ghaemiyeh.com
سرشناسه:صانعی، یوسف، 1316-1399.
Saanei, Yusuf
عنوان و نام پديدآور:حرمة اغتیابالانسان/ یوسف الصانعی؛ مرکز تدوین و نشر آثار آیةاللهالعظمیالصانعی.
مشخصات نشر:قم: فقهالثقلین، 1444ق.= 1401.
مشخصات ظاهری:95ص.؛ 19×9/5سم.
فروست:سلسلةالفقهالمعاصر؛ 16.
شابک:978-622-94734-8-1
وضعیت فهرست نویسی:فاپا
يادداشت:زبان : عربی.
یادداشت:کتابنامه : ص. 92 - 95 ؛ همچنین به صورت زیرنویس.
موضوع:غیبت (اخلاق اسلامی)
*Backbiting (Islamic ethics)
فقه جعفری -- رساله عملیه
*Islamic law, Ja'fari -- Handbooks, manuals, etc.
فتواهای شیعه -- قرن 14
Fatwas, Shiites -- 20th century
شناسه افزوده:مرکز تدوین و نشر آثار حضرت آیتالله العظمی صانعی
رده بندی کنگره:BP251/3
رده بندی دیویی:297/634
شماره کتابشناسی ملی:9038542
اطلاعات رکورد کتابشناسی:فاپا
سلسلة الفقه المعاصر(16)
بسم الله الرحمن الرحيم
مرکز تدوين و نشر آثاز حضرت آية الله العظمي صانعي
سلسلة الفقه المعاصر 16
حرمة اغتياب الإنسان
مقتبس من نظريات المرجع الراحل
سماحة آية الله العظمى الشيخ يوسف الصانعي قدس سره
مركز تدوین و نشر آثار آیة الله العظمى الصانعي قدس سره
1444 ه- .ق
سلسلة الفقه المعاصر 16
حرمة اغتياب الإنسان
مقتبس من نظريات المرجع الراحل
سماحة آية الله العظمى الشيخ يوسف الصانعي قدس سره
الناشر: منشورات فقه الثقلين
الطبعة: الإولي/ 1444 - الكمية: 500 نسخة
ردمك: 3 - 62 - 5280 - 600 - 978
حقوق الطبع محفوظة للناشر
مكتب الإدارة:
قم، شارع الشهداء (الصفائية) شارع 37 ، الزقاق الخامس (ناصر)، پلاك 162
رمز البريد: 47664 - 37137 / صندوق البريد: 967 - 37185
الهاتف: 8 - 37835101 (025) / الفاكس: 37835109 (025)
مكتب النشر والتوزيع: قم، شارع المعلّم، مجمع الناشرون، الطابق الأول، الرقم 34
رمز البريد: 99965 - 37156 / صندوق البريد: 557 - 37185
الهاتف : 37835090 (025 ) / الفاكس: 37835091 (025)
موقع الكتروني: www.feqh.ir / البريد الإلكتروني: infor@feqh.ir
المدخل ... 9
هل يشترط الإسلام والإيمان في القول بحرمة الغيبة؟ ... 15
الأقوال في المسألة: ... 15
أدلة عدم جواز غيبة جميع الناس ... 15
الدليل الأوّل: عموم آية حرمة الغيبة ... 20
الدليل الثاني : عموم روايات «الغيبة» ... 22
نسبة الروايات الخاصة إلى الروايات العامة في حرمة الغيبة ... 29
الدليل الثالث : عموم روايات حسن المعاشرة والأخلاق ... 33
كلام المقدس الأردبيلي في حرمة غيبة المسلم ... 37
مناقشة أدلّة جواز غيبة المخالفين ... 39
أ. الروايات الدالة على كفر المخالفين ... 41
نقد روايات كفر المخالفين ... 42
ب. الروايات الدالّة على نصب المخالفين ... 46
نقد أدلّة القول بنصب المخالفين ... 49
ج. الخطاب في صدر آية «تحريم الغيبة» ... 52
د. ذيل الآية الكريمة «تحريم الغيبة » ... 53
ه-. اعتبار المخالفين أهل البدعة ... 54
نقد الدليل على اعتبار المخالفين أصحاب بدعة ... 56
و. تجاهر المخالفين بالفسق ... 61
ز. سيرة المتشرّعة على غيبة المخالفين ... 61
الأصل العملي في المسألة ... 63
غيبة غير المسلمين ... 64
معنى «الكفر» و«الكافر» ... 64
مفردة «الكفر» و«الكافر» في اللغة ... 65
مفردة «الكفر» و«الكافر» في القرآن الكريم ... 67
مفردة «الكفر» و «الكافر» في الروايات ... 70
كلام «حديقة الأصول» حول قصور وتقصير الكفار ... 73
كلام الإمام الخميني في قصور وتقصير الكفار ... 74
كلام الشهيد المطهري رحمة الله عليه في القاصرين والمقصرين من غير المسلمين ... 76
الكرامة الذاتية للبشر ... 79
التعامل مع غير المسلمين من زاوية الروايات ... 81
نماذج عمليّة من تعامل المعصومين مع المختلفين وغير المسلمين ... 84
النتيجة ... 90
المصادر ... 92
سلسلة الفقه المعاصر / 16
حرمة اغتياب الإنسان
قال تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ(1). إنّ الغيبة من الذنوب المعدودة التي تمّ تناولها بالبحث في علم الفقه. وقد بحثها الفقهاء في الغالب ضمن المكاسب المحرّمة، بوصفها واحدة من الموارد التي يحرم التكسّب بها، بسبب حرمتها في نفسها.
1) - الحجرات (49): 12.
على الرغم من أنّ التكسّب بالغيبة لا يبدو متداولاً ومتعارفاً في الوهلة الأُولى، ولكن حيث يتمّ هنالك طرح بعض الذنوب، من قبيل: الكذب، والسبّ، وهجاء المؤمن وما إلى ذلك - ممّا لا يخلو من شائبة عدم التكسّب به - تمّ طرح هذه المسألة أيضاً، وهذا يدلّ على أهمّية هذا الموضوع واهتمام الفقهاء به. ومن هنا قلّما نجد كتاباً فقهيّاً كاملاً لم يتناول هذه المسألة بالبحث والنقاش، أو العبور عليها دون بحث أبعادها المختلفة.
ثمّ إنّ التكسّب بهذه الذنوب وأمثالها - ولا سيّما الغيبة - قد لا يبدو مستبعداً في الوقت الراهن، فحالياً هناك أشخاص أو جماعات تقوم بهذه الممارسات من أجل تشويه سمعة بعض الأفراد والجهات، والعمل بعد ذلك على مصادرة مناصبهم ومواقعهم والاستحواذ عليها، أو أن يستأجروا بعض المرتزقة للقيام بهذه الممارسات نيابة عنهم، بغية تحقيق أهدافهم.كما تناولت الكتب الأخلاقيّة مسألة الغيبة بشكل خاصّ، ويمكن القول: إنّ سبب ذلك يعود إلى شيوع هذه الموبقة، وكذلك اهتمام الشارع المقدّس بها.
ثمّ إنّ جميع طبقات المجتمع من الرجال
والنساء، والشيوخ والشباب، والعلماء والعوام وغيرهم يعانون من الابتلاء بهذا المرض، وقلّما نجد مكاناً أو زماناً يخلو من هذه المعصية، وربما لهذا السبب ذهب علماء الأخلاق إلى اعتبار الغيبة من أعظم المهالك وأشدّ المعاصي، وعلى هذا تدلّ آيات القرآن الكريم والروايات المأثورة عن الأئمّة المعصومين (سلام الله عليهم أجمعين).
ومن زاوية علم النفس وعلم الاجتماع تعتبر الغيبة سبباً في انعدام الطمأنينة والثقة في المجتمع؛ إذ تؤدّي إلى تفشّي ظاهرة سوء الظنّ في المجتمع وعدم وثوق الأفراد ببعضهم من جهة، وكذلك اضطراب الشخص المغتاب نفسه من ناحية أُخرى بسبب خوفه من اغتياب الآخرين له. ويمكن القول: إنّ هذا الأمر هو أحد وجوه اعتبار أنّ «الغيبة أشدّ من الزنا».
وذلك لأنّ الطمأنينة الفرديّة والاجتماعيّة واحدة من الأُمور الهامّة جداً في إطار الوصول إلى كمال وسعادة الفرد والمجتمع، ولا شكّ في أنّ الإخلال بهدوء وطمأنينة الفرد والمجتمع واحدة من العقبات الكبرى التي تقف أمام سعادة وكمال الإنسان في الدنيا والآخرة.
ولا يخفي أنّ هذا الكتاب الذي بين أيدينا كتاب
فقهي يحتوي على آراء سماحة آية الله العظمى الشيخ يوسف الصانعي (رحمة الله عليه) في هذا الشأن، وهي منبثقة عن رؤية جديدة إلى الأدلّة الفقهيّة في إطار الفقه الجواهري، ولكن الحيوي والمتطابق مع جميع الشرائط الداخلة في الاجتهاد. ومن الطبيعي أن تؤدّي الرؤية الجديدة والمختلفة إلى مشهد جديد ومختلف عن ذلك الشيء الذي كنّا نراه حتّى الآن. إنّ هذا الاختلاف والتفاوت هو ثمرة الرؤية العميقة والثاقبة، والتخلّي عن بعض العصبيّات والأفهام المسبقة والجاهزة تجاه أدلّة الفقه، أي الكتاب والسنّة والعقل، مع رعاية أُصول الاجتهاد الحيوي، دون الخروج عن إطار الفقه والاجتهاد الجواهري.
من ذلك أنّكم ستجدون في هذا الكتاب على سبيل المثال: أنّ الرؤية التقليديّة للفقهاء (قدّس الله أسرارهم) إلى هذه المسألة تشير إلى اختصاص حرمة الغيبة بالشيعة الاثنى عشريّة. وهذا يعني جواز اغتياب أتباع سائر المذاهب الإسلاميّة وسائر الأديان الأُخرى. وهذا ما قال به جميع الفقهاء تقريباً،باستثناء بعضهم، من أمثال المحقّق البحراني، وصاحب الجواهر، والسيّد الخوئي، والإمام الخميني وآخرين.
وقد أقاموا على هذا المدّعى أدلّة من الكتاب
والسنّة والإجماع.
من ذلك أنّ المحقّق الأردبيلي (رحمة الله عليه) في «مجمع الفائدة والبرهان» بعد الفراغ من جواز غيبة الكفّار، رفض اغتياب المسلمين بشكل مطلق، وقال: «كما أنّ دمهم ومالهم محترم، كذلك تحترم أعراضهم أيضاً»(1).
إلّا أنّ النظرة المختلفة والدقيقة إلى مصادر الفقه (الكتاب والسنة)، والاستناد إلى آراء السلف الصالح في جميع مواضع الكتب الفقهيّة، تؤدّي بنا إلى القول بأنّ اغتياب جميع الناس - بغضّ النظر عن أديانهم ومذاهبهم وحتّى الكفّار منهم - لا يخلو من الحرمة، وإنّ جميع الناس محترمون وتصان أعراضهم، ما لم يُسيئوا إلى مقدّسات وعقائد المسلمين والموحّدين، ولم يخالفوا العقيدة الحقّة عن عناد ولجاج وتقصير.
إنّ هذا المعنى ينسجم مع الكرامة الذاتيّة لجميع الناس، على ما ورد في القرآن الكريم وروايات الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) . قال الله تبارك وتعالى في محكم كتابه:
وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا(2).
وفي المأثور عن رسول الله (صلي الله عليه و آله) أنّه قال: «الناس كأسنان المشط سواء»(1).
نسعى في هذا الكتاب إلى القول بأنّ الآيات والروايات لا يمكن أن يُستفاد منها الدلالة على أنّ الأفضليّة في العقيدة والدين تمنح المعتقد حقوقاً وأحكاماً خاصّة، وكما أنّ العِرق والقوميّة والأرومة واللون والقوّة والثروة لا تمنح صاحبها أفضليّة وامتيازاً في الحقوق والأحكام على الآخرين، كذلك فإنّ الانتماء إلى المذهب أو العقيدة أو الاتجاهات الفكريّة والسياسيّة بدورها لا تمنح المنتمي ميزة في الأحكام والحقوق، بل إنّ المحترم والمشمول لإطلاقهذه الآية الكريمة هو ذات الإنسان بما هو إنسان.
وعليه كما يحرم سبّ وهجاء واغتياب المسلمين والشيعة، كذلك يحرم سبّ وهجاء واغتياب سائر الناس، أيّاً كانت عقيدتهم، وأيّاً كان انتماؤهم الفكري أيضاً، ويُستثنى من ذلك التقصير والعناد والنصب والسبّ واللجاج؛ إذ أنّ هذه الموارد تستوجب القول بجواز اغتياب أصحابها.
والحمد لله ربّ العالمين
1) - من لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 379.
بمعنى: هل حرمة الغيبة مختصّة بالمؤمنين (أي: الشيعة الإماميّة الإثنى عشرية) فقط، وعدم شمول هذه الحرمة لسائر المسلمين والكفّار، ومن هنا يجوز اغتياب هؤلاء. أم تختصّ حرمة الغيبة بعموم المسلمين، وتجوز غيبة الكفّار فقط؟
هناك في هذه المسألة ثلاثة احتمالات، بل ثلاثة أقوال.
1 - حرمة غيبة كل إنسان محترم النفس والمال
والعِرض، سواء في ذلك المؤمن، والمسلم غير المؤمن، بل وسائر أبناء البشر من غير المسلمين أيضاً.
2 - اختصاص حرمة الغيبة بالمسلمين فقط. وعليه تجوز غيبة غير المسلمين، وتبقى غيبة المخالفين من المسلمين (أي: المسلمون من غير الشيعة الإماميّة الإثنى عشريّة) على الحرمة. والقائل بهذا القول هو المقدّس الأردبيلي (رحمة الله عليه) (1).
3 - اختصاص حرمة الغيبة بالمؤمنين فقط. وعليه تجوز غيبة جميع المخالفين من الكفّار وحتّى سائر المسلمين أيضاً. وهذا هو القول المشهور بينالفقهاء، وقد ذهب الشيخ البحراني (صاحب الحدائق)، والشيخ حسن النجفي (صاحب الجواهر)، والشيخ الأنصاري، والسيّد الخوئي، والإمام الخميني، من كبار العلماء إلى هذا القول وأقاموا الدليل عليه.
وقد استدلّ المحدّث البحراني في البين لجواز غيبة الكفّار، بسبب شركهم وكفرهم، وقال بجواز غيبة المخالفين من هذا الباب أيضاً، واستشهد لذلك بالروايات والأخبار الدالّة على هذه المسألة(2).
وقال صاحب الجواهر (رحمة الله عليه) بدوره:
«في جواز غيبة المخالفين بسبب كفرهم، يلحقون بالمشركين». ثمّ قال بعد ذلك بأسطر: «لا أقلّ من أن يكون جواز غيبتهم لتجاهرهم بالفسق؛ فإنّ ما هم عليه أعظم أنواع الفسق بل الكفر»(1).
وقد ذهب الشيخ الأنصاري بدوره إلى القول بأنّ ظاهر الأخبار والروايات على اختصاص حرمة الغيبة بالمؤمنين، وقال بقيام ضرورة المذهب على عدم احترام المخالفين وعدم جريان أحكام الإسلام عليهم(2).
وأمّا سماحة الإمام الخميني، فلم يرَ جواز غيبة المخالفين من باب الكفر والشرك، بل إنّه وجد مجموع أدلّة الباب قاصرة عن إثبات حرمة الغيبة لغير المؤمن، وقال في ذلك:
«الإنصاف أنّ الناظر في الروايات لا ينبغي أن
1) - جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج 22، ص 62 - 63.
2) - «ثمّ إن ّ ظاهر الأخبار اختصاص حرمة الغيبة بالمؤمن؛ فيجوز اغتياب المخالف، كما يجوز لعنه. وتوهّم عموم الآية كبعض الروايات لمطلق المسلم، مدفوع بما علم بضرورة المذهب من عدم احترامهم وعدم جريان احكام الإسلام عليهم». (كتاب المكاسب المحرّمة، ج 1، ص 319).
يرتاب في قصورها عن إثبات حرمة غيبتهم، بل لا ينبغي أن يرتاب في أنّ الظاهر من مجموعها اختصاصها بغيبة المؤمن الموالي لأئمّة الحقّ (عليهم السلام) . مضافاً إلى أنّه لو سلّم إطلاق بعضها وغضّ النظر عن تحكيم الروايات التي في مقام التحديد عليها، فلا شبهة في عدم احترامهم؛ بل هو من ضروري المذهب كما قال المحققون»(1).
كما ذهب السيّد الخوئي (رحمة الله عليه) إلى القول بأنّ دليل جواز غيبة المخالفين يكمن في كونهم من أهل البدعة والكفر والتجاهر بالفسق(2).
بالإضافة إلى ما تقدّم، فقد ورد في جميع الموارد آنفة الذكر أنّ الذي يُستفاد من آيات وروايات الباب هو حرمة الأخ المؤمن، ولا توجد أيّة أخوّة بين الشيعة والمخالفين، وإذا ورد في الأخبار والروايات(3)بعض الموارد بشكل مطلق - سواء بلفظ «الناس» أو بلفظ «المسلم» - يُحمل على «المؤمن».
وقد أضاف هؤلاء الأعلام إلى الأدلّة المتقدّمة النصب والسيرة المتشرّعة القائمة على سبّهم ولعنهم بين العوام والعلماء، وكذلك دلالة صدر وذيل الآية الكريمة التي ورد فيها الخطاب للمؤمنين، والتشبيه بالأخ المؤمن.
وسوف نتناول جميع هذه الأدلّة في الأبحاث القادمة بالنقد والنقاش الدقيق.
وسوف نبدأ أوّلاً بإثبات أدلّتنا على الرأي المختار، الذي هو عدم جواز غيبة كلّ إنسان، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى نقد ومناقشة أدلّة الآخرين، وسوف نثبت قصورها عن هذا المدّعى.
و هي: وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ(1).
إن قيل: إنّ الخطاب في هذه الآية يخصّ المؤمنين، وعليه فإنّه لا يشمل غيرهم.
قلنا له في الجواب:
أوّلاً: إنّ الكثير من آيات القرآن التي تذكر الأحكام المختلفة، تبدأ بخطاب يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، مع أنّها
1) - الحجرات (49): 12.
تشتمل على الكثير من التكاليف والحقوق المدنيّة والاجتماعيّة، ولا شكّ في أنّها مشتركة بين جميع الناس؛ الأعمّ من المسلمين والكفّار والمشركين.
ثانياً: إنّ هذا النوع من الخطابات يأتي في سياق حثّ وتحريض وتشجيع المؤمنين، وفي إطار توفير الضمانة التنفيذيّة للقوانين والأحكام. وبعبارة أُخرى ومبسّطة: إنّ هذه الأحكام والقوانين وإن كانت مطلوبة من جميع أفراد المجتمع - الأعمّ من المسلمين وغير المسلمين والمؤمنين - إلّا أنّ توقّع القيام بها من المؤمنين يكون أكثر من غيرهم؛ بحيث لا يتّم تعطيل تنفيذها والقيام بها.
ثالثاً: إنّ عموم التعليل في ذيل الآية: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا، تستوجب تعميم حكم الحرمة إلى غير المؤمنين من المخالفين والكفّار؛ لأنّ المراد من الأخ في هذه الآية الكريمة هو الأخ النسبي الذي لا يختلف أمره بين أن يكون مؤمناً أو مخالفاً أو كافراً. والمعنى: «يا أيّها الإنسان الذي تكره أكل لحم أخيك ميتاً، لا تغتبه».
رابعاً: لو سلّمنا جدلاً باختصاص الآية بالمؤمنين، إلّا أنّ إلغاء الخصوصيّة ومناسبة الحكم والموضوع تقتضي شمول غير المؤمنين بحكم الحرمة أيضاً؛
لأنّ هتك عرض أيّ شخص - مهما كانت عقيدته وخصوصيّته - وفي غيابه حيث لا يمكنه الدفاع عن نفسه، قبيح وظلم بحكم العقل، والعقل في هذاالمورد لا يفرّق بين المؤمن وغيره.
لم ترد في الكثير من الروايات الوارد في حرمة الغيبة أيّ إشارة إلى خصائص المُغاب أبداً، بل ورد بيان حكم الحرمة بشكل عامّ، أو بألفاظ عامّة، من قبيل: «مَن» و«ناس»؛ وهو الذي يُثبت عموم حرمة الغيبة لكلّ إنسان، دون النظر إلى بعض الخصائص. وفيما يلي سوف نبحث في بعض هذه الروايات:
1 - موثقة سماعة عن الإمام الصادق (عليه السلام):
«من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، كان ممّن حرمت غيبته، وكملت مروّته، وظهر عدله، ووجبت أُخوّته»(1).
2 - موثّقة السكوني عن الإمام الصادق (عليه السلام):
«الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من
1) - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ج 12، ص 279، كتاب الحج، أبواب أحكام العشرة، الباب: 152، ح: 2.
الآكلة في جوفه»(1).
3 - موثّقة أُخرى عن السكوني بذات السند: قال رسول الله (صلي الله عليه و آله):
«الجلوس في المسجد انتظاراً للصلاة عبادة ما لم يحدث». قيل: يا رسول الله، وما يحدث؟ قال: «الاغتياب»(2).
4 - رواية نوف البكالي، حيث أراد من أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يعظه؛ فقال:
«اجتنب الغيبة؛ فإنّها إدام كلاب النار». ثمّ قال: «يا نوف، كذب من زعم أنّه ولد حلال وهو يأكل لحوم الناس»(3).
5 - رواية «جامع الأخبار» عن النبيّ الأكرم (صلي الله عليه و آله)، قال:
«كذب من زعم أنّه ولد حلال وهو يأكل لحوم الناس»(4).
وهكذا نلاحظ في جميع هذه الروايات أنّ تحريم الغيبة قد ورد بشكل مطلق، فهي لا تحتوي على أيّ
تصريح بكون المُغاب مسلماً أو شيعيّاً اثنا عشريّاً، بل وردت الحرمة فيالرواية الأُولى بكلمة «مَن»، وفي الروايتين الأخيرتين بكلمة «الناس»، وكلتا الكلمتين تشمل المؤمن والمسلم وغيرهما.
كما أنّ الروايات التي تقول بأنّ الغيبة أشدّ من الزنا، قد وردت بدورها على نحو مطلق، دون بيان أيّ خصوصية أُخرى من قبيل: الإسلام والإيمان. من ذلك مثلاً:
1 - الرواية الواردة في كتاب «الاختصاص» عن رسول الله (صلي الله عليه و آله)، أنّه قال:
«الغيبة أشدّ من الزنا». قيل: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: «صاحب الزنا يتوب فيتوب الله عليه، وصاحب الغيبة يتوب فلا يتوب الله عليه حتّى يكون صاحبه الذي يحلّله»(1).
وقد وردت هذه الرواية في كتب أُخرى، مثل: «الخصال»(2)، و«علل الشرائع»(3)للشيخ الصدوق (رحمة الله عليه) أيضاً.
2 - رواية جابر وأبو سعيد، عن النبيّ
الأكرم (صلي الله عليه و آله)، قال:
«إيّاكم والغيبة؛ فإنّ الغيبة أشدّ من الزنا، إنّ الرجل يزني ويتوب فيتوب الله عليه، وإنّ صاحب الغيبة لا يغفر له حتّى يغفر له صاحبه»(1).
3 - في المأثور عن النبيّ الأكرم (صلي الله عليه و آله) أنّه قال:
«يا أبا ذرّ، إيّاك والغيبة؛ فإنّ الغيبة أشدّ من الزنا». قلت: ولمَ ذاك يا رسول الله؟ قال: «لأنّ الرجل يزني فيتوب إلى الله فيتوب الله عليه، والغيبة لا تغفر حتّى يغفرها صاحبها ... »(2).
وهكذا نلاحظ في جميع هذه الروايات، بيان أنّ الغيبة أشدّ من الزنا بالمطلق، دون ذكر أيّ قيد آخر فيها، أعمّ من الإسلام والإيمان والأُخوّة وما إلى ذلك؛ وعليه يكون حكم هذه الروايات شاملاً لجميع الناس.
وبطبيعة الحال هناك روايات أُخرى أيضاً(3)تدلّ
1) - مستدرك الوسائل، ج 9، ص 118، كتاب الحج، أبواب أحكام العشرة، الباب: 132، ح: 21.
2) - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ج 12، ص 280، كتاب الحج، أبواب أحكام العشرة، الباب: 152، ح: 9.
3) - انظر على سبيل المثال: وسائل الشيعة، ج 12، ص 278، كتاب الحج، أبواب أحكام العشرة، الباب: 154، ح: 3 و6 و7. والباب: 152، ح: 16؛ مستدرك الوسائل، ج 9، ص 113، كتاب الحج، أبواب أحكام العشرة، ح: 3 و9 و13 و15 و22 و30 و31 و32 و33.
على هذا المعنى، وقد أعرضنا عن ذكرها، واكتفينا بذكر بعضها تجنّباًللإطالة.
لا يُقال: إنّ الآيات والروايات العامّة والمطلقة يتمّ تخصيصها أو تقييدها بالروايات المقيّدة بالإسلام والإيمان والأُخوّة؛ ومن هنا يتمّ تخصيص وتقييد ما يدلّ على حرمة الغيبة بشكل عامّ ومطلق، بجميع الأدلّة الدالّة على حرمة المؤمن بشكل خاصّ.
إذ نقول في الجواب: إنّ التخصيص والتقييد إنّما يكون حيث يوجد تعارض وتناف بين العامّ والخاصّ والمطلق والمقيّد، وفيما نحن فيه لا يوجد أيّ تناف أو تعارض بين حرمة غيبة كلّ إنسان وحرمة غيبة المؤمن والمسلم؛ لأنّ كلا النوعين من هذه الأدلّة بصدد إثبات حكم متعلّقه، كما يقال في مصطلح «المثبتين»، وفي مثل هذه الحالة لا يُحمل العامّ على خاصّه، ولا المطلق على مقيّده؛ لأنّ التقييد والتخصيص من قواعد باب التعارض، ولا يوجد في البين تعارض أو تناف.
وكذلك إذا قيل: إنّ الآية الكريمة والكثير من الروايات، بسبب اشتمالها على كلمة «الأخ»، إنّما تدلّ على خصوص حرمة «المؤمن» فقط؛ إذ ليس هناك أيّ أُخوّة بين المؤمن - بمعنى الشيعي الإثنى
عشري الإمامي - وغيره.
قلنا في الجواب: إنّ الأُخوّة الواردة على هذه الشاكلة في مصطلح الآيات والروايات إنّما هي في قبال العداوة، والحال لا يوجد في هذا البحث أيّ كلام بشأن العداوة، ولا توجد بيننا وبينهم خصومة وعداء. لا سيّما وأنّ التعاليم الواردة بشأن حلّيّة ذبيحتهم، وعدم المنع من الزواج منهم، وعدم المنع من دخولهم إلى مساجد المؤمنين، كلّ ذلك يدلّ على عدم وجود العداء بيننا وبينهم، بل إنّ إظهار العداء والخصومة إنّما يكون مع أصحاب البِدَع والمنكرين والجاحدين منهم، والذين ينكرون الحقّ عن علم وعمد منهم.
«نحن إخوة» بمعنى أنّه لا توجد عداوة فيما بيننا، وإنّ كلّ شخص لا يعادي ديننا وعقائدنا لن يكون لنا معه عداوة من الناحية الدينيّة، ولكنّنا لا نؤاخي كلّ شخص يبدي عناداً أو عداوة تجاهنا وتجاه ديننا وعقائدنا.
وكذلك لا يُقال: إنّ كلامكم هذا إنّما هو اجتهاد في قبال النصّ؛ إذ أنّ الله تبارك وتعالى قال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ(1).
1) - الحجرات (49): 10.
إذ يقال في الجواب: إنّ إثبات الشيء لا ينفي ما عداه؛ بمعنى أنّ الآية الكريمة وإن كانت تثبت الأُخوّة بين المؤمنين، ولكنّها في الوقت نفسه لا تنفي الأُخوّة بين الآخرين؛ فهي ليست بصدد بيان أنّهم ليسوا إخوة مع غير المؤمنين.
ولقد تمّ التعبير في هذه الآية عن فئتين وطائفتين من المسلمين بأنّهم إخوة، مع أنّ الحرب كانت قائمة بينهما، وتمّ الأمر بإقامة الصلح والسلام بينهما. وقد ورد ذات هذا التعبير في كلام للإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، ورد بشأن أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد انتصاره على الخوارج، حيث قال:
«إنّ عليّاً (عليه السلام) لم يكن ينسب أحداً من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق، ولكنّه كان يقول: هم إخواننا، بغوا علينا»(1).
بمعنى أنّ المسلمين مهما اختلفوا فيما بينهم، إلّا أنّهم ما داموا مشتركين في أُصول العقيدة فإنّهم يبقون إخوة لبعضهم، وإذا ظهر الخلاف والتخاصم بينهم، وجب على جميع أفراد المجتمع أن يقيموا الصلح والوئام والسلام بين المتخالفين منهم.
1) - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ج 15، ص 82، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو، الباب: 26، ح 10.
ومن هنا لربما كانت الآية الكريمة بصدد بيان الاتّحاد والتلاحم بين مجتمع المسلمين، مع وجود الهدف المشترك، وليست بصدد بيان من هو أخو «المؤمن»، ومن ليس بأخ له.
إنّ لسماحة الإمام الخميني (قدس سره)، في بحث تخصيص العمومات وتقييد المطلقات، كلاماً جديراً بالتأمّل؛ إذ يقول:
ورواية أبي ذرّ عن النبيّ (صلي الله عليه و آله) في وصيّته له، وفيها قال: «يا أبا ذرّ، سُباب المسلم فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه من معاصي الله، وحرمة ماله كحرمة دمه». قلت يا رسول الله، وما الغيبة؟ قال: «ذكرك أخاك بما يكره».
ويمكن أن يُقال: إنّ هذه الرواية -كرواية عبد الله بن سنان، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «الغيبة أن تقول في أخيك ما قد ستره الله عليه». وغيرهما ممّا فسّرت الغيبة- حاكمة على سائر الروايات؛ فإنّها في مقام تفسيرها اعتبرت الأُخوّة فيها، فغيرنا ليسوا بإخواننا
وإن كانوا مسلمين؛ فتكون تلك الروايات مفسّرة للمسلم المأخوذ في سائرها بأنّ حرمة الغيبة مخصوصة بمسلم له أُخوّة إسلاميّة وإيمانيّة مع الآخر(1).
وعليه طبقاً لهذا الكلام الذي ذكره سماحة الإمام الخميني (قدس سره)، تكون الروايات التي تذكر قيد الأُخوّة والإيمان حاكمةٌ على سائر الروايات الواردة بشكل عامّ ومطلق. وعلى هذا الأساس يكون الدليل الحاكم - في الحكومة - مقدّماً على الدليل المحكوم، ولا يكون الدليلان مثبتين؛ إذ الدليل الحاكم - حتّى لو كان له أدنى ظهور - يكون مقدّماً على المحكوم.
وقد وردت بعض الملاحظات على هذا الكلام الذي ذكره سماحة الإمام الخميني (قدس سره) نذكرها على النحو الآتي:
أوّلاً: إنّ أغلب الروايات التي أشار إليها سماحته تعاني من ضعف السند، بالإضافة إلى أنّها قليلة جدّاً، بحيث أنّها لا تقبل الحاكميّة، ولا يمكن بهذا العدد القليل من الروايات غضّ الطرف عن عموم وإطلاق الآية وجميع تلك الروايات الكثيرة.
ثانياً: إنّ كلمة «الأخ» التي ورد استعمالها في هذا
1) - المكاسب المحرمة، ج 1، ص 378.
النوع من الروايات، هي من قبيل ذات الخطابات المستعملة في هذه الآية وسائر الآيات بالنسبة إلى المؤمنين، بمعنى أنّها مستعملة بداعي التشجيع بهدف إيجاد الضمانة التنفيذيّة لهذه الأحكام، وليس لها صفة القيد في الموضوع، وعلى هذا الأساس لا تستوجب تقييد الإطلاقات وتخصيص العمومات.
ثالثاً: إنّ الروايات الواردة في مسألة الغيبة وذكر فيها قيد الإيمان، أو استعمل فيها كلمة «المؤمن» وأمثالها، يحتمل أن تكون واردة لبيان شدّة وعظم الغيبة حيث ترتكب بحقّ المؤمن بما هو مؤمن، بمعنى أنّها استبيحت لجهة الإيمان؛أي أنّ إيمان هذا الشخص هو الذي أدّى بالآخرين إلى اغتيابه وهتك حرمته والقضاء على سمعته، كما في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(1)بمعنى أنّهم يحبّون أن تشيع الفحشاء وتنتشر القباح في مجتمع المؤمنين بسبب إيمانهم، كي يؤدّي ذلك إلى زوال عزّة المؤمنين وعظمتهم وشوكتهم. بمعنى أنّ المراد في الواقع هو انتهاك قيَم الإيمان في المجتمع، وإلّا فليس هناك أحقاد
1) - النور (24): 19.
وعداوات شخصيّة، وإنّما العداوة هنا تستهدف القيَم الإلهيّة.
أو كما في قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا(1)، فإنّه إنّما يكون جزاء قتل المؤمن عمداً هو الخلود في النار لأنّ المقتول إنما قُتل بسبب إيمانه، وقد ورد ذكر هذا المعنى في الروايات(2)حيث قالت إنّ هذه العقوبة إنّما تخصّ القاتلين الذين يقتلون المؤمن بسبب إيمانه.
رابعاً: ربما أمكن القول إنّ المراد من «المؤمن» في هذه الروايات شيء غير الشيعة الاثنى عشريّة الإماميّة؛ بمعنى أنّ المؤمن - طبقاً لبعض الروايات - هو الذي يأمنه سائر المؤمنين على أموالهم وأرواحهم، وأنّ المسلم هو الذي يسلم سائر المسلمين من يده ولسانه؛ كما في رواية سليمان بن خالد، عن الإمام الباقر (عليه السلام)، عن النبيّ الأكرم (صلي الله عليه و آله) أنّه قال:
«المؤمن من ائتمنه المؤمنون على أنفسهم وأموالهم، والمسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، والمهاجر من هجر السيّئات وترك ما
حرّم الله، والمؤمن حرام على المؤمن أن يظلمه أو يخذله أو يغتابه أو يدفعه دفعة»(1).
خامساً: إنّ هذه الروايات التي يُدّعى أنّ لسانها هو لسان الحكومة على سائر الروايات، لم ترد في مقام تفسير وبيان الغيبة بشكل مطلق ومن جميع الجهات، حتّى يقال إنّ واحدة من الجهات المطروحة في تفسير الغيبة هي الإيمان؛ وإنّما هي في مقام تفسير وبيان الغيبة في قبال البهتان. وعلى هذا الأساس فإنّها حيث لم تكن في مقام بيان جميع الجهات المطروحة في الغيبة،لا يمكن أن تكون حاكمة على سائر الروايات.
اتّضح ممّا تقدّم أنّ المستفاد من القرآن والروايات هو حرمة غيبة جميع أبناء البشر أيّاً كان معتقدهم وتفكيرهم، وأنّ حرمتها لا تختصّ بالمسلمين أو الشيعة الإماميّة الاثنى عشريّة.
علاوة على ما تقدّم من الأدلّة، يمكن أن نضيف الروايات الواردة في مداراة الناس، والتعامل معهم
1) - وسائل الشيعة ، ج 12، ص 278، كتاب الحج، أبواب أحكام العشرة، الباب: 152، ح: 1.
بالأخلاق والإحسان، والتعاطي معهم بالتي هي أحسن، وتأليف قلوبهم ومعاملتهم بإنصاف. وكذلك الروايات التي تأمرنا بأن نعامل الناس كما نحبّ أن يعاملوننا. وكذلك الروايات التي يأمر فيها الأئمّة المعصومون (عليهم السلام) أتباعهم وشيعتهم بأن يكونوا زيناً لهم، لا أن يكونوا شيناً عليهم. وهكذا الروايات التي تأمرنا بأن ندعو الناس إلى المذهب الحقّ (مذهب أهل البيت) بصالح أفعالنا وحُسن سلوكنا.
والملفت أن نعلم أنّ أكثر هذه الروايات قد وردت بلفظ «الناس»، ولم ترد فيها أيّ إشارة إلى امتيازات خاصّة بما في ذلك الدين والمذهب والعقيدة. وعلى هذا فإنّ القول بجواز غيبة من هم على غير ديننا أو من هم على غير مذهبنا، لا ينسجم قطعاً مع هذه الروايات العامّة؛ وذلك لأنّ هذا النوع من الأفعال- أي الحديث عن الناس بالسوء في غيابهم والتلاعب بسمعتهم وأعراضهم- سوف يتنافى تماماً مع تعاليم الأئمّة المعصومين (سلام الله عليهم أجمعين) الواردة بشأن مداراة الناس، وحُسن الأخلاق، والإنصاف، والإحسان، ودعوة الآخرين بواسطة السلوك والأفعال المناسبة التي تكون مدعاة عزّة وزين الأئمّة (عليهم السلام) . وفي المقابل فإنّ اجتناب الغيبة من المصاديق
البارزة لجميع هذه التعاليم؛ الأعمّ من المداراة، وحسن الأخلاق، والإنصاف، والإحسان، وما إلى ذلك.
وكذلك يمكن القول: إنّ حرمة غيبة جميع الناس هي الأنسب بالكرامة الذاتيّة وتساوي الناس في الحقوق على ما تقدّمت الإشارة إليه في صريح الآياتوالروايات.
لا يُقال: إنّ غيبة غير الشيعة والكفّار لا يتنافى مع تساوي جميع الناس في الحقوق؛ وذلك لأنّ التساوي إنّما يكون في الأُمور غير الاختياريّة، وأمّا الأعمال والأُمور الاختياريّة حيث يختار كلّ شخص شيئاً بكامل رغبته وإرادته، قد تؤدّي إلى الاختلاف في الحقوق، وحيث أنّ المخالفين لنا والكفّار قد اختاروا عقيدتهم الفاسدة ومذهبهم الباطل بسوء اختيارهم وإرادتهم، لن يشكل هذا مانعاً، دون الاختلاف في الحقوق، ومن بينها جواز الغيبة؛ إذ يتحمّلون نتيجة اختيارهم السيئ.
لأنّا نقول: لا يُقال ذلك؛ لأنّ الجواب عنه واضح: وذلك لأنّ هذا الإشكال إنّما يصحّ إذا كان المخالفون لنا والكفّار من الجاهلين المقصّرين، أو الذين يبادرون إلى الإنكار والعدوان بعد التعرّف على الحقّ، إمعاناً منهم في العناد واللجاج؛ هذا في حين
أنّ أكثر المخالفين والكفّار إنّما هم في الواقع من الجاهلين القاصرين وغير المعاندين لنا. ثمّ إنّ جواز الغيبة وهتك عرض الأشخاص يعدّ نوعاً من العقوبة، ومن البديهات الأوّليّة لإثبات العقوبة على شخص أن يكون قد ارتكب جريرة أو جنحة تضرّ بالفرد أو المجتمع، وإنّ مجرّد اعتناقهم عقيدة مخالفة لا يوجب ارتكابهم لجريمة يستحقّون عليها العقاب.
وربما أمكن لهذه المجموعة من المناقشات أن تقنع فقيهاً كبيراً مثل المحقّق الأردبيلي، وحمل على القول بعدم جواز غيبة جميع المسلمين؛ الأعمّ من الشيعة وغيرهم.
لقد ذهب المحقّق الأردبيلي (رحمة الله عليه) في «مجمع الفائدة والبرهان» إلى القول بحرمة غيبة جميع المسلمين، دون اختصاص لذلك بالشيعة الإماميّة. ولكنّه بطبيعة الحال يرى جواز غيبة الكفّار.
والظاهر أنّ عموم أدلّة تحريم الغيبة من الكتاب والسنة يشمل المؤمنين وغيرهم؛ فإنّ قوله تعالى: وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا(1)إمّا للمكلّفين كلّهم، أو المسلمين فقط؛ لجواز غيبة الكافر، ولقوله تعالى بعده: لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا، وكذا الأخبار؛ فإنّ أكثرها بلفظ «الناس» أو «المسلم»، مثل ما روي في «الفقيه»: «من اغتاب إمرءاً مسلماً بطل صومه، ونقض وضوؤه، وجاء يوم القيامة تفوح من فيه رائحة أنتن من الجيفة يتأذّى بها
1) - الحجرات (49): 12.
أهل الموقف، فإن مات قبل أن يتوب، مات مستحلّاً لما حرّم الله عزّ و جل ... »(1).
وقال (رحمة الله عليه) في رسالة الغيبة «كشف الريبة»: قال النبيّ (صلي الله عليه و آله): «كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه»(2)والغيبة تناول العِرض، وقد جمع بينها(3)وبين الدم والمال، وقال (صلي الله عليه و آله): «لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا يغتب بعضكم بعضاً، وكونوا عباد الله إخواناً»(4).
وعن أنس قال: قال البراء: خطبنا رسول الله (صلي الله عليه و آله) حتّى أسمع العواتق في بيوتها، فقال: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتّبعوا عوراتهم، فإنّه من تتبّع عورة أخيه تتبّع الله عورته، ومن يتبّع(5)الله عورته يفضحه(6)في جوف بيته»(7). وغير ذلك.
وبالجملة: عموم أدلّة الغيبة وخصوص ذكر
المسلم يدلّ على التحريم مطلقاً، وأنّ عرض المسلم كدمه وماله، فكما لا يجوز أخذ مال المخالف وقتله، لا يجوز تناول عِرضه الذي هو الغيبة، وذلك لا يدلّ على كونه مقبولاً عند الله، كعدم جواز أخذ مالهوقتله، كما في الكافر.
ولا يدلّ جواز لعنه بنصّ، على جواز الغيبة مع تلك الأدلّة بأن يقول: إنّه طويل، أو قصير، وأعمى، وأجذم وأبرص، وغير ذلك، وهو ظاهر.
وأظنّ أنّي رأيت في «قواعد الشهيد» (رحمة الله عليه) : أنّه يجوز غيبة المخالف من حيث مذهبه ودينه الباطل وكونه فاسقاً من تلك الجهة، لا غير، مثل أن يقال: أعمى، ونحوه، الله يعلم، ولا شكّ أنّ الاجتناب أحوط»(1).
بالنظر إلى أنّ المحقّق البحراني (رحمة الله عليه) والسيّد الخوئي (رحمة الله عليه) قد تناولا هذه المسألة بمزيد من الشرح
1) - مجمع الفائدة والبرهان، ج 8، ص 76 - 78.
والتفصيل، سوف نتعرّض لكلامهما في نقد ومناقشة أدلّة جواز غيبة المخالفين:
قال المحقّق البحراني (رحمة الله عليه) في ردّ نظرية المحقّق الأردبيلي:
أقول: وأنت خبير بما فيه من الوهن والقصور، وإن كان مبنيّاً على ما هو المعروف المشهور من الحكم بإسلام المخالفين، إلّا أنّ أخبار أهل البيت (عليهم السلام) ظاهرة في ردّه، متكاثرة مستفيضة، على وجه لا يعتريها الفتور. وقد بسطنا الكلام في «الشهاب الثاقب» في بيان معنى الناصب، وقد قدّمنا نبذة في ذلك في كتاب الطهارة في باب نجاسة الكافر، وأوضحنا كفر المخالفين غير المستضعفين ونصبهم وشركهم بالأخبار المتكاثرة التي لا معارض لها في البين، وأنّه ليس إطلاق المسلم عليهم إلّا من قبيل إطلاقه على الخوارج وأمثالهم من منتحلي الإسلام، وتوجّه الطعن إلى كلام هذا المحقّق أكثر من أن يأتي عليه فلم البيان(1).
ثمّ إنّ المحدّث البحراني يردّ إسلام المخالفين
1) - الحدائق الناضرة، ج 18، ص 148.
من عدّة جهات، وسوف نعمل على مناقشة هذه الجهات واحدة واحدة:
1 - روي في المأثور عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «إن الله - عزّ وجل - نصب عليناً علماً بينه وبين خلقه، فمن عرفه كان مؤمناً، ومن أنكره كان كافراً، ومن جهله كان ضالّاً»(1).
2 - في رواية أُخرى عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «إنّ عليّاً (عليه السلام) باب فتحه الله - عزّ وجل - فمن دخله كان مؤمناً، ومن خرج منه كان كافراً، ومن لم يدخل فيه ولم يخرج منه كان في الطبقة الذين قال الله - تبارك وتعالى - فيهم المشيئة»(2).
3 - في المأثور عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «من عرفنا كان مؤمناً، ومن أنكرنا كان كافراً، ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالّاً حتّى يرجع إلى الهدى الذي افترض الله عليه
من طاعتنا الواجبة، فإن يمت على ضلالته يفعل الله به ما يشاء»(1).
قال الشيخ البحراني (رحمة الله عليه) : هناك الكثير من الروايات بهذا المضمون.
أمّا الاستدلال على كفر المخالفين بهذه الروايات الثلاثة وبهذه النوع من الروايات، فهو غير تامّ؛ وذلك للجهات الآتية:
أوّلاً: إنّ المعنى اللغوي لكلمة «الكفر» هو الستر والإخفاء، وقد استعملت في الكثير من الآيات والروايات بهذا المعنى، ويختلف معناها باختلاف متعلّقها وموضوعها. من ذلك على سبيل المثال أنّ متعلّقها في بعض الآيات هو أعمال الناس؛ فيكون معناها هو الكفر العملي، كما في قوله سبحانه وتعالى:
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ(2).
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
سَبِيلًا وَ مَنْ کَفَرَ فَإنَّ اللهَ غَنِیٌّ عَنِ العالَمِينَ(1). ولا شكّ في أنّ «الكفر» في هذه الآيات لم يرد بمعنى الكفر في قبال الإسلام والإيمان، بل بمعناه اللغوي، حيث تعلّق بعمل المكلّفين ويفيد معنى الكفر العملي.
وفي بعض الموارد يُستعمل «الكفر» بمعناه اللغوي في قبال الإسلام، ويكون بمعنى الخروج عن الإسلام وربقة المسلمين، من ذلك - مثلاً - قوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(2).
لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا(3).
كما يُستعمل الكفر في بعض المواضع في قبال الإيمان وفي هذه الروايات التي استدلّ بها المحقّق البحراني (رحمة الله عليه) قد استعمل الكفر بهذا المعنى، أي «الكفر» بما هو خروج عن الإيمان، وليس خروجاً عن الإسلام. بمعنى أنّ عدم معرفة الإمام عليّ (عليه السلام) لا يستوجب الخروج عن ربقة الإسلام، ولا يمكن الحكم
على مثل هذا الشخص بعدم الإسلام.
ثانياً: إنّ هذه الروايات تخصّ الموارد التي يكون الإنكار فيها عن علم ودراية كاملة، ولا يشمل الموارد التي يكون الإنكار فيها عن جهل بالمسألة. وفي الحقيقة فإنّها تعتبر المنكر الذي ينكر الحقّ والحقيقة عامداً رغم علمه كافراً، في حين أنّ أكثر المخالفين إذا كانوا ينكرون الإمامة والحقّ إنّما يكونون في ذلك جاهلين قاصرين، وليسوا مقصّرين. وإنّ ذيل الرواية الأُولى يمثّل شاهداً على هذا المطلب؛ لأنّه يُقسّم المخالفين إلى ثلاثة أقسام: المؤمن، والمنكر، والجاهل، وعرف الشخص الجاهل بوصفه قد ضلّ الطريق، وأنّه غير المنكر.
وأمّا بقيّة الروايات التي استدلّ بها المحقّق البحراني (رحمة الله عليه) على كفر المخالفين، فهي:
1 - رواية الإمام الصادق (عليه السلام)، حيث قال:
«أهل الشام شرّ من أهلالروم، وأهل المدينة شرّ من أهل مكّة، وأهل مكّة يكفرون بالله جهرة»(1).
2 - رواية أبي بصير، قال:
1) - الكافي، ج 2، ص 409، باب في صنوف أهل الخلاف ... وأهل البلدان، ح: 3.
«إنّ أهل مكّة ليكفرون بالله جهرة، وإنّ أهل المدينة شرّ من أهل مكّة، أخبث منهم سبعين ضعفاً»(1).
فنقول أوّلاً: إنّ كيفيّة وطريقة الاستدلال بهاتين الروايتين على مدّعاه غير واضحة.
وثانياً: يجب طرح هذه الروايات وتركها، أو القول في الحدّ الأدنى إنّها غير مفهومة بالنسبة لنا وإنّ علمها عند أهلها؛ وإلّا كيف يمكن القول بأنّ أهل المدينة - الذين استقبلوا النبيّ الأكرم (صلي الله عليه و آله) وجعلوا من مدينتهم حصناً منيعاً للإسلام - شرّ من أهل مكّة وفيهم أمثال أبي سفيان وأبي جهل وغيرهما من الذين كانوا هم السبب في دفع النبيّ الأكرم (صلي الله عليه و آله) إلى الهجرة من بين ظهرانيهم. وألا يعدّ هذا النوع من الكلام بنفسه من مصاديق الغيبة؟!
وثالثاً: يبدو من ظاهر هذه الروايات أنّها تعود إلى حقبة تاريخية خاصّة - من قبيل حادثة السقيفة وما جرى على السّيدة الزهراء ÷؛ حيث لم يقم أهل المدينة بالدفاع عن الحقّ في حينها - ولا يمكن الحكم بأنّهم شرّ إلى الأبد، واعتمادها
1) - الكافي، ج 2، ص 410، باب في صنوف أهل الخلاف ... وأهل البلدان، ح: 4.
لاستخراج حكم كلّي.
ورابعاً: إنّ هذه الروايات لا تدلّ على كفر أهل المدينة والشام؛ وذلك لأنّ الشرّ غير الكفر.
ومن الجواب عن هذه الروايات يتّضح الجواب عن سائر الروايات التي استدلّ بها على كلامه أيضاً؛ وذلك لأنّه قد استدلّ إمّا بالروايات المشتملة على كلمات «الإيمان» و«الكفر»، أو استفاد من روايات قد استعمل فيها كلمات من قبيل: «الإنكار» و«الجحد». وجوابنا عن هذا النوع من الروايات يكمن في التدقيق في المعنى اللغوي لكلمة «الكفر»، وهو ما سنبحثه بالتفصيل.
قال المحقّق البحراني (رحمة الله عليه) في الردّ على كلام المقدّس الأردبيلي (رحمة الله عليه) الذي يرى حرمة دماء ومال المخالفين(1): «إنّ الأخبار قد جوّزت قتله وأخذ ماله مع الأمن وعدم التقيّة، ردّاً عليه وعلى أمثاله ممّن حكم بإسلامه»(2).
ثمّ ذكر روايات تعتبر دم ومال الناصبي هدر وغير
محترم، ثمّ أضاف قائلاً:
فإن قيل: إنّ أكثر هذه الأخبار إمّا تضمّن الناصب، وهو - على المشهور - أخصّ من مطلق المخالف، فلا تقوم الأخبار حجّة على ما ذكرتم!
قلنا: إنّ هذا التخصيص قد وقع اصطلاحاً من هؤلاء المتأخّرين، فراراً من الوقوع في مضيق الإلزام، كما في هذا الموضع وأمثاله، وإلّا فالناصب حيثما أطلق في الأخبار وكلام القدماء فإنّما يراد به المخالف، غير المستضعف(1).
ثمّ تمسّك ببعض الروايات على دعواه القائلة بأنّ المخالف والناصبي شيء واحد، و هي:
1 - رواية مستطرفات «السرائر» التي يُسأل فيها الإمام الهادي (عليه السلام): هل نحتاج في اختبار الناصب إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت واعتقاده بإمامتهما؟ فقال الإمام (عليه السلام) في الجواب:
«من كان على هذا فهو ناصب»(2).
قال المحقّق البحراني: إنّ هذه الرواية صريحة في أنّ مظهر النصب والعداوة هو القول بإمامة الخليفة الأوّل والثاني.
2 - رواية عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال:
«ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت؛ لأنّك لا تجد أحداً يقول: إنّي أبغض محمّداً وآل محمّد (صلي الله عليه و آله)، ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلمأنّكم تتولّونا وأنّكم من شيعتنا»(1).
3 - رواية المعلّى بن خنيس- وهي تشبه الرواية السابقة- عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال:
« ... ولكنّ الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنّكم تتولّونا وتبرءون من أعدائنا»(2).
وقد أضاف المحقّق البحراني بعد نقل هذه الروايات، قائلاً:
فهذا تفسير الناصب في أخبارهم الذي تعلّقت به الأحكام؛ من النجاسة، وعدم
جواز المناكحة، وحلّ المال والدم ونحوه، وهو عبارة عن المخالف مطلقاً عدا المستضعف، كما دلّ عليه استثناؤه في الأخبار. وما ذكروا من التخصيص بفرد خاصّ من المخالفين مجرّد اصطلاح منهم، لم يدلّ عليه دليل من الأخبار، بل الأخبار في ردّه واضحة السبيل(1).
ترد على هذا الكلام من صاحب الحدائق (رحمة الله عليه) عدّة إشكالات:
1 - على الرغم من اعتبار سند الرواية الأُولى، إلّا أنّ الرواية الثانية والثالثة - تعانيان من ضعف السند، ولا يكفي الاستناد إلى رواية واحدة لإثبات مثل هذا الحكم. وكذلك لا يخفى أنّ هذه الرواية لم ترد في أيّ واحد من الكتب الأربعة، ولم يعمل بها الأصحاب، ولم يفتوا على طبقها.
2 - على فرض غضّ الطرف عن ضعف السند، نقول: إنّ هذه الروايات أخصّ من المدّعى، ولا تشمل جميع المخالفين؛ وذلك لأنّ الرواية الثانية والثالثة
1) - الحدائق الناضرة، ج 18، ص 157 - 158.
صريحتان في بعض المخالفين الذين يعادون شيعة ومحبّي أهل البيت (عليهم السلام) ، بسبب تشيّعهم وحبّهم لأهل البيت (عليهم السلام) ؛ وعليه فإنّهما لا تشملان المخالفين الذين لا يعادون الشيعة، أو يعادونهم لسبب آخر غير تشيّعهم ومودّتهم لأهل البيت.
وفي الرواية الأُولى أُخذ النصب والعداوة أمراً مفروضاً؛ بمعنى: هل يتعيّن علينا في إثبات النصب أن نرى ما إذا كان المخالف يقدّم الجبت والطاغوت،أم لا نحتاج إلى مثل هذا الأمر؟ وعلى هذا الأساس فإنّ هذه الرواية تختصّ بأعداء أهل البيت (عليهم السلام) ، ولا تشمل جميع المخالفين.
لا يقال: لا معنى للسؤال عن الناصبي في فرض كونه ناصبيّاً؛ وذلك لأنّ الشخص الناصبي إنمّا يثبت نصبه بعد عداوته دون حاجة إلى سؤال.
لأنّا نقول: إنّ السرّ في ذلك يكمن في أنّ الذي يعادي قد لا يكون عداؤه عن عقيدة ودين، وإنّما عن تقيّة. ومن هنا يسأل السائل: هل يتحقّق النصب بمجرّد إظهار العداء، أم يجب في إثبات ذلك اعتقاد العدوّ بتقديم الجبت والطاغوت أيضاً؟!
وبغضّ النظر عن المطالب والإشكالات المتقدّمة، كيف يمكن القول بحكومة هذه الروايات
القليلة على سائر الروايات المرتبطة بالمخالف والناصب، والاعتقاد بأنّ هذه الروايات القليلة مفسّرة ومبيّنة لتلك الروايات؟! ويقال بالتالي: إنّ جميع المخالفين ناصبين، وتجري عليهم جميع أحكام النواصب أيضاً؟!
وقد نقل الشيخ الأنصاري (رحمة الله عليه) في «كتاب الطهارة»(1)، على هامش مسألة نجاسة الكافر - بعد نقل كلام بعض كبار علماء الفقه واللغة في تحقيق معنى النصب - ضرورة اشتراط العداوة لأهل البيت (عليهم السلام) في تحقّق النصب.
قال (رحمة الله عليه) : قال الصدوق في باب النكاح من «الفقيه»: «والجهّال يتوهّمون أن كلّ مخالف ناصب، وليس كذلك»(2).
ثمّ نقل بعض الكلمات في هذا الشأن عن كتب، من قبيل «المعتبر» و«المنتهى» و«التذكرة» و«الأنوار النعمانيّة» و«التنقيح الرائع» و«القاموس» و«الصحاح» وقال بعد شرحها وتوضيحها: لا يخفى أنّ الظاهر من الأخبار هو من يبغض أهل البيت (عليهم السلام) ... فلا يخفى ضعف تعميم الناصب للمخالف.
الدليل الآخر الذي استدلّ به لجواز غيبة غير المؤمن، هو الخطاب في صدر الآية الكريمة، بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا؛ بمعنى أنّ المؤمنين وحدهم هم الذين خوطبوا بالنهي عن «الغيبة» في قوله تعالى: لَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. ومن هنا فإنّ هذا النهي لا يشمل غير المؤمنين من المسلمين والكفّار.
الجواب عن هذا الدليل:
أوّلاً: لقد اتّضح الجواب عن هذا الاستدلال ممّا تقدّم في الصفحات السابقة من الأبحاث المرتبطة بهذه الآية الكريمة.
وثانياً: هناك الكثير من الآيات في القرآن الكريم تصدّرت بذات هذا الخطاب لبيان الأحكام التكليفيّة والوضعيّة، دون أن يكون لها أيّ اختصاص بالمؤمنين، بل نزلت لعموم أفراد المجتمع. من ذلك على سبيل المثال:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ(1).
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا
1) - البقرة (2): 282.
مُضَاعَفَةً(1).
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ(2).
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً(3).
وغيرها من الآيات الكثيرة الأُخرى التي صدر الخطاب فيها للمؤمنين، بيد أنّ الحكم الوارد فيها لا يختصّ قطعاً بالمؤمنين فقط.
قال المحقّق البحراني (رحمة الله عليه) :
إنّ الآية التي دلّت على تحريم الغيبة، وإن كان صدرها مجملاً، إلّا أنّ قوله فيها أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا ممّا يعيّن الحمل على المؤمنين. فإنّ إثبات الأُخوّة بين المؤمن والمخالف له في دينه لا يكاد يدّعيه من شمّ رائحة الإيمان، ولا من أحاط خبراً بأخبار السادة الأعيان؛ لاستفاضتها بوجوب معاداتهم والبراءة منهم(4).
ثمّ ذكر بعض الروايات في تأييد هذا المطلب، كما أشار إلى بعض الآيات بوصفها مؤيّداً لذلك أيضاً.
ويتّضح الجواب عن هذا الدليل ممّا سبق ولا نرى حاجة إلى الإعادة والتكرار.
ثمّ بعد مناقشة ونقد الأدلّة التي أقامها المحقّق البحراني (رحمة الله عليه) ، ننتقل الآن إلى نقد وبحث الأدلّة التي تمسّك بها السيّد الخوئي (رحمة الله عليه) :
قال المحقّق الخوئي (رحمة الله عليه) ، في «مصباح الفقاهة»:
المراد من المؤمن هنا من آمن بالله وبرسوله وبالمعاد وبالأئمّة الإثني عشر (عليهم السلام) ، أوّلهم عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وآخرهم القائمة الحجّة المنتظر (عجّل الله فرَجه، وجعلنا من أعوانه وأنصاره)، ومن أنكر واحداً منهم جازت غيبته لوجوه؛ الوجه الأوّل: أنّه ثبت في الروايات والأدعية والزيارات جواز لعن المخالفين، ووجوب البراءة منهم، وإكثار السبّ عليهم، واتّهامهم، والوقيعة فيهم: أي غيبتهم؛ لأنّهم من أهل البدَع والريب. بل لا شبهة في كفرهم؛ لأنّ إنكار الولاية والأئمّة
حتّى الواحد منهم، والاعتقاد بخلافة غيرهم، وبالعقائد الخرافيّة كالجبر ونحوه، يوجب الكفر والزندقة. وتدلّ عليه الأخبار المتواترة الظاهرة في كفر منكر الولاية، وكفر المعتقد بالعقائد المذكورة، وما يُشبهها من الضلالات. ويدلّ عليه أيضاً قوله (عليه السلام) في الزيارة الجامعة: «ومن جحدكم كافر». وقوله (عليه السلام) فيها أيضاً: «ومن وحّده قبل عنكم». فإنّه ينتج بعكس النقيض أنّ من لم يقبل عنكم لم يوحّده، بل هو مشرك بالله العظيم. وفي بعض الأحاديث الواردة في عدم وجوب قضاء الصلاة على المستبصر: «إن الحال التي كنت عليها أعظم من ترك ما ترك من الصلاة». وفي جملة من الروايات «الناصب لنا أهل البيت شرّ من اليهود والنصارى، وأهون من الكلب، وأنّه تعالى لم يخلق خلقاً أنجس من الكلب، وأنّ الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه». ومن البديهي أنّ جواز غيبتهم أهون من الأُمور المذكورة. بلقد عرفت جواز الوقيعة في أهل البدع والضلال، والوقيعة هي الغيبة. نعم، قد ثبت حكم الإسلام على بعضهم في بعض
الأحكام فقط تسهيلاً للأمر، وحقناً للدماء(1).
1 - إنّ ما ذكره في تعريف المؤمن، يستلزم جواز غيبة سائر الشيعة، من أمثال الزيديّة، والإسماعيليّة، والفطحيّة، والواقفيّة وأمثالهم، في حين أنّ الكثير من كبار علماء الحديث - المقبولة أحاديثهم لأيّ سبب من الأسباب - من المنتمين إلى هذه الفِرَق.
2 - لم نعثر على أيّ دليل يثبت جواز لعن المخالفين والبراءة منهم، وكان من الأفضل لسماحته أن يبيّن المدرك في ذلك. أجل، إنّ المذكور في الروايات هو وجوب البراءة من أعداء أهل البيت (عليهم السلام) ، كما ورد في الزيارة جواز لعن الظالمين لأهل البيت (عليهم السلام) والغاصبين لحقّهم: «اللهم العن أوّل ظالم ظلم حقّ محمّد وآل محمّد (صلي الله عليه و آله)، وآخر تابع له على ذلك، اللهم العنهم جميعاً».
وعليه فإنّ هذه الطائفة من الروايات والزيارات إنّما تخصّ الظالمين لأهل البيت (عليهم السلام) والغاصبين لحقّهم وأعداءهم ومبغضيهم، والحال لو أنّنا نظرنا بعين الإنصاف لوجدنا أنّ أكثر المخالفين
1) - مصباح الفقاهة (المكاسب)، ص 323 - 324.
ليسوا مشمولين بهذه الروايات والزيارات؛ إذ أنّهم ليسوا أعداء ولا مبغضين ولا غاصبين لحقّ الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) ، بل إنّهم في الكثير من الموارد يحبّون أهل البيت (عليهم السلام) ، وهم في العقيدة جاهلين قاصرين، كما سبق ذكره.
3 - ما تقدّم في عدم تماميّة الاستدلال على نصب المخالفين.
4 - إنّ العوام من المخالفين وبعض علمائهم ليسوا من أصحاب البِدَع حقّاً حتّى تشملهم أحكام المبتدعين التي ورد التصريح بها في رواية داود بن سرحان عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، حيث قال الإمام الصادق (عليه السلام): قال رسول الله (صلي الله عليه و آله):
«إذا رأيتم أهل الريبوالبدَع من بعدي فأظهروا البراءة منهم، وأكثروا من سبّهم والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم؛ كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام، ويحذّرهم الناس ولا يتعلّمون من بدعهم؛ يكتب الله لكم بذلك الحسنات، ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة»(1).
أمّا لماذا لا نعتبر عوام المخالفين وبعض
1) - وسائل الشيعة، ج 16، ص 267، كتاب الأمر بالمعروف، أبواب جهاد النفس، الباب: 39، ح: 1.
علمائهم من أصحاب البِدَع؟
إنّ البدعة عبارة عن: «إدخال ما ليس في الدين، في الدين» أو الذي يُشكّ في جزئيّته من الدين. ومن هنا فإنّه على الرغم من أنّ الغاصبين الأصليّين والمؤسّسين لأساس الظلم وحماتهم وداعميهم في عصرهم قد أحدثوا التغيير في الدين عن علم وعمد، هم أصحاب البدعة؛ ولكن هل يُعدّ سائر المخالفين الذين جاؤوا بعدهم، واتبعوهم عن جهل قصوري، من أصحاب البِدَع أيضاً؟ وهم الذين لا يخطر في أذهانهم أنّ ما يعتقدونه ويعملون به هو إدخال ما ليس في الدين فيه!
يضاف إلى ذلك أنّ الدليل الأصلي لغيبة أهل البدَع ومحاربتهم - على ما ورد في الرواية أعلاه - هو عدم الترويج لأفكارهم وشبهاتهم وفسادهم الناشئ عنها، وفي مثل هذه الحالة لن يكون لهذا الدليل أيّ صلة بالغيبة؛ وذلك لأنّ الغيبة إنّما تصدر عن الحسد والحقد والضغينة وسائر الرذائل الأخلاقية، والوقوف في جبهتين على طرفي نقيض. وإن فعل الأمر- «باهتوهم»- في رواية الإمام الصادق (عليه السلام) عن النبيّ الأكرم (صلي الله عليه و آله) من مادة «بهت»، بمعنى بهتهم؛ أي أنّه يجب البحث مع المبتدعين بقوّة واستدلال
محكم وقاطع حتّى تستولي عليهم الحيرة والبهت، ويعجزون عن الردّ والجواب.
كما ورد هذا المعنى عن العلّامة المجلسي؛ حيث قال:
«والظاهر أنّ المراد بالمباهتة: إلزامهم بالحجج القاطعة، وجعلهم متحيّرين لا يحيرون جواباً، كما قال تعالى: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ(1)»(2).
وكما أنّ هذا الأُسلوب هو الأنسب مع المنطق الاستدلالي للإسلام، فإنّ الإساءة والغيبة والبهتان لا تتناسب - بنفس النسبة - مع روح الإسلام، حتّى في مقام التقابل والمواجهة مع المخالفين.
5 - إنّ الإنكار هو غير عدم القبول؛ وذلك لأنّ الإنكار يطلق على عدم القبول بأمر محقّ مع العلم بأنّه حقّ. من ذلك - على سبيل المثال - أنّ ذلك الشخص العالم في عصر الإمام الكاظم (عليه السلام)، كان يعلم أنّ الإمامة بعد الإمام موسى بن جعفر ‘ تنتقل إلى الإمام الرضا (عليه السلام)، إلّا أنّ الطمع بمال الدنيا والحرص على اكتناز الأموال وحبّ الجاه والمقام منعه من قبول ذلك؛ فأنكر إمامة
الإمام الرضا (عليه السلام) رغم علمه بها، وعليه فإنّ هذا الإنكار وهذا الجحد يستوجب الكفر. بيد أنّ بحثنا إنّما يدور حول المخالفين وغير المؤمنين الذين يتمسّكون بعقيدتهم عن جهل وقصور، لا أُولئك الذين يتشبّثون بمخالفتهم عن علم وعمد.
6 - إنّ الكفر هنا - كما سبق ذكره - ليس في قبال الإسلام، بل الكفر هنا في قبال الإيمان، بمعنى عدم الوصول إلى مراتبه الكاملة.
كما أنّ استشهاد سماحته بعبارة «من وحّده قبل عنكم»، واستنتاجه الشرك بعكس نقيض هذه القضية، غير تامّ أيضاً؛ وذلك لأنّ الشرك غير عدم التوحيد. ولا يُراد منه الشرك الذي تمّ وصفه في القرآن بأنّه ظلم كبير، وأنّه الشرك الذي يُغفر كلّ ذنب سواه، بل المعنى المراد هنا من الشرك هو أنّ الشخص إذا لم يقبل تعلّم التوحيد من الأئمّة، لن يصل إلى المدارج التامّة والكاملة من التوحيد، وهذا المعنى يختلف عن القول بوجود شريك لله سبحانه وتعالى.
7- وربما كان استدلاله بكفر المخالفين بتلك الرواية الدالّة على عدم وجوب قضاء الصلاة على المستبصر، أضعف من سائر أدلّته الأُخرى؛ إذ لا تشتمل هذه الرواية على أيّ إشارة تدّل على
كفرهم، وإنّ عدم وجوب قضاء الصلاة يأتي من كون المخالف جاهلاً قاصراً، وليس بسبب كفره.
الدليل الآخر الذي أقامة السيّد الخوئي (رحمة الله عليه) على جواز غيبة المخالفين، هو تجاهرهم بالفسق، بل وأكثر من ذلك؛ إذ يقول:
«إن الذي التزم به المخالفون أشدّ من الفسق، ألا وهو إنكار الولاية»(1).
تتّضح الإجابة عن هذا الادّعاء ممّا تقدّم في ذيل «الكفر» و«الإنكار» و«الجحد»؛ لأنّ جميع هذه المفردات إنّما تتحقّق إذا كان هناك علم بتحقّق أمر، ومع ذلك يتمّ إنكاره عن عناد ولجاج، وفي التجاهر بالفسق قد اشترط العلم والتعمّد في الإتيان بالباطل. وكما سبق أن ذكرنا فإنّ أغلب المخالفين لا ينكرون أحقّية ولاية الأئمّة (عليه السلام) عن علم وعمد.
قال السيّد الخوئي (رحمة الله عليه) :
1) - مصباح الفقاهة (المكاسب)، ج 1، ص 324.
قامت سيرة المتشرّعة بين العامّة وعلماء الشيعة على غيبة المخالفين، وكانت السيرة مستمرة بين المتشرّعة على غيبة المخالفين وشتمهم ولعنهم في جميع الأمكنة والأزمنة، بل قال صاحب الجواهر: «إنّ جواز غيبة المخالفين، من الضروريات(1).
إنّ هذا الاستدلال بدوره غير تامّ أيضاً؛ وذلك:
أوّلاً: إنّ قيام مثل هذا السيرة على جواز واستمرار شتم ولعن المخالفين غير ثابت؛ إذ لم يتمّ نقل سيرة منعقدة في عصر الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) حيث يجب أن تكون هذه السيرة متّصلة بهم، وليس هناك أيّ شاهد على شتم ولعن ومباهتة المخالفين من قبل الأئمّة (عليهم السلام) وأصحابهم، بحيث يقع مورداً لتأييد الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) .
وثانياً: على فرض جواز لعنهم، لا يمكن لذلك أن يشكل دليلاً على جواز غيبتهم؛ وذلك لأنّ اللعن إنّما هو دعاء عليهم وطلب من الله بإبعاد رحمته عنهم، وهذا لا ربط له بهتك أعراضهم.
وقد أشار المقدّس الأردبيلي (رحمة الله عليه) إلى هذه النقطة بقوله:
1) - انظر: المصدر أعلاه، ص 324.
«ولا يدلّ جواز لعنه على جواز الغيبة مع تلك الأدلّة بأن يقول: إنّه طويل، أو قصير، وأعمى، وأجذم، وأبرص، وغير ذلك، وهو ظاهر»(1).
لو قيل: إنّ أدلّة حرمة الغيبة قاصرة عن شمول غير المؤمنين - الأعمّ من المسلمين والكافرين - وإنّها تشمل خصوص المؤمنين فقط؛ وعليه يجري أصل البراءة بالنسبة لهم؛ فتجوز غيبتهم.
نقول في الجواب: إنّ الأصل العملي إنّما يجري عند فقد الأدلّة، ومع الالتفات إلى ما تقدّم فقد اتّضح أنّ الأدلّة النقليّة والعقليّة قائمة على حرمة غيبة جميع الناس المحترمين، الأعمّ من المؤمنين وغير المؤمنين، وعليه لا يمكن للأصل العملي أن يجري فيما نحن فيه.
وبالإضافة إلى ذلك: فإنّ الأصل العقلي على اعتبار الغيبة قبيحة وظلم، يشمل حرمة غيبة جميع المسلمين، بل وجميع الناس المحترمون، وبناء العقلاء يؤيّد هذا الحكم العقلي أيضاً. ولذلك فإنّنا نحتاج للخروج من هذا الأصل إلى أدلّة ثابتة وبراهين قاطعة
1) - مجمع الفائدة والبرهان، ج 8، ص 78.
من قبل الشارع المقدّس، وهو ما لم نحصل عليه.
بالنظر إلى ذهاب المشهور من الفقهاء إلى القول بجواز غيبة غير المسلم، إلا أنّه لم يتمّ إشباع البحث حول هذه المسألة، وإنّ أكثر الأبحاث حامت حول محور المؤمن والمخالف. ومن هنا سوف نواصل البحث حول معنى الكفر والكافر، لكي نرى ما إذا كان لفظ الكافر يصدّق على غير المسلم أم لا؟
لقد تم طرح مسألة «الكفر» والأبحاث المرتبطة بذلك في عدّة مواضع من الفقه. ومن ذلك: الطهارة والنجاسة، ودخول المساجد، والجهاد، والإرث (الحجب) وما إلى ذلك.
بالالتفات إلى أهمّية هذا البحث وارتباطه بمختلف الموضوعات، ومن بينها ماتقدّم، سوف ندخل في بحثها بالتفصيل، ونخوض في بيان وتوضيح مفهومها وكيفيّة تعلق الأحكام بها.
حيثما ورد الحديث في الفقه عن «الكفر» و«الكافر»، كان المراد منه هو الأعمّ من القاصر
والمقصّر، وكلّ حكم كان يحمل عليهما، كان يحمل على مطلق الكافر دون تمييز بين القاصر والمقصّر.
بيد أنّ دقّة النظر دون أخذ الذهنيّات القبليّة بالاعتبار، وتجنّب العصبية الدينية والمذهبية، المقرونة بإمعان النظر الدقيق، سوف يوصلنا البحث إلى هذه النقطة، وهي أنّه في أكثر الموارد - ولا سيّما في موضوع بحثنا؛ أي الغيبة - كان «الكفر» الناشئ عن التقصير والمقصّرين من الكفّار موضوعاً للكثير من الأحكام، ومن بينها جواز الغيبة.
إنّ الرجوع إلى القرآن الكريم والتدقيق في آياته، وكذلك الرجوع إلى كتب اللغة، فيما يتعلّق بمادّة «الكفر» و«الكافر»، سوف تضع أمامنا نكات جديدة.
وردت كلمة «الكفر» في اللغة بمعنى «الستر» و«التغطية» و«الإخفاء» قال الراغب في «المفردات»:
«ستر الشيء، ووصف الليل بالكافر لستره الأشخاص، والزرّاع لستره البذر في الأرض ... ، كفر النعمة وكفرانها: سترها بترك أداء شكرها»(1).
1) - مفردات ألفاظ القرآن، ص 714، مادة «كفر».
وقال ابن الأثير في «النهاية»:
«أصل الكفر: تغطية الشيء تغطية تستهلكه»(1).
وقال الفيّومي في «المصباح»:
«كَفَر الشيء إذا غطّاه، وهو أصل الباب، ويُقال للفلاح كافر لأنّه يكفر البذر، أي: يستره»(2).
وقال ابن فارس في «معجم مقاييس اللغة»:
«كفر ... أصل صحيح يدلّ على معنى واحد، وهو الستر والتغطية ... ، ويقال: الزارع كافر لأنّه يُغطّي الحبّبتراب الأرض»(3).
وفي «الصحاح»:
«الكافر: الليل المظلم؛ لأنّه ستر كلّ شيء بظلمته ... ، قال ابن السكيت: ومنه سُمّي الكافر؛ لأنّه يستر نعم الله عليه ... والكافر: الزارع؛ لأنّه يٌغطّي البذر بالتراب»(4).
اتّضح معنى الكفر ووجه تسمية الكافر ممّا نقلناه عن علماء اللغة، وهو الستر والإخفاء، وهذا المعنى
لا يتحقّق إلّا بعد العلم بما يتمّ ستره وإخفاؤه، وفي الحقيقة فإنّ الكافر ساتر لأنّه أخفى ما يعلمه من الحقّ والحقيقة، وهو إنّما يعمل على تغطية وحجب الحقّ بما يُظهره من الأباطيل وأمّا الجاهل القاصر، فليس لديه أدنى التفات بالنسبة إلى ما يكون من الحقّ، فضلاً عن أن يسعى إلى إخفائه وستره، وليس لديه غير اليقين بعقائده الباطلة. ولو نظرنا إلى هذه المسألة بدقّة وإنصاف بعيداً عن العصبيّة المذهبيّة، لوجدنا أن هذا هو الحقّ في المسألة.
لقد اقترن الكفر في القرآن الكريم ب- «التقصير»، كما اقترت الكافر ب- «المقصّر»، وإنّ الآيات التي تتحدّث عن الكفّار إنّما تعني المقصّرين منهم؛ إذ أنّ عذاب الشخص القاصر قبيح عقلاً وممنوع شرعاً؛ وذلك لأنّ أدلّة البراءة قد وردت في القرآن الكريم نفسه، ومن ذلك قوله تعالى:
لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا(1).
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ(2).
وإنّ روايات - من قبيل: «حديث الرفع»، و«حديث السعة» - الدالّة علىالبراءة الشرعيّة، تدلّ بدورها على هذه المسألة أيضاً. وعلى هذا الأساس فإنّ أدلّة البراءة الشرعيّة من الكتاب والسنة، تحكي بأجمعها عن أنّ المراد من الكفّار في آيات القرآن هم خصوص المقصّرين منهم.
كما أنّ العقل - بناء على قاعدة «قبح العقاب بلا بيان» - يرى قبح عذاب وعقاب الكفّار القاصرين؛ بمعنى أنّه بالملازمة العقليّة وقاعدة «قبح العقاب بلا بيان»، ندرك أنّه حيثما اقترن الكفر في القرآن الكريم بالعذاب، كان المراد من الكفر هو الذي يمثّل إنكاراً وجحداً بعد العلم واليقين؛ إذ القرآن الكريم لا يحكم بما يخالف العقل.
وعلى هذا الأساس لو ورد في القرآن عذاب أو نظير ذلك بالنسبة إلى الكافر، فإنّه لا يشمل غير المسلم القاصر، وإنّما يشمل خصوص الذي يمكن تعذيبه،
وهو الذي يعلم بأحقّية الإسلام، ومع ذلك يُنكره.
وفيما يلي نلقي نظرة على بعض آيات القرآن الكريم التي ورد فيها استعمال كلمة «الكفر» و«الكفّار» وبعض مشتقّاتهما، حيث يظهر في هذه الآيات بوضوح أنّ المراد من الكفر هو الذي يكون عن تقصير، وإنّ الأحكام المترتّبة - الأعمّ من العذاب واللعنة وما إلى ذلك - إنّما تحمل على هذا الصنف من الكفّار فقط. وفي الأساس فإنّ الكثير من الأفعال التي ذكرت في هذه الآيات عن الكفّار، إنّما ترتبط بالذين يرتكبون تلك الأفعال رغم علمهم ومعرفتهم للحقّ، ممّا لا يبقى معه أيّ شك أو شبهة في أنّ الكفر المقصود هنا هو الكفر عن تقصير. وهي أفعال من قبيل: قتل الأنبياء، والإنكار بعد معرفة الحقّ، والصدّ عن سبيل الله وما إلى ذلك. انظر الآيات أدناه على سبيل المثال:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(1).
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا(2).
وانظر أيضاً: الآيات 89 و90 من سورة البقرة، والآية الثالثة من سورة التوبة، والآيات رقم 37 و102 و140 من سورة النساء، والآية الرابعة من سورة يونس.
وبشكل عامّ يمكن القول: كلّما تحدّث الله تبارك وتعالى في القرآن عن العذاب وأمثاله، كان يكمن في البين نوع من التقصير والجحد والإنكار والعناد من قبل الكفّار. وإلّا فإنّه - كما تقدّم في بداية هذا البحث - بحكم آيات القرآن الأُخرى وروايات المعصومين (عليهم السلام) الدالّة على البراءة الشرعيّة، وبحكم العقل- ونعني بذلك قاعدة «قبح العقاب بلا بيان»- يعتبر عقاب الجاهل القاصر قبيحاً، وإنّ صدور مثل هذا الأمر محال على الله عزّ وجلّ.
إنّ ما جاء في بعض الروايات يثبت أنّ «الكفر» هو
خصوص الجحد والإنكار عن علم بأحقّية الشيء، كما في رواية عبد الرحيم القصير:
«ولا يُخرجه إلى الكفر، إلا الجحود والاستحلال»(1).
وصحيحة محمّد بن مسلم، عن الإمام الباقر (عليه السلام):
«كلّ شيء يجرّه الإقرار والتسليم فهو الإيمان، وكلّ شيء يجرّه الإنكار والجحود فهو الكفر»(2).
وصحيحة زرارة عن الإمام الصادق (عليه السلام):
«لو أنّ العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا، لم يكفروا»(3).
وعن محمّد بن مسلم، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) جالساً عن يساره، وزرارة عن يمينه، فدخل عليه أبو بصير، فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول فيمن شكّ في الله، فقال (عليه السلام): «كافر يا أبا محمّد!» قال: فشكّ في رسول الله؟! فقال (عليه السلام): «كافر». قال: ثمّ
التفت إلى زرارة، فقال:
«إنّما يكفر إذا جحد»(1).
وفي بعض الروايات الأُخرى اعتبار المقصّرين من الكفّار، والذين ينكرونأحقّية الإسلام رغم علمهم بأحقّيته، أو الذين سلكوا طريق اللجاج والعداوة عن علم وعمد، بوصفهم مستحقّين للعذاب، وليس جميع الكفّار، كما في هذه الرواية المنقولة في «كتاب من لا يحضره الفقيه»:
« ... اللهمّ عذّب كفرة أهل الكتاب، الذين يصدّون عن سبيلك، ويجحدون آياتك، ويكذّبون رسلك ... »(2).
إنّ إضافة «الكفر» في هذه الرواية إلى أهل الكتاب، ثمّ العمل على تعريف الكافر بأنّه الذي يصدّ عن سبيل الله، وينكر آيات الله، ويكذّب الرسل، يدلّ بأجمعه على أنّهم مقصّرون في كفرهم، وإنّ هؤلاء المقصّرين من أهل الكتاب الذين يتّصفون بهذه الصفات، هم الذين يقعون مورداً لاستحقاق العذاب الإلهي، لا مطلقهم.
وفي رواية أُخرى عن محمّد بن أبي عمير، قال: سمعت الإمام الكاظم (عليه السلام)، يقول:
«لا يُخلّد الله في النار إلّا أهل الكفر والجحود ... »(1).
فحيث أنّ الإمام (عليه السلام) يربط الخلود في العذاب الإلهي في هذه الرواية بالكفر والجحود، فإنّ هذا يدلّ على أنّ مراد الإمام هو الكفر عن تقصير وعناد؛ بمعنى أنّ الكفر في القرآن الكريم وأخبار الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) ، إنّما يُطلق على الجحود والإنكار والتبعيّة للهوى؛ حيث يوجب التقصير في الكفر وعدم الإسلام، حيث إنّ العذاب واللعنة الإلهيّة تشمل هذه الطائفة من الكفّار، وليس عدم الإسلام الناجم عن قصور وجهل؛ إذ كما سبق أن ذكرنا فإنّ العذاب والخلود فيه بسبب الكفر عن قصور وجهل لا يتناسب مع عدالة الله سبحانه وتعالى.
ما أروع وأجمل كلام صاحب «حديقة الأُصول» في حاشيته على كتاب «القوانين» للميرزا القمّي، في ذيل قانون «عدم جواز التقليد في أُصول الدين»؛ إذ يقول:
1) - التوحيد، ص 407، ح: 6.
بل نقول: يظهر من لفظ الكافر هو المقصّر؛ فيكون القاصر خلاف الظاهر وخلاف المتبادر من هذا اللفظ؛ فيكون محكوماً بعدم إرادته منه. ووجه الظهور أنّ الكافر مشتقّ من الكفر، بمعنى الستر، وهو فعل اختياري صادر عن قصد وشعور، فلا بدّ أن يكون المراد من الكافر من يكون كفره كذلك، ولا يكون ذلك إلّا كفر المقصّر، لا القاصر؛ فإنّ كفر القاصر انكفار لا كفر؛ نظير الفرق بين الاستتار والستر، والانجعال والجعل، والانكسار والكسر، فتدبّر(1).
قال سماحة الإمام الخميني (قدس سره) في هذا الشأن:
لأنّ أكثرهم - إلّا ما قلّ وندر - جُهّال قاصرون، لا مقصّرون: أمّا عوامهم فظاهر؛ لعدم انقداح خلاف ما هم عليه من المذاهب في أذهانهم، بل هم قاطعون بصحّة مذهبهم وبطلان سائر المذاهب، نظير عوام المسلمين، فكما أنّ عوامنا عالمون بصحّة مذهبهم وبطلان سائر
1) - حديقة الأصول (تعليقة على قوانين الأصول)، ج 2، ص 170.
المذاهب، من غير انقداح خلاف في أذهانهم لأجل التلقين والنشوء في محيط الإسلام، كذلك عوامهم من غير فرق بينهما من هذه الجهة، والقاطع معذور في متابعة قطعه، ولا يكون عاصياً وآثماً، ولا تصحّ عقوبته في متابعته .. وأمّا غير عوامهم، فالغالب فيهم أنّه بواسطة التلقينات من أوّل الطفولة والنشوء في محيط الكفر صاروا جازمين ومعتقدين بمذاهبهم الباطلة بحيث كلّما ورد على خلافها ردّوها بعقولهم المجبولة على خلاف الحقّ من بدو نشوئهم .. فالعالم اليهودي والنصراني كالعالم المسلم لا يرى حجّة الغير صحيحة، وصار بطلانها كالضروري له؛ لكون صحّة مذهبه ضروريّة لديه لا يحتمل خلافه. نعم، فيهم من يكون مقصّراً لو احتمل خلاف مذهبه وترك النظر إلى حجّته؛ عناداً أو تعصّباً، كما في بدو الإسلام في علماء اليهود والنصارى من كان كذلك .. وبالجملة: إنّ الكفّار كجهّال المسلمين؛ منهم قاصر - وهم الغالب - ومنهم مقصّر. والتكاليف أُصولاً وفروعاً مشتركة بين جميع المكلّفين
عالمهم وجاهلهم، قاصرهم ومقصّرهم. والكفّار معاقبون على الأُصول والفروع لكن مع قيام الحجّة عليهم لا مطلقاً، فكما أنّ كون المسلمين معاقبين على الفروع ليس معناه أنّهم معاقبون عليها؛ سواء كانوا قاصرين أم مقصّرين، كذلك الكفّار طابق النعل بالنعل، بحكم العقل وأُصول العدليّة(1).
قال الشيخ الشهيد مرتضى المطهري (رحمة الله عليه) في هذا الشأن:
نحن عندما نقول: إنّ فلاناً مسلم أو غير مسلم، لا ننظر إلى واقع الأمر. فمن الناحية الجغرافية، نطلق على الأشخاص - الذين يعيشون في منطقة، وصاروا بحكم التقليد والوراثة عن آبائهم وأمّهاتهم مسلمين - عنوان المسلمين، وأمّا الأشخاص الآخرون الذين عاشوا ضمن جغرافية أُخرى وصاروا أتباعاً لدين آخر بحكم تقليدهم لآبائهم وأُمّهاتهم
1) - المكاسب المحرّمة، ج 1، ص 200.
أو لم يعتنقوا ديناً أصلاً، فنطلق عليهم عنوان غير المسلمين.
لا بدّ من العلم بأنّ هذه الناحية لا تنطوي على أهمّية، لا من حيث الانتساب إلى الإسلام، ولا من حيث الانتساب إلى الكفر. إنّ الكثير منّا من المسلمين على مستوى التقليد والجغرافيا؛ بمعنى أنّنا مسلمون لأنّنا ولدنا من أبوين مسلمين، وقد ترعرعنا وعشنا في منطقة يقطنها المسلمون. إنّ الذي يحظى بالقيمة في الواقع هو الإسلام الحقيقي، وهو الذي يكون فيه الشخص مستسلماً للحقّ والحقيقة قلباً وقالباً، والذي يفتح قلبه للحقيقة ليؤمن بما هو حقّ ويعمل به، وإنّ الإسلام الذي آمن به إنّما اعتنقه على أساس البحث والتحقيق من جهة، وعلى أساس التسليم وعدم العصبيّة من ناحية أُخرى.
فلو كان الشخص متّصفاً بالتسليم، وبقي الإسلام خافياً عليه لسبب وآخر، ولم يكن مقصّراً في ذلك، فإنّ الله لا يعذّبه أبداً، وسوف يكون بمنجى من عذابالجحيم(1).
1) - انظر: الأعمال، ج 1، ص 293؛ العدل الإلهي، ص 269.
وقال في موضع آخر:
يرى حكماء الإسلام - من أمثال ابن سينا، وصدر المتألّهين - أنّ أكثر الناس الذين لا يعترفون بالحقيقة إنّما هم قاصرون وغير مقصّرين؛ فإنّ هؤلاء إذا لم يكونوا يؤمنون بالله لا يستحقّون العذاب، وفي الوقت نفسه لا يستحقّون النعيم أيضاً، وإن كانوا يؤمنون بالله والمعاد ويعملون الصالحات قربة إلى الله، سوف يحصلون على جزاء إحسانهم. ولا يشقى سوى المقصّرين دون القاصرين(1).
وفي كتاب «الحق والباطل» قال:
لو نظرتم إلى هذه المسيحيّة المحرّفة، وذهبتم إلى القرى والمدن المسيحيّة، هل ستعتبرون كلّ كاهن شخصاً فاسداً ولئيماً؟! أستطيع الجزم بأنّ ما بين سبعين إلى ثمانين بالمئة من هؤلاء هم أّناس صالحون مؤمنون أتقياء مخلصون، وطالما علّموا الناس الصدق والتقوى والطهر باسم السيّد المسيح، وليس لهم أيّ تقصير في ذلك؛ وعليه فإنّهم
1) - انظر: الأعمال، ج 1، ص 342؛ العدل الإلهي، ص 318.
يستحقّون الجنّة، وحتّى كاهنهم يدخل الجنّة أيضاً. إذن يجب التمييز والفصل بين رجال الدين المسيحيين الفاسدين وبين أكثريّة المبشّرين وأتباع السيّد المسيح(1).
بالإضافة إلى ما تقدّم، لا يمكن اعتبار هذا النوع من الأحكام منسجماً مع أصل الكرامة الذاتيّة للإنسان؛ وذلك لأنّ الإسلام يرى أنّ هناك قيمة لأصل وذات جميع الناس، وأنّ العقيدة والمذهب وسائر الاتجاهات الفكريّة من عوارض ذلك، وكما أنّ اللون والعِرق والقوميّة والغنى والفقر وما إلى ذلك، لا يوجب أفضليّة وامتيازاً، كذلك العقيدة والمذهب لن يستوجب أفضليّة وامتيازاً في أيّ شيء، ناهيك عن الأحكام.
كيف يمكن نسبة هذا الأمر إلى الإسلام الحنيف، والحال أنّ الله سبحانه وتعالى قد تحدّث في القرآن الكريم عن كرامة جميع الناس بشكل صريح، كما في قوله تعالى:
وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ
1) - انظر: المصدر أعلاه، ص 439؛ الحق والباطل، ج 1، ص 51.
مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا(1). كما ورد هذا المعنى في الروايات المأثورة عن الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) ، ومنها الرواية القائلة: «الناس كأسنان المشط سواء»(2).
وما إلى ذلك من الموارد الأُخرى التي سنتعرّض لها في الصفحات الآتية.
هناك الكثير من الروايات التي تشتمل على حثّ الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) أصحابهم وأتباعهم إلى التعامل مع الآخرين بأُسلوب حسن، كي يؤدّي هذا التعامل إلى ترغيبهم وتشجيعهم على اعتناق المذهب الحقّ، وبذلك تنفتح لهم آفاق المعرفة، والتعرّف بعد ذلك على واقع وحقيقة الأئمّة الكرام (عليهم السلام) .
فقد ورد في المأثور عن الإمام الصادق (عليه السلام)، أنّه خاطب شيعته قائلاً:
«كونوا دعاة للناس بالخير بغير ألسنتكم؛ ليروا منكم الاجتهاد والصدق والورع»(1).
1) - وسائل الشيعة، ج 12، ص 162، كتاب الحج، أبواب أحكام العشرة، الباب: 108، ح: 1.
وفي رواية أُخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام)، أنّه قال لجماعة من الشيعة:
«كونوا لنا زيناً، ولا تكونوا علينا شيناً، قولوا للناس حُسناً، واحفظوا ألسنتكم وكفوها عن الفضول وقبح القول»(1).
وكذلك في رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام)، أنّه قال في مقام النصح والإرشاد:
«كونوا لنا زيناً، ولا تكونوا علينا شيناً، حبّبونا إلى الناس ولا تبغضونا إليهم، فجرّوا إلينا كلّ مودّة، وادفعوا عنّا كلّ شرّ» ... الحديث(2).
من الواضح جدّاً أنّ الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) قد طلبوا في هذه الروايات من شيعتهم أن يعملوا بهذه التعاليم في تعاملهم مع المختلفين معهم في المذهب. بمعنى أنّك عندما تتعامل مع شخص غير شيعي أو غير مسلم، عليك أن تتعامل معه بشكل تكون معه زينة وفخراً ورفعة لشأن أئمّتنا، لا أن تكون سبباً في التنفير منهم وكراهتهم. وقد طلب الإمام الصادق (عليه السلام) من أتباعه وشيعته بأن يقوموا بكلّ ما يوجب زيادة
محبّتهم ومودّتهم بين المختلفين، وأن يجتنبوا ويبتعدوا عن كلّ ما من شأنه أن يبغّض بهم. ومن هنا فقد طلبوا منهم أن يتعاملوا مع المختلف معاملة حسنة، وأن يرفقوا لهم في القول، وأن يجتنبوا فضول الكلام أو الحديث معهم بسوء؛ كي يروا في سلوكهم أمارات السعي والاجتهاد (في التديّن) والصدق والتقوىفي العمل.
لماذا نقول: هذا ما أوصى به الأئمّة الأطهار شيعتهم في تعاملهم مع المختلفين معهم في الدين والمذهب؟
والجواب: إنّما نقول ذلك أوّلاً: لأنّ هذه الروايات بأجمعها قد استعملت لفظ «الناس» وبشكل عام، فإنّ هذا التعبير عندما يتمّ استعماله يراد به المخالفين للشيعة، أو مطلق الناس الأعمّ من المسلمين وغيرهم. وثانياً: إنّ الإمام الصادق قال في الرواية الأخيرة: «حبّبونا إلى الناس ولا تبغضونا إليهم». ومن الطبيعي أنّ الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) كانوا محبوبين من قبل أصحابهم ولم يكن الأصحاب يبغضونهم، بل إنّ المخالفين هم الذي يحتاجون إلى أن نستجلب مودّتهم ومحبّتهم، وأن نمحو من أذهانهم ما يُنسب إلى الأئمّة باطلاً.
يتضح ممّا ذكرنا: أنّه لا شكّ في أنّ القول بجواز غيبة المخالفين وغير المسلمين، لن يؤدّي إلى زيادة محبّة المخالف للأئمّة الأطهار (عليهم السلام) ، بل ويؤدّي إلى بغضهم ووهنهم وكراهتهم للأئمّة؛ إذ عندما يشاهد أتباع سائر المذاهب والأديان أنّ أئمّة دين ومذهب مّا، يجيزون شتمهم وهتك عرضهم والإساءة إليهم، سوف يمتعضون منهم ويبغضونهم بطبيعة الحال، وهذا يقع إلى الضدّ تماماً من توجيهات الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) لشيعتهم. ولا شكّ في أنّ موارد من قبيل: الغيبة والسبّ والاتّهام، من المصاديق البارزة والتامّة لفضول الكلام وقبيح القول وعدم ضبط اللسان، وقد ورد النهي من قبل الأئمّة الأطهار عن جميع هذه الموارد بشكل مطلق، ولا سيّما في التعاطي والتعامل مع المختلفين في الدين والمذهب.
كيف يمكن لنا أن نقبل بمثل هذا الحكم، في حين هناك الكثير من النماذج المأثورة عن السيرة العمليّة للأئمّة المعصومين (عليهم السلام) في تعاملهم مع
المخالفين وأتباع سائر الأديان، وهي تختلف بالكامل عن مثل هذه الممارسات، وتتناقض مع القول بجواز غيبتهم. وفيما يلي نذكر بعض النماذج في هذا الشأن:
جاء في المأثور: مرّ شيخ مكفوف يسأل؛ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «ما هذا؟»، قالوا: يا أمير المؤمنين، نصرانيّ. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «استعملتموه حتّى إذا كبر وعجز منعتموه؟! أنفقوا عليه من بيت المال»(1).
وعليه من غير المقبول القول إنّ أئمّة الدين (عليهم السلام) الذين يُبدون مثل هذه الحسّاسيّة تجاه المشاكل الماديّة لغير المسلم، ويأمرون بالإنفاق عليه من بيت المال، يحكمون في الوقت نفسه بجواز هتك حيثيّته وعِرضه. بل إنّ نفس هذا الاهتمام من قبل الإمام بهذا الشخص النصراني يأتي في إطار الحفاظ على كرامته وسمعته وعرضه.
وكذلك ورد عن الإمام عليّ (عليه السلام)، أنّه عندما سمع بعض أصحابه يشتم معاوية وأصحابه في حرب صفين، قال:
1) - وسائل الشيعة، ج 15، ص 66، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو وما يناسبه، الباب: 19، ح: 1.
إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنّكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبّكم إيّاهم: اللهمّ احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتّى يعرف الحقّ من جهله(1).
عندما يتعامل أمير المؤمنين (عليه السلام) مع الذين يحاربونه ويشهرون بوجهه السيف، بمثل هذا التعامل المترفّع، ولا يسمح لأصحابه بالتعرّض إلى حيثيّتهم وسمعتهم، فمن البديهي أن يبدي اهتماماً أكبر بحيثيّة وسمعة وكرامة أُولئك الذين يختلفون عنّا في مجرّد الانتماء الديني والمذهبي، وهو الانتماء الذي يكون سببه القصور والجهل، دون العناد والتعصّب.
هل يمكن للأئمّة - الذين لا يرون ملامة على الذي يموت كمداً من المسلمين، وهو يرى اعتداءاً من قبل المغيرين على يهوديّة يسلبونها قرطها أو خلخالها - أن يقبلوا بالتعرّض إلى حيثية وكرامة المختلف في الدين والمذهب بسببقصوره وجهله؟! وهم غير الشيعة وغير المسلمين الذين لا يبدون في تشبّثهم بدينهم وعقيدتهم عداوة وعناداً.
1) - نهج البلاغة، شرح صبحي الصالح، الخطبة رقم: 206.
قال الإمام عليّ (عليه السلام):
ولقد بلغني أنّ الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأُخرى المعاهدة، فينزع حجلها وقُلبها وقلائدها ورُعُثها، ما تمتنع منه إلّا بالاسترجاع والاسترحام، ثمّ انصرفوا وافرين ما نال رجلاً منهم كلم ولا أريق لهم دم، فلو أنّ امرءاً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جديراً(1).
يرى الإمام عليّ (عليه السلام) أن مجرّد اتّصاف الإنسان بالإنسانيّة يكفي لحصانته على مستوى احترام سمعته وشخصيّته وضمان كرامته وعدم إهدار حقّه. فقد ورد عنه أنّه قال في عهده إلى مالك الأشتر النخعي:
وأشعر قلبك الرحمة للرعيّة، والمحبّة لهم، واللطف بهم ... ؛ فإنّهم صنفان: إمّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق(2).
لا شكّ في أنّ الأمر بالرحمة والمحبّة واللطف بنظائرنا في الإنسانيّة، لا ينسجم مع القول بجواز غيبتهم وبيان عيوبهم مما يُعدّ نوعاً من الظلم، ويجب لذلك أن نجد محملاً آخر لتلك الروايات
التي توهم جواز غيبة المخالف.
وفيما يلي نعرض عليكم رواية تبيّن السيرة العمليّة للأئمّة (عليهم السلام) في التعامل مع أتباع الأديان الأُخرى:
روى الإمام الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) ، قال:
إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) صاحب رجلاً ذمّياً؛ فقال له الذمّي: أين تريد يا أبا عبد الله؟ قال (عليه السلام): أُريد الكوفة. فلمّا عدل الطريق بالذمّي عدل معه أمير المؤمنين (عليه السلام) - إلى أن قال - فقال الذمّي: لمَ عدلت معي؟ فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): هذا من تمام الصُّحبة أن يُشيّع الرجل صاحبه هنيئة إذا فارقه، وكذلك أمرنانبيّنا ... » الحديث. وفيه أنّ الذمّي أسلم لذلك(1).
أين عظمة هذه النفس وسعة هذه الروح التي يتمتّع بها الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) ، ممّا يُنسب لهم من الحكم بجواز الغيبة والسبّ وأمثال هذه الأحكام؟!
يمكن العثور على نماذج كثيرة أُخرى من هذه الروايات، وهي تشكّل تحدّياً أمام القول بأحكام من
1) - وسائل الشيعة، ج 12، ص 134، كتاب الحج، أبواب أحكام العشرة، الباب: 92، ح: 1.
قبيل: جواز غيبة وسبّ المخالف وما إلى ذلك. بل إذا تأمّلنا فيها سوف تأخذ بنا إلى موقع آخر هو الأنسب مع روح الرأفة والرحمة الإسلاميّة.
وفي الختام يخطر إلى الذهن سؤال، وإنّ الإجابة عنه بعد شيء من التدقيق تدعو إلى التأمّل:
لو كنّا نعيش ضمن مجتمع مؤلّف من مختلف الأديان والفِرَق والمذاهب، وقلنا بجواز غيبة المختلف، ألن يؤدّي ذلك إلى ضرب الهدف والغاية الأصليّة التي جاء بها النبيّ الأكرم (صلي الله عليه و آله)، وهو الهدف المتمثّل بإرساء دعائم الأخلاق الفرديّة والاجتماعيّة؟!
وذلك لأنّنا بذلك نعمل من جهة على إشاعة الفحشاء والمنكر في المجتمع الذي هو بحاجة إلى الحفاظ على السلم الأهلي والمجتمعي. إنّنا في الحقيقة نعمل بذلك على ضرب الهدوء، ونساعد في إيجاد سوء الظنّ وعدم الوثوق ببعضنا، وبذلك سوف يختلّ نظام المجتمع. ومن ناحية أُخرى فإنّ سلوكنا هذا يؤدّي بالآخر إلى مواجهتنا بالمثل، وسوف يؤدّي ذلك في المقابل إلى هتك حرمتنا وحيثيّتنا وكرامتنا بحقّ وباطل.
بعد الدراسة الدقيقة والمتأنّية والرؤية الجديدة إلى الآيات والروايات، بعيداً عن العصبيّات والمركوزات الذهنيّة، نصل إلى نتيجة مفادها أنّ أدلّة حرمة الغيبة تشمل جميع الناس. وإنّ الأدلّة التي تقصر حرمة الغيبة على الشيعة الإماميّة الإثني عشريّة فقط غير تامّة.
وعلى هذا الأساس فإنّ غيبة جميع الناس - الأعمّ من الشيعة وغير الشيعة، والمسلمين وغير المسلمين، وحتّى الكفّار ما دام اعتقادهم عن قصور وجهل - حرام.
وبطبيعة الحال فإنّ المسلمين من غير الشيعة
والكفّار إذا كانوا مقصّرين أو جاحدين ومنكرين في اعتقادهم، أو ناصبونا العداء والعناد، لا يكونون مشمولين لحكم عدم الحرمة، وبذلك تكون غيبتهم جائزة.
القرآن الكريم.
1 - التوحيد، الصدوق، محمّد بن علي بن بابويه، جامعة المدرسين، قم.
2 - جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، الشيخ محمّد حسن النجفي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
3 - الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، الشيخ يوسف البحراني، دفتر انتشارات اسلامي التابعة لجامعة المدرسين، قم.
4 - حديقة الأصول (حديقة البساتين في شرح القوانين)، قراجه داغي، المولى محمّد علي،
المطبوعة في ضمن القوانين.
5 - حق وباطل (الحق والباطل)، الشهيد المطهري، مرتضى، انتشارات صدرا، قم.
6 - الخصال، الصدوق، محمّد بن علي بن بابويه، جامعة المدرسين، قم.
7 - السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي، الحلي، محمّد بن إدريس، دفتر انتشارات اسلامي التابعة لجامعة المدرسين، قم.
8 - الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، الجوهري، إسماعيل بن حماد، دارالعلم للملايين، بيروت.
9 - عدل إلهي (العدل الإلهي)، الشهيد المطهري، مرتضى، انتشارات صدرا، قم.
10 - علل الشرائع، الصدوق، محمّد بن علي بن بابويه، مكتبة الداوري، قم.
11 - الكافي، الكليني، أبو جعفر، محمّد بن يعقوب، دارالكتب الإسلامية، طهران.
12 - كتاب الطهارة، الشيخ الأنصاري، مرتضى بن محمّد أمين الأنصاري، المؤتمر العالمي لإحياء ذكرى الشيخ الأنصاري، قم.
13 - مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد
الأذهان، المقدّس الأردبيلي، أحمد، مؤسسة النشر الإسلامي، قم.
14 - مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، الشهيد المطهري، مرتضى، انتشارات صدرا، قم.
15 - مستدرك الوسائل، الميرزا حسين النوري، مؤسسة آل البيت، قم.
16 - مصباح الفقاهة (المكاسب)، السيّد أبوالقاسم الموسوي الخوئي.
17 - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، الفيومي، أحمد بن محمّد المقري، منشورات الوافي، قم.18 - معجم مقاييس اللغة، أبوالحسن، أحمد بن فارس زكريا، انتشارات دفتر تبليغات اسلامي، قم.
19 - مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الإصفهاني، حسين بن محمّد، دارالعلم/ الدار السامية، لبنان / سوريا.
20 - المكاسب المحرّمة، الإمام الخميني، السيّد روح الله الموسوي، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
21 - من لا يحضره الفقيه، الصدوق، محمّد بن
علي بن بابويه، دارالكتب الإسلامية، طهران.
22 - النهاية في غريب الحديث والأثر، الجزري، ابن الأثير، مبارك بن محمّد، مؤسسة إسماعيليان للطباعة والنشر، قم.
23 - نهج البلاغة (شرح صبحي الصالح)، الشريف الرضي، محمّد بن حسين، انتشارات هجرت، قم.
24 - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، الحر العاملي، محمّد بن الحسن، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، قم.