ghaemiyeh.com
سرشناسه:مهدي، عبدالزهرا
عنوان و نام پديدآور:الهجوم على بيت فاطمة عليهاالسلام/ عبدالزهرا مهدي
مشخصات نشر:تهران: حر، 1378.
مشخصات ظاهری:[528] ص.جدول
شابک:964-6885-02-9 ؛ 964-6885-02-9
وضعیت فهرست نویسی:فهرستنویسی قبلی
يادداشت:عربی
يادداشت:ص. ع. بهانگلیسی:...Abdo Al - Zahra Mahdi. The Attack on Fatima's house.
یادداشت:کتابنامه: ص. [495] - 510؛ همچنین بهصورت زیرنویس
موضوع:فاطمه زهرا(س)، 13؟ قبل از هجرت - ق11
فاطمه زهرا(س)، 13؟ قبل از هجرت - 11ق. -- احادیث
رده بندی کنگره:BP27/2/م86ه3
رده بندی دیویی:297/973
شماره کتابشناسی ملی:م78-24088
الهجوم على بيت فاطمة عليهاالسلام
عبد الزهراء مهدي
محرر رقمي:محمد المنصوري
الطبعة الاُولى جمادى الثانية 1420 ه - 2000 م ( قم )
الطبعة الثانية المحقّقة 1421 ه - 2002 م ( كويت )
الطبعة الثالثة 1424 ه -
2003 م ( كويت )
الطبعة الرابعة منقحة ومزيدة 1425 ه - 2004 م ( قم )أخي في الإيمان ..
الكتاب هبة مشروطة بقراءة مازاد على نصفه إلاّ إذا كان للمكتبات العامّة أو المراكز العلمية.. وشكراً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ اَلْرَحیمْ
السلام على البتولة الشهيدة ..
ابنة نبيّ الرحمة ..
وزوجة الوصيّ الحجّة ..
ووالدة السادة الأئمة ..
السلام عليك يا فاطمة الزهراء ! ابنة النبيّ المصطفى ..
السلام عليك وعلى أبيك ..
السلام عليك وعلى بعلك وبنيك ..
السلام عليك أيّتها الممتحنة ..
السلام عليك أيّتها المظلومة الصابرة ..
لعن اللّه من منعك حقّك ، ودفعك عن إرثك ..
ولعن اللّه من ظلمك وأعنتك ، وغصصك بريقك ، وأدخل الذلّ بيتك ..
ولعن اللّه من رضي بذلك ، وشايع فيه ، واختاره وأعان عليه .. وألحقهم
بدرك الجحيم .
إني أتقرّب إلى اللّه سبحانه بولايتكم أهل البيت وبالبراءة من أعدائكم من الجنّ والإنس .. وصلّى اللّه على محمّد وآله الطاهرين .
المزار الكبير : 82 ؛ مصباح الزائر : 53 ؛ وعنه في بحارالأنوار : 100/198 مع اختلاف يسير .
قال اللّه تبارك وتعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا
بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤذَنَ لَكُمْ »
الأحزاب (33) : 53
وقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله :
« ألا إنّ فاطمة عليهاالسلام بابها بابي
وبيتها بيتي ، فمن هتكه فقد هتك حجاب اللّه »
الطرف : 19 ، وعنه في بحار الأنوار : 22/477
قال سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام :
« واعلموا أنّكم لن تعرفوا الرشد حتّى تعرفوا الّذي تركه ،
ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتّى تعرفوا الّذي نقضه ،
ولن تمسكوا به حتّى تعرفوا الّذي نبذه .. ».
نهج البلاغة : 63 خطبة : 147 ، الكافي : 8/390 ، وعنه في بحار الأنوار : 77/371
عن الإمام أبي جعفر عليه السلام :
« من لم يعرف سوء ما أُتي إلينا من ظلمنا وذهاب حقّنا ،
وما رُكبنا به ، فهو شريك من أتى إلينا في ما ولينا به .. »
عقاب الأعمال : 208 ، وعنه في بحار الأنوار : 27/55
إليكَ ..
يا من لم يُوْلَدْ مثله مولود بضغط .. ثم زجر .. ثم مسمار ! ..
يا من لم يستضئ من الدهر سوى البلاء .. ولم يُستقبل منه إلاّ الجفاء .. ولم يورّث إلاّ العناء ! ..
يا من أسقطوا بسقطه كل مثل الإنسانيّة .. ومبادئ الرحمة .. وأُسس الشرف ! ..
يا من حرموه من أن يستهلّ ولو بصرخة .. أو يتظلّم ولو بآه .. أو يتكلّم ولو ببنت شفة ! ..
يا من كمّموا صرخته .. وخنقوا عبرته .. وأطفئوا بصيص نظرته ! ..
يا من تمثّلت بشهادته كل معاني القسوة .. والحقد .. والجناية ! ..
يا من أعدموا به كل مثل الرحمة .. والحنان .. والحبّ ! ..
يا من بدمه أُمضي أحقّيّة الصادقين .. ومنه بزغ نور المستشهدين .. وبه بدء سجلّ الخالدين ! ..
يا من ولد مظلوماً .. ومات محروماً ! ..
يا من حُكم عليه بتعفير القبر وخفائه .. إلى يوم نشر لوائه ! ..
يا برهان الظلامة .. وعنوان القداسة .. وديوان الشرف ! ..
يا شريك أُمَّه في الشهادة .. وصنو أبيه في الظلامة .. وسبَّاق أخويه في الجهاد ! ..
يا قتيل الهدف .. والمبدء .. والولاء ! ..
إليكَ ..
يابن طه وحيدر والزهراء .. يا أخا شبّر وشبير .. يا مشبّر .. يا محسن بن علي ..
وريقات ولائى وودّي وإخلاصي ..
عبد أُمِّك و أبيك
الفصل الأول : الوحي يحذِّر .. ويخبر
19 - 44
الفصل الثاني : الانقلاب على الأعقاب
45 - 97
الفصل الثالث : تفصيل قضيّة الهجوم
99 - 150
الفصل الرابع : جملة من النصوص والآثار في مأساة الهجوم
151 - 364
الفصل الخامس : تظلّم أهل البيت
365 - 431
الفصل السادس : شبهات .. وردود
433 - 489
الخاتمة : الكتب الجامعة لروايات الهجوم وأسنادها
491 - 494
الفهرس التفصيلي
509 - 523
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ اَلْرَحیمْ
الحمد للّه ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمّد وآله الطاهرين ، لاسيّما ابن عمه وصهره وسيد أوصيائه وخليفته - بلا فصل - من بعده أمير المؤمنين ، ويعسوب الدين ، وإمام المتقين ، وأوّل المظلومين .. وكذا ابنته سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين ، السيدة الجليلة ، ذات الأحزان الكثيرة في المدة القليلة ، المظلومة المغصوبة ، المضطهدة المقهورة ، الصدّيقة الشهيدة ، الإنسية الحوراء ، فاطمة الزهراء عليهاالسلام .
واللعن الدائم على أعدائهم ومخالفيهم ومعانديهم وظالميهم ، وغاصبي حقوقهم ، ومنكري فضائلهم ومناقبهم ، ومدّعي شؤونهم ومراتبهم .. من الأولين والآخرين أجمعين ، إلى يوم الدين .
وبعد ؛ لا ريب أن لبعض الحوادث التاريخية موقعية خاصة في المعارف الدينية بحيث يستند إليها في المباحث الكلامية، فلا يكون الفحص فيها والتحقيق حولها من شؤون أهل السيرة خاصة ، بل المتكلمون والمحدثون وغيرهم يبحثون عن مدى صحتها وكيفية وقوعها .. لأهميتها عندهم ؛ ومن هذه الوقائع ما وقع بعد وفاة النبي الأعظم صلى الله عليه و آله ، وكيفية البيعة لأبي بكر وموقف أهل البيت عليهم السلام مع تلك البيعة وكذا سائر المسلمين ..
ويلزمنا أن نذكر - قبل الشروع - أنا لا نرضى بالتفرقة بين المسلمين ، ونبرأ إلى اللّه ممن يوقع بينهم العدواة والشحناء .. ولكن هل يوجب هذا أن نسدّ باب التحقيق ؟!
أو نكمم الحق أو نخفي الواقع .. ؟ !
وهل يكون مثل هذا مبرّراً للمنع عن البحث المنطقي بإيراد الآيات وما اتفق الفريقان على نقله وقبوله من الآثار والروايات ؟!
الحقّ أن السكوت أمام هذه الحوادث والحمل على الصحة في جميع ما صدر من الصحابة يمنعنا من الوصول إلى الحقائق ، بل يوقعنا في الخطأ في فهم المعارف الدينية ، فيجب علينا طرح العصبية والأهواء وملاحظة الأدلة المقبولة عند الجميع .. ثم القضاء بالإنصاف .
ثم إني رأيت كثيراً عند مراجعتي للكتب الاعتقادية والكلامية - فضلاً عن التاريخية والحديثية - ذكر وقعة الهجوم على بيت فاطمة عليهاالسلام عند امتناع أمير المؤمنين عليه السلامعن البيعة لأبي بكر ، كما وقد احتج بها ، ووجدت جملة من أعلام العامة يصرّون على إنكارها وردّ الروايات الواردة فيها وتضعيفها . . وإن كانت في الكتب المعتبرة عندهم وجاءت عن ثقاتهم ، فانكشف لي أهمية هذا الموضوع وأنّه لم يكن مجرّد قضيّة تاريخية فحسب ، كيف ولها آثار مهمّة في عقائدنا وفي مبحث الأمامة الكبرى ؛ إذ بها يثبت عدم بيعة أمير المؤمنين عليه السلام لأبيبكر اختياراً ، وإنما بايع إجباراً
بعد أن وصل الحال إلى أن أحرقوا باب الدار وأرادوا إحراق البيت على أهله .. وجرّوه إلى المسجد .. وفُعل ما فُعل بحليلته .. وبعد فقد ناصره وجنده و.. وهذا الذي يؤكّد عليه أمير المؤمنين عليه السلام في خطبه ، كما يأتي قوله عليه السلام : « مازلت مظلوماً منذ قبض رسول اللّه صلى الله عليه و آله .. » .
قال ابن أبي الحديد - بعد ذكر ما قالهُ أمير المؤمنين عليه السلام في التألّم و التظلم عمن تقدم عليه مثل قوله : « ما زلت مظلوماً .. » و« صبرت وفي الحلق شجى وفي العين قذى .. » ، « اللّهم إنّى أستعديك على قريش .. » ، « لقد ظُلِمْت عدد الحجر والمدر .. » - :
وكان المرتضى - يريد السيد المرتضى صاحب الشافي - إذا ظفر بكلمة من هذه فكأنّما ظفر بملك الدنيا ، ويودعها في كتبه وتصانيفه .(1)
ومن تصفّح كتب العامّة يجد أن طائفة منهم يحكون بيعة أمير المؤمنين عليه السلام لأبي بكر بنحو من التدليس والتحريف ، ويوقعون القارئين الغافلين عن الحقائق في الاشتباه فيتوهّمون :
أنّ أمير المؤمنين عليه السلام ؛ وإن كان لا يرى أبا بكر أهلاً للخلافة ولكنّه رضي ببيعة النّاس له .
ولم ينافس خيراً ساقه اللّه إلى أبي بكر !!
والمبايعة له وقعت في حال الاختيار !!
بل نادى أبو بكر واستقال الناس بيعتهم له . . ولكن أمير المؤمنين عليه السلام وبقيّة المسلمين أبوا عن الإقالة !!
نعم ، هذه وامثالها - وما أكثرها - أكاذيب اختلقها أقوام ونقلها آخرون من دون تدبّر وتفهّم ، تشبّثوا بها .. لكنّهم غافلون : « يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤا نُورَ اللّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ » .(2)
فإذا أثبتنا بالدليل القطعي مظلوميتهم عليهم السلام .. وأنه عليه السلام لم يبايع أبا بكر بالطوع والاختيار ، فلا يبقى مجال لهذه الخزعبلات والتسويلات .
ومن هنا ترى القوم قد غضبوا على فاطمة عليهاالسلام (3)- التي يغضب اللّه لغضبها ويرضى لرضاها - ، إذ هي الّتي كشفت للناس عن هذه الحقائق المخفيّة ، وأظهرت بواطن الأُمور :
بدفاعها عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قبل إخراجه وعند إخراجه من البيت ..
وبحضورها في المسجد واعتراضها على أبي بكر ..
وببكائها ليلاً ونهاراً ! ..
وبإلقاءها الخطبة الفدكية الرائعة ، ليميز الناس الحق عن الباطل ..
وبإيصائها بدفنها ليلاً و ..
ولعل من أهمّ ما صنعته بالهيئة الحاكمة وصيتها الخطيرة التي تُعدّ - بحقّ - من أهمّ ما أبقاه لنا التاريخ سنداً ومسنداً لبيان فداحة المصاب .. بل كانت سبباً لكل ما
أكنّه القوم من حقد وضغينة في صدورهم عليها وعلى شيعتها مما لا يعلمه إلاّ اللّه ..
وإلاّ فلماذا لم يصلّ عليها أبو بكر وعمر ؟! وكذا سائر النّاس الذين خذلوها وخذلوا بعلها وقعدوا عن نصرة عترة نبيّهم عليهم السلام ؟!
ولماذا أُخفي قبرها إلى يومك هذا ؟!
ولماذا .. ثم ماذا .. ؟!
ثم إنّي رأيت أنْ أُوّلف كتاباً يشتمل على مصادر وصمة الهجوم من كتب الفريقين بحيث يكون كافياً لمن أراد الوقوف على الحقّ والصواب ، وهادياً لمن اجتنب الاعتساف ، مع اعترافي بالعجز والقصور وعدم إحصائي لكل ما هو المقصود .
ثم رأيت إخبار النبي صلى الله عليه و آله بما يجري على أهل بيته عليهم السلام في روايات كثيرة فقدّمته في الفصل الأول ، وحيث كان بعض ما وقع قبل وفاته صلى الله عليه و آله مرتبطاً بما نحن فيه ؛ لذا أوردته في الفصل الثاني ، ورأيت أن أسرد الوقائع بحسب وقوعها تاريخياً في الفصل الثالث ، ثم ذكرت مصادرها .. أي ما وقفت عليه من الروايات والأقوال والأشعار من مصادرها الأوليه مرتباً لها بحسب وفيات المؤلفين وذلك ما عقدنا له الفصل الرابع ، وبعد كلّ رواية نذكر من رواها عن المؤلّف السابق أو عن غيره .
وإن كانت للمؤلّف المذكور في العنوان رواية من الروايات التي سبق بيانها فنشير إلى رقمها .
وأتبعته بما وقفت عليه من شكوى أمير المؤمنين عليه السلام والسيدة فاطمة
الزهراء
عليهاالسلام .. وإيصائها بالدفن ليلاً في الفصل الخامس . ثم ذكرت بعض ما أُورد من الشبهات في وقوع تلك القضايا وأجبت عنها مجملاً في الفصل السادس .
تنبيهات :
الأُول : كان مسعاي أن تكون أُصول المطالب المنقولة ممّا اتّفقت عليه كتب الفريقين ، وإن كانت بعض الجزئيات مختصّة بأحدهما ، إلاّ أن ما نستدل به موجود في كتب القوم غالباً ، نعم إنّهم فتحوا لأنفسهم باب التأويلات ، ويجيبون عمّا يستدل الشيعة به بما يتفردون بنقله ، وهذا كما ترى لا يجدي شيئاً .
الثاني : إن المقصود الأوّلي من هذا الكتاب هو ذكر نصوص الروايات وكلمات القدماء والاحتجاج بها ، وما نقلناه عن بعض المتأخّرين إنّما كان استطراداً ، لاسيّما إذا روى رواية لم نجدها في كتب القدماء ، أو أشار إلى إجماع أو شهرة . وذكرنا بعض المتأخّرين من أهل السنّة ليُعلم مدى اعتبار الروايات وقيمتها عند متأخريهم .
الثالث : إذا راجعت البحار - طبع بيروت - تجد أنه ينقص عمّا طُبع في إيران من مجلد 57 إلى آخره ثلاث مجلدات ، فمجلد 54 طبع بيروت يوافق 57 طبع ايران .. وهكذا .
الرابع : لم نقتصر في رمز (خ) على بيان اختلاف النسخ - كما هو المتعارف - بل عمّمناه لما إذا كان منشأه اختلاف ألفاظ الروايات باختلاف مصادره ، أو لتعدد نسخ البدل بسبب تعدد الطبعات لكتاب واحد .
الخامس : نذكر عقيب الأسماء المقدسة ما يناسبها من التحيات والصلوات ، سواء أكانت في المصدر المنقول عنه أم لا .
والمرجوّ لمن راجع هذا الكتاب أن ينظر إليه بعين الإنصاف ويحذر عن الاعتساف ويأخذ بيدنا لما فيه من نقص و سهو ، و يرشدنا لما فيه مما يحتاج إلى الإصلاح إذ نحن لا نريد إلاّ بيان الواقع والحق ، والحق أحق أن يتبع .. واللّه من وراء القصد .
تنبيه ضروري
نحن لا نعتمد على روابات العامّة لعدم اعتبارها عندنا والغرض من نقلها إلزامهم بها والاحتجاج عليهم بها.
نعم إذا كان ما رووه ممّا اتفق على نقله الخاصّة والعامّة نأخذ بها وأمّا اذاتفرّدوا بنقل شيء فلا نذكره إلاّ لإلزامهم بها من دون أن نعتقد به .
استشكل الفضل بن روزبهان الخجندي على العلاّمة الحلّي قدس سره فقال : والعجب أنّ هذا الرجل لا ينقل حديثا إلاّ من جماعة أهل السنّة . فردّ عليه الشيخ المظفر رحمه الله: ... فمن عدم تفرقته بين البحث الإلزامي وغيره ؛ فإنّ المصنّف قدس سره إنّما ينقل عن كتبهم لإلزامهم لا لحاجة به إليها؛ لغناه عنها بالأدلَّة القطعيّة .(1)
وقال الشيخ المظفر رحمه الله- أيضا - : إن أخبارهم غير صالحة للاستدلال بها على شيء من مطالبهم ؛ لأن منتقى أخبارهم ما جمعته الصحاح الستة وهي مشتملة على أنواع من الخلل ، ساقطة عن الاعتبار البتة .(2)
وقال صاحب الجواهر قدس سره : ظاهر الأصحاب عدم الالتفات إلى أخبار العامة وان انجبرت !!(3)
وقال الشيخ الحرّ العاملي رحمه الله : تواترت الأحاديث عن أئمتنا بالنهي عن رواية أحاديث العامّة وإن كانت في مدح أهل البيت عليهم السلام وعن العمل بها ، بل ورد عنهم الأمر بمخالفتها إذا لم يكن عندنا دليل يوافقها .(4)
أقول: وعدّ من مرجّحات الرواية ، مخالفتها للعامّة . انظر مبحث التعادل والترجيح من كتب الأصول ، وباب ما يعالج به تعارض الروايات من كتب الحديث مثل البحار 2/219 ، جامع أحاديث الشيعة 1/308 ، الوسائل 27 / 106 ، المستدرك 17 / 302 ، العوالم 3 / 538 .
وقد بحثنا عن ذلك في أثر آخر فراجع المنهج الصحيح في تفسير القرآن صفحة 306- 310 .
1) . دلائل الصدق 6 / 20 - 21 .
2) . دلائل الصدق 1 / 47 .
3) . جواهر الكلام 2 / 30 ولاحظ ماذكره العلامة الحلي في منتهى المطلب 1 / 18 ، والشهيد الثانيفي مسالك الأفهام 10 / 20 ، والسيد محمد العاملي في مدارك الأحكام 5 / 348 ، والعلامة المجلسي في بحار الأنوار 72 / 236 ، والشيخ محمد تقي في هداية المسترشدين 418 ، وغيرهم في غيرها .
4) . الفوائد الطوسية 365 .
قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « أُذكِّركم اللّه في أهل بيتي » .(1)
وقال صلى الله عليه و آله : « أيها الناس ! لا تأتوني غداً بالدنيا تزفّونها زفّاً ويأتي أهل بيتي شعثاً غبراً مقهورين مظلومين تسيل دماؤهم ... أيّها الناس ! اللّه .. اللّه في أهل بيتي » .(2)
وقال صلى الله عليه و آله : « استوصوا بأهل بيتي خيراً فإنّي أخاصمكم عنهم غداً .. ومن أكن خصمه أخصمه .. ومن أخصمه دخل النار » .(3)
وقال صلى الله عليه و آله : « احفظوني في عترتي وذرّيتي ، فمن حفظني فيهم حفظه اللّه ، ألا لعنة اللّه على من آذاني فيهم .. » - ثلاثاً - .(4)
وقال صلى الله عليه و آله - في حديث الثقلين بعد ذكر العترة - : « .. فلا تقتلوهم ولا تغزوهم »، وفي رواية : « لا تعمدوهم ولا تقصروا عنهم ولا تقهروهم .. فإني قد سألت لهما اللطيف الخبير فأعطاني : ناصرهما لي ناصر ، وخاذلهما لي خاذل ، ووليّهما لي وليّ ، وعدوّهما لي عدوّ » .(5)
قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريداً وتشريداً » .(1)
وقال صلى الله عليه و آله : « .. إلى اللّه أشكوا المنكرين لفضلهم والمضيّعين لحرمتهم بعدي ، كفى باللّه وليّاً وناصراً لعترتي وأئمّة أُمّتي ومنتقماً من الجاحدين لحقّهم « وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ .. » » .(2)
عقاب من آذى أهل البيت عليهم السلام(3)
قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « الويل لظالمي أهل بيتي ، عذابهم مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار » .(4)
وقال صلى الله عليه و آله : « إنّ اللّه حرّم الجنّة على من ظلم أهل بيتي أو قاتلهم أو أغار عليهم أو سبّهم » .(5)
وقال صلى الله عليه و آله : « ستة لعنتهم ، لعنهم اللّه وكلّ نبيّ مجاب ... والمستحلّ من عترتي ما حرّم اللّه .. » .(6)
وقال صلى الله عليه و آله : « اشتدّ غضب اللّه على من آذاني في عترتي » .(7)
وقال صلى الله عليه و آله : « من آذاني في أهلي فقد آذى اللّه » .(8)
1) . المستدرك على الصحيحين للحاكم : 4/466 ، 487 .
2) . كمال الدين : 261 . والآية في سورة الشعراء 26 : 227 .
3) . أقول : عقد السمهودي المتوفى 911 في كتاب جواهر العقدين : 341 فصلاً في التحذير عن بغض أهل البيت عليهم السلام وعدواتهم ولعن من ظلمهم .
4) . المناقب لابن المغازلي : 66 ، 403 ، ح 94 .
5) . ذخائر العقبى : 20 .
6) . المستدرك للحاكم : 1/36 .
7) . كنز العمّال : 12/93 .
8) . المصدر : 12/103 .
وقال صلى الله عليه و آله : « اشتدّ غضب اللّه على من أراق دمي وآذاني في عترتي » .(1)
روى يونس بن حباب ، عن أنس بن مالك ، قال : كنّا مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله وعليّ بن أبي طالب عليه السلام معنا ، فمررنا بحديقة ، فقال علي عليه السلام : « يا رسول اللّه ! ألا ترى ما أحسن هذه الحديقة ؟ » فقال : « إن حديقتك في الجنّة أحسن منها .. » حتى مررنا بسبع حدائق ، يقول عليّ عليه السلام ما قال ويجيبه رسول اللّه صلى الله عليه و آله بما أجابه ، ثم إن رسول اللّه وقف فوقفنا ، فوضع رأسه على رأس علي وبكى .. فقال عليّ عليه السلام : « ما يبكيك يا رسول اللّه ؟! » قال : « ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتى يفقدوني » .
وزاد سليم :(2)« أحقاد بدر وترات أُحد ... وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، ولك بهارون أُسوة حسنة إذ استضعفه قومه وكادوا يقتلونه ، فاصبر لظلم قريش إيّاك وتظاهرهم عليك ، فإنّك بمنزلة هارون من موسى ومن تبعه ، وهم بمنزلة العجل ومن تبعه ، وإنّ موسى أمر هارون حين استخلفه عليهم إن ضلّوا فوجد أعواناً أن يجاهدهم بهم ، وإن لم يجد أعواناً أن يكفّ يده ويحقن دمه ولا يفرق بينهم » .(3)
وروى الخوارزمي في مناقبه أنه صلى الله عليه و آله قال لأمير المؤمنين عليه السلام : « اتق الضغائن التي لك في صدور من لايظهرها إلاّ بعد موتي « أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللّه ُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ »(4)»، ثم بكى صلى الله عليه و آله ، فقيل : ممَّ بكاؤ يا رسول اللّه ؟ ! قال : « أخبرني جبرئيل أنهم يظلمونهويمنعونه حقه ويقاتلونه ويقتلون ولده ويظلمونهم بعده » .(5)
1) . كنز العمال : 1/267 و 10/435 .
2) . كتاب سليم : 73 - 72 ( الطبعة المحققة : 2 / 569 الحديث الثاني ) .
3) . انظر شرح نهج البلاغة : 4/107 ؛ الرياض النضرة : 651 ؛ المناقب للخوارزمي : 65 ؛ مجمع الزوائد : 9/118 ؛ كنز العمال : 13/176 ؛ ينابيع المودة : 1/134 ، ورواه عن جمع من العامّة في إحقاق الحق : 6/181 - 186 ؛ كشف اليقين : 451 - 450 ؛ الغدير : 7/173.
4) . البقرة 2 : 159 .
5) . المناقب للخوارزمى : 62 ؛ بحارالأنوار : 28/ 45 و 37/ 191 و 51/ 67 ؛ الأماليللطوسي : 351 ؛ الصراط المستقيم : 2 / 87 ؛ الطرائف 2 / 521 ؛ كشف الغمة : 1 / 398 ؛ كشف اليقين : 466 .
وقال أمير المؤنين عليه السلام : « نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلى الله عليه و آله كما قال لي : « إنّ اللّه أمرني بولاية عليّ ، فولايته ولايتي وولايتي ولاية ربّي، عهد عهده إليّ ربّي وأمرني أن أُبلّغكموه، فهل سمعتم ؟ » قالوا : نعم ، قد سمعناه.
قال : « أما إنّ فيكم من يقول : قد سمعت وهو يحمل الناس على كتفيه ويعاديه ! » ، قالوا : يا رسول اللّه ! أخبرنا بهم. قال : « أما إنّ ربّي قد أخبرني بهم ، وأمرني بالإعراض عنهم لأمر قد سبق، وإنّما يكتفي أحدكم بما يجد لعليّ في قلبه » .(1)
وروى أبو جعفر الإسكافي : إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله دخل على فاطمة عليهاالسلام ، فوجد علياً نائماً ، فذهبت تنبهه ، فقال : « دعيه ! فربّ سهر له بعدي طويل وربّ جفوة لأهل بيتي
من أجله شديدة .. » فبكت ، فقال : « لا تبكي ! فإنكما معي وفي موقف الكرامة عندي » .(2)
عن أبي سعيد الخدري ؛ قال : ذكر رسول اللّه صلى الله عليه و آله يوماً لعلي عليه السلام ما يلقى بعده من العنت فأطال ، فقال له عليه السلام : « أُنشدك اللّه والرحم - يا رسول اللّه ! - لمّا دعوت اللّه أن يقبضني إليه قبلك ! .. » قال : « كيف أسأله في أجل مؤجّل ؟! » .(3)
قال النبي صلى الله عليه و آله لعلي عليه السلام : « أما إنّك ستلقى بعدي جهداً » . قال عليه السلام : « في سلامة من ديني ؟ ! » ، قال : « في سلامة من دينك » .(4)
وعنه صلى الله عليه و آله : « يا علي ! ابشر بالسعادة ، فإنك مظلوم بعدي ، ومقتول » .(1)
وقال صلى الله عليه و آله : « أنت وصيّي من بعدي ، وأنت المظلوم المضطهد بعدي » .(2)
وفي حديث مولانا علي بن الحسين السجاد عليه السلام عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « قال لي جبرائيل : يا محمّد ! إن أخاك مضطهد بعدك مغلوب على أُمّتك ، متعوب من أعدائك .. » .(3)
وقال : « يا عليّ إنّك من بعدي مغلوب مغصوب تصبر على الأذى في اللّه وفيّ محتسباً أجرك غير ضائع، فجزاك اللّه عن الإسلام خيرا » .(4)
وعن الإمام الحسين بن علي ، عن أبيه عليهماالسلام قال : « لمّا نزلت : « الم * أحَسِبَ النَّاسُ .. »(5)إلى آخر الآيات ، قلت : يارسول اللّه ! ما هذه الفتنة ؟
قال : « يا علي ! إنك مبتلى ومبتلى بك ، وإنك مخاصم فأعدّ للخصومة » .(6)
وعن مولانا الصادق عليه السلام ، عن آبائه عليهم السلام ، قال : قال النبي صلى الله عليه و آله لفاطمة عليهاالسلام : « إنّ زوجك يلاقي بعدي .. كذا ، ويلاقي بعدي .. كذا .. » فخبّرها بما يلقى بعده .
فقالت : « يا رسول اللّه ! ألا تدعو اللّه أن يصرف ذلك عنه ؟
فقال : قد سألت اللّه ذلك له ، فقال : إنّه مبتلى ومبتلى به » .(7)
روى سدير الصيرفي ، عن أبي جعفر محمّد بن علي عليه السلام هما ، قال : اشتكىعلي عليه السلامشكاة ، فعاده أبو بكر وعمر وخرجا من عنده فأتيا النبي صلى الله عليه و آله، فسألهما : « من
1) . الأمالي للشيخ الصدوق : 368 ، وعنه في بحار الأنوار : 38/103 .
2) . كنز الفوائد : 2/56 ، وعنه في بحار الأنوار : 27/230 .
3) . كامل الزيارات : 263 ، وعنه في بحار الأنوار : 28/58 .
4) . الفضائل : 145 ، وعنه في بحارالأنوار : 29 / 461 .
5) . العنكبوت 29 : 1 - 2 .
6) . المناقب : 3 / 203 ؛ بحار الأنوار : 28 / 69 .
7) . تأويل الآيات : 645 ، وعنه في بحار الأنوار : 24/230 و 36/164 .
أين جئتما ؟ » قال :(1)عدنا علياً ، قال : « كيف رأيتماه ؟ » قالا : رأيناه يُخاف عليه مما به ، فقال : « كلاّ إنه لن يموت حتى يوسع غدراً وبغياً ، وليكوننّ في هذه الاُمّة عبرة يعتبر به الناس من بعده » .(2)
وفي رواية : إنه عاد النبي صلى الله عليه و آله علياً عليه السلام ، فقال عمر : يا رسول اللّه ! ما علي إلاّ لما به ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : لا والذي نفسي بيده - يا عمر ! - لا يموت حتى يُملأ غيظاً ، ويُوسَّع غدراً ، ويوجد من بعدي صابراً » .(3)
ورووا عن القاسم بن جندب ، عن أنس بن مالك ، قال : مرض علي عليه السلام فثقل ، فجلست عند رأسه فدخل رسول اللّه صلى الله عليه و آله - ومعه الناس فامتلأ البيت - فقمت من مجلسي فجلس فيه رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فغمز أبو بكر عمر فقام فقال : يا رسول اللّه ! إنّك كنت عهدت إلينا في هذا عهداً وإنّا لا نراه إلاّ لما به ، فإن كان شيء فإلى مَنْ ؟ فسكت
رسول اللّه صلى الله عليه و آله فلم يجبه ، فغمزه الثانية فكذلك ، ثم الثالثة . فرفع رسول اللّه صلى الله عليه و آله رأسه ، ثم قال : « إنّ هذا لا يموت من وجعه هذا ولا يموت حتّى تملياه غيظاً ، وتوسعاه غدراً ، وتجداه صابراً » .(4)
وفي رواية سليم : « ثمّ تجداه صابراً قوّاماً ، ولا يموت حتّى يلقى منكما هنات وهنات ، ولا يموت إلاّ شهيداً مقتولاً » .(5)
قيل لأمير المؤمنين عليه السلام في علّة جلوسه عنهم ، قال عليه السلام : « إنّي ذكرت قولالنبيّ صلى الله عليه و آله : إنّ القوم نقضوا أمرك ، واستبدّوا بها دونك ، وعصوني فيك ، فعليك
1) . كذا ، والظاهر : قالا .
2) . شرح نهج البلاغة : 4/106 .
3) . المناقب : 3/216 .
4) . تقريب المعارف : 255 ، وعنه في بحار الأنوار : 30/389 ؛ الصراط المستقيم : 3/11 مختصراً ؛ وراجع : الخصائص للسيوطي 2/124 ؛ المستدرك للحاكم : 3/139 ومختصر تاريخ دمشق : 18/33 .
5) . كتاب سليم : 144 ( الطبعة المحققة : 2 / 692 الحديث الرابع عشر ) ؛ وعنه في بحار الأنوار : 30/315 .
بالصبر حتى ينزل الأمر ، فإنهم سيغدرون بك وأنت تعيش على ملّتي وتُقتل على سنّتي .. » .(1)
وعنه صلى الله عليه و آله : « يابن اليمان ! إنّ قريشاً لاح(2)صدورها ، ولا ترضى قلوبها ، ولا تجرى ألسنتها ببيعة عليّ وموالاته إلاّ على الكره والعيّ والطغيان » .(3)
وعنه عليه السلام : « قال لي رسول اللّه صلى الله عليه و آله : عليك بالصبر حتى ينزل الأمر ، ألا وإنهم سيغدرون بك لا محالة فلا تجعل لهم سبيلاً إلى إذلالك وسفك دمك ، فإنّ الأُمّة ستغدر بك بعدي .. كذلك أخبرني جبرئيل عن ربّي » .(4)
وفي رواية قال : سمعت علياً يقول : « أما وربّ السماء والأرض .. - ثلاثاً - إنه لعهد النبي الأُمّي إليّ : لتغدرنّ بك الأُمّة من بعدي » .(5)
وعنه عليه السلام : « أما والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبيّ الأُمّي إليّ : إنّ الأُمّة ستغدر بك من بعدي » .(6)
ومن العامة ؛ ما ذكره الحاكم المستدرك : 3/140 ، 142 ؛ والبداية والنهاية : 6/244 و 7/360 ؛ كنز العمال : 11/297 ، 617 ؛ مجمع الزوائد : 9/137 ؛ مختصر تاريخ دمشق : 18/44 - 45 .
وراجع : إحقاق الحقّ : 7/325 - 330 ؛ والغدير : 7/173 عن غير واحد من أعلام العامة وحكموا بصحّتها.
عن عبد اللّه بن الغنوي : إنّ علياً عليه السلام خطب بالرحبة ، فقال : « أيّها النّاس ! إنكم قد أبيتم إلاّ أن أقولها : وربّ السماء والأرض إنّ من عهد النبي الأُميّ إليّ : أن
1) . المناقب : 1/272 .
2) . خ . ل : تنشرح .
3) . الغيبة للنعماني : 94 طبعة أُخرى : 143 وعنه في بحارالأنوار : 28/71 .
4) . الخصال : 262 ، وعنه في بحار الأنوار : 28/209 ؛ كامل بهائي : 1/315.
5) . شرح نهج البلاغة : 6/45 .
6) . تجد الرواية - مع اختلاف يسير - في الإرشاد : 1/284 - 285 ؛ وعيون الاخبار: 67 ؛ والمناقب : 3/216 ؛ والجمل : 123 - 171 ؛ وإرشاد القلوب : 383 ؛ والاحتجاج : 75 ، 190 ؛ وإعلام الورى : 33 ؛ والطرائف : 427 ؛ ونهج الحق : 330 ؛ وكنز الفوائد : 2/175 ؛ والغارات : 335 ؛ واليقين : 337 ؛ وتقريب المعارف : 150 ؛ والشافي : 3/225 - 226 ؛ وتلخيص الشافي : 3/50 - 51 ؛ ورواه عن جمعٍ منهم في بحار الأنوار : 28/41 ، 45 ، 50 ، 65 ، 75 ، 191 ، 375 و 29/453 - 444 .
الأُمّة ستغدر بك بعدي » .
قال ابن أبي الحديد : وقد روى أكثر أهل الحديث هذا الخبر بهذا اللفظ أو بقريب منه .(1)
وفي رواية : « .. وأمّا التي أخافها عليك فغدرة(2)قريش بك بعدي يا علي » .(3)
وقال أميرالمؤنين عليه السلام : « لقد علم المستحفظون من أصحاب النبيّ محمّد صلى الله عليه و آله أنّه ليس فيهم رجل له منقبة إلا وقد شركته فيها وفضّلته، ولي سبعون منقبة لم يشركني فيها أحد منهم .. . وأمّا الثامنة والعشرون : فإنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال : « إنّ اللّه تبارك وتعالى وعدني فيك وعداً لن يخلفه : جعلني نبيًّا وجعلك وصيّا، وستلقى من أُمّتي من بعدي ما لقي موسى من فرعون، فاصبر واحتسب حتّى تلقاني فأُوالي من والاك وأُعادي من عاداك .. » .(4)
وقال عليه السلام : « يابن قيس ! ... أخبرني رسول اللّه صلى الله عليه و آله بما الأُمة صانعة بعده ، فلم أك بما صنعوا حين عاينته بأعلم ولا أشدّ استيقانا مني به قبل ذلك ، بل أنا بقول رسول اللّه صلى الله عليه و آلهأشدّ يقينا مني بما عاينت وشهدت ! فقلت : يا رسول اللّه ! فما تعهد إليّ إذا كان ذلك ؟ قال : « إن وجدت أعواناً فانبذ إليهم وجاهدهم ، وإن لم تجد أعوانا فكفّ يدك واحقن دمك ، حتى تجد على إقامة الدين وكتاب اللّه وسنتي أعوانا » ..
« وأخبرني أن الأُمة ستخذلني وتبايع غيري » ..
« وأخبرني أني منه بمنزلة هارون من موسى ، وأن الأُمة سيصيرون بعده بمنزلة
هارون ومن تبعه والعجل ومن تبعه ، إذ قال له موسى عليه السلام : « يا هارُونُ ما مَنَعَك إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي * قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي »(1)وإنما يعني : أن موسى أمر هارون حين استخلفه عليهم إن ضلّوا فوجد أعوانا أن يجاهدهم ، وإن لم يجد أعوانا أن يكفّ يده ويحقن دمه ولا يفرّق بينهم ، وإني خشيت أن يقول ذلك أخي رسول اللّه صلى الله عليه و آله : لِمَ فرّقت بين الأُمة ولم ترقب قولي ، وقد عهدت إليك أنك إن لم تجد أعوانا أن تكفّ يدك وتحقن دمك ودم أهلك وشيعتك ؟ ! فلمّا قبض رسول اللّه صلى الله عليه و آله مال الناس إلى أبي بكر فبايعوه ، وأنا مشغول برسول اللّه بغسله .. » .(2)
وقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: « يا أخي ! أنت ستبقى بعدي وستلقى من قريش شدّة من تظاهرهم عليك وظلمهم لك ، فإن وجدت عليهم أعواناً فجاهدهم وقاتل من خالفك بمن وافقك ، وإن لم تجد أعواناً فاصبر وكفّ يدك ولا تلق بها إلى التهلكة ، فإنك مني بمنزلة هارون من موسى .. ولك بهارون أُسوة حسنة إذا استضعفه قومه وكادوا يقتلونه ، فاصبر لظلم قريش إياك وتظاهرهم عليك فإنك بمنزلة هارون ومن تبعه وهم بمنزلة العجل ومن تبعه » .
« يا علي ! إن اللّه تبارك وتعالى قد قضي الفرقة والاختلاف على هذه الأُمة ، ولو شاء اللّه لجمعهم على الهدى حتى لا يختلف اثنان من هذه الأُمة ، ولا ينازع في شى من
أمره ، ولا يجحد المفضول لذي الفضل فضله ، ولو شاء لعجّل النقمة وكان منه التغيير حتى يكذّب الظالم ويعلم الحقّ أين مصيره ، ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال وجعل الآخرة دار القرار ، « لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُوا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنى » ،(3)فقال علي عليه السلام : الحمد للّه ؛ شكرا على نعمائه وصبرا على بلائه » .(4)
1) . طه 20 : 92 - 94 .
2) . كتاب سليم : 129 ( الطبعة المحققة : 2 / 664 - 665 الحديث الثاني عشر ) ؛ وعنه في بحار الأنوار : 29 / 467 ؛ مستدرك الوسائل : 11 / 75.
3) . النجم 31 : 53 .
4) . كمال الدين : 264 ؛ ارشادالقلوب : 420 . ولاحظ : كتاب سليم : 2 / 568 ، 907 ، الحديث الأول والحديث الحادي والستون الطبعة المحققة ؛ الغيبة للشيخ الطوسي : 193 ؛ الاحتجاج : 1 / 157 ؛ الفضائل : 145 ؛ إرشاد القلوب : 2 / 420 ؛ بحار الأنوار : 28 / 54 ، و 29 / 437 ، 462 ، و 40 / 1 ، مستدرك الوسائل : 11 / 74 .
وروى جابر ، عن أبى جعفر ، عن أبيه عليهماالسلام : « قال النبي صلى الله عليه و آله لعلي عليه السلام : « كيف بك - يا علي ! - إذ ولّوها من بعدي فلانا ؟ » ، قال : « هذا سيفي أحول بينهم وبينها » ، قال النبي صلى الله عليه و آله : «أو تكون صابرا محتسبا فهو خير لك منها » ، قال على عليه السلام: « فإذا كان خيرا لي فأصبر وأحتسب » .(1)
وقال أحمد بن همّام : أتيت عبادة بن الصامت في ولاية أبي بكر فقلت : يا أبا عمارة ! كان الناس على تفضيل أبي بكر قبل أن يستخلف ؟ فقال : يا أبا ثعلبة ! إذا سكتنا عنكم فاسكتوا ولا تبحثوا، فو اللّه لعلي بن أبي طالب عليه السلام كان أحقّ بالخلافة من أبي بكر كما كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله أحقّ بالنبوّة من أبي جهل ! ! قال : وأزيدك إنّا كنّا ذات يوم عند رسول اللّه صلى الله عليه و آله فجاء عليّ عليه السلام وأبو بكر وعمر إلى باب رسول اللّه صلى الله عليه و آله فدخل أبوبكر ، ثم دخل عمر ، ثم دخل عليّ عليه السلام على إثرهما ، فكأنّما سفي على وجه رسول اللّه صلى الله عليه و آله الرماد ! ثم قال : « يا عليّ ! أيتقدّمانك هذان وقد أمّرك اللّه عليهما ؟ ! » قال أبو بكر : نسيت يا رسول اللّه ! وقال عمر : سهوت يا رسول اللّه ! فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « ما نسيتما ولا سهوتما ، وكأنّي بكما قد استلبتما ملكه ، وتحاربتما عليه، وأعانكما على ذلك أعداء اللّه وأعداء رسوله .. وكأنّي بكما قد تركتما المهاجرين والأنصار بعضهم يضرب وجوه بعض بالسيف على الدنيا .. ولكأنّي بأهل بيتي وهم المقهورون المتشتّتون في أقطارها .. وذلك لأمر قد قضي. . » ، ثم بكى رسول اللّه صلى الله عليه و آله حتّى سالت دموعه، ثم قال : « يا عليّ ! الصبر.. الصبر.. حتى ينزل الأمر ولا قوّة إلا باللّه العليّ العظيم، فإنّ لك من الأجر في كلّ يوم ما لا يحصيه كاتباك، فإذا أمكنك الأمر فالسيف .. السيف.. فالقتل .. القتل .. حتى يفيئوا إلى أمر اللّه وأمر رسوله، فإنّك على الحقّ ومن ناواك على الباطل، وكذلك ذريّتك من بعدك إلى يوم القيامة » .(2)
لقد كانت السيدة الزكية فاطمة الزهراء عليهاالسلام تعلم ما يجري عليها وعلى بعلها .. كيف لا ؟! وقد أخذ اللّه عهدهم على تلك المصائب في عالم الأظلّة والأشباح(1)ولعلّ إليه أشار مولانا أبو جعفر عليه السلام بقوله : « السلام عليك يا ممتحنة ؛ امتحنك الّذي خلقك قبل أن يخلقك فوجدك لما امتحنك به صابرة .. » .(2)
وأخبر اللّه تعالى نبيّه صلى الله عليه و آله ليلة المعراج بما يجري عليه وعلى أهل بيته عليهم السلام ، وأخبر النبي صلى الله عليه و آله أهل البيت عليهم السلام .. بل وسائر الناس مراراً في مجالس شتّى . بل وأخذ العهد منهم - على الصبر - بمحضر من الملائكة المقرّبين عليهم السلام بأمر اللّه تعالى قبل وفاته ، ولذا ترى السيّدة فاطمة عليهاالسلام خائفة عمّا يجري عليها بعد أبيها مترقبة ، فتبكي وتقول : « يا أبة ! أخشى الضيعة بعدك .. »(3)وإليك ما أخبر النبي صلى الله عليه و آله بوقوعه :
قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « وأمّا ابنتي فاطمة ؛ فإنها سيّدة نساء العالمين من الأولين والآخرين ، وهي بضعة منّي ، وهي نور عيني ، وهي ثمرة فؤادي ، وهي روحي التي بين جنبيّ ، وهي الحوراء الإنسيّة ..
وإنّي لمّا رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدي ، كأنّي بها وقد دَخل الذلّ بيتها ، وانتُهكت حرمتها ، وغُصبت حقّها ، ومُنعت إرثها ، وكُسرت جنبها ، وأسقطت جنينها ، وهي تنادي يا محمداه ! فلا تجاب .. وتستغيث فلا تغاث .
1) . انظر : ما رواه الخصيبي في ذلك و يأتي في صفحة 260 .
2) . التهذيب : 6/9 ؛ جمال الاسبوع : 32 ؛ مصباح المتهجّد : 711 ؛ المزار : 178 ؛ المزار الكبير : 79 .
3) . كتاب سليم : 69 - 70 ( الطبعة المحققة : 2 / 565 الحديث الأول ) ؛ كمال الدين : 263 ؛ كفاية الأثر : 63 ، 124 ؛ كشف الغمة : 1/153 و 2/468 ، 482 (بأسانيد عديدة) ؛ كشف اليقين : 269 - 270 (عن الدارقطني) ؛ الصراط المستقيم : 2/119 ؛ مجمع الزوائد : 8/253 و 9/165 ؛ ذخائر العقبى : 135 - 136 .
فلا تزال بعدي محزونة مكروبة باكية ، تتذكر انقطاعَ الوحي عن بيتها مرة ، وتتذكر فراقي أُخرى .. وتستوحش إذا جنّها الليل لفقد صوتي الذي كانت تستمع إليه إذا تهجّدت بالقرآن .. ثم ترى نفسها ذليلة بعد أن كانت في أيام أبيها عزيزة .. فعند ذلك يؤنسها اللّه تعالى ذكره بالملائكة ، فنادتها بما نادت به مريم بنت عمران ، فتقول :
يا فاطمة ! إنّ اللّه اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين ، يا فاطمة ! اقنتي لربّك واسجدي واركعي مع الراكعين .
.. ثم يبتدئ بها الوجع فتمرض ، فيبعث اللّه عزّ وجلّ إليها مريم بنت عمران تمرّضها وتؤنسها في علّتها ، فتقول عند ذلك : يا ربّ إني سئمت الحياة وتبرمت بأهل الدنيا فألحقني بأبي .. فيلحقها اللّه عزّ وجل بي ، فتكون أوّل من يلحقني من أهل بيتي ، فتقدم عليّ محزونة مكروبة مغمومة مغصوبة مقتولة .. فأقول عند ذلك :
اللّهمّ العن من ظلمها ، وعاقب من غصبها ، وذلّل من أذلّها ، وخلّد في نارك من ضرب جنبيها حتى ألقت ولدها .. فتقول الملائكة عند ذلك : آمين .. » .(1)
وعنه صلى الله عليه و آله : « أشكو إلى اللّه جحود أُمتي لأخي ، وتظاهرهم عليه ، وظلمهم له ، وأخذهم حقّه » .
قال : فقلنا له : يا رسول اللّه ! ويكون ذلك ؟! قال : « نعم ، يقتل مظلوماً ، من بعد أن يملأ غيظاً ويوجد عند ذلك صابراً » .
قال : فلمّا سمعت ذلك فاطمة أقبلت حتى دخلت من وراء الحجاب وهي باكية ، فقال لها رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « ما يبكيك يا بنيّة ؟ » قالت : « سمعتك تقول في ابن عمي وولدي ما تقول .. » قال : « وأنت تُظلمين .. وعن حقّك تُدفعين .. وأنت أوّل أهل بيتي
1) . أمالي الشيخ الصدوق : 114 - 113 ط بيروت : 100 ؛ المحتضر : 109 ؛ إرشاد القلوب : 296 - 295 ؛ بشارة المصطفى صلى الله عليه و آله : 198 - 199 ؛ الفضائل لشاذان بن جبرئيل القمي : 10 - 9 ؛ بحار الأنوار : 43/172 و28/38 ؛ العوالم : 11/391 ؛ ورواه من أهل السنّة الجويني (المتوفى 730) في فرائد السمطين : 2/35 (ط المحمودي) .
لحوقاً بي بعد أربعين . يا فاطمة ! أنا سلم لمن سالمك وحرب لمن حاربك .. أستودعك اللّه وجبرئيل وصالح المؤمنين » .
قال - سلمان وهو راوي الحديث - : قلت : يا رسول اللّه ! من صالح المؤمنين ؟ قال : « علي بن أبي طالب » .(1)
عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال : « بينا أنا وفاطمة والحسن والحسين عند رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، إذ التفت إلينا فبكى ،
فقلت : ما يبكيك يا رسول اللّه ؟!
فقال : أبكي مما يصنع بكم بعدي .
فقلت : وما ذاك يا رسول اللّه ؟!
قال : أبكي من ضربتك على القرن ، ولطم فاطمة خدّها ، وطعنة الحسن في الفخذ والسم الذي يسقى ، وقتل الحسين ..
قال : فبكى أهل البيت جميعاً ، فقلت : يا رسول اللّه ! ما خلقنا ربّنا إلاّ للبلاء ؟! قال ابشر - يا علي ! - فإن اللّه عزّ وجل قد عهد إليّ : إنه لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق » .(2)
قال ابن عباس : لمّا رجعنا من حجّة الوداع جلسنا مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله في مسجده ، قال : « .. أيّها الناس ! اللّه اللّه في عترتي وأهل بيتي ، فإنّ فاطمة بضعة منّي ، وولديها عضداي ، وأنا وبعلها كالضوء .. اللّهم ارحم من رحمهم ، ولا تغفر لمن ظلمهم ... » ثمّ دمعت عيناه ، قال : « وكأنّي أنظر الحال » .(3)
1) . اليقين : 488 ؛ وعنه في بحار الأنوار : 36/264 ؛ العوالم : 11/393 .
2) . أمالي الشيخ الصدوق : 134 ؛ المناقب : 2/209 ؛ بحار الأنوار : 27/209 ، و 28/51 ، و44/149.
3) . بحار الأنوار : 23/143 عن الفضائل لشاذان بن جبرئيل القمي ، ولم نجده في المطبوع منه ، وهو موجود في مخطوطة المكتبة الرضوية المقدّسة في ضمن الحديث الخامس عشر .
عن أبي عبد اللّه عليه السلام ، قال : « لمّا أُسري بالنبي صلى الله عليه و آله ؛ قيل له : إن اللّه مختبرك في ثلاث لينظر كيف صبرك .. ؟ قال : أُسلّم لأمرك يا ربّ ! ولا قوّة لي على الصبر إلاّ بك .. » إلى أن قال :
« وأما الثالثة ؛ فما يلقى أهل بيتك من بعدك من القتل ، أما أخوك ؛ فيلقى من أُمّتك الشتم والتعنيف والتوبيخ والحرمان والجهد والظلم .. وآخر ذلك القتل .
فقال : يا ربّ ! سلّمت وقبلت ، ومنك التوفيق والصبر .
وأما ابنتك ؛ فتظلم وتحرم ويؤخذ حقّها غصباً - الذي تجعله لها - وتُضرب وهي حامل ، ويُدخل على حريمها ومنزلها بغير إذن .. ثم يمسّها هوان وذلّ .. ثم لا تجد مانعاً ، وتطرح ما في بطنها من الضرب ، وتموت من ذلك الضرب .
قال : « إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ »(1)قبلت يا ربّ ! وسلّمت ، ومنّك التوفيق والصبر ... » ثم قال :
« وأما ابنتك ؛ فإني أوقفها عند عرشي فيقال لها : إنّ اللّه قد حكّمك في خلقه ، فمن ظلمك وظلم وُلدك فاحكمي فيه بما أحببت .. فإني أُجيز حكومتك فيهم ، فتشهد العرصة ؛ فإذا أوقف من ظلمها أمرت به إلى النار .. » إلى أن قال :
« وأوّل من يحكّم فيه محسن بن علي عليه السلام في قاتله ، ثم في قنفذ ، فيؤتيان هو وصاحبه ، فيُضربان بسياط من نار لو وقع سوط منها على البحار لغلت من مشرقها إلى مغربها، ولو وضعت على جبال الدنيا لذابت حتّى تصير رماداً، فيُضربان بها..»(2)
عن أبي جعفر محمّد بن علي الباقر عليه السلام ، قال : سمعت جابر بن عبد اللّه الأنصاري ، يقول : قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « إذا كان يوم القيامة تقبل ابنتي فاطمة على ناقة من نوق
الجنة ... فتسير حتى تحاذي عرش ربّها جلّ جلاله ، فتزج(1)بنفسها عن ناقتها، وتقول : « إلهي وسيدي ! احكم بيني وبين من ظلمني .. اللهم احكم بيني وبين من قتل ولدي .. » فإذا النداء من قبل اللّه جلّ جلاله : يا حبيبتي وابنة حبيبي ! سليني تعطي ، واشفعي تشفّعي ، فوعزّتي وجلالي لا جازني ظلم ظالم .. » .(2)
روى جابر بن عبد اللّه الأنصاري ، قال : دخلت فاطمة عليهاالسلام على رسول اللّه صلى الله عليه و آله - وهو في سكرات الموت - فانكبّت عليه تبكي ، ففتح عينه وأفاق ثم قال :
« يا بنيّة ! أنت المظلومة بعدي .. وأنت المستضعفة بعدي .. فمن آذاك فقد آذاني ، ومن غاظك فقد غاظني ، ومن سرّك فقد سرّني ، ومن برّك فقد برّني ، ومن جفاك فقد جفاني ، ومن وصلك فقد وصلني ، ومن قطعك فقد قطعني ، ومن أنصفك فقد أنصفني ، ومن ظلمك فقد ظلمني ؛ لأنك مني وأنا منك ، وأنت بضعة مني ، وروحي التي بين جنبيّ » .
ثم قال صلى الله عليه و آله : « إلى اللّه أشكو ظالميك من أُمّتي » .
ثم دخل الحسن والحسين عليهماالسلام فانكبّا على رسول اللّه صلى الله عليه و آله وهما يبكيان ويقولان : « أنفسنا لنفسك الفداء يا رسول اللّه ! » ، فذهب علي عليه السلام لينحّيهما عنه ، فرفع رأسه إليه ، ثم قال : « دعهما - يا أخي ! - يشمّاني وأشمّهما .. ويتزوّدان منّي وأتزوّد منهما ، فإنهما مقتولان بعدي ظلماً وعدواناً .. فلعنة اللّه على من يقتلهما » ، ثم قال: « يا علي ! أنت المظلوم بعدي ، وأنا خصم لمن أنت خصمه يوم القيامة » .(3)
وفي رواية أُخرى ، عن أبي جعفر الباقر عن آبائه: - بعد قوله صلى الله عليه و آله وأتزوّد منهما - :
« .. فسيلقيان من بعدي زلزالاً ، وأمراً عضالاً ، فلعن اللّه من يخيفهما ..(1)اللّهم إني أستودعكهما وصالح المؤمنين » .(2)
روي عن عيسى بن داود النجّار ، عن موسى بن جعفر ، عن أبيه عليهماالسلام ، قال : « جمع رسول اللّه صلى الله عليه و آله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وأغلق عليهم الباب ، وقال : يا أهلي ويا أهل اللّه ! إنّ اللّه عزّ وجلّ يقرأ عليكم السلام ، وهذا جبرئيل معكم في البيت ، ويقول : إن اللّه عزّ وجلّ يقول : إنّي قد جعلتُ عدوّكم لكم فتنة فما تقولون ؟ قالوا : نصبر - يا رسول للّه ! - لأمر اللّه وما نزل من قضائه حتّى نقدم على اللّه عزّ وجلّ ونستكمل جزيل ثوابه فقد سمعناه يَعِدُ الصابرين الخير كلّه .. فبكى رسول اللّه صلى الله عليه و آله حتّى سمع نحيبه من خارج البيت ، فنزلت هذه الآية : « وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً »(3).. » .
روى الشيخ المفيد ، عن الشيخ الصدوق ، عن أبيه ، عن أحمد بن ادريس ، عن محمّد بن عبد الجبّار ، عن ابن أبي عمير ، عن أبان بن عثمان ، عن أبان بن تغلب ، عن عكرمة ، عن عبد اللّه بن العباس ، قال : لمّا حضرت رسول اللّه صلى الله عليه و آله الوفاة بكى حتى بلّت دموعه لحيته ، فقيل : يا رسول اللّه ! ما يبكيك ؟!
فقال : « أبكي لذرّيتي وما تصنع بهم شرار أُمتي من بعدي .. كأني بفاطمة بنتي - وقد ظلمت بعدي - وهي تنادي : يا أبتاه ! يا أبتاه ! .. فلا يعينها أحد من أُمتي » .
فسمعت ذلك فاطمة عليهاالسلام فبكت ، فقال لها رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « لا تبكيَنْ يا بنية ! » ،
فقالت : « لست أبكي لما يصنع بي من بعدك ، ولكني أبكي لفراقك يا رسول اللّه » ، فقال لها : « ابشري - يا بنت محمد ! - بسرعة اللحاق بي ، فإنك أوّل من يلحق بي من أهل بيتي » .(1)
عن موسى بن جعفر ، عن أبيه عليه السلام ، قال : « قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : .. يا عليّ ! ما أنت صانع لو قد تأمّر القوم عليك بعدي ، وتقدّموا عليك ، وبَعث إليك طاغيتُهم يدعوك إلى البيعة ثم لبّبت بثوبك تقاد كما يقاد الشارد من الإبل .. مذموماً ، مخذولاً ، محزوناً ، مهموماً .. وبعد ذلك ينزل بهذه - أي بفاطمة عليهاالسلام - الذلّ ؟! » .
قال : فلمّا سمعت فاطمة ما قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله صرخت وبكت ، فبكى رسول اللّه صلى الله عليه و آلهلبكائها ، وقال : « يا بنية ! لا تبكيَنْ ولا تؤذَينْ جلساءك من الملائكة ، هذا جبرئيل بكى لبكائك وميكائيل وصاحب سرّ اللّه إسرافيل ، يا بنية ! لا تبكيَنْ فقد بكت السماوات والأرض لبكائك » .(2)
عن موسى بن جعفر ، عن أبيه عليهماالسلام قال : « لمّا كانت الليلة التي قبض النبي صلى الله عليه و آله في صبيحتها ، دعا علياً وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وأغلق عليه وعليهم الباب .. »
قال علي عليه السلام : « فما لبثت أن نادتني فاطمة عليهاالسلام فدخلت على النبي صلى الله عليه و آله - وهو يجود بنفسه - فبكيت ولم أملك نفسي حين رأيته بتلك الحال يجود بنفسه ، فقال لي : « ما يبكيك يا علي ! ؟ ليس هذا أوان البكاء .. فقد حان الفراق بيني وبينك ، فأستودعك اللّه يا أخي ! فقد اختارني ربّى ما عنده .. وإنّما بكائي وغمي وحزني عليك وعلى هذه أن تضيع بعدي ، فقد أجمع القوم على ظلمكم ، وقد استودعكم اللّه وقَبِلَكُم مني وديعة . يا علي ! إني قد أوصيت فاطمة ابنتي بأشياء وأمرتها أن تلقيها إليك ،
فأنفذها فهي الصادقة الصدوقة .. »
ثم ضمّها إليه ، وقبل رأسها وقال : « فداك أبو ك يا فاطمة ! .. » فعلا صوتها بالبكاء ، ثم ضمّها إليه وقال : « أما واللّه لينتقمنّ اللّه ربّي ، وليغضبن لغضبك ، فالويل ، ثم
الويل ، ثم الويل للظالمين .. » ثم بكى رسول اللّه صلى الله عليه و آله .
قال علي عليه السلام : « فواللّه لقد حسبت بضعة مني قد ذهبت لبكائه ، حتى هملت عيناه مثل المطر حتى بلّت دموعه لحيته وملاءة كانت عليه ، وهو يلتزم فاطمة لا يفارقها ورأسه على صدري وأنا مسنده ، والحسن والحسين يقبلان قدميه ويبكيان بأعلى أصواتهما .. ».
قال علي عليه السلام : « فلو قلت أن جبرئيل في البيت لصدقت .. لأني كنت أسمع بكاء ونغمة لا أعرفها ، وكنت أعلم أنها أصوات الملائكة لا أشك فيها ، لأن جبرئيل لم يكن في مثل تلك الليلة يفارق النبي صلى الله عليه و آله ، ولقد رأيت بكاءً منها أحسب أن السموات والأرضين قد بكت لها » .
ثم قال لها : يا بنية ! اللّه خليفتي عليكم وهو خير خليفة ، والذي بعثني بالحق لقد بكى لبكائك عرش اللّه وما حوله من الملائكة والسموات والأرضون وما فيهما » .(1)
وقال صلى الله عليه و آله : « يا فاطمة ! والذي بعثني بالحقّ لأقومَنّ بخصومة أعدائك ، وليندمنّ قوم أخذوا حقّك ، وقطعوا مودّتك ، وكذبوا عليَّ ، وليختلجنَّ دوني فأقول : أُمتي ..
أُمتي ، فيقال : إنّهم بدّلوا وصاروا إلى السعير » .(2)
وبالإسناد عنه صلى الله عليه و آله ، أنه قال لأمير المؤمنين عليه السلام : « أنفذ لما أمرتك به فاطمة .. فقد أمرتها بأشياء أمر بها جبرئيل عليه السلام .. واعلم - يا علي ! - إني راضٍ عمّن رضيت عنه
ابنتي فاطمة ، وكذلك ربّي وملائكته .
يا علي ! ويل لمن ظلمها ! .. وويل لمن ابتزها حقها ! .. وويل لمن هتك حرمتها .. ! وويل لمن أحرق بابها ! .. وويل لمن آذى خليلها ! .. وويل لمن شاقها وبارزها ! ..
اللّهم إني منهم بريء وهم مني براء » .
ثم سمّاهم رسول اللّه صلى الله عليه و آله .. وضمّ فاطمة إليه والحسن والحسين عليهم السلام ، وقال : « اللّهمّ إنّي لهم ولمن شايعهم سلم ، وزعيم بأنهم يدخلون الجنّة ، وعدوّ وحرب لمن عاداهم وظلمهم وتقدّمهم أو تأخّر عنهم وعن شيعتهم ، زعيم بأنّهم يدخلون النار ، ثم - واللّه - يا فاطمة لا أرضى حتى ترضي .. ثم لا واللّه لا أرضى حتى ترضي .. ثم لا واللّه لا أرضى حتى ترضي .. » .(1)
عن سلمان الفارسي ، قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « يا سلمان ! من أحبّ فاطمة ابنتي فهو في الجنّة معي ، ومن أبغضها فهو في النار ..
يا سلمان ! حبّ فاطمة ينفع في مائة من المواطن ..(2)أيسر تلك المواطن الموت ، والقبر ، والميزان ، والمحشر ، والصراط ، والمحاسبة ، فمن رضيت عنه ابنتي فاطمة رضيت عنه ، ومن رضيت عنه رضي اللّه عنه ، ومن غضبت عليه فاطمة غضبت عليه ، ومن غضبت عليه غضب اللّه عليه . يا سلمان ! ويل لمن يظلمها ويظلم بعلها أمير المؤمنين علياً عليه السلام ويظلم ذرّيتها وشيعتها ! .. » .(3)
وقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « .. يا ابنتي ! لقد أخبرني جبرئيل عن اللّه عزّ وجلّ أنك أوّل من يلحقني(4)من أهل بيتي ، فالويل كلّه لمن ظلمك .. والفوز العظيم
1) . كتاب الوصية ، عنه مصباح الأنوار : 268 - 269 ؛ الطرف : 30 ؛ وعنه في بحار الأنوار : 22/485 ؛ وروى قطعة منه الصراط المستقيم : 2/92 - 93 .
2) . خ . ل : مائة موطن .
3) . انظر فرائد السمطين : 2/67 ؛ مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي : 100 ؛ مأة منقبة لابن شاذان : 116 طبعة أُخرى : 126 ، وعنه في بحارالأنوار : 27/116 ؛ إرشاد القلوب : 2/294 .
4) . خ . ل : تلحقنى .
لمن نصرك .. » .(1)
في رواية مولانا الإمام الكاظم ، عن أبيه الإمام الصادق عليهماالسلام - عند ذكر الوصية المختومة التي نزل بها جبرئيل مع أُمناء اللّه تعالى من الملائكة عليهم السلام والأمر بإخراج كل من عند النبي صلى الله عليه و آله غير أمير المؤمنين عليه السلام ، وفاطمة عليهاالسلام في ما بين الستر والباب - ..
قال النبي صلى الله عليه و آله : « إنّ جبرئيل وميكائيل في ما بيني وبينك الآن وهما حاضران ، معهما الملائكة المقرّبون لأُشهدهم عليك ، فقال : نعم ، ليشهدوا وأنا - بأبي أنت وأُمي - أُشهدهم .. فأشهدهم رسول اللّه صلى الله عليه و آله .. وكان في ما اشترط عليه النبي بأمر جبرئيل عليه السلام في ما أمر اللّه عزّ وجلّ أن قال له :
يا علي ! تفي بما فيها ... على الصبر منك ، وعلى كظم الغيظ ، وعلى ذهاب حقي(2)وغصب خمسك ، وانتهاك حرمتك .. »
فقال : « نعم ، يا رسول اللّه ! » .
فقال أمير المؤمنين : « والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، لقد سمعت جبرئيل عليه السلام يقول للنبي صلى الله عليه و آله : يا محمّد ! عرّفه أنَّه ينتهك(3)الحرمة - وهي حرمة اللّه وحرمة رسول اللّه - ، وعلى أن تخضب لحيته من رأسه بدم عبيط » .
قال أمير المؤمنين عليه السلام : « فصعقت حين فهمت الكلمة من الأمين جبرئيل ، حتى سقطت على وجهي وقلت : نعم ، قبلت ورضيت وإن انتهكت الحرمة ، وعطلت السنن ،
ومزّق الكتاب ، وهدمت الكعبة ، وخضبت لحيتي من رأسي بدم عبيط .. صابراًمحتسباً أبداً حتى أقدم عليك » .(4)
1) . تفسير فرات الكوفي : 446 ، وعنه في بحار الأنوار : 43/227 .
2) . خ . ل : حقّك . وهوالظاهر .
3) . كذا ، والظاهر : تنتهك ، أي : تستحلّ ، راجع : مجمع البحرين نهك .
4) . من عرف سيرة أمير المؤمنين عليه السلام وحالاته يعلم أنه لا يخاف من الموت والقتل ، كيف وهو المقدام في كل كريهة وشدّة . أليس هو القائل : واللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمّه ؟ فتغيّر حاله عليه السلام إنّما يكون لأجل هتك حرمته وهي حرمة اللّه ورسوله صلى الله عليه و آله .
ثم دعا رسول اللّه صلى الله عليه و آله فاطمة والحسن والحسين وأعلمهم مثل ما أعلم أمير المؤمنين ، فقالوا مثل قوله .. فختمت الوصية .
فقلت : أكان في الوصية توثبهم وخلافهم على أمير المؤمنين عليه السلام ؟!
فقال : « نعم - واللّه ! شيئاً .. شيئاً وحرفاً .. حرفاً ؛ أما سمعت قول اللّه عزّ وجل : « إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ » .(1)
واللّه لقد قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله لأمير المؤمنين وفاطمة عليهماالسلام : أليس قد فهمتما ما تقدّمت به إليكما وقبلتماه ؟ فقالا : بلى وصبرنا على ما ساءنا وغاظنا » .(2)
عن عبد اللّه بن عباس - في حديث - أنه قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله لعلي عليه السلام : « يا أخي ! إن قريشا ستظاهر عليكم وتجتمع كلمتهم على ظلمك وقهرك .. » ، ثم أقبل على ابنته ، فقال : « إنك أوّل من يلحقني من أهل بيتي ، وأنت سيدة نساء أهل الجنّة ، وسترين بعدي ظلماً وغيظاً حتى تُضربي ويُكسر ضلع من أضلاعك .. لعن اللّه قاتلك ، ولعن اللّه
الآمر والراضي والمعين والمظاهر عليك .. وظالم بعلك وابنيك ..» .(3)
وفي رواية أبي ذر ؛ قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله :
« .. يا فاطمة ! لا تبكي - فداك أبوك - .. فأنت أوّل من تلحقين بي مظلومة
1) . يس 36 : 12 .
2) . الكافي : 1/281 ، بحار الأنوار : 22/479 . قريب منه كتاب الوصية ، وعنه في مصباح الأنوار : 267 - 268 ؛ الطرف : 22 - 24 . والقسم الأخير منه ص 28 - 29 ، وروى قطعة منه في الصراط المستقيم : 2/91 - 92 والمسعودي في اثبات الوصية : 124 - 125 .
3) . كتاب سليم : 2 / 907 الحديث الحادي والستون الطبعة المحققة .
مغصوبة ، وسوف تظهر بعدي حسيكة النفاق ، ويسمل جلباب الدين ، وأنت أوّل من يرد عليّ الحوض .. » .(1)
وقال صلى الله عليه و آله - قبل وفاته - مخاطباً أهل بيته عليهم السلام : « أما إنكم المقهورون والمستضعفون بعدي » .(2)
1/184 ؛ أمالي الشيخ المفيد : 212 و351 ؛ إعلام الورى : 135 ؛ أمالي الشيخ الطوسي : 1/122 ؛ الفصول المختارة : 253 ؛ الصراط المستقيم : 2/153 ؛ الكشكول للسيد حيدر الآملي : 72 ؛ بحار الأنوار : 28/40 ، 70 .
ومن أعلام العامة : الطبقات لابن سعد : 8/278 ؛ مسند أحمد : 6/339 ؛ أنساب الأشراف : 2/224 ط دار الفكر ؛ شواهد التنزيل : 1/551 ، 555 ، 559 ؛ مجمع الزوائد : 9/34 ؛ الخصائص الكبرى : 2/135 ؛ كنز العمال : 11/177 .. وغيرهم .
عن عمار قال : لمّا حضر رسول اللّه صلى الله عليه و آله الوفاة دعا بعلي عليه السلام فسارّه طويلاً ، ثم قال : « يا علي ! أنت وصيي ووارثي ، قد أعطاك اللّه علمي وفهمي ، فإذا متُّ ظهرت لك ضغائن في صدور قوم وغُصبتَ على حقك .. » فبكت فاطمة عليهاالسلام وبكى الحسن والحسين عليهماالسلام ، فقال لفاطمة : « يا سيدة النسوان ! ممّ بكاؤك ؟! » .
قالت : « يا أبة ! أخشى الضيعة بعدك » .
قال : « ابشري يا فاطمة ! فإنك أوّل من يلحقني من أهل بيتي ، لا تبكي ولا تحزني فإنك سيدة نساء أهل الجنة ، وأباك سيد الأنبياء ، وابن عمّك خير الأوصياء ، وابناك سيدا شباب أهل الجنة ، ومن صلب الحسين يخرج اللّه الأئمة التسعة مطهرون معصومون ، ومنها مهدي هذه الأُمة » .(3)
وفي رواية جابر بن عبد اللّه - بعد قولها : أخشى الضيعة من بعدك - .
قال : « يا حبيبتي ! لا تبكيَنْ ... وقد سألت ربّي عزّ وجلّ أن تكوني أوّل من يلحقني من أهل بيتي ، ألا إنك بضعة منّي ، فمن آذاك فقد آذاني .. »
ثم قال جابر - بعد ذكر عيادة الشيخين لها - : فرفعت يديها إلى السماء وقالت : « اللّهمّ إنّي أُشهدك أنهما قد آذياني ، وغصبا حقّي .. » ثم أعرضت عنهما فلم تكلمهما
بعد ذلك .(1)
قال العلاّمة المجلسي : أقول : وجدت بخط الشيخ محمّد بن علي الجبعي ، نقلاً من خط الشهيد - رفع اللّه درجته - نقلا من مصباح الشيخ أبي منصور - طاب ثراه - قال : روي انه دخل النبي صلى الله عليه و آلهيوماً إلى فاطمة عليهاالسلام فهيّأت له طعاماً من تمر وقرص وسمن ، فاجتمعوا على الأكل هو وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، فلمّا أكلوا .. سجد رسول اللّه صلى الله عليه و آله وأطال سجوده ، ثم بكى ، ثم ضحك ، ثم جلس وكان أجرأهم في الكلام عليّ عليه السلام ، فقال :
« يا رسول اللّه ! رأينا منك اليوم ما لم نره قبل ذلك ؟! »
فقال صلى الله عليه و آله : « إني لمّا أكلت معكم فرحت وسررت بسلامتكم واجتماعكم فسجدت للّه تعالى شكراً ، فهبط جبرئيل عليه السلام يقول : سجدت شكراً لفرحك بأهلك ؟ فقلت : نعم .
فقال : ألا أُخبرك بما يجري عليهم بعدك ؟ فقلت : بلى يا أخي ! يا جبرئيل!.
فقال : أما ابنتك ؛ فهي أوّل أهلك لحاقاً بك .. بعد أن تظلم ، ويؤخذ حقّها ، وتمنع إرثها ، ويظلم بعلها ، ويكسر ضلعها .
وأما ابن عمّك ؛ فيظلم ، ويمنع حقّه ، ويقتل .
1) . كفاية الأثر : 63 - 62 وعنه في بحارالأنوار : 36/307 .
وأما الحسن ؛ فإنه يظلم ، ويمنع حقّه ، ويقتل بالسم .
وأما الحسين ؛ فإنه يظلم ، ويمنع حقه ، وتقتل عترته ، وتطؤه الخيول ، وينهب رحله وتسبى نساؤه وذراريه ، ويدفن مرمّلاً بدمه ، ويدفنه الغرباء .. » .(1)
وقريب منها ما رواه ابن أبي جمهور الاحسائي مختصراً .(2)
قالت السيدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام : « أَلَئِنْ مات رسول اللّه صلى الله عليه و آله أَمتُّم دينه ؟ !! ... تلك نازلة أعلن بها كتاب اللّه قبل موته ، وأنبأكم بها قبل وفاته ، فقال : « وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ » .(1)
وقال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام : « حتّى إذا قبض اللّه رسوله ، رجع قوم على الأعقاب ، وغالتهم السبل ، واتكلوا على الولائج ، ووصلوا غير الرحم ، وهجروا السبب الذي أُمروا بمودّته ، ونقلوا البناء عن رصِّ أساسه ، فبنوه في غير موضعه .. معادن كل خطيئة ، وأبواب كلّ ضارب في غمرة ، قد ماروا في الحيرة ، وذهلوا في السكرة ، على سنّة من آل فرعون .. من منقطع إلى الدنيا راكن ، أو مفارق للدين مباين » .(2)
ودلّتنا النصوص المتواترة - بين الفريقين - إلى هذا الانقلاب الذي أُشير إليه في القرآن ، وصرّحت به الأحاديث ، وقام عليه الوجدان .. وإليك بعضها :
خطب رسول اللّه صلى الله عليه و آله فقال : « يا أيّها النّاس ! إنّكم محشورون إلى اللّه عُراةً حفاة
عزّلاً ،(1)ثم تلا : « كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ » .(2)
ثمّ قال : « ألا وإنّ أوّل الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ، وإنّه يجاء برجال من أُمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول : يا ربّ أصحابي ! .. فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح : « وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ »(3)فيقال : إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم » .(4)
وقال صلى الله عليه و آله : « أنا فرطكم على الحوض ، وليرفعنّ إليّ رجال منكم حتّى إذا أهويت إليهم لأُناولهم اختلجوا دوني ، فأقول : أي ربّ أصحابي ! .. فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك » .(5)
وقال صلى الله عليه و آله : « ليردنّ على الحوض رجال ممّن صاحبني ، حتّى إذا رأيتهم ورفعوا إليّ اختلجوا دوني ، فلأقولنّ : أي ربّ ! أصحابي أصحابي ! فليقالنّ لي : إنّك لا تدري
ما أحدثوا بعدك » .
وفي بعض الروايات : « فأقول سحقاً لمن بدّل بعدي » .(6)
وقال صلى الله عليه و آله : « أنا فرطكم على الحوض ، مَنْ مَرّ عليّ شرب ، ومَنْ شرب لم يظمأ أبداً ، وليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني ثمّ يحال بيني وبينهم ، فأقول : فإنّهم منّي ،فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي » .(7)
1) . أي جرداً لا شعر لهم ، وفي بعضها : غرلاً ، وهو جمع الأغرل .. أي الأغلف .
2) . الأنبياء 21 : 104 .
3) . المائدة 5 : 117 .
4) . راجع : سنن النسائي : 4/117 ؛ مسند أحمد : 1/235 ، 253 ؛ صحيح البخاري : 4/110 ، 142 - 143 و 5/191 - 192 ، 240 و 7/195 ؛ صحيح مسلم : 8/157 ؛ سنن الترمذي : 4/38 و 5/4 ؛ كنز العمال : 14/358 ؛ البداية والنهاية : 2/116 ؛ الدرّ المنثور : 2/349 .. وغيرها .
5) . صحيح البخاري : 8/87 .
6) . صحيح مسلم : 7/70 - 71 .
7) . صحيح البخاري : 7/207 - 208 و 8/87 ؛ صحيح مسلم : 7/66 .
وقال صلى الله عليه و آله : « يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي » .
أو قال : « من أُمّتي » فَيُحلَّؤُن(1)عن الحوض ، فأقول : يا ربّ أصحابي ! فيقول : لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنّهم ارتدّوا على أعقابهم القهقرى » .(2)
قال صلى الله عليه و آله : « بينا أنا قائم [ على الحوض ] إذا زمرة .. حتّى إذا عرفتهم ، خرج رجل من بيني وبينهم ، فقال لهم : هلمّ ، قلت : إلى أين ؟! قال : إلى النار واللّه ، فقلت : وما شأنهم ؟! قال : إنّهم قد ارتدّوا على أدبارهم القهقرى ..
ثم إذا زمرة أُخرى ؛ حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم ، فقال لهم : هلمّ ، فقلت : إلى أين ؟! قال : إلى النار واللّه ، قلت : ما شأنهم ؟ ! قال : إنّهم قد ارتدّوا على أدبارهم .. فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم » .(3)
وقال صلى الله عليه و آله : « ترد عليَّ أُمّتي الحوض وأنا أذود الناس كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله ... وليصدنّ عنّي طائفة منكم فلا يصلون ، فأقول : يا ربّ ! هؤلاء من أصحابي .. فيجيئني ملك فيقول : وهل تدري ما أحدثوا بعدك ؟! » .(4)
وقال صلى الله عليه و آله : « إنّي على الحوض أنتظر من يرد عليّ منكم ، ليقتطعنّ دوني رجالاً ، فلأقولنَّ : أي ربّ منّي ومن أُمّتي ، فيقول : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، ما زالوا
يرجعون على أعقابهم » .(5)
وقال صلى الله عليه و آله : « إنّي على الحوض أنظر من يرد عليّ منكم ، وسيؤخذ ناس دوني ، فأقول : يا ربّ ! منّي ومن أُمّتي .. » .
وفي رواية : فأقول : أصحابي ! .. فيقال : هل شعرت ما عملوا بعدك ، واللّه مابرحوا يرجعون على أعقابهم » .(6)
1) . أي : يُمنعون من وروده .
2) . صحيح البخاري : 7/208 .
3) . صحيح البخاري : 7/208 .
4) . صحيح مسلم : 1/149 - 150 .
5) . صحيح مسلم : 7/66 .
6) . صحيح البخاري : 7/209 ؛ صحيح مسلم : 7/66 ؛ وراجع أيضاً : مسند أحمد : 1/257 و 3/18 ، 39 ، 384 و 6/121 ؛ صحيح مسلم : 7/68 ؛ صحيح البخاري : 7/206 - 210 و 8/86 ؛ سنن ابن ماجه : 2/1440 ؛ المستدرك : 2/447 و 4/74 - 75 ؛ مجمع الزوائد : 3/85 و 10/364 - 365 ؛ كنز العمّال : 1/387 و 4/543 و 11/132 و 176 - 177 و 14/417 - 419 و 434 .
وقال صلى الله عليه و آله في حجّة الوداع : « لا ألفينّكم ترجعون بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض » .(1)
لاحظ : سنن النسائي : 7/126 - 128 ؛ مسند أحمد : 1/230 ، 402 و 2/85 ، 87 ، 104 و 4/351 ، 358 ، 366 و 5/39 ، 44 - 45 و 49 ، 68 ، 73 ؛ سنن الدارمي : 2/69 ؛ صحيح البخاري : 1/38 و 2/191 - 192 و 5/126 و 6/236 و 7/112 و 8/16 ، 36 ، 91 ؛ صحيح مسلم : 1/58 و 5/108 ؛ سنن ابن ماجه : 2 / 1300 ؛ سنن أبي داود : 2/409 ؛ سنن الترمذي : 3/329 ؛ سنن البيهقي : 5/140 و 6/92 ، 97 و 8/20 ؛ المستدرك : 1/191 .
قال أُبيّ بن كعب : كنّا مع النبي صلى الله عليه و آله وإنّما وجهنا واحد ، فلمّا قُبض نظرنا هكذا .. وهكذا .(2)
وقال أنس: ما نفضنا عن النبي صلى الله عليه و آله الأيدي - إنّا لفي دفنه - حتّى أنكرنا قلوبنا.(3)
وعن أبي وائل ؛ عن حذيفة ، قال : قلت : يا أبا عبد اللّه ! النفاق اليوم أكثر أم على عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله ؟ قال : فضرب بيده على جبهته ، وقال : أوه ! وهو اليوم ظاهر ، إنّهم كانوا يستخفونه على عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله .(4)
كنزالعمال : 1/367 .
أقول : لاحظ أيضاً ما سنورده من الروايات في الجواب على إنكار نسبة الهجوم إلى الصحابة في أوّل الفصل السادس .
ثم إنّ اللّه عزّ وجلّ قال : « وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ
1) . هذه الرواية متكرّرة في كتب الفريقين ، بل عقد كل من صحيح البخاري والترمذي وابن ماجه في كتاب الفتن ومسلم في كتاب الايمان لها باباً وتجدها في الصحاح الستة وغيرها من الكتب المعتبرة عند القوم في موارد كثيرة جدّاً مع اختلاف يسير : « ويلكم [ خ . ل : ويحكم ] لا ترجعن [ خ . ل : لا ترجعوا ] بعدي كفاراً [ خ . ل : ضلاّلاً ] يضرب بعضكم رقاب بعض » . وفي رواية للنسائي : « لا أُلفينكم بعدما أرى ترجعون بعدي كفاراً ، يضرب بعضكم رقاب بعض ».
2) . ابن ماجه ونعيم بن حماد في الفتن ، عنهما جامع الأحاديث : 17/524 .
3) . مسند أبي يعلى الموصلي : 6/51 .
4) . البحر الزخّار المعروف ب : مسند البزاز : 7/303 - 304 طبقة المدينة وراجع : صحيح البخاري : 8/100 ؛
مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ » .(1)
وفي هذا ما يستدلّ به على أنّ الأصحاب قد اختلفوا من بعد النبي صلى الله عليه و آله ؛ فمنهم من آمن ، ومنهم من كفر ؛ لاتّفاق الفريقين على أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال : « والّذي نفسي بيده لتركبنّ سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل ، والقذّة بالقذّة » .
وقال صلى الله عليه و آله : « كلّ ما كان في الأمم السالفة فإنّه يكون في هذه الأمّة مثله ، حذو النعل بالنعل ، والقذّة بالقذّة » .(2)
والعجب مما رواه ابن عساكر ، عن ابن عباس ، قال : كنت عند النبي صلى الله عليه و آله - وعنده أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية - إذ أقبل علي عليه السلام فقال ، النبي صلى الله عليه و آله لمعاوية : « أتحبّ علياً ؟ » قال : نعم . قال : « إنها ستكون بينكم هنيهة » . قال معاوية : فما بعد ذلك يا رسول اللّه .. ؟! قال : « عفواللّه ورضوانه ! .. » قال : رضينا بقضاء اللّه ورضوانه ... فعند ذلك نزلت هذه الآية : « وَلَوْ شاءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ » !!.(3)
ولا نشك في أنهم حرّفوا الرواية عن وجهها - إن كانت - إذ صرّح في هذه الآية الشريفة بكفر بعضهم ، فكيف يشمل الجميعَ عفو اللّه ورضوانه ؟ ! مع أن الرواية تسند
الذنب في القتال إلى القضاء الإلهي ! وهي إنّما تتمّ على مبناهم الجبري ! وعقيدتهم في الصحابة ! وتنزيههم للمنافقين والكافرين ! ..
كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يصرّح بخلافة أمير المؤمنين عليه السلام وإمامته - بأمر من اللّه تعالى -
1) . البقرة 2 : 253 .
2) . رواهما كثير من العامة راجع : مسند أحمد : 2/527 ، و 4/125 ؛ صحيح البخاري : 4/144 ط دار الفكر ؛ المستدرك : 1/37 ، 129 (ط دار المعرفة) ؛ النهاية لابن الأثير : 1/357 ؛ كنز العمال : 1/211 و 11/253 ؛ شرح نهج البلاغة : 9/286 . وتجد الروايتين في كثير من مصادرنا ، بل حكم بصحّتهما في إعلام الورى : 476 ؛ وكشف الغمة : 2/545 ؛ ومختصر بصائر الدرجات : 205 ؛ وتأويل الآيات : 402 ؛ والصوارم المهرقة : 195 .
3) . الدر المنثور : 1/322 .
طيلة حياته ،(1)
نعم لا سبيل إلى هذا التوهّم أبداً . وأمّا نصّه على خلافة أمير المؤمنين عليه السلام ، وأنّه الوصي ، ووليّ كلّ مؤمن ومؤمنة بعده .. وغير ذلك ، فوردت فيها روايات متواترة بين الفريقين ، ودلالتها واضحة بيّنة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . راجع : الغدير ، إحقاق الحقّ وملحقاته ، عبقات الأنوار . وغيرها .
ومن اليوم الذي دعا أقاربه إلى الإسلام ،(2)وفي السنة العاشرة من الهجرة أمر اللّه رسوله صلى الله عليه و آله أن يحجّ بالنّاس ، فحجّ معه جمع كثير من المسلمين في تلك السنة .فلمّا دخل مكّة وأقام بها يوماً واحداً هبط جبرئيل عليه السلام بأوّل سورة العنكبوت ، فقال : « يا محمّد ! اقرأ : « بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم * أَ حَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا
أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ » .(3)
فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « يا جبرئيل ! وما هذه الفتنة ؟! » فقال : يا محمّد ! إنّ اللّه يقرئك السلام ، ويقول : إنّي ما أرسلت نبيّاً إلاّ أمرته عند انقضاء أجله أن يستخلف
على أُمّته من بعده من يقوم مقامه ، ويحيي لهم سنّته وأحكامه ، وهو يأمرك أن تنصب لأُمّتك من بعدك علي بن أبي طالب عليه السلام وتَعْهَد إليه ، فهو الخليفة القائم برعيّتك وأُمّتك إن أطاعوا وإن عصوه .. وسيفعلون ذلك ، وهي الفتنة التي تلوت الآي فيها ، وإنّ اللّه عزّ وجلّ يأمرك أن تعلّمه جميع ما علّمك وتستحفظه جميع ما حفظك واستودعك ،
1) . يعرف كلّ عاقل أنّ النبي صلى الله عليه و آله يستحيل أن يترك أُمته سدى ، ويهمل أمرهم بعده ولم يدبّر لهم تدبيراً صحيحاً يمنعهم عن الاختلاف في الدين و الدنيا ، فإنّه لو لم يكن نبيّاً وكان سلطاناً عاقلاً لم يرض بذلك في رعيّته ، فكيف وهو رئيس العقلاء ؟! أفترضى أن تقول : إنّه أهمل أمر الأُمّة حتّى ينجرّ الأمر إلى ما وقع في السقيفة وغيرها من الاختلافات ، وتشعّبت فرق كثيرة يكفّر بعضهم بعضاً ، ويحارب بعضهم بعضاً ، وتهراق دماء آلاف من المسلمين في طلب الخلافة .. إلى وقائع كثيرة تراها حتّى اليوم ؟! أكان أبو بكر أعرف بأمر الأمّة حيث عرف لزوم تعيين الخليفة ، ولكن النبي صلى الله عليه و آله لم يعرف ؟!
2) . كما ورد في ذيل الآية الشريفة « وَأَنْذِرْ عَشِيْرَتَكَ الأَقْرَبِيْنَ » [ الشعراء 26 : 214 ] ورواه غير واحد من أهل السنّة وحكموا بصحّتها ، راجع : الغدير : 2/278 - 284 .
3) . العنكبوت 29 1 - 4 .
فإنّه الأمين المؤتمن ، يا محمّد ! إنّي اخترتك من عبادي نبياً واخترته لك وصيّاً » .
وكان من عزم رسول اللّه صلى الله عليه و آله أن يقيم عليّا عليه السلام وينصبه للناس بالمدينة ، فنزل جبرئيل فقرأ عليه : « يا أَيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللّه ُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنَّ اللّه َ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِيْنَ » .(1)
فنزل بغدير خم وصلى بالناس وأمرهم أن يجتمعوا إليه ، فخطب الناس فحمد اللّه وأثنى عليه ، ووعظ فأبلغ في الموعظة ، ونعى إلى الأُمّة نفسه ، وقال : « قد دُعيت
ويوشك أن أُجيب ، وقد حان منّي خفوق من بين أظهركم ، وإنّي مخلّف فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا من بعدي ؛ كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ، فإنّهما لن يفترقا حتّى
يردا عليّ الحوض » .(2)
ودعا عليّاً عليه السلام ورفع رسول اللّه صلى الله عليه و آله يد علي عليه السلام اليسرى بيده اليمنى ورفع صوته بالولاء لعليّ عليه السلام على الناس أجمعين ، وفرض طاعته عليهم ، وأمرهم أن لا يتخلّفوا عليه بعده ، وخبّرهم أنّ ذلك عن أمر اللّه عزّ وجلّ .(3)
ثمّ نادى بأعلى صوته : « ألستُ أولى بكم منكم بأنفسكم .. ؟ قالوا : اللّهمّ بلى ، فقال لهم - على النسق من غير فصل وقد أخذ بضبعي أمير المؤمنين عليه السلام فرفعهما حتّى
بان بياض إبطيهما - : « فمن كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه ، اللّهمَّ وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله » ، ثمّ نزل صلى الله عليه و آله وكان وقت الظهيرة فصلّى ركعتين ، ثمّ زالت الشمس فأذّن مؤُذِّنه لصلاة الظهر فصلّى بهم الظهر وجلس عليه السلام في خيمته ، وأمر عليّاً عليه السلام أن يجلس في خيمة له بإزائه ، ثمّ أمر المسلمين أن يدخلوا عليه فوجاً فوجاً .. فيهنّئوه بالمقام ويسلّموا عليه بإمرة المؤمنين .. ففعل الناس ذلك كلّهم .. ثمّ أمر أزواجه وسائر نساء المؤمنين معه أن يدخلن عليه ويسلّمن عليه بإمرة المؤمنين .. ففعلن ، وكان في من أطنب في تهنيته بالمقام عمر بن الخطاب وأظهر له
من المسرّة به ، وقال في ما قال : بخ بخ لك يا علي ! أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة !(1)
واجتمع قوم من المنافقين وتحالفوا وتعاقدوا على أن لا يطيعوا رسول اللّه صلى الله عليه و آله في ما عرض عليهم من ولاية علي عليه السلام بعده ، فلمّا رجعوا من الحجّ ودخلوا المدينة كتبوا صحيفة بينهم ، وكان أوّل ما في الصحيفة النكث لولاية علي بن أبي طالب عليه السلام وأنّ الأمر إلى أبي بكر وعمر وأبي عبيدة وسالم معهم ليس بخارج منهم ،(2)وشهد بذلك أربعة وثلاثون رجلاً أصحاب العقبة وعشرون رجلاً آخر ، واستودعوا الصحيفة أبا عبيدة ابن الجرّاح وجعلوه أمينهم عليها .
قال حذيفة : حدّثتني أسماء بنت عميس الخثعيمة - امرأة أبي بكر - : إنّ القوم اجتمعوا في منزل أبي بكر فتآمروا في ذلك - وأسماء تسمعهم وتسمع جميع ما يدبّرونه في ذلك - حتّى اجتمع رأيهم على ذلك ، فأمروا سعيد بن العاص الأموي فكتب هو الصحيفة باتفاق منهم .
وأهمّ ما فيها : هذا ما اتّفق عليه الملأ من أصحاب محمّد [ صلى الله عليه و آله ] من المهاجرين والأنصار بعد أن أجهدوا في رأيهم ، وتشاوروا في أمرهم نظراً منهم إلى الإسلام وأهله ، ليقتدي بهم من يأتي بعدهم .
إنّ اللّه لمّا أكمل دينه قبض النبي صلى الله عليه و آله إليه من غير أن يستخلف أحداً وجعل الاختيار إلى المسلمين يختارون لأنفسهم من وثقوا برأيه ونصحه لهم ، والذي يجب
1) . الإرشاد : 1/175 - 177 ؛ وعنه في بحار الأنوار : 21/386 - 388 .
2) . أقول : وهذا هو السرّ في ما قاله عمر قبل وفاته : لو كان أبو عبيدة حيّاً استخلفته ... لو كان سالم حيّاً استخلفته . وفي بعض المصادر ذكر معاذ بن جبل أيضاً ، راجع : مسند أحمد : 1/18 ؛ الإمامة والسياسة : 1/28 ؛ تاريخ الطبري : 4/277 ؛ الكامل لابن الأثير : 3/65 ؛ المستدرك للحاكم : 3/268 ؛ تاريخ الإسلام للذهبي : 3/56 و 172 ؛ شرح نهج البلاغة : 1/190 و 16/265 ؛ كنز العمّال : 5/738 و 12/675 و 13/215 - 216 ؛ العقد الفريد : 4/274 ؛ جامع الأحاديث : 13/369 ، 373 ، 379 ، 382 ، 399 .. و غيرها .
على المسلمين عند مضيّ خليفة من الخلفاء أن يجتمع ذوو الرأي والصلاح فيتشاوروا في أُمورهم ، فمن رأوه مستحقّاً للخلافة ولّوه أُمورهم .
فإن ادّعى مدّع أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله استخلف رجلاً بعينه نصبه للناس ونصّ عليه باسمه فقد أبطل في قوله وأتى بخلاف ما يعرفه أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله .
ولا يكون قربى النبي صلى الله عليه و آله سبب استحقاق الخلافة والإمامة ؛ لأنّ اللّه يقول : « إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ » .(1)
فمن كره ما ذُكر وفارق جماعة المسلمين فاقتلوه كائناً من كان !! ..
ثمّ دُفعت الصحيفة إلى أبي عبيدة بن الجراح ليوجّه بها إلى مكّة .(2)
ثمّ انصرفوا .. وصلّى رسول اللّه صلى الله عليه و آله بالناس صلاة الفجر ، ثمّ جلس في مجلسه يذكر اللّه تعالى حتىّ طلعت الشمس ، فالتفت إلى أبي عبيدة بن الجرّاح ، فقال له : « بخ بخ من مثلك وقد أصبحت أمين هذه الأُمّة ! » ثمّ تلا : « فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ » » .(3)
« لقد أشبه هؤلاء رجال في هذه الأُمة « يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً » » .(4)
ثمّ قال : « لقد أصبح في هذه الأُمّة في يومي هذا قوم ضاهوهم في صحيفتهم التي كتبوها علينا في الجاهلية وعلّقوها في الكعبة، وإنّ اللّه تعالى يمتّعهم ليبتليهم ويبتلي من يأتي بعدهم تفرقة بين الخبيث والطيّب ، ولولا أنّه سبحانه أمرني بالإعراض عنهم للأمر الذي هو بالغه لقدّمتهم فضربت أعناقهم » .
1) . الحجرات 49 : 13 .
2) . فلم تزل الصحيفة في الكعبة مدفونة إلى أوان عمر بن الخطاب ، فاستخرجها من موضعها ، وهي الصحيفة التي أشار إليها أمير المؤمنين عليه السلام لمّا توفي عمر ، فوقف به - وهو مسجّى بثوبه - ، فقال : « ما أحبّ إليّ أن ألقى اللّه بصحيفة هذا المسجّى !.. » .
3) . البقرة 2 : 79 .
4) . النساء 4 : 108 .
قال حذيفة : فواللّه لقد رأينا هؤلاء النفر - عند قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله هذه المقالة - وقد أخذتهم الرعدة فما يملك أحد منهم نفسه شيئاً ، ولم يخفَ على أحد ممّن حضر مجلس رسول اللّه صلى الله عليه و آله ذلك اليوم أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله إيّاهم عنى بقوله .. ولهم ضرب تلك الأمثال .(1)
أقول : وإلى هذا أشار أُبي بن كعب في كلمته المشهورة : ألا هلك أهل العقدة واللّه ما آسى عليهم إنّما آسى على من يضلّون .(2)
ورواها من الإمامية : الإيضاح : 378 ؛ المسترشد : 28 - 29 ؛ الفصول المختارة : 90 وعنه في بحار الأنوار : 10/296 - ؛ الصراط المستقيم : 3/154 و 257 .. وعنه في بحار الأنوار : 28/122 .
ثم إنك تجد في غير واحد من المصادر التصريح أو الإشارة إلى تعاهد القوم على صرف الأمر من بني هاشم إلى أنفسهم ، وفي كثير منها أُشير إلى الصحيفة ، راجع : كتاب سليم : 86 - 87 ، 92 ، 118 - 119 ، 164 - 165 ، 168 ، 222 - 226 (الطبعة المحققة : 2 / 154 - 155 ، 162 - 163 ، 203 - 204 ، 206 ، 269 ، 272 ، 347 - 348 ، الأحاديث الرابع والحادي عشر والتاسع عشر والعشرين والسابع والثلاثين ) ؛ تفسير العياشي : 1/274 - 275 و 2/200 ؛ المسترشد : 413 ؛ الكافي : 1/391 ، 420 - 421 و 4/545 و 8/179 180 ، 334 ، 379 ؛ تفسير القمي : 1/142 ، 173 ، 175 ، 301 و 2/289 ، 308 ، 356 ، 358 ؛ الاستغاثة : 171 - 172 ؛ الخصال : 171 ؛ معاني الأخبار : 412 ؛ أمالي الشيخ المفيد : 112 - 113 ؛ المسائل العكبرية : 77 - 78 ؛ الفصول المختارة : 90 ؛ تقريب المعارف : 227 ، 367 ؛ المناقب : 3/212 - 213 ؛ بشارة المصطفى صلى الله عليه و آله : 197 ؛ الاحتجاج : 62 (في ضمن خطبة الغدير) 84 - 86 ، 150 - 151 ؛ شرح نهج البلاغة : 2/37 ، 60 (عن الشيعة) و 20/298 ؛ الاقبال : 445 ، 458 ؛ اليقين : 355 ؛ إرشاد القلوب : 332 ، 336 ، 341 ، 391 - 392 ؛ الصراط المستقيم : 1/290 و 2/94 - 95 ، 300 ، 3/118 ، 150 ، 153 - 154 ؛ مختصر البصائر : 30 ؛ المقنع للسد آبادي : 58 ، 115 ؛ التحصين : 537 - 538 ؛ مثالب النواصب : 92 - 96 ( الخطّية ) ؛ تأويل الآيات : 139 ، 214 ، 532 ، 539 ، 554 ، 646 ؛ بحار الأنوار : 22/546 ، و 28/85 ، الباب الثالث ، 280 ، و 30/12 ، 122 ، 125 ، 127 - 133 ، 162 ، 194 ، 216 ، 264 - 265 ، 271 ، 405 و 31/416 - 417 ، 419 و 53/75 .
ويظهر من سائر الروايات أنّهم تعاقدوا قبل ذلك أيضاً في الكعبة في عدد يسير ؛ وهم : عمر ، وأبو بكر ، وأبو عبيدة ، وسالم ، ومعاذ بن جبل ، وعبدالرّحمن بن عوف ،
والمغيرة بن شعبة ..(1)
أقول : ويدلّك على تعاقد القوم وتدبيرهم في أمر الخلافة من قبل أُمور :
الأوّل : إحالة كل واحد من أبي بكر وعمر وأبي عبيدة أمر الخلافة إلى الآخر وعرض البيعة عليه ، من دون مشاورة سائر الناس ، فهل يكون اتّفاق هؤلاء الثلاثة وبعض من عاونهم إجماع المسلمين ؟!
وهل كانوا وكلاء المسلمين في انتخاب الخليفة ؟!
وهل يكون اعتبار الشورى مختصاً بتشاور هؤلاء ؟!
الثاني : إنكار عمر وفاة النبي صلى الله عليه و آله قبل مجيء أبي بكر لإغفال الناس عن أمر الخلافة ، فما زال يتكلّم ويتوعّد المنافقين - بزعمه - ، حتّى ازبدّ شدقاه !!(2)وسكوته بعد مجيء أبي بكر .
وفي رواية : وجلس عمر حين رأى أبا بكر مقبلاً إليه ،(3)بل في غير واحد من المصادر أنه دعا إلى بيعة أبي بكر عقيب ذلك من دون فصل .(4)
الثالث : مسارعة أبي بكر إلى الكلام عقيب ذكر وفاة النبي صلى الله عليه و آله ، وترشيحه نفسه لأمر الخلافة ، وفي رواية انّه قال : ألا وإنّ محمّداً صلى الله عليه و آله قد مضى لسبيله ، ولابدّ لهذا الأمر من قائم يقوم به ، فدبّروا وانظروا وهاتوا ما عندكم رحمكم اللّه .(5)
الرابع : مواضع من كلام عمر حين حكاية قضايا السقيفة ، مثل قوله : هيأت كلاماً .. أو : وكنت قد زوّرت مقالة أعجبتني أردت أن أقولها .. وفي بعض الروايات :
1) . راجع : الكافي : 8/179 - 180 ، 334 ؛ و كذا : الصراط المستقيم : 3/153 .
2) . تاريخ الخميس : 2/167 ؛ جامع الأحاديث الكبير : 13/260 .
3) . كما رواه الهندي في كنز العمال : 7/245 .
4) . الطبقات لابن سعد : 2/ ق 2/54 ؛ مسند أحمد : 6/220 ؛ أنساب الأشراف : 2/238 ؛ السيرة لابن كثير : 4/480 ؛ تاريخ الإسلام للذهبي : 1/564 ؛ نهاية الارب : 18/387 ؛ مجمع الزوائد : 9/32 ؛ كنز العمال : 7/232 ؛ جامع الأحاديث : 13/16 .. وغيرها.
5) . كتاب الردّة للواقدي : 31 ؛ الفتوح لأحمد بن أعثم : 1/4 ؛ المواقف للإيجي ، مع شرح الجرجاني : 3/575 .
أُريد أن أُقدمها بين يدي أبي بكر ..(1)
فإنّها تدلّ على توطئتهم مسبقاً في أمر الخلافة ، وتدبيرهم لها ، نعم لتلبيس الأمر على الناس يقول عمر : واللّه ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلاّ قالها في بديهته .
أو قولته المشهورة : كانت بيعة أبي بكر فلتة .
وقد صرّح عثمان - في أوّل مرّة صعد المنبر - ، بأنّ أبا بكر وعمر كانا يهيّئان أنفسهما للخلافة ؛ قال الجاحظ وغيره : إنّ عثمان صعد المنبر فارتجّ عليه .. فقال : إنّ
أبا بكر وعمر كانا يعدّان لهذا المقام مقالاً .. سآتيكم الخطبة على وجهها !!(2)
الخامس : إنّ عمر هو الذي كان يحثّ أبا بكر أن يصعد المنبر ، فلم يزل به حتّى صعد المنبر ،(3)وفي رواية أنس : لقد رأيت عمر يزعج أبا بكر إلى المنبر إزعاجاً ..(4)ثمّ تراه يصعد المنبر ويتكلّم قبل أبي بكر ويدعو الناس إلى مبايعته ،(5)بل صرّح أبو بكر بذلك حينما قال لعمر : أنت كلّفتني هذا الأمر .(6)
السادس : تولّى عمر جميع الأُمور زمن خلافة أبي بكر ، قال ابن عبد ربّه : وكان على أمره كلّه وعلى القضاء عمر بن الخطّاب .(7)
بل خالفه في غير واحد من القضايا ، فلم يجترئ أبو بكر أن يدافع عن نفسه ويردّ حكم عمر ، فلمّا قيل له : أنت الخليفة أم عمر ؟!
أجاب : بل عمر .. ولكنّه أبى !!
1) . مسند أحمد : 1/56 ؛ صحيح البخاري: 4/194 و 8/27 ؛ الطبقات لابن سعد : 2/ ق 2/55 ؛ السنن الكبرى للبيهقي : 8/142 ؛ العقد الفريد : 4/258 ط مصر ؛ البداية والنهاية : 5/266 ؛ كنز العمال : 5/645 .
2) . أنساب الأشراف : 6/131 ط دار الفكر ؛ البيان والتبين للجاحظ : 1/345 (ط دار الفكر) ؛ شرح نهج البلاغة : 13/13 ؛ بحار الأنوار : 31/245 .
3) . صحيح البخاري : 8/126 ؛ سيرة ابن كثير : 4/492 ؛ البداية و النهاية : 5/268 .
4) . المغازي للواقدي : 135 ؛ الآحاد والمثاني : 1/77 ؛ المصنف لعبد الرزّاق : 5/438 .
5) . البداية والنهاية : 5/268 ؛ كنز العمال : 5/600 - 601 .
6) . جامع الأحاديث : 13/100 .
7) . العقد الفريد : 4/255 .
وفي رواية : بل هو إن شاء .
وفي أُخرى : بل هو ولو شاء كان .
وفي غيرها : الأمير عمر غير أنّ الطاعة لي !!
أو : إنّا لانجيز إلاّ ما أجازه عمر .(1)
منه في : 13/175 ، 273 .
السابع : ولعلّه أهمّها ما قاله عمر قبل وفاته : لو كان أبو عبيدة حيّاً استخلفته ! .. لو كان سالم حيّاً استخلفته ! .. وفي بعض المصادر ذكر معاذ بن جبل !(2)
ثم عقد النبي صلى الله عليه و آله الإمرة لأُسامة بن زيد بن حارثة قبل وفاته ، وأمّره .. وندبه أن يخرج بجمهور الأُمّة إلى حيث أُصيب أبوه من بلاد الروم ، واجتمع رأيه على إخراج جماعة من مقدّمي المهاجرين والأنصار في معسكره حتّى لا يبقى في المدينة عند وفاته من يختلف في الرئاسة ، ويطمع في التقدّم على الناس بالإمارة، ويستتب الأمر لمن استخلفه من بعده ولا ينازعه في حقّه منازع .(3)
فجمع أُولئك النفر - أي أصحاب الصحيفة - ومن مالأهم على علي عليه السلام وطابقهم على عدواته ، ومن كان من الطلقاء والمنافقين - وكانوا زهاء أربعة آلاف رجل - فجعلهم تحت يدي أُسامة بن زيد مولاه وأمّرهُ عليهم .(4)وقد نصّ على أن فيهم أبي بكر وعمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح ، وسعد بن أبي وقاص ، و.. .(5)
ومن طُرف الأخبار ما ذكره اليعقوبي في المقام من أنّ أبا بكر بعد أن استولى على الخلافة ، وأراد تنفيذ جيش أُسامة ، سأل أُسامة أن يترك له عمر يستعين به على أمره ، فقال : ما تقول في نفسك ؟! فقال : يابن أخي ! فعل الناس ما ترى ، فدع لي عمر وأنفذ لوجهك ! انظر : تاريخ اليعقوبي : 2/127 .
1) . راجع : كنز العمال : 1/315 و 3/914 و 12/546 ، 582 - 583 ؛ جامع الأحاديث : 13/60 ، 153 ، وقريب
2) . تقدّمت مصادره قريباً .
3) . الإرشاد : 1/180 - 181 ؛ وعنه في بحار الأنوار : 22/466 .
4) . إرشاد القلوب : 337 وعنه في بحار الأنوار : 28/107 . وراجع - أيضاً - كلام أمير المؤمنين عليه السلام في الخصال : 371 ، وعنه في بحار الأنوار : 28/206 .
5) . شرح نهج البلاغة : 1/159 - 160 و 6/52 ، 9/196 - 197 ، 12/83 ، 17/183 عن كثير من المحدثين ؛ البداية والنهاية : 6/335 ؛ الطبقات لابن سعد : 2/ ق 1/136 و 2 / ق 2/41 و 4/ ق 1/46 - 47 ؛ تهذيب الكمال : 2/340 ؛ الكامل لابن الأثير : 2/317 ؛ تاريخ الخميس : 2/154 ؛ وفيات الأعيان : 8/374 ؛ جامع الأحاديث : 13 / 211 ؛ فتح الباري : 8/115 (أواخر كتاب المغازي) ؛ تاريخ اليعقوبي : 2/76 - 77 و 113 ؛ السيره الحلبية : 3/207 (بيروت) ؛ عيون الأثر : 2/352 ؛ نهاية الإرب : 17/370 و 19/46 ؛ تاريخ مدينة دمشق : 8/46 ؛ (ترجمة أُسامة) تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) 714 ؛ أنساب الأشراف : 2/115 .
وجدّ صلى الله عليه و آله في إخراجهم ، [ بل ] وأمر أُسامة بالبروز عن المدينة بمعسكره إلى الجرف ، وحثّ الناس على الخروج إليه والمسير معه ، وحذّرهم من التلوّم والإبطاء عنه .. فبينا هو في ذلك إذ عرضت له الشكاة التي توفّي فيها ، فلمّا أحسّ بالمرض الذي عراه أخذ بيد علي بن أبي طالب عليه السلام واتّبعه جماعة من الناس وتوجّه إلى البقيع فقال :
« السلام عليكم أهل القبور .. ليهنئكم ما أصبحتم فيه مما فيه الناس .. أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، يتبع آخرها أوّلها ! .. » ثم استغفر لأهل البقيع طويلاً .(1)
وراجع أيضاً : سنن الدارمي : 1/36 - 37 ؛ تاريخ الطبري : 3/188 ؛ مسند أحمد : 3/488 - 489 ؛ شرح نهج البلاغة : 10/183 ؛ البداية والنهاية : 5/243 - 244 ؛ الكامل لابن الأثير : 2/318 ؛ الطبقات لابن سعد : 2 / ق 2/10 ؛ البدء والتاريخ : 5/56 ؛ أنساب الأشراف : 2/214 ؛ تاريخ الإسلام للذهبي : 1/545 ؛ نهاية الارب : 18/362 ؛ المنتظم : 4/14 - 15 ؛ تاريخ الخميس : 2 / 161 ؛ مجمع الزوائد : 9/24 ؛ كنزالعمال : 12/262 .. وغيرها .
أقول : لنا أن نتساءل من أعلام أهل الخلاف الذين دوّنوا هذه الرواية في كتبهم ، ما هذه الفتن التي أقبلت .. يتبع آخرها أوّلها ؟! أليست إشارة إلى ما صنعه أصحاب السقيفة ؟ أليست هي مسألة الخلافة الكبرى والإمامة العظمى .. التي لا تصيبن الذين ظلموا خاصة ؟ ! بلى ، وكانوا هم السبب لوقوع جميع الفتن التي حدثت وتوالت بعد وفاة النبي صلى الله عليه و آلهإلى يومنا هذا وبعد هذا .. اليوم .. يتبع آخرها أوّلها .
ثم أنه قد خلا أبو بكر وعمرو أبو عبيدة بأُسامة وجماعة من أصحابه - وكانوا في الطريق - فقالوا : إلى أين ننطلق ونخلّي المدينة ، ونحن أحوج ما كنّا إليها وإلى المقام
1) . انظر - مثلاً - الإرشاد : 1/181 ؛ وعنه في بحار الأنوار : 22/467 - 468 .
بها ؟! فقال لهم أُسامة : وما ذلك ؟ قالوا : إنّ رسول اللّه قد نزل به الموت ، واللّه لئن خلّينا المدينة لتحدثنّ بها أُمور لا يمكن إصلاحها ، ننظر ما يكون من أمر رسول اللّه صلى الله عليه و آلهثم المسير بين أيدينا ! فرجع القوم إلى المعسكر الأوّل ، وأقاموا به وبعثوا رسولاً يتعرّف لهم أمر رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فأتى الرسول إلى عائشة فسألها عن ذلك سرّاً ، فقالت : امض إلى أبي وعمر ومن معهما وقل لهما : إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قد ثقل فلا يبرحنّ أحد منكم ، وأنا أُعلمكم بالخبر وقتاً بعد وقت .. واشتدّت علّة رسول اللّه صلى الله عليه و آلهفدعت عائشة صهيبا ، فقالت : امض إلى أبي بكر وأَعْلِمْه أنّ محمداً في حال لا يرجى .. فهلمّ إلينا أنت وعمر وأبو عبيدة ومن رأيتم أن يدخل معكم ، وليكن دخولكم في اللّيل سرّاً .. فدخل أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ليلاً المدينة ورسول اللّه صلى الله عليه و آلهقد ثقل ، فأفاق بعض الإفاقة فقال صلى الله عليه و آله: « لقد طرق ليلتنا هذه المدينة شرٌّ عظيم » ، فقيل له : وما هو يا رسول اللّه ؟ فقال : « إنّ الذين كانوا في جيش أُسامة قد رجع منهم نفر يخالفون عن أمري ، ألا إنّي إلى اللّه منهم بريء .. ويحكم ! نفّذوا جيش أُسامة .. » فلم يزل يقول
ذلك حتّى قالها مرّات كثيرة .
