فاطمة بنت علي، عن أم حسن بنت علي، عن أسماء بنت عميس قالت:
1) قصص الأنبياء : 340 ، مشكل الآثار 2 : 8 ، الرياض النضرة 2 : 180 البداية والنهاية 6 : 80 ، لسان الميزان 76:5
أمر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم علياً يوم خيبر أن يقسّم الغنائم على الناس، فشغل عن الصلاة حتی كادت الشمس تغرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليّ: صلّيت العصر ؟ قال : لا يا رسول الله شغلني ما أمرتني، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تردّ عليه الشمس حتى يصلّي علیّ علیه السلام
فأقبلت الشمس ولها حفيف كحفيف المنشار إذا وقع في الخشب حتى توسّطت مسجد
خيبر ، فقام علیّ علیه السلام ،فصلّى فلمّا فرغ علیّ علیه السلام من صلاته غربت الشمس(1).
قلت: هكذا رواه أبو الوقت في الجزء الأول من أحاديث الأمير أبي أحمد، و ضعّفه
بعض المتأخّرين، وذكره فيما جمعه من الموضوعات، واحتج على ضعفه بحجة داحضة، وقال فيه اضطراب واختلاف في الروايات وقال: لا يجوز رواية مثل هذا النص لأنّ فيه خرقاً للعادة، والعجب ممّن يذكر مثل هذا في مصنفاته ولا يعلم أنّه مردود عليه .
أما قوله: فيه اضطراب و اختلاف، قلنا: حديث الشفاعة، وحديث المعراج متفق على
صحتهما، وهما كذلك.
وأما قوله: فيه خرق للعادة فدليل على عدم معرفته ما قدمناه من حديث ردّ الشمس
ليوشع من المتفق عليه أيضاً .
وقال الحافظ أبو نعيم في كتاب تثبيت الإمامة وترتيب الخلافة فان احتج بأنّ
عليّاً علیه السلام ردّت عليه الشمس بعد أن غابت حتى صلاها لوقتها، قيل: لو كان ذلك لعليّ كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أولى وأحرى، فقد فاتته يوم الخندق الظهر والعصر ولم ترد عليه الشمس .
قلت: ولم يطعن فيه من جهة النقل، قلنا: الرسول صلى الله عليه وسلم مشرّع فلو لم تفته صلاة لاختلّ
1) كنز العمال ،6 277 ، الرياض النضرة 2: 179 .
على الأمة أمر القضاء، فتفويته للصلاة تشريع في حق الأمة، ولا كذلك علیّ علیه السلام فافترقا.
وروي عن عامر بن واثلة أبي الطفيل قال: كنت يوم الشورى على الباب، وعليّ يناشد
عثمان وطلحة والزبير وسعيداً وعبد الرحمان، يعدّ من فضائله منها ردّ الشمس.
كما أخبرنا أبو بكر بن الخازن، أخبرنا أبو زرعة، أخبرنا أبو بكر بن خلف، أخبرنا الحاكم، أخبرنا أبو بكر بن أبي دارم الحافظ بالكوفة من أصل كتابه، حدّثنا منذر بن محمد بن منذر، حدّثنا أبي، حدّثني عمي، حدّثنا أبي عن أبان بن تغلب، عن عامر بن واثلة قال : كنت على الباب يوم الشورى و عليّ في البيت فسمعته يقول: إستخلف أبو بكر وأنا في نفسي أحق بها منه فسمعت وأطعت، واستخلف عمر وأنا في نفسي أحق بها منه، فسمعت وأطعت، وأنتم تريدون أن تستخلفوا عثمان إذاً لا أسمع ولا أطيع، جعل عمر في خمسة أنا سادسهم لا يعرف لهم فضل، أما والله لأحاجنَّهم بخصال لا يستطيع عربيّهم ولا عجميهم، المعاهد منهم والمشرك، أن ينكر منها خصلة، أنشدكم بالله أيها الخمسة أمنكم أخو رسول الله غيري ؟ قالوا: لا .
:قال: أمنكم أحد له عم مثل عمي حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله غيري ؟
قالوا: لا.
قال: أمنكم أحد له أخ مثل أخي المزين بالجناحين يطير مع الملائكة في الجنة؟ قالوا: لا.
قال: أمنكم أحد له زوجة مثل زوجتي فاطمة سيدة نساء الأمة غيري ؟ قالوا: لا
قال: أمنكم أحد له سبطان مثل الحسن والحسين سبطي هذه الأمة ابني رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم غيري؟ قالوا: لا
قال: أمنكم أحد قتل مشركي قريش قبلي؟ قالوا: لا
قال: أمنكم أحد ردّت عليه الشمس بعد غروبها حتى صلّى العصر غيري؟ قالوا: لا .
قال: أمنكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم حين قرب إليه الطير فأعجبه: (اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير) فجئت وأنا لا أعلم ما كان من قول النبي صلی الله علیه و آله و سلم فدخلت ، قال : و إليّ يا رب و إليّ يا رب، غيري ؟ قالوا: لا .
هكذا رواه الحاكم في كتابه بجميع طرقه حديث الطير وناهيك به راويا (1)، قلت : ولهذا الحديث حكاية عجيبة حكاها جماعة من أهل التواريخ .
أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود المعروف بابن النجار، اخبرنا أبو محمد عبد العزيز بن الأخضر، قال: سمعت القاضي محمد بن عمر بن يوسف الأرموي يقول: جلس أبو منصور المظفر بن اردشير القباوي العبادي / صح الواعظ بمدرسة التاجية بباب ابرز ببغداد بعد صلاة العصر ، وذكر حديث ردّ الشمس وشرع في فضائل أهل البيت، فنشأت سحابة غطت الشمس حتى ظن الناس أنّها قد غابت ، فقام أبو منصور على المنبر قائماً وأومى إلى الشمس وارتجل
لا تغربي يا شمس حتى ينتهي *** مدحي لآل المصطفى ولنجله
واثنى عنانك إن أردت ثناهم *** أنسيت إذ كان الوقوف لأجله
أنسيت إذ كان الوقوف لأجله *** هذا الوقوف لخيله ولرجله
:قال فطلعت الشمس فلا يدرى ما رمي عليه من الأموال في ذلك اليوم (2)، وفي ردّ
الشمس يقول الصاحب بن عباد
من كمولاي علیّ *** والوغى (1)
کم و کم حرب عقام *** قد بالصمصام فاها
تحمی لظاهامن يصيد الصيد فيها *** بالظبى حين انتضاها
من له في كل يوم *** وقعات لا تضاهي
کم و کم حرب ضروس *** سدّ بالمرهف فاها
اذكروا أفعال بدر *** لست أبغي ما سواها
اذکرواغزوة أُحد *** إنّه شمس ضحاها
اذكروا حرب حنين *** إنّه در دجاها
اذكروا الأحزاب قدماً *** أنّه ليث شراها
اذكروا مهج--ة عمرو *** كيف أفناها تجاها
اذك روا أمر براة *** واصدقوني من تلاها
حاله حالة هارو *** ن لموسى فافهماها
أعلی حبّ علیّ *** لامني القوم سفاها
أول الناس صلاة *** جعل التقوى حلاها
ردّت الشمس عليه *** بعد ما غاب سناها(2)
الرابع: القاضي عياض بن موسى اليحصبي المتوفى سنة 544 ه-- ، ترجمه ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال : كان إمام وقته في الحديث وعلومه والنحو واللغة وكلام العرب
وأيامهم وأنسابهم، و صنّف التصانيف المفيدة .
فهذا الإمام ذكر الحديث في كتابه (1)من حديث أسماء بنت عميس، نقلاً عن الطحاوي
في تصحيحه وتوثيق رواته، وذكر قول أحمد بن صالح المتقدّم ذكره أولاً، وقد عدّه من علامات النبوة مثل انشقاق القمر.
قال الشهاب الخفاجي في نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض(2): وهذا
الحديث صحّحه المصنّف رحمه الله تعالى، وأشار إلى أنّ تعدّد طرقه شاهد صدق على صحته، وقد صحّحه قبله كثير من الأئمة كالطحاوي، و أخرجه ابن شاهين، وابن مندة، وابن مردويه ، والطبراني في معجمه وقال إنّه حسن، و حكاه العراقي في التقريب.
وحكى الملا علي القاري في شرحه على الشفا(3)تصحيح القاضي عياض للحديث،
وللقاري أيضاً كلام حول الحديث قاله في كتابه مرقاة المفاتيح (4)وإلى القارئ نصه:
صلاة العصر أو قريباً من ذلك ، فقال للشمس: إنّك مأمورةٌ وأنا مأمور، اللهم احْبِسها علينا، فحُبستْ حتى فتح الله عليه (فجمع) الغنائم، فجاءَتْ - يعني النار - لتأكلها، فلم تطعمْها، فقال: إن فيكم غُلولاً ، فليُبا يعني من كل قبيلة رجل، فلزقتْ يدُ رجل بيده، فقال: فيكم الغُلولُ، فجاؤوا برأسٍ مثل رأس بقرةٍ منَ الذَّهَبِ، فوضعَها، فجاءَتِ النَّارُ فأكلتُها، فلم تحلّ الغنائمُ لأحدٍ قبلنا، ثمّ أحلَّ الله لنا الغنائمَ، رأى ضَعفنا وعجزنا فأحلّها لنا . متفق عليه .
بمعنى حان أي حان فتحها من قولهم : أنت الناقة إذا حان وقت نتاجها، ولم يقل في غير الناقة، في النهاية فأدنى بالقرية، هكذا جاء في مسلم وهو افتعل من الدنو، وأصله أدتني فأدغم التاء في الدال اه--، فيكون من قبيل قوله ادّان من الدين، وحاصله أنّه قرب من القرية . (صلاة العصر) أي وقتها، والمراد آخر أجزائه لقوله: (أو قريباً من ذلك) أي من آخر العصر ، فأو للترديد احتياطاً ويمكن أن يكون الشك من الراوي. (فقال) أي ذلك النبي (للشمس: إنّك مأمورة) أي بالسير (وأنا مأمور) أي بفتح القرية في النهار، وذلك أنّه قاتل الجبارين يوم الجمعة، فلما أدبرت الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم، ويدخل السبت فلا يحل له قتالهم فيه، فدعا الله ( وقال: اللهم احبسها علينا فحبست) أي الشمس (حتى فتح الله عليه) .
قال القاضي عياض: اختلفوا في حبس الشمس . فقيل: ردت على أدراجها، وقيل: وقفت بلا ردّ، وقيل بطؤ تحركها، قلت: أوسطها لأنّه الظاهر في معنى الحبس، و كل ذلك من معجزات النبوة، قال : وقد روي أن نبينا صلی الله علیه و آله و سلم و حبست له الشمس مرتين إحداهما يوم الخندق حين شغلوا عن صلاة العصر حتى غربت الشمس، فردّها الله عليه حتى صلّى العصر قاله الطحاوي، وقال رواته ثقات .
والثانية صبيحة الإسراء حين انتظر العير التي أخبر بوصولها مع شروق الشمس . وفي المواهب، وأما ردّ الشمس لحكمه صلی الله علیه و آله و سلم ، فروي عن أسماء بنت عميس أن النبي صلی الله علیه و آله و سلم كان يوحى إليه ورأسه في حجر على رضی الله عنه، فلم يصلّ العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : أصلّيت يا على قال : لا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس) قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت، ووقعت على الجبال والأرض وذلك بالصهباء في خيبر.
ورواه الطحاوي في مشكل الحديث كما حكاه القاضي في الشفاء، وقال شيخنا يعني العسقلاني: قال أحمد: لا أصل له، وتبعه ابن الجوزي فأورده في الموضوعات، ولكن قد صحّحه الطحاوي والقاضي عياض، وأخرجه ابن منده ، وابن شاهين وغيرهم . وروى يونس بن بكير في زيادة المغازي، عن ابن اسحاق مما ذكره القاضي عياض في الشفاء لما أسري بالنبي صلی الله علیه و آله و سلم، وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التي في العيرقالوا: متى تجي قال: يوم الأربعاء . فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون وقد ولي النهار ولم تجيء، فدعا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فيزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس .
وروى الطبراني أيضاً في معجمه الأوسط بسند حسن عن جابر رضی الله عنه أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أمر الشمس فتأخّرت ساعة من النهار ا ه-- . وبهذا يعلم أنّ ردّ الشمس بمعنى تأخيرها، والمعنى (أنّها) كادت أن تغرب فحبسها، فيندفع بذلك ما قال بعضهم . ومن تغفل واضعه أنّه نظر إلى صورة فضيلة ولم يلمح إلى عدم الفائدة فيها، فإنّ صلاة العصر بغيبوبة الشمس تصير قضاء ورجوع الشمس لا يعيدها أداء اه--، مع أنّه يمكن حمله على الخصوصيات، وهو أبلغ في باب المعجزات والله أعلم بتحقيق الحالات.
قيل: يعارضه قوله في الحديث الصحيح: (لم تحبس الشمس على أحد إلا ليوشع بن
نون) (1)ويجاب بأنّ المعنى لم تحبس على أحد من الأنبياء غيري إلا ليوشع، والله أعلم. (فجمع الغنائم فجاءت يعني النار) تفسير من بعض الرواة (لتأكلها) متعلق بجمع (فلم تطعمها) أي لم تأكلها، ففيه تفنن في العبارة، والمعنى فلم تحرقها ولم تعدمها . قال النووي: وكانت عادة الأنبياء علیهم السلام أن يجمعوا الغنائم فتجيء نار من السماء فتأكلها علامة لقبولها وعدم الغلول فيها (فقال) : أي ذلك النبي صلی الله علیه و آله و سلم لقومه (انّ فيكم) أي فيما بينكم إجمالاً
1) أحمد في المسند 2 : 325 .
(غُلولاً) بالضم، ويحتمل الفتح بمعنى غال (فليبايعني) بسكون اللام ويسكن(1)(من كل قبيلة رجل فلزقت) بكسر الزاي أي ففعلوا فلصقت (يد رجل بيده فقال: فيكم) أي على الخصوص (الغلول فجاؤوا برأس مثل رأس بقرة) بجر مثل على الوصف، وفي نسخة
بالنصب على أنّه حال أي مماثلاً لرأس بقرة.
وقوله: (من الذهب) بيان لرأس الأول فتأمل (لموضعها) أي النبي الرأس، وأنث لأنّ المراد به الغنيمة (فجاءت النار فأكلتها زاد) أي أبو هريرة (في رواية) أي لهما أو لأحدهما أو لغيرهما (فلم تحل الغنائم لأحد قبلنا ثم أحلّ الله لنا الغنائم) أي ستراً علينا وتوسعة للدنيا، وهو تصريح بما علم ضمنا (رأى ضعفنا وعجزنا) استئناف بيان (فأحلها لنا) إعاده لترتب الحكم، والأوّل لمجرد الأخبار. (متفق عليه).
الخامس: الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 قال في فتح الباري(2): وروى
الطحاوي والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي في الدلائل عن أسماء بنت عميس أنه صلی الله علیه و آله و سلم دعا لما نام على ركبة علي ففاتته صلاة العصر، فردّت الشمس حتى صلّى علي ثم غربت، وهذا أبلغ في المعجزة، وقد أخطأ ابن الجوزي بايراده له في الموضوعات، وهكذا ابن تيمية في كتاب الرد على الروافض في زعم وضعه .
:السادس: الحافظ شمس الدين السخاوي الحنفي المتوفى سنة/ 902 ، قال في المقاصد الحسنة (3)حديث: ردّ الشمس على عليّ، قال أحمد: لا أصل له، وتبعه ابن الجوزي، فأورده في الموضوعات، ولكن قد صحّحه الطحاوي، وصاحب الشفاء، وأخرجه ابن منده، وابن
شاهين من حديث أسماء ابنة عميس، وابن مردويه من حديث أبي هريرة، وكذا ردّت للنبي صلی الله علیه و آله و سلم حين أخبر قومه بالرفقة التي رآها في ليلة الإسراء، وأنّها تجيء في يوم كذا، فأشرفت قريش ينظرون، وقد ولّى النهار ولم تجى، فدعا النبي صلی الله علیه و آله و سلم فزيد له في النهار ساعة، وحبست عليه الشمس، قال راويها فلم تحبس على أحد إلا على النبي صلی الله علیه و آله و سلم يومئذ، وعلى يوشع بن نون حين قاتل الجبارين يوم الجمعة، فلما أدبرت الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم ويدخل السبت فلا يحلّ له قتالهم فيه، فدعا الله فردّ عليه الشمس حتى فرغ من قتالهم .
السابع: الإمام العالم الفقيه المحدّث شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي نزيل مكة المكرمة ت 899 ، ذكر الحديث في كتابه (الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة)(1)فقال: ومن كراماته الباهرة أنّ الشمس ردّت عليه لما كان رأس النبي صلی الله علیه و آله و سلم في حجره، والوحي ينزل عليه و عليّ لم يصلّ العصر، فما سرى عنه صلی الله علیه و آله و سلم الا وقد غربت الشمس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللهم أنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس)
فطلعت بعد ما غربت.
وحديث ردّها صحّحه الطحاوي والقاضي في الشفاء، وحسّنه شيخ الإسلام أبو زرعة وتبعه غيره، وردّوا على جمع قالوا انّه موضوع، وزعم فوات الوقت بغروبها فلا فائدة لردها في محل المنع، بل نقول كما أنّ ردّها خصوصية كذلك إدراك العصر الآن أداء خصوصية وكرامة، على أنّ في ذلك أعني أنّ الشمس إذا غربت ثم عادت هل يعود الوقت بعودها تردداً حكيته مع بيان المتجه منه في شرح العباب في أوائل كتاب الصلاة .
قال سبط ابن الجوزي: وفي الباب حكاية عجيبة حدّثني بها جماعة من مشايخنا
بالعراق، أنّهم شاهدوا أبا منصور المظفر بن أردشير القباوي (كذا والصواب العبادي)
1) الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة: 76 - 77، ط الميمنية بمصر سنة 1312 ه-- .
الواعظ ذكر بعد العصر هذا الحديث، ونمقه بألفاظه وذكر فضائل أهل البيت، فغطّت
سحابة الشمس حتى ظنّ الناس أنّها قد غابت، فقام على المنبر وأوما إلى الشمس وأنشدها:
لا تغربي يا شمس حتى ينتهي *** مدحي لآل المصطفى ولنجله
واثني عنانك إن أردت ثناءهم *** أنسيت إذ كان الوقوف لأجله
إن كان للمولى وقوفك فليكن *** هذا الوقوف لخيله ولرجله
قالوا فانجاب السحاب عن الشمس وطلعت .
الثامن: الحافظ السيوطي المتوفى سنة 911 ذكر الحديث في كتابه الخصائص الكبرى(1)و في كتابه الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة (2)وقال : أخرجه ابن منده وابن شاهين من حديث أسماء بنت عميس، وابن مردويه من حديث أبي هريرة، فإسنادهما حسن، و ممّن صحّحه الطحاوي والقاضي عيّاض، وقد ادعى ابن الجوزي أنّه موضوع فأخطأ كما بيّنته في مختصر الموضوعات وفي التعقيبات.
وقال في مقدمة رسالته كشف اللبس عن حديث ردّ الشمس: صحّحه الإمام أبو جعفر الطحاوي وغيره، وأفرط الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي فأورده في كتاب الموضوعات، وهذا جزء في تتبع طرقه وبيان حاله .
وقال في آخر الرسالة: وممّا يشهد لصحّة ذلك قول الإمام الشافعي وغيره: ما أوتي نبيّ معجزة إلا أوتي نبينا نظيرها، أو أبلغ منها ، وقد صحّ أن الشمس حُبست على يوشع ليالي قاتل الجبارين، فلابد أن يكون لنبينا صلی الله علیه و آله و سلم نظير ذلك ، فكانت هذه القصة نظير ذلك،
والله أعلم بالصواب.
التاسع: الإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي المتوفى سنة 942 في كتابه سبل
الهدى والرشاد في سيرة خير العباد(1).
الباب الرابع حبس الشمس له - صلی الله علیه و آله و سلم- : روى الطبراني وحسنه الحافظ أبو الحسن الهيثمي في مجمع الزوائد، وأبو الفضل بن حجر في فتح الباري، وأبو زُرعة العراقي في شرح تقريب والده عن جابر بن عبد الله أنَّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم أمر الشمس أن تتأخّر ساعة في النهار فتأخّرت ساعة من النهار .
روى البيهقي من طريق يونس بن بكير، عن أسباط بن نصر، عن اسماعيل بن عبد الرحمن القرشي قال: لما أسري برسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وأخبر قومه بالرفقة والعلامة في العير، قالوا: فمتى يجيء قال: يوم الأربعاء، فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون وقد ولّى النهار ولم يجئ ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم فزيد له في النهار ساعة، وحبست عليه الشمس فلم تُرَدّ الشمس على أحد إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ، وعلى يوشع بن نون حين قاتل الجبارين يوم الجمعة، فلما أدبرت الشمس فخاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم ويدخل السبت فلا يحل له قتالهم فيه، فدعا الله فردّ عليه الشمس حتى فرغ من قتالهم. وقد قال الحافظ أبو الفتح ابن سيد الناس في قصيدة من كتابه بشرى اللبيب بذكرى الحبيب :
وقفت له شمس النهار كرامةً *** كما وقفت شمس النَّهار ليوشعا
وردَّت عليه الشمس بعد غروبها *** وهذا من الايقان أعظم مَوقعا
والعلّامة بهاء الدين بن السبكي رحمهما الله تعالى في قصيدته المسماة بهدية المسافر إلى النورالسافرفقال شعراً:
1) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد 9: 434 - 439 ط 1 بدار الكتب العلمية بيروت.
وشمس الضحى طاعتك وقت مغيبها *** فما غربت بل وافقتك بوقفةٍ
وردّت عليك الشمس بعد مغيبها *** كما أنّها قدما ليوشع رُدتِ
الباب الخامس في ردّ الشمس بعد غروبها ببركة دعائه - : قال الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في معجمه الكبير : حدّثنا جعفر بن أحمد بن سنان الواسطي، حدّثنا أبو العباس أحمد بن يحيى الجرادي بالموصل، حدّثنا علي بن المنذر، حدّثنا محمد بن فضيل، حدّثنا الفضيل بن مرزوق عن إبراهيم بن الحسن، عن فاطمة بنت الحسين بن علي عن أسماء بنت عميس قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل الوحي يكاد يغشى عليه، فأنزل عليه يوماً و رأسه في حجر علي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلّيت العصر يا عليّ؟ قال: لا يا رسول الله فدعا الله عزوجل فردّ عليه الشمس حتى صلّى العصر قالت: فرَأَيْتُ الشمس طلعت بعدما غابت حين رُدّت حتى صلَّى العصر.
قال الحافظ أبو الحسن الهيثمي : ورِجَالَه رِجال الصحيح غير إبراهيم بن الحسن
وهو ثقة وثَّقه ابن حِبّان .
قلت: وذكره ابن أبي حاتم فلم يذكر فيه جرحاً، وأورده الذهبي في المغنى في
الضعفاء، وقال الحافظ ابن حجر في (تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة) ولم يذكر لذكره فيه مستنداً، قلت: إنَّما ذكره لأجل الحديث، ولَم ينفرد به إبراهيم بَلْ تابعه عليه عروة بن عبد الله بن قشير عن فاطمة بنت علي كما سيأتي .
وقال الهيثمي : وفاطمة بنت علي بن أبي طالب لا أعرفها، قلت: فاطمة هذه روى لها
النسائي وابن ماجة في التفسير، ووثّقها الحافظ ابن حجر في (تقريب التهذيب) وتابعها
أبو جعفر محمد بن جعفر بن أبي طالب
وقال الطبراني: حدّثنا الحسين بن اسحاق التستري، حدّثنا عثمان بن أبي شيبة (ح)
وحدّثنا عبيد بن سنام، حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قالا : حدّثنا عبيد الله بن أبي موسى، عن فضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن الحسن، عن فاطمة بنت الحسين، عن أسماء بنت عميس فذكر نحوه .
الحسين بن إسحاق قال الذهبي في تاريخ الإسلام: محدثٌ ثقة، وعبيد بن غنام وهو ابن حفص بن غياث وثَّقه مسلم بن قاسم، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة مِن رجال
الصحيحين، وعبيد الله بن موسى من رجال الصحيحين وثقوه، وفضيل بن مرزوق روی له مسلم والأربعة .
قال الحافظ ابن حجر في تقريبه صدوقٌ يهم، وإبراهيم بن الحسن ثقةٌ وأنَّ ابن حِبّان
وثَّقه، وفاطمة بنت الحسين روى لها أبو داود في المراسيل وثقها الحافظ في التقريب.
تنبيه : قال في الرواية السابقة عن إبراهيم بن الحسن، عن فاطمة بنت علي، عن أسماء، وفي هذه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها ، وقد جمع كل مِن فاطمة بنت علي وفاطمة بنت الحسين عن أسماء، وفاطمة بنت الحسين هي أم إبراهيم بن الحسن بن الراوي عنهما، فكأنّه من أمّه وعمته فاطمة بنت عليّ، فرواه مرّة عن أمّه و مرّة عن عمتها، و قد عدّ ذاك ابن الجوزي وغيره اضطراباً وليس كذلك.
وقال الطبراني: حدّثنا اسماعيل بن الحسن الخفاف، حدّثنا شاذان بن الفضل، حدّثنا أبو الفضل محمد بن عبيد الله القصار بمصر، حدّثنا يحيى بن أيوب العلاف، قال: حدّثنا أحمد بن صالح، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، أخبرني محمد بن محمد بن موسى الفطري، عن عون بن محمد، عن أمه أم جعفر، عن أسماء بنت عميس فذكر نحوه .
وقال شاذان: حدّثنا أبو الحسن أحمد بن عمير، حدّثنا أحمد بن الوليد بن برد الأنطاكي، حدّثنا محمد بن اسماعيل بن أبي فديك به عن اسماعيل بن الحسن بن الخفاف
وثَّقَهُ ابن يونس، ويحيى بن أيوب من رجال النسائي قال الحافظ في (التقريب): صدوق وأحمد بن صالح من رجال البخاري وأبو داود، وقال في التقريب: ثقة حافظ، تكلم فيه النسائي بلا حجة، وأبو الحسن أحمد بن عمير بن جوصاء وثّقه الطبراني، وقال أبو علي الحافظ : كان ركناً من أركان الحديث، وإماماً من أئمة المسلمين قد جاز القنطرة، وقال الحافظ في الكشاف: صدوق، وقال الدارقطني : ليس بالقوي، قال الذهبي في (تاريخ الإسلام): هو ثقة ليست له غرائب فما للضعف عليه من علّة.
أحمد بن الوليد بن برد وثَّقه ابن حِبّان وذكره ابن أبي حاتم فلم يذكر فيه جُرحا وقال كتب عن أبي محمد بن اسماعيل بن أبي فديك نعم القاص روى عنه الأئمة والأربعة
وذكره البخاري في التاريخ ولم يجرحه، وقال الحافظ في التقريب: صدوقاً رمي بالتشيع .
وعون بن محمد بن علي بن أبي طالب وثّقه ابن حِبَّان، وذكره البخاري في (التاريخ) ولم يضعّفه، وأم جعفر ويقال لها أم عون بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب من رجال ابن ماجة في (التقريب) مقبولة، ولهذا أورد الذهبي هذا الطريق في مختصر الموضوعات، وابن الجوزي قال: غريب عجيب تفرّد به ابن أبي فُديك وهو صدوق، شيخه الفطري صدوق واعترض على هذا فذكر حديث (لم تحبس الشمس لأحد إلا ليوشع بن نون) وسيأتي الجواب عنه، ولم يذكر علّة غير ذلك .
وقال شاذان الفضلي: حدّثنا أبو الحسن علي بن إبراهيم بن إسماعيل بن كعب الدقاق بالموصل، ثنا علي بن جابر الأودي، حدّثنا عبد الرحمن بن شريك، حدثنا أبي، حدّثنا عروة بن قشير : دخلت على فاطمة بنت علي الأكبر فقالت : حدّثتني أسماء بنت عميس، فذكره .
علي بن إبراهيم وثَّقه الأزدي نقله الخطيب في التاريخ، وعلي بن جابر الأودي - بفتح
الألف وسكون الواو ودال مهملة - وثَّقه ابن حِبَّان، وعبد الرحمن بن شريك روى له
البخاري في الأدب المفرد، قال الحافظ في التقريب: صدوق وأبوه من رِجَالِ مسلم والأربعة، وروى له البخاري تعليقاً، قال في (التقريب): صدوق يخطئ كثيراً، وعروة بن قُشَير - بضم القاف وفتح الشين المعجمة - من رجال أبي داود والترمذي في الشمائل، و وثَّقه الحافظ في التقريب، وفاطمة بنت علي تقدّمت .
ولهذا الحديث طرق أخرى عن أسماء أوردت بعضها في كتابي (مزيل اللبس عن
حديث رَّدَّ الشمس)(1)، و ورد من حديث علي ورواه شاذان، و من حديث ابنه الحسين بن علي رواه الدولابي في (الذرية الطاهرة)، والخطيب في (تلخيص المتشابه) ومن حديث أبي سعید رواه الحافظ أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله بن أحمد بن حسكان - بمهملتين وفتح أوله - الفقيه الحنفي القاضي النيسابوري فيما أملاه من طرق هذا الحديث، نقله الذهبي في موضوعات ابن الجوزي من حديث أبي هريرة، وابن مردويه وابن شاهين وابن منده، وحسّنه شيخنا في (الدرر المنتشرة في الأحاديث المشتهرة) وقد سبقت أحاديثهم، وتكلّمت على رجالها في كتابي (مزيل اللبس من حديث ردّ الشمس) وحديثاً ممّا رواه الطحاوي من طريقين في كتابه (مشكل الآثار) وقال : هذان الحديثان ثابتان ورواتهما ثقات، ونقله عن القاضي عياض في الشفاء، والحافظ ابن سيد الناس في كتابه (بشرى اللبيب) .
وقال في قصيدة ذكرها في شعره:
وردّت عليه الشمس بعد غروبها *** وهذا من الإيقان أعظم مَوْقِعَا
والحافظ علاء الدين بن مغلطاي في كتابه (الزهر الباسم)، واللاذُري في (توثيقه عرى الإيمان) والنووي في (شرح مسلم) في باب حل الغنائم لهذه الأمة، ونقله عنه الحافظ ابن
1) طبعه المرحوم العلامة الشيخ محمد باقر المحمودي في كتابه كشف اللبس عن حديث ردّ الشمس من ص 109 إلى ص 164 ط مؤسسة المعارف الإسلامية بقم سنة 1419
حجر في تخريج أحاديث الرافعي في باب الآذان، كما في النسخ المعتمدة، و أقرّه وصحّحه الحافظ أبو الفتح الأزدي، ونقله ابن العديم في تواريخ حلب، و حسّنه الحافظ أبو زرعة ابن الحافظ أبي الفضل العراقي في تكملته لشرح تقريب والده .
وقال الإمام أحمد – وناهيك - ولا ينبغي لمن سبيله العلم التخلّف عن حديث أسماء، لأنّه من أجل علامات النبوة رواه الطحاوي، فقد أنكر الحفّاظ على ابن الجوزي إيراده لهذا الحديث في الموضوعات، فقال الحافظ ابن حجر: في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : (أحلت لكم الغنائم) من فتح الباري بعد أن أورد الحديث: أخطأ ابن الجوزي بإيراده له في الموضوعات، انتهى . ومن خَطّه نقلت، وقال الحافظ مغلطاي في الزهر الباسم بعد أن أورد الحديث من عند جماعة لا يلتفت إليهم لما أعل به ابن الجوزي من حيث أنّه لم يقع له الإسناد الذي وقع لهؤلاء، وقال شيخنا في مختصر الموضوعات أفرط بايراده له هنا .
الأول: نقل ابن كثير عن الإمام أحمد وجماعة من الحفاظ أنّهم صرّحوا
بوضع هذا الحديث، قلت: والظاهر أنّه وقع له من طريق بعض الكذّابين، ولم يقع له من الطرق السابقة، وإلا فالطرق السابقة يتعذّر معها الحكم عليه بالضعف فضلاً عن الوضع، ولو عرضت عليهم أسانيدها لاعترفوا بأنّ للحديث أصلاً وليس هو بموضوع، وما مهدوه من القواعد وذكر جماعة من الحفّاظ في كتبهم المعتمدة أو تقوية من قواه كما تقدّم و يردُّ على من حكم عليها بالوضع .
التنبيه الثاني: قد علمت - رحمني الله وإياك - ما أسلفنا من كلام الحفّاظ في حكم هذا الحديث، وتبيَّن لك ثقات رجاله، وأنّه ليس فيهم متهم ولا من أجمع على تركه، و لاح لك ثبوت الحديث وعدم بطلانه، فلم يبق إلّا الجواب عما أعلّ به وقد أعلّ بأمور:
الأمر الأول: من جهة بعض رجال طرقه، فرواه ابن الجوزي من طريق فضيل بن
مرزوق، وأعلّه به ثم نقل عنه ابن معين تضعيفه، و انّ ابن حبان قال فيه : كان يخطئ على الثقات ويأتي بالموضوعات انتهى، وفضيل من رجال مسلم و وثّقه السفيانيين (كذا والصواب السفيانان) وابن معين كما نقله عن ابن أبي خيثمة، وقال عبد الخالق بن منصور أنّه قال فيه: صالح الحديث، وقال الإمام أحمد: لا أعلم إلا خيراً، وقال العجلي: جائز الحديث صدوق .
وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وذكره البخاري في التاريخ ولم يصفه، وقال
ابن أبي حاتم عن أبيه: صالح الحديث صدوق يهم كثيراً، نقل جميع ذلك شيخ الإسلام ابن حجر في (تهذيب التهذيب) ومن قيل فيه ذلك لا يحكم على حديثه بالوضع.
ثم ذكر ابن الجوزي ان ابن شاهين رواه عن شيخه ابن عبده من طريق عبد الرحمن
شريك قال : وعبد الرحمن قال فيه أبو حاتم: واهي الحديث، انتهى، وعبد الرحمن هذا ذكره ابن حِبَّان في الثقات وقال: ربما أخْطاً، وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: صدوق، ثم قال ابن الجوزي: وأنا لا أتهم بهذا إلا ابن عقدة إنّه كان رافضياً، انتهى.
فإن كان يتهمه بأصل الحديث فالحديث معروف قبل وجود ابن عقدة، وقال الذهبي في مختصر منهاج الإعتدال لشيخه ابن تيمية: لا ريب أنّ ابن شريك حَدَّثَ به وجاء من وجه آخر قوي عنه، انتهى . أرادَ الطريق الذي رواه ابن شاهين منه، فابن عقدة لم ينفرد به بل تابعه غيره ، قال :شاذان: حَدَّثنا أبو الحسن على بن سعيد بن كعب الدقاق بالموصل حدّثنا علي بن جابر الأودي، حدّثنا عبد الرحمن بن شريك به حدّثنا علي بن سعيد، وعلي بن سعيد، وعلي بن جابر ،ثقتان وثق الأول أبو الفتح الأسدي، والثاني ابن حبان .
الأمر الثاني: قال الجوزقاني وابن الجوزي وغيرهما: يقدح في صحة هذا الحديث ما في الأحاديث الصحيحة أنّ الشمس لم تحبس إلا ليوشع بن نون، انتهى.
وأجاب الطحاوي في مشكل الآثار، و أقرّه ابن رشد في مختصره بأنّ حبسها غير ما في حديث أسماء من ردّها بعد الغروب، وقال الحافظ في باب قول النبي صلی الله علیه و آله و سلم : (أحلت لكم الغنائم) من فتح الباري بعد أن أورد حديث حبس الشمس صبح ليلة الإسراء: و لا يعارضه ما رواه أحمد بسند صحيح عن أبي هريرة (لم تحبس الشمس إلا ليوشع بن نون) إلى آخره، ووجه الجمع أنّ الحصر محمولٌ على ما مضى للأنبياء قبل نبينا صلی الله علیه و آله و سلم، و قوله: لم تحبس
الشمس إلا ليوشع بن نون فيه نفى، إنّها قد تحبس بعد ذلك لنبينا صلی الله علیه و آله و سلم .
الأمر الثالث: في الإضطراب ، وتقدّم ردُّ ذلك في التنبيه المتقدّم أول الكتاب .
الأمر الرابع: قال الجوزقاني ومن تبعه: لو رُدّت الشمس لكان ردّها يوم الخندق
للنبي صلی الله علیه و آله و سلم بطريق الأولى . قلت : ردّ الشمس لعليّ إنّما كان بدعاء النبي، صلی الله علیه و آله و سلم و لم يجئ في خبر قط أنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم دعا في واقعة الخندق أن تُردّ فلم تُردّ ، بل لم يدع، على أنّ القاضي عياض ذكر في الإكمال أنّ الشمس ردّت على النبي صلی الله علیه و آله و سلم في واقعة الخندق فالله أعلم، وقد بيّنت ضعفه في كتاب (مزيل اللبس).
الأمر الخامس: أعلّ ابن تيمية حديث أسماء بأنّها كانت مع زوجها بالحبشة، وقلت: هو و هم بلا شك، وبلا أدنى خلاف أنّ جعفر قدم من الحبشة هو وامرأته أسماء على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وهو بخيبر بعد فتحها، وقسم لها و لأصحاب سفينتها .
الأمر السادس: قال ابن الجوزي: ومن تغفيل وضع هذا الحديث أنّه نظر إلى صورة
فضيلة و لم يتلمح إلى عدم الفائدة، فإنّ صلاة العصر لغيبوبة الشمس صارت قضاءً ورجوع الشمس لا يعيدها أداء.انتهى .
قلت: لثبوت الحديث على أنّ الصلاة وقعت أداءً، بذلك صرّح القرطبي في التذكرة قال: فلو لم يكن رجوع الشمس نافعاً، وأنّه لا يتجدّد الوقت لما ردّها عليه، ذكره في باب ما
يُذكرُ الموت والآخرة من أوائل التذكرة ، و وجهه أنّ الشمس لما عادت كأنها لم تغب، والله سبحانه وتعالى أعْلَم .
التنبيه الثالث: ليحذر من يقف على كلامي هنا أن يظن بي أنّي أميل إلى التشيع، والله يعلم أنّ الأمر ليس كذلك، والحامِلُ لي على هذا الكلام أنّ الذهبي ذكر في ترجمة الحافظ الحسكاني أنَّه كان يميل إلى التشيّع ؛ لأنه أملى جزءاً في طرق حديث ردّ الشمس، وهذا الرجل ترجمه تلميذه الحافظ عبد الغفار بن اسماعيل الفارسي في (ذيل تاريخ نيسابور) فلم يضعفه بذلك بل أثنى عليه ثناءً حسناً، وكذلك غيره من المؤرخين، نسأل الله تعالى السلامة من الخوض في أعراض الناس بما نعلم وبما لا نعلم
العاشر : الشيخ الإمام العلامة عبد الرحمن بن علي بن محمد بن عمر ابن الديبع
الشيباني الشافعي المتوفى سنة 944 ذكر الحديث في كتابه ( تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث) ص 81 فقال :
حديث ردّ الشمس على عليّ قال أحمد: لا أصل له وتبعه ابن الجوزي في الموضوعات، ولكن قد صحّحه الطحاوي وصاحب الشفاء، وأخرجه ابن منده وابن شاهين وغيرهما من حديث أسماء بنت عميس وغيرها .
الحادي عشر : ابن عراق الكناني المتوفى سنة 963 في كتابه (تنزيه الشريعة)(1)، ذكر الحديث وذكر مَن غمز فيه ومن صحّحه، وأطال في استعراض النقض والإبرام وختم كلامه بالتنبيه، وهو في جميع ذلك بحق كان هو العالم الفقيه النبيه هاؤم اقرأوا ما كتب 104 - حديث أسماء بنت عميس: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يوحى إليه ورأسه في حجر علي، ولم يصلّ العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم العلي : أصلّيت ؟ قال : لا ،
1) تنزيه الشريعة : 378 - 382 بتحقيق عبد الله محمد الصدّيق ط 1 مكتبة القاهرة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إنّه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس) قالت أسماء فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت.
(ابن الجوزي) من طريق فضيل بن مرزوق وقد ضعفه يحيى (شا) من طريق ابن عقدة، وهو رافضي رمى بالكذب، وفيه أيضاً عبد الرحمن بن شريك، قال فيه أبو حاتم : واهي الحديث، وجاء أيضاً من حديث أبي هريرة أخرجه (مر) من طريق داود بن فراهيج وقد ضعّفه شعبة (تعقب) بأنّ فضيلاً ثقة صدوق احتج به مسلم والأربعة، وعبد الرحمن بن شريك وثّقه غير أبي حاتم، وروى عنه البخاري في الأدب وابن عقدة من كبار الحفّاظ، والناس مختلفون في ذمه ومدحه . وكذّب الدارقطني من اتهمه بالوضع، وقال حمزة السهمي: ما يتهمه بالوضع الاطبل، وداود وثقه قوم.
ثم الحديث صرّح بتصحيحه جماعة من الأئمة والحفّاظ منهم الطحاوي، و للسيوطي
جزء في تتبع طرق هذا الحديث وبيان حاله سماه (كشف اللبس في حديث ردّ الشمس
وختمه بقوله : و ممّا يشهد لصحة ذلك قول الشافعي رضی الله عنه وغيره: ما أوتي نبي معجزة إلا أوتي نبينا صلی الله علیه و آله و سلم نظيرها أو أبلغ منها ، وقد صحّ أنّ الشمس حبست على يوشع ليالي قاتل الجبارين، فلابد أن يكون لنبينا صلی الله علیه و آله و سلم نظير ذلك، فكانت هذه القصة نظير تلك.
قلت: و ممّن صرّح بذلك جازماً به الإمام حازم القرطاجني فقال في مقصورته:
والشمس ما ردّت لغير يوشع *** لما غزا و لعلي إذ غفا
وقال الذهبي في تلخيص الموضوعات: أملى أبو القاسم الحسكاني مجلساً في ردّ الشمس فقال : روي ذلك عن أسماء بنت عميس وعلي وأبي هريرة وأبي سعيد بأسانيد متصلة، قلت: لكنها ساقطة ليست بصحيحة، ثم ساقه من طرق منها أحمد بن صالح الحافظ وابن برد الأنطاكي وغيرهما عن ابن أبي فديك، أخبرني محمد بن موسى الفطري،
عن عون بن محمد، عن أمه أم جعفر، عن جدّتها أسماء بنت عميس أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم صلّى الظهر ثم أرسل علياً في حاجة فرجع، وقد صلّى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم العصر، فوضع رأسه في حجر علي، ولم يحرّكه حتى غابت الشمس، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : ( إنّ عبدك عليا احتبس بنفسه على نبيه فرد عليه شرقها) قالت أسماء: فطلعت الشمس حتى وقفت على الجبال والأرض ، فقام علي و توضّأ و صلّى العصر ، ثم غابت الشمس وذلك في الصهباء في غزوة خیبر
قال الحسكاني: أم جعفر هذه هي بنت محمد بن جعفر ابن أبي طالب وابنها عون بن
محمد بن الحنفية، هذا حديث غريب عجيب انفرد به ابن أبي فديك، وهو صدوق، وشيخه الفطري صدوق، واعترض على هذا بما صحّ عن أبي هريرة عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم: أنّ الشمس لم تحبس إلا ليوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس، وقال شيعي: انما نفى علیه السلام وقوفها، وحديثنا فيه الطلوع بعد المغيب فلا تضاد بينهما.
قلت: لو ردّت لعلي لكان ردّها يوم الخندق للنبي صلی الله علیه و آله و سلم أولى، فإنّه حزن و تألّم و دعا على المشركين لذلك، ثم نقول : لو ردّت لعلي لكان بمجرد دعاء النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، ولكن لما غابت خرج وقت العصر، ودخل وقت المغرب، وأفطر الصائمون وصلّى المسلمون المغرب، فلو ردّت الشمس للزم تخبيط الأمة في صومها وصلاتها، ولم يكن في ردّها فائدة لعلي إذ رجوعها لا يعيد العصر أداء، ثم هذه الحادثة العظيمة لو وقعت لاشتهرت و توفّرت الهمم والدواعي على نقلها، إذ هي في نقض العادات جارية مجرى طوفان نوح، وانشقاق القمر،
انتهى كلام الذهبي.
وأقول - والقائل هو ابن عراق- : قوله قال شيعي إنما نفى علیه السلام وقوفها إلى آخره في نسبته هذا الجواب لشيعي نظر، فإنّ المجيب له الطحاوي في مشكل الآثار، وللحافظ ابن
حجرفي فتح الباري جواب آخر، هو أنّ الحصر محمول على ما مضى للأنبياء قبل نبينا صلی الله علیه و آله و سلم ، وقوله: لو ردّت الشمس لعلي لكان ردّها يوم الخندق للنبي صلی الله علیه و آله و سلم الأولى، قد سبقه إليه الجوزقاني، وجوابه أنّ ردّ الشمس لعليّ إنّما كان بدعاء النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، ولم يثبت أنّه دعا في وقعة الخندق أن تردّ عليه الشمس فلم تردّ، بل لم يدع.
على أنّ القاضي عياضاً ذكر في الإكمال نقلاً عن مشكل الآثار للطحاوي، ونقله عن القاضي عياض أئمة وأقروه منهم النووي في شرح مسلم، والحافظ مغلطاي في الزهر الباسم، والحافظ ابن حجر في تخريج الرافعي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم دعا الله يوم الخندق أن يردّ الشمس عليه فردّها حتى صلّى العصر، لكن في هذا نظر من وجهين أحدهما: ان الذي صحّ في وقعة الخندق أنّه صلی الله علیه و آله و سلم صلّى العصر بعد ما غربت الشمس، وثانيهما: أنّ الموجود في مشكل الآثار إنّما هو حديث أسماء في قصة خيبر .
وقوله: ورجوعها لا يعيد العصر أداء جوابه: انّ في تذكرة القرطبي ما يقتضي أنّها
وقعت أداء ، قال رحمه الله: فلو لم يكن رجوع الشمس نافعاً و أنّه لا يتجدد الوقت لما ردّها عليه الصلاة والسلام، وفي كتاب المنتقى في عصمة الأنبياء للإمام نورالدين أحمد بن محمد بن أبي بكر الصابوني الحنفي ما يقتضي ذلك أيضاً، فإنّه قال: والمقصود بردّ الشمس ردّ الوقت حتى تؤدّى الصلاة في وقتها انتهى.
ورأيته في تعليق لبعض معاصري أشياخنا من الشافعية من أهل حضرموت مجزوماً به، و رتب عليه لغزاً، فقال: وعلى ذلك يقال رجل أحرم بصلاة قضاء عالماً بفوات الوقت فوقعت أداء، وصورته أحرم بصلاة العصر بعد ما غربت الشمس فطلعت قبل أن يفرغ منها بركعة، انتهى . ورأيت في كتاب لبعض أشياخي في هذه القصة أنّ الشيخ تقي الدين الشافعي ابن دقيق العيد حكى قولين للعلماء في أنّ هذه الصلاة كانت أداء أم قضاء .
تنبيه : تحصّل ممّا مرّ أنّ الشمس وقفت ثلاثمرّات إن ثبتت قصة الخندق، و ورد
وقوفها في ثلاث مرّات أخرى، فنذكرها تتميماً للفائدة .
أحدها: لنبينا صلی الله علیه و آله و سلم ذكر القاضي عياض في الشفا عن زيادة المغازي ليونس بن بكير أنّه لما أسرى برسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وأخبر قومه بالرؤيا والعلامة التي في العير، قالوا: متى تجي؟ قال: يوم الأربعاء، فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون و قد ولّى النهار و لم تجئ فدعا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فزيد له في النهار ساعة، وحبست عليه الشمس حتى دخلت العير.
والثانية لداود علیه السلام إن ثبت ما أخرجه الخطيب في كتاب النجوم عن عطاء، قال: قيل لعلي بن أبي طالب هل كان للنجوم أصل؟ قال: نعم كان نبي من الأنبياء يقال له يوشع بن نون فقال قومه : إنّا لا نؤمن بك حتى تعلمنا بدء الخلق وآجاله ؛ فأوحى الله تعالى إلى غمامة فأمطرتهم، واستنقع على الجبل ماء صافياً، ثم أوحى الله تعالى إلى الشمس والقمر والنجوم أن تجرى في ذلك الماء، ثم أوحى إلى يوشع بن نون أن يرتقى هو وقومه على الجبل ؛ فارتقوا الجبل، فقاموا على الماء حتى عرفوا بدء الخلق وآجاله بمجاري الشمس والقمر والنجوم وساعات الليل والنهار، فكان أحدهم يعلم متى يموت ومتى يمرض، ومن الذي يولد له. ومن الذي لا يولد له.
قال فبقوا كذلك برهة من زمان دهر هم، ثم إنّ داود علیه السلام قاتلهم على الكفر، فأخرجوا إلى داود في القتال من لم يحضر أجله، ومن حضر أجله خلّفوه في بيوتهم، فكان يقتل من أصحاب داود، ولا يقتل من هؤلاء أحد، فقال :داود: رب أقاتل على طاعتك ويقاتل هؤلاء على معصيتك، فيقتل أصحابي ولا يقتل من هؤلاء أحد، فأوحى الله إليه إنّي كنت علمتهم بدء الخلق وآجاله، وإنّما أخرجوا إليك من لم يحضر أجله ومن حضر أجله خلّفوه في بيوتهم، فمن ثَمّ يقتل من أصحابك ولا يقتل منهم أحد.
قال داود يا رب على ماذا علمتهم، قال: على مجاري الشمس والقمر والنجوم وساعات الليل والنهار، قال: فدعا الله فحبست الشمس عليهم فزاد في النهار، فاختلطت
الزيادة بالليل فلم يعرفوا قدر الزيادة فاختلط عليهم حسابهم، قال علي: فمن ثمَّ كره
النظر في النجوم .
قال الخطيب: في إسناده غير واحد مجهول، وما ذكر فيه من علم القوم بأوقات آجالهم
وغير ذلك من غائب أحوالهم غير مقبول، وحبس الشمس على داود ليس بصحيح، وقد صحّ عنه صلی الله علیه و آله و سلم أنّ الشمس لم تحبس على أحد إلا على يوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس، انتهى .
والثالثة لسليمان بن داود علیهما السلام، روى الطحاوي والطبراني عن ابن عباس قال: قال علي : ما بلغك في قول الله تعالى حكاية عن سليمان: (ردّوها علي) فقلت: قال لي كعب: كانت أربعة عشر فرساً عرضها فغابت الشمس قبل أن يصلّي العصر، فأمر بردها فضرب سوقها وأعناقها بالسيف فقتلها، فسلبه الله ملكه أربعة عشر يوماً لأنه ظلم الخيل بقتلها، فقال علي: كذب كعب، وإنّما أراد سليمان جهاد عدوّه، فتشاغل بعرض الخيل حتى غابت الشمس، فقال للملائكة الموكلين بالشمس باذن الله لهم: ردّوها علي، فردّوها عليه حتى صلّى العصر في وقتها، و إنّ أنبياء الله لا يظلمون فلا يأمرون الناس بالظلم.
قال الحافظ ابن حجر الشافعي في فتح الباري: هذا لا يثبت عن ابن عباس ولا غيره،
وإن أورده جماعة من المفسّرين ساكتين عليه جازمين به، والثابت عن جمهور أهل العلم بالتفسير من الصحابة ومن بعدهم أنّ الضمير المؤنّث في قوله (ردوها) للخيل، والله أعلم.
الثاني عشر : ملك المحدّثين محمد طاهر الفتني المتوفى سنة 986 في تذكرة
الموضوعات (1)قال : حديث أسماء في ردّ الشمس فيه فضيل بن مرزوق ضعيف، و له طريق آخر فيه ابن عقدة رافضي رمي بالكذب، ورافضي كاذب.
قلت - والقائل هو الفتني : فضيل صدوق احتج به مسلم و الأربعة، وابن عقدة من
كبّار الحفّاظ وثّقه الناس، وما ضعّفه إلا عصري متعصّب، والحديث صرّح جماعة
بتصحيحه منهم القاضي عيّاض، وفي اللئالي - ثم ذكر الحديث عن أسماء بنت عميس، وتعقيب السيوطي عليه، ثم قال : قلت : وفي المقاصد ردّ الشمس على علي قال أحمد: لا أصل له وتبعه ابن الجوزي، ولكن صحّحه الطحاوي وصاحب الشفا، وكذا ردّت للنبي صلی الله علیه و آله و سلم .
الثالث عشر : العلامة المحدّث محمد المدعو بعبد الرؤوف المناوي المتوفى سنة 1031، ذكر الحديث في كتابه فيض القدير شرح الجامع الصغير للسيوطي(2).
فقال: (ما حُبست الشمس على بشر قطُّ إلا على يوشع ) يقال بالشين وبالسين (ابن نون) مجرور بالإضافة منصرفٌ على الأفصح، وإن كان أعجمياً لسكون وسطه كنوح ولوط (ليالي سار إلى بيت المقدس) قيل في هذا الحبس إنّها رجعت على أبراجها، وقيل وقفت فلم ترد، وقيل هو بطوء حركتها.
قال بعض شراح مسلم: و الشمس أحد الكواكب السيارة، وحركتها مترتبة على حركة الفلك بها، فحبسها المذكور على التفاسير المذكورة إنّما هو لحبس الفلك لا لحبسها في نفسها.
ثم إنّ هذا لا يعارضه خبر ردّ الشمس على عليّ لأنّ هذا في خبر صحيح، و خبر علي
قال ابن الجوزي موضوع لاضطراب رواته، لكن انتصر المصنف لتصحيحه، وعمدته نقله عن عياض في الشفاء، وقد أقاموا عليه القيامة، وذكر عظماء شراحه أنّه غير صحيح نقلاً و معنى، و تعجبوا منه مع جلالة قدره في سكوته عليه، وابن تيمية له تأليف في الردّ على الرافضة ذكر فيه الخبر بطرقه ورجاله وحكم بوضعه، وعلى التنزّل وفرض صحّة الخبرين فلامعارضة، لأنّ خبر يوشع في حبسها قبل الغروب، و خبر عليّ في ردّها بعده، أو أنّ إخباره بأنها لم تحبس إلا ليوشع قبل ردّها على عليّ. ثم رأيت الحافظ قد أوضح تقرير هذه القصة فقال : أخرج الخطيب في كتابه ذم النجوم عن علي كرم الله وجهه قال. سأل قوم يوشع أن يطلعهم على بدء الخلق وآجالهم فأراهم ذلك في ماء من غمامة أمطرها الله عليهم، فكان أحدهم يعلم متى يموت فبقوا على ذلك إلى أن قاتلهم داود على الكفر، فأخرجوا إلى داود من لم يحضر أجله، فكان يقتل من أصحاب داود ولا يقتل منهم فشكى إلى الله ودعاه فحبست عليهم الشمس فزيد في النهار، فاختلطت الزيادة بالليل والنهار فاختلط عليهم حسابهم أه-- .
قال ابن حجر: إسناده ضعيف جداً، وحديث أحمد الآتي رجاله محتج بهم في الصحيح، فالمعتمد أنّها لم تحبس إلا ليوشع، وقد اشتهر حبس الشمس ليوشع حتى قال
أبو تمام:
فو الله لا أدري أأحلام نائم *** ألمت أم كان في الركب يوشع
ولا يعارضه ما في السير أنّ المصطفى صلی الله علیه و آله و سلم لما أخبر قريشاً بالاسراء أنّه رأى عيرهم تقدم مع شروق الشمس فدعا الله فحبست حتى قدمت، و هذا منقطع، لكن في الأوسط للطبراني عن جابر أنّ المصطفى صلی الله علیه و آله و سلم أمر الشمس فتأخّرت ساعة من نهار و سنده حسن، ويجمع بأنّ الحصرعلى الماضي للأنبياء قبل نبينا، وليس فيه أنّها لا تحبس بعده.
و في الكبير للطبراني والحاكم والبيهقي في الدلائل عن أسماء بنت عميس أن
المصطفى صلی الله علیه و آله و سلم دعا لما نام على ركبة عليّ ففاتته العصر ، فردّت حتى صلّى عليّ ثم غربت وهذا أبلغ في المعجزة ؛ وأخطأ ابن الجوزي في إيراده في الموضوع.
وجاء أيضاً أنّها حبست لموسى لما حبس تابوت يوسف، ففي المبتدأ عن عروة أنّه
تعالى أمر موسى أن يأمر بني إسرائيل أن تحمل تابوت يوسف، فلم يدل عليه حتى كاد الفجر يطلع، وكان وعدهم بالسير عند طلوع الفجر، فدعا ربه أن يؤخّر الفجر حتى يفرغ ففعل، وتأخير طلوع الفجر يستلزم تأخير طلوع الشمس لأنّه ناشئ عنها، فلا يقال: الحصر إنّما وقع في حق يوشع بطلوع الشمس فلا يمنع حبس الفجر لغيره، وجاء أيضاً في خبر أنّها حبست لسليمان ابن داود لكنه غير ثابت أه--. ملخصاً (خط عن أبي هريرة) وظاهر اقتصار المؤلف على عزوه للخطيب أنّه لا يعرف لأشهر منه و لا أحق بالعزو أنه ليس ثمَّ ما هو أمثل سنداً منه، وإلا لما عدل إليه واقتصر عليه وهو عجب.
لقد قال الحافظ ابن حجر: ورد من طرق صحيحة خرّجها أحمد من طريق هشام عن
ابن سيرين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : (إنّ الشمس لا تحبس لبشر إلا ليوشع
بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس) إه-- .
وقد ذكر المناوي الحديث باقتضاب في كتابه الآخر التيسير بشرح الجامع الصغير(1).
و ما مرّ منه في كتابه (فيض القدير ) فقد أفاض القول، وهو وإن ذكر المناقشة في ردّها للإمام مع تسليمه في خبر يوشع، فقال في خبر يوشع خبر صحيح، وفي خبر ردّها لعلي موضوع نقلاً عن ابن تيمية، ومع ذلك فقد حكى اختصار السيوطي لتصحيحه و ساقه
1) الجامع الصغير :2: 348 ط المكتب الإسلامي للطباعة والنشر بالأفست.
بلفظه ولم يعقّب عليه بردّ ممّا دلّ على موافقته وإخباته بصحته.
الرابع عشر : الشيخ المحدّث المفسّر اسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي المتوفى سنة 1162 ه-- ، ذكر الحديث في كتابه (كشف الخفا)(1)فقال:
670 - (أنّ الشمس ردّت على عليّ بن أبي طالب) قال الإمام أحمد: لا أصل له وقال ابن الجوزي موضوع، لكن خطّؤوه ومن ثَمّ قال السيوطي: أخرجه ابن مندة وابن شاهين عن أسماء بنت عميس، وابن مردويه عن أبي هريرة وإسنادهما حسن، وصحّحه الطحاوي والقاضي عياض، قال القاري : ولعل المنفي ردّها بأمر علي ، والمثبت بدعاء النبي صلی الله علیه و آله و سلم .
وأقول : في عمدة القاري للعيني كفتح الباري للحافظ ابن حجر، أن الطبراني والحاكم والبيهقي في الدلائل أخرجوا عن أسماء بنت عميس أن النبي صلی الله علیه و آله و سلم نام على فخذ عليّ حتى غابت الشمس، فلما استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال علي رضی الله عنه : يا رسول الله إني لم أصلّ العصر ، فقال النبي صلی الله علیه و آله و سلم: ( اللهم إن عبدك علياً احتسب بنفسه على نبيك فردّها عليه). قالت أسماء: فطلعت الشمس حتى وقعت على الجبال وعلى الأرض، ثم قام عليّ فتوضأ وصلّى العصر وذلك بالصهباء.
قال الطحاوي: وكان أحمد بن صالح يقول : لا ينبغي لمن سبيله العلم أن يتخلّف عن حفظ حديث أسماء لأنّه من أجلّ علامات النبوة، قال: وهو حديث متصل ورواته ثقات، واعلال ابن الجوزي له لا يلتفت إليه، انتهى .
وأقول: قد ذكرنا في الفيض الجاري في باب قول النبي صلی الله علیه و آله و سلم : (أحلت لكم الغنائم) إنّ قصة علي في ردّ الشمس بعد مغيبها، و إنّها ردّت لنبينا أيضاً في وقعة الخندق حين شغل عن صلاة العصر حتى صلّاها، وكذا ردّت لسليمان بن داود علیهما السلام على قول بعضهم، و أما
1) كشف الخفا :1 : 220 ط القدسي بمصر سنة 1351.
حبسها عن المغيب فقد وقع ليوشع بن نون و قبله لموسى بن عمران، و وقع بعدهما لسليمان بن داود، وأيضاً لنبينا عن الطلوع ليلة الإسراء، و ان كان في بعضها مقال، فراجعه فقد ذكرناه هناك مبسوطاً .
:أقول: ولقد أعاد الحديث في الحديث مرة ثانية (1)فقال :
1379 - (ردّ الشمس على علىّ رضی الله عنه) قال الإمام أحمد: لا أصل له، وتبعه ابن الجوزي فأورده في الموضوعات، و لكن صحّحه الطحاوي و صاحب الشفاء، وأخرجه ابن مندة وابن شاهين عن أسماء بنت عميس، وابن مردويه عن أبي هريرة، وروى الطبراني في الكبير والأوسط بسند حسن: أنّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم أمر الشمس فتأخرت ساعة من نهار، و كذلك ردّت الشمس للنبي صلی الله علیه و آله و سلم حين أخبر بالرفقة الذين رآهم ليلة الإسراء، و أنّهم يجيئون يوم كذا، فأشرفت قريش تنظر وقد ولّى النهار ، و لم يجيئوا فدعا النبي صلى الله عليه وسلم فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس .
قال الراوي لهذه: فلم تحبس على أحد إلا على النبي صلی الله علیه و آله و سلم يومئذٍ، وعلى يوشع حين قاتل الجبارين يوم الجمعة، فلما أدبرت الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم، ويدخل السبت فلا يحلّ له قتالهم فيه، فدعا الله تعالى فردّ عليه الشمس حتى فرغ من قتالهم، كذا في المقاصد، وفيه أنّ هاتين الصورتين وقفت الشمس فيهما وحبستها عن الغيبوبة، إلا أن يقال إنّه ردّ مجازاً، فتأمل .
الخامس عشر : المحدّث الشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني المتوفى سنة 1350 .
ذكر الحديث مرّتين في الجزء الأول من كتابه (2)(جواهر البحار في فضائل المختار صلی الله علیه و آله و سلم )
فقال في المرة الأولى(1): وأما سليمان علیه السلام فإن الله تعالى ردّ له الشمس مرّة، وفعل ذلك أيضاً للرسول صلی الله علیه و آله و سلم حين نام ورأسه في حجر علي، فانتبه وقد غربت الشمس فردّها حتى صلّى، وردّها مرّة أخرى لعليّ فصلّى العصر في وقته(2).
وقال في المرة الثانية(3): وأما ( القابض) و (الباسط ) فإنه صلی الله علیه و آله و سلم كان متصفاً بهاتين الصفتين، والدليل على ذلك ما روت أسماء بنت عميس رضی الله عنها أنّه قبض على الشمس فوقفت حتی صلّى عليّ رضی الله عنه،ففي رواية صحيحة الإسناد عنها أنّه صلی الله علیه و آله و سلم كان يوحى إليه ورأسه في
حجر على رضی الله عنه ، فلم يصلّ العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أصلّيت يا علي؟ فقال: لا، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : (اللهم إنّه كان في طاعتك وطاعة رسولك، فاردد عليه الشمس) قالت: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت و وقعت على الجبال والأرض، وذلك بالصهباء في خيبر ، أخرجه الطحاوي في مشكل الحديث، فهذا دليل عظيم على اتصافه بالقبض والبسط، فإنّه قبض على الشمس أن تغيب، وبسط في النهار حتى زاد ووقعت الشمس على الجبال والأرض.
ثم عاد في الجزء الرابع (4)فذكر في الحديث كلاماً كثيراً، نقل فيه كلمات الحفّاظ في تخطئة ابن الجوزي، فعن الحافظ مغلطاي قوله في (الزهر الباسم) بعد أن أورد الحديث من عند الطحاوي والطبراني وغيرهما: ولا يلتفت لما علّله به ابن الجوزي من حيث انّه لم يقع الإسناد الذي وقع لهؤلاء .
1) جواهر البحار في فضائل المختارصلی الله علیه و آله و سلم 1: 177 ط مصر سنة 1379.
2) يشير إلى ردّ الشمس على الإمام ببابل كما سيأتي بيان ذلك في المرة الثانية .
3) جواهر البحار في فضائل المختار صلی الله علیه و آله و سلم 262:1 ط مصر سنة 1379.
4) جواهر البحار في فضائل المختار صلی الله علیه و آله و سلم 423:4 ط مصر سنة 1379 .
و عن الحافظ ابن حجر العسقلاني قوله بعد أن أورد الحديث من عند البيهقي وغيره:
وهذا أبلغ في المعجزة، وقد أخطأ ابن الجوزي بإيراده في الموضوعات .
وعن الحافظ السيوطي قوله في (الدرر) بعد أن ذكر أبيات ابن سيد الناس و أبيات السبكي: وهذا من هذين الإمامين الجليلين ممّا يقوي صحة الحديث، ولا يلتفت لإيراد ابن الجوزي الحديث في الموضوعات، وقد خطّأه الحفّاظ في ذلك.
إلى غير هؤلاء من الحفّاظ الذين حكموا بصحّة الحديث و تخطئة ابن الجوزي، وفيما
نقلناه عنه كفاية .
السادس عشر : العلامة الشيخ محمد زاهد الكوثري الحنفي المتوفى سنة 1371 ه-- قال في جواب سؤال منه سأله تلميذه الأستاذ أحمد خيري كما في كتاب مقالات الكوثري ص 55 فقال :
ففي الخطاب رقم 17 المؤرّخ 26 من رجب سنة 1358 قال: وأما حديث ردّ الشمس فهو صحيح باعتبار الصناعة، وحكمه حكم أخبار الآحاد الصحيحة، و لست ممّن
يجعل لقدرة الله حداً، انتهى .
وقال الشيخ محمد زاهد الكوثري أيضاً في مقالاته ص 470 : وما ذكره ابن تيمية
في حقه عند توهين حديث أسماء (1)أنّها هو مجازفة من مجازفاته، وليس أدلّ على ذلك من
1) حديث أسماء هو حديث ردّ الشمس لعلي كرم الله وجهه، وقد جمع أهل العلم بالحديث طرق هذا الحديث وحكموا عليه بالصحة، منهم أبو القاسم العامري، والحاكم النيسابوري، والسيوطي، ومحمد بن يوسف الصالحي، وصححه القاضي عياض،والإعتراف بصحة هذا الحديث ينافي انحراف ابن تيمية عن علي عله وتبدو على كلامه آثار بغضه إياه في كل خطوة من خطوات تحدثه عنه ( هامش مقالات الكوثري: 470 نقلاً عن الحاوي في سيرة الطحاوي للكوثري: 36)
الإطلاع على كتبه وما كتبه كثير من الحفّاظ في حديث أسماء يرغم ابن تيمية الذي ألّف في أغلاطه في الرجال خاصة أبو بكر الصامت الحنبلي جزءاً، و حقٌّ لمثله أن يقبع ولا يتكلّم في مثل ذلك .
ولا كلام في صحة الحديث من حيث الصناعة، لكن حكمه حكم أخبار الآحاد
الصحيحة في المطالب العلمية .
ومعرفة الطحاوي بالعلل لا يتجاهلها إلا من اعتلّ بعلل لا دواء لها، نسأل الله السلامة.
السابع عشر : الأستاذ أحمد الأستاذ أحمد خيري، قال تعقيباً على ما مرّ من نقله خطاب شيخه العلامة الكوثري: قلت: والفقير يؤمن به ويرثي لحضرات الذين يتشككون فيه وفي انشقاق القمر، لتعارض ذلك مع نواميس الطبيعة، لأنّ الاشتغال بالجاذبية وجعلها ممّا يعارض قدرة الله، يؤدّي إلى مذاهب النشؤ والارتقاء والتطور، وردّ الإنسان إلى قرد، وردّ القرد إلى سمكة، وردّ السمكة إلى ما تتسع له عقولهم الفاسدة وعلومهم الجاحدة، والله الذي خلق الكون على ما يشاء، و أجرى الكواكب كما يشاء، قدير على أن يردّ الشمس ثم يعيدها، و على أن يشقّ القمر ثم يعيده دون أن يتأثّر شيء من نظام الكون، لأنّ الكون لا يقوم بنفسه، و إنّما هو قائم بالله الفعّال لما يريد .
لقد مرّ بنا ما ذكره سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص(1)بعد ذكره كرامة ردّ الشمس للإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، فعقّب عليها بقوله:
1) تذكرة الخواص: 38، ط حجرية سنة 1285 .
وفي الباب حكاية عجيبة، حدّثني بها جماعة من مشايخنا بالعراق قالوا: شاهدنا أبا المظفر بن أردشير العبادي الواعظ وقد جلس بالتاجية - مدرسة بباب أبرز محلّة
منصور ببغداد - وكان بعد العصر ، وذكر حديث ردّ الشمس لعلیّ علیه السلام ، و طرّزه بعبارته، ونمّقه بألفاظه، ثم ذكر فضائل أهل البيت علیهم السلام ، فنشأت سحابة غطّت الشمس، حتى ظنّ الناس أنّها غابت ، فقام أبو منصور على المنبر ،قائماً، و أومأ إلى الشمس و أنشد:
لا تغربي يا شمس حتى ينتهي *** مدحي لآل المصطفى ولنجله
واثني عنانك إن أردت ثناءهم *** أنسيت أن كان الوقوف لأجله
إن كان للمولى وقوفك فليكن *** هذا الوقوف لخيله ولرجله
:قالوا فانجاب السحاب عن الشمس وطلعت .
وهذا الذي ذكره سبط ابن الجوزي ذكره أيضاً غيره وبعضهم بعين ألفاظه بتغيير
يسير، فمنهم الذهبي: 849 في سير أعلام النبلاء (1)في ترجمة أبي منصور المظفر بن أدرشير، فقد ذكر الخبر بعد ما غمز قناة الرجل بما ينافي وصفه بالوعظ وذكره في كتابه (2)أيضاً و ذكر عنه ما يجرحه نقلاً عن السمعاني وغيره، وذكر خبر وعظه بالتاجية وشعره، فقال: فأومأ إلى الشمس وارتجل لا تغربي يا شمس ....
ومنهم عبد الرحيم بن عبد الرحمن العباسي في كتابه معاهد التنصيص(3).
ومنهم ابن حجر الهيتمي المكي (ت 974) في كتابه الصواعق المحرقة(4)نقلاً عن سبط
ابن الجوزي، وسمى الشاعر بالقباوي و هو غلط و الصحيح العبادي.
ومنهم القندوزي الحنفي المتوفى سنة 1294 في كتابه (1)، فذكر ذلك الخبر عن سبط ابن
الجوزي في التذكرة .
ومنهم البدخشي - من القرن الثاني عشر - في كتابه مفتاح النجا نقلاً عن سبط ابن
الجوزي .
ومنهم الشهاب الخفاجي في نسيم الرياض(2).
ومنهم السمهودي في آخر كتابه جواهر العقدين(3).
ومنهم محمد بيّومي مهران في كتابه الإمامة وأهل البيت(4).
وغيرهم، وليس في ذلك أيّ بأس في أن ينقل جماعة من أعلام المؤلفين ذلك الخبر
بعينه نقلاً عن سبط ابن الجوزي، ولكن الذي يثير الإهتمام، و ينصب علامة الاستفهام، هو أنّ الحافظ الكنجي الشافعي المتوفى سنة 658 في كتابه كفاية الطالب(5)ذكر الخبر فقال : (أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود المعروف بابن النجار، أخبرنا أبو محمد عبد العزيز بن الأخضر قال: سمعت القاضي محمد بن عمر بن يوسف الأرموي يقول: جلس أبو منصور المظفر بن أردشير القباوي الواعظ بمدرسة التاجية بباب أبرز ببغداد بعد صلاة العصر، وذكر حديث ردّ الشمس وشرع في فضائل أهل البيت، فنشأت سحابة غطّت
الشمس حتى ظن الناس أنّها قد غابت فقام أبو منصور على المنبر قائماً و أومى إلى الشمس وارتجل:
لا تغربي يا شمس حتى ينتهي *** مدحي لآل المصطفى ولنجله
واثني عنانك إن اردت ثناءهم *** أنسيت اذ كان الوقوف لأجله
إن كان للمولى وقوفك فليكن *** هذا الوقوف لخيله ولرجله
:قال فطلعت الشمس، فلا يدري ما رمى عليه من الأموال في ذلك اليوم؟
وهذا الذي حكاه برواية شيخه ابن النجار، يتفاوت عمّا ذكره ابن النجار نفسه في ذيل
تاریخ بغداد (1)حيث قال ابن النجار:
ذكر لي ولده أبو عبد الله الحسين أنّه دخل بغداد حاجاً عدّة مرّات، وأنّه أقام ببغداد سنة، وعقد بها مجلس الوعظ بالمدرسة التاجية، أنشدني أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله بن هبة الله باصبهان، أنشد والدي ببغداد على المنبر في المدرسة التاجية مرتجلاً لنفسه، وقد دنت الشمس للغروب، و كان ساعتئذٍ قد شرع في ذكر مناقب علي بن أبي طالب رضی الله عنه:
لا تعجلي يا شمس حتى ينتهي *** فضلاً لمدح المرتضى ولنجله
يثني عنانك إن غربت ثناؤه *** أنسيت يومك إذ رُددتِ لأجله
إن كان للمولى وقوفك فليكن *** هذا الوقوف لخيله ولرجله
وعنه رواه القرشي ت سنة 775 في الجواهر المضيئة(2).
ولدى المقارنة بين الروايتين نجدهما يتشابهان سبباً ومكاناً وشعراً، ويختلفان رموزاً،
ففي رواية سبط ابن الجوزي ومن تابعه: الخبر للمظفر بن أردشير، كما هو في رواية
الكنجي عن شيخه ابن النجار ، بينما نجد ابن النجار يروي الخبر عن الحسين بن عبيد الله بن هبة الله أنّ ذلك كان مع أبيه القزويني، فأيهما هو صاحب الخبر والشعر على الصحيح ؟ وهل أنّ الواقعة تكرّرت مع كل منهما ؟ وهل أن الشعر كان لكل منهما بناءاً على توارد الخاطر، إذ ورد في الروايتين أنّ كلّاً من العبادي والقزويني قال مرتجلاً، وزاد ابن القزويني فقال عن أبيه قال مرتجلاً لنفسه ؟
فهذه جملة علامات استفهام تحتاج إلى معرفة الإجابة الصحيحة، فأقول: إنّ السبيل الأمثل في مثل المقام ملاحظة ترجمتي الرجلين العبادي والقزويني، ولمعرفة زمانيهما فيكون الأول هو صاحب الخبر على الصحيح، فلنقرأ ما قيل عنهما .
1 - أبو منصور المظفر بن أردشير العبادي - كما في جلّ المصادر - القباوي - كما في كفاية الطالب وهو غلط لم ينتبه عليه من قبل - وهذا ترجمه ابن الأثير وابن الجوزي وابن كثير في تواريخهم، وقالوا توفى سنة 547 بعسكر مكرم، والذين ذكروا له الخبر هم الذين تقدّم ذكرهم بعد ذكر قول سبط ابن الجوزي .
وأما الثاني فهو أبو الوفاء عبيد الله بن هبة الله القزويني الحنفي الواعظ المتوفى سنة
585 ، وهذا لم ينسب إليه الخبر والشعر إلا ابن النجار في ذيل تاريخ بغداد (1)على أنّ
الكنجي حكى عنه نسبة الخبر إلى المظفر بن أردشير، ونتيجة لهذا الإختلاف فقد ذكرت بعض المصادر الخبر من دون تعيين ذلك الواعظ اسماً كما في نور الأبصار(2)ففيه بعض
الوعاظ، وفي رشفة الصادي لأبي بكر شهاب الدين العلوي(1)، حكى الخبر عن درر الأحداث كذلك.
ومن الغريب العجيب ما ذكره سبط ابن الجوزي في كتابه مرآة الزمان(2)فقد نسب
الخبر والشعر إلى رجل علوي وقال انه ارتجل مع انه في تذكرة الخواص نسبه إلى المظفر بن أردشير، ولما كان هذا العلوي مجهول الهويّة زماناً فلا تهمّنا معرفته كثيراً، وكذلك معرفة المجهولين كبعض الوعاظ، ويبقى الخبر والشعر منسوباً إلى الاثنين المذكورين آنفاً، العبادي والقزويني، ولما كان العبادي أسبق زماناً حيث توفى 547 والقزويني توفي سنة 585 ، فهو صاحب الشعر والخبر .
لقد خصّ غير واحد من الحفّاظ حديث ردّ الشمس على عهد النبي صلی الله علیه و آله و سلم بتأليف خاص، جمع فيه طرقه وصحّحه، وإلى القارئ أسماء بعضهم :
1 - الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله الورّاق له كتاب في طرق من روى ردّ الشمس
وقد سمعه منه الحسين بن عبيد الله الغضائري بقراءة الشيخ ابن جليّن عليه، كما ذكر ذلك الشيخ الطوسي (3)، وذكره الحافظ ابن شهر آشوب(4).
2 - الحافظ أبو عبد الله الحسين بن علي المعروف بجُعل البصري البغدادي الكاغدي المعتزلي الحنفي المتوفى سنة 369 ، له مصنف في جواز ردّ الشمس ردّ فيه على من أنكره،
ذكره في الذريعة(1).
4 - الحافظ أبو الحسن شاذان الفضلي له كتاب (بيان ردّ الشمس على أميرالمؤمنين علیه السلام) ذكر شطراً منه السيوطي في اللئالي المصنوعة(5)وقال: أورد طرقه بأسانيد كثيرة وصحّحه بما لا مزيد عليه، ونازع ابن الجوزي في بعض من طعن فيه من رجاله، كما ذكره الشهاب الخفاجي في شرح الشفا(6)وأثنى عليه و أطراه.
-5 - الحافظ أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي الموصلي المتوفى سنة 377، فقد جمع طرقه في كتاب مفرد باسم (حديث ردّ الشمس) ذكره الحافظ الكنجي في كفاية الطالب، وقال في الباب المائة : وقد شفى الصدور الإمام الحافظ أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي الموصلي المتوفى سنة 377 في جمع طرقه في كتاب مفرد (حديث ردّ الشمس) .
6 - الحافظ ابن مردويه له مؤلّف في ردّ الشمس، ذكره البياضي في كتابه الصراط المستقيم .
7- ضياء الدين الحنفي له حديث (ردّ الشمس) ذكره ابن خلكان في ترجمته(1).
8- الشريف النسابة محمد بن أسعد الجواني المتوفى سنة 588 ، قال ابن حجر (2): (له
جزء في جمع طرق ردّ الشمس لعلي رضی الله عنه، أورد فيه أسانيد مستغربة.
أقول: و ليت ابن حجر ذكر لنا بعض تلك الأسانيد لنرى مدى غرابتها، و لما لم يذكر
شيئاً فأحسن الظنّ به أنّه أعرض عنها روماً للإختصار، ولا يلام من ظن به غير ذلك، ومهما يكن فابن أسعد أسمى من أن يظن به سوءاً، راجع ترجمته لدى معاصرَيه العماد الأصبهاني في خريدة القصر(3)، والقفطي في كتابه (المحمدون من الشعراء)(4). كما ترجمه الصابوني في التكملة(5)و كذلك المنذري في وفيات النقلة(6).
9 - الحافظ الخوارزمي الحنفي أخطب خوارزم المتوفى سنة 568 صاحب كتاب المناقب و مقتل الحسين علیه السلام له كتاب(ردّ الشمس لأمير المؤمنين علیه السلام ) ذكره له معاصره الحافظ ابن شهر آشوب في المناقب، وابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة(7).
10 - الحافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف الغيطي الدمشقي الصالحي المتوفى سنة 642 له جزء باسم (مزيل اللبس عن حديث ردّ الشمس) ومنه نسخة في مكتبة الأوقاف المركزية بالموصل في مجموع رقم (95 /20) كما في فهرس المكتبة المذكورة ج 92/2 و هذا
1) ترجمة ابن خلكان 3 : 17 بتحقيق الدكتور احسان عباس
2) لسان الميزان ج 5 : 76 .
3) خريدة القصر قسم مصر 1 : 117 .
4) المحمدون من الشعراء : 206، برقم 6
5) التكملة 1: 100 ، برقم 116 .
6) وفيات النقلة 1 : 177 ، برقم 180 .
7) الصواعق المحرقة 136 ط سنة 1375 ، والصبان في إسعاف الراغبين: 161 بهامش نور الأبصار.
هو الرسالة الثالثة من المجموع أوله:( الحمد لله الذي أيّد رسوله محمداً بالآيات الباهرات والمعجزات العظام...) نسخها موسى بن عبد القادر السنبلاديني الأزهري سنة/ 908، وقد طبع مؤخّراً ضمن كتاب المرحوم العلامة الشيخ المحمودي كشف الرمس
11 - الحافظ السيوطي المتوفى سنة 991 له رسالة سماها (كشف اللبس عن حديث ردّ الشمس) وقد طبعه المرحوم الشيخ المحمودي في كتابه الآنف الذكر، كما أنّ السيوطي أدرجه في كتابه اللئالي المصنوعة .
12 - الشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني المتوفى سنة 1350 في كتابه (جواهر
البحار في فضائل النبي المختار) (1):
بعد ذكره للحديث في مختصره من السيرة الشامية: وقد عثرت على أشياء تتعلق
بالحديث، لم يتعرض لها الشيخ - يعني به السيوطي - في واحد من الكتابين - يعني بهما مختصر كتاب الموضوعات وكتاب النكت البديعات - ومن ذلك غالب ما هنا، وقد جمعتها مع ما ذكره الشيخ في جزء سميته (مزيل اللبس والخفا عن حديث ردّ الشمس لسيدنا المصطفى) فليراجعه من أراده.
المسألة السابعة: فی مصادر حدیث ردّ الشمس فی التراث الاسلامی السنی:(2)
قال صديقنا المرحوم المحقق الطباطبائي: هو أنّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم كان يوحى إليه، وكان رأسه في حجر علیّ علیه السلام حتى غابت الشمس، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه، وقال: (صلّيت العصر يا
1) جواهر البحار في فضائل النبي المختار 424:4 ، ط محمود نصار بمصر.
2) لقد بحث الموضوع صديقنا المرحوم العزيز العلامة السيد عبد العزيز الطباطبائي الله ، وقد نشره في كتابه قبسات من فضائل أمير المؤمنين علیه السلام ) فآثرت إعادة نشره هنا رعاية لصداقته وإحياء لذكره مع إضافات ما عندي إليه، جاعلاً له بين قوسين .
علي؟ قال: لا، فقال صلی الله علیه و آله و سلم : ( اللهمّ كان في طاعتك و طاعة نبيك فاردد عليه الشمس) .
قالت أسماء: فرأيتها غربت، ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت . و كان هذا بالصهباء من
أرض خيبر من غزاة خيبر .
أخرجه جمع من الحفّاظ والمحدّثين بأسانيد متعدّدة، و طرقه كثيرة، وفيها طرق
صحيحة ثابتة، نصّ على ذلك غير واحد منهم، و هي تنتهي إلى علي و الحسين علیهما السلام ، وابن عبّاس، و جابر، و أبي هريرة، و أبي رافع، و أبي سعيد الخدري، و أسماء بنت عميس .
أخرجه الحفّاظ عن هؤلاء بطرقهم فمنهم:
1- الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة العبسي الكوفي، المتوفى سنة 235
2-الحافظ عثمان بن أبي شيبة العبسي الكوفي، المتوفى سنة 239
أخرجه عنهما الحافظ الطبراني في المعجم الكبير في مسند أسماء بنت عميس(1).
3- الحافظ ابن أبي عاصم المتوفى سنة 287 ذكر الحديث في كتابه السنة (2).
4 - أحمد بن صالح المصري، المتوفى سنة 248 ، شيخ البخاري في صحيحه، وأبو
،داود، وهذه الطبقة، قال البخاري: ثقة صدوق .
روى الحديث بطريقين صحيحين و قال : لا ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلّف عن حفظ حديث أسماء، الذي روي لنا عنه صلی الله علیه و آله و سلم لأنّه من أجلّ علامات النبوّة حكاه عنه الطحاوي(3).
5 - الحافظ أبو بشر الدولابي، المتوفى سنة 310 ، في كتاب الذرية الطاهرة الورقة 28ب من نسخة مكتبة كوبرلي .
6- الحافظ أبو جعفر الطحاوي الحنفي ، المتوفى سنة 321 ، في مشكل الآثار(1)( وكلامه في الموضع الثاني غير تامّ بزعم عدم تمام النسخة كما ذكره المعلّق في الهامش ، وقد مرّت الإشارة إلى هذا فيما تقدّم عند ذكر الطحاوي في المصححين لحديث ردّ الشمس فراجع).
7 - الحافظ الطبراني ، المتوفى سنة 360 ، في معجم الكبير في مسند أسماء بنت
عميس(2)بطريقين . وقد ذكر محقق الكتاب حمدي عبد المجيد السلفي كلاماً في تفنيد صحة الحديث تبعاً لما قاله شيخ إسلامه ابن تيمية وتلميذه ابن كثير، و جلّه تهويش وتلبيس ، من أثر النُصب و وحي إبليس ، و حسبنا في ردّه ما قاله الشيخ محمد زاهد الكوثري ت 1371- الذي كان وكيل المشيخة الإسلامية في الخلافة العثمانية وأستاذ العلوم القرآنية في معهد التخصص في التفسير والحديث، وأستاذ الفقه وتاريخه في القسم الشرعي من الجامعة العثمانية ، واستاذ العربية في دار الشفقة الإسلامية - فقد قال في كتاب مقالاته ص 470 في جملة كلامه عن الإمام الطحاوي:
(وما ذكره ابن تيمية في حقه عند توهين حديث أسماء إنّما هو مجازفة من مجازفاته،
وليس أدلّ على ذلك من الإطلاع على كتبه ، وما كتبه كثير من الحفاظ في حديث اسماء(3): برغم أنف ابن تيمية الذي ألّف في أغلاطه في الرجال خاصة أبو بكر الصامت الحنبلي
1) مشكل الآثار 2: 8 و 4 : 388
2) مسند أسماء بنت عميس 24 : 117.
3) هو حديث ردّ الشمس لعليّ كرّم الله وجهه، وقد جمع أهل العلم بالحديث طرق هذا الحديث وحكموا عليه بالصحة منهم : أبو القاسم العامري، والحاكم النيسابوري، والسيوطي، ومحمد بن يوسف الصالحي، وصححه القاضي عياض، والاعتراف بصحة هذا الحديث ينا في انحراف ابن تيمية عن عليه، وتبدو على كلامه آثار بغضه إياه في كل خطوة من خطوات تحدثه عنه عن هامش المصدر . (الحاوي: 26)
جزءاً، و حقٌّ لمثله أن يقبع ولا يتكلّم في مثل ذلك.
ولا كلام في صحة الحديث من حيث الصناعة، لكن حكمه حكم أخبار الآحاد
الصحيحة في المطالب العلمية ، ومعرفة الطحاوي بالعلل لا يتجاهلها إلا من اعتل بعلل لا دواء لها ، نسأل الله السلامة) .
8- الحافظ أبو حفص ( عمر ) بن شاهين ، المتوفى سنة 385 (كما في وسيلة النجاة
لمحمد مبين صاحب الحنفي(1))
9- الحاكم النيسابوري ، المتوفى سنة 405 ، في تاريخ نيسابور .
10 - الحافظ ابن مردويه الاصفهاني ، المتوفى سنة 416 ( في مناقبه(2)) .
11 - أبو إسحاق الثعلبي ، المتوفى سنة 427 ، في قصص الأنبياء: 340 .
12 - أبو الحسن الماوردي ، أقضى القضاة ، المتوفى سنة 450 ، في أعلام النبوة(3).
13 - الحافظ البيهقي ، المتوفى سنة 458 ، في دلائل النبوة .
14 - الخطيب البغدادي ، المتوفى سنة 463 ، في تلخيص المتشابه في الرسم(4).
15-(القاضي أبو الوليد الباجي المالكي المتوفى سنة 474 في كتابه مختصر مشكل الآثار للطحاوي) .
16 - الفقيه ابن المغازلي ، المعروف بابن الجلابي المالكي، المتوفى سنة 483 ، في كتاب
مناقب أمير المؤمنين علیه السلام(1).
17 - الحافظ ابن مندة الاصفهاني ، المتوفى سنة 512 ، نقله عنه السيوطي .
18 - القاضي عياض المالكي ، المتوفى سنة 544 ، في كتاب الشفاء(2)
19 - الخطيب الخوارزمي الحنفي المتوفى سنة 568 ، في كتاب مناقب أمير المؤمنين علیه السلام(3)
20 - الحافظ ابن عساكر الدمشقي، المتوفى سنة 571 ، في تاريخ دمشق (4)بثلاثة طرق.
21 - أبو الخير الطالقاني أحمد بن إسماعيل القزويني ، المتوفى سنة 590 ، في كتاب الأربعين المنتقى (5)المنشور في (تراثنا) العدد الأول .
(0)
22 - الفخر الرازي ، المتوفى سنة 606 في تفسيره (6)قال : وأما سليمان فإن الله تعالى ردّ له الشمس مرّة ، وفعل ذلك أيضاً للرسول حين نام ورأسه في حجر علي فانتبه وقد غربت الشمس ، فردّها حتى صلّى ، وردّها مرّة أخرى لعلي فصلّى العصرلوقتها(7)التزام عبد الرحمن محمد بميدان الجامع الأزهربمصر .
23 - الرافعي القزويني ، المتوفى سنة 623 ، في كتاب التدوين في ذكر أهل العلم
بقزوين(8).
1) مناقب أمير المؤمنين علیه السلام : 96 و 140 .
2) الشفاء : 240 .
3) مناقب أمير المؤمنين علیه السلام :330 و 349 ط حجرية.
4) تاريخ دمشق في ترجمة علیّ علیه السلام 2: 283 .
5) كتاب الأربعين المنتقى الباب 18 .
6) تفسير الفخر الرازي 32: 126
7) تفسير الفخر الرازي 32: 126 ط 1
8) التدوين في ذكر أهل العلم بقزوین 2: 236، ط حیدرآباد.
24 - الحافظ ابن النجار البغدادي ، المتوفى سنة 642 ، في ذيل تاريخ بغداد(1).
25 - أبو المظفر يوسف بن قزغلي ، سبط ابن الجوزي ، المتوفى سنة 654 ، في تذكرة خواص الأمة(2).
26 - الحافظ الكنجي الشافعي ، المتوفى سنة 658 ، في كفاية الطالب(3).
27 - القرطبي ، المتوفّى سنة 671 ، في التذكرة(4).
28 - المحبّ الطبري ، المتوفى سنة 694 ، في الرياض النضرة (5).
29 - صدر الدين الحموئي الجويني، المتوفى سنة 722 ، في فرائد السمطين(6).
30- شهاب الدين النويري ، المتوفى سنة 732 ، في نهاية الإرب(7).
(31- الحافظ الذهبي المتوفى سنة 748 في ميزان الاعتدال(8)) .
(32- ابن كثير المتوفى سنة 774 في البداية و النهاية(9)).
(33 - القاضي أبو المحاسن يوسف بن موسى الجمال الملطي الحنفي المتوفى سنة 803 في كتابه المعتصر من المختصر من مشكل الآثار)
34 - نور الدين الهيثمي ، المتوفى سنة 807 ، في مجمع الزوائد(1).
35- الحافظ أبو زرعة العراقي ، المتوفى سنة 826 ، في طرح التثريب .
36- الحافظ ابن حجر العسقلاني ، المتوفى سنة 852 ، في فتح الباري(2).
37 - الحافظ العيني الحنفي المتوفى سنة 855 ، في عمدة القاري في شرح صحیح
البخاري(3).
(38 - الباعوني (ت 871) في جواهر المطالب ط قم 1415 ) .
39- شمس الدين السخاوي الحنفي ، المتوفى سنة 902 ، في المقاصد الحسنة(4)
40 - الحافظ السيوطي ، المتوفى سنة 911 ، في الخصائص الكبرى(5).
41 - نور الدين السمهودي الشافعي ، المتوفى سنة 911 ، في وفاء الوفا(6).
42 - الحافظ القسطلاني، المتوفى سنة 923 ، في المواهب اللدنيّة(7).
43 - شمس الدين الدمشقي ، المتوفى سنة 942 ، في سبل الهدى والرشاد في هدي
خير العباد، المعروف بالسيرة الشامية ، المطبوع في القاهرة
44 - الحافظ ابن الديبع الشيباني ، المتوفى سنة 944 ، في تمييز الطيب من الخبيث(8)
45 - عبد الرحيم العباسي ، المتوفى سنة 963 ، في معاهد التنصيص(1).
46 - ابن حجر الهيتمي ، المتوفى سنة 974 ، في الصواعق المحرقة(2).
47 - المتقي الهندي ، المتوفى سنة 975 ، في كنز العمال(3).
48 - المولى علي القاري الحنفي ، المتوفى سنة 1014 ، في كتاب المرقاة في شرح
المشكاة (4).
49 - نور الدين الحلبي الشافعي، المتوفى سنة 1044 في السيرة النبوية(5).
50 - الشهاب الخفاجي الحنفي ، المتوفى سنة 1069 ، في كتابه نسيم الرياض في شرح الشفا(6).
(51 - المحدّث محمد بن محمد بن سليمان الروداني المغربي ت 1094 في كتابه جمع الفوائد)(7).
52 - الزرقاني المالكي، المتوفى سنة 1122 ، في شرح المواهب اللدنية(8).
53( -الشيخ سليمان القندوزي الحنفي ت 1294 ذكر الحديث في الباب / 47 في ردّ الشمس ص 162 ط الحيدرية بتقديمي)
1) معاهد التنصيص 2: 190 .
2) الصواعق المحرقة : 76 ، وفي شرح همزية البوصيري: 121 .
3) كنز العمال :12 : 349 رقم 35353
4) المرقاة في شرح المشكاة 4 : 287 ، وفي شرح الشفا 3 : 12 .
5) السيرة النبوية 1 395 ، ط البهية بمصر سنة 1320ه--.
6) شرح الشفا 11:3 .
7) شرح الشفا 3 : 211 / 313 ، باب معجزات متنوعة له صلی الله علیه و آله و سلم ط في المكتبة الجامعة مكة المكرمة
8) شرح المواهب اللدنية 5: 113 .
54 - (العلامة أحمد بن زيني دحلان المكي الشافعي المتوفى سنة 1304 ذكر الحديث
في السيرة النبوية المطبوعة على هامش السيرة الحلبية)(1).
إلى غير هؤلاء ممّن ذكروا الحديث، ولم نذكرهم اكتفاءً بمن ذكرناهم وقد نيّفوا على
الخمسين، أكثر من عدد القسامة في اللوث لبراءة الذمم ، لكن ابن حنبل يقول لا أصل له، وتبعه ابن الجوزي فذكره في الموضوعات، وما ذلك إلا لأنّ الحديث فيه فضيلة للإمام أمير المؤمنين علیه السلام . ولو كانت
لغيره لطبّلوا لها و زمّروا .
آية شقّ القمر وآية ردّ الشمس في المرتين .
قد يخطر ببال القارئ سؤال لماذا ضمّت هذه المسألة أهازيج مختلفة المقاصد زماناً ومكاناً فيستغرب ذلك ، بينما كان الأولى أن تذكر مصنّفة حسب أغراض قائليها في الزمان والمكان ؟ و هو سؤال وجيه لو كانت تلك الأشعار التي ذكرت تلك الآيات من المعاجز والكرامات ، مقتصرة على ذكر كل منها لوحدها في بيت شعر أو أبيات ، وحينئذٍ أمكن تفريقها حسب المكان المناسب لكل واحدة منها.
ولكن الشعراء تفاوتت أشعارهم ، فمنهم من ذكر آية شقّ القمر في بيت وآية ردّ الشمس في المرة الأولى بالصهباء من أرض خيبر في بيت آخر من نفس القصيدة أو في غيرها ، ومنهم من جمع بينهما في بيت واحد ، ومنهم من لم يذكرهما معاً و إنّما ذكر آية ردّ الشمس ببابل في المرة الثانية، ، فرأيت الجمع بينها جميعاً في مكان واحد خيراً من التفريق ،
1) السيرة الحلبية 3: 126 ، ط محمد مصطفى سنة 1320 بمصر.
تجنّباً عن التكرار لبعض الأشعار كلاً في مكانها عند ذكر الآية، لأنّها كلها إنّما هزج أصحابها
بمديح النبي صلی الله علیه و آله و سلم وابن عمه الوصي علیه السلام ، وهما نور واحد(1)وقد قال صلی الله علیه و آله و سلم(علي منّي وأنا من علي) (2)وقبل ذلك كله آية المباهلة التي جعلت من علیّ علیه السلام نفس رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فقال تعالى:
فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللَّهَ عَلَى الْكَاذِبِينَ. ورحم الله الشاعر العلوي الحِمّاني حيث يقول:
بين الوصي وبين المصطفى نسبٌ *** تختال فيه المعالي والمحاميد
كانا كشمس نهار في البروج كما *** أدارها ثم إحكام و تجويد
كسيرها انتقلا من طاهرٍ عَلَم *** إلى مطهرة آباؤها صيد
تفرّقا عند عبد الله واقترنا *** بعد النبوة توفيق وتسديد
وذرّ ذو العرش ذراً طاب بينهما *** فانبثّ نور له في الأرض تخليد
فلا غرابة إذن لو جمعت المدائح كلها هنا ، إذ اخترت لها مكاناً وسطاً بين أحاديث الآيتين ، وليس في الوسطية ما يعاب إذ هي الإعتدال بين السابق واللاحق ، يفيء إليها المتقدّم السابق و يلحق بها المتأخّر اللاحق، وقد اقتبست من المديح المناسب البيت الواحد أو أكثر ممّا يناسب شعره وذكره من الشاهد مع اسم الشاعر، ومصدر الشعر، وضممت جميع ذلك في طاقة واحدة كباقة أزهار، في كل ورد رائحة يعبق شذاها،
ويستاف أريجها من فحواها (1)
و لما كانت تلك المدايح كثيرة تعسر الإحاطة بجميعها ، و أنّى لمثلي مع قلّة البضاعة و دنوّ الساعة ، أن يحيط بها جميعاً خُبرا ، وأصحابها فيهم الشيعي الأثنا عشري وغيره إلى جانب السني، كما تجد فيهم من السنة الشافعي والمالكي والحنفي والحنبلي ، فجميعهم
تغنّوا بالسحر الحلال، إذ بهرتهم روعة الجلال والجمال ، فجزاهم الكمال بالحسنى وقبول الأعمال ، على قدر نياتهم إذ لكل امرئ منهم ما نوى، جعلنا الله سبحانه ممّن سعى فأحسن سعيه بالحسنى .
فهذا مبلغ جهدي ، ويبقى الباب مفتوحاً لمن أتى بعدي ، فأكمل الشوط ، وله الفضل والفخر ، كما له الذكر والأجر ، فإنّي أرى في متابعة هذا الموضوع متعة الباحث ، ودلالة للقارئ على رحاب تلك العظمة في تاريخ المسلمين.
وقد رتبت تلك الشوارد من الشواهد على حسب الحروف الهج--ائية في ترتيب القوافي، وهو
نهج-- يسهل المراجعة على الباحث والقارئ ، وهو بالغرض شاف كاف، والحمد لله أولاً وآخراً .
1 – قال الوزير أبو عبد الله بن زمرك الغرناطي تلميذ لسان الدين بن الخطيب قصيدة
في مولد النبي صلى الله عليه وسلم عام 767 جاء فيها(2):
ذو المعجزات الغرّ و الآي الألى *** أكبرن عن عدٍّ و عن إحصاء
وكفاك ردّ الشمس بعد مغيبها *** وكفاك ما قد جاء في الإسراء
والبدر شُقَّ له وكم من آية *** كأناملٍ جادت بنبع الماء
2 - وقال شيخ الإسلام الحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني المتوفى سنة
872 من قصيدة له في مدح النبي صلى الله عليه وسلم(1):
واخدمه العيون فعين ماء *** جرت من كفّه للإرتواء
وعين المال جاد بها سخاء *** فليس يخاف فقراً من عطاء
وعين الشمس رُدّت بعد سحب *** لذي الحسنين منه بالدعاء(2)
وعين قتادة سالت فرُدّت *** ومُدّت من يديه بالضياء
وعين القلب ما لبست هج--ورا *** فما عنها لشيء من غطاء
وعين الفكر منه أسدَّ رأيا *** نعم وأشد مرأى في المرائي
وأعمى عين حاسده فكادت *** من الرميّ المصوِّب كالهباء
-3- وقال الشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني رئيس محكمة الحقوق في بيروت في
إحدى معشراته السابقات الجياد في مدح سيد العباد صلى الله عليه وسلم (3)في انشقاق القمر بدعائه صلى الله عليه وسلم .
كلّفوه بشقّه القمر الزا *** هر ليلاً تكليف ما لا يشاء
فدعا فاستبان شقين في الحا *** ل وبين الشقّين حراء
فاسترابوا بأنه السحر حتى *** جاء من كل واردٍ أنباء
أخبروهم بصدقه فاستمرّوا *** والعمى لا تفيده الأضواء
وقال أيضاً في تلك القصيدة(1):
ودعا الله أن تعود له الشم *** ---س فعادت كما روت أسماء
وقال ابن حماد كما في المناقب لابن شهر آشوب(2):
فردّ حين أظلمت *** شمسَ الضحى وسلّمت
عليه إذ تكلّمت *** بكل ما يجلو الغشا
4 - وقال السيد حسين الأمير رشيد الرضوي المتوفى بعد سنة 1156 كما في الغدير 392/1:
يا أبا القاسم المؤمّل يامن *** خضعت لاقتداره العظماء
قاب قوسين قد رقيت علاه *** (کیف ترقى رقيّك الأنبياء)
ولك البدر شقّ نصفين جهرا *** (يا سماء ما طاولتها سماء)
ودعوت الشمس المنيرة قد رُدّت *** لعليّ تمدّها الأضواء
5- وقال الإمام جمال الدين يحيى الصرصري رحمه الله تعالى(3)من قصيدة طويلة في
مدحه صلی الله علیه و آله و سلم جاء فيها:
والقمر المنشق شقاً ظاهراً *** وحسبك المعراج فضلاً و كفى
6- وقال الإمام عبد الرحمن المكودي شارح الألفية المتوفى سنة 801 في مقصورته في
مدح النبي صلی الله علیه و آله و سلم(1):
و في انشقاق البدر أيّ آية *** بانت وما كانت حديثاً يفترى
7- وقال العلامة شهاب الدين أحمد الخفاجي المصري المتوفى سنة 1069 رحمه الله تعالی(2):
تكلّف البدر لأن يشبهه *** فانشق من غرامه لما بدا
8- وقال أمين الدين المحبي الدمشقي صاحب خلاصة الأثر المتوفى سنة 1111ه--(3):
شُقّ له البدر المنير جهرةً *** وسبّحت في كفّه خُرس الحصى
9- وقال حازم القرطاجي في مقصورته كما في نسمة السحر(4):
وكم رأت عيني نقيض مارأت *** من اطلاع نورها تحت الدجى
فيا لها من آية مبصرة *** أبصرها طرف الرقيب فامتری
فاغتررته شبهة فضل عن *** تحقيق ما أبصره فما اهتدى
فظنّ أنّ الشمس قد عادت له *** فانجاب جنح الليل عنها و انجلى
والشمس ما رُدّت لغير يوشع *** لما غزا و لعليّ إذ غفا
10 - قال الشيخ عبدالرضا المقري الكاظمي المتوفى حدود سنة 1120 كما في الغدير
جاد بالقرص و صلّى العصر إذ *** ردّه لما له غشّى العشا
1 - قال السيد الحميري المتوفى سنة 173 كما في مناقب ابن شهر آشوب(1):
رُدّت عليه الشمس لما فاته *** وقت الصلاة وقد دنت للمغرب
حتى تبلّج نورها في وقتها *** للعصر ثم هوت هويّ الكوكب
وعليه قد حُبست ببابل مرّة *** أخرى وما حُبست لخلق مُغرب
إلا ليوشع أوله من بعده *** ولردّها تأويل أمر معجب
وقال أيضاً:
عليّ عليه رُدّت الشمس مرّة *** بطيبة يوم الوحي بعد مغيب
ورُدّت له أخرى ببابل بعدما *** أفلت و تدلّت عينها لغروب
2 - وقال أبو محمد سفيان بن مصعب العبدي الكوفي من معاصري الحميري في
قصيدته الغديرية العصماء(2):
لك المناقب يعيا الحاسبون بها *** عدّاً و يعجز عنها كل مكتتب
کرجعة الشمس إذ رمت الصلاة وقد *** راحت توارى عن الأبصار بالحجب
رُدّت عليك كأنّ الشهب ما اتضحت *** لناظر و كأنّ الشمس لم تغب
قال الشاعر العلوي الحماني الكوفي المتوفى سنة 301 كما في مجموعة شعره جمع الفقير:
أين الذي رُدّت عليه الشمس في يوم الحجاب؟
وأين القسيم النار في يوم المواقف و الحساب؟
مولاهم يوم الغدير برغم مرتاب و آبي
4 - وقال الصاحب اسماعيل بن عبّاد المتوفى سنة 385 كما في ديوانه :
لا تقبل التوبة من تائب *** إلا بحب ابن أبي طالب
أخي رسول الله بل صهره *** و الصهر لا يُعدل بالصاحب
یا قوم مَن مثل علي وقد *** رُدّت عليه الشمس من غائب (1)
وقال الصاحب أيضاً يمدح الإمام علیه السلام كما في ديوانه :
كان النبي مدينة العلم التي *** حوت الكمال وكنت أفضل باب
رُدّت عليك الشمس وهي فضيلة *** بهرت فلم تُستَر بألف نقاب
لم أحك إلا ما روته نواصب *** عادتك فهي مباحة الاسلاب
5- وقال العوني مناقب ابن شهر آشوب(2):
ذاك الذي رجعت شمس النهار له *** بعد الأفول كأنّ الشمس لم تغب
6 - وقال الإمام البوصيري رحمه الله تعالى من قصيدة له في مدح النبي صلی الله علیه و آله و سلم(3).
ودان البدر منشقاً إليه *** وأفصح ناطقاً عير و ذيب
7- وقال العالم المحقق الشاعر المفلق الشيخ عمر أفندي الانسي البيروتي المتوفى سنة
1293 في قصيدته في مدح النبي صلی الله علیه و آله و سلم(1):
نبي هدى بالمعجزات لقد أتى *** وأعجب أرباب العقول فأعجبوا
أراها انشقاق البدر نصفين واحدٌ *** إلى الشرق ميّال و ثان مغرّب
8- وقال الشهاب محمود الحلبي المتوفى سنة 725 من قصيدة له في مدح النبي صلی الله علیه و آله و سلم(2)
وكم رأوا من معجزات منه أيسرها *** كاف لهم في الهدى شاف من الريب
ألم يكن في انشقاق البدر معجزةٌ *** عن غيّهم و عناد الحق بالكذب
9 - وقال شيخ الإسلام الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن حجر العسقلاني
من قصيدة في مدح النبي صلی الله علیه و آله و سلم(3):
وانشق بدرالتمّ معجزةً له *** وبه أتاه النصر قبل معيب
وقال:
والعين أوردها وجاد بها كما *** قد ردّها كالشمس بعد غروب
10- وقال شمس الدين النواجي في سنة 849 من قصيدة في مدح النبي صلی الله علیه و آله و سلم(4):
وشق له المنير البدر حتى *** بدا نصفين في شرق و غرب
11 - وقال سيدي محمد البكري الكبير المتوفى سنة 992 من قصيدة في مدح النبی صلی الله علیه و آله و سلم(1):
ألست الذي قد شُقّ بدر السما له *** و وافاه قرص الشمس بعد غروبه
1- قال ابن علوان الشيباني الحلي الفقيه المقرئ الأديب المتوفى سنة 706 في قصيدته
الغديرية(2):
وفي غد عند شدة العطش الأكبر يسقي عطاشى أمته
كأساً رویاً من حوض كوثره *** يشفى الصدى من زلال نطقته
بكف هارونه و آصفه *** يوشعه في قيام حجته
إلى أن قال:
و مُطلع الشمس بعد ما غربت *** صلّى أداءً ماضي فريضته
2 - قال جمال الدين يحيى الصرصري من قصيدة ذكر فيها منازل الحج من بغداد إلى
أن قال(3):
وانشقاق الهلال ثم رقيّ *** السبع من معجزاته الباهراتِ
3- وقال الإمام تقي الدين علي السبكي المتوفى سنة 756 من قصيدة طويلة في
مدحه صلی الله علیه و آله و سلم(1)
وبدر الدياجي انشق نصفين عندما *** أرادت قريش منك إظهار آية
إلى أن قال(2):
وشمس الضحى طاعتك وقت مغيبها *** فما غَرُبت بل وافقتك بوقفة
وقال أيضاً(3):
و رُدّت عليك الشمس بعد مغيبها *** كما أنها قدما ليوشع رُدّت
4 - وقال شمس الدين النواجي رحمه الله توفي سنة 832 في قصيدته التائية(4):
و لاح فشق البدر طوعاً لأجله *** و بانت له في الأفق أعظم آية
1 - وقال شمس الدين أبو عبد الله محمد بن جابر الأندلسي الضرير رحمه الله(5):
والشمس بعد غروبها رُدّت له *** والبدر بين يديه شُقّ وأُفرجا
2- و قال ابن الرومي المتوفى سنة 283 كما في مناقب ابن شهر آشوب:
وله عجائب یوم سار بجيشه *** يبغي لقصد النهروان المخرجا
ردّت عليه الشمس بعد غروبها *** بيضاء تلمع وقدةً و تأججا
قال الشريف الرضي المتوفى 406 في ديوانه(1):
من قصيدة له في الافتخار هي:
وأبي الذي حصد الرؤس بسيفه *** في كل يوم تصادم ونطاح
رُدّت عليه الشمس يُحدث ضوءها *** صبحاً على بُعد من الأصباح
1 - قال الملك الصالح طلائع بن رزّيك المتوفى سنة 556ه كما في ديوانه ص 73 جمع
محمد هادي الأميني من قصيدة في مدح الإمام أمير المؤمنين علیه السلام :
مدحه
من رُدّت الشمس من بعد مغيب له *** فأدرك الفضل و الأملاك تشهده
2- قال الإمام تقي الدين المعروف بابن دقيق العيد المتوفى سنة 702 من قصيدة له في مدحه صلی الله علیه و آله و سلم(2)
وأتى بانشقاق بدر الدياجي *** خبرٌ عنه ثابتٌ إسنادُه
-3- وقال الشيخ محمد بن فرج السبتي، وأظنه من أهل القرن السابع كذا قال الشيخ
النبهاني في مجموعته ج 2 / 30 ، وهو يذكر قصيدته في المديح النبوي جاء فيها قوله:
له المعجزات اللّاءِ لُحنَ الطرف مَن *** نهى نومَه سعدٌ و أثبت سُهدَه
فمنها انشقاق البدر ثم نزولُه *** رآه الذي التوفيقُ وافق رَصدَه
و منها حنين الجذع بالمسجد الذي *** بطيبة لما آنس الجذعُ فقدَه
و منها طلوع القرص بعد غروبه *** وما بسوی دعوی دعاها استردَّه
4 - وقال النواجي المتوفى سنة 859 وذلك في سنة 842 من قصائده النبوية التي
سمّاها المطالع الشمسية في المدائح النبوية ، وهي سبع عشرة قصيدة ، كان ينظم واحدة منها في كل عام ويرسلها تنشد بين يدي النبي صلی الله علیه و آله و سلم، ولما حج أنشد كثيراً منها بنفسه أمام حجرته الشريفة عليه الصلاة والسلام، وقد ذكرها النبهاني في مجموعته مفرّقة في حروفها، ومنها ما جاء في قافية الدال في الآيتين شقّ القمر و ردّ الشمس قوله من قصيدة طويلة :
ولكم له من معجزات في الورى *** جلّت عن الإحصاء و التعداد
منها انشقاق البدر لما أن بدا *** و بناك يشهد حاضر و البادي
وعليه في الأفق الغزالة سلّمت *** و لوقتها عادت إلى الصيّاد(1)
5 - وقال علاء الدين الحلي من القرن الثامن من قصيدته الطويلة التي ذكر فيها جملة
من فضائل الإمام أمير المؤمنين علیه السلام فقال في البيتين 94 - 95 كما في الغدير(2):
وعليه قد رُدّت ذكاءُ وأحمدٌ *** من فوق ركبته اليمين موسّد
وعليه ثانية بساحة بابل *** رجعت كذا ورد الحديث المسند
قال السيد الحميري كما في مناقب ابن شهر آشوب(3):
أم من عليه الشمس كرّت بعدما *** غربت وألبسها الظلام شعارا
حتى تلافي العصر في أوقاتها *** والله آثره بها إيثارا
ثمت توارت بالحجاب حثيثة *** جعل الاله لسيرها مقدارا
2 - وقال علي بن أحمد الجرجاني الجوهري المتوفى حدود سنة 380 كما في مناقب ابن
شهر آشوب(1):
من ذا عليه الشمس بعد مغيبها *** رُدّت ببابل نبئن يا حار
وعليه قد ردت ليوم المصطفى *** يوماً وفي هذا جرت أخبار
حاز الفضائل والمناقب كلها *** أنّي تحيط بمدحه الأشعار
-3- وقال الحسين بن الحجاج البغدادي المتوفى سنة 391 كما في مناقب ابن شهر آشوب(2):
سيدي الذي رجعت له *** شمس النهار كما أمر
ودعا فطار به اللسان *** کما روينا في الخبر
4 - وقال السروجي كما في مناقب ابن شهر آشوب(3):
والشمس لم تعدل بيوم بابل *** و لا تعدّت أمره حين أمر
جاءت صلاة العصر والحرب على *** ساق أومى نحوها ردّ النظر
فلم تزل واقفة حتى قضى *** صلاته ثم هوت نحو المقرّ
5- وقال العوني من القرن الرابع (1):
أمامي كلم الشمس بعد غروبها *** فردّت له من بعد ما غربت عصرا
وله أيضاً كما في الغدير(2):
کلیم شمس الله والراجعها *** من بعد ما انجاب ضياها و استتر
6- وقال ابن حماد العبدي من القرن الرابع كما في الغدير (3):
وأبوهم قد رد للشمس بيضا *** وهي كادت لوقتها أن تغورا
قضى فرضه أداءً و عادت *** لغروب و كوّرت تكويرا
7- وقال ابن مكي النيلي كما في الغدير(4)
رُدّت له الشمس بأرض بابل *** والليل قد تجللت أستاره
8- قال الإمام عبد الرحيم البرعي رحمه الله من قصيدة طويلة(5):
وجعلت شق البدر معجزة لمن *** في الحي من بدو رأوه و حضر
9 - وقال الشيخ شمس الدين محمد بن جابر الأندلسي المتوفى سنة 780 مورّيا بأسماء
السورالقرآنية ومنها في الآيتين قوله(6):
في الطورأبصر موسى سؤدَدِه *** والافق قد شقّ إجلالاً له قَمره
الی أن قال(1):
ألم تر الشمس تصديقاً له حبست *** على قريش وجاء الروح إذ أمرَه
10 - وقال العلامة محمد بدر الدين ابن الدماميني الاسكندري المتوفى سنة 828(2).
وأوقف شمس الأفق عن جريها له *** وشق كما قد صحّ من أجله البدرا
11 - وقال شمس الدين النواجي سنة 838(3)
وانشق بدر السما طوعاً وصار له *** مثل القلامة قد قُدّت من الظُّفُر
12 - وقال الشيخ عبد الغني النابلسي في تشطيره قصيدة عمر بن الفارض:
من جاءنا بالمعجزات بواهرا *** منا العقول و حقها أن تبهرا
منها انشقاق البدر شاهده المقيم *** بعينه وبه المسافر أخبرا
13- وقال السيد علي خان المدني المتوفى سنة 1120 صاحب سلافة العصر و أنوار
الربيع و غيرها في قصيدته الغديرية كما في الغدير(4)
والشمس إذ أفلت لمن رجعت *** كيما يقيم فريضة العصر
قال أبو القاسم علي بن اسحاق بن خلف القطّان البغدادي الشهير بالزاهي المتوفى سنة 352 في قصيدته الطائية التي أولها:
يا سادتي يا آل ياسين فقطّ *** عليكم الوحي من الله هبط
إلى أن قال:
مكلّم الشمس ومَن رُدّت له *** ببابل والغرب منها قد قبط
أقول: وقد أشار بقوله (مكلّم الشمس) إلى ما رواه من العامة الحمويني في فرائد
السمطين باب 38 ، والخوارزمي الحنفي في المناقب/ 68 ، والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة / 140 ط استانبول وغيرهم، فقد رووا أن النبي صلی الله علیه و آله و سلم قال لعليّ: يا أبا الحسن كلّم الشمس تكلّمك ، قال علیّ علیه السلام : السلام عليك أيّها العبد الصالح المطيع لله و لرسوله، فقالت الشمس: وعليك السلام يا أمير المؤمنين، وامام المتقين، ، وقائد الغرّ المحجّلين، يا علي أنت وشيعتك في الجنة ، يا علي أول من تنشق عنه الأرض محمد ثم أنت ، و أول من يُحيى محمد ثم أنت ، وأول من يكسى محمد ثم أنت، فسجد علیّ علیه السلام لله تعالى و عيناه تذرفان بالدموع ، فانكبّ عليه النبي فقال: يا أخي وحبيبي إرفع رأسك، فقد باهي الله بك أهل سبع سماوات .
1 - قال السيد الحميري المتوفى سنة 173 كما في ديوانه(1):
فلما قضى وحي النبي دعا له *** ولم يك صلى العصر والشمس تنزع
فردّت عليه الشمس بعد غروبها *** فصار لها في أول الليل مطلع
2- وقال أبو تمام الطائي المتوفى سنة 231 في قصيدته التي يمدح بها أبا سعيد الثغري:
1) ديوان السيد الحميري: 282 تحقيق هادي شكر.
فردت علينا الشمس والليل راغم *** بشمس لها من جانب الخدر تطلع
نضا ضوؤها صبغ الدجنّة فانطوى *** لبهج--تها ثوبُ السماء المرجّع
فوالله ما أدري علي بدا لنا فردّت *** أم كان في الركب يوشع
هكذا رواها ابن كثير في البداية والنهاية (1)وقال : هكذا أورده ابن حزم في كتابه ، و هذا الشعر تظهر عليه الركة والتركيب وأنه مصنوع والله أعلم .
أقول: ولما كان ابن حزم وابن كثير قد مرّ منّا الكلام عنهما مع المنكرين، فلا حاجة إلى
الوقوف عندهما في هذا المقام ، ولكن هلمّ الخطب في أساتذة الثقافة في النهضة الأدبية ممّن تولّوا تحقيق ودراسة وشرح ديوان أبي تمام ، كيف غيّروا وبدّلوا بل و تجاهلوا فأهملوا ، فمن الذين غيّروا و بدلوا الدكتور خلف رشيد نعمان الذي تولى دراسة وتحقيق شرح الصولي لديوان أبي تمام فقال(2):
وقد اشتهر حبس الشمس ليوشع حتى قال أبو تمام في قصيدته يمدح بها أبا سعيد الثغري:
فردت علينا الشمس والليل راغم *** بشمس لها من جانب الخدر تلمع
نضا ضوؤها صبغ الدجنّة فانطوى *** لبهج--تها ثوبُ السماء المجزّع
فو الله ما أدري أأحلام نائم *** ألمت بنا أم كان في الركب يوشع
ومن الذين تجاهلوا فأهملوا الدكتور ملحم إبراهيم الأسود في بدر التمام في شرح ديوان أبي تمام(3). فلم يعلق على الأبيات في شرحه سوى إشارة عابرة بقوله: يوشع هو
يشوع بن نون و قصته مشهورة بتوقيف الشمس.
أما ثالث القوم الذي جاء نافجاً حضنيه فهو محمد عبده عزام الذي تولى تحقيق شرح
ديوان أبي تمام للخطيب التبريزي فلم ينثر كنانته في ج 2 / 320 ط دار المعارف بمصر عند تغير البيت بشرح الخطيب التبريزي بقوله:
فوالله ما أدري أأحلام نائم *** ألمّت بنا أم كان في الركب يوشع
فقال الخطيب التبريزي: هذا المعنى محمول على ما يحكيه أهل الكتاب أنّ الشمس ردّت ليوشع بن نون ، وقد رُوي أنّ الطائي غيّر هذا البيت لما سمع أنّ الشيعة تزعم أنّ علي بن أبي طالب علیه السلام ردّت له الشمس فقال: (فوالله ما أدري علي بدا لنا) يريد (أعليٌ) فحذف همزة الاستفهام .
ويبدو أنّ عزّام رضي بهذا الكلام فلم يعلّق عليه بشيء في هذا المقام ، بينما كان عليه التحقيق في صحة ما قاله الخطيب التبريزي، وقد روي أنّ الطائي غيّر هذا البيت الخ فمن هو الراوي؟ ومتى سمع أبو تمام أن الشيعة تزعم... فغيّر في البيت ، فهل سماعه قبل أن يرسل القصيدة لممدوحه أم بعدُ ، فإن كان قبل ذلك فقد رضي هو بالتغيير، ومهما كانت الدواعي فلا غضاضة عليه في ذلك، وإن كان بعد ما أرسل القصيدة فلا ينفعه ذلك التغيير شيئاً و شعره عند ممدوحه بلا تغيير ، ثم كيف نصدّق الراوي في ذلك وأبو تمام هو أحد رؤساء الإمامية كما عن الجاحظ ، وقصيدته الرائية التي ذكرها المرحوم الشيخ الأميني في الغدير(1)و فيها يذكر الإمام وصيّاً و يذكر مواقفه بأحد و بدر و حنين و النضير و خيبر و الخندق تأبى علينا تصديق الراوي في زعمه ، كيف و هو يقول:
1) الغدير 2: 329، ط 2
مشاهد كان الله كاشف كربها *** و فارقه و الأمر ملتبس إمر
و يوم الغدير استوضح الحق أهله *** بضحياء لا فيها حجاب و لا ستر
أقام رسول الله يدعوهم بها *** ليقربُهم عُرف و ينآهُم نكر
ويحسن للقارئ أن يرجع إلى كتاب الغدير(1)فيقرأ ما كتبه المرحوم الحجة الشيخ الأميني قدس سره عن أبي تمام وما قيل فيه و كتب عنه فجزاه الله خيراً .
3- وقال العوني كما في مناقب ابن شهر آشوب(2)
ولا تنس يوم الشمس إذ رجعت له *** بمنتشر وادي من النور ممتع
فذلك بالصهباء وقد رجعت له *** ببابل أيضاً رجعة المتطوع
-4- و قال ابن حماد كما في مناقب ابن شهر آشوب(3):
قرن الإله ولاءه بولائه *** لمّا تزکّی و هو حان يركع
سماه رب العرش نفس محمد *** يوم البهل و ذاك ما لا يدفع
فالشمس قد رُدّت عليه بخيبر *** و قد ابتدت زهرالكواكب تطلع
و ببابل ردّت عليه ولم يكن *** والله خير من علي يوشع
من كلّمته الشمس لما سلّمت *** جهراً عليه وكل شيء يسمع
يا أولاً يا آخراً يا ظاهراً *** يا باطناً في الحجب سراً مودَع
5- وقال أبو الفضل الإسكافي كما في مناقب ابن شهر آشوب(4):
من ذا له شمس النهار تراجعت *** بعد الأفول وقد تقضّى المطلع
حتى إذا صلّى الصلاة لوقتها *** أفلت ونجم عشا الأخيرة يطلع
في دون ذلك للأنام كفاية *** من فضله و بهم لذي البصيرة مقنع
6- و قال عمارة اليمني يمدح الملك العادل رزيك ابن الملك الصالح طلائع بن رزيك
(من القرن الخامس):
ملوك دعوا لي حرمة صار نبتها *** هشيما رعته النائبات وما رُعي
و ردّت بهم شمس العطايا لوفدهم *** كما قال قوم في علي و توسع
قال الشيخ الأميني رحمه الله : كذا يوجد البيت الأخير في مختار ديوانه المطبوع في ألمانيا/ 288وهو تصحيف غريب مع التشكيل لحروفه، و الصحيح: (كما قال قوم في علي
ويوشع) .
7- وقال جمال الدين ابن نباتة المصري المتوفى سنة 768 كما في ديوانه الكبير(1):
والبدر شُقّ لقربه بتهلل *** والجذع حنّ لبعده بتفجّع
8- وقال شمس الدين النواجي المتوفى سنة 836 (2)
و ردّت عليه الشمس بعد مغيبها *** فعاد سناها و هو في الأفق ساطع
9- وقال النواجي أيضاً من قصيدة نظمها في سنة 839 (3)وفيها :
والبدر شُقّ لأجله و الشمس قد *** رُدّت وكانت منه آية يوشع
10 - وقال الحافظ ابن سيد الناس المتوفى سنة 734 من قصيدة له ذكرها في كتابه بشرى اللبيب:
له وقفت شمس النهار كرامة *** كما وقفت شمس النهارليوشعا
ورُدّت عليه الشمس بعد غروبها *** وهذا من الإيقان أعظم موقعا
1 - قال العوني (المتوفى في القرن الرابع) كما في مناقب ابن شهر آشوب(1):
إني أنا عبد لمن ردّت له *** شمس الضحى عند الغروب فانحرف
ردّت له حتى أقام فريضة *** للعصر صلى و الضيا لم ينكشف
2 - وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله كما في ديوانه(2):
كم بين إيوان كسرى من مناسبةٍ *** وبين بدر السما و الكفر إذ خسفا
هما انشقاقان هذا يوم مولده *** وذا بمبعثه الزاكي هُدىً سلفا
1 - وقال شمس الدين محمد بن جابر الأندلسي المتوفى في البيرة من أعمال حلب سنة
790 ، وذكر أوصاف المدينة المنورة وهي من مشهور قصائده رحمه الله تعالى(3):
وشق على أعدائه أنّ ربّه *** لتعجيزهم بَدر السماء له شقاً
2 - وقال عبد الحليم شلبي الشهير باللوجى الدمشقي (ترجم له معاصره المرادي في سلك الدرر ) من قصيدة ذكرها النبهاني في مجموعته(1):
و علت معجزاته وبدا للبدر *** لمّا أومى إليه بانشقاق
قال ابن جبر المصري من القرن الخامس في قصيدة له مذكورة في الغدير(2):
من معجزات لا يقوم بمثلها *** إلا نبي أو وصي زاكي
كالشمس إذ ردّت عليه ببابلٍ *** لقضاء فرض فائت الإدراك
1 - قال قدامة السعدي كما في مناقب ابن شهر آشوب(3):
ردّ الوصي لنا الشمس التي غربت *** حتى قضينا صلاة العصر في مَهَل
لا أنسه حين يدعوها فتتبعه *** طوعاً بتلبية هاها على عجل
فتلك آيته فينا وحجته *** فهل له في جميع الناس من مثل
حسبی أبو حسن مولى أدين به *** ومن به دان رسل الله في الأول
2 - وقال شاعر آخر: كما في المناقب لابن شهر آشوب(4):
من له آخى النبي المصطفى *** يوم خمّ بالوفا دون الأهالي
وله معجزة مشهورة *** حين ردّ الشمس من بعد الزوال
-3- وقال العوني كما في المناقب لابن شهر آشوب:
أمامي كليم الشمس راجع نورها *** فهل لكليم الشمس في القوم من مِثل
4 - وقال الملك الصالح طلائع بن رزّيك كما في ديوانه / 106 من قصيدة له يمدح فيها الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ومنها قوله:
ومن سوى حيدر رُدّت ذكاء له *** من بعد جنحت مَيلا إلى الطَفَل(1)
5- وقال الصاحب ابن عباد في قصيدته اللامية العصماء التي ضمّنها جملة وافرة من فضائل الإمام علیه السلام :
قالت فمن ذا الذي آخاء عن مقة؟ *** فقلت من حاز ردّ الشمس في الطَفَلِ
6- وقال كشاجم المتوفى سنة 360 كما في مناقب ابن شهر آشوب(2):
و من ردّ خالقنا شمسه *** عليه وقد جنحت للطَفَلِ
ولو لم تعد كان في رأيه *** وفي وجهه من سناها بدل
7- وقال ابن هاني المغربي كما في ديوانه مناقب ابن شهر آشوب(3):
والشمس حاسرة القناع وردّها *** لو تستطيع الأرض التقبيلا
8- وقال ابن حمّاد العبدي (القرن الرابع) كما في الغدير(1):
له الشمس رُدّت حين فاتت صلاته *** وقد فاته الوقت الذي هو أفضل
فصلّى فعادت وهي تهوي كأنها *** إلى المغرب نجمٌ للشياطين مرسل
وقال أيضاً كما في مناقب ابن شهر آشوب(2):
يا إماماً ماله إلا *** رسول الله شكلُ
لم يزل شأنك *** عند الله يعلو ويُجلُّ
وعليك الشمس ردّت *** و دجى الليل مطلّ
9 - قال الإمام يحيى الصرصري المتوفى سنة 656 رحمه الله من قصيدة بارى بها قصيدة كعب بن زهير (البرءة) التي أولها (بانت سعاد)(3):
وجاء بالمعجزات الباهرات فلم *** يردّها في البرايا من له جولُ
فكان في القمر المنشق معجزة *** ما في حقيقتها للعين تخييل
10 - وقال الإمام أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي نزيل مصر المتوفى سنة 684 رحمه الله وسماها (المورد العذب في معارضة قصيدة كعب)(4):
وكم له معجز غير القرآن أتى *** فيه تضافر منقول و معقول
فللرسول انشقاق البدر نشهده *** کما لموسى انفلاق البحر منقول
وعاد بعد أبيات فقال في ص 64:
وفي انشقاق أخيه البدر حين بدا *** فرقين واختلفت فيه التعاليل
فمنهم فئة فاءت برشدهم *** ومنهم فئة عن رشدهم غيلوا
تقول سحرا و ما بالسحر معتبرٌ *** وإنما هو تخييل وتشكيل
وذو الحجا منهم قال اصبروا فمتى *** لم تخبر السفر عنه فهو معلول
فجاء من كل قطر كل ذي سفرٍ *** مخبراً وجحود الحق مرذول
فقيل سِحر أتاه يستمر وما *** يحلّ عانٍ بقيد الكفر مكبول
وجاء في آية ردّ الشمس قوله بعد أبيات كثيرة في ص 67:
والشمس رُدّت عليه بعد ما حُبست *** له وذو الشرك عما رام مخذول
11 - وقال الإمام محي الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي صاحب القاموس المتوفى سنة 817 قصيدة وسماها (زاد المعاد في معارضة بانت سعاد) وشرحها كما في كشف الظنون (1):
والبدرُ شُقّ له نصفين قد شهدت *** له بذلك أخبار و تأويل
وعاد في أواخر قصيدته فقال في ص 142:
من شُقّ بدر الدجى ليلاً لطلعته *** حتى رآه الورى ما فيه تخييل
12 - و قال الشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني في قصيدته التي عارض بها قصيدة كعب المشار إليها آنفاً فقال(2)وقد جمع ذكر الآيتين في بيت واحد هو :
والشمس رُدّت وشق البدر حين دعا *** بدر له بظلا الغيم تظليل
13 - وقال الإمام الرئيس أبو الحسن علي بن الحباب الأنصاري الأندلسي
الغرناطي أحد مشايخ لسان الدين ابن الخطيب المتوفى سنة 749 في قصيدته في المديح النبوي(1):
وبدر السماء انشق طوعاً لأمره *** وقد كلمته الشاة تكليم عاقل
ثم قال بعد عدة أبيات كما في ص 220:
و قد ردّ جرم الشمس بعد أفولها *** بنقل الثقات الحافظين الأفاضل
فقد اشرقت منها بطون تهائم *** بخيبر فضلاً عن رؤوس المجادل
14- وقال الإمام البرعي رحمه الله(2):
وبالبدر منشقا و بالضب ناطقا *** وبالجذع وجداً و السحاب المُظلّل
15 - و قال الشهاب محمود الحلبي المتوفى سنة 725 رحمه الله(3):
ورأى انشقاق البدر كلٌ منهمُ *** فعموا وزادوا بالهدى تضليلا
16 - وقال الشهاب محمود الحلبي (4)
وانشقاق البدر الذي صار في مرآه شطرين ظاهر الإنفصال
17 - و قال أبو عبد الله محمد الشرّاف الأندلسي - كما في زهر الرياض للمقرى
صاحب نفح الطيب-(1):
وكانشقاق البدر مرّ نوره *** أبدى انشقاق وهو تغييرحال
شُقّ هلالين على صفحتي ***ظلماته في كل شق هلال
والشطر منه لاستلام الثرى *** بين يديه بالسلام استمال
بل أخجل البدرلنقصانه *** فانحطّ منشقا لبدرالكمال
هم سألوه آية أعرضوا *** عنها وقد جاءت وفاق السؤال
قالوا و قد مانوا بسحر أتى *** فقلت هذا السحر سحر حلال
بل عجبوا من نكتة الكون أن *** أعطاه رب الكون ما منه نال
18 - وقال ابن جابر الأندلسي المتوفى سنة 780 وهي من نظم العقدين في مدح سيد الكونين(2):
أليس انشقاق البدر كان لأجله *** فشق على نفس الشقي المجهّل
19 - وقال الشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني في قصيدته التي سماها(القول الحق في مدح سيد الخلق صلی الله علیه و آله و سلم ) (3)وقد جمع بين الآيتين في بيت واحد وقد أجاد في التورية حيث قال:
دعا المولى فشق البدر وحيا *** و ردّ الشمس للمولى فصلى(4)
20 - وقال علاء الدين الحلي (من القرن الثامن) كما في الغدير(1)في قصيدته التي هي إحدى قصائده العلويات الطوال ، والتي يقول في أولها:
نمّ العذارُ بعارضيه وسلسلا *** وتضمنّت تلك المراشف سلسلا
إلى أن يقول في 126:
و بردّك الشمس المنيرة بعدما *** أفلت وقد شهدت برجعتها الملا
21 - وقال ابن العرندس الحلي (من القرن التاسع) كما في الغدير(2)في قصيدته التي بلغت آبياتها 126 بيتاً جاء فيها قوله في الأبيات / 102 - 103:
والمعجزات الباهرات النيّرات *** المشرقات المعذرات لمن غلا
منها رجوع الشمس بعد غروبها *** نبأ تصير له البصائر ذهّلا
22 - وقال الشيخ حسن آل أبي عبد الكريم - (من القرن الثامن) - كما في الغدير(3)في غديريته البالغة 176 بيتاً - في البيت / 60 :
تصدّق بالقرص الشعير لسائل *** و ردّ عليه القرص و هو أفول
23 - وقال الشيخ عبد الرضا المقري الكاظمي المتوفى سنة 1120 كما في الغدير (4)من قصيدة له يمدح بها الإمام أمير المؤمنين علیه السلام تبلغ 118 بيتاً:
والشمس من بعد الغروب ببابل *** ردّت له والليل داجٍ مسبل
24 - وقال محمد طاهر القمي الشيرازي صاحب كتاب الأربعين المتوفى سنة 1098 في قصيدته العصماء التي بارى فيها اللاميات الشهيرة (الامية العرب للشنفري، ولامية العجم للطغرائي، ولامية الهند وكلها مطبوعة) فقال مجارياً لامية الطغرائي خاصة في براعة استهلاله:
سلامة القلب نحّتني عن الزلل *** وشعلة العلم دلتني على العمل
طهارة الأصل قادتني إلى كرم *** كرامتي ثبتت في اللوح في الأزل
قلبي بحب علياً ذا العلى فلذا *** أدعو لأمي في الإبكار والأصُل
محبة المرتضى نورٌ لصاحبها *** يمشي بها آمناً من آفة الزلل
لزمت حب علي لا أفارقه *** وداده من جناني قط لم يزل
أخو النبي إمامي قوله سندي *** لقوله تابع ما كان من عملي
أطعت حيدرة ذا كل مكرمة *** إمأم كل تقي قاصر الأمل
حزمت في حب آل المصطفى عمري *** من مال عنهم إليه قط لم أمل
باب المدينة منجانا وملجأنا *** ما انحلّ مشكلنا إلا بحلّ عليّ
لولا محبة طه للوصي لما *** أتى يشاركه في طيّب الأكل
ولاية المصطفى في خم قد ثبتت *** بنص أفضل خلق الله و الرسل
نص النبي عليه فوق منبره *** عليه أشهد أهل الدين والدول
قد نص في الدار عند الأقربين على *** خلافة المرتضى جداً بلا هزل
إن الإمامة عهد لم تنل أحدا *** سوى المصون من الزلات والخطل
أطعتُ من ثبتت في الكون عصمته *** وعفتُ كل جهول سيّء العمل
قد ردّت الشمس للمولى أبي حسن *** روحي فدا المرتضى ذي المعجز الجلل
طوبی له کان بیت الله مولده *** كمثل مولده ما كان للرسل (1)
1- قال الإمام البوصيري المتوفى سنة 696 في قصيدته البردة (الكواكب الدرية في مدح خير البرية)(2):
أقسمتَ بالقمر المنشق إنّ له *** من قلبه نسبةً مبرورة القَسَم
2 - وقال الشهاب احمد بن أبي القاسم الخلوف التونسي القيرواني المشهور بذي الصناعتين في قصيدة له في المديح النبوي جاء فيها(3):
نبيّ أعاد الشمس بعد غروبها *** و أبقى عليها بالجلالة ميسما
نبي له بدر السما انشق طائعا *** و حنّ إليه الجذع شوقاً و كلّما
3- و قال ابن مليك الحموي المتوفى سنة 917 كما في ديوانه(4):
وشمس الضحى في الأفق رُدّت لأجله *** وفي النصف إجلالاً له البدر يُقسم
1- قال أبو بكر محمد بن احمد الصنوبري المتوفى سنة 334 كما في تتمة ديوان
الصنوبري جمعها وحققها لطفي الصقال و درية الخطيب ، نشر كنوز الشعر العربي ط دارالكتاب العربي بحلب:
أليس من حلّ منه في أخوّته *** محل هارون من موسى بن عمران
رُدّت له الشمس في أفلاكها فقضى *** صلاته غير ما ساهٍ ولا وانِ
وقال ابن حماد كما في مناقب ابن شهر آشوب(1):
ردت له الشمس وهو شان *** لو علم الناس أيّ شأن
2 - وقال الصفي الحلي المتوفى سنة 750 رحمه الله تعالى في قصيدته في المديح النبوي وقد جمع ذكر الآيتين في بيت واحد هو
والبدر شُق وأشرقت شمس الضحى *** بعد الغروب وما بها نقصان
3 - وقال شمس الدين النواجي رحمه الله ت 848 قصيدة في المديح النبوي(2)جاء فيها(3):
سألت قريش أن يريهم آيةً *** كبرى فأظهرها لهم في الحين
وأشارللبدرالمنير فشق في *** كبد السماء و عاد كالعرجون
4 - و قال الشيخ يوسف المشهور بالحكيم الرشيدي الأسلمى رحمه الله نظمها سنة 804 و هي من بحر السلسلة(4):
من شُق له البدر غير أحمد طه *** من شُق له ليلة الولادة الأيوان
5 - وقال الأصفهاني كما في مناقب ابن شهر آشوب(1):
أمن عليه الشمس رُدّت بعدما *** كسى الظلام معاطف الجدران
حتى قضى ما فات من صلواته *** في دبر يوم مشرق ضحيان
والناس من عَجَب رأوه وعاينوا *** يترجحون ترجّح السكران
ثم انثنت لمغيبها منحطّة *** كالسهم طاربريشة الظهران
6 - و قال السريجي الأوالي المتوفى سنة 750 تقريباً كما في الغدير(2)في قصيدته الغديرية التي أولها :
إن لم أفض في المغاني ماء أجفاني *** فما أفظَّ إذن قلبي وأجفاني
إلى أن قال:
وآية الشمس إذ رُدّت مبادرةً *** غرّاء أقصر عنها كلُّ إنسان
7- وقال المولى مسيحاً المتوفى سنة 1127 كما في الغدير (3)من قصيدة غديرية جاء البيت 21 في ص 370:
هل رُدّت الشمس يوماً لابن حنتمة *** أو هل هوى كوكب في بيت عثمان
1- قال شاعر مبدع في قوله:
لا و من أمري و نهيي *** وحياتي في يديه
لا تواليت سوى من *** رُدّت الشمس عليه (1)
2 - ذكر السبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص ص 31 فقال: وفي وقوف الشمس يقول الصاحب كما في الكفاة:
من كمولاي علیّ *** والوغى تحمی لظاها
من يصيد الصيد فيها *** بالظبى حين انتضاها
من له في كل يوم *** وقعات لا تضاهي
کَم و کم حرب ضروس *** سدّ بالمرهف فاها
اذكروا أفعال بدر *** لستُ أبغي ما سواها
اذکروا غزوة أُحد *** إنّه شمس ضحاها
اذكروا حرب حنين *** إنّه بدر دجاها
اذكروا الأحزاب قدماً *** أنّه ليث شراها
اذكروا لهج--ة عمرو *** كيف أفناها شجاها
اذكروا أمر براةٍ *** واصدقوني من تلاها
اذکروا من زوجه *** زهراء قد طاب ثراها
حاله حالة هارون *** لموسى فافهماها
أعلی حبّ علیّ *** لامني القوم سفاها
أول الناس صلاة *** جعل التقوى حلاها
ردّت الشمس عليه *** بعد ما غاب سناها
1) مناقب ابن شهر آشوب.
وقال ابن حمّاد كما في مناقب ابن شهر آشوب(1):
ورجعت الشمس حين تكلّمت *** و أبدت من اسماء الإمام حامها
1 - قال جمال الدين يحيى الصرصري من قصيدة طويلة في المديح النبوي: و بإيماء كفّه القمرانشقّ *** بنصفين في الحمى الحرميّ
2- وقال الشهاب محمود الحلبي من قصيدة طويلة في المديح النبوي:
فمنها انشقاق البدر كيف يكتمه *** وكل له في الأفق أصبح رائيا
و قال المفجّع البصري كما في المناقب لابن شهر آشوب(2):
وعليّ إذ نال رأس رسول *** الله من حجره وساداً وطیّا
إذ يُخال النبي لما أتاه *** الوحي مغمى عليه أو مغشيّا
فتراخت عنه الصلاة ولم يوقظه *** إلى أن كان شخصه مَنحيّا
فدعا ربّه فأنجزه الميعاد *** من كان وعدهُ ماتيّا
قال هذا أخي بحاجة ربي *** لم يزل شطر يومه مغشيّا
فاردد الشمس كي يصلّي في ال--*** --وقت فعاد العشيّ قضيّا
إلى آخر ما هنالك من شواهد شعرية ، تضمّنت ذكر تلك الآيات الباهرات ،
والكرامات الزاهرات ، وما تضمّنته هذه الإضمامة العبقة من الأشعارالشيّقة، إلا هو قطف الأنوار، من تلك الرياحين و الأزهارالتي فاح شذاها، وهي في حدّ ذاتها دالّة على شهرة
حدوث تلك الكرامات حتى تغنّى الشعراء بها، ولم ينقل عن أحد أنّه أنكر عليهم نظمها، فهي دعمٌ إلى ما مرّ من أقوال المثبتين، و دحض لزعم المشككين، من النواصب المعاندين.
لو تسنّى لأحد أن يذكر جميع ما قيل في هذا المضمار من أشعار لوجد الأضعاف المضاعفة، ومن ذا يحيط بجميع ما قاله المادحون في كل عصر ومصر، وهم لا يحصيهم عدّ، ولا يحيط بهم حدّ، إلا في علم الله تعالى الواحد الأحد.
وإن في تفنّنهم في أساليب النظم النظيم ، في مدح النبي الكريم و وصيّه العظيم عليهما و ألهما أسنى آيات الصلاة و التسليم ، ممّا يحمل النفس على أن تشارك في هذا الروض الأريض الطويل العريض، ولو بأدنى ما يمكن ممّن دنا منه الحريض فحال عن القّريض ، فإنّ النفس تطنح بما فيها من خوافيها ، وإنّ الهدايا على مقدار مُهديها ، والتوفيق من الله موهبة ، لمن أعانه على نظم بعض تلك المناقب ، لسيد الكائنات وابن عمّه علي بن أبي طالب ، صلّى الله عليهما و آلهما ما ذر في شارق وغارب، فقلت متطفّلاً وبهم متوسلاً ، ومن الله متسولاً ، أرجو العفو و الزلفى لديه ، ومتوكّلاً عليه:
فأعجبني قول ابن فارض مادحا *** وإنّي لبيتيه أقول مشطّرا
(أرى كل مدح في النبي مقصرا) إذا لم يُشفّع بالوصي قد امترى
الم
فليس ثناء للنبي لوحده *** (وإن بالغ المثني عليه وأكثرا)
(إذا الله أثنى بالذي هو أهله) وفي آية التطهير و الآل طهّرا(1)
وفي ضمهم تحت الكساء دلالة *** (عليه فما مقدار ما تمدح الورى)
وأبلغ من مدح ابن فارض واصف *** وقد أبدع الوصف البليغ فأبهرا
1) علي إمام البررة 1: 371
فتركتُ تصدير الكلام لقوله *** وأعجازه من نظم فجّ فأثمرا
(عليّ مع الهادي كشقيّ يراعة) *** يخطّان حرف المكرمات منوّرا
(هما واحد في العدّ ليس بإثنين) *** وإن رأت العينان إثنين ما ترى
(فنفس علي نفس طه وإن يكن) *** هما في افتراق الجسم قد وطأ الثرى (هنالك من فرق تخلل في البين) *** لأنّ رسول الله جاء مبشّرا
(فذلك من شأن النبوة وحدها) *** وأبقى لنا الثقلَين عنه معبّرا(1)
(ولا فرق في الجفنين في طرفة العين) *** علىّ وطه في الكتاب تكثَرا
هما أنسلا والله بارك فيهما *** وأنزل في القرآن أعطاك كوثرا (2)
وشاركه في كل فضل مواخيا *** كهرون بن موسى شبيهاً منظّرا
وكم قال فيه المصطفى فوق منبرٍ *** فهروني علي وهو مني موزّرا
علي وصیّي وهو منّي خليفتي *** فكم مرّة قال النبيّ مذكّرا (3)
علي أخي من سبّه فهو سبّني *** ومن سبّني سبّ الإله محذّرا (4)
فلا بدع لو ساواه فضلاً ومحتدا *** وقاسمه في البدء نوراً و عنصرا
وإنّ الّذي شقّ المنير بأمره *** أعاد له شمس الأصيل لكي تُري
إليك رسول الله أبلغ مدحتى *** فكن لي شفيعاً حين أدعى فأحشرا
فما لي من زاد ليوصلني السُرى *** فهب لي نوالاً منك أطلب للقرى و إلى هنا نختم الكلام في هذه المسألة ، و لو أردنا الاستيعاب لاحتجنا إلى تأليف كتاب، و قد قلت فيما سبق إنّ الباب مفتوح للراغبين ، والمصادر ميسّرة للباحثين ، وقدرة الله تعالى على إعانة الطالبين موجودة في كل حين، و محمد سيد الكونين حبيب إله العالمين ، وله المقام المحمود عنده ، واليه الشفاعة يوم الدين، فكل ما كتب ويكتب لا يبلغ مدح إله العالمين له بقوله: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ وقال تعالى مخاطباً إياه وَكَانَ فَضْلُ اللَّهُ عَلَيْكَ عَظِيمًا و ما أصدق قول البوصيري رضی الله عنه:
كل البلاغة عيّ في مناقبه *** إذا تفكّرت والتكثير تقليل
لو أجمع الخلق أن يحصوا محاسنه *** أعيتهم جملةٌ منها وتفصيل
وما دون هذا قول ذي الصناعتين القيرواني:
أليس بأنّ الله سوّاه مثلما *** بقدرته سوّى من التُرب آدما
جليل سما عن خلق شيء كذاته *** ولكن بطه أبدع الكون محكما
جواد كريم غافر الذنب ساتر *** حليم عظيم مالك الأرض والسما
سميع بصير عالم ذو إرادة *** إذا شا أضاء الكون أو شاء أظلما
هدانا بنور المصطفى بعد ضِلّةٍ *** و وقّى به أبصارنا فتنة العمى
وأرسله بالحق للخلق داعياً *** فزلزل أركان الضلال و هدّما
و أظهرآيات الكتاب شواهداً *** على ما ادعاه حين أبدى المكتّما(1)
1) من قصيدة لذي الصناعتين التونسي القيرواني كما في المجموعة النبهانية 4 : 139 .
لقد ردّت الشمس للإمام أمير المؤمنين علیه السلام مرة ثانية زمانا بعد العهد النبوي الشريف ، ومكاناً ببابل من أرض العراق ، و سنبحث المسائل التالية:
المسألة الأولى: في زيغ البخاري في كتابه الجامع الصحيح في عدم التصريح ، مع ذكره الحديث بالتلميح .
المسألة الثانية : في أسماء العلماء الذين ذكروا ردّ الشمس للإمام علیه السلام مرّة ثانية ببابل .
المسألة الثالثة : في شواهد شعرية خاصّة بهذه المرّة .
المسألة الرابعة: مسجد الشمس في بابل - الحلة -معلم قائم خالد وخير شاهد .
المسألة الخامسة : نواصب يريدون ليطفئوا نورالله .
ثم الخاتمة في مطارفة أدبية بين عالمَين علَمين شيعي وسني حول معجزة ردّ الشمس، و تسليم الثاني و إذعانه لما قاله الأول محبتاً بالصحة .
المسألة الأولى: في زيغ البخاري عن الحق ، ومراوغته في كتابه الجامع الصحيح لعدم التصريح مع ذكره الحديث بالتلميح .
إنّ من أعجب العجب أن لا يُروى كما هو حديث مرور الإمام أمير المؤمنين علیه السلام بأرض بابل و لم يصلّ بها و قال: إنّها أرض ملعونة أو خسف بها ونحو ذلك ، والذي يرويه جملة من أصحاب الصحاح والسنن والتفسير من المؤرّخين أيضاً ، وحتى اتخذوه مصدراً لحكم شرعي في كراهة الصلاة بأرض الخسف والعذاب، لكنهم يتلجلجون في روايته ، فيروونه مغمغمين في ذكر آخره ، لا لشيء إلا لأنّه يتضمّن ذكر كرامة للإمام أميرالمؤمنين علیه السلام ، لا تقوى النفوس المراض على ذكرها.
ومن الخير أن نذكر الحديث كما رواه أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد أولاً، ثم نعقّبه ثانياً بذكره عند من رواه بتمامه المشتمل على تلك الكرامة، والتي هي ردّ الشمس على الإمام حتى أدّى صلاة العصر، فمن الفريق الأول:
1 - البخاري ذكره في صحيحه(1)فقال :
ويذكر أن علياً رضی الله عنه كره الصلاة بخسف بابل .
فهذا كل ما ذكره البخاري معلّقاً ، وتحامى شرّاح صحيحه عن الإفاضة في ذكرالحَدَثِ الذي من أجله ورد الحديث، وكل ما ذكروه هو تفسير الخسف ، أو تعيين بابل ، ومن زاد منهم على ذلك فقد ذكر أنّ هذا الأثر عن علیّ علیه السلام رواه غير البخاري كابن أبي شيبة وأبي داود و غيرهما . ثم ذكروا ألفاظهم كما سيأتي نقلها عنهم مباشرة .
2 - أبو داود ذكر في سننه في كتاب الصلاة، باب المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة كما في ج 4 / 113 من المنهل العذب المورود بسنده عن أبي صالح الغفاري أنّ علياً مرّ ببابل و هو يسير ، فجاءه المؤذّن يؤذنه لصلاة العصر ، فلما برز منها أمر المؤذّن فأقام الصلاة، فلما فرغ قال: انّ حِبي - حبيبي - صلی الله علیه و آله و سلم نهاني أن أصلي في المقبرة ، و نهاني أن أصلّي في أرض بابل فإنّها ملعونة .
3- ابن أبي شيبة ذكر في المصنف (2)بسنده عن عبد الله بن أبي المحلّ: إنّ علياً مرّ بجانب من بابل فلم يصل بها .
وأخرجه ثانياً بسنده عن حجر بن عنبس الحضرمي قال: خرجنا مع علي إلى النهروان حتى إذا كنا ببابل حضرت صلاة قلنا: الصلاة ، فسكت ، ثم قلنا الصلاة فسكت، فلما
خرج منها صلّى ثم قال: ما كنت أصلّي بأرض خسف بها، ثلاث مرّات.
4 - البيهقي ذكر في السنن الكبرى(1)وذكر الحديث عن أبي صالح الغفاري بنحو ما
تقدّم ، كما ذكر حديثي عبد الله بن أبي المحل وحجر الحضرمي، وقد مرّا عن ابن أبي شيبة .
5 - السيوطي ذكر في الدر المنثور(2)في تفسير قوله تعالى: وَمَا أُنزِلَ عَلَى المُلكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ فقال : أخرج أبو داود وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن علي قال: إن حبيبى صلی الله علیه و آله و سلم نهائي أن أصلّى بأرض بابل فإنّها ملعونة .
6 - القرطبي ذكر في تفسيره الجامع لأحكام القرآن (3)قول الإمام علیه السلام : نهاني رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أن أصلّي بأرض بابل فإنّها ملعونة، و عاد في ص 50 فقال: وقد روي عن علي بن أبي طالب قال: نهاني حبيبي صلی الله علیه و آله و سلم أن أصلّي في المقبرة ، ونهاني أن أصلي في أرض بابل فإنّها ملعونة، و إسناده ضعيف مجتمع على ضعفه ، وأبو صالح الذي رواه عن علي هو سعيد بن عبدالرحمن الغفاري ، بصري ليس بمشهور ، ولا يصح له سماع عن علي ، و من دونه مجهولون لا يُعرفون .
قال أبو عمر: و في الباب عن علي من قوله غير مرفوع حديث حسن الإسناد ، رواه الفضل بن دكين قال: حدّثنا المغيرة بن أبي الحر الكِندي قال: حدّثني أبو العنبس حُجر بن عنبس قال: خرجنا مع علي إلى الحرورية ، فلما جاوزنا سُوريا وقع بأرض بابل ، قلنا: يا أمير المؤمنين أمسيت الصلاة الصلاة ، فأبى أن يكلّم أحداً، قالوا: يا أمير المؤمنين قد أمسيت ، قال : بلى ، ولكن لا أصلّي في أرض خسف الله بها .
والمغيرة بن أبي الحر كوفي ثقة قاله يحيى بن معين وغيره ، وحُجر بن عنبس من كُبارأصحاب علي .
7 - ابن تيمية قال في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم(1): فنهى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم عن الدخول إلى أماكن المعذّبين إلا مع البكاء ، خشية أن يصيب الداخل ما أصابهم ، ونهى عن الإنتفاع بمياههم حتى أمرهم - مع حاجتهم في تلك الغزوة وهي غزوة العُسرة ، وهي أشدّ غزوة كانت على المسلمين - أن يعلفوا النواضح بعجين مائهم ، وكذلك أيضاً روي عنه صلی الله علیه و آله و سلم أنّه نهى عن الصلاة في أماكن العذاب فروى أبو داود بسنده عن أبي صالح الغفاري - وذكر الحديث الآنف الذكر عند أبي داود ثم قال : وقد روى الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله بإسناد أصح من هذا - يعني إسناد أبي داود في الحديث المتقدم - عن علي رضی الله عنه نحواً من هذا ، إنّه كره الصلاة بأرض بابل و أرض الخسف .
قال: و كره الإمام أحمد الصلاة في هذه الأمكنة اتباعاً لعلي رضی الله عنه، انتهى.
وهناك آخرون رووا نحو ذلك نعرض عنهم ونكتفي بمن ذكرنا ، والآن إلى ما رواه الفريق الثاني .
المسألة الثانية: لقد ذكر الخبر بردّ الشمس للإمام أمير المؤمنين علیه السلام مرّة ثانية ببابل جماعة من علماء المسلمين من محدثين ومؤرخين ، فإلى القارئ أحاديثهم بألفاظهم حسب التسلسل التاريخي لهم :
1) اقتضاء الصراط المستقيم: 80 - 81
1 - نصر بن مزاحم المنقري المتوفى سنة 212 ذكر في كتابه وقعة صفين(1):
عن أبي مخنف عن عمه ابن مخنف قال: إنّي لأنظر إلى أبي مخنف بن سُليم وهو يساير علياً ببابل وهو يقول: إنّ ببابل أرضاً قد خُسف بها ، فحرِّك دابتك لعلّنا نصلي العصر خارجاً منها .
قال: فحرّك دابته وحرّك الناس دوابّهم في إثره ، فلما جاز جسر الصراة نزل فصلى بالناس العصر.
وأخرج نصر بن مزاحم أيضاً في صفحة / 154 من كتابه بسنده عن عبد خير قال : كنت مع علي أسير في أرض بابل ، قال : و حضرت الصلاة صلاة العصر ، قال : فجعلنا لا نأتي مكاناً إلا رأيناه أفيح(2)من الآخر ، قال : حتى أتينا على مكان أحسن ما رأينا ، وقد كادت الشمس أن تغيب قال: فنزل علي ونزلت معه ، قال : فدعا الله فرجعت الشمس کمقدارها من صلاة العصر . قال: فصلّينا العصر ، ثم غابت الشمس.
2 - محمد بن الحسن الصفار المتوفى سنة 290 ذكر في كتابه بصائر الدرجات في أول الباب الثاني من الجزء الخامس(3): بسنده عن جويرية بن مسهر قال: أقبلنا مع أمير المؤمنين علیه السلام من قبل الخوارج حتى إذا قطعنا في أرض بابل حضرت صلاة العصر ، قال : فنزل أمير المؤمنين علیه السلام ونزل الناس، فقال أمير المؤمنين: يا أيها الناس إن هذه الأرض ملعونة وقد عُذّبت من الدهر ثلاث مرّات ، وهي إحدى المؤتفكات ، وهي أول أرض عَبد فيها وثن ، إنّه لا يحلّ لنبي و لا وصي نبيّ أن يصلّي فيها .
فأمر الناس فمالوا عن جنبي الطريق يصلّون ، وركب بغلة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فمضى عليها، قال جويرية: فقلت : والله لأتبعنّ أمير المؤمنين علیه السلام ولأقلدنّه صلاة - صلاتي - اليوم، قال فمضيت خلفه فوالله ما جزنا جسر سورا حتى غابت الشمس .
قال: فسببتهُ أو هممتُ أن أسبّه ، قال : فقال : يا جويرية أذّن، قال: فقلت: نعم يا أميرالمؤمنين، قال: فنزل ناحية فتوضّأ ثم قام فنطق بكلام لا أحسبه إلا بالعبرانية ، ثم نادى بالصلاة، فنظرت والله إلى الشمس قد خرجت من بين جبلين لها صرير ، فصلّى العصر وصلّيت معه .
قال: فلما فرغنا من الصلاة عاد الليل كما كان .
فالتفت إليّ وقال: يا جويرية بن مسهر إنّ الله يقول: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فردّ
علىّ الشمس.
-3- الشيخ ابن بابويه محمد بن علي الصدوق المتوفى سنة 380 ذكر حديث جويرية هذا في كتابيه من لا يحضره الفقيه(1).
4 - السيد الشريف محمد بن الحسين الرضي المتوفى سنة 406 ذكر حديث جويرية هذا في كتابه خصائص أمير المؤمنين علیه السلام (2)مرتين مسنداً ومرسلا.ً
5- الشيخ المفيد المتوفى سنة 413 (3).
6 - الشيخ الطوسي المتوفى سنة 460 ذكر حديث جويرية في كتابه الأمالي(4).
7 - الفتال النيسابوري الشهيد في سنة 508 ذكر الخبر في روضة الواعظين(1).
8- القطب الراوندي المتوفى سنة 573 ذكر حديث جويرية في كتابه الخرائج و الجرائح.
9- الشيخ ابن ادريس الحلي المتوفى 598 ذكر ذلك في كتاب الصلاة ج 1 / 380 بتحقيقي فقال: وكذلك تكره الصلاة في كل أرض خسفٍ ، ولهذا كره أمير المؤمنين علیه السلام الصلاة في أرض بابل ، فلما عبر الفرات إلى الجانب الغربي ، وفاته لأجل ذلك أول الوقت ، ردّت له الشمس إلى موضعها في أول الوقت ، و صلّى بأصحابه صلاة العصر ثم قال:
ولا يحلّ أن يعتقد أنّ الشمس غابت ودخل الليل، وخرج وقت العصر بالكلية و ما
صلّى الفريضة علیه السلام، لأنّ هذا مِن مُعتَقِده جهل بعصمته علیه السلام ، لأنّه يكون مخلاً بالواجب المضيّق عليه، وهذا لا يقوله مَن عرف بإمامته واعتقد عصمته علیه السلام.
10 - العلامة الحلي المتوفى سنة 726 ذكر ذلك في التذكرة(2)فقال: ( وكذا كل موضعٍ خُسف به و به قال أحمد ، لأن النبي صلی الله علیه و آله و سلم قال لأصحابه يوم مرّ بالحجر: (لا تدخلوا على هؤلاء المعذّبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم) وعبر على علیه السلام من أرض بابل إلى موضع ردّت له الشمس فيه فصلّى. ومرّ ما ذكره في كشف اليقين من الكرامة لمشهد الشمس، وهو الموضع الذي صلّى فيه أمير المؤمنين علیه السلام .
11 - الشيخ ابن فهد الحلي المتوفى سنة 841 ذكر حديث جويرية في كتابه عدة الداعي في شرائط استجابة الدعاء(3)
أقول : ولم يقتصر حديث ردّ الشمس ببابل على رواية جويرية بن مسهر ، بل رواه
آخرون فذكر منهم أبو رافع كما في كتاب الصراط المستقيم للبياضي (1).
ويكفينا في صحّة الحديث رواية إمامين من أئمة أهل البيت علیهم السلام : وهما الإمام زين العابدين، وابنه الإمام محمد الباقر كما في المصدر الآنف الذكر .
لقد مرّت في (المسألة الثامنة) من الباب الأول ضمن أهازيج الشعراء بعض الشواهد الخاصة بهذه المرّة ، ولعل أقدم شاهد على ذلك ما ذكره الشيخ زين الدين علي بن محمد بن يونس العاملي النباطي البياضي المتوفى سنة 877 في كتابه الصراط المستقيم، هو قول قدامة السعدي فقد قال يومئذٍ:
ردّ الوصي لنا الشمس التي غربت *** حتى قضينا صلاة العصر في مَهَلِ
لم أنسه حين يدعوها فتتبعه *** طوعاً تلبّيه مهلاً ها بلا عَجَلِ
وتلك آياته فينا وحجّته *** فهل له في جميع الناس من مَثَلِ
أقسمت لا ابتغي يوماً به بدلاً *** وهل يكون لنور الله من بَدَلِ
حسبي أبا حسن مولىً أدين به *** و من به دان رُسل الله في الأوَلِ
وحسبنا في إثباته مضافاً إلى ما تقدّم ، شهرته المتسالم عليها بين الشعراء ، حتى جعلوه لدة الحديث عن ردّ الشمس في المرّة الأولى،قال الشيخ البياضي رحمه الله : وبالجملة فهذان الموضعان - يعني الصهباء من أرض خيبر في المرّة الأولى ، وبابل في المرة الثانية - أمران شایعان ، قال السيد الحميري :
ردت عليه الشمس لما فاته *** وقت الصلاة وقد دنت للمغرب
1) الصراط المستقيم للبياضي ،1 : 202، مط الحيدري سنة 1384 .
وعليه قد ردّت ببابل مرّة *** أخرى و ما ردّت لخلق مغرب
وقال ابن حماد :
والشمس قد ردّت عليه بخيبر *** وقد انبدت زهر الكواكب تطلع
و ببابل رُدّت عليه ولم يكن *** والله خير من عليٍ يوشع
وقال العوني:
ولا تنسَ يوم الشمس إذ رجعت له *** بمنتشر واد من النور مقنع
كذلك بالصهباء وقد رجعت له *** ببابل أيضاً رجعة المتطوع
وقال ابن الرومي:
وله عجائب يوم سار بجيشه *** يبغي لقصر النهروان المخرجا
رُدت عليه الشمس بعد غروبها *** بيضاء تلمع وقدة و تأجّجا
كثير ممّن أنكر حدوث المعجزتين شقّ القمر و ردّ الشمس، يتشدّق بأنّه لو صحّ ذلك
لرآه جميع الناس في مشارق الأرض و مغاربها ، غافلاً عن كروية الأرض ، واختلاف الجهة المقابلة للقمر أو للشمس في حال صدور المعجزتين عن باقي جهات الأرض ، وقد مرّ منّا الكلام في ذلك ، و نبّهنا على عدم لزوم الرؤية لتلك المعجزة حال حدوثها في جميع أقطار الأرض ، و ذكرنا مسألة الخسوف والكسوف التي قد تكون في أفق جانب من الأرض و لا ترى في الجانب الآخر .
وما لنا نذهب بعيداً واليوم نعيش على الأرض ، ونرى اختلاف الآفاق في طول النهار وقصره تبعاً لطلوع الشمس وغيابها، فهل يعقل أن يطلب ممّن يعيش في الدول
الاسكندنافية أن يرى ما حدث بمكة ليلاً كشقّ القمر أو نهاراً كردّ الشمس ، و في بعض تلك البلاد يكاد انعدام الليل بالمرة أو يكون قليلاً جداً، كما في بودن شمال السويد حيث الليل فيها لا يتجاوز الساعة والنصف، أي من الساعة الثانية عشرة تقريباً إلى الثانية مع وجود الحمرة المشرقية بشكل واضح و جليّ ، و لا دليل لأيّ ظلمة أو عتمة بالليل .
قال سبحانه وتعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي مُسْتَقَرٌّ مَّا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(1)
وبهذه الآية قد احتج الأوائل بظاهرها على كون الحركة المحسوسة طلوعاً و غروباً إنّها هي للشمس ، واضطربوا في لِمُسْتَقَر فأخذوا اللام تارة بمعنى (إلى) و فسّروا لمستقر بمبدأ البروج ، وأخرى بمعنى (في) و فسّروا المستقر بفلكها .
وقد ناقش ذلك المرحوم العلامة الحجة السيد هبة الدين الشهرستاني في كتابه الهيئة والإسلام(2)وقال : بحمل الجريان على الحركة الانتقالية للشمس في أعماق الفضاء تائهة المأوى ، وحمل المستقر على زمان الاستقرار لا مكان الاستقرار فيكون المعنى - والله أعلم - والشمس تجري إلى أن يأتي وقت القرار وهو يوم القيامة إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ .
وقال في ص 183 : هذا كله بناءاً على القراءة المعروفة المتداولة - أعني قراءة عاصم برواية حفص - وأما على القراءة المروية عن أئمة آل النبي صلی الله علیه و آله و سلم وَالشَّمْسُ تَجري لا مُسْتَقَرٌّ لَّهاب-- ( لا ) النافية فتنطبق على الحركة الإنتقالية المنقولة عن المتأخّرين انطباقاً ظاهراً لا
يحتاج إلى تجشم التفسير ، وهذه القراءة الأخيرة رواها المفسّرون عن أمير المؤمنين على علیه السلام ، وسبطه زين العابدين، والإمامين محمد الباقر وجعفر الصادق، وابن عباس، وابن مسعود، وعكرمة، وعطاء وغيرهم.
واختار هذه القراءة شيخنا (شيخ) الشريعة الاصفهاني كما سمعته منه ورأيته أيضاً في كتابه (إنارة الحالك في قراءة ملك ومالك) ونقل هذه الأقوال عن مجمع البيان(1)والدر المنثور(2)، وهي تدلّ على أنّ الشمس ليس لها مركز محسوس تدور حوله كما يحسبه (كمبل) الإمريكي ، أو تدلّ على أنّها لا استقرار لها كما هو الحق ، إذ ال--(مستقر) مصدر ميمي.
وبناء على هذه القراءة لا يكون أيّ اختلال في الكون ، عند توقف أو تأخر
جريانها ، إذ لا مستقر لها ترتبط به فعلاً، فلو وقعت دونه لأحسّ بها الناس ، إذ هي في حركة دائبة فلا يستشعر برجعتها إلا من كان راصداً لها كما هو خبر جويرية وقد مرّ .
و مسك الختام في المقام حديث أبي جعفر الباقر علیه السلام كما رواه القتال النيسابوري في روضة الواعظين(3).
1) مجمع البيان 1: 423 ، ط صيدا
2) وجاء في تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي :15: 28: وقرأ ابن مسعود وابن عباس (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لا مُسْتَقَرٌّ لَها) أي أنها تجري في الليل والنهار لا وقوف لها ولا قرار إلى أن يكوّرها الله يوم القيامة، وفي معجم القراءات القرآنية 5 : 208 ط الثانية سنة 1408: وردت قراءات ثلاث غير ما ورد في المصحف إحداها لا مُسْتَقَرٌّ لَّا) وقال: قرأ بها عبد الله بن مسعود - ابن عباس - عكرمة - عطاء بن رياح - علي بن الحسين - زين العابدين (كذا) والفصل بين الإسمين وهم أبو جعفر الباقر - جعفر الصادق - ابن أبي عبيدة . ناقلاً ذلك عن البحر المحيط 7: 336 ، والجامع لأحكام القرآن 15: 28 ، والكشاف 3: 322، ومجمع البيان 8: 423، والمحتسب لابن جني 2: 212
3) روضة الواعظين: 264 ، بتقديمي ط الحيدرية سنة 1386 ه--
قال أبو جعفر علیه السلام في حديث طويل قال : إذا قام القائم عج سار إلى الكوفة يهدم بها أربعة مساجد ، ولم يبق على وجه الأرض مسجد له شُرُف إلا هدمها وجعلها جمّا ، ووسع الطريق الأعظم ، وكسر كل جناح خارج في الطريق ، وأبطل الكُنُف والميازيب إلى الطرقات، ولا يترك بدعة إلا أزالها ، ولا سنّة إلا أقامها ، ويفتتح قسطنطنية والصين وجبال الديلم، فيمكث على ذلك سبع سنين مقدار كل سنة عشرين سنة من سنّيكم هذه ، ثم يفعل الله ما يشاء، قيل له: جعلت فداك فكيف يطول السنون ؟
قال: يأمر الله الفلك باللبوث وقلّة الحركة فتطول الأيام لذلك والسنون، قال: قلت له : إنّهم يقولون: إن الفلك إنْ تغيّر فسد ، قال : ذلك قول الزنادقة ، فأما المسلمون فلا سبيل لهم إلى ذلك ، وقد شق الله القمر لنبيه صلی الله علیه و آله و سلم وردّ الشمس من قبله ليوشع بن نون ، وأخبر بطول يوم القيامة وقال: كألف سنة مما تعدّون .
وموقعه على يسار الخارج من الحلة إلى كربلاء على ربوة عالية وعليه قبة مثلها ، قال الحافظ ابن شهر آشوب السروي ( ت588 )في كتابه مناقب آل أبي طالب(1): (ما وجدنا لعظماء الخلف و السلف في الأرض أثراً مذكوراً ، أو خبراً مشهوراً ، يتقرب الناس إليها ، كما لم نجد في الأمم الماضية نحو كسرى وانوشروان ، و فرعون و هامان ، و شدّاد و نمرود ، ووجدنا أهل البيت علیهم السلام امتلأت أقطار الأرض بآثارهم ، و بنوا المشاهد والمساجد بأسمائهم ، واتفق لسكان الأمصار من إجلال مشاهدهم بعد خمول شاهدهم ، وعن معاندهم ، وقصدهم في الآفاق البعيدة تقرّباً إلى الله بجاه تُربَهم ، و كلما تطاولت الدهور
1) مناقب آل أبي طالب 2: 44 - 45 ، ط الحيدرية سنة 1376 ه--.
زاد محلها سموّاً ، وذكرها نموّاً ، و يرى الناس فيها العجايب عياناً و مناماً ، كما نجد في آثار الأنبياء والأوصياء علیهم السلام ، مثل الحطيم ، و مقام إبراهيم ، وميزاب اسماعيل ، و ربوة موسى، وصخرة عيسى ، وباب حطة بني إسرائيل ، وعند موالدهم ومحاضرهم ومجالسهم ، فظهر الحق وزهق الباطل ، قال الزاهي:
هل لكم مشهد يزار كما *** شاهد التابعين متبعه
يسطع نور لها على بُعدٍ *** يطرف من زارها إذا سطعه
وقال الحصفكي:
قوم أتى في هل أتى مديحهم *** ماشك في ذلك إلا ملحد
قوم لهم في كل أرضٍ مشهد *** لا بل لهم في كل قلب مشهد
وقال غيره:
عمروا بأطراف البلاد مقابرا *** إذ خربوا من يثرب أوطانا
هذا أمير المؤمنين اليوم أكبر مشاهده اليوم مسجد ، ولد في الكعبة، و رُبي في دار
خديجة وهي اليوم مسجد ، ومصلاهم عند باب مولد النبي صلی الله علیه و آله و سلم في شعب بني هاشم... إلى أن قال: ومشهد الشمس في الحلة من معجزاته....
ولقد ذكره العلامة المجلسي رحمه الله المتوفى سنة 1111 في البحار (1): أنّه مسجد معمور ومعروف ، وفي كشف اليقين للعلامة الحلي المتوفى سنة 726 ذكر كرامة ظهرت من مجلس ردّ الشمس بالحلة قال: وكان بالحلة أمير، فخرج يوماً إلى الصحراء فوجد على قبة مشهد الشمس طيراً، فأرسل عليه صقراً يصطاده فانهزم الطير منه ، فتبعه حتى وقع في دار الفقيه
1) بحار الأنوار 102: 29 - 30
ابن نما ، والصقر يتبعه حتى وقع عليه ، فتشنّجت رجلاه وجناحاه وعطل ، فجاء بعض أتباع الأمير فوجد الصقر على تلك الحال فأخذه وأخبر مولاه بذلك ،فاستعظم هذه الحال وعرف علوّ منزلة المشهد ، وشرع في عمارته .
وفي تاريخ الحلة لكركوش(1): في سنة 961 هج---- دخل الحلة أمير قبطانية مصر سيد علي رئيس ، و زار مقام صاحب الزمان ، و مقام عقيل أخي الإمام علیّ علیه السلام ، و زار مشهد الشمس ... .
وذكر المرحوم الخطيب اليعقوبي في البابليات(2)في ترجمة العلامة السيد محمد القزويني المتوفى سنة 1335 جانباً من اهتماماته بعمارة الآثار التاريخية - وذكر جملة منها إلى أن قال:
وكذلك سعى لترميم بناية مشهد الشمس ، وقد أرخه الخطيب الشيخ يعقوب بقوله: مع القول بالخيرات كم لك أرخوا *** مشاهد أفعال بها مشهد الشمس
وذكر المرحوم الخاقاني في شعراء الحلة (البابليات)(3)في ترجمة السيد المشارإليه سنة / 1320 آنفاً فقال : ( واتجه إلى احياء كثير من القبور والآثار التي مضى على اندراسها كثير من السنين... وتجديده مشهد الشمس الذي أقام له ذكرى في اليوم الخامس عشر من شوال من كل عام، حيث يقيم فيه الصلاة وخلفه جماهير الحليين....
أقول : وقد جاء في ديوان السيد نصر الله الحائري رحمه الله كما في ديوانه المطبوع وله، وقد كتبه على مقام الإمام علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام:
مقام مولانا علي المرتضى *** في الحلة الفيحاء نعم الملتجا
ما اكتحلت عيوننا بميله *** إلا جلا عنها قذاها والعمى
و له و قد كتبه على مشهد الشمس الشريف في الحلة الفيحاء:
ذا مشهد الشمس الذي فاق السما *** إذ حسدت حصباءه النجومُ
وكيف لا و هو محل المرتضى *** شمس العلى والماجدُ الحليمُ
لاحت به منارةٌ ساميةٌ *** مؤذّن الفخر بها مقیم
تهتزّ عند ذكره من طرب *** كغصن بانٍ هزّه النسيمُ
وكان الشيخ عبد الله بن الشيخ حمزة بن الشيخ محمود الطريحي النجفي الحلي متولياً على مسجد ردّ الشمس ، وهذا له مجموعة بخطه كانت في مكتبة المرحوم الشيخ محمد السماوي فيها جواب المدنيات الأولى كما في الذريعة(1).
لبس أم دسّ حول مشهد ردّ الشمس(2):
كتاب (تاريخ الحلة) لمؤلّفه العلامة المتتبع الشيخ يوسف كركوش الحلي كما طبع على ظهره ، ولا يسعني تجاوز ما فيه ممّا له تعلّق بالمقام، إذ من الطبيعي أن يكون في الكتاب ذكر (مشهد الشمس) و لدى المراجعة تبخّرت عندي صفة المتابعة التي كتبت لمؤلّفه على ظهر كتابه ، فقد خبط في المقام خبط عشواء في الظلماء ، إذ ورد ذكر (مشهد الشمس) في القسم الأول في الحياة السياسية في ستة موارد، هي كما يلي:
1 - في ص 115 : في سنة 961 هج-- دخل الحلّة أمير قبطانية مصر سيد علي رئيس، و زار مقام صاحب الزمان، و مقام عقيل أخي الإمام علیّ علیه السلام، و زار مشهد الشمس ثم عاد إلى بغداد.
2 - في ص 126:نقل عن نيبور ما كتبه في رحلته إذ دخل الحلّة في سنة1766 م، فكتب عنها فقال: تقع مدينة الحلة على خط العرض (30 ،32)... وفي داخل المدينة جامع ذو منارة واحدة فقط ، بينما تشاهد في خارج المدينة جوامع أخرى متعدّدة منها المسمّى بمشهد الشمس الشهير لدى الشيعة ، وربما كان ذلك هو السبب في المحافظة عليه وحسب رواياتهم ، فإنّ الشمس ذات مرّة طلعت بعد ميعادها بساعتين مجاملة للإمام علي الذي تأخّر عن موعد صلاة الصبح ذلك اليوم (؟) وقد شيّد بعدها مشهد الشمس أو جامع الشمس في نفس الموضع الذي أدّى الإمام علي صلاته فيه آنذاك.
وهذا الذي قاله الرحالة الألماني نيبور عن مشهد الشمس فهو هُراء ، إذ لم يرد ذلك في أیّ مصدر من المصادر التاريخية التي روت السبب في تسمية المكان بمشهد الشمس ، وأقبح منه نقل المؤلف المتتبع لذلك من دون أيّ تعليق عليه، لتصحيح ذلك الخطأ الفظيع ممّا يجعلنا نسيء الظن بتتبعه ، إذ لا يغتفر له إقرار الرحالة على ما ذكره بخبطه و خلطه ، من دون أي تعقيب
3- في ص 149 نقل عن السائحة الفرنسية ( ديولافوا) التي دخلت الحلة سنة 1881م قولها:
لم نر في مدينة الحلة بناية مهمة تلفت النظر قد شيدت في العصر الإسلامي البتة ، اللهم إلا مسجداً صغيراً شيّدوه في ذلك الوقت في الطريق الذي يصلها بمدينة كربلاء ، وهذا المسجد يعرف بمشهد الشمس ومسجد علي، وتذكر الروايات المشهورة أنّ أمير المؤمنين علياً علیه السلام قد أشار إلى الشمس لتقف في هذا المكان لإكمال نصره في إحدى حروبه (؟) .
ولكن الرجوع إلى كتاب تاريخي قديم (؟) يبحث هذا الموضوع نجد أنّ بختنصّر قد
شيّد في هذا المكان معبداً لعبادة الشمس لا غير، وتوجد في هذا الكتاب رواية عن بختنصر هكذا تقول: «إنّني شيّدت في بابل معبداً بالآجر والقار للشمس التي تعدّ صاحبة السلطة المطلقة، والحاكمة الناهية في بلاطي والمرجع الأعلى في المنازعات والاختلافات على مختلف أنواعها أي لرب شمّاس الذي يعدّ أكبر القضاة و كبير حكام العالم».
ولم يعقّب المؤلّف العلامة المتتبع على كلام السائحة بشيء يشعر بعدم موافقته عليه، وهذه الغفلة أو التغافل لا يتسامح معه فيه مع كثرة علامات الاستفهام في الكلام .
هذه ثلاثة موارد التي اقتضى البحث تنبيهي عليها ، أما الموارد الثلاثة الباقية فهي فيما يتعلّق بحملة عاكف التدميرية، وليس فيها ما يتعلّق بخصوص مشهد الشمس نفياً أو إثباتاً أمراً يُذكر، وكذلك ما جاء في القسم الثاني من كتابه تاريخ الحلة، حيث ورد ذكر مشهد الشمس ثلاث مرّات، في اثنتين منها ذكر بيت الشيخ يعقوب في تاريخ تعميره بمسعى العلامة السيد محمد القزويني كما في ص 187 و ص 204 وقد مرّ ذكر البيت.
والمورد الثالث في ص 167 في ترجمة الشيخ صالح الكواز، وترفّعه متعفّفاً عمّا في أيدي الناس ، وانّ أحد ذوي الجاه والسلطة طلب منه أن ينظم له أبياتاً في رثاء أبيه مؤرخاً عام وفاته لتنقش على صخرة تبنى على ضريحه في مقبرة مشهد الشمس، وبذل له على ذلك ما يقارب (40) ليرة عثمانية فأبى، وهذا أيضاً ممّا لا يعنينا كثيراً أمرُه.
ويبقى من الموارد الثلاثة التي ذكرتها اثنان كان على المؤلف العلامة المتتبع أن يتتبع جيداً، فيعقّب عليهما بما يدفع عنه إصرالمؤاخذة ، فهو حين يكتب تاريخ الحلة ، وفي التراث الفكري الحلي ما يتعلّق بمشهد الشمس وسببه، فالشيخ ابن ادريس الحلي ذكره في السرائر وقد تقدّم قوله، والشيخ العلامة الحلي ذكره في التذكرة وقد تقدّم قوله، والشيخ ابن فهد الحلي ذكره في عدة الداعي وقد تقدّم قوله.
وغيرهم من غير الحليين كثيرون وقد ذكرنا أسماء أكثر من عشرة فراجع ، فلا يغفر له الإغضاء عمّا ذكره الرحالتان الألماني والإفرنسية من دون تعقيب، ولعل السائحة في البلاد السارحة في كل واد فهي إذ لم تذكر اسم الكتاب الذي نقلت عنه، أرادت ما قيل بأنّ مشهد الشمس في الحلة وهو الموضع الذي ردت فيه الشمس للإمام ، بني هذا الأثر القديم ، وفيه قبر يوشع النبي علیه السلام كما ذكره المرحوم السيد مهدي القزويني في فلك النجاة مشعراً بتمريضه حيث نسبه إلى القيل .
ألا فقل للنواصب الذين يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهَ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (1)
ما رأيهم لو قرأوا أنّ الشمس ستكون معه مطيعة إذا أقسموا عليها بمن اسمه منقوش على وجهها المنير ؟ وإلا عصت وتمردت ؟ أتريد أن تعرف من هو صاحب ذلك الاسم؟ فهلمّ واقرأ ما ذكره الشيخ إبراهيم العبيدي المالكي في كتابه عمدة التحقيق في بشائر آل الصديق ، وهو مطبوع على هامش كتاب روض الرياحين لليافعي سنة 1315 بمصر.
فقد ذكر في ص 184 نقلاً عن كتاب العقائق، وما ذكره العبيدي - كما سيأتي - فقد ذكره الصفوري في نزهة المجالس(2)نقلاً عن عيون المجالس بصورة مختصرة، فقال الصفوري:
عن النبي صلى الله عليه وسلم : يا عائشة ألا أمنحك ألا أحبوك ؟ قالت: بلى يا نبي الله ، قال: إنّ اسم
أبيك مكتوب على قلب الشمس ، وانّ الشمس لتقابل الكعبة كل يوم فتمتنع من العبور عليها، فيزجرها الملك الموكّل بها ويقول : بحق ما فيك من الاسم إلا ما عبرتِ فتعبر . هذا ما ذكره الصفوري ، وهذا ليس بشيء أزاء ما ذكره العبيدي ، ألا هلمّ فاقرأ و اعجب ولا تنصب فتمتع .
فقد روي أن النبي صلی الله علیه و آله و سلم قال يوماً لعائشة : إنّ الله تعالى لما خلق الشمس خلقها من لؤلؤة بيضاء بقدر الدنيا مائة وأربعين مرّة وجعلها على عجلة، وخلق للعجلة ثمانمائة وستين عروة ، وجعل في كل عروة سلسلة من الياقوت الأحمر ، وأمر ستين ألفاً من الملائكة المقرّبين أن يجرّوها بتلك السلاسل مع قوّتهم التي اختصهم الله بها، والشمس مثل الفلك على تلك العجلة، وهي تدور في القبة الخضراء ، وتجلو جمالها على أهل الغبراء.
وفي كل يوم تقف على خط الاستواء فوق الكعبة لأنّها مركز الأرض وتقول: يا ملائكة ربّي إنّي لأستحي من الله عزوجل إذا وصلت إلى محاذاة الكعبة التي هي قبلة المؤمنين أن أجوز عليها، والملائكة تجرّ الشمس لتعبر على الكعبة بكل قوّتها، فلا تقبل منهم وتعجز الملائكة عنها ، فالله تعالى يوحي إلى الملائكة وحي إلهام فينادون: أيها الشمس بحرمة الرجل الذي اسمه منقوش على وجهك المنير إلا رجعت إلى ما كنتِ فيه من السير، فإذا سمعت ذلك تحركت بقدرة المالك .
فقالت عائشة : يا رسول الله من هو الرجل الذي اسمه منقوش عليها؟ قال: هو أبو بكر الصديق، يا عائشة قبل أن يخلق الله العالم علم بعلمه القديم أنّه يخلق الهواء، ويخلق على الهواء هذه السماء، ويخلق بحراً من الماء، ويخلق عليه عجلة مركباً للشمس المشرقة على الدنيا ، و إنّ الشمس تتمرّد على الملائكة إذا وصلت إلى الاستواء ، و انّ الله تعالى قدّرأن
يخلق في آخر الزمان نبياً مفضّلاً على الأنبياء - وهو بعلك يا عائشة على رغم الأعداء - و نقش على وجه الشمس اسم وزيره - أعني أبا بكر صدّيق المصطفى - فإذا أقسمت الملائكة عليها به زالت الشمس وعادت إلى سيرها بقدرة المولى ، وكذلك إذا مرّ العاصي من أمتي على نار جهنم وأرادت النار على المؤمن أن تهج--م، ، فلحرمة محبة الله في قلبه ونقش اسمه على لسانه ترجع النار إلى ورائها هاربة ولغيره طالبة أه-- .
هذا ما ذكره العبيدي المالكي في (عمدة التحقيق في بشائر آل الصديق) وإنّها لبشارة ، لولا أنّها توحي بأكثر من إشارة ، كيف للشمس أن تتمرّد كما في كتاب (عمدة التحقيق) وفي كتاب الله سبحانه: تَجْرِي مُسْتَقَرٌّ هَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ؟ وكيف للشمس أن تتمرّد ما دامت هي محمولة على عَجَلة - والعجلة هي الآلة التي تحمل عليها الأثقال كالعربة - وأمر حركتها لمن بيده تسييرها من قائد أو سائق؟
ثم ما بال الملائكة لم يتعلّموا درساً فيحفظوا تلك الآلية من القَسَم العظيم من بداية عملهم حتى صاروا يحتاجون كل يوم إلى أن يوحي إليهم ربّهم تعالى وحي إلهام بذلك القَسَم؟
وأخيراً لا آخراً ما بال نار جهنم لم تتمرد فتهج--م على العاصي من الأمة، وهو لم يُقسم عليها بذلك القسم لمجرد محبة الله في قلبه ، ونقش اسمه على لسانه ؟
وأعجب من ذلك أنّ الشمس نفسها كانت تتوسل بالنبي صلی الله علیه و آله و سلم وبأبي بكر فيما روته من حالها للنبي ليلة المعراج، فاقرأ واعجب وما علينا أن لا تصدق ، فقد روى الصفوري في نزهة المجالس (1):
1) نزهة المجالس 2 : 184 .
قال النبي صلی الله علیه و آله و سلم: عُرض عليّ كل شيء ليلة المعراج حتى الشمس، فإنّي سلّمت عليها وسألتها عن كسوفها فأنطقها الله تعالى وقالت: لقد جعلني الله على عجلة تجري حيث يريد، فأنظر إلى نفسي بعين العجب فتزل بي العجلة فأوقع في البحر فأرى شخصين أحدهما يقول : أحد أحد والآخر يقول: صدق صدق ، فأتوسل بهما إلى الله تعالى فينقذني من الكسوف ، فأقول: يا ربّ من هما ؟ فيقول الذي يقول: أحد أحد هو حبيبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم، والذي يقول : صدق صدق هو أبو بكر الصدّيق.
أقول: فما رأي علماء الفلَك في هذا، وهم يرون أنّ الكسوف إنّما يحدث لحيلولة القمر بين الأرض والشمس عند المحاق، فيقع ظله على سطح الأرض فيحجب عنها الشمس كلها أو بعضها؟ وليس بغمس الشمس في بحر ظلمات الترهات كما روى الصفوري .
وما رأي علماء الحديث في هذا، وهم يرون و يروون أنّ الشمس كسفت على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يوم مات ابنه إبراهيم علیه السلام فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : انّ الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد و لا لحياته، فإذا رأيتم فصلّوا وادعوا الله(1)؟
وما رأي الذين يؤمنون بمثل تلك الترهات، وهم يعلمون أنّ الكسوف ليس مخصوصاً بالزمان الذي عاش فيه أبو بكر ، فمن كان ينجي الشمس من تلك العقوبة (الكسوف) في سائر أزمنة حدوثه قبل وبعد أيام أبي بكر الذي كان يقول صدق صدق ؟ وما دام أبو بكر ليس موجوداً فلابدّ أن تبقى الشمس في تلك العقوبة وهي الكسوف ؟
وما لنا في طرح السؤال بعد السؤال ، والقصة كلها من نسج الخيال و الخبال ، وإن
1) البخاري :2 :34 باب الصلاة في كسوف الشمس.
تعجب من ذلك ، و تزدري المصادر التي ذكرتها لأنّها من كتب الأدب والرقائق، فهلمّ الخطب فيها ذكرته كتب التراجم والتاريخ كحقائق :
فقد ذكر السبكي في طبقات الشافعية (1)، واليافعي في مرآة الجنان (2)وابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب (3)وابن حجر في الفتاوي الحديثية (4)واللفظ للأول قال :
ممّا حكي من كرامات الحضرمي و استفاض : أنّه قال يوماً لخادمه وهو في سفر : قل للشمس تقف حتى نصل إلى المنزل، وكان في مكان بعيد وقد قرب غروبها ، فقال لها الخادم: قال لك الفقيه إسماعيل قفي، فوقفت حتى بلغ مكانه ، ثم قال للخادم: أما تطلق ذلك المحبوس؟ فأمرها الخادم بالغروب فغربت ، وأظلم الليل في الحال .
وأشار إلى هذه الواقعة اليافعي كما في كتابه مرآة الجنان بعد ذكرها بقوله:
هو الحضرمي نجل الولي محمد *** إمام الهدى نجل الإمام الممجّد
ومن جاهه أومى إلى الشمس أن قفى *** فلم تمش حتى أنزلوه بمقصد
فهذه القضية - إن صدقت الأحلام عند ذوي الأوهام - تدلّ على أن مكانة الشيخ إسماعيل الحضر مي أعظم عند الله سبحانه من مكانة نبيه الكريم ووصي نبيّه العظيم ، فهما دعوا الله تعالى فردّت لهما الشمس، وإسماعيل الحضرمي لم ينبس ببنت شفة لا دعاءاً و لا هراء و لا رغاءاً و لا غثاءاً ، و إنّما أمر خادمه بأن يأمرها بالوقوف فوقفت ، ثم أمره بفكّ أسارها من حبسها فغربت - يا سلام - هكذا يروون ، لا يشكّكون ، و يريدون من الناس
أن يصدّقون وهم لا يعقلون ألا ساء ما يزرون، ورحم الله شيخنا المرحوم العلامة السماوي حيث يقول في (العجب اللزومي):
واعجباً من فرقة قد غلتْ *** من دَغَل في جوفها مضرّم
تنكر ردّ الشمس للمرتضى *** بأمر طاها العيلم الخضرَم
و تدّعي أن ردّها خادم *** لأمر اسماعيل الحضرمي
في المطارفة الأدبية بين العالمَين العلَمين الشيعي والسني حول معجزة ردّ الشمس ببابل، وتلك المطارفة كانت ببغداد ، وقد جرى فيها ما جرى بين السيد القزويني والنقيب حول الحديث المذكر ، فلنقرأ ما جرى فيها:
ذكر أبو المعزّ السيد محمد القزويني المتوفى سنة 1335 في كتابه طروس الإنشاء و سطور الإملاء(1)فقال: اتّفق لي سفر إلى (بغداد) في سنة 1312 ه-- فكنت يوماً ذاهباً إلى زيارة نقيب الأشراف المرحوم ذي السماحة والسيادة ، السيد سلمان (2)أفندي في داره المعلومة ، ومعي جماعة ، فبينما نحن عنده إذ حضر المجلس أخوه العالم الفاضل ذو السيادة والفضيلة السيد عبد الرحمن(3)أفندي (الذي هو الآن نقيب بغداد ومتولي أوقاف القادرية) فأنس بنا و أنسنا به، و جعلتُ أتذاكر معه في الأدبيات وجملة من التواريخ الإسلامية ، وفي النوادر الشعرية حتى أفضى بنا الحديث إلى ذكر الصاحب بن عبّاد الوزير ، فجعلتُ أتلو عليه من فرائد نثره وغرائب توقيعاته وعجائب مراسلاته، فقال لي: إنّي يعجبني من شعر الصاحب أبيات في مدح سيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقلت له : إنّ الصاحب
معروف بحسن النثر ، فقال : نعم ولكني أعجبتني أبياته تلك.
فقلت له: إن رأيت أن تنشدها فقال: نعم ، يقول:
من كمولاي (علي) *** والوغى شبّت لظاها
أذكروا في يوم بدر *** إنّه ليث و شراها
فقلت له: إنّ هذا ليس من الشعر الذي يعجب منه مثلك و هو قدر الممدوح ، و دون شأن الشاعر المعروف المنسوب إليه ، و أين هو من قول الشاعر:
طالما للأملاك كنتَ دليلا *** ولناموسهم (1)هدیت سبيلا
يوم نادي رب السما جبرئيلا *** قائلاً من أنا فروّى قليلا
وهو لولاك فاته الإهتداء
شُدت في ذي الفقار للدين أصلا *** فتسامى قدراً و عزّ و جلّاً
وعلى ما أسّست قولاً وفعلا *** بُني الدين فاستقام و لولا
ضرب ماضيك ما استقام البناء
فقال : لمن الشعر ؟ فقلت: الأصل للتميمي والتخميس للعمري(2).
ثم قلت له: أنشدني باقي أبيات الصاحب ، فأنشدها ، وسكت عن بيت في أخرها .
1) ناموس الرجل : صاحب سره الذي يطلعه على باطن أمره ويخصُّه بما يستره عن غيره وأهل الكتاب يسمون جبريل علیه السلام : الناموس وفي الحديث: (ان ورقة بن نوفل قال الخديجة رضی الله عنها- وهو ابن عمها وكان نصرانياً : لئن كان ما تقولين حقاً إنّه ليأتيه الناموس الذي كان يأتي موسى علیه السلام عن الصحاح ) (نمس).
2) نشر الأصل والتخميس في ديوان الشاعر الشيخ صالح التميمي المطبوع سنة 1948 بتح-- السيد محمد رضا السيد سلمان والشيخ علي الخاقاني .
قلت: لم لا تنشد آخر الأبيات . قال : لأنّ في نفسي منه شيئاً ، فأقسمت عليه الإنشاد.
فقال : يقول :
من كمولاي (علي) *** من له رُدّت ذكاها
فقلت: لم كان في نفسك شيء من هذا البيت ؟ فقال: إنّي لا أعتمد ردّ الشمس.
فقلت له: كيف يكون في نفسك من ردّ الشمس لجدك (علي) شيء ، وأنت عَجَل(1)
من العلم والفضل .
فقال: لأنّه تصرف في الأفلاك ، فقلت له: هذه مسألة شريفة عقلية سمعية فلنتذاكر
فيها أنا وأنت فقال: بلى .
قلت: إنّي مورد عليك مقدّمات متى سلّمتها لابد أن تُسلّم النتيجة . فقال : قل .
فقلت: أليس معنى المعجزة ما كان خارقاً للعادة ؟ فقال : نعم .
فقلت: هل في ذلك تفصيل من كون الخارق للعادة سماوياً أم أرضياً؟ فقال: لا.
فقلت: أتقول بظهور المعجزات للأنبياء ؟ فقال : نعم .
فقلت: أتقول بجواز ظهور الكرامات للأولياء ؟ فقال: نعم
فقلت: عند الجميع قاعدة مسلّمة (كلّما صحّ أن يكون معجزة لنبي صحّ أن يكون
كرامة لولي) تقول بها أم لا ؟ فقال : نعم .
فقلت : أتقول بانشقاق القمر لحضرة الرسالة أنّه معجزة نبوية ؟ فقال : نعم .
قلت: و ردّ الشمس ليوشع ؟ فقال: نعم
فقلت: إذن حصلت النتيجة وهي صحة و جواز ردّ الشمس كرامة السيد الأولياء ،
1) العَجَل : السابق
كما أنّ انشقاق القمر معجزة للنبي فهذه كرامة للولي .
نعم لك أن تقول هل هو واقع مرويّ مدوّن مذكور أم لا ؟ فنقول: أما عندنا - معاشر الإمامية - فهو كالمتواتر ، وأما عندكم فانا آتيك به من كتب الحديث المعوّل عليها عندكم إن شاء الله تعالى .
إلى هنا بلغ البحث ، والمرحوم أخوه السيد سلمان يستمع مجادلتنا ، فالتفت إليه وقال: أخي لِمَ تنكر كرامات سيدنا أمير المؤمنين، فقال: أستغفرالله ، لكن هذه مسألة شخصية ، فالتفت إلي المشار إليه وقال: ألم يُخبر سيدنا (علي) عن كربلاء قبل وقوع وقعتها ؟
فقلت: نعم، فقال: أذكر لي الحديث ، فذكرته فبكى وبكى معه الجمع ، وانقطعت مذاكرتنا ببكاء المرحوم النقيب وتفرّقنا من المجلس.
و لما كان اليوم الثاني جاء رسول من آل النقيب إلى المحل الذي نحن فيه في بغداد وهو دار فخر الحاج، الحاج مصطفى كبة يقول : إنّ جناب السيد عبد الرحمن يريد أن يُشرّف زائراً لكم ، فقلنا: على الرحب والسعة ، فجاء وحيّيناه وقلت له حين لقياه: إنّ مجيئك اليوم إلينا بمنزلة ردّ الشمس على مولانا علي ، فضحك عند ذلك ، والتفت إلى الحاضرين وقال: اشهدوا أنّي قلّدت فلاناً (يعنيني بالقول) بردّ الشمس، فقلت له : إنما يجديني اجتهادك في ذلك وأنت غني عن التقليد.
ثم عند انقضاء مجلسنا هذا لما قام ذاهباً، أرسلت إليه رقعةً فيها هذه الأبيات:
قد قلت للعلوي المحض كيف ترى *** حديث رد ( ذكاء) للوصيّ (علي)
فقال في النفس شيء منه قلت له *** الأمر في ذاك ما بين الرواة جليّ
فقال قد قلت تقليداً فقلت له *** أنت المقلّد في قولٍ وفي عمل
فکن به یا عديم المثل مجتهدا *** (فيوشع) مثله في الأعصر الأول
كل ما صحّ أن تلقاه معجزة *** للأنبياء غدا أكرومةً لولي
ومشهد الشمس في (الفيحاء) إن تره *** كأنّه في العلى نارٌ على جبل
فكتب لي في الجواب: قسماً بشرفك يا شمس المعارف والعلوم ، الفائق في المنطوق والمفهوم ، إنّه لقد أطربني بل أعجبني ما أحكمه فكرك المتين من الأبيات التي لا يستطيع الأدباء مباراتها ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ، وكيف لا تردّ الشمس لسيد الأولياء ، الممدوح في الأرض والسماء وهو في خدمة سيد الأنبياء ، والسلام عليكم أهل البيت ورحمة الله(1).
ثم أنّي في ذلك اليوم اجتمعت مع العالم الفاضل المرحوم السيد نعمان أفندي آلوسي زاده في جامع (مرجان) في الكتابخانة المعدّة له ، فأخذت منه من كتب الحديث كتاب (المقاصد الحسنة) واستخرجنا منه رواية ردّ الشمس لأمير المؤمنين علیه آلاف التحیة و الثناء من رواية الطحاوي وابن مندة من حديث أسماء بنت عميس، فقال لي الأفندي المشار إليه: ألحق تلك الأبيات
1) جاء في هامش المصدر ما يلي : ذكر السيد قاسم الخطيب في كتابه (الكلم اللامع) - المخطوط - نصاً يختلف قليلاً عما أورده السيد ابو المعزّ وهو كالآتي: قسماً بشرفك يا شمس المعارف والعلوم التي أنارت السبل والفجاج، واهتدى بها السالكون في كل منهاج ، لقد أعجبني بل أطربني وبهرني بل أنعشني ما أحكمه فكرك المتين، من الأبيات الأبيات، بل الآيات البينات التي يعجز الفصحاء عن الاتيان بمثلها، والبلغاء عن مباراتها، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، فيا لله درك، لقد أقمت في تشييد بنيانها برهاناً على المدعى، حتى صار لدى الداعي عياناً لا ريب فيه، واطمأنت له النفس بلا شك يعتريه، ولا بدع ولا ريب فحضرة مولانا أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) باب مدينة علم الرسول وأسد الله الغالب في ميدان تحجم عن الدخول فيه أبطال الفحول، فلذلك لا ينبغي لذوي الألباب أرباب العقول أن يستبعدوا طلوع ( ذكاء ) لأجله بعد الأفول، لاسيما وهو في طاعة مولاه، ومن كان في طاعته لابدّ أن يخصّه ويتولاه والسلام عليكم أهل البيت و رحمة الله وبركاته.
بيتاً شعراً بهذه الرواية ، وأرسله تأكيداً إلى حضرة النقيب . فأرسلت إليه هذا البيت:
وما رواه (الطحاوي) و (ابن مندة) من حديث (أسما) شفاءٌ فيه للعلل .
فأرسل إليّ: ألم يكفك الاعتراف السابق و الاذعان اللائق ؟
وبهذه المطارفة الشائقة تكون هي الخاتمة اللائقة والحمد لله ربّ العالمين، و صلّى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
تم تحريراً في يوم الخميس 23 ذي الحجة الحرام سنة 1428 ه-- على يد مؤلّفه.
الراجي عفو ربِّه المنّان
محمد مهدي السيد حسن الموسوي
الخرسان
1 - أبو هريرة شيخ المضيرة للشيخ المغفور له محمود أبو رية، ط الثالثة دار المعارف بمصر.
2 - إتحاف المهرة بزوائد المسانيد العشرة لابن حجر العسقلاني.
3- إثبات الهداة للحرالعاملي
4 - الآثار الباقية للبيروني ط أفست ليدن.
5 - أحكام القرآن للجصاص، ط مصورة عن طبعة دار الخلافة العثمانية سنة 1325 هج----.
6 - أخبار مكة للأزرقي، ط دار خضر بيروت سنة 1414 .
7- أخبار مكة للفاكهي ط دار خضر بيروت سنة 1414 هج--.
8- الأدب المفرد للبخاري، طبعة إسلامبول سنة 1309 ه--، و ط السلفية بمصر
سنة 1375 ه-- تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
9 - الأربعين لمحمد طاهر القمي الشيرازي طقم.
10 - أرجح المطالب للآمرتسري ط الهند.
11 - الإرشاد للشيخ المفيد، ط الحيدرية في النجف الأشرف.
12 - الأزمنة والأنواء تحقيق الدكتور عزة حسن، ط وزارة الثقافة والإرشاد القومي دمشق سنة 1964م.
13 - الأزمنة والأمكنة للمرزوقي، ط حيدر آباد سنة 1332 هج--.
14 - اسعاف الراغبين للصبان بهامش نور الأبصار ط مصر.
فهرس المصادر
15 - الإسلام والنصرانية للشيخ محمد عبده ط مصر .
16 - الإسلام روح المدنية.
17 - الإسلام والعلم الحديث لعبد الرزاق نوفل ط مصر .
18- الإسلام على ضوء التشيع.
19 - الاستيعاب لابن عبد البر، تح-- البجاوي
20 - اشراق اللاهوت في نقد شرح الياقوت للسيد عميد الدين الحسيني العبيدلي، ط
ایران.
21 - الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني، ط مصطفى محمد بمصر 1358 ه-- و ط تح-- البجاوي، وط الأولى بنفقة عبد الحفيظ في ترجمة جندب بن عمرو بن حممة.
22 - أصول الدين لأبي منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي، ط استانبول سنة 1346ه--.
23 - الأصول الفكرية للثقافة الإسلامية للدكتور محمد الخالدي، ط الأولى سنة
1404ه--.
24 - اظهار الحق للملا رحمة الله الهندي، ط سنة 1317 ه--.
25- الإعلان بالتوبيخ للسخاوي ط مصر.
26 - أعلام النبوة لأبي الحسن الماوردي الشافعي، ط البهية بمصر سنة 1319ه--.
27- أعلام الموقعين لابن قيم الجوزية، ط دار الأرقم بيروت سنة 1418ه--.
28 - إعلام الورى للطبرسي، ط الحيدرية و ط إيران.
29 - اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية، ط مصر.
30- الأم للشافعي نشر مكتبة الكليات الأزهرية.
31 - أمالي الشريف المرتضى، ط مصر سنة 1373 ه-- تح-- محمد أبو الفضل إبراهيم.
32 - أمالي الشيخ الطوسي، ط حجرية سنة 1313 ه-- و ط النعمان في النجف.
33 - الإمامة وأهل البيت لمحمد بيّومي مهران، ط مصر.
34 - أنباء الغمر بأنباء أبناء العمر لابن حجر، ط مصر
35 - أنوار التنزيل للبيضاوي، ط مصر .
36 - البابليات للمرحوم الخطيب اليعقوبي في ترجمة العلامة السيد محمد القزوینی.
37 - الباعث الحثيث لابن كثير، ط مصر .
38 - البحر المحيط لأبي حيان، ط دار الفكر .
39 - بحار الأنوار للمجلسي، ط المكتبة الإسلامية بطهران.
بيروت.
40 - بدائع الفوائد لابن قيم الجوزية ط المنيرية بمصر وعنه أفست دارالكتاب العربي.
41 - البداية والنهاية للحافظ ابن كثير الشامي الشافعي، ط السعادة بمصر
42 - بدر التمام في شرح ديوان أبي تمام للدكتور ملحم إبراهيم الأسود، ط بيروت
سنة 1928 في مطابع قوزما.
43 - البردة للبوصيري، ط مصر.
44 - بشرى اللبيب بذكرى الحبيب للحافظ أبي الفتح ابن سيد الناس، ط مصر
45 - بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار، ط حجرية و ط الحيدرية بقم.
46 - بلوغ الأرب للآلوسي، ط الثالثة مطابع دار الكتاب العربي بمصر.
47 - تاج العروس للزبيدي، ط افست بيروت.
48 - تاريخ الإسلام للذهبي، ط القدسي بمصر سنة 1368 ه-- و ط دار الكتاب
العربي بيروت سنة 1407 ه-- بتحقيق د. عمر عبد السلام تدمري.
49 - تاريخ ابن الأثير ، ط بولاق.
50-تاريخ الحلة للعلامة الشيخ يوسف كركوش الحلي، ط الحيدرية.
51 - التاريخ الكبير للبخاري، ط حيدرآباد أفست وعنها ط أفست المكتبة الإسلامية ديار بكر تركيا.
52 - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ط السعادة بمصر.
53 - تاريخ الخميس للديار بكري، ط مصر.
54 - تاريخ دمشق لابن عساكر الدمشقي (ترجمة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام) تح-- الشيخ المحمودي ، ط دار الفكر بيروت سنة 1415 ه-- .
55 - تاريخ الفكر العربي لعمر فرّوخ، ط دار العلم للملايين بيروت.
56 - تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة، ط مصر.
57 - تأويل الآيات.
58 - التبصير في الدين لأبي المظفر الإسفرايني، ط عزت العطار سنة 1359 ه-- مصر .
59- التبيان في تفسير القرآن للشيخ أبي جعفر الطوسي رحمه الله ، ط النعمان النجف الأشرف تح-- أحمد القصير.
60 - التبيين لأسماء المُدَلِّسينَ لسبط ابن العجمي، ط الأولى حلب سنة 1350ه--.
61 - تتمة ديوان الصنوبري جمعها وحققها لطفي الصقال ودرية الخطيب نشر كنوز
الشعر العربي ط دار الكتاب العربي بحلب.
62 - تثبيت دلائل النبوة للقاضي عبد الجبار المعتزلي تح-- الدكتور عبد الكريم عثمان، ط دار العربية بيروت سنة 1386ه--
63 - تثبيت الإمامة وترتيب الخلافة للحافظ أبي نعيم.
64 - التحبير للسمعاني، ط أوقاف بغداد.
65 - تحفة الأحوذي، ط الثانية الفجالة بمصر سنة 1385 هج--.
66 - تحفة الطالب لابن الأثير، ط مكة المكرمة سنة 1406 ه-- تح-- محمد محمود الطناحی.
67 - تدريب الراوي للسيوطي ط مصر .
68 - التدوين في ذكر أهل العلم بقزوين للرافعي القزويني، ط حيدر آباد.
69 - التذكرة للعلامة الحلي، ط مؤسسة آل البيت علیهم السلام بقم.
70- تذكرة خواص الأمة لسبط ابن الجوزي، ط حجرية سنة 1285 ه-- و ط
منشورات الشريف الرضي بقم و ط المطبعة العلمية في النجف الأشرف سنة 1369ه--.
71-التذكرة للقرطبي ، ط دار المنار سنة 1418 ه--.
72 - تذكرة الحفاظ للذهبي، ط الهند حيدر آباد.
73- تذكرة الموضوعات لملك المحدثين محمد طاهر الفتني، ط مصر
74 - تخريج أحاديث الرافعي لابن حجر .
75 - - التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي، ط مصر سنة 1355 ه--.
76 - تصحيح ردّ الشمس وترغيم النواصب الشُمس للحاكم أبي القاسم الحسكاني الحنفي.
77 - تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة للحافظ ابن حجر، حیدرآباد.
78 - التعقيبات لابن الجوزي.
79- تفسير ابن كثير ، ط دار الفكر بيروت و ط الاستقامة بمصر.
80- تفسير البرهان، ط ایران
81 - تفسير البغوي ط مصر
82 - تفسير الجواهر للشيخ طنطاوي جوهري، ط دار الكتب العلمية بيروت سنة 2004م.
83 - تفسير الخازن، ط الميمنية سنة 1317 ه-- بمصر.
84 - تفسير الزمخشري ، ط مصر و ط دار الفكر .
85-تفسير الفخر الرازي، ط مصطفى محمد وأولاده بمصر و ط الاستانة و ط
العامرة التزام عبد الرحمن محمد بميدان الجامع الأزهر بمصر.
86 - تفسير روح المعاني لأبي الثناء الآلوسي، ط المنيرية الثانية.
87 - تفسير القرطبي، ط دار إحياء التراث العربي بيروت.
88 - التفسير والمفسرون ، ط مصر سنة 1381 هج---.
89 - تفسير الشيخ محمد مصطفى المراغي، ط مصر.
90 - تفسير الطبري، ط الثانية شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة 1373 ه-- .
91 - تفسير الميزان للطباطبائي، ط بيروت و ط قم.
92 - تفسير النسفي، ط دار احياء الكتب العربية بمصر ، وعنها ط دار الفكر بيروت.
93 - التفسير الواضح للشيخ محمد محمود حجازي من علماء الأزهر، ط الثانية دار الكتاب العربي بمصر.
94 - تقريب التهذيب لابن حجر العسقلاني ط مصر .
95 - التكملة لوفيات النقلة للمنذري، مط النعمان.
96 - تكملة إكمال الإكمال لابن الصابوني تح-- مصطفى جواد، ط بغداد.
97 - تلخيص المتشابه في الرسم للخطيب البغدادي، ط دمشق.
98 - التمهيد لابن عبد البر، ط دار الكتب العلمية بيروت.
99 - تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث للعلامة عبد
الرحمن بن علي بن محمد بن عمر ابن الديبع الشيباني الشافعي، ط مصر
100 - تنزيه الشريعة لابن عراق الكناني تح-- عبد الله محمد الصدّيق، ط الأولى مكتبة القاهرة.
101 - تنزيه القرآن عن المطاعن للقاضي عبد الجبار المعتزلي، ط الجمالية بمصر سنة 1329ه--.
102 - تنوير الحوالك بشرح موطأ مالك للسيوطي، ط مصطفى محمد بمصر.
103 - تهذيب الأزهري ط مصر.
104 - تهذيب الأسماء واللغات للنووي، ط المنيرية بمصر.
105 - تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني، ط حیدرآباد أفست و ط دار الفكر.
106 - تاريخ حلب لابن العديم.
107 - التيسير بشرح الجامع الصغير، ط المكتب الإسلامي للطباعة والنشر بالأفست للمناوي.
108 - ثاقب المناقب، ط قم.
109 - الجامع الصحيح للبخاري، ط بولاق سنة 1314 ه--.
110 - جمع الفوائد لمحمد بن محمد بن سليمان الروداني المغربي، ط المكتبة الجامعة مكة المكرمة.
111 - جواهر البحار في فضائل النبي المختار ليوسف بن اسماعيل النبهاني ، ط
محمود نصار بمصر سنة 1379 ه--
112 - جواهر العقدين للسمهودي، ط بغداد.
113 - الجواهر المضيئة للقرشي الحنفي، ط حيدرآباد.
114 - جواهر المطالب للباعوني، ط قم.
115 - الجياد في مدح سيد العباد صلی الله علیه و آله و سلم للشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني رئيس محكمة الحقوق في بيروت.
116 - الحاوي في الفتاوي للسيوطي الشافعي، ط مصر.
117 - الحديقة الهلالية للشيخ البهائي رحمه الله ، ط مؤسسة آل البيت علیهم الاسلام .
118 - حكمة التشريع وفلسفته للشيخ علي احمد الجرجاوي الطبعة الخامسة سنة
1381ه--.
119 - حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني، ط السعادة بمصر.
120 - حياة محمد لمحمد حسين هيكل، ط مصر .
121 - الحيوان للجاحظ ط مصر تح-- محمد عبد السلام هارون
122 - خاتمة مستدرك الوسائل، ط مؤسسة آل البيت علیهم السلام .
123 - خبيئة الأكوان لصديق حسن خان القنوجي، ط الجو ائب سنة 1296ه--.
124 - الخرائج و الجرائح، ط حجرية.
125 - خريدة القصر للعماد الأصبهاني قسم مصر، ط بغداد.
126 - خصائص أمير المؤمنين للسيد الشريف محمد بن الحسين الرضي ط الحيدرية في النجف الأشرف.
127 - الخصائص الكبرى للسيوطي، ط حيدرآباد و ط تح--د . محمد خليل هراس بمصر.
128 - خلاصة الأثر لأمين الدين المحبي الدمشقي، ط مصر.
129 - الخلاف للشيخ الطوسي رحمه الله ، ط الثانية مطبعة رنكين في طهران سنة 1377 ه-- وط حجرية و ط مؤسسة النشر الإسلامي بقم.
130 - دائرة معارف القرن العشرين لفريد وجدي عن ط مصر أفست دار الفكر بيروت.
131 - الدر المختار على الدليل المحتار لابن عابدين، ط الثالثة بولاق سنة 1289ه--.
132 - الدر المنثور للسيوطي الشافعي، ط مصر أفست الإسلامية.
133 - الدرر الكامنة، ط حيدرآباد.
134 - الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة للسيوطي
135 - دلائل الصدق، ط الأولى و ط مؤسسة آل البيت علیهم السلام .
136 - دلائل النبوة لأبي نعيم، ط حيدرآباد.
137 - دلائل النبوة للبيهقي، ط بيروت.
138 - دليل السماء والنجوم للدكتور عبد الرحيم بدر ، ط منشورات وزارة الثقافة
والأعلام العراقية، السلسلة العلمية / 9 . دار الرشيد للنشر سنة 1981م، ط دار الهلال بغداد.
139 - دول الإسلام للذهبي، ط حيدرآباد.
140 - ديوان ابن هاني المغربي تح-- محمد زاهد الكوثري.
141 - ديوان السيد الحميري تح-- هادي شكر
142 - ديوان الصاحب بن عباد.
143 - ديوان الشاعر الشيخ صالح التميمي المطبوع سنة 1948 بتح--- السيد محمد رضا السيد سلمان والشيخ علي الخاقاني.
144 - ديوان الملك الصالح طلائع بن دزّيك جمع هادي الأميني.
145 - الذرية الطاهرة لأبي بشرالدولابي صورة من نسخة مكتبة كوبرلي
146 - ذيل تاريخ بغداد نسخة مصورة بمكتبة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام العامة عن نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق في ترجمة عبيد الله بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن حمزة القزويني.
147 - ذیل تاریخ نيسابور (السياق) للحافظ عبد الغفار بن اسماعيل الفارسي
148 - ذيل تذكرة الحفاظ، ط مصر
149 - ذيل طبقات ابن أبي يعلى، ط مصر.
150 - راموز الأحاديث، ط الاستانة سنة 1275ه--.
151 - رشفة الصادي لأبي بكر شهاب الدين العلوي تحقيق السيد عاشور، ط دار الكتب العلمية بيروت.
152 - الرفع والتكميل للكنوي، ط مصر.
153 - الرواة الثقات للذهبي، ط مطبعة الظاهر بمصر سنة 1324 ه-- .
154 - الروضة لشاذان بن جبرائيل القمي.
155-الروض الأنف للسهيلي، ط مصر.
156 - روضة الواعظين للفتال النيسابوري ، ط الحيدرية سنة 1386 ه-- بتقديمي.
157 - الرياض النضرة للمحب الطبري، ط بدر الدين النعساني بمصر سنة 1327ه--.
158 - زغل العلم للذهبي، ط دمشق.
159 - زاد المسير لابن الجوزي، ط دارالكتب العلمية.
160 - سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد المعروف بالسيرة الشامية لمحمد بن يوسف الصالحي الشامي الدمشقي، ط الأولى دار الكتب العلمية بيروت سنة 1414 ه-- و ط القاهرة.
161 - السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي للمؤلف، ط الحجري القديم، و بتحقيقي 162
162 - سلسلة الأحاديث الصحيحة لناصر الدين الألباني، ط مكتبة المعارف الرياض الطبعة الرابعة نشر المكتب الإسلامي سنة 1405 ه--.
ببغداد.
163 - سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني أيضاً .
164 - سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر للمرادي، ط أفست مكتبة المثنى ببغداد.
165 - سمط النجوم العوالي للعصامي المكي، ط السلفية بمصر.
166 - السنة للحافظ ابن أبي عاصم، ط الخامسة المكتب الإسلامي.
167 - سنن أبي داود لأبي داود السجستاني، ط دار الفكر مصر تح-- محمد محي الدین عبد الحميد و ط دار الحديث حمص و ط هندية.
168 - السنن الكبرى للبيهقي، ط دار الفكر افست بيروت سنة 1411 ه-- عن ط حیدر آباد و ط دار الباز بمكة المكرمة.
سير أعلام النبلاء للذهبي، ط مصر و ط دار الفكر بيروت و ط مؤسسة
الرسالة بيروت سنة 1413ه--.
170 - السير والمغازي لمحمد بن إسحاق تح-- د. سهيل زكار، ط دار الفكر بيروت
171 - السيرة النبوية لأبن كثير تحقيق مصطفى عبد الواحد مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر سنة 1384 هج-.
172 - السيرة النبوية (الحلبية) لبرهان الدين الحلبي، ط البهية بمصر سنة 320 ه--
173 - السيرة النبوية المطبوعة على هامش السيرة الحلبية لأحمد بن زيني دحلان المكي الشافعي، ط محمد مصطفى سنة 1320 بمصر.
174 - السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل لتقي الدين السبكي.
175 - شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي، ط مصر.
176 - شرح ديوان أبي تمام للخطيب التبريزي بتحقيق محمد عبده عزام، ط دار المعارف بمصر.
178 - شرح الشفاء بهامش نسيم الرياض للشهاب الخفاجي، ط مصر .
179 - شرح الشفا لابن التلمساني .
180 - شرح الصولي لديوان أبي تمام دراسة و تحقيق الدكتور خلف رشيد نعمان منشورات وزارة الثقافة والفنون - الجمهورية العراقية سنة 1978م
-181 شرح المختصر لابن السبكي.
-182 - شرح مسلم للنووي، ط مصر.
183 - شرح معاني الآثار للطحاوي - وهو من الأحناف - تحقيق محمد زهري
النجار، ط دار الكتب العلمية سنة 1399 ه-- بيروت.
184 - شرح المواقف في علم الكلام للسيد الشريف الجرجاني، ط افست دار الكتب العلمية بيروت.
185 - شرح المواقف للقاضي العضد الأيجي، ط دار الكتب العلمية بيروت.
186 - شرح المواهب اللدنية للزرقاني المالكي، ط مصر .
187 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي، ط دار الكتب العربية مصر الأولى والطبعة الحديثة بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
188 - شرح همزية البوصيري لابن حجر الهيتمي، ط مصر.
189 - شعر الحماني العلوي جمع المؤلف.
190 - الشفاء للقاضي عياض المالكي، ط اسلامبول سنة 1304
191 - شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني، ط بيروت.
192 - صحيح مسلم بن الحجاج القشيري، ط محمد علي صبيح بمصر و ط بولاق.
193 - الصراط المستقيم للبياضي، ط الحيدري طهران.
194 - الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع و الزندقة لأبن حجر المكي الهيتمي، ط الميمنية سنة 1312 ه-- بمصر الأولى و ط مكتبة القاهرة تح-- عبد الوهاب عبد اللطيف.
195 - الضعفاء الكبير لأبي جعفر العقيلي، ط دار الكتب العلمية بيروت.
196 - طبقات الحفاظ للسيوطي، ط مصر.
197 - طبقات الشافعية لابن هداية الله تحقيق الجبوري، ط أوقاف بغداد.
198 - طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة.
199 - طبقات الشافعية لابن السبكي، ط مصر سنة 1324 ه-- الأولى و ط تح-- عبد الفتاح الحلو.
20 - الطبقات الكبير لابن سعد، ط افست ليدن و ط لجنة الثقافة القاهرة سنة 1358 ه-- و ط الطائف سنة 1414ه-- تح-- د محمد بن صامل السُلمي و ط الخانجي بمصر.
201 - طبقات المفسرين للداوودي، ط مصر.
-202 طرح التثريب للحافظ أبو زرعة العراقي، ط مصر.
203 طروس الإنشاء و سطور الإملاء لأبي المعزّ السيد محمد القزويني تح-- د جودت القزويني.
204 - الطريق إلى الله لعبد الرزاق نوفل، ط الأولى مؤسسة الخانجي.
205 - العبر للذهبي، ط بيروت.
206 - عدة الداعي للشيخ ابن فهد الحلي، ط حجرية سنة 1274 ه-- في إيران.
207 - العقائد النسفية المطبوع بآخر شرحه للتفتازاني باستانبول سنة 1326ه--.
208 - علوم الحديث لابن الصلاح ط مصر.
209 - علل الشرائع للشيخ الصدوق ابن بابويه.
210 - العلل المتناهية لابن الجوزي ط مصر.
211 - علي إمام البررة للسيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان، ط الأولى دار الهادي بيروت.
212 - عمدة القاري في شرح صحيح البخاري للحافظ العيني الحنفي. ط مصر.
213 - عمدة التحقيق في بشائر آل الصديق للشيخ إبراهيم العبيدي المالكي وهو
مطبوع على هامش كتاب روض الرياحين لليافعي سنة 1315 بمصر.
214 - عيون الأثر لابن سيد الناس، ط مصر.
215 - عيون المعجزات، ط الحيدرية.
216- الغدير في الكتاب والسنة والأدب لشيخنا المغفور له الأميني قدّس سرّه، ط دار الكتب الإسلامية طهران و ط بيروت الأولى و ط الثانية.
217 - فتاوى ابن تيمية، ط مطبعة كردستان العلمية بمصر سنة 1326 ه--.
218 - الفتاوي الحديثية لابن حجر، ط مصر.
219 - فتح الباري للحافظ ابن حجر العسقلاني، ط مصطفى البابي الحلبي بمصر.
220 - فتح القدير للشوكاني، ط البابي الحلبي سنة 1350 ه--.
221 - فتح المغيث شرح ألفية الحديث للسخاوي، ط مصر
222 - فرائد السمطين للحمويني الشافعي، ط بيروت.
223 - الفَرقُ بين الفِرق لعبد القاهر البغدادي، ط عزت العطار سنة 1367ه--.
224 - الفرق بين المعجزة والكرامات والحيل والكهانة والسحر والنارنجات لابن الباقلاني منشورات جامعة الحكمة في بغداد سلسلة علم الكلام.
225 - الفِصَل لابن حزم، ط مصر .
226 - الفصول الأربعة مقتبس من مواقع الانترنيت.
227 - فقه السيرة لمحمد الغزالي، ط مصر .
228 - فقه اللغة للصاحبي، ط مصر.
229 - فلسفة تاريخ محمد لمحمد جميل بيهم.
230 - الفهرست لابن النديم، ط مصر و ط ایران تح-- رضا تجدد.
231 - الفهرست للشيخ الطوسي رحمه الله ، ط سبرنجر .
232 - في ظلال القرآن للسيد قطب، ط الأولى بمصر.
233 - فيض القدير لعبد الرؤوف المناوي، ط مصطفى محمد سنة 1356 ه-- بمصر.
234- قبسات من فضائل أمير المؤمنين علیه السلام للعلامة السيد عبد العزيز الطباطبائي رحمه الله ، ط قم.
-235 - قبول الأخبار ومعرفة الرجال لأبي القاسم الكعبي، ط دار الكتب العلمية بيروت.
236 - القرآن والعلم الحديث لعبد الرزاق نوفل ط، دار المعارف بمصر سنة 1378ه--.
-237 - قصص الأنبياء لأبي إسحاق لثعلبي، ط مصطفي محمد بمصر سنة 1371ه-- .
238 - قطر المحيط للمعلم بطرس البستاني، ط بيروت سنة 1869م. 239- القول المسدد في الذب عن مسند أحمد لابن حجر العسقلاني، ط مكتبة ابن تيمية بالقاهرة سنة 1401 ه-- .
240 - الكافي للكليني، ط حجرية 1312 ه-- و ط دار الكتب الإسلامية طهران.
241 - الكامل في التاريخ لأبن الأثير الجزري، ط بولاق بمصر.
242 - الكامل لابن عدي، ط الثالثة دار الفكر بيروت.
243 - كبرى اليقينات الكونية للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، ط الثانية نقلاً عن كتاب موقف العقل والعلم.
243 - الكتاب المقدس، ط بيروت سنة 1951م و كتب عليه : وقد ترجم من اللغات
الأصلية ، نشر جمعيات الكتاب المقدّس المتحدة.
244 - الكشاف للزمخشري، ط مصطفى البابي الحلبي بمصر سنة 1367 ه-- .
245 - كشف الخفاء ومزيل الإلباس لإسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي، القدسي بمصر سنة 1351 ه--
246 - كشف الرمس للمحمودي رحمه الله
247 - كشف الظنون للجلبي ، ط وزارة المعارف التركية.
248 - الكشف عن مناهج الأدلة لابن رشد.
249 - كشف اللبس عن حديث ردّ الشمس للسيوطى
250 - كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد للعلامة الحلي مطبعة الحكمة بقم.
251 - كشف اليقين للعلامة الحلي، ط حجرية.
252 - كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب علیه السلام للحافظ الكنجي الشافعي، ط الحيدرية في النجف سنة 1390 ه-- و ط الغري.
253 - الكلم اللامع - مخطوط - للسيد قاسم الخطيب.
254 - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي، ط صيدا و ط الحيدرية.
-255 - كنز العمال للمتقي الهندي، ط حيدرآباد الأولى و ط مؤسسة الرسالة بيروت.
256 - الكون الغامض لحجة الفلك العالمي السير جيمس جينز.
257 - اللئالي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للسيوطي، ط الأدبية سنة 1317 ه-- الأولى بمصر بولاق.
258 - اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير، ط دار صادر
259 - لسان العرب لابن منظور، ط أوفست مصر بولاق و ط دار صادر بیروت.
260 - لسان الميزان لابن حجر العسقلاني، ط افست حیدرآباد.
261 - لطائف المعارف للثعالبي، ط مصر .
262 - المبسوط للسرخسي، ط بيروت أوفست دار المعرفة بيروت سنة 1398 هج--
263 - مجلة الذكرى السنة الأولى عدد / 3
264 - مجلة تراثنا .
265- مجمع البيان للطبرسي، ط صيدا.
266 - مجمع الزوائد لنور الدين الهيثمي ، ط القدسي سنة 1353 ه-- بمصر.
267 - المجموعة النبهانية للعلامة يوسف بن إسماعيل النبهاني، ط دار المعرفة بيروت.
268 - المحتسب لابن جني.
269 - محمد المثل الكامل تأليف محمد أحمد جاد المولى بك، ط الاستقامة
بمصر سنة 1371 هج--
270 - المحمدون من الشعراء للقفطي، ط حيدرآباد.
271 - المختصر في أخبار البشر لابي الفداء، ط بيروت افست عن بولاق.
272 - مختصر مشكل الآثار للطحاوي، ط حيدرآباد.
273 - مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني، ط حجرية.
274 - مرآة الجنان لليافعي، ط بيروت.
275 - مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي، ط حيدرآباد.
276 - مرقاة المفاتيح للملا علي القاري، ط دار الكتب العلمية بيروت.
277 - مزيل اللبس عن حديث ردّ الشمس لأبي عبد الله محمد بن يوسف الغيطي الدمشقي الصالحي، نسخة في مكتبة الأوقاف المركزية بالموصل في مجموع رقم (95/ 20) كما في فهرس المكتبة المذكورة ج 2 / 92 .
278 - مزيل اللبس عن حديث ردّ الشمس طبعه المرحوم العلامة الشيخ محمد باقر المحمودي في كتابه كشف اللبس عن حديث ردّ الشمس ط مؤسسة المعارف الإسلامية بقم سنة 1419 ه--
279 - المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري، ط دمج افست بحلب عن حیدرآباد و ط دار الكتب العلمية تح-- مصطفى عبد القادر.
280 - مسند أحمد بن حنبل، ط مصر الأولى و ط تح-- أحمد محمد شاكر و ط أفست صادر.
281 - مسند ابن عباس لأحمد بن حنبل بتحقيق أحمد محمد شاكر.
282 - مسند أبي داود الطيالسي ، ط حيدرآباد.
282 - مشكل الآثار للطحاوي، ط حيدرآباد
283- المصباح المنير للفيّومي، ط بولاق سنة 1921 و النسخة المطبوعة على الحجر سنة 1338 ه-- .
284- مصابيح السنة للبغوي، ط الخيرية بمصر.
285 - المصنف لابن أبي شيبة، ط نشر إدارة القرآن والعلوم الإسلامية كراتشي باكستان سنة 1406 ه-- وط مكتبة الرشد في الرياض سنة 1409 ه-- .
28 - المطالع الشمسية في المدائح النبوية للنواجي.
-287 - مع الله .. في السماء للدكتور أحمد زكي مدير جامعة القاهرة، ط دار الهلال.
288 - المعارف لابن قتيبة تح-- ثروت عكاشة، ط مصر الأولى و ط مصر سنة 1960م.
289 - معاهد التنصيص لعبد الرحيم بن عبد الرحمن العباسي، ط البهية بالقاهرة.
290 - المعتصر من المختصر من مشكل الآثار للقاضي أبي المحاسن يوسف بن موسى الحنفي، ط الثانية حيدرآباد.
291 - معجم القراءات القرآنية، ط الثانية سنة 1408ه--.
292 - معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة، ط الترقي بدمشق سنة 1378 هج--.
293 - المعجم الكبير للحافظ الطبراني، ط الثانية بمطبعة الزهراء بالموصل تح-- السلفي وط الأولى بمطبعة الوطن العربي.
294 - المعرفة والتاريخ للفسوي تح-- الدكتور أكرم ضياء العمري، ط أوقاف بغداد.
295 - المغني في الضعفاء للذهبي، ط مصر .
296 - مفتاح النجا للبدخشي، ط حجرية.
297 - المقاصد الحسنة لشمس الدين السخاوي، ط مصر تحقيق عبد الله
الصديق وتقديم عبد الوهاب عبد اللطيف.
298 - مقالات الكوثري للشيخ محمد زاهد الكوثري الحنفي.
299 - مقدمة التفسير للراغب الإصفهاني، ملحقة طباعة بكتاب (تنزيه القرآن) للقاضي عبد الجبار المعتزلي، ط الجمالية بمصر سنة 1329 هج--.
300- المفاوضات السرية بين العرب واسرائيل والأسطورة والامبراطورية والدولة اليهودية لمحمد حسنين هيكل، ط مصر.
301- مفردات الراغب الأصبهاني، ط الميمنية بمصر سنة 1324 ه--.
302 - من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق أبو جعفر ابن بابويه القمي تح-- المرحوم الحجة السيد حسن الموسوي الخرسان قدس سره ط دار الكتب الإسلامية في النجف الأشرف سنة 1377 - 1378 ه-- .
303 - المنار الرشيد رضا، ط مصر .
304 - المنار المنيف في الصحيح والضعيف لابن قيم الجوزية، ط مكتب المطبوعات الإسلامية في حلب.
305-مناقب أمير المؤمنين علیه السلام لابن المغازلي المالكي المعروف بابن الجلابي، ط الإسلامية إيران
-306 - مناقب الإمام أميرالمؤمنين علیه السلام للخوارزمي الحنفي، ط الحجرية سنة 1226 ه- و ط الحيدرية.
307- مناقب ابن شهر آشوب ،السروي، ط حجرية سنة 1316 ه-- و ط الحيدرية.
308 - مناقب الشافعي .
-309 - المنتظم لابن الجوزي، ط حیدرآباد و ط دار الكتب العلمية بيروت.
310 - المنتقى في عصمة الأنبياء للإمام نور الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر الصابوني الحنفي.
-311 منتهى الطلب للعلامة الحلي، ط حجرية.
312- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية لابن تيمية الحراني الحنبلي، ط افست بولاق سنة 1322 ه-- .
313 - منهاج الكرامة للعلامة الحلي.
314 - المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود، ط الاعتصام بالخيمية سنة 1375ه--.
315 - موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف، ط عالم التراث بيروت. 316- الموضوعات لابن الجوزي، ط الأولى سنة 1386 ه-- نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.
-317 - ميزان الاعتدال للذهبي تح-- البجاوي، ط مصر الأولى و ط محققة.
318 - النجوم الزاهرة لابن تغري بردي، ط افست مصر و ط تراثنا بمصر.
319- نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث لإسماعيل الكردي، ط دار الأوائل سنة 2002م.
320 - نزهة المجالس و منتخب النفائس للشيخ عبدالرحمن الصفوري، ط مصر .
321- نسمة السحر فيمن تشيع و شعر، ط بيروت دار المؤرخ تحقيق كامل سلمان الجبوري.
322- نسيم الرياض بشرح الشفاء للقاضي عياض للشهاب الخفاجي، ط دار الفكر.
323- نصب الراية لأحاديث الهداية لجمال الدين عبد الله بن يوسف الحنفي الزيدعي ، ط المجلس العلمي سنة 1357 ه-- مصر و ط دار الحديث بمصر سنة 1357 ه-- الأولى.
324 - نظرات في القرآن لمحمد الغزالي رحمه الله .
325 - نظم السيرة لأبي الفضل العراقي تح-- التاج السبكي.
326 - النهاية في غريب الحديث لابن الأثير تح-- الزاوي و محمود محمد الطناحي، ط مصر و ط بمط الخيرية بمصر سنة 1322 ه-- الأولى.
327 - نهاية الإرب للنويري، ط دار الكتب المصرية.
328 - نهج البلاغة بشرح محمد عبده، ط مؤسسة دار الهجرة وط الاستقامة الأولى بمصر.
329 - نور الأبصار للشبلنجي، ط مصر الأولى.
330 - النور المسافر للعلامة بهاء الدين السبكي.
331 - هامش مقالات الكوثري نقلاً عن الحاوي في سيرة الطحاوي للكوثري، ط مصر.
332- الهيئة والإسلام للمرحوم العلامة الحجة السيد هبة الدين الشهرستاني، ط الآداب سنة 1381ه--
333-وفيات الأعيان لابن خلكان ط تح-- د . إحسان عباس ط دار صادر بیروت في ترجمة يزيد بن زياد بن مفرغ ط حجرية بإيران و ثالثة ببولاق.
334- الوافي بالوفيات للصفدي، ط النشرات الإسلامية برعاية جمعية المستشرقين الألمانية.
335 - الوحى لمحمد رشيد رضا ط مصر.
336- وسائل الشيعة للحر العاملي ط مؤسسة آل البيت علیهم السلام .
337 - وسيلة النجاة لمحمد مبين، ط الهند لكنهو .
338 - وفاء الوفاء لنور الدين السمهودي، ط مصر
339 - وقعة صفين لنصر بن مزاحم المنقري تح-- عبد السلام محمد هارون، ط عیسی البابي الحلبي وشركاه بالقاهرة سنة 1365 ه-- .
340 - ينابيع المودة للقندوزي الحنفي، ط اسلامبول سنة 1302 ه-- و ط الحيدرية بتقديمي.
مقدمة المؤلّف... 5
ماذا سنبحث؟... 9
تمهید...13
الباب الأول
في ذكر المنكرين للمعجزتين، وفيه ثلاثة فصول ... 21
الفصل الأول: وفيه ثلاثة مباحث ... 22
المبحث الأول في أسماء المنكرين للمعجزة جملة وتفصيلاً إلا القرآن المجيد ...22
المبحث الثاني في معرفة أسماء المنكرين لمعجزة شقّ القمر... 36
ثلاثة آخرون أنكروا ولم يُذكروا ... 39
المبحث الثالث في أسماء المنكرين لمعجزة ردّ الشمس و الكلام في مسألتين... 40
المسألة الأولى: في أسماء المنكرين لردّها على العهد النبوي الشريف ...40
المسألة الثانية: في المنكرين لردها على العهد العلوي المنيف ... 41
الفصل الثاني: في الجواب عن الشبهات من خلال ثلاثة مباحث ... 51
المبحث الأول في حقيقة الإعجاز وما هي المعجزة؟ ... 51
أولاً: تعريف الإعجاز والمعجزة ... 51
ثانياً : شروط المعجزة ... 54
ما هي العادة و ما هو خرق العادة ؟ ... 59
المبحث الثاني: في الفرق بين المعجزة وبين الكرامة، وماذا عن الكرامة؟... 62
المبحث الثالث: في السحر والشعبذة هل يساوقان المعجزة في الإعجاز ... 69
المسألة الأولى: لقد قيل في تعريفه ... 69
المسألة الثانية: في تفعيله ... 70
المسألة الثالثة: أجمع المسلمون على حرمته ... 74
فرية بلا حياء ... 71
لفت نظر وتصحيح خطأ ... 75
الفصل الثالث: في إمكانية خرق النواميس الطبيعية والشواهد ... 88
أولاً : لابد لنا من إيمان ... 88
ثانياً: لآياتٍ لقوم يعقلون ... 91
ثالثاً: من كان يعلم في عهد الرسالة ما هي الأنواء الجوية والمناخية ... 92
رابعاً : آیات كونية في السماء والأرض ... 94
خامساً: ماذا قال العلم الحديث في المقام؟ ... 96
سادساً : وقفة أدبية عابرة وذات عبرة ... 99
مذنّب هالي ... 100
سابعاً: لماذا الحديث عن المذنبات؟ ... 102
الباب الثاني
في معجزة شقّ القمر بين النفي والإثبات والكلام في ذلك ... 109
تمهید ... 109
الأولى - خير ما نفتتح به الباب ... 109
الثانية - النبي الكريم وقرآنه المجيد بين ملحد و موحّد ... 111
الثالثة - المعجزة الخالدة هي الحجة الشاهدة ... 116
الرابعة - وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ... 121
الخامسة - العلم يدعو إلى الإيمان ... 123
السادسة - خظرفة القمر من دون اختلال في الفلك ... 127
السابعة - رؤية رتن لانشقاق القمر في الهند ... 130
شاهد تصديق لما رواه رتن ... 134
المبحث الأول: ومن هم النفاة؟ وما الذي قالوه ؟ ... 135
من هم النفاة ؟ ... 137
رواية الإمام الحليمي في رؤيته شقّ القمر في زمانه ... 143
المبحث الثاني: في أدلة إثبات معجزة انشقاق القمر ... 146
المسألة الأولى: إنّ الشاك في مسألتي انشقاق القمر و ردّ الشمس ...146
المسألة الثانية: ... 147
المسألة الثالثة: ... 147
المسألة الرابعة: ... 147
المحورالأول: في أدلة الإثبات عند المفسّرين ... 148
ما الذي قاله المفسرون ؟ ... 149
تمام البرهان في الميزان ... 156
تطوّر جديد في تفسير القرآن عند مُحدثي المفسرين ... 157
المحور الثاني : ماذا عند المحدثين؟ ... 164
المحور الثالث: ماذا عند المتكلمين؟ ... 175
إفحام الخصوم ... 181
المحورالرابع: مع المؤرّخين ... 183
في سؤال قريش - رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أن يُريَهُم آيةً فأراهم آية انشقاق القمر ...187
تنبيهات ... 188
في تقنيات العلم الحديث نفع و ضرر ... 194
الخاتمة: خاتمة ماذا عن هذه المعجزة في العلم الحديث؟ ... 195
تذييل الخاتمة : في الرد على رومانوس الحمصي ... 215
دراسة عقلانية موضوعية لخرافة إنشقاق القمر ... 218
ماذا يقول العلم عن انشقاق القمر ؟ ... 237
صفحات من كتاب صليبية إلى الأبد لعبد الفتاح مقصود ... 241
الباب الثالث
الفصل الأول: ماذا عن ردّ الشمس إمكاناً ؟ وفيه جهات من الكلام ... 255
الجهة الأولى: في أن ردّ الشمس من سنخ شقّ القمر إعجازاً ... 255
الجهة الثانية : قتل الإنسان ما أكفره ... 259
الجهة الثالثة: ماذا نعرف عن الشمس؟ ... 261
الجهة الرابعة: في بعض ما قاله القدماء في إثبات إمكانية الحَدَث ... 263
الجهة الخامسة : في ذكر بعض ما قاله المحدثون ... 269
الجهة السادسة : ماذا قال شيخ الأزهر في ردّ الشمس؟ ... 273
الفصل الثاني: ماذا عن ردّ الشمس وقوعا في الأمم السالفة؟ ... 276
المسألة الأولى في ردّ الشمس أو حبسها سابقاً للأنبياء والأوصياء ... 276
المسألة الثانية : من أبي هريرة إلى الألباني ... 277
الفصل الثالث: من هم الأوصياء الثلاثة الذين ردّت لهم الشمس؟ ... 282
1 - ردّ الشمس السليمان وصي داود علیهما السلام ... 283
تكذيب كعب الأحبار فيما رآه و ما رواه ... 285
ماذا عن أهل البيت علیهم السلام في ذلك ؟ ... 287
بين ردّ الآلوسي وتناقض الرازي ... 288
-2- ردّ الشمس ليوشع بن نون وصي موسى علیه السلام ... 291
3 - ردّها كرامة لنبينا ووصيه صلى الله عليهما وآلهما ... 293
الفصل الرابع: في ردّ الشمس للإمام أمير المؤمنين علیه السلام مرتين ... 298
المرّة الأولى: مكاناً وزماناً بالصهباء من أرض خيبر ... 298
المسألة الأولى: من روى ذلك الحديث من الصحابة؟ ... 300
المسألة الثانية : ابن عباس وحديث ردّ الشمس ... 302
المسألة الثالثة : أبو هريرة وحديث ردّ الشمس ... 305
فماذا روى أبو هريرة في حديث ردّ الشمس؟ ... 307
ماذا قال المناوي؟ ... 310
المسألة الرابعة: نفاة الحديث من هم؟ وماذا قالوه ؟ ... 312
أولاً : فماذا قال ابن عساكر في كتابه ... 313
تعقیب بلا تثريب ... 314
الحكم في ترك الصلاة ... 326
عودة إلى بقية رجال الإسناد ... 327
ثانياً : تعريف ابن الجوزي بأقلام أصحابه ... 337
ماذا قال ابن الجوزي في الحديث؟ ... 341
فماذا قال ابن عراق الكناني في مسألة ردّ الشمس ... 343
ثالثاً: ابن تيمية بأقلام أهل السنة ... 350
ماذا قال ابن تيمية في هذا الحديث ... 352
دلائل الصدق تهتف بالحق ... 359
رابعاً: ابن كثير الشامي من هو ؟ وماذا قال في الحديث؟ ... 363
ماذا هو الشاهد ؟ ... 367
بيان الخلل في قصة يا سارية الجبل ... 382
المسألة الخامسة: في تصحيح الحديث لدى المحدثين ... 394
تنبيهات ... 418
تحقيق لعابر الطريق ... 434
المسألة السادسة: في ذكر المؤلّفين في إثبات الحديث ... 439
المسألة السابعة : في مصادر (حديث ردّ الشمس) ... 442
المسألة الثامنة : في أهازيج الشعراء ... 450
حرف الهمزة والألف المقصورة ... 452
قافية الباء ... 456
قافية التاء ... 459
قافية الجيم ... 460
قافية الحاء ... 461
قافية الدلال ... 461
قافية الراء ... 462
قافية الطاء ... 465
قافية العين ... 466
قافية الفاء ... 471
قافية القاف ...471
قافية الكاف ... 472
قافية اللام ... 472
قافية الميم ... 480
قافية النون ... 480
قافية الهاء ... 482
قافية الياء ... 484
الكلام في ردّ الشمس في المرة الثانية زماناً ومكاناً ... 488
المسألة الأولى: في زيغ البخاري عن الحق ، و مراوغته ... 488
المسألة الثانية : ذكر الخبر بردّ الشمس للإمام أمير المؤمنين علیه السلام ... 491
المسألة الثالثة : في شواهد شعرية خاصة بهذه المرّة ... 495
دفع إشكال في هذا المجال ... 496
زيادة إيضاح في ردّ الشمس ... 497
المسألة الرابعة: مسجد الشمس ببابل - الحلة ... 499
لبسٌ أم دسّ حول مشهد ردّ الشمس ... 502
المسألة الخامسة : نواصب يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهَ ... 505
الخاتمة ... 511
فهرس المصادر ... 517
فهرس الكتاب ... 541