فلمّا أصبح رسول اللّه صلى الله عليه و آله من ليلته أذّن بلال ثمّ أتاه يخبره كعادته فوجده قد ثقل ، ومُنع من الدخول إليه ، فأمرت عائشة صهيباً أن يمضي إلى أبيها فيعلمه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قد ثقل في مرضه وليس يطيق النهوض إلى المسجد وعلي بن أبي طالب عليه السلامقد شغل به وبمشاهدته عن الصلاة بالناس ، فاخرج أنت إلى المسجد فصلِّ بالناس ، فإنّها حالة تهنئك وحجّة لك بعد اليوم .
فلم يشعر الناس - وهم في المسجد ينتظرون رسول اللّه صلى الله عليه و آله أو عليّاً عليه السلاميصلّي بهم كعادته التي عرفوها في مرضه - إذ دخل أبو بكر المسجد وقال : إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آلهقد ثقل وقد أمرني أن أُصلّي بالناس ! .. فقال له رجل من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله : وأنّى ذلك ! وأنت في جيش أُسامة ، ولا واللّه لا أعلم أحداً بعث إليك ولا أمرك بالصلاة ! ..
ثمّ نادى الناس بلال ، فقال : على رسلكم - رحمكم اللّه - لأستأذن رسول اللّه صلى الله عليه و آله في ذلك ، ثمّ أسرع حتّى أتى الباب فدقّه دقّاً شديداً ، فسمعه رسول اللّه صلى الله عليه و آله فقال : « ما
هذا الدقّ العنيف ؟! فانظروا ما هو ؟ » ، قال فخرج الفضل بن العباس ففتح الباب .. فإذا بلال ، قال ما وراءك يا بلال ؟ فقا ل: إنّ أبا بكر قد دخل المسجد وقد تقدّم حتّى
وقف في مقام رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وزعم أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله أمره بذلك ، فقال : أو ليس أبو بكر مع جيش أُسامة ، هذا هو واللّه الشرّ العظيم الذي طرق البارحة المدينة ، لقد أخبرنا رسول اللّه صلى الله عليه و آله بذلك ، ودخل الفضل وأدخل بلالاً معه ، فقال صلى الله عليه و آله : « ما وراءك يا بلال ؟ » .. فأخبر رسول اللّه الخبر ، فقال : « أقيموني .. أقيموني .. اخرجوا بي إلى المسجد ، والذي نفسي بيده قد نزلت بالإسلام نازلة وفتنة عظيمة من الفتن » .
ثمّ خرج معصوب الرأس يتهادى بين عليٍّ والفضل بن العباس ، ورجلاه تجرّان في الأرض حتّى دخل المسجد - وأبو بكر قائم في مقام رسول اللّه صلى الله عليه و آله وقد أطاف به عمر وأبو عبيدة وسالم وصهيب والنفر الذين دخلوا - وأكثر الناس قد وقفوا عن الصلاة ينتظرون ما يأتي بلال ، فلمّا رأى الناس رسول اللّه صلى الله عليه و آله قد دخل المسجد - وهو بتلك الحالة العظيمة من المرض - أعظموا ذلك ، وتقدّم رسول اللّه صلى الله عليه و آله فجذب أبا بكر من ورائه فنحّاه عن المحراب ، وأقبل أبو بكر والنفر الذين كانوا معه فتواروا خلف رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وأقبل الناس فصلّوا خلف رسول اللّه صلى الله عليه و آله وهو جالس ،(1)
أقول : صرّح اللمعاني المعتزلي : أنّ أمير المؤمنين عليه السلام نسب إلى عائشة بأنّها أرسلت إلى أبيها ليصلّي بالناس ، والنبي صلى الله عليه و آله لم يعيّن للصلاة أحداً ، بل قال : « ليصلّ بهم أحدهم » . وقال اللمعاني أيضاً : إنّها أرسلت إلى أبيها وأعلمته بأنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله يموت عن قريب ، فرجع أبو بكر عن جيش أُسامة ، كما في شرح نهج البلاغة : 9/196 - 199 . نعم طائفة من العامة يريدون إخفاء الواقع فتارة يقولون : أقبل رسول أُمّ أيمن فأخبر أُسامة بموت النبي صلى الله عليه و آله ، كما في عيون الأثر : 2/353 ، وأُخرى يقولون : أرسلت إليهم زوجة أُسامة كما في تاريخ الإسلام للذهبي : 3/19 ، ويؤيّد عدم تعيين الإمام للصلاة ما ذكره المقدسي المتوفى 355 في البدء والتاريخ : 5/57 ، فإنّه قال : وإذا وجد ثقلاً قال صلى الله عليه و آله : « مروا الناس فليصلّوا » . وكذا ذكر ذاك ابن كثير في السيرة النبوية : 4/459 ؛ والزهري في المغازي : 131 .. وغيرهم.
فكبّر وابتدأ الصلاة التي كان ابتدأها أبو بكر ، ولم يبن على ما مضى من فعاله ، فلمّا سلّم انصرف إلى منزله ، واستدعى أبا بكر وعمر وجماعة من حضر المسجد من المسلمين ،1) . إلى هنا جاء في إرشاد القلوب : 338 - 340 ؛ وعنه في بحار الأنوار : 28/108 - 110 .
ثمّ قال : « ألم آمر أن تنفذوا جيش أُسامة ؟! » فقالوا : بلى يا رسول اللّه ، قال : « فلم تأخّرتم عن أمري ؟! » قال أبو بكر : إنّي كنت قد خرجت ثمّ رجعت لأُجدّد بك عهداً، وقال عمر : يا رسول اللّه ! إنّي لم أخرج لأنّني لم أُحبّ أن أسأل عنك الركب ، فقال
النبي صلى الله عليه و آله : « نفّذوا جيش أُسامة .. نفّذوا جيش أُسامة .. » يكرّرها ثلاث مرات ، ثمّ أُغمي عليه من التعب الذي لحقه والأسف ، فمكث هنيئة مغمى عليه ، وبكى المسلمون وارتفع النحيب من أزواجه وولده ونساء المسلمين وجميع من حضر من المسلمين .(1)
أقول : ذكر الطبري والمقدسي .. وغيرهما أنّه صلى الله عليه و آله قال - عقيب تلك الصلاة - : « أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أوّلها .. » راجع : تاريخ الطبري : 3/198 ؛ البدء والتاريخ : 5/61 ؛ وأشار إليه النويري بقوله عقيب ذكر الصلاة : فحذّر (أي النبي صلى الله عليه و آله ) الناس من الفتن ، نهاية الإرب : 18/368 . وقال العصامي المكّي : فكلّمهم رافعاً صوته حتى خرج صوته من باب المسجد يقول : « أيها الناس ! سعّرت النار .. ، وأقبلت الفتن كالليل المظلم .. » . سمط النجوم ا لعوالي : 2/241 .
وعندما أفاق رسول اللّه صلى الله عليه و آله نظر إلى من كان حوله ، ثمّ قال : « ائتوني بدواة وكتف لأكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً » ، ثمّ أُغمي عليه ، فقال عمر : إنّه يهجر !!(2)لا تأتوه بشيء فإنّه قد غلبه الوجع وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب اللّه ! .. فاختلف أهل البيت واختصموا ، فمنهم من يقول : قرّبوا يكتب لكم رسول اللّه .. ومنهم من يقول ما قال عمر! ..
فلمّا كثر اللغط والاختلاف ، قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « قوموا عنّي » .(3)
1) . الإرشاد : 1/183 - 184 وعنه في بحار الأنوار : 22/468 .
2) . الإرشاد : 1/183 - 184 وعنه في بحار الأنوار : 22/468 .
3) . مسند أحمد : 1/293 ، 324 - 336 ؛ صحيح البخاري : 4/31 و 5/137 و 7/9 و 8/161 ؛ صحيح مسلم : 5/76 ؛ تاريخ الطبري : 3/192 - 193 ؛ المستدرك على الصحيحين : 3/477 ؛ شرح نهج البلاغة : 2/54 - 55 و 6/51 و 12/87 ؛ البداية والنهاية : 5/247 - 248 ؛ مجمع الزوائد : 9/33 - 34 ؛ كنز العمال : 5/644 و 7/243 ، الملل والنحل للشهرستاني : 1/22 ؛ الكامل لابن الأثير : 2/320 ؛ الطبقات لابن سعد : 2/ ق 2/36 - 38 ؛ البدء والتاريخ : 5/59 ؛ السيرة النبوية لابن كثير : 4/450 - 451 ؛ نهاية الارب : 18/373 - 375 ؛ أنساب الأشراف : 2/236 ؛ تاريخ الإسلام للذهبي : 1/551 - 552 . بحار الأنوار : 30/529 - 536 عن كثير من العامّة .
قال بعضهم : ألا نأتيك بدواة وكتف يا رسول اللّه ؟ فقال : « أ بعد الذي قلتم .. ؟! لا ، ولكنّي أُوصيكم بأهل بيتي خيراً » ، وأعرض بوجهه عن القوم فنهضوا ، وبقي عنده العباس والفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب وأهل بيته خاصّة ، فقال له العبّاس : يا رسول اللّه ! إن يكن هذا الأمر فينا مستقراً من بعدك فبشّرنا ، وإن كنت تعلم إنّه نُغلب عليه فأوص بنا ، فقال صلى الله عليه و آله : « أنتم المستضعفون من بعدي » .(1)
فكان ابن عباس يقول : إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول اللّه وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم .(2)
أقول : الكلام حول هذه الرزية طويل الذيل(3)ولكن لا يسعنا ترك أُمور :
الأول : لا ريب في كون هذا العمل من عمر مصداقاً لمخالفة النبي صلى الله عليه و آله ومشاقة له ، بل مخالفة لقول اللّه تعالى : « وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى » ؛(4)وتقديماً على اللّه عزّ وجلّ ورسوله صلى الله عليه و آلهبزعم أنّه أعرف بمصالح الأمّة من اللّه ورسوله ! ! وقد قال اللّه تعالى : « وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً »(5)وقال سبحانه : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »(6)وقال عزّ وجلّ : « وَما كانَ لِمُؤمِنٍ وَلا مُؤمِنَةٍ إِذا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً » .(7)
الثاني : إنّ ما اعتذر به المخالفون عن عمر(1)لا يجدي شيئاً بعد دراسة وملاحظة الرواية بأنحائها المختلفة ؛ فقد روى الطبراني بإسناده عن عمر بن الخطّاب ، قال : لمّا مرض النبي صلى الله عليه و آله قال : « ادعوا لي بصحيفة ودواة أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبدا» ، فكرهنا ذلك أشدّ الكراهة ، ثمّ قال : « ادعوا لي بصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعد أبداً » ، فقال النسوة من وراء الستر : ألا تسمعون ما يقول رسول اللّه صلى الله عليه و آله ؟! فقلت : إنّكنّ صويحبات يوسف عليه السلام ، إذا مرض رسول اللّه صلى الله عليه و آلهعصرتنّ أعينكنّ وإذا أصبح(2)ركبتنّ عنقه . فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « دعوهنّ فإنّهنّ خير منكم » .(3)
وروى في موضع أخر: فقالت امرأة ممّن حضر : ويحكم ! عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله إليكم .. فقال بعض القوم: اسكتي فإنّه لا عقل لك . فقال صلى الله عليه و آله : « أنتم لا أحلام لكم».(4)
الثالث : لنا أن نسائل عمر : لماذا لم يكن القرآن كافياً لحلّ معضلات الأُمّة حينما اختارك أبو بكر للخلافة ؟! ولماذا لم تقل إنّه يهجر ، مع أنّه غشي عليه أثناء كتابة
عثمان الوصاية ؟! ولماذا لم تكتف بالقرآن حين جعلتَ الأمر شورى بين ستّة من الصحابة ؟! ولماذا .. ؟!
الرابع : روي عن ابن طيفور الخراساني البغدادي (المتوفى 280) أنّ عمر قال لابن عبّاس : يا عبد الله عليك دماء البدن إن كتمتنيها .. هل بقي في نفسه [ أي أمير المؤمنين عليه السلام ] شيء من أمر الخلافة ؟ قلت : نعم . قال : أيزعم أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آلهنصّ عليه ؟ قلت : نعم ، وأزيدك سألت أبي عمّا يدّعيه ، فقال : صدق . فقال عمر : لقد كان
من رسول اللّه صلى الله عليه و آلهفي أمره ذرو(5)من قول لا يثبت حجّة ولا يقطع عذراً ، ولقد كان
1) . راجع شروح البخاري في أوائل كتاب المغازي نحو فتح الباري : 8/101 - 102 .
2) . كذا ، والظاهر: صحّ كما في كنز العمّال .
3) . المعجم الأوسط : 6/162 ط الرياض ؛ وعنه في جامع الأحاديث : 13/263 (ولاحظ : 259) ونقلها في كنز العمّال : 5/644 مع حذف قول عمر : فكرهنا ذلك أشدّ الكراهة !
4) . المعجم الكبير : 11/36 ط دار إحياء التراث العربي .
5) . الذَرْو من الكلام كأنّه طرف من الخبر كما في كتاب العين : 8/193 ، وفي لسان العرب : 14/286 : وأتانا ذَرْوٌ من خبر : وهو اليسيرُ منه .
يَربَعُ [ يزيغ ] في أمره وقتاً ما ، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطةً على الإسلام !! لا وربّ هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبداً ، ولو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها .. فعلم رسول اللّه صلى الله عليه و آله أنّي علمت ما في نفسه فأمسك ، وأبى اللّه إلاّ إمضاء ما حتم ! ..
ذكر هذا الخبر أحمد بن أبي طاهر في تاريخ بغداد مسنداً .(1)
وليُعلم أن مؤلف هذا الكتاب أحمد بن أبي طاهر الخراساني البغدادي المعروف ب- : ابن طيفور المتوفى 280 صاحب كتاب بلاغات النساء . وقيل : هو أول من صنّف لها - أي للبغداد - تاريخا . (راجع كشف الظنون 1/288، الأعلام للزركلي 1 / 141)
ثمّ حجب الناس عن النبي صلى الله عليه و آله وثقل في مرضه ، وكان أمير المؤمنين عليه السلام لا يفارقه إلاّ لضرورة ، فقام في بعض شؤونه .. فأفاق رسول اللّه صلى الله عليه و آله إفاقةً فافتقد عليّاً عليه السلام ، فقال - وأزواجه حوله - : « ادعوا لي أخي وصاحبي » ، - وفي بعض الروايات : « خليلي » - وعاوده الضعف ، فأصمت ، فقالت عائشة : ادعوا له أبا بكر ! .. فُدعي ودخل عليه وقعد عند رأسه ، فلمّا فتح عينه نظر إليه فأعرض عنه بوجهه ، فقام أبو بكر فقال : لو كان له إليّ حاجة لأفضى بها إليّ .. فلمّا خرج أعاد رسول اللّه صلى الله عليه و آله القول ثانية ، وقال : « ادعوا لي أخي وصاحبي » ، فقالت حفصة : ادعوا له عمر ! فدعي فلمّا حضر ورآه رسول اللّه صلى الله عليه و آله أعرض عنه .. فانصرف .
ثم قال : « ادعوا لي أخي وصاحبي » ، فقالت أُمّ سلمة - رضي اللّه عنها - : ادعوا له عليّاً عليه السلام ، إنّه لا يريد غيره ، فدُعي أمير المؤمنين عليه السلام ، فلمّا دنا منه أومأ إليه فأكبّ عليه فناجاه رسول اللّه صلى الله عليه و آله طويلاً ، ثمّ قام فجلس ناحية حتى أغفى رسول اللّه صلى الله عليه و آلهفلمّا أغفى خرج ، فقال له النّاس : ما الذي أوعز إليك يا أبا الحسن ؟فقال : « علّمني ألف باب من العلم ، فتح لي من كلّ باب ألف باب .. وأوصاني بما
1) . انظر : شرح نهج البلاغة : 12/20 - 21 ، وعنه في بحار الأنوار : 30/555 - 556 ، و 38/156 .
أنا قائم به إن شاء اللّه تعالى » .(1)
ثمّ ثقل وحضره الموت - وأمير المؤمنين عليه السلام حاضر عنده - فلمّا قرب خروج نفسه قال له : « ضع - يا علي ! - رأسي في حجرك فقد جاء أمر اللّه .. » .(2)
فقضى رسول اللّه صلى الله عليه و آله ويد أمير المؤمنين عليه السلام اليمنى تحت حنكه ، وفاضت نفسه فيها ، فرفعها إلى وجهه فمسحه بها .. ثمّ وجّهه .. وغمّضه .. ومدّ عليه إزاره ، واشتغل بالنظر في أمره .(3)
قال أبو جعفر عليه السلام : « لمّا قبض رسول اللّه صلى الله عليه و آله بات آل محمّد صلى الله عليه و آله بأطول ليلة حتّى ظنّوا أن لا سماء تظلّهم ، ولا أرض تقلّهم ؛ لانّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله وتر الأقربين والأبعدين في اللّه » .(4)
روى جميع أصحاب السيرة أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله لمّا تُوفّي كان أبو بكر في منزله بالسُّنْح ،(5)فقال عمر بن الخطاب : ما مات رسول اللّه صلى الله عليه و آله ولا يموت حتّى يظهر دينه على الدين كلّه وليرجعنّ فليقطعنّ أيدي الرجال وأرجلهم ممن أرجف بموته .. لا أسمع رجلاً يقول مات رسول اللّه إلاّ ضربته بسيفي .. فلا يزال يتكلّم ويتوعّد المنافقين- بزعمه - حتّى ازبدّ شدقاه ،(6)فجاء أبو بكر وكشف عن وجه رسول اللّه صلى الله عليه و آله وقال :
1) . الإرشاد : 1/185 - 186 ؛ وعنه في بحار الأنوار : 22/470 ؛ راجع أيضاً : مسند أحمدبن حنبل : 1/356 ؛ المناقب للخوارزمي : 68 ؛ الرياض النضرة : 608 ؛ ذخائر العقبى : 68 ، 72 ؛ مختصر تاريخ دمشق : 18/20 - 21 ؛ وروي عن جماعة من العامة في غير واحد من مصادرنا كما في المناقب : 1/236 - 237 ؛ متشابه القرآن : 2/43 ؛ الطرائف : 154 ؛ كشف الغمة : 1/102 ؛ إرشاد القلوب : 234 ؛ الصراط المستقيم : 3/165 .
2) . الارشاد : 1/185 - 186 ، وعنه في بحار الأنوار : 22/470 .
3) . الارشاد : 1/187 ؛ إعلام الورى : 136 ، وعنه في بحار الأنوار : 22/528 ، وراجع : الطبقات : 2/ ق2/50 - 51 .
4) . الكافي : 1/451 وعنه في بحار الأنوار : 22/537 .
5) . موضع بعوالي المدينة كما في مجمع البحرين : 2/375 .
6) . جامع الأحاديث : 13/260 .
بأبي وأُمي طبت حيّاً وميّتاً ، واللّه لا يذيقك اللّه الموتتين أبداً ، ثمّ خرج والناس حول عمر وهو يقول لهم : إنّه لم يمت .. ويحلف ! فقال له : أيّها الحالف ! على رسلك ، ثمّ قال : من كان يعبد محمّداً فإنّ محمّداً قد مات ، ومن كان يعبد اللّه فإنّ اللّه حيّ لا يموت ، قال اللّه تعالى : « إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ »(1)وقال : « أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ » .(2)
قال عمر : فواللّه ما ملكت نفسي حيث سمعتها أن سقطت إلى الأرض ، وعلمت أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قد مات .(3)
أقول : لقد اتّفق أهل السير من العامّة على نقل هذه الواقعة ، و لا شكّ أن عمر لم يكن جاهلاً بوفاة النبي صلى الله عليه و آله واقعاً ، كيف وقد صرّح النبي صلى الله عليه و آله - لاسيما في حجّة الوداع وبعدها - بأنّه يموت عن قريب ، فقال : « إنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأُجيب » ؟!(4)كما وأن ظهور وصاياه صلى الله عليه و آله في دنوّ أجله ممّا لا يقبل الإنكار
بوجه ، بل قد فهم عمر ذلك حين نادى : حسبنا كتاب اللّه ! أي نحن غير محتاجين إلى وصيّتك .. إذ يكفينا القرآن بعد وفاتك ! ..
فما هذا الإنكار واللفّ والدوران إلاّ حيلة سياسيّة صدرت منه أولاً وتبعه شرذمة من أصحابه ومن تواطى معه .. ولعلّها دبّرت بليل .
ويدلّك على ما ذكرنا ادّعاؤهم أنهم سمعوا هذه الآية من أبي بكر لأوّل مرّة ، إذ نقلوا عن عمر أنّه قال : واللّه ما هو إلاّ أن سمعت أبا بكر تلاها [ أي تلا قوله تعالى :
1) . الزمر 39 : 30 .
2) . آل عمران 3 : 144 .
3) . مسند أحمد : 6/220 ؛ 3/196 ؛ سنن الدارمي : 1/39 ؛ صحيح البخاري : 4/194 ؛ سنن ابن ماجه : 1/520 ؛ تاريخ اليعقوبي : 2/114 ؛ شرح نهج البلاغة : 2/40 - 41 ؛ البداية والنهاية : 5/262 - 264 ؛ مجمع الزوائد : 9/32 - 38 ؛ الدر المنثور : 2/81 و 4/318 ؛ كنز العمال : 7/226 ، 232 - 235 و 243 - 247 ؛ الطبقات الكبرى : 2/ ق 2/53 - 57 ؛ البدء والتاريخ : 5/62 - 63 ؛ جامع الأحاديث : 13/260 - 261 وغيرها .
4) . مسند أحمد : 4/367 ؛ سنن الدارمي : 2/432 ؛ صحيح مسلم : 7/122 ؛ السنن الكبرى ، للبيهقي : 2/148 و7/30 و 10/114 ؛ كنز العمال : 1/178 ؛ مجمع الزوائد : 9/164 وغيرها .
« وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ ... » ] فعقرت حتّى ما تقلّني رجلاي ، وحتّى أهويت إلى الأرض ، وفي رواية : فعثرت وأنا قائم حتّى خررت إلى الأرض ، وعرفت حين سمعته تلاها أن رسول اللّه صلى الله عليه و آله قد مات ! ..(1)
ونسبوا إلى ابن عباس أنّه قال : واللّه لكأنّ الناس لم يسمعوا أنّ اللّه أنزل هذه الآية حتّى تلاها أبو بكر ، فتلقّاها منه النّاس كلّهم .(2)
والحال أنّ هذه الآية نزلت يوم أُحد حين فرّ عمر مع من فر - بعد أن قالوا : قتل محمّد صلى الله عليه و آله(3)- فكان عمر ممّن يقول بقتله هناك وينكره هنا !! بل عمر نفسه روى نزول هذه الآية الشريفة يوم أُحد حينما رجع بعد فراره إلى النبي صلى الله عليه و آله .(4)
ولا يصغى بعد وضوح الحال إلى مقالة الذين يخدعون أنفسهم فيقولون : عرضت عليه هذه الحالة للدهشة التي غلبته من وفاة النبي صلى الله عليه و آله !!
ويزيدك وضوحاً أن المستفاد من روايات العامة أنّ هذه الحيلة تلقّاها عمر من عايشة حين دخل هو والمغيرة عليها ، فقال عمر : يا عايشة ! ما لنبيّ اللّه ؟ قالت :
غشي عليه .(5)
أقول : قد صرّحت عايشة في غير هذه الرواية - أيضاً - بأنّها ظنّتْ أنّ النبي صلى الله عليه و آله غشي عليه ، وأنّ عمر والمغيرة
لمّا دَخلا البيت ، نظر عمر إليه وقال : واغشياه ! ما أشدّ غشي رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فلمّا أراد الخروج قال المغيرة : يا عمر ! مات رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فقال : كذبت بل أنت رجل تحوسك فتنة !! لاحظ : مسند أحمد : 6/219 ؛ كنز العمال : 7/232 ؛ مجمع الزوائد : 9/32 .
وفي رواية : فدخل أبو بكر ، فقال لعايشة : كيف ترين ؟ فأجابت : غشي عليه .. كما في مجمع الزوائد : 9/32 .
أقول : ولعلّها نسيت بأنّها حدّثتنا أنّه لمّا قال صلى الله عليه و آله : « اللّهم الرفيق الأعلى . . » فهمت وفاته في حديث يطول الكلام بذكره !! راجع : مسند أحمد : 1/89 ؛ صحيح البخاري : 5/138 ، 144 و 7/192 ؛ صحيح مسلم : 7/138 .
1) . صحيح البخاري : 5/143 ؛ كنز العمال : 7/226 و 234 ؛ جامع الأحاديث الكبير ، للسيوطي : 13/12 - 13 ، 17 عن عبد الرزّاق وابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد والعدني والبخاري وابن حبان وأبي نعيم والبيهقي .
2) . جامع الأحاديث : 13/12 - 13 .
3) . شرح نهج البلاغة : 14/276 ؛ السيرة النبويّة لابن كثير : 3/61 ، 68 ط دار الفكر ؛ تفسير ابن كثير : 1/418 ( ط دار المعرفة ) ؛ الدرّ المنثور : 2/81 وتأتي بعض مصادر فراره عند البحث عن تحريف السيرة .
4) . المغازي للواقدي : 1/295 ؛ شرح نهج البلاغة : 15/22 ، 27 ؛ كنز العمال : 2/375 - 376 ؛ وراجع : جامع الأحاديث : 14/41 .
5) . انظر : أنساب الأشراف : 2/237 ط دار الفكر ؛ تاريخ الإسلام للذهبي : 1/563 .
نعم استعان عمر بمثل هذا كي يشغل الناس به ويذهلهم عن أمر الخلافة ، فلمّا جاء أبو بكر وزال ما خاف منه أظهر عند الناس أنّه كان جاهلاً بالوفاة .. ولذا صُرّح
في بعض الروايات أنّه دعا الناس إلى بيعة أبي بكر عقيب ذلك .(1)
ومن هنا قال ابن أبي الحديد : إنّ عمر كان أجلّ قدراً من أن يعتقد ما ظهر عنه في هذه الواقعة ، ولكنّه لمّا علم أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قد مات خاف من وقوع فتنة في الإمامة وتقلّب(2)أقوام عليها ، إمّا من الأنصار أو غيرهم ... فاقتضت المصلحة عنده تسكين الناس بأن أظهر ما أظهره ... ومثل هذا الكلام يقع في الوهم فيصدّ عن كثير من العزم ! ..(3)
ثمّ قال أبو بكر عقيب ذلك - مخاطباً أهل البيت عليهم السلام - : عندكم صاحبكم ، وفي بعض النصوص : دونكم صاحبكم .. فأمرهم يغسّلونه ، ثمّ خرج !! فاجتمع إليه المهاجرون أو من اجتمع منهم ، فقال : انطلقوا إلى إخواننا من الأنصار فإنّ لهم في هذا الحقّ نصيباً .(4)
والعجب من القوم ؛ إذ كان اللازم عليهم رعاية حرمة النبي صلى الله عليه و آله بالاشتغال بتجهيزه وتدفينه وإقامة الماتم على فقده .. لا أن يشتغلوا بمؤامرات ويحوكوا الحيل - وبكل وسيلة - لغصب الخلافة .. واليك بعض الآثار في ذلك ؛ وهي كثيرة جدّاً :
منها : ما قال أمير المؤمنين عليه السلام : « عقدوا لأنفسهم عقداً ضجّت به أصواتهم واختصّت به آراؤهم من غير مناظرة لأحد منّا بني عبد المطلّب أو مشاركة في رأي أو استقالة لما في أعناقهم من بيعتي ، فعلوا ذلك .. وأنا برسول اللّه صلى الله عليه و آله مشغول ، وبتجهيزه عن سائر الأشياء مصدود ، فإنّه كان أهمّها وأحقّ ما بدئ به منها فكان هذا أقرح ما ورد على قلبي مع الذي أنا فيه من عظيم الرزيّة وفاجع المصيبة وفقد من لا خلف منه إلاّ اللّه تبارك وتعالى فصبرت عليها » .(1)
ومنها : ما قال عليه السلام في جواب القوم : « أفكنت أدع رسول اللّه صلى الله عليه و آله مسجّى لا أُواريه وأخرج أُنازع سلطانه ؟! » .(2)
ومنها : ما قالت السيدة فاطمة عليهاالسلام : « ما رأيت كاليوم قطّ .. حضروا أسوأ محضر ، وتركوا نبيّهم صلى الله عليه و آله جنازة بين أظهرنا ، واستبدّوا بالأمر دوننا » .(3)
ومنها : ما قاله مولانا الإمام أبو جعفر عليه السلام : « فصلّوا عليه يوم الاثنين وليلة الثلاثاء حتّى الصباح ويوم الثلاثاء ، حتّى صلّى عليه الأقرباء والخواص ، ولم يحضر أهل السقيفة ، وكان علي عليه السلام أنفذ إليهم بريدة ، وإنّما تمّت بيعتهم بعد دفنه » .(4)
ومنها : ما قاله أبو ذؤيب الهذلي : وقدمتُ المدينة - ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج إذا أهلّوا بالإحرام - فقلت : مه ؟! فقيل : قبض رسول اللّه صلى الله عليه و آله .. فجئت إلى المسجد فوجدته خالياً ، فأتيت بيت رسول اللّه صلى الله عليه و آله فأصبته مُرْتجا(5)وقدخلا به أهله ، فقلت : أين النّاس ؟! فقيل لي : هم في سقيفة بني ساعدة .. .(6)
ومنها : قول عبد اللّه بن الحسن : واللّه ما صلّيا [ أي أبو بكر وعمر ] على
1) . الخصال : 372 ؛ وعنه في بحار الأنوار : 28/207 ؛ الاختصاص : 171 ؛ إرشاد القلوب : 349 .
2) . الاحتجاج : 74 ؛ وراجع : الإمامة والسياسة : 1/19 .
3) . أمالي الشيخ المفيد : 95 ؛ وعنه في بحار الأنوار : 28/232 ؛ وراجع : الاحتجاج : 80 .
4) . المناقب : 1/239 ؛ وعنه في بحار الأنوار : 22/524 - 525 .
5) . يعني : مغلقا ، قال الفيومي : أرتجت الباب إرتاجا : أغلقته إغلاقا وثيقا . لاحظ المصباح المنير : 218 .
6) . مختصر تاريخ دمشق : 8/93 . وذكرها بعضهم في ترجمة أبي ذؤيب .
رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، ولقد مكث ثلاثاً ما دفنوه !! إنّه شغلهم ما كانا يبرمان ! ..(1)
ومنها : ما رواه ابن شيبة (المتوفى 235) عن عروة أنّه قال : إنّ أبا بكر وعمر لم يشهدا دفن النبي صلى الله عليه و آله ، وكانا في الأنصار [ يعني سقيفة بني ساعدة الذين هم من الأنصار ]فدفن قبل أن يرجعا .(2)
وقال الأعمش : قبض نبيّهم صلى الله عليه و آله فلم يكن لهم همّ إلاّ أن يقولوا : منّا أمير ومنكم أمير ! .. وما أظنّهم يفلحون .(3)
قال ابن شهاب الزهري : توفي رسول اللّه صلى الله عليه و آله حين زاغت الشمس يوم الاثنين ، فشغل الناس عن دفنه بشبّان الأنصار فلم يدفن حتّى كانت العتمة ولم يله إلاّ أقاربه ، ولقد سمعت بنو غَنْم(4)صريف المساحي حين حُفر لرسول اللّه صلى الله عليه و آله وإنّهم لفي بيوتهم ! ..(5)
بل وروى الجميع عن عائشة أنّها قالت : واللّه ما علمنا بدفن النبي صلى الله عليه و آله حتّى سمعنا صوت المساحي ليلة الأربعاء !!(6)
3/409 ؛ الطبقات : 2 / ق 2/79 ؛ تاريخ الإسلام للذهبي : 1/582 ؛ السيرة النبوية لابن كثير : 4/538 .
وهذا هو السرّ في إرجاع عمر كعب الأحبار إلى أمير المؤمنين عليه السلام لمّا سأله عنغسل النبي صلى الله عليه و آله ودفنه ،(7)إذ لم يكن حاضراً .. ولم يكن عالماً بكيفيّة تجهيزه صلى الله عليه و آله .قال البلاذري : وانحاز المهاجرون إلى أبي بكر ... ورسول اللّه صلى الله عليه و آله في بيته لم يفرغ من أمره ، فأتى آت إلى أبي بكر فقال : أدرك النّاس قبل أن يتفاقم الأمر .(8)
1) . تقريب المعارف : 251 ؛ وعنه في بحار الأنوار : 30/386 .
2) . المصنّف : 14/568 ، كنز العمال : 5/652 ؛ جامع الأحاديث : 13/267 .
3) . تقريب المعارف : 256 ؛ وعنه في بحار الأنوار : 30/290 .
4) . حيّ من تغلب ، كما في الصحاح للجوهري : 5/1999 .
5) . الطبقات لابن سعد : 2/ ق 2/78 - 79 .
6) . مسند أحمد : 6/62 ، 242 ، 274 ؛ أنساب الأشراف : 2/244 ؛ تاريخ الطبري : 3/213 ، 217 ؛ سنن البيهقي :
7) . الطبقات : 2/ ق 2/51 ؛ كنز العمال : 7/252 - 253 ؛ جامع الأحاديث : 16/15 .
8) . أنساب الأشراف : 2/264 ط دار الفكر .
وقال : بينا المهاجرون في حجرة رسول اللّه صلى الله عليه و آله - وقد قبضه اللّه إليه ، وعلي بن أبي طالب عليه السلام والعبّاس متشاغلان به - إذ جاء معن بن عدي وعويم بن ساعدة ، فقالا لأبي بكر : باب فتنة إن لم يغلقه اللّه بك فلن يغلق أبداً ! ... فمضى أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح حتّى جاؤوا السقيفة ..(1)
وقال : فبايع الناس أبا بكر وأتوا به المسجد يبايعونه ، فسمع العباس وعلي عليه السلام التكبير في المسجد ولم يفرغوا من غسل النبي صلى الله عليه و آله !! فقال علي عليه السلام : « ما هذا ؟ » قال العباس : ما رئي مثل هذا قطّ ، ما قلت لك ..(2)
وقال المقدسي : ووقع الاختلاف في الناس فانحاز هذا الحيّ من الأنصار إلى سعد بن عبادة سيد الخزرج واجتمعوا في سقيفة بني ساعدة ، وانحاز علي عليه السلام وطلحة والزبير في بيت فاطمة عليهاالسلام ، وانحاز سائر المهاجرين إلى أبي بكر .. كلّ يدّعي الإمارة لنفسه ، فجاء المغيرة بن شعبة فقال : إن كان لكم بالناس حاجة فأدركوهم ! فتركوا رسول اللّه صلى الله عليه و آله كما هو وأغلقوا الباب دونه ، وأسرع أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح إلى سقيفة بني ساعدة .(3)
قال الشيخ المفيد رحمه الله : ولم يحضر دفن رسول اللّه صلى الله عليه و آله أكثر الناس لما جرى بين المهاجرين والأنصار من التشاجر في أمر الخلافة ، وفات أكثرهم الصلاة عليه لذلك.
وأصبحت فاطمة عليهاالسلام تنادي : « واسوء صباحاه !! » ، فسمعها أبو بكر ، فقال لها : إنّ صباحك لصباح سوء !
واغتنم القوم الفرصة لشغل علي بن أبي طالب عليه السلام برسول اللّه صلى الله عليه و آله وانقطاع بني هاشم عنهم بمصابهم برسول اللّه صلى الله عليه و آله فتبادروا إلى ولاية الأمر ، واتفق لأبي بكر ما اتفق لاختلاف الأنصار في ما بينهم وكراهية الطلقاء والمؤلّفة قلوبهم من تأخر الأمر
حتّى يفرغ بنو هاشم فيستقرّ الأمر مقرّه .(1)
وقال الشهرستاني عند ذكر البيعة : .. وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام كان مشغولاً بما أمره النبي صلى الله عليه و آله من تجهيزه ودفنه وملازمة قبره .(2)
وقال الهيثمي : ثمّ خلّوا بينه وبين أهل بيته فغسله علي بن أبي طالب عليه السلام .(3)
قال ابن كثير : فصل ؛ في ذكر أُمور مهمّة وقعت بعد وفاته وقبل دفنه ، ومن أعظمها وأجلّها وأيمنها بركة على الإسلام وأهله بيعة أبي بكر !!!(4)
وقال في موضع آخر : توفي عليه السلام يوم الاثنين ، ودفن يوم الأربعاء .. عليه غير واحد من الأئمة خلفاً وسلفاً ، ثمّ قال : وهو المشهور عن الجمهور .(5)
قال أحمد أمين : ولم يكن علي عليه السلام حاضراً هذا الاجتماع [ أي السقيفة ]لاشتغاله هو وأهل بيته في جهاز رسول اللّه صلى الله عليه و آله وأخذ العدّة لدفنه ، فلمّا بلغه خبر البيعة لأبي بكر لم يرض عنها .(6)
.. والآثار في ذلك أكثر من أن تحصى .(7)
ومن الطرائف ما رواه ابن سعد وغيره ، قال : جاء علي بن أبي طالب عليه السلام يوماًمتقنعاً متحازناً ، فقال أبو بكر : أراك متحازناً ؟!! فقال علي عليه السلام : « إنّه عناني ما لم يعنك !! » قال أبو بكر : اسمعوا ما يقول ، أُنشدكم اللّه أترون أحداً كان أحزن على رسول اللّه صلى الله عليه و آله منّي!!(8)
1) . الإرشاد : 1/189 - 190 ؛ وعنه في بحار الأنوار : 22/519 .
2) . الملل والنحل : 1/24 .
3) . مجمع الزوائد : 9 / 33 .
4) . البداية والنهاية : 5/264 وراجع أيضاً : 268 ؛ السيرة النبوية : 4/484 .
5) . البداية والنهاية : 5/291 - 292 .
6) . فجر الإسلام : 253 .
7) . راجع : الإفصاح : 234 ؛ الاحتجاج : 80 - 81 ؛ الطرائف : 399 - 400 ؛ شرح نهج البلاغة : 12/86 و 13/36 - 37 ؛ الاكتفاء ... مغازي رسول اللّه صلى الله عليه و آلهوالخلفاء : 2/438 ؛ سمط النجوم العوالي : 2/244 ؛ وأورد ابن شهر آشوب في ذلك أشعاراً وأخباراً في كتابه مثالب النواصب : 118 - 119 الخطّية .
8) . الطبقات : 2/ ق 2/84 ؛ نهاية الإرب : 18/396 - 397 ؛ كنز العمّال : 7/230 ؛ جامع الأحاديث : 13/15 .
قالوا : ثمّ اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة ، فقالوا : نولّي هذا الأمر من بعد محمّد صلى الله عليه و آله سعد بن عبادة ، وأخرجوا سعداً إليهم وهو مريض ، قال : فلمّا اجتمعوا ، قال لابنه - أو لبعض بني عمّه - : إنى لا أقدر لشكواي أن أُسْمع القوم كلّهم كلامي ، ولكنّ تلقَّ منّي قولي فأسمعْهم ، فكان يتكلّم ويحفظ الرجل قوله فيرتفع به صوته ويُسمع به أصحابه ، فقال - بعد أن حمد اللّه وأنثى عليه - : يا معشر الأنصار ! إنّ محمّداً صلى الله عليه و آله لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأوثان فما آمن به قومه إلاّ رجال قليل .. واللّه ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسوله ، ولا أن يعزّوا دينه ،ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيماً عمّوا به ، حتّى إذا أراد بكم ربّكم الفضيلة ، وساق إليكم الكرامة ، وخصّكم بالنعمة ، ورزقكم الإيمان به وبرسوله والمنع له ولأصحابه ، والإعزاز له ولدينه والجهاد لأعدائه ، وكنتم أشدّ الناس على عدوّه منهم ، وأثقله على عدوّه من غيركم ، حتّى استقامت العرب لأمر اللّه طوعاً وكرهاً ،وأعطى البعيد المقادة صاغراً داخراً ، وحتّى أثخن اللّه لرسوله بكم الأرض ، ودانت بأسيافكم له العرب ، وتوفّاه اللّه إليه وهو عنكم راض ، وبكم قرير عين ، استبدّوا بهذا الأمر دون الناس ، فإنّه لكم دون الناس ..
فأجابوه بأجمعهم بأن : قد وُفّقت في الرأي وأصبت في القول ولن نَعْدوا ما رأيت .. نولّيك هذا الأمر فإنّك فينا متّبع ، ولصالح المؤمنين رضا .ثمّ إنّهم ترادّوا الكلام ، فقالوا : فإن أبت مهاجرة قريش ، فقالوا : نحن المهاجرون وصحابة رسول اللّه الأوّلون ، ونحن عشيرته وأولياؤه .. فعلام تنازعوننا الأمر من بعده ؟!
فقالت طائفة منهم : فإنا نقول إذاً : منّا أمير ومنكم أمير ، ولن نرضى بدون هذا أبداً ، فقال سعد بن عبادة حين سمعها : هذا أوّل الوهن .
وأتى عمر ؛ الخبر فأرسل إلى أبي بكر(1)فمضيا مسرعين نحوهم(2)- مع أبي عبيدة بن الجراح - وهم مجتمعون ، فقال عمر بن الخطاب : أتيناهم وقد كنت زوّرت كلاماً أردت أن أقوم به فيهم ، فلمّا اندفعت إليهم ذهبت لأبتدئالمنطق ، فقال لي أبو بكر : رويداً حتّى أتكلّم .. ثمّ انطق بعد ما أحببت ، فنطق ، فقال عمر : فما شيء كنت أُريد أن أقول به إلاّ وقد أتى به أو زاد عليه .
قال عبد اللّه بن عبد الرّحمن : فبدأ أبو بكر فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال : إنّ اللّه بعث محمّداً صلى الله عليه و آله رسولاً إلى خلقه ، وشهيداً على أُمّته ليعبدوا اللّه ويوحّدوه ، وهم يعبدون من دونه آلهة شتّى يزعمون أنّها لمن عبدها شافعة ولهم نافعة ، وإنّما هي من حجر منحوت ، وخشب منجور ، ثمّ قرأ : « وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤلاءِ شُفَعاؤنا عِنْدَ اللّهِ »(3)وقالوا : « ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللّهِ زُلْفى »(4)فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم فخصّ اللّه المهاجرين الأوّلين منقومه بتصديقه والإيمان به ، والمواساة له ، والصبر معه على شدّة أذى قومهم لهم ، وتكذيبهم إيّاه ، وكلّ الناس لهم مخالف ، وعليهم زار ، فلم يستوحشوا لقلّة عددهم ، وتشذّب الناس عنهم ، وإجماع قومهم عليهم .. فهم أوّل من عبد اللّه في الأرض وآمن باللّه وبالرسول ، وهم أولياؤه وعشيرته وأحقّ الناس بهذا الأمر من بعده ولا ينازعهم في ذلك إلاّ ظالم ، وأنتم - يا معشر الأنصار - من لا ينكر فضلهم في الدين ولا سابقتهم العظيمة في الإسلام ، رضيكم اللّه أنصاراً لدينه ورسوله ، وجعل إليكم هجرته ، وفيكم
1) . وهنا خلاف بين القوم فمن قائل - كالطبري - يقول : إنّ أبا بكر كان في الدار ، وعلي بن أبي طالب عليه السلام دائب في جهاز النبي صلى الله عليه و آله ، فأرسل عمر إليه : أن اخرج . ومن قائل - كابن هشام - : لمّا أتى الخبر إلى أبي بكر وعمر ، كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله في بيته لم يفرغ من أمره قد أغلق دونه الباب أهله . راجع : تاريخ الطبري 3/219 ؛ سيرة ابن هشام : 4/1071 .
2) . وفي رواية ابن كثير : فانطلق أبو بكر وعمر يتعاديان ! .. وفي رواية الطبري : يتقاودان حتى أتوهم .. انظر : السيرة النبوية لابن كثير : 4/491 ؛ و تاريخ الطبري : 3/203 .
3) . يونس 10 : 18 .
4) . الزمر 39 : 3 .
جلّة أزواجه وأصحابه ، وليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم .. فنحن الأُمراء وأنتم الوزراء ، لا تفتاتون(1)بمشورة ، ولا يقضى دونكم الأُمور ! ..
وفي رواية : قال أبو بكر : إنّ اللّه جلّ ثناؤه بعث محمّدا صلى الله عليه و آله بالهدى ودين الحقّ ، فدعا إلى الإسلام ، فأخذ اللّه تعالى بنواصينا وقلوبنا إلى ما دعا إليه ، فكنّا معشر
المهاجرين أوّل الناس إسلاماً ، والناس لنا فيه تبع ، ونحن عشيرة رسول اللّه ، ونحن مع ذلك أوسط العرب أنساباً ، ليست قبيلة من قبائل العرب إلاّ ولقريش فيها ولادة . وأنتم أيضاً - واللّه - الذين آووا ونصروا ، وأنتم وزراؤنا في الدين ، ووزراء رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وأنتم إخواننا في كتاب اللّه تعالى ، وشركاؤنا في دين اللّه عزّ وجلّ ، وفي ما كنّا فيه من سرّاء وضرّاء ، واللّه ما كنّا في خير قطّ إلاّ وكنتم معنا فيه ، فأنتم أحبّ الناس إلينا ، وأكرمهم علينا ، وأحقّ الناس بالرضا بقضاء اللّه تعالى ، والتسليم
لأمر اللّه عزّ وجلّ ولما ساق لكم ولإخوانكم المهاجرين ، وهم أحقّ الناس فلا تحسدوهم ، وأنتم المؤثرون على أنفسهم حين الخصاصة ، واللّه مازلتم مؤثرين إخوانكم من المهاجرين ، وأنتم أحقّ الناس ألاّ يكون هذا الأمر واختلافه على أيديكم ، وأبعد أن لا تحسدوا إخوانكم على خيرٍ ساقه اللّه تعالى إليهم ! . .
فقال الأنصار : واللّه ما نحسدكم على خيرٍ ساقه اللّه إليكم ، وإنّا لَكَما وصفت ... ولكنّا نشفق ممّا بعد اليوم ، ونحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منّا ولا منكم ،فلو جعلتم اليوم رجلاً منّا ورجلاً منكم بايعنا ورضينا ، على أنه إذا هلك اخترنا آخر من الأنصار ، فإذا هلك اخترنا آخر من المهاجرين أبداً ما بقيت هذه الأُمّة ، كان ذلك أجدر أن يعدل في أُمّة محمّد صلى الله عليه و آله ، وأن يكون بعضنا يتبع بعضاً ، فيشفق القرشي أن يزيغ فيقبض عليه الأنصاري ، ويشفق الأنصاري أن يزيغ فيقبض عليه القرشي .
فقام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال : يا معشر الأنصار ! املكوا عليكم أمركم فإنّ الناس في ظلّكم ، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ، ولا يصدر أحد إلاّ عن
1) . يقال : افتات عليه ، إذا انفرد برأيه دونه في التصرّف فيه ، هو افتعل من الفوت ، يقال لكلّ من أحدث شيئاً في أمرك دونك : قد افتات عليه فيه . راجع : النهاية لابن الاثير فوت وغيره .
رأيكم ، أنتم أهل العزّة والمنعة ، وأُولو العدد والكثرة ، وذوو البأس والنجدة ، وإنّما ينظر الناس ما تصنعون فلا تختلفوا فتفسد عليكم أُموركم ، فإن أبى هؤلاء إلاَّ ما سمعتم فمنّا أمير ومنهم أمير .
فقال عمر : هيهات لا يجتمع سيفان في غمد ، واللّه لا ترضى العرب أن تؤمّركم ونبيها من غيركم ، ولا تمنع العرب أن تولّي أمرها من كانت النبوّة منهم ، لنا بذلك الحجّة الظاهرة على من خالفنا ، والسلطان المبين على من نازعنا ، من ذا يخاصمنا في سلطان محمد وميراثه ونحن أُولياؤه وعشيرته إلاّ مدل بباطل ، أو متجانف لإثم ، أو متورّط في الهلكة ! ..
فقام الحباب بن المنذر - ثانية - فقال : يا معشر الأنصار ! امسكوا على أيديكم ، ولا تسمعوا مقالة هذا الجاهل وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر ، وإن أبوا أن يكون منّا أمير ومنهم أمير فاجلوهم عن بلادكم وتولّوا هذا الأمر عليهم ، فأنتم واللّه أحقّ به منهم ، فقد دان بأسيافكم قبل هذا الوقت من لم يكن يدين بغيرها ، وإنّا جذيلها المحكّك ، وعذيقها المرجّب ، واللّه لئن ردّ أحد قولي لأحطمنّ أنفه بالسيف ..
فقال عمر : إذن يقتلك اللّه ، فقال : بل إيّاك يقتل .(1)
فقال أبو عبيدة : يا معشر الأنصار ! إنّكم أوّل من نصر فلا تكونوا أوّل من بدّلأو غيّر ! ..(2)
قال : فلمّا رأى بشير بن سعد الخزرجي ما اجتمعت عليه الأنصار من أمر سعد بن عبادة - وكان حاسداً له ، وكان من سادة الخزرج - قام فقال : أيّها الأنصار !
إنّا وإن كنّا ذوي سابقة فإنّا لم نرد بجهادنا وإسلامنا إلاّ رضى ربّنا ، وطاعة نبيناً ،
1) . وفي رواية : قال حباب بن المنذر : فإنّا واللّه ما ننفّس هذا الأمر عليكم - أيّها الرهط ! - ولكنّا نخاف أن يليه أقوام قتلنا آباءهم وإخوتهم ، فقال عمر : إذا كان ذلك فمت إن استطعت !! كما رواه الهندي في كنز العمّال : 5/606 .
2) . وفي رواية : قال عبد الرّحمن بن عوف : يا معشر الأنصار ! إنّكم وإن كنتم على فضل ، فليس منكم مثل أبي بكر وعمر وعلي ، وقام المنذر بن أرقم فقال : ما ندفع فضل من ذكرت ، وإن فيهم رجلاً لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد ، يعني علي بن أبي طالب عليه السلام . انظر : تاريخ اليعقوبي : 2/123 .
ولا ينبغي لنا أن نستظهر بذلك على الناس ، ولا نبتغي به عوضاً من الدنيا ، إنّ محمّداً رجل من قريش وقومه أحقّ بميراث أمره ، وأيم اللّه لا يراني اللّه أُنازعهم هذا الأمر .. فاتقوا اللّه ولا تنازعوهم ولا تخالفوهم .
فقام أبو بكر وقال : هذا عمر وأبو عبيدة بايعوا أيّهما شئتم .
فقالا : واللّه لا نتولّى هذا الأمر عليك ، وأنت أفضل المهاجرين ، وثاني اثنين ، وخليفة رسول اللّه صلى الله عليه و آله على الصلاة - والصلاة أفضل الدين - ابسط يدك نبايعك..(1)
فلمّا بسط يده وذهبا يبايعانه ، سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه ، فناداه الحباب بن المنذر : يا بشير ! عقّتك عقاق ، واللّه ما اضطرك إلى هذا إلاّ الحسد لابن عمّك .
فلمّا رأت الأوس أنّ رئيساً من رؤساء الخزرج قد بايع قام أُسيد بن حضير - وهو رئيس الأوس - فبايع حسداً لسعد أيضاً ومنافسة له أن يلي الأمر ، فبايعت الأوس كلّها لمّا بايع أُسيد ، فأقبل الناس من كلّ جانب يبايعون أبا بكر .
وفي رواية : وبايعه عمر وبايعه الناس .. فقالت الأنصار - أو بعض الأنصار - : لا نبايع إلاّ عليّاً عليه السلام .(2)وفي رواية أُخرى : فكثر القول حتّى كادت الحرب تقع بينهم ، وأوعد بعضهم بعضاً .(3)
وكادوا يطأون سعد بن عبادة ، فقال ناس من أصحاب سعد : اتقوا سعداً لا تطأوه ، فقال عمر : اقتلوه قتله اللّه .. ثمّ قام على رأسه فقال : لقد هممت أن أطاك حتّى تندر عضدك . فأخذ قيس بن سعد بلحية عمر ، ثمّ قال : واللّه لئن حصحصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة .
1) . وفي رواية الطبري : فقال أبو بكر : بل أنت يا عمر ! فأنت أقوى لها منّي ، قال : وكان عمر أشدّ الرجلين ، وكان كلّ واحد منهما يريد صاحبه يفتح يده يضرب عليها ، ففتح عمر يد أبي بكر وقال : إنّ لك قوتي مع قوّتك . كما في تاريخ الطبري : 3/203 .
2) . الطبري : 3/202 .
3) . الاكتفاء ... مغازي رسول اللّه صلى الله عليه و آله والخلفاء : 2/443 .
فقال أبو بكر : مهلاً يا عمر ! الرفق هاهنا أبلغ .. فأعرض عنه .
وقال سعد : أما واللّه لو أرى من قوّة ما أقوى على النهوض لسمعتم منّي بأقطارها وسككها زئيراً يحجرك وأصحابك ، أما واللّه إذاً لألحقنّك بقوم كنت فيهم تابعاً غير متبوع ، احملوني من هذا المكان .. فحملوه فأدخلوه داره .. وترك أياماً ، ثمّ بعث إليه أن أقبل فبايع فقد بايع الناس وبايع قومك ، فقال : أما واللّه [ لا واللّه ]حتّى أرميكم بما في كنانتي من نبل ، وأخضب منكم سنان رمحي ، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي ، وأُقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي ، ولا أفعل ، وأيم اللّه ! لو أنّ الجنّ اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتّى أُعرض على ربّي ، وأعلم ما حسابي . فلمّا أُتي أبو بكر بذلك قال له عمر : لا تدعه حتّى يبايع ، فقال له بشير بن سعد : إنّه قد لجّ وأبى ، فليس يبايعكم حتّى يقتل ، وليس بمقتول حتّى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته ، فليس تركه بضارّكم إنّما هو رجل واحد ، فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد واستنصحوه لما بدا لهم منه .
وكان سعد لا يصلّي بصلاتهم ، ولا يجمع معهم ، ولا يحجّ معهم ، ويفيض فلا يفيض معهم بإفاضتهم ، فلم يزل كذلك حتّى هلك أبو بكر .(1)
قال عمر - ضمن خطبة له - : قد بلغني أنّ قائلاً منكم يقول : لو قد مات عمر بايعت فلاناً ، فلا يغترنّ امرؤٌ أن يقول : إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة .. ألا وإنّها كانت
1) . راجع : تاريخ الطبري : 3/218 - 223 ؛ وعنه في شرح نهج البلاغة : 2/37 - 40 ؛ كتاب السقيفة للجوهري ، وعنه في شرح نهج البلاغة : 6/5 - 10 و 39 - 40 ؛ تاريخ اليعقوبي : 2/123 - 126 ؛ الإمامة والسياسة : 1/12 - 17 ؛ الكامل لابن الأثير 2/328 - 331 ؛ الطبقات : 2/ ق2 / 55 - 56 ؛ نهاية الإرب : 19/29 - 38 ؛ السيرة الحلبية : 3/357 - 358 ؛ البدء والتاريخ : 5/65 - 66 ؛ كنز العمال : 5/640 و 648 و 627 - 628 ؛ صحيح البخاري : 4/194 ؛ جامع الأحاديث : 13 / 267 و 15/420 - 422 ؛ العقد الفريد : 4/257 - 258 ؛ تاريخ الخميس : 2/167 - 169 ؛ سمط النجوم العوالي : 2/244 ؛ الرياض النضرة : 1/235 - 237 ؛ الاحتجاج : 71 - 73 ؛ الشافي : 3/184 - 191 ؛ عن كثير منهم في بحار الأنوار : 28/179 - 183 و 324 - 355 .
كذلك .. ألا وإن اللّه عزّ وجلّ وقى شرّها ، وليس فيكم اليوم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر . ألا وإنّه كان من خبرنا حين توفي رسول اللّه صلى الله عليه و آله أنّ علياً والزبير ومن كان معهما تخلّفوا في بيت فاطمة عليهاالسلام بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله وتخلّف عنّا الأنصار بأجمعها في سقيفة بني ساعدة ، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر ، فقلت له : يا أبا بكر ! انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار ، فانطلقنا نؤمّهم حتّى لَقِيَنا رجلان صالحان فذكرا لنا الذي صنع القوم ، فقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقلت : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار ، فقالا : لا عليكم أن لا تقربوهم واقضوا أمركم يا معشر المهاجرين ، فقلت :
واللّه لنأتينّهم .. فانطلقنا حتّى جئناهم في سقيفة بني ساعدة ، فإذا هم مجتمعون ، وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمّل ، فقلت : من هذا ؟ فقالوا : سعد بن عبادة ، فقلت : ما له ؟ قالوا : وجع .. فلمّا جلسنا قام خطيبهم فأثنى على اللّه عزّ وجلّ بما هو أهله ، وقال : أمّا بعد ، فنحن أنصار اللّه عزّ وجلّ ، وكتيبة الإسلام ، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منّا ، وقد دفّت دافّة منكم يريدون أن يخزلونا(1)من أصلنا ، ويحضنونا من الأمر .. فلمّا سكت أردت أن أتكلّم ، وقد كنت زوّرت(2)مقالة أعجبتني أردت أن أقولها بينيدي أبي بكر ، وقد كنت أُداري منه بعض الحد ، وهو كان أحلم مني وأوقر ، فقال أبو بكر : على رسلك .. فكرهت أن أغضبه ، وكان أعلم مني وأوقر ، واللّه ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلاّ قالها في بديهته وأفضل حتى سكت .
فقال : أمّا بعد ؛ فما ذكرتم من خير فأنتم أهله ، ولم تعرف العرب هذا الأمر إلاّ لهذا الحيّ من قريش ، هم أوسط العرب نسباً وداراً ، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أيّهما شئتم .. وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح ، فلم أكره مما قال غيرها ، وكان - واللّه - أن أقدّم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحبّ إليّ من أن
أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر إلاّ أن تغيّر نفسي عند الموت .(1)فقال قائل من الأنصار : أنا جذيلها المحكّك ، وعذيقها المرجّب ، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش ! .. وكثر اللغط ، وارتفعت الأصوات حتّى خشيت الاختلاف ، فقلت : ابسط يدك يا أبا بكر .. فبسط يده فبايعتُه وبايعه المهاجرون ، ثمّ بايعه الأنصار ، ونزونا على سعد بن عبادة ، فقال قائل منهم : قتلتم سعداً ! فقلت : قتل اللّه سعداً .
قال عمر : واللّه ما وجدنا في ما حضرنا أمراً هو أقوى من مبايعة أبي بكر ، خشينا إن فارقنا القوم - ولم تكن بيعة - أن يحدثوا بعدنا بيعة ، فإمّا أن نتابعهم على ما لا نرضى ، وإمّا أن نخالفهم فيكون فيه فساد ، فمن بايع أميراً عن غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ولا بيعة للذي بايعه تغرة أن يقتلا !!(2)
ملاحظة :
قيل : إن الدعوة إلى سعد بن عبادة إنّما كانت بعد أن علموا بدفع الخلافة عن أهل البيت عليهم السلام ، ففي الرواية : أنّ الأنصار قالوا : إذا لم تسلّموها لعليّ عليه السلام فصاحبنا أحقّ بها ، وقال سعد : ما دعوت إلى نفسي إلاّ بعد ما رأيتكم قد دفعتموها عن أهل بيت نبيّكم .(3)وورد في كتاب عمر إلى معاوية - بعد أن شهد عمر وجماعة أنّ النبيّ صلى الله عليه و آلهقال : الإمامة بالاختيار - قالت الأنصار : نحن أحقّ من قريش ... وقال قوم : منّا أمير ومنكم أمير .(4)
1) . وفي رواية البيهقي في سننه 8/142 : .. إلاّ أن تسوّل لي نفسي عند الموت شيئاً لا أجده الآن .
2) . مسند أحمد : 1/55 - 56 ؛ وقد ذُكر السقيفة برواية عمر بن الخطاب - كما مرّ أو باختصار وتغيير - في غير واحد من كتب العامة مثل : العقد الفريد : 4/257 ؛ سنن البيهقى : 8/142 ؛ تاريخ الطبري : 2/445 ط دار التراث : 3/203 - 206 ؛ سيرة ابن هشام : 4/1071 ؛ صحيح البخاري : 8/25 - 28 ؛ البداية والنهاية : 5/265 - 267 ؛ كنز العمال : 5/645 - 648 ؛ تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر : 30/280 - 285 ؛ صفوة الصفوة : 1/254 ؛ الكامل لابن الأثير : 2/327 ؛ جامع الأحاديث : 13/263 .
3) . كشف المحجّة ، وعنه في بحار الأنوار : 30/10 - 11 ؛ المسترشد : 410 - 412 ؛ مثالب النواصب : 143 الخطّية ؛ وراجع : لوامع الأنوار : 1/221 ، العقد النضيد لمحمد بن الحسن القمي (القرن السابع) : 128 .
4) . بحار الأنوار : 30/290 - 291 .
قال البراء بن عازب : لمّا قبض رسول اللّه صلى الله عليه و آله تخوّفت أن يتظاهر قريش على إخراج هذا الأمرمن بني هاشم ، فأخذني ما يأخذ الواله الثكول مع مابي من الحزن لوفاة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فجعلت أتردّد وأرمق وجوه الناس ،وقد خلا الهاشميون برسول اللّه صلى الله عليه و آله لغسله وتحنيطه ، وقد بلغني الذي كان من قول سعد بن عبادة ومن اتبعه من جملة أصحابه ، فلم أحفل بهم وعلمت أنّه لا يؤول إلى شيء ، فجعلت أتردّد بينهم وبين المسجد وأتفقّد وجوه قريش ، وكأنّي لكذلك إذ فقدت أبا بكر وعمر ، ثمّ لم ألبث حتّى إذا أنا بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة قد أقبلوا في أهل السقيفة وهم محتجزون بالأُزر الصنعانية ، لا يمرّ بهم أحد إلاّ خبطوه ، فإذا عرفوه مدّوا يده على يد أبي بكر شاء ذلك أم أبى ! .. فأنكرت عند ذلك عقلي جزعاً منه مع المصيبة برسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فخرجت مسرعاً حتّى أتيت المسجد ، ثمّ أتيت بني هاشم والباب مغلق دونهم ، فضربت الباب ضرباً عنيفاً ، وقلت : يا أهل البيت ! .. فخرج إليّ الفضل بن العباس ، فقلت : قد بايع الناس أبا بكر ! فقال العباس : قد تربت أيديكم منها آخر الدهر .(1)وفي رواية : ثمّ إنّ عمر احتزم بإزاره وجعل يطوف بالمدينة وينادي : إنّ أبا بكر قد بويع له فهلمّوا إلى البيعة .. فينثال الناس فيبايعون ، فعرف أنّ جماعة في بيوت مستترون ، فكان يقصدهم في جمع فيكبسهم ويحضرهم في المسجد فيبايعون .(2)
قال الشيخ المفيد : روى أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي ، عن محمّد بن سائب الكلبي وأبي صالح ، ورواه أيضاً عن رجاله ، عن زائدة بن قدامة ، قال : كان جماعة من الأعراب قد دخلوا المدينة ليمتاروا منها ، فشغل الناس عنهم بموت رسول اللّه صلى الله عليه و آله فشهدوا البيعة وحضروا الأمر فأنفذ إليهم عمر واستدعاهم ، وقال لهم : خذوا بالحظّ
والمعونة على بيعة خليفة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، واخرجوا إلى الناس واحشروهم ليبايعوا فمن امتنع فاضربوا رأسه وجبينه ..
قال : فواللّه لقد رأيت الأعراب قد تحزّموا واتّشحوا بالأُزر الصنعانية وأخذوا بأيديهم الخشب وخرجوا حتّى خبطوا النّاس خبطاً ، وجاؤوا بهم مكرهين إلى البيعة ..
ثم قال الشيخ المفيد : وأمثال ما ذكرناه من الأخبار في قهر الناس على بيعة أبي بكر وحملهم عليها بالاضطرار كثيرة ، ولو رمنا إيرادها لم يتّسع لهذا الكتاب .(1)
وقال الجوهري عند ذكر السقيفة : فوثب رجل من الأنصار فقال : أنا جذيلها المحكّك ، وعذيقها المرجّب .. فأُخذ ووُطى ءَ في بطنه ودسّوا في فيه التراب !!(2)
وقال يحيى بن الحسين الهاشمي ( الهادي الزيدي ) (المتوفّي 298) : ثمّ نهض أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح ومن نهض معهم من أهل السقيفة محتزمين بالأُزر معهم المخاصر ، لا يمرّون بأحد ولا يلقونه إلاّ خبطوه وقالوا : بايع ! .. من غير أن يشاور أو يعلم خبراً ..فأين الإجماع من هذا الفعل ؟ !(3)
وقال ابن شهرآشوب المازندراني : ورُوي : أنّه [أي أبا سفيان] دخل المسجد ، فإذا القوم قد أقبلوا بأجمعهم وهم يعترضون كلّ من رأوه فيقدّمونه يبايع ، شاء ذلك أم أبى !! ..(4)
بل ترى إشارة عابرة إلى ذلك في كلام عايشة ، فقد روى البخاري عنها حديث السقيفة .. وفيها : قالت : لقد خوّف عمر الناس وإن فيهم لنفاقاً .. فردّهم اللّه بذلك .(5)
لقد حاول جمع كثير من العامّة كتمان تخلّف من تخلّف عن بيعة أبي بكر وإثبات إجماع المسلمين عليها ورضاهم بها ، إذ بنوا مشروعية خلافته واغتصابه على هذا الإجماع المدعى عندهم ، لادّعائهم أنّ النبي صلى الله عليه و آله قال : لا تجتمع أُمّتي على الضلال ! .. ولذلك اضطرّوا إلى القول بأنّه : ما خالف على أبي بكر أحد إلاّ مرتدّ أو من كان قد ارتدّ !!(1)
والمتتبِّع في كتب أهل السنّة يجدها مشحونة بذكر تخلّف وجوه الأصحاب وعدم رضاهم بالبيعة .
روى البخاري ومسلم والطبري .. وغيرهم أنّ أمير المؤمنين عليه السلام وبني هاشم جميعاً لم يبايعوا أبا بكر في حياة فاطمة عليهاالسلام ..(2)
وذكر تخلّفه عليه السلام في غير هذه الرواية أيضاً راجع : المختصر في تاريخ البشر : 1/156 ؛ النهاية لابن الأثير : 2/68 ؛ تاريخ الطبري : 3/205 ؛ نور الأبصار : 60 ؛ الكامل لأبن الأثير : 2/325 ؛ تتمة المختصر : 1/215 ، 249 ؛ البداية والنهاية : 5/307 ؛ صفوة الصفوة : 1/254 ؛ كتاب الردّة للواقدي : 47 ؛ الثقات لابن حبان : 2 / 161 ؛ السيرة النبوية وأخبار الخلفاء ، له : 426 ؛ تاريخ اليعقوبي : 2/126 ؛ العقد الفريد : 4/260 ؛ نهاية الإرب : 19/40 ؛ السيرة النبوية لابن هشام : 4/308 - 310 ؛ سمط النجوم العوالي : 2/247 ، 251 .. وغيرها .
وقال أحمد بن سعيد الشماخي القرن التاسع : فبايعه علي عليه السلام بعد ستة أشهر وبعد موت فاطمة عليهاالسلام . وقيل : بعد مخاطبات ومراجعات ! لاحظ : كتاب السير : 1 / 15 ( الأوفست من طبع عمان ) .
أي ستّة أشهر على رواياتهم .قال المقدسي : ولم يبايع علي عليه السلام أبا بكر مالم يدفن فاطمة عليهاالسلام ، وذكر ابن دأب(3)
1) . انظر : تاريخ الطبري : 3/207 ؛ بل هذا هو السرّ في نسبة الارتداد إلى مالك بن نويرة وأشباهه و إن سمّوهم ب- : أهل الردّة . . أو تاركي الزكاة .. وأشباه ذلك ، والمقام لا يسع التفصيل ، راجع : بحار الأنوار : 30/471 - 495 .
2) . راجع : صحيح البخاري : 5/82 - 83 ؛ صحيح مسلم : 5/153 - 154 ؛ السنن للبيهقي : 6/300 ؛ تاريخ الطبري : 3/208 ؛ الكامل لابن الأثير : 2/331 ؛ كفاية الطالب : 370 ؛ السيرة الحلبية : 3/360 ؛ شرح مسلم للنووي : 12/77 ؛ تاريخ الخميس : 2/174 ؛ المصنف ، لعبد الرزّاق : 5/472 ؛ الرياض النضرة : 1/243 ؛ الصواعق المحرقة : 15 ؛ شرح نهج البلاغة : 6/46 .
3) . ابن دأب : عيسى بن يزيد بن دأب ، راوية وخطيب وشاعر ، توفي سنة 171 ، انظر عنه : الأعلام : 5/111 .
أنها ماتت عاتبة على أبي بكر وعمر .(1)
قال المسعودي : لمّا بُويع أبو بكر في يوم السقيفة وجدّدت البيعة له يوم الثلاثاء على العامّة ، خرج عليٌّ عليه السلام فقال : « أفسدتَ علينا أُمورنا ولم تستشر ولم ترع لنا حقّاً ؟! » فقال أبو بكر : بلى ، ولكنّي خشيت الفتنة !(2)وكان للمهاجرين والأنصار يوم السقيفة خطب طويل ومجاذبة في الإمامة ، وخرج سعد بن عبادة ولم يبايع ، ولم يبايعه أحدمن بني هاشم حتّى ماتت فاطمة عليهاالسلام .(3)
وقال اليعقوبي : جاء البراء بن عازب ، فضرب الباب على بني هاشم ، وقال : يا معشر بني هاشم ! .. بويع أبو بكر ؟ ! فقال بعضهم : ما كان المسلمون يحدثون حدثاً نغيب عنه ، ونحن أولى بمحمّد صلى الله عليه و آله ، فقال العباس : فعلوها .. وربّ الكعبة .
وكان المهاجرون والأنصار لا يشكّون في علي عليه السلام ، فلمّا خرجوا من الدار قام الفضل بن العباس ، - وكان لسان قريش - فقال : يا معشر قريش ! إنّه ما حقّت لكمالخلافة بالتمويه ، ونحن أهلها دونكم ، وصاحبنا أولى بها منكم .
وقام عتبة بن أبي لهب فقال :
ما كنت أحسب أن الأمر منصرف *** عن هاشم ثم منها عن أبي الحسن
عن أوّل الناس إيماناً وسابقة *** وأعلم الناس بالقرآن والسنن
وآخر الناس عهداً بالنبي ، ومن *** جبريل عون له في الغسل والكفن
من فيه ما فيهم لا يمترون به *** وليس في القوم ما فيه من الحسن(4)
1) . البدء والتاريخ : 5/20 .
2) . وأشارت إلى ذلك السيدة فاطمة عليهاالسلام في خطبتها فقالت : « وإنّما زعمتم ذلك خوف الفتنة ، « أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيْطَةٌ بِالْكافِرِيْنَ » . . » [ التوبة 9 : 49 . ] . راجع : شرح نهج البلاغة : 16 / 251 .
3) . مروج الذهب : 2/301 .
4) . تاريخ اليعقوبي : 2/124 ، وفي رواية : خرج العباس إلى المسجد وقد اجتمعوا فيه ، فأخذ بعضادتي الباب وأنشد هذه الأشعار كما في مثالب النواصب : 131 الخطّية . ونقل الأبيات عن عتبة أيضاً في المختصر في تاريخ البشر : 1/156 وتتمة المختصر : 2/215 ، ونسبها في غير واحد من المصادر إلى غيره راجع : شرح نهج البلاغة : 6/21 و 13/232 ؛ فرائد السمطين : 2/82 ؛ كتاب سليم : 78 ( الطبعة المحققة : 2 / 576 الحديث الثالث ) ؛ كنز الفوائد : 1/266 - 267 ؛ الارشاد : 1/32 ؛ الجمل : 118 ؛ الفصول المختارة : 268 ؛ إعلام الورى : 184 ؛ روضة الواعظين : 87 ؛ كشف الغمة : 1/67 ؛ الصراط المستقيم : 1/205 ، 236 - 237 ؛ تشييد المطاعن : 1 / 457 - 458 ، عن حاشية تفسير البيضاوي للإسفرايني في قوله تعالى : « وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِلاْدَم .. » ؛ وعن العراقي في التقييد والإيضاح ... نقلاً عن المرزباني ؛ وعن ابن عبد البرّ في الاستيعاب في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام ؛ قصص الأنبياء للجزائري : 194 ؛ المقنع للسدآبادي : 129 ، وذكر فيه: 120 - 131 ، أشعاراً لعدّة من المخالفين للبيعة ، فراجع.
وروى الزبير بن بكار عن محمّد بن إسحاق أنه قال : إن أبا بكر لمّا بويع افتخرت تيم بن مرّة !!
قال : وكان عامّة المهاجرين وجلّ الأنصار لا يشكّون أنّ علياً هو صاحب الأمر بعد رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فقال الفضل بن العباس : يا معشر قريش ! وخصوصاً يا بني تيم ! إنّكم إنّما أخذتم الخلافة بالنبوة ونحن أهلها دونكم ، ولو طالبنا هذا الأمر الذي نحن أهله لكانت كراهة الناس لنا أعظم من كراهتهم لغيرنا حسداً منهم لنا وحقداً علينا ، وإنّا لنعلم إنّ عند صاحبنا عهداً هو ينتهي إليه .(1)
وروى - أيضاً - الزبير بن بكار ضمن رواية : قال زيد بن أرقم : إنا لنعلم إنّ منقريش من لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد .. علي بن أبي طالب عليه السلام .(2)
وذكر الواقدي أن زيد بن أرقم قال - عقيب بيعة السقيفة لعبد الرّحمن بن عوف - : يا ابن عوف ! لولا أن علي بن أبي طالب وغيره من بني هاشم اشتغلوا بدفن النبي صلى الله عليه و آله وبحزنهم عليه فجلسوا في منازلهم ما طمع فيها من طمع !!(3)
قال اليعقوبي : وتخلّف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار ومالوا مع علي بن أبي طالب عليه السلام ، منهم العباس بن عبد المطلب ، والفضل بن العباس ، والزبير بن العوام ، وخالد بن سعيد ، والمقداد بن عمرو ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ،
وعمار بن ياسر ، والبراء بن عازب ، وأُبيّ ابن كعب ..(1)وغيرهم .(2)
بل يظهر من عبارة بعض العامة تخلّف جمع كثير ، قال ابن عبد البرّ : وتخلف عن بيعته سعد بن عبادة وطائفة من الخزرج وفرقة من قريش .. ثم ذكر علياً عليه السلام والزبير
وطلحة وخالد بن سعيد .. .(3)
وقال محب الدين الطبري : وتخلّف ... سعد بن عبادة في طائفة من الخزرج وعلي بن أبي طالب وابناه عليهم السلام وبنو هاشم والزبير وطلحة وسلمان وعمار وأبوذروالمقداد .. وغيرهم من المهاجرين ، وخالد بن سعيد بن العاص .(4)
وقال محمّد أبو الفضل محمّد - من أعلام العامة في القرن الثامن والتاسع - : إنّ علياً عليه السلام كان في غاية الشجاعة ومعه فاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وكثير من أكابر الصحابة ، حتى روي عنهم أنّه اجتمع عنده سبعمائة من الأكابر مريدين إمامته .. إلى أن قال : أجاب الشيعة : بأنه وإن كان معه سبعمائة لكن جميع عوام الصحابة مع أبي بكر ، وكانوا أكثر من ثلاثين ألفاً فأين القدرة .. ؟!(5)
ثم إنّ اثني عشر رجلاً من المهاجرين والأنصار أنكروا على أبي بكر جلوسه في الخلافة وتقدّمه على عليّ بن أبي طالب عليه السلام .(6)
1) . تاريخ اليعقوبي : 2 / 124 ؛ المختصر في تاريخ البشر : 1 / 156 ؛ تتمة المختصر : 1 / 215 وراجع أيضاً : أنساب الأشراف : 1 / 588 ط دار الفكر : 270 - 271 ؛ البدء والتاريخ : 5 / 95 ؛ تاريخ الطبري : 3 / 387 - 388 ؛ السيرة النبوية : 4 / 656 (ط دار المعرفة ) ؛ العقد الفريد : 4 / 259 ؛ أسد الغابة : 1 / 37 و 3/222 ؛ تاريخ الخميس : 2 / 169 ؛ نهاية الأرب : 19 / 39 - 40 .. وغيرها وقد ذكر في أخبار الموفقيات : 590 تخلف غير واحد منهم .
2) . تجد تخلّف سعد بن عبادة ، وأبي سفيان ، وأبان بن سعيد .. وغيرهم في غير واحد من كتب الفريقين ، بل في كتب الشيعة ذكروا جمعاً كثيراً منهم ، راجع : عيون اخبار الرضا عليه السلام : 2/126 ؛ وعنه في بحار الأنوار : 10/358 ، مثالب النواصب : 127 - 128 الخطّية ؛ تحفة الأبرار : 261 - 262 ؛ الكشكول للآملي : 138 - 140 .
3) . الاستيعاب : 3/937 ، ط دار الجيل .
4) . الرياض النضرة : 1/241 .
5) . قاموس البحرين : 337 نشر ميراث مكتوب .
6) . ذكر غير واحد من مؤلّفينا إنكار عدّة من الأصحاب على أبي بكر ، وقد نقله السيد ابن طاووس رحمه الله عن بعض علماء العامّة ، وقال : روته الشيعة متواترين . والظاهر وقوع هذا الإنكار والاحتجاج بعد الهجوم على بيت فاطمة عليهاالسلام ، إذ ورد في بعض رواياته إشارة أمير المؤمنين عليه السلام إلى إخراجه ملبّباً . ونحن نذكر تلفيقاً من الروايات في ذلك عن مولانا الصادق عليه السلام وعن زيد بن وهب ونعتذر عن عدم إيراد كلمات المنكرين واحتجاجاتهم ، إذ لا نريد أن يملّ القارئ العزيز بطولها ، فمن أراد الوقوف عليها يراجع المصادر الآتية ..
من المهاجرين ؛ خالد بن سعيد بن العاص ،(1)والمقداد بن الأسود ، وأُبيّ بن كعب ، وعمّار بن ياسر ، وأبو ذر الغفاري ، وسلمان الفارسي ، وعبد اللّه بن مسعود ،(2)وبريدة الأسلمي .
ومن الأنصار ؛ خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، وسهل بن حنيف ، وأبو أيوب الأنصاري ، وأبو الهيثم بن التيهان .(3)
فلمّا صعد أبو بكر المنبر تشاوروا بينهم في أمره ، فقال بعضهم : هلاّ نأتيه فننزلهعن منبر رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وقال آخرون : إن فعلتم ذلك أعنتم على أنفسكم ، وقد قال اللّه عزّ وجلّ : « وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ »(4)ولكن امضوا بنا إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام نستشيره ونستطلع أمره ، فأتوا عليّاً عليه السلام ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ! ضيّعت نفسك .. وتركت حقّاً أنت أولى به ! .. وقد أردنا أن نأتي الرجل فننزله عن منبر رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فإنّ الحقّ حقّك وأنت أولى بالأمر منه ، لأنّا سمعنا رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول : « عليٌّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ يميل مع الحقّ كيف مال » ، فكرهنا أن ننزله من دون مشاورتك .
فقال لهم علي عليه السلام : « لو فعلتم ذلك ما كنتم إلاّ حرباً لهم ، ولا كنتم إلاّ كالكحل في العين ، أو كالملح في الزاد ، وقد اتفقت عليه الأُمّة التاركة لقول نبيّها ، والكاذبة على ربّها ، ولقد شاورت في ذلك أهل بيتي فأبوا إلاّ السكوت لما يعلمون من وغر صدور
1) . وذكر في كتاب اليقين بدل خالد أخاه عمرو .
2) . وفي الاحتجاج : عثمان بن حنيف بدل : ابن مسعود ؛ وفي رجال البرقي : قيس بن سعد .
3) . وروي أنّهم كانوا غيباً عند وفاة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فقدموا وقد تولّى أبو بكر ، وهم يومئذ أعلام مسجد رسول اللّه صلى الله عليه و آله.
4) . البقرة 2 : 195 .
القوم وبغضهم للّه عزّ وجلّ ولأهل بيت نبيّه .. وإنّهم يطالبون بثارات الجاهليّة ، واللّه لو فعلتم ذلك لشهّروا سيوفهم مستعدّين للحرب والقتال كما فعلوا ذلك حتّى قهروني وغلبوني على نفسي ولبّبوني وقالوا لي : بايع وإلاّ قتلناك !! فلم أجد حيلة إلاّ أنّ أدفع القوم عن نفسي ، وذاك أنّي ذكرت قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « يا عليّ ! إنّ القوم نقضوا أمرك ، واستبدّوا بها دونك وعصوني فيك ، فعليك بالصبر حتّى ينزل اللّه الأمر ، وإنّهم سيغدرون بك لا محالة فلا تجعل لهم سبيلاً إلى إذلالك وسفك دمك ، فإنّ الأُمّة ستغدر بك بعدي .. كذلك أخبرني جبرئيل عليه السلام من ربّي تبارك وتعالى » .
وفي رواية : « وإنّك منّي بمنزلة هارون من موسى ، وإنّ الأُمّة من بعدي بمنزلة هارون ومن اتبعه والسامري ومن اتبعه ، فقلت : يا رسول اللّه ! فما تعهد إليّ إذا كان ذلك ؟ فقال : إن وجدتَ أعواناً فبادر إليهم وجاهدهم ، وإن لم تجد أعواناً كفّ يدك واحقن حتّى تلحق بي مظلوماً .. »
« ولمّا تُوفّي رسول اللّه صلى الله عليه و آله اشتغلت بغسله وتكفينه والفراغ من شأنه ، ثمّ آليتيميناً أن لا أرتدي إلاّ للصلاة حتّى أجمع القرآن .. ففعلت ، ثمّ أخذت بيد فاطمة وابنيّ الحسن والحسين عليهماالسلام فدرت على أهل بدر وأهل السابقة فناشدتهم حقّي ودعوتهم إلى نصرتي ، فما أجابني منهم إلاّ أربعة رهط منهم : سلمان ، وعمار ، والمقداد وأبو ذر .. فانطلقوا بأجمعكم إلى الرجل فعرّفوه ما سمعتم من قول رسولكم صلى الله عليه و آله ولا تدعوه في الشبهة من أمره ليكون ذلك أوكد للحجّة ، وأبلغ للعذر ، وأبعد لهم من رسول اللّه صلى الله عليه و آله إذا وردوا عليه » .
فسار القوم حتّى أحدقوا بمنبر رسول اللّه صلى الله عليه و آله - وكان يوم الجمعة - ، فلمّا صعد أبو بكر قاموا وتكلّموا ببيانات شافية وافية ، فأوّل من تكلّم كان خالد بن سعيد بن العاص ، وقال : اتّق اللّه يا أبا بكر ! فقد علمت أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال - ونحن محتوشوه يوم قريظة ، حين فتح اللّه له وقد قَتَل علي عليه السلام يومئذ عدّة من صناديد رجالهم وأُولي البأس والنجدة منهم - : « يا معاشر المهاجرين والأنصار ! إنّي موصّيكم بوصية فاحفظوها ، ومودّعكم أمراً فاحفظوه ، ألا إنّ علي بن أبي طالب عليه السلام أميركم ، بعدي
وخليفتي فيكم ، بذلك أوصاني ربّي ، ألا وإنّكم إن لم تحفظوا فيه وصيّتي وتوازروه وتنصروه اختلفتم في أحكامكم ، واضطرب عليكم أمر دينكم ، ووليكم شراركم ، ألا إنّ أهل بيتي هم الوارثون لأمري ، والعالمون بأمر أُمّتي من بعدي ، اللّهمّ من أطاعهم من أُمّتي وحفظ فيهم وصيّتي فاحشرهم في زمرتي ، واجعل لهم نصيباً من مرافقتي ، يدركون به نور الآخرة ، اللّهمّ ومن أساء خلافتي في أهل بيتي فاحرمه الجنّة التي عرضها كعرض السماء والأرض » .
فقال له عمر بن الخطّاب : اسكت يا خالد ! فلست من أهل المشورة ولا ممن يقتدى برأيه ، فقال خالد : اسكت - يا ابن الخطاب ! - فإنّك تنطق عن لسان غيرك ، وأيم اللّه لقد عَلمَتْ قريش إنّك من ألأمها حسباً ، وأدناها منصباً ، وأخسّها قدراً ، وأخملها ذكراً ، وأقلّهم غناءً عن اللّه ورسوله ، وإنّك لجبان في الحروب ، بخيل بالمال ، لئيم العنصر ، ما لك في قريش من فخر ولا في الحروب من ذكر ، وإنّك في هذا الأمربمنزلة « الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللّه َ رَبَّ الْعالَمِينَ * فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ » .(1)
فأبلس عمر ، وجلس خالد بن سعيد .
ثم احتجّ عليه بقية المهاجرين والأنصار ..
قال الصادق عليه السلام : « فأُفحم أبو بكر على المنبر حتّى لم يُحر جواباً ، ثمّ قال : ولّيتكم ولست بخيركم أقيلوني أقيلوني . فقال عمر بن الخطاب : انزل عنها - يا لكع ! - إذا كنت لا تقوم بحجج قريش لِمَ أقمت نفسك هذا المقام ؟ واللّه لقد هممت أن أخلعك وأجعلها في سالم مولى أبي حذيفة » .
« فنزل ثمّ أخذ بيده وانطلق إلى منزله ، وبقوا ثلاثة أيام لا يدخلون مسجد رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فلمّا كان في اليوم الرابع جاءهم خالد بن الوليد ومعه ألف رجل وقال لهم : ما جلوسكم ؟ فقد طمع فيها - واللّه - بنو هاشم .. وجاءهم سالم مولى أبي حذيفة
1) . الحشر 59 : 16 - 17 .
ومعه ألف رجل .. وجاءهم معاذ بن جبل ومعه ألف رجل .. فما زال يجتمع رجل رجل حتّى اجتمع أربعة آلاف رجل ، فخرجوا شاهرين أسيافهم يقدمهم عمر بن الخطاب ، حتى وقفوا بمسجد النبي صلى الله عليه و آله ، فقال عمر : واللّه يا صحابة عليّ ! لئن ذهب الرجل منكم يتكلّم بالذي تكلّم به بالأمس لنأخذن الذي فيه عيناه . فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص ... [ وجرى بينهما كلام ] ، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : « اجلس - يا خالد ! - فقد عرف اللّه مقامك وشكر لك سعيك » ، فجلس ، وقام إليه سلمان الفارسي ... [ فتكلّم ] ، فهمّ به عمر بن الخطاب فوثب إليه أمير المؤمنين عليه السلام وأخذ بمجامع ثوبه ثمّ جلد به الأرض ، ثمّ قال : « يا ابن صهاك الحبشية ! لولا كتاب من اللّه سبق وعهد من رسول اللّه صلى الله عليه و آله تقدّم لأريتك أيّنا أضعف ناصراً وأقلّ عدداً » ، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال : « انصرفوا رحمكم اللّه ، فواللّه لا دخلت المسجد إلاّ كما دخل أخواي موسىوهارون إذ قال له أصحابه : [ ف- ]« إِذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ » ،(1)واللّه لا أدخل إلاّ لزيارة رسول اللّه صلى الله عليه و آله أو لقضية أقضيها فإنّه لا يجوز لحجّة أقامه رسول اللّه صلى الله عليه و آله أن يترك الناس في حيرة » .(2)
روى الجوهري عن جرير بن المغيرة : إنّ سلمان والزبير والأنصار كان هواهم
1) . المائدة 5 : 24 .
2) . راجع : رجال البرقي : 63 - 66 ؛ الخصال : 461 - 465 ، وعنه في بحار الأنوار : 28/208 - 214 ؛ الاحتجاج : 75 - 80 ، وعنه في بحار الأنوار : 28/189 - 203 ؛ اليقين : 235 - 242 ، وعنه في بحار الأنوار : 28/214 - 219 ؛ إبطال الاختيار للحسين بن جبر ، وعنه في الصراط المستقيم : 2/79 - 84 ؛ وحفيده علي بن جبر القرن السابع في نهج الإيمان : 578 - 589 ، وقال : ذلك بينهم معروف مشهور لا خفاء به ولا تناكر فيه ؛ حقائق المعرفة ، لأحمد بن سليمان اليمني الزيدي (المتوفّى 566) ، وعنه في أنوار اليقين : 386 - 388 ، وشفاء صدور النّاس : 481 - 484 ؛ وبهجة المباهج : 264 - 271 ، عن الصفواني (القرن الرابع) ، والدر النظيم : 441 - 447 ، وأشار إلى احتجاجهم الشيخ المفيد رحمه الله في الإفصاح : 48 ، والهادي الزيدي في تثبيت الإمامة : 14 - 15 ، ورواه مختصراً في مثالب النواصب : 127 ( الخطّية ) ، ونقل عن ابن أبي جمهور الأحسائي شهرته ، راجع : مجالس المؤمنين : 1/858 .
أن يبايعوا عليّاً عليه السلام .(1)
وروى ابن أبي الحديد عن الزبير بن بكّار : لمّا بويع أبو بكر واستقرّ أمره ندم قوم كثير من الأنصار على بيعته ، ولام بعضهم بعضاً ، وذكروا علي بن أبي طالب عليه السلام ، وهتفوا باسمه وأنّه في داره لم يخرج إليهم ، وجزع لذلك المهاجرون ! .. وكثر في ذلك الكلام .(2)
وفي رواية أُخرى عنه - بعد ذكر البيعة لأبي بكر يوم الوفاة - : فلمّا كان آخر النهار افترقوا إلى منازلهم فاجتمع قوم من الأنصار وقوم من المهاجرين فتعاتبوافي ما بينهم .. .(3)
ويظهر من رواية البراء بن عازب - أيضاً - أنّ جماعة من الأصحاب اجتمعوا في تلك الليلّة - أي الليلة الأُولى من وفاة النبي صلى الله عليه و آله - وتكلّموا حول مسألة الخلافة ، وأرادوا الوقوف أمام دسيسة القوم وإبطال مخططهم في البيعة لأبي بكر ، إلاّ أنّهم لم يقدروا على ذلك .
روى سليم بن قيس والجوهري في كتابه السقيفة عن البَرَاء بن عازب ضمن رواية : .. فلمّا كان الليل خرجت إلى المسجد فلمّا صرت فيه تذكّرت أنّي كنت أسمع همهمة رسول اللّه صلى الله عليه و آله بالقرآن ، فانبعثت من مكاني ، فخرجت نحو الفضاء ، فوجدت نفراً يتناجون ، فلمّا دنوت منهم سكتوا ، فانصرفت عنهم فعرفوني وما عرفتهم ، فدعوني فأتيتهم وإذا المقداد وأبوذر وسلمان وعمّار بن ياسر وعبادة بن الصامت وحذيفة بن اليمان والزبير بن العوام ، وحذيفة يقول : واللّه ليفعلنّ ما أخبرتكم به .. فواللّه ما كذبت ولا كذّبت ، وإذا القوم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين والأنصار ، فقال حذيفة : انطلقوا بنا إلى أُبي بن كعب فقد علم مثل ما علمت ..
فانطلقوا إلى أُبي بن كعب وضربنا عليه بابه ، فأتى حتّى صار خلف الباب ، ثمّ قال : من أنتم ؟ فكلّمه المقداد ، فقال : ما جاء بك ؟ فقال : افتح فإنّ الأمر الذي جئنا فيه أعظم من أن يجري وراء الباب ، فقال : ما أنا بفاتح بابي ، وقد علمت ما جئتم له ، وما
أنا بفاتح بابي ، كأنكم أردتم النظر في هذا العقد ؟ فقلنا : نعم ، فقال : أفيكم حذيفة ؟! فقلنا : نعم ، فقال : القول ما قال حذيفة ، فأمّا أنا فلا أفتح بابي حتى يجري عليّ ما هو جار عليه ، وما يكون بعدها شرّ منها ، وإلى اللّه - جلّ ثناؤه - المشتكى . قال : فرجعوا ، ثمّ دخل أُبي بن كعب بيته .(1)وجاء جماعة من المهاجرين والأنصار - وفي رواية : أربعون رجلاً - إلى أمير المؤمنين عليه السلام يدعونه إلى البيعة ، فقالوا له : أنت - واللّه - أمير المؤمنين .. وأنت - واللّه - أحقّ الناس وأولاهم بالنبي صلى الله عليه و آله .. هلمّ يدك نبايعك ؛ فواللّه لنموتنّ قدّامك ، لا واللّه لا نعطي أحداً طاعة بعدك . قال عليه السلام : « ولم ؟ » قالوا : إنّا سمعنا من رسول اللّه صلى الله عليه و آله فيك يوم غدير . قال عليه السلام : « وتفعلون ؟ » قالوا : نعم . قال عليه السلام : « إن كنتم صادقين فاغدوا عليّ غداً محلّقين .. » . فما أتاه إلاّ سلمان وأبوذر والمقداد ، وفي بعض الروايات : الزبير ، وفي بعضها : جاء عمّار بعد الظهر فضرب يده على صدره ، ثم قال له : « ما آن لك أن تستيقظ من نومة الغفلة ؟! ارجعوا ، فلا حاجة لي فيكم ، أنتم لم تطيعوني في حلق الرأس ، فكيف تطيعوني في قتال جبال الحديد ! ؟ » .(2)
كان موقف الخليفة والحزب الظافر في قبال هؤلاء المتخلّفين وغيرهم ، - ولاسيّما الذين يرون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وحده هو الذي يستحقّ الخلافة دون
1) . كتاب سليم : 75 - 76 ( الطبعة المحققة : 2 / 574 - 571 الحديث الثالث ) ؛ وعنه في بحار الأنوار : 28/287 - 291 ؛ شرح نهج البلاغة : 1/219 - 220 ، و 2/51 - 52 .
2) . راجع : تاريخ اليعقوبي : 2/126 ؛ كتاب سليم : 130 - 131 الطبعة المحققة : 2 / 669 الحديث الثاني عشر ؛ الاختصاص : 6 ؛ المناقب لابن شهرآشوب : 3/194 ، 256 ؛ روضة الواعظين : 282 ؛ إرشاد القلوب : 397 ؛ رجال الكشي : 1/38 ؛ بحار الأنوار : 22/341 - 342 و 28/236 ، 259 و 29/471 .
غيره - أن يفرّقوا بينهم ، فالعبّاس مثلاً يُخدع بتطميعه ، ثمّ الآخرون يُكرهون على البيعة بالتهديد والإرهاب أو القتل ولو بواسطة الجن ! ..
قال اليعقوبي : وتخلّف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار ، ومالوا مع علي بن أبي طالب ، فأرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطاب ، وأبي عبيدة ابن الجراح ، والمغيرة بن شعبة ، فقال : ما الرأي ؟ قالوا : الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطلب ، فتجعل له في هذا الأمر نصيباً يكون له ولعقبه من بعده ، فتقطعون به ناحية علي بن أبي طالب حجّة لكم على عليٍّ ، إذا مال معكم . فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح والمغيرة حتّى دخلوا على العباس ليلاً ، فحمد أبو بكر اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : إنّ اللّه بعث محمداً نبياً وللمؤمنين وليّاً ، فمنّ عليهم بكونه بين أظهرهم ، حتى اختار لهما عنده ، فخلّى على النّاس أُموراً ليختاروا لأنفسهم في مصلحتهم مشفقين ، فاختاروني عليهم والياً ولأُمورهم راعياً ، فوليت ذلك ، وما أخاف بعون اللّه وتشديده وهناً ، ولا حيرة ، ولا جبناً « وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ »(1)وما أنفكّ(2)يبلغني عن طاعن يقول الخلاف على عامّة المسلين ، يتّخذكم لجأً ، فتكون حصنه المنيع ، وخطبه البديع . فإمّا دخلتم مع الناس في ما اجتمعوا عليه ، وإمّا صرفتموهم عمّا مالوا إليه ، ولقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيباً يكون لك ، ويكون لمن بعدك من عقبك إذ كنت عمّ رسول اللّه - وإن كان الناس قد رأوا مكانك ومكان صاحبك فعدلوا الأمر عنكم - وعلى رسلكم بني هاشم ، فإنّ رسول اللّه منّا ومنكم .
فقال عمر بن الخطاب : إي واللّه وأُخرى ، إنّا لم نأتكم لحاجة إليكم ولكن كرهاً أن يكون الطعن في ما اجتمع عليه المسلمون منكم ، فيتفاقم الخطب بكم وبهم ، فانظروا لأنفسكم .
فحمد العباس اللّه وأثنى عليه ، وقال : إنّ اللّه بعث محمّداً - كما وصفت - نبياً وللمؤمنين وليّاً ، فمنَّ على أُمّته به ، حتّى قبضه اللّه إليه ، واختار له ما عنده ، فخلّى على المسلمين أُمورهم ليختاروا لأنفسهم مصيبين الحقّ ، لا مائلين عنه بزيغ الهوى ، فإن كنت برسول اللّه طلبت فحقّنا أخذت ، وإن كنت بالمؤمنين طلبت فنحن منهم ، فما تقدّمنا في أمرك فرضا ،(1)ولا حللنا وسطاً ، ولا برحنا سخطاً .(2)
وإن كان هذا الأمر إنّما وجب لك بالمؤمنين ، فما وجب إذ كنّا كارهين . ما أبعد قولك من : أنّهم طعنوا عليك من قولك : إنّهم اختاروك ومالوا إليك ؛ وما أبعد تسميتكب- :خليفة رسول اللّه من قولك : خلّى على الناس أُمورهم ليختاروا فاختاروك !
فأمّا ما قلت: إنك تجعله لي ،(3)فإن كان حقّا للمؤمنين، فليس لك أن تحكم فيه ، وإن كان لنا فلم نرض ببعضه دون بعض، وعلى رسلك، فإنّ رسول اللّه من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها!..(4)فخرجوا من عنده .(5)
أقول : الظاهر أنّ لسياسة التطميع كانت مدخلية في تمامية الأمر بالنسبة إلى سائر الناس أيضاً ، فقد روى السيوطي عن مجاهد : أنّ أبا بكر قال في خطبته : إنّي لأرجو أن تشبعوا من الجبن والزيت !..(6)
وخاطب الأنصار - بعد خطبة الزهراء عليهاالسلام - فقال: .. فاغدوا على أعطياتكم!..(7)
وقد نقل غير واحد من العامّة عن القاسم بن محمّد ، قال : .. فلمّا اجتمع الناس
1) . خ . ل : فرطا .
2) . خ . ل : ولا نزحنا شحطاً .
3) . خ . ل : فإن كان هذا الأمر لك خاصّة فأمسك عليك ، فلسنا محتاجين إليك .
4) . خ . ل : وأمّا قولك : إنّا نخاف تفاقم الخطب بكم ، فهذا الذي فعلتموه أوائل ذلك ، واللّه المستعان .
5) . انظر : تاريخ اليعقوبي : 2/124 ؛ كتاب سليم : 77 الطبعة المحققة : 2 / 575 الحديث الثالث ؛ وعنه في بحار الأنوار : 28/291 - 293 ؛ شرح نهج البلاغة : 1/220 - 221 ؛ الإمامة والسياسة : 1/21 ؛ مثالب النواصب : 258 - 260 ( الخطّية ).
6) . جامع الأحاديث : 13/106 .
7) . دلائل الإمامة : 39 .
على أبي بكر قسّم بين الناس قسماً ، فبعث إلى عجوز من بني عدي بن النجار [ قسمها ] مع زيد بن ثابت ، فقالت : ما هذا ؟ قال : قسم قسّمه أبو بكر للنساء ؟
فقالت : أتراشونني عن ديني ؟ فقالوا : لا ، فقالت : أتخافون أن أدع ما أنا عليه ؟ فقالوا : لا ، فقالت : واللّه لا آخذ منه شيئاً أبداً ..(1)
1) . جامع الأحاديث : 13/88 . وراجع شرح نهج البلاغة : 2/53 .
ملحوظة : سبق وأن أشرنا إلى أنا في غالب هذه النصوص المنقولة هنا - أي في الفصل الثالث - قمنا بعملية تجميع مقاطع من مصادر متعددة ثم ضمّ بعضها إلى الآخر ، مشيرين إلى ذلك في الهامش ، فكل مقطوعة يراجع بها مصدرها ، فتدبر .
لمّا فرغ أمير المؤمنين عليه السلام من دفن رسول اللّه صلى الله عليه و آله أقام في منزله بما عهد إليه رسول اللّه صلى الله عليه و آله ،(1)واجتمع إليه جماعة من بني هاشم والأصحاب من المهاجرين والأنصار(2)- كالعبّاس ،(3)والزبير ،(4)والمقداد ،(5)وطلحة ،(6)وسعد بن أبي وقّاص ..(7)- فإنّهم غضبوا من بيعة أبي بكر ،(8)وأرادوا التحيّز عنه وإظهار
1) . اثبات الوصيّة : 145 - 146 .
2) . راجع : تاريخ الطبري : 3/202 ؛ تاريخ اليعقوبي : 2/126 ؛ نهج الحق : 271 .
3) . العقد الفريد : 4/259 .
4) . الطبري : 3/202 ، وذكره كثير من أرباب السيرة .
5) . شرح نهج البلاغة : 2/56 .
6) . تاريخ الطبري : 3/202 ؛ الكامل لابن الأثير : 2/325 ؛ وذكر هؤلاء الأربعة فى السيرة الحلبية : 3/360 .
7) . شرح نهج البلاغة : 2/56 .
8) . الرياض النضرة : 1/241 ؛ تاريخ الخميس : 2/169 .
الخلاف عليه ،(1)وأن يبايعوا أمير المؤمنين عليه السلام .(2)وقد أشار إلى ذلك معاوية في كتابه إلى أمير المؤمنين عليه السلام بقوله : وما يوم المسلمين منك بواحد ، لقد حسدت أبا بكر ! .. والتويت عليه ، ورمت إفساد أمره ، وقعدت في بيتك عنه ، واستغويت عصابة من الناس حتّى تأخروا عن بيعته ..(3)
فذهب إليهم عمر في جماعة ممن بايع ، فيهم أُسيد بن حضير ، وسلمة بن سلامة .. فألفوهم مجتمعين ، فقالوا لهم : بايعوا أبا بكر ! فقد بايعه النّاس ! فوثب الزبير إلى
سيفه ، فقال عمر : عليكم بالكلب فاكفونا شرّه .. فبادر سلمة بن سلامة فانتزع السيف من يده ، فأخذه عمر فضرب به الأرض فكسره ،(4)وأحدقوا بمن كان هناك من بني هاشم ومضوا بجماعتهم إلى أبي بكر ، فلمّا حضروا قالوا : بايعوا أبا بكر ! فقد بايعه الناس ، وأيم اللّه لئن أبيتم ذلك لنحاكمنّكم بالسيف .. فلمّا رأى ذلك بنو هاشم أقبل رجل رجل فجعل يبايع ،(5)حتّى لم يبق ممن حضر إلاّ علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له : بايع أبا بكر ، فقال علي عليه السلام : « أنا أحقّ بهذا الأمر منه وأنتم أولى بالبيعة لي ، أخذتم هذا الأمر من الأنصار ، واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول اللّه صلى الله عليه و آله وتأخذونه منّا أهل البيت غصباً ؟! ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم
1) . الجمل : 117 .
2) . شرح نهج البلاغة : 2/56 .
3) . شرح نهج البلاغة : 15/186 .
4) . أقول : الظاهر ان إخراج الزبير وكسر سيفه إنّما كان في الهجوم الثاني الذي وقع قبل الهجوم الثالث بلحظات يسيرة ، راجع : تاريخ الطبري : 3/203 ؛ الكامل لابن الأثير : 2/325 ؛ شرح نهج البلاغة : 2/45 ، 50 ، 56 و 6/47 - 48 ؛ المسترشد : 378 ، وأمّا في الهجوم الأوّل فقد صرّحوا بعدم مبايعة أمير المؤمنين عليه السلام ، بل قال عليه السلامفي جواب عمر : « إذن واللّه لا أقبل قولك ولا أُبايعه » ، وورد في غير هذه الرواية أيضاً سكوتهم عنه عليه السلام حينذاك ، كما يظهر لمن راجع مصادر الروايات التي أوردناها في الهجوم الأوّل ، وكذا ما في الإيضاح للنيشابوري : 367 والمسترشد للطبري : 381 . فالظاهر - واللّه أعلم - أنّ ذكر إخراج الزبير وكسر سيفه هنا وهم صدر من الرواة بسبب الخلط بين الهجوم الأول والثاني .
5) . لم يذكر ابن أبي الحديد مبايعة بني هاشم لأبي بكر هنا ويعضده ما ذكروه من عدم مبايعة أمير المؤمنين عليه السلاموبني هاشم بأجمعهم في حياة فاطمة عليهاالسلام .. وقد مرّ قريباً .
لمكانكم من رسول اللّه صلى الله عليه و آله فأعطوكم المقادة ، وسلّموا لكم الإمارة ، وأنا أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار ، أنا أولى برسول اللّه صلى الله عليه و آله حيّاً وميّتاً . (وأنا وصيّه ووزيره ، ومستودع سرّه وعلمه ، وأنا الصدِّيق الأكبر ، أوّل من آمن به وصدّقه ، وأحسنكم بلاءا في جهاد المشركين ، وأعرفكم بالكتاب والسنّة ، وأفقهكم في الدِّين ، وأعلمكم بعواقب الأُمور ، وأذربكم لساناً ، وأثبتكم جناناً ، فعلامَ تنازعونا هذا الأمر .. ؟!)(1)أنصفونا - إن كنتم تخافون اللّه - من أنفسكم ، واعرفوا لنا من الأمر مثل ما عرفته الأنصار لكم ، وإلاّ فبوؤا بالظلم وأنتم تعلمون .. ».
(فقال عمر : أما لك بأهل بيتك أُسوة .. ؟! فقال علي عليه السلام : « سلوهم عن ذلك .. » ، فابتدر القوم الذين بايعوا من بني هاشم ، فقالوا : ما بيعتنا بحجّة على علي عليه السلام .. ومعاذ اللّه أن نقول أنّا نوازيه في الهجرة وحسن الجهاد ، والمحل من رسول اللّه صلى الله عليه و آله)(2)فقال
عمر : إنّك لست متروكاً حتّى تبايع طوعاً أو كرهاً . فقال علي عليه السلام : « احلب حلباً لك شطره ، اشدد له اليوم ليردّ عليك غداً ، إذاً واللّه لا أقبل قولك ، ولا أحفل بمقامك .. ولا أُبايع » ، فقال أبو بكر : مهلاً يا أبا الحسن ! ما نشدّد عليك ولا نكرهك . فقام أبو عبيدة إلى علي عليه السلام فقال : يا ابن عم ! لسنا ندفع قرابتك ولا سابقتك ولا علمك ولا نصرتك ولكنّك حدث السنّ - وكان لعليٍّ عليه السلام يومئذ ثلاث وثلاثون سنة - وأبو بكر شيخ من مشايخ قومك ،(3)وهو أحمل لثقل هذا الأمر ، وقد مضى الأمر بما فيه ، فسلِّم له ، فإن عمّرك اللّه لسلّموا هذا الأمر إليك ، ولا يختلف عليك اثنان بعد هذا إلاّ وأنت به خليق وله حقيق ... (ولا تبعث الفتنة قبل أوان الفتنة ، قد عرفت ما في قلوب العرب وغيرهم عليك) .(4)
فقال أمير المؤمنين عليه السلام : « يا معاشر المهاجرين والأنصار ! اللّه اللّه (لا تنسوا عهد
1) و 2 . ما بين القوسين لا يوجد في شرح نهج البلاغة و الإمامة والسياسة .
3) . ذكره ابن قتيبة وابن أبي الحديد هكذا : هؤلاء مشيخة قومك ، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأُمور ! . . وفي هذا الكلام إشارة إلى حكومة " الحزب " دون شخص أبي بكر ، فتدبّر .
4) . ما بين القوسين لا يوجد في شرح نهج البلاغة والإمامة والسياسة .
نبيّكم إليكم في أمري و)(1)لا تخرجوا سلطان محمّد من داره وقعر بيته إلى دوركم وقعر بيوتكم وتدفعوا أهله عن حقّه ومقامه في الناس ، يا معاشر الجمع ! (إنّ اللّه قضى وحكم ونبيّه أعلم وأنتم تعلمون)(2)إنّا أهل البيت أحقّ بهذا الأمر منكم ، أما كان منّا القارئ لكتاب اللّه ، الفقيه في دين اللّه ، المضطلع بأمر الرعية ؟ واللّه إنّه لفينا لا فيكم ، فلا تتبعوا الهوى فتزدادوا من الحقّ بعداً ، وتفسدوا قديمكم بشرّ من حديثكم . فقال بشير بن سعد الأنصاري ( - الذي وطّأ الأمر لأبي بكر - وقالت جماعة الأنصار) :(3)يا أبا الحسن ! لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك قبل الانضمام لأبي بكر ما اختلف فيك اثنان .
( .. فقال علي عليه السلام : « يا هؤلاء ! أكنتُ أدع رسول اللّه صلى الله عليه و آله مسجّى لا أُواريه وأخرج أُنازع في سلطانه ؟!! ») .(4)
وفي رواية : « لَبيعتي كانت قبل بيعة أبي بكر ، شهدها رسول اللّه صلى الله عليه و آله وأمر اللّه بها ، أو ليس قد بايعني ؟! ... فما بالهما يدّعيان ما ليس لهما وليسا بأهله » .(5)
(« واللّه ما خفت أحداً يسمو له وينازعنا أهل البيت فيه ويستحلّ ما استحللتموه ، ولا علمت أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله ترك يوم غدير خم لأحد حجّة ، ولا لقائل مقالاً ، فأُنشد اللّه رجلاً سمع النبي صلى الله عليه و آله يوم غدير خم يقول : « من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه ، اللّهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله » .. أن يشهد بما سمع » .
قال زيد بن أرقم : فشهد اثنا عشر رجلاً بدرياً بذلك ، وكنت ممّن سمع القول منرسول اللّه صلى الله عليه و آله فكتمت الشهادة يومئذ فذهب بصري .
قال : وكثر الكلام في هذا المعنى وارتفع الصوت وخشي عمر أن يصغى إلى قول
علي عليه السلام ، ففسخ المجلس وقال : إنّ اللّه تعالى يقلّب القلوب والأبصار ، ولا يزال - يا أبا الحسن ! - ترغب عن قول الجماعة . فانصرفوا يومهم ذلك) .(1)
ثمّ ؛ ذُكر بعض ما وقع في هذا المجلس في غير واحد من كتب الفريقين نحو : كتاب الردّة للواقدي : 46 - 47 ؛ الفتوح لأحمد بن أعثم الكوفي : 1/13 - 14 ؛ روضة الصفا : 2/595 - 597 ؛ حبيب السير : 1/447 ؛ المسترشد للطبري : 374 - 376 عن مولانا أبي جعفر الباقر عليه السلام ؛ أنوار اليقين للحسيني الزيدي : 380 ، شفاء صدور الناس : 478 - 479 ؛ التاريخ السياسي والحضاري ، للسيّد عبد العزيز سالم : 177 ؛ تاريخ الدولة العربية : 161 ؛ دائرة المعارف ، محمّد فريد وجدي : 3/758 - 759 .
فجلس أمير المؤمنين عليه السلام في بيته ، واشتغل بجمع القرآن - كما أوصاه النبي صلى الله عليه و آله - من يومه ذلك - وهو اليوم الثالث من وفاة النبي صلى الله عليه و آله ، أي يوم الأربعاء -(2)
راجع : الكافي : 8/17 ؛ التوحيد : 73 ؛ الأمالي للشيخ الصدوق : 320 ؛ الأمالي للشيخ الطوسي : 1/263 ، وعنه في بحار الأنوار : 4/221 و 77/382 .
فأكثر الناس في تخلّفه عن بيعة أبي بكر ، واشتدّ أبو بكر وعمر عليه في ذلك ، فخرجت أُمّ مسطح بن أثاثة فوقفت عند القبر وقالت :كانت أُمور وأنباء وهنبثة *** لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
1) . الاحتجاج : 73 - 75 ، وعنه في بحار الأنوار : 28/183 - 188 ؛ الإمامة والسياسة : 1/18 - 19 ؛ مثالب النواصب : 138 - 139 الخطّية ؛ شرح نهج البلاغة : 6/11 - 12 . وجعلنا القوسين ( ) علامة للمواضع المحذوفة في الإمامة والسياسة وشرح نهج البلاغة ؛ وبعد التأمل تجد ما حذف نصّاً على إمامة أمير المؤمنين عليه السلامووصايته ، ولا يجديهم ما دلّسوه مع قولهم عنه عليه السلام : « وتأخذونه منّا أهل البيت غصباً » . وقوله : « فبوؤا بالظلم وأنتم تعلمون ؟ » .. وغيرها .
2) . أقول : بناءً على أنّ الدفن كان في ليلة الأربعاء - كما ورد في غير واحد من روايات الفريقين - فلا شكّ في كون يوم الأربعاء الأول من أيام جمع القرآن ، هذا من حيث المبدأ . أمّا تاريخ الفراغ ؛ فالذي يظهر من رواية الفرات الكوفي في تفسيره بسنده عن مولانا أبي جعفر عليه السلام ومما ذكره ابن النديم في الفهرست أنه فرغ بعد ثلاثة أيام ، راجع : تفسير الفرات : 398 - 399 ؛ وعنه في بحار الأنوار : 23/249 ؛ الفهرست : 30 ؛ ولكن ورد في الروايات عن أبي جعفر الباقر عليه السلام عن آبائه عليهم السلام أنّ أمير المؤمنين عليه السلام خطب خطبة الوسيلة بعد موت النبي صلى الله عليه و آله وسلمبسبعة أيام ، وفي بعض النسخ بتسعة أيام ، وذلك حين فرغ من جمع القرآن .
إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها *** واختلّ قومك فاشهدهم ولا تغب(1)
قالوا : وكان الزبير والمقداد يختلفان في جماعة من الناس إلى علي عليه السلام فيتشاورون ويتراجعون أُمورهم ، فجاء عمر وكلّم فاطمة الزهراء عليهاالسلام وحلف لها وقال : إن اجتمع هؤلاء النفر عندكم آمر بإحراق البيت عليهم ..(2)
وفي رواية : أن يهدم البيت عليهم .. .(3)
فوقفت فاطمة عليهاالسلام على بابها فقالت : « لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم ، تركتم رسول اللّه صلى الله عليه و آله جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم ، لم تستأمرونا ولم
تردّوا لنا حقّاً » .(4)
وفي رواية : « .. وقطعتم أمركم في ما بينكم فلم تؤمّرونا ولم تروا لنا حقّنا ، كأنّكم لم تعلموا ما قال يوم غدير خم ، واللّه لقد عقد له يومئذ الولاء ليقطع منكم بذلك منها الرجاء ، ولكنكم قطعتم الأسباب بينكم وبين نبيّكم، واللّه حسيب بيننا وبينكم في الدنيا والآخرة » .(5)
ثم إن عمر أتى أبا بكر فقال له : ألا تأخذ هذا المتخلّف عنك بالبيعة ؟(6)فإنّ الناس أجمعين قد بايعوك ما خلا هذا الرجل وأهل بيته وهؤلاء النفر ! ..(7)أرسل إلى
1) . شرح نهج البلاغة : 2/50 و 6/46 .
2) . المصنف لابن أبي شيبة : 14/267 ؛ المذكّر والتذكير والذكر : 41 ؛ السقيفة وفدك ، وعنه في شرح نهج البلاغة : 2/45 ؛ مسند فاطمة الزهراء عليهاالسلام : 20 - 21 ؛ جامع الأحاديث : 13/267 جمع الجوامع : 1/ ق 2/1163 قرّة العينين : 78 ؛ إزالة الخفا : 2/29 ، 179.. وغيرها .
3) . الجواب الحاسم ، طبع مع المغني ، للقاضي الأسد آبادي : 20/ ق 2/269 .
4) . خ . ل : لم تشاورونا ولم تروا لنا حقّاً ، كما في الإمامة والسياسة : 1/19 .
5) . الاحتجاج : 80 وعنه في بحار الأنوار : 28/204 .
6) . الإمامة والسياسة : 1/19 .
7) . كتاب سليم : 249 ( الطبعة المحققة : 2 / 863 - 862 الحديث الثامن والأربعون ) .
علي فليبايع ، فإنّا لسنا في شيء حتّى يبايع .. ولو قد بايع أمنّاه .(1)
وفي رواية : يا هذا ! ليس في يديك شيء منه مالم يبايعك علي ، فابعث إليه حتّى يأتيك فيبايعك ، فإنّما هؤلاء رعاع .. فبعث إليه قنفذاً ، فقال له : اذهب فقل لعليّ : أجب خليفة رسول اللّه ، فذهب قنفذ فما لبث أن رجع فقال لأبي بكر : قال لك : « ما خلّف رسول اللّه صلى الله عليه و آله أحداً غيري ،(2)لسريع ما كذبتم على رسول اللّه صلى الله عليه و آله » .(3)
وفي رواية ابن عباس : قال علي عليه السلام : « ما أسرع ما كذبتم على رسول اللّه صلى الله عليه و آله وارتددتم ، واللّه ما استخلف رسول اللّه صلى الله عليه و آله غيري ، فارجع - يا قنفذ ! - فإنّما أنت رسول ، فقل له : قال لك علي عليه السلام : واللّه ما استخلفك رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وإنّك لتعلم مَنْ خليفة رسول اللّه » ، فأقبل قنفذ إلى أبي بكر فبلّغه الرسالة فقال أبو بكر : صدق علي ! .. ما استخلفني رسول اللّه صلى الله عليه و آله .(4)
وفي رواية أُخرى : لمّا جاء قنفذ قال لفاطمة عليهاالسلام : أنا قنفذ رسول أبي بكر ابن أبي قحافة خليفة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، قولي لعليّ : يدعوك خليفة رسول اللّه ! .. قال علي عليه السلام : « قولي : ما أسرع ما ادّعيت ما لم تكن بالأمس ، حين خاطبت الأنصار في ظلّة بني ساعدة ودعوت صاحبيك عمر وأبا عبيدة » . فقالت فاطمة ذلك . فرجع قنفذ ، فقال عمر : ارجع إليه فقل : خليفة المسلمين يدعوك .
فردّ قنفذ إلى عليّ فأدّى الرسالة ، فقال علي عليه السلام : « من استخلف متسخلَفاً فهو دون من استخلفه ، وليس للمستخلَف أن يتأمّر على المستخلِف .. » فلم يسمع له ولم يطع .(5)
فبكي أبو بكر طويلاً ! ..(6)فغضب عمر ووثب وقام ، وقال : ألا تضمّ هذا
1) . كتاب سليم : 82 (الطبعة المحققة 2 / 583 الحديث الرابع ) .
2) . تفسير العياشي : 2/66 - 67 ؛ والاختصاص : 185 - 186 .
3) . الإمامة والسياسة : 1/19 .
4) . كتاب سليم : 249 ( الطبعة المحققة : 2 / 863 الحديث الثامن والأربعون ) ؛ وعنه في بحار الأنوار : 28/297 .
5) . الكشكول ، للسيد حيدر الآملي : 83 - 84 .
6) . الإمامة والسياسة : 1/19 .
المتخلّف عنك بالبيعة ؟! .. فقال أبو بكر : اجلس ، ثم قال لقنفذ : اذهب إليه فقل له : أجب أمير المؤمنين أبا بكر .. فأقبل قنفذ حتّى دخل على علي عليه السلام فأبلغه الرسالة ، فقال : « كذب واللّه ! انطلق إليه فقل له : لقد تسمّيت باسم ليس لك ، فقد علمت أنّ أمير المؤمنين غيرك .. » فرجع قفنذ فأخبرهما .(1)
وفي رواية سلمان عنه عليه السلام : « سبحان اللّه ! ما - واللّه - طال العهد فينسى ، واللّه إنّه ليعلم إنّ هذا الاسم لا يصلح إلاّ لي ، ولقد أمّره رسول اللّه صلى الله عليه و آله - وهو سابع سبعة - فسلّموا عليّ بإمره المؤمنين ، فاستفهم هو وصاحبه من بين السبعة ، فقالا : أمر من اللّه ورسوله ، فقال لهم رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « نعم حقّاً من اللّه ورسوله إنّه أمير المؤمنين ، وسيّد المسلمين ، وصاحب لواء الغرّ المحجّلين ، يقعده اللّه عزّ وجلّ يوم القيامة على الصراط فيدخل أولياءَه الجنّة وأعداءه النار » .(2)
فوثب عمر غضبان فقال : واللّه إنّي لعارف بسخفه ! .. وضعف رأيه ! .. وإنّه لا يستقيم لنا أمر حتّى نقتله .. فخلّني آتيك برأسه ، فقال أبو بكر : اجلس ! فأبى ، فأقسم عليه فجلس ، ثمّ قال : يا قنفذ ! انطلق فقل له : أجب أبا بكر .. فأقبل قنفذ فقال : يا علي ! أجب أبا بكر ، فقال علي عليه السلام : « إنّي لفي شغل عنه ، وما كنت ُ بالذي أترك وصيّة خليلي وأخي وأنطلق إلى أبي بكر وما اجتمعتم عليه من الجور» .(3)
وفي رواية : قال أبو بكر : ارجع إليه فقل : أجب ! فإنّ الناس قد أجمعوا على بيعتهم إيّاه ، وهؤلاء المهاجرون والأنصار يبايعونه وقريش ، وإنّما أنت رجل من المسلمين لك ما لهم وعليك ما عليهم ، وذهب إليه قنفذ فما لبث أن رجع ، فقال : قال لك : « إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال لي وأوصاني إذا واريته في حفرته : أن لا أخرج من بيتي حتّى أُؤلف كتاب اللّه فإنّه في جرائد النخل وفي أكتاف الإبل .. » .(4)
1) . كتاب سليم : 249 ( الطبعة المحققة : 2 / 863 الحديث الثامن والأربعون ) ؛ وعنه في بحار الأنوار : 28/297 .
2) . كتاب سليم : 82 ( الطبعة المحققة : 2 / 583 الحديث الرابع ) .
3) . كتاب سليم : 249 ، ( الطبعة المحققة : 2 / 863 الحديث الثامن والأربعون ) ؛ وعنه في بحار الأنوار : 28/297 .
4) . تفسير العياشي : 2/66 - 67 ؛ الاختصاص : 186 .
أقول : يستفاد من ظاهر بعض الروايات وقوع الهجوم الأخير في هذا اليوم ، لذكره عقيب هذه المراسلات ، كما يظهر من كلام المسعودي ، ولكن روى سليم عن سلمان أنّ إرسالهم كان بعد عرض القرآن عليهم ، قال سلمان :
لمّا بعث إليه علي عليه السلام : « إني مشغول وقد آليت على نفسي يميناً أن لا أرتدي برداء إلاّ للصلاة حتى أُؤلف القرآن وأجمعه .. » سكتوا عنه أياماً ، فجمعه في ثوب واحد وختمه ، ثم خرج إلى الناس وهم مجتمعون مع أبي بكر في مسجد رسول اللّه صلى الله عليه و آله فنادى علي عليه السلام بأعلى صوته : « أيّها الناس ! إنّي لم أزل منذ قبض رسول اللّه صلى الله عليه و آله مشغولاً بغسله ، ثم بالقرآن حتى جمعته كله في هذا الثوب الواحد ، فلم ينزل اللّه على رسوله آية منه إلاّ وقد جمعتها ، وليست منه آية إلاّ وقد أقرأنيها رسول اللّه صلى الله عليه و آله وعلّمني تأويلها .. » .
ثم قال علي عليه السلام : « لئلاّ تقولوا غداً إنّا كنا عن هذا غافلين ، لا تقولوا يوم القيامة إنّي لم أدعُكم إلى نصرتي .. ولم أُذكّركم حقّي .. ولم أدعُكم إلى كتاب اللّه من فاتحته إلى خاتمته » فقال له عمر : ما أغنانا بما معنا من القرآن عمّا تدعونا إليه !
ثم دخل علي عليه السلام بيته .(1)
ثم ذكر مراودات القوم معه كما مرّ .. وقال : فسكتوا عنه يومهم ذلك .
قال سلمان : فلمّا كان الليل حمل علي عليه السلام فاطمة عليهاالسلام على حمار ، وأخذ بيد ابنيه الحسن والحسين عليهماالسلام ، فلم يدع أحداً من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله إلاّ أتاه في منزله ، فناشدهم اللّه حقّه ودعاهم إلى نصرته ، فما استجاب منهم رجل غيرنا أربعة ، فإنّا حلقنا رؤوسنا ، وبذلنا له نصرتنا ، فلمّا أن رأى علي عليه السلام خذلان الناس إيّاه وتركهم
1) . كتاب سليم : 81 - 82 ( الطبعة المحققة : 2 / 582 - 582 الحديث الرابع ) ؛ وراجع أيضاً ما نقله في بحار الأنوار : 28/307 عن المسعودي في إثبات الوصية ، وفي 92/52 عن المناقب .
نصرته واجتماع كلمتهم مع أبي بكر وتعظيمهم إياه لزم بيته .(1)
وفي رواية ابن قتيبة : خرج علي عليه السلام يحمل فاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله على دابّة ليلاً يدور [ بها ] في مجالس الأنصار تسألهم النصرة ، فكانوا يقولون : يا بنت رسول اللّه ! قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ، ولو أنّ زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به ! .. فيقول علي عليه السلام : « أفكنت أدع رسول اللّه صلى الله عليه و آله في بيته لم أدفنه وأخرج أُنازع الناس سلطانه .. ؟! » . فقالت فاطمة عليهاالسلام : « ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له ، وقد صنعوا ما اللّه حسيبهم وطالبهم » .(2)
الهجوم الثاني
الهجوم الثاني(3)
ثمّ أُخبر أبو بكر باجتماع بعض المتخلّفين عند أمير المؤمنين عليه السلام فبعث إليهم عمر بن الخطاب في جمع كثير ،(4)فجاء فناداهم فأبوا أن يخرجوا ، فدعا عمر بالحطب ، فقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنها على من فيها .. فقيل له :
1) . كتاب سليم : 81 - 83 (الطبعه المحققة : 2 / 581 - 580 الحديث الرابع ) ؛ وعنه بحار الأنوار : 28/264- 268 .
2) . الإمامة والسياسة : 1/19 ؛ وراجع : الاحتجاج : 75 ، 81 - 82 ، 190 وعنه في بحار الأنوار: 29 / 419 ؛ الهداية الكبرى : 178 ، 408 ؛ كامل بهائي : 2 / 4 ؛ الاختصاص : 184؛ كتاب سليم : 81 - 82 ، 128 ، 191 ، الطبعة المحققة : 2 / 580 ، 665 ، 765 ، الأحاديث الرابع والثاني عشر والخامس والعشرون ، وعنه في بحار الأنوار : 28 / 267 - 268 و 29 / 468 ؛ الصراط المستقيم : 2 / 80 - 79 ؛ مثالب النواصب : 233 ( الخطّية ) ؛ دلائل الإمامة : ج 2 ، وعنه في بحار الأنوار : 30 / 292 - 293 ؛ العوالم : 11 / 425 ؛ شرح نهج البلاغة : 2 / 47 و 6 / 13 و 11 / 14 و 18 / 39 ؛ وعنه في بحار الأنوار : 28 / 352 ؛ دائرة المعارف ، فريد وجدي 3 / 759 ؛ موسوعة آل النبي صلى الله عليه و آله الدكتورة عائشة بنت الشاطي : 614 ؛ تراجم سيّدات بيت النبوّة ، لها أيضاً : 613 - 614 ؛ فاطمة بنت محمّد صلى الله عليه و آله ، عمر أبو النصر : 117 - 118 ؛ السيّدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام للدكتور بيّومي مهران : 137 ؛ الصديق أبو بكر ، محمّد حسين هيكل : 65 ؛ أعلام النساء كحالة : 4 / 114 ؛ أهل البيت عليهم السلام ، توفيق أبو علم : 167 ؛ وفي حاشية شفاء صدور الناس : 484 عن الكامل المنير .
3) . وجدير بالذكر أنه لم يصرّح في الأخبار والآثار بتعدّد الهجوم وتكراره كما في المتن ، وإنما يستفاد من الخصوصيات التي ورد فيها ، ولا يمكن الجمع والتوفيق بينها إلاّ بذلك ، ويأتي لهذا الموضوع زيادة توضيح عند البحث عن زمان وقوع الحادثة صفحة 484 .
4) . الاحتجاج : 80 .
يا أبا حفص ! إنّ فيها فاطمة ! فقال : وإن ؟!!(1)
ثمّ استأذن عمر أن يدخل عليهم فلم يُؤذن له ، فشغب وأجلب .(2)
فخرج إليه الزبير مصلتاً سيفه ،(3)وقال : لا أغمده حتّى يُبايَع علي عليه السلام ..(4)وشدّ على عمر ليضربه بالسيف ، فرماه خالد بن الوليد بصخرة فأصابت قفاه وسقط السيف من يده .(5)
وفي رواية : ففرّ عمر من بين يديه - حسب عادته - وتبعه الزبير فعثر بصخرة في طريقه فسقط لوجهه .(6)
وفي رواية أُخرى : زلّت قدمه وسقط إلى الأرض ،
فقال أبو بكر : عليكم بالكلب .(7)وفي رواية : فنادى عمر : دونكم الكلب ..(8)فوثبوا عليه(9)وأحاطوا به وكانوا أربعين رجلاً ،(10)فاعتنقه زياد بن لبيد الأنصاري ورجل آخر ،(11)فندر السيف من يده ،(12)فقال عمر : خذوا سيفهواضربوا به الحجر ..(13)
1) . الإمامة والسياسة : 1/19 .
2) . مثالب النواصب : 136 - 137 الخطّية ؛ الرسائل الاعتقادية : 1/447 .
3) . تاريخ الطبري : 3/202 .
4) . تاريخ الطبري : 3/202 ؛ الكامل لابن الأثير : 2/325 .
5) . الاختصاص : 186 .
6) . مثالب النواصب : 136 - 137 الخطّية ؛ الرسائل الاعتقادية : 1/447 - 448 .
7) . أمالي الشيخ المفيد : 49 - 50 .
8) . مثالب النواصب : 136 - 137 الخطّية ؛ الرسائل الاعتقادية : 1/447 - 448 .
9) . تاريخ الطبري : 3/202 .
10) . بحار الأنوار : 30/291 .
11) . ولعلّه عبد اللّه بن أبي ربيعة ، راجع : تثبيت الإمامة : 17 .
12) . شرح نهج البلاغة : 2/56 .
13) . تاريخ الطبري : 3/203 ؛ الكامل : 2/325 .
وفي رواية : صاح به أبو بكر - وهو على المنبر - : اضربوا به الحجر ،(1)
فأخذ سلمة بن أسلم سيفه فضربه على صخرة أو جدار ،(2)فكسره .
وفي رواية أُخرى : إنّ محمّد بن سلمة هو الّذي كسره ..(3)
وفي رواية ثالثة : إنّ عمر ضرب بسيفه صخرة فكسره .(4)
فخرج من كان في الدار فبايعوا(5)
راجع : الكافي : 8/245 ؛ رجال الكشي : 1/26 ؛ تفسيرالعياشي : 1/199 ، عنهما بحارالأنوار : 22/333 ،351 .
إلاّ عليّ عليه السلام .فقال عمر لأبي بكر : ما يمنعك أن تبعث إليه فيبايع .. ؟!(6)وإن لم تفعل لأفعلن ! ثم خرج مغضباً وجعل ينادي القبائل والعشائر : أجيبوا خليفة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ! فأجابه الناس من كل ناحية ومكان ! .. فاجتمعوا عند مسجد رسول اللّه صلى الله عليه و آله فدخل على أبي بكر ، وقال : قد جمعت لك الخيل والرجال ..(7)فقال له أبو بكر : من نرسل إليه ؟ قال عمر : نرسل إليه قنفذاً فهو رجل فظّ غليظ جاف من الطلقاء ، أحد بني عدي بن كعب ، فأرسله وأرسل معه أعواناً ،(8)وقال له : أخرجهم من البيت .. فإن خرجوا وإلاّ فاجمع الأحطاب على بابه ، وأعلمهم : إنّهم إن لم يخرجوا للبيعة أضرمتالبيت عليهم ناراً .(9)
1) . شرح نهج البلاغة : 2/56 و 6/48 .
2) . المسترشد : 378 .
3) . شرح نهج البلاغة : 6/48 .
4) . شرح نهج البلاغة : 6/48 .
5) . في الهجوم الثاني على البيت خرج من كان في الدار غير أهل البيت عليهم السلام ولكنّهم لم يبايعوا حتّى بايع أمير المؤمنين عليه السلام مكرهاً .
6) . كتاب سليم : 83 ( الطبعة المحققة : 2 / 584 الحديث الرابع ) .
7) . الكوكب الدرّي : 1/194 - 195 .
8) . كتاب سليم : 82 ( الطبعة المحققة : 2 / 584 الحديث الرابع ) .
9) . الجمل : 117 .
فانطلق قنفذ واستأذن على علي عليه السلام فأبى أن يأذن لهم ، فرجع أصحاب قنفذ إلى أبي بكر وعمر - وهما جالسان في المسجد والناس حولهما - فقالوا : لم يؤذن لنا ، فقال
عمر : اذهبوا ! فإن أذن لكم وإلاّ فادخلوا بغير إذن .. فانطلقوا فاستأذنوا ، فقالت فاطمة عليهاالسلام : « أُحرّج عليكم أن تدخلوا على بيتي بغير إذن .. » فرجعوا وثبت قنفذ ، فقالوا : إنّ فاطمة قالت : .. كذا وكذا .. فتحرّجنا أن ندخل بيتها بغير إذن .
فغضب عمر وقال : ما لنا وللنساء ..؟! ثم أمر أُناساً حوله بتحصيل الحطب .(1)
وفي رواية : فوثب عمر غضبان .. فنادى خالد بن الوليد وقنفذاً فأمرهما أن يحملا حطباً وناراً ،(2)فقال أبو بكر لعمر : إئتني به بأعنف العنف ! ..(3)وأخرجهم وإن أبوا فقاتلهم ،(4)فخرج في جماعة(5)كثيرة(6)من الصحابة(7)من المهاجرين والأنصار ،(8)والطلقاء ،(9)والمنافقين ،(10)وسفلة ا لأعراب وبقايا الأحزاب .(11)
وفي رواية : إنّهم كانوا ثلاثمائة .(12)وقيل غير ذلك ، منهم :
1) . كتاب سليم : 83 ( الطبعة المحققة : 2 / 585 الحديث الرابع ) .
2) . كتاب سليم : 250 ( الطبعة المحققة : 2 / 864 الحديث الثامن والأربعون ) .
3) . أنساب الأشراف : 1/587 - 588 .
4) . العقد الفريد : 4/259 ، ط المصر .
5) . تاريخ اليعقوبي : 2/126 ؛ المسترشد : 377 - 378 .
6) . شرح نهج البلاغة : 6/49 ؛ الاحتجاج : 80 .
7) . الكشكول : 83 - 84 .
8) . تاريخ الخميس : 2/169 .
9) . علم اليقين : 2/686 .
10) . المصدر السابق ؛ مؤتمر علماء بغداد : 63 ؛ كامل بهائي : 1/305 ؛ حديقة الشيعة : 30 .
11) . مصباح الزائر : 463 - 464 .
12) . جنات الخلود : 19 .
1 - عمر بن الخطاب(1)
2 - خالد بن الوليد(2)
كتاب سليم : 251 الطبعة المحققة : 2 / 864 الحديث الثامن والأربعون ؛ كامل بهائي : 1/305 ؛ الكشكول : 83 - 84 ؛ الهداية الكبرى : 178 - 179 ؛ بحار الأنوار : 30/290 ، 348 و 53/13 .
3 - قنفذ(3)
4 - عبد الرحمن بن عوف(4)
5 - أُسيد بن حضير(5)الأشهلي(6)
6 - سلمة بن سلامة بن وقش الأشهلي(7)
7 - سلمة بن أسلم ،(8)وفي الروايات : سلمة بن أسلم بن جريش الأشهلي(9)
8 - المغيرة بن شعبة(10)
9 - أبو عبيد ة بن الجراح(11)
10 - ثابت بن قيس بن شماس(12)
1) . اتفق الجميع على كون عمر بن الخطاب منهم .
2) . تفسير العياشي : 2/66 ؛ شرح نهج البلاغة : 2/57 و 6/48 ؛ مؤتمر علماء بغداد : 63 ؛ الاختصاص : 186 ؛
3) . تفسير العياشي : 2/307 - 308 ؛ مؤتمر علماء بغداد : 63 ؛ الجمل : 117 ؛ كتاب سليم : 84 الطبعة المحققة : 2 / 584 الحديث الرابع ؛ الهداية الكبرى : 178 - 179 و 400 ؛ حديقة الشيعة : 30 ؛ بحار الأنوار : 30/290 - 348 و 53/18 .
4) . السنن للبيهقي : 8/152 ؛ المستدرك : 3/66 ؛ حياة الصحابة للكاندهلوي : 2/13 ؛ شرح نهج البلاغة : 6/48 ؛ الكشكول : 83 - 84 ؛ حديقة الشيعة : 30 .
5) . خ . ل : حصين .
6) . شرح نهج البلاغة : 2/50 و 6/11 ، 47 ؛ الإمامة والسياسة : 1/18 ؛ الاحتجاج : 73 ؛ تاريخ الخميس : 2/169 .
7) . شرح نهج البلاغة : 2/50 و 6/47 ؛ الاحتجاج : 73 ؛ تاريخ الخميس : 2/169 .
8) . شرح نهج البلاغة : 6/11 ؛ الإمامة والسياسة 1 / 18 .
9) . المسترشد : 378 .
10) . الاختصاص : 186 ، تفسير العياشي : 2/66 ؛ الكوكب الدرّي : 1/194 .
11) . الكوكب الدرّي : 1/194 .
12) . تاريخ الخميس : 2/169 ؛ شرح نهج البلاغة : 6/48 .
11 - محمد بن مسلمة(1)
12 - سالم مولى أبي حذيفة(2)
13 - أسلم العدوي(3)
14 - عياش بن ربيعة(4)
15 - هرمز الفارسي (جدّ عمرو بن أبي المقدام)(5)
16 - عثمان بن عفان(6)
17 - زياد بن لبيد(7)
18 - عبد اللّه بن أبي ربيعة(8)
19 - عبد اللّه بن زمعة(9)
20 - سعد بن مالك(10)
21 - حماد(11)
22 - عبدالرحمن بن أبي بكر(12)
وذكروا بعضهم أبا بكر أيضاً ،(13)وكذا زيد بن ثابت .(14)
فقال لهم عمر : هلمّوا في جمع الحطب ..(15)
1) . شرح نهج البلاغة:6/48؛السنن للبيهقي: 8/152؛ المستدرك:3/66؛حياة الصحابة:2/13
2) . الجمل : 117 ؛ الاختصاص : 186 ؛ تفسير العياشي : 2/67 .
3) و 4 . الشافي لابن حمزة : 4/173 .
4) الشافي لابن حمزة : 4/173 .
5) و 6 . الاختصاص : 186 ؛ تفسير العياشي : 2/66 - 67 .
6) الاختصاص : 186 ؛ تفسير العياشي : 2/66 - 67
7) . شرح نهج البلاغة : 2/56 و 6/48 .
8) . تثبيت الإمامة : 17 .
9) و 10 و 11 . مثالب النواصب : 136 الخطّية .
10) و 10 و 11 . مثالب النواصب : 136 الخطّية
11) و 10 و 11 . مثالب النواصب : 136 الخطّية
12) . بحار الأنوار : 53 / 19 .
13) . الاختصاص : 186 ؛ تفسير العياشي : 2/66 ؛ الكوكب الدرّي : 1/194 - 195 ، ولعله المستفاد مما رواه الشيخ المفيد في الأمالي : 49 - 50 فراجع .
14) . في رواية موضوعة رووها عن أبي سعيد الخدري راجع : كنز العمال : 5/613 .
15) . دلائل الأمامة : ج 2 ، وعنه في بحار الأنوار : 30/293 .
فأتوا بالحطب ،(1)والنار ،(2)وجاء عمر ومعه فتيلة .(3)
وفي رواية : أقبل بقبس من نار ،(4)وهو يقول : إن أبوا أن يخرجوا فيبايعوا أحرقت عليهم البيت .. فقيل له : إنّ في البيت فاطمة ، أفتحرقها ؟! قال : سنلتقي أنا وفاطمة !!(5)
فساروا إلى منزل علي عليه السلام وقد عزموا على إحراق البيت بمن فيه .(6)
قال أُبي بن كعب : فسمعنا صهيل الخيل ، وقعقعة اللجم ، واصطفاق الأسنّة ، فخرجنا من منازلنا مشتملين بأرديتنا مع القوم حتى وافوا منزل علي عليه السلام ..(7)وكانت فاطمة عليهاالسلام قاعدة خلف الباب ، قد عصبت رأسها ونحل جسمها في وفاة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ،(8)فلمّا رأتهم أغلقت الباب في وجوههم ، وهي لا تشكّ أن لا يدخل عليها إلاّ بإذنها ،(9)فقرعوا الباب قرعاً شديداً(10)ورفعوا أصواتهم وخاطبوا من فيالبيت بخطابات شتّى ،(11)ودعوهم إلى بيعة أبي بكر .(12)
وصاح عمر : يابن أبي طالب ! افتح الباب ! ..(13)
1) . الطرائف : 239 ؛ نهج الحقّ : 271 ؛ مؤتمر علماء بغداد : 63 ؛ دلائل الإمامة : 242 ط مؤسسة البعثة : 455 ؛ كتاب سليم : 83 ( الطبعة المحققة : 2 / 585 الحديث الرابع ) ، وغيرها .
2) . تفسير العياشي : 2/308 ؛ كتاب سليم : 250 ( الطبعة المحققة : 2 / 864 الحديث الثامن والأربعون ) ؛ الهداية الكبرى : 178 - 179 .
3) . أنساب الأشراف : 1/586 .
4) . العقد الفريد : 4/242 ط مكتبة النهضة المصرية ؛ تاريخ أبي الفداء : 1/156 .
5) . الشافي ، لابن حمزة : 4/173 .
6) . العقد الفريد : 4/242 ؛ تاريخ أبي الفداء : 1/156 ؛ أمالي الشيخ المفيد : 50 .. ومصادر أُخرى .
7) . الكوكب الدرّي : 194 - 195 .
8) . كتاب سليم : 250 ( الطبعة المحققة : 2 / 864 الحديث الثامن والأربعون ) .
9) . تفسير العياشي : 2/67 ؛ الاختصاص : 186 .
10) . دلائل الإمامة : ج 2 ، وعنه في بحار الأنوار : 30/290 ؛ الكشكول ، للآملي : 83 - 84 .
11) . حديقة الشيعة : 30 .
12) . الشافي لابن حمزة : 4/171 .
13) . كتاب سليم : 250 ( الطبعة المحققة : 2 / 864 الحديث الثامن والأربعون ) .
واللّه لئن لم تفتحوا لنحرقّنه بالنار ! ..(1)
والذي نفسي بيده لتخرجنّ إلى البيعة أو لأحرقنّ البيت عليكم ! ..(2)
اخرج - يا علي ! - إلى ما أجمع عليه المسلمون وإلاّ قتلناك ! ..(3)
إن لم تخرج يابن أبي طالب وتدخل مع الناس لأحرقنّ البيت بمن فيه ! ..(4)
يابن أبي طالب ! افتح الباب وإلاّ أحرقت عليك دارك ! ..(5)
واللّه لتخرجنّ إلى البيعة ولتبايعنّ خليفة رسول اللّه وإلاّ أضرمت عليك النار .(6)
يا علي ! اخرج وإلاّ أحرقنا البيت بالنار ! ..(7)
فخرجت فاطمة عليهاالسلام فوقفت من وراء الباب ، فقالت : « أيها الضالّون المكذّبون ! ماذا تقولون ؟ وأيّ شيء تريدون ؟ »
فقال عمر : يا فاطمة !
فقالت : « ما تشاء يا عمر ؟ ».
قال : ما بال ابن عمّك قد أوردك للجواب وجلس من وراء الحجاب ؟
فقالت : « طغيانك - يا شقيّ ! - أخرجني وألزمك الحجّة .. وكلّ ضالّ غوي».
فقال : دعي عنك الأباطيل وأساطير النساء !! وقولي لعلي يخرج ..
فقالت : « لاحبّ ولاكرامة ، أبحزب الشيطان تخوّفني يا عمر ؟! وكان حزب الشيطان ضعيفاً » .
فقال : إن لم يخرج جئت بالحطب الجزل وأضرمتها ناراً على أهل هذا البيت
1) . علم اليقين : 2/687 ؛ التتمة في تواريخ الأئمة عليهم السلام : 52 .
2) . السقيفة للجوهري عنه شرح نهج البلاغة : 2/56 ؛ قريب منها : الطبري ، 3/202 ؛ المسترشد : 378 وغيرها .
3) . الهداية الكبرى : 406 ؛ بحار الأنوار : 53/18 .
4) . الكشكول : 83 - 84 .
5) . كامل بهائي : 1/305 .
6) . كتاب سليم : 83 ( الطبعة المحققة : 2 / 585 الحديث الرابع ) .
7) . الكوكب الدرّي : 194 - 195 .
وأحرق من فيه ، أو يقاد علي إلى البيعة ! ..(1)
فقالت فاطمة عليهاالسلام : « يا عمر ! ما لنا ولك لا تدعنا وما نحن فيه ؟ »
فقال : افتحي الباب وإلاّ أحرقنا عليكم بيتكم ..(2)
فقالت فاطمة عليهاالسلام : « أفتحرق عليّ ولدي ؟! »(3)
فقال : إي واللّه أو ليخرجنّ وليبايعنّ .(4)
وفي رواية : « يابن الخطاب ! أتراك محرقاً عليَّ بابي ؟! » قال : نعم .(5)
قالت : « ويحك يا عمر ! ما هذه الجرأة على اللّه وعلى رسوله ؟! تريد أن تقطع نسله من الدنيا وتطفئ نور اللّه واللّه متمّ نوره ؟! » .
فقال : كفّي يا فاطمة ! فليس محمّد حاضراً ! ولا الملائكة آتية بالأمر والنهي والزجر من عند اللّه ! وما عليّ إلاّ كأحد من المسلمين ، فاختاري إن شئت خروجه لبيعة أبي بكر أو إحراقكم جميعاً ! ..
فقالت - وهي باكية - : « اللّهم إليك نشكو فقد نبيّك ورسولك وصفيّك ، وارتداد أُمّته علينا ، ومنعهم إيّانا حقّنا الذي جعلته لنا في كتابك المنزل على نبيّك المرسل » .
فقال لها عمر : دعي عنك - يا فاطمة ! - حمقات(6)النساء ! فلم يكن اللّه ليجمع لكم النبوّة والخلافة !! ..(7)
فقالت : « يا عمر ! أما تتقي اللّه عزّ وجلّ .. تدخل على بيتي ، وتهجم على داري ؟! » فأبى أن ينصرف .(8)
1) . دلائل الإمامة : ج 2 ، وعنه في بحار الأنوار : 30/293 .
2) . كتاب سليم : 83 - 84 ، 250 ( الطبعة المحققة : 2 / 583 ، 864 ، الحديث الرابع والحديث الثامن والأربعون ) .
3) . خ . ل : عليّاً وولدي .
4) . الطرائف : 239 ، نهج الحق : 271 .
5) . أنساب الأشراف : 1/586 ؛ وانظر: روضة المناظر : 11/113 ( حاشية الكامل لابن الأثير )؛ الجمل : 117 ؛ كامل بهائي : 2/24 .
6) . كذا ، والظاهر : حماقات .
7) . الهداية الكبرى : 407 ، بحار الأنوار : 53/19 .
8) . كتاب سليم : 84 ، 250 ( الطبعة المحققة : 2 / 583 ، 864، الحديث الرابع والحديث الثامن والأربعون ) .
ثم أمر عمر بجعل الحطب حوالي البيت .. وانطلق هو بنار(1)وأخذ يصيح : أحرقوا دارها بمن فيها .(2)
فنادت فاطمة عليهاالسلام بأعلى صوتها : « يا أبت ! يا رسول اللّه ! ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة » .
فلمّا سمع القوم صوتها وبكاءَها انصرفوا باكين ، وبقي عمر ومعه قوم ،(3)ودعا بالنار وأضرمها في الباب ،(4)فأخذت النار في خشب الباب ،(5)ودخل الدخان البيت ،(6)فدخل قنفذ يده يروم فتح الباب ..(7)
فأخذت فاطمة عليهاالسلام بعضادتي الباب تمنعهم من فتحه ، وقالت : « ناشدتكم اللّه وبأبي رسول اللّه صلى الله عليه و آله أن تكفّوا عنا وتنصرفوا » .
فأخذ عمر السوط من قنفذ وضرب به عضدها ، فالتوى السوط على يديها حتى صار كالدملج(8)الأسود .(9)
فضرب عمر الباب برجله فكسره ،(10)وفاطمة عليهاالسلام قد ألصقت أحشاءهابالباب تترسه ، فركل الباب برجله(11)وعصرها بين الباب والحائط عصرة شديدة
1) . تفسير العياشي : 2/308 .
2) . الملل والنحل : 1/57 .
3) . الإمامة والسياسة : 1/20 ؛ المسترشد : 377 - 378 .
4) . كتاب سليم : 250 ( الطبعة المحققة : 2 / 864 - 865 الحديث الثامن والأربعون ) .
5) . الهداية الكبرى : 407 ؛ بحار الأنوار : 53/19 .
6) . الشافي للسيد المرتضى : 3/241 .
7) . الهداية الكبرى : 407 ؛ بحار الأنوار : 53/19 .
8) . الهداية الكُبرى : 178 - 179 .
9) . المصدر السالف : 407 ؛ بحار الأنوار : 53/19 .
10) . تفسير العياشي : 2/67 ؛ الاختصاص : 186 .
11) . دلائل الإمامة : ج 2 ، وعنه في بحار الأنوار : 30/294 .
قاسية حتى كادت روحها أن تخرج من شدّة العصرة ، ونبت المسمار في صدرها(1)ونبع الدم من صدرها وثدييها ،(2)فسقطت لوجهها - والنار تسعر(3)- ، فصرخت صرخة جعلت أعلى المدينة أسفلها ، وصاحت : « يا أبتاه ! يا رسول اللّه ! هكذا يصنع بحبيبتك وابنتك .. آه ! يا فضّة ! إليك فخذيني فقد واللّه قتل ما في أحشائي » ، ثم
استندت إلى الجدار وهي تمخض ،(4)وكانت حاملة بالمحسن لستة أشهر فأسقطته ،(5)فدخل عمر وصفق على خدّها صفقة من ظاهر الخمار ، فانقطع قرطها وتناثرت إلى الأرض .(6)
فخرج أمير المؤمنين عليه السلام من داخل الدار محمرّ العين حاسراً ، حتى ألقى ملاءته عليها وضمّها إلى صدره وصاح بفضّة : « يا فضة ! مولاتك ! فاقبلي منها ما تقبله النساء فقد جاءها المخاض من الرفسة وردّ الباب ، فأسقطت محسناً » .
وقال عليه السلام : « إنّه لاحق بجدّه رسول اللّه صلى الله عليه و آله فيشكو اليه » .
وقال لفضة : « واريه بقعر البيت » .(7)
ثم وثب علي عليه السلام فأخذ بتلابيب عمر ، ثم هزّه فصرعه ووجأ أنفه ورقبته وهمّ بقتله ، فذكر قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله وما أوصاه به من الصبر والطاعة ، فقال : « والذي أكرم محمّداً صلى الله عليه و آله بالنبوة - يا ابن صهاك ! - لولا كتاب من اللّه سبق وعهد عهده إليّرسول اللّه صلى الله عليه و آله لعلمت أنك لا تدخل بيتي » .
1) . مؤتمر علماء بغداد : 63 .
2) . الكوكب الدرّي : 194 - 195 .
3) . الهداية الكبرى : 178 - 179 .
4) . دلائل الإمامة : ج 2 ، وعنه في بحار الأنوار : 30/294 .
5) . الهداية الكبرى : 407 ؛ بحار الأنوار : 53/19 .
6) . دلائل الإمامة : ج 2 ، وعنه في بحار الأنوار : 30/294 . وراجع : إرشاد القلوب : ج 2 ، وعنه في بحار الأنوار : 30/349 ؛ الهداية الكبرى : 179 ، 407 ؛ المحتضر : 44 - 45 ، ويظهر من بعض الروايات أنّ لطم الخدّ كان حين إخراج أمير المؤمنين عليه السلام من البيت ، راجع : الكوكب الدرّي : 195 .
7) . الهداية الكبرى : 408 .
فأرسل عمر يستغيث ، فأقبل الناس حتى دخلوا الدار ، فرجع قنفذ إلى أبي بكر وهو يتخوّف أن يخرج عليّ عليه السلام بسيفه ، لما قد عرف من بأسه وشدّته ، فقال أبو بكر لقنفذ : ارجع ، فإن خرج وإلاّ فاقتحم عليه بيته ، فإن امتنع فأضرم عليهم بيتهم النار !
فانطلق قنفذ فاقتحم هو وأصحابه بغير إذن ، وثار علي عليه السلام إلى سيفه فسبقوه إليه وكاثروه - وهم كثيرون - ، فتناول بعض سيوفهم فكاثروه .(1)
فقال عمر لعلي عليه السلام : قم فبايع لأبي بكر .. فتلكّأ واحتبس ، فأخذ بيده ، وقال : قم ! فأبى أن يقوم ،(2)فألقوا في عنقه حبلاً .(3)
وفي رواية : جعلوا حمائل سيفه في عنقه .(4)
وفي غير واحد من النصوص : أخرجوه ملبّباً(5)
لبّب فلاناً : أخذه بتلبيته وجرّه . قال الزمخشري : يقال : لبّبت الرجل ولببته - مثقّلاً ومخففاً - إذا جعلت في عنقه ثوباً أو حبلاً وأخذت بتلبيته فجررته . والتلبيب : مجمع ما في موضع اللبب من ثياب الرجل . انظر الفائق : 3 / 183 .
بثيابه يجرّونه إلى المسجد .فصاحت فاطمة عليهاالسلام وناشدتهم اللّه (6)وحالت بينهم وبين بعلها ، وقالت : « واللّه لا أدعكم تجرّون ابن عمّي ظلماً ، ويلكم ما أسرع ما خنتم اللّه ورسوله فينا أهل البيت .. » وبزعمها أنّها تخلّصه من أيديهم ،(7)فتركه أكثر القوم لأجلها .
فأمر عمر قنفذاً أن يضربها بسوطه ، فضربها بالسوط على ظهرها وجنبيها إلىأن أنهكها وأثر في جسمها الشريف .(8)
1) . كتاب سليم : 84 ( الطبعة المحققة : 2 / 586 الحديث الرابع ) .
2) . شرح نهج البلاغة : 2/57 و 6/49 .
3) . كتاب سليم : 84 ( الطبعة المحققة : 2 / 586 الحديث الرابع ) ؛ رجال الكشي : 1/37 ؛ الاحتجاج : 83 ؛ الصراط المستقيم : 3/25 .
4) . الكوكب الدرّي : 1/194 - 195 .
5) . الإيضاح : 367 ؛ بصائر الدرجات : 275 ؛ تفسير العياشي : 2/67 ؛ الشافي : 3/244 ؛ الاختصاص : 11 ، 186 ، 275 ؛ المسترشد : 381 ؛ المناقب : 2/248 ؛ شرح نهج البلاغة : 6/45 .
6) . شرح نهج البلاغة : 2/50 .
7) . الكوكب الدرّي : 194 - 195 .
8) . علم اليقين : 2/686 - 688 .
وفي رواية : ضربها قنفذ على وجهها وأصاب عينها .(1)
وفي رواية أُخرى : ألجأها قنفذ إلى عضادة بيتها ودفعها فكسر ضلعاً من جنبها .. فألقت جنيناً من بطنها ، فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت من ذلك شهيدة .(2)
وفي كسر ضلعها أو جَنْبها روايات أُخرى ، راجع : كتاب سليم : 2/907 الحديث الحادي والستون (الطبعة المحققة) ؛ أمالي الشيخ الصدوق : 114 (ط بيروت : 100) ؛ الفضائل : 9 ؛ المحتضر : 61 ، 109 ؛ مكتوب بخط الشيخ الجبعي ، وعنه في بحار الأنوار : 101/44 ؛ فرائد السمطين : 2/35 ؛ إرشاد القلوب : 295 ؛ مصباح الكفعمي : 553 .
وفي روايات أُخرى : ضربها على رأسها أو ذراعها أو كتفها ، أو عضدها وبقي أثر السوط في عضدها مثل الدملج ،(3)أو لكزها بنعل السيف ، وأنّ الضرب الصادر منه كان السبب في إسقاط جنينها ،(4)أو كان أقوى سبب في ذلك .(5)
وفي رواية : ضربها خالد بن الوليد - أيضاً - بغلاف السيف .
وفي رواية : ضغطها خالد بن الوليد خلف الباب فصاحت .. ولذا أسند بعض الثقاة إسقاط الحمل إلى خالد أيضاً .(6)
وفي رواية : ضربها المغيرة بن شعبة حتى أدماها ، أو دفع الباب على بطنها .. ولذا أُسند الإسقاط إليه أيضاً .(7)
وفي رواية : التفت عمر إلى من حوله وقال : اضربوا فاطمة !!.. فانهالت السياطعلى حبيبة رسول اللّه صلى الله عليه و آله وبضعته حتى أدموا جسمها ، وبقيت آثار العصرة القاسية
1) . سيرة الأئمّة الاثنى عشر عليهم السلام : 1/145 .
2) . الاحتجاج : 83 ، وانظر كتاب سليم : 85 الطبعة المحققة : 2 / 586 الحديث الرابع .
3) . كتاب سليم : 134 ( الطبعة المحققة : 2 / 586 ، 674 - 675 ، الأحاديث الرابع والثالث عشر والرابع عشر ) ؛ الكشكول للآملي : 83 - 84 ؛ حديقة الشيعة : 30 ؛ الكوكب الدرّي : 1/194 - 195 ؛ الكبريت الأحمر : 277 .
4) . دلائل الإمامة : 45 الطبعة المحققة : 134 - 135 .
5) . علم اليقين : 2/686 - 688 .
6) . الكشكول ، للآملي : 83 - 84 ؛ حديقة الشيعة : 30 .
7) . الاحتجاج : 278 ؛ جلاء العيون للسيّد شبّر : 1/193 .
والصدمة المريرة تنخر في جسم فاطمة ، فأصبحت مريضة عليلة حزينة .(1)
وفي عدّة من الروايات : ضرب عمر بالغلاف على جنبها ، وبالسوط على ذراعها ،(2)
وراجع : كامل بهائي : 1/305 ؛ جنّات الخلود : 19 .
واسودّ متنها من أثر الضرب(3)وبقي إلى أن قبضت .(4)قال سلمان : فلقد رأيت أبا بكر ومن حوله يبكون !! ما فيهم إلاّ باك ، غير عمر وخالد بن الوليد والمغيرة بن شعبة ، وعمر يقول : إنّا لسنا من النساء ومن رأيهنّ في شيء .(5)
فاستخرج أمير المؤمنين عليه السلام من منزله(6)مكرهاً مسحوباً ،(7)وانطلقوا به ،(8)يسوقه عمر(9)سوقاً عنيفاً ،(10)ويقوده آخرون كما قال عليه السلام : « .. كما يقاد الجمل المخشوش .. »(11)إلى بيعتهم ، مصلتةً سيوفها ، مقذعةً أسنتها .. وهو ساخط القلب ،
1) مؤتمر علماء بغداد : 63 .
2) . كتاب سليم : 84 ، 250 ( الطبعة المحققة : 2 / 585 ، 864، الحديث الرابع والحديث الثامن والأربعون ) ،
3) . جنّة العاصمة : 252 ؛ الشمس الضحى : 154 .
4) . راجع : مصائب المعصومين عليهم السلام : 27 ؛ بيت الأحزان : 33 لليزدي ؛ جامع النورين : 244 ؛ شعشعة الحسينية : 144 - 145 ؛ حزن المؤمنين : 61 ؛ بشارة الباكين : 26 ؛ مرقاة الإيقان : 1/112 ، 125 ؛ أنوار الشهادة : 207 - 208 (مصوّرة) ، ماتمكده : المجلس الثالث عشر .
5) . كتاب سليم: 85 ( الطبعة المحققة : 2 / 588 - 587 الحديث الرابع ) ، وذكر بكاؤهم أيضاً في الإمامه والسياسة: 1/20؛ المسترشد: 377 - 378 .
6) . المسترشد : 381 ؛ الاحتجاج : 86 .
7) . الهداية الكبرى : 138 - 139 .
8) . شرح نهج البلاغة : 6 / 11 .
9) . المسترشد : 378 ؛ شرح نهج البلاغة : 2/50 و 6/47 .
10) . شرح نهج البلاغة : 6/49 .
11) . هذه العبارة موجودة في كتاب معاوية وجواب أمير المؤمنين عليه السلام له ، راجع : وقعة صفّين : 87 ؛ الفتوح ، للأعثم الكوفي : 2/578 ؛ العقد الفريد : 4/308 - 309 دار الكتاب العربي ؛ نهج البلاغة : 122 - 123 ؛ الفصول المختارة : 287 ؛ تقريب المعارف : 237 ؛ المناقب للخوارزمي : 175 ؛ الاحتجاج : 171 ؛ شرح نهج البلاغة : 15/74 ، 183 ؛ صبح الأعشى : 1/228 - 230 ؛ جواهر المطالب : 1/357 ، 374 ؛ الصراط المستقيم : 3/11 .
هائج الغضب ، شديد الصبر ، كاظم الغيظ ..(1)فجيء به تعباً ..(2)
وفي رواية : .. يمضي به ركضاً ..(3)
واجتمع الناس ينظرون ، وامتلأت شوارع المدينة من الرجال ،(4)فما مرّ بمجلس من المجالس إلاّ يقال له : انطلق فبايع ! ..(5)
واتّبعه سلمان وأبو ذر والمقداد وعمّار وبريدة ، وهم يقولون : ما أسرع ما خنتم رسول اللّه صلى الله عليه و آله وأخرجتم الضغائن التي في صدوركم .
وقال بريدة بن الخصيب الأسلمي : يا عمر ! أتيت على أخي رسول اللّه ووصيّه وعلى ابنته فتضربها .. ؟! وأنت الذي تعرفك قريش بما تعرفك به !(6)
وكان أمير المؤمنين عليه السلام يتألّم ويتظلّم ويستنجد ويستصرخ ،(7)وهو يقول : « أما واللّه لو وقع سيفي في يدي لعلمتم أنكم لم [ لن ] تصلوا إلى هذا أبداً ، أما واللّه ما ألوم نفسي في جهادكم ولو كنت استمسك من أربعين رجلاً لفرّقت جماعتكم ، ولكن لعن اللّه أقواماً بايعوني ثم خذلوني .. » .(8)
ويقول أيضاً : « واجعفراه ! .. ولا جعفر لي اليوم ، واحمزتاه ! .. ولا حمزة لي اليوم .. » .(9)
1) . مصباح الزائر : 463 - 464 .
2) . تاريخ الطبري : 2/203 .
3) . شرح نهج البلاغة : 6/45 .
4) . شرح نهج البلاغة : 6/49 .
5) . شرح نهج البلاغة : 6/45 .
6) . كتاب سليم : 251 ( الطبعة المحققة : 2 / 865 الحديث الثامن والأربعون ) .
7) . شرح نهج البلاغة : 11/111 ، عن كثير من المحدّثين .
8) . كتاب سليم : 85 ( الطبعة المحققة : 2 / 588 الحديث الرابع ) ؛ بحار الأنوار : 28/270 .
9) . شرح نهج البلاغة : 11/111 .
فمرّوا به على قبر النبي صلى الله عليه و آله ، فوقف عند القبر ، وقال : « ي- « ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي »(1)» .
فخرجت يد من قبر رسول اللّه صلى الله عليه و آله يعرفون أنها يده ، وصوت يعرفون أنه صوته نحو أبي بكر : « يا هذا ! « أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ
رَجُلاً » ؟! . . » .(2)
قال عدي بن حاتم : ما رحمت أحداً رحمتي علياً حين أُتي به ملبّبا ..(3)
وقال سلمان حينما رأى ذلك : أيصنع ذا بهذا ؟ واللّه لو أقسم على اللّه لانطبقت ذه على ذه [ أي السماء على الأرض ] !!(4)
وقال أبوذر : ليت السيوف عادت بأيدينا ثانية .(5)
فخرجت فاطمة عليهاالسلام واضعة قميص رسول اللّه صلى الله عليه و آله على رأسها آخذة بيدي ابنيها - وهي تبكي وتصيح فنهنهت من الناس - فما بقيت هاشمية إلاّ خرجت معها فصرخت وولولت ونادت : « يا أبا بكر ! ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول اللّه صلى الله عليه و آله .. واللّه لا أُكلّم عمر حتى ألقى اللّه ..(6)خلّوا عن ابن عمّي .. ما لي ولك يا أبا بكر ؟! أتريد أن تؤتم ابنيّ وترملني من زوجي ؟! واللّه لئن لم تكفّ عنه لأنشرنّ شعري ، ولأشقنّ جيبي ، ولآتينّ قبر أبي ، ولأصيحنّ إلى ربّي .. فما صالح بأكرم على اللّه من ابن عمّي ، ولا ناقة صالح بأكرم على اللّه منّي ، ولا الفصيل بأكرمعلى اللّه من ولدي .. ».
فقال علي عليه السلام لسلمان : « أدرك ابنة محمّد صلى الله عليه و آله ، فإني أرى جنبتي المدينة تكفئان ، واللّه إن نشرت شعرها ، وشقّت جيبها ، وأتت قبر أبيها وصاحت إلى ربّها ، لا يناظر بالمدينة أن يخسف بها وبمن فيها .. » .
فأدركها سلمان رضى الله عنه فقال : يا بنت محمّد ! إن اللّه بعث أباك رحمةً .. فارجعي .
فقالت : « يا سلمان ! يريدون قتل عليٍ ، ما عَلَيّ صبر » .
فقال سلمان : إنّي أخاف أن يخسف بالمدينة ، وعلي عليه السلام بعثني إليك يأمرك أن ترجعني إلى بيتك .
فقالت :« إذاً أرجع وأصبر وأسمع له وأُطيع » .(1)
قال أبو جعفر عليه السلام : « واللّه لو نشرت شعرها لماتوا طرّاً » .(2)
وفي رواية : عدلت بعد ذلك إلى قبر أبيها ، فأشارت إليه بحزنة ونحيب وهي تقول :
« نفسي على زفراتها محبوسة *** يا ليتها خرجت مع الزفرات
لا خير بعدك في الحياة وإنما *** أبكي مخافة أن تطول حياتي »
ثم قالت : « وا أسفاه عليك يا أبتاه ، وأُثكل حبيبك أبو الحسن المؤتمن ، وأبو سبطيك الحسن والحسين ، ومن ربّيته صغيراً وواخيته كبيراً ، وأجلّ أحبّائك لديك ، وأحبّ أصحابك عليك ، أوّلهم سبقاً إلى الإسلام ومهاجرةً إليك يا خير الأنام .. فها هو يساق في الأسر كما يقاد البعير » .
ثم إنها أنّت أنّةً وقالت : « وامحمداه ! .. واحبيباه ! .. ، وا أباه ! .. وا أبا القاسماه ! .. وا أحمداه ! .. وا قلّة ناصراه ! .. وا غوثاه ! .. وا طول كربتاه ! .. وا حزناه ! ..
وا مصيبتاه ! .. وا سوء صباحاه ! .. » وخرّت مغشيةً عليها ، فضجّ الناس بالبكاء
والنحيب ، وصار المسجد مأتماً .(1)
وفي رواية : وأصبحت فاطمة عليهاالسلام تنادي : « وا سوء صباحاه ! .. » ،(2)
وقال الطريحي : يا صباحاه ! هذه كلمة يقولها المستغيث عند وقوع أمر عظيم ، وأصلها إذا صاحوا للغارة ، لأنّهم أكثر ما كانوا يغيرون وقت الصباح ، فكأنّ القائل : واصباحاه ! يقول : قد غشينا العدوّ . راجع : مجمع البحرين : 2/283 .
فسمعها أبو بكر فقال لها : إنّ صباحك لصباح سوء !! ..(3)ثم انتهى بعليّ عليه السلام إلى أبي بكر فأجلسوه بين يديه(4)- وعمر قائم بالسيف على رأسه - وخالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل والمغيرة بن شعبة وأُسيد بن حضير وبشير بن سعد .. وسائر الناس حول أبي بكر عليهم السلاح ، فقال علي عليه السلام : « ما أسرع ما توثّبتم على أهل بيت نبيّكم ! يا أبا بكر ! بأيّ حقّ .. وبأيّ ميراث .. وبأيّ سابقة تحثّ الناس إلى بيعتك ؟! ألم تبايعني بالأمس بأمر رسول اللّه صلى الله عليه و آله ؟ » .(5)
فجلس عمر على ركبتيه وحسر عن ذراعيه ،(6)وانتهر علياً عليه السلام وقال له : بايع ودع عنك هذه الأباطيل !! ..
فقال له عليه السلام : « فإن لم أفعل فما أنتم صانعون ؟ » .
قالوا : نقتلك ذلاًّ وصغاراً !! ..
وفي بعض الروايات : قال أبو بكر - وفي بعضها قال عمر - : إذاً واللّه الذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك .
1) . علم اليقين : 2/686 - 688 .
2) . قال الجوهرى : يوم الصباح : يوم الغارة . انظر : الصحاح : 1/380 .
3) . مصباح الأنوار : 290 ؛ الارشاد : 1/189 .
4) . المسترشد : 377 - 378 .
5) . كتاب سليم : 84 - 85 ، 251 ( الطبعة المحققة : 2 / 588 ، 866 - 865 ، الحديث الرابع والحديث الثامن والأربعون ) .
6) . الكوكب الدريّ : 1/194 - 195 .
فقال : « إذاً تقتلون عبد اللّه وأخا رسوله » .
قال أبو بكر - أو عمر ؛ على اختلاف النصوص - : أمّا عبد اللّه فنعم ، أمّا أخا رسول اللّه فلا !..(1)
فقال علي عليه السلام : « أما واللّه لولا قضاء من اللّه سبق وعهد عهده إليّ خليلي لست أجوزه لعلمت أيّنا أضعف ناصراً وأقلّ عدداً » .
ثم أقبل علي عليه السلام عليهم ، فقال : « يا معشر المسلمين والمهاجرين والأنصار ! أُنشدكم اللّه أسمعتم رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول يوم غدير خم .. كذا وكذا ، وفي غزوة تبوك .. كذا وكذا .. » فلم يدع علي عليه السلام شيئاً قاله فيه رسول اللّه صلى الله عليه و آله علانية للعامّة إلاّ ذكّرهم إيّاه . فقالوا : اللّهم نعم ، فلمّا تخوّف أبو بكر أن ينصره الناس وأن يمنعوه .. بادرهم
فقال : كلّما قلت حقّ ، قد سمعناه بآذاننا ووعته قلوبنا ، ولكن قد سمعت رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول بعد هذا : إنّا أهل بيت اصطفانا اللّه وأكرمنا واختار لنا الآخرة على الدنيا ، وإنّ اللّه لم يكن ليجمع لنا أهل البيت النبوّة والخلافة .
فقال علي عليه السلام : « هل أحد من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله شهد هذا معك ؟ » .
فقال عمر : صدق خليفة رسول اللّه صلى الله عليه و آله قد سمعنا هذا منه كما قال .
وقال أبو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل : قد سمعنا ذلك من رسول اللّه صلى الله عليه و آله .
فقال علي عليه السلام : « لقد وفيتم بصحيفتكم الملعونة التي قد تعاقدتم عليها في الكعبة إن قتل اللّه محمداً أو مات لتزونّ هذا الأمر عنّا أهل البيت .
فقال أبو بكر : فما علمك بذلك ؟! ما اطلعناك عليها ؟!
فقال علي عليه السلام : « أنت يا زبير .. وأنت يا سلمان .. وأنت يا أبا ذر .. وأنت يا مقداد .. أسألكم باللّه وبالإسلام أما سمعتم رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول ذلك وأنتم تسمعون :
1) . راجع : كتاب سليم : 86 ( الطبعة المحققة : 2 / 588 الحديث الرابع ) ؛ الايضاح : 367 ؛ الإمامة والسياسة : 1/19 - 20 ؛ تفسير العياشي : 2/67 ؛ الاختصاص : 187 ؛ الشافي : 3/244 ؛ المسترشد : 377 - 381 - الاحتجاج : 83 .
« إن فلاناً وفلاناً .. - حتى عدّ هؤلاء الخمسة - قد كتبوا بينهم كتاباً وتعاهدوا فيه وتعاقدوا على ما صنعوا ؟ » فقالوا : اللّهم نعم ، قد سمعنا رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول : « إنّهم قد تعاهدوا وتعاقدوا على ما صنعوا وكتبوا بينهم كتاباً إن قُتلتُ أو متُّ أن يزووا عنك هذا يا علي » ، فقلتَ : « بأبي أنت يا رسول اللّه ! فما تأمرني إذا كان ذلك أن أفعل ؟ » فقال لك : « إن وجدت عليهم أعواناً فجاهدهم ونابذهم ، وإن لم تجد أعواناً فبايعهم واحقن دمك » .
فقال علي عليه السلام : « أما واللّه لو أنّ أُؤلئك الأربعين رجلاً الذين بايعوني وفوا لي لجاهدتكم في اللّه ، ولكن - أما واللّه - لا ينالها أحد من عقبكما إلى يوم القيامة . وفي ما يكذّب قولكم على رسول اللّه صلى الله عليه و آله قول اللّه : « أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً »(1)فالكتاب : النبوّة ، والحكمة : السنّة ، والملك : الخلافة ، ونحن آل إبراهيم .. » .
فقام بريدة فقال : يا عمر ! ألستما اللذين قال لكما رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « انطلقا إلى علي عليه السلامفسلّما عليه بإمرة المؤمنين » ، فقلتما : أعن أمر اللّه وأمر رسوله ؟ فقال : « نعم » .
فقال أبوبكر : قد كان ذلك يا بريدة ولكنّك غبت وشهدنا والأمر يحدث بعده الأمر.
وفي رواية قال أبو بكر : قد كان ذلك ؛ ولكن رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال - بعد ذلك - : لا يجتمع لأهل بيتي الخلافة والنبوة .
فقال : واللّه ما قال هذا رسول اللّه صلى الله عليه و آله .
فقال عمر : ما أنت وهذا يا بريده ! وما يدخلك في هذا ؟
قال بريدة: واللّه لاسكنت فيبلدة أنتم فيها أُمراء.. فأمر به عمر فضُرب وأُخرج .
ثم قام سلمان فقال : يا أبا بكر ! اتق اللّه وقم عن هذا المجلس ودعه لأهله ، يأكلوا به رغداً إلى يوم القيامة ، لا يختلف على هذه الاُمة سيفان .. فلم يجبه أبو بكر ، فأعاد
1) النساء 4 : 54 .
سلمان فقال مثلها ، فانتهره عمر وقال : ما لك ولهذا الأمر وما يدخلك في ما هاهنا ؟ فقال : مهلاً يا عمر ! قم يا أبا بكر عن هذا المجلس ودعه لأهله يأكلوا به - واللّه - خضراً إلى يوم القيامة ، وإن أبيتم لتحلبنّ به دماً ، وليطمعنّ فيه الطلقاء والطرداء والمنافقون ، واللّه لو أعلم أني أدفع ضيماً أو أُعزّ للّه ديناً لوضعت سيفي على عاتقي ثم ضربت به قدماً قدماً ، أتثبون على وصيّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله ؟!! فابشروا بالبلاء .. واقنطوا من الرخاء .
ثم قام أبو ذر فقال : أيّتها الأُمّة المتحيرة بعد نبيّها صلى الله عليه و آله ، المخذولة بعصيانها ! .. إنّ اللّه يقول : « إِنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »(1)وآل محمّد صلى الله عليه و آله الأخلاف من نوح ، وآل إبراهيم من إبراهيم ، والصفوة والسلالة من إسماعيل ، وعترة النبي محمّد صلى الله عليه و آله ، أهل بيت النبوّة ، وموضع الرسالة ، ومختلف الملائكة ، وهم كالسماء المرفوعة ، والجبال المنصوبة ، والكعبة المستورة ، والعين الصافية ، والنجوم الهادية ، والشجرة المباركة ، أضاء نورها ، وبورك زيتها .. محمّد صلى الله عليه و آله خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم ، وعلي وصيّ الأوصياء وإمام المتقين ، وقائد الغرّ المحجلين ، وهو الصديق الأكبر ، والفاروق الأعظم ، ووصيّ محمّد صلى الله عليه و آلهووارث علمه ، وأولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم ، كما قال اللّه تعالى : « النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ »(2)فقدّموا من قدّم اللّه ، وأخّروا من أخّر اللّه ، واجعلوا الولاية والوزارة لمن جعل اللّه ..
ثم قام أبو ذر والمقداد وعمار فقالوا لعليّ عليه السلام : ما تأمر ؟ واللّه إن أمرتنا لنضربنّ بالسيف حتى نُقتل . فقال علي عليه السلام : « كفّوا رحمكم اللّه ! واذكروا عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله وما أوصاكم به .. » فكفّوا .
وأقبلت أُمّ أيمن النوبية - حاضنة رسول اللّه صلى الله عليه و آله - وأُمّ سلمة فقالتا : يا عتيق ! ما أسرع ما أبديتم حسدكم لآل محمّد .. فأمر بهما عمر أن تخرجا من المسجد ، وقال : ما لنا وللنساء ؟!(1)
ثم قام عمر فقال لأبي بكر - وهو جالس فوق المنبر - : ما يجلسك فوق المنبر وهذا جالس محارب لا يقوم فيبايعك أو تأمر به فتضرب عنقه .. ؟ والحسن والحسين عليهماالسلامقائمان ، فلمّا سمعا مقالة عمر بكيا ، فضمّهما عليه السلام إلى صدره ، فقال : « لا تبكيا فواللّه ما يقدران على قتل أبيكما » .
ثم قال عمر : قم يابن أبي طالب فبايع .
فقال عليه السلام : « فإن لم أفعل ؟ » .
قال : اذاً واللّه نضرب عنقك ..(2)فاحتج عليهم ثلاث مرّات(3)فالتفت علي عليه السلام إلى القبر ، وقال : « ي- « ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي »(4)».
وورد في بعض الروايات أنه عليه السلام قرأ هذه الآية قبل ذلك ،(5)وفي بعضها بعده ،(6)ثم رفع رأسه إلى السماء وقال : « اللّهم اشهد » .(7)
فمدّوا يده كرهاً فقبض على أنامله وعسر عليهم فتحها فراموا بأجمعهم فتحها فلم يقدروا ، فمسح أبو بكر عليها وهي مضمومة .(8)
1) . كتاب سليم : 86 - 87 ، 251 - 252 ( الطبعة المحققة : 2 / 593 ، 867، الحديث الرابع والحديث الثامن والأربعون ) .
2) . وفي رواية : قال عمر لعلي عليه السلام والزبير : لتبايعان وأنتما طائعان أو لتبايعان وأنتما كارهان . انظر : تاريخ الطبري : 3 / 203 .
3) . راجع : كتاب سليم : 88 - 89 ( الطبعة المحققة : 2 / 593 الحديث الرابع ) .
4) . كتاب سليم : 89 ( الطبعة المحققة : 2 / 593 الحديث الرابع ) ؛ الاحتجاج : 84 ؛ المسترشد : 377 - 378 . والآية في سورة الأعراف (7) : 150 .
5) . بصائر الدرجات : 275 ؛ تفسير العياشي : 2/67 ؛ الاختصاص : 186 ، 275 ؛ المناقب : 2/248 .
6) . الإمامة والسياسة : 1/19 - 20 ؛ علم اليقين : 2/686 - 688 .
7) . الشافي : 3/244 .
8) . إثبات الوصيّة : 145 - 146 ؛ الشافي : 3/244 ؛ علم اليقين : 2/686 - 688 .
وفي رواية : لمّا بلغ ذلك العباس بن عبد المطلب أقبل مسرعاً يهرول ويقول : ارفقوا بابن أخي ولكم عليّ أن يبايعكم .. فأخذ هو بيد علي عليه السلام فمسحها على يد أبي بكر ثمّ خلّوه مغضباً .(1)
ثم قال علي عليه السلام : « سمعت رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول : ليجئنّ قوم من أصحابي من أهل العلية والمكانة منّي ليمرّوا على الصراط فإذا رأيتهم ورأوني .. وعرفتهم وعرفوني ..
اختلجوا دوني فأقول : أي ربّ أصحابي .. أصحابي ! فيقال : ما تدري ما أحدثوا بعدك ، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم حيث فارقتهم ، فأقول : بُعداً وسُحقاً » .(2)
وأما فاطمة عليهاالسلام ؛ فبقيت آثار العصرة القاسية في جسمها ، وأصبحت مريضة عليلة حزينة،(3)ولزمت الفراش ، ونحل جسمها ، وذاب لحمها ، وصارت كالخيال،(4)ومرضت مرضاً شديداً ، ولم تدع أحداً ممن آذاها يدخل عليها ،(5)بل جاءها العباس بن عبد المطلب عائدا فقيل له : إنّها ثقيلة وليس يدخل عليها أحد !(6)
وكان أمير المؤمنين عليه السلام يكتم أمرها ، ويخفي خبرها ، ويمرّضها بنفسه ، وتعينه على ذلك أسماء بنت عميس سرّاً .(7)
أقول : هذا في الظاهر ، وأمّا في الواقع فإن اللّه عزّ وجلّ بعث إليها مريم بنت عمران تمّرضها وتؤسها في علّتها كما مرّت روايتها في الفصل الأول .
1) . تفسير العياشي : 2/68 ؛ الاختصاص : 187 .
2) . كتاب سليم : 93 ( الطبعة المحققة : 2 / 599 الحديث الرابع ) . أقول : هذه القطعة من الرواية جاءت في كثير من كتب العامة ، وقد مرّ بعضها في أوائل الفصل الثاني ، فراجع .
3) . مؤتمر علماء بغداد : 63 .
4) . دعائم الإسلام : 1/232 .
5) . دلائل الإمامة : 45 ، وعنه في بحار الأنوار : 43/170 .
6) . أمالي الشيخ الطوسي : 1 / 156 - 155 ط النجف ؛ بحار الأنوار : 43 / 209 - 210 .
7) . أمالي الشيخ المفيد قدس سره : 281 ؛ أمالي الشيخ الطوسي رحمه الله 1/107 : بحار الأنوار : 43/193 ، 211 ، وله مصادر أُخرى انظر الرواية المرقّمة [ 130 ] في الفصل الآتي .
فما رئيت ضاحكة إلى أن قبضت ،(1)وما زالت بعد أبيها معصّبة الرأس ، ناحلة الجسم ، منهدة الركن ، باكية العين ، محترقة القلب ، يغشى عليها ساعة بعد ساعة ، وتقول - لولديها - : « أين أبوكما الذي كان يُكرمكما ويحملكما مرة بعد مرة ؟ أين أبوكما
الذي كان أشدّ الناس شفقة عليكما ؟ فلا يدعكما تمشيان على الأرض ، ولا أراه يفتح هذا الباب أبدا ، ولا يحملكما على عاتقه كما لم يزل يفعل بكما » .(2)
و رأت في منامها النبي صلى الله عليه و آله قالت : « فشكوت إليه ما نالنا من بعده ، فقال لي : « لكم الآخرة التي أُعدت للمتقين ، وإنك قادمة عليّ عن قريب » .(3)
وكان من دعائها في شكواها :
« يا ربّ ! إني سئمت الحياة وتبرّمت بأهل الدنيا فألحقني بأبي .. » .(4)
« يا حيّ ! يا قيّوم ! برحمتك أستغيث فأغثني ، اللهم زحزحني عن النار ، وأدخلني الجنة ، وألحقني بأبي محمد صلى الله عليه و آله » ، فكان أمير المؤنين عليه السلام يقول لها : « يعافيك اللّه ويُبقيك .. » فتقول : « يا أبا الحسن ! ما أسرع اللحاق باللّه ! » .(5)
فلمّا ثقلت واشتدّ مرضها ،(6)قال عمر لأبي بكر : انطلق بنا إلى فاطمة عليهاالسلام فإنّا قد أغضبناها .. فاستأذنا عليها فلم تأذن لهما ،(7)فطالت عليهما المدافعة ،(8)
1) . حلية الأولياء : 2/43 ؛ المعجم الكبير للطبراني : 22/399 ؛ الطبقات الكبرى لابن سعد : 2/ ق 2/84 ؛ المستدرك للحاكم : 3/162 ؛ تهذيب الكمال للمزي : 35/251 ؛ مجمع الزوائد للهيثمي : 9/211 - 212 ؛ البداية والنهاية لابن كثير : 6/367 .
2) . المناقب : 3 / 362 ؛ روضه الواعظين : 1 / 150 ؛ بحارالأنوار : 43 / 181 .
3) . بحارالأنوار : 43 / 218 .
4) . كما مرّ روايتها في الفصل الأول .
5) . مصباح الأنوار ، وعنه في بحار الأنوار 43 / 217 و 78 / 233 .
6) . كتاب سليم : 253 ( الطبعة المحققة : 2 / 869 الحديث الثامن والأربعون ) ، وعنه في بحار الأنوار : 28/303 .
7) . الإمامة والسياسة : 1 / 19 .
8) . الشافي : 4/214 ، وعنه في شرح نهج البلاغة : 16/218 .
فأتيا علياً عليه السلاموقالا : قد كان بيننا وبينها ما قد علمت ، فإن رأيت أن تأذن لنا فنعتذر إليها من ذنبنا .(1)
وفي رواية : فلمّا رأى ذلك أبو بكر أعطى اللّه عهداً لا يظلّه سقف بيت حتى يدخل على فاطمة عليه السلام ويترضّاها ، فبات ليلة في الصقيع(2)ما أظلّه شيء .
ثم إن عمر أتى علياً عليه السلام فقال له : إنّ أبا بكر شيخ رقيق القلب ! وقد كان مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله في الغار فله صحبة ، وقد أتيناها غير هذه المرّة مراراً نريد الإذن عليها وهي تأبى أن تأذن لنا حتى ندخل عليها فنتراضى ، فإن رأيت أن تستأذن لنا عليها فافعل ، قال : « نعم » .
فدخل علي عليه السلام على فاطمة عليهاالسلام فقال : « يا بنت رسول اللّه ! قد كان من هذين الرجلين ما قد رأيت .. وقد تردّدا مراراً كثيرة ... ورددتِهما ولم تأذني لهما ، وقد سألاني أن أستأذن لهما عليك » .
فقالت : « واللّه لا آذن لهما ولا أكلّمهما كلمة من رأسي حتى ألقى أبي فأشكوهما إليه بما صنعاه وارتكباه مني .. » فألحّ عليها علي عليه السلام(3)وقال : « فإنّي ضمنت لهما ذلك » ، قالت : « إن كنت قد ضمنت لهما شيئاً .. فالبيت بيتك ، والنساء تتبع الرجال ، لا أُخالف عليك بشيء ، فائذن لمن أحببت » .
فخرج علي عليه السلام فأذن لهما ، فلمّا وقع بصرهما على فاطمة عليهاالسلام سلّما عليها .. فلم تردّ عليهما وحوّلت وجهها الكريم عنهما !! فتحوّلا واستقبلا وجهها ، حتى فعلت مراراً ، وقالت : « يا علي ! جاف الثوب(4).. » وقالت لنسوة حولها : « حوّلنوجهي .. » فلمّا حوّلن وجهها حَوَّلا إليها ، فقال أبو بكر : يا بنت رسول اللّه ! إنّما أتيناكِ
ابتغاء مرضاتكِ ، واجتناب سخطكِ ، نسألكِ أن تغفري لنا وتصفحي عمّا كان منّا إليكِ .
قالت : « لا أُكلمكما من رأسي كلمة واحدة حتى ألقى أبي .. وأشكوكما إليه .. وأشكو صنعكما وفعالكما وما ارتكبتما منّي » .
قالا : إنا جئنا معتذرين مبتغين مرضاتك فاغفري واصفحي عنّا ولا تؤاخذينا بما كان منا .
وفي رواية : اعترفنا بالإساءة ورجونا أن تعفي عنا وتخرجي سخيمتك .
فالتفتت إلى علي عليه السلام وقالت : « إنّي لا أُكلمهما من رأسي كلمة حتى أسألهما عن شيء سمعاه من رسول اللّه صلى الله عليه و آله .. فإنْ صدقاني رأيت رأيي .. » .
قالا : اللّهم ذلك لها ، وإنّا لا نقول إلاّ حقّاً ولا نشهد إلاّ صدقاً .
فقالت : « أُنشدكما باللّه ! هل سمعتما النبي صلى الله عليه و آله يقول : « فاطمة بضعة منّي وأنا منها ، من آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى اللّه ، ومن آذاها بعد موتي فكان كمن آذاها في حياتي ، ومن آذاها في حياتي كان كمن آذاها بعد موتي ؟! » .
قالا : اللّهم نعم .
فقالت : « الحمد للّه » ، ثم قالت : « اللّهم إنّي أُشهدك ، فاشهدوا يا من حضرني ، أنهما قد آذياني في حياتي وعند موتي ، واللّه لا أُكلمكما من رأسي كلمة حتى ألقى ربي
فأشكوكما إليه بما صنعتما به وبي وارتكبتما مني .. » .
فدعا أبو بكر بالويل والثبور ، وقال : ليت أُمّي لم تلدني ، فقال عمر : عجباً للناس كيف ولّوك أُمورهم وأنت شيخ قد خرفت ، تجزع لغضب امرأة وتفرح برضاها !! ..(1)
وفي رواية : قالت : « نشدتكما اللّه ! ألم تسمعا رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول : « رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمَنْ أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني ، ومَنْ أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومَنْ أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟ » قالا : نعم .
1) . علل الشرايع : 186 - 187 ، وعنه في بحار الأنوار : 43/202 - 203 .
قالت : « فإني أُشهد اللّه وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني .. ولئن لقيت النبي صلى الله عليه و آله لأشكونّكما إليه » .
فانتحب أبو بكر يبكي ، وهي تقول : « واللّه لأدعونّ اللّه عليك في كل صلاة أُصلّيها » .(1)
أقول : قولها عليهاالسلام : « واللّه لأدعونّ عليك .. » رواه أيضاً البلاذري في أنساب الأشراف : 10/79 (ط دار الفكر) في ترجمة أبي بكر ، والجاحظ في الرسائل (السياسية) : 467 (ط مكتبة دار الهلال) وعنه في شرح نهج البلاغة : 16/264 ؛ والجوهري في السقيفة وفدك ، كما نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : 16 / 214 .
ثم ذكر العيادة أيضاً كحالة في أعلام النساء : 4/123 ؛ الدكتور محمّد بيوّمي مهران في : السيّدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام : 145 ؛ الاستاذ عبد الفتاح في الإمام علي عليه السلام : 1/193 ؛ وفي فاطمة الزهراء عليهاالسلام : 2/253 ؛ توفيق أبو علم في أهل البيت عليهم السلام : 168 ؛ كتاب سليم : 253 ( الطبعة المحققة : 2 / 869 الحديث الثامن والأربعون ) ؛ كفاية الأثر : 65 ؛ دلائل الإمامة : 45 ؛ الشافي : 4/214 ، عنه شرح نهج البلاغة: 16/281 ؛ علل الشرائع : 186 - 187 ، الصراط المستقيم : 2/293 ، وعن بعضهم في بحار الأنوار : 28/303 و 36/307 و 43/170 ، 202 - 203 ، الدرّ النظيم : 483 - 484 .
فلمّا خرجا قالت لأمير المؤمنين عليه السلام : « هل صنعت ما أردت ؟ » قال : « نعم » ، قالت : « فهل أنت صانع ما آمرك به ؟ » قال : « نعم » ، قالت : « فإنّي أُنشدك اللّه ألاّ يصلّيا على جنازتي .. ولا يقوما على قبري » .(2)
أقول : ثمت هناك بضع أسئلة نورد بعضها :
لماذا أخّر أبو بكر وعمر عيادتها وطلب مرضاتها إلى أن ثقلت وأيقنا بوفاتها ؟!
لماذا أصرّت فاطمة عليهاالسلام على المنع وألحّ علي عليه السلام على الإذن لهما ؟!
لماذا لم تردّ فاطمة عليهاالسلام عليهما جواب السلام .. ؟! ألم يكونا مسلمَيْن ؟!
لماذا لم تعف عنهما .. ؟! أليس العفو من الصفات الحسنة التي أمرنا بها في الكتاب والسنّة ؟!
ولماذا .. ولماذا ...
الجواب واضح :إنّهما أرادا بهذه العيادة السياسية تلبيس الأُمور على الناس ، ولذا أخّراها إلى قبل وفاتها ، .. وقد أظهرت فاطمة عليهاالسلام غضبها بمنعها عن العيادة اولاً ، وزاد وضوحاً حين أجاز أمير المؤمنين عليه السلام أن يدخلا عليها ، إذ صرّحت بأنّها تدعو على أبي بكر ، ولذا خرج باكياً .
نعم ، العفو عن المقرّ لا عن المصرّ ، فلو كانا صادقَيْن ! لماذا لم يردّا الخلافة المغتصبة إلى أمير المؤمنين عليه السلام ؟! ولماذا لم يردّا فدكاً إلى فاطمة عليهاالسلام ؟ !
ولماذا ؟! ...
فلمّا نعيت إليها نفسها دعت أُم أيمن وأسماء بنت عميس ، ووجّهت خلف علي عليه السلام وأحضرته ، فقالت : « يا ابن عمّ ! إنه قد نعيت إليّ نفسي ، وإني لا أرى ما بي إلا أنني
لاحق بأبي ساعة بعد ساعة ، وأنا أُوصيك بأشياء في قلبي .. » .
فقال لها علي عليه السلام : « أُوصيني بما أحببت يا بنت رسول اللّه ! » ، فجلس عند رأسها ، وأخرج من كان في البيت .
ثم قالت : « يا ابن عمّ ! ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ، ولا خالفتك منذ عاشرتني » ، فقال عليه السلام : « معاذ اللّه ! أنت أعلم باللّه وأبرّ وأتقى وأكرم وأشدّ خوفا من اللّه من أن أُوبّخك بمخالفتي .. قد عزّ عليّ مفارقتك وتفقّدك إلاّ أنه أمر لابدّ منه .. واللّه
جدّدت عليّ مصيبة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وقد عظمت وفاتك وفقدك ف- « إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ »(1)من مصيبة ما أفجعها وآلمها وأمضّها وأحزنها ! هذه واللّه مصيبة لا عزاء لها ، ورزية لا خلف لها .. » .
ثم بكيا جميعا ساعة ، وأخذ علي عليه السلام رأسها وضمّها إلى صدره ثم قال : « أوصيني بما شئت ، فإنكِ تجدني فيها أمضي كما أمرتني به ، وأختار أمركِ على أمري » .
فقالت : « جزاك اللّه عنّي خير الجزاء يا ابن عم رسول اللّه ! أُوصيك أولاً أن تتزوّج بعدي بابنة أُختي أمامة فإنها تكون لولدي مثلي ، فإن الرجال لابدّ لهم من النساء » .
« أُوصيك - يا ابن عمّ ! - أن تتّخذ لي نعشا ؛(2)
لاحظ : كشف الغمة : 1 / 503 ؛ وسائل الشيعة : 3 / 220 ؛ بحار الأنوار : 43 / 189 و 81 / 250 .
وفى رواية : فقالت فاطمة عليهاالسلام لأسماء : « سترتيني سترك اللّه من النار » ، كما في مصباح الأنوار ، وعنه في بحارالأنوار : 78 / 55 .
فقد رأيت الملائكة صوّروا1) . البقرة 2 : 156 .
2) . وفي بعض الروايات : أنها قالت لأسماء بنت عميس : « ألا ترينّ إلى ما بلغتُ - إذ ذاب لحمها من شدّة المرض - فلا تحمليني على سرير ظاهر ، إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء : أنه يطرح على المرأة الثوب فيصفها لمن رأى ! » فقالت أسماء : أنا أُريك شيئا رأيته بأرض الحبشة .. فدعت بجريدة رطبة فحسّنتها ثم طرحت عليها ثوبا ، فقالت فاطمة عليهاالسلام : « ما أحسن هذا وأجمله ! لا تعرف به المرأة من الرجل » ، وهو أول ما كان النعش ، فتبسّمت ، وما رئيت متبسّمة إلاّ يومئذ .
صورته » . فقال لها : « صفيه لي » .. فوصفته ، فاتخذه لها .
« فإذا أنا متّ فتولّ أنت غسلي .. » .(1)
وقالت لعلي عليه السلام : « فكن مع النسوة فيمن يغسّلني » ، كما في دلائل الإمامة : 44 ، وعنه في بحار الأنوار :43 / 207 .
وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : « أوصت إليّ فاطمة أن لا يغسّلها غيري ، وسكبت [ علي الماء خ ] أسماء بنت عميس » ، كما في بحار الأنوار : 81 / 307 ودعائم الإسلام : 1 / 228 .
« أُوصيك أن لا يشهد أحد جنازتي من هؤاء الذين ظلموني وأخذوا حقّي ، فإنهم عدوّي وعدوّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، ولا تترك أن يصلّي عليّ أحد منهم ولا من أتباعهم ، وادفنّي في الليل إذا هدأت العيون ونامت الأبصار » ،(2)ووصّته بأن يعفي قبرها ،(3)وقالت : « جهّزني ، وصلّ عليّ ، وأنزلني قبري وألحدني ، وسوّ التراب عليّ ، واجلس عند رأسي قبالة وجهي فأكثر من تلاوة القرآن والدعاء ، فإنها ساعة يحتاج الميّت فيها إلى أُنس الأحياء » .
« وأنا أستودعك اللّه تعالى وأُوصيك في ولدي خيرا » ، ثم ضمّت إليها أُم كلثوم فقالت : « إذا بلغت ، فلها ما في المنزل ، ثم اللّه لها » .(4)
قالوا : فلمّا كان اليوم الذي ماتت فيه قالت لسلمى امرأة أبي رافع : « هيّئي لي
1) . وقالت عليهاالسلام لأسماء : « فإذا متُّ فاغسليني أنت ولا يدخلنّ عليّ أحد » ، كما في بحارالأنوار : 43/189 .
2) . روضه الواعظين : 1 / 150 ؛ بحار الأنوار : 43 / 191 وانظر : علل الشرائع : 185 ؛ المناقب: 3/363 ، مصباح الأنوار ، وعنه في بحار الأنوار : 81/390 ، 254 - 255 .
3) . الكافي : 1/458 ؛ أمالى الشيخ المفيد : 281 .
4) . مصباح الأنوار ، وعنه في بحار الأنوار : 82 / 27 .
ماءً » ، فاغتسلت كأحسن ما كانت تغتسل ، ثم قالت : « إيتيني بثيابي الجدد » ، فلبستها ، ثم أتت البيت الذي كانت فيه ، فقالت : « افرشي لي في وسطه » ، ثمّ اضطجعت واستقبلت القبلة ووضعت يدها تحت خدّها ، وقالت : « إني مقبوضة الآن فلا أُكشفنّ » ..(1)
وفي بعض الروايات : أنها قالت : « لا يكشفنّ أحد لي كتفاً » .(2)
المواهب للزرقاني : 3/206 .
ولعلّها تريد بذلك أن تغسل الدم عن ثيابها وجسدها ، وتمنع عن كشف كتفها لتخفي على أمير المؤمنين المظلوم عليه السلام ما أصابها من الضربات الصادرة عن المهاجمين على بيتها ، لاسيّما الأثر الباقي في كتفها من غمد السيف أو السياط ، ولبست ثيابها الجدد لئلاّ يرى ثيابها المضرّجة بالدم !
حين الوفاة
ولمّا حضرتها الوفاة قالت لأسماء : « إن جبرئيل أتى النبي صلى الله عليه و آله - لمّا حضرته الوفاة - بكافور من الجنة فقسّمه أثلاثا : ثُلثا لنفسه ، وثلثا لعلي ، وثلثا لي .. يا أسماء ! إيتيني ببقية حنوط والدي من موضع .. كذا وكذا فضعيه عند رأسي » ، فوضعته ، ثمّ تسجّت بثوبها ، وقالت : « انتظريني هنيهة وادعيني فإن أجبتك وإلاّ فاعلمي أني قد قدمت على أبي صلى الله عليه و آله » ، فانتظرتها هنيهة ثمّ نادتها فلم تجبها .
فنادت : يا بنت محمد المصطفى ! .. يا بنت أكرم من حملته النساء ! .. يا بنت خير من وطئ الحصا ! .. يا بنت من كان من ربّه قاب قوسين أو أدنى ! .. فلم تجبها ، فكشفت الثوب عن وجهها فإذا بها قد فارقت الدنيا ! فوقعت عليها تقبّلها وهي
1) . انظر : الأمالي للشيخ الطوسي : 400 ؛ حليه الأولياء : 2/43 ؛ المعجم الكبير للطبراني: 22 / 399 ؛ مسند أحمد: 6/461 - 462 ؛ الاصابة : 4/379؛ أُسد الغابة : 5/590 ؛ مجمع الزوائد: 9/210 - 211 ؛ مقتل الخوارزمي : 1/81 ؛ البداية والنهاية : 5/350 ؛ وفاء الوفاء : 3 / 903 .. وغيرها منّا ومنهم .
2) . الطبقات لابن سعد : 8/18 ؛ الإصابة : 4/379 ، ط دار الجيل : 8/58 ؛ سير أعلام النبلاء : 2/95 ؛ شرح
تقول : فاطمة ! إذا قدمت على أبيك رسول اللّه فأقرئيه عن أسماء بنت عميس السلام ..
فبينا هي كذلك إذ دخل الحسن والحسين عليهماالسلام فقالا : « يا أسماء ! ما ينيم أُمّنا في هذه الساعة ؟ ! » قالت : يا ابني رسول اللّه ! ليست أُمّكما نائمة ، قد فارقت الدنيا . فوقع عليها الحسن عليه السلام يقبّلها مرة ويقول : « يا أُمّاه ! كلّميني قبل أن تفارق روحي بدني » ... وأقبل الحسين عليه السلام يقبّل رجلها ويقول : « يا أُمّاه ! أنا ابنك الحسين .. كلّميني قبل أن يتصدّع قلبي فأموت » .
فقالت لهما أسماء : يا ابني رسول اللّه ! انطلقا إلى أبيكما علي عليه السلام فأخبراه بموت أُمّكما .. فخرجا حتى إذا كانا قرب المسجد رفعا أصواتهما بالبكاء ، فابتدرهما جميع الصحابة فقالوا : ما يبكيكما يا ابني رسول اللّه ! لا أبكى اللّه أعينكما .. لعلّكما نظرتما إلى موقف جدّكما فبكيتما شوقا إليه ؟ ! فقالا : « لا .. أو ليس قد ماتت أُمّنا فاطمة صلوات
الله عليها ؟ ! » فوقع علي عليه السلام على وجهه ، يقول : « بمن العزاء يا بنت محمد ! كنت بكِ أتعزّى .. ففيمَ العزاء من بعدك ؟ ! » ثم قال :
« لكل اجتماع من خليلين فرقة *** وكل الذي دون الفراق قليل
وإن افتقادي فاطما بعد أحمد *** دليل على أن لا يدوم خليل »(1)
وفي رواية :
ثم إن أمير المؤنين عليه السلام صلّى صلاة الظهر وأقبل يريد المنزل إذا استقبلته الجواري باكيات حزينات ، فقال لهن : « ما الخبر ؟ وما لي أراكن متغيّرات الوجوه والصور ؟ !»
فقلن : يا أمير المؤنين ! أدرك ابنة عمك الزهراء عليهاالسلام .. وما نظنّك تدركها ، فأقبل أمير المؤنين عليه السلام مسرعا حتى دخل عليها ، وإذا بها ملقاة على فراشها وهي تقبض يمينا وتمدّ شمالاً .. فألقى الرداء عن عاتقه والعمامة عن رأسه وحلّ أزراره وأقبل حتى أخذ رأسها وتركه في حجره وناداها : « يا زهراء ! » فلم تكلّمه ، فناداها : « يا بنت محمد المصطفى ! » فلم تكلّمه ، فناداها : « يا بنت من حمل الزكاة في طرف ردائه وبذلها على
1) . كشف الغمة : 1 / 500 ؛ بحار الأنوار : 43 / 186 .
الفقراء ! » فلم تكلّمه ، فناداها : « يا ابنة من صلّى بالملائكة في السماء مثنى مثنى ! » فلم تكلّمه ، فناداها : « يا فاطمة ! كلّميني فأنا ابن عمّك علي بن أبي طالب » ، ففتحت عينيها في وجهه ونظرت إليه وبكت وبكى .. وقال : « ما الذي تجدينه ؟ ! فأنا ابن عمّك علي بن أبي طالب » ، فقالت : « يا ابن العمّ ! إني أجد الموت الذي لابدّ منه ولا محيص
عنه .. وأنا أعلم أنك بعدي لا تصبر على قلّة التزويج ، فإن أنت تزوّجت امرأة اجعل لها يوما وليلة واجعل لأولادي يوما وليلة .. يا أبا الحسن ! ولا تصح في وجوههما .. فيصبحان يتيمين غريبين منكسرين ، فإنهما بالأمس فقدا جدّهما واليوم يفقدان أُمهما ..
فالويل لأُمة تقتلهما وتبغضهما » ، ثم أنشأت تقول :
« ابكني إن بكيت يا خير هادي *** وأسبل الدمع فهو يوم الفراق
يا قرين البتول ! أُوصيك بالنسل *** فقد أصبحا حليف اشتياق
ابكني وابك لليتامى ولا *** تنس قتيل العدى بطفّ العراق
فارقوا فأصبحوا يتامى حيارى *** يحلف اللّه فهو يوم الفراق »(1)
ولمّا حضرتها الوفاة بكت ، فقال لها أمير المؤمنين عليه السلام : « يا سيدتي ! ما يبكيك ؟ »
قالت : « أبكي لما تلقى بعدي » .
فقال لها : « لا تبكي ! فواللّه إن ذلك لصغير في ذات اللّه » .(2)
1) . بحار الأنوار : 43 / 177 عن بعض الكتب . وهنا رواية أُخرى لا بأس بذكر قطعة منها ، وفيها : ..أخذت بيد الحسن والحسين عليهماالسلام فذهب بهما إلى قبر رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فصلّت بين القبر والمنبر ركعتين ، ثمّ ضمّتهما إلى صدرها وألزمتهما .. وقالت : يا أولادي ! اجلسا عند أبيكما ساعة ، وأمير المؤمنين عليه السلام يصلّي في المسجد ، ثمّ رجعت من عندهما نحو المنزل ، فحملت ملاط النبي صلى الله عليه و آله فاغتسلت ولبست فضل ثوبه ، ثمّ نادت : يا أسماء ! فقالت : لبّيك يا بنت رسول اللّه ! فقالت فاطمة عليهاالسلام : لا تفاقديني فإني في هذا البيت واضعة جنبي ساعة ، فإذا مضت ساعة ولم أخرج فناديني ثلاثا فإن أجبتك فادخلي وإلاّ فاعلمي اني اُلحقت برسول اللّه صلى الله عليه و آله ، ثمّ قامت مقام رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وصلّت ركعتين ، ثمّ طالت وبارت وجهها بطرف ردائها - وقيل : بل ماتت في سجودها - فلمّا مضت ساعة أقبلت أسماء بفاطمة الزهراء عليهاالسلامونادت - ثلاثا - : يا أُمّ الحسن والحسين ! .. يا بنت رسول اللّه ! .. فلم تجب ، فدخلت البيت فإذا هي ميّتة . انظر هامش العوالم : 11 / ق2 / 1093 عن إحقاق الحق 10 / 453 عن مودة القربى : 131 .
2) . مصباح الأنوار ، وعنه في بحار الأنوار : 43/217 .
فسمعوا حسّ الملائكة ! ووجدوا رائحة طيّبة كأطيب ما يكون من الطيب ..(1)فنظرت نظرا حادّا .. ثم قالت : « أترون ما أرى ؟ » فقيل لها : ماترى ؟ قالت : « هذه مواكب أهل السماوات .. وهذا جبرئيل .. وهذا رسول اللّه .. ويقول : « يا بنية ! اقدمي فما أمامك خير لك » ، ثم أقبلت تقول : « وعليكم السلام .. يا ابن عم ! قد أتاني جبرئيل مسلّما وقال لي : « السلام يقرأ عليك السلام يا حبيبة حبيب اللّه وثمرة فؤده ! اليوم تلحقين بالرفيع الأعلى وجنة المأوى »، ثم انصرف عني » .
ثم قالت : « وعليكم السلام .. يا ابن عم ! هذا - واللّه - ميكائيل وقال لي كقول صاحبه » .
ثم قالت : « وعليكم السلام .. - وفتحت عينيها فتحا شديدا - يا ابن عم ! هذا والله الحق ، وهذا عزرائيل قد نشر جناحه بالمشرق والمغرب ... عليك السلام يا قابض الأرواح ! عجّل بي ولا تعذّبني » .
ثم قالت : « إليك ربّي لا إلى النار .. اللهم مع رسولك .. اللهم في رضوانك وجوارك ودارك دار السلام ..» ثم غمضت عينيها ومدّت يديها ورجليها كأنها لم تكن حيّة قطّ .(2)
وفي رواية : أنها لمّا توفّيت ، شقّت أسماء جيبها وخرجت ، فتلقّاها الحسن والحسين عليهماالسلام فقالا : « أين أُمنا ؟ » فسكتت ، فدخلا البيت فإذا هي ممتدّة .. فحرّكها الحسين عليه السلام فإذا هي ميّتة ! فقال : « يا أخاه ! آجرك الله في الوالدة » ، وخرجا يناديان: « يا محمداه ! .. يا أحمداه ! .. اليوم جدّد لنا موتك ؛ إذ ماتت أُمّنا » ثم أخبرا عليا عليه السلام وهو في المسجد ، فغشي عليه حتى رشّ عليه الماء ، ثم أفاق ، فحملهما حتى أدخلهما بيت فاطمة ، وعند رأسها أسماء تبكي وتقول : وايتامى محمد ! كنا نتعزّى بفاطمة بعد موت جدّكما فبمن نتعزّى بعدها ؟ !
فكشف علي عليه السلام عن وجهها فإذا برقعة عند رأسها فنظر فيها فإذا فيها :
« بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، هذا ما أوصت به فاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله أوصت وهي تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن الجنة حقّ والنار حقّ ،
« وَأَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ » .(1)
يا علي ! أنا فاطمة بنت محمد ، زوّجني الله منك لأكون لك في الدنيا والآخرة ، أنت أولى بي من غيري ، حنّطني وغسّلني وكفّنّي بالليل وصلّ عليّ وادفنيّ بالليل ، ولا تُعلم أحدا وأستودعك الله ، واقرأ على ولدي السلام إلى يوم القيامة » .(2)
فصاحت أهل المدينة صيحة واحدة ، واجتمعت نساء بني هاشم في دارها ، فصرخوا صرخة واحدة كادت المدينة أن تتزعزع من صراخهنّ ! وهنّ يقلن : يا سيدتاه ! يا بنت رسول اللّه ! وأقبل الناس إلى علي عليه السلام ، وهو جالس والحسن والحسين عليهماالسلام بين يديه يبكيان ، فبكى الناس لبكائهما ، وخرجت أُم كلثوم - وعليها بُرقعة ، وتجرّ ذيلها .. متجلّلة برداء عليها تسحبها(3)- وهي تقول : يا أبتاه ! يا رسول
اللّه! الآن حقّا فقدناك فقدا لا لقاء بعده أبدا !
واجتمع الناس ، فجلسوا وهم يضجّون وينتظرون أن تخرج الجنازة فيصلّون عليها ، فخرج أبو ذر وقال : انصرفوا .. فإن ابنة رسول اللّه صلى الله عليه و آله قد أُخّر إخراجها في هذه العشية ، فقام الناس وانصرفوا .(4)
وجاءت عائشة تريد أن تدخل عليها ، فقالت أسماء : لا تدخلي .. فكلّمت عائشة أبا بكر ، فقالت : إن هذه الخثعمية تحول بيننا وبين ابنة رسول اللّه عليهاالسلام ! فقالت أسماء : إنها أمرتني أن لا يدخل عليها أحد .(5)
1) . الحجّ 22 : 7 .
2) . بحار الأنوار : 43 / 214 - 215 عن بعض كتب المناقب القديمة .
3) . خ . ل : تسبّجها . قال الجوهري : السُبجة : كساءٌ أسود . يقال : تسبّج الرجل ، إذا لبسه . انظر: الصحاح : 1 / 321 .
4) . روضة الواعظين : 1 / 151 - 152 ، وعنه في بحار الأنوار : 43 / 192 .
5) . كشف الغمة : 1 / 504 ، وعنه في بحار الأنوار : 43 / 189 - 190 .
ثم أتى العباس فقال لأمير المؤنين عليه السلام : ما تريد أن تصنع ؟ قال : « أُخرجها ليلاً » ، فذكر العباس كلمةً خوّفه بها من أبي بكر وعمر(1)] ولكنه عليه السلام لم يعبأ بذلك ، [فلمّا أن هدأت العيون ومضى شطر من الليل غسّلها علي عليه السلام وسكبت الماء أسماء بنت عميس .. ،(2)وحينما كان مشغولاً بتغسيلها بكى بكاءً عالياً ، ثم خرج ودموعه تسيل على خدّيه ، فلمّا سُئل عن ذلك أجاب بأنّه وجد آثار السياط والرفسة والضربات بجسمها .(3)
قال علي عليه السلام : « واللّه لقد أخذت في أمرها وغسّلتها في قميصها ولم أكشفه عنها ، فواللّه لقد كانت ميمونة طاهرة مطهّرة ، ثم حنّطتها من فضلة حنوط رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وكفّنتها وأدرجتها في أكفانها ، فلمّا هممت أن أعقد الرداء ناديت : « يا أُم كلثوم ! يا زينب ! يا سكينة ! !يا فضة ! يا حسن ! يا حسين ! .. هلمّوا تزوّدوا من أُمّكم .. فهذا
الفراق واللقاء في الجنة .. » فأقبل الحسن والحسين عليهماالسلام وهما يناديان : « وا حسرتى لا تنطفئ أبدا من فقد جدّنا محمد المصطفى وأُمّنا فاطمة الزهراء .. يا أُم الحسن ! يا أُم
الحسين ! إذا لقيت جدّنا محمد المصطفى فأقرئيه منا السلام وقولي له : « إنا قد بقينا بعدك يتيمين في دار الدنيا .. » .
فقال أمير المؤنين عليه السلام : « إني أُشهد اللّه أنّها قد حنّت وأنّت ومدّت يديها وضمّتهما إلى صدرها مليّا .. وإذا بهاتف من السماء ينادي : يا أبا الحسن ! ارفعهما عنها
فلقد أبكيا واللّه ملائكة السماوات ! فقد اشتاق الحبيب إلى المحبوب .. » .
قال عليه السلام : « فرفعتهما عن صدرها ، وجعلت أعقد الرداء وأنا أُنشد بهذه الأبيات :
فراقك أعظم الأشياء عندي *** وفقدك فاطم أدهى الثكول
1) . مصباح الأنوار ، وعنه في بحار الأنوار : 81 / 255 .
2) . دعائم الإسلام : 1 / 228 ، بحار الأنوار : 81 / 307 .
3) . راجع : مصائب المعصومين عليهم السلام : 27 ؛ بيت الأحزان: 33 لليزدي ؛ جامع النورين : 244؛ شعشعة الحسينية : 144 - 145 ؛ حزن المؤمنين : 61 ؛ بشارة الباكين : 26 ؛ مرقاة الإيقان : 1/112 ، 125 ؛ أنوار الشهادة : 207 - 208 (مصوّرة) ، ماتمكده : المجلس الثالث عشر .
سأبكي حسرة وأنوح شجوا *** على خلّ مضى أسنى سبيل
ألا يا عين جودي وأسعديني *** فحزني دائم أبكي خليلي »(1)ثم وضعها علي عليه السلام على السرير وقال - للحسن عليه السلام - : « ادع لي أبا ذر » ، فدعاه ليحملاه إلى المصلى ، - وفي رواية : أنه عليه السلام صلّى عليها في دارها(2)- فلمّا فرغ من جهازها أخرج الجنازة وأشعل النار في جريد النخل ومشى مع الجنازة بالنار ،(3)فأخرجها علي والحسن والحسين عليهم السلام ولم يشهدها إلاّ خواصّه ،(4)فصلّى عليها أمير المؤنين عليه السلام فكان يكبّر تكبيرة فيكبّر جبرئيل تكبيرة والملائكة المقرّبون .. إلى أن كبّر أمير المؤنين عليه السلام خمسا .(5)
ثم صلّى ركعتين ورفع يديه إلى السماء فنادى : « هذه بنت نبيك فاطمة أخرجتها من الظلمات إلى النور » ، فأضاءت الأرض ميلا في ميل .. فلمّا أرادوا أن يدفنوها نودوا
من بقعة من البقيع : « إليّ .. إلي .. فقد رفع تربتها مني.. » ، فنظروا فإذا هي بقبر محفور ، فحملوا السرير إليها ليدفنوها ، فخرجت يد فتناولتها ،(6)فوضعها علي عليه السلام في القبر ، وقال : « بسم اللّه الرحمن الرحيم ، بسم اللّه وباللّه وعلى ملة رسول اللّه محمد بن عبد اللّه .. سلّمتك - أيتها الصديقة ! - إلى من هو أولى بك مني ، ورضيت لك بما رضي
1) . بحار الأنوار : 43 / 179 عن بعض الكتب .
2) . مصباح الأنوار ، وعنه في بحار الأنوار : 78 / 390 .
3) . علل الشرايع : 1 / 188 ، وعنه في بحار الأنوار : 81 / 252 .
4) . المشهور حضور سبعة من الأصحاب للصلاة على فاطمة عليهاالسلام ، وهم : سلمان وأبو ذر والمقداد وعمار وحذيفة وعبد اللّه بن مسعود ، وهذا هو المروي عن أمير المؤمنين 7 كما في الخصال : 361 ، ورجال الكشي : 1/34 الحديث الثالث عشر ، ولكن ورد في غير واحد من المصادر حضور جماعة أُخرى معهم ، والمتحصّل من الجميع حضور من ذُكر وعقيل وعبد اللّه بن جعفر وبريدة والعباس وابنيه - فضل وعبد اللّه - واُسامة والزبير ونفر من بني هاشم وبنات أمير المؤمنين عليه السلام ونسوة من قريش وأسماء بنت عميس وخادمتها فضة ، راجع : إعلام الورى : 152 ؛ المناقب : 3/363 ؛ بحار الأنوار : 43/180 ، 183 ، 189 ، 192 ، 199 - 200 و 81/310 ؛ كامل بهائي : 1/312 .
5) . مصباح الأنوار وعنه في بحار الأنوار : 78 / 390 .
6) . المناقب : 3 / 365 ، وعنه في بحار الأنوار : 43 / 184 .
اللّه تعالى لك ، ثم قرأ : « مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى » .(1)
وقال : « اللهم إني راض عن ابنة نبيك .. اللهم إنها قد أُوحشت فآنسها ، اللهم إنها قد هُجرت فصِلْها ، اللهم إنها قد ظُلمت فاحكم لها وأنت خير الحاكمين » .(2)
ثمّ جلس على شفير القبر فقال : « يا أرض ! استودعتك وديعتي هذه بنت رسول اللّه .. » فنودي منها : يا علي ! أنا أرفق بها منك .. فارجع ولا تهتمّ .(3)
فدفنها أمير المؤمنين عليه السلام سرّا وعفى موضع قبرها .. وسوّى قبرها مع الأرض مستويا .. وسوّى حواليها قبورا مزوّرة حتى لا يعرف قبرها .. فغيّبوا قبرها ..(4)فلمّا نفض يده من تراب القبر هاج به الحزن ، فأرسل دموعه على خدّيه وحوّل وجهه إلى قبر رسول اللّه صلى الله عليه و آله فقال : « السلام عليك يا رسول اللّه منّي والسلام عليك من ابنتك وحبيبتك ، وقرّة عينك ، وزائرتك ، والبائتة في الثرى ببقعتك ، والمختار اللّه لها سرعة
اللحاق بك .. قلّ يا رسول اللّه ! عن صفيّتك صبري ، وضعف عن سيّدة النساء تجلّدي ، إلاّ أن في التأسّي لي بسنّتك والحزن الذي حلّ بي لفراقك موضع التعزّي ، ولقد وسّدتك في ملحود قبرك ، بعد أن فاضت نفسك على صدري ، وغمّضتك بيدي ، وتولّيت أمرك بنفسي ، نعم وفي كتاب اللّه أنعم القبول « إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ »(5).. قد استُرجِعَت الوديعة ، وأُخذت الرهينة ، وأُخلست الزهراء فما أقبح الخضراء والغبراء » .
« يا رسول اللّه ! أمّا حزني فسرمد ، وأمّا ليلي فمسهّد ، لا يبرح الحزن من قلبي أو
1) . مصباح الأنوار ، وعنه في بحار الأنوار : 82 / 27 . والآية الشريفة في سورة طه 20 : 55 .
2) . الخصال : 2 / 588 ، وعنه في بحار الأنوار : 78 / 345 و 100 / 256 .
3) . بحار الأنوار : 43 / 214 عن بعض كتب المناقب القديمة .
4) . تكرّر هذه التعابير في النصوص انظر مثلاً : روضة الواعظين : 152 ؛ إعلام الورى : 158 - 159 ؛ تاريخ أهل البيت عليهم السلام : 143 ؛ دلائل الإمامة : 47 - 46 ؛ الكافي : 1 / 458 ؛ أمالي الشيخ المفيد : 281 ؛ أمالي الشيخ الطوسي : 1/ 107 ط النجف ؛ بشارة المصطفى : 258 ؛ كشف الغمة : 1 / 500 ؛ المناقب : 3 / 363 ؛ بحار الأنوار : 43 / 193 ، 211 - 214 و81 / 255؛ العوالم :11 / 519 .
5) . البقرة 2 : 156 .
يختار اللّه لي دارك الّتي فيها أنت مقيم ، كمد مقيّح ، وهمّ مهيّج ، سرعان ما فرّق بيننا وإلى اللّه أشكو .. » .
« وستنبئك ابنتك بتظاهر أُمّتك عليّ وعلى هضمها حقّها .. فاستخبرها الحال ، فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثّه سبيلاً ، وستقول و « يَحْكُم اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ » .(1)
« سلام عليك - يا رسول اللّه ! - سلام مودّع ، لاسئم ولا قال ، فإنْ أنصرف فلا عن ملالة ، وإنْ أقم فلا عن سوء ظنّي بما وعد اللّه الصابرين - الصبر أيمن وأجمل -
ولولا غلبة المستولين علينا لجعلت المقام عند قبرك لزاماً ، والتلبّث عنده معكوفاً ،
ولأعولت إعوال الثكلى على جليل الرزيّة .. فبعين اللّه تدفن بنتك سرّاً .. ويهتضم حقّها قهراً .. ويمنع إرثها جهراً .. ولم يطل العهد، ولم يخلق منك الذكر، فإلى اللّه - يا رسول اللّه - المشتكى ، وفيك أجمل العزاء .. فصلوات اللّه عليها وعليك ورحمة اللّه وبركاته» .(2)
ط النجف ؛ دلائل الإمامة : 47 ؛ بحار الأنوار : 43/193 ، 211 .. وله مصادر أُخرى يأتي مع الإشارة إلى موارد اختلاف النُسخ ، راجع : الرواية المرقّمة ] 130 ] في الفصل الآتي .
وأنشأ يقول :
« أرى علل الدنيا عليّ كثيرة *** وصاحبها حتى الممات عليل
لكل اجتماع من خليلين فرقة *** وإن بقائي عندكم لقليل
وإن افتقادي فاطما بعد أحمد *** دليل على أن لا يدوم خليل »(3)
وقال :
« نفسي على زفراتها محبوسة *** يا ليتها خرجت مع الزفرات
لا خير بعدك في الحياة وإنما *** أبكي مخافة أن تطول حياتي »(4)
وأمر بقبرها فرشّ عليه الماء ، ثم جلس عند قبرها باكيا حزينا ، فأخذ العباس بيده فانصرف به .(1)
فرجع وانسدّ القبر واستوى بالأرض .. فلَم يعلم أين كان إلى يوم القيامة .(2)
ثم إن المسلمين لمّا علموا بوفاتها عليهاالسلام جاءوا إلى البقيع فوجدوا فيه أربعين قبرا جددا ! فأُشكل عليهم قبرها من سائر القبور ، فضجّ الناس .. ولام بعضهم بعضا ، وقالوا : لم يخلف نبيكم فيكم إلاّ بنتا واحدة ، تموت وتدفن ولم تحضروا وفاتها والصلاة عليها .. ولا نعرف قبرها لنزورها !
وأقبل أُناس - منهم أبو بكر وعمر - إلى بيت فاطمة عليهاالسلام ليحضروا الصلاة عليها ، فالتقى المقداد بأبي بكر فقال له : نحن قد دفنّاها ليلاً .
فالتفت عمر إلى أبي بكر وقال : ألم أقل لك : إنهم سيدفنونها ليلاً .. ؟ !
قال المقداد : إنّ فاطمة عليهاالسلام أوصت بذلك لكي لا تصلّيا عليها .
فرفع عمر يده يضرب المقداد على رأسه ووجهه حتى تعب عمر وخلّصه الحاضرون من يده .. فقام المقداد أمامهم وقال : خرجت بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله من الدنيا والدم يسيل من ظهرها وجنبها لما ضربتموها بالسيف والسياط .. أنا عندكم أحقر من عليّ وفاطمة عليهماالسلام ..
ثم قال ولاة الأمر منهم : هاتوا(3)من نساء المسلمين من ينبش هذه القبور حتى نجدها فنصلّي عليها ونزور قبرها ، فبلغ ذلك أمير المؤنين عليه السلام فخرج مغضبا قد
احمرّت عيناه ودرّت أوداجه ، وعليه قباه الأصفر الذي كان يلبسه في كل كريهة - وهو متوكئ على سيفه ذي الفقار - حتى ورد البقيع ، فسار إلى الناس النذير ، وقالوا :
هذا علي بن أبي طالب قد أقبل - كما ترونه - يقسم باللّه : لئن حوّل من هذه القبور حجر ليضعنّ السيف على غابر الآخر ! فأقبل أبو بكر وعمر إليه ، فقالا له : واللّه ما
تركت شيئا من غوائلنا ومساءتنا .. وما هذا إلاّ من شيء في صدرك علينا ! هل هذا إلاّ كما غسّلت رسول اللّه صلى الله عليه و آله دوننا ولم تدخلنا معك ! وكما علّمت ابنك أن يصيح بأبي بكر أن : « انزل عن منبر أبي » ؟ !
فقال لهما علي عليه السلام : « كان الليل وكرهت أن أشخصكم » ، فقال له عمر : ما هذا ، ولكن شحناء في صدرك !
فقال أمير المؤنين عليه السلام : « أمّا إذا أبيتما فإنها استحلفتني بحقّ اللّه وحرمة رسوله وبحقّها عليّ أن لا تشهدا جنازتها ، فهي التي استأذنت لكما عليها فقد رأيتما ما كان من كلامها لكما ، واللّه لقد أوصتني أن لا تحضرا جنازتها ولا الصلاة عليها ، وما كنت الذي أُخالف أمرها ووصيتها إليّ فيكما » .
فقال عمر : ما لك يا أبا الحسن ؟ ! واللّه لننبشنّ قبرها ولنصلينّ عليها.
فقال عليّ عليه السلام : « أما واللّه ما دام قلبي بين جوانحي وذو الفقار في يدي فإنّك لا تصل إلى نبشها، فأنت أعلم » .
قال : دع عنك هذه الهمهمة .. أنا أمضي إلى المقابر فأُنبشها حتى أُصلّي عليها .
فضرب علي عليه السلام بيده إلى جوامع ثوبه فهزّه ثم ضرب به الأرض ، وقال له : « يا ابن السوداء ! أمّا حقّي فقد تركته مخافة أن يرتدّ الناس عن دينهم ، وأمّا قبر فاطمة ، فو الذي نفس علي بيده لئن رمت وأصحابك شيئا من ذلك لأسقينّ الأرض من دمائكم ، فإن شئت فاعرض يا عمر ! .. واللّه لو ذهبت تروم من ذلك شيئا - وعلمت أنك لا تصل إلى ذلك حتى يندر عنك الذي فيه عيناك - فإني كنت لا أُعاملك إلا بالسيف قبل أن تصل إلى شيء من ذلك » .
فقال أبو بكر : يا أبا الحسن ! بحق ّرسول اللّه وبحق من فوق العرش إلاّ خلّيت عنه ، فإنا غير فاعلين شيئا تكرهه . فخلّى عنه ، وتفرّق الناس ولم يعودوا إلى ذلك .(1)
1) . راجع : الهداية الكبرى : 179 - 178 ، كتاب سليم : 255 - 256 ( الطبعة المحققة : 2 / 871 الحديث الثامن والأربعون ) ، وعنه في بحار الأنوار : 43 / 199 ؛ علل الشرايع : 189 ، وعنه في بحار الأنوار : 43/205 - 206 ؛ الاختصاص : 185 ، وعنه في بحار الأنوار : 29/192 ، دلائل الإمامة : 46 ، وعنه في بحار الأنوار : 43/171 ؛ عيون المعجزات : 53 - 54 ، وعنه في بحار الأنوار : 43/212 ؛ مصباح الأنوار ، وعنه في بحار الأنوار : 81 / 254 - 255 ، الدر النظيم : 484 ، كامل بهائي : 1/312 . (فارسي) .
قال عمار : مضيت الى دار سيدي ومولاي أمير المؤنين عليه السلام فاستأذنت الدخول عليه ؟ فأذن لي .. فدخلت عليه ، فوجدته جالسا جلسة الحزين الكئيب والحسن عليه السلام عن يمينه والحسين عليه السلام عن شماله وهو تارة يلتفت الى الحسين عليه السلام ويبكي . . فلمّا نظرت إلى حاله وحال ولده ، لم أملك نفسي دون أن أخذتني العبرة وبكيت بكاءً شديدا ، فلما سكن نشيجي قلت : سيدي ! أتأذن لي بالكلام ؟ قال : « تكلّم يا أبا اليقظان » ، قلت : سيدي ! إنكم تأمرون بالصبر على المصيبة ، فما هذا الحزن الطويل ؟ وإن شيعتك لا يقرّ لهم قرار باحتجابك عنهم ، وقد شقّ ذلك عليهم .
قال : فالتفت إليّ ، وقال : « يا عمار ! إن العزاء عن مثل من فقدتُه لعزيز ، إني فقدت رسول اللّه صلى الله عليه و آله بفقد فاطمة عليهاالسلام، إنها كانت لي عزاء وسلوة ، وكانت إذا نطقت ملأت سمعي بصوت رسول اللّه صلى الله عليه و آله، وإذا مشت لم تخرم مشيته ، وإني ما أحسستُ تألم(1)الفراق إلاّ بفراقها ، وإن أعظم ما لقيت من مصيبتها . . . إني لمّا وضعتها على المغتسل وجدت ضلعا من أضلاعها مكسورا ، وجنبها قد اسودّ من ضرب السياط .. وكانت تخفي ذلك علي مخافة أن يشتدّ حزني ، وما نظرت عيناي إلى الحسن والحسين الاّ وخنقتني العبرة ، وما نظرت إلى زينب باكية الاّ وأخذتني الرقّة عليها » . ثم خرج عليه السلاممع عمار فاستبشر الشيعة بذلك .(2)
ندرج في هذا الفصل ما رواه العامّة في هذه الفاجعة ، أو ما ورد في الكتب المعتمدة عندهم وإن لم يكن مؤلفها منهم ، مثل مروج الذهب للمسعودي ، وتاريخ اليعقوبي .. ونحوهما ، وعند التصفّح لمصادرهم تجدهم قائلين بما نقلنا عنهم ، أو تلقّوا ما رووه بالقبول ، بل صرّح بعضهم بصحّة ما رواه أو حسّنه ..
ثمّ نذكر كلام من حكم بضعف بعض الروايات أو نسبها إلى الشيعة .. وهو إقرار ضمني بوجودها ، ونلحق ذاك ببعض الروايات عن الشيعة ، سواء أكان المؤلّف من الفرقة الحقّة الاثني عشريّة أو الزيديّة أو الإسماعيلية ..
وليُعلم قبل سرد النصوص أنه لا يتوقّع مُمن مُلئ قلبه حبّ الخلفاء والصحابة أن يروي لنا القضية كاملة تامّة ، إذ حبّ الشيء يُعمي ويصمّ . خصوصاً وإنّهم يقولون بعدالة جميع الصحابة ! وأنّ اللّه تعالى غفر جميع ذنوبهم وإنْ تعمّدوها ! فيجب السكوت عمّا صدر عنهم ، بل يجب محوه وإعدامه . وإن أمكنهم إنكاره لأنكروه ، وإلاّ فيحرّفونه أو يأوّلونه ويذكرون له توجيهات بعيدة .. وإنْ عجزوا عن هذا وذاك نهوا عن نقله واستماعه وكتابته .. وإلاّ فهم يضعّفون غالب رواته أو كلهم .. ، وهذا هو السرّ في قلّة ما وصل إلينا منها ، فيترك البعض منهم نقله للتحفّظ على شؤونهم أو مجاملة لخلفاء الجور ، أو طمعاً بالتقرب إلى مواليهم ، ويُعرض البعض الآخر خوفاً أو تقية ..
ومع كل هذا ظهر من بين الكتمين ما ملأ الخافقين ..
فأدنى إشارة للموضوع في رواياتهم كاف للطالب المنصف .. وبالدقّة في القرائن والشواهد - مع ضمّ المنقولات المختلفة - نصل إلى المطلوب .
ولنا بحث وعودة في تفصيل هذا الإجمال يأتي في الفصل السادس .
[ 1 ]روى في كتابه المغازي [ عن ابن شهاب الزهري ] بإسناد جيّد عن إبراهيم بن عبد الرّحمن بن عوف ،(1)قال : إنّ رجالاً من المهاجرين غضبوا في بيعة أبي بكر ، منهم علي عليه السلام والزبير ، فدخلا بيت فاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله ومعهما السلاح ، فجاءهما عمر بن الخطاب في عصابة من المهاجرين والأنصار ، فيهم أُسيد بن حُضير وسلمة بن سلامة بن وقش الأشهليان ، وثابت بن قيس بن شمّاس الخزرجي .. ، فكلّموهما حتّى أخذ أحدهم سيف الزبير فضرب به الحجر حتّى كسره ، [ ثم قام أبو بكر فخطب الناس واعتذر إليهم و .. ] .
رواه عنه أبو الربيع سليمان بن موسى الكلاعي الأندلسي(2)(المتوفى 634) .
وأحمد بن عبد اللّه المحبّ الطبري(3)(المتوفى 694)
والإمام محمّد بن يوسف الصالحي الشامي(4)(المتوفى 942)
والشيخ حسين بن محمّد الدياربكري(5)(المتوفى 982)
1) . أبو إسحاق الزهري ، توفّي سنة 95 أو 96 ه . ، عدّه ابن حبان في الثقات : 4/4 ، وأخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه ، انظر موسوعة رجال الكتب التسعة : 1/63 .
2) . الاكتفاء ... مغازي رسول اللّه صلى الله عليه و آله والثلاثة الخلفاء : 2/446 .
3) . الرياض النضرة : 1/241 .
4) . سبيل الهدى والرشاد : 12/317 .
5) . تاريخ الخميس : 2/169 .
وعبد الملك بن حسين العصامي المكّي(1)(المتوفى 1111)
ويأتي مع زيادات عن الجوهري في الرواية المرقّمة [ 25 ] .
[ 2 ]وروى موسى بن عقبة ، عن سعد بن إبراهيم ، قال : حدّثني إبراهيم بن عبد الرّحمن بن عوف : أنّ عبد الرّحمن بن عوف كان مع عمر [ ذلك اليوم ] وأنّ محمّد بن مسلمة كان معهم ، وأنّه هو الذي كسر سيف الزبير ، [ ثم قام أبو بكر واعتذر إليهم .. ] .
رواه الحاكم (المتوفى 405) وقال : صحيح على شرط الشيخين .(2)
والحافظ البيهقي(3)(المتوفى 458)
والمحبّ الطبري(4)(المتوفى 694)
والحافظ الذهبي(5)(المتوفى 748)
وأبو الفداء ابن كثير الدمشقي (المتوفى 774) وقال : إسناد جيّد .(6)
والحافظ السيوطي(7)(المتوفى 911)
والمتقي الهندي(8)(المتوفى 975)
وا لكاندهلوي .(9)
ورواه أبو بكر الجوهري (المتوفى 323) رواه عنه ابن أبي الحديد .(10)
1) . سمط النجوم العوالي : 2/245 .
2) . المستدرك : 3/66 .
3) . السنن : 8/152 .
4) . الرياض النضرة : 1/241 .
5) . سير اعلام النبلاء - سير الخلفاء الراشدون - : 26 .
6) . البداية والنهاية : 5/270 .
7) . جامع الأحاديث الكبير : 13/83 .
8) . كنز العمال : 5/597 .
9) . حياة الصحابة : 2/13 .
10) . شرح نهج البلاغة : 6/48 .
[ 3 [ ] روى في كتاب الأخبار ] عن ابن عايشة ، عن أبيه ، عن حماد بن سلمة ،(1)
أقول : وهو من رجال الصحاح الستّة ، كما في موسوعة رجال الكتب التسعة : 1/385 .
قال : كان عروة بن الزبير(2)يعذّر أخاه - إذا جرى ذكر بني هاشم وحصره إياهم في الشعب وجمعه لهم الحطب لتحريقهم - ويقول : إنما أراد بذلك إرهابهم ليدخلوا في طاعته كما أُرهب بنوهاشم وجُمع لهم الحطب لإحراقهم إذ هُم أبوا البيعة في ما سلف .رواه عنه المسعودي (المتوفى 346) وقال :
وهذا خبر لا يحتمل ذكره هنا وقد أتينا على ذكره في كتابنا في مناقب أهل البيت وأخبارهم المترجم بكتاب حدائق الأذهان .(3)
ورواه ابن أبي الحديد بنحو أوضح ، فقال : قال المسعودي : وكان عروة بن الزبير يعذر أخاه عبد اللّه في حصر بني هاشم في الشعب وجمعه الحطب ليحرقهم ويقول : إنما أراد بذلك ألاّ تنتشر الكلمة ولا يختلف المسلمون وأن يدخلوا في الطاعة فتكون الكلمة واحدة ! كما فعل عمر بن الخطاب ببني هاشم ، لمّا تأخروا عن بيعة أبي بكر ، فإنه أحضر الحطب ليحرق عليهم الدار !! ..(4)
1) . توفي ابن سلمة سنة 167 ، ذكره ابن حبّان في الثقات : 6/216 وقال : لم يكن من أقرانه مثله بالبصرة في الفضل والدين والعلم والنسك والجمع والكتبة والصلابة في السنّة .
2) . عروة بن الزبير بن العوام الأسدي ، أبو عبد اللّه ، ذكره ابن حبّان في الثقات : 5/194 ، وقال : كان من أفاضل أهل المدينة وعلمائهم . أقول : وهو من رجال الصحاح الستّة ، وفي وفاته بين 93 و 101 أقوال ، راجع : موسوعة رجال الكتب التسعة : 3/29 .
3) . كتاب الأخبار ، للنوفلي ، عنه مروج الذهب : 3/77 ط مؤسسة دار الهجرة قم . وجملة (كما أُرهب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لإحراقهم ) أُسقطت من بعض الطبعات ! فلا تغفل .
4) . شرح نهج البلاغة : 20/147 .
[ 4 ]روى بسنده(1)عن داود بن الحصين :(2).. وغضب علي عليه السلام والزبير ودخلا بيت فاطمة عليهاالسلام وتخلّفا عن البيعة ، فجاءهم عمر في عصابة فيهم أُسيد بن خضير(3)وسلمة بن أسلم بن جريش الأشهلي ، فصاح عمر : اخرجوا أو لنحرقنّها عليكم ، فأبوا أن يخرجوا ، فصاحت بهم فاطمة وناشدتهم اللّه .. فأمر عمر سلمة بن أسلم فدخل عليهما وأخذ سيف أحدهما فضرب به الجدار حتى كسره ، ثم أخرجهما يسوقهما حتى بايعا .
رواه عنه الطبري الإمامي(4)(المتوفى أوائل القرن الرابع)
ومحمّد بن علي بن شهر آشوب المازندراني (المتوفى 588) .(5)
والسيد ابن طاووس (المتوفى 664) .(6)
[ 5 ]وروى الواقدي عن هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ،(7)قال : .. وكان جماعة يجتمعون في بيت فاطمة عليهاالسلام وقت السقيفة ، فقال عمر : وأيم اللّه لئن اجتمع هؤلاء عندك لنفتحل(8)البيت عليهم وليهدمنّ البيت أو لنحرقنّ .. فلمّاسمعوا ذلك انصرفوا .
1) . لعلّه في كتاب السقيفة وبيعة أبي بكر .
2) . أبو سليمان الأموي ، توفي سنة 135 ، ذكره ابن حبان في الثقات : 6/284 ، وهو من رجال الصحاح الستّة ، انظر : موسوعة رجال الكتب التسعة : 1/462 .
3) . كذا ، وقد مرّ ويأتي ضبطه ب- : حضير .
4) . المسترشد : 378 .
5) . مثالب النواصب : 419 الخطّية باختصار .
6) . الطرائف : 238 - 239 .
7) . أسلم العدوي العمري أبو خالد ، أبو زيد المتوفي 80 ، ذكره ابن حبان في الثقات : 4 / 45 وهو من رجال الصحاح الستّة . راجع : موسوعة رجال الكتب التسعة : 1 / 111 .
8) . كذا في المصدر ، ولعلّ الصحيح : لنفتحنّ .
رواه عنه ابن شهر آشوب المازندارني(1)(المتوفى 588)
وروى الواقدي قطعة من الرواية الآتية تحت رقم : [ 12 ] .
[ 6 ]في كتاب معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام : .. وعلى كلّهم بغيت ، عرفنا ذلك في نظرك الشزر ، وقولك الهجر ، و[ في ]تنفسّك الصعداء ، و[ في ] إبطائك عن الخلفاء ، تقاد إلى كل منهم كما يقاد الفحل
المخشوش(2)حتى تبايع وأنت كاره ! ..(3)
رواه من العامّة ؛ أحمد بن أعثم الكوفي(4)(المتوفى 314)
وابن عبد ربه الأندلسي(5)(المتوفى 328)
والخطيب الخوارزمي(6)(المتوفى 568)
وابن أبي الحديد(7)(المتوفى 656)
والقلقشندي(8)(المتوفى 821)
والباعوني الشافعي(9)(المتوفى 871)ومن الشيعة :
الشيخ المفيد(10)(المتوفى 413)
1) . مثالب النواصب : 364 الخطّية .
2) . الجمل المخشوش : هو الّذي جعل في أنفه الخشاش ؛ وهو ما يدخل في عظم أنف البعير من خشب لينقاد .
3) . وقعة صفّين : 87 .
4) . الفتوح : 2/578 .
5) . العقد الفريد : 4/308 - 309 ( طبعة بيروت ، وفي طبعة مصر : 4/334 - 335 ) .
6) . المناقب : 175 .
7) . شرح نهج البلاغة : 15/74 ، 186 .
8) . صبح الأعشى : 1/273 .
9) . جواهر المطالب : 1/357 .
10) . الفصول المختارة : 287 .
والحسيني الزيدي(1)(المتوفى 670)
والعلاّمة البياضي(2)(المتوفى 877)
[ 7 ]وأجاب أمير المؤمنين عليه السلام عنه : « أما بعد ، فقد أتاني كتابك .. وقلت : إني كنت أُقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أُبايع .. ولعمر اللّه لقد أردت أن تذمّ فمدحت ، وأن تفضح فافتضحت ، وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوماً ما لم يكن شاكّاً في دينه ولا مرتاباً بيقينه .. وهذه حجّتي إلى غيرك » .(3)
رواه من العامّة ؛ ابن حمدون(4)(المتوفى 562)
وابن أبي الحديد(5)(المتوفى 656)
والنويري(6)(المتوفى 737)
والقلقشندي(7)(المتوفى 821)
والباعوني الشافعي(8)(المتوفى 871)
ومن الشيعة :
السيّد الرضي(9)(المتوفى 406)
وأبو الصلاح الحلبي(10)(المتوفى 447)
والشيخ الطبرسي(11)(القرن السادس)
1) . أنوار اليقين : 28 ، 385 .
2) . الصراط المستقيم : 3/11 .
3) . خ . ل : عليك وعلى غيرك .
4) . التذكرة الحمدونية : 7/166 .
5) . شرح نهج البلاغة : 15/183 .
6) . نهاية الإرب : 7/236 .
7) . صبح الأعشى : 1/276 .
8) . جواهر المطالب : 1/374 .
9) . نهج البلاغة : 122 - 123 ، كتاب 28 .
10) . تقريب المعارف : 237 .
11) . الاحتجاج : 178 .
وابن حمزة الزيدي(1)(المتوفى 614)
وحسام الدين المحلّي(2)(المتوفى 652)
والحسينى الزيدي(3)(المتوفى 670)
[ 8 ]وروى المنقري في كتاب معاوية إلى محمّد بن أبي بكر : .. فلمّا اختار اللّه لنبيّه صلى الله عليه و آله ما عنده ، وأتمّ له ما وعده ، وأظهر دعوته ، وأبلج(4)حجّته ، [ و ] قبضه(5)إليه - صلوات اللّه عليه - فكان أبوك وفاروقه أوّل من ابتزّه حقّه ، وخالفه على أمره . على ذلك اتقفا واتسقا . ثم إنهما دعواه إلى بيعتهما ، فأبطأ عنهما ، وتلكّأ عليهما ، فهمّا به الهموم ، وأرادا به العظيم ! ..(6)
ورواه علي بن الحسين المسعودي(7)(المتوفى 346)
وابن أبي الحديد(8)(المتوفى 656)
وأبو بكر الدواداري(9)(المتوفى 732)
ومن الشيعة :
الشيخ المفيد(10)(المتوفى 413)
[ 9 ]وروى المنقري ، عن محمّد بن عبيد اللّه ، عن الجرجاني [ قال عمرو بن العاص لمعاوية ] : وقد سمعته أنا وأنت : وهو [ يعني أمير المؤمنين عليه السلام ]يقول :
« لو استمكنت من أربعين رجلاً ! .. » ، فذكر أمراً ، يعني لو أنّ معي أربعين رجلاً يوم
فتش البيت - يعني بيت فاطمة عليهاالسلام - .(1)
وأشار إليه ابن أبي الحديد ، وقال : ذكره كثير من أرباب السنّة .(2)
قد جرت سيرة العقلاء على الأخذ بما يقوله الإنسان إقراراً على نفسه واعترافاً بجنايته ، ولم يختلف في هذا اثنان . ودلّتنا الآثار الواردة في غير واحد من كتب العامة
والشيعة أنّ أبا بكر اعترف عند موته بالهجوم على بيت فاطمة عليهاالسلام وأظهر الندامة .
[ 10 ]عن عبد الرّحمن بن عوف ، عن أبي بكر حال احتضاره : إنّي لا آسى على شيء من الدنيا إلاّ على ثلاث فعلتها ... فوددت أنّي لم أكشف(3)بيت فاطمة عن شيء(4)وإن كانوا(5)أغلقوه على الحرب .(6)
وفي رواية : وذكر [ أي أبو بكر ] في ذلك كلاماً كثيراً .
.. ووددت أنّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين أبي عبيدة أو عمر ، فكان أميراً وكنت وزيراً ... ووددت أنّي كنت سألت رسول اللّه صلى الله عليه و آله لمن هذا الأمر ! فلا ينازعه أحد ، ووددت أني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب .
رواه مع اختلاف يسير مفصّلاً أو مختصراً كثير من علماء الفريقين .
من العامّة :
الحافظ أبو عبيد(1)(المتوفى 224)
الحافظ سعيد بن منصور (المتوفى 227) وقال : حديث حسن .(2)
حميد بن زنجويه(3)(المتوفى 251)
ابن قتيبة الدينوري(4)(المتوفى 276)
اليعقوبي(5)(المتوفى 292)
الطبري(6)(المتوفى 310)
الجوهري(7)(المتوفى 323)
ابن عبد ربّه الأندلسي(8)(المتوفى 328)
خيثمة بن سليمان الإطرابلسي(9)(المتوفى 343)
المسعودي(10)(المتوفى 346)
الطبراني(11)(المتوفى 360)
1) . الاموال : 194 بنحو من الابهام .
2) . كتاب السنن ، عنه وعن غيره جامع الأحاديث الكبير : 13/100 - 101 لم يطبع من كتاب السنن إلاّ المجلّد الثالث والرواية غير موجودة فيه .
3) . الأموال : 1/348 مبهماً و 1/304 من دون إبهام .
4) . الإمامة والسياسة : 1/24 .
5) . تاريخ اليعقوبي : 2/137 .
6) . تاريخ الطبري : 3/430 وبسند آخر : 3/431 .
7) . السقيفة وفدك ، نقله عن ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : 6/51 و 2/46 - 48 .
8) . العقد الفريد : 4/250 (ط بيروت ، مكتبة النهضة المصرية : 4/268 ) .
9) . فضائل الصحابة ، وعنه في كنز العمال : 5/631 ولم نجده في المصدر المطبوع في دار الكتاب العربي ، بيروت !
10) . مروج الذهب : 2/301 - 302 ط بيروت : 2 / 317 .
11) . المعجم الكبير : 1/62 .
الحافظ ابن عساكر(1)(المتوفى 571) وقال : أخبرنا جماعة في كتبهم ..
ضياء الدين المقدسي الحنبلي(2)(المتوفى 643) وقال : هذا حديث حسن .
وابن أبي الحديد(3)(المتوفى 656)
الحافظ الذهبي(4)(المتوفى 748)
ابن كثير الدمشقي(5)(المتوفى 774)
السيوطي(6)(المتوفى 911)
المتقي الهندي(7)(المتوفى 975)
العصامي المكّي(8)(المتوفى 1111)
خير اللّه طلفاح(9)
محمد حسين هيكل(10)
ومن الشيعة :
فضل بن شاذان(11)(المتوفى 260)
الشيخ الصدوق(12)(المتوفى 381)
1) . تاريخ مدينه دمشق : 30/417 - 422 ، بأسانيد جمة، وعنه في مختصر تاريخ دمشق : 13/122.
2) . الأحاديث المختارة : 10/88 - 90 .
3) . شرح نهج البلاغة : 6/51 و 2/46 - 48 .
4) . تاريخ الإسلام : 3/117 - 118 ، سير اعلام النبلاء - سير الخلفاء الراشدون - : 17 .
5) . جامع المسانيد والسنن : 17/65 .
6) . مسند فاطمة الزهراء عليهاالسلام : 17 ط حيدر آباد ؛ جامع الأحاديث : 13/100 - 101 .
7) . كنز العمال : 5/631 ؛ منتخب الكنز : 2/143 .
8) . سمط النجوم العوالي : 2/356 .
9) . كيف السبيل إلى اللّه ، أبو بكر : 12/154 .
10) . الصديق أبو بكر : 326 .
11) . الايضاح : 159 - 161 .
12) . الخصال : 172 .
أبو الصلاح الحلبي(1)(المتوفى 447)
الشيخ الطوسي(2)(المتوفى 460)
ابن شهر آشوب المازندراني(3)(المتوفى 588) وقال : عليه إجماع الأُمّة .(4)
بعض علماء الزيدية عنه أبو جعفر النقيب(5)(القرن السابع)
الحسيني الزيدي(6)(المتوفى 670) وقال : الحديث معروف .
عماد الدين الطبري(7)(القرن السابع)
العلاّمة الحلّي(8)(المتوفى 726)
الحسن بن محمّد الديلمي(9)(المتوفى 771)
عزّ الدين المهلبي الحلّي(10)(المتوفى بعد 840)
العلاّمة البياضي(11)(المتوفى 877)
الشيخ مفلح .. ابن صلاح البحراني(12)(القرن التاسع)
أحمد بن تاج الدين الأسترآبادي(13)(القرن العاشر)
1) . تقريب المعارف : 397 ، 366 (تحقيق تبريزيان) .
2) . تلخيص الشافي : 3/170 .
3) . مثالب النواصب : 155 الخطّية .
4) . مثالب النواصب : 202 - 203 الخطّية .
5) . شرح نهج البلاغة : 20/24 .
6) . أنوار اليقين : 12 .
7) . تحفة الأبرار : 247 . فارسي
8) . نهج الحق : 265 ؛ منهاج الكرامة : 86 ط الحجر ؛ شرح التجريد : 377 .
9) . إرشاد القلوب ، المجلد الثاني ، وعنه في بحار الأنوار : 30/352 .
10) . الأنوار البدريّة ، وعنه في إثبات الهداة : 2/377 .
11) . الصراط المستقيم : 2/296 - 301 .
12) . إلزام النواصب : 217 .
13) . آثار احمدي : 402 . فارسي
المحقق الكركي(1)(المتوفى 940)
العلاّمة المجلسي(2)(المتوفى 1111)
.. وغيرهم منّا ومنهم .. .
فالرواية كما ترى مشهورة بين الفريقين ، وقد حكموا باعتبارها ، أو تلقّوها بالقبول ، فلا قيمة لمناقشة بعضهم فيها لوجود علوان بن داود في سندها كما صدر من العقيلي ،(3)وتبعه الذهبي ،(4)والهيثمي ،(5)وابن حجر العسقلاني ؛(6)إذ يرد عليهم :
أوّلاً : وثّقه ابن حبان في الثقات .
وثانياً : لم يذكره ابن عدي في كتابه الكامل في الضعفاء مع أنه قال في المقدّمة : أنا ذاكر في كتابي هذا كل من ذكر بضرب من الضعف .. ولا يبقى من الرواة الذين لم أذكرهم إلاّ من هو ثقة أو صدوق .
وثالثاً : يروي عن علوان أعلام أهل السنّة ورجال البخاري ومسلم .. كما يظهر من مراجعة ترجمته في ميزان الاعتدال ولسان الميزان .(7)
أقول : وعقد أبو الصلاح الحلبي(8)والعلاّمة المجلسي(9)باباً في ما أظهره أبو بكروعمر من الندامة عند الموت ، والمتتبّع فى كتب أهل السنّة يجد كثيراً منها مروية من طرقهم ، وإن حملها بعضهم على محامل لا يناسبها ، وعليك بالتأمّل في ما رواه
1) . نفحات اللاهوت : 79 .
2) . بحار الأنوار : 30/123 .
3) . الضعفاء الكبير : 3/419 .
4) . ميزان الاعتدال : 3/109 .
5) . مجمع الزوائد : 5/203 .
6) . لسان الميزان : 4/189 .
7) . أخذنا هذه الردود الثلاثة من كتاب إحراق بيت فاطمة عليهاالسلام : 184 - 186 .
8) . تقريب المعارف : 366 - 368 .
9) . بحار الأنوار : 30/121 .
السيوطي(1)لتعرف حقيقة الحال فيها .
[ 11 ]عن أسلم : إنّه حين بويع لأبي بكر - بعد رسول اللّه صلى الله عليه و آله - كان علي والزبير يدخلون على فاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله ويشاورونها ويرجعون في أمرهم .
وفي رواية : كان الزبير والمقداد يختلفان في جماعة من الناس إلى عليّ عليه السلام - وهو في بيت فاطمة عليهاالسلام - فيتشاورون ويتراجعون أُمورهم ، فلمّا بلغ ذلك عمر بن الخطاب خرج حتى دخل على فاطمة فقال :
يا بنت رسول اللّه ! ما من أحد أحبّ إليّ من أبيك وما من أحد أحبّ إلينا بعد أبيك منك ! .. وأيم اللّه ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك أن آمر بهم أن يحرق عليهم البيت .(2)
فلمّا خرج عمر جاؤوها ؛ قالت : « تعلمون أنّ عمر قد جاءني وقد حلف باللّه لئن عدتم ليحرقنّ عليكم البيت ؟(3)وأيم اللّه ليمضينّ ما حلف عليه ، فانصرفوا راشدين
فتروا رأيكم ولا ترجعوا إليّ . .» فانصرفوا عنها ولم يرجعوا إليها حتّى بايعوا لأبي بكر .(4)
رواه من العامّة ؛ عثمان بن أبي شيبة (المتوفى 239) في السنن ، عنه إبراهيم بن عبد اللّه اليمني الشافعي(5)(القرن العاشر)
وأحمد بن عمرو بن الضحّاك (ابن أبي عاصم الشيباني)(6)(المتوفى 287)
وأبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري(1)(المتوفى 323)
والسيوطي(2)(المتوفى 911)
والمتّقي الهندي(3)(المتوفى 975)
والمحدث الشاه ولي اللّه الدهلوي(4)(المتوفى 1176)
ورواه غير واحد من العامّة محرفاً ، كما صنع أحمد بن حنبل (المتوفى 241) فإنّه ذكر الرواية بعينها وقال بدل (تهديد عمر بإحراق الدار) : وكلّمها .(5)
وكذا ابن عبد البرّ(6)(المتوفى 463)
والنويري(7)(المتوفى 733)
والصفدي(8)(المتوفى 764)
فإنّهم ذكروا أيضاً بدل التهديد بالإحراق : ولئن بلغني لأفعلنّ وأفعلنّ .
ورواه من الشيعة :
ابن حمزة الزيدي(9)(المتوفى 614)
ومحمّد بن أحمد بن علي بن الوليد الزيدي(10)(المتوفى 623)
والمنصور باللّه الحسن بن بدر الدين الحسيني(11)(المتوفى 670) ، وفي روايتهما زيادة التهديد بهدم البيت .
1) . السقيفة وفدك ، عنه شرح نهج البلاغة : 2/45 ، وعنه في بحار الأنوار : 28/313 .
2) . مسند فاطمة الزهراء عليهاالسلام : 20 - 21 ؛ جامع الأحاديث : 13/267 جمع الجوامع : 1/ ق 2/1163 .
3) . كنز العمال : 5/651 ؛ منتخب كنز العمال : 2/146 .
4) . قرّة العينين : 78 ؛ إزالة الخفا : 2/29 ، 179 .
5) . فضائل الصحابة : 1/364 .
6) . الاستيعاب : 2/254 . (بهامش الإصابة ، ط دار الجيل : 3/975 ) .
7) . نهاية الارب : 19/40 .
8) . الوافي بالوفيات : 17/311 .
9) . الشافي : 4/174 .
10) . الجواب الحاسم لشبه المغني : 20/ ق 2/269 .
11) . أنوار اليقين : 9 .
والسيد أحمد بن طاووس(1)(المتوفى 673) مختصراً .
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 10 ] .
أبو محمّد عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري(2)( المتوفى 276 ه . )
[ 12 ]بسنده عن عبد اللّه بن عبد الرحمن الأنصاري(3)- في رواية طويلة يذكر فيها السقيفة وما جري فيها وبعدها - : وأما علي عليه السلام والعباس بن عبد المطلب ومن معهما من بني هاشم فانصرفوا إلى رحالهم ومعهم الزبير بن العوام ، فذهب إليهم عمر في عصابة فيهم أُسيد بن حضير وسلمة بن أسلم .. فقالوا : انطلقوا فبايعوا أبا بكر .. فأبوا ، فخرج الزبير بن العوام بالسيف ، فقال عمر : عليكم بالرجل فخذوه .. فوثب عليه سلمة بن أسلم ، فأخذ السيف من يده ؛ فضرب به الجدار ، وانطلقوا به فبايع ، وذهب بنو هاشم أيضاً فبايعوا .
ثم إنّ علياً عليه السلام أُتي به إلى أبي بكر ، وهو يقول : « أنا عبد اللّه وأخو رسوله » ، فقيل له : بايع أبا بكر ، فقال : « أنا أحقّ بهذا الأمر منكم ، لا أُبايعكم وأنتم أولى
بالبيعة لي ، أخذتم هذا الأمر من الأنصار ، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه و آله ، وتأخذونه منا أهل البيت غصباً ؟ ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لما
كان محمّد صلى الله عليه و آله منكم ، فأعطوكم المقادة ، وسلّموا إليكم الإمارة ، وأنا أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار ، نحن أولى برسول اللّه حيّاً وميّتاً فأنصفونا إن كنتم
1) . بناء المقالة الفاطمية : 402 .
2) . هو عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة ، قال ابن حجر العسقلاني : صدوق ، قليل الرواية ، ونقل عن الخطيب أنّه قال : كان ثقة ديّناً فاضلاً ، ونقل عن بعضهم انّه كان منحرفاً عن أهل البيت عليهم السلام ، انظر : لسان الميزان : 6/357 - 359 . وقال محمّد فريد وجدي عند ذكر كتابه الإمامة والسياسة : هو من أقدم الكتب وأوثقها في مسائل الخلافة الإسلامية . راجع : دائرة المعارف : 3/750 .
3) . مشترك بين غير واحد من التابعين وحكموا بوثاقتهم ، راجع : تهذيب التهذيب : 5/291 - 292 ، 294 ، 300.
تؤمنون ، وإلاّ فبوؤوا بالظلم وأنتم تعلمون » .
فقال له عمر : إنك لست متروكاً حتى تبايع .
فقال له علي عليه السلام : « احلب حلباً لك شطره ، واشدد له اليوم أمره يردّده عليك غداً » . ثم قال : « واللّه - يا عمر ! - لا أقبل قولك ولا أُبايعه » .
فقال له أبو بكر : فإن لم تبايع فلا أُكرهك ، فقال أبو عبيدة ابن الجراح لعليّ عليه السلام : يابن عمّ ! إنّك حديث السنّ وهؤلاء مشيخة قومك ، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأُمور ، ولا أرى أبا بكر إلاّ أقوى على هذا الأمر منك ، وأشدّ احتمالاً واضطلاعاً به ، فسلمّ لأبي بكر هذا الأمر ، فإنّك إن تعش ويطل بك بقاء ، فأنت لهذا الأمر خليق وبه حقيق .. في فضلك ودينك وعلمك وفهمك وسابقتك ونسبك وصهرك !! ..
فقال علي عليه السلام : « اللّه اللّه يا معشر المهاجرين ! لا تخرجوا سلطان محمّد صلى الله عليه و آله في العرب عن داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم ، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقّه ، فواللّه - يا معشر المهاجرين ! - لنحن أحقّ الناس به ، لأنّا أهل البيت ، ونحن أحقّ بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب اللّه ، الفقيه في دين اللّه ، العالم بسنن رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، المضطلع بأمر الرعية ، المدافع عنهم الأُمور السيّئة ، القاسم بينهم بالسوية ، وإنّه واللّه لفينا ، فلا تتّبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل اللّه ، فتزدادوا من الحقّ بُعداً .. »
فقال بشير بن سعد الأنصاري : لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك - يا علي ! - قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف عليك اثنان .
.. إلى أن قال : .. وإنّ أبا بكر تفقد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند علي عليه السلام ، فبعث إليهم عمر ، فجاء فناداهم وهم في دار علي عليه السلام ، فأبوا أن يخرجوا .
فدعا بالحطب ، وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها ، فقيل له : يا أبا حفص ! إنّ فيها فاطمة ! قال : وإن !! ..
فخرجوا فبايعوا إلاّ علياً عليه السلام فإنه زعم أنه قال : « حلفت أن لا أخرج ولا أضع ثوبي على عاتقي حتّى أجمع القرآن » ، فوقفت فاطمة عليهاالسلام على بابها ، فقالت : « لا عهد
لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم .. تركتم رسول اللّه صلى الله عليه و آله جنازة بين أيدينا ، وقطعتم أمركم بينكم ، لم تستأمرونا ، ولم تردّوا لنا حقّاً » .
فأتى عمر أبا بكر ، فقال له : ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة ؟ فقال أبو بكر لقنفذ - وهو مولى له - : اذهب فادع لي علياً ، قال : فذهب إلى علي ، فقال له : « ما حاجتك ؟ » فقال : يدعوك خليفة رسول اللّه ، فقال علي عليه السلام : « لَسَريع ما كَذَبتم على رسول اللّه ! » فرجع فأبلغ الرسالة ، قال : فبكى أبو بكر طويلاً . فقال عمر الثانية : لا تمهل هذا المتخلف عنك بالبيعة ، فقال أبو بكر لقنفذ : عد إليه ، فقل له : خليفة رسول اللّه يدعوك لتبايع ، فجاءه قنفذ ، فأدّى ما أمر به ، فرفع عليّ عليه السلام صوته فقال : « سبحان اللّه ! لقد ادّعى ما ليس له » ، فرجع قنفذ ، فأبلغ الرسالة ، فبكى أبو بكر طويلاً .
ثم قام عمر ، فمشى معه جماعة حتى أتوا باب فاطمة عليه السلام ، فدقّوا الباب ، فلمّا سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها : « يا أبت ! يا رسول اللّه ! ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة ؟! » فلمّا سمع القوم صوتها وبكاءها ، انصرفوا باكين ، وكادت قلوبهم تنصدع ، وأكبادهم تنفطر ، وبقي عمر ومعه قوم ، فأخرجوا علياً عليه السلام ، فمضوا به إلى أبي بكر ، فقالوا له : بايع ، فقال : « إن أنا لم أفعله فمه ؟ » قالوا : إذاً واللّه الذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك ، فقال : « إذاً تقتلون عبد اللّه وأخا رسوله » ، قال عمر : أما عبد اللّه فنعم ، وأما أخو رسوله فلا ، وأبو بكر ساكت لا يتكلّم ، فقال له عمر : ألا تأمر فيه بأمرك ؟ فقال : لا أُكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه . فلحق عليّ بقبر رسول اللّه صلى الله عليه و آله يصيح ويبكي ، وينادي : « ي- « ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي » » .(1)
فقال عمر لأبي بكر : انطلق بنا إلى فاطمة فإنّا قد أغضبناها .. فانطلقا جميعاً ، فاستأذنا على فاطمة عليهاالسلام ، فلم تأذن لهما ، فأتيا علياً عليه السلام فكلّماه ، فأدخلهما عليها ، فلمّا
1) . الأعراف 7 : 150 .
قعدا عندها ، حوّلت وجهها إلى الحائط ، فسلّما عليها ، فلم تردّ عليهما السلام !!
فتكلّم أبو بكر فقال : يا حبيبة رسول اللّه ! واللّه إن قرابة رسول اللّه أحبّ إليّ من قرابتي ، وإنك لِأحبّ إليّ من عائشة ابنتي ، ولوددت يوم مات أبوك أني متّ ولا أبقى بعده ، أفتراني أعرفكِ وأعرف فضلكِ وشرفكِ وأمنعكِ حقّكِ وميراثكِ من رسول اللّه إلاّ أني سمعت أباك رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول: لانورّث ، ما تركنا فهو صدقة ! ..
فقالت : « أرأيتكما إن حدّثتكما حديثاً عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله تعرفانه وتفعلان به ؟ » قالا : نعم . فقالت : « نشدتكما اللّه ألم تسمعا رسول اللّه يقول : رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟ »
قالا : نعم ، سمعناه من رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، قالت : « فإنّي أُشهد اللّه وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي لأشكونّكما إليه .. » .
فقال أبو بكر : أنا عائذ باللّه تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة .. ثم انتحب أبو بكر يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق ، وهي تقول : « واللّه لأدعونّ اللّه عليك في كلّ صلاة أُصلّيها » ،(1)
الطبعة المحققة : 2 / 869 الحديث الثامن والأربعون ؛ كفاية الأثر : 65 ؛ دلائل الإمامة : 45 ؛ الشافي : 4/214 ، وعنه في شرح نهج البلاغة : 16/281 ؛ علل الشرائع : 186 - 187 ، الصراط المستقيم : 2/293 ، وعنهم في بحارالأنوار : 28/303 و 36/307 و 43/170 ، 202 - 203 ، الدرّ النظيم : 483 - 484 .
ثم خرج باكياً فاجتمع إليه الناس فقال لهم : يبيت كل رجل منكم معانقاً حليلته ، مسروراً بأهله ، وتركتموني وما أنا فيه ، لا حاجة لي في بيعتكم ، أقيلوني بيعتي .قالوا : يا خليفة رسول اللّه !! إنّ هذا الأمر لا يستقيم ، وأنت أعلمنا بذلك !! إنه إن كان هذا لم يقم للّه دين !!(2)
1) . تجد دعاءها عليهاالسلام عليه في الرسائل الكلاميّة للجاحظ : 467 ، أنساب الأشراف : 10/79 . ثم ذكر العيادة أيضاً كحالة في أعلام النساء : 4/123 ؛ الدكتور محمّد بيوّمي مهران في : السيّدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام : 145 ؛ الاستاذ عبد الفتاح في الإمام علي عليه السلام : 1/193 ؛ وفي فاطمة الزهراء عليهاالسلام : 2/253 ؛ توفيق أبو علم في أهل البيت عليهم السلام : 168 ؛ كتاب سليم : 253
2) . لقد أبطلت السيدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام هذه الدعاوي الجوفاء في خطبتها . فإن الأمر ليس بيد الناس حتى يختاروا لأنفسهم إماماً ، بل لابدّ من تعيينه من قبل اللّه تعالى ، وقد ذكرهم النبيّ صلى الله عليه و آله وهم أمير المؤمنين علي وأحد عشر من أولاده عليهم السلام ، وأشار إليهم أيضاً في خطبة الغدير ..
فقال : واللّه لولا ذلك وما أخافه من رخاوة هذه العروة ما بتّ ليلة ولي في عنق مسلم بيعة بعدما سمعت ورأيت من فاطمة .
قال : فلم يبايع علي عليه السلام حتى ماتت فاطمة عليهاالسلام ، ولم تمكث بعد أبيها إلاّ خمساً وسبعين ليلة .(1)
وروى غير واحد من علماء الفريقين قسماً وافراً منها ، منهم :
الواقدي(2)(المتوفى 207)
وأحمد بن أعثم الكوفي(3)(المتوفى 314)
وأبو بكر الجوهري(4)(المتوفى 323)
والمير خواند(5)(القرن التاسع)
وغياث الدين البلخي المعروف ب- : خواند مير(6)(المتوفى 942)
ومن المعاصرين ؛ كحالة ،(7)وعبدالكريم الخطيب ،(8)والسيد عبدالعزيز سالم ،(9)ومحمد فريد وجدي ،(10)ومحمّد حسين هيكل ..(11)
ومن الشيعة :
1) . الإمامة والسياسة 1 / 17 - 20 .
2) . كتاب الردّة : 46 - 47 .
3) . الفتوح : 1/13 - 14 .
4) . في كتابه السقيفة وفدك ، وعنه في شرح نهج البلاغة : 6/11 - 12 .
5) . روضة الصفا : 2/595 - 597 .
6) . حبيب السير : 1/447 .
7) . أعلام النساء : 4/113 .
8) . الخلافة والإمامة : 248 - 249 .
9) . التاريخ السياسي والحضاري : 177 ؛ تاريخ الدولة العربية : 161 .
10) . دائرة المعارف : 3/758 - 759 .
11) . الصديق أبو بكر : 64 - 65 .
الطبري الإمامي(1)(المتوفى أوائل القرن الرابع)
وابن شهر آشوب المازندراني(2)(المتوفى 588)
والشيخ الطبرسي(3)(القرن السادس)
والحسيني الزيدي(4)(المتوفى 670)
وعزّ الدين المهلبي الحلّي(5)(المتوفى بعد 840)
والشرفي الأُهنومي(6)(المتوفى 1055)
[ 13 ]وقال ابن قتيبة : إنّ محسناً فسد من زخم قنفذ العدوي .
نقله عنه ابن شهر آشوب المازندراني (المتوفى 588) عن كتاب المعارف ،(7)ولكنّه أُسقط من الكتاب وليس في المعارف المطبوع الآن . ويشهد لوجوده في الكتاب ما ذكره الكنجي الشافعي (المتوفى 658) ، فإنّه قال : وزاد (أي المفيد - ظاهراً - ) على
الجمهور ، وقال : إنّ فاطمة أسقطت بعد النبي صلى الله عليه و آله ذكراً كان سمّاه رسول اللّه صلى الله عليه و آله : محسناً . وهذا شيء لم يوجد عند أحد من أهل النقل إلاّ عند ابن قتيبة .(8)
وتقدّمت لابن قتيبة الرواية المرقّمة ب- : [ 10 ] .
( المتوفى 287 ه . )
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 11 ] .
1) . المسترشد : 374 - 376 ، عن زائدة بن قدامة ، عن أبي جعفر محمّد بن علي عليهماالسلام .
2) . مثالب النواصب : 138 - 139 الخطّية .
3) . الاحتجاج : 73 - 75 .
4) . أنوار اليقين : 380 .
5) . الأنوار البدريّة ، عنه إثبات الهداة : 2/377 .
6) . شفاء صدور الناس : 478 - 479 .
7) . المناقب : 3/358 ، وعنه في بحار الأنوار : 43/233 ؛ مثالب النواصب : 419 الخطّية .
8) . كفاية الطالب : 413 .
[ 14 ]عن بكر بن الهيثم ، حدّثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، قال : بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى عليّ عليه السلام حين قعد عن بيعته ، وقال : ائتني به بأعنف العنف ! .. فلمّا أتاه جرى بينهما كلام ، فقال له : « أحلب حلباً لك شطره ، واللّه ما حرّصك على إمارته اليوم إلاّ ليؤمّرك غداً ..» .(1)
ورواه من الشيعة ؛ الشريف المرتضى(2)(المتوفى 436)
والشيخ الطوسي(3)(المتوفى 460)
والحسيني الزيدي(4)(المتوفى 670)
[ 15 ]وروى البلاذري ، عن سليمان التيمي ،(5)وعن ابن عون :(6)إنّ أبا بكر أرسل إلى عليّ يريد البيعة .. فلم يبايع ، فجاء عمر ومعه فتيلة ،(7)فتلقّته فاطمة على الباب ، فقالت فاطمة : « يابن الخطّاب ! أتراك محرّقاً عليّ بابي ؟! » قال : نعم ، وذلك أقوى في ما جاء به أبوك .(8)
ورواه من الشيعة ؛ الشريف المرتضى(9)(المتوفى 436)
1) . أنساب الأشراف : 1/587 . ط دار الفكر : 2 / 269 .
2) . الشافي : 3/240 .
3) . تلخيص الشافي : 3/76 ، وعنه في بحار الأنوار : 28/388 .
4) . أنوار اليقين : 379 .
5) . سليمان بن طرخان التيمي أبو المعتمر ، توفي سنة 143 ، ذكره ابن حبان في الثقات : 4/300 وقال : كان من عبّاد أهل البصرة وصالحيهم ثقة وإتقاناً وحفظاً وسنّة ، وهو من رجال الصحاح الستّة ، لاحظ موسوعة رجال الكتب التسعة : 2/95 .
6) . عبد اللّه بن عون بن أرْطبان المزني ، توفي سنة 150 أو 151 ، ذكره ابن حبان في الثقات : 7/3 وقال : كان من سادات أهل زمانه عبادة وفضلاً وورعاً ونسكاً وصلابة في السنّة وشدّة على أهل بدعة ، وهو من رجال الصحاح الستّة كما في موسوعة رجال الكتب التسعة : 2/325 .
7) . خ . ل : قبس .
8) . أنساب الأشراف : 1/586 . ط دار الفكر : 2 / 268 .
9) . الشافي : 3/241 .
والشيخ الطوسي(1)(المتوفى 460)
وابن شهر آشوب المازندراني(2)(المتوفى 588)
وابن حمزة الزيدي(3)(المتوفى 614)
[ 16 ]وروى البلاذري قال : لمّا قتل الحسين عليه السلام كتب عبد اللّه بن عمر إلى يزيد بن معاوية : أمّا بعد ، فقد عظمت الرزيّة ، وجلّت المصيبة ، وحدث في الإسلام حدث عظيم ، ولا يوم كيوم الحسين عليه السلام ..
فكتب إليه يزيد : أمّا بعد ؛ يا أحمق ! فإنّنا جئنا إلى بيوت منجّدة(4)وفرش ممهّده ، ووسائد(5)منضّدة ، فقاتلنا عنها ، فإن يكن الحقّ لنا فعن حقّنا قاتلنا ، وإن كان الحقّ لغيرنا فأبوك أوّل من سنّ هذا وابتزّ(6)واستأثر بالحقّ على أهله !!
رواه عنه السيد ابن طاووس(7)(المتوفى 664)
والعلاّمة الحلي(8)(المتوفى 726)
[ 17 ]قال : وبلغ أبا بكر وعمر أنّ جماعة من المهاجرين والأنصار قد اجتمعوا مع علي بن أبي طالب عليه السلام في منزل فاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فأتوافي جماعة حتى هجموا الدار وخرج علي عليه السلام ومعه السيف ، فلقيه عمر فصرعه وكسر سيفه ، ودخلوا الدار فخرجت فاطمة عليهاالسلام فقالت : « واللّه لتخرجنّ أو لأكشفنّ
شعري ولأعجنّ إلى اللّه » .(1)
وتقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 10 ] .
[ 18 ]عن حميد بن عبد الرّحمن الحميري :(2)
أقول : وهو من رجال الصحاح الستّة ، راجع : موسوعة رجال الكتب التسعة : 1/400 .
.. وتخلّف علي عليه السلام والزبير واخترط الزبير سيفه وقال : لا أغمده حتى يُبايَع عليّ عليه السلام .. فبلغ ذلك أبا بكر وعمر فقال عمر : خذوا سيف الزبير فاضربوا به الحجر . قال : فانطلق إليهم عمر فجاء بهما تعباً ، وقال : لتبايعان وأنتما طائعان أو لتبايعان وأنتما كارهان .. فبايعا .(3)ورواه عن الطبري كثير من المتأخرين نحو محمد رضا(4)وخيراللّه طلفاح .(5)
ومن الشيعة ؛ محمّد بن علي بن شهر آشوب(6)(المتوفى 588)
[ 19 ]وروى الطبري بسنده عن زياد بن كليب(7)قال : أتى عمر بن الخطاب منزل علي عليه السلام وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين ، فقال : واللّه لأحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة .. فخرج عليه الزبير مصلتاً بالسيف فعثر فسقط السيف من يده ، فوثبوا عليه فأخذوه .(8)
1) . تاريخ اليعقوبي : 2/126 .
2) . قالوا : إنه أفقه أهل البصرة ، توفي سنة 100 ، ذكره ابن حبان في الثقات : 4/147 وقال : كان فقيهاً عالماً .
3) . تاريخ الطبري : 3/203 دار المعارف مصر .
4) . الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام : 33 .
5) . كيف السبيل إلى اللّه ، علي بن أبي طالب عليه السلام : 15/31 .
6) . مثالب النواصب : 419 الخطّية .
7) . أبو معشر ، ( أبو معبد ) التميمي الكوفي ، توفّي سنة 119 أو 120 ، ذكره ابن حبان في الثقات : 6/327 وقال : كان من الحفاظ المتقنّين ، وهو من رجال مسلم وأبي داود والترمذي والنسائي ، انظر : موسوعة رجال الكتب التسعة : 1/539 .
8) . تاريخ الطبري : 3/202 ، وعنه في تشييد المطاعن 1/435 .
ورواه عنه كثير من المتأخّرين ، نحو محمد رضا ،(1)وخير اللّه طلفاح .(2)
ومن الشيعة ؛ محمد بن علي بن شهر آشوب المازندراني(3)(المتوفى 588)
والسيّد ابن طاووس(4)(المتوفى 664)
وتقدّمت للطبري الرواية المرقّمة ب- : [ 10 ] .
تقدّمت له الروايتان المرقّمتان ب- : [ 6 ] و[ 12 ] .
أبو بكر الجوهري ( المتوفى 323 ه . )(5)
من مشايخه : عمر بن شبّة المتوفّى 262 . ومحمد بن زكريّا الغلابي (المتوفى 298) ، ويعقوب بن شيبة السدوسي (المتوفى 262) ، وأحمد بن منصور الرمادي (المتوفى 265) ؛ ومن تلاميذه أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني (المتوفى 356) ، وأبو عبيد اللّه محمّد بن عمران المرزباني (المتوفى 385) ، وأبو أحمد الحسن عبد اللّه العسكري (المتوفى 382) ، وأبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (المتوفى 360) .
راجع : مقدمة كتاب السقيفة وفدك ، للدكتور محمد هادي الأميني .
[ 20 [ ] روى في كتاب السقيفة وفدك ] قال : حدّثنا أبو زيد عمر بن شبّة ،(6)قال : أخبرنا أبو بكر الباهلي ، قال : حدّثنا اسماعيل بن مجالد ، عن الشعبي(7)
1) . الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام : 35 .
2) . كيف السبيل إلى اللّه ، علي بن أبي طالب عليه السلام : 15/32 .
3) . مثالب النواصب : 419 الخطّية .
4) . الطرائف : 238 .
5) . هو أحمد بن عبد العزيز المعروف ب- : أبي بكر الجوهرى البصريالبغدادي صاحب كتاب السقيفة وفدك ، لم يصل إلينا كتابه ، نقل عنه ابن أبي الحديد كثيراً ، ووثّقه مكرّراً ، قال : عالم محدّث كثير الأدب ، ثقة ورع أثنى عليه المحدّثون ورووا عنه .. وقال في موضع آخر : هو من الثقات الأُمناء عند أصحاب الحديث .. وفي موضع ثالث : هو من رجال الحديث ، ومن الثقات المأمونين .. راجع : شرح نهج البلاغة : 2/60 و 16/210 ، 234 .
6) . وهو : عمر بن شبّة بن عبيدة بن زيد بن رائطة بن أبي معاذ النميري البصري النحوي الأخباري المتوفى 262 .
7) . عامر بن شراحيل الفقيه الناصبي ، كان من التابعين ، وفي وفاته بين سنة 103 إلى 110 أقوال ، وهو من رجال الصحاح الستّة ، راجع : موسوعة رجال الكتب التسعة : 2 / 222 .
قال : سأل أبو بكر فقال : أين الزبير ؟ فقيل : عند عليّ وقد تقلّد سيفه ، فقال : قم يا عمر ! قم يا خالد بن الوليد ! انطلقا حتى تأتياني بهما .. فانطلقا ، فدخل عمر ، وقام
خالد على باب البيت من خارج ، فقال عمر للزبير : ما هذا السيف ؟ فقال : نبايع علياً ، فاخترطه عمر فضرب به حجراً فكسره ، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه وقال : يا خالد ! دونكه فأمسكه ، ثم قال لعلي : قم فبايع لأبي بكر ، فتلكّأ واحتبس ، فأخذ بيده وقال : قم ، فأبى أن يقوم ، فحمله ودفعه كما دفع الزبير فأخرجه . ورأت فاطمة ما صنع بهما ، فقامت على باب الحجرة وقالت : « يا أبا بكر ! ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول اللّه ، واللّه لا اكلّم عمر حتى ألقى اللّه » .. .(1)
[ 21 ]قال أبو بكر : وأخبرني أبو بكر الباهلي ، عن إسماعيل بن مجالد ، عن الشعبي ، قال : قال أبو بكر : يا عمر ! أين خالد بن الوليد ؟ قال : هو هذا ، فقال : انطلقا إليهما - يعني علياً والزبير - فأتياني بهما .. فانطلقا ، فدخل عمر ووقف خالد على الباب من خارج .. فقال عمر للزبير : ما هذا السيف ؟ قال : أعددته لأُبايع علياً ، قال : وكان في البيت ناس كثير منهم المقداد بن الأسود وجمهور الهاشميين ، فاخترط عمر السيف فضرب به صخرة في البيت فكسره ، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ، ثم دفعه فأخرجه ، وقال : يا خالد ! دونك هذا .. فأمسكه خالد - وكان خارج البيت مع خالد جمع كثير من الناس أرسلهم أبو بكر ردءاً لهما - . ثم دخل عمر فقال لعلي : قم فبايع .. فتلكّأ واحتبس فأخذ بيده ، وقال : قم .. فأبى أن يقوم ، فحمله ودفعه كما دفع الزبير ، ثم أمسكهما خالد وساقهما عمر ومن معه سوقاً عنيفاً ، واجتمع الناس ينظرون ، وامتلأت شوارع المدينة بالرجال ، ورأت فاطمة ما صنع عمر ، فصرخت وولولت واجتمع معها نساء كثير من الهاشميات وغيرهنّ فخرجت إلى باب حجرتها ونادت: « يا أبا بكر ! ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول اللّه .. واللّه لا أُكلم عمر حتى ألقى اللّه ..» .(2)
[ 22 ]أخبرني أحمد بن إسحاق ، قال : حدّثنا أحمد بن سيّار ، قال : حدّثنا
سعيد بن كثير بن عفير الأنصاري :(1).. وذهب عمر ومعه عصابة إلى بيت فاطمة - منهم أُسيد بن حضير ، وسلمة بن أسلم - فقال لهم : انطلقوا فبايعوا .. فأبوا عليه ،
وخرج إليهم الزبير بسيفه ، فقال عمر : عليكم الكلب .. فوثب عليه سلمة بن أسلم فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار ، ثم انطلقوا به وبعلي ومعهما بنو هاشم ، وعليّ يقول : « أنا عبداللّه وأخو رسول اللّه صلى الله عليه و آله » حتى انتهوا به إلى أبيبكر ، فقيل له :بايع ..(2)
[ 23 ]حدّثنا أبو سعيد عبد الرّحمن بن محمّد ، قال : حدّثنا أحمد بن الحكم ، قال : حدّثنا عبد اللّه بن وهب ، عن ليث بن سعد ،(3)قال : تخلّف عليّ عن بيعة أبي بكر فأُخرج ملبّباً يمضي به ركضاً ، وهو يقول : معاشر المسلمين ! علامَ تضرب عنق رجل من المسلمين لم يتخلّف لخلاف ، وإنما تخلّف لحاجة .. فما مرّ بمجلس من المجالس ، إلاّ يقال له : انطلق فبايع .
وحدّثنا علي بن جرير الطائي ، قال : حدّثنا ابن فضل ، عن الأجلح ، عن حبيب بن ثعلبة بن يزيد ، قال : سمعت علياً يقول : « أما ورب السماء والأرض - ثلاثاً - إنه لعهد النبي الأُمّي إليّ : لتغدرنّ بك الأُمّة من بعدي » .(4)
[ 24 ]وروى عمر بن شبّة ، قال : حدّثني محمد بن يحيى ، قال : حدّثنا غسان بن عبد الحميد ،(5)قال : لمّا أكثر الناس في تخلّف عليّ عليه السلام عن بيعة أبي بكر واشتدّ أبو بكر وعمر عليه في ذلك خرجت أُم مسطح بن أثاثة فوقفت عند القبر ،وقالت :
1) . سعيد الأنصاري أبو عثمان توفّي سنة 226 ، ذكره ابن حبان في الثقات : 8/266 ، وهو من رجال البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي ، لاحظ : موسوعة رجال الكتب التسعة : 2/51 .
2) . شرح نهج البلاغة : 6/11 .
3) . ليث بن سعد أبو الحارث الفقيه ، توفّي سنة 175 ، ذكره ابن حبان في الثقات : 7/360 ، وقال : كان من سادات أهل زمانه فقهاً وعلماً ، وهو من رجال الصحاح الستّة . انظر : موسوعة رجال الكتب التسعة : 3/312 .
4) . شرح نهج البلاغة : 6/45 . هذه رواية أُخرى ولكن ذكرها الجوهري وابن أبي الحديد متصلة بالرواية السابقة للدلالة على أنّ مورد الرواية هو إجباره عليه السلام على البيعة .
5) . غسان بن عبد الحميد بن عبيد بن يسار الكناني ، يروي عن ابن إسحاق ، ذكره ابن حبان في الثقات : 9/2 .
كانت أُمور وأنباء وهنبثة *** لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها *** واختلّ قومك فاشهدهم ولا تغب(1)
[ 25 ]أخبرنا أبو زيد عمر بن شبّة ، قال : حدّثنا إبراهيم بن المنذر ، عن ابن وهب ، عن ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ،(2)قال : غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر بغير مشورة ، وغضب عليّ عليه السلام والزبير فدخلا بيت فاطمة عليهاالسلام معهما السلاح ، فجاء عمر في عصابة منهم أُسيد بن حضير ، وسلمة بن سلامة بن وقش - وهما من بني عبد الأشهل - فصاحت فاطمة عليهاالسلام وناشدتهم اللّه ، فأخذوا سيفَيْ علي والزبير فضربوا بهما الجدار حتى كسروهما ، ثم أخرجهما عمر يسوقهما حتى بايعا ، ثم قام أبو بكر فخطب الناس واعتذر إليهم ، وقال : إنّ بيعتي كانت فلتة وقى اللّه شرّها .. .(3)
[ 26 ]وقد روى بإسناد آخر ذكره : أن ثابت بن قيس بن شماس كان مع الجماعة الذين حضروا مع عمر في بيت فاطمة عليهاالسلام ..(4)
[ 27 ]وحدّثني أبو زيد عمر بن شبّة عن رجاله قال : جاء عمر إلى بيت فاطمة عليهاالسلام في رجال من الأنصار ونفر قليل من المهاجرين ، فقال : والذي نفسي بيده لتخرجنّ إلى البيعة أو لأحرقنّ البيت عليكم ! .. ، فخرج إليه الزبير مصلتاً بالسيف ، فاعتنقه زياد بن لبيد الأنصاري ورجل آخر ، فندر السيف من يده ، فضرب به عمر الحجر فكسره ، ثم أخرجهم بتلابيبهم يساقون سوقاً عنيفاً حتّى بايعوا أبا بكر .(5)
[ 28 ]وقد روي في رواية أُخرى : إن سعد بن أبي وقاص كان معهم في
1) . شرح نهج البلاغة : 2/50 و 6/43 . أقول : وأنشدتها أيضاً السيّدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام خطاباً للنبي صلى الله عليه و آله في الخطبة الفدكية ، وذكرنا في تعليقتها انتساب هذه الأشعار إلى غير واحد من الصحابيات ، فراجع .
2) . محمد بن عبد الرّحمن بن نوفل الأسدي ، المشتهر ب- :يتيم عروة ، وفي وفاته بين 117 إلى 137 أقوال ، ذكره ابن حبان في الثقات : 7/364 ، وهو من رجال الصحاح الستّة ، كما في موسوعة رجال الكتب التسعة : 3/412 .
3) . شرح نهج البلاغة : 2/50 و 6/47 .
4) . شرح نهج البلاغة : 2/50 .
5) . شرح نهج البلاغة : 6/48 .
بيت فاطمة عليهاالسلام والمقداد بن الأسود أيضاً ، وإنهم اجتمعوا على أن يبايعوا علياً عليه السلام ، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت فخرج إليه الزبير بالسيف وخرجت فاطمة عليهاالسلام تبكي وتصيح فنهنهت من الناس ..(1)
[ 29 ]وحدثني أبو زيد عمر بن شبّة ، قال : حدّثنا أحمد بن معاوية ، قال : حدّثني النضر بن شميل ، قال : حدّثنا محمّد بن عمرو ، عن سلمة بن عبد الرّحمن ،(2)قال : لمّا جلس أبو بكر على المنبر ، كان علي عليه السلام والزبير وناس من بني هاشم في بيت فاطمة ، فجاء عمر إليهم فقال : والّذي نفسي بيده لتخرجنّ إلى البيعة أو لأحرقنّ البيت عليكم .
فخرج الزبير مصلتاً سيفه فاعتنقه رجل من الأنصار وزياد بن لبيد ، فبدر السيف ، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر : اضرب به الحجر ، فدقّ به .
قال أبو عمرو بن حماس : فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة ، ويقال : هذه ضربة سيف الزبير ..(3)
وروى عن الجوهري الرواية الأخيرة السيد أحمد بن طاووس(4)(المتوفى 673) ، والسيد علي خان المدني(5)(المتوفى 1120)
وتقدّمت للجوهري الروايات المرقّمة ب- : [ 2 ] ، [ 10 ] ، [ 11 ] ، [ 12 ] .
[ 30 ]قال : الذين تخلّفوا عن بيعة أبي بكر : علي والعباس والزبير فقعدوا
1) . شرح نهج البلاغة : 2/56 .
2) الظاهر أنّه أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المتوفى 94 أو 104 بقرينة رواية محمّد بن عمرو بن علقمة عنه راجع تهذيب التهذيب : 12/127 ، ذكره ابن حبان في الثقات : 5/1 - 2 ، وقال : كان من سادات قريش ، وهو من رجال الصحاح الستّة ، لاحظ : موسوعة رجال الكتب التسعة : 4/404 .
3) . شرح نهج البلاغة : 2/56 .
4) . بناء المقالة الفاطمية : 401 مع اختلاف يسير .
5) . الدرجات الرفيعة : 196 .
في بيت فاطمة ، حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم(1)من بيت فاطمة ، وقال له : إن أبوا فقاتلهم !
فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار .. فلقيته فاطمة فقالت : « يابن الخطاب ! أجئت لتحرق دارنا ؟! » قال : نعم ، أو تدخلوا في ما دخلت فيه الأُمة .(2)
ورواه من العامّة ؛ أبو الفداء(3)(المتوفى 732)
ومن المعاصرين ؛ كحالة ،(4)والبكري(5)
ومن الشيعة ؛ السيد ابن طاووس (المتوفى 664)
وقال : وروى مثل ذلك صاحب كتاب أنفاس المحامل ونفائس الجواهر عن ابن سهلوه .(6)
وتقدّمت لابن عبد ربّه الروايتان المرقّمتان ب- : [ 6 ] و[ 10 ] .
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 10 ] .
تقدّمت له الروايات المرقّمة ب- : [ 3 ] ، [ 8 ] ، [ 10 ] .
ويأتي له الروايتان المرقّمتان ب- : [ 136 ] ، [ 137 ] .
[ 31 ]قال : .. لمّا قبض رسول اللّه صلى الله عليه و آله انتقض نظام الجماعة ، وتشتّت الكلمة ، واضطرب حبل الأُلفة ، وانحاز هذا الحيّ من الأنصار إلى سقيفة بني ساعدة ، وقالوا : منّا أمير ومنكم أمير . واعتزل عليّ بن أبي طالب عليه السلام وطلحة والزبير بن العوام في بيت فاطمة عليهاالسلام ، فأتاهم أبو بكر قبل أن يفرغ من جهاز النبي صلى الله عليه و آله !! .. وقد ذكرت قصة البيعة في ذكر وفاة النبيّ .(1)
أقول : لم يذكر هناك كيفية أخذ البيعة من هؤلاء المتخلّفين ، ولعلّه قد ذكرها إلاّ أنه قد حذفتها الأيدي المحرِّفة ، نعم قوله : فأتاهم أبو بكر ... هنا كاف لمن له أدنى
بصيرة ، إذ الخليفة يؤتى ولا يأتي هو بنفسه لأخذ البيعة ، فتأمّل .
وللمقدسي كلام يأتي تحت رقم : [ 81 ] .
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 10 ] .
[ 32 ] قال :
إن كان عندي درهم *** أو كان في بيتي دقيقْ
فبرئت من أهل الكسا *** وكفرت بالبيت العتيقْ
وظلمت فاطمة البتو *** ل كما تحيّفها عتيقْ
رواه الصفدي(2)(المتوفى 764)
وله أبيات أُخرى تأتي عند ذكر الدفن ليلاً .
23 - ابن حنزابة(1)
[ 33 [ ] قال في كتاب الغرر : ] قال زيد بن أسلم :(2)
والظاهر وقوع سقط في العبارة ؛ لأنّه لم يكن ممّن حضر الواقعة وإنّما يرويها عن أبيه وغيره .
كنت ممّن حمل الحطب مع عمر إلى باب فاطمة حين امتنع علي وأصحابه عن البيعة ،(3)فقال عمر لفاطمة : أخْرجي مَنْ في البيت وإلاّ أحرقته ومن فيه ، قال : وفي البيت علي والحسن والحسين عليهم السلاموجماعة من أصحاب النبيّ .فقالت فاطمة : « أفتحرق عليّ ولدي؟!.. »(4)فقال : إي واللّه أو ليخرجنّ
وليبايعنّ .
رواه عنه ابن شهر آشوب المازندراني(5)(المتوفى 588)
والسيّد ابن طاووس(6)(المتوفى 664)
والعلاّمة الحلّي(7)(المتوفى 726)
[ 34 ]وروى ابن حنزابة ؛ عن الحسين الفضال ، قال : روى عدي بن حاتم
1) . ابن حنزابة ، هو أبو الفضل جعفر بن الفضل البغدادي المتوفى 391 أو أبوه الفضل بن جعفر (المتوفى 327) ، إذ كلاهما مشتركان في التكنية ب- : ابن حنزابة ، قال الذهبي في ترجمة الأول : الإمام الحافظ الثقة ، الوزير الأكمل .. ثم ذكر عن غير واحد من الأعلام وثاقته وجلالة شأنه ، وقال في ترجمة أبيه : كان كاتباً بارعاً ديّناً خيراً . راجع : سير أعلام النبلاء : 16/484 - 488 و 14/479 . وفي مؤلّف كتاب الغرر احتمالات أُخرى ، راجع : تعليقة إحقاق الحق : 2/371 .
2) . أبو عبد اللّه العدوي ، توفي سنة 136 ، ذكره ابن حبان في الثقات : 4/246 وهو من رجال الصحاح الستّة ، انظر موسوعة رجال الكتب التسعة : 1/545 .
3) . خ . ل : أن يبايعوا .
4) . خ . ل : عليّاً وولدي .
5) . مثالب النواصب : 419 الخطّية .
6) . الطرائف : 239 .
7) . نهج الحق : 271 ، وعنه في بحار الأنوار : 28/339 .
وعمرو بن حريث - قال واحد منهما - : ما رحمت أحدا كرحمي علي بن أبي طالب عليه السلام !.. رأيته حين أُتي به إلى بيعة الأول ، فلمّا نظر إلى القبر ، قال : « ي- « ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي » »(1)فقال : بايع ، فقال : « إن لم أفعل ؟ » قال : إذاً نقتلك ، قال : « إذاً تقتلون عبد اللّه وأخا رسول اللّه » .. فبايع وأصابعه
مضمومة !(2)
[ 35 ]عن أبي سعيد الخدري ، قال : لمّا توفي رسول اللّه صلى الله عليه و آله قام خطباء الأنصار .. فلمّا قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير عليّاً عليه السلام ، فسأل عنه ، فقام ناس من الأنصار فأتوا به . فقال أبو بكر : ابن عمّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله وختنه أردت أن تشقّ عصا المسلمين ! فقال : لا تثريب يا خليفة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ! فبايعه ، ثم لم ير الزبير ، فسأل عنه حتى جاؤوا به ، فقال : ابن عمة رسول اللّه صلى الله عليه و آله وحواريه أردت أن تشقّ عصا المسلمين ؟! فقال : لا تثريب يا خليفة رسول اللّه ! فبايعه .(3)
ورواه البيهقي(4)(المتوفى 458)
والذهبي(5)(المتوفى 748)
وابن كثير(6)(المتوفى 774)
وكذا رواه السيوطي(7)(المتوفى 911) ، والمتقي الهندي(8)(المتوفى 975) عن
1) . الأعراف 7 : 150 .
2) . كتاب الغرر ، وكتاب أصفياء أمير المؤمنين عليه السلام ، وعنهما في مثالب النواصب : 141 الخطّية .
3) . المستدرك : 3/76 .
4) . السنن : 8/143 .
5) . تاريخ الإسلام : 3/10 ، سير اعلام النبلاء - سير الخلفاء الراشدون - : 25 .
6) . السيرة النبوية : 4/495 .
7) . جامع الأحاديث الكبير : 13/91 و 15/420 .
8) . كنز العمال : 5/613 .
أبي داود الطيالسي (المتوفى 204) ، وابن سعد (المتوفى 230) ، وابن أبي شيبة (المتوفى 235) ، وابن جرير الطبري (المتوفى 310) ، والبيهقي ، والحاكم ، وابن عساكر
(المتوفى 571) .
وتقدّمت للحاكم الرواية المرقّمة ب- : [ 2 ] .
لفتة نظر
لقد راجعنا مسند الطيالسي فرأينا الحديث قُطع ذيله وأُلصق به حديث آخر ،(1)أما في الطبقات لابن سعد ،(2)والمصنف لابن أبي شيبة ،(3)فلا ندري هل حذف الذيل بسبب المصنف أو أسقطته أيدي التحريف ، كما بدّل بعضهم قوله : (جاؤوا به) و(أتوا به) ب(جاء) ليخفى إخراج أمير المؤمنين عليه السلام والزبير إكراهاً وإجبارهم على البيعة .
وحذراً من الاتهام بالكذب ، قالوا بعد ذكر الرواية : هذا أو ما في معناه !!(4)
للسيوطي : 68 - 69 ؛ الصواعق المحرقة : 11 .
ثم ؛ غرضنا من ذكر هذه الرواية الاستدلال بها على إخراج أمير المؤمنين عليه السلام مكرهاً وإجباره على البيعة ، وإن كان بعض ما فيها من الأكاذيب قطعاً نحو قوله : لا تثريب يا خليفة رسول اللّه ..(5)وبيعته في نفس اليوم - المخالف للنصوص المتواترة بين الفريقين - إذ ورد في صحاح أهل السنّة أنه ما بايع عليه السلام إلاّ بعد وفاة فاطمة عليهاالسلام .وعندنا لم يبايع بالاختيار أبداً ، وإنما بايع مكرهاً بعد أن رأى الدخان دخل بيته !!
1) . مسند أبي داود الطيالسي : 84 .
2) . الطبقات : 3/ ق 1/151 .
3) . المصنف : 14/562 .
4) . البداية والنهاية : 5/269 و 6/333 ؛ السيرة النبوية : 4/494 ؛ السيرة الحلبية : 3/360 ؛ تاريخ الخلفاء
5) . أقول : قريب من هذه الرواية الموضوعة ما ذكرها الكشّي في ضمن روايات موضوعة رويت عند مولانا الإمام الصادق عليه السلام ، وأشار عليه السلام إلى كذبها ، فراجع : اختيار معرفة الرجال : 394 - ترجمة سفيان الثوري - .
[ 36 ]قال في ما قال : وجوابنا : أن هذا إنما يصح لو ثبت أن الصحابة كانوا بين مبايع ومتابع وساكت سكوتاً يدلّ على الرضا ، وهذه صورة الإجماع .. ونحن لا نسلّم ذلك ، فمعلوم أنّ علياً عليه السلام لمّا امتنع عن البيعة هجموا على دار فاطمة عليهاالسلام ، وكذلك
فإنّ عماراً ضرب ، وإنّ زبيراً كسر سيفه ، وسلمان استخفّ به .. فكيف يدّعى الإجماع مع هذا كلّه ؟! وكيف يجعل سكوت من سكت دليلاً على الرضى ؟ !(1)
وللقاضي كلام يأتي في الرقم : [ 83 ] .
[ 37 ]قال : ثم إن النظّام ...(2)طعن في الفاروق عمر ، وزعم ... أنه شك يوم الحديبية في دينه ، وشك يوم وفاة النبي صلى الله عليه و آله ، وأنّه كان في من نفر بالنبي صلى الله عليه و آله ليلة العقبة ، وأنه ضرب فاطمة عليهاالسلام ومنع ميراث العترة .. .(3)
شيئاً من تلك الأُمور ، غير أنه دافع عنهم بأنهم من خيار الصحابة ، ومن أهل بيعة الرضوان !!
ونقلها عن النظّام غير واحد من العامّة والخاصّة .
قال الشهرستاني (المتوفى 548) : وقال (أي النظّام ) : إنّ عمر ضرب بطن فاطمة عليهاالسلاميوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها وكان يصيح : أحرقوا دارها بمن فيها !! .. وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام .(4)
1) . شرح الأُصول الخمسة : 756 ط مكتبة وهبة مصر .
2) . أبو إسحاق إبراهيم بن سيار أُستاذ الجاحظ ، قال الجاحظ : كان النظّام أشدّ الناس إنكاراً على الرافضة لطعنهم في الصحابة ، كما في : شرح نهج البلاغة : 20/31 - 32 .
3) . الفرق بين الفرق : 141 - 140 ط دار المعرفة بيروت ، ثم أخذ المؤلف في الرد على النظّام ، ولكنه لم يذكر
4) . الملل والنحل : 1/57 ط بيروت .
وقال الصفدي (المتوفى 764) : قال النظّام : إنّ عمر ضرب بطن فاطمة عليهاالسلام يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها .(1)
وقال المقريزي (المتوفى 845) : وزعم - أي النظّام - أنه - أي عمر - ضرب فاطمة عليهاالسلام ابنة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ومنع ميراث العترة .(2)
ونقله عن النظّام أيضاً الدكتور عبد الرّحمن بَدَوي(3)والبكري .(4)
ومن الشيعة : السيد مرتضى بن الداعي الحسني الرازي(5)(القرن السادس)
تقدّمت له الروايتان المرقّمتان ب- : [ 2 ] و[ 35 ] .
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 11 ] .
[ 38 ]قال : قال الملك - وهو السلطان ملكشاه السلجوقي - : إنك - أيها العلوي ! - قلت في أوّل الكلام : إنّ أبا بكر أساء إلى فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فما هي إساءته إلى فاطمة ؟
قال العلوي - وهو بعض السادة الأجلاّء من علماء الشيعة في ذلك الزمان - : إنّ أبا بكر بعدما أخذ البيعة لنفسه من الناس بالإرهاب والسيف والتهديد والقوّة أرسل
عمر وقنفذاً وخالد بن الوليد وأبا عبيدة بن الجراح .. وجماعة أُخرى من المنافقين إلى دار علي وفاطمة عليهماالسلام ، وجمع عمر الحطب على باب بيت فاطمة عليهاالسلام وأحرق الباب بالنار ، ولمّا جاءت فاطمة خلف الباب لتردّ عمر وحزبه عصر عمر فاطمة بين الحائط والباب عصرة شديدة قاسية حتى أسقطت جنينها ، ونبت مسمار الباب في صدرها ، وصاحت فاطمة : « يا أبتاه ! يا رسول اللّه ! انظر ماذا لقينا بعدك من ابن الخطّاب وابن
أبي قحافة ! » فالتفت عمر إلى من حوله وقال : اضربوا فاطمة ! .. فانهالت السياط على حبيبة رسول اللّه وبضعته حتى أدموا جسمها ، وبقيت آثار العصرة القاسية والصدمة المريرة تنخر في جسم فاطمة ، فأصبحتْ مريضة عليلة حزينة حتى فارقت الحياة بعد أبيها بأيّام ، ففاطمة شهيدة بيت النبوة .. فاطمة قتلت بسبب عمر بن الخطاب ..
قال الملك للوزير : هل ما يذكره العلوي صحيح ؟
قال الوزير - وهو الخواجه نظام الملك - : نعم انّي رأيت في التواريخ ما يذكره العلوي .(1)
[ 39 ]وقال : وأمّا الذي نقموا به على عمر بن الخطاب همّه(2)بإحراق بيت فاطمة عليهاالسلام ؛ فإنه قد كان ذلك منه على غير ما وهموا(3)به .. وإنّه لمّا تأخّر علي عليه السلام والزبير والمقداد عن بيعة أبي بكر يوم بويع ، كانوا مجتمعين(4)في منزلها ، فسمع بذلك عمر ، فأتى إليهم إلى منزلها [ كذا ] ليعزلهم(5)عمّا كان منهم ، فلم يجدهم
هناك ، فقال لفاطمة : يا بنت رسول اللّه ! ما أحد(1)أحبّ إلينا من أبيك ، ولا أحد بعده أحبّ إلينا منك ، وأيم اللّه ما ذاك بمانعي من أنّه إذا اجتمع عندك هؤلاء النفر أن أحرق عليهم هذا البيت ؛ لأنهم أرادوا شقّ عصا المسلمين بتأخّرهم(2)عن البيعة ! .. ثم خرج عنها ، فلم يلبث أن عادوا إليها ، فقالت لهم :(3)« إن عمر جاءني وحلف باللّه لئن أنتم عدتم إلى هذا البيت ليحرقنّه عليكم ، وأيم اللّه إنه ليصدقنّ في ما(4)حلف عليه .. فانصرفوا عنّي فلا ترجعوا إليّ » . ففعلوا ذلك ولم يرجعوا إليها إلاّ بعدما بايعوا . فهذا هو المعنى ، فأي شيء على عمر من منقود في هذا ؛ لأنه همّ ولم يفعل !! ما أراد بذلك إلاّ الإصلاح !(5)
الثلاث والسبعين فرقة لأبي محمّد اليمني في المدينة المنوّرة ، وما نقلناه عنه موجود في : 1/141 منه مع اختلاف يسير أشرنا إليه .
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 37 ] .
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 7 ] .
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 6 ] .
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 10 ] .
[ 40 ]قال : وتخلّف علي عليه السلام وبنو هاشم والزبير وطلحة عن البيعة ، وقال
الزبير : لا أغمد سيفاً حتى يُبايَع علي عليه السلام ، فقال عمر : خذوا سيفه واضربوا به الحجر .. ثم أتاهم عمر فأخذهم للبيعة .(1)
ورواه النويري(2)(المتوفى 737)
ومن المعاصرين ؛ محمد رضا ..(3)وغيره .
يأتي له الروايتان المرقّمتان ب- : [ 118 ] ، [ 222 ] .(4)
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 1 ] .
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 10 ] .
ابن أبي الحديد المدائني المعتزلي ( المتوفى 656 ه .) (1)
عن الشيعة الإمامية ، فذكره لفضائل أمير المؤمنين عليه السلام وتفضيله على غيره لا يوجب أن يكون الرجل من الشيعة ، كيف وكان هذا مطّرداً في قدماء العامة - لا سيّما المعتزلة منهم - بل لا يسعهم غير هذا ويدلّك على هذا تأويله كلام أمير المؤمنين عليه السلام في الخلفاء ويفسّره حسبما يشتهيه حذراً من تنقيص مواليه كما صرّح بذلك نفسه فقال - في شرح نهج البلاغة : 20/35 - : وحاش للّه أن يكون [ أي علي عليه السلام ] ذكر من سلف من شيوخ المهاجرين والأنصار إلاّ بالجميل والذكر الحسن ، بموجب ما تقتضيه رئاسته في الدين وإخلاصه في طاعة ربّ العالمين ، ومن أحبّ تتبع ما روي عنه مما يوهم في الظاهر خلاف ذلك فليراجع هذا الكتاب - أعني شرح نهج البلاغة - فإنا لم نترك موضعاً يوهم خلاف مذهبنا إلاّ أوضحناه وفسرناه على وجه يوافق الحقّ !!
ومما يدلّ على كونه من المعتزلة قوله ضمن القصائد السبع العلويات - كما في مقدمة شرح نهج البلاغة : 1/14 - :
ورأيت دين الاعتزال وإنني أهوى لأجلك كل من يتشيّع
وقد صرّح بكونه من المعتزلة الشيخ صلاح الدين الصفدي في فوات الوفيات : 2/260 ، والأتابكي في المنهل الصافي : 7/149 ، ومحمد ابو الفضل إبراهيم في مقدمة شرح نهج البلاغة : 1/13 .. وغيرهم . وفي الفقه كان على مذهب الشافعي كما نقله ابن الشعار . انظر : تعليقه فوات الوفيات : 2/259 .
نعم بناءً على ما سلكه بعضهم من أن المناط في التشيّع هو حبّ أهل البيت عليهم السلام وذكر فضائلهم أو الانحراف عن بعض خصوم أمير المؤمنين عليه السلام مثل معاوية وآله كما يستفاد من كلام الذهبي وابن حجر العسقلاني فتتسع دائرة التشيّع ويدخل فيها كثير ممن يتولّى أبا بكر وعمر ، وهذا كما ترى ، ومن هنا رمي بعض علماء السنة بالرفض أو التشيّع .
راجع ترجمة الحاكم النيسابوري في طبقات الشافعية الكبرى ، للسبكي : 4/166 ؛ تذكرة الحفاظ ، للذهبي : 3/227 - 233 و 4/232 ؛ سير أعلام النبلاء : 23/338 ؛ تهذيب التهذيب : 1/94 ترجمة أبان بن تغلب ، قال الذهبي - عند تفسيره التشيع بما ذكرناه - : فهذا كثير في التابعين وتابعيهم .. فلو ردّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية ، وهذه مفسدة بيّنة . انظر : ميزان الاعتدال : 1/5 .
[ 41 ]نقل ابن أبي الحديد عن أُستاذه أبي يعقوب يوسف بن إسماعيل
اللمعاني المعتزلي (القرن السابع) أنّه قال : ... وجرى له في تخلّفه عن البيعة ما هو مشهور ، حتى بايع .
وكان يبلغه وفاطمة عليهاالسلام عنها - أي عن عائشة - كل ما يكرهانه منذ مات رسول اللّه صلى الله عليه و آله إلى أن توفّيت فاطمة عليهاالسلام وهما صابران على مضض ورمض .. وانخذل
1) . من راجع كلمات ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة يعلم مدى تعصّبه وتصلّبه في الموالاة للشيخين وبُعده
علي وفاطمة عليهماالسلام وقُهرا وأُخذت فدك ، وخرجت فاطمة عليهاالسلام تجادل في ذلك مراراً فلم تظفر بشيء ..(1)
[ 42 ]وعن أُستاذه أبي جعفر يحيى بن أبي زيد العلوي النقيب (المتوفى
قبل 644)(2)أنه قال : إذا كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله أباح دم هبار بن الأسود ؛ لأنه روّع زينب فألقت ذا بطنها ، فظهر الحال أنه لو كان حيّاً لأباح دم من روّع فاطمة حتى ألقت ذا بطنها ، فقلت : أروي عنك ما يقوله قوم : إنّ فاطمة رُوّعت فألقت المحسن ؟ فقال : لا تروه عنّي ولا ترو عنّي بطلانه ، فإنّي متوقّف في هذا الموضع ، لتعارض الأخبار عندي فيه !(3)
[ 43 ]وعنه ضمن نقل رسالة لبعض الزيدية : وكيف أدخلت العامة أنفسها في أمر عائشة ... ومَنَعَتْنا نحن عن الحديث في أمر فاطمة عليهاالسلام وما جرى لها بعد وفاة أبيها ؟ !
فإن قلتم : إنّ بيت فاطمة عليهاالسلام إنّما دُخل وسترها إنما كُشف حفظاً لنظام الإسلام !! وكيلا ينتشر الأمر ويخرج قوم من المسلمين أعناقهم من ربقة الطاعة ولزوم الجماعة! ..
قيل لكم : وكذلك ستر عائشة إنما كشف وهودجها إنما هتك لأنها نشرت حبل الطاعة وشقّت عصا المسلمين وأراقت دماء المسلمين من قبل وصول علي بن أبي طالب عليه السلام إلى البصرة ... فإذا جاز دخول بيت فاطمة عليهاالسلام لأمر لم يقع بعد ؛ جاز كشف ستر عائشة على ما قد وقع وتحقق .. فكيف صار هتك ستر عائشة من الكبائر ... وصار كشف بيت فاطمة عليهاالسلام ، والدخول عليها منزلها ، وجمع حطب ببابها وتهدّدها بالتحريق .. من أوكد عرى الدين وأثبت دعائم الإسلام ، ومما أعزّ اللّه به
المسلمين وأطفأ به نار الفتنة !! ..(1)
[ 44 ]وقال أبو جعفر النقيب - في جواب ابن أبي الحديد لمّا سأله : هل أمر أبو بكر خالداً بقتل علي عليه السلام - : .. ولكني أستبعده من أبي بكر ؛ فإنه كان ذا ورع ولم يكن ليجمع بين أخذ الخلافة ومنع فدك وإغضاب فاطمة عليهاالسلام وقتل علي عليه السلام!! حاش للّه من ذلك !! ..(2)
أقول : وفيه تشنيع لطيف يدلّنا على أن الظلم الصادر منه كان مسلّماً عندهم .
ثم ترى نفسه في شرح نهج البلاغة حيرانَ ، فإنّه وقع في حيص وبيص وابتلي بالتناقض ، فمن ناحية يريد التحفّظ على موالاته للخلفاء والذبّ والدفاع عنهم ، ومن ناحية أُخرى يرى نفسه محكوماً بالروايات المتواترة ، مع تصريحه بأنه اشترط على نفسه أن لا يروي عن رجال الشيعة وكتبهم شيئاً ،(3)فتراه تارة ينسب بعض وقائع السقيفة إلى تفرد الشيعة بنقله ، وأُخرى يعترف بأنّ أهل الحديث ذكروها . ونحن نذكر هنا بعض كلماته المتهافتة ولينظر إليها طالب الحقّ بعين الإنصاف .
[ 45 ]قال : .. وعمر هو الذي شدّ بيعة أبي بكر ووقم المخالفين فيها ، فكسر سيف الزبير لمّا جرّده ، ودفع في صدر المقداد ... وتوعّد من لجأ إلى دار فاطمة عليهاالسلام من الهاشميّين وأخرجهم منها .. ولولاه لم يثبت لأبي بكر أمر .. .(4)
[ 46 ]وقال : اختلفت الروايات في قصة السقيفة ؛ فالذي تقوله الشيعة - وقد قال قوم من المحدّثين بعضه ورووا كثيراً منه - : إنّ علياً عليه السلام امتنع من البيعة حتى أُخرج كرهاً ، فلمّا جاء عمر ومعه جماعة من الأنصار وغيرهم قال - في جملة ما قال - : خذوا سيف هذا فاضربوا به الحجر .. ويقال : إنه أخذ السيف من يد الزبير فضرب به حجراً فكسره ، وساقهم كلهم بين يديه إلى أبي بكر فحملهم على بيعته ، ولم يتخلّف إلاّ
علي عليه السلام وحده ، فإنه اعتصم ببيت فاطمة عليهاالسلام فتحاموا إخراجه منه قسراً ، وقامت فاطمة عليهاالسلام إلى باب البيت فأسمعت من جاء يطلبه فتفّرقوا .. وعلموا أنه بمفرده لا يضرّ شيئاً فتركوه ، وقيل : إنهم أخرجوه في من أُخرج وحُمل إلى أبي بكر فبايعه .
وقد روى أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري كثيراً من هذا .
فأما حديث التحريق وما جرى مجراه من الأُمور الفظيعة وقول من قال : إنهم أخذوا علياً عليه السلام يقاد بعمامته والناس حوله .. فأمر بعيد والشيعة تنفرد به ، على أنّ جماعة من أهل الحديث قد رووا نحوه ..(1)
[ 47 ]وقال : فأمّا امتناع علي عليه السلام من البيعة حتى أُخرج على الوجه الذي أخرج عليه فقد ذكره المحدّثون ورواه أهل السير ، وقد ذكرنا ما قاله الجوهري في هذا الباب - وهو من رجال الحديث ومن الثقات المأمونين - ، وقد ذكر غيره من هذا النحو ما لا يحصى كثرة .
فأمّا الأُمور الشنيعة المستهجنة التي تذكرها الشيعة من إرسال قنفذ إلى بيت فاطمة عليهاالسلام ، وأنه ضربها بالسوط فصار في عضدها كالدملج وبقي أثره إلى أن ماتت ، وأن عمر أضغطها بين الباب والجدار فصاحت : « يا أبتاه ! يا رسول اللّه ! » .. وألقت جنيناً ميّتاً ، وجعل في عنق علي عليه السلام حبل يقاد به وهو يعتل(2)وفاطمة خلفه تصرخ وتنادي بالويل والثبور ، وابناه حسن وحسين معهما يبكيان ، وأن عليّاً لمّا أُحضر سألوه البيعة
فامتنع فتهدّد بالقتل ، فقال : « إذن تقتلون عبد اللّه وأخا رسول اللّه » فقالوا : أما عبد اللّه فنعم وأما أخو رسول اللّه فلا .. وأنه طعن فيهم في أوجههم بالنفاق ، وسطر صحيفة الغدر التي اجتمعوا عليها ، وبأنهم أرادوا أن ينفروا ناقة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ليلة العقبة ..
فكلّه لا أصل له [ كذا ] عند أصحابنا ، ولا يثبته أحد منهم ، ولا رواه أهل الحديث
ولا يعرفونه ، وإنّما هو شيء تنفرد الشيعة بنقله .(1)
[ 48 ]وقال - بعد ذكر إبائه عن البيعة واحتجاجه على القوم - : هذا الخبر وغيره من الأخبار المستفيضة يدلّ على أنّه عليه السلام قد كان كاشفهم وهتك القناع بينه وبينهم ، ألا تراه كيف نسبهم إلى التعدّي عليه وظلمه ، وتمنّع من طاعتهم ، وأسمعهم من الكلام أشدّه وأغلظه ..(2)
[ 49 ]وقال : قال أبو بكر [ أي الجوهري ] : وحدّثني المؤمل بن جعفر ، قال : حدّثني محمّد بن ميمون ، قال : حدثني داود بن المبارك ، قال : أتينا عبد اللّه ابن موسى بن عبد اللّه بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب عليهماالسلام - ونحن راجعون من الحج في جماعة - فسألناه عن مسائل - وكنت أحد من سأله - فسألته عن أبي بكر وعمر ، فقال : أُجيبك بما أجاب به جدّي عبد اللّه بن الحسن ، فإنه سُئل عنهما فقال : كانت أُمّنا صدّيقة ابنة نبي مرسل .. وماتت وهي غضبى على قوم .. فنحن غضاب لغضبها .
قال ابن أبي الحديد : قلت : قد أخذ هذا المعنى بعض شعراء الطالبيين من أهل الحجاز ، أنشدنيه النقيب جلال الدين عبد الحميد بن محمد بن عبد الحميد العلوي ، قال : أنشدني هذا الشاعر لنفسه - وذهب عني أنا اسمه - قال :
يا أبا حفص الهوينى وما كن- *** -ت ملياً بذاك لولا الحمام
أتموت البتول غضبى ونرضى *** ما كذا يصنع البنون الكرام
يخاطب عمر ويقول له : مهلاً ورويداً يا عمر ! أي ارفق واتّئد ولا تعنف بنا ، وما كنت ملياً .. أي وما كنت أهلاً لأن تخاطب بهذا وتستعطف ، ولا كنت قادراً على ولوج دار فاطمة على ذلك الوجه الذي ولجتها عليه ، لولا أنّ أباها - الذي كان بيتها يحترم ويصان لأجله - مات ، فطمع فيها من لم يكن يطمع ، ثم قال : أتموت أُمّنا وهي
غضبى ونرضى نحن ؟ إذاً لسنا بكرام ، فإن الولد الكريم يرضى لرضا أبيه وأُمّه ويغضبُ لغضبهما .
ثم قال ابن أبي الحديد : والصحيح عندي أنها ماتت وهي واجدة على أبي بكر وعمر ، وأنّها أوصت ألاّ يصلّيا عليها ، وذلك عند أصحابنا من الأُمور المغفورة لهما !! .. وكان الأولى بهما إكرامها واحترام منزلها .. لكنهما خافا الفرقة وأشفقا من الفتنة ..
ففعلا ما هو الأصلح بحسب ظنّهما !! ..
فإن هذا - لو ثبت أنه خطأ [ ! ! ! ] - لم يكن كبيرة ، بل كان من باب الصغائر التي لا تقتضي التبرؤ ولا توجب زوال التولي !!(1)
[ 50 ]وقال : وقد نقل الناس خبر الزبير لمّا هجم عليه ببيت فاطمة عليهاالسلام وكُسر سيفه في صخرة ضربت به .. .(2)
[ 51 ]وقال : وقد روى كثير من المحدثين أنه عقيب يوم السقيفة تألّم وتظلّم واستنجد واستصرخ حيث ساموه الحضور والبيعة ، وإنه قال - وهو يشير إلى القبر - : « ي- « ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي »(3)» . وأنه قال : « واجعفراه ! ولا جعفر لي اليوم ، واحمزتاه ! ولا حمزة لي اليوم » .
وقد ذكرنا من هذا المعنى جملة صالحة [ كذا ] في ما تقدّم .. إلى أن قال - بعد ادّعاء عدم وجود النصّ على الخلافة - : فإن قالت الإمامية : كان يخاف القتل لو ذكر ذلك . فقيل لهم: فهلاّ يخاف القتل وهو يعتل ويدفع ليبايع .. وهو يمتنع ويستصرخ تارة بقبر رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وتارة بعمّه حمزة وأخيه جعفر وهما ميتان ، وتارة بالأنصار ، وتارة ببني عبد مناف ..
ويجمع الجموع في داره ويبثّ الرسل والدعاة ليلاً ونهاراً إلى الناس يذكّرهم فضله وقرابته .
ويقول للمهاجرين : خصمتم الأنصار بكونكم أقرب إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله وأنا أخصمكم بما خصمتم به الأنصار ؛ لأن القرابة إن كانت هي المعتبرة فأنا أقرب منكم ..
وهلاّ خاف من هذا الامتناع ومن هذا الاحتجاج ومن الخلوة في داره بأصحابه ومن تنفير الناس عن البيعة التي عقدت حينئذ لمن عُقدت له .
وكل هذا إذا تأمّله المنصف علم أن الشيعة أصابت في أمر وأخطأت في أمر ، وأما الأمر الذي أصابت فيه فقولها : إنه امتنع وتلكّأ وأراد الأمر لنفسه .. وأما الأمر الذي أخطأت فيه فقولها : إنه كان منصوصاً عليه نصّاً جليّاً بالخلافة تعلمه الصحابة كلّها(1)
ولا غرض لنا في البحث حول ذلك إذ هو خارج عن موضوع الكتاب ، راجع : المراجعات للسيد شرف الدين ، والغدير للشيخ الأميني .. لاسيّما المجلد الأول منه .. ، وغيرهما .
أو أكثرها ، وإن ذلك النصّ خولف طلباً للرياسة الدنيوية وإيثاراً للعاجلة ، وإن حال المخالفين للنصّ لا تعدو أحد أمرين ؛ إما الكفر أو الفسق .. .(2)[ 52 ]وقال - عقيب رواية تدلّ على التأخير في تجهيز النبي صلى الله عليه و آله - : أنا أعجب من هذا ؛ هب أنّ أبا بكر ومن معه اشتغلوا بأمر البيعة ، فعليّ بن أبي طالب والعباس وأهل البيت بماذا اشتغلوا حتى يبقى النبي صلى الله عليه و آله مسجّى بينهم ثلاثة أيام بلياليهنّ لا يغسّلونه ولا يمسّونه .. ؟!
فكيف يبقى رسول اللّه صلى الله عليه و آله ميّتاً يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء لا يعلم به أبو بكر .. وبينهما غلوة ثلاثة أسهم ؟!
وكيف يبقى طريحاً بين أهله ثلاثة أيام لا يجترئ أحد منهم أن يكشف عن وجهه ، وفيهم علي بن أبي طالب وهو روحه بين جنبيه ، والعباس عمّه القائم مقام أبيه ، وابنا فاطمة وهما كولديه ، وفيهم فاطمة بضعة منه .. أفما كان في هؤلاء من
1) . أقول : الأمر في النصّ على الإمامة والخلافة واضح ظاهر كالشمس في رائعة النهار ، والرسول الأعظم صلى الله عليه و آله صرّح بذلك في اليوم الذي أعلن رسالته ودعوته في المجلس الذي جمع عشيرته ويعرف بيوم الإنذار ، لقوله تعالى : « وَأَنْذِرْ عَشِيْرَتَكَ الأَقْرَبِيْنَ » [ الشعراء 26 : 214 ] وكانت دعوته إلى إمامة أمير المؤمنين عليه السلام مستمرّة إلى قبل وفاته في حجّة الوداع في غدير خم .
2) . شرح نهج البلاغة : 11/111 .
يشكف عن وجهه .. ولا من يفكّر في جهازه ؟ !
أنا لا أُصدّق ذلك ولا يسكن قلبي إليه ! .. والصحيح أن دخول أبي بكر إليه وكشفه عن وجهه ، وقوله ما قال إنما كان بعد الفراغ من البيعة ، وإنهم كانوا مشتغلين بها كما ذكر في الرواية الأُخرى .
وبقي الإشكال في قعود علي عليه السلام عن تجهيزه ، إذا كان أُولئك مشتغلين بالبيعة .. فما الذي شغله هو ؟!
فأقول : يغلب على ظنّي - إن صح ذلك - أن يكون قد فعله شناعةً على أبي بكر وأصحابه ، حيث فاته الأمر واستؤثر عليه به ، فأراد أن يتركه
صلى الله عليه و آله بحاله لا يحدث في جهازه أمراً ، ليثبت عند الناس أن الدنيا شغلتهم عن نبيهم ثلاثة أيام .. حتى آل أمره إلى ما ترون ! ..
وقد كان عليه السلام يتطلّب الحيلة في تهجين أمر أبي بكر - حيث وقع في السقيفة ما وقع - بكل طريق ، ويتعلّق بأدنى سبب من أُمور كان يعتمدها ، وأقوال كان يقولها ، فلعله
هذا من جملة ذلك .
أو لعله - إن صحّ ذلك - فإنما تركه صلى الله عليه و آله بوصية منه إليه وسرٍّ كانا يعلمانه في ذلك .. .(1)
[ 53 ]وقال أيضاً : واعلم أنا إنما نذكر في هذا الفصل ما رواه رجال الحديث وثقاتهم ، وما أودعه أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتابه - وهو من الثقات الأُمناء عند أصحاب الحديث - .
وأما ما يرويه رجال الشيعة والأخباريون منهم في كتبهم من قولهم :
إنهما أهاناها وأسمعاها كلاماً غليظاً .. وإنّ أبا بكر رَقَّ لها حيث لم يكن عمر حاضراً فكتب لها بفدك كتاباً ؛ فلمّا خرجت به وجدها عمر فمدّ يده إليه ليأخذه مغالبة . . فمنعته ، فدفع بيده في صدرها ، وأخذ الصحيفة فخرقها ، بعد أن تفل فيها
1) . شرح نهج البلاغة : 13/36 - 37 .
فمحاها ، وأنها دعت عليه فقالت : « بقر اللّه بطنك كما بقرت صحيفتي » .. فشيء لا يرويه أصحاب الحديث ولا ينقلونه ، وقدر الصحابة يجلّ عنه ، وكان عمر أتقى للّه وأعرف لحقوق اللّه من ذلك !! ..(1)
[ 54 ]وقال : وأما حديث الهجوم على بيت فاطمة عليهاالسلام ؛ فقد تقدّم الكلام فيه . والظاهر عندي صحّة ما يرويه المرتضى والشيعة ولكن لاكلّ ما يزعمونه .. بل كان بعض ذلك . وحق لأبي بكر أن يندم ويتأسّف على ذلك ، وهذا يدلّ على قوّة دينه وخوفه من اللّه تعالى .. فهو بأن يكون منقبة له أولى من كونه طعناً عليه !!(2)
[ 1/54 ]وقال : ... فقد بيّنا أن خبر الإحراق قد رواه غير الشيعة .(3)
[ 55 ]وقال : وأمّا إخفاء القبر وكتمان الموت وعدم الصلاة .. وكل ما ذكره المرتضى فيه ، فهو الذي يظهر ويقوى عندي ؛ لأن الروايات به أكثر وأصحّ من غيرها ، وكذلك القول في موجدتها وغضبها .. .(4)
وتقدّمت لابن أبي الحديد الروايات المرقّمة ب- : [ 2 ] ، [ 3 ] ، [ 6 ] ، [ 7 ] ، [ 8 ]، [ 10 ] ، [ 20 ] إلى [ 29 ] . وتأتي له الروايات المرقّمة ب- : [ 83 ] ، [ 130 ] ، [ 161 ] .
يأتي له الرواية المرقّمة ب- : [ 60 ] .
تقدّمت له الروايتان المرقّمتان ب- : [ 1 ] و[ 2 ] .
[ 56 ]روى ضمن رواية تقدّم ذكرها(1)عن النبي صلى الله عليه و آله : « .. وإنّي لمّا رأيتها ، ذكرت ما يصنع بها بعدي .. كأنّي بها وقد دخل الذلّ بيتها ، وانتهكت حرمتها ، وغُصبت حقّها ، ومُنعت إرثها ، وكُسرت جنبها ، وأسقطت جنينها .. وهي تنادي : يا محمداه ! .. فلا تجاب ، وتستغيث فلا تغاث ... ثم ترى نفسها ذليلة بعد أن كانت في أيام أبيها عزيزة ... فتقدم عليّ محزونة مكروبة مغمومة مغصوبة مقتولة ، فأقول عند ذلك :
اللّهمّ العن من ظلمها ، وعاقب من غصبها ، وذلّل من أذلها ، وخلّد في نارك من ضرب جنبيها حتى ألقت ولدها .. فتقول الملائكة عند ذلك : آمين » .(2)
ورواه من الشيعة ؛ الشيخ الصدوق(3)(المتوفى 381)
والشيخ أبو جعفر محمّد بن القاسم الطبري(4)(القرن السادس)
وشاذان بن جبرئيل القمي(5)(المتوفى 660)
والشيخ حسن بن سليمان الحلّي(6)(القرن الثامن)
والشيخ الديلمي(7)(المتوفى 771)
[ 57 ]قال - بعد ذكر اعتراف أبي بكر بالهجوم ، نقلاً عن العلاّمة الحلّي
1) . راجع الفصل الأول .
2) . فرائد السمطين : 2/35 ط المحمودي .
3) . أمالي الشيخ الصدوق : 114 - 113 ، ط بيروت : 100 ، وعنه في بحار الأنوار : 43/172 و 28/38 ؛ العوالم : 11/391 .
4) . بشارة المصطفى صلى الله عليه و آله : 198 - 199 .
5) . الفضائل : 9 - 10 .
6) . المحتضر : 109 .
7) . إرشاد القلوب : 295 - 296 .
وقوله رحمه الله : وهذا يدلّ على إقدامه على بيت فاطمة عليهاالسلام عند اجتماع أمير المؤمنين عليه السلام والزبير وغيرهما فيه - :
.. غاية ما يقال : إنّه كبس البيت لينظر هل فيه شيء من مال اللّه الذي يقسّمه!!(1)
وله كلام يأتي في الرقم : [ 84 ] .
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 30 ] .
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 8 ] .
تقدّمت له الرويات المرقّمة ب- : [ 7 ] ، [ 11 ] ، [ 40 ] .
[ 58 ]قال - عند ذكر أحمد بن محمّد بن السري بن يحيى المعروف ب- : ابن أبي دارم - : قال محمّد بن أحمد بن حماد الكوفي - في ما قال - : .. ثم كان في آخر أيامه
كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب . حضرته ورجل يقرأ عليه : إنّ عمر رفس فاطمة حتى أسقطت بمحسن .(2)
ورواه ابن حجر العسقلاني(3)(المتوفى 852)
وتقدّمت للذهبي الروايتان المرقّمتان ب- : [ 10 ] و [ 35 ] ، ويأتي له الروايتان المرقّمتان ب- : [ 60 ] ، [ 84 ] .
تقدّمت له الروايتان المرقّمتان ب- : [ 11 ] و [ 37 ] ، ويأتي له الروايتان المرقّمتان ب- : [ 60 ] و [ 85 ] .
تقدّمت له الروايات المرقّمة ب- : [ 2 ] ، [ 10 ] ، [ 35 ] .
[ 59 ]قال - بعد ذكر تخلّف بني هاشم وجماعة من الصحابة عن البيعة - : ثمّ إنّ عمر جاء إلى بيت عليّ ليحرقه على من فيه فلقيته فاطمة عليهاالسلام . فقال : ادخلوا في ما دخلت فيه الأُمّة ..(1)
[ 60 ]وقال - في حوادث سنة 592 - : وكتب الأفضل إلى الخليفة الإمام
الناصر - يشكو من عمّه أبي بكر العادل ومن أخيه عثمان - :
مولاي إنّ أبا بكر وصاحبه عثمان *** قد أخذا بالظلم حقّ عليّ
فانظر إلى حظّ هذا الإسم كيف لقي *** من الأواخر ما لاقى من الأُول
(فأجابه الناصر العباسي) :
غصبوا عليّاً حقّه إذ لم يكن *** بعد النبي له بيثرب ناصر
فاصبر فإنّ غداً عليه حسابهم *** وابشر فناصرك الإمام الناصر(2)
تقدّمت له الروايتان المرقّمتان ب- : [ 6 ] و[ 7 ] .
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 37 ] .
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 58 ] . وله كلام يأتي في الرقم : [ 85 ] .
تقدّمت له الرواية المرقّمتان ب- : [ 6 ] و[ 7 ] .
[ 61 ]بيان الكشف : إنه روي أن لفاطمة عليهاالسلام كان بيتاً ولها باب إلى المسجد ، وقال أبو بكر : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه و آله أنه قال : « لا يجوز الباب على المسجد » ، فأمر بقلع باب بيتها حتى يتركوا البيت أو سدّوا تلك الباب . م ن .(4)
ورواه المحققّ الخواجوئي(1)(المتوفى 1173)
أقول : كأنّه غفل أو تغافل عن الحديث المتّفق عليه بين الفريقين الدالّ على أنّه صلى الله عليه و آلهأمر بسدّ الأبواب إلاّ باب أمير المؤمنين عليه السلام بأمر اللّه تعالى لا من قِبَل نفسه .(2)
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 12 ] .
تقدّمت له الروايات المرقّمة ب- : [ 2 ] ، [ 10 ] ، [ 11 ] ، [ 35 ] .
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 1 ] .
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 12 ] .
تقدّمت له الروايات المرقّمة ب- : [ 2 ] ، [ 10 ] ، [ 11 ] ، [ 35 ] .
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 1 ] .
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 11 ] .
تقدّمت له الروايتان المرقّمتان ب- : [ 1 ] و[ 10 ] ، ويأتي كلامه في رقم : [ 86 ] .
[ 62 ]قال - ما ترجمته - ومن أهمّ ما وقع في تلك الأيّام اجتماع الزبير
وجمع من بني هاشم في بيت فاطمة الزهراء عليهاالسلام للتشاور في كيفية نقض خلافة أبي بكر .. وواجه الشيخان هذه المحاولة بشكل فني صحيح .. وسعوا لتدارك ما حصل لعلي عليه السلاممن الانقباض . والذين دوّنوا هذه القضايا ذكروا أموراً وتغافلوا عن غيرها ، وأنا أذكر عدّة روايات كي يتضح بها المقام .. ثم ذكر ما رواه ابن أبي شيبة عن أسلم وقد تقدّم في الرقم : [ 11 ] .
وأورد هذه الرواية أيضاً في مآثر عمر ، وقال : بإسناد صحيح على شرط الشيخين .(1)
[ 63 ]قال في الردّ على الطعن الثاني من مطاعن عمر : إنما هدّد عمر من التجأ إلى بيت فاطمة عليهاالسلام بزعم أنه ملجأ وملاذ للخائنين ، فجعلوه مثل حرم مكة المكرمة ، وإنما اجتمعوا للفتنة والفساد ، وللتشاور في نقض خلافة أبي بكر .. والحقّ أن فاطمة عليهاالسلام كانت تكره اجتماعهم في بيتها ، ولكنّها لحسن خُلقها
1) . إزالة الخفا : 2/29 ، 179 ، وعنه في تشييد المطاعن : 1/337 .
لم تمنعهم من اجتماعهم في دارها صريحاً .. فلمّا تبيّن ذلك لعمر هدّد الجماعة بإحراق البيت عليهم !! ..(1)
في تشييد المطاعن ، 1/139 .
[ 64 ]قال : .. عندما علمت الزهراء عليهاالسلام بما حدث في اجتماع سقيفة بني ساعدة - وأبوها سيّد المرسلين لم يدفن بعد - بكت بكاءً حارّاً حتى أنه لمّا جاءها
بعض الصحابة - وفيهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة - معزّين [ !!! (2)] قالت : « تركتم رسول اللّه صلى الله عليه و آلهجنازة بين أيدينا ، وقطعتم أمركم بينكم ولم تستأمرونا ..» .
وقد كانت الزهراء عليهاالسلام ترى أنّ زوجها الإمام علي - كرّم اللّه وجهه في الجنّة - أحقّ الناس بالخلافة ... كما كان بنو هاشم جميعاً وجمهرة من أهل المدينة يرون أن الإمام علي أحق الناس بخلافة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، ومن ثَمّ فقد خرج الإمام يحمل فاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله على دابة ليلاً في مجالس الأنصار، تسألهم النصرة .. .(3)
[ 65 ]قال : فأنت تعلم كيف بويع أبو بكر .. وكيف رأى عمر أن بيعته كانت فلتة وقى اللّه المسلمين شرّها ... على أنّه (أمير المؤمنين علي عليه السلام) لم يسرع إلى بيعة أبي بكر وإنما تلبث وقتاً غير قصير ، ولعلّه وجد على أبي بكر كما وجدت عليه فاطمة عليهاالسلام .. .(4)
1) . تحفة اثنى عشرية : 464 - 465 ، طبعة پيشاور : 292 ، الباب العاشر ، الطعن الثاني من مطاعن عمر ، وعنه
2) . قد عرفت في ما سبق أنهم ما جاؤوها معزّين ، بل مهدّدين بإحراق بيتها على من فيها ، وآذوها ايذاءً لم يسمع بمثله ، فليته سكت عن وجه مجيئهم ، نعم : حب الشيء يعمي ويصمّ .
3) . السيدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام للدكتور بيومي : 136 - 137 ط بيروت .
4) . الفتنة الكبرى : 2/6 ، 18 .
[ 66 ]قال : وحاول الصحابة إكراه علي عليه السلام على مبايعة أبي بكر ، فبكت فاطمة عليهاالسلام وزجرت أبا بكر وأعلنت سخطها عليه وعلى عمر ، ولم بيايع علي عليه السلام
أبا بكر بالخلافة إلاّ بعد أن توفّيت .(1)
[ 67 ]وقال : إنّ عليّ بن أبي طالب وقومه والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد اللّه قد اعتزلوا في بيت فاطمة وامتنعوا عن مبايعة أبي بكر ، فخرج إليهم عمر بن الخطاب في جماعة من الصحابة وأرغموا بني هاشم والزبير على مبايعة أبي بكر .. .(2)
وتقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 12 ] .
[ 68 ]قال : وفي رواية أُخرى : إن عمر قال لعلي عليه السلام : إن لم تبايع أبا بكر لأحرقنّ دارك !!
قال علي عليه السلام : « أو تحرقها .. وفيها ابنة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ؟ »
قال : أحرقها وفيها ابنة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ... ثم ذكر اشعار محمّد حافظ إبراهيم .(3)
[ 69 ]قال : واجتمعت جموعهم - آونةً في الخفاء وأُخرى على ملأ - يدعون إلى ابن أبي طالب لأنّهم رأوه أولى الناس بأن يلي أُمور الناس ، ثمّ تألّبوا حول داره يهتفون باسمه ويدعونه أن يخرج إليهم ليردّوا عليه تراثه المسلوب .. فإذا المسلمون أمام هذا الحدث مخالف أو نصير . وإذا بالمدينة حزبان ، وإذا بالوحدة
المرجوّة شقّان أوشكا على انفصال ، ثمّ لا يعرف غير اللّه ما سوف تؤول إليه بعد هذا الحال .. فهلاّ كان عليّ - كابن عبادة - حريّاً في نظر ابن الخطّاب بالقتل حتّى لا تكون
فتنة ولا يكون انقسام ؟!
كان هذا أولى بعنف عمر إلى جانب غيرته على وحدة الإسلام ! وبه تحدّث الناس ولهجت الألسن كاشفةً عن خلجات خواطر جرت فيها الظنون مجرى اليقين ، فما كان لرجل أن يجزم أو يعلم سريرة ابن الخطّاب ، ولكنّهم جميعاً ساروا وراء الخيال ، ولهم سند ممّا عرف عن الرجل دائماً من عنف ومن دفعات ، ولعلّ فيهم من سبق بذهنه الحوادث على متن الاستقراء فرأى بعين الخيال - قبل رأي العيون - ثبات عليّ أمام وعيد عمر لو تقدَّم هذا منه يطلب رضاءه وإقراره لأبي بكر بحقّه في الخلافة ، ولعلّه تمادى قليلاً في تصوّر نتائج هذا الموقف وتخيّل عقباه ، فعاد بنتيجة لازمة لا معدى عنها ، هي خروج عمر عن الجادّة ، وأخذه هذا المخالف العنيد بالعنف والشدّة !
وكذلك سبقت الشائعات خطوات ابن الخطّاب ذلك النهار ، وهو يسير في جمع من صحبه ومعاونيه إلى دار فاطمة، وفي باله أن يحمل ابن عمّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله إن طوعاً
وإن كرهاً على إقرار ما أباه حتّى الآن ، وتحدّث أُناس بأنّ السيف سيكون وحده متن الطاعة ! .. وتحدّث آخرون بأنّ السيف سوف يلقى السيف ! .. ثمّ تحدّث غير هؤلاء وهؤلاء بأنّ النّار هي الوسيلة المثلى إلى حفظ الوحدة وإلى الرضا والإقرار ! .. وهل على ألسنة الناس عقال يمنعها أن تروي قصّة حطب أمر به ابن الخطّاب فأحاط بدار فاطمة ، وفيها عليّ وصحبه ، ليكون عدة الإقناع أو عدة الإيقاع ؟ ..
على أنّ هذه الأحاديث جميعها ومعها الخطط المدبَّرة أو المرتجلة كانت كمثل الزبد ، أسرع إلى ذهاب ومعها دفعة ابن الخطّاب ! .. أقبل الرجل ، محنقاً مندلع الثورة على دار عليّ وقد ظاهره معاونوه ومن جاء بهم فاقتحموها أو أوشكوا على اقتحام ، فإذا وجه كوجه رسول اللّه يبدو بالباب حائلاً من حزن ، على قسماته خطوط آلام ، وفي عينيه لمعات دمع ، وفوق جبينه عبسة غضب فائر .. وحنق ثائر ..
وتوقّف عمر من خشية .. وراحت دفعته شعاعاً . وتوقف خلفه - أمام الباب - صحبه الذين جاء بهم ، إذ رأوا حيالهم صورة الرسول تطالعهم من خلال وجه حبيبته الزهراء ، وغضّوا الأبصار من خزي أو من استحياء ، ثم ولّت عنهم عزمات القلوب وهم يشهدون فاطمة تتحرّك كالخيال ، وئيداً وئيداً بخطوات المحزونة الثكلى ، فتقترب من ناحية قبر أبيها ... وشخصت منهم الأنظار وأرهفت الأسماع إليها ، وهي ترفع صوتها الرقيق الحزين ، النبرات تهتف بمحمّد الثاوي بقربها ، تناديه باكية مريرة البكاء :
« يا أبت رسول اللّه ! .. يا أبت رسول اللّه ! .. »
فكأنّما زلزلت الأرض تحت هذا الجمع الباغي ، من رهبة النداء ...
وراحت الزهراء ، وهي تستقبل المثوى الطاهر ، تستنجد بهذا الغائب الحاضر :
« يا أبت رسول اللّه ! .. ماذا لقينا بعدك من ابن الخطّاب ، وابن أبي قحافة ! ؟ » .
فما تركت كلماتها إلاّ قلوباً صدعها الحزن ، وعيوناً جرت دمعاً ، ورجالاً ودّوا لو استطاعوا أن يشقّوا مواطئ أقدامهم ليذهبوا في طوايا الثرى مغيَّبين ..(1)
[ 70 ]وقال في موضع آخر : .. ثم مَنْ بني هاشم الذين سلبوا حقّهم في
تراث الرسول ، وودّ حقد قومهم لو تخطفتهم المصارع ، ووطئتهم الأقدام وهم نثائر وأشلاء ! .. من خلال كل هذه السنين السوالف تشقّ أحداثه اطباق الزمن إلى الخواطر ، كالقبس في الظلمة . كألسنة النار التي أوشكت أن تندلع حول البيت تهمّ بحصده وتدميره . كالصرخة المدويّة التي أطلقتها حينذاك فاطمة تجأر فيها بشكواها إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله ! ..
ولم يكن محمّد ، وهم يعدون هذه العدوة على دار زهرائه ، قد عزب ذكره من الأذهان . قبره ندى بدمعهم .. جسمه رطيب كأنّما لم تفارقه كل الحياة .. شبحه حاضر يملأ عليهم الفضاء ، كالشذا العاطر ، يغب الطيب وهو مائل لا يغيب ! .. ومع
1) . الإمام علي عليه السلام : 1 / 192 ط مصر ؛ عنه الغدير : 3 / 103 - 104 .
ذلك فلم يكادوا يشيّعونه إلى الجدث ، حتى استرقّهم مسّ ، وملكهم هوس ، فانطلقوا إلى دار ابنته كمردة الشياطين ! .. معهم الشعل ، في أيديهم الحطب والحراب ، ظلالهم دمار ونار ...
الموجدة على علي ، والحسد لقدره ، والخشية أن يفسد اعتزاله هذه البيعة التي أدلوا بها إلى أبي بكر بغرّة من آل بيت الرسول ، قد حركتهم جميعاً على حرد نهاية المطاف فيه احتلاب صفي محمد تراث ابن عمه ، وإخراج الأمر من يمينه ، فلا تجتمع الرسالة والخلافة في هذه الدار من هاشم ، التي نبت قريش كلها بشرفها وسؤددها وعزّها إبان حقبة الجاهلية وبعد مولد الإسلام .. كرهوا لها أن تطولهم بالأمرة بعد سموّها بالنبوة ، وأن يقوم منها سيد بعد موت سيد ، وأن يستأثر رجالها بالحكم ، ويستأسروا بأقدارهم ومزاياهم هذه الجزيرة الفسيحة التي تعجّ بالقبائل كأنما عقمت عن إنجاب أمثالهم سائر البطون ! ..
وعلى ضياء شعلة مما طوق الدار ، ولون الأُفق ، وأشاع في الجوهرة ، لاح عمر وقد تغيّر وجهه بحنقه ، وتبلّل بعرقه ، وتخلّل الدخان لحيته ، ولمع حسامه في يمينه كجذوة النار .. إنه أحمس شديد في دينه ! أحمس شديد في عدله ! ولكنه اللحظة أحمس شديد في عنفه !! اندفاعه وهو يمّم الباب .. إنّه ليثير الجمهور ، ويهيّج الفتنة ، ويهيّئ الحطب ليؤرث الحريق ..
واستأسد وتنمّر ، وتصايح وزأر ، ثم اندفع من خلال الجموع كالشرر ، يدقّ البيت على ساكنيه .. ليس هذا بعمر ! .. ما هو بابن الخطاب ! .. الذي جرى بقدميه أعصار .. الذي انفجر بصدره بركان .. الذي استوى على لبّه مارد ! .. إنّه الآن مخمور الأمس ، عاد سيرته الأُولى كحاله من بضع سنين ، حين أعماه شركه ، وأضلّه هواه ، وختله عن الهدى غروره ، فسلّ حسامه وانطلق على دروب مكّة ينشد النبي ، ولسانه إذا ذاك يجري بكفره وخمره : لأقتلنّ محمّداً بسيفي هذا !(1)هذا الصابئ الذي فرّق أمر
1) . سيرة ابن هشام : 1/344 ؛ تاريخ عمر بن الخطاب ، لابن الجوزي : 10 ؛ الكامل ، لأبن الأثير 1/602 ؛ الرحيق المختوم : 100 ؛ مختصر سيرة الرسول ، للنجدي : 103 ، عنهم : إحراق بيت فاطمة عليهاالسلام : 170 .
قريش ، وعاب دينها ، وسفّه أحلامها ، وشتّت مجالسها، وضيّع بهارجها ! ..
واليوم أيضاً ختله اندفاعه ، وبقية بنفسه لا تزال راسبة من حسد الجدود ، وبغضاء الأجيال ... هوى كهوى يمضي به ، ويحيد بخطو الثابت ، فيغدو ويروح على لهيب المشاعل ، يوسوس لنفسه ، ويهتف بالعصبة التي تؤازره على هجم الدار :
والذي نفس عمر بيده ، ليخرجنّ أو لأحرقّنها على من فيها ! ..
قالت له طائفة خافت اللّه ، ورعت الرسول في عقبه :
يا أبا حفص ! إنّ فيها فاطمة ! ..
فصاح لا يبالي : وإن ! ..
واقترب وقرع الباب ، ثم ضربه واقتحمه .. وبدا له عليّ .. ورنّ حينذاك صوت الزهراء عليهاالسلام عند مدخل الدار ..
فإن هي إلاّ رنّة استغاثة أطلقتها : « يا أبت رسول اللّه ! .. » تستعدي بها الراقد بقربها في رضوان ربّه على عسف صاحبه ، حتى تبدّل العاتي المدلّ غير إهابه ، فتبدّد على الأثر جبروته ، وذات عنفه وعنفواته ، وودّ من خزي لو يخرّ صعقاً تبتلعه مواطئ قدميه ارتداد هدبه إليه ..
وعندما نكص الجمع ، وراح يفرّ كنوافر الضباء المفزوعة أمام صيحة
الزهراء عليهاالسلام ، كان علي عليه السلام يقلّب عينيه من حسرة وقد غاض حلمه ، وثقل همّه ، وتقبّضت أصابع يمينه على مقبض سيفه تهمّ من غيظه أن تغوض فيه .. .(1)
[ 71 ]وقال في كتابه الآخر : ثم تطالعنا صحائف ما أورده المؤرخون بالكثير من أشباه هذه الأخبار المضطربة التي لا نعدم أن نجد من بينها من عنف عمر ما يصل به إلى الشروع في قتل علي أو إحراق بيته على من فيه ..
فلقد ذُكر أنّ أبا بكر أرسل عمر بن الخطّاب ومعه جماعة بالنار والحطب إلى دار علي وفاطمة والحسن والحسين ليحرقوه بسبب الامتناع عن بيعته .
1) . الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام : 4/170 - 172 .
فلمّا راجع عمر بعض الناس قائلين : إن في البيت فاطمة ! قال : وإن !!!(1)
[ 72 ]قالت - بعد ذكر الاستنصار ليلاً واعتذار الناس ، وجواب فاطمة الزهراء عليهاالسلام : - .. ورجعت إلى بيتها فلزمته ، فما راعها حين أصبحت إلاّ ضجّة قد علت قريباً من الباب وتناهى إليها صوت عمر ، يحاول أن يدخل وهو يقسم منذراً : أن سوف يحمل علياً على البيعة اتقاء الفتنة ! وخوفاً من تفرّق كلمة المسلمين ! وانتثار قواهم !
فصاحت الزهراء بمل ء لوعتها : « با أبت ! يا رسول اللّه ! ماذا لقينا بعدك من ابن الخطّاب وابن أبي قحافة ؟ .. »
فضجّ الناس بالبكاء .(2)
[ 73 ]وقالت - عند ذكر السيّدة زينب الكبرى عليهاالسلام - : .. وما أحسبها نسيت مع الأيام ، مشهداً أليماً طالعته في صباها حينذاك ، يوم حاول عمر بن الخطاب أن يقتحم بيت الزهراء كي يحمل علياً على البيعة لأبي بكر خشية تفرّق الكلمة ! وتمزّق الشمل !!
فلمّا سمعت فاطمة أصوات القوم تقترب نادت بأعلى صوتها :
« يا أبت رسول اللّه ! .. » .. وذكرت نحو ما مرّ .(3)
[ 74 ]قال : ولم يكن بالزهراء من سقم كامن يُعرف من وصفه ، فإن العرب لوصّافون - وإن كان حولها من آل بيتها لمن أقدر العرب على وصف الصحّة
والسقم - ، فما وقفنا من كلامهم - وهم يصفونها في أحوال شكواها - على شيء يشبه أغراض الأمراض التي تذهب بالناس في مقتبل الشباب ، وكل ما يتبيّن من كلامهم :
انه الجهد ، والضعف ، والحزن ، وربما اجتمع إليها أعياء الولادة في غير موعدها ، إن صحّ أنّها أسقطت محسناً بعد وفاة النبي صلى الله عليه و آله كما جاء في بعض الأخبار !(1)
[ 75 ]قال :
وقولة لعليّ قالها عمر *** أكرم بسامعها أعظم بملقيها
حرّقت دارك لا أبقى عليك بها *** إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها
ما كان غير أبي حفص يفوه بها *** أمام فارس عدنان وحاميها(2)[ 76 ]قال الدمياطي عند شرح البيت الثاني :
المراد: إن علياً عليه السلام لا يعصمه من عمر سكنى بنت المصطفى صلى الله عليه و آله في هذه الدار!!(3)
[ 77 ]قال : لم يكن المانع لعلي عليه السلام عدم حضور السقيفة فحسب، أو اشتغاله بتجهيز رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، ولكنه يرى أنه أحقّ بهذا الأمر من سواه لما له من صهر رسول اللّه صلى الله عليه و آله وقرابته وسابقته وحسن بلائه في الإسلام ، وأن القوم قد غصبوه حقه ، وغلبوه على تراث رسول اللّه صلى الله عليه و آله . ويريد أن يبقى على إبائه حتى لا يكون للناس عليه حجّة بأنه نزل عن حقّه لغيره ، ثم يترقّب فرصة يعيد فيها الحق إلى نصابه .(4)
[ 78 ]قال : أفكانت بيعة العامّة هذه [ إشارة إلى بيعة يوم الثلاثاء ] بيعة إجماع من المسلمين لم يتخلّف عنها أحد ما تخلّف سعد بن عبادة عن بيعة الخاصّة بالسقيفة ؟
المشهور أن طائفة من كبار المهاجرين تخلّفوا عنها ، وأن علي ابن أبي طالب عليه السلام والعباس بن عبد المطلب من بني هاشم كانا من المتخلفين ...
وفي رواية ذكرها اليعقوبي وذكرها غيره من المؤرخين ، ولا يزال لها الشهرة : إنّ جماعة من المهاجرين والأنصار اجتمعوا مع علي بن أبي طالب عليه السلام في دار فاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله يدعون إلى مبايعته ، وبينهم خالد بن سعيد يقول : فواللّه ما في الناس أحد أولى بمقام محمّد صلى الله عليه و آله منك . وبلغ أبا بكر وعمر اجتماعهم بدار فاطمة عليهاالسلام فأتيا في جماعة حتى هجموا الدار ، وخرج علي عليه السلام ومعه السيف فلقيه عمر فصارعه فصرعه ! .. وكسر سيفه ! ودخلوا الدار . فخرجت فاطمة عليهاالسلام وقالت : « واللّه لتخرجنّ أو لأكشفنّ شعري ، ولأعجّنّ إلى اللّه » فخرجوا وخرج من كان في الدار ، وأقام القوم
أياماً ، ثم جعل الواحد بعد الواحد يبايع ولم يبايع علي عليه السلام إلاّ بعد وفاة فاطمة عليهاالسلام أي بعد ستّة أشهر .
ويروى : أن عمر بن الخطاب جمع الحطب حول دار فاطمة عليهاالسلام وأراد أن يحرقها أو يبايع علي عليه السلام أبا بكر .
ثم ذكر رواية ابن قتيبة الماضية تحت الرقم [ 12 ] ثم قال : هذا هو المشهور عن موقف علي بن أبي طالب عليه السلام وأصحابه من بيعة أبي بكر .(1)
وتقدّمت له الروايتان المرقّمتان ب- : [ 10 ] و [ 12 ] .
1) . الصديق أبو بكر : 63 - 65 .
[ 79 ]قال : وروى المؤرخون أن نزوة ظهرت على لسان عمر فطلب حرق الدار التي يقيم علي عليه السلام بمن فيها .(1)
[ 80 ]قال : ولقد حدث بعد ذلك أن خشي الفاروق الفتنة !! ... فكان لذلك من أشدّ الناس رغبة في توحيد كلمة المسلمين ! واكتساب بني هاشم إلى مبايعة الخليفة الأول ، وقد حاول فعلاً اقتحام بيت فاطمة عليهاالسلام ، يحاول بذلك أن يحمل علياً على البيعة ، فلمّا سمعت فاطمة عليهاالسلام أصوات الناس ، نادت بأعلى صوتها : « يا أبت ! رسول اللّه ! ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة » ..(2)
صلى الله عليه و آله : 118 .
ثم ذكر أن عمر أحزنه ذلك فطلب من أبي بكر أن يذهبا لعيادتها .
تقدّمت له الروايتان المرقّمتان ب- : [ 30 ] و [ 37 ] .
تقدّمت له الروايات المرقّمة ب- : [ 18 ] ، [ 19 ] ، [ 40 ] .
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 12 ] .
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 12 ] .
تقدّمت له الروايتان المرقّمتان ب- : [ 12 ] و [ 30 ] .
تقدّمت له الروايات المرقّمة ب- : [ 10 ] ، [ 18 ] ، [ 19 ] .
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 2 ] .
وترى طائفة من أهل السنّة ينسبون القول بوقوع هذه الرزيّة الكبرى إلى الشيعة ، ولا بأس بذكر كلماتهم ، إذ يعرف بها شهرة هذا القول عند الشيعة .
[ 81 ]قال عند ذكر أولاد فاطمة عليهاالسلام : وولدت محسناً ، وهو الذي تزعم الشيعة أنها أسقطته من ضربة عمر .(1)
1) . البدء والتاريخ : 5/20 .
أبو الحسين الملَطي الشافعي ( المتوفى 377 ه . )(1)
[ 82 ]قال : .. فزعم هشام ...(2)أن أبا بكر مرّ بفاطمة عليهاالسلام فرفس في بطنها فأسقطت ، وكان سبب علّتها ووفاتها .. وأنّه غصبها فدكاً .(3)
والظاهر أن الخطأ في ذكر أبي بكر بدل عمر صدر عن الملطي دون هشام ، أو وقع التصحيف وكان في الأصل : أمر بفاطمة عليهاالسلام .
[ 83 ]قال : ومن جملة ما ذكروه من الطعن ادعاؤهم أنّ فاطمة عليهاالسلام لغضبها على أبي بكر وعمر أوصت أن لا يصلّيا عليها ، وأن تدفن سرّاً منهما فدفنت ليلاً وادّعوا برواية رووها عن جعفر بن محمّد عليهماالسلام وغيره : أنّ عمر ضرب فاطمة بسوط وضرب الزبير بالسوط .. وذكروا أنّ عمر قصد منزلها وعلي والزبير والمقداد وجماعة ممّن تخلّف عن أبي بكر يجتمعون هناك ، فقال لها : ما أحد بعد أبيك أحبّ إليّ منك ، وأيم اللّه لئن اجتمع هؤلاء النفر عندك ليحرقنّ عليهم .. فمنعت القوم من الاجتماع ، ولم يرجعوا إليها حتى بايعوا لأبي بكر .
.. إلى غير ذلك من الروايات البعيدة .(4)
إلى أن قال : ... وإنما يتعلّق بذلك من غرضه الإلحاد كالوراق وابن الرواندي .. فلا يتأوّلون مهما يوردون ، ليقع التنفير به ؛ لأن غرضهم القدح في الإسلام .(5)
1) . هو محمّد بن أحمد بن عبد الرّحمن ، المقرئ الفقيه ، مشهور بالثقة والإتقان ، كثير العلم ، كثير التصنيف في الفقه ، جيّد الشعر . قاله الذهبي في معرفة القرّاء الكبار : 1/343 .
2) . أبو محمّد هشام بن الحكم المتوفّى 199 ، من أجلاّء أصحاب الإمام الصادق والإمام الكاظم عليهماالسلام .
3) . التنبيه والرد : 25 - 26 .
4) . المغني : 20/ ق 1/335 .
5) . المصدر : 336 .
وقال : وربّما قالوا : قد روي أنه قال : ليتني كنت تركت بيت فاطمة ولم أكشفه .(1)
وعنه الشريف المرتضى(2)(المتوفى 436)
وابن أبي الحديد(3)(المتوفى 656)
ومع إصراره على الأنكار هنا ، تراه في أشهر كتبه - أي شرح الأُصول الخمسة - اعترف بالهجوم على بيت فاطمة عليهاالسلام ، كما مرّ في رقم : [ 36 ] .
[ 84 ]قال : إنّما ينقل مثل هذا جهّال الكذّابين ، ويصدّقه حمقى العالمين الذين يقولون : إن الصحابة هدموا بيت فاطمة عليهاالسلام وضربوا بطنها حتى أسقطت .(4)
وذكر قريباً منه الذهبي (المتوفى 748) .(5)
والشيخ عبد اللّه الغُنيمان .(6)
[ 85 ]قال في ترجمة محمد بن عبد اللّه الواعظ البلخي : قال علي بن محمود : كان البلخي الواعظ كثيراً ما يدمن في مجالسه سبّ الصحابة، فحضرت مرّةً مجلسه فقال : بكت فاطمة عليهاالسلام يوماً من الأيام ، فقال لها علي عليه السلام : « يا فاطمة ! لم تبكين عليّ ؟ ! أأخذت فيئك ؟ أغصبتُك حقّك ؟ أفعلتُ .. ؟ أفعلتُ .. ؟ وعدّ أشياء مما يزعم الروافض أن الشيخين فعلاها في حقّ فاطمة عليهاالسلام .
قال : فضجّ المجلس بالبكاء من الرافضة الحاضرين .(1)
ورواه الصفدي (المتوفى 764) هكذا : قال علي عليه السلام يوماً لفاطمة عليهاالسلام وهي تبكي : لم تبكين ؟ أأخذت منك فدك ؟ أغصبت حقّك ؟ أفعلت كذا ؟ أفعلت كذا؟(2)
أقول : ولعلّ رواية البلخي لهذه الأُمور وأمثالها كانت سبب تضعيفه ورميه بالعظائم !
[ 86 ]قال - عند ذكر شبهات الشيعة - : ... ألا ترى إلى قولهم [ أي الشيعة ] : إن عمر قاد عليّاً عليه السلام بحمائل سيفه ، وحصر فاطمة عليهاالسلام فهابت فأسقطت ولداً اسمه : المحسن .(3)
وذكره العصامي المكّي(4)(المتوفى 1111)
وأحمد زيني دحلان(5)(المتوفى 1304)
وقريب منه ما ذكره الشيخ عبد اللّه بن فارس التازي المغربي(6)(القرن العاشر)
[ 87 ]قال : قول الإمامية : إن علياً عليه السلام كان في بيته فجاءه عمر ليأخذ منه البيعة لأبي بكر ، فناداه من الباب ، فخرجت إليه فاطمة عليهاالسلام فقالت - من داخل الباب - : يا عمر ! أي شيء تريد من علي عليه السلام ؟! وهو ساكن في بيته ، لا تعلق به بأحد ، وهو
ليس صاحب الحلّ والعقد [ !!! ] قاعد في داره ، فلا تتعرّض له . فغضب عمر لذلك فضرب الباب برجله وكسره ، ووقع من كسره رضّ في بطن فاطمة عليهاالسلام ، ووقع سقط من فاطمة عليهاالسلام اسمه : محسن ، ودخل الدار وأوقع حبلاً في عنق علي عليه السلام فجرّه إلى أبي بكر فأخذ منه البيعة لأبي بكر كرهاً وجبراً .(1)
(القرن الحادي عشر)
[ 88 ]قال : الخامس : .. إنهم قالوا : إنّ عمر بن الخطاب ذهب إلى دار علي - وهو مندس فيها من خوف عمر !! - فدخل عليه وأخرجه من الدار وقاده بحمايل سيفه ، وخافت فاطمة عليهاالسلام منه .. وأسقطت ولداً اسمه : المحسن .(2)
[ 89 ]روى ضمن - رواية تقدّم ذكرها(3)- عن النبي صلى الله عليه و آله : « إنك أوّل من يلحقني من أهل بيتي ، وأنت سيدة نساء أهل الجنّة ، وسترين بعدي ظلماً وغيظاً حتى تضربي ويكسر ضلع من أضلاعك .. لعن اللّه قاتلك ولعن اللّه الآمر والراضي والمعين والمظاهر عليك وظالم بعلك وابنيك(4)» .
[ 90 ]وعن أمير المؤمنين عليه السلام : « .. فلمّا قبض رسول اللّه صلى الله عليه و آله مال الناس إلى
أبي بكر فبايعوه - وأنا مشغول برسول اللّه صلى الله عليه و آله بغسله ودفنه - ثم شغلت بالقرآن فآليتُ يميناً أن لا أرتدي إلاّ للصلاة حتى أجمعه في كتاب ففعلت ، ثم حملت فاطمة عليهاالسلاموأخذت بيدي الحسن والحسين عليهماالسلام فلم أدعْ أحداً من أهل بدر وأهل السابقة من المهاجرين والأنصار إلاّ ناشدتهم اللّه وحقّي ، ودعوتهم إلى نصرتي ، فلم يستجب لي من جميع الناس إلاّ اربعة رهط : الزبير ، وسلمان ، وأبوذر ، والمقداد ، ولم يكن معي أحد من أهل بيتي أصول به ولا أقوى به ، أمّا حمزة ؛ فقتل يوم أُحد ، وأما جعفر ، فقتل يوم مؤتة ، وبقيت بين جلفين جافين ذليلين حقيرين العباس وعقيل ، وكانا قريبي العهد بكفر ، فأكرهوني وقهروني ، فقلت - كما قال هارون لأخيه - : ي- « ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي »(1)فلي بهارون أُسوة حسنة ، ولي بعهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله إليّ حجّة قوّية ... إن القوم حين قهروني واستضعفوني وكادوا يقتلونني لو قالوا لي : نقتلك البتة .. لامتنعت [ كذا ] من قتلهم إيّاي ، ولو لم أجد غير نفسي وحدي ، ولكن قالوا : إن بايعت كففنا عنك وأكرمناك وقرّبناك وفضّلناك وإن لم تفعل قتلناك ، فلمّا لم أجد أحداً بايعتهم ، وبيعتي إياهم لا تحقّ لهم باطلاً ولا توجب لهم حقّاً » .(2)
ورواه عنه الشيخ الديلمي(3)(المتوفى 771)
[ 91 ]وقال سليم : .. فأغرم عمر بن الخطاب تلك السنة جميع عمّاله أنصاف أموالهم لشعر أبي المختار ولم يغرم قنفذ العدوي شيئاً .(4)فلقيت علياً - صلوات اللّه عليه - فسألته عمّا صنع عمر ، فقال : « هل تدري لم كفّ عن قنفذ ولم يغرمه شيئاً ؟ » قلت : لا ، قال : « لأنه هو الّذي ضرب فاطمة عليهاالسلام بالسوط حين جاءت
لتحول بيني وبينهم ، فماتت - صلوات اللّه عليها - وإن أثر السوط لفي عضدها مثل الدملج » .(1)
[ 92 ]وروى أبان عن سليم قال : انتهيت إلى حلقة في مسجد رسول اللّه صلى الله عليه و آلهليس فيها إلاّ هاشميّ غير سلمان وأبي ذر والمقداد ومحمّد بن أبي بكر وعمر بن أبي سلمة وقيس بن سعد بن عبادة .
فقال العباس لعلي عليه السلام : ما ترى عمر منعه من أن يغرم قنفذاً كما أغرم جميع عمّاله ؟!
فنظر علي عليه السلام إلى من حوله ، ثم اغرورقت عيناه بالدموع ، ثم قال : « شكر له ضربة ضربها فاطمة عليهاالسلام بالسوط فماتت وفي عضدها أثره كأنّه الدملج » .(2)
[ 93 ]وروى ابن أبي عياش عنه قال : كنت عند عبد اللّه بن عباس في بيته ومعنا جماعة من شيعة علي عليه السلام فحدّثنا ، فكان في ما حدّثنا أن قال :
يا إخوتي ! توفّي رسول اللّه صلى الله عليه و آله يوم توفي ، فلم يوضع في حفرته حتى نكث الناس وارتدّوا وأجمعوا على الخلاف .
واشتغل علي بن أبي طالب عليه السلام برسول اللّه صلى الله عليه و آله حتّى فرغ من غسله وتكفينه وتحنيطه ووضعه في حفرته ، ثم أقبل على تأليف القرآن ، وشغل عنهم بوصيّة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ولم يكن همّته الملك ، لما كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله أخبره عن القوم ، فافتتن الناس بالذي افتتنوا به من الرجلين ، فلم يبق إلاّ علي عليه السلام وبنوهاشم وأبو ذر والمقداد وسلمان ، في أُناس معهم يسير .
فقال عمر لأبي بكر : يا هذا ! إن الناس أجمعين قد بايعوك ما خلا هذا الرجل وأهل بيته ، فأقسم عليه فجلس ، ثم قال : يا قنفذ ! انطلق فقل له : أجب أبا بكر ، فأقبل قنفذ فقال : يا علي ! أجب أبا بكر ، فقال علي عليه السلام : « إني لفي شغل عنه ،
وما كنت بالّذي أترك وصيّة خليلي وأخي وانطلق إلى أبي بكر وما اجتمعتم عليه من الجور .. »
فانطلق قنفذ فأخبر أبا بكر ، فوثب عمر غضبان ، فنادى خالد بن الوليد وقنفذاً فأمرهما أن يحملا حطباً وناراً ، ثم أقبل حتى انتهى إلى باب علي - وفاطمة عليهاالسلام قاعدة خلف الباب قد عصبت رأسها ، ونحل جسمها في وفاة رسول اللّه صلى الله عليه و آله - فأقبل عمر حتّى ضرب الباب ثم نادى : يابن أبي طالب ! افتح الباب .
فقالت فاطمة عليهاالسلام : « يا عمر ! ما لنا ولك .. لا تدعنا وما نحن فيه ؟ »
قال : افتحي الباب وإلاّ أحرقنا عليكم .
فقالت : « يا عمر ! أما تتّقي اللّه عزّ وجلّ تدخل على بيتي وتهجم على داري ؟ »
فأبي أن ينصرف ، ثم عاد عمر بالنار فأضرمها في الباب ، فأحرق الباب ، ثم دفعه عمر ، فاستقبلته فاطمة عليهاالسلام وصاحت : « يا أبتاه ! يا رسول اللّه ! .. » فرفع السيف وهو في غمده فَوَجأ به جنبها ، فصرخت ، فرفع السوط فضرب به ذراعها ، فصاحت : « يا أبتاه ! »
فوثب علي بن أبي طالب عليه السلام فأخذ بتلابيب عمر ، ثمّ هزّه فصرعه ووجأ أنفه ورقبته ، وهمّ بقتله ، فذكر قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله وما أوصى به من الصبر والطاعة ،
فقال : « والذي أكرم محمّداً صلى الله عليه و آله بالنبوّة - يابن صهاك ! - لولا كتاب من اللّه سبق لعلمت أنك لا تدخل بيتي » .
فأرسل عمر يستغيث ، فأقبل الناس حتّى دخلوا الدار ، وسلّ خالد بن الوليد السيف ليضرب به علياً عليه السلام ، فحمل عليّ عليه السلام بسيفه ، فأقسم على عليّ ، فكفّ . وأقبل المقداد وسلمان وأبو ذر وعمّار وبريدة الأسلمي حتى دخلوا الدار أعواناً لعلي عليه السلام ، حتى كادت تقع فتنة، فأُخرج علي عليه السلام وتبعه الناس واتبعه سلمان وأبو ذر والمقداد وعمّار وبريدة ، وهم يقولون : ما أسرع ما خنتم رسول اللّه صلى الله عليه و آله ! وأخرجتم الضغائن التي في صدوركم .
وقال بريدة بن الحصيب الأسلمي : يا عمر ! أتيت على أخي رسول اللّه صلى الله عليه و آله ووصيّه وعلى ابنته فتضربها وأنت الذي تعرفك قريش بما تعرفك به ! فرفع خالد بن
الوليد السيف ليضرب بريدة - وهو في غمده - فتعلّق به عمر ومنعه من ذلك ، فانتهوا بعلي عليه السلامإلى أبي بكر ملبّباً ..(1)
ثمّ ذكر ابن عباس تهديدهم أمير المؤمنين عليه السلام بالقتل وإكراهه على البيعة ، كما يأتي عن سلمان تحت رقم [ 95 ] .
[ 94 ]وعن عبد اللّه بن عباس - بعد ذكر قصدهم قتل أمير المؤمنين عليه السلام وندامة أبي بكر في الصلاة ، وقوله له : يا خالد ! لا تفعل ما أمرتك - :
وجاء الزبير والعباس وأبو ذر والمقداد وبنو هاشم واخترطوا السيوف وقالوا : واللّه لا ينتهون حتى يتكلم ويفعل ، واختلف الناس وماجوا واضطربوا ، وخرجت نسوة بني هاشم فصرخن وقلن : يا أعداء اللّه ! .. ما أسرع ما أبديتم العدواة لرسول اللّه صلى الله عليه و آله وأهل بيته ! ولطال ما أردتم هذا من رسول اللّه صلى الله عليه و آله فلم تقدروا عليه ، فقتلتم ابنته بالأمس ، ثم تريدون اليوم أن تقتلوا أخاه وابن عمّه ووصيّه وأبا ولده ، كذبتم وربّ الكعبة ، وما كنتم تصلون إلى قتله .. حتى تخوّف الناس أن تقع فتنة عظيمة .(2)
[ 95 ]وروى سليم ، عن سلمان رضوان اللّه عليه : .. قال عمر لأبي بكر : أرسل إلى علي فليبايع ، فإنا لسنا في شيء حتى يبايع ، ولو قد بايع أمنّاه ، فأرسل إليه
أبو بكر : أجب خليفة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فأتاه الرسول فقال له ذلك ، فقال له علي عليه السلام : « سبحان اللّه ! ما أسرع ما كذبتم على رسول اللّه ! إنه ليعلم ويعلم الذين حوله أنّ اللّه ورسوله لم يستخلفا غيري » .
وذهب الرسول فأخبره بما قال له ، فقال : اذهب فقل له : أجب أمير المؤمنين أبا بكر ! .. فأتاه فأخبره بما قال .
فقال علي عليه السلام : « سبحان اللّه ! ما - واللّه - طال العهد فينسى ، واللّه إنه ليعلم أنّ هذا الاسم لا يصلح إلاّ لي ، ولقد أمره رسول اللّه صلى الله عليه و آله - وهو سابع سبعة - ، فسلّموا عليّ بإمرة المؤمنين ، فاستفهم هو وصاحبه من بين السبعة ، فقالا : أمر من اللّه ورسوله ؟ فقال لهم رسول اللّه صلى الله عليه و آله : نعم حقاً من اللّه ورسوله ، إنّه أمير المؤمنين ، وسيّد المسلمين ، وصاحب لواء الغرّ المحجّلين ، يقعده اللّه عزّ وجلّ يوم القيامة على الصراط ، فيدخل أولياءه الجنّة وأعداءه النار .. » فانطلق الرسول فأخبره بما قال ، فسكتوا عنه
يومهم ذلك .
قال : فلمّا كان الليل حمل علي عليه السلام فاطمة عليهاالسلام على حمار ، وأخذ بيد ابنيه الحسن والحسين عليهماالسلام ، فلم يدع أحداً من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله إلاّ أتاه في منزله ، فناشدهم اللّه حقّه ودعاهم إلى نصرته ، فما استجاب منهم رجل غيرنا أربعة ، فإنّا حلقنا رؤوسنا وبذلنا له نصرتنا ، وكان الزبير أشدّنا بصيرة في نصرته .
فلمّا أن رأى على عليه السلام خذلان الناس إياه وتركهم نصرته واجتماع كلمتهم مع أبي بكر وتعظيمهم إياه ، لزم بيته .
فقال عمر لأبي بكر : ما يمنعك أن تبعث إليه فيبايع ؟ فإنه لم يبق أحد إلاّ وقد بايع ، غيره وغير هؤلاء الأربعة ، وكان أبو بكر أرقّ الرجلين وأرفقهما وأدهاهما وأبعدهما غوراً ، والآخر أفظّهما وأغلظهما وأجفاهما ، فقال له أبو بكر : من نرسل إليه ؟ فقال عمر : نرسل إليه قنفذاً ، فهو رجل فظّ غليظ جاف من الطلقاء ، أحد بني عدي بن كعب ، فأرسله وأرسل معه أعواناً وانطلق فاستأذن على عليّ عليه السلام فأبى أن يأذن لهم ، فرجع أصحاب قنفذ إلى أبي بكر وعمر - وهما جالسان في المسجد والناس حولهما - ، فقالوا : لم يؤذن لنا ، فقال عمر : اذهبوا فإن أذن لكم وإلاّ فادخلوا بغير
إذن ! .. فانطلقوا فاستأذنوا ، فقالت فاطمة عليهاالسلام : « أُحرّج عليكم أن تدخلوا على بيتي بغير إذن .. » فرجعوا وثبت قنفذ ، فقالوا : إنّ فاطمة قالت .. كذا وكذا ، فتحرّجنا أن
ندخل بيتها بغير إذن .
فغضب عمر ، وقال : ما لنا وللنساء ؟ ثم أمر أُناساً حوله بتحصيل الحطب ، وحملوا
الحطب وحمل معهم عمر ، فجعلوه حول منزل عليّ عليه السلام - وفيه علي وفاطمة وابناهما عليهم السلام- ثم نادى عمر - حتى أسمع علياً وفاطمة - : واللّه لتخرجنّ - يا علي ! - ولتبايعنّ خليفة رسول اللّه وإلاّ أضرمت عليك النار .
فقامت فاطمة عليهاالسلام فقالت : « يا عمر ! ما لنا ولك ؟ » فقال : افتحي الباب وإلاّ أحرقنا عليكم بيتكم ، فقالت : « يا عمر ! أما تتّقي اللّه تدخل على بيتي ؟ »
فأبي أن ينصرف ، ودعا عمر بالنار فأضرمها في الباب ، ثم دفعه فدخل ، فاستقبلته فاطمة عليهاالسلام وصاحت : « يا أبتاه ! يا رسول اللّه ! » فرفع عمر السيف وهو في غمده فوجأ به جنبها ، فصرخت : « يا أبتاه ! » فرفع السوط فضرب به ذراعها ، فنادت : « يا رسول اللّه ! لبئس ما خلّفك أبو بكر وعمر » .
فوثب عليّ عليه السلام فأخذ بتلابيبه فصرعه ووجأ أنفه ورقبته وهمّ بقتله ، فذكر قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله وما أوصاه به ، فقال : « والّذي كرّم محمداً صلى الله عليه و آله بالنبوة - يابن صهاك ! - لولا كتاب من اللّه سبق وعهد عهده إليّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله لعلمت أنك لا تدخل بيتي .. »
فأرسل عمر يستغيث ، فأقبل الناس حتى دخلوا الدار ، وثار علي عليه السلام إلى سيفه ، فرجع قنفذ إلى أبي بكر وهو يتخوّف أن يخرج علي عليه السلام بسيفه - لما قد عرف من بأسه وشدّته - ، فقال أبو بكر لقنفذ : ارجع ، فإن خرج وإلاّ فاقتحم عليه بيته ، فإن امتنع فاضرم عليهم بيتهم النار .. فانطلق قنفذ فاقتحم هو وأصحابه بغير إذن ، وثار عليّ عليه السلام إلى سيفه فسبقوه إليه وكاثروه ، فتناول بعض سيوفهم فكاثروه [ كذا ] .
فألقوا في عنقه حبلاً ، وحالت بينهم وبينه فاطمة عليهاالسلام عند باب البيت ، فضربها قنفذ ... بالسوط ، فماتت حين ماتت وإنّ في عضدها مثل الدملج من ضربته ... ، ثم انطلقوا بعلي عليه السلام يُتَلُّ ،(1)حتى انتهي به إلى أبي بكر ، وعمر قائم بالسيف على رأسه .
وخالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح ، وسالم مولى أبي حذيفة ، ومعاذ بن جبل ، والمغيرة بن شعبة ، وأُسيد بن خضير ، وبشير بن سعد .. وسائر الناس حول أبي بكر عليهم السلاح .
1) . التلّ : الدفع ، ومنه حديث : القاتل يُتَلّ برمّته إلى أولياء المقتول . مجمع البحرين : 5/328 .
قال : قلت لسلمان : أدَخَلوا على فاطمة بغير إذن ؟
قال : إي واللّه وما عليها خمار ، فنادت : « يا أبتاه ! يا رسول اللّه ! فلبئس ما خلّفك أبو بكر وعمر وعيناك لم تتَفَقَّأ في قبرك .. » - تنادي بأعلى صوتها - فلقد رأيت أبا بكر ومن حوله يبكون !!! ما فيهم إلاّ باك ، غير عمر وخالد بن الوليد والمغيرة بن شعبة ، وعمر يقول : إنّا لسنا من النساء ورأيهنّ في شيء .
قال : فانتهوا بعلي عليه السلام إلى أبي بكر ، وهو يقول : « أما واللّه لو وقع سيفي في يدي ، لعلمتم أنكم لم(1)تصلوا إلى هذا أبداً ، أما واللّه ما ألوم نفسي في جهادكم ، ولو كنت أستمسك من أربعين رجلاً لفرّقت جماعتكم ، ولكن لعن اللّه أقواماً بايعوني ثم خذلوني .. »
ولمّا أن بصر به أبو بكر صاح : خلّو سبيله ، فقال علي عليه السلام : « يا أبا بكر ! ما أسرع ما توثّبتم على رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، بأيّ حق .. وبأيّ منزلة .. دعوت الناس إلى بيعتك ؟! ألم تبايعني بالأمس بأمر اللّه وأمر رسول اللّه ؟ »
وقد كان قنفذ ... ضرب فاطمة عليهاالسلام بالسوط ، حين حالت بينه وبين زوجها ، وأرسل إليه عمر : إن حالت بينك وبينه فاطمة فاضربها ، فألجأها قنفذ إلى عضادة بيتها ، ودفعها
فكسر ضلعها من جنبها ، فألقت جنيناً من بطنها ، فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت - صلى اللّه عليها - من ذلك شهيدة .
قال : ولمّا انتهي بعلي عليه السلام إلى أبي بكر انتهره عمر ، وقال له : بايع ودع عنك هذه الأباطيل ! .. فقال له علي عليه السلام : « فإن لم أفعل فما أنتم صانعون ؟ » قالوا : نقتلك ذلاًّ وصغاراً ! ..
فقام عمر فقال لأبي بكر - وهو جالس فوق المنبر - : ما يجلسك فوق المنبر ؟ هذا جالس محارب ، لا يقوم فيبايعك ، أو تأمر به فنضرب عنقه ؟
والحسن والحسين عليهماالسلام قائمان ، فلمّا سمعا مقالة عمر بكيا ، فضمّهما إلى صدره ،
1) . خ . ل : لن .
فقال : « لا تبكيا .. فواللّه ما يقدران على قتل أبيكما .. »
ثم قال : قم يابن أبي طالب فبايع ، فقال عليه السلام : « فإن لم أفعل ؟ » قال : إذاً واللّه نضرب عنقك .. فاحتجّ عليهم ثلاث مرّات ، ثم مدّ يده من غير أن يفتح كفّه فضرب عليها أبو بكر ورضي بذلك منه ، فنادى علي عليه السلام - قبل أن يبايع والحبل في عنقه - : « ي- « ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي » .. » .(1)
ورواه الشيخ الطبرسي (القرن السادس) مع اختلاف في بعض المواضع .(2)
وعماد الدين الطبري (القرن السابع) مع زيادات من سائر الروايات .(3)
وأبو سعيد حسن بن حسين الشيعي السبزواري (القرن الثامن) قريباً منه مرسلاً .(4)
وعلي بن داود الخادم الأسترآبادي(5)(القرن الحادي عشر)
والعلاّمة الملا مهدي النراقي (المتوفى 1209) مع زيادات .(6)
[ 96 ]وروى سليم عن طلحة بن عبيد اللّه ، ضمن كلام له خطاباً لأمير المؤمنين عليه السلام : .. يوم أتوه بك وفي عنقك حبل .(7)
ورواه الشيخ الطبرسي (القرن السادس) هكذا : يوم أتوه بك بعتل(8)[ تقاد ]وفي عنقك حبل ، فقالوا لك : بايع ..(9)
1) . كتاب سليم : 82 (الطبعة المحقّقة : 2/577 - 599 الحديث الرابع ) ، وعنه في بحار الأنوار : 28/266 - 267 . والآية في سورة الأعراف (7) : 150 .
2) . الاحتجاج : 82 - 89 ، وعنه في بحار الأنوار : 28/266 - 267 .
3) . كامل بهائي : 1/304 - 308 .
4) . راحة الأرواح : 59 - 60 .
5) . أنساب النواصب : 42 .
6) . محرق القلوب : 31 - 33 .
7) . كتاب سليم : 117 ( الطبعة المحققة : 2 / 649 الحديث الحادي عشر ) .
8) . العتل : الجذب العنيف . قال الجوهري : عَتَلْت الرجل اَعْتِلُهُ وأَعْتُلُهُ ، إذا جذبته جذباً عنيفاً . لاحظ الصحاح : 5/1758 .
9) . الاحتجاج : 150 ، وعنه في بحار الأنوار : 31/416 .
[ 97 ]قال - ما ترجمته - : قال النبي صلى الله عليه و آله : « اعلم يا علي ! اني إذ أرتحل عن هذه الدنيا الدنية ، فتنسى الأُمة ما يجب عليهم من حقوقي ، وأوّل من يخاصمك أبو بكر بن أبي قحافة .. ثم عمر ، فإنه يخرق كتاب فدك ، ويركل برجله بطن ابنتي فاطمة عليهاالسلام فيسقط المحسن عليه السلام .. ثم يجعلون الحبل في عنقك ويأتون بك إلى المسجد فيقال لك : بايع وإلاّ نقتلك .. ».(1)
أبو هاشم إسماعيل بن محمّد الحميري(2)( المتوفى 173 ه . )
[ 98 ]قال :
ضربت واهتضمت من حقّها *** وأُذيقت بعده طعم السلع
قطع اللّه يدي ضاربها *** ويد الراضي بذاك المتبع
لا عفا اللّه له عنها ولا *** كفّ عنه هول يوم المطلع(3)
ونسب ابن شهرآشوب المازندراني (المتوفى 588) الأبيات إلى العوني .(4)
[ 99 ]وقال الحميري :
توفّي النبيّ عليه السلام *** فلمّا تغيب في الملحد
أزالوا الوصية عن أقربيه *** إلى الأبعد الأبعد الأبعد
وكادوا مواليه من بعده *** فيا عين جودي ولا تجمدي(5)
وقال :
إنها أسرع أهل بيته *** ولحاقاً بي فلا تفشي الجزع
96 - علي بن جعفر العريضي(3)ابن الإمام الصادق عليه السلام (القرن الثالث)
[ 100 ]عن أخيه موسى بن جعفر الكاظم عليهماالسلام :
« إنّ فاطمة صدّيقة شهيدة .. » .(4)
ورواه ثقة الإسلام الكليني(5)(المتوفى 329)
[ 101 [ ] روى في كتاب الوصيّة ] ضمن رواية تقدّم ذكرها(6)عن النبي صلى الله عليه و آله : « يا عليّ ! ما أنت صانع لو قد تأمّر القوم عليك بعدي ، وتقدّموا عليك ، وبَعث إليك طاغيتُهم يدعوك إلى البيعة ثم لُبّبتَ بثوبك تقاد كما يقاد الشارد من الإبل .. مذموماً مخذولاً محزوناً مهموماً ، وبعد ذلك ينزل بهذه [ أي بفاطمة عليهاالسلام ]الذلّ ؟! »
رواه عنه الشيخ هاشم بن محمد(7)(القرن السادس)
والسيد علي بن طاووس(8)(المتوفى 664)
1) . كذا ، والظاهر : غيظ .
2) . المناقب : 3/362 .
3) . قيل : توفي سنة 210 ، وقيل : بل أدرك الإمام أبا الحسن الهادي عليه السلام المستشهد 254 .
4) . مسائل عليّ بن جعفر : 325 .
5) . الكافي : 1/458 .
6) . راجع الفصل الأوّل .
7) . كتاب الوصية ، عنه مصباح الأنوار : 271 .
8) . الطرف : 42 - 43 وعنه في بحار الأنوار : 22/492 .
وروى العلاّمة البياضي (المتوفى 877) قطعة منها .(1)
[ 102 ]وفي رواية - تقدّم ذكرها(2)- عن النبيّ صلى الله عليه و آله : « .. إنّما بكائي وغمّي وحزني عليك وعلى هذه أن تضيع بعدي ، فقد أجمع القوم على ظلمكم ... أما واللّه لينتقمنّ اللّه ربّي وليغضبنّ لغضبك ، فالويل .. ثم الويل .. ثم الويل .. للظالمين » ثم بكى رسول اللّه صلى الله عليه و آله .
رواه عنه الشيخ هاشم بن محمّد(3)(القرن السادس)
والسيد علي بن طاووس(4)(المتوفى 664)
وروى العلاّمة البياضي(5)(المتوفى 877) قطعة منها .
[ 103 ]وروى في ضمن رواية تقدّم ذكرها ،(6)عن النبيّ صلى الله عليه و آله : « يا علي ! ويل لمن ظلمها .. وويل لمن ابتزّها حقها .. وويل لمن هتك حرمتها .. وويل لمن أحرق بابها .. وويل لمن آذى خليلها .. وويل لمن شاقّها وبارزها .. »
رواه عنه الشيخ هاشم بن محمّد(7)(القرن السادس)
والسيد علي بن طاووس(8)(المتوفى 664)
وروي العلاّمة البياضي (المتوفى 877) قطعة منها .(9)
[ 104 ]وفي رواية تقدّم ذكرها ،(10)عن النبيّ صلى الله عليه و آله : « يا علي ! تفي بما فيها ..
1) . الصراط المستقيم : 2/94 .
2) . راجع الفصل الأوّل .
3) . كتاب الوصية ، عنه مصباح الأنوار : 275 - 276 .
4) . الطرف : 38 - 41 وعنه في بحار الأنوار : 22/490 .
5) . الصراط المستقيم : 2/93 .
6) . راجع الفصل الأوّل .
7) . كتاب الوصية ، عنه مصباح الأنوار : 268 - 269 .
8) . الطرف : 30 ؛ وعنه في بحار الأنوار : 22/485 .
9) . الصراط المستقيم : 2/92 - 93 .
10) . راجع الفصل الأوّل .
على الصبر منك ، وعلى كظم الغيظ ، وعلى ذهاب حقي(1)وغصب خمسك ، وانتهاك حرمتك . » فقال : « نعم يا رسول اللّه ! .. ».
فقال أمير المؤمنين عليه السلام : « والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لقد سمعت جبرئيل عليه السلام يقول للنبي صلى الله عليه و آله : يا محمّد ! عرّفه أنّه ينتهك(2)[ كذا ] الحرمة وهي حرمة اللّه وحرمة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وعلى أن تخضب لحيته من رأسه بدم عبيط .. »
قال أمير المؤمنين عليه السلام : « فصعقت حين فهمت الكلمة من الأمين جبرئيل ، حتى سقطت على وجهي ،(3)وقلت : نعم ، قبلت ورضيت وإن انتهكت الحرمة ، وعطّلت
السنن ، ومزّق الكتاب ، وهدمت الكعبة ، وخضبت لحيتي من رأسي بدم عبيط .. صابراً محتسباً أبداً حتى أقدم عليك » .
« ثم دعا رسول اللّه صلى الله عليه و آله فاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وأعلمهم مثل ما أعلم أمير المؤمنين ، فقالوا مثل قوله .. فختمت الوصية» .
فقلت : أكان في الوصية توثّبهم وخلافهم على أمير المؤمنين عليه السلام ؟
فقال : « نعم - واللّه - شيئاً شيئاً .. وحرفاً حرفاً .. أما سمعت قول اللّه عزّ وجلّ : « إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ » ؟(4)واللّه لقد قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله لأمير المؤمنين وفاطمة عليهماالسلام : « أليس قد فهمتما ما تقدّمت به إليكما وقبلتماه ؟ » فقالا : « بلى وصبرنا على ما ساءنا وغاظنا » .
رواه عنه ثقة الإسلام الكليني(5)(المتوفى 329)
1) . خ . ل : حقّك .
2) . أي : تستحلّ ، راجع : مجمع البحرين - نهك - .
3) . من عرف سيرة أمير المؤمنين عليه السلام وحالاته وشؤونه يعلم أنه لا يخاف من الموت والقتل ، كيف وهو المقدام في كل كربهة وشدّة . أليس هو القائل : واللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أُمّه ؟ فتغيّر حاله عليه السلام إنّما يكون لأجل هتك حرمته وهي حرمة اللّه ورسوله صلى الله عليه و آله .
4) . يس 36 : 12 .
5) . الكافي : 1/281 ؛ بحار الأنوار : 22/479 .
والشيخ هاشم بن محمّد(1)(القرن السادس)
والسيد علي بن طاووس(2)(المتوفى 664)
وروى العلاّمة البياضي (المتوفى 877) قطعة منها .(3)
[ 105 ]وروي عيسى بن المستفاد ، عن أبي الحسن الكاظم ، عن أبيه عليهماالسلام ، عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « .. ألا إنّ فاطمة بابها بابي وبيتها بيتي ، فمن هتكه فقد هتك حجاب اللّه » ، قال عيسى : فبكى أبو الحسن عليه السلام طويلاً ، وقطع بقيّة كلامه وقال :
« هتك واللّه حجاب اللّه .. هتك واللّه حجاب اللّه .. هتك واللّه حجاب اللّه .. يا أُمّه ! - صلوات اللّه عليها - » .
رواه عنه السيد علي بن طاووس(4)(المتوفى 664)
[ 106 ]قال : وقد فُعل بفاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله ما دعاها إلى الوصية بأن تدفن ليلاً ولا يصلّي عليها أحد من أُمّة أبيها إلاّ من سمّته .. فلو لم يكن في الإسلام مصيبة ، ولا على أهله عار ولا شنار ، ولا حجة فيه لمخالف لدين الإسلام الاّ ما لحق فاطمة عليهاالسلام حتى مضت غضبى على أُمة أبيها ودعاها ما فعل بها إلى الوصية بأن لا يصلّي عليها أحد منهم - فضلاً عما سوى ذلك - لكان عظيماً فظيعاً منبّهاً لأهل الغفلة إلاّ من طبع اللّه على قلبه وأعماه ، لا ينكر ذلك ولا يستعظمه ولا يراه شيئاً ، بل يزّكي المضطرّ لها إلى هذه الحالة ويفضّله عليها وعلى بعلها وولدها ويعظّم شأنه عليهم ، ويرى أن الذي فعل بها الحقّ ، ويعدّه من محاسنه !!(5)
[ 107 ]روى عن أبي عبد اللّه عليه السلام في حديث طويل : قال النبي صلى الله عليه و آله : « يا فاطمة ! ... فماترين اللّه صانع بقاتل ولدك وقاتليك وقاتل بعلك إذا أفلجت حجّته على الخلائق .. ؟! »(1)
( المتوفى 236 ه . )
[ 108 ]قال في قصيدة العاملة :
إنّ عتيقاً وأبا حفص معا *** لأيّ أمر صنعا ما صنعا
أكثر قولي لم يصب فعلهما *** ولا أرى واللّه عذراً لهما(2)
البرقي(3)( المتوفى 245 ه . )
[ 109 ]قال :
وكلّلا النار من بيت ومن حطب *** والمضرمان لمن فيه يسبّان
وليس في البيت إلاّ كل طاهرة *** من النساء وصدّيق وسبطان
فلم أقل غدرا ، بل قلت قد كفرا *** والكفر أيسر من تحريق ولدان
وكل ما كان من جور ومن فتن *** ففي رقابهما في النار طوقان(4)
1) . تفسير الفرات : 172 ، وعنه في بحار الأنوار : 44/265 .
2) . مثالب النواصب : 137 الخطّية .
3) . علي بن محمّد بن عمار ، عدّه ابن شهرآشوب من شعراء أهل البيت عليهم السلام المجاهرين وقال : خرقوا ديوانه ، وقطعوا لسانه . انظر معالم العلماء ص 148 ، وقيل : هو أبو محمد عبد اللّه بن عمّار البرقي ، وشئبه إلى المتوكّل وقرئت له قصيدته النونيّة ، فأمر بقطع لسانه وإحراق ديوانه ، فمات بعد أيّام . راجع : أعيان الشيعة : 8/63 .
4) . الصراط المستقيم : 3/13 ؛ مثالب النواصب : 423 الخطّية ، ويختلفان في نقل بعض الكلمات ، فراجع .
[ 110 ]قال : رويتم [ أي أنتم معشر العامّة ] عن إسحاق بن إبراهيم ... عن أبي حرب بن أبي الأسود ، قال : بعثني أبي إلى جرير [ جندب ] بن عبد اللّه البجلي(3)أسأله عن أمر ما [ عمّا ] حضر عن أبي بكر وعمر وعلي عليه السلام حين دعواه إلى البيعة . فقال : غلباه وأخذا منه حقه .. فكتب إليه أبي : لست أسألك عن رأيك ، اكتب إليّ بما حضرت وشهدت . قال : بُعث [ بعثا ] إلى عليّ فجيء به متلبّباً [ ملبّباً ] فلمّا حضر قالا له : بايع ، فقال : « إن لم أفعل ، فماذا تصنعون ؟ » قالوا : نقتلك ولؤماً [ وصغراً ]لك . قال : « إذاً أكون عبد اللّه وأخا رسوله صلى الله عليه و آله ! » قالوا له : أما عبد اللّه نعم وأما أخورسوله فلا .. فرجع يومئذ ولم يبايع .(4)
ورواه الطبري الإمامي(5)(المتوفى أوائل القرن الرابع)
ورواه من العامّة أبو جعفر العقيلي (المتوفى 322) مع إبهام وتحريف .(6)
وتقدّمت لفضل بن شاذان الرواية المرقّمة ب- : [ 10 ] .
1) . كذا ، والظاهر : كاسر .
2) . مثالب النواصب : 423 الخطّية .
3) . جرير بن عبد اللّه وجندب بن عبد اللّه البجليان كلاهما من الصحابة ، ومن رجال الصحاح الستّة ، انظر موسوعة رجال الكتب التسعة : 1 / 237 ، 255 .
4) . الايضاح : 367 .
5) . المسترشد : 380 .
6) . قال في ترجمة عبد الملك بن أعين ... : ومن حديثه : عن أبي حرب بن أبي الأسود الدئلي ، قال : بعثني أبي إلى جندب بن عبد الله البجلي ، قال : سله ما حضرت من أمر أبي بكر وعلي . قال جيء بعلي حتى أقعد بين يديه، فقيل له : بايع ، قال : «فإن لم أفعل» . . فذكر كلاما، قال : «إذا أكون عبد الله وأخو رسوله . . وذكر الحديث . ضعفاء العقيلي 3 / 33
[ 111 ]روى عن أحمد بن عمرو البجلي ، عن أحمد بن حبيب العامري ، عن
حمران بن أعين ، عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد عليه السلام قال : « واللّه ما بايع علي عليه السلام حتّى رأى الدخان قد دخل بيته » .(1)
رواه عنه الشريف المرتضى(2)(المتوفى 436)
والشيخ الطوسي(3)(المتوفى 460)
وابن شهر آشوب المازندراني(4)(المتوفى 588)
[ 112 ]وروى أبو إسحاق إبراهيم الثقفي في كتاب المعرفة عن زائدة بن
قدامة :(5)أنه خرج عمر في نحو من ستين رجلاً ، فاستأذن الدخول عليهم ، فلم يؤذن له .. فشغب وأجلب ، فخرج إليه الزبير مصلتاً سيفه ، ففرّ الثاني من بين يديه - حسب عادته ! - وتبعه الزبير ، فعثر بصخرة في طريقه فسقط لوجهه ، فنادى عمر : دونكم الكلب .. ، فأحاطوا به ، وأخذ سلمة بن أسلم سيفه فضربه على صخرة فكسره ، فسيق إليه الزبير سوقاً عنيفاً إلى أبي بكر حتى بايع كرهاً .
وعاد إلى الباب واستأذن : فقالت فاطمة عليهاالسلام : « عليك باللّه - إن كنت تؤمن باللّه - أن تدخل بيتي فإني حاسرة ! .. » فلم يلتفت إلى مقالها وهجم .
فصاحت :« يا أبه ! ما لقينا بعدك من أبي بكر وعمر .. » وتبعه أعوانه ، فطالبأمير المؤمنين عليه السلام بالخروج فلم يمتنع عليه لما تقدم من وصية رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وظنّ(6)
1) . نحتمل قويّاً أنّهم نقلوها عن كتاب المعرفة ، راجع : تعليقة : الشافي 3/223 .
2) . الشافي : 3/241 .
3) . تلخيص الشافي : 3/76 ، وعنه في بحار الأنوار : 28/390 .
4) . مثالب النواصب : 420 الخطّية .
5) . زائدة بن قدامة الثقفي الكوفي المتوفى 163 وقيل غير ذلك . ذكره ابن حبان في الثقات : 6/339 ، وقال : كان من الحفّاظ المتقنين . أقول : وهو من رجال الصحاح الستّة ، لاحظ موسوعة رجال الكتب التسعة : 1/513 .
6) . خ . ل : ضنّ .
بالمسلمين عن الفتنة ، وكان غرضه المحاماة على الدين وحياطته و ... خرج معهم وخرجت الطاهرة في إثره ، وهي تقول لزفر : « يابن السوداء ! لأسرع ما أدخلت الذلّ على بيت رسول اللّه صلى الله عليه و آله ! »
قال : ولم تبق من بني هاشم امرأة إلاّ خرجت معها ، فلمّا رآها أبو بكر مقبلة هاب ذلك فقام قائماً وقال : ما أخرجك يا بنت رسول اللّه ؟ فقالت : « أخرجتني أنت وهذا ابن السوداء معك » . فقال الأول : يا بنت رسول اللّه ! لا تقولي هذا فإنه كان
لأبيك حبيباً . قالت : « لو كان حبيباً ما أدخل الذلّ بيته .. »
رواها الكلبي عن ابن عباس ؛
ومحمّد بن شهاب الزهري ؛(1)
وعبد اللّه بن العلا ؛(2)
عنهم ابن شهر آشوب المازندارني(3)(المتوفى 588)
ورواه العلاّمة المحقق المازندراني الخواجوئي(4)(المتوفى 1173)
[ 113 ]روى عن أبي عبد اللّه عليه السلام أنه قال : « لمّا أُخرج بعلي عليه السلام ملبّباً ، وقف عند قبر النبي صلى الله عليه و آله قال : ي- « ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي » .(5)قال : فخرجت يد من قبر رسول اللّه صلى الله عليه و آله يعرفون أنها يده ، وصوت يعرفون أنه صوته نحو أبي بكر : «يا هذا ! « أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً »(6)».
1) . محمد بن مسلم المتوفى 125 من أعلام التابعين والمنحرفين عن أمير المؤمنين علي عليه السلام ، له عند العامّة شأن .
2) . أبو محمد المذاري من وجوه أصحابنا في القرن الثالث .
3) . مثالب النواصب : 136 - 137 الخطّية .
4) . طريق الرشاد مطبوع في ضمن الرسائل الاعتقادية : 1/447 - 448 .
5) . الأعراف 7 : 150 .
6) . بصائر الدرجات : 275 ؛ وعنه في بحار الأنوار : 28/220 . والآية في سورة الكهف 18 : 37 .
[ 114 ]قال : ... وأين الإجماع .. وبنو هاشم إليهم يرجع الشرف والذكر والقول في الجاهلية والإسلام ، ولم يبايع منهم أحد ، ولم شهدوا ،(3)ولم يشاوروا ، وأمير المؤمنين علي عليه السلام لازم بيته قد أبى أن يخرج معهم وأبى أن يحضر ، وقد أرسلوا إليه ثلاثة رسل ، رسولاً بعد رسول ، أن اخرج فبايع خليفة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فردّ عليهم : « ما أسرع ما كذبتم على رسول اللّه صلى الله عليه و آله ! » ثم عاد الرسول ثانية فقال : أجب أمير المؤمنين . فقال : « يا سبحان اللّه ! ما أجرأ من تسمّى بما ليس له ! » ثم رجع إليه ثالثة فقال : أجب أبا بكر فقد أجمع المسلمون عليه وبايعوه .. فبايعه أنت وادخل في ما دخل فيه الناس .
فقال أبو بكر لعمر : انهض في جماعة واكسر باب هذا الرجل وجئنا به [ كي ] يدخل في ما دخل فيه الناس ، فنهض عمر ومن معه إلى باب علي عليه السلام فدقّوا الباب ، فدافعته فاطمة - صلوات اللّه عليها - فدفعها وطرحها ، فصاحت : « يا عمر ! أُحرّجك(4)بحرج اللّه أن لا تدخل عليّ بيتي ، فإني مكشوفة الشعر ، مبتذلة » ، فقال لها : خذي ثوبك .
فقالت : « مالي ولك ؟ » ثم قال : خذي ثوبك فإني داخل .. فأعادت عليه القول ،(5)فدفعها ودخل هو وأصحابه ، فحالت بينهم وبين البيت الذي فيه علي عليه السلام ،
وهي ترى أنها أوجب عليهم حقّاً من علي عليه السلام لضعفها وقرابتها من رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فوثب إليها خالد بن الوليد فضربها بالسوط على عضدها حتى كان أثره في عضدها مثل الدملج ، فصاحت عند ذلك ، فخرج عليهم الزبير بالسيف ، فصاح عمر : دونكم الليث ، فدخل في صدره عبد اللّه بن أبي ربيعة فعانقه وأخذ السيف من يده ، وضرب به الحجر حتى كسره ، فدخلوا البيت فأخرجوا عليّاً عليه السلام ملبوباً ، فتعلّق به جماعة منهم حتى انتهوا به إلى أبي بكر . فقال أبو بكر : بايع ، قال له : « ما أفعل » ، قال له عمر : ما تفارقنا أو تفعل ، فقال له علي عليه السلام : « احلب حلباً لك شطره ، شدّها له اليوم يردّها عليك غداً » .(1)
ونقله عنه الحسيني الزيدي(2)(المتوفى 670)
[ 115 ]وقال الهادي : فكان رسول اللّه صلى الله عليه و آله أوّل من قصد بالأذى في نفسه وأقاربه ، وأوّل من شهد عليه بالزور ، وأوّل من أخذ ماله ، وأوّل من رُوّع أهله ، واستخفّ بحقّهم ، فرُوّعوا ، وأُوذوا ، وهم يروون أن رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول : « من روّع مسلماً فقد برئتُ منه ، وخرج من ربقة الإسلام » وقال اللّه عزّ وجلّ فيهم : « قُلْ لا
أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى » .(3)
وقد فُعل بفاطمة عليهاالسلام ما ذكرنا في كتابنا هذا ورسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول : « فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها » . فآذوها أشدّ الإيذاء ، ولم يلتفت فيها ولا في أقاربها إلى شيء مما ذكرنا ، فكانت حرمة رسول اللّه صلى الله عليه و آله أوّل حرمة انتهكت بعده في الإسلام ، وكان أوّل مشهود شُهد عليه بالزور ، وكان ماله أوّل مال أُخذ غصباً من ورثته . .(4)
ونقله عنه الحسيني الزيدي(5)(المتوفى 670)
والشرفي الأُهنومي(1)(المتوفى 1055)
[ 116 ]كان كثيراً ما يقول :
تعزّ ، فكم لك من أُسوة *** تسكن عنك غليل الحزن
بموت النبي وخذل الوصيّ *** وذبح الحسين وسمّ الحسن
وجرّ الوصيّ وغصب التراث *** وأخذ الحقوق وكشف الإحن
وهدم المنار وبيت الإله *** وحرق الكتاب وترك السنن
وله :
إذا ما المرء لم يعط مناه *** واضناه التفكر والنحول
ففي آل الرسول له عزاء *** وما لاقته فاطمة البتول(2)
[ 117 ]روى عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : « لمّا استخرج أمير المؤمنين - صلوات اللّه عليه - من منزله ، خرجت فاطمة والهة ، فما بقيت هاشمية إلاّ خرجت معها ، حتى انتهت قريباً من القبر ، فقالت : « خلّوا عن ابن عمّي .. فوالّذي بعث محمّداً بالحقّ ، لئن لم تخلوا عنه لأنشرنّ شعري ، ولأضعنّ قميص رسول اللّه صلى الله عليه و آله - الذي كان عليه حين خرجت نفسه - على رأسي ، ولأصرخنّ إلى اللّه تبارك وتعالى ، فما صالح بأكرم على اللّه من ابن عمّي ، ولا ناقة صالح بأكرم على اللّه منّي ، ولا الفصيل بأكرم على اللّه من ولدي » .(3)
وقريب منها ما رواه الشيخ الطبرسي(1)(القرن السادس)
وابن شهر آشوب المازندراني(2)(المتوفى 588)
[ 118 ]وروى الطبري ، عن أبي حمزة الثمالي ، عن الإمام علي بن الحسين عليهماالسلام ، قال : « لمّا قبض النبيّ صلى الله عليه و آله وبويع أبو بكر ، تخلّف علي عليه السلام ، فقال عمر لأبي بكر : ألا ترسل إلى هذا الرجل المتخلّف فيجيء فيبايع ؟ قال أبو بكر : يا قنفذ !
اذهب إلى عليّ وقل له : يقول لك خليفة رسول اللّه صلى الله عليه و آله : تعال بايع .
فرفع علي عليه السلام صوته وقال : « سبحان اللّه ! ما أسرع ما كذبتم على رسول اللّه صلى الله عليه و آله » .
قال : فرجع فأخبره ، ثم قال عمر : ألا تبعث إلى هذا الرجل المتخلف فيجيء يبايع ؟ فقال لقنفذ : اذهب إلى عليّ فقل له : يقول لك أمير المؤمنين : تعال بايع ..
فذهب قنفذ يضرب الباب ، فقال عليّ عليه السلام : « من هذا ؟ » قال : أنا قنفذ . فقال : « ما جاء بك ؟ » قال : يقول لك أمير المؤمنين : تعال فبايع .. فرفع عليّ عليه السلام صوته وقال :
« سبحان اللّه ! لقد ادّعى ما ليس له » . فجاء فأخبروه ، فقام عمر فقال : انطلقوا إلى هذا الرجل حتى نجيء إليه .. فمضى إليه جماعة ، فضربوا الباب ، فلمّا سمع علي عليه السلام أصواتهم لم يتكلّم ، وتكلّمت امرأته ، فقالت : « من هؤلاء ؟ » فقالوا : قولي لعليّ يخرج ويبايع ..
فرفعت فاطمة عليهاالسلام صوتها فقالت : « يا رسول اللّه ! ما لقينا من أبي بكر وعمر بعدك » .
فلمّا سمعوا صوتها .. بكى كثير ممّن كان معه ! ثم انصرفوا .. وثبت عمر في ناس معه ، فأخرجوه وانطلقوا به إلى أبي بكر حتى أجلسوه بين يديه ، فقال أبو بكر : بايع ، قال : « فإن لم أفعل ؟ » قال : إذاً واللّه الذي لا إله إلاّ هو تضرب عنقك . قال علي :
« فأنا عبد اللّه وأخو رسوله » ، قال أبو بكر : بايع . قال : « فإن لم أفعل ؟ » قال : إذاً واللّه الذي لا إله إلاّ هو تضرب عنقك . فالتفت علي عليه السلام إلى القبر ، وقال : « ي- « ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي »(1).. » ثم بايع وقام .(2)
وروى سيف الدين أبو الحسن علي الآمدي (المتوفى 631) قطعة منها .(3)
[ 119 ]وقال الطبري : إنّ أمير المؤمنين عليه السلام منعه من طلب الخلافة - بعد فراغه من دفن رسول اللّه صلى الله عليه و آله وبعد أن توثب الظالمون فبايعوا أبا بكر - أنّ المدينة كانت محتشية بالمنافقين ، وكانوا يعضّون الأنامل من الغيظ ، وكانوا ينتهزون الفرصة ، وقد تهيّأوا لها ووافق ذلك في شكاة رسول اللّه صلى الله عليه و آله وقبل وفاته ، وعلي عليه السلام مشغول بغسل رسول اللّه وبإصلاح أمره ودفنه ، فلمّا انجلت الغمّة وبايع الناس أبا بكر من غير مناظرة أهل البيت قعد في منزله وطلب الخلافة بلسان(4)دون سيفه ، وتكلّم وأعلم الناس حاله وأمره ، معذّراً .. يعلم الناس أنّ الحقّ له دون غيره ، وذكّرهم ما كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله عقد له ، ثم رجع وقعد عن القوم ، فصاروا إلى داره .. وأرادوا أن يضرموها عليه وعلى فاطمة ناراً .. فخرج الزبير بسيفه فكسره .(5)
[ 120 ]وقال أيضاً : ... وعمر ، الذي همّ بإحراق بيت فاطمة عليهاالسلام وشتم علياً عليه السلاموالزبير .(6)
وتقدّمت له الرويات المرّقمة ب- : [ 4 ] ، [ 12 ] ، [ 110 ] .
[ 121 ]قال - ضمن كلام له في بيعة أمير المؤمنين عليه السلام لأبي بكر - : لأنها
وقعت بعد مطل وتأخّر منه ، وبعد أن عوتب وهدّد وأُخرج على الوجه الذي جاءت به الروايات من جهة العامّة والخاصّة .
وقيل له : حسدت ابن عمّك ونفّست عليه .. وخوّف من وقوع الفتنة بين المسلمين .. وكثير من هذه المعاني رواها المخالفون ، وهي موجودة في كتبهم الموثوق بها ، كتاريخ البلاذري ، وكتب الواقدي .. وغير ذلك .
ووجدانها في كتب الشيعة وروايتها من طرقهم أكثر من أن تحصى .
ومن تأمّل الأخبار المروية في هذا
الباب علم صحّة ما قلناه إذا أنصف من نفسه . .(1)
[ 122 ]قال : وأظهروا الحسد والخلاف والعداوة لأهل بيت رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وهمّوا بإحراق البيت عليهم ، حتى يقول زيد بن أرقم : أنا الذي كنت حملت الحطب إلى باب فاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله .. ومع هذا قد أُمر بقتل علي عليه السلام أخي رسول اللّه صلى الله عليه و آله وزوجته فاطمة عليهاالسلام وأُمّي سبطيه ! .. ونسوا ما قد أوصاه بهم رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، واستنّوا بسنّة الماضين من الأُمم الهالكين .(2)
[ 123 ]روى عن عمرو بن أبي المقدام ، عن أبيه ، عن جدّه(3)قال : ما أتى على علي عليه السلام يوم قطّ أعظم من يومين أتياه ، فأمّا أوّل يوم ؛ فيوم قبض رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وأما اليوم الثاني ؛ فواللّه إني لجالس في سقيفة بني ساعدة عن يمين أبي بكر - والناس يبايعونه - إذ قال له عمر : يا هذا ! ليس في يديك شيء منه ما لم
يبايعك علي ، فابعث إليه حتى يأتيك فيبايعك ، فإنّما هؤلاء رعاع . فبعث إليه قنفذاً ، فقال له : اذهب فقل لعليّ : أجب خليفة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ! .. فذهب قنفذ ، فما لبث أن رجع ، فقال لابي بكر : قال لك : ما خلّف رسول اللّه صلى الله عليه و آله أحداً غيري ، قال : ارجع إليه فقل : أجب ، فإن الناس قد أجمعوا على بيعتهم إياه ، وهؤلاء المهاجرون والأنصار يبايعونه وقريش ، وإنّما أنت رجل من المسلمين لك ما لهم وعليك ما عليهم . . وذهب إليه قنفذ ، فما لبث أن رجع فقال : قال لك : إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال لي وأوصاني إذا واريته في حفرته أن لا أخرج من بيتي حتى أُؤلف كتاب اللّه ؛ فإنه في جرائد النخل وفي أكتاف الإبل ..
قال : قال عمر : قوموا بنا إليه .. فقام أبو بكر وعمر وعثمان وخالد بن الوليد والمغيرة بن شعبة وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة وقنفذ وقمت معهم ، فلمّا انتهينا إلى الباب فرأتهم فاطمة - صلوات اللّه عليها - أغلقت الباب في وجوههم - وهي لا تشكّ أن لا يُدْخَل عليها إلاّ بإذنها - فضرب عمر الباب برجله فكسره - وكان من سعف - ثم دخلوا فأخرجوا علياً عليه السلام ملبّباً .
فخرجت فاطمة عليهاالسلام فقالت : « يا أبا بكر ! أتريد أن ترملني من زوجي ، واللّه لئن لم تكفّ عنه لأنشرنّ شعري ، ولأشقّنّ جيبي ، ولآتينّ قبر أبي ، ولأصيحنّ إلى ربّي .. » ، فأخذت بيد الحسن والحسين عليهماالسلام وخرجت تريد قبر النبي صلى الله عليه و آله ، فقال علي عليه السلاملسلمان : « أدرك ابنة محمّد صلى الله عليه و آله .. فإني أرى جنبتي المدينة تكفئان ، واللّه إن نشرت شعرها ، وشقّت جيبها ، وأتت قبر أبيها ، وصاحت إلى ربّها .. لا يناظر بالمدينة أن يخسف بها وبمن فيها » .
فأدركها سلمان - رضى اللّه عنه - فقال : يا بنت محمّد ! إنّ اللّه بعث أباك رحمة .. فارجعي ، فقالت :« يا سلمان ! يريدون قتلَ عَليٍّ ، ما عَلَيَّ صبر ، فدعني حتى آتي قبر أبي ، فأنشر شعري ، وأشقّ جيبي ، وأصيح إلى ربّي » . فقال سلمان : إنّي أخاف أن يخسف بالمدينة ، وعليّ عليه السلام بعثني إليك يأمرك أن ترجعي له إلى بيتك وتنصرفي ، فقالت : « إذاً أرجع وأصبر وأسمع له وأُطيع » .
قال : فأخرجوه من منزله ملبّباً(1)مرّ على(2)قبر النبيّ صلى الله عليه و آله ، قال : فسمعته يقول : « ي- « ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي »(3)» .
وجلس أبو بكر في سقيفة بني ساعدة - وقدم عليّ عليه السلام - فقال له عمر : بايع ، فقال له عليّ عليه السلام : « فإن أنا لم أفعل فمه ؟ » فقال له عمر : إذاً أضرب - واللّه - عنقك ، فقال له عليٌّ : « إذاً - واللّه - أكون عبد اللّه المقتول وأخا رسول اللّه صلى الله عليه و آله » ، فقال عمر : أما عبد اللّه المقتول فنعم ، وأما أخو رسول اللّه صلى الله عليه و آله فلا .. حتّى قالها ثلاثاً .
فبلغ ذلك العبّاس بن عبد المطلب .. فأقبل مسرعاً يهرول ، فسمعته يقول : ارفقوا بابن أخي ولكم عليَّ أن يبايعكم ! .. فأقبل العباس وأخذ بيد عليّ عليه السلام فمسحها على يد أبي بكر ، ثم خلّوه مغضباً ، فسمعته يقول - ورفع رأسه إلى السماء - : « اللّهمّ إنّك تعلم أنّ النبي صلى الله عليه و آله قد قال لي : إن تمّوا عشرين فجاهدهم وهو قولك في كتابك : « إِنْ يَكُنْ
مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ »(4)» قال : وسمعته يقول : « اللّهمّ وإنّهم لم يتمّوا عشرين .. » حتى قالها ثلاثاً .. ثم انصرف .(5)
ورواه الشيخ المفيد(6)(المتوفى 413)
[ 124 ]وروى العياشي ، عن حنان بن سدير ، عن أبيه ، عن أبي جعفر عليه السلام
قال : « كان الناس أهل ردّة بعد النبي صلى الله عليه و آله إلاّ ثلاثة ، فقلت : ومن الثلاثة ؟ قال : المقداد وأبوذر وسلمان الفارسي .. ثم عرف أُناس بعد يسير ، فقال : هؤلاء الذين دارت عليهم الرحا ، وأبوا أن يبايعوا حتى جاؤوا بأمير المؤمنين عليه السلام مكرهاً فبايع ، وذلك قول اللّه :
1) . خ . ل : وأقبل الزبير مخترطاً سيفه ، وهو يقول : يا معشر بني عبد المطّلب ! أيفعل هذا بعليّ وأنتم أحياء ؟! وشدّ على عمر ليضربه بالسيف ، فرماه خالد بن الوليد بصخرة فأصابت قفاه وسقط السيف من يده ، فأخذه عمر وضربه على صخرة فانكسر .
2) . خ . ل : مرّوا به .
3) . الأعراف 7 : 150 .
4) . الأنفال 8 : 65 .
5) . تفسير العياشي : 2/66 - 68 ، وعنه في بحار الأنوار : 28/227 . العوالم : 11/405 - 407 .
6) . الاختصاص : 185 - 187 .
« وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ » .(1)
ورواه الشيخ الكليني(2)(المتوفى 329)
وأبو عمرو الكشي ، وعنه الشيخ الطوسي(3)(المتوفى 460)
والسيد شرف الدين الأسترآبادي(4)(القرن العاشر)
[ 125 ]وروى العياشي عن أحدهما عليهماالسلام [ أي الإمام الباقر أو الإمام الصادق عليهماالسلام ] : « .. فأرسل أبو بكر إليه : أن تعال فبايع ، فقال عليّ : « لا أخرج حتى أجمع القرآن .. » ، فأرسل إليه مرّة أُخرى ، فقال : « لا أخرج حتى أفرغ .. » ، فأرسل إليه الثالثة ابن عم له(5)يقال له : قنفذ ، فقامت فاطمة بنت رسول اللّه - صلوات اللّه عليها - تحول بينه وبين عليّ عليه السلام فضربها ، فانطلق قنفذ وليس معه عليّ عليه السلام ، فخشي أن يجمع عليّ الناس ، فأمر بحطب فجعل حوالي بيته ، ثم انطلق عمر بنار ، فأراد أن يحرق على عليّ بيته وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، فلمّا رأى عليّ ذلك ، خرج فبايع كارهاً غير طائع » .(6)
[ 126 [ ] روى في كتاب الرجال ] عن أبي جعفر الباقر عليه السلام : « لمّا مرّوا بأمير المؤمنين عليه السلام وفي رقبته حبل إلى زريق(7)ضرب أبوذر بيده على الأُخرى ، ثم قال :ليت السيوف عادت بأيدينا ثانية ، وقال المقداد : لو شاء لدعا عليه ربّه عزّ وجل ،
1) . تفسير العياشي : 1/199 ، وعنه في بحار الأنوار : 22/333 - 351 ، والآية الشريفة في سورة آل عمران 3 : 144 .
2) . الكافي : 8/245 .
3) . رجال الكشي : 1/26 .
4) . تأويل الآيات : 128 .
5) . خ . ل : رجلاً .
6) . تفسير العياشي : 2/307 - 308 ، وعنه في بحار الأنوار : 28/231 .
7) . وفي رجال الكشي : حبل آل زريق ، وفي التعليقة - عن المغرب - : هو من أخشن الحبل وأغلظها .
وقال سلمان : مولاي أعلم بما هو فيه » .
رواه عنه الشيخ الطوسي(1)(المتوفى 460)
وابن شهر آشوب المازندراني(2)(المتوفى 588)
وتقدّمت للشيخ الكشّي الرواية المرقّمة ب- : [ 124 ] .
[ 127 ]عن الحسين بن محمد ، عن المعلى ، عن الوشاء ، عن أبان ، عن أبي هاشم قال : لمّا أُخرج بعليّ عليه السلام خرجت فاطمة عليهاالسلام واضعة قميص رسول اللّه صلى الله عليه و آله على رأسها آخذة بيدي ابنيها ، فقالت : « مالي ولك يا أبا بكر ؟! تريد أن تؤتم ابنيّ وترملني من زوجي ؟ واللّه لولا أن يكون سيّئة لنشرت شعري ولصرخت إلى ربّيّ .. »
قال أبو جعفر عليه السلام : « واللّه لو نشرت شعرها ماتوا طرّاً » .(3)
[ 128 ]وروى الشيخ الكليني ، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليهماالسلام : « إن فاطمة عليهاالسلاملمّا كان من أمرهم ما كان .. أخذت بتلابيب عمر فجذبته إليها ، ثم قالت : « أما واللّه - يابن الخطاب - لولا أني أكره أن يصيب البلاء من لا ذنب له ، لعلمت أني سأُقسم على اللّه ، ثم أجده سريع الإجابة » .(4)
[ 129 ]وروى عن علي بن سويد ، قال : كتبت إلى أبي الحسن موسى عليه السلام - وهو في الحبس - كتابا أسأله عن حاله وعن مسائل كثيرة ، فاحتبس الجواب علّي ، ثم أجابني بجواب هذه نسخته : « بِسْمِ اللّه ِ الرَّحْمنِ الرَّحيم .. كتبت تسألني عن أُمور كنتَ منها في تقية ... رأيت أن أُفسر لك ما سألتني عنه مخافة أن يدخل الحيرة على
ضعفاء شيعتنا من قبل جهالتهم ... وسألت عن رجلين اغتصبا رجلاً مالاً كان ينفقه على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل وفي سبيل اللّه ، فلمّا اغتصباه ذلك لم يرضيا حيث غصباه حتى حملاه إياه كرها فوق رقبته إلى منزلهما ، فلمّا أحرزاه تولّيا إنفاقه ، أيبلغان بذلك كفرا ؟
فلعمري لقد نافقا قبل ذلك وردّا على اللّه جلّ وعّز كلامه ، وهزءا برسوله صلى الله عليه و آله وهما الكافران ، عليهما « لَعْنَةُ اللّه ِ وَالْملائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِيْنَ »(1)» .
« واللّه ما دخل قلب أحد منهما شيء من الإيمان منذ خروجهما من حالتيهما .. وما ازدادا إلاّ شكّا ، كانا خدّاعين ، مرتابين ، منافقين ، حتى توفّتهما ملائكة العذاب إلى
محل الخزي في دار المقام » .
« وسألت عمّن حضر ذلك الرجل ، وهو يغصب ماله ويوضع على رقبته ، منهم عارف ومنكر ، فأُولئك أهل الردّة الأولى من هذه الأُمة ، فعليهم « لَعْنَةُ اللّه ِ وَالْمَلائِكةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِيْنَ » » .(2)
[ 1 / 129 ]وروى عن أبان ، عن الفضيل ، عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : « إن الناس لمّا صنعوا ما صنعوا ؛ إذ بايعوا أبا بكر ، لم يمنع أمير المؤنين عليه السلام من أن يدعو إلى نفسه إلا نظرا للناس وتخوّفا عليهم أن يرتدّوا عن الإسلام فيعبدوا الأوثان ولا يشهدوا أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، وكان الأحبّ إليه أن يقرّهم على ما صنعوا من أن يرتدوّا عن الإسلام ، وإنما هلك الذين ركبوا ما ركبوا ، فأمّا من لم يصنع ذلك ودخل فيما دخل فيه الناس على غير علم ولا عداوة لأمير المؤنين عليه السلام فإن ذلك لا يكفّره ولا يخرجه من الإسلام ، فلذلك كتم علي عليه السلام أمره وبايع مكرها حيث لم يجد أعوانا » .(3)
وفي كلام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام عند دفن السيدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام ، إشارات إلى ماجرى عليها ، لاسيّما قوله عليه السلام : وأُخلست(1)الزهراء .. والرواية تناسب المقام فلنذكرها بتمامها .
[ 130 ]عن علي بن محمّد الهرمرازي [ عن علي بن الحسين عليهماالسلام ، عن أبيه ] الحسين عليه السلام ،(2)قال : « لمّا مرضت فاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله وصّت إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام أن يكتم أمرها ، ويخفي خبرها ، ولا يؤذن أحداً بمرضها .. ففعل ذلك، وكان يمرّضها بنفسه، وتعينه على ذلك أسماء بنت عميس - رحمها اللّه - على استسرار(3)بذلك - كما وصّت به - فلمّا حضرتها الوفاة وصّت أمير المؤمنين عليه السلام أن يتولّى أمرها ، ويدفنها ليلاً ، ويعفي قبرها .. فتولّى ذلك أمير المؤمنين عليه السلام ودفنها وعفّى موضع قبرها ..(4)فلمّا نفض يده من تراب القبر هاج به الحزن ، فأرسل(5)دموعه على خدّيه ، وحوّل وجهه إلى قبر رسول اللّه صلى الله عليه و آله فقال :
« السلام عليك يا رسول اللّه منّي ..(6)والسلام عليك من(7)ابنتك وحبيبتك ، وقرّة عينك ، وزائرتك ، والبائتة(8)في الثرى ببقعتك ،(9)المختار اللّه لها(10)سرعةاللحاق بك .. قلّ يا رسول اللّه ! عن صفيّتك صبري ، وضعف عن سيّدة النساء(11)
1) . خ . ل : واختلست .
2) . وفي دلائل الإمامة بسند آخر .. عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن جدّه علي بن الحسين عليهم السلام.
3) . خ . ل : استمرار .
4) . خ ل : بيده .
5) . خ . ل : وأرسل .
6) . خ . ل : عنّي .
7) . خ . ل : عن .
8) . خ . ل : الثابتة ؛ الليلة .
9) . خ . ل : ببقيعك .
10) . خ . ل : المختار لها اللّه .
11) . خ . ل : نساء العالمين .
تجلّدي ، إلاّ أن في التأسّي لي(1)بسنّتك ، والحزن الذي حلّ بي بفراقك(2)موضع(3)التعزّي ،(4)فلقد(5)وسّدتك في ملحود(6)قبرك ، بعد أن فاضت(7)نفسك على صدري(8)وغمّضتك بيدي ، وتولّيت أمرك بنفسي ، نعم(9)وفي كتاب اللّه أنعم القبول « إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ »(10).. » .
« لقد(11)استرجعت الوديعة ، وأُخذت الرهينة ، واختلست(12)الزهراء ، فما أقبح الخضراء والغبراء » .
« يا رسول اللّه ! أمّا حزني فسرمد ، وأمّا ليلي فمسهّد .. لا يبرح الحزن(13)من قلبي أو يختار اللّه لي دارك الّتي أنت فيها مقيم ، كمدٌ مقيّح ،(14)وهمٌّ مهيّج ، سرعان مافُرّق بيننا ! وإلى اللّه أشكو » .
« وستنبّئك ابنتك بتضافر(15)أُمّتك عليّ وعلى هضمها حقّها(16)فاستخبرها
1) . خ . ل : لي في التأسّي .
2) خ . ل : لفراقك .
3) . خ . ل : وفي فرقتك موضع ؛ لموضع .
4) . خ . ل : تعزٍّ .
5) . خ . ل : ولقد .
6) . خ . ل : ملحودة .
7) خ . ل : وفاضت .
8) . خ . ل : بين صدري ونحري .
9) . خ . ل : بلى .
10) . البقرة 2 : 156 .
11) . خ . ل : قد .
12) . خ . ل : وأُخلست .
13) . خ . ل : لا يبرح ذلك ؛ وهمّ لا يبرح .
14) . خ . ل : مبرح .
15) . خ . ل : بتظاهر ؛ بتظافر .
16) . خ . ل : أُمّتك على هضمها ، فأحفها السؤال واستخبرها .
الحال ، فكم(1)من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثّه سبيلاً ، وستقول و « يَحْكُم اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ »(2)» .
« سلام عليك يا رسول اللّه !(3)سلام مودّع ، لا سئم ولا قال ، فإن أنصرف فلا عن ملالة ، وإن أقم فلا عن سوء ظنّ(4)بما وعد اللّه الصابرين ،(5)والصبر أيمن وأجمل ، ولولا غلبة المستولين علينا لجعلت المقام عند قبرك لزاماً ، وللبثت(6)عنده معكوفاً(7)ولأعولت إعوال الثكلى على جليل الرزيّة .. فبعين اللّه تدفن ابنتك(8)سرّاً .. وتهتضم(9)حقّها قهراً .. ويمنع إرثها جهراً .. ولم يطل العهد ، ولم يخلق منك الذكر ، فإلى اللّه - يا رسول اللّه ! - المشتكى ، وفيك أجمل العزاء .. وصلوات اللّه عليها وعليك ورحمة اللّه وبركاته » .(10)
وفي دلائل الإمامة : آه ! آه ! .. لولا غلبة المستولين لجعلت هناك المقام ، التزمت الحزن ، أشدّ لزام عكوفاً ، أعول إعوال الثكلى على الرزية ، فبعين اللّه أن تدفن ابنتك سرّاً ، وأن يهتضم حقّها ، ويمنع إرثها جهراً ، وما بعد منك العهد ، ولا اخلولق منك الذكر ، فإلى اللّه - يا رسول اللّه ! - المشتكى ، وبك أجمل العزاء ، صلوات اللّه عليك وعليها معك والسلام .
رواه مع الاختلاف وزيادة ونقصان غير واحد من الأعلام نذكر منهم :
ثقة الإسلام الكليني(11)(المتوفى 329)
1) . خ . ل : فهمّ .
2) . يونس 10 : 109 .
3) . خ . ل : والسلام عليكما .
4) . خ . ل : ظنّي .
5) . خ . ل : واهاً واهاً ؛ واه واهاً .
6) . خ . ل : والتلبّث .
7) . خ . ل : جعلت المقام واللبث لزاماً معكوفاً .
8) . خ . ل : بنتك .
9) . خ . ل : يهتضم .
10) . خ . ل : ولم يتباعد العهد ، ولم يخلق منك الذكر ، وإلى اللّه - يا رسول اللّه ! - المشتكى ، وفيك - يا رسول اللّه ! - أحسن العزاء ، صلّى اللّه عليك وعليها السلام والرضوان .
11) . الكافي : 1/458 ، وعنه في بحار الأنوار : 43/193 .
والشريف الرضي(1)(المتوفى 406)
والشيخ المفيد(2)(المتوفى 413)
والشيخ الطوسي(3)(المتوفى 460)
والطبري الإمامي(4)(القرن الخامس)
والفتال النيسابوري(5)(المتوفى 508)
وأبا جعفر عماد الدين الطبري(6)(القرن السادس)
وابن شهر آشوب المازندراني(7)(المتوفى 588)
وابن أبي الحديد(8)(المتوفى 656)
والشيخ الإربلي(9)(المتوفى 693)
.. وغيرهم ، وكثير من المعاصرين من العامّة والخاصّة ، نحو : كحالة ،(10)
والدكتور بسّام حمامي ،(11)والدكتور بيّومي ،(12)وعبد الفتّاح عبد المقصود(13)وتوفيق أبو علم ..(14)
1) . نهج البلاغة : 101 خطبة : 202 .
2) . أمالي الشيخ المفيد : 281 ، وعنه في بحار الأنوار : 43/211 .
3) . أمالي الشيخ الطوسي : 1/107 ط النجف ، وعنه في بحار الأنوار : 43/211 .
4) . دلائل الإمامة : 47 .
5) . روضة الواعظين : 152 .
6) . بشارة المصطفى صلى الله عليه و آله : 258 .
7) . المناقب : 3/364 .
8) . شرح نهج البلاغة : 10/265 .
9) . كشف الغمة : 1/504 .
10) . أعلام النساء : 4 / 131 .
11) . نساء حول الرسول صلى الله عليه و آله : 294 - 293 .
12) . السيدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام : 177 .
13) . فاطمة الزهراء عليهاالسلام : 2 / 390 .
14) . أهل البيت عليهم السلام : 185 - 184 .
وتقدّمت للشيخ الكليني الروايات المرّقمة ب- : [ 100 ] ، [ 104 ] ، [ 124 ]
أبو الحسن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (المتوفى 329)
ويحتمل أن يكون المراد ولده الشيخ الصدوق (المتوفى 381)
[ 131 ]قال : إن جميع الأئمة عليهم السلام خرجوا من الدنيا على الشهادة ... وكان أوّل ما استفتح به من الظلم من أخّر علياً عليه السلام عن الخلافة ، وغصب فاطمة عليهاالسلامميراث
أبيها ، وقتل المحسن عليه السلام في بطن أُمّه ، ووجأ عنق سلمان الفارسي ، وقتل سعد بن عبادة الخزرجي ومالك بن نويرة في قومه وسمّوه : أهل الردّة ...
نقله عنه ابن شهر آشوب المازندراني(1)
الزهراء عليهاالسلام للقزويني : 543 (عن المنتخب) .
(المتوفى 588)[ 132 ]روى في محاجّة أمير المؤمنين عليه السلام مع الخوارج : قال عليه السلام : « ما الذي أردتم للقتال بغير سؤال ولا جواب ؟ » فقالوا : أنكرنا أشياء يحلّ لنا قتلك بواحدة منها ... أوّلها ... فاجتمع الناس في سقيفة بني ساعدة وعقدوا الأمر باختيارهم لأبي بكر ودعوك إلى بيعته ، فخرجت مكرهاً مسحوباً بعد أن هيّأت يقيم لك فيها عذراً ، وتقول للناس : « إنّك مشغول بجمع رسول اللّه وأهل بيته وذرّيته وتعزيتهنّ وتأليف القرآن .. » .(2)
[ 133 ]وروى عن هارون بن سعيد ، قال : سمعت أمير المؤمنين يقول لعمر : « من علّمك الجهالة يا مغرور ! ؟ أما واللّه لو كنت بصيراً ... لركبت العقر ، ولفرشت
القصب ، ولما أحببت أن تتمثّل لك الرجال قياماً ، ولما ظلمت عترة النبيّ صلى الله عليه و آله بقبيح
الفعل ... وإن لك بعد القتل لهتك ستر وصلباً ، ولصاحبك الذي اختارك وقمت مقامه بعده ... ولكأنّي أنظر إليكما وقد أُخرجتما من قبريكما غضّين طرييين حتّى تصلبا على
الدوحات ، فيكون ذلك فتنة لمن أحبّكما ؛ ثم يؤتى بالنار - وهي النار التي أضرمتموها على باب داري لتحرقوني وفاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وابنيّ الحسن والحسين وابنتيّ زينب وأُم كلثوم - حتى تحرقا بها ، ويرسل عليكما ريحاً مُرّة فتنسفكما في اليمّ نسفاً بعد أن يأخذ السيف منكما ما أخذ ، ويصير مصيركما جميعاً إلى النار .. » .
قال : فلمّا حضرت عمر الوفاة أرسل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له : يا أبا الحسن ! اعلم أنّ اصحابي هؤلاء قد حلّلوني ممّا ولّيت من أُمورهم ، فإن رأيت أن تحلّلني ! .. فقال أمير المؤمنين عليه السلام : « أرأيتك إن حلّلتك أنا فهل لك في تحليل من قد مضى من رسول اللّه صلى الله عليه و آله وابنته ؟ ! .. »(1)ثم ولّى وهو يقول : « « وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ » » .(2)
ورواه الديلمي(3)(المتوفى 771)
والمحدث الخبير السيد هاشم البحراني(4)(المتوفى 1107)
[ 134 ]وقال الخصيبي : وروي أنها تكفّنت من بعد غسلها وحنوطها وطهارتها لا دنس فيها ، وأنها لم يكن يحضرها إلاّ أمير المؤمنين والحسن والحسين وزينب وأُم كلثوم عليهم السلام وفضّة جاريتها وأسماء ابنة عميس .. وإنّ أمير المؤمنين عليه السلام جهّزها ومعه الحسن والحسين في الليل ، وصلّوا عليها ولم يعلم بها أحد ، ولا حضر وفاتها أحد ، ولا صلّى عليها من سائر الناس غيرهم ؛ لأنها وصّت وقالت : « لا يصلّي عليّ أُمّة نقضت عهد اللّه وعهد أبي رسول اللّه صلى الله عليه و آله و(5)أمير المؤمنين عليه السلام بعلي
وظلموني وأخذوا وراثتي وحرقوا(1)صحيفتي التي كتبها أبي بملك فدك والعوالي ، وكذَّبوا شهودي ، - وهم واللّه جبريل وميكائيل وأمير المؤمنين وأُمّ أيمن - وطفت عليهم في بيوتهم وأمير المؤمنين عليه السلام يحملني ومعي الحسن والحسين عليهماالسلام ليلاً ونهاراً إلى منازلهم يذكّرهم باللّه ورسوله لئلاّ يظلمونا ويعطونا حقّنا الذي جعله اللّه لنا ، فيجيبون ليلاً ويقعدون عن نصرتنا نهاراً ».
« ثم ينفذون إلى دارنا قنفذاً - ومعه خالد بن الوليد - ليخرجا ابن عمّي إلى سقيفة بني ساعدة لبيعتهم الخاسرة ، ولا يخرج إليهم متشاغلاً بوصاة رسول اللّه صلى الله عليه و آله وأزواجه ، وتأليف القرآن وقضاء ثمانين ألف درهم وصّاه بقضائها عنه عدات وديناً » .
« فجمعوا الحطب(2)ببابنا ، وأتوا بالنار ليحرقوا البيت ..(3)فأخذت بعضادتي الباب ، وقلت : « ناشدتكم اللّه وبأبي رسول اللّه صلى الله عليه و آله أن تكفّوا عنّا وتنصرفوا » ، فأخذ عمر السوط من قنفذ مولى أبي بكر ، فضرب به عضدي ، فالتوى السوط على يدي حتى صار كالدملج ، وركل الباب برجله فردّه عليّ - وأنا حامل - فسقطت لوجهي ، والنار تَسْعَرُ(4).. وصفق وجهي بيده حتى انتثر قرطي من أُذني ، وجاءني المخاض ، فأسقطت محسناً - قتيلاً بغير جرم - .. فهذه أُمة تصلّي عليّ ؟!! وقد تبرّأ اللّه ورسوله منها وتبرّأت منها ! .. » .
فعمل أمير المؤمنين بوصيّتها ، ولم يعلم بها أحداً ، وأصبح الناس [ و ] في البقيع ليلة دفن فاطمة عليهاالسلام أربعون قبراً جدداً .
وإنّ المسلمين لمّا علموا بوفاة فاطمة ودفنها أتوا أمير المؤمنين عليه السلام يعزّونه بها ،فقالوا : يا أخا رسول اللّه ! أمرت(5)بتجهيزها وحفر تربتها ؟!
فقال أمير المؤمنين عليه السلام : « قد ووريت ولحقت بأبيها صلى الله عليه و آله » ، فقالوا : « إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُوْنَ »(1)تموت بنت محمّد صلى الله عليه و آله - ولم يخلف ولداً غيرها - ولا يصلّى عليها .. ؟! إنّ هذا لشيء عظيم ..
فقال عليه السلام : « حسبكم ما جئتم به على اللّه ورسوله من أهل بيته ،(2)ولم أكن - واللّه - أعصيها في وصيّتها التي وصَّت بها : أن لا يصلّي عليها أحد منكم .. وما بعد العهد غدر » .
فنفض القوم أثوابهم وقالوا : لابدّ من الصلاة على بنت نبّينا ! .. ومضوا من فورهم إلى البقيع ، فوجدوا فيه أربعين قبراً جدداً ، فاستشكل عليهم قبرها بين تلك القبور ، فضجّ الناس ، ولام بعضهم بعضاً ، وقالوا : لم تحضروا وفاة بنت نبيّكم ، ولا الصلاة عليها ، ولا تعرفون قبرها فتزورونها .
فقال أبو بكر : أتوا(3)نساء المسلمين من ينشر هذه القبور(4)حتّى تجدوا فاطمة عليهاالسلامفتصلّوا عليها ، ويزار قبرها ، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام فخرج من داره مغضباً - وقد احمرّت عيناه ودارت أوداجه ، وعلى يده قباه الأصفر الذي لم يكن يلبسه إلاّ في كريهة ، يتوكّأ على سيفه ذي الفقار - حتى ورد على البقيع فسبق الى الناس النذير ، فقال لهم : هذا عليّ قد أقبل - كما ترون - يقسم باللّه لئن بحث من هذه القبور حجر واحد لأضعنّ سيفي على غابر الأُمة .. فولّى القوم ولم يحدثوا احداثاً .(5)
أقول : هناك روايات أُخر في أنّهم أرادوا نبش قبرها فمنعهم أمير المؤمنين عليه السلام ، راجع : كتاب سليم : 255 - 256
الطبعة المحققة : 2 / 871 الحديث الثامن والأربعون ، وعنه في بحار الأنوار : 43/199 ؛ علل الشرايع : 189 ، وعنه في بحار الأنوار : 43/205 - 206 ؛ الاختصاص : 185 ، وعنه في بحار الأنوار : 29/192 ، دلائل الإمامة : 46 ، وعنه في بحار الأنوار : 43/171 ؛ عيون المعجزات : 53 - 54 ، وعنه في بحار الأنوار : 43/212 ؛ مصباح الأنوار ، وعنه في بحار الأنوار : 81/254 - 255 ، الدر النظيم : 484 .
1) . البقرة 2 : 156 .
2) . خ . ل : ما جنيتم على اللّه وعلى رسوله صلى الله عليه و آله وعلى أهل بيته عليهم السلام .
3) . كذا في المصدر ، وفي رواية : هاتوا ، وفي أُخرى : هاتم .
4) . وحقيق على أبي بكر أن يتحفظ على رعاية الآداب الشرعية ، ويأمر النساء بحفر القبور ، وكأنّه نسي ذلك عند إرسال الرجال للهجوم على بيتها !!
5) . الهداية الكبرى : 179 - 178 .
ورواه عنه الديلمي(1)(المتوفى 771 ه .)
[ 135 ]وروى الخصيبي أيضاً في حديث المفضّل - الطويل جدّاً - عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام - في ما يفعله مولانا صاحب الزمان عليه السلام بعد ظهوره - : « .. ثم يأمر بإنزالهما فينزلان إليه ، فيحييهما بإذن اللّه تعالى ويأمر الخلائق بالاجتماع ، ثم يقصّ علهيم قصص فعالهما في كلّ كور ودور حتّى يقصّ عليهم ... ضرب سلمان الفارسي ، وإشعال النار على باب أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسن والحسين عليهم السلام لإحراقهم بها ، وضرب يد الصدّيقة الكبرى فاطمة بالسوط ، ورفس بطنها ،وإسقاطها محسناً ، وسمّ الحسن عليه السلام ، وقتل الحسين عليه السلام وذبح أطفاله وبني عمه وأنصاره ، وسبي ذراري رسول اللّه صلى الله عليه و آله وإراقة دماء آل محمّد صلى الله عليه و آله وكل دم سفك ... كل ذلك يعدّده عليهما ويلزمهما إياه فيعترفان به ، ثم يأمر بهما فيقصّ منهما(2)
ثم من المؤسف طبع كتاب حلية الأبرار للعلاّمة السيد هاشم البحراني رحمه الله أخيراً مع حذفهم الباب الثامن والعشرين من المنهج الثالث عشر منه ؛ لأن الكتاب تضمّن حديث المفضّل المذكور في المتن ؛ بل لم يشيروا إلى ذلك . مع أن هذا أظهر مصاديق الخيانة في الأمانة بحذفهم هذا الباب من الكتاب .. فعلى الأمانة والديانة السلام !
هذا ، وإن النصوص الدالّة على إخراجهما وإحراقهما بيد مولانا صاحب الزمان عليه السلام كثيرة ، فراجع: الاحتجاج : 449 ؛ إعلام الورى : 436 ؛ دلائل الإمامة : 242 ، 257 ، 297 ؛ عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/58 ؛ كمال الدين : 253 ، 378 ؛ الهداية الكبرى : 163 ؛ مثالب النواصب : 113 الخطّية ؛ إرشاد القلوب : 285 - 287 ؛ مشارق أنوار اليقين : 79 ؛ مختصر بصائر الدرجات : 176 ؛ مسند فاطمة الزهراء عليهاالسلام للطبري ، عنه حلية الأبرار : 2/599 ، كشف البيان ، للشيباني ، وعنه في حلية الابرار : 2/597 - 598 (ط دار الكتب العلمية) باب 28 ؛ منتخب الأنوار المضيئة : 177 ، 192 - 193 ؛ اللوامع النورانية : 279 ؛ الايقاظ من الهجعة : 287 - 288 ؛ كتاب الغيبة ، للسيد علي بن عبد الحميد ، وعنه في بحار الأنوار : 52/386 ، وعن بعضها بحار الأنوار : 30/276 - 277 و 36/245 و 52/379 ، 283 .
في ذلك الوقت بمظالممن حضر ، ثم يصلبهما على الشجرة ... إلى أن ذكر عليه السلام رجعة(1)رسول اللّه صلى الله عليه و آله وما تقصّ عليه فاطمة الزهراء عليهاالسلام فقال عليه السلام :
« .. تقصّ عليه قصة أبي بكر وإنفاذه خالد بن الوليد وقنفذاً وعمر بن الخطّاب ، وجمعه الناس لإخراج أمير المؤمنين عليه السلام من بيته إلى البيعة في سقيفة بني ساعدة » .
« وقول عمر : اخرج - يا علي ! - إلى ما أجمع عليه المسلمون وإلاّ قتلناك » .
« وقول فضّة جارية فاطمة عليهاالسلام : إنّ أمير المؤمنين عليه السلام مشغول .. والحق له إن أنصفتم من أنفسكم وأنصفتموه .. وجمعهم الحطب الجزل على الباب لإحراق بيت أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وزينب وأُمّ كلثوم عليهم السلام وفضّة وإضرامهم النار على الباب .. وخروج فاطمة عليهاالسلام إليهم وخطابها لهم من وراء الباب ، وقولها : « ويحك - يا عمر ! - ما هذه الجرأة على اللّه وعلى رسوله ؟!! تريد أن تقطع نسله من الدنيا وتفنيه وتطفئ نور اللّه ؟ .. واللّه متمّ نوره » .
« وانتهاره لها وقوله : كفّي يا فاطمة ! فليس محمد حاضراً ولا الملائكة آتية بالأمر والنهي والزجر من عند اللّه وما عليّ إلاّ كأحد المسلمين ، فاختاري إن شئت خروجه لبيعة أبي بكر أو إحراقكم جميعاً ! .. » .
« فقالت وهي باكية : « اللّهم إليك نشكو فقد نبيّك ورسولك وصفيّك ، وارتداد أُمّته علينا ، ومنعهم إيّانا حقّنا الّذي جعلته لنا في كتابك المنزل على نبيّك المرسل » .
« فقال لها عمر : دعي عنك - يا فاطمة ! - حمقات(2)النساء ! .. فلم يكن اللّه ليجمع لكم النبوّة والخلافة .. » .
« وأخذت النار في خشب الباب وإدخال قنفذ يده ... يروم فتح الباب ، وضرب عمر لها بالسوط على عضدها حتى صار كالدملج الأسود ، وركل الباب برجله حتى أصاب
1) . القول بالرجعة الذي نذهب إليه دلّتنا عليه آيات القرآن والروايات الصحيحة ، قال اللّه تعالى : « وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا » [ النمل 27 : 83 ] ، وليس المراد منه القيامة قطعاً ، إذ قال تبارك وتعالى فيها : « وحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدا » [ الكهف (18) : 47 ] ، راجع : كتاب الايقاظ من الهجعة للشيخ الحرّ العاملي.. وغيرها .
2) . كذا ، والظاهر : حماقات .
بطنها - وهي حاملة بالمحسن لستّة أشهر - وإسقاطها إيّاه ، وهجوم عمر وقنفذ وخالد بن الوليد وصفقة خدّها حتّى بدا قرطاها تحت خمارها وهي تجهر بالبكاء ، وتقول : « وا أبتاه ! وا رسول اللّه ! ابنتك فاطمة تكذّب وتضرب ويقتل جنين في بطنها ؟! » .(1)
« وخروج أمير المؤمنين عليه السلام من داخل الدار محمّر العين حاسراً حتى ألقى ملاءته عليها وضمّها إلى صدره ، وصاح أمير المؤمنين بفضّة : « يا فضّة ! مولاتك فاقبلي منها ما تقبله النساء ، فقد جاءها المخاض من الرفسة وردّ الباب فأسقطت محسناً ».
فقال أمير المؤمنين عليه السلام : « فإنّه لاحق بجدّه رسول اللّه صلى الله عليه و آله فيشكو إليه ».
[ « يا فضّة لقد عرّفه رسول اللّه صلى الله عليه و آله وعرّفني وعرّف فاطمة وعرّف الحسن وعرّف الحسين اليوم بهذا الفعل ونحن في نور الأظلّة ، أنوار عن يمين العرش ، فواريه بقعر البيت » ] .(2)
« وحمل أمير المؤمنين لها - في سواد الليل - والحسن والحسين وزينب وأُم كلثوم عليهم السلامإلى دور المهاجرين والأنصار يذكّرهم باللّه ورسوله وعهده الذي بايعوا اللّه ورسوله وبايعوه عليه في أربعة مواطن في حياة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وتسليمهم عليه بإمرة المؤمنين في جميعها ؛ فكلّ يعده بالنصر في يومه المقبل ، فإذا أصبح قعد جميعهم
عنه .. » .
..إلى أن قال عليه السلام - فيذكر ما يقع في الرجعة - : « .. ويأتي محسن تحمله خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت أسد أُم أمير المؤمنين عليه السلام وهنّ صارخات وأُمّه فاطمة تقول : « هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ » ،(3)ال- « يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً »(4)».
1) . خ . ل : وتصفق يا أبتاه ! ويسقف خدّ لما لها [ كذا ] كنت تصونه من ضيم الهوان ، يصل إليه من فوق الخمار ، وضربها بيدها على الخمار لتكشفه ، ورفعها ناصيتها إلى السماء تدعوا إلى اللّه ..
2) . ما بين المعكوفتين مما تفرّد به الخصيبي في الهداية الكبرى : 408 .
3) . الأنبياء 21 : 103 .
4) . آل عمران 3 : 30 .
قال : فبكى الصادق عليه السلام حتى اخضلّت لحيته بالدموع ، ثم قال : « لا قرّت عين لا تبكي عند هذا الذكر » .
قال : وبكى المفضّل بكاءً طويلاً ، ثم قال : يا مولاي ! ما في الدموع ... فقال : « ما لا يحصى إذا كان من محق » .(1)
ثم قال المفضّل : يا مولاي ! ما تقول في قوله تعالى : « وَإِذَا الْمَوْؤدَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ » .(2)
قال : « يا مفضّل ! والمؤودة - واللّه - محسن ؛ لأنه منّا لا غير ، فمن قال غير هذا فكذّبوه » .
قال المفضّل : يا مولاي ! ثم ماذا ؟
قال الصادق عليه السلام : « تقوم فاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله فتقول :
« اللّهمّ أنجز وعدك وموعدك في من ظلمني وغصبني وضربني وجزعني(3)بكلّ أولادي » .(4)
ورواه محمّد بن هارون التلعكبري(5)( المعاصر للنجاشي المتوفى 450 )
وبعض المؤلفين(6)(من القرن السابع)
وروى قطعة منه الشيخ حسن بن سليمان الحلي(7)(القرن الثامن)
1) . خ . ل : فبكى المفضّل طويلاً ويقول : يابن رسول اللّه ! إن يومكم في القصاص لأعظم من يوم محنتكم ، فقال له الصادق عليه السلام : « ولا كيوم محنتنا بكربلاء ، وإن كان يوم السقيفة وإحراق النار على باب أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وزينب وأُمّ كلثوم عليهم السلام وفضّة وقتل محسن بالرفسة أعظم وأدهى وأمرّ ؛ لأنه أصل يوم العذاب » .
2) . التكوير 81 : 8 - 9 .
3) . خ . ل : جرّعني ثكل أولادي .
4) . الهداية الكبرى : 401 - 418 .
5) . كتاب العتيق ، عنه السيّد الميرجهاني في نوائب الدهور : 3/96 - 295 ، وما اخترناه من الرواية في صفحة : 129 ، 148 ، 192 .
6) . نوائب الدهور : 3/96 - 295 عن كتاب في أحوال الأئمة ودلائلهم من نسخة خطية لسنة 708 ه .
7) . مختصر البصائر : 179 - 192 .
والميرزا محمّد مؤمن الأسترآبادي(1)(المتوفى 1088)
والمحدّث البحراني(2)(المتوفى 1107)
والعلاّمة المجلسي(3)(المتوفى 1111)
[ 136 ]قال : .. فأقام أمير المؤمنين عليه السلام - ومن معه من شيعته - في منزله بما عهد إليه رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فوجّهوا إلى منزله فهجموا عليه وأحرقوا بابه واستخرجوه منه كرهاً ، وضغطوا سيّدة النساء بالباب حتّى أسقطت محسناً ، وأخذوه بالبيعة فامتنع ، وقال : « لا أفعل » . فقالوا : نقتلك ، فقال : « إن تقتلوني فإنّي عبد اللّه وأخو رسوله » وبسطوا يده فقبضها وعسر عليهم فتحها فمسحوا عليه وهي مضمومة .(4)
[ 137 ]وروى عن زكريّا بن آدم ، قال : إنّي لعند الرضا عليه السلام إذ جيء بأبي جعفر عليه السلام - وسنّه أقل من أربع سنين - ، فضرب بيده إلى الأرض ورفع رأسه إلى السماء ، فأطال الفكر ، فقال له الرضا عليه السلام : « بنفسي أنت فيمَ تفكّر طويلاً منذ قعدت ؟»(5)فقال : « في ما صنع بأُمّي فاطمة عليهاالسلام ؛ أما واللّه لأُخرجنّهما ، ثمّ لأُحرقنّهما ، ثمّ لأُذرينّهما ، ثم لأنسفنّهما في اليمّ نسفاً .. » فاستدناه وقبّل بين عينه ، ثم قال : « بأبي أنت وأُمّي ، أنت لها » . يعني : الإمامة .(6)
ورواها الطبري الإمامي الصغير (القرن الخامس) .(7)وتقدّمت له الروايات المرقّمة ب- : [ 3 ] ، [ 8 ] ، [ 10 ] .
1) . كتاب الرجعة : 100 - 134 .
2) . حلية الأبرار : 2/652 - 676 .
3) . بحار الأنوار : 53/13 - 24 عن بعض مؤلّفات الأصحاب .
4) . إثبات الوصيّة : 145 - 146 ، وعنه في بحار الأنوار : 28/308 .
5) . خ . ل : فلِمَ طال فكرك .
6) . اثبات الوصيّة : 218 .
7) . دلائل الإمامة : 212 ، الطبعة الحديثة : 400 ، وعنه في بحار الأنوار : 50/58 ؛ نوادر المعجزات : 183 .
[ 138 [ ] روى في كتاب المصابيح(1)] بسنده عن محمّد بن يزيد بن ركانة ،(2)قال : بويع أبو بكر وقعد عنه علي بن أبي طالب عليه السلام فلم يبايعه ، وفرّ إليه طلحة والزبير وصارا معه في بيت فاطمة عليهاالسلام وأبيا البيعة لأبي بكر ، وقال كثير من المهاجرين والأنصار : إنّ هذا الأمر لا يصلح إلاّ لبني هاشم ، وأولاهم به بعد رسول اللّه صلى الله عليه و آله علي بن أبي طالب عليه السلام لسابقته وعلمه وقرابته إلاّ الطلقاء وأشباههم ، فإنّهم كرهوه لما في صدورهم ، فجاء عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وعياش بن أبي ربيعة إلى باب فاطمة عليهاالسلام ، فقالوا : واللّه لتخرجنّ إلى البيعة .. وقال عمر : واللّه لأحرقنّ عليكم البيت ..
فصاحت فاطمة عليهاالسلام : « يا رسول اللّه ! ما لقينا بعدك » ، فخرج عليهم الزبير مصلتاً بالسيف فحمل عليهم ، فلمّا بصر به عياش ،(3)قال لعمر : اتّق الكلب ، وألقى عليه عياش كساءً له حتّى احتضنه ، وانتزع السيف من يده فقصد به حجراً فكسره ..
رواه عنه ابن حمزة الزيدي(4)(المتوفى 614)
والحسيني الزيدي(5)(المتوفى 670)
[ 139 ]وروى أيضاً بسنده ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، قال : كنت في من جمع الحطب إلى باب علي عليه السلام ، قال عمر : واللّه ، لئن لم يخرج علي بن أبي طالب لأحرقنّ البيت بمن فيه .
1) . لم يطبع بعد ، له نسخة من القرن السادس في مكتبة الجامع الكبير في صنعاء اليمن برقم 2185 ، كما ذكره السيد الاشكوري في مؤلفات الزيدية .
2) . وثّقه ابن معين كما فى ميزان الاعتدال ، وأخرج له أبو داود ، راجع : موسوعة رجال الكتب التسعة : 3/486 .
3) . هو عياش بن أبي ربيعة ، واسمه : عمرو ذو الرّمحين بن المغيرة بن عبداللّه القرشي أبو عبداللّه ، أو أبوعبد الرّحمن، كان أحد المستضعفين بمكة ، ومات بالشام في خلافة عمر سنة 15 . انظر : تهذيب التهذيب : 8/176 .
4) . المصابيح ، وعنه في الشافي : 4/171 .
5) . أنوار اليقين : 9 ، 375 ، عن مولانا الصادق عليه السلام .
رواه عنه ابن حمزة الزيدي(1)(المتوفى 614)
والحسيني الزيدي(2)(المتوفى 670)
والشرفي الأُهنومي(3)(المتوفى 1055)
[ 140 ]وروى أيضاً بسنده إلى محمّد بن عبد الرّحمن بن السائب بن زيد ، عن أبيه ، قال : شهدت عمر بن الخطاب يوم أراد أن يحرق على فاطمة بيتها ، فقال : إن أبوا أن يخرجوا فيبايعوا أحرقت عليهم البيت . فقلت لعمر : إن في البيت فاطمة .. أفتحرقها ؟!
قال : سنلتقي أنا وفاطمة ! ..
رواه عنه ابن حمزة الزيدي(4)(المتوفى 614)
والحسيني الزيدي(5)(المتوفى 670)
والشرفي الأُهنومي(6)(المتوفى 1055)
[ 141 ]وروى عن عدي بن حاتم قال : قالوا لأبي بكر : قد بايعك الناس كلهم إلاّ هذين الرجلين : علي بن أبي طالب عليه السلام والزبير بن العوام .. فأرسل إليهما فأُتي بهما وعليهما سيفاهما ، فأمر بسيفيهما فأُخذا ، ثم قيل للزبير : بايع . قال : لا أُبايع حتى يبايع علي عليه السلام ، فقيل لعلي عليه السلام : بايع ، قال : « إن لم أفعل فمه ؟ » قال : يضرب الذي فيه عيناك .. ومدّوا يده فقبض أصابعه ، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال : « اللّهم اشهد .. » ، فمسحوا يده على يد أبي بكر ، فأمّا الزبير فإنهم كسروا سيفه بين حجرين ، وأما سيفعلي عليه السلام فردّوه إليه .
رواه عنه ابن حمزة الزيدي(1)(المتوفى 614)
والحسيني الزيدي(2)(المتوفى 670)
والشرفي الأُهنومي(3)(المتوفى 1055)
أبوالقاسم الكوفي(4)( المتوفى 352 ه . )
[ 142 ]قال - ضمن جوابه عن بعض الروايات الموضوعة في الخلفاء - : .. أم في كبسه لبيت فاطمة عليهاالسلام بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وهتك الستر عنها بخروجها خلف بعلها ، وقد جرّوه إلى مسجد رسول اللّه صلى الله عليه و آله يطالبونه بالبيعة لهما وهو يمتنع عليهما ، مع تسليطه لقنفذ - ابن عمه - على ضربها ، وضغط عمر لها بين الباب والحائط حتى أسقطت ابنها محسناً .. أم في منعها ميراث أبيهاوتركاته .(5)
[ 143 ]روى عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام ، عن أبيه عليه السلام : « أن رسول اللّه صلى الله عليه و آله أسرّ إلى فاطمة
عليهاالسلام أنّها أولى(6)من يلحق به من أهل بيته ، فلمّا قبض ونالها من القوم ما نالها لزمت الفراش ، ونحل جسمها ، وذاب لحمها .. وصارت كالخيال » .(7)
[ 144 ]وله :
فجاءهم عمر في جماعه *** اذ لم يروا لمن أقام طاعه
حتى أتوا باب البتول فاطمه *** وهي لهم قالية مصارمه
فوقفت عن دونه تعذلهم *** فكسر الباب لهم أوّلهم
فاقتحموا حجابها فعوّلت *** فضربوها بينهم فأسقطت
إلى أن قال :
يا حسرة من ذاك في فؤادي *** كالنار يذكي حرّها اعتقادي
وقتلهم فاطمة الزهراء *** أضرم حرّ النار في أحشائي
لأن في المشهور عند الناس *** بأنها ماتت من النفاس
وأمرتْ أن يدفنوها ليلا *** وأن يعمّى قبرها ، لكي لا
يحضرها منهم سوى ابن عمّها *** ورهطه ، ثمّ مضت بغمّها
صلّى عليها ربّها من ماضيه *** وهي عن الأُمّة غير راضيه(1)
[ 145 ]روى ضمن رواية - تقدّم ذكرها(2)- عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام : « قال جبرئيل - خطاباً للنبي صلى الله عليه و آله - : أما أخوك ؛ فيلقى من أُمّتك الشتم والتعنيف والتوبيخ والحرمان والجهد والظلم ... وأما ابنتك ؛ فتظلم وتحرم ويؤخذ حقّها غصباً الذي تجعله لها ، وتُضرب وهي حامل ، ويدخل على حريمها ومنزلها بغير إذن ، ثم يمسّها هوان وذلّ ، ثم لا تجد مانعاً وتطرح ما في بطنها من الضرب ، وتموت من ذلك الضرب ... وأوّل من يحكم فيه محسن بن علي عليه السلام في قاتله ، ثم في قنفذ .. » .(3)
ورواه السيد شرف الدين الأسترآبادي(4)(القرن العاشر)
[ 146 ]وروى عن مولانا الصادق عليه السلام - في ذكر من يعذّب في جبل كمد ،
وهو واقع على واد من أودية جهنّم - : « .. وقاتل أمير المؤمنين ، وقاتل فاطمة ، وقاتل المحسن ، وقاتل الحسن والحسين عليهم السلام ... ومعهم كل من نصب لنا العداوة وعاون علينا بلسانه ويده » .(1)
ورواه الشيخ المفيد(2)(المتوفى 413)
والسيد شرف الدين الأسترآبادي(3)(القرن العاشر)
[ 147 ]روى ضمن رواية - تقدّم ذكرها(4)- عن النبي صلى الله عليه و آله : قال : « أبكي من ضربتك على القرن ، ولطم فاطمة خدّها ، وطعنة الحسن في الفخذ والسم الذي يسقى ، وقتل الحسين » .(5)
ورواه ابن شهر آشوب المازندراني(6)(المتوفى 588)
[ 148 ]وروى عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال - مخاطباً لمن شاوره في إنزال
أبي بكر عن المنبر - : « .. واللّه لو فعلتم ذلك لشهّروا سيوفهم مستعدّين للحرب والقتال ، كما فعلوا ذلك حتى قهروني وغلبوني على نفسي ، ولبّبوني وقالوا لي : بايع وإلاّ قتلناك » .(7)
[ 149 ]وروى عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام : « .. وحبّ أولياء اللّه والولايةلهم واجبه ، والبراءة من أعدائهم واجبة .. ومن الّذين ظلموا آل محمّد عليهم السلام وهتكوا حجابه ، فأخذوا من فاطمة عليهاالسلام فدك ومنعوها ميراثها ، وغصبوها وزوجها حقوقهما ،
1) . كامل الزيارات : 327 - 326 ، وعنه في بحار الأنوار : 25/372 - 376 و 30/190 .
2) . الاختصاص : 344 .
3) . تأويل الآيات : 841 - 842 .
4) . راجع الفصل الأول .
5) . أمالي الشيخ الصدوق : 134 ؛ بحار الأنوار : 27/209 و 28/51 و 44/149 .
6) . المناقب : 2/209 .
7) . الخصال : 462 ، وعنه في بحار الأنوار : 28/210 .
وهمّوا بإحراق بيتها ، وأسّسوا الظلم ، وغيّروا سنّة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، والبراءة من الناكثين والقاسطين والمارقين واجبة ، والبراءة من الأنصاب والأزلام أئمّة الضلال ،
وقادة الجور ، كلّهم أوّلهم وآخرهم واجبة ، والبراءة من أشقى الأولين والآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود قاتل أمير المؤمنين عليه السلام واجبة ، والبراءة من جميع قتلة أهل البيت عليهم السلامواجبة » .(1)
[ 150 ]وروى عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال : « يا علي ! إنّ لك كنزاً في الجنّة وأنت ذوقرنيها » .(2)
ثم قال الشيخ الصدوق : قد سمعت بعض المشايخ يذكر إنّ هذا الكنز هو ولده المحسن عليه السلام ، وهو السقط الذي ألقته فاطمة عليهاالسلام لمّا ضغطت بين البابين . .(3)
[ 151 ]وروى في زيارتها : السلام عليك أيّتها الصدّيقة الشهيدة .(4)
ورواها الشيخ الطوسي(5)(المتوفى 460)
والظاهر من كلامه شهرة هذه الزيارة بين الشيعة ، إذ قال : أمّا ما وجدت أصحابنا يذكرونه من القول عند زيارتها ... ثم ذكر هذه الزيارة .
ورواه محمّد بن المشهدي(6)(القرن السادس)
والسيد علي بن طاووس(7)(المتوفى 664)
والشيخ الكفعمي(8)(المتوفى 905)
وتقدّمت للشيخ الصدوق الروايتان المرقّمتان ب- : [ 10 ] و[ 56 ] .
1) . الخصال : 607 ، وعنه في بحار الأنوار : 10/226 و 27/52 .
2) . راجع الرياض النضرة : 651 .
3) . معاني الأخبار : 206 ، وعنه في بحار الأنوار : 39/42 .
4) . الفقيه : 2/573 .
5) . مصباح المتهجّد : 711 ؛ التهذيب : 6/9 ، وعنه في بحار الأنوار : 100/195 .
6) . المزار الكبير : 82 .
7) . الإقبال : 624 ، وعنه في بحار الأنوار : 100/199 .
8) . البلد الأمين : 278 .
[ 152 ]روى في رواية تقدّم ذكرها(1)عن النبي صلى الله عليه و آله : « .. يا فاطمة ! لا تبكى - فداك أبوك - فأنت أوّل من تلحقين بي مظلومة مغصوبة » .(2)
122 - علي بن حماد(3)( القرن الرابع )
[ 153 ]قال:
ستأتي فاطمة من ذاك تبكي *** وتأتي وهي شاكية الطغاة
وفي يدها لأثر السوط كلم *** بها أعضاؤها متفصلات(4)
وله :
واستباحا حرمة اللّه معاً *** وعلى ظلم البتول اشتملا(5)
وفي موضع آخر :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** وأتى ليحرق بيتها بالنار(6)
وقال :
وواللّه ما ولّوا عتيقاً لفضله *** ولا لهدى ألفوه فيه ولا فهم
ولكن أرادوا دفع آل محمّد *** عن الحق فاعتدّوا بذاك من الغنم
1) . راجع الفصل الأول .
2) . كفاية الأثر : 36 ، وعنه في بحار الأنوار : 36/288 ؛ العوالم : 11/446 .
3) . هو أبو الحسن علي بن حماد بن عبيد اللّه بن حماد العدوي ، من مشايخ إجازة ابن الغضائري - المتوفى 411 - ومن المعاصرين للشيخ الصدوق ، له أشعار كثيرة ، راجع : الغدير : 4/141 - 171 .
4) . مجالس المؤمنين : 2/565 ؛ تاريخ الأئمة عليهم السلام للواعظ التبريزي: 1/114 - 115 .
5) . مثالب النواصب : 86 الخطّية .
6) . المصدر : 185 .
وساموا علياً أن يبايع جبتهم *** وكلّهم للطهر بايع في خمّ(1)
وقال :
أليس الثقات رووا في الحديث *** وما راسلوه ولا خاطبوه ؟!
أليس توارى وأصحابه *** فجاؤوا إلى البيت واستخرجوه ؟!
أمات أبي أمس واليوم قد *** ذهبتم ببعلي لكي تقتلوه ؟!
ألم يكسر القوم سيف الزبير *** أما قال قائلهم اكتفوه ؟!
أما ذهبوا بعلي الرضا *** على الكره منه وقد لبّبوه ؟!
أما رفعوا السيف من فوقه *** وبالقتل إن لم يجب هدّدوه ؟!
أما جذبوا يده قائلين *** بايعنا طايعا فاتركوه ؟!
وواللّه ما مثله من أطاع *** أمثالهم قطّ بل أكرهوه ؟!(2)
قال ابن شهر آشوب المازندراني (المتوفى 588) : وأكثر الشعراء في ذلك العوني .
وله أبيات كثيرة تزيد على مائة بيت .. نذكر بعضها ونشير إلى جملات من بقيّة الأشعار لعدم إمكان قراءة جميعها لرداءة النسخة .
[ 154 ]قال :
ضرباها فأثّر السوط منها *** أثراً بيّناً مكان السوار
وقال :
أنتم قتلتم جنين فاطمة *** البرّة في بطنها بلا جرم
وقال :
دخلتم ولم تستأذنوا ... *** فأخرجتم منه علياً ملبّبا
وأزعتموها(1)وانطلقتم ببعلها *** تسوقونه سوقاً عنيفاً فأتعبا
وقال :
أما لطما بنت النبي محمّد *** وما أبقيا بالكفّ منها من الأثر
وقال :
وقنّعها بالسوط مولاه قنفذ *** وكان يرمي في عضدها ... الكلم
وقال :
سلّط مولاه عليّ فلم يزل *** ... بالسوط ضرباً ويوجع
وقال :
أنساه إذ همّ ببيت البتول *** والنار في كفّه يستعر
ليحرق بيتاً بناه الإله *** ومن كلّ رجس وعيب طهر
وفيه الوصي وفيه البتول *** وفيه شبير وفيه شبر
فديت انزعاجك لمّا أتى *** ودمعك من مقلتاك انهمر
فديت مكان السوار الذي *** سوط الصهاك فيه أثر
وقال :
وأزعجها حتّى رمت بجنينها *** ولم ير إثماً ضربها ...
فماتت وآثار الكلام بعضدها *** من الضرب ما تنفكّ تشكو كلامها
فلم يك في تلك العصابة منكر *** ... عليه ضربها واصطلامها
1) . كذا ولعله : أزعجتموها .
وقال :
أما جمعا الأحطاب حول خبايها *** وظلالها النيران يقتدحان
وتحريق بنت المصطفى وابن عمّه *** وسبطيه حتّى ... بدخان
وقد طوّق السوط المقنّع زندها *** بمثل سوار أو بمثل جمان
وقال :
يلطم حرّ الوجه منها قنفذ *** ويقتل الجنين وهو توقد
ثم يساق بالوصي ويؤخذ *** وظلّ عهد فيهم ينبذ
فانظر بماذا خلفوا ...
فجاء من عاونه بدارا *** وسبق القوم بهم إقرارا
بالأمس لمّا فقدوا المختارا *** ليضرم البيت عليهم نارا
فهل رأيت مثل ذا وفيّا
وقال :
وهمّوا بإحراق بيت به *** وصيّك يكفيك فيه ...
وكسر بابك واستقدموا *** هجوماً على الأهل نارا ...
وقال :
وأتوا بالنار كيما يحرقوا *** بعد قذف لهم بالجندل
فاطماً وابني علي وعلي *** ....................
ثم لمّا خرجت من بيتها *** ضربت ضرباً كضرب الإبل
قتلوا ... في بطنها *** خير مأمول ...و
قال :
وما عذرهم في فاطم لِمَ يضرموا *** عليها الخبا ناراً ...
وما عذرهم إذ قنّعوها بسوطهم *** وأجفانها عرق من العبرات
وما أمكن قراءته من شعره - طاب رمسه - هناك مما يرتبط بما نحن فيه :
ثم أهوى قرطها صفقته ، قام ... يضربها بسوط ، بسوطهما ... في كفّ قنفذ .. أيا أبتا ضربت بغير جرم .. بتحريقهم بيته .. أيضرب فاطم .. لإحراق الوصي وأهله ونسلهم بالنار .. وقد لطمتم خدّاً .. أن تحرقوا آل أحمد .. إنّ من همّ أن يحرق بيتاً ..(1)
تقدّمت له الروايتان المرقّمتان ب- : [ 7 ] و[ 130 ] .
[ 155 ]روى عن أبي عبد اللّه عليه السلام : « لمّا بايع الناس أبا بكر أُتي بأمير المؤمنين عليه السلام ملبّباً ليبايع ، قال سلمان : أيصنع ذا بهذا .. ؟! واللّه لو أقسم على اللّه لانطبقت ذه على ذه »(2)[ أي السماء على الأرض ] .
[ 156 ]وروى أيضاً عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام : « .. فقال علي عليه السلام لها : ائت أبا بكر وحده فإنه أرقّ من الآخر ، وقولي له : ادّعيت مجلس أبي .. وأنك خليفته وجلست مجلسه ، ولو كانت فدك لك ثم استوهبتها منك لوجب ردّها عليّ » .
« فلمّا أتته وقالت له ذلك ، قال : صدقت ، قال : فدعا بكتاب فكتبه لها بردّ فدك ، فقال : فخرجت والكتاب معها فلقيها عمر ، فقال : يا بنت محمد ! ما هذا الكتاب الذي معك ؟ فقالت : « كتاب كتب لي أبو بكر بردّ فدك » .
« فقال : هلمّيه إليّ ... فأبت أن تدفعه إليه ، فرفسها برجله ، وكانت حاملة بابن اسمه : المحسن ، فأسقطت المحسن من بطنها ، ثم لطمها ، فكأنّي أنظر إلى قرط في أُذنها حين نُقِفَتْ ،(3)ثم أخذ الكتاب فخرقه ، فمضت ومكثت خمسة وسبعين يوماً
مريضة مما ضربها عمر ، ثم قبضت » .(1)
[ 157 ]وروى عن مروان بن عثمان ،(2)قال : لمّا بايع الناس أبا بكر ، دخل علي عليه السلام والزبير والمقداد بيت فاطمة عليهاالسلام وأبوا أن يخرجوا ، فقال عمر بن الخطاب : أضرموا عليهم البيت ناراً ! .. فخرج الزبير - ومعه سيفه - فقال أبو بكر : عليكم بالكلب فقصدوا نحوه .. فزلّت قدمه وسقط إلى الأرض ، ووقع السيف من يده ، فقال أبو بكر : اضربوا به الحجر .. فضرب بسيفه الحجر حتى انكسر .
وخرج علي بن أبي طالب عليه السلام نحو العالية ، فلقيه ثابت بن قيس بن شماس فقال : ما شأنك يا أبا الحسن ؟ فقال : « أرادوا أن يحرقوا عليّ بيتي وأبو بكر على المنبر يُبايَع له ، ولا يدفع عن ذلك ولا ينكره » ، فقال له ثابت : ولا تفارق كفّي يدك حتى أُقتل دونك .. فانطلقا جميعاً حتى عادا إلى المدينة ، وإذا فاطمة عليهاالسلام واقفة على بابها ، وقد خلت دارها من أحد من القوم وهي تقول : « لا عهد لي بقوم أسوأ محضراً منكم ، تركتم رسول اللّه صلى الله عليه و آله جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم ، لم تستأمرونا وصنعتم بنا ما صنعتم ، ولم تروا لنا حقّاً » .(3)
[ 158 ]وروى في زيارتها عليهاالسلام : السلام عليك أيّتها البتول الشهيدّة
الطاهرة .(4)
ورواها القاضي ابن البرّاج(5)(المتوفى 481)
وابن المشهدي(6)(القرن السادس)
والسيد ابن طاووس(7)(المتوفى 664)
1) . الاختصاص : 185 ؛ وعنه في بحار الأنوار : 29/192 ؛ العوالم : 11/426 .
2) . أبو عثمان الأنصاري ، أخرج له البخاري والنسائي ، كما في موسوعة رجال الكتب التسعة : 3/532 .
3) . الأمالي للشيخ المفيد : 49 - 50 ؛ بحار الأنوار : 28/231 .
4) . المزار : 179 ؛ المقنعة : 459 .
5) . المهذّب : 1/277 - 278 .
6) . المزار الكبير : 80 - 81 .
7) . مصباح الزائر : 53 .
والشيخ الكفعمي(1)(المتوفى 905)
[ 159 ]وقال الشيخ المفيد : ولمّا اجتمع من اجتمع إلى دار فاطمة عليهاالسلام من بني هاشم وغيرهم للتحيّز عن أبي بكر وإظهار الخلاف عليه ، أنفذ عمر بن الخطاب قنفذاً وقال له : أخرجهم من البيت ، فإن خرجوا وإلاّ فاجمع الأحطاب على بابه وأعلمهم أنهم إن لم يخرجوا للبيعة أضرمت البيت عليهم ناراً .. ثم قام بنفسه في جماعة منهم المغيرة بن شعبة الثقفي وسالم مولى أبي حذيفة ، حتّى صاروا إلى باب عليّ عليه السلام فنادى : يا فاطمة بنت رسول اللّه ! أخرجي من اعتصم ببيتك ليبايع ويدخل في ما دخل فيه المسلمون وإلاّ - واللّه - أضرمت عليهم ناراً .. في حديث مشهور .(2)
[ 160 ]وقال : ولم يحضر دفن رسول اللّه صلى الله عليه و آله أكثر الناس لما جرى بين المهاجرين والأنصار ، من التشاجر في أمر الخلافة ، وفات أكثرهم الصلاة عليه لذلك !! ..
وأصبحت فاطمة عليهاالسلام تنادي : « واسوء صباحاه ! »(3)
وقال الطريحي : يا صباحاه ! هذه كلمة يقولها المستغيث عند وقوع أمر عظيم ، وأصلها إذا صاحوا للغارة ، لأنّهم أكثر ما كانوا يغيرون وقت الصباح ، فكأنّ القائل : واصباحاه ! يقول : قد غشينا العدوّ . راجع : مجمع البحرين : 2/283 .
فسمعها أبو بكر فقال لها : إنّ صباحك لصباح سوء !!واغتنم القوم الفرصة لشغل علي بن أبي طالب عليه السلام برسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وانقطاع بني هاشم عنهم بمصابهم برسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فتبادروا إلى ولاية الأمر واتّفق لأبي بكر ما اتفق لاختلاف الأنصار في ما بينهم ، وكراهية الطلقاء والمؤلّفة قلوبهم من تأخّر الأمر حتى يفرغ بنو هاشم فيستقرّ الأمر مقرّه ، فبايعوا أبا بكر لحضوره المكان .. وكانت أسباب معروفة تيسّر للقوم منها ما راموه .. ليس هذا الكتاب موضع ذكرها فيشرح القول فيها على التفصيل ، وقد جاءت الرواية : أنه لمّا تمّ لأبي بكر ما تمّ وبايعه من
بايع ، جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام - وهو يسوّي قبر رسول اللّه صلى الله عليه و آله بمسحاة في يده - فقال له : إنّ القوم قد بايعوا أبا بكر ووقعت الخذلة للأنصار لاختلافهم ، وبدر الطلقاء بالعقد للرجل خوفاً من إدراكهم الأمر ، فوضع طرف المسحاة على الأرض ويده عليها ، ثم قال :
« بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ »
« الم * أَ حَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ » .(1)
وتقدّمت للشيخ المفيد الروايات المرقّمة ب- : [ 6 ] ، [ 8 ] ، [ 113 ] ، [ 123 ] ، [ 130 ] ، [ 146 ] .
[ 161 ]قال :
يابنة الطاهر كم تُقْ- *** رع بالظلم عصاكِ
غضب اللّه لخطب *** ليلة الطف عراكِ
ورعى اللّه غدا قط(2)*** رعى أمس حماكِ
مرّ لم يعطفه شكوى(3)*** ولا استحيا بكاكِ
واقتدى الناس به بع *** -دُ فأرْدى ولداكِ
يا ابنة الراقي إلى السدرة *** في لوح السكاكِ
لهف نفسي وعلى مث- *** لك فلتبك البواكِ(4)
كيف لم تقطع يد م *** -دّ إليك ابن صهاكِ(1)
فرحوا يوم أهانو *** ك بما ساء أباكِ
ولقد أخبرهم أ *** نّ رضاه في رضاكِ
دفعا النصّ على إر *** ثك لمّا دفعاكِ
وتعرّضت لقدر *** تافه وانتهراكِ
وادّعيت النحلة المش *** -هود فيها بالصكاكِ
فاستشاطا ثم ما إن *** كذبا إن كذباكِ
فزوى اللّه عن الرح- *** -مة زنديقا زواكِ
ونفى عن بابه الو *** اسع شيطاناً نفاكِ
رواها عنه ابن أبي الحديد(2)(المتوفى 656)
[ 162 ]عن عدي بن حاتم(3)قال : ما رحمت أحداً رحمتي عليّاً حين أُتي به ملبّباً ، فقيل له : بايع ، قال : « فإن لم أفعل ؟ » قالوا : إذاً نقتلك ، قال : « إذاً تقتلون عبد اللّه وأخا رسول اللّه » ،ثم بايع كذا - وضمّ يده اليمنى - .(4)
ورواه الشيخ الطوسي(5)(المتوفى 460)
وابن حمزة الزيدي(6)(المتوفى 614)
1) . خ . ل : صحاك .
2) . شرح نهج البلاغة : 16/235 ، وعنه في إثبات الهداة : 2/388 .
3) . ابن حاتم الطائي ، وكلاهما مشهوران بالجود والسخاء ، وعدي من الصحابة ومن السابقين الأوّلين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، له مواقف شكرها أمير المؤمنين عليه السلام ، وفي وفاته بين سنة 67 إلى 69 أقوال ، وهو من رجال الصحاح الستّة كما في موسوعة رجال الكتب التسعة : 3/25 .
4) . الشافي : 3/244 .
5) . تلخيص الشافي : 3/79 ، وعنه في بحار الأنوار : 28/393 .
6) . الشافي : 4/174 .
والحسيني الزيدي(1)(المتوفى 670)
[ 163 ]وروى عن عدي بن حاتم - أيضاً - أنّه قال : إنّي لجالس عند أبي بكر إذ جيء بعلي عليه السلام فقال له أبو بكر : بايع ، فقال له علي عليه السلام : « فإن أنا لم أُبايع ؟ » قال : أضرب الذي فيه عيناك .. فرفع رأسه إلى السماء ، ثم قال : « اللّهم اشهد .. » ثم مدّ يده فبايعه .(2)
ورواه الشيخ الطوسي(3)(المتوفى 460)
والحسيني الزيدي(4)(المتوفى 670)
[ 164 ]وقال المرتضى رحمه الله - بعد رواية عدي بن حاتم - : وقد روي هذا المعنى من طرق مختلفة وبألفاظ ، متقاربة المعنى وإن اختلف لفظها وأنه عليه السلام كان يقول
في ذلك اليوم - لمّا أُكره على البيعة وحذّر من التقاعد عنها - : « ي- « ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِيْنَ »(5)» .
ويردّد ذلك ويكرّره ، وذكرُ أكثر ما روي في هذا المعنى يطول فضلاً عن ذكر جميعه ، وفي ما أشرنا إليه كفاية ودلالة على أنّ البيعة لم تكن عن رضا واختيار .(6)
[ 165 ]وقال - بعد ذكر رواية أنساب الأشراف الماضية المشتملة على إتيان عمر بالنار لإحراق بيتها عليهاالسلام - : وهذ الخبر قد روته الشيعة من طرق كثيرة وإنما الطريف أن نرويه برواية لشيوخ محدّثي العامّة ! ولكنّهم كانوا يروون ما سمعوابالسلامة ، وربما تنبّهوا على ما في بعض ما يروونه فكفّوا عنه !! وأيّ اختيار
لمن يحرق عليه بابه حتّى يبايع !! ..(1)
[ 166 ]وله :
برئت إلى الرحمن ممن لفاطم *** على فدك بالسوط قنّعها قسرا
فماتت وآثار السياط بجنبها *** ونحلتها غصباً ومقلتها عبرا(2)
وتقدّمت للشريف المرتضى الروايات المرقّمة ب- : [ 14 ] ، [ 15 ] [ 83 ] ، [ 111 ] .
[ 167 ]روى عن ابن عبد الرّحمن ، قال : سمعت شريكاً(3)يقول : ما لهم ولفاطمة عليهاالسلام .. ؟! واللّه ما جهّزت جيشاً .. ولا جمعت جمعاً ، واللّه لقد آذيا رسول اللّه صلى الله عليه و آله في قبره .(4)
[ 168 ]وقال الحلبي : .. وقصدهم علياً عليه السلام بالأذى لتخلّفه عنهم والإغلاظ له في الجواب والمبالغة في الوعيد ، وإحضار الحطب لتحريق منزله ، والهجوم عليه بالرجال من غير إذنه ، والإتيان به ملبّباً ، واضطرارهم بذلك زوجته وبناته ونساءه وحامته من بنات هاشم وغيرهم إلى الخروج عن بيوتهم ، وتجريد السيوف من حوله ، وتوعّده بالقتل إن امتنع من بيعتهم .. .(5)
[ 169 ]وقال : أما البيعة ؛ .. إن أُريد الصفقة باليد ، فغير نافعة ، لاسيّما مع كونها واقعة عن امتناع شديد ، وتخلّف ظاهر ، وتواصل إنكار عليه ، وتقبيح لفعله ، وموالاة مراجعة بتهديد تارة ، وتخويف أُخرى ، وتحشيم وتقبيح ، .. إلى غير ذلك ممّا
1) . الشافي : 3/241 ؛ تلخيص الشافي : 3/76 .
2) . أسرار الشهادة : 541 .
3) . هو شريك القاضي في أيام المهدي العباسي ، ونقل أنه كان فقيهاً فهماً ذكيا فطناً ، إلاّ أنه من قضاة خلفاء الجور ، توفى سنة 177 .
4) . تقريب المعارف : 256 تحقيق تبريزيان ، وعنه في بحار الأنوار : 30/390 .
5) . تقريب المعارف : 233 ، وعنه في بحار الأنوار : 30/376 .
هو معلوم ، ودلالة ما وقع على هذا الوجه على كراهية المبايع واضحة .(1)
[ 170 ]وقال : ... ما حفظ عن أمير المؤمنين عليه السلام من التظلّم منهم والتصريح والتلويح بتقدّمهم عليه بغير حقّ في مقام بعد مقام ، كقوله - حين أرادوه بالبيعة لأبي
بكر - : « واللّه أنا لا أُبايعكم وأنتم أحقّ بالبيعة لي » . وقوله عليه السلام : « ي- « ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُوني وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي » .. » .(2)
[ 171 ]وقال : ورووا عن يعقوب بن عديّ ، قال : سئل يحيى بن زيد عنهما - ونحن بخراسان وقد التقى الصفّان - فقال : هما أقامانا هذا المقام .. واللّه لقد كانا لئيما جدّهما ، ولقد همّا بأمير المؤمنين عليه السلام أن يقتلاه .
[ 172 ]ورووا ، أنه أُتي بزيد بن عليّ الثقفي إلى عبد اللّه بن الحسن - وهو بمكة - فقال : أُنشدك اللّه أتعلم أنهم منعوا فاطمة عليهاالسلام بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله ميراثها ؟!
قال : نعم .
قال : فأُنشدك اللّه أتعلم أن فاطمة ماتت وهي لا تكلّمهما ، وأوصت أن لا يصلّيا عليها ؟!
قال : نعم .
قال : فأُنشدك اللّه أتعلم أنّهم بايعوا قبل أن يدفن رسول اللّه صلى الله عليه و آله واغتنموا شغلهم؟!
قال : نعم .
قال : وأسألك باللّه أتعلم أنّ عليّاً عليه السلام لم يبايع لهما حتى أكره ؟!
قال : نعم .
قال : فأُشهدك أني منهما بريء . وأنا على رأي عليّ وفاطمة عليهماالسلام ...
قال موسى : فأقبلت عليه ، فقال أبي : أي بني ! واللّه لقد أتيا أمرا عظيما ..(3)
وتقدّمت له الروايتان المرقّمتان ب- : [ 7 ] و[ 10 ] .
[ 173 ]روى عن مولانا الصادق عليه السلام أنه قال : قال جدّي رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « ملعون ملعون من يظلم بعدي فاطمة ابنتي ويغصبها حقّها ويقتلها » .(1)
أقول : ألا يستحق اليوم هذه اللعنة من يبخسها سلام اللّه عليها حقها ، أو يتجاهل ما جرى عليها ، أو يوجّه فعل من ظلمها ، أو يجامل ويداهن من تسامح في هذا أو ذاك ؟! ..
ورواه رضي الدين علي بن يوسف الحلّي(2)(أخو العلاّمة) (القرن السابع) .
والشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي(3)(القرن السابع)
[ 174 ]روى ضمن رواية تقدّم ذكرها ،(4)عن النبي صلى الله عليه و آله : « .. أبكي لذرّيتي وما تصنع بهم شرار أُمتي من بعدي .. كأني بفاطمة بنتي وقد ظلمت بعدي وهي تنادي : يا أبتاه ! يا أبتاه ! فلا يعينها أحد من أُمّتي .. » .(5)
[ 175 ]وقال : ومما أنكر عليه ضربهم لفاطمة عليهاالسلام ؛ وقد روي أنهم ضربوها بالسياط ، والمشهور - الذي لا خلاف فيه بين الشيعة - أنّ عمر ضرب على بطنها حتى أسقطت . فسمي السقط : محسناً ، والرواية بذلك مشهورة عندهم .
وما أرادوا من إحراق البيت عليها حين التجأ إليها قوم وامتنعوا من بيعته ، وليس لأحد أن ينكر الرواية بذلك ، لأنّا قد بيّنا الرواية الواردة من جهة العامّة من طريق البلاذري وغيره ، ورواية الشيعة مستفيضة به في ذلك .(6)
[ 176 ]وقال : .. وإن أُريد بالبيعة الصفقة وإظهار الرضا ؛ فذلك مما وقع منه عليه السلام ، لكن بعد مطل شديد ، وتقاعد طويل علمهما الخاصّ والعامّ ممن روى السير ، وإنمّا دعاه إلى الصفقة وإظهار التسليم : التقية والخوف على النفس والأهل والإسلام .(1)
[ 177 ]وروى عن مولانا أبي محمّد الحسن بن علي العسكري عليه السلام : « ... اللّهم صلّ على الصدّيقة فاطمة الزكيّة ، حبيبة حبيبك ونبيّك ، وأُمّ أحبّائك
وأصفيائك ، التي انتجبتها وفضّلتها واخترتها على نساء العالمين ، اللّهم كن الطالب لها ممّن ظلمها واستخفّ بحقّها ، وكن الثائر اللّهم بدم أولادها ، اللّهم وكما جعلتها أُمّ أئمة
الهدى ، وحليلة صاحب اللّواء ، والكريمة عند الملأ الأعلى .. فصلّ عليها وعلى أُمّها
خديجة الكبرى صلاة تكرم بها وجه أبيها محمّد صلى الله عليه و آله ، وتقرّ بها أعين ذرّيتها ، وأبلغهم
عنّي في هذه الساعة أفضل التحيّة والسلام ..» .(2)
ورواها السيد ابن طاووس(3)(المتوفى 664) .
والشيخ الكفعمي(4)(المتوفى 905) .
[ 1 / 177 ]وروى عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « يا أيها الناس ! اتَّقُوا اللّه وَاسْمَعُوا ». قالوا : لمن السمع والطاعة بعدك يا رسول اللّه ؟ قال : « لأخي وابن عمّي ووصيّي علي بن أبي طالب ».
قال جابر بن عبد اللّه : فعصوه - واللّه - وخالفوا أمره ، و حملوا عليه السيوف .(5)
وتقدّمت له الروايات المرقّمة ب- : [ 10 ] ، [ 14 ] ، [ 15 ] ، [ 111 ] ، [ 124 ]،[ 126 ] ، [ 130 ] ، [ 151 ] ، [ 162 ] ، [ 163 ] ، [ 164 ] ، [ 165 ] .
131 - منصور الفقيه(1)
[ 178 ]قال :
تذكّر ، فديتك عند الخطوب *** منال قريش إلى المصطفى
وما نال في مؤتة جعفرا *** وفي أُحد ، حمزة المرتضى
ونال البتول بموت الرسول *** ونال علياً إمام الهدى(2)
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 158 ] .
[ 179 ]وقال : ولم يحتسبوا بمحسن لأنه ولد ميتاً ، وقد روت الشيعة خبر المحسن والرفسة .(3)
[ 180 ]عن أبي جعفر عليه السلام : .. يقوم قائمنا ... ثم يحرقهما بالحطب الذي جمعاه ليحرقا به علياً وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، وذلك الحطب عندنا نتوارثه .(4)
[ 181 ]وروى عن أبي جعفر محمّد بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين عليهم السلام ، عن محمّد بن عمار بن ياسر ، قال : سمعت أبي يقول : .. وحملت بمحسن ، فلمّا قبض رسول اللّه صلى الله عليه و آله وجرى ما جرى في يوم دخول القوم عليها دارها وإخراج ابن عمّها
1) . الظاهر أنّه أبو سعيد منصور بن الحسين الآبي من تلامذة الشيخ الطوسي . راجع : تنقيح المقال : 3/129 .
2) . المناقب : 2/214 .
3) . المجدي في أنساب الطالبيين : 19 . وفي نسخة : الرقية ! بدل : الرفسة .
4) . دلائل الإمامة : 242 ط الحديثة : 455 ؛ مسند فاطمة عليهاالسلام للطبري ، وعنه في حلية الأبرار : 2/599 .
أمير المؤمنين عليه السلام وما لحقها من الرجل أسقطت به ولداً تماماً ، وكان ذلك أصل مرضها ووفاتها » .(1)
[ 182 ]وروى عن محمّد بن هارون بن موسى التلعكبري ، عن أبيه ، عن محمّد بن همام ، عن أحمد البرقي ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن عبد الرّحمن بن أبي نجران ، عن عبد اللّه بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللّه عليه السلامقال : « قبضت فاطمة عليهاالسلام في جمادى الآخرة ، يوم الثلاثاء ، لثلاث خلون منه سنة إحدى عشر من الهجرة ، وكان سبب وفاتها : أن قنفذاً مولى عمر لكزها بنعل السيف بأمره ، فأسقطت محسناً ومرضت من ذلك مرضاً شديداً ، ولم تدع أحداً ممّن آذاها يدخل عليها . وكان الرجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه و آله سألا أمير المؤمنين عليه السلام
أن يشفع لهما إليها ، فسألها أمير المؤمنين عليه السلام ، فلمّا دخلا عليها قالا لها : كيف أنت يا بنت رسول اللّه ؟ قالت : « بخير بحمد اللّه » ، ثم قالت لهما : « ما سمعتما النبي يقول : « فاطمة بضعة منّي ، فمن آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى اللّه ؟!» .
قالا : بلى ، قالت : « فواللّه لقد آذيتماني » ، قال : فخرجا من عندها عليهاالسلام وهي ساخطة عليهما .(2)
[ 183 ]وروى عن محمّد بن هارون بن موسى التعلكبري بسنده عن سعيد بن المسيّب - ضمن كتاب طويل جدّاً لعمر بن الخطّاب إلى معاوية بن أبي سفيان - يقول فيه عمر : .. ولقد وثبت وثبة على شهاب بني هاشم ، وقرنها الزاهر ، وعلمها الناصر ، وعدّتها وعددها المسمّى ب- : حيدرة ، المصاهر لمحمّد ، على المرأة التي جعلوها سيّدة نساء العالمين ، يسمّونها : فاطمة .
حتى أتيت دار عليّ وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين وابنيتهما زينب وأُمّ كلثوم والأمة المدعوّة ب- : فضّة ، ومعي خالد بن وليد وقنفذ مولى أبي بكر ومن صحب من
خواصّنا .. فقرعت الباب عليهم قرعاً شديداً ، فأجابتني الأمة ، فقلت لها : قولي لعليّ : دع عنك الأباطيل ! ولا تلج نفسك إلى طمع الخلافة ، فليس الأمر لك ، الأمر لمن اختاره المسلمون واجتمعوا له ..
فقالت الأمة فضّة : .. إنّ أمير المؤمنين عليه السلام مشغول ، فقلت : خلّي عنك هذا وقولي
له يخرج وإلاّ دخلنا عليه وأخرجناه كرهاً .
فخرجت فاطمة فوقفت من وراء الباب ، فقالت : « أيّها الضالّون المكذّبون ! ماذا تقولون .. ؟ وأي شيء تريدون .. ؟ »
فقلت : يا فاطمة ! فقالت فاطمه :«ما تشاء يا عمر ؟! » فقلت : ما بال ابن عمّك قد أوردك للجواب وجلس من وراء الحجاب ؟
فقالت لي : « طغيانك - يا شقيّ ! - أخرَجَني وألزمك الحجّة ، وكلّ ضالّ غويّ » .
فقلت : دعي عنك الأباطيل وأساطير النساء ، وقولي لعليّ يخرج .
فقالت : « لا حبّ ولا كرامة .. أبحزب الشيطان تخوّفني يا عمر ؟! وكان حزب الشيطان ضعيفاً » .
فقلت : إن لم يخرج جئت بالحطب الجزل وأضرمتها ناراً على أهل هذا البيت وأُحرق من فيه ، أو يقاد عليّ إلى البيعة ، وأخذت سوط قنفذ فضربت .
وقلت لخالد بن الوليد : أنت ورجالنا هلمّوا في جمع الحطب ، فقلت : إنّي مضرمها.
فقالت : « يا عدوّ اللّه وعدوّ رسوله وعدوّ أمير المؤمنين ! .. » فضربت فاطمة يديها من الباب تمنعني من فتحه ، فرمته فتصعّب عليّ فضربت كفّيها بالسوط فألّمها ، فسمعت لها زفيراً وبكاءً ، فكدت أن ألين وأنقلب عن الباب فذكرت أحقاد عليّ وولوعه في دماء صناديد العرب ، وكيد محمّد وسحره ، فركلت الباب وقد ألصقت أحشاءها بالباب تترسه ، وسمعتها وقد صرخت صرخةً حسبتها قد جعلت أعلى المدينة أسفلها ، وقالت : « يا أبتاه ! يا رسول اللّه ! هكذا كان يفعل بحبيبتك وابنتك .. آه ! يا فضّة ! إليك فخذيني فقد واللّه قُتل ما في أحشائي من حمل .. » ، وسمعتها تُمَخّض وهي مستندة إلى الجدار ،
فدفعت الباب ودخلت .. فأقبلت إليّ بوجه أغشى بصري ، فصفقت صفقةً على خدّيها من ظاهر الخمار فانقطع قرطها وتناثرت إلى الأرض ، وخرج عليّ ، فلمّا أحسست به أسرعت إلى خارج الدار وقلت لخالد وقنفذ ومن معهما : نجوت من أمر عظيم .
وفي رواية أُخرى : قد جنيت جناية عظيمة لا آمن على نفسي ، وهذا عليّ قد برز من البيت وما لي ولكم جميعاً به طاقة .. فخرج عليّ وقد ضربتْ يديها إلى ناصيتها لتَكْشِفَ عنها وتستغيث باللّه العظيم ما نزل بها ، فأسبل عليّ عليها مُلاءتها وقال لها : « يا بنت رسول اللّه ! إنّ اللّه بعث أباكِ رحمةً للعالمين ، وأيمُ اللّه لئن كشفتِ عن ناصيتك سائلة إلى ربّك ليهلك هذا الخلق لأجابك حتى لا يُبقي على الأرض منهم بشراً ... فكوني - يا سيّدة النساء ! - رحمةً على هذا الخلق المنكوس
ولا تكوني عذاباً .. »
واشتدّ بها المخاض ، ودخلت البيت فأسقطت سقطاً سمّاه عليّ : محسناً .
وجمعت جمعاً كثيراً ، لا مكاثرة لعليّ ولكن ليشدّ بهم قلبي وجئت - وهو محاصر - فاستخرجته من داره مكرهاً مغصوباً وسقته إلى البيعة سوقاً ..
وجئنا نسعى وأبو بكر يقول : ويلك يا عمر ! ما الذي صنعت بفاطمة ؟! هذا واللّه الخسران المبين !!(1)
وروى الكتاب ابن شهرآشوب المازندراني (المتوفى 588) بسندين مع اختصار في بعض المواضع ،(2)وفيه : وطرحت حبلاً أسود في عنقه وسقته إلى البيعة ..
ورواه العلاّمة البياضي (المتوفى 877) في غاية الاختصار بسندين ، وفيه :
.. وادّعاؤه أنّ عليّاً سلّم خلافته بعد أن جرّه إلى سقيفته بحبل في عنقه وأشاع
القول ببيعته ، وحلف أبوذر : أنّ علياً ما أجاب إلى بيعته ولا واحد من عشيرته .
ثم فمن - يا معاوية ! - فعل فعلي ، واستشاد أحقاد أسالفه غيري ؟!
.. وذكر له أنّه إنما قلّده الشام ليتمّ له هذا المرام ، وذكر ذلك في شعره .. .(1)
وأشار إليه الشيخ صفي الدين بن فخر الدين الطريحي (المتوفى بعد 1100) .(2)
وتقدّمت للطبري (القرن الخامس) الرواية المرقّمة ب- : [ 130 ] ، [ 136 ] .
[ 184 ]روى في كتاب الدعاء والذكر عند ذكر الصلاة على فاطمة الزهراء عليهاالسلام : « . . اللّهمّ صلّ على محمّد وأهل بيته ، وصلّ على البتول الطاهرة الصدّيقة المعصومة التقيّة النقيّة الرضيّة المرضيّة الزكيّة الرشيدة المظلومة المقهورة المغصوبة حقّها ، الممنوعة إرثها ، المكسور ضلعها ، المظلوم بعلها ، والمقتول ولدها ، فاطمة بنت
رسول اللّه ، وبضعة لحمه ، وصميم قلبه ، وفلذة كبده ، والنخبة منك له ، والتحفة خصصت بها وصيّه ، وحبيبة المصطفى ، وقرينة المرتضى ، وسيّدة النساء ، ومبشّرة الأولياء ، حليفة الورع والزهد ، وتفاحة الفردوس والخلد ، التي شرّفت مولدها بنساء الجنّة ، وسللت منها أنوار الأئمّة ، وأرخيت دونها حجاب النبوّة » .
« اللّهمّ صلّ عليها صلاة تزيد في محلّها عندك ، وشرفها لديك ، ومنزلتها من رضاك ، وبلّغها منّا تحيّة وسلاماً ، وآتنا من لدنك في حبّها فضلاً وإحساناً ورحمة وغفراناً ، إنّك ذو العفو الكريم » .
رواه عنه السيد ابن طاووس(3)(المتوفى 664)
محمد بن هارون بن موسى التلعكبري(4)(القرن الخامس)
[ 185 [ ] روى عند ذكر الصلاة عليها ] : اللّهم صلّ على السيّدة المفقودة ،
الكريمة المحمودة ، الشهيدة العالية . .(1)
وتقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 135 ] .
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 130 ] .
[ 186 ]روى في زيارة جامعة أئمة المؤمنين عليهم السلام المروية عن المعصومين عليهم السلام:
« .. فلمّا مضى المصطفى - صلوات اللّه عليه وآله - اختطفوا الغرّة ، وانتهزوا الفرصة ، وانتهكوا الحرمة ، وغادروه على فراش الوفاة ، وأسرعوا لنقض البيعة ، ومخالفة المواثيق المؤكّدة ، وخيانة الأمانة المعروضة على الجبال الراسية وأبت أن تحملها ، وحملها الإنسان الظلوم الجهول ، ذو الشقاق والعزّة بالآثام المؤلمة والأنفة عن الانقياد لحميد العاقبة ، فحشر سفلة الأعراب وبقايا الأحزاب إلى دار النبوّة والرسالة ، ومهبط الوحي والملائكة ، ومستقرّ سلطان الولاية ، ومعدن الوصيّة والخلافة والإمامة حتى نقضوا عهدَ المصطفى في أخيه علم الهدى ، والمبيّن طريق النجاة من طرق الردى ، وجرحوا كبد خير الورى ، في ظلم ابنته ، واضطهاد حبيبته ، واهتضام عزيزته ، بضعة لحمه ، وفلذة كبده ، وخذلوا بعلها ، وصغّروا قدره ، واستحلّوا محارمه ، وقطعوا رحمه ، وأنكروا أُخوّته ، وهجروا مودّته ، ونقضوا طاعته وجحدوا ولايته ، وأطمعوا العبيد في خلافته ، وقادوه إلى بيعتهم ، مصلتةً سيوفها ، مقذعةً أسنّتها ... وهو ساخط القلب ، هائج الغضب ، شديد الصبر ، كاظم الغيظ ، يدعونه إلى بيعتهم التي عمّ شومها الإسلام ، وزرعت في قلوب أهلها الآثام .. » .(2)
ورواه السيد ابن طاووس(1)(المتوفى 664)
وتقدّمت لابن المشهدي الرواية المرقّمة ب- : [ 151 ] ، [ 158 ] .
[ 187 ]روى عن عبد اللّه بن عبد الرحمن ، أنّه قال : . . ثم إن عمر احتزم بإزاره وجعل يطوف بالمدينة وينادي : ألا إنّ أبا بكر قد بويع له فهلمّوا إلى البيعة ..
فينثال الناس يبايعون ، فعرف أن جماعة في بيوت مستترون ، فكان يقصدهم في جمع كثير ويكبسهم ويحضرهم المسجد فيبايعون .. حتى إذا مضت أيام أقبل في جمع كثير إلى منزل علي عليه السلام فطالبه بالخروج ، فأبى ، فدعا عمر بحطب ونار ، وقال : والّذي نفس عمر بيده ليخرجنّ أو لأحرقنّه على ما فيه .
فقيل له : إنّ فاطمة بنت رسول اللّه ووُلد رسول اللّه وآثار رسول اللّه صلى الله عليه و آله فيه ، وأنكر الناس ذلك من قوله ، فلمّا عرف إنكارهم ، قال : ما بالكم ؟ ! . . أتروني فعلت
ذلك ؟ ! إنما أردت التهويل ! ..(2)
وقد مرّ في ضمن رواية عن السيد أبي العباس الحسيني الزيدي المتوفى 352 أنّ عمر قال في الجواب : سنلتقي أنا وفاطمة !
فراسلهم عليّ عليه السلام أن ليس إلى خروجي حيلة .. لأنّي في جمع كتاب اللّه الّذي قد نبذتموه وألهتْكم الدنيا عنه ، وقد حلفت أن لا أخرج من بيتي ، ولا أدع ردائي على عاتقي ، حتّى أجمع القرآن » .
قال : وخرجت فاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله إليهم ، فوقفت خلف الباب ، ثم قالت : « لا عهد لي بقوم أسوأ محضراً منكم ، تركتم رسول اللّه صلى الله عليه و آله جنازة بين أيدينا ،
وقطعتم أمركم في ما بينكم ولم تؤمرونا ، ولم تروا لنا حقّاً ، كأنّكم لم تعلموا ما قال يوم غدير خم ، واللّه لقد عقد له يومئذ الولاء ليقطع منكم بذلك منها الرجاء ، ولكنكم قطعتم الأسباب بينكم وبين نبيّكم ، واللّه حسيب بيننا وبينكم في الدنيا والآخرة » .(1)
ورواه ابن شهرآشوب المازندراني(2)(المتوفى 588)
وأبو سعيد حسن بن حسين الشيعي السبزواري (القرن الثامن) مرسلاً .(3)
[ 188 ]وروى عن المغيرة بن [ أبي ] شعبة : .. ثمّ كره [ أمير المؤمنين عليه السلام ]أن
يبايع أبا بكر حتّي أُتي به قوداً .. .(4)
وعن مولانا الإمام أبي محمّد الحسن بن علي عليه السلام : « وأما أنت يا مغيرة بن شعبة ! ... وأنت الذي ضربت فاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله حتّى أدميتها ، وألقت ما في بطنها .. استذلالاً منك لرسول اللّه صلى الله عليه و آله ، ومخالفة منك لأمره ، وانتهاكاً لحرمته ، وقد قال لها رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « أنتِ سيّدة نساء أهل الجنّة » ، واللّه مصيرك إلى النار » .(5)
[ 189 ]روى عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام : .. فلمّا رأى [ أُسامة ]اجتماع الناس على أبي بكر ، انطلق إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقال : ما هذا .. ؟! فقال له علي : « هذا ما ترى .. » قال له أُسامة : فهل بايعته ؟! فقال : « نعم » . فقال له أُسامة : طائعا أو كارها ؟! قال : « لا ، بل كارها » .(6)
وتقدّمت للشيخ الطبرسي الروايات المرقّمة ب- : [ 7 ] ، [ 12 ] ، [ 95 ] ، [ 96 ] ،[ 117 ] .
1) . الاحتجاج : 80 ، وعنه في بحار الأنوار : 28/204 ، العوالم : 11/404 .
2) . مثالب النواصب : 419 - 420 الخطّية .
3) . راحة الأرواح : 58 - 59 .
4) . الاحتجاج : 271 ، وعنه في بحار الأنوار : 44/73 .
5) . الاحتجاج : 278 ، وعنه في بحار الأنوار : 43/197 و 44/83 .
6) . الاحتجاج : 87 ، بحار الأنوار : 29/93 .
140 - مؤلف كتاب ألقاب الرسول وعترته عليهم السلام(1)(القرن السادس)
[ 190 ]قال : وكونها مظلومة مضطهدة بعد أبيها لا يخفى ، فقد سلبت فدك منها قهراً ، ومنع حقّ ولديها وبعلها ، وماتت بالغصة شهيدة إذ ضربوا باب دارها على بطنها حتى هلك ابنها الجنين الذي سمّاه رسول اللّه صلى الله عليه و آله : المحسن .(2)
تقدّمت له الروايتان المرقّمتان ب- : [ 56 ] ، [ 130 ] .
[ 191 ]روى عن ابن عباس قال : رأت فاطمة في منامها النبي صلى الله عليه و آله قالت : فشكوت إليه ما نالنا من بعده قالت : فقال لي رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « لكم الآخرة التي أُعدّت للمتقين ، وإنك قادمة عليّ عن قريب » .(3)
وتقدّمت له الروايات المرقّمة ب- : [ 101 ] ، [ 102 ] ، [ 103 ] ، [ 104 ] .
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 37 ] .
[ 192 ]قال :
1) . المؤلف يروي عن أبي المظفر عبد الواحد بن حمد بن شيدة السكوني راجع الكتاب : 28 - 29 وأبو المظفر هذايروى عنه غير واحد من أعلام القرن السادس مثل السيد فضل اللّه الراوندي .. وغيره ، واستظهر بعضهم أنه للقطب الدين الراوندي المتوفى 573 . راجع : ميراث حديث الشيعة : 1/16 .
2) . ألقاب الرسول وعترته عليهم السلام : 43 في ضمن مجموعة نفيسة : 199 ؛ ميراث حديث الشيعة : 1/50.
3) . مصباح الأنوار مخطوط وعنه في بحار الأنوار : 43/218 .
ورويتم أنّ الوصيّ أجابهم *** كرهاً ولم يقدر على العصيان
والطهر فاطمة يُشال لبيتها *** من أجلها قبس برأس سنان
أفمنقذ لهم من النيران مَن *** حملوا إلى ابنته لظى النيران ؟!(1)
[ 193 ]قال - ما ترجمته - : وأمّا ما نقله عنهم [ أي الشيعة ] من أنهم يقولون : إنّ عمر دفع الباب على بطن فاطمة عليهاالسلام فأسقطت جنينها ، الذي سمّاه رسول اللّه صلى الله عليه و آله : المحسن .
فالجواب عنه : ان هذا خبر صحيح ، وقد اتّفقت على نقله كتب الشيعة وأهل السنّة .(2)
[ 194 ]وقال - مترجماً - : وأمّا ما ذكره من أن المفيد الرازي قال في كتابه : إن عمر أرسل خالد بن الوليد إلى علي عليه السلام ، فجعل عمامته في عنقه وأجبره على الذهاب إلى السقيفة [ للبيعة ] ، وقد قال عمر لخالد : .. وإن أبى فاضرب عنقه .. .
فالجواب عنه : .. إن خبر ذهاب خالد بإذن من عمر للإتيان بأمير المؤمنين عليه السلام .. معروف .. .(3)
[ 195 ]روى عن أبي إبراهيم عليه السلام - في ضمن معجزة للإمامين الهمامين الحسن والحسين عليهماالسلام - يذكر فيها أن رجلاً فظّاً غليظاً أراد إيذاءهما عليهماالسلام فإذا بهاتف يقول : « يا شيطان ! ... أتريد أن تناوي ابني محمّد صلى الله عليه و آله وقد علمت بالأمس ما فعلت
وناويت أُمّهما ... كان هذا بعد يوم السقيفة بقليل .. » .(1)
[ 196 ]قال : والأول قد ظهرت منه الغلظة على فاطمة عليهاالسلام في كبس بيتها ، ومنع حقّها حتّى خرجت من الدنيا وهي غضبى عليه .
ثم قال - عند ذكر عمر - : .. وهو الهاجم على بيت فاطمة عليهاالسلام .(2)
[ 197 ]وقال : .. وإنّه عليه السلام لمّا امتنع من البيعة جرت من الأسباب ما هو معروف .. فاحتمل وصبر .(3)
[ 198 ]وقال : ومن كثرة الظلم دفن الإمام عليه السلام فاطمة عليهاالسلام ليلاً .(4)
[ 199 ]وقال : هذا إذا تركنا ما رواه الشيعة وكثير من السنة من أنه لم يبايع حتى صار عمر إلى بيته بقبس من النار ليحرق عليه ، وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فيالبيت ، فخرج مكرهاً وبايع .(5)
[ 200 ]وقال عليه السلام في قوله تعالى : « وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدّى »(6): .. في النار لعناده أمير المؤمنين عليه السلام وإحراقه عليهم منزلهم .(7)
[ 201 ]وروى في حديث الحارث بن الأسود الدوئلي عن جندب بن عبد اللّه البجلي ، وفي حديث الثمالي ، عن زين العابدين عليه السلام : إنّه لمّا سألوه البيعة قال لهم : « إنلم أفعل ؟ » قالوا : إذاً تقتل لؤماً وصغراً لك . قال : « إذن أكون عبد اللّه وأخو(8)
رسوله » . وقالوا : بايع ، فالتفت علي عليه السلام إلى قبر النبي صلى الله عليه و آله فقال : « ي- « ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي »(1)» ، فرجع يومئذ ولم يبايع ، ثم انصرف إلى منزله وآلى ألاّ يضع رداءه على عاتقه إلاّ للصلاة حتى يؤلف القرآن ويجمعه .. فانقطع عنهم مدّة إلى أن جمعه ثم خرج إليهم . . » .(2)
[ 202 ]عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في قوله تعالى : « وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا .. »(3)إلى آخر الآية قال : لمّا دعوا علياً عليه السلام إلى البيعة للأول وخرج الزبير بالسيف وامتنع عمار وسلمان وأبو ذر والمقداد . . » .(4)
[ 203 ]وروى أبو بصير وغيره عن الصادق عليه السلام أنّه لمّا رأى عبد اللّه بن الحسن بن الحسن وجماعة من آل أبى طالب مقيّدين بكى ، وقال - بعد كلام - : « هذا واللّه مما طرقه الأولان بما فعلا بعلي بن أبي طالب عليه السلام حيث جاءا بالنار إلى داره ليحرقوها » ، ثم دخل إلى البيت فاستخرج سفطاً ففتحه فإذا فيه حطب على قدر عظم الذراع ، فقال : « أتدري ما هذا الحطب .. ؟ ممّا تحرقهما(5)به ! ».(6)
[ 204 ]عن سعيد بن المسيب - في خبر - : إنّه رأى العباس وعقيل وعتبة ابن أبي لهب والفضل بن عبّاس جماعةً وضعوا ناراً على باب علي عليه السلام ، فقال العباس : يا لها عظيمة بما أتى إلينا فلان وفلان ! فقال الفضل :
ما لقومي لا يسمعون نداي *** أصمّوا أم هم رهون رماس(7)
[ 205 ]وروي من غير وجه : إنّ عمر قام إلى بيعة أبي بكر بعد ثلاث من
مبايعته ، فقال : يا خليفة رسول اللّه ! أرسل إلى هذا الرجل فليبايع فقد بايع الناس . فقال أبو بكر : ابعث إليه . فقال عمر لقنفذ بن عمير العدوي : امض إلى علي فقل له : خليفة رسول اللّه يقول لك : احضر فبايع . فمضى قنفذ فطرق الباب عليه - وعنده العباس وبنوه والزبير وسلمان والمقداد .. وغيرهم - فقال : « من هذا ؟ » فقال : قنفذ ، فقال : « ما تريد ؟ » قال : خليفة رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول لك : اخرج فبايع .
فقال : « سبحان اللّه ! ما أسرع ما كذبتم على رسول اللّه صلى الله عليه و آله ! ما أعرف لرسول اللّه صلى الله عليه و آله خليفة غيري » .
فعاد قنفذ فأخبرهم ، فكبا أبو بكر كبوة ، ثم جلس ، فقام عمر إليه ثانية فقال مثل الأول ، فأتاه قنفذ فقال : أجب أمير المؤمنين ، فقال علي عليه السلام : « سبحان اللّه ! لقد تسمّى بغير اسمه ، وادّعى ما ليس له ، ما أعرف أمير المؤمنين غيري » .
فرجع إليهم فأخبرهم ، فكبا أبو بكر كبوة أشدّ من الأُولى ، ثم قال له : اجلس . فقام إليه [ عمر ] فقال : ألا ترسل إلى هذا الرجل فليبايع ، فأنفذ قنفذاً يدعوه ، فصاحت فاطمة عليهاالسلام : « يا أبتاه ! ما لقينا من أبي بكر وعمر » .
فرجع قنفذ فأخبرهم ، فقام عمر وخالد وأُسيد بن الحصين وقنفذ وحماد وسلمة بن أسلم من بني الأشهل وعبد الرّحمن بن عوف وسعد بن مالك وعبد اللّه بن زمعة ومضوا إليه .(1)
[ 206 ]وقال زيد بن علي : كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يأتي باب فاطمة عليهاالسلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله فيضربه كل صباح فيقول : كيف صباحكم بعد نبيّكم وممساكم ؟ فتخرج له أُمّ أيمن فتقول : يا أبا سفيان ! شرّ صباح وشرّ ممسى ، فقدنا رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وفقدنا الوحي ، وما أُتي إلى هذين من الظلم - يعني علياً وفاطمة عليهماالسلام - فقال أبو سفيان :
من مبلغ عنا أبا قاسم *** صلّى عليه اللّه أنباءنا
1) . مثالب النواصب : 135 - 136 الخطّية .
وفاطمة تعول إعوالها *** قد قطعت بالحزن أحشاءنا
والأصلع المضطهد المبتلى *** يغضّ عنه الطرف أعضاءنا(1)
[ 207 ]وفي رواية الكلبي عن أبي صالح ، عن ابن عباس - في خبر طويل له - : إنّه أمر فلان أن يجمع الحطب .. فجمع ثم أمر به فوضع على الباب ليحرقه ، فخرجت فاطمة عليهاالسلام تناشده وتقول : « يا خالد ! أعلى الحسن والحسين يحرق البيت ؟! » . فقال خالد : إني مأمور .. وفتحت [ الباب ] فزحمها(2)قنفذ .
ويقال : إنّ الثاني كسر ضلعاً من أضلاعها ، وعلا يده بالسوط على رأسها فصاحت فاطمة عليهاالسلام : « وامحمّداه ! » قال : إنّه لمّا ضربها بالسوط كان في عضدها مثل السوار ، وإنّها لسقطت بغلام لستة أشهر كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله بشّرها به ، وسمّاه : محسناً .
قال ابن عباس : قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « الحسن والحسين ومحسن وما أظنّه يتمّ .. » ، وهو الذي أسقطت فاطمة عليهاالسلام بين الباب والحائط حين دخلوا عليها ..(3)
[ 208 ]وفي رواية عمر بن المقدام(4): إنّه اختبز جيران آل محمّد صلى الله عليه و آله واحتطبوا ثلاثين يوماً من الحطب الذي وضعه الأول والثاني ليحرقوا بيت علي وفاطمة عليهماالسلام .. فأراد أبو حفص أن يحرقهم حتى يستريح منهم دفعة واحدة ! ..(5)
[ 209 ]وفي رواية الكلبي والزهري : أنّه خرج بعلي بن أبي طالب عليه السلام وهو يقول : « أنا عبد اللّه وأخو رسول اللّه ، أنا الصديق الأكبر لا يقولها غيري إلاّ مفترٍ كذّاب .. » حتى انتهوا إلى الأول فقيل له : بايع ، فقال : « أنا أحق بها منكم وبهذا الأمر ، ولا أُبايعكم أبداً .. وأنتم أولى وأحقّ ، وقد بايعتموني في حياة رسول اللّه صلى الله عليه و آله
بيعة جاء بها جبرئيل من عند اللّه عزّ وجلّ ، وإنّكم إنّما أخذتم هذا الأمر واحتججتم عليهم بقرابتكم من رسول اللّه صلى الله عليه و آله .. أنا أو أنتم ؟! ».(1)
[ 210 ]ودخل مولى لأبي ذر عليه [ أي على معاوية ] فقال له : هل تعلم متى قامت القيامة على الناس ؟ قال : نعم ، حين هدموا بيت النبوة والبرهان ، وسلبوا أهل العزّة والسلطان ، وأطفأوا مصابيح النور والفرقان ، وعصوا في صفوة الملك الديّان ، ونصبوا ابن آكلة الذِبّان كهول الورى والشبّان ، فأحيوا به بدع الشيطان ، وأماتوا به سنّة الرحمن ، فعندها قامت القيامة العظمى ، وجاءت الطامّة الكبرى .(2)
ورواه الشيخ زين الدين العاملي البياضي (المتوفى 877) .(3)
[ 211 ]ونقل ابن شهرآشوب عن كشواذ بن إيلاس السروجي :
أهلك بنت المصطفى وابن الولي *** محسناً سبط الرسول بن علي
برئت ممن بالضرام أنفذا *** بحرق بيت النبوي قنفذا(4)[ 212 ]
لشاعر آخر :
قوم ... فاطم عن إرثها *** من النبي المصطفى الطهر
ماحضروه في تجهيزه كلاّ *** ولا واروه في القبر
بل حملوا النار إلى بيته *** ليحرقوا العترة بالجمر
فكلّما أُحدث من بعدهم *** في الناس من ذنب ومن وزر
فهم به يصلون إذ خالفوا *** وصية المبعوث في الذكر(5)
[ 213 ]وقال سلامة الموصلي :
يا نفس إن تلتقي ظلماً فقد ظُلمت *** بنت النبي رسول اللّه وابناها
تلك التي أحمد المختار والدها *** وجبرئيل أمين اللّه ربّاها
اللّه طهّرها من كلّ فاحشة *** وكلّ ريب وصفّاها وزكّاها(1)
[ 214 ]وقال شاعر آخر :
كأنّي ببنت المصطفى قد تعلّقت *** يداها بساق العرش والدمع أذرت
فيقضي على قوم إليها تألبّوا *** بشرّ ، عذاب النار من غير فترة(2)
[ 215 ]وعن بعضهم :
ومن قبل موت المصطفى كان صحبه *** إذا قال قولاً صدّقوه وحقّقوا
فلمّا قضى خانوه في أهل بيته *** وشمل بنيه بالأسنة فرّقوا(3)
[ 216 ]وجاء في ضمن الأبيات التي نقلها رحمه الله أمثال هذه الكلمات - ولم ندرجها لكثرتها - فراجعها :
حقوق مولاه غصب .. وابنة الطهر ضرب ، فاطمة خير النساء ، مظلومة .. مغصوبة مهضومة .. مضروبة ملطومة .. وعمر منعني ، بسوطه ومانعي .. جاء لبيتي محرقاً .. وساق بعلي موثقاً ..(4)
وتقدّمت لابن شهر آشوب الروايات المرقّمة ب- : [ 4 ] ، [ 5 ] ، [ 10 ] ، [ 12 ] ، [ 13 ] ، [ 15 ] ، [ 18 ] ، [ 19 ] ، [ 33 ] ، [ 98 ] ، [ 99 ] ، [ 108 ] ، [ 109 ] ، [ 111 ] ، [ 112 ] ، [ 113 ] ، [ 116 ] ، [ 117 ] ، [ 126 ] ، [ 130 ] ، [ 131 ] ، [ 147 ] ، [ 153 ] ، [ 154 ] ، [ 178 ] ، [ 183 ] ، [ 187 ] .
[ 217 ]روى عن ابن عمر قال : لمّا ثقل أبي أرسلني إلى عليّ عليه السلام ، فدعوته فأتاه فقال : يا أبا الحسن ! إنّي كنت ممّن شغب عليك ،(1)وأنا كنت أوّلهم وأنا صاحبك ، فأُحبّ أن تجعلني في حلّ .
فقال : « نعم على أن تدخل عليك رجلين فتشهدهما على ذلك » .
قال : فحوّل وجهه إلى الحائط ، فمكث طويلاً ثم قال : يا أبا الحسن ! ما تقول ؟
قال : « هو ما أقول لك » .
قال : فحوّل وجهه ... فمكث طويلاً ، ثم قام فخرج .
قال : قلت : يا أبه ! قد أنصفك ، ما عليك لو أشهدت له رجلين ؟
قال : يا بنيّ ! إنّما أراد أن لا يستغفر لي رجلان من بعدي ! ..(2)
[ 218 ]قال : إن هذه الأُمة فعلت فعل الأُمم من قبلها ، فتفرّقت وتشتّتت ووقع فيها الفساد ... وردّوا أمر النبي صلى الله عليه و آله - الذي ألزمهم بالوصية وأكّدها على الكافّة - وقد فعلوا ما أرادوه من تقدمة من قدّموه ، كفعل قوم موسى عليه السلام في حال السامري والعجل وتقديمه ، والإعراض عن هارون ونقض وصية موسى عليه السلام إليهم فيه ، ثمّ
وضعهم الحطب على باب بيت علي عليه السلام - وفيه سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليهاالسلام بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله - ليحرقوه ، لمّا امتنع عن الخروج إلى البيعة عندما اختاروه ، ومثلهم في ذلك مثلما فعل قوم إبراهيم لمّا باينهم في حالهم وبيّن عجزهم « قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ » .(3)
تقدّمت له الروايات المرقّمة ب- : [ 7 ] ، [ 11 ] ، [ 15 ] ، [ 138 ] ، [ 139 ] ، [ 140 ] ، [ 141 ] ، [ 162 ] .
قتادة بن إدريس الزيدي العلويّ(1)( المتوفى 618 ه . )
[ 219 ]في قصيدة طويلة :
ما لعيني قد غاب عنها كراها *** وعراها من عبرة ما عراها
إلى أن قال :
ولفكري في الصاحبَيْن الذَيْن *** استحسنا ظلمها وما راعياها
منعا بعلها من العهد والعق- *** -د وكان المنيب والأواها
واستبدّا بإمرة دبّراها *** قبل دفن النبيّ وانتهزاها
وأتت فاطمٌ تطالب بالإر *** ث من المصطفى فما ورّثاها
جرّعاها من بعد والدها ال- *** -غيظ مراراً فبئس ما جرّعاها
بنت من ؟ أُمّ من ؟ حليلة من ؟ *** ويلٌ لمن سنّ ظلمها وأذاها
أهما ما تعمّداها كما قلت *** بظلم ؟ كلاّ ولا اهتضماها
فلماذا إذ جهّزت للقاء *** اللّه عند الممات لم يحضراها
كان زهداً في أجرها أم *** عناداً لأبيها النبيّ لم يتبعاها
أم لأنّ البتول أوصت بأن لا *** يشهدا دفنها فما شهداها
أم أبوها أسرّ ذاك إليها *** فأطاعت بنت النبيّ أباها
أغضباها وأغضبا عند ذاك *** اللّه ربّ السماء إذ أغضباها
وكذا أخبر النبيّ بأنّ اللّه *** يرضى سبحانه لرضاها
1) . هو أبو عزيز قتادة بن إدريس بن مطاعن الحسني الزيدي العلويّ ، جدّ الأشراف والأُمراء بمكّة المكرّمة .
لا نبي الهدى أُطيع ولا *** فاطمة أُكرمت ولا حسناها(1)
[ 220 ]قال : .. أليس المعلوم من حال عمر ومن بايع أبا بكر أنهم كانوا يحملون الناس على بيعته ؟! بل كانوا يغلظون القول له ، وينكرون على من يخالف ..
أليس جرى بينه وبين الزبير ما جرى حتى أخذوه وكسروا سيفه وخيّروه ؟ ! ..
أليس تخلّف أمير المؤمنين عليه السلام عن البيعة وعمار وسلمان وأبو الدرداء والمقداد وحذيفة وعبد اللّه بن مسعود ؟! ...
الإمامية تقول : إن أمير المؤمنين أُخذ ملبّباً حتّى أُخذت يساره ووضعت على يمين أبي بكر .. ومن نقل الآثار سواهم .(2)
وتقدّمت له رواية في رقم : [ 11 ] .
[ 221 ]قال :
يا ليت شعري فمن أنوح منهم *** ومن له ينهلّ فيض أدمعي
أم للبتول فاطمٍ إذ منعت *** عن إرثها الحق بأمر مجمع
ولم تزل مهضومة مظلومة *** بردّ دعواها ورضّ الأضلع(3)
سيف الدين أبو الحسن علي الآمدي ( المتوفى 631 ه . )(4)
[ 222 ]قال : وروي أنه لمّا بويع أبو بكر غضب جماعة من المهاجرين
والأنصار وقالوا : إنه بويع من غير مشورة ولا رضى منّا .. وغضب عليّ عليه السلام والزبير ، ودخلا بيت فاطمة عليهاالسلام وتخلّفا عن البيعة ، فجاءهم عمر في جماعة - وفيهم سلمة بن أسلم - وصاح عمر : اخرجوا ولنحرقنّها عليكم ! .. فأبوا أن يخرجوا ، فأمر عمر سلمة بن أسلم فدخل عليهم ... وأخذ أسيافهما - أو سيف أحدهما - فضرب به الجدار حتى كسره ، ثم أخرجهما ... فبايعا كرهاً وإلجاءً .(1)
وتقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 118 ] .
تقدّمت له رواية في رقم : [ 7 ] .
[ 223 ]عن سليم بن قيس ، أنّه قال : لمّا قتل الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلامبكى ابن عباس بكاءً شديداً ، ثم قال : ما لقيت هذه الأُمّة بعد نبيّها ، اللّهمّ إنّي أُشهدك أني لعلي بن أبي طالب ولولده وليّ ، ولعدوّه عدوّ ، ومن عدوّ ولده بريء ، وإني سلم لأمرهم . ولقد دخلت على ابن عم رسول اللّه صلى الله عليه و آله بذي قار فأخرج لي صحيفة وقال لي : « يابن عباس ! هذه صحيفة أملاها رسول اللّه صلى الله عليه و آله وخطي بيدي ..» قال : فأخرج لي الصحيفة ، فقلت : يا أمير المؤمنين ! اقرأها عليّ .. فقرأها ، وإذا فيها كل شيء منذ قبض رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وكيف يقتل الحسين ومن يقتله ومن ينصره ومن يستشهد معه .. وبكى بكاء شديداً وأبكاني .. وكان في ما قرأه كيف يصنع به .. وكيف تستشهد فاطمة عليهاالسلام .. وكيف تغدر به الأُمّة .. فلمّا قرأ مقتل الحسين عليه السلام ومن يقتله أكثر البكاء .. ثم أدرج الصحيفة ، وفيها ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، وكان في ما قرأ أمر أبي بكر وعمر وعثمان وكم يملك كل إنسان منهم.. .(2)
وتقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 56 ] .
[ 224 ]روى عن أمير المؤمنين عليه السلام : « .. ولو كان لي بعد رسول اللّه صلى الله عليه و آلهعمّي حمزة وأخي جعفر لم أُبايع كرهاً ، ولكنني منيت برجلين حديثي عهد بالإسلام العباس وعقيل ، فضننت بأهل بيتي الهلاك ، فأغضيت عيني على القذى ، وتجرّعت ريقي على الشجى ، وصبرت على أمرّ من العلقم ، وآلم للقلب من حرّ الشفار .. » .(1)
[ 225 ]وروى في رواية - تقدّم ذكرها(2)- عن النبي صلى الله عليه و آله : « وأنتِ تظلمين .. وعن حقك تدفعين ، وأنتِ أوّل أهل بيتي لحوقاً بي بعد أربعين .. يا فاطمة ! أنا سلم لمن سالمك وحرب لمن حاربك .. »(3)
[ 226 ]وروى ضمن دعاء عن مولانا الرضا عليه السلام : « .. واستهزءا برسولك ، وقتلا ابن نبيّك .. » .(4)
ورواه الشيخ الكفعمي(5)(المتوفى 905)
[ 227 ]وقال : .. فأمّا عليّ عليه السلام ؛ فقد عرفت ما جرى عليه من الدفع عن خلافته ومنزلته ، وما بلغوا إليه من القصد لإحراقه بالنار وكسر حرمته .
وأما فاطمة عليهاالسلام ؛ فقد اشتهر ما ظهر من أذيتهم لها حتى هجرتهم إلى أن ماتت .(6)
[ 228 ] وقال : وعلماء أهل البيت عليهم السلام لا يحصي عددهم وعدد شيعتهم الاّ اللّه تعالى .. وما رأيت ولا سمعت منهم أنهم يختلفون في : أنّ أبا بكر وعمر ظلما أُمّهم
1) . كشف المحجة : 180 ، وعنه في بحار الأنوار : 30/15 ؛ نوادر الأخبار للكاشاني : 198 - 199 .
2) . راجع الفصل الأول .
3) . اليقين : 488 ؛ بحار الأنوار : 36/264 ؛ العوالم : 11/393 .
4) . مهج الدعوات : 257 .
5) . المصباح للشيخ الكفعمي : 554 ؛ وعنه و عن مهج الدعوات جاء في بحار الأنوار : 30/393 و 86/223 .
6) . الطرائف : 195 . وراجع أيضاً : 245 - 246 ، 274 .
فاطمة عليهاالسلامظلماً عظيماً .. .(1)
وتقدّمت له الروايات المرقّمة ب- : [ 4 ] ، [ 16 ] ، [ 19 ] ، [ 30 ] ، [ 33 ] ، [ 101 ] ، [ 102 ]، [ 103 ]، [ 104 ]، [ 105 ]، [ 151 ]، [ 158 ]، [ 177 ]، [ 184 ] ، [ 186 ] .
[ 229 ]قال : وقد روى سادات أئمّة الهدى وغيرهم - من مؤالف ومخالف - الوعيدَ بإحراق بيت فاطمة عليهاالسلام أو هدمه ... وقال بعضهم : أُتي به ملبّباً ، وقيل : بل في عنقه حبل .. وتوعّدوه بالقتل ، وقيل له : إن لم تبايع ضربنا عنقك ... إنّ العترة مجمعة
على أنه عليه السلام ما بايع أبا بكر بيعة عهد ورضا .(2)
[ 230 ]وروى عن الحسن بن علي عليهماالسلام - في خطبة بعد مهادنته لمعاوية - : إن الذي ألجأه إلى المهادنة هو الذي ألجأ النبي صلى الله عليه و آله إلى دخول الغار ، وألجأ أمير المؤمنين إلى مبايعة أبي بكر حين جمعت حزم الحطب على داره لتحرق بمن فيها من ذرية رسول اللّه صلى الله عليه و آله إن لم يخرج ، فبايع .(3)
ورواه الديلمي الزيدي (المتوفى 711) ، وقال : وكذلك رُوي عن علي بن الحسين زين العابدين ، وأبيه الحسين بن علي عليهم السلام .(4)
[ 231 ]وروى عن الناصر الحسن بن علي (المتوفى 304) أنّه قال : لا إيمان إلاّ بالبراءة من أعداء اللّه وأعداء رسوله صلى الله عليه و آله ، وهم الذين ظلموا آل محمّد صلى الله عليه و آله ، وأخذوا ميراثهم ، وهمّوا بإحراق منازلهم ..(5)
ورواه الديلمي الزيدي (المتوفى 711) عن صاحب المسفر .(6)
وتقدّمت له الروايات المرقّمة ب- : [ 6 ] ، [ 7 ] ، [ 10 ] ، [ 11 ] ، [ 12 ] ، [ 14 ] ، [ 114 ] ، [ 115 ] ، [ 138 ] ، [ 139 ] ، [ 140 ] ، [ 141 ] ، [ 162 ] ، [ 163 ] .
[ 232 ]قال : .. وبعث إلى بيت أمير المؤمنين عليه السلام - لمّا امتنع من البيعة - فأضرم فيه النار وفيه فاطمة عليهاالسلام وجماعة من بني هاشم ، وردّ عليه الحسنان لمّا بويع ، وندم على كشف بيت فاطمة عليهاالسلام .(1)
تقدّمت له الروايتان المرقّمتان ب- : [ 11 ] و[ 29 ] .
[ 233 ]قال : .. كيف وقد أُخرج من منزله يقاد قهراً بعد أن قالوا : إن لم تخرج
أحرقنا عليك بيتك ..(2)
[ 234 ]قال : فإنّ أمر السقيفة وما جرى بين الصحابة من الاختلاف .. وتخلّف علي عليه السلام عن البيعة .. أمر ظاهر لا يدفع ، ومكشوف لا يتقنّع ، حتى قال أكثر الشيعة : إنه لم يبايع أصلاً ، ومنهم من قال : إنه بايع بعد ستّة أشهر كرهاً . وقال مخالفوهم : إنه بايع بعد أن تخلّف في بيته مدة ودافع طويلاً .. وكلّ ذلك مما تقتضي الضرورة معه وقوع الخلاف والمنافسة بينهم ، والحقّ أنّ المنافثة(3)ثابتة بين علي عليه السلام
وبين من تولّى أمر الخلافة في زمانه ، والشكاية والتظلّم الصادر عنه في ذلك أمر معلوم بالتواتر المعنوي .(1)
[ 235 ]وقال : منها - وهو الذي عليه جمهور الشيعة - أنّ علياً عليه السلام امتنع من البيعة لأبي بكر بعد وفاة رسول اللّه صلى الله عليه و آله .. وامتنع معه جماعة من بني هاشم كالزبير
وأبي سفيان بن الحرث [ الحارث ] والعباس وبنيه .. وغيرهم ، وقالوا : لا نبايع إلاّ عليّاً عليه السلام . وأن الزبير شهّر سيفه فجاء عمر في جماعة من الأنصار فأخذ سيفه فضرب به الحجر فكسره ، وحملت جماعتهم إلى أبي بكر فبايعوه وبايع معهم عليّ عليه السلام إكراها ..
وعلى الجملة ؛ فحال الصحابه - في اختلافهم بعد وفاة رسول اللّه صلى الله عليه و آله وما جرى في سقيفة بني ساعدة - وحال عليّ عليه السلام - في طلب هذا الأمر - ظاهر ، والعاقل إذا طرح العصبية والهوى عن نفسه ، ونظر في ما نقله الناس في هذا المعنى علم ما جرى بين الصحابة من الاختلاف والاتّفاق ، وهل بايع عليّ عليه السلام طوعاً أو كرهاً ؟! ..(2)
[ 236 ]روى ضمن رواية تقدّم ذكرها(3)عن النبي صلى الله عليه و آله : « يا بنيّة ! أنت المظلومة بعدي ، وأنت المستضعفة بعدي ، فمن آذاك فقد آذاني ، ومن غاظك فقد غاظني ، ومن سرّك فقد سرّني ، ومن برّك فقد برّني ، ومن جفاك فقد جفاني ، ومن وصلك فقد وصلني ، ومن قطعك فقد قطعني ، ومن أنصفك فقد أنصفني ، ومن ظلمك فقد ظلمني ، لأنك مني وأنا منك ، وأنت بضعة منّي ، وروحي التي بين جنبيّ .. » .
ثم قال عليه السلام : « إلى اللّه أشكو ظالميك من أُمّتي .. » .(4)
وتقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 130 ] .
[ 237 ]روى عن الإمام أبي الحسن علي بن محمّد الهادي عليهماالسلام : عن حذيفة - في رواية طويلة يذكر فيها إخبار النبي صلى الله عليه و آله بما يجري على العترة الطاهرة عليهم السلام وبكاءه لذلك - : ..ورجعتُ عنه وأنا غير شاكّ في أمر الثاني ، حتى رأيت بعد وفاة رسول اللّه صلى الله عليه و آلهوأتيح الشر و ... وأحرق بيت الوحي ... ودبّر على قتل
أمير المؤمنين عليه السلام ... ولطم وجه الزكّية ... » .(1)
ورواه الشيخ حسن بن سليمان الحلّي(2)(القرن الثامن )
[ 238 ]قال : في شرح دعاء : قوله عليه السلام : « فقد أخربا بيت النبوّة » إشارة إلى
ما فعله الأول والثاني مع علي عليه السلام وفاطمة عليهاالسلام من الإيذاء وأرادوا إحراق بيت علي عليه السلامبالنار ، وقاداه قهراً كالجمل المخشوش ، وضغطا فاطمة عليهاالسلام في بابها حتى سقطت بمحسن ، وأمرت أن تدفن ليلاً لئلاّ يحضر الأول والثاني جنازتها ..
ثم قال : « الضلع المدقوق والصكّ الممزوق .. » إشارة إلى ما فعلاه مع فاطمة عليهاالسلام
من مزق صكّها ودق ضلعها .(3)
[ 239 ]قال - ما ترجمته - : .. فلمّا أصبح الصباح .. أقبل الناس إلى بيت فاطمة عليهاالسلام ليحضروا الصلاة عليها .. فالتقى المقداد بأبي بكر فقال له: نحن دفنّاها ليلاً .
فالتفت عمر إلى أبي بكر وقال : ألم أقل لك : إنهم سيدفنونها ليلاً ؟! ..
قال المقداد : إنّ فاطمة عليهاالسلام أوصت بذلك عمداً كي لا تصلّيا عليها .
فرفع عمر يده يضرب المقداد على رأسه ووجهه حتى تعب عمر وخلّصه الحاضرون من يده .. فقام المقداد أمامهم وقال : خرجت بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله من الدنيا والدم يسيل من ظهرها وجنبها لما ضربتموها بالسيف والسياط ، أنا عندكم أحقر من عليّ وفاطمة عليهماالسلام ..
إلى أن ذكر الطبري مجيئهم إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام وما قالوا له ، ثم قال : فصمت علي عليه السلام ، فقال عقيل مجيباً : وأنتم واللّه لأشدّ الناس حسداً وأقدم عداوة لرسول اللّه صلى الله عليه و آله وأهل بيته عليهم السلام ، ضربتموها(1)بالأمس ، وخرجت من الدنيا وظهرها يدمي ، وهي غير راضية عنكما ...
فاجتمعت نساء بني هاشم في المسجد وصرخن وقلن : أردتم قتل رسول اللّه صلى الله عليه و آله فلم تقدروا عليه ، فقتلتم ابنته بالأمس ، وتريدون قتل أخيه ؟ واغوثاه باللّه وبرسوله ! ما من منكِر فينكر ؟! ما من مسلم يقوم فيتكلّم بالحقّ بما صنع بوصيّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله وخليفته من بعده ؟! .. فلم ينبس أحد ببنت شفة إلاّ نفر يسير جدّاً .. .(2)
[ 240 ]وقال : قال عمر لفاطمة عليهاالسلام : يا فاطمة ! ما هذا المجموع الذي يجتمع بين يديك ؟ ! لئن انتهيت عن هذا وإلاّ لأحرقنّ البيت ومن فيه ! ..(3)
[ 241 ]وقال - أيضاً - ما ترجمته - : الثامن : وأخذ علياً ملبّباً وأجبره على بيعة الخليفة ..
التاسع : ولمّا مانعته فاطمة عليهاالسلام دفع الباب على بطنها وقتل ولدها بإسقاطه وأحرق باب دارها ، وأمر خالد بن الوليد بضربها عليهاالسلام ، فضربها بغمد السيف على عضدها .. فاسودّ وبقي أثره إلى حين وفاتها .
العاشر : إنه مزّق كتاب فاطمة عليهاالسلام في أمر فدك .(1)
[ 242 ]وقال - ما ترجمته - : أولادها خمسة : الحسن والحسين عليهماالسلام وزينب الصغرى وزينب الكبرى - التي يقال لها أُم كلثوم - والمحسن الذي أُسقط لمّا دفع عمر الباب على بطنها ، و سبب ذلك ذهاب عمر مع جماعة ليأخذوا من أمير المؤمنين عليه السلام البيعة لأبي بكر ، وكانت فاطمة عليهاالسلام تمانعهم ، وأغلقت باب دارها ووقفت خلف الباب لعلّهم يراعون حرمتها .. عفى اللّه عن اليهود إذ اختصموا في بنت إمامهم عمران لحضانتها وتربيتها ، وأُمة محمّد صلى الله عليه و آله اختصموا لقتلها !! .. فهناك قالوا : « يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ .. »(2)ولكنّهم هنا : يلقون(3)أيّهم يقتل فاطمة وعلياً والحسن والحسين عليهم السلام !! ..(4)
وتقدّمت له الروايتان المرقّمتان ب- : [ 10 ] و[ 95 ] .
تقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 173 ] .
تقدمت له الرواية المرقمة ب- : [ 173 ] .
[ 243 ]نقل عن الزبيري - من أعلام القرن الثالث - في ما احتجّ به على البشر المريسي أنه قال : .. فكيف يكون إجماع لا يحضره أحد من أهل بيت
رسول اللّه صلى الله عليه و آلهوكذلك الزبير ... أم هل اتفق الناس على أن علياً بايعه ؟ فإنهم قالوا : بايعه بعد ستة أشهر ، بعد ما خاف على نفسه وعلى الخمسة الذي حلّقوا رؤوسهم ، وقال بعضهم : بايعه بعد موت فاطمة عليهاالسلام ، وقال بعضهم : أُتي به والحبل في عنقه فقالوا : بايع وإلاّ ضرب عنقك ! .. وكشطوا(1)في ذلك بيت فاطمة عليهاالسلام وتناولها عمر بسوطه ...(2)ومنه طرحت الجنين من بطنها ، وفي ذلك أوصت علياً وابنيها الحسن والحسين عليهم السلام أن يدفنوها بالليل، ولايعلمها أحد منهم ، ولايصلّ عليها أبو بكر ولا عمر.
وكل هذا أنت تعرفه وترويه ، إنها ...(3)حتى أحرق أبو بكر بابها، وظلمها فدكاً.(4)
[ 244 ]وروى : أنه عليه السلام ما خرج من بيته حتى أحرق بابه ، وجرّ إلى البيعة كرهاً . وروي أن عمر قال لعليّ عليه السلام : بايع ، قال : « فإن لم »(5)قال: ضربنا عنقك !(6)
[ 245 ]وقال : وذكر صاحب كتاب الدولتين : إن عمر أخذ ناراً وراح إلى بيت فاطمة عليهاالسلام فخرجت فاطمة عليهاالسلام ، فقال : قولي لعلي عليه السلام والعباس أن يخرجا وإلاّ أُحرق البيت ! ..(7)
وتقدّمت له الروايتان المرقّمتان ب- : [ 230 ] و[ 231 ] .
[ 246 ]قال : وبعث إلى بيت أمير المؤمنين عليه السلام - لمّا امتنع من البيعة - فأضرم فيه النار ، وفيه فاطمة وجماعة من بني هاشم ، وأخرجوا عليا عليه السلام كرهاً ، وكان معه الزبيرفي البيت فكسروا سيفه ، وأخرجوا مِن الدار مَن أخرجوا ، وضُربت فاطمة عليهاالسلام فألقت
1) . قال الجوهري : كَشَطْتُ الجلَّ عن ظَهر الفرس ، والغطاءَ عن الشيء ، إذا كشفته عنه . انظر الصحاح : 3/1155 .
2) . بياض في الأصل .
3) . هنا كلمة لم أقدر على قراءتها لرداءة النسخة ويحتمل أن يكون : ظُلِمتْ .
4) . قواعد عقائد آل محمّد عليهم السلام : 239 .
5) . كذا ، والظاهر : فإن لم أفعل .
6) . قواعد عقائد آل محمّد عليهم السلام : 270 .
7) . قواعد عقائد آل محمّد عليهم السلام : 270 ، هامش شفاء صدور الناس للشرفي الأُهنومي 479 .
جنيناً اسمه : محسن ... ولمّا حضرته الوفاة [ يعني أبا بكر ] قال : ليتني تركت بيت فاطمة لم أكشفه ! ..(1)
[ 247 ]وقال - بعد نقل بعض فضائل السيدة فاطمة عليهاالسلام ومناقبها عن كتب العامّة - : فانظر أيها العاقل ! كيف يروي الجمهور هذه الروايات ويظلمونها ، ويأخذون حقّها ، ويكسرون ضلعها ، ويجهضون ولدها من بطنها .(2)
وتقدّمت له الروايات المرقّمة ب- : [ 10 ] ، [ 16 ] ، [ 33 ] .
171 - الشيخ علي الخليعي(3)( المتوفى 750 ه . )
[ 248 ]قال :
وهل لبنت نبي أُضرمت شعل *** كما أُطيف به بيتي ليحرقني(4)
[ 249 ]روى عن الجابر : .. قال الأشجع لمولانا الحسين عليه السلام : لأن والدك لم يدخل في بيعة أبي بكر إلاّ كرها .. وبايعناه طائعين .(5)
وتقدّمت له الروايات المرقّمة ب- : [ 10 ] ، [ 56 ] ، [ 90 ] ، [ 133 ] ، [ 134 ].
[ 250 ]قال - ما ترجمته - : روى الشيخ أبو عبد اللّه الصفواني(6)عن
1) . شرح التجريد : 376 - 377 . 2 . نهج الحقّ : 254 .
3) . هو أبو الحسن جمال الدين علي بن عبد العزيز بن أبي محمّد الخلعي الخليعي الموصلي الحلّي من شعراء أهل البيت عليهم السلام ومن غرائب شأنه أنّه وُلد من أبوين ناصبيين ، راجع : الغدير : 6/9 - 19 .
4) . المنتخب للطريحي : 1/160 .
5) . إرشاد القلوب : 2/384 ، بحار الأنوار : 29/48 .
6) . هو محمد بن أحمد بن عبد اللّه بن قضاعة من أعلام القرن الرابع له كتب عديدة ، راجع : ترجمته في الفهرست للشيخ طوسي وغيره .
القاسم بن العلا ، عن محمّد بن عبد اللّه الطايفي ، عن محمّد [ بن ] أبي عمير ، عن أبان بن عثمان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أنه قال : لمّا قبض رسول اللّه صلى الله عليه و آله وبايع الناس أبا بكر .. جاء عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وسالم مولى أبي حذيفة والمغيرة بن شعبة إلى بيت فاطمة عليهاالسلام ، فقال عمر : اخرج يا أبا الحسن ! وبايع [ أبا بكر ] . فقال أمير المؤمنين عليه السلام : أنا مشغول بمصيبة رسول اللّه صلى الله عليه و آله وبتمريض
فاطمة عليهاالسلام وبجمع القرآن ..
.. ثم ذكر أن عمر أعاد كلامه ثانياً ، وكرّر أمير المؤمنين عليه السلام الجواب .. فاقتحم هو وأعوانه البيت ولم يلتفتوا إلى منع فاطمة عليهاالسلام وقولها : إن اللّه تعالى حرّم عليك دخول داري وإنّي حاسرة .
فصاحت فاطمة عليهاالسلام وأسرعت إلى تغطية رأسها ، فأخرجوا علياً عليه السلام ملبّباً ، فهرولت فاطمة عليهاالسلام خلفه حافية وهي تصيح .. فأراد خالد أن يردّها إلى البيت فلم يقدر ، وقالت : .. لا أرجع إلاّ أن يرجع معي ابن أبى طالب عليه السلام .(1)
ورواه عليّ بن داود الخادم الأسترآبادي(2)(القرن الحادي عشر)
وتقدّمت للسبزواري الروايتان المرقّمتان ب- : [ 95 ] و[ 187 ] .
[ 251 ]عن أمير المؤمنين عليه السلام (في الدعاء على الظالمين) : « .. فقد أخربا بيت النبوّة ، وردما بابه ، ونقضا سقفه ، وألحقا سماءه بأرضه ، وعاليه بسافله ، وظاهره بباطنه ، واستأصلا أهله ، وأبادا أنصاره ، وقتلا أطفاله ، وأخليا منبره من وصيّه .. »
« ودم أراقوه .. وضلع كسروه .. وصكّ مزّقوة ، وشمل بدّدوه ، وذليل أعزّوه ، وعزيز أذلّوه ، وحقّ منعوه ، وإمام خالفوه .. »(3)
ورواه مع بعض الزيادات الشيخ الكفعمي(1)(المتوفى 905) في المصباح ، وفيها : « . . وجنين أسقطوه .. وضلع دقّوه . . » .
وتقدّمت للشيخ الحلّي الروايتان المرقّمتان ب- : [ 56 ] و[ 135 ] .
[ 252 ]روى ضمن رواية تقدّم ذكرها(2)عن النبي صلى الله عليه و آله : فقال : « ألا أُخبرك بما يجري عليهم بعدك ؟ » فقلت : « بلى يا أخي يا جبرئيل ! » .
فقال : « أما ابنتك فهي أوّل أهلك لحاقاً بك ، بعد أن تظلم ويؤخذ حقّها ، وتمنع إرثها ، ويظلم بعلها ، ويكسر ضلعها .. »
رواه عنه الشيخ محمّد بن علي الجبعي ، وعنه العلاّمة المجلسي .(3)
[ 253 ]قال : فلمّا كان اليوم الثاني من خلافة أبي بكر بن أبي قحافة ، وتخلّف علي بن أبي طالب عليه السلام عن بيعة أبي بكر والصلاة خلفه ، كثر القال والقيل وجاءت الردّة ، وفشا في الناس : إنّ علياً جلس في بيته .. وهو منار الهدى .
فقال أبو بكر لعمر بن الخطّاب : قم بنا نبعث إليه ونتلطّف به حتّى نخرجه .
فبعث قنفذ إلى باب عليّ عليه السلام ، فقالت فاطمة والحسن والحسين : « من هذا ؟ » فقال : أنا قنفذ رسول أبي بكر بن أبي قحافة خليفة رسول اللّه ، قولي لعليّ : يدعوك
خليفة رسول اللّه ! ..
قال علي عليه السلام : « قولي : ما أسرع ما ادّعيت ما لم تكن بالأمس ! حين خاطبت الأنصار في ظلّة بني ساعدة، ودعوت صاحبيك عمر وأبا عبيدة » .
فقالت فاطمة عليهاالسلام ذلك .
فرجع قنفذ ، فقال عمر : ارجع إليه فقل : خليفة المسلمين يدعوك .
فردّ قنفذ إلى علي فأدّى الرسالة ، فقال علي عليه السلام : « من استخلف مستخلَفاً فهو دون من استخلفه . وليس للمستخلَف أن يتأمّر على المستخلف .. » فلم يسمع له ولم يطع .
فانصرف قنفذ وقام عمر ومعه خالد بن الوليد وعبد الرّحمن بن عوف في جماعة من الصحابة ، ثم قال لقنفذ : ألحقني بالنار والحطب ! .. ففعل ، وصاروا بأجمعهم إلى باب علي بن أبي طالب عليه السلام ، فقرع الباب قرعاً شديداً ، وصاح عمر : إن لم تخرج يابن أبي طالب وتدخل مع الناس لأحرقنّ البيت بمن فيه ! ..
فقامت فاطمة خلف الباب ، فضغطها خالد بن الوليد فصاحت ، فضربها قنفذ على ذراعها ، وهجموا البيت على علي بن أبي طالب وأخرجوه ، وقالوا : بايع .. فلمّا انتهوا إلى قبر رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، سمعوا صوتاً لا يشكّون أنه صوت رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول : « يا هذا ! « أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ »(1)» .
فلمّا أتى علي عليه السلام إلى القبر ، قال : « ي- « ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي .. »(2)» .
وقال : .. لقد انفتح ذلك الخلاف وانتشرت تلك الأحقاد حتّى أرادوا حرق بيت علي عليه السلام ومن فيه ، وجرّوه إلى المسجد جرّاً .(3)
[ 254 ]قال :
وأجمعوا الأمر في ما بينهم وغوت *** لهم أمانيهم والجهل والأمل
أن يحرقوا منزل الزهراء فاطمة *** فيا له حادث مستصعب جلل
بيت به خمسة جبريل سادسهم *** من غير ما سبب بالنار يشتعل
وأخرج المرتضى عن عقر منزله *** بين الأراذل محتفّ بهم وكل
يا للرجال الدين قلّ ناصره *** ودولة ملكت أملاكها السفل(1)
[ 255 ]قال : إن فاطمة عليهاالسلام لم تثنّ لها الوسادة بعد وفاة أبيها صلى الله عليه و آله ، بل كانت أيام حياتها بعده سبعين يوماً وليلة ، ورواه السيد أبو العباس الحسيني في كتاب المصابيح ، وهي هذه الأيام اليسيرة متجرّعة مرهقة بالنوائب ، اجتمع عليها في هذه الأيام حزن أبيها - صلوات اللّه عليه وآله وسلّم - ونزع فدك من يدها ، وإنكارهم لها
حقّ الوراثة والنحلة ، وهجومهم دارها والتوعيد بتحريقه ، وإخراجهم لعلي عليه السلام مجروراً من دار رسول اللّه صلى الله عليه و آله وردّهم لشهادته وشهودها .. إلى غير ذلك .(2)
[ 256 ]قال في شرح قول العلاّمة الحلي : والأدلة في ذلك [ أي إمامة أمير المؤمنين عليه السلام] لا تحصى كثرةً ؛ قال - بعد ذكر جملة منها - :
الخامس : إنه ادّعى الإمامة وظهر المعجزة على يده ، وكل من كان كذلك فهو صادق في دعواه .
أمّا إنه ادّعى الإمامة ، فظاهر في كتب السير والتواريخ حكاية أقواله وشكايته ومخاصمته ، حتى أنه لمّا رأى تخاذلهم عنه قعد في بيته واشتغل بجمع كتاب ربّه ، وطلبوه للبيعة فامتنع .. فأضرموا في بيته النار ، وأخرجوه قهراً .(3)
[ 257 ]وقال : إن علياً عليه السلام وجماعة لمّا امتنعوا عن البيعة ، والتجأوا إلى بيت فاطمه عليهاالسلام منكرين بيعته ، بعث إليها عمر حتى ضربها على بطنها ، وأسقطت سقطاً اسمه : محسن ، وأضرم النار ليحرق عليهم البيت - وفيه فاطمة عليهاالسلام وجماعة من بني هاشم - فأخرجوا علياً عليه السلام قهراً بحمائل سيفه يقاد ..(1)
[ 258 ]قال في كشف اللئالي : لمّا أُوقف [ عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين ] عليه السلامتكلّم فقال : « أيتها الغدرة الفجرة ! ... أوَ تضرب الزهراء نهراً ،(2)ويؤخذ منّا حقّنا قهراً وجبراً ، فلا نصير، ولا مجير، ولا مسعد، ولا منجد.
فليت ابن أبي طالب مات قبل يومه فلا يرى الكفرة الفجرة قد ازدحموا على ظلم الطاهرة البرّة .. فتبّاً تبّاً .. وسحقاً سحقاً ! ذلك أمر إلى اللّه مرجعه ، وإلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله مدفعه ، فقد عزّ على ابن أبي طالب أن يسودّ متن فاطمة ضرباً ، وقد عُرف مقامُه وشوهدت أيامه .. فلا يثور إلى عقيلته ، ولا يصرّ دون حليلته .. فالصبر أيمن وأجمل ، والرضا بما رضي اللّه به أفضل ، لكيلا يزول الحقّ عن وقره ، ويظهر الباطل من وكره ..
حتّى ألقى ربّي فأشكو إليه ما ارتكبتم من غصبكم حقّي ، وتماطلكم صدري ، وهو خير الحاكمين .. » .(3)
تقدّمت له الروايتان المرقّمتان ب- : [ 10 ] و[ 12 ] .
1) . اللوامع الالهية : 301 - 302 .
2) . ويحتمل أن يكون في الأصل : نهزاً بالزاي المعجمة .
3) . الصوارم الحاسمة للمحدث الآغا فتح اللّه الكمالي الأسترآبادي ، حكاه عنه السيد الميرجهاني في كتاب الجنّة العاصمة : 252 ؛ وكذا في مصباح البلاغة : 1/285 ؛ وانظر : الشمس الضحى للسيد مرتضى المرعشي : 154 عن نسخة خطية .
[ 259 ]قال [ بعد ذكر رواية تدل على ولادة المحسن عليه السلام في زمن الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله وأنه سمّاه بذلك ] : وفي هذه الرواية دليل على أن محسناً ولد على عهد النبي صلى الله عليه و آله ، والأشهر الذي عليه الإجماع أن النبي صلى الله عليه و آله سمّاه وهو في بطن أُمه ، وأنها
أسقطته حين راعها عمر بن الخطّاب ودفع على بطنها الباب .(1)
[ 260 ]قال : منها أنّه طلب هو وعمر إحراق بيت أمير المؤمنين عليه السلام لمّا امتنع هو وجماعة من البيعة .. .(2)
[ 261 ]وقال : .. وأين زهد عمر مع كشفه بيت فاطمة وضربها ؟ مع ما فيه من الفظاظة والغلظة .(3)
[ 262 ]وقال : وهذا عمر .. همّ بإحراق بيت فاطمة عليهاالسلام .. .(4)
[ 263 ]وقال : واشتهر في الشيعة أنّه حَصَرَ فاطمة في الباب حتى أسقطت محسناً .. ورواه البلاذري .(5)
وتقدّمت له الروايات المرقّمة ب- : [ 6 ] ، [ 10 ] ، [ 98 ] ، [ 101 ] ، [ 102 ] ، [ 103 ] ، [ 104 ] ، [ 109 ] ، [ 183 ] ، [ 210 ] .
[ 264 ]قال - ما ترجمته - : إن أبا بكر وعمر وعثمان - الذين عدّهم
المخالفون أئمة لهم - هم الذين آذوا فاطمة عليهاالسلام ، وجاؤوا بالحطب إلى باب دارها ليحرقوا بيتها ، وغصبوها فدكاً ظلماً وقد أعطاها النبي صلى الله عليه و آله بأمر من اللّه سبحانه وتعالى .(1)
وقال - في عداد من قتل من أولاد المعصومين عليهم السلام في الطفولية - : الأول محسن ... استشهد في بطن أمه فاطمة عليهاالسلام بسبب ضربة عمر .(2)
[ 265 ]قال : ما رواه الشيعة وكثير من أهل السنة : إنه عليه السلام لم يبايع حتى صار عمر بيته(3)بقبس من نار ليحرق عليه وعلى فاطمة وعلى ولديها الحسن والحسين عليهم السلام البيت ، فخرج مكرهاً وبايع .(4)
[ 266 ]روى عن أحمد بن حنبل ، عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « النظر إلى وجهك يا علي ! عبادة ، أنت سيد في الدنيا وسيد في الآخرة ، فمن أحبّك فقد أحبّني ، وحبيبي حبيب اللّه وعدوّك عدوّي وعدوّي عدوّ اللّه .. الويل لمن أبغضك .. » .(5)
ثم قال : .. فما ظنّكم في من أزاله عن مقامه ، وتولّى على ملك ابن عمّه ، وضرب زوجته بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله سيدة نساء العالمين ، وهمّ بإحراق بيتها ، ومنعها إرثها من أبيها ..(6)
[ 267 ]قال :
والطهر فاطمة زوى ميراثها *** شرّ الأنام ودمعها مسكوب
من بعد ما رمت الجنين بضربة *** فقضت [ بذاك ] وحقّها مغصوب(1)
[ 268 ]قال :
وقادوا علياً في حمائل سيفه *** وعمار دقّوا ضلعه وتهجّموا
على بيت بنت المصطفى ، وإمامهم *** ينادي : ألا في بيتها النار أضرموا
وتغصب ميراث النبي محمد *** وتوجع ضرباً بالسياط وتلطم(2)
تقدّمت له الروايات المرقّمة ب- : [ 151 ] ، [ 158 ] ، [ 177 ] ، [ 226 ] ، [ 251 ] .
[ 269 ]قال : .. أما الخليفة الثاني ... قام وقعد في توطئة الأمر لأبي بكر حتى توعّد الناس ممّن تأخّر عن بيعته بالضرب والقتل ، وأراد حرق بيت فاطمة عليهاالسلام لمّا امتنع علي عليه السلام وبعض بني هاشم من البيعة ، وضغطها بالباب حتى أجهضت جنينها ، وضربها قنفذ بالسوط عن أمره حتى أنّها ماتت وألم السياط في جسمها .. .(3)
[ 270 ]وقال : فخر(1)علي عليه السلام ملبّباً للمبايعة ، وتوعّد جماعة بني هاشم
بالشرّ ، وأُحرق بيت فاطمة عليهاالسلام ودُخل بغير إذنها ، بل هجموا عليه كما يهجم على بيوت أهل الكفر ، ولم يراع حرمة آل الرسول صلى الله عليه و آله ، وضربت ابنة الرسول صلى الله عليه و آله - العزيزة عليه ، المكرّمة لديه - بالسوط حتى أثّر السوط في جسمها الشريف ، وضغطت بالباب حتى أجهظت جنيناً في بطنها كان سمّاه رسول اللّه صلى الله عليه و آله : محسناً ، وكل ذلك وقع لأجل تلك البيعة .. .(2)
[ 271 ]وقال : ومزّق كتاب فاطمة عليهاالسلام - وقد كتب لها أبو بكر بردّ فدك والعوالي - وضربها قنفذ بالسوط بأمره ، وضغطها هو بالباب حتى أجهضت جنينها .. كل ذلك رواه الثقاة في سيرهم ، حتى أنّ أهل السنة حاولوا الأعذار عنها بالجوابات اعترافاً بصحّة وقوعها .(3)
[ 272 ]وقال : روي أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله زار فاطمة عليهاالسلام يوماً ، فصنعت له عصيدة من تمر ، فقدّمتها بين يديه ، فأكل هو وعلي وفاطمة والحسنان عليهم السلام ، فلمّا فرغوا من الأكل سجد النبي صلى الله عليه و آله فأطال السجود ، ثم بكى في سجوده ، ثم ضحك ، ثم جلس .. فقال أمير المؤمنين عليه السلام : « يا رسول اللّه ! لم سجدت ، وبكيت ، وضحكت »؟ فقال صلى الله عليه و آله : « لمّا رأيتكم مجتمعين سررت بذلك ، فسجدت للّه شكراً ، فهبط جبرئيل وأنا ساجد فقال : إنّك سررت باجتماع أهلك ؟ فقلت : نعم ، فقال : إنّي مخبرك بما يجري عليهم : إنّ فاطمة تغصب وتظلم حقّها ، وهي أوّل من يلحقك ، وأمير المؤمنين يظلم حقّه ويضطهد ، ويقتل ولدك الحسن بالسمّ بعد أن يؤخذ حقّه ، وولدك الحسين يظلم ويقتل ولا يدفنه إلاّ الغرباء .. فبكيت » .(4)
[ 273 ]قال :إنه قد روى نقلة الأخبار ومدوّنو التواريخ - ومن تصفّح كتب السير علم صحّة ذلك - : إنّ عمر لمّا بايع صاحبه وتخلّف علي عليه السلام عن البيعة ، جاء إلى بيت فاطمة عليهاالسلام لطلب علي عليه السلام إلى البيعة ، وتكلّم بكلمات غليظة ، وأمر بالحطب ليحرق البيت على من فيه ، وقد كان فيه أمير المؤمنين عليه السلام وزوجته وأبناؤه ومن انحاز إليهم : الزبير وجماعته من بني هاشم .. .(1)
[ 274 ]وقال : .. فإنه من حين ولّى أبو بكر احتفّ به جماعة من قريش
وذؤبان العرب ، أصحاب الحقد والحسد على أمير المؤمنين عليه السلام ، تبيّن أنهم يدالون عن أهل البيت عليهم السلام بمنع الإرث والنحلة والخمس والطلب إلى البيعة بالإهانة والتهديد
بتحريق البيت وجمع الحطب عند الباب وإسقاط فاطمة محسناً .. .(2)
وتقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 10 ] .
[ 275 ]قال : وأيضاً بعث إلى بيت أمير المؤمنين عليه السلام لمّا امتنع عن البيعة فأضرم فيه النار وفيه سيدة نساء العالمين .(3)
[ 276 ]قال في تعليقته على شرح القوشجي للتجريد - بعد الإشارة إلى كلام المحقّق الطوسي - : وقد زيد في بعض الكتب أنه أخرجوا أمير المؤمنين عليه السلام
وضربوا فاطمة عليهاالسلام حتى أسقطت جنيناً اسمه : محسن ، وكان الإضرام متحقّقاً ، ولهذا ما
صرّح [ القوشچي ]في الجواب عنه بالمنع .. إلى أن قال : وأنت إذا أنصفت تعلم أنه كان واقعاً على ما نقل في كتب العامّة والخاصّة .(1)
[ 277 ]وقال - ما ترجمته - : أرسل أبو بكر إلى أمير المؤمنين عليه السلام أن يخرج من بيته ويبايعه .. و ذلك بعد أن بايعه الناس ، إلاّ جمع من بني هاشم مع أمير المؤمنين عليه السلام وأصحابه ، فإنه أبى أن يبايعه ، فأضرموا النار بباب داره - وكان فيها أمير المؤمنين وفاطمة عليهماالسلام وجماعة من بني هاشم - وكانت فاطمة عليهاالسلام خلف الباب فدفعوا الباب على بطنها فأسقطت الولد المسمى ب- : المحسن عليه السلام من بطنها .
وأكثر هذه القضايا ظاهرة بحيث لا تقبل الإنكار لوجودها في كتب العامّة ، ولهذا نقلها الملا علي [ أي القوشچي ] ولم يردّ عليها شيئاً .(2)
[ 278 ]وقال - أيضاً ما ترجمته - : ممّا ذكر في كتب الفريقين - الشيعة
والعامة - واشتهر على الألسنة والأفواه : أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا رأى من الناس [ العدول عن الحق ] مثل ما صنعه قوم موسى - على نبيّنا وآله وعليه السلام - ... صمت واعتزل الناس ... ولزم عقر داره ... إلى أن اشتعلت نار نفاق أصحاب الشيطنة بعد أن مهّدوا لها وتشاوروا فيها ، وقطعوا أمرهم بينهم وعزموا على الذهاب إلى بيته لمطالبته بالبيعة لخليفتهم ..
فذهب عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وقنفذ - الذي كان من أقرباء الخليفة الأوّل [ كذا ] - وجمع آخر من المنافقين شاهرين سيوفهم ، ومعهم عبد لهم حمل الحطب على عاتقه والنار بيده . وقالوا في ما بينهم : لو تلكّأ وامتنع من المجيء نحرق البيت ومن فيه .. فلمّا وصلوا إلى البيت .. رفعوا أصواتهم .. وناداه كل واحد منهم بلسان وخاطبه بخطاب ، منها قولة عمر : افتحوا الباب وإلاّ أحرقناه عليكم ! ..
وكانت السيّدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام محزونة مغمومة باكية في فراق أبيها .. فلمّا رأت سوء فعالهم وقلّة حيائهم نادت : « يا أبتاه ! يا رسول اللّه ! واغوثاه ! وامصيبتاه ! .. »
ومع أن صوتها الحزين أثّر في ملائكة السماء ولكنّه لم يؤثّر في تلك القلوب القاسية .. ولم يؤَثِّر جزعها - سلام اللّه عليها - ..
وحيث عرف عمر أنها تمنعهم من فتح الباب ودخول الدار ، فلذا عصرها بين البابين عصراً شديداً فأنّتْ أنيناً جزعت لها حملة العرش ، ثم غشي عليها وأسقطت جنينها .
ولا ينافي ما ذكرناه رواية إحراق الباب ، إذ ورد في بعض الروايات : أن الباب قد احترق بعضها ، وبقي منه شيئاً ركله عمر برجله وفتح الباب المحروق فكسره بعد أن ضربت الباب بطن السيّدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام ، فسقطت على الأرض مغشية عليها وقد أسقطت جنينها .
فلمّا دخل عمر تزايد حقده الدخين وعداوته على أهل البيت عليهم السلام مما سهل عليه جنايته ، ولذا أشار إلى قنفذ اللعين المؤتمر بأمره ، فضرب بالسياط على كتفها .. فتورّم وبقي أثره ، وكان مجروحاً إلى حين وفاتها .
ورأى خالد بن الوليد ما صنعه مولاه وسيّده عمر وجسارته وسوء أدبه ، فضرب السيّدة المعصومة الطاهرة بغلاف السيف طلباً لمرضات صاحبه .
بل أسند بعض الثقاة إسقاط الحمل إلى ما صنعه خالد ! ..
وكيف كان ماجناه خالد وقنفذ إنّما كان بسبب عمر وما جناه وصنعه .(1)
وقال - أيضاً ما ترجمته - : ومن مطاعنه [ أي عمر ] الذي يساوق جميع مطاعنه : أنه لمّا أمر بإتيان النار لإحراق بيت فاطمة عليهاالسلام علم أنّ فاطمة - سلام اللّه عليها - خلف الباب أمر بضربها ، ودفع الباب على بطنها ، وضرب غلامه بالسياط على كتفها فأسقطت ولدها ، وبقي عليها أثر الضرب ، ومرضت من ذلك ثم مات بسببه .. وهذا كلّه كان بأمر من عمر .(2)
تقدّمت له الروايات المرقّمة ب- : [ 124 ] ، [ 145 ] ، [ 146 ] .
[ 279 ]قال - ما ترجمته - : .. فأرسل أبو بكر عمر بن الخطاب والمغيرة
وخالد بن الوليد مع جماعة إلى بيت علي عليه السلام ، وقال : .. خذو لي البيعة من علي وإلاّ فاحضروه عندي .
فذهبوا إلى باب الوحي وأدّوا مهمّتهم ، فقال علي عليه السلام : « أنا مشغول عنكم بمصيبة النبي صلى الله عليه و آله ، واعتزلت في ناحية ولا شغل لي بأحد .. ، لا أُبايع أبا بكر ولا أخرج من بيتي » .
فاقتحم عمر وجماعة منهم الدار ولم يستأذنوا فاطمة وعليا عليهماالسلام وأخرجوا علياً عليه السلامكرهاً وبشدّة ، فخرجت فاطمة عليهاالسلام ... والحسن والحسين عليهماالسلام يعدوان خلفها ، وكلّما جهد خالد بن الوليد أن يردّها لم يقدر على ذلك ، فلم ترجع فاطمة عليهاالسلام ودَعَتْ على خالد وشكت إلى اللّه من عمر .(1)
وتقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 10 ] .
[ 280 ]قال - ما ترجمته - : .. ولم يستح أُولئك القوم ولم يكتفوا بذلك ، بل طلبوا البيعة من أمير المؤمنين عليه السلام ، فاحتجّ عليهم في أمر الخلافة ونازعهم وشاجرهم ، ثم خرج من المجلس ، فلمّا رأوا امتناعه عليه السلام من البيعة أحرقوا باب داره ، وضرب عمر بن الخطاب بغلاف السيف على جنب سيدة نساء العالمين عليهاالسلام ، وكانت عليهاالسلام حاملة
1) . آثار احمدي : 393 فارسي .
بولد كان قد سمّاه رسول اللّه صلى الله عليه و آله : محسناً ، فاستشهد المحسن مسقطاً .(1)
197 - مؤلّف كتاب التهاب نيران الأحزان(2)
[ 281 ]قال : إنّ عمر جمع جماعة من الطلقاء والمنافقين وأتى بهم إلى منزل أمير المؤمنين عليه السلام ، فوافوا بابه مغلق ،(3)فصاحوا به : اخرج يا علي ! .. فإنّ خليفة رسول اللّه يدعوك .. فلم يفتح لهم الباب .
فأتوا بحطب فوضعوه على الباب ، وجاؤوا بالنار ليضرموه فصاح عمر ، وقال : واللّه لئن لم تفتحوا لنضرمنّه بالنار .
فلمّا عرفت فاطمة عليهاالسلام أنّهم يحرقون منزلها قامت وفتحت الباب .
فدفعها القوم قبل أن تتوارى عنهم ، فاختبت(4)فاطمة عليهاالسلام وراء الباب(5)والحائط.
ثمّ إنّهم تواثبوا على أمير المؤمنين عليه السلام وهو جالس على فراشه ، واجتمعوا عليه حتّى أخرجوه سحباً من داره ملبّياً(6)بثوبه يجرّونه إلى المسجد ، فحالت فاطمة بينهم وبين بعلها ، وقالت :
« واللّه لا أدعكم تجرّون ابن عمّي ظلماً .. ويلكم ! ما أسرع ما خنتم اللّه ورسوله فينا أهل البيت ! وقد أوصاكم رسول اللّه صلى الله عليه و آله باتّباعنا ومودّتنا والتمسّك بنا » .(7)
قال : فتركه أكثر القوم لأجلها .
1) . أنس المؤمنين : 52 فارسي .
2) . لم نعرف المؤلّف ، ولكنّه كان من أعلام القرن 7 إلى 10 ، راجع : الذريعة : 2/288 .
3) . كذا ، والظاهر : مغلقاً .
4) . خ . ل : فاختفت .
5) . خ . ل : غضّها بالباب والحائط ، فدفعها عمر ضغطها بين الباب .
6) . كذا ، والظاهر : ملبّباً .
7) . خ . ل : فقال اللّه تعالى : « قل لا أسئَلُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاّ الْمَوَدَّةَ في الْقُرْبى » . [ الشورى 42 : 23 ] .
فأمر عمر قنفذ بن عمران(1)يضربها بسوطه ، فضربها قنفذ بالسوط على ظهرها وجنبيها إلى أن أنهكها وأثّر في جسمها الشريف ، وكان ذلك الضرب أقوى ضرر في إسقاط جنينها - وقد كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله سمّاه : محسناً - .. وجعلوا يقودون أمير المؤمنين عليه السلام(2)حتّى أوقفوه بين يدي أبي بكر .
فلحقته فاطمة عليهاالسلام إلى المسجد لتخلّصه ، فلم تتمكنّ من ذلك ، فعدلت إلى قبر أبيها فأشارت إليه بحزنة ونحيب وهي تقول :
« نفسي على زفراتها محبوسة *** يا ليتها خرجت مع الزفرات
لا خير بعدك في الحياة وإنّما *** أبكي مخافة أن تطول حياتي »
ثمّ قالت : « وا أسفاه عليك ! يا أبتاه ! وأُثكل حبيبك أبو الحسن المؤتمن ، وأبو سبطيك الحسن والحسين ، ومن ربّيته صغيراً ، وواخيتَه كبيراً ، وأجلّ أحبّائك لديك ، وأحبّ أصحابك عليك ، أوّلهم سبقاً إلى الإسلام ومهاجرة إليك .. يا خير الأنام ! فها هو يساق في الأسر كما يقاد البعير . . » .
ثمّ إنّها أنّتْ أنّة وقالت : « وامحمّداه ! واحبيباه ! وا أباه ! وا أبا القاسماه ! وا أحمداه ! وا قلّة ناصراه ! وا غوثاه ! وا طول كربتاه ! وا حزناه ! وا مصيبتاه ! وا سوء صباحاه ! »
.. وخرّت مغشية عليها ، فضجّ الناس بالبكاء والنحيب ، وصار المسجد مأتماً .. ثمّ إنّهم أوقفوا أمير المؤمنين عليه السلام بين يدي أبي بكر وقالوا له : مدّ يدك فبايع ! فقال : « واللّه لا أُبايع .. والبيعة لي في رقابكم » .
فروي عن عدي بن حاتم ، أنّه قال : واللّه ما رحمتُ أحداً قطّ رحمتي عليّ بن أبي طالب عليه السلام حين أُتي به ملبّياً(3)بثوبه يقودونه إلى أبي بكر ، وقالوا : بايع ، قال : « فإن لم أفعل ؟ » قالوا : نضرب الذي فيه عيناك .
قال : فرفع رأسه إلى السماء وقال : « اللّهمّ إنّي أُشهدك أنّهم أتوا أن يقتلوني .. فإنّي عبد اللّه وأخو رسول اللّه . » فقالوا له : مدّ يدك فبايع .
فأبى عليهم ، فمدّوا يده كرهاً ، فقبض على أنامله فراموا بأجمعها(1)فتحها فلم
يقدروا، فمسح عليها أبو بكر - وهو(2)مضمومة - وهو عليه السلام يقول وينظر إلى قبر رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « ي- « ابْنَ أُمّ إنَّ القومَ اسْتَضْعَفوني وَكادُوا يَقْتُلُونَني »(3)» .
قال الراوي : إنّ عليّاً عليه السلام خاطب أبا بكر بهذين البيتين :
« فإن كنتَ بالشورى ملكتَ أُمورهم *** فكيف بهذا والمشيرون غيّب
وإن كنت بالقربى حججتَ خصيمهم *** فغيرك أولى بالنبيّ وأقرب »
وكان عليه السلام كثيراً ما يقول :
« وا عجباه ! تكون الخلافة بالصحابة .. ولا تكون بالقرابة والصحابة ؟ » .(4)
الإعراض عنها أولى . وروى البيتين وكذا قوله عليه السلام : وا عجباه .. إلى آخره في نهج البلاغة : 167 ، وشرح نهج البلاغة : 18/416 .
وفي رواية أُخرى : فلمّا رأى أمير المؤمنين عليه السلام من الصحابة الخذلان والوهن دخل بيته بالكآبة والحزن بكبد حرّاء ، ومقلة عبراء .. يبكي بكاء الثكلى .. .(5)
ورواه المحدث الفيض الكاشاني(6)(المتوفى 1091)
وروى قطعة منها السيد تاج الدين العاملي(7)(القرن الحادي عشر)
ورواه الميرزا محمّد بن محمّد رضا القمي (القرن الثاني عشر) مختصراً .(8)
1) . كذا ، والظاهر : بأجمعهم .
2) . كذا ، والظاهر : وهي .
3) . الأعراف 7 : 150 .
4) . التهاب نيران الأحزان : 84 - 87 ؛ وصحّحنا المتن من كتاب علم اليقين ، وبينهما اختلافات كثيرة رأينا
5) . علم اليقين : 2/682 .
6) . علم اليقين : 2/686 - 688 ؛ نوادر الأخبار : 183 - 182 .
7) . التتمة في تواريخ الأئمة عليهم السلام : 52 ، وراجع صفحة : 43 .
8) . كاشف الغمّة : 48 .
[ 282 ]قال - ما ترجمته - : إن فاطمة عليهاالسلام كانت دائماً مهمومة محزونة باكية إلى أن فارقتها الحياة وذلك بسبب ما أوردوه عليها [ أي غصب فدك ] .. وكذا لأجل ذهاب عمر إلى دارها ، وضربه برجله على الباب فأصاب بطنها وأُسقط ولدها المحسن عليه السلام الذي سبق أن أخبر به رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، بل وأراد إحراق دارهم ومطالبتهم
علياً عليه السلام أن يبايع أبا بكر .. وغير ذلك مما وقع عليها من الظلم .. حتى أنّها كانت تشكو من جفاء المنافقين إلى آخر أيام حياتها ، سلام اللّه وصلاته عليها .(1)
[ 283 ]قال : إن سبب خفاء قبرها عليهاالسلام ما رواه المخالف والمؤالف من أنها عليهاالسلامأوصت إلى أمير المؤمنين عليه السلام أن يدفنها ليلاً لئلاّ يصلّي عليها من آذاها ومنعها ميراثها من أبيها صلى الله عليه و آله ..(2)
[ 284 ]قال : امتنع علي عليه السلام من البيعة ولزم بيته ... إلى أن وقع ما نقله أهل الأحاديث والأخبار واشتهر كالشمس في رابعة النهار .(3)
وقال - ما ترجمته - : .. إن هؤلاء أحرقوا بيت فاطمة عليهاالسلام ، وغصبوا حقّها ، فهل استطاع علي عليه السلام وأصحابه أن يمنعوهم من ذلك ، ويدافعوا عن أهل البيت عليهم السلام ؟!(4)
وتقدّمت له الرواية المرقّمة ب- : [ 153 ] .
[ 285 ]قال - ما ترجمته - : وقد ثبت عندنا وعند العامة : أن السيدة
فاطمة عليهاالسلامتأذّت بسبب أبي بكر ولم ترض عنه إلى أن ماتت . وأوصت أن لا يصلّي عليها .. وهذا موجود في أكثر كتبهم .
الرابع : إنه قصد إحراق بيت أمير المؤمنين علي عليه السلام ، وأحرق عمر باب داره بأمر أبي بكر . وفي البيت علي والحسن والحسين عليهم السلام وجماعة من بني هاشم ، أراد بذلك تخويفهم حتى يخرجهم لبيعة أبي بكر .(1)
[ 286 ]روى عن عبد اللّه بن يعقوب ، عن أبي الهيثم [ و ] ابن لهيعة : أن علياً عليه السلاملزم بيته وكره الخروج إليهم - ومعه المقداد وسلمان والزبير - فجاء عمر بن الخطاب بالحطب والنار لتحرق عليهم أو يخرجوا يبايعوا لأبي بكر .. فلمّا خافوا ذلك خرج علي عليه السلام ومن معه ، فذهبوا به إلى أبي بكر فبايعوا .(2)
وتقدّمت له الروايات المرقّمه ب- : [ 12 ] ، [ 115 ] ، [ 139 ] ، [ 140 ] ، [ 141 ] .
[ 287 ]قال :
ولاّه أحمدُ في الغدير ولاية *** أضحت مطوّقةً بها الأعناق
حتّى إذا أجرى إليها طرفَه *** حادوه عن سنن الطريق وعاقوا
ما كان أسرع ما تناسوا عهده *** ظلماً ، وحُلّت تلكم الأطواق
إلى أن قال :
فهناك يدعو : كيف كانت فيكمُ *** تلك العهود وذلك الميثاق
الآن حينَ نكثتمُ عهدي وذا *** ق أقاربي من ظلمكم ما ذاقوا
وأخي غدت تسعى له من نكثكم *** حيّاتُ غدر سُمّهنّ زُعَاق
وسننتمُ من ظلم أهلي سنّةً *** بكم اقتدى في فعلها الفسّاق
وبسعيكم رُمي الحسين وأهله *** بكتائبٍ غصّت بها الآفاق
وكذاك زيد أحرقته معاشرٌ *** ما إنْ لهم يوم الحساب خلاقُ
من ذلك الحطب الذي جمّعتُمُ *** يوم السقيفة ذلك الإحراق(1)
وقال في موضع آخر :
تجاروا على ظلم الوصيّ وربّما *** تجارى على الرحمن من لا يراقبه
ولم يُرجعوا ميراث بنت محمّد *** وقد يُرجع المغصوب من هو غاصبه
إلى أن قال :
أما لو دَرى يوم السقيفة ما جنى *** لشابت من الأمر الفظيع ذوائبه
إلى أن قال :
وكلّ مصاب نال آل محمّد *** فليس سوى يوم السقيفة جالبه(2)
[ 288 ]قال - عند ذكر أولادها ، ما ترجمته - : والمحسن الذي أُسقط لستة أشهر ... قاتلها [ أي قاتل فاطمة عليهاالسلام ] الخليفة الثاني ؛ إذ ضرب الباب على بطنها ... وضربها غلامه قنفذ بالسياط وكسر يدها ... حتى أنهم أرادوا يحرقوها مع من في بيتها .(3)
[ 289 ]وفي رواية : إنهم أحرقوا الباب ودخلوا الدار .. وكان عمر يقول : واللّه لأحرقنّ البيت عليكم أو تخرجون لبيعة أبي بكر .. ثم لمّا دخلوا الدار دفع الباب
بيده على فاطمة عليهاالسلام فأسقطت المحسن عليه السلام ، وضرب غلامه بالسياط على كتفها وبقي أثره إلى حين .(1)
وتقدّمت له الروايتان المرقّمتان ب- : [ 95 ] ، [ 250 ] .
[ 290 ]قال - عند ذكر سبب شهادتها عليهاالسلام - : فاطمة الزهراء عليهاالسلام .. القتل بضرب الباب .(2)
[ 291 ]قال : وشهادتها - صلوات اللّه عليها - كانت من ضربة عمر الباب على بطنها منذ إرادة [ كذا ] أمير المؤمنين لبيعة أبي بكر ، وضرب قنفذ - غلام عمر - السوط
عليها بإذنه .
.. والحكاية مشهورة عند العامّة والخاصّة ، ومفصّله في كتاب سليم .(3)
[ 292 ]قال : .. الشهيد من قتل من المسلمين في معركة القتال المأمور به شرعاً ، ثم اتسع فأُطلق على كل من قتل منهم ظلماً كفاطمة عليهاالسلام ؛ إذ قتلوها بضرب الباب على بطنها - وهي حامل - فسقط حملها فماتت لذلك .(4)
[ 293 ]قال - عند ذكر عمر - : .. وإضرامه النار في بيت عليّ ليحرقه وفيه فاطمة وجماعة من بني هاشم .(1)
وتقدمت له الرواية المرقمة ب- : [ 281 ] .
[ 294 ]قال - ما ترجمته - : قد تبيّن من الروايات المستفيضة المحفوفة
بالقرائن الجليّة أنّهم روّعوا السيّدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام ، بل ضربوها بالسياط على وجهها ورأسها ، وبغمد السيف .. إلى أن صارت مجروحة ، وأسقطت جنينها ، وماتت وهي غضبى عليهم .(2)
[ 295 ]وقال : إنّ شهادة فاطمة الزهراء عليهاالسلام من المتواترات .(3)
[ 296 ]وفي رواية : إن عمر بن الخطاب والمغيرة بن شعبة دفعا الباب معاً على بطنها وقتلوا ولدها .. .(4)
ورواها محمد تقي سپهر الكاشاني (المتوفى 1321) ، وزاد في آخرها : وبعد ذاك ضعفت فاطمة عليهاالسلام وتركت علياً عليه السلام .(5)
وقد روى العلاّمة المجلسي كثيرا من الروايات الماضية في بحار الأنوار كما أشرنا إليها في الهوامش .
[ 297 ]قال : فأمّا ادّعاؤه الإمامة فمتواتر النقل عنه في كتب السير
والتواريخ ، ومعلوم بالضرورة مخاصمته إيّاهم ، حتى أنّه لمّا تخاذلوا عن نصرته احتجب عنهم واشتغل بجمع كتاب ربّه ، ولمّا طلبوه ليبايع امتنع إلى أن أضرموا في بيته النار ، وأخرجوه قهراً ، وقال له عمر : لنقتلك . .(1)
[ 298 ]قال : لا ريب أنّه لم يبلغ أحد في بغض أهل البيت عليهم السلام مبلغ عمر .. كيف وقد ردّ فدك ، ومزّق الكتاب الذي كتبه أبو بكر لها ، وضربها بالسوط قنفذ بأمره ، ومنع أهل البيت عليهم السلام من خمسهم ، وعزم على إحراق بيت فاطمة عليهاالسلام وحمل الحطب لذلك ، ودفعها بالباب وأسقطها .. إلى غير ذلك .(2)
( المتوفى 1121 ه . )
[ 299 ]قال : وولدت لعلي الحسن والحسين عليهماالسلام ، وأسقطت المحسِّن عليه السلام - بتشديد المهملة المكسورة - قيل : لفزع السقيفة .(3)
( المتوفى 1124 ه . )
[ 300 ]قال : ومنها : كشف بيت فاطمة عليهاالسلام ، وعدم رعاية حرمتها ، وعدم
الاحتراز عن غضبها الذي هو غضب رسول اللّه صلى الله عليه و آله ... مع شهرة هذا الفعل الشنيع.(1)
[ 301 ]قال - ما ترجمته - : .. وعلى رواية : إن عمر مع ثلاثمائة من أعوانه
هجم على بيتها لأخذ البيعة من أمير المؤمنين عليه السلام ، وكانت فاطمة الزهراء عليهاالسلام خلف الباب آخذة بعضادة الباب - بقوّة - لتمنعهم عن الدخول .
فلكز عمر برجله الباب فانقلعت ، وأصاب بطنها فأسقطت جنينها المحسن ، ومرضت من ذلك الضرب إلى أن استشهدت .
وأيضاً ؛ لمّا أرادوا أن يُخرجوا أمير المؤمنين عليه السلام من منزله ، أخذوا يجرّون الحلس الذي كان عليه ، فأخذت فاطمة عليهاالسلام بطرف الحلس - مع ما كانت عليه من وجع البطن - فمنعتهم من ذلك ، فأخذ عمر سيف خالد بن الوليد وضرب بالغلاف على كتفها - ثلاثاً - حتى جرحه ، وبقيت تلك الجراحة على كتفها إلى أن ماتت عليهاالسلام .
وفي بعض الروايات أن الضارب كان قنفذاً .(2)
وقريب منها ما رواه الجرمقي البسطامي الخراساني(3)(القرن الثالث عشر) .. إلى أن قال : وكان أحد طرفي الحبل بيد خالد وطرفه الآخر بيد عمر بن الخطّاب .(4)
[ 302 ]وقال الخاتون آبادي عند ذكر أولادها عليهاالسلام - ما ترجمته - :
المحسن ؛ وهو الذي لمّا قرب ولادته عليه السلام ضرب عمر الباب على بطن فاطمة عليهاالسلام فأسقطته .(5)
[ 303 ]قال : وفي روايات أهل البيت عليهم السلام : إنّ عمر دفع باب البيت ليدخل ، وكانت فاطمة عليهاالسلام وراء الباب ، فأصابت بطنها فأسقطت من ذلك جنينها المسمّى ب- : المحسن ، وماتت بذلك الوجع .(1)
[ 304 ]وقال : .. فثبوت أذية الرجلين لفاطمة عليهاالسلام غاية الأذى يوم مطالبة علي عليه السلامبالبيعة ، حتى الهجوم على بيتها ودخوله بغير إذن ، بل ضربها وجمع الحطب لإحراقه ، وكذا أذيتها في أخذ فدك منها ، ومنع إرثها ، وقطع الخمس .. ونحو ذلك ، ووقوع المنازعة بينها وبين من آذاها ، وتحقق غضبها وسخطها على من عاندها إلى أن ماتت على ذلك ، فممّا لا شك فيه عندنا معشر الإمامية ، بحسب ما ثبت وتواتر من أخبار ذريتها الأئمّة الأطهار عليهم السلام والصحابة الأخيار كما هو مذكور في كتبهم ، بل باعتراف جماعة من غيرهم أيضاً .(2)
[ 305 ]قال : أما إيذاؤهم فاطمة عليهاالسلام فمشهور ، وفي كتب الجمهور مسطور . بعث أبو بكر إلى أمير المؤمنين عليه السلام لمّا امتنع من البيعة ، فأضرم فيه النار وفيه فاطمة عليهاالسلام وجماعة من بني هاشم ، وأخرجوا عليا عليه السلام ، وضربوا فاطمة عليهاالسلام فألقت فيه جنينها .(3)
[ 306 ]قال : .. وأخرجه قهراً مقاداً يساق بين جملة العالمين ، وأدار الحطب على بيته ليحرقه عليه وعلى من فيه ، وضرب الزهراء عليهاالسلام حتى أسقطها جنينها ، ولطمها
حتى خرّت لوجهها وجبينها وخرجت لوعتها وحنينها .
مضافاً إلى غصب الخلافة - الذي هو أصل هذه المصائب - وبيت هذه الفجائع والنوائب .. .(1)
[ 307 ]قال - في قوله تعالى : « وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ * وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ »(2)- : كغصب فدك والخلافة ، والتمهيد لقتل الذرية الطاهرة ، وتأسيس أساس ذلك ، وضرب جنب سيّدة نساء العالمين ، وإسقاط ما في بطنها ، ودقّ ضلعها .(3)
[ 308 ]قال - ما ترجمته - : ورد في الأخبار ... إن فاطمة عليهاالسلام ترد المحشر في حالة لا يقدر أحد على أن ينظر إلى وجهها ... وهي تحمل ولدها المحسن - الذي أُسقط وله ستة أشهر - وهي باكية متوجهة إلى عرش ربّ العالمين ..(4)
[ 309 ]وقال - ما ترجمته - : .. وألقوا الحبل في عنق بعلها ليخرجوه ، فمنعتهم ونادت : « يا أبتاه ! » ! فضربها عمر بالسياط وكسر عضدها ، وضربها بغلاف السيف في جنبها ، وهي مع ذلك لاتفارق بعلها عليه السلام إلى أن وصلوا إلى عتبة الباب ؛ وكان القوم خارج الدار مجتمعين - معهم خالد بن الوليد - وسيوفهم مصلتة وقد سحبوا أمير المؤمنين عليه السلام معهم ، وحينذاك دفعوا الباب على بطنها ، وكسروا أضلاعها ،
واستشهد ولدها - وكان له ستة أشهر ، وقد سمّاه رسول اللّه صلى الله عليه و آله : محسناً - فأسقط في تلك الساعة ، فخرجوا بأمير المؤمنين عليه السلام إلى المسجد .. وخرجت فاطمة عليهاالسلام خلفه وهي مجروحة باكية ، ومعها نساء بني هاشم متوجهين إلى قبر النبي صلى الله عليه و آله .. .(1)
[ 310 ]قال - ما ترجمته - : .. إنّهم أضرموا النار على باب دار [ تعدّ دار ] رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وفعلوا بأمير المؤمنين وفاطمة عليهماالسلام .. ما فعوا !!(2)
[ 311 ]قال :
بهم سيئت الزهرا وأُوذي أحمد *** وصنو النبي المصطفى خاتم الرسل
وما ضرّ مجد المرتضى ظلمهم له *** ولا فلتة منهم وشورى ذوي خذل
.. إلى أن قال :
هما أسّسا ظلم الهداة وقد بنى *** غواتهم بغياً على ذلك الأصل
ولولاهم ما كان شورى ونعثل *** ولا جمل والقاسطون ذوو الدخل
.. إلى أن قال :
ولا سيئت الزهرا ولا ابتزّ حقّها *** ولا دفنت سرّاً بمحلولك الطفل(3)
[ 312 ]قال - ما ترجمته - : روي أنه لمّا ضربوا فاطمه عليهاالسلام بالسياط وقعت
مغشية عليها .. ولمّا أفاقت وفتحت عينيها رأت أولادها باكين مستوحشين .. وقد ملأ بيتها من الأعداء ، فقامت وذهبت إلى سيد الوصيين ومنعتهم من إخراج أمير المؤمنين عليه السلام ... فضربها قنفذ - أو عمر على رواية - بالسياط على عضدها ، فانكسر وتورّم ولكنها مع ذلك لم تترك علياً عليه السلام ، إلى أن ضربوها [ بالباب ] على بطنها ، فانكسر أضلاع جنبيها .
وفي رواية : ركل عمر برجله الباب فأصابت الباب بطنها وأسقطت
المحسن عليه السلام .(1)
[ 313 ]قال : .. ومنه : إحراق بيت فاطمة الزهراء عليهاالسلام لمّا جلس فيه علي عليه السلام
ومعه الحسنان عليهماالسلام وامتنع عن المبايعة .. .(2)
[ 314 ]قال - ما ترجمته - : روي بأسانيد معتبرة عن الإمام جعفر بن محمّد
الصادق عليهماالسلام : انه لمّا أخرجوا أمير المؤمنين عليه السلام إلى المسجد ، لحقته فاطمة عليهاالسلام وهي مجروحة غضبانة محزونة صارخة .. وتصحبها جميع الهاشميات إلى قبر النبي صلى الله عليه و آله .(3)
ورواه الجرمقي البسطامي الخراساني .(4)
وقال الموسوي - عند ذكر إحراق الباب وقصد إحراق البيت - : وشهرة هذه القضية عند الشيعة لا تقصر عن قتل عثمان وقضية كربلاء .(5)
[ 315 ]قال - ما ترجمته - : ... فاستدعى [ عمر ] ناراً وأحرق الباب ، وحيث شبّت النار في عتبة الباب سعوا في فتحها بشدّة وعنف ، وكانت السيدة المعصومة عليهاالسلام وراء الباب ملتصقة بها ، وحيث دفعوها بقوة وقعت الباب عليها .. ثم ضربوها بغمد السيف والسياط وبقي أثرها ، واسودّ جسمها ... فاجتمع حول البيت أكثر من خمس مائة رجل فهجموا على الدار ، وألقوا الحبل في عنق أمير المؤمنين عليه السلام ، فحالت بينهم وبينه فاطمة عليهاالسلام - مع ضعفها ممّا جرى عليها - فضربها قنفذ بالسياط على يدها ، وعصروها بين عضادتي الباب ، فكسروا جنبها ، وأُسقط ولدها الذي كان له ستة أشهر ..(1)
[ 316 ]قال - ما ترجمته - : .. روي أنه لمّا أرادوا إخراج أمير المؤمنين عليه السلاممن
الدار منعتهم فاطمة الزهراء عليهاالسلام ، فضرب عمر بالسياط على عضدها فتورّم وانكسر ، ولكنها وقفت خلف الباب وتعلّقت بأمير المؤمنين عليه السلام بيدها الأُخرى وأبت أن تفارقه ... فأُخبر أبو بكر بذلك ، فأمر بضربها وإيذائها كي ترفع اليد عن ابن عمّها ..
وقال : عجّلوا في إتيانه للبيعة وإلاّ تحدث فتنة .. فلمّا بلغ الخبر إلى المهاجمين دفعوا الباب بقوة - مع علمهم بكونها خلف الباب - فكسروا أضلاعاً من جنبها ، وأُسقط ولدها - الذي كان قد سمّاه رسول اللّه صلى الله عليه و آله : محسناً - وصار شهيداً ، فوقعت فاطمة عليهاالسلام على الأرض وغشي عليها ، ومن هذه الآلام ماتت فاطمة عليهاالسلام .(2)
[ 317 ]قال : ومنها : أنه همّ بإحراق بيت فاطمة وقد كان فيه أمير المؤمنين
وفاطمة والحسنان عليهم السلام ، وهدّدهم وآذاهم مع ما عرفت من تظاهر الروايات من أنّ « من آذاهم فقد آذى رسول اللّه صلى الله عليه و آله » .(1)
[ 318 ]وقال في موضع آخر : وفي رواية أُخرى : إنّ المغيرة بن شعبة - بأمر عمر - دفع الباب على بطنها حتّى ألقت محسناً .(2)
( المتوفى بعد 1261 ه . )
روايات في بكاء أمير المؤمنين عليه السلام حين تغسيل فاطمة عليهاالسلام(3)
[ 319 ]قال الخراساني - ما ترجمته - : قالت فضّة : لمّا فرغ أمير المؤمنين عليه السلام من تغسيل مولاتي فاطمة الزهراء عليهاالسلام خرج باكياً .(4)
[ 320 ]وقال - أيضاً ما ترجمته - : قال ورقة بن عبد اللّه : كنت قائماً على باب دار سيد الأوصياء أمير المؤمنين عليه السلام - حين اشتغاله بتغسيل فاطمة عليهاالسلام - فإذا سمعته يبكي بكاءً عالياً ممّا لم أعهد نظيره منه عليه السلام ، فتعجّبت من ذلك كيف لم يتصبّر عليه السلام هنا وقلت : سبحان اللّه ! أهكذا يصنع علي عليه السلام - مع شدّة صبره وحمله وسكونه ؟! - وصممت على ملامته عند خروجه .. فلمّا فرغ من التغسيل خرج ودموعه تسيل من عينيه .
فقلت : ما يبكيك يا أبا الحسن ! أمن فقد [ فراق ] الزهراء عليهاالسلام ؟!
فقال : لا ، ياورقة ! ما يبكيني إلاّ أثر السياط بجسمها ، اسودّ كأنه النيل .. [ كذا]
فهكذا تحشر يوم القيامة وتلقى اللّه .(1)
وقريب منها ما ورواه الشيخ عبد الخالق بن عبد الرحيم اليزدي(2)(المتوفى 1268) ، والشيخ حسين بن عبد الرزاق التبريزي (القرن الثالث عشر) ،(3)والشيخ محمد جواد اليزدي المشهدي الشيباني ،(4)
عليه السلام : 144 - 145 .
والجرمقي البسطامي الخراساني .(5)وأشار إليه الخطيب الحاج ملا إسماعيل السبزواري (المتوفى 1312) إجمالاً ، فقال - مترجماً - : وبكى أمير المؤمنين عليه السلام حين تغسيل فاطمة عليهاالسلام إذ رأى جنبها المكسور .(6)
وأشار إليه الشيخ محمّد باقر الفشاركي (المتوفى 1314) بما ترجمته : ... ولا أدري ماذا جرى على أمير المؤمنين عليه السلام حين تغسيله لفاطمة عليهاالسلام حينما رأى جنبها المكسور ، واسوداد عرض وجهها من لطمة عمر .. فبكى عليه السلام بكاءً عالياً بحيث سُمع أنينه في أزقّة المدينة .. كما يظهر ذلك من رواية ورقة بن عبد اللّه .(7)
[ 321 ]ونقلها السيد محمد باقر المجتهد الگنجوي عن ورقة بن عبد اللّه هكذا - مترجماً - : كنت جاراً لعلي عليه السلام فسمعت أنينه وبكاءه في جوف الليل ، فخرجت وقرعت الباب ، فلمّا فتح الباب ، قلت : إن العرب يعيبون أن يبكي الرجل ويندب في فقد زوجته .
فقال : « يا ورقة ! لم أبك لفقدها ، بل رأيت آثار الرفسة والسياط في يدهاوجنبها عند غسلي لها ، ولا زال متنها مسودّاً من أثر السياط ، وركلها بالباب » .(8)
1) . ماتمكده : المجلس الثالث عشر فارسي .
2) . مصائب المعصومين (مصائب الأئمة عليهم السلام) : 127 ؛ بيت الأحزان لليزدي : 33 .
3) . بشارة الباكين : 26 .
4) . شعشعة الحسينيّة
5) . خزائن المصائب : الباب الثاني .
6) . جامع النورين : 244 .
7) . عنوان الكلام : 142 ، المجلس الخامس والعشرون .
8) . مرقاة الإيقان : 1/125 .
وقال في موضع آخر - ما ترجمته - : فكأنّه قال عليه السلام : ماذا أصنع يا ورقة ؟ لقيت حين الغسل آثار الرفسة والسياط في جنب بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله بعد مضي شهرين .(1)
[ 322 ]وقد تقدم(2)- عن الشيخ النقدي (المتوفى 1370) - ضمن رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : « . . وإني لمّا وضعتها على المغتسل وجدت ضلعا من أضلاعها مكسورا وجنبها قد اسودّ من ضرب السياط ، وكانت تخفي ذلك علي ، مخافة أن يشتدّ حزني . . »(3)
وورد في بكائه عليه السلام روايات أُخرى يناسب ذكرها هنا :
[ 323 ]قال حسن بن علي اليزدي (المتوفى 1297 ) - ما ترجمته - : .. فاشتغل أمير المؤمنين عليه السلام بتغسيل فاطمة عليهاالسلام ، وكانت أسماء بنت عميس تصبّ الماء على يده وهو يغسّلها من تحت ثيابها ...
قالت أسماء : فرأيت في أثناء ذلك أن علياً عليه السلام قد رفع صوته بالبكاء - مع ما كان عليه من التجلّد - فقلت : يا علي ! يحقّ لك البكاء في مثل هذه المصيبة العظمى والبلية
الكبرى .. ولكن لِمَ ارتفع صوتك بالبكاء من دون اختيار ؟
فقال عليه السلام : « يا أسماء ! رأيت السواد على طرف وجه فاطمة عليهاالسلام ، وبقاء أثر اللطم عليه ، واحمرار عينها كالدم ، وتورّم عضدها كالدملج » .(4)
[ 324 ]وفي رواية أُخرى : قال علي عليه السلام : « يا رسول اللّه ! هذه أمانة ليلة الزفاف رددتها إليك » ، فخرج من القبر صوت : « يا علي ! .. في تلك الليلة لم يكن ضلعها مكسوراً ، ولا وجهها مسودّاً ، ولا عينها محمرّة » . فبكى أمير المؤمنين عليه السلام وقال : « يا رسول اللّه ! أنت تعلم ممّن صدرت هذه الأفعال .. ».(5)
وقال الشيخ محمد علي الكاظمي (المتوفى 1281) :
[ 325 ]قالت زينب عليهاالسلام : رأيت - حين تغسيل أُمّي عليهاالسلام - سواد جنبها ، فسألت أبي عليه السلامفقال : « هذا أثر السياط .. » .(1)
وقال صدر الواعظين القزويني - ما ترجمته - :
[ 326 ]وأوصته عليهاالسلام أن لا يجرّدها حين الغسل ، بل يغسّلها ، وعليها قميصها ، والسرّ في ذلك ، كأنّها تقول بلسان الحال : يا عليّ ! إنّي لشدّة محبّتي وشفقتي عليك أردت أن لا ينكسر خاطرك بشيء ، ولذا فقد كتمت عنك آثار ضرب الغلاف والرفسة التي كانت بجسمي .
واويلاه ! حينما كان أمير المؤمنين عليه السلام مشغولاً بغسل السيّدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام إذ رأى سواد عضدها وجنبها ، فصاح صيحة سمعها الناس من خارج الدار .(2)
أقول : يحتمل أن يكون بكاء أمير المؤمنين عليه السلام وصيحته لأجل ملامسة يده الجسدَ المتورّم ، أو الضلع المكسور - كما يقال - وأُطلقت الرؤية على ذلك مجازاً ، كما
يقول الأعمى أيضاً لشيء مسّه سابقاً : أنا رأيت ذلك .
وإنما نستبعد الرؤية بالعين لأجل ما ورد من نهيها عليهاالسلام عن كشف لباسها . وهو ما رواه جمع من العامة من أن فاطمة عليهاالسلام لبست ثيابها الجدد - قبل وفاتها بلحظات - بعد أن اغتسلت وأمرت أن لا تكشف إذا قبضت .(3)
وفي بعض النصوص أنها قالت : « ولا يكشفنّ أحد لي كتفاً » .(4)
فإنّها عليهاالسلام - لشدّة محبّتها لأمير المؤمنين عليه السلام كما يظهر لمن راجع سيرتها عليهاالسلام -أرادت أن لا تقع عينا أمير المؤمنين عليه السلام على آثار الضربات الصادرة من المهاجمين
1) . حزن المؤمنين : 61 .
2) . المجلّد الثاني من رياض القدس المسمّى ب- : حدائق الأنس : 255 فارسي .
3) . المعجم الكبير للطبراني : 22/399 ؛ حلية الأولياء : 2/43 ؛ مسند أحمد : 6/461 - 462 ؛ الاصابة : 4/379 ؛ البداية والنهاية : 5/350 ؛ وفاء الوفاء : 3/903 ؛ ذخائر العقبى : 53 - 54 ؛ أُسد الغابة : 5/590 ؛ مجمع الزوائد : 9/210 - 211 ؛ مقتل الخوارزمي : 1/81 ط النجف ؛ العمدة لابن بطريق : 451 .
4) . الطبقات لابن سعد : 8/27 ؛ الإصابة : 4/379 ؛ سير أعلام النبلاء : 2/95 .
على بيتها ، لاسيّما الأثر الباقي في كتفها من غمد السيف أو السياط ، وإنها لبست ثيابها الجدد لئلاّ يرى ثيابها المضرّجة بالدم .
نعم ، هذا هو السرّ في قول أمير المؤمنين عليه السلام - مخاطباً لرسول اللّه صلى الله عليه و آله - : « .. فأحفها السؤال ، واستخبرها الحال .. » إذ معنى الإحفاء هو المبالغة والإلحاح .(1)كأنّ أمير المؤمنين عليه السلام يقول : إنّها كاتمة لما جرى عليها ولا يسع استكشاف الحال إلاّ بعد الإصرار والمبالغة .
[ 327 ]قال - ما ترجمته ملخّصاً - : إن تهديدهم وتخويفهم للسيدة فاطمة
الزهراء عليهاالسلام بإحراق بيتها ، والإتيان بالحطب والنار .. وإيذاء عمر وجسارته بكل ذلك .. ، مما ثبت بنصوص وروايات من ثقاة أهل السنّة وأعاظم محدّثيهم وممّن يعتمدون عليه عندهم .(2)
ثم أخذ في بيان كلماتهم ورواياتهم في ذلك .
[ 328 ]قال : .. وأيضاً فإرادتهما [ أي الأول والثاني ] لإحراق بيت فاطمة الزهراء عليهاالسلام على من فيه أظهر من الشمس ، وأبين من الأمس ، ولغاية وضوحه وشهرته لا يقدر أحد على إنكاره ، حتى أن الفاضل المعاصر الدهلوي اعترف به في التحفة الاثنى عشرية ..(3)
ثم أخذ في بيان بعض ما رواه أهل السنّة في ذلك .
[ 329 ]قال - بعد الإشارة إلى ما نقل عن العامة - ما ترجمته - : .. ومن الواضح عند كل عاقل لبيب : أن لا يتأتى إخراج مثل أمير المؤمنين علي عليه السلام من بيته بدون ضرب السيدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام وشتمها وإيذائها .. .(1)
[ 330 ]قال - ما ترجمته ملخّصاً - : .. فكتب لها بردّ فدك ، فخرجت
والكتاب معها ، فلقيها عمر وقال : يا بنت محمّد ! من أين لك هذا الكتاب ؟ قالت : « هذا كتاب كتبه أبو بكر لي بردّ فدك » ، قال : هلمّيه وأرنيه .. فأبت أن تدفعه إليه
فلطمها على وجهها فانكسر قرطها ، فارتفع صوتها بالأنين والبكاء قائلة :
« يا أبتاه ! انظر إلى ابنتك المظلومة .. كنّا في حياتك معظّمين وأصبحنا بعدك مذلّلين » .
« قد كان بعدك أنباء وهنبثة *** لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب »
فسمع الناس صوتها ، فاجتمعوا إليها لينظروا ما جرى عليها ، فتغيّر عمر ، وقال : تريد فاطمة أن تخوّفني ؟! فتقدّم إليها ورفسها برجله .. وكانت حاملة ، فأوجع جنبها وبطنها ، ثم أخذ الكتاب وتفل فيه ومزّقه ...
فلمّا أفاقت فاطمة عليهاالسلام نظرت إلى قطعات الكتاب في المسجد تلعب بها الريح ، فقالت : « مزّق اللّه بطنك كما مزّقتَ كتابي » ثم استندت بإحدى يديها إلى الجدار وجعلت الأُخرى على جنبها وكرّت راجعة إلى بيتها ، وبعدها سقطت على الأرض ونادت: « قتلني عمر » .
1) . ناسخ التواريخ : - الخلفاء - : 1/58 فارسي ، ط الثانية .
فجاء أمير المؤمنين عليه السلام وجلس عندها ، وقال : « يا فضّة ! عليك بها فقد جاءها المخاض » ، ثم جاءت فضّة بعد ساعة وهو تحمل لفّافة فقال عليه السلام لها : « ما معك يا فضّة ؟ » قالت : يا سيّدي ! ولدك المحسن الذي أُسقط ! . قال : « واريه في فناء البيت » .. فلم تزل فاطمة عليهاالسلام بعد ذلك ملازمة للفراش حتّى أخرج عليّ عليه السلام جنازتها .(1)
[ 331 ]قال - بعد ذكر ما رواه لنا العامّة - ما ترجمته - : هذه ملخص ما ذكره علماؤهم في كتبهم ، ولم أذكر ما نقله أصحابنا عنهم خوفاً للإطالة والإطناب .
ولا يخفى - على المنصف - صراحتها في ظلمهم وإيذائهم لأهل البيت عليهم السلام .
وأما الشيعة ؛ فقد ثبت عندهم بالأخبار المتواترة القطعية تفصيل هذه الواقعة .. لاسيّما ما جرى على السيّدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام - .(2)
[ 332 ]قال - ما ترجمته - : وأما الشهيدة ؛ فتواتر عند الشيعة عن الأئمة المعصومين عليهم السلام أن عمر وقنفذاً دفعا الباب على بطنها ، فأسقطت ولدها الذي سمّاه رسول اللّه صلى الله عليه و آله : محسناً ، فمرضت من ذلك ، ثم عرجت روحها الطاهرة إلى أعلى علّيين .(3)
[ 333 ]قال - بعد ذكر إرسال قنفذ ورجوعه - كما مرّ - ما ترجمته - : .. ثم جمع عمر عدّة وجاء معهم إلى بيت فاطمة عليهاالسلام ، وصرخ : يا علي ! اخرج
وبايع وإلاّ أحرقت بيتك بما فيه .. فلاذت فاطمة عليهاالسلام خلف الباب ، وقالت : « يا فلان ! ما لنا ولك ؟ ».
قال : افتحي الباب وإلاّ أحرقنا عليكم بيتكم .
قالت : « يا فلان ! أما تتّقي اللّه ؟! لا تدخل عليّ بيتي » .
فعلم عمر أنهم لا يفتحون الباب ، فطلب النار والحطب وحوّط بهما الدار ، ولكز برجله الباب - بعد ما احترق بعضه - فقلعه ودخل البيت . فصاحت فاطمة قائلة : « يا أبتاه ! يا رسول اللّه ! .. » فرفع عمر سيفه وضرب بغلافه على كتف فاطمة عليهاالسلام ، فاستغاثت بأبيها رسول اللّه صلى الله عليه و آله .. فضربها عمر بالسياط على ذراعها ، فصاحت فاطمة ونادت : « يا رسول اللّه ! لبئس ما خلّفك فلان وفلان » .
ثم أرسلوا إلى أبي بكر يطلبون منه النصرة .. وذلك بإرسال جمع آخرين . فلمّا كثر عددهم ، جعلوا الحبل في عنق حبل اللّه المتين أمير المؤمنين عليه السلام .
وفي رواية : فجرّوه بحمائل سيفه وذهبوا به إلى المسجد ، فمنعتهم فاطمة عليهاالسلام فضربها قنفذ بالسياط بشدّة على عضدها بحيث بقي أثره إلى آخر عمرها ، ولكنّها مع ذلك لم تتخلّ عن بعلها بل بقيت تمانعهم - أشدّ المنع - عن إخراج أمير المؤمنين عليه السلام .. وحيث رأى عمر تلك الحالة أشار على قنفذ فضرب الباب على بطنها وعصرها حتّى كسر ضلعا من أضلاعها ، وأسقطت جنينها الذي كان قد سمّاه رسول اللّه صلى الله عليه و آله : محسناً .
وصارت السيّدة المظلومة - بسبب ما جرى عليها - طريحة الفراش إلى أن فارقتها الحياة .. وهى مظلومة شهيدة - صلوات اللّه عليها - .(1)
[ 334 ]قال : .. ومما ذكرنا ظهر شدّة مصيبة أمير المؤمنين عليه السلام وعظم صبره ، بل يمكن أن يقال : إن بعض مصائبه أعظم مما يقابله من مصيبة ولده الحسين عليه السلام الذي تصغر عند مصيبته كل المصائب .
1) . الكبريت الأحمر : 277 فارسي .
فقد ذكرت - في كتاب المترجم ب- : نفس المهموم - في وقائع عاشوراء عن الطبري : أنه حمل شمر بن ذي الجوشن حتى طعن فسطاط الحسين عليه السلام برمحه ، ونادى : عليّ بالنار حتى أُحرق هذا البيت على أهله ، قال : فصاح(1)النساء وخرجن من الفسطاط ، فصاح به الحسين عليه السلام : « يابن ذي الجوشن ! أنت تدعو بالنار لتحرق بيتي على أهلي ؟! أحرقك اللّه بالنار ! »
قال أبو مخنف : حدّثني سليمان بن أبي راشد ، عن حميد بن مسلم ، قال : قلت لشمر بن ذي الجوشن : سبحان اللّه ! إنّ هذا لا يصلح لك ، أتريد أن تجمع على نفسك خصلتين ؟ تعذّب بعذاب اللّه ، وتقتل الولدان والنساء ، إن في قتلك الرجال لما ترضى به أميرك ، قال : فقال : من أنت ؟ ، قلت : لا أُخبرك من أنا .. وخشيت - واللّه - لو عرفني أن يضرّني عند السلطان ، قال : فجاء رجل كان أطوع له مني : شبث بن ربعي ، فقال : ما رأيت مقالاً أسوأ من قولك ، ولا موقفاً أقبح من موقفك ! أمُرْعِباً للنساء صرتَ ؟ قال : فأشهد أنه استحيا فذهب لينصرف ! ..
أقول : هذا شمر - مع أنه كان جلفاً جافاً قليل الحياء - استحيا من قول شبث ، ثم انصرف !! وأمّا الذي جاء إلى باب أمير المؤمنين وأهل بيته عليهم السلام وهدّدهم بتحريقهم ، وقال : والذي نفس عمر بيده ليخرجنّ أو لأحرقنّه على ما فيه .. فقيل له : إنّ فيه فاطمة بنت رسول اللّه وولد رسول اللّه وآثار رسول اللّه صلى الله عليه و آله .. أنه لم يستحي ولم ينصرف .. بل فعل ما فعل ..
ولم يكن لأمير المؤمنين عليه السلام من ينصره ويذبّ عنه إلاّ ما روي عن الزبير أنّه لمّا رأى القوم أخرجوا علياً عليه السلام من منزله ملبّباً أقبل مخترطاً سيفه ، وهو يقول : يا معشر بني عبد المطلب ! أيفعل هذا بعلي وأنتم أحياء .. وشدّ على عمر ليضربه بالسيف ، فرماه خالد بن الوليد بصخرة ، فأصابت قفاه وسقط السيف من يده ، فأخذه عمر وضربه على الصخرة فانكسر .
وروى الشيخ الكليني ، عن سدير ، قال : كنّا عند أبي جعفر عليه السلام فذكرنا ما أحدث
1) . كذا ، والظاهر : فصاحت .
الناس بعد نبيّهم واستذلالهم أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال رجل من القوم : أصلحك اللّه ! فأين كان عزّ بني هاشم وما كانوا فيه من العدد ؟! فقال أبو جعفر عليه السلام : « ومن كان بقي من بني هاشم ؟ إنما كان جعفر وحمزة فمضيا وبقي معه رجلان ضعيفان ذليلان حديثا عهد بالإسلام : عباس وعقيل ، وكانا من الطلقاء ، أما واللّه لو أنّ حمزة وجعفراً كانا
بحضرتهما ما وصلا إلى ما وصلا إليه ، ولو كانا شاهديهما لأتلفا نفسيهما » .(1)
[ 335 ]قال : ومن الفجائع التي تبكي لها عيون الإسلام والدين ، والوقائع
التي أحرقت قلوب المؤمنين والموقنين .. ما ارتكبه عمر بن الخطاب من الظلم العظيم الذي أوجب سقوط المحسن من بطن سيدتنا فاطمة الزهراء عليهاالسلام .
وهذه الواقعة الهائلة قد بلغ خبرها حدّ التواتر واليقين عند أهل الحق المبين .(2)
[ 336 ]قال رحمه الله - ما ترجمته - : الإيماض الأول : إن واقعة حمل عمر الحطب وإتيانه بالنار إلى دار فاطمة عليهاالسلام لإحراقها بمن فيه كان بأمر من أبي بكر .. وهذا واضح ومشهور عند الفريقين من علمائهم وعوامهم ، أمّا عند الخاصّة ؛ فكأنّها من الضروريات ، وأما عند العامّة ، فذكرها أكثر مؤلفيهم ومصنفيهم في كتبهم بما هناك في
خصوصيات هي مشهورة عند الخاصّة .(3)
[ 337 ]قال : طفحت واستفاضت كتب الشيعة من صدر الإسلام القرن
الأول - مثل كتاب سليم بن قيس - ومن بعده إلى القرن الحادي عشر وما بعده .. بل وإلى يومنا ، كل كتب الشيعة التي عنيت بأحوال الأئمّة وأبيهم الآية الكبرى وأُمّهم الصدّيقة الزهراء - صلوات اللّه عليهم أجمعين - وكل من ترجم لهم وألّف كتاباً فيهم .
أطبقت كلمتهم تقريباً - أو تحقيقاً - في ذكر مصائب تلك البضعة الطاهرة : أنها بعد رحلة أبيها المصطفى ضرب الظالمون وجهها ، ولطموا خدّها حتى احمرّت عينها ، وتناثر قرطها ، وعصرت بالباب حتى كسر ضلعها ، وأسقطت جنينها ، وماتت وفي عضدها كالدملج .
ثم أخذ شعراء أهل البيت - سلام اللّه عليهم - هذه القضايا والرزايا ونظموها في أشعارهم ومراثيهم وأرسلوها إرسال المسلّمات من الكميت [ المتوفى 126 ] ، والسيد الحميري [ المتوفى 179 ، أو 173 ] ، ودعبل الخزاعي [ المتوفى 245 ] ، والنميري [ المتوفى 210 ] ، والسلامي [ المتوفى 393 ] ، وديك الجنّ [ المتوفى 236 ] .. ومن بعدهم ومن قبلهم إلى هذا العصر .. .(1)
ثم استبعد أن تصل يد الأجبني إلى بدن الصدّيقة عليهاالسلام ووجهها (أي من دون الثياب والستر) .
وقال تلميده السيد الطباطبائي في التعليقة - بعد تصديق أُستاذه كاشف الغطاء في هذا الاستبعاد ، وأنّ مراده نفي ذلك لا الضرب من وراء الرداء - : كيف وقد طفحت واستفاضت كتب الشيعة من صدر الإسلام إلى اليوم وأطبقت كلمتهم أنها ضربت بعد أبيها حتى كسر ضلعها ، وأسقطت جنينها ، وماتت وفي عضدها كالدملج .(2)
[ 338 ]قال - بعد ذكر بعض المصادر عن العامّة - : ومن عرف سيرة عمر
وغلظته مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله قولاً وفعلاً ، لا يستبعد منه وقوع الإحراق فضلاً عن مقدماته . .(1)
وقال : بالجملة ؛ يكفي في ثبوت قصد الإحراق رواية جملة من علمائهم له ، بل رواية الواحد منهم له لاسيّما مع تواتره عند الشيعة . .(2)
[ 339 ]قال - بعد بيان اختلافهم في السقيفة - : فدعاه النظر للدين إلى الكفّ عن طلب الخلافة والتجافي عن الأُمور ، علماً منه أن طلبها - والحال هذه - يستوجب الخطر بالأُمّة والتغرير في الدين ، فاختار الكفّ إيثاراً للإسلام ، وتقديماً للصالح العامّ ، وتفضيلاً للآجلة على العاجلة .. غير أنه قعد في بيته ولم يبايع حتى أخرجوه كرهاً ، احتفاظاً بحقّه واحتجاجاً على من عدل عنه . .(3)
وقال : فهل يكون العمل بمقتضيات الخوف من السيف أو التحريق بالنار إيماناً
بعقد البيعة ؟!
ثم قال في التعليقة : تهديدهم علياً عليه السلام بالتحريق ثابت بالتواتر القطعي .(4)
[ 340 ]روى عن بعض كتب التواريخ :(5)لمّا بايع الناس الأوّل ، دخل عليه الثاني وقال له : ما أغفلك عن بيعة علي والعبّاس ؟ قال : ولم ؟ قال : لاحتجابهما عنك ، فقال له الأول : ذرهما وما يريدان يفعلان ، فقال له الثاني : إن لم تفعل لأفعلنّ .. ثم
خرج مغضباً ، وجعل ينادي القبائل والعشائر : أجيبوا خليفة رسول اللّه .. فأجابه الناس من كل ناحية ومكان ، فاجتمعوا عند مسجد رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فدخل الثاني على الأول وقال له : قم ، فقد جمعت لك الخيل والرجال .. فخرجا وخرج معهما المغيرة بن شعبة ، وجمع حزمة من حطب العوسج ، وأمر بغيلان(1)
وفي الخطّية : أُمّ غيلان . أقول : وهو شجر معروف ، منه كثير في طريق مكّة ، كما في مجمع البحرين : 5/439 .
فحملها على عاتقه ، ثم ساروا يريدون منزل علي .قال أُبيّ بن كعب : فسمعنا صهيل الخيل ، وقعقعة اللجم ، واصطفاق الأسنّة .. فخرجنا من منازلنا مشتملين بأرديتنا مع القوم حتّى وافوا منزل علي ، فوافوا الباب مغلق(2)
أقول : قال الزبيدي : كللته بالحجارة أي علوته بها . انظر : تاريخ العروس : 8/103 .
فتقدّم الثاني ورفس الباب برجله ونادى :يا علي ! اخرج ولقد احتجبت في منزلك عن بيعة أبي رصع ، اخرج وإلاّ أحرقنا البيت بالنار .
فقال أُبيّ بن كعب : فسمعت رنّة من وراء البيت ، فالتفتّ وإذا أنا بالطاهرة المصونة فاطمة الزهراء فبكت ، وقالت : « ويحك يابن الزرقاء !(3)يابن حنتمة ! بالأمس واريتم أبي في لحده والآن قدمتم على حرق بيتي ؟! »
فقال الثاني : واللّه يا فاطمة ! ما على وجه الأرض أعزّ عَلَيَّ منك ومن عليٍّ ... وإنما أحرق بيتك لمرادي .
فلمّا رأت إصرار القوم على حرق باب دارها ، دخلت إلى عليّ وقالت : « يابن العمّ ! قم ، فما لي أن أُخاطب القوم بمثل هذا الخطاب .. »(4)فصبّرها عليّ ، ثم جعل
1) . مشترك بين غير واحد من الصحابة .
2) . كذا ، والظاهر : مغلقاً ، وبقية العبارة في الخطية هكذا : فكلّلوا الباب بالحطب ، وتقدّم عمر بن الخطّاب فرفس الباب برجله ففتحه ، ونادى : يا علي ! اخرج وإلاّ أحرقنا البيت ..
3) . في الخطية : ويحك يابن السوداء ! يابن حنتمة ! تحرق بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، ويحك يا عمر ! منذ ثلاثة أيّام واريتم أبي تحت التراب .
4) . في الخطية : ودعا [ أبو بكر ] بخالد بن الوليد والمغيرة وقال لهما : قفا على الباب وسلاّ سيفكما فإن خرج علياً [ علي ] عليه السلام شاهراً سيفه فاقتلوه ..
الثاني يعالج الباب ليحرقه ، فلمّا رأت إصرار القوم على ذلك أتت وفتحت لهم الباب ولاذت خلفه ، فعصرها الثاني ما بين الحائط والباب حتّى كادت روحها أن تخرج من شدّة العصرة ، ونبع الدم من صدرها ومن ثدييها ، فدخلت إلى دارها ونادت : « يا أسماء ! ويا فضّة ! ويا فلانة ! تعالين وتعاهدن منّي ما تتعاهد النساء من النساء » .
قالت أسماء: فما دخلنا البيت إلاّ وقد أسقطت جنيناً سمّاه رسول اللّه صلى الله عليه و آله : محسناً.
ثم دخلوا على عليّ وجعلوا حمائل سيفه في عنقه وقادوه كما يقاد البعير المغشوش(1)وهو كان متلبّباً بثيابه ، فلمّا رأت فاطمة ما فعلوه بابن عمّها قامت ولبست إزارها وخرجت خلف القوم .. وبزعمها أنّها تخلصه من بين أيديهم .. فتركه أكثر القوم رحمة لها .
فقال الثاني لعبده قنفذ : ويلك ! اضربها .. - وكان بيده سوط - فجعل يضربها على رأسها والسوط يتلوى بين كتفيها كالدملج وهي تنادي : « المستعان المستغاث باللّه وبرسوله .. »
ثم لطمها الثاني على خدّها لطمة حتى أثّرت في خدّها - من وراء الخمار - وسقط القرط من أُذنها .. فرجعت إلى منزلها فقادوا عليّاً إلى المسجد ، فجلس الثاني على ركبتيه ، وحسر عن ذراعيه . وقال : يا علي ! بايع .. .(2)
244 - العلاّمة الأميني ( المتوفى 1390 ه . )
[ 341 ]قال : ونحن لا نريد أن نحوم حول موضوع الخلافة وأنها كيف تمّت ؟ كيف صارت ؟ كيف قامت ؟ كيف دامت ؟ وأن الآراء فيها هل كانت حرّة ؟ ووصايا المشرّع الأعظم هل كانت متّبعة ؟ .. لا يهمّنا البحث عن هذه كلّها بعد ما سمعت أُذن الدنيا حديث السقيفة مجتمع الثويلة ، وقرّطت بنبأ تلك الصاخّة الكبرى ، والتحارش العظيم بين المهاجرين والأنصار .. بعد ما تشازرت الأُمّة وتلاكمت وتكالمت ، وقام
الشيخان يعرض كلّ منهما البيعة لصاحبه قبل أخذ الرأي عن أي أحد ، كأن الأمر دبّر بليل ، فيقول هذا لصاحبه : ابسط يدك فلأُبايعك ! .. ويقول آخر : بل أنت ! .. وكل منهما يريد أن يفتح يد صاحبه ويبايعه ، ومعهما أبو عبيدة بن الجرّاح حفّار القبور بالمدينة يدعو الناس إليهما ، والوصيّ الأقدس والعترة الهادية وبنو هاشم ألهاهم النبي
الأعظم صلى الله عليه و آله ، وهو مسجّى بين أيديهم ، وقد أغلق دونه الباب أهله ، وخلّى أصحابه صلى الله عليه و آلهبينه وبين أهله ، فولّوا إجنانه .. ومكث ثلاثة أيام لا يدفن - أو من يوم الإثنين إلى يوم الأربعاء أو ليلته - فدفنه أهله ولم يله إلاّ أقاربه . دفنوه في الليل أو في آخره ، ولم يعلم به القوم إلاّ بعد سماع صريف المساحي وهم في بيوتهم من جوف الليل ولم يشهد الشيخان دفنه ..
بعد ما بصر مقداداً - ذلك الرجل العظيم - وهو يدافع في صدره ، أو نظر إلى الحباب بن المنذر وهو يحطّم أنفه وتضرب يده ، أو إلى اللائذين بدار النبوة ، مأمن الأُمّة وبيت شرفها ، بيت فاطمة وعلي عليهماالسلام وقد لحقهم الإرهاب والترعيد ، وبعث اليهم أبو بكر عمر بن الخطاب وقال لهم : إن أبوا فقاتلهم .
.. ثم أخذ يذكر ما رواه العامة في كيفية الهجوم .(1)
[ 342 ]قال - بعد ذكر مصادر عديدة من العامّة - .. إلى غير ذلك من
كلماتهم الصريحة في ذلك ، مضافاً إلى ما تواتر عن الأئمة من عترته والعلماء من ذريّته ، فقد اتفقت كلمتهم على ذلك - وأهل البيت أدرى بما فيه - وما حلّ من المصائب عليهم .
فترى الروايات تنادي بعلياء صوتها: إنه عليه السلام كان يبكي ويستغيث برسول اللّه صلى الله عليه و آله
1) . الغدير : 7/74 - 77 .
ويقول : « يابن العم ! إن القوم استضعفوني .. » وذلك بعد ما تجرّد(1)الطغاة بجعل الحبل أو نجاد السيف في عنقه الشريف ، وكانوا يجرّونه إلى المسجد ليبايع المتقمّص الأوّل . .(2)
[ 343 ]قال : وفي رواية : أنّهم لمّا أرادوا الدخول إلى بيتها وإخراج عليّ منه ، أرادت أن تحول بينهم وبين ذلك ، ضربها قنفذ على وجهها وأصاب عينها .(3)
[ 344 ]قال : سُئل زيد بن علي عن فاطمه عليهاالسلام : كيف كان حالها مع القوم بعد أبيها صلى الله عليه و آله ؟ فأجاب : أما سمعت قول الذي عبّر عمّا في نفسها بقوله :
غداة تنادي يا بتا ما تمزّقت *** ثيابك حتى أزمع القوم بالغدر
وحتى ارتكبنا بالمذلّة والأذى *** وليس لأحرارٍ على الذلّ من صبر(4)
[ 345 ]قال : وبعثه عمر إلى بيت فاطمة عليهاالسلام فضربها على بطنها وأسقطت بمحسن ، وأضرم النار ليحرق عليهم البيت ، وفيه فاطمة وعلي عليهماالسلام وجماعة من بني هاشم ، وأخرج علياً عليه السلام بحمايل سيفه يقاد .. روته الشيعة ، ورواه البلاذري وغيره ، ويؤيّده قوله عند موته : ليتني تركت بيت فاطمة عليهاالسلام لم أكشفه ! ..(5)
[ 346 ]ومن أولادها المحسن عليه السلام ، كان له ستة أشهر فأُسقط بسبب ضرب عمر .(1)
[ 347 ]وقال في موضع آخر : قاتلها عمر بن الخطاب ، إذ دفع الباب على بطنها فأُسقط المحسن عليه السلام ، وضربها مولاه قنفذ بالسياط ، وكسر يدها ، فأثّرت في جسمها الشريف وتوفّيت لذلك .(2)
[ 348 ]وقال في موضع آخر : في كتاب أنفاس الجواهر : كان علي عليه السلام والعباس في بيت فاطمة عليهاالسلام ، فقال أبو بكر لعمر : إن أبيا عن المجيء للبيعة قاتلوهما ، فجاؤوا بالنار فأضرموها على الباب ، فقالت فاطمة عليهاالسلام : « يابن الخطاب ! أجئت لتحرق ابناي ؟! » قال : بلى .(3)
لا ريب في وجود روايات تنقل ما جرى على أهل البيت عليهم السلام حين الهجوم على دارهم .. في كتب لم نجدها ، ولعلّها ضاعت أو أُعدمت أو أُحرقت ولم تصل إلينا ، ولا بأس بالإشارة إلى بعضها :
1 - كتاب الإمامة ؛ لأبي الحسين أحمد بن يحيى البغدادي المعروف ب- : ابن الراوندي (المتوفى 298)
يظهر من الخياط (المتوفى 300) - وهو رئيس الخياطية من المعتزلة - في كتاب الانتصار ، والقاضي عبد الجبار المعتزلي في المغني ، أنّه ذكر فيه ما جرى على أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء عليهماالسلام .
قال الخيّاط : .. ومنها كتاب يعرف بكتاب الإمامة يطعن فيه على المهاجرين والأنصار . .(1)
وقال صاحب المغني فيه : .. إنما يتعلق بذلك من غرضه الإلحاد ، كالوراق وابن الراوندي فلا يتأوّلون مهما يوردون ليقع التنفير به؛ لأنّ غرضهم القدح في الإسلام!!(2)
2 - كتاب السقيفة ؛ لمحمد بن هارون أبي عيسى الوراق.(3)
فإن النجاشي عدّ في كتبه كتاب السقيفة ،(4)وظهر من كلام القاضي المتقدم آنفاً
وجود تلك الأخبار فيه .
3 - الاستذكار لما جرى في سالف الأعصار ؛ للمسعودي
فإنه يقول في كتاب التنبيه والإشراف : وتنوزع في كيفية بيعته إياه ، وقد أتينا على ما قيل في ذلك في كتاب : الاستذكار لما جرى في سالف الأعصار .(5)
4 - حدائق الأذهان ؛(6)للسمعودي
قال المسعودي - بعد الإشارة إلى جمع الحطب - : وهذا خبرٌ لا يحتمل ذكره هنا ، وقد أتينا على ذكره في كتابنا في مناقب أهل البيت وأخبارهم المترجم ب- : كتابحدائق الأذهان .(7)
1) . الانتصار : 33 ط مصر .
2) . المغني الجزء المتمم للعشرين : 20/ ق 1 / 336 .
3) . قال أبو علي الجبائي : طلب السلطان أبا عيسى الوراق وابن الراوندي .. فأمّا الوراق ؛ فسجن حتّى مات ، واسمه : محمّد بن هارون من رؤوس المتكلّمين ... انظر مقدمة الانتصار للخياط : 22 .
4) . راجع : رجال النجاشي : 372 .
5) . التنبيه والإشراف : 250 .
6) . أو : حدائق الأزهار ، كما في رياحين الشريعة : 1/281 .
7) . مروج الذهب : 3/77 .
5 - السقيفة ؛ لعمر بن شبّة
قال السيد ابن طاووس : وقد ذكر عمر بن شبّة - وهو من أعيان علمائهم - في كتابه الذي سمّاه : كتاب السقيفة طرفاً من القبائح العظام التي جرت على بني هاشم وعلي وفاطمة والحسنين عليهم السلام في ذلك المقام .(1)
6 - كتاب السقيفة ؛ لأبي مخنف لوط بن يحيى الأزدي (المتوفى 158)
قال العلاّمة السيد شرف الدين رحمه الله : وأفرد أبو مخنف لأخبار السقيفة كتاباً فيه تفصيل ما أجملناه .(2)
7 - كتاب المبتدأ ، والمبعث ، والمغازي ، والوفاة ، والسقيفة ، والردّة ؛ لأبي عبد اللّه
أبان بن عثمان الأحمر البصري الكوفي (من أصحاب مولانا الصادق عليه السلام والمتوفى بعد سنة 140) .(3)
8 - كتاب السقيفة وبيعة أبي بكر ؛ لأبي عبد اللّه محمّد بن عمر الواقدي (المتوفى 207) .(4)
9 - كتاب السقيفة ؛ لأبي إسحاق إبراهيم بن محمّد بن سعيد الثقفي (المتوفى 283) .(5)
10 - كتاب السقيفة ؛ لأبي الصالح السليل بن أحمد بن عيسى (أوائل القرن الرابع) ، ينقل عنه أبو محمّد حسن بن محمد الديلمي ( القرن السابع ) في كتاب غرر الأخبار .(6)
11 - لوامع السقيفة والدار والجمل وصفّين والنهروان ؛ للشيخ الرئيس
عبيد اللّه بن عبد اللّه السعد آبادي (أو السدآبادي) .(1)
12 - لوامع السقيفة والدار والجمل وصفّين ؛ للشيخ الرئيس أبي عبد اللّه الحسين بن محمّد الحلواني .(2)
13 - غرر الأخبار ، لأبي محمد حسن بن محمد الديلمي ( القرن السابع ) .(3)
قال الشيخ الحمّصي الرازي (المتوفى أوائل القرن الرابع) - بعد ذكر التهديد والإشارة إلى بعض القضايا - : .. رواياتها أكثر من أن تحصى .(4)
وقريب منه كلام الشريف المرتضى (المتوفى 436) ،(5)والشيخ الطوسي (المتوفى 460) .(6)
وقال ابن شهرآشوب (المتوفى 588) : .. إن ما جرى عليه معروف .(7)
وقريب منه كلام ابن ميثم البحراني (المتوفى 679) ،(8)واللمعاني المعتزلي ( القرن السابع) .(9)
ونقل ابن ميثم إجماع الشيعة على إكراهه عليه السلام على البيعة .(1)
وقال ابن أبي الحديد (المتوفى 656) - عند ذكر إجباره على البيعة وتظلّمه في ذلك الوقت - : .. رواها كثير من المحدّثين .(2)
وأشار إلى كيفيّة إخراجه في موضع آخر ، وقال : وقد ذكر غيره [ أي غير الجوهري ] من هذا النحو ما لا يُحصى كثرة .(3)
فقد ذكر الشيخ المفيد (المتوفى 413) شهرة حديث الهجوم ، وإرسال قنفذ ، والأمر بجمع الحطب والتهديد بإحراق البيت عليهم .(4)
وقال الشريف المرتضى (المتوفى 436) ، والشيخ الطوسي (المتوفى 460) - بعد ذكر إتيان عمر بالنار لإحراق الباب - : روته الشيعة من طرق كثيرة .(5)
ونقل الشيخ الطوسي : استفاضة روايات الشيعة في إرادة إحراق البيت عليها .(6)
وأسند ابن شهر آشوب المازندراني (المتوفّى 588) إلى الشيعة [ أي بأجمعهم ] وكثير من أهل السنّة : أنّ عمر صار بقبس من النار إلى بيت فاطمة عليهاالسلام قاصداً إحراق الدار عليهم ، وأنّهم أكرهوا أمير المؤمنين عليه السلام على البيعة .(7)
وقال الحسيني الزيدي (المتوفى 670) - عند ذكر اعتراف أبي بكر بالهجوم - :والحديث معروف.(8)وقال: روى المخالف والمؤالف الوعيد بإحراق البيت أو هدمه .(9)
1) . شرح نهج البلاغة ، لابن ميثم : 2/26 - 27 .
2) . شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد : 11/111 .
3) . المصدر السالف : 2/59 - 60 .
4) . الجمل : 117 - 118 .
5) . الشافي : 3/241 ؛ تلخيص الشافي : 3/76 .
6) . تلخيص الشافي : 3/156 .
7) . مثالب النواصب : 141 الخطّية .
8) . أنوار اليقين : 9 .
9) . المصدر : 378 - 379 .
وقال المحقّق الأردبيلي (المتوفى 993) - بعد ذكر الإحراق ودفع الباب على بطنها ، وإسقاط المحسن عليه السلام - : أكثر هذه القضايا ظاهرة بحيث لا تقبل الإنكار لوجودها في كتب العامة .(1)
وقال ابن أبي جمهور الاحسائي (القرن العاشر) - عند ذكر ضربها وضغطها بالباب وإسقاط المحسن عليه السلام - : رواها الثقاة في سيرهم .(2)
ونص الشرفي الأُهنومي الزيدي (المتوفى 1055) بقوله : حديث الإحراق مشهور مستفيض رواه المخالف والمؤالف .(3)
وصرّح الشيخ محمد تقي المجلسي (المتوفى 1070) في روضته : قضايا شهادتها بسبب ضرب عمر الباب على بطنها وضرب قنفذ بالسوط عليها ، مشهورة عند العامّة والخاصّة .(4)
وقال العلاّمة المجلسي : وردت روايات مستفيضة في ضربها بالسياط وبغمد السيف بحيث صارت مجروحة .(5)
وقال في المرآة : شهادتها من المتواترات .(6)
وذكر سراب التنكابني (المتوفى 1124) شهرة قضيّة الهجوم .(7)
وصرّح السيّد محمد باقر الموسوي (المتوفى 1240) عند ذكر الهجوم وإحراق الباب بأن : اشتهر عند الشيعة .. بل لم يقصر في الشهرة عن قتل عثمانوواقعة كربلاء .(8)
وقال الشريف أبو الحسن النباطي العاملي (المتوفى 1138) - عند الإشارة إلى الهجوم والضرب وجمع الحطب لإحراق البيت - : .. لا شك فيها عندنا ، بحسب الأخبار المتواترة .(1)
وقال القاضي نور اللّه التستري (المستشهد 1019) : .. اشتهر كالشمس في رائعة النهار .(2)
وقال العلاّمة الموسوي الهندي (المتوفى 1268) : التهديد بإحراق البيت والإتيان بالنار والحطب ... رواها أعاظم محدّثي العامّة وثقاتهم .(3)
وقال الشيخ محمد تقي المعروف ب- : آغا نجفي (المتوفى 1332) : تواتر شهادتها وإسقاط المحسن عليه السلام .(4)
وذكر العلاّمة الشيخ المظفّر : تواتر روايات قصد الإحراق عند الشيعة .(5)
وقال العلاّمة الطبرسي النوري : تفصيل ما جرى على السيدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام ثابت عند الشيعة بالأخبار المتواترة القطعية .(6)
وقال العلاّمة شرف الدين : التهديد بالإحراق ثابت بالتواتر القطعي .(7)
وذكر الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء : اتفاق كتب الشيعة على مصائبها ؛ من ضربها ، ولطم خدّها ، وكسر ضلعها ، وعصرها بالباب و.. .(8)
وقال تلميذه السيد الطباطبائي : أطبقت كلمة الشيعة على أنّها ضربت بعد أبيها حتّى كسر ضلعها ، وأسقطت جنينها ، وماتت وفي عضدها كالدملج .(9)
1) . ضياء العالمين : 1/557 .
2) . إحقاق الحق : 1/366 .
3) . تشييد المطاعن : 1/434 فارسي .
4) . أسرار الزيارة بهامش حقائق الأسرار : زيارة فاطمة الزهراء عليهاالسلام فارسي .
5) . دلائل الصدق : 3/53 .
6) . كفاية الموحّدين : 2/128 فارسي .
7) . المراجعات : 266 .
8) . جنّة المأوى : 133 .
9) . المصدر : 133 بالهامش .
وقال في موضع آخر : هذه الفاجعة تعدّ عند الشيعة من المسلّمات التاريخيّة ، ومن الضروريّات ، ذكرها الجميع من الصدر الأوّل وكان ورداً على ألسنتهم وهكذا يكون أبداً .(1)
واعترف محمد حسين هيكل بشهره الهجوم على البيت وإيذاء فاطمة عليهاالسلامبذلك.(2)
وذكر السيد النجفي المرعشي (المتوفى 1411) : تواتر الروايات واتّفاق العلماء السادة على تلك المصائب .(3)
ويظهر من ابن أبي الحديد (المتوفى 656) اتّفاق الشيعة على تحقّق الإحراق وما جرى مجراه ،(4)وضربها وبقاء أثره في عضدها كالدملج ، وجعل الحبل في عنق اميرالمؤمنين عليه السلام وتهديده عليه السلام بالقتل ..(5)ونقل أنّ رجال الشيعة ومحدّثيهم رووا : إهانتها والغلظة في الكلام معها ، ودفع عمر بيده في صدرها .(6)
فهو أمر مسلّم متفق عليه ، كما يظهر من القاضي النعمان المغربي (المتوفى 363) حيث قال : إن المشهور بين الناس كون شهادتها عليهاالسلام بسبب الإسقاط .(7)
وقال العلاّمة المجلسي (المتوفى 1111) - عند ذكر الإسقاط - : استفاض في رواياتنا .. بل في رواياتهم .(8)
وقال السيد ناصر حسين (المتوفى 1361) : بلغ حدّ التواتر واليقين .(9)
1) . أنيس الموحّدين : 229 - 232 بالهامش ، فارسي .
2) . الصديق أبو بكر : 63 .
3) . إحقاق الحق : 2/368 بالهامش .
4) . شرح نهج البلاغة : 2/21 .
5) . شرح نهج البلاغة : 2/60 .
6) . شرح نهج البلاغة : 16/234 .
7) . الارجوزة المختارة : 89 - 90 .
8) . بحار الأنوار : 28/409 ؛ حق اليقين : 189 .
9) . إفحام الأعداء والخصوم : 1/93 .
ونصّ العلاّمة البياضي (المتوفى 877) بقوله : اشتهر بين الشيعة .(1)
ويظهر من المقدسي (المتوفى 355) ،(2)والعمري النسّابة (المتوفى 490) ،(3)وابن أبي الحديد (المتوفى 656) ،(4)وابن الصباغ المالكي (المتوفى 855)(5).. وغيرهم إجماع الشيعة على إسقاطه عليه السلام .(6)
بل صرّح بالإجماع في ذلك الشيخ الطوسي (المتوفى 460) ،(7)وعماد الدين القرشي (المتوفى 872) ،(8)والشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء ..(9)وغيرهم .
وذكر الشيخ عبد الجليل القزويني ( القرن السادس ) : اتّفاق كتب الفريقين على نقله .(10)
وقال الشيخ عبد الواحد المظفّر : المشهور أنّه مات سقطاً وهو المعتمد .. وقد أكثر الشعراء من ذكر هذا السقط .(11)
1) . الصراط المستقيم : 3/12 .
2) . البدء والتاريخ : 5/20 .
3) . المجدي في أنساب الطالبيّين : 19 .
4) . شرح نهج البلاغة : 2/60 .
5) . الفصول المهمّة : 126 .
6) . لإسنادهم هذا القول إلى الشيعة .
7) . تلخيص الشافي : 3/156 .
8) . عيون الأخبار : 6 .
9) . جنّة المأوى : 133 .
10) . كتاب النقض : 317 فارسي .
11) . بطل العلقمي : 3/476 .
لانرى ثمت ضرورة لإثبات ما لأهل البيت عليهم السلام من المظلومية وما جرى عليهم..
مع ما تواتر عن أمير المؤمنين(1)وفاطمة الزهراء عليهماالسلام من الشكوى ، والتظلّم ، والغضب على القوم ، وما أوصت به فاطمة عليهاالسلام من دفنها سرّاً .. وعدم مشايعة جنازتها من القوم و .. فبذلك نقضوا ما نسجه هؤلاء وادعوه من موافقة أهل البيت عليهم السلام للخلفاء وإصرارهم على إنكار وقوع قضايا الهجوم والإحراق .. ونحو ذلك .
بل هم يزعمو أن أمير المؤمنين عليه السلام لو كان منصوصاً عليه من قبل اللّه عزّ وجلّ والنبي صلى الله عليه و آله فلماذا لم يُنكر على من تقدّم عليه ؟! ولماذا لم يحتجّ عليهم بالنصّ ؟!(2)
ثم إنهم ادّعوا أن أبا بكر لمّا ذهب لعيادة فاطمة عليهاالسلام جعل يترضّاها .. فرضيت عنه !! .. كما جاء في رواية مجعولة عن الشعبي - المنحرف عن أهل البيت عليهم السلامالوضّاع - مع أن الترضّي لا يكون إلاّ عن ظلم تقدّم عليه .. كما هو واضح .
1) . وقد عقد لذكر تظلماته فصلاً مستقلاً في تقريب المعارف : 237 ؛ الصراط المستقيم : 2/41 ؛ بحار الأنوار : 29/497 .
2) . أقول : وقع الاحتجاج بالنصّ في كلامه عليه السلام وفي كلمات الأصحاب كثيراً ؛ فإنّه وإن لم يحضر السقيفة ليحتجّ عليهم حينذاك ، ولكن لمّا أحضروه المسجد وطلبوا منه البيعة احتجّ عليهم بالنصّ كما ذكرناه في الفصل الثالث ، وأيدي التحريف والختل والخيانة وإن حذفت كثيراً من ذلك وحرّفته ، ولكنه بقي لنا من النصوص ما يكفي للاستناد بل قد يصل إلى مرتبة الضرورة فضلاً عن التواتر والاستفاضة .
فإذا رضيت عنهم .. - والعياذ باللّه - فلماذا دفنها أمير المؤمنين عليه السلام سرّاً وبالليل ؟!(1)
وابن دأب هذا : عيسى بن يزيد بن دأب ، راوية وخطيب وشاعر ، توفي سنة 171 . انظر : الأعلام : 5/111 .
لماذا لم يصلّوا عليها ؟ لماذا خفي قبرها إلى الآن ؟
هذه الروية الفاطمية أبقت فضائح القوم على مدّ التاريخ ، وبذلك أظهرت غضبها على القوم ، وكذلك صنع أمير المؤمنين عليه السلام في كثير من خطبه وكلماته الخالدة .
ولا ريب أن غضبهما لا يقاس بغضب ساير الناس .. إذ هي ليست كهم ، وإن الغضب قد يكون شخصياً ولدوافع - فردية محقّة أو مبطلة - وقد يكون إلهياً .. فهو من اللّه وإلى اللّه ، بل ربّما يكون فوق مستوى أفكارنا ، ولذا يستتبع غضب اللّه تعالى ، كما قال النبي صلى الله عليه و آله لابنته فاطمة عليهاالسلام : « إن اللّه يغضب لغضبك ويرضى لرضاك » .(2)
راجع أيضاً : الغدير : 3/181 وإحقاق الحقّ : 10/116 ، 122 ، 187 ، 228 .
وفي رواية البخاري : « فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني » ..(3)إلى غير ذلك ، من عشرات الروايات في مئات المصادر ..
فبعد ذلك هل ترى من الإنصاف ما صدر عن ابن كثير في قوله : إن فاطمة عليهاالسلام حصل لها - وهي إمرأة من البشر ليست براجية العصمة - عتب وتغضّب .. ولم تكلّم الصديق حتى ماتت !!(4)
كيف يسمح ابن كثير لنفسه أن يتفوّه بمثل هذا الكلام ويقابل قول أبيها فيها : « فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها .. » ؟ !(5)
1) . قال المقدسي : ولم يبايع علي عليه السلام أبا بكر مالم يدفن فاطمة عليهاالسلام ، وذكر ابن دأب : أنها ماتت عاتبة على أبي بكر وعمر . انظر : البدء والتاريخ : 5/20 .
2) . كما روه الحاكم في المستدرك : 3/154 ، وحكم بصحته ؛ والهيثمي في مجمع الزوائد : 9/203 عن الطبراني بإسناد حسن ، والهندي في كنز العمال : 12/111 و 13/674 عن غير واحد من المصادر .
3) . صحيح البخاري : 4/210 ، 219 .
4) . البداية والنهاية : 5/270 ، السيرة النبوية : 4/495 ، وراجع أيضاً ما قاله ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة : 6/49 .
5) . مسند أحمد : 4/5 ؛ صحيح مسلم : 7/141 ، السنن الكبرى للبيهقي : 10/201 - 202 ؛ كنز العمال : 2/111 - 112 .
نعم لا تقاس فاطمة عليهاالسلام بالناس .. وغضبها بغضبهم .. وإيذاؤها بإيذائهم .. كيف ؛ وإيذاؤها إيذاء النبي صلى الله عليه و آله ؟! - كما مرّ - وقد قال اللّه تعالى « إِنَّ الَّذِينَ يُؤذُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّهُ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً مُهِيْناً » .(1)
كما قال النبي صلى الله عليه و آله : « من آذى علياً فقد آذاني .. »(2)
بل قال لفاطمة ولأمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام : « أنا سلمٌ لمن سالمكم وحربٌ لمن حاربكم » .(3)
فويل للذين حاربوهم وجاؤوا إلى بيتهم بشعل النار ليأخذوهم للبيعة ! .. أفكان هذا البيت الذي استخفّ به الخليفة وأعوانه لأحد من الترك والديلم ؟!
وقد روى في شأنه ابن مردويه ، عن أنس بن مالك وبريدة : قرأ رسول اللّه صلى الله عليه و آله هذه الآية : « فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّه ُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرُ فِيْهَا اسْمُهُ »(4)فقام إليه رجل فقال : أيّ بيوت هذه يا رسول اللّه ؟ قال : « بيوت الأنبياء» ، فقام إليه أبو بكر فقال : يا رسول اللّه ! هذا البيت منها .. البيت(5)علي وفاطمة ؟
قال : « نعم ، من أفاضلها » .(6)
قال أبو بكر الجوهري : أخبرنا أبو زيد عمر بن شبّة ، قال : حدّثنا أبو قبيصة
1) . الاحزاب 33 : 57 .
2) . المستدرك : 3/123 ؛ مجمع الزوائد : 9/129 عن غير واحد من المصادر ، كنز العمال : 11/601 و 13/142 عن غير واحد من المصادر ؛ البداية والنهاية : 5/121 و 7/383 .
3) . وفي بعض الروايات : « سلم لمن سالمتم وحرب لمن حاربتم » . راجع : مسند أحمد : 2/442 ؛ المستدرك : 3/149 ؛ سنن ابن ماجه : 1/52 ؛ سنن الترمذي : 5/360 ؛ البداية والنهاية : 8/40 ، 223 ، كنز العمال : 12/96 - 97 و 13/640 ؛ مجمع الزوائد : 9/169 . وراجع أيضاً إحقاق الحقّ : 9/161 - 164 ، 166 - 173 و 18/411 - 415 .
4) . النور 24 : 36 .
5) . كذا ، ولعلّ الصحيح : وأشار إلى بيت .
6) . الدرّ المنثور للسيوطي : 6/203 .
محمّد بن حرب ، قال : لمّا توفّي النبي صلى الله عليه و آله وجرى في السقيفة ما جرى تمثّل علي عليه السلام :
« وأصبح أقوام يقولون ما اشتهوا *** ويطغون لمّا غال زيداً غوائله »(1)
قال المسعودي : واتصل الخبر بأمير المؤمنين عليه السلام - بعد فراغه من تجهيز رسول اللّه صلى الله عليه و آله ودفنه - فقام خطيباً فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : « إن كانت الإمامة في قريش فأنا أحق قريش بها ، وإن لاتكن في قريش فالأنصار على دعواهم .. » ثم اعتزلهم ودخل بيته .(2)
وقال ابن أبي الحديد : لمّا قبض رسول اللّه صلى الله عليه و آله واشتغل علي عليه السلام بغسله ودفنه وبويع أبو بكر ، خلا الزبير وأبو سفيان وجماعة من المهاجرين بعباس وعلي عليه السلام لإجالة الرأي ، وتكلّموا بكلام يقتضي الاستنهاض والتهييج ، فقال العباس : .. أمهلونا نراجع الفكر ... فحلّ علي عليه السلام حبوته ، وقال : « الصبر حلم ، والتقوى دين ، والحجّة محمّد صلى الله عليه و آله ، والطريق الصراط ، أيها الناس ! شقّوا أمواج الفتن بسفن النجاة ، وعرِّجوا عن طريق المنافرة ، وضعوا تيجان المفاخرة ، أفلح من نهض بجناح ، أو استسلم فأراح ، ماء آجن ، ولقمة يغصّ بها آكلها ، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه ، فإن أقل .. يقولوا : حرص على الملك ! .. وإن أسكت .. يقولوا : جزع من الموت ! .. هيهات بعد اللتيا والتي ، واللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أُمّه ، بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة » .(3)
وأوردها الشيخ الطبرسي بزيادات كثيرة في قضية فدك ، فإنه قال : رسالةأمير المؤمنين عليه السلام إلى أبي بكر - لمّا بلغه عنه كلام بعد منع الزهراء عليهاالسلام فدك - : « شقّوا
متلاطمات أمواج الفتن بحيازيم سفن النجاة ، وحطّوا تيجان أهل الفخر بجميع أهل الغدر ، واستضاؤوا بنور الأنوار ، واقتسموا مواريث الطاهرات الأبرار ، واحتقبوا ثقل
الأوزار بغصبهم نحلة النبي المختار ، فكأني بكم تتردّدون في العمى كما يتردّد البعير في الطاحونة ، أما واللّه لو أذن لي بما ليس لكم به علم لحصدت رؤوسكم عن أجسادكم كحبّ الحصيد بقواضب من حديد ، ولقلعت من جماجم شجعانكم ما أقرح به آماقكم وأوحش به محالكم ، فإنّي مذ عرفت مردي العساكر ، ومفني الجحافل ، ومبيد خضرائكم ، ومخمد ضوضائكم ، وجرار الدوارين ، إذ أنتم في بيوتكم معتكفون ، وإني لصاحبكم بالأمس ، لعمر أبي وأُمّي لن تحبّوا أن يكون فينا الخلافة والنبوة ، وأنتم تذكرون أحقاد بدر وثارات أُحد ، أما واللّه لو قلت ما سبق من اللّه فيكم لتداخلت أضلاعكم في أجوافكم كتداخل أسنان دوارة الرحى ، فإن نطقت يقولون : حسداً ! .. وإن سكتّ فيقال : ابن أبي طالب جزع من الموت ! .. هيهات .. هيهات ! الساعة يقال لي هذا وأنا المميت المائت ، وخوّاض المنايا في جوف ليل حالك ، حامل السيفين الثقيلين ، والرمحين الطويلين ، ومنكّس الرايات في غطامط الغمرات ، ومفرّج الكربات عن وجه خير البريّات .. ؟!
ايهنوا ! فواللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل إلى محالب أُمّه ، هبلتكم الهوابل ، لو بحت بما أنزل اللّه سبحانه في كتابه فيكم لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة ، ولخرجتم من بيوتكم هاربين ، وعلى وجوهكم هائمين .. ولكنّي أهوّن وجدي حتّى ألقى ربّي بيد جذّاء صفراء من لذّاتكم ، خلو من طحناتكم ، فما مثل دنياكم عندي إلاّ كمثل غيم علا فاستعلى ، ثم استغلظ فاستوى ، ثم تمزّق فانجلى .. رويداً فعن قليل ينجلي لكم القسطل ، وتجنون ثمر فعلكم مرّاً ، وتحصدون غرس أيديكم ذعافاً ممقراً ، وسمّاً قاتلاً ، وكفى باللّه حكيماً ، وبرسول اللّه صلى الله عليه و آله خصيماً ، وبالقيامة موقفاً ، فلا أبعد اللّه فيها سواكم ، ولا أقعس فيها غيركم ، والسلام على من اتبع الهدى » .(1)
1) . الاحتجاج : 95 .
وعن أبي الحسن الرضا ، عن آبائه عليهم السلام ، قال : « لمّا أتى أبو بكر وعمر إلى منزل أمير المؤمنين عليه السلام وخاطباه في أمر البيعة ، خرج أمير المؤمنين عليه السلام إلى المسجد فحمد اللّه وأثنى عليه بما اصطنع عندهم أهل البيت إذ بعث فيهم رسولاً منهم .. وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً .. ثم قال : « إنّ فلاناً وفلاناً أتياني وطالباني بالبيعة لمن سبيله أن يبايعني ، أنا ابن عم النبي ، وأبو بنيه ، والصديق الأكبر ، وأخو رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، لا يقولها أحد غيري إلاّ كاذب ، وأسلمت وصلّيت قبل كل أحد ، وأنا وصيه وزوج ابنته سيدة نساء العالمين فاطمة بنت محمّد صلى الله عليه و آله وأبو حسن وحسين سبطي رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، ونحن أهل بيت الرحمة ، بنا هداكم اللّه ، وبنا استنقذكم من الضلالة ، وأنا صاحب يوم الدوح ،(1)وفيَّ نزلت سورة من القرآن ، وأنا الوصيّ على الأموات من أهل بيته صلى الله عليه و آله ، وأنا بقيته على الأحياء من أُمّته ، فاتقوا اللّه يثّبت أقدامكم ويتمّ نعمته عليكم » . ثمّ رجع إلى بيته .(2)
عن أبي جعفر عليه السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام - بعد وفاة رسول اللّه صلى الله عليه و آله في المسجد والناس مجتمعون بصوت عال - : « الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللّه ِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ » .(3)
فقال له ابن عباس : يا أبا الحسن ! لم قلت ما قلت ؟! قال : « قرأت شيئاً من القرآن » ، قال : لقد قلته لأمر ، قال : « نعم ، إن اللّه يقول في كتابه : « وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا » ،(4)أفتشهد على رسول اللّه صلى الله عليه و آله أنه استخلف فلاناً ؟! » قال : ما سمعت رسول اللّه صلى الله عليه و آله أوصى إلاّ إليك ، قال : « فهلاّ بايعتني » ؟! قال : اجتمع الناس عليه فكنت منهم ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : « كما اجتمع أهل العجل على
العجل .. هاهنا فتنتم ، ومثلكم ك- « مَثَل الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّه ُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمات لا يُبْصِرُون * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ » » .(1)
وقال عليه السلام في ضمن الخطبة الطالوتية : « أيّها الأُمّة التي خدعت فانخدعت ! .. وعرفت خديعة من خدعها ، فأصرّت على ما عرفت واتبعت أهواءها ، وضربت في عشواء غوايتها ، وقد استبان لها الحق فصدّت عنه ، والطريق الواضح فتنكبته .
أما والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ! لو اقتبستم العلم من معدنه ، وشربتم الماء بعذوبته ، وادّخرتم من موضعه ، وأخذتم الطريق من واضحه ، وسلكتم من الحقّ نهجه .. لنهجت بكم السبل ، وبدت لكم الأعلام ، وأضاء لكم الإسلام ، فأكلتم رغداً ، وما عال فيكم عائل ، ولا ظلم منكم مسلم ولا معاهد ، ولكن سلكتم سبيل الظلام فأُظلمت عليكم دنياكم برحبها ، وسدّت عليكم أبواب العلم فقلتم بأهوائكم ، واختلفتم في دينكم ، فأفتيتم في دين اللّه بغير علم ، واتّبعتم الغواة فأغوتكم ، وتركتم الأئمّة فتركوكم ، فأصبحتم تحكمون بأهوائكم ، إذا ذكر الأمر سألتم أهل الذكر ، فإذا أفتوكم قلتم : هو العلم بعينه ، فكيف وقد تركتموه ونبذتموه وخالفتموه ؟! .. رويداً عمّا قليل تحصدون جميع ما زرعتم ، وتجدون وخيم ما اجترمتم وما اجتلبتم .
والّذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ! لقد علمتم أنّي صاحبكم والذي به أُمرتم ، وأنّي عالمكم والذي بعلمه نجاتكم ، ووصيّ نبيّكم صلى الله عليه و آله ، وخيرة ربّكم ، ولسان نوركم ،
والعالم بما يصلحكم ، فعن قليل رويداً ينزل بكم ما وُعدتم ، وما نزل بالأُمم قبلكم ، وسيسألكم اللّه عزّ وجلّ عن أئمّتكم ، معهم تحشرون وإلى اللّه عزّ وجلّ غداً تصيرون .
أما واللّه ! لو كان لي عدّة أصحاب طالوت أو عدّة أهل بدر - وهم أعداؤكم - لضربتكم بالسيف حتى تؤولوا إلى الحقّ وتنيبوا للصدق ، فكان أرتق للفتق ، وآخذ بالرفق ، اللّهمّ فاحكم بيننا بالحقّ وأنت خير الحاكمين » .
ثم خرج من المسجد فمرّ بصيرة(2)فيها نحو من ثلاثين شاة ، فقال : « واللّه لو
أنّ لي رجالاً ينصحون للّه عزّ وجلّ ولرسول اللّه صلى الله عليه و آله بعدد هذه الشياه ، لأزلتُ ابن آكلة الذِبّان [ الذباب ] عن ملكه .
قال : فلمّا أمسى بايعه ثلاثمائة وستّون رجلاً على الموت ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : « اغدوا بنا إلى أحجار الزيت محلّقين » .
وحلق أمير المؤمنين عليه السلام فما وافى من القوم محلّقاً إلاّ أبو ذر والمقداد وحذيفة بن اليمان وعمّار بن ياسر ، وجاء سلمان في آخر القوم .
فرفع يديه إلى السماء فقال : « اللّهم إنّ القوم استضعفوني كما استضعف بنو اسرائيل هارون ، اللّهمّ فإنّك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى عليك شيء في الأرض ولا في السماء ، توفنّي مسلماً وألحقني بالصالحين ، أما والبيت والمفضي إلى البيت لولا عهد عهده إليّ النبيّ الأُمّي صلى الله عليه و آله لأوردت المخالفين خليج المنية ، ولأرسلت عليهم شآبيب صواعق الموت .. وعن قليل سيعلمون » .(1)
وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام ، عن أمير المؤمنين عليه السلام ، - في ضمن خطبة خطبها بالمدينة بعد سبعة أيام من وفاة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وذلك حين فرغ من جمع القرآن وتأليفه - : « .. فإن اللّه - تبارك اسمه - امتحن بي عباده ، وقتل بيدى أضداده ، وأفنى بسيفي جحّاده ، وجعلني زلفة للمؤمنين ، وحياض موت على الجبارين ، وسيفه على المجرمين ، وشدّ بي أزر رسوله ، وأكرمني بنصره ، وشرّفني بعلمه ، وحباني بأحكامه ، واختصني بوصيته ، واصطفاني بخلافته في أُمّته ، فقال صلى الله عليه و آله - وقد حشده المهاجرون
والأنصار ، وانغصت بهم المحافل - : أيها الناس ! إن علياً منّي كهارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي ... استخلافاً لي كما استخلف موسى هارون ... وقوله : .. من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه ، فكانت على ولايتي ولاية اللّه ، وعلى عدواتي عداوة اللّه ، وأنزل اللّه عزّ وجلّ في ذلك اليوم : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيْتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيْناً »(2)فكانت ولايتي كمال الدين ،
ورضا الربّ جلّ ذكره ، وأنزل اللّه تبارك وتعالى اختصاصاً لي وتكرّماً نحلنيه وإعظاماً وتفضيلاً من رسول اللّه صلى الله عليه و آله منحنيه ، وهو قوله تعالى : « ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللّه ِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِيْنَ » ،(1)فيّ مناقبٌ لو ذكرتها لعظم بها الارتفاع .. فطال لها الاستماع ، ولئن تقمّصها دوني الأشقيان ، ونازعاني في ما ليس لهما بحقّ ، وركباها ضلالة ، واعتقداها جهالة ، فلبئس ما عليه وردا ، ولبئس ما لأنفسهما مهّدا ...
إن القوم لم يزالوا عباد أصنام وسدنة أوثان فأخرجنا اللّه إليهم رحمة ... وأضاءت بنا مفاخر معدّ بن عدنان ، وأولجناهم باب الهدى ، وأدخلناهم دار السلام ، وأشملناهم ثوب الإيمان ، وفلجوا بنا في العالمين ، وأبدت لهم أيام الرسول آثار الصالحين من حامٍ مجاهدٍ ، ومصلٍّ قانت ، ومعتكف زاهد .. يظهرون الأمانة ، ويأتون المثابة ، حتى إذا دعا اللّه عزّ وجلّ نبيه صلى الله عليه و آله ورفعه إليه لم يك ذلك بعده إلاّ كلمحة من خفقة ، أو وميض من برقة .. إلى أن رجعوا على الأعقاب ، وانتكصوا على الأدبار ، وطلبوا بالأوتار ، وأظهروا الكتائب ، وردموا الباب ، وفلّوا الديار ، وغيّروا آثار رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، ورغبوا عن أحكامه ، وبعدوا من أنواره ، واستبدلوا بمستخلفه بديلاً اتخذوه ، وكانوا ظالمين ، وزعموا أنّ من اختاروا من آل أبي قحافة أولى بمقام رسول اللّه صلى الله عليه و آله ممّن اختار رسول اللّه صلى الله عليه و آله لمقامه ، وأنّ مهاجر آل أبي قحافة خير من المهاجريّ الأنصاريّ الربانيّ ناموس هاشم بن عبد مناف ... وعن قليل يجدون غبّ ما أسّسه الأوّلون ..
ألا وإنّي فيكم - أيها الناس ! - كهارون في آل فرعون ، وكباب حطّة في بني إسرائيل ، وكسفينة نوح في قوم نوح ، إنّي النبأ العظيم ، والصدّيق الأكبر .. وعن قليل ستعلمون ما توعدون .. وهل هي إلاّ كلعقة الآكل ، ومذقة الشارب ، وخفقة الوسنان ، ثم تلزمهم المعرات خزياً في الدنيا ويوم القيامة يردّون إلى أشدّ العذاب وما اللّه بغافلٍ عمّا يعملون .. .(2)
قال ابن أبي الحديد : واعلم أنه قد تواترت الأخبار عنه عليه السلام بنحو من هذا القول ، نحو قوله : « مازلت مظلوماً منذ قبض اللّه رسوله حتّى يوم الناس هذا » .
وقوله : « اللّهم اخز قريشاً فإنها منعتني حقّي ، وغصبتني أمري » .
وقوله : « فجزى قريشاً عنّي الجوازي ؛ فإنهم ظلموني حقي ، واغتصبوني سلطان ابن أُمّي » .
وقوله - وقد سمع صارخاً ينادي : أنا مظلوم ! - فقال : « هلمّ فلنصرخ معاً ، فإنّي مازلت مظلوماً » .
وقوله : « .. وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى .. »
وقوله : « أرى تراثي نهباً » .
وقوله : « أصغيا بإنائنا وحملا الناس على رقابنا » .
وقوله : « إنّ لنا حقّاً إنْ نُعْطَهُ نأخذه وإن نُمْنَعْهُ نركب أعجاز الإبل(1)وإن طال السرى » .
وقوله : « مازلت مستأثراً عليّ ؛ مدفوعاً عمّا أستحقه وأستوجبه » .(2)
والحلبي في تقريب المعارف : 243 - 237 و 330 - 329 .
وقال عليه السلام : « اللّهم إنّي أستعديك(3)على قريش ومن أعانهم ، فإنهم قد قطعوا رحمي ، وأكفؤوا إنائي ، وأجمعوا على منازعتي حقّاً كنت أولى به من غيري .. وقالوا :
ألا إنّ في الحق أن تأخذه(4)وفي الحق أن تُمْنَعَه ، فاصبر مغموماً أو مت متأسّفاً .
1) . أي ركبنا مركب الضيم والذلّ ؛ لأن راكب عجز البعير يجد مشقّة . أو المعنى : نصبر أن نكون أتباعاً لغيرنا ؛ لأنّ راكب عجز البعير ردف لغيره . سفينة بحار الأنوار : 1/6 - ابل - .
2) . شرح نهج البلاغة : 9/306 . وقد ذكر بعض هذه الموارد - مختصراً - الشيخ المفيد في كتاب الجمل : 170 ،
3) . أي : أستعينك لتنقم لي .
4) . قال ابن أبي الحديد : قد اختلفت الرواية في قوله : « ألا إن في الحق أن تأخذه » فرواها قوم بالنون وقوم بالتاء .وقال الراوندي : إنها في خط الرضي بالتاء ، ومعنى ذلك : إنك إن وُلّيت أنت .. كانت ولايتك حقاً ، وإن وُلّي غيرك كانت ولايته حقاً - على مذهب أهل الاجتهاد - ، ومن رواها بالنون فالمعنى ظاهر . انظر شرح نهج البلاغة : 11/110 .
فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذابّ ولا مساعد إلاّ أهل بيتي .. فضننت بهم عن المنية ، فأغضيت(1)على القذى ، وجرعت ريقي على الشجى ، وصبرت من كظم الغيظ على أمرّ من العلقم وآلم للقلب من وخز الشفار » .(2)
وروى الشعبي ، عن شريح بن هانئ ، قال : قال علي عليه السلام : « اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش فإنّهم قطعوا رحمي ، وأصغوا إنائي ، وصغّروا عظيم منزلتي ، وأجمعوا على منازعتي » .(3)
وروى جابر ، عن أبي الطفيل ، قال : سمعت علياً عليه السلام يقول : « اللّهم إنّي أستعديك على قريش ؛ فإنّهم قطعوا رحمي ، وغصبوني حقّي ، وأجمعوا على منازعتي أمراً كنت أولى به ، ثم قالوا : إنّ من الحقّ أن نأخذه ومن الحقّ أن تتركه » .(4)
وقال عليه السلام : « اللّهم إني أستعديك على قريش ، فإنهم أضمروا لرسولك صلى الله عليه و آله ضروباً من الشرّ والغدر ، فعجزوا عنها وحلت بينهم وبينها ، فكانت الوجبة بي والدائرة عليّ ، اللّهمّ احفظ حسناً وحسيناً ولا تمكّن فجرة قريش منهما ما دمت حيّاً ، فإذا توفّيتني فأنت الرقيب عليهم ، وأنت على كلّ شيء شهيد » .(5)
لاحظ : شرح نهج البلاغة : 2/53 . وله كلام آخر يناسب المقام ، راجع المصدر : 9/250 - 248 .
1) . خ . ل : فأغضيت عيني .
2) . شرح نهج البلاغة : 11/109 ؛ راجع أيضاً : المصدر 6/96 و 9/305 ؛ كشف المحجّة : 180 ؛ بحار الأنوار : 30/15 ؛ نوادر الأخبار للفيض : 198 - 199 ؛ نهج البلاغة : 106 خطبة : 217 ؛ وبعضه في صفحة: 12 خطبة : 26 ؛ وبعضه في صفحة: 77 خطبة : 172 ؛ وذكر في تعاليقها المصادر التالية : الإمامة والسياسة : 1/154 - 130 ؛ المسترشد : 95 و 80 ؛ العقد الفريد : 2/135 ، 227 ؛ التاريخ للطبري : 6/48 ؛ النهاية لابن الأثير باب الباء ؛ المحاسن للبيقهي : 41 ؛ غرر الحكم : 329 ؛ معدن الجواهر للكراجكي : 226 ؛ الرسائل للكليني ؛ الغارات للثقفى ؛ جمهرة رسائل العرب ، الأمالي للصدوق .
3) . شرح نهج البلاغة : 4/103 .
4) . شرح نهج البلاغة : 4/104 .
5) . شرح نهج البلاغة : 20/298 . قال ابن أبي الحديد عند ذكر بعض ما جرى في السقيفة : قال أبو جعفر النقيب :ومن هذا خاف أيضاً رسول اللّه صلى الله عليه و آله على ذرّيته وأهله ، فإنه كان صلى الله عليه و آله قد وتر الناس ، وعلم أنه إن مات وترك ابنته وولدها سوقة ورعية تحت أيدي الولاة كانوا بعرض خطر عظيم ، فمازال يقرّر لابن عمه قاعدة الأمر بعده حفظاً لدمه ودماء أهل بيته ، فإنهم إذا كانوا ولاة الأمر كانت دماؤهم أقرب إلى الصيانة والعصمة ، مما إذا كانوا سوقة تحت يد وال من غيرهم ، فلم يساعده القضاء والقدر وكان من الأمر ما كان ، ثم أفضى أمر ذرّيته في ما بعد إلى ما قد علمت .
وفي كتابه عليه السلام إلى أخيه عقيل : « .. اللّهم فاجز قريشاً عنّي بفعالها ؛ فقد قطعت رحمي ، وظاهرت عليّ ، وسلبتني سلطان ابن عمّي ، وسلّمت ذلك لمن ليس في قرابتي وحقّي في الإسلام وسابقتي » .(1)
وعنه : « اللّهمّ فإنّي أستعديك على قريش ، فخذ لي بحقّي منها ، ولا تدع مظلمتي لها ، وطالبهم - يا ربّ ! - بحقّي فإنّك الحكم العدل ، فإنّ قريشاً صغّرت قدري ، واستحلّت المحارم منّي ، واستخفّت بعرضي وعشيرتي ، وقهرتني على ميراثي من ابن عمّي .. » .(2)
وقد روى الكافّة عنه : « اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش ، فإنّهم ظلموني في الحجر والمدر » .(3)
وقال عليه السلام : « ما لنا ولقريش ! يخضمون الدنيا باسمنا ، ويطؤون على رقابنا ، فيا للّه وللعجب من اسم جليل لمسمّى ذليل ! » .(4)
عن شقيق بن مسلمة : إن علي بن أبي طالب عليه السلام لمّا انصرف إلى رحله [ بعد بيعة عثمان ] قال لبني أبيه : « يا بني عبد المطلب ! إن قومكم عادوكم بعد وفاة النبي صلى الله عليه و آله كعداوتهم النبي صلى الله عليه و آله في حياته ، وإن يطع قومكم لا تؤمّروا أبداً ، وواللّه لا ينيب هؤلاء
1) . الإمامة والسياسة : 1/54 ، وعنه في بحار الأنوار : 29/628 ، وقريب منه في نهج البلاغة : 130 ، كتاب 136 ، وعنه في بحار الأنوار : 29/621 .
2) . المناقب : 2/201 .
3) . المناقب : 2/115 ؛ وعنه في بحار الأنوار : 41/51 ؛ راجع المصادر التالية مع تغيير في العبارة : المناقب : 2/204 ؛ الصراط المستقيم : 3/42 - 43 ، 150 ؛ العدد القويّة : 189 - 190 ؛ الغارات : 204 ، 392 ؛ كامل بهائي : 2/65 .. وغيرها .
4) . شرح نهج البلاغة : 20/308 .
إلى الحقّ إلاّ بالسيف » .
قال : وعبد اللّه بن عمر بن الخطاب داخل إليهم ، قد سمع الكلام كله ، فدخل وقال : يا أبا الحسن ! أتريد أن تضرب بعضهم ببعض ؟
فقال عليه السلام : « اسكت ، ويحك ! فواللّه لولا أبوك وما ركب منّي قديماً وحديثاً ، ما نازعني ابن عفان ولا ابن عوف .. » فقام عبد اللّه فخرج .(1)
وقال عليه السلام - بعد أن جعل عمر الأمر شورى بين الستّة - : « أما واللّه ، لئن عمر لم يمت لأذكرته ما أتى إلينا قديماً ، ولأعلمته سوءَ رأيه فينا وما أتى إلينا حديثاً » .(2)
وفي كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى معاوية :
« .. ولعمري يا معاوية ! ... وما أنت وطلحة والزبير بأحقر جرما ، ولا أصغر ذنبا ، ولا أهون بدعة وضلالة ممن استنّا لك ! ..(3)ولصاحبك الذي تطلب بدمه ، ووطئا لكما ظلمنا أهل البيت وحملاكم على رقابنا . . » .(4)
وقال عليه السلام : « كنت في أيام رسول اللّه صلى الله عليه و آله كجزء من رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، ينظر إليَّ الناس كما ينظر إلى الكواكب في أُفق السماء .. ، ثم غضّ الدهر منّي فقرن بي فلان وفلان .. ثم قرنت بخمسة أمثلهم عثمان ، فقلت : واذفراه ! ثم لم يرض الدهر لي بذلك حتّى أرذلني فجعلني نظيراً لابن هند وابن النابغة ، لقد استنت الفصال حتّى القرعى » .(5)
1) . شرح نهج البلاغة : 9/54 ، وراجع : بحار الأنوار : 31/357 .
2) . شرح نهج البلاغة : 9/51 .
3) . خ . ل : بأعظم جرما ، ولا أصغر ذنبا ، ولا أهون بدعة وضلالة من الذَين أسّسا لك ..
4) . كتاب سليم : 194 ( الطبعة المحققة : 2 / 769 الحديث الرابع عشر ) ، بحار الأنوار : 33/153 .
5) . شرح نهج البلاغة : 20/326 . قوله عليه السلام : « لقد استنت الفصال حتّى القرعى » ، قال ابن منظور : يضرب مثلاً للرجل يدخل نفسه في قوم ليس منهم . لاحظ : لسان العرب : 13/228 .
قال عليه السلام : « أمّا بعد ، فإنّ اللّه تعالى لمّا قبض نبيّه صلى الله عليه و آله قلنا نحن أهل بيته ، وعصبته ، وورثته ، وأولياؤه ، وأحقّ الخلائق به ، لا نُنازَع حقّه وسلطانه ، فبينا نحن
على ذلك إذ نفر المنافقون فانتزعوا سلطان نبيّنا منّا وولّوه غيرنا ، فبكت - واللّه - لذلك العيون والقلوب منّا جميعاً معاً ، وخشنت له الصدور ، وجزعت النفوس .. » .(1)
وفي رواية الكلبي عنه عليه السلام : « إنّ اللّه لمّا قبض نبيّه صلى الله عليه و آله استأثرت علينا قريش بالأمر ، ودفعتنا عن حقّ نحن أحقّ به من الناس كافّة ، فرأيت أنّ الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين وسفك دمائهم ، والناس حديثو عهد بالإسلام ، والدين يمخض مخض الوطب ، يفسده أدنى وهن ، ويعكسه أقلّ خلف » .(2)
وفي كتابه عليه السلام إلى أهل مصر : « .. فلمّا مضى صلى الله عليه و آله تنازع المسلمون الأمر من بعده ،فواللّه ما كان يلقى في روعي ، ولا يخطر ببالي أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلى الله عليه و آله عن أهل بيته ، ولا أنّهم مُنحّوه عنّي من بعده ، فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه .. » .(3)
وروى جابر الجعفي ، عن محمّد بن علي عليه السلام ، قال : قال علي عليه السلام : « ما رأيت منذ بعث اللّه محمّداً صلى الله عليه و آله رخاءً .. لقد أخافتني قريش صغيراً ، وأنصبتني كبيراً ، حتّى قبض اللّه رسوله فكانت الطامّة الكبرى ، « وَاللّه ُ الْمُسْتَعانُ عَلَى ما تَصِفُوْنَ » » .(4)
وقال عليه السلام لعبد الرّحمن بن عوف - بعد استخلاف عثمان - : « ليس هذا أوّل يومتظاهرتم فيه علينا « فَصَبْرٌ جَمِيْلٌ وَاللّه ُ الْمُسْتَعانُ عَلَى ما تَصِفُوْنَ » » .(5)
1) . الإرشاد : 1/245 ، وقريب منه في أمالي الشيخ المفيد : 99 ؛ ط الحديثة : 154 - 155 ، وعنه في بحار الأنوار : 29/579 ، ولاحظ : 29/634 .
2) . شرح نهج البلاغة : 1/308 ؛ بحار الأنوار : 29/633 و 32/62 .
3) . نهج البلاغة : 145 ، كتاب 62 .
4) . شرح نهج البلاغة : 4/108 ، قريب منه الإرشاد : 1/284 ، والآية الشريفة في سورة يوسف 12 : 18 .
5) . الطبري : 4/233 ؛ الكامل لابن الأثير : 3/71 ؛ شرح نهج البلاغة : 1/194 العقد الفريد : 4/279 (ط مكتبة النهضة المصرية) ، والآية في سورة يوسف (12) : 18 .
وروى عبد الملك بن عمير ، عن عبد الرّحمن بن أبي بكرة ، قال : سمعت علياً عليه السلام ، وهو يقول : « ما لقي أحد من الناس ما لقيت .. » ثمّ بكى عليه السلام .(1)
وزاد البلاذري - بعد قوله عليه السلام « ما لقيت » - : « توفّي رسول اللّه صلى الله عليه و آله وأنا أحقّ بهذا الأمر .. » .(2)
وفي رواية عن عبد الرّحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه : سمعت عليّاً عليه السلام يقول : « ولي أبو بكر وكنت أحقّ الناس بالخلافة » .(3)
وقال عليه السلام : « ما لقي أهل بيت نبي من أُمّته ما لقينا بعد نبيّنا صلى الله عليه و آله ، واللّه المستعان على من ظلمنا ، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم » .(4)
عن إبراهيم الثقفي - بعد ذكر رواية عن الزهري : ما بايع علي عليه السلام إلاّ بعد ستّة أشهر ، وما اجْتُرِئَ عليه إلاّ بعد موت فاطمة عليهاالسلام - قال عليه السلام : « إنّ هؤلاء خيّروني أن يظلموني حقّي وأُبايعهم ... فاخترت أن أظلم حقّي وإن فعلوا ما فعلوا » .(5)
وفي رواية أُخرى : « .. فإنّ هؤلاء خيّروني أن يأخذوا ما ليس لهم أو أُقاتلهم وأُفرّق أمر المسلمين .. » .(6)
وحكى المأمون العبّاسي - في احتجاجه على علماء العامّة - : إن أمير المؤمنين عليه السلام قال : « قبض النبي صلى الله عليه و آله وأنا أولى بمجلسه منّي لقميصي ، ولكنّي أشفقت أن يرجع الناس كفّاراً » .(7)
وقال عليه السلام : « إنّ اللّه عزّ وجلّ لمّا قبض رسوله صلى الله عليه و آله قلنا : نحن أهله وأولياؤه
1) . شرح نهج البلاغة : 4/103 .
2) . أنساب الأشراف : 2/177 تحقيق المحمودي 2/402 (ط دار الفكر) .
3) . لسان الميزان : 4/485 .
4) . الكافي : 8/63 .
5) . الشافي : 3/243 - 244 ؛ تلخيص الشافي : 3/78 - 79 .
6) . الشافي : 3/243 - 244 ؛ تلخيص الشافي : 3/78 - 79 .
7) . عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/187 ، وعنه في بحار الأنوار : 49/192 .
لا ينازعُنا سلطانه أحد ، فأبى علينا قومنا .. فولَّوْا غيرنا ، وأيم اللّه لولا مخالفة الفرقة ، وأن يعود الكفر ويبوء(1)الدين لغيرنا ..(2)فصبرنا على بعض الألم .. » .(3)
قال عليه السلام في الخطبة الشقشقية : « أما واللّه لقد تقمّصها ابن أبي قحافة ، وإنه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى ، ينحدر عنّي السيل ، ولا يرقى إليَّ الطير ، فسدلت دونها ثوباً ، وطويت عنها كشحاً ، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء أو أصبر على طخية عمياء ، يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه ، فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجى ، أرى تراثي نهباً .. » .(4)
عن أسحاق بن موسى ، عن أبيه موسى بن جعفر ، عن آبائه عليهم السلام ، عن أمير المؤمنين عليه السلام- في خطبة يعتذر فيها عن القعود عن قتال من تقدّم عليه - قال : « .. وذهب من كنت أعتضد بهم على دين اللّه من أهل بيتي وبقيت بين خفيرتين قريبي عهد بجاهلية : عقيل وعبّاس » .(5)
وعنه عليه السلام : « ولو كان لي بعد رسول اللّه صلى الله عليه و آله عمّي حمزة وأخي جعفر لم أُبايع كرهاً ، ولكنني بليت(6)برجلين حديثي عهد بالإسلام : العبّاس وعقيل ، فضننت
1) . خ . ل : يبور .
2) . كذا .
3) . الاستيعاب : 1/490 ترجمة رفاعة بن رافع .
4) . شرح نهج البلاغة : 1/151 . والخطبة طويلة رواها الخاصّة والعامّة ، راجع : الغدير : 7/85 - 82 ، وتعليقة نهج البلاغة : 5 نسخة المعجم ، جماعة المدرسين ، قم .
5) . الاحتجاج : 190 ، وعنه في بحار الأنوار : 22/284 .
6) . خ . ل : منيت .
بأهل بيتي الهلاك ، فأغضيت عيني على القذى ، وتجرّعت ريقي على الشجى وصبرت على أمرّ من العلقم، وآلم للقلب من حزّ الشفار.. » .(1)
وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام ، عن أمير المؤمنين عليه السلام : « واللّه لو كان حمزة وجعفر حيّين ما طمع فيها أبو بكر وعمر ولكن ابتليت بحالفين حافين عقيل والعبّاس » .(2)
وقد روى الشيخ الكليني ، عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن علي بن النعمان ، عن ابن مسكان ، عن سدير ، قال : كنّا عند أبي جعفر عليه السلام - فذكرنا ما أحدث الناس بعد نبيّهم صلى الله عليه و آله ، واستذلالهم أمير المؤمنين عليه السلام - فقال رجل من القوم : أصلحك اللّه ! فأين كان عزّ بني هاشم وما كانوا فيه من العدد ؟! فقال أبو جعفر عليه السلام : « ومن كان بقي من بني هاشم ؟! إنما كان جعفر وحمزة فمضيا ، وبقي معه رجلان ضعيفان ذليلان حديثا عهد بالإسلام عباس وعقيل ، وكانا من الطلقاء. أما واللّه لو أنّ حمزة وجعفراً كانا بحضرتهما ما وصلا إليه ، ولو كان شاهديهما لأتلفا نفسيهما». لاحظ : الكافي : 8/189 ، وعنه في بحار الأنوار : 28/251 .
عن المسيب بن نجبة قال : بينا علي عليه السلام يخطب ، إذ قام أعرابي فصاح : وامظلمتاه ! فاستدناه علي عليه السلام ، فلمّا دنا قال له : « إنما لك مظلمة واحدة ، وأنا قد ظلمت عدد المدر والوبر » !(3)
وفي رواية عباد بن يعقوب : إنه دعاه فقال له : « ويحك ! وأنا - واللّه - مظلوم أيضاً .. هات فلندع على من ظلمنا » .(4)
وروي أنّ أعرابياً أتى أمير المؤمنين عليه السلام وهو في المسجد ، فقال : مظلوم ، قال : « ادن منّي .. » فدنا حتى وضع يديه على ركبتيه ، قال : « ما ظلامتك ؟ » فشكا ظلامته ، فقال : « يا أعرابي ! أنا أعظم ظلامة منك ! ظلمني المدر والوبر ، ولم يبق
1) . كشف المحجة ، وعنه في بحار الأنوار : 30/15 ؛ نوادر الأخبار - للفيض الكاشاني - : 199 - 198 .
2) . كامل بهائي : 2/131 ؛ وقريب من هذه الروايات الثلاثة ما رواه سليم في كتابه : 128 الطبعة المحققة : 2 / 666 الحديث الثاني عشر ، وعنه في بحار الأنوار : 29/468 .
3) . خ . ل : الحجر ، المطر .
4) . شرح نهج البلاغة : 4/106 ؛ المناقب : 2/115 ؛ الشافي : 3/223 ؛ تلخيص الشافي : 3/48 ؛ بحار الأنوار : 28/373 .
بيت من العرب إلاّ وقد دخلت مظلمتي عليهم ، وما زلت مظلوماً حتى قعدت مقعدي هذا » .(1)
وروي - متواتراً - أنه عليه السلام قال : « ما زلت مظلوماً(2)منذ قبض اللّه نبيّه حتى يوم الناس هذا .. » أو نحوه .(3)
عليهم السلام : 99 ؛ بحار الأنوار : 28/372 و 29/417 ، 578 و 41/5 ، 51 و42/187 .
أو : « ألا ما زلت مظلوماً .. ألا ما زلت مقهوراً منذ قبض اللّه نبيّه » .(4)
أو : « فواللّه ما زلت مدفوعاً عن أمري ،(5)مستأثراً عليّ ، منذ قبض اللّه نبيّه حتّى يومنا هذا » .(6)
أو : « ولقد كنت أُظلم قبل ظهور الإسلام » .(7)
أو : « ما زلت مظلوماً منذ ولدتني أُمّي »(8)
او : « مذ كنت » .(9)
بل قالوا : إنّه عليه السلام لم يقم مرّة على المنبر إلاّ قال في آخر كلامه قبل أن ينزل : « مازلت مظلوماً منذ قبض اللّه نبيّه صلى الله عليه و آله » .(10)
1) . الخرائج والجرائح : 180 ، وعنه في بحار الأنوار : 42/187 .
2) . خ . ل : مغضوباً .
3) . كامل بهائي : 1/303 و 2/131 ؛ إرشاد القلوب : 395 ؛ الإمامة والسياسة : 1/49 ؛ تقريب المعارف : 237 تحقيق تبريزيان ؛ الصراط المستقيم : 3/41 - 42 ، 114 ؛ المناقب : 2/115 ؛ الشافي : 3/223 ؛ تلخيص الشافي : 3/48 ؛ شرح نهج البلاغة : 10/286 و 20/283 ؛ خصائص الأئمة
4) . كامل بهائي : 1/328 .
5) . خ . ل .: حقّي .
6) . انظر : نهج البلاغة: 7 ، خطبة : 6 ؛ شرح نهج البلاغة : 1/223 ؛ كامل بهائى : 1/210 ؛ بحار الأنوار : 32/135 .
7) . شرح نهج البلاغة : 20/283 .
8) . الفضائل لشاذان القمي : 130 ؛ علل الشرائع : 45 ؛ بحار الأنوار : 27/62 ، 208 و 67/228 .
9) . المناقب : 2/122 ؛ بحار الأنوار : 27/207 و 41/5 .
10) . المناقب : 2/115 ؛ الاحتجاج : 190 ؛ الصراط المستقيم : 3/150 ؛ الشافي : 3/223 ؛ تلخيص الشافي :3/49 ؛ كتاب سليم : 127 ، 181 الطبعة المحققة : 2 / 663 ، 748 ، الحديث الثاني عشر والحديث الخامس والعشرون ؛ بحار الأنوار : 28/373 و 29/419 ، 467 و 33/143 - 142 و 41/51 .
روي من طرق كثيرة أنه عليه السلام كان يقول : أنا أوّل مَنْ يحشر(1)للخصومة بين يدي اللّه يوم القيامة .(2)
وقال الحاكم في المستدرك : 2/386 - بعد ذكر هذه الرواية وما شابهها - : لقد صحّ الحديث بهذه الروايات عن عليّ عليه السلام .
أقول : ويتّضح غرضه عليه السلام من هذا الكلام ممّا رواه ابن أبي الحديد عن النبي صلى الله عليه و آله - عند ذكر ما يبتلى به أميرالمؤمنين عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه و آله - : « فأعدّ للخصومة فإنّك مخاصم » . انظر : شرح نهج البلاغة : 9/206.
قال عليه السلام : « كل حقد حقدته قريش على رسول اللّه صلى الله عليه و آله أظهرته فيّ ، وستظهره في ولدي من بعدي ، مالي ولقريش .. ؟! » .(3)
وقال عليه السلام : « ما لنا ولقريش ! .. وما تنكر منا قريش .. ؟ ! غير أنا أهل بيت شيّد اللّه فوق بنيانهم بنياننا ، وأعلى فوق رؤوسهم رؤوسنا ، واختارنا اللّه عليهم ، فنقموا على اللّه أن اختارنا عليهم ، وسخطوا ما رضي اللّه ،(4)وأحبوا ما كره اللّه ، فلمّا اختارنا اللّه عليهم شركناهم في حريمنا ، وعرّفناهم الكتاب والنبوة ، وعلّمناهم الفرض
1) . خ . ل : يجثو .
2) . صحيح البخاري : 5/6 ، 242 ؛ جواهر المطالب : 1/49 ؛ الرياض النضرة : 581 ؛ كنز العمال : 2/472 ؛ كامل بهائي : 2/87 ؛ المناقب : 3/204 ؛ شرح نهج البلاغة : 6/170 . المناقب للكلابي : 432 ؛ المناقب لابن المغازلي : 265 تعليقة رقم 1 . الصراط المستقيم : 1/289 و 3/42 ؛ تأويل الآيات : 330 ؛ العمدة - لابن البطريق - 311 . عن البخاري والثعلبي ؛ شواهد التنزيل : 1/503 ؛ بشارة المصطفى صلى الله عليه و آله : 263 ؛ سعد السعود : 102 ؛ بحار الأنوار : 19/312 - 313 و 28/374 و 29/578 و 36/22 ، 128 و 39/234 .
3) . شرح نهج البلاغة : 20/328 .
4) . خ . ل : رضا اللّه .
والدين ، وحفّظناهم الصحف والزبر ، وديّنّاهم الدين والإسلام ، فوثبوا علينا ، وجحدوا فضلنا ، ومنعونا حقنا ، والتونا أسباب أعمالنا وأعلامنا » .
« اللهم فإني أستعديك على قريش .. فخذ لي بحقي منها ، ولا تدع مظلمتي لديها ، وطالبهم - يا ربّ ! - بحقي ، فإنك الحكم العدل .. فإن قريشا صغّرت عظيم أمري ، واستحلّت المحارم مني ، واستخفّت بعرضي وعشيرتي ، وقهرتني على ميراثي من ابن عمي ، وأعزّوا(1)بي أعدائي ، ووتروا بيني وبين العرب والعجم ، وسلبوني ما مهّدت لنفسي من لدن صباي بجهدي وكدّي ، ومنعوني ما خلّفه أخي وجسمي وشقيقي ، وقالوا : إنك لحريص متهم ! .. ، أليس بنا اهتدوا من متاه الكفر ، ومن عمى الضلالة وعلى الظلماء .. ؟! أليس أنقذتهم من الفتنة الصماء ، والمحنة العمياء ؟! ويلهم ! ألم أُخلّصهم من نيران الطغاة ، وكرّة العتاة ، وسيوف البغاة ؟! .. بي كان يفري جماجم البهم ، وهام الأبطال إذا فزعت تيم إلى الفرار وعدي إلى الانتكاص » .
« أما وإني لو أسلمت قريشا للمنايا والحتوف ، وتركتها فحصدتها سيوف الغوانم ، ووطئتهم الأعاجم ، وكرّات الأعادي ، وحملات الأعالي ، وطحنتهم سنابك الصافنات ، وحوافر الصاهلات في مواقف الأزل والهزل .. في ظلال الأعنة وبريق الأسنة ، ما بقوا لهضمي ، ولا عاشوا لظلمي ، ولما قالوا : إنك لحريص متهم ! .. » .
« اليوم نتواقف على حدود الحق والباطل ، اللهم افتح بيننا وبين قومنا بالحق .. فإني مهدت مهاد نبوة محمّد صلى الله عليه و آله ، ورفعت أعلام دينك ، وأعلنت منار رسولك ، فوثبوا عليّ وغالبوني ونالوني ووتروني .. » .
فقام إليه أبو حازم الأنصاري فقال : يا أمير المؤمنين ! أبو بكر وعمر ظلماك .. ؟! أحقّك أخذا .. وعلى الباطل مضيا .. ؟ أعلى حق كانا .. ؟ أعلى صواب أقاما .. ؟ أم ميراثك غصبا .. ؟ أفهمنا لنعلم باطلهم من حقك ، أو نعلم حقهما من حقك .. أبزّاك أمرك ؟ أم غصباك إمامتك ؟ أم غالباك فيها عزّا ؟ أم سبقاك إليها عجلاً ، فجرت الفتنة ولم تستطع منها استقلالا ؟ فإن المهاجرين والأنصار يظنّان أنهما كانا على
1) . خ . ل : أغروا .
حقّ ، وعلى الحجة الواضحة مضيا ..
فقال - صلوات اللّه عليه - : « يا أخا اليمن ! لا بحقّ أخذا ، ولا على إصابة أقاما ، ولا على دين مضيا ، ولا على فتنة خشيا - يرحمك اللّه - اليوم نتواقف على حدود الحق والباطل .. » .
إلى أن قال - صلوات اللّه عليه - : « وكذلك فعلا بي ما فعلا حسدا ... سبقني إليه التيمي والعدوي كسباق الفرس احتيالاً واغتيالاً ، وخدعة وغلبة ... ولمّا أنزل اللّه جل وعز : « وَآتِ ذَا القُرْبى حَقَّهُ »(1)دعا رسول اللّه صلى الله عليه و آلهفاطمة فنحلها فدك ، وأقامني للناس علما وإماما ، وعقد لي وعهد إليّ ، فأنزل اللّه عز وجل : « أَطِيعُوا اللّه َ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكم »(2)» .
« فقاتلت حق القتال ، وصبرت حق الصبر ، على أنه أُعزّ تيما وعديا(3)على دين أتت به تيم وعدي .. أم على دين أتى به ابن عمي وصنوي وجسمي ، على أن أنصر تيما وعديا .. أم أنصر ابن عمي وحقي وديني وإمامتي .. وإنما قمت تلك المقامات ، واحتملت تلك الشدائد ، وتعرّضت للحتوف على أن نصيبي من الآخرة موفّرا ، وإني صاحب محمّد وخليفته ، وإمام أُمّته بعده ، وصاحب رايته في الدنيا والآخرة ».
« اليوم أكشف السريرة عن حقّي ، وأُجلّي القذى عن ظلامتي حتى يظهر لأهل اللبّ والمعرفة أني مذلّل مضطهد ، مظلوم مغصوب ، مقهور محقور ، وأنهم ابتزّوا حقّي ،
واستأثروا بميراثي » .
« .. يا معشر المجاهدين المهاجرين والأنصار ! أين كانت سبقة تيم وعدي إلى سقيفة بني ساعدة خوف الفتنة ؟! ألا كانت يوم الإيواء ؛(4)إذا تكانفت(5)الصفوف ،
وتكاثرت الحتوف ، وتقارعت السيوف ؟ » .
« وهلاّ كانت مبادرتهما يوم بدر .. إذ الأرواح في الصعداء ترتقي ، والجياد بالصناديد ترتدي ، والأرض من دماء الأبطال ترتوي ؟! » .
« ولِمَ لَمْ يشفقا على الدين يوم بدر الثانية ! .. والرعابيب ترعب ، والأوداج تشخب ، والصدور تخصب ؟! » .
.. ثم عدّد وقائع النبي صلى الله عليه و آله كلّها على هذا النسق ، وقرعهما بأنهما في هذه المواقف كلّها كانا مع النظّارة والخوالف والقاعدين ، فكيف بادرا الفتنة - بزعمهما - يوم السقيفة .. وقد توطّأ الإسلام بسيفه ، واستقرّ قراره ، وزال حذاره .
ثم قال بعد ذلك : « .. قد توافقنا على حدود الحق والباطل ، وأخرجتكم من الشبهة إلى الحق ، ومن الشك إلى اليقين » .
« فتبرّؤوا - رحمكم اللّه - ممّن نكثوا البيعتين ، وغلب الهوى به فضلّ » .
« وابعدوا - رحمكم اللّه - ممّن أخفى الغدر(1)وطلب الحق من غير أهله فتاه .. » .
« والعنوا - رحمكم اللّه - من انهزم الهزيمتين إذ يقول اللّه : « إذا لَقِيتُمُ الذَّينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلوهُمُ الأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقتالِ أَوْ مُتَحَيِّزا إلى فِئَة فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّه »(2)وقال : « وَيَوْم حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كثْرَتُكمْ فَلمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَليْكُمُ الأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِين »(3)» .
« اغضبوا - رحمكم اللّه - على من غضب اللّه عليهم .. » .
« وتبرؤوا - رحمكم اللّه - ممّن يقول فيه رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « ترتفع يوم القيامة ريح سوداء تخطف من دوني قوما من أصحابي من عظماء المهاجرين فأقول : أصحابي .. فيقال : يا محمّد ! إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك » .
« وتبرّؤوا - رحمكم اللّه - من النفس الضالّ من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه
ولا خلال ، فيقولوا : « رَبَّنا أَرِنا الَّذَيْنِ أَضَلاّنا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُوْنا مِنَ الأَسْفَلِيْنَ » ،(1)ومن قبل أن يقولوا : « يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْب اللّه ِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرين » ،(2)أو يقولوا : « وَما أَضَلَّنا إلاَّ الُمجْرِمُونَ » ،(3)أو يقولوا : « رَبَّنا [ إنّا ] أَطعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبيلا »(4)» .
« إن قريشا طلبت السعادة فشقيت ، وطلبت النجاة فهلكت ، وطلبت الهداية فضلّت » .
« إن قريشا قد أضلّت أهل دهرها ومن يأتي من بعدها من القرون ، إن اللّه - تبارك اسمه - وضع إمامتي في قرآنِه فقال : « وَالَّذينَ يَبيتُونَ لِرَبَّهِمْ سُجَّداً وَقياماً وَالَّذَينَ يَقُولُونَ ربَنَّا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيّاتِنا قُرَّة أعْيُنٍ واجْعَلنا لِلمُتَّقِينَ إِماماً » ،(5)وقال : « الَّذين إِنْ مَكَّنَّاهُمْ في الأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاة وَأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنْكرِ وَللّه ِِ عاقِبَة الأُمور » ».(6)
قال الصفار : وقد كفانا أمير المؤمنين عليه السلام المؤونة في خطبة خطبها ، أودعها من البيان والبرهان ما يجلي الغشاوة عن أبصار متأمليه ، والعمى عن عيون متدبريه ، وحلّينا هذا الكتاب بها ليزداد المسترشدون في هذا الأمر بصيرة ، وهي منة اللّه جلّ ثناؤه علينا وعليهم يجب شكرها .
قال أبو عبيدة : لمّا استقامت الخلافة لأبي بكر ، بلغ أبا بكر عن علي عليه السلام تلكّؤ وشماس .. وتهمهم ونفاس ، فكره أن يتمادى الحال وتبدو له العورة ، وتنفرج ذات
1) . فصلت 41 : 29 .
2) . الزمر 39 : 56 .
3) . الشعراء 26 : 99 .
4) . الاحزاب 33 : 67 .
5) . الفرقان 25 : 73 - 74 .
6) . كتاب الإرشاد لكيفية الطلب في أئمة العباد ، تصنيف محمد بن الحسن الصفار المتوفى 290 ، وعنه في العدد القوية : 190 - 199 ، وعنه في بحار الأنوار : 29/558 - 568 ؛ ورواه ابن شهرآشوب مختصراً في مثالب النواصب : 144 - 148 الخطّية ، والمناقب : 2/203 - 201 ، والآية الشريفة في سورة الحج (22) : 41 .
البين ، ويصير ذلك دريئة لجاهل مغرور ، أو عاقل ذي دهاء ، أو صاحب سلامة ضعيف القلب خوار العنان ، دعاني في خلوة فحضرته .. وعنده عمر وحده - وكان عمر قبساً له وظهيراً معه ، يستضيء بناره ويستملي من لسانه - فقال لي : يا أبا عبيدة ! .. امض إلى عليّ و .. قل له : .. ما هذا الذي تسوّل لك نفسك ، ويدوّي به
قلبك ، ويلتوي عليه رأيك ، ويتخاوص دونه طرفك ، ويستشري به ضغنك ، ويترادّ معه نفسك ، وتكثر لأجله صعداؤك ، ولا يفيض به لسانك ؟ أعُجمة بعد إفصاح ، ألبساً بعد إيضاح ؟ ... ما هذه القعقة بالشنآن ، والوعوعة باللسان ؟ ..
قال أبو عبيدة : فلمّا تهيّأت للنهوض قال لي عمر : كن على الباب هنيئة فلي معك ذرو من الكلام .. فوقفت وما أدري ما كان بعدي إلاّ أنه لحقني بوجه يندى تهللاً وقال لي : قل لعليّ : .. ما هذه الخنزوانة التي في فراش رأسك ؟! وما هذا الشجا المعترض في مدارج أنفاسك ؟ وما هذه الوحرة التي أكلت شراسيفك ، والقذاة التي أعشت ناظرك ؟! وما هذا الدحس والدسّ اللذان يدلاّن على ضيق الباع وخور الطباع ؟! وما هذا الذي لبست بسببه جلد النمر واشتملت عليه بالشحناء والنكر ؟!
لشدّ ما استسعيت لها ، وسريت سرى ابن أنقد إليها .. .
لسنا في كسروية كسرى ولا قيصرية قيصر .. .
أتظنّ ظنّاً أنّ أبا بكر وثب على هذا الأمر مفتاتاً على الأُمة خادعاً لها ومتسلّطاً عليها ؟ أتراه امتلخ أحلامها ، وأزاغ أبصارها ، وحلّ عقودها ، وأحال عقولها ، واستلّ من صدورها حميتها ، وانتكث رشاءها ، وانتضب ماءها ؟ ...
وإنك بحيث لا يجهل موضعك من بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، وكهف الحكمة ، ولا يجحد حقك في ما آتاك ربّك من العلم ومنحك من الفقه في الدين .. هذا إلى مزايا خصصت بها ، وفضائل اشتملت عليها ، ولكن لك من يزاحمك بمنكب أضخم من منكبك ، وقربى أمسّ من قرباك ، وسنّ أعلى من سنّك ، وشيبة أروع من شيبتك .. فادخل في ما هو خير لك اليوم وانفع غداً ، والفظ من فيك ما هو متعلّق بلهاتك ، وانفث سخيمة صدرك ..
ثم نقل عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال لأبي عبيدة - بعد أن أبلغه الرسالة - : « .. اني أعلم أن التظاهر عليَّ واقع ، ولي عن الحق الذي سيق إليَّ دافع ، وإذ قد أفعم الوادي لي وحشد النادي عليّ فلا مرحباً بما ساء أحداً من المسلمين ، وفي النفس كلام لولا سابق قول ، وسالف عهد لشفيت غيظي بخنصري وبنصري ، وخضت لجّته بأخمصي ومفرقي ، ولكني ملجم إلى أن ألقى اللّه ... ».
ثم بعدما التقى الفريقان ؛ قال له عمر : يا أبا الحسن ! ... وزعمت أن التظاهر عليك واقع .. أيّ تظاهر وقع عليك ؟! وأيّ حقّ استؤثر به دونك ؟!
لقد علمت ما قالت الأنصار أمس سرّاً وجهراً ، وما تقلّبت عليه ظهراً وبطناً ، فهل ذكرتْك أو أشارتْ بك ؟! أو طلبت رضاها من عندك ؟!
وهؤلاء المهاجرون ، من الذي قال منهم أنك صاحب هذا الأمر ؟! أو أومأ إليك ، أو همهم بك في نفسه ؟!
أتظنّ أن الناس ضنّوا من أجلك ؟! أو عادوا كفاراً زهداً فيك ؟! أو باعوا اللّه تعالى بهواهم بغضاً لك ؟!
ولقد جاءني قوم من الأنصار فقالوا : إنّ علياً ينتظر الإمامة ويزعم أنه أولى بها من أبي بكر ، فأنكرت عليهم ورددت القول في نحورهم ..(1)
أقول : نحن راجعنا كتاب البصائر والذخائر مراراً ولم نجد الرواية فيه مع أن الظاهر من ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : 10/ 286 أنه نقلها عنه ، ولعلّها حذفت - كسائر ما حذفته الأيدي الأثيمة - من التراث العلمي .
ورواه محيي الدين العربي في محاضرة الأبرار : 2/175 - 197 مع تحريف يسير ، والنويري فى نهاية الإرب : 7/213 ، والقلقشندي المتوفى (821) في صبح الأعشى 1/237 - 247 ، والعصامي المكّي في سمط النجوم العوالي : 2/256 - 271 (مع تحريف يسير) ، وأحمد زكي صفوت في جمهرة رسائل العرب : 1/89 - 109 مع شرحه للغات المشكلة ، والشيخ إبراهيم العبيدي المالكي في : عمدة التحقيق : 236 - 255 (المطبوع في هامش روض الرياحين - ط قبرص) مع تحريف في بعض المواضع ، فإنّه غيّر ما نقله عن أمير المؤمنين علي عليه السلام : « فإني أعلم أن التظاهر عليّ واقع ، ولي عن الحق الذي سيق إليّ دافع ، وإذ قد أفعم الوادي لي وحشد النادي عليّ » . وأورده هكذا : فإنّي لم أعلم أن التظاهر عليّ واقع ولا عن الحق الذي ... قد أنعم بي الوادي أو حشر من أجلى النادي .
ويحتمل أن يكون التحريف وقع من قبل غيره فنقله محرّفاً . وكيف كان ، فسياق الكلام وجواب عمر بعد ذلك يدلاّن على ما نقله ابن أبي الحديد دون ما ذكره العبيدي .
ثم ، الغرض من ذكر هذه الرسالة اعترافهم بمظلومية أمير المؤمنين عليه السلام لا الالتزام بصحة جميع ما فيها ، ولشيخنا العلاّمة الأميني تعليقة عليها ، راجع الغدير : 5/273 .
1) . شرح نهج البلاغة : 10/271 - 285 ؛ عن أبي حيان التوحيدي في رواية طويلة جدّاً .
ثم قال ابن أبي الحديد - بعد كلام له - : إنما ذكرناه نحن في هذا الكتاب وإن كان عندنا موضوعاً منحولاً ، فإنه صورة ما جرت عليه حال القوم ! .. فهم وإن لم ينطقوا به بلسان المقال فقد نطقوا به بلسان الحال ..(1)
أقول : إنّ التفتازاني حكم بصحّة هذه الرواية ، فقال : وفي إرسال أبي بكر وعمر أبا عبيدة الجراح إلى علي عليه السلام رسالة لطيفة رواها الثقاة بإسناد صحيح تشتمل على كلام كثير من الجانبين وقليل غلظة من عمر !! ..(2)
وفي رواية أنه عليه السلام قال لأبي عبيدة : يا أبا عبيدة ! طال عليك العهد فنسيت أم نافست فأُنْسيتَ ؟
لقد سمعتها ووعيتها فهلاّ رعيتها ؟(3)
عن أبي جعفر الباقر عليه السلام : « قال ابن عباس : ... فقلت : ما لك - يا أمير المؤنين! - الليلة ؟ فقال : « ويحك يا ابن عباس ! وكيف تنام عينا قلب مشغول ؟ ! يا ابن عباس ! ملك جوارحك قلبك فإذا أرهبه أمر طار النوم عنه، ها أنا ذا كما ترى مذ أوّل الليل اعتراني الفكر والسهر لما تقدّم من نقض عهد أوّل هذه الأُمّة المقدّر عليها نقض عهدها، إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله أمر من أمر من أصحابه بالسلام عليّ في حياته بإمرة المؤنين ، فكنت أوكد أن أكون كذلك بعد وفاته ، يا ابن عباس ! أنا أولى الناس بالناس بعده ، ولكن أمور اجتمعت على رغبة الناس في الدنيا وأمرها ونهيها وصرف قلوب
أهلها عنّي، وأصل ذلك ما قال اللّه تعالى في كتابه : « أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللّه ُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً » ،(1)فلو لم يكن ثواب ولا عقاب لكان بتبليغ الرسول صلى الله عليه و آله فرض على الناس اتّباعه، واللّه عزّ وجلّ يقول : « ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا » ،(2)أتراهم نُهُوا عنّي فأطاعوه ؟ ! والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة وغدا بروح أبي القاسم صلى الله عليه و آله إلى الجنّة لقد قرنت برسول اللّه صلى الله عليه و آله حيث يقول عزّ وجلّ : « إِنَّما يُرِيدُ اللّه ُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً » ،(3)ولقد طال - يا ابن عباس - فكري وهمّي وتجرّعي غصّة بعد غصّة .. » .(4)
ذكر الإمام علي بن أحمد الواحدي ، عن أبي هريرة قال : اجتمع عدّة من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله - منهم أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير والفضل بن عبّاس وعمّار وعبد الرحمن بن عوف وأبو ذر والمقداد وسلمان وعبد اللّه بن مسعود - فجلسوا وأخذوا في مناقبهم ، فدخل عليهم علي عليه السلام فسألهم : « فيمَ أنتم ؟ » قالوا : نتذاكر مناقبنا ممّا سمعنا من رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فقال علي عليه السلام : « اسمعوا منّي » ، ثمّ أنشأ يقول هذه الأبيات :
« لقد علم الأُناس بأنّ سهمي *** من الإسلام يفضل كلّ سهم
وأحمد النبي أخي وصهري *** عليه اللّه صلّى وابن عمّي
وإنّي قائد للناس طرّاً *** إلى الإسلام من عرب وعجم
وقاتل كلّ صنديد رئيس *** وجبّار من الكفّار ضخم
وفي القرآن ألزمهم ولائي *** وأوجب طاعتي فرضاً بعزم
كما هارون من موسى أخوه *** كذاك أنا أخوه وذاك اسمي
لذاك أقامني لهم إماماً *** وأخبرهم به بغدير خمّ
فمن منكم يعادلنى بسهمي *** وإسلامي وسابقتي ورحمي ؟
فويل ثمّ ويل ثمّ ويل *** لمن يلقى الإله غداً بظلمي
وويل ثمّ ويل ثمّ ويل *** لجاحد طاعتي ومريد هضمي
وويل للذي أشقى سفاهاً *** يريد عدواتي من غير جرم »(1)
وله عليه السلام :
« أطلب العذر من قومي وإن جهلوا *** فرض الكتاب ونالوا كلّ ما حرما
حبل الإمامة لي من بعد أحمدنا *** كالدلو علقت التكريب والوذما
لا في نبوّته كانوا ذوي ورع *** ولا رعوا بعده إلاًّ ولا ذمماً
لو كان لي جائزاً سرحان أمرهم *** خلفت قومي وكانوا أُمّة أُمما »(2)
وله عليه السلام :
« تعلّم أبا بكر ولا تك جاهلاً *** بأنّ عليّاً خير حاف وناعل
وأنّ رسول اللّه أوصى بحقّه *** وأكّد فيه قوله في الفضائل
ولا تبخسنه حقّه واردد الورى *** إليه فإنّ اللّه أصدق قائل »(3)
الأوّل : مظلومية مولانا أمير المؤمنين عليه السلام مما أعلنه الصديق والعدوّ ، انظر إلى فاطمة الزهراء عليهاالسلام فإنها لمّا حضرتها الوفاة بكت ، فقال لها أمير المؤمنين عليه السلام : « يا
سيدتي ! ما يبكيك ؟ » قالت : « أبكي لما تلقى بعدي » .. .(1)
وانظر إلى سبط النبي صلى الله عليه و آله الإمام المجتبى عليه السلام يقول :
« وأيم اللّه لأنّا أولى الناس بالناس في كتاب اللّه وعلى لسان رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، غير أنّا لم نزل أهل البيت مخيفين مظلومين مضطهدين منذ قبض رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فاللّه بيننا وبين من ظلمَنا حقّنا ، ونزل على رقابنا ، وحمل الناس على أكتافنا ، ومنعنا سهمنا في كتاب اللّه من الفيء والغنائم ، ومنع أُمّنا فاطمة عليهاالسلام إرثها من أبيها » .
« إنّا لا نسمّي أحداً .. ولكن أُقسم باللّه قسماً تالياً ، لو أنّ الناس سمعوا قول اللّه ورسوله لأعطتهم السماء قطرها ، والأرض بركتها ، ولما اختلف في هذه الأُمة سيفان ، ولأكلوها خضراء خضرة إلى يوم القيامة » .(2)
وفي كتابه عليه السلام إلى معاوية - بعد ذكر التنازع في أمر الخلافة بعد النبي صلى الله عليه و آله - : « فهيهات ! ما أنصفتنا قريش » .(3)
وفي كتاب مولانا أبي عبد اللّه الحسين عليه السلام إلى أشراف البصرة :
« أمّا بعد ؛ فإنّ اللّه اصطفى محمّداً صلى الله عليه و آله على خلقه ، وأكرمه بنبوّته ، واختاره لرسالته ، ثمّ قبضه اللّه إليه وقد نصح لعباده ، وبلغ ما أُرسل به صلى الله عليه و آله ، وكنّا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته وأحقّ الناس بمقامه في الناس ، فاستأثر علينا قومنا بذلك ، فرضينا وكرهنا الفرقة وأحببنا العافية ، ونحن نعلم أنّا أحقّ بذلك الحقّ المستحقّ علينا ممّن تولاّه » .(4)
وقال أبو جعفر الباقر عليه السلام - لبعض أصحابه - :
« يا فلان ! ما لقينا من ظلم قريش إيانا وتظاهرهم علينا ! وما لقي شيعتنا ومحبّونا من الناس .. إن رسول اللّه صلى الله عليه و آله قبض وقد أخبر أنّا أولى الناس بالناس ،
فتمالأت علينا قريش حتى أخرجت الأمر عن معدنه ، واحتجّت على الأنصار بحقّنا وحجّتنا ، ثم تداولتها قريش واحد بعد واحد .. حتى رجعت إلينا فنكثت بيعتنا ونصبت الحرب لنا ، ولم يزل صاحب الأمر في صعود كئود حتى قتل .. » .(1)
وقريب منه ما رواه أبان بن أبي عياش عنه عليه السلام وزاد فيه : « فتظاهروا على علي عليه السلامفاحتجّ عليهم بما قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله فيه وما سمعته العامّة ، فقالوا : صدقت قد قال [ ذلك ]رسول اللّه صلى الله عليه و آله ولكن قد نسخه فقال : إنا أهل بيت أكرمنا اللّه عزّ وجل واصطفانا ولم يرض لنا بالدنيا وإن اللّه لا يجمع لنا النبوة والخلافة . فشهد له بذلك أربعة نفر عمر وأبو عبيدة ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة .. فشبّهوا على العامّة وصدّقوهم وردّوهم على أدبارهم ، وأخرجوها من معدنها [ من ] حيث جعلها اللّه ، واحتجّوا على الأنصار بحقّنا وحجّتنا ، فعقدوها لأبيبكر ، ثم ردّها أبوبكر إلى عمر يكافيه بها ، ثم جعلها عمر شورى بين ستة .. » .(2)
وروي عن أبي الحسن الهادي عليه السلام أنه كان يقول عند قبر أمير المؤمنين عليه السلام :
« السلام عليك يا وليّ اللّه ، أشهد أنّك أنت أوّل مظلوم ، وأوّل من غصب حقّه ، صبرت واحتسبت حتّى أتاك اليقين .. » .(3)
ولاحظ أيضا الزيارات الواردة في الفقيه 2 / 586 ؛ التهذيب : 6 / 28 ؛ مصباح المتهجّد : 745 ؛ البلد الأمين : 294 ؛ عنهم بحار الأنوار : 100 / 294 ، 320 ، 337 .
وروى الإمام الكاظم ، عن أبيه ، عن جدّه عليهم السلام قال : « خطبت فاطمة الصغرى بعد أن ردّت من كربلاء فقالت : ... اللهم إني أعوذ بك أن أفتري عليك الكذب وأن أقول عليك خلاف ما أنزلت من أخذ العهود لوصيه علي بن أبي طالب ، المسلوب حقه ، المقتول من غير ذنب ، كما قتل ولده بالأمس .. » .(4)
وفي رواية : - لمّا سئل زيد بن علي عن أبي بكر وعمر - قال : .. إنّا كنّا أحقّ
1) . شرح نهج البلاغة : 11 / 45 - 43 ، وعنه في بحار الأنوار : 44 / 68 .
2) . كتاب سليم : 2 / 630 الحديث العاشر الطبعة المحققة ؛ وعنه في بحارالأنوار : 27 / 211 و 28 / 295 .
3) . كامل الزيارات : 41 ، 45 ؛ الكافي : 4 / 569 ؛ فرحة الغري : 111 ؛ بحار الأنوار : 100 / 265 .
4) . الاحتجاج : 2 / 302 ؛ اللهوف : 149 ؛ بحارالأنوار : 45 / 110 .
بسلطان رسول اللّه صلى الله عليه و آله من الناس أجمعين ، وإنّ القوم استأثروا عليناودفعوناعنه .(1)
وروي أنه قيل : يا أباذر ! إنا لنعلم أن أحبّهم إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله أحبّهم إليك ، قال : أجل ، قلنا : فأيّهم أحبّ إليك ؟ قال : هذا الشيخ المظلوم المضطهد حقه .. يعني
علي بن أبي طالب عليه السلام .(2)
وقال المقداد : ما رأيت مثل ما أُوذي به أهل هذا البيت بعد نبيّهم صلى الله عليه و آله .(3)
وروى الجوهري عن عمّار بن ياسر أنه نادى يوم بويع عثمان : يا معشر قريش ! إلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيّكم ؟! تحوّلونه هاهنا مرّة . . وهاهنا مرّة !(4)
وروى الجمهور : أن أروى بنت الحارث بن عبد المطلب دخلت على معاوية في خلافته بالشام - وهي يومئذ عجوز كبيرة - فلمّا رآها قال : مرحبا بك يا خالة ! قالت : كيف أنت يا ابن أُختي ؟ لقد كفرت النعمة ، وأسأت لابن عمّك الصحبة ، وتسمّيت بغير اسمك ، وأخذت غير حقّك ، بلا بلاء كان منك ولا من أبيك ،(5)بعد أن كفرتم بما جاء به محمد صلى الله عليه و آله ، فأتعس اللّه منكم الجدود حتى ردّ اللّه الحق ّإلى أهله وكانت كلمة اللّه هي العليا ، ونبيّنا صلى الله عليه و آله هو المنصور على كلّ من ناواه ولو كره المشركون ، فكنا أهل البيت أعظم الناس في هذا الدين بلاءً ، وعن أهله غناءً وقدرا حتى قبض اللّه نبيه صلى الله عليه و آله مغفورا ذنبه ، مرفوعة منزلته ، شريفا عند اللّه مرضيا ، فوثب علينا بعده تيم وعدي وبنو أُمية ، فأنت تهتدي بهداهم وتقصد لقصدهم ! فصرنا - بحمد اللّه - فيكم - أهل البيت - بمنزلة قوم موسى في آل فرعون : يذبّحون أبناءهم ،ويستحيون نساءهم ، وصار سيّدنا منكم بعد نبيّنا بمنزلة هارون من موسى عليهماالسلام حيث
1) . تاريخ الطبري : 7/181 .
2) . كشف الغمة : 1/344 ؛ الطرائف : 24 ؛ اليقين : 144 ؛ بحار الأنوار : 22/432 و 28/374.
3) . مروج الذهب : 2 / 343 ؛ الطبري : 4 / 233 ؛ الكامل لابن الأثير : 3 / 71 وقريب منها في أمالي الشيخ المفيد : 169 ؛ أمالي الشيخ الطوسي : 1 / 194 ؛ شرح نهج البلاغة : 1 / 194 و 9 / 56 ؛ بحار الأنوار : 22 / 439 .
4) . شرح نهج البلاغة : 9 / 58 ، وراجع : 1 / 194 و 12 / 265 .
5) . خ ل : من غير دين كان منك ، ولا من آبائك ، ولا سابقة لك في الإسلام ...
يقول : ي« ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي » ،(1)فلم يجمع بعد رسول اللّه صلى الله عليه و آلهشمل ، ولم يسهل وعث ، وغايتنا الجنّة وغايتكم النار .(2)
بل أعدى عدوّه - وهو عمر - يعترف بمظلوميته كما نقل من كتاب الموفقيات للزبير بن بكار الزبيري ، عن رجاله ، عن ابن عباس ، قال : إني لأُماشي عمر بن الخطّاب في سكّة من سكك المدينة إذ قال لي : يابن عباس ! ما أظنّ صاحبك إلاّ مظلوما ! ..(3)
وفي رواية أُخرى : قال عمر : يابن عباس ! أما واللّه إن كان صاحبك هذا أولى الناس بالأمر بعد وفاة رسول اللّه صلى الله عليه و آله إلاّ أنا خفناه على اثنتين .
فقلت : يا أمير المؤمنين ! ما هما ؟
قال : خشيناه على حداثة سنه ، وحبّه بني عبد المطلب .. !!(4)
وفي رواية اليعقوبي : واللّه يابن عبّاس ! إنّ عليّا ابن عمّك لأحقّ الناس بها ، ولكن قريشا لاتحتمله ! !(5)
الثاني : حزن الأئمّة المعصومين عليهم السلام وبكاؤهم وتغيّرهم عند ذكر أُمّهم الصدّيقة عليهاالسلام ، ممّا يظهر منه عظم ما جرى عليها .
فقد روى علي بن أبي حمزةٌ ، عن أبي إبراهيم عليه السلام ، قال: قلت : جعلت فداك ! إن أذنت لي حدّثتك بحديث عن أبي بصير ، عن جدّك : أنه كان إذا وعك استعان بالماء البارد ، فيكون له ثوبان ؛ ثوب في الماء البارد ، وثوب على جسده ، يراوح
1) . الأعراف 7 : 150 .
2) . نهج الحق : 312 ؛ دلائل الصدق : 3 / 236 ؛ بحار الأنوار : 33 / 252 ؛ الغدير : 2/121 مع اختلاف يسير قريب منه بحارالأنورا : 33/260 .
3) . كشف اليقين : 175 ، وعنه في بحار الأنوار : 40 / 125 ؛ وقريب منه ما في شرح نهج البلاغة : 6/45 و 12/46 .
4) . شرح نهج البلاغة : 2 / 57 و 6 / 50 .
5) . تاريخ اليعقوبي : 2 / 158 - 159 .
بينهما ثم ينادي - حتى يسمع صوته على باب الدار - : « يا فاطمة بنت محمّد ! » فقال : « صدقت » .(1)
قال المحدّث القمي رحمه الله : إنّي أحتمل قويّا أنه أثّر الحمى في جسده اللطيف كذلك أثّر كتمان حزنه على أُمّه المظلومة في قلبه الشريف ، فكما أنه يطفي حرارة جسده بالماء ، يطفي لوعة وجده بذكر اسم فاطمة سيّدة النساء . وذلك مثل ما يظهر من الحزين المغموم من تنفّس الصعداء ، فإنّ تأثير مصيبتها - صلوات اللّه عليها - على قلوب أولادها الأئمّة الأطهار آلم من حزّ الشفار ، وأحرّ من جمرة النار ، فإنهم - صلوات اللّه عليهم - من باب التقيّة لما كانوا بانين على كتمانها ، غير قادرين على
إظهارها ، فإذا ذكرت فاطمة - صلوات اللّه عليها - يبدو منهم - سلام اللّه عليهم - ممّا كتموه ما يستدل به الأريب الفطن بما في قلوبهم من الحزن والمحن .(2)
أقول : ويحتمل أنه عليه السلام لمّا تألّم من الحمى تذكّر ما جرى على أُمّه المظلومة عليهاالسلام وما قاسته من تلك المصائب من حرارة النار .. أو لوعة المصاب مع حمى المرض أو .. ولذلك استغاث باسمها الشريف .
قال بشّار المكاري : دخلت على أبي عبد اللّه عليه السلام بالكوفة - وقد قدم له طبق رطب طبرزد وهو يأكل - ، فقال : « يا بشّار ! أدن فكل » ، فقلت : هنّأك اللّه وجعلني
فداك ، قد أخذتني الغيرة من شيء رأيته في طريقي أوجع قلبي وبلغ منّي، فقال لي : « بحقّي لمّا دنوت فأكلت » ، قال : فدنوت فأكلت ، فقال لي « حديثك .. » قلت : رأيت جلوازا يضرب رأس امرأة ، ويسوقها إلى الحبس وهي تنادي بأعلى صوتها : المستغاث باللّه ورسوله .. ولايغيثها أحد . قال : « ولم فعل بها ذلك .. ؟! » . قال : سمعت الناس يقولون : إنها عثرت ، فقالت :
لعن اللّه ظالميك يا فاطمة
.. فارتكب منها ما ارتكب .
قال : فقطع الأكل .. ولم يزل يبكي حتّى ابتلّ منديله ولحيته وصدره بالدموع ، ثم قال : « يا بشّار ! قم بنا إلى مسجد السهلة فندعو اللّه عزّ وجلّ ونسأله خلاص هذه المرأة .. » .(1)
وفي خبر السكوني : فقال لي - أبو عبد اللّه الصادق عليه السلام - : « ما سمّيتها ؟ قلت : فاطمة . قال : « آه .. آه .. أمّا إذا سمّيتها فاطمة فلا تسبّها ولا تلعنها ولا تضربها » .(2)
وروى الشيخ الصدوق : انه أتى رجل أبا عبد اللّه عليه السلام فقال له : يرحمك اللّه ! هل تشيع الجنازة بنار ويمشى معها بمجمرة وقنديل .. أو غير ذلك مما يضاء به ؟
قال : فتغيّر لون أبي عبد اللّه عليه السلام من ذلك ، فاستوى جالسا . ثم ذكر - في حديث طويل جدّا - استيذان الشيخين لعيادة السيدة فاطمة عليهاالسلام وامتناعها من الإذن ، واستيذان أمير المؤمنين عليه السلام لهما ، وقولها عليهاالسلام لهما : « أُنشدكما باللّه هل سمعتما النبي صلى الله عليه و آله يقول : « فاطمة بضعة منّي وأنا منها ، من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى اللّه ، ومن آذاها بعد موتي فكان كمن آذاها في حياتي ، ومن آذاها في حياتي كان كمن آذاها بعد موتي » ؟
قالا : نعم . فقالت : « الحمد للّه » ، ثم قالت : « اللّهم إني أُشهدك - فاشهدوا يا من حضر ! - إنهما قد آذياني في حياتي وعند موتي ، واللّه لا أُكلّمكما من رأسي كلمة حتى
ألقى ربّي فأشكو كما إليه بما صنعتما بي وارتكبتما منّي » ...
ثم أشار عليه السلام إلى إيصائها بعدم حضور الأعداء جنازتها ، ثم قال عليه السلام :
« فلمّا قضت نحبها - صلى اللّه عليها - ، وهم في ذلك في جوف الليل ، أخذ علي عليه السلام في جهازها من ساعته كما أوصته ، فلمّا فرغ من جهازها .. أخرج علي عليه السلام
الجنازة ، وأشعل النار في جريد النخل ، ومشى مع الجنازة بالنار ، حتى صلّى عليها ودفنها ليلاً .. » .(1)
وقد مرّ ما رواه عيسى بن المستفاد ، عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام ، عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « .. ألا فاسمعوا ومن حضر ، ألا إنّ فاطمة بابها بابي ، وبيتها بيتي ، فمن هتكه فقد هتك حجاب اللّه » .
قال عيسى : فبكى أبو الحسن عليه السلام طويلاً وقطع بقية كلامه ، وقال : « هتك واللّه حجاب اللّه ! .. هتك واللّه حجاب اللّه ! .. هتك واللّه حجاب اللّه ! .. يا أُمّه ! » .(2)
وعن محمد بن هارون بن موسى ، عن أبيه ، عن محمد بن الحسن بن احمد بن الوليد ، عن احمد بن أبي عبد اللّه البرقي ، عن زكريا بن آدم ، قال : إني لعند الرضا عليه السلام ، إذ جيء بأبي جعفر عليه السلام وسنّه أقل من أربع سنين ، فضرب بيده إلى الأرض ورفع رأسه إلى السماء ، فأطال الفكر ، فقال له الرضا عليه السلام : « بنفسي أنت فلم طال فكرك » ؟
فقال : « في ما صنع بأُمّي فاطمة عليهاالسلام ، أما واللّه لأُخرجنّهما ، ثمّ لأُحرقنّهما ، ثم لأذرينّهما ، ثم لأنسفنّهما في اليمّ نسفا .. » ، فاستدناه وقبّل بين عينيه ، ثم قال : « بأبي أنت وأُمّي ، أنت لها » . يعني : الإمامة .(3)
وحكي عن العلاّمة السيد باقر الهندي أنه رأى في المنام صاحب الأمر - عجّل اللّه فرجه - ليلة الغدير حزينا كئيبا ، فقال : يا سيّدي ! ما لي أراك في هذا اليوم حزينا والناس على فرح وسرور بعيد الغدير ؟!
فقال عليه السلام : « ذكرت أُمّي وحزنها » ، ثم قال :
« لاتراني اتّخذت لا وعلاها *** بعد بيت الأحزان بيت سرور »
ولمّا انتبه السيّد نظم قصيدة في أحوال الغدير وما جرى على الزهراء عليهاالسلام بعد
أبيها وضمّنها هذا البيت ، والقصيدة مشهورة مطلعها :
كل غدر وقول إفك وزور *** هو فرع من جحد نصّ الغدير(1)
وفي توقيع مولانا صاحب الزمان عليه السلام : « .. ولولا ما عندنا من محبة صلاحكم ورحمتكم والإشفاق عليكم لكنّا عن مخاطبتكم في شغل مما قد امتحنّا من منازعة الظالم العتلّ الضالّ ، المتابع في غيّه ، المضادّ لربّه ، المدّعي ما ليس له ، الجاحد حق من افترض اللّه طاعته ، الظالم الغاصب ، وفي ابنة رسول اللّه صلى الله عليه و آله لي أُسوة حسنة .. وسيردي(2)الجاهل رداءة عمله ، وسيعلم الكافر لِمَنْ عُقْبَى الدّار » .(3)
أقول : وقد مرّ عليك بكاء أمير المؤمنين عليه السلام وكلامه حين تغسيل فاطمة عليهاالسلام وبعد دفنها ، وتغيّرحاله حينما سمع إغرام عمر بن الخطّاب جميع عمّاله ماخلا قنفذ العدوي لإعانته في ضرب الزهراء عليهاالسلام ، وتغيّر السبط الأكبر مولانا أبي محمّد المجتبى عليه السلامعلى المغيرة بن شعبة .
قالت فاطمة بنت الحسين عليه السلام : لمّا اشتدّت علّة فاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، اجتمع عندها نساء المهاجرين والأنصار فقلن لها : يا بنت رسول اللّه ! كيف أصبحت عن علّتك ؟
فقالت عليهاالسلام : « أصبحت واللّه عائفة لدنياكم ،(4)قالية لرجالكم ،(5)لفظتهم قبل أن عجمتهم ، وشنئتهم بعد أن سبرتهم ، فقبحا لفلول الحدّ ، وخور القناة ، وخطل الرأي ، و « بِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخَطَ اللّه ُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ
خالِدُوْنَ » ،(1)لاجرم لقد قلّدتهم ربقتها ، وشننت عليهم غارها ، فجدعا وعقرا وسحقا للقوم الظالمين » .
« ويحهم ! أنّى زحزحوها عن رواسي الرسالة ، وقواعد النبوّة ، ومهبط الوحي الأمين ، والطبين(2)بأمر الدنيا والدين « أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِيْنُ »(3)» .
« وما نقموا من أبي الحسن ! .. نقموا واللّه منه نكير سيفه ، وشدّة وطئه ، ونكال وقعته ، وتنمّره في ذات اللّه عزّ وجلّ ، واللّه لو تكافّوا عن زمام نبذه رسول اللّه صلى الله عليه و آله إليه لاعتلقه ولسار بهم سيرا سجحا ، لايكلم خشاشه ، ولايتعتع راكبه ، ولأوردهم منهلاً نميرا فضفاضا ، تطفح ضفّتاه ، ولأصدرهم بطانا ، قد تحيّر بهم الريّ غير متحلّ منه بطائل إلاّ بغمر الماء وردعه شرر(4)الساغب ، ولفتحت عليهم بركات من السماء والأرض .. وسيأخذهم اللّه بما كانوا يكسبون » .
« ألا هلمّ فاسمع وما عشت أراك الدهر العجب ؛ وإن تعجب فقد أعجبك الحادث .. إلى أيّ سناد استندوا ؟! .. وبأي عروة تمسّكوا ؟! .. استبدلوا الذنابى - واللّه - بالقوادم ، والعجز بالكاهل ، فرغما لمعاطس قوم « يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُوْنَ صُنْعاً » ،(5)« أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُوْنَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُوْنَ » ،(6)« اَفَمَنْ يَهْدِي إلَى الْحقّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أمَّن لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدَى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُوْنَ »(7)» .
« أما لعمر إلهك لقد لقحت فنظرة ريث ما تنتج .. ثم احتلبوا اطلاع القعب دماعبيطا ، وذعافا ممقرا ، هنالك يخسر المبطلون ، ويعرف التالون غبّ ما سنّ الأوّلون ، ثم طيبوا عن أنفسكم أنفسا ، وطامنوا للفتنة جأشا ، وابشروا بسيف صارم ، وهرج
شامل ، واستبداد من الظالمين .. يدع فيئكم زهيدا ، وزرعكم حصيدا ، فياحسرتى لكم .. وأنى بكم .. وقد عميت قلوبكم عليكم « أَنُلْزِمُكُمُوْها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُوْنَ » ».(1)
وفي رواية : قال سويد بن غفلة : فأعادت النساء قولها عليهاالسلام على رجالهنّ .. فجاء إليها قوم من وجوه المهاجرين والأنصار معتذرين ، وقالوا : يا سيّدة النساء ! لو كان
أبو الحسن ذكر لنا هذا الأمر من قبل أن نبرم العهد ونحكم العقد لما عدلنا عنه إلى غيره ! ..
فقالت عليهاالسلام : « إليكم عنّي ، فلا عذر بعد تعذيركم ، ولا أمر بعد تقصيركم » .
ودخل إليها في مرضها نساء رسول اللّه صلى الله عليه و آله وغيرهنّ من قريش ، فقلن : كيف أنت ؟
قالت : « أجدني - واللّه - كارهة لدنياكم ، مسرورة لفراقكم ، ألقى اللّه ورسوله بحسرات منكنّ ، فما حفظ لي الحقّ ، ولا رعيت منّي الذمّة ، ولا قبلت الوصيّة ، ولا عرفت الحرمة .. » .(2)
وعنها عليهاالسلام : « أما واللّه لو تركوا الحقّ على أهله ، واتبعوا عترة نبيّه ، لما اختلف في اللّه اثنان ، ولورثها سلف عن سلف ، وخلف بعد خلف ، حتّى يقوم قائمنا التاسع من ولد الحسين .. ولكن قدّموا من أخّره اللّه ، وأخّروا من قدّمه اللّه ، حتّى إذا ألحدوا المبعوث ، وأودعوه الجدث المجدوث ، اختاروا بشهوتهم ، وعملوا بآرائهم ، تبّا لهم ! أو لم يسمعوا اللّه يقول : « وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ »(3)بل سمعوا ولكنّهم كما قال اللّه سبحانه : « فَإِنَّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوْبُ الَّتِي فِي
1) . منال الطالب : 528 - 529 ؛ جواهر المطالب : 1 / 164 - 168 ؛ معاني الأخبار : 354 - 355 ، وعنه في بحار الأنوار : 43 / 158 ؛ أمالي الشيخ الطوسي : 1 / 384 ، وعنه في بحار الأنوار : 43 / 161 ؛ الاحتجاج : 108 - 109 ، وعنه في بحار الأنوار : 43 / 158 ؛ دلائل الإمامة : 39 ؛ الصراط المستقيم : 1 / 171 قطعة منها ؛ كشف الغمّة : 1/492 ؛ بلاغات النساء : 32 - 33 ؛ شرح نهج البلاغة : 16 / 233 ؛ الدر النظيم : 481 - 483 ؛ العوالم : 11 / 458 - 467 .. مع ذكره لموارد الاختلاف بين الروايات ، وبيان اللغات المشكلة فيها .
2) . تاريخ اليعقوبي : 2 / 115 .
3) . القصص 28 : 68 .
الصُّدُوْرِ »(1)هيهات ! بسطوا في الدنيا آمالهم ونسوا آجالهم ، فتعسا لهم وأضلّ أعمالهم ، أعوذ بك يا ربّ من الحور بعد الكور » .(2)
وروي : أنّها عليه السلام لمّا ضاق قلبها بما كانت تقاسيه من محن الأيّام ونكبات الزمان ، قيل لها : أما تشكين إلى عمّك العبّاس ؟
فرفعت رأسها إلى السماء وقالت : « يا من لا يخفى عليه أنباء المتظلّمين ، ولا يحتاج في قصصهم إلى شهادات الشاهدين ، أشكو إليك ما لا يخفى عليك » .(3)
وقالت عليهاالسلام في الخطبة الفدكية(4)
راجع : شرح نهج البلاغة 16/274 ؛ السيرة الحلبية : 3 / 362 ؛ الكافي 1/543 ؛ المقنعة : 288 ؛ التهذيب : 4/148 ؛ بحار الأنوار : 48 / 156 ، والقضيّة مفصّلة جدّا ، راجع : بحار الأنوار : 29 / 105 - 417 .
- بعد كلام طويل جدّا - :« .. حتى إذا اختار اللّه لنبيّه دار أنبيائه ، ظهرت حسيكة النفاق ، وسمل(5)جلباب الدين ، ونطق كاظم الغاوين ، ونبغ خامل الأقلّين(6)وهدر فنيق المبطلين ، فخطر في عرصاتكم ، وأطلع الشيطان رأسه صارخا بكم ، فدعاكم فألفاكم لدعوته مستجيبين ، ولقربه متلاحظين ، ثم استنهضكم فوجدكم خفافا ، وأحمشكم فألفاكم غضابا ، فوسمتم غير إبلكم ، ووردتم غير شربكم .. هذا والعهد قريب ، والكلم رحيب ، والجرح لمّا يندمل ، إنما زعمتم ذلك خوف الفتنة « أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمحِيْطَةٌ بِالْكافِرِيْنَ »(7)» .
1) . الحج 22 : 46 .
2) . كفاية الاثر : 199 ، وعنه في بحار الأنوار : 36 / 353 .
3) . وقائع الأيّام للخياباني شهر الصيام : 335 .
4) . أقول : أعطى رسول اللّه صلى الله عليه و آله فاطمة عليهاالسلام فدكا لمّا نزلت عليه : « وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ » [ الإسراء 22 : 26 ] بأمر اللّه تعالى ، وكانت بيدها وفيها عمّالها ولكن أبا بكر بعد أن أخذ الخلافة واستولي عليها أخرج عمّالها .. من فدك ، وراجعته فاطمة عليهاالسلام في ذلك وجاءت بأمير المؤمنين عليه السلام وأُمّ أيمن فشهدا لها ، فكتب أبو بكر بردّ فدك إليها ، فلقيها عمر في الطريق فأخذ الكتاب وبصق فيه وخرقه .
5) . خ . ل : شمل .
6) . خ . ل : الآفكين ؛ .. الآفلين .. ؛ وفي بعضها : خامل - بحذف المضاف - .
7) . التوبة 9 : 49 .
« فهيهات ! وأنّى بكم .. وأنّى تؤفكون !؟ وكتاب اللّه بين أظهركم ، زواجره بَيَّنة ،
وشواهده لائحة ، وأوامره واضحة . أَرَغْبَةً عنه تريدون .. أم لغيره تحكمون ، « بِئْسَ لِلظّالِمِيْنَ بَدَلاً » ،(1)« وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيْنا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِيْنَ »(2)» .
« ثم لم تلبثوا إلاّ ريث أن تسكن نفرتها ، تسرون حسوا في ارتغاء ، ونحن نصبر منكم على مثل حزّ المدى ، وأنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا « أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّه ِ حُكْما لِقَوْمِ يُوْقِنُوْنَ »(3)» .
« يابن أبي قحافة ! أترث أباك ولا أرث أبي ؟!! لقد جئت شيئا فريّا ، فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم اللّه ، والزعيم محمّد ، والموعد القيامة ، وعند الساعة « يَخْسرُ الْمُبْطِلُوْنَ »(4)» .
ثم انكفأت إلى قبر أبيها صلى الله عليه و آله فقالت :
« قد كان بعدك أنباء وهنبثة *** لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها *** واختل قومك فاشهدهم ولا تغب
فليت بعدك كان الموت صادفنا *** لمّا قضيت وحالت دونك الكتب »
وفي رواية (بعد البيت الأول) :
« أبدت رجال لنا نجوى صدورهم *** لمّا قضيت وحالت دونك الكتب
تجهّمتنا رجال واستخفّ بنا *** إذ غبت عنا فنحن اليوم نُغتصب »
ولم ير الناس أكثر باك ولا باكية منهم يومئذ، ثم عدلت إلى مسجد الأنصار ،(5)
فقالت: « يا معشر البقية ، وأعضاد الملّة ، وحضنة الإسلام ! ما هذه الفترة عن نصرتي والونية عن معونتي، والغميزة في حقّي، والسّنة عن ظلامتي؟ ».
« أما كان رسول اللّه صلى الله عليه و آلهيقول : « المرء يُحفظ في ولده ؟ » سرعان ما أحدثتم ، وعجلان ما أتيتم ! » .
« ألئن مات رسول اللّه صلى الله عليه و آله أمتّم دينه .. ؟! ها إن موته - لعمري - خطب جليل ، استوسع وهنه ، واستبهم فتقه ، وفقد راتقه ، وأظلمت الأرض له ، وخشعت الجبال ، وأكّدت الآمال ، أُضيع بعده الحريم ، وهتكت الحرمة ، وأُذيلت المصونة ، وتلك نازلة أعلن بها كتاب اللّه قبل موته ، وأنباكم بها قبل وفاته ، فقال : « وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِيْنَ »(1)» .
« أيها بني قيلة ! أُهتضم تراث أبي وأنتم بمرأى ومسمع ، تبلغكم الدعوة ، ويشملكم الصوت ، وفيكم العدّة والعدد ، ولكم الدار والجنن ، وأنتم نخبة اللّه التي انتخب ، وخيرته الّتي اختار ، باديتم العرب ، وبادهتم الأُمور ، وكافحتم البهم ، حتى دارت بكم رحى الإسلام ، ودرّ حلبه ، وخبت نيران الحرب ، وسكنت فورة الشرك ، وهدأت دعوة الهرج ، واستوثق نظام الدين ، أفتأخّرتم بعد الإقدام ، ونكصتم بعد الشدّة ، وجبنتم بعد الشجاعة عن قوم نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم ، وطعنوا في دينكم « فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُوْنَ »(2)» .
« ألا وقد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض ، وركنتم إلى الدعة ، فجحدتم الذي وعيتم ، وسغتم الذي سوغتم « وَإِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيْعا فَإِنَّ اللّه َ لَغَنِيٌّ حَمِيْدٌ »(3)».
« ألا وقد قلت لكم ما قلت على معرفة مني بالخذلة التي خامرتكم ، وخور
القناة ، وضعف اليقين ، فدونكموها فاحتووها مدبرة الظهر ، ناقبة الخفّ ، باقية العار ، موسومة الشعار ، موصولة ب « نارُ اللّه ِ الْمُوْقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدةِ »(1)فبعين اللّه ما تعملون .. « « وَسَيَعْلَمُ الَّذِيْنَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُوْنَ » .. » .(2)
والخطبة طويلة جدّا رواها الخاصّة والعامّة بطرق كثيرة - واختلافات يسيرة - عن السيدة زينب الكبرى عليهاالسلام .. أو عن أبي جعفر الباقر ، عن آبائه عليهم السلام .. أو - عن زيد بن علي ، عن آبائه عليهم السلام .. أو عن عبد اللّه بن الحسن ، عن جماعة من أهله .. أو عن ابن عباس .. أو عن عائشة ..أو عن غيرهم .
وقال ابن طيفور : قال لي أبو الحسين زيد بن علي بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام : رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم ويعلّمونه أبناءهم ... ورواه مشايخ الشيعة وتدارسوه بينهم . .
أقول : ونحن نذكر بعض المؤلفين الذين رووا تلك الخطبة الغرّاء كلاً أو بعضا .
منهم : أحمد بن طاهر المعروف ب- : ابن طيفور(3)(المتوفى 280)
ومنهم : أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري (المتوفى 323) في السقيفة وفدك ، و عنه ابن أبيالحديد(4)(المتوفى 656) ، والشيخ الإربلي(5)(المتوفّى 693) .
ومنهم : القاضي النعمان المغربي(6)(المتوفى 363)
ومنهم : الشيخ الصدوق(7)(المتوفى 381)
ومنهم : أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الإصفهاني (المتوفى 410) في كتاب
1) . الهمزة 104 : 6 - 7 .
2) . شرح نهج البلاغة : 16 / 251 - 249 ، 211 - 213 ، والآية الشريفة في سورة الشعراء 26 : 227 .
3) . بلاغات النساء : 23 ، وعنه في بحار الأنوار : 29 / 235 - 245 .
4) . شرح نهج البلاغة : 16 / 211 - 213 .
5) - كشف الغمة : 1 / 480 .
6) . شرح الأخبار : 3 / 34 .
7) . الفقيه : 3 / 372 ؛ علل الشرائع : 248 بأسانيد عديدة .
المناقب بإسناده عن عائشة ، وعنه الشيخ أسعد [ بن عبد القاهر ] بن سقروه(1)في كتاب الفائق عن الأربعين ، وعنه السيد ابن الطاووس(2)(المتوفى 664)
ومنهم : الوزير الكاتب ابو سعد منصور بن الحسين الآبي(3)(المتوفى 421)
ومنهم : احمد بن عبد الواحد المعروف ب- : ابن عبدون(4)(المتوفى 423)
ومنهم : الشريف المرتضى(5)(المتوفى 436)
ومنهم : الشيخ الطوسي(6)(المتوفى 460)
ومنهم : الطبري الإمامي(7)(القرن الخامس)
ومنهم : الخطيب الخوارزمي(8)(المتوفى 568)
ومنهم : ابن شهر آشوب المازندراني(9)(المتوفى 588)
ومنهم : الشيخ هاشم بن محمد(10)(القرن السادس)
ومنهم : الشيخ أحمد الطبرسي(11)(القرن السادس)
ومنهم : ابن الأثير الجزري(12)(المتوفى 606)
ومنهم : السبط ابن الجوزي(13)(المتوفى 654)
1) . خ . ل : شفروه .
2) . الطرائف : 263 .
3) . نثر الدرّ : 4 / 8 - 13 .
4) . كتاب تفسير خطبة فاطمة الزهراء عليهاالسلام ، راجع : الذريعة : 4 / 348 .
5) . الشافي : 4 / 77 - 69 بسندين ، عنه شرح نهج البلاغة : 16 / 249 - 250 .
6) . تلخيص الشافي : 3 / 140 - 145 .
7) . دلائل الإمامة : 30 - 39 109 ، الطبعة الحديثة من تسعة طرق .
8) . مقتل الحسين عليه السلام : 1 / 77 .
9) . المناقب : 2/ 206 - 208 ؛ مثالب النواصب : 152 - 153 ، 226 - 227 الخطّية .
10) . مصباح الأنوار : 247 - 252 .
11) . الاحتجاج : 97 - 104 ، وعنه في بحار الأنوار : 29 / 220 - 233 .
12) . منال الطالب : 501 - 507 ط . مكة .
13) . تذكرة الخواص : 317 .
ومنهم : المنصور باللّه الحسن بن بدرالدين الحسيني الزيدي(1)(المتوفى670)
ومنهم : ابن ميثم البحراني(2)(المتوفى 679)
ومنهم : الشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي(3)(القرن السابع)
ومنهم : العلاّمة شمس الدين محمّد الباعوني الشافعي(4)(المتوفى 871)
ومنهم : العلاّمة المجلسي(5)
ومنهم : الشيخ عبد اللّه البحراني(6)
وأشار إليها أو روى قطعة يسيرة منها عدّة من الأعلام :
منهم : الخليل بن أحمد الفراهيدي(7)(المتوفى 175)
ومنهم : الإمام الهادي يحيى بن الحسين الزيدي(8)(المتوفى 289)
ومنهم : اليعقوبي(9)(المتوفى 292)
ومنهم : عبد الرحمن بن عيسى الهمذاني(10)(المتوفى 327)
ومنهم : المسعودي(11)(المتوفى 346)
ومنهم : القاضي النعمان المغربي (المتوفى 363) عن المعزّ لدين اللّه الخليفة
1) . أنوار اليقين : 276 - 278 .
2) . شرح نهج البلاغة : 5 / 105 ، عن كتاب المنظوم و المنثور ... ، المجلد الخامس منه ، لبعض المتقدمين من أهل السنّة ، وهذا الكتاب كان في خزانة المتوكّل العباسي .
3) . الدرّ النظيم : 465 - 460 .
4) . جواهر المطالب : 1 / 155 - 164 .
5) . بحار الأنوار : 29 / 220 .
6) . العوالم : 11 / 467 .
7) . كتاب العين : 8 / 323 .
8) . تثبيت الإمامة : 30 ؛ وعنه في شفاء صدور الناس : 520 .
9) . تاريخ اليعقوبي : 2 / 127 .
10) . الالفاظ الكتابية : 65 .
11) . مروج الذهب : 2 / 304 .
الإسماعيلي(1)(المتوفى 365)
ومنهم : الزمخشري(2)(المتوفى 538)
ومنهم : أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي(3)(المتوفى 597)
ومنهم : أبو محمد اليمني(4)(القرن السادس)
ومنهم : مؤلّف كتاب ألقاب الرسول وعترته عليهم السلام(5)
عليهم السلام : 41 ؛ ميراث حديث الشيعة : 1 / 49 .
(القرن السادس)ومنهم : ابن الأثير(6)(المتوفى 606)
ومنهم : ابن منظور(7)(المتوفى 711)
وأمّا الأشعار التي تمثّلت بها السيدة فاطمة عليهاالسلام فذكر بعضها جماعة :
منهم : ابن قتيبة(8)(المتوفى 276)
ومنهم : علي بن إبراهيم القمي(9)(المتوفى 307)
ومنهم : ابن عبد ربّه الأندلسي(10)(المتوفى 328)
ومنهم : الشيخ الكليني(11)(المتوفى 329)
ومنهم : حسين بن حمدان الخصيبي(12)(المتوفى 334)
1) . المجالس والمسايرات : 112 - 113 .
2) . الفائق : 3 / 331 .
3) . غريب الحديث : 2 / 333 .
4) . عقائد الثلاث والسبعين فرقة : 1 / 133 .
5) . ألقاب الرسول وعترته
6) . النهاية : 4 / 273 - لمّ - .
7) . لسان العرب : 12 / 248 ط دار صادر .
8) . غريب الحديث : 1 / 590 .
9) . تفسير القمي : 2 / 157 .
10) . العقد الفريد : 3 / 238 .
11) . الكافي : 8 / 375 .
12) . الهداية الكبرى : 406 .
ومنهم : المسعودي(1)(المتوفى 346)
ومنهم : المقدسي(2)(المتوفى 355)
ومنهم : الشيخ المفيد(3)(المتوفى 413)
ومنهم : الزمخشري(4)(المتوفى 538)
ومنهم : ابن شهر آشوب المازندراني(5)(المتوفى 588)
ومنهم : الشيخ أحمد الطبرسي(6)(القرن السادس)
ومنهم : ابن الأثير الجزري(7)(المتوفى 606)
ومنهم : النويري(8)(المتوفى 737)
ومنهم : الشيخ حسن بن سليمان الحلّي(9)(القرن الثامن)
ومنهم : الهيثمي(10)(المتوفى 807)
ومنهم : ابن قنفذ(11)(المتوفى 810)
ومنهم : السيد هادي بن إبراهيم الوزير(12)(المتوفى 822)
ومنهم : الحسني اليمني الصنعاني(13)(المتوفى 1121)
1) . مروج الذهب : 2 / 304 .
2) . البدء والتاريخ : 5 / 68 .
3) . أمالي الشيخ المفيد : 40 - 41 .
4) . الفائق : 4 / 116 .
5) . المناقب : 2 / 208 - 209 ؛ مثالب النواصب : 135 الخطّية .
6) . الاحتجاج : 92 - 93 .
7) . النهاية : 5 / 277 .
8) . نهاية الارب : 5 / 168 - 169 .
9) . مختصر البصائر : 192 .
10) . مجمع الزوائد : 9 / 39 .
11) . وسيلة الإسلام : 119 ، مع تغيير في القافية .
12) . نهاية التنويه في إزهاق التمويه : 132 .
13) . نسمة السحر : 2 / 472 ، روى عن ابن الأثير خسمة أبيات ، ولا توجد في النهاية : 2 / 277 إلاّبيتان منها .
ونقل عن أبي بكر الجوهري انتساب بيتين منها إلى أُمّ مسطح بن أثاثة ،(1)وصرّح محمد بن المثنى الحضرمي(2)(القرن الثاني) وابن سعد(3)(المتوفى 230) بأنّها لهند بنت أثاثة . ونسبها الجاحظ(4)(المتوفى 255) والهيثمي(5)(المتوفى 807) وابن حجر العسقلاني(6)(المتوفى 852) إلى صفية بنت عبد المطلب . ونسبها الخصيبي(7)(المتوفى 334) .. وغيره(8)إلى رقية(9)بنت صيفي(10).
ثم ذكروا أنها بعد الرجوع من المسجد قالت - ضمن خطابها لأمير المؤمنين عليه السلام - : « .. منعتني قيلة نصرها ، والمهاجرة وصلها ، وغضّت الجماعة دوني طرفها ، فلا دافع
ولا مانع ، خرجت كاظمة ، وعدت راغمة ، ولا خيار لي .. ليتني متّ قبل هينتي ودون ذلّتي ، عذيري اللّه منك عاديا ، ومنك حاميا ، ويلاي في كل شارق ! ويلاي في كل غارب ! مات العمد ، ووهن العضد ، وشكواي إلى أبي ، وعدواي إلى ربّي .. » .(11)
وقالت عليهاالسلام في جواب أُم سلمة - رحمة اللّه عليها - :
« أصبحت بين كمد وكرب : فقد النبي صلى الله عليه و آله وظلم الوصي ، هتك واللّه حجابه من أصبحت إمامته مقتصّة على غير ما شرع اللّه في التنزيل ، وسنّها النبيّ في التأويل ،
1) . شرح نهج البلاغة : 2/50 و 6/43 .
2) . الأصول الستّة عشر : 93 - 95 .
3) . الطبقات : 2 / ق 2 / 97 .
4) . البيان والتبيين : 3 / 363 .
5) . مجمع الزوائد : 9 / 39 .
6) . الإصابة : 7/745 طبع دار الجيل .
7) . الهداية الكبرى : 406 .
8) . مختصر البصائر : 192 ؛ حلية الأبرار : 2 / 667 ؛ بحار الأنوار : 53 / 17 - 18 .
9) . خ . ل : رقيقة .
10) . خ . ل : صفي ؛ خ . ل : أبي صيفي .
11) . المناقب : 2 / 208 ، وعنه في بحار الأنوار : 43 / 148 ؛ الاحتجاج : 107 ، وعنه في بحار الأنوار : 29 / 234 ؛ العوالم : 11 / 412 ؛ مثالب النواصب : 153 - 154 الخطّية . الدر النظيم : 478 .
ولكنها أحقاد بدريّة ، وتراث أُحديّة كانت عليها قلوب النفاق مكتمنة ..» .(1)
ثم إنها أظهرت غضبها عليهم ببكائها على أبيها ليلاً ونهارا ، ليعرف عامّة الناس الخاذلين لها - ولاسيما الهيئة الحاكمة - أنه ماجرّأهم على ظلمها إلاّ فقد أبيها . ومع أنها ما عاشت بعده إلاّ أشهرا قلائل ولكنها تعدّ من البكّائين ، وكان بكاؤها اعتراضا على الخليفة وأعوانه ، وتظلّما وشكوى من الناس جميعا ، ولذا كانوا يتأذّون من بكائها لما يجد المسلمون في أنفسهم من أنّهم ظلموها وعصوا ربّهم ولم يحفظوا وصيّة نبيّهم صلى الله عليه و آله فيها .
قال مولانا أبو عبد اللّه الصادق عليه السلام في عدّ البكّائين الخمسة - وهم آدم ويعقوب ويوسف وفاطمة وعلي بن الحسين عليهم السلام - : « .. وأمّا فاطمة عليهاالسلام ؛ فبكت على رسول اللّه صلى الله عليه و آلهحتّى تأذّى به أهل المدينة ، فقالوا لها : قد آذيتنا بكثرة بكائك !! .. فكانت تخرج إلى المقابر - مقابرالشهداء - فتبكي حتّى تقضي حاجتها ثمّ تنصرف».(2)
قال ابن أبي الحديد : ومن الناس من يذكر أنّها كانت تشوب هذه الندبة بنوع من التظلّم والتألّم لأمر يغلبها ، واللّه أعلم بصحّة ذلك . والشيعة تروي : أنّ قوما من الصحابة أنكروا بكاءها الطويل ونهوها عنه ، وأمروها بالتنحّي عن مجاورة المسجد إلى طرف من أطراف المدينة .(3)
ولابأس بذكر قطعة من رواية ورقة بن عبد اللّه عن فضّة ليتضح معاريض كلامها في ندبتها :
.. فلمّا أفاقت من غشيتها قامت وهي تقول : « رفعت قوّتي ، وخانني جلدي ، وشمت بي عدوّي ، والكمد قاتلي ، يا أبتاه ! بقيت والهة وحيدة ، وحيرانة فريدة ، فقد
1) . المناقب : 2 / 205 .
2) . أمالي الشيخ الصدوق : 141 ؛ الخصال : 272 ، وعنه في بحار الأنوار : 43 / 155 ؛ المناقب : 3 / 322 ، وعنه في بحار الأنوار : 43 / 35 ؛ روضة الواعظين : 170 ، 450 - 451 ؛ كشف الغمّة : 1/498 ؛ مكارم الأخلاق : 315 - 316 ؛ إرشاد القلوب : 95 .
3) . شرح نهج البلاغة : 13 / 43 ، وراجع : كتاب النقض : 317 طبعة أُخرى : 298 ؛ بحر الأنساب : 4 ( ترجمته بالفارسية ) ؛ حبيب السير : 1 / 434 ، لغياث الدين البلخي المعروف ب- : خواندمير ( المتوفى 942 ) .
انخمد صوتي ، وانقطع ظهري ، وتنغّص عيشي ، وتكدّر دهري ، فما أجد - يا أبتاه ! - أنيساً لوحشتى ، ولا رادّاً لدمعتي ، ولا معيناً لضعفي ، فقد فنى بعدك محكم التنزيل ، ومهبط جبرئيل ، ومحلّ ميكائيل ، انقلبت بعدك - يا أبتاه ! - الأسباب ، وتغلّقت دوني الأبواب ، فأنا للدنيا بعدك قالية ، وعليك - ما تردّدت أنفاسي - باكية ، لا ينفد شوقي إليك ، ولا حزني عليك ... يا أبتاه ! أمسينا بعدك من المستضعفين » .
« يا أبتاه ! أصبحت الناس عنّا معرضين ، ولقد كنّا بك معظّمين في الناس غير مستضعفين » .
« فأيّ دمعة لفراقك لاتنهمل .. ؟ وأيّ حزن بعدك عليك لايتّصل .. ؟ وأيّ جفن بعدك بالنوم يكتحل ؟ . . » .
« يا أبتاه ! ما أعظم ظلمة مجالسك ! فوا أسفاه عليك إلى أن أقدم عاجلاً عليك ، وأُثكل أبو الحسن المؤتمن أبو ولديك - الحسن والحسين - وأخوك ووليّك وحبيبك ، ومن ربيّته صغيرا وواخيته كبيرا ، وأحلى أحبّائك وأصحابك إليك ، من كان منهم سابقا ومهاجرا وناصرا .. والثكل شاملنا ، والبكاء قاتلنا ، والأسى لازمنا » .
.. ثم زفرت زفرة .. وأنّت أنّة كادت روحها أن تخرج ... ثمّ أخذت بالبكاء والعويل ليلها ونهارها وهي لاترقأ دمعتها ، ولا تهدأ زفرتها .
واجتمع شيوخ أهل المدينة وأقبلوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقالوا له : يا أبا الحسن ! إنّ فاطمة عليهاالسلام تبكي الليل والنهار فلا أحد منّا يتهنّأ بالنوم في الليل على فرشنا ، ولا بالنهار لنا قرار على أشغالنا وطلب معائشنا ، وإنّا نخبرك أن تسألها إمّا أن تبكي ليلاً أو نهارا ! .. فقال عليه السلام : « حبّا وكرامة » .
فأقبل أمير المؤمنين عليه السلام حتّى دخل على فاطمة عليهاالسلام - وهي لا تفيق من البكاء ولا ينفع فيها العزاء - فلمّا رأته سكنت هنيئة له ، فقال لها : « يا بنت رسول اللّه ! إنّ شيوخ المدينة يسألوني أن أسألك إمّا أن تبكين أباك ليلاً وإمّا نهارا ».
فقالت : « يا أبا الحسن ! ما أقلّ مكثي بينهم .. وما أقرب مغيبي من بين أظهرهم ، فو اللّه لا أسكت ليلاً ولا نهارا أو ألحق بأبي رسول اللّه صلى الله عليه و آله » .
فقال لها علي عليه السلام : « افعلي - يا بنت رسول اللّه ! - ما بدا لك » .
ثم إنّه بنى لها بيتا في البقيع - نازحا عن المدينة - يسمّى ب- : بيت الأحزان ، وكانت إذا أصبحت قدّمت الحسن والحسين أمامها وخرجت إلى البقيع باكية ، فلا تزال بين القبور باكية ، فإذا جاء الليل أقبل أمير المؤمنين عليه السلام إليها وساقها بين يديه إلى منزلها ، ولم تزل على ذلك .(1)
وروي أنها تمثّلت بشعر فاطمة بنت الأحجم - مخاطبة أباها صلى الله عليه و آله - :
« قد كنت لي جبلاً ألوذ بظلّه *** فتركتني أمشي لأجْرَدَ ضاحي
قد كنتُ ذات حميّة ما عشتَ لي *** أمشي البراز وكنت أنت جناحي
فاليوم أخضع للذليل وأتقي *** منه وأدفع ظالمي بالرّاح
وإذا دعت قمرّيةٌ شجنا لها *** ليلاً على فنن دعوتُ صياحي »(2)
وتكرّر في كتب الفريقين قولها عليهاالسلام ضمن أبيات :
« صُبّت عليّ مصائب لو أنّها *** صُبّتْ على الأيّام صرن لياليا »(3)
ولنعم ما قال سيد العابدين الإمام علي بن الحسين عليه السلام :
« نحن بنو المصطفى ذوو غصص(4)*** يجرعها في الأنام كاظمنا
قديمة(5)في الأنام محنتنا *** أوّلنا مبتلى وآخرنا
1) . بحار : 43 / 175 - 178 .
2) . إتحاف السائل للمناوي : 104 ؛ وراجع : عيون الأثر لابن سيد الناس : 2 / 434 ؛ التذكرة الفخرية للاربلي : 45 ، ونقلها ابن شهر آشوب المازندراني مع اختلاف في الألفاظ وزيادة في الأبيات ، وروى البيت الأخير هكذا :وإذا بكت قمرية شجنا بها ليلاً على غصن بكيت صباحي راجع : المناقب : 1 / 242 - 243 .
3) . روضة الواعظين : 75 ؛ المناقب : 1/208 ؛ المغني ، لابن قدامة : 2/411 ؛ الشرح الكبير له أيضا : 2/430 ؛ نهاية الارب : 18/403 ؛ الوفا بأحوال المصطفى صلى الله عليه و آله : 2/802 ؛ الغدير : 5/147 ؛ إحقاق الحق : 25/519 - 525 .
4) . خ . ل : ذو غصص .
5) . خ . ل : عظيمة .
يفرح هذا الورى بعيدهم *** ونحن أعيادنا مآتمنا
الناس في الأمن والسرور وما *** يأمن طول الحياة خائفنا
وما خصصنا به من الشرف *** الطائل بين الأنام آفتنا
يحكم فينا - والحكم فيه لنا - *** جاحدنا حقّنا وغاصبنا »(1)
وقال سلامة الموصلي :
يا نفس إن تلتقي ظلما فقد ظُلمت *** بنت النبي رسول اللّه وابناها
تلك التي أحمد المختار والدها *** وجبرئيل أمين اللّه ربّاها
الله طهّرها من كل فاحشة *** وكل ريب وصفّاها وزكّاها
ولبعض الموصليين :
حرّ صدري واشتياقي فالأسى *** و احتراقي واكتئابي والحرب
لابنة الهادي الرضي فاطمة *** حقّها بعد أبيها يُغتصب
بل لما نال بني فاطمة *** من بني الطمث الملاعين العيب
يا لقومي ما أتى الدهر بهم *** من خطوب مفظعات ونوب(2)
قال الإمام أبو الحسن علي بن محمد الهادي عليه السلام :
« اللّهمّ وصلّ على البتول الزّهراء ، ابنة الرسول ، أُمّ الأئمّة الهادين ، سيّدة نساء العالمين ، وارثة خير الأنبياء ، وقرينة خير الأوصياء ، القادمة عليك متألّمة من مصابها بأبيها ، متظلّمة ممّا حلّ بها من غاصبيها ، ساخطة على أمّة لم ترع حقّك في نصرتها ، بدليل دفنها ليلاً في حفرتها ، المغتصبة حقّها ، والمغصّصة بريقها .. صلاةً لاغاية لأمدها ، ولا نهاية لمددها ، ولا انقضاء لعددها » .
« اللّهم فتكفّل لها عن مكاره دار الفناء بأنفس الأعواض ، وأنلها ممّن عاندها نهاية الآمال ، وغاية الأغراض .. حتى لا يبقى لها وليٌّ ساخطٌ لسخطها إلاّ وهو راضٍ ، إنك أعزّ من أجار المظلومين ، وأعدل قاضٍ » .
« اللّهمّ ألحقها في الإكرام ببعلها وأبيها وخُذ لها الحقَّ من ظالميها(1)» .
أقول : امّا الدفن ليلاً ، فالروايات الواردة فيه كثيرة جدّا ، وكذا وصيّتها عليهاالسلام
بذلك .(2)
أما كتب الخاصّة فكثيرة جدّا ، منها : كامل بهائي : 1/311 - 312 و 2/3 ؛ دلائل الإمامة : 45 ؛ عيون المعجزات : 55 ؛ الاستغاثة : 14 ؛ شرح الأخبار : 3/31 ؛ كشف الغمة : 1/502 - 503 ؛ العوالم : 11/515 ؛ بحار الأنوار : 43/186 ، 188 ، 212 ؛ إحقاق الحق : 10/479 - 480 ؛ غاية المرام : 555 . وتقدمت في الفصل الرابع في الرواية المرقمة ب- [ 130 ] ، فراجع .
قال السيّد المرتضى رحمه الله بعد ذكر عدّة مصادر من أعلام العامّة - : .. والأمر في هذا أوضح وأشهر من أن نطنب في الاستشهاد عليه ونذكر الروايات فيه ... ولم يجعل دفنها ليلاً بمجرّده هو الحجّة ليقال : دفن فلان وفلان ليلاً ، بل يقع الاحتجاج بذلك على ما وردت به الروايات المستفيضة الظاهرة - التي هي كالمتواتر - : إنّها أوصت بأن1) . المزار الكبير : 506 ، مصباح الزائر : 478 - 479 ، وعنه في بحار الأنوار : 102/180 .
2) . راجع : مجمع الزوائد : 9/221 ؛ سنن البيهقي : 3/396 ، 4/29 ، 31 ؛ مختصر تاريخ دمشق : 2/270 ؛ الجوهرة للتلمساني : 18 ؛ سير أعلام النبلاء : 2/93 ، 127 - 128 ؛ صفوة الصفوة : 2/14 ؛ ذخائر العقبي : 54 ؛ البداية والنهاية : 5/307 ؛ مرآة الجنان : 1/61 ؛ شذرات الذهب : 1/15 ؛ حلية الأولياء : 2/42 ؛ تهذيب التهذيب : 12/441 - 442 ؛ المعجم الكبير للطبراني : 22/398 - 340 ؛ الطبقات لابن سعد : 8/19 بأسانيد عديدة ؛ الإصابة : 4/380 ؛ أسد الغابة : 5/425 ؛ التنبيه والاشراف : 249 ؛ تاريخ أبي زرعة الدمشقي : 1/290 تحقيق القوجاني ؛ الآحاد والمثاني : 5/354 - 355 ؛ الفصول المهمة : 131 ؛ أهل البيت عليهم السلام ، توفيق أبو علم : 18 ؛ ارشاد الساري : 1/306 ؛ تلخيص التحبير : 5/273 ؛ الاستيعاب بهامش الاصابة : 4/379 ؛ نزل الأبرار : 134 ؛ شرح المواهب للزرقاني : 3/207 ؛ إسعاف الراغبين : 89 - 90 ؛ تاريخ اليعقوبي : 2/115 ؛ كنز العمال : 13/687 ؛ تهذيب الأسماء واللغات : 2/352 ؛ الدرّ المنثور (لزينب العاملي) : 359 - 361 ؛ أعلام النساء لكحالة : 4/131 ؛ مقتل الخوارزمي : 1/83 ؛ تاريخ الخميس : 1/278 ؛ وفاء الوفاء : 3/902 - 905 ؛ السمط الثمين : 182 ( ط حلب ) ؛ تذكرة الخواص : 319 ؛ طرح التثريب : 1/150 ؛ التبيين للمقدسي : 92 ؛ الذرّية الطاهرة للدولابي : 153 ؛ مختصر التاريخ لابن الكازروني : 54 ؛ السيدة فاطمة الزهراء عليهاالسلامللدكتور بيومي مهران : 176 ؛ وفي المناقب : 3/362 - 363 عن عدّة من العامّة ؛ وكذا الشافي : 4/114 ؛ وعنه فيشرح نهج البلاغة : 16/181 - 279 .
تدفن ليلاً حتى لا يصلّي الرجلان عليها ، وصرّحت بذلك وعهدت فيه عهدا ، بعد أن كانا استأذنا عليها في مرضها ليعوداها فأبت أن تأذن لهما ، فلمّا طالت عليهما المدافعة رغبا إلى أمير المؤمنين عليه السلام في أن يستأذن لهما وجعلاها حاجة إليه ، وكلّمها في ذلك وألحّ عليها فأذنت لهما في الدخول ، ثمّ أعرضت عنهما عند دخولهما ولم تكلّمهما ، فلمّا خرجا قالت لأمير المؤمنين عليه السلام : « هل صنعتُ ما أردت ؟ » قال : « نعم » ، قالت : « فهل أنت صانع ما آمرك به ؟ » قال : « نعم » ، قالت : « فإنّي أُنشدك اللّه ألاّ يصلّيا على جنازتي ولا يقوما على قبري .. »
وروي أنه عليه السلام عمّى على قبرها ورشّ أربعين قبرا في البقيع ، ولم يرشّ قبرها حتى لا يهتدى إليه .
وإنما عاتباه على ترك إعلامهما بشأنهما وإحضارهما الصلاة عليها . فمن هاهنا احتججنا بالدفن ليلاً .(1)
أقول : من تأمّل النصوص الورادة في ذلك والشواهد الموجودة في تلك الأخبار المنقولة عن الفريقين يعلم بوضوح أنّ الدفن ليلاً لم يكن مجرّد اتّفاق ومصادفة ، ونذكر
هنا بعض هذه الشواهد :
1 - وصيّتها عليهاالسلام بذلك ، إذ في كثير من رواياتها صرّحت بذلك .(2)
قال ابن عبد البرّ : وكانت أشارت عليه أن يدفنها ليلاً .(3)
وقال الواقدي : لمّا حضرتها الوفاة أوصت عليّا أن لايصلّي عليها أبو بكر وعمر .(4)
وفي بعض الروايات عن عائشة وغيرها : فلمّا توفّيت دفنها زوجها علي بنأبي طالب ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر ، وصلّى عليها عليّ .(5)
راجع : صحيح مسلم : 5 / 153 - 154 ؛ شرحه للنووي : 12 / 76 - 77 ؛ صحيح البخاري : 5 / 82 - 83 ؛ السنن الكبرى : 6 / 300 ؛ المصنف لعبد الرزاق : 3 / 521 و 5 / 472 ؛ المستدرك للحاكم : 3 / 162 ؛ كفاية الطالب : 370 ؛ تاريخ الصحابة للبستي : 208 ؛ السيرة النبوية للبستي : 434 ؛ الثقات : 2 / 170 ؛ تاريخ المدينة المنوّرة لابن شبّة : 1 / 196 ؛ وفاء الوفاء للسمهودي : 3 / 995 ؛ تاريخ الطبري : 3 / 208 ؛ شرح نهج البلاغة : 16 / 214 و 218 ؛ مشكل الآثار للطحاوي : 1 / 48 ؛ العمدة لابن البطريق عن البخاري وصحيح مسلم : 452 390 - 391 ؛ كامل بهائي عن صحيح البخاري : 1 / 171 ؛ المناقب : 3 / 363 عن الواقدي وابن عباس ؛ كشف الغمة : 1 / 494 ؛ الاختصاص : 185 ؛ علل الشرائع : 188 - 189 ؛ كتاب سليم : 255 ( الطبعة المحققة : 2 / 871 الحديث الثامن والأربعون ) ؛ روضة الواعظين : 151 ؛ عيون أخبار الرضا : 2 / 187 ؛ بحار الأنوار : 28 / 305 و 43 / 182 ، 192 ، 204 ، 206 ، 218 و 49/192 عن المأمون ، و 81 / 254 ، 250 و 103 / 185 ، 255 .
1) . الشافي : 4 / 114 ؛ عنه شرح نهج البلاغة : 16 / 280 - 281 .
2) . وقد سلفت بعض مصادرها آنفا .
3) . الاستيعاب : 4 / 1897 - 1898 ؛ وراجع : تهذيب الكمال : 35 / 252 .
4) . المناقب : 3 / 363 .
5) . هذه الرواية أو ما بمضمونها وردت في عدّة كتب من الفريقين ، وفي بعضها إيصاؤها أمير المؤمنين عليه السلام بأن لايؤذن بموتها أبا بكر وعمر .
وفي بعضها : لم يَعْلم بها كثير من الناس أو لم يُعْلم بها أحدا .(1)
بل وفي رواياتنا : إنّها استحلفت أمير المؤمنين عليه السلام بحقّ اللّه وحرمة رسوله صلى الله عليه و آله وبحقّها أن لا يشهدا جنازتها .(2)
وروي عن عن مولانا أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام أنه قال : « أوصت فاطمة عليهاالسلام أن لا يصلّي عليها أبو بكر وعمر ، فلمّا توفّيت أتاه العبّاس فقال : ما تريد أن تصنع ؟
قال عليه السلام : « أُخرجها ليلاً » . قال : .. فذكر كلمة خَوَّفَهُ بها العباس منهما ، قال : « فأخرجها ليلاً ودفنها ورشّ الماء على قبرها » .(3)
2 - ما ذكره الرواة بتعابير مختلفة نحو : دفنها سرّا .. عفى علي موضع قبرها .. غيّبوا قبرها .. سوّى قبرها مع الأرض مستويا .. سوّى حواليها قبورا مزوّرة حتى لا يعرف قبرها .. وغيرها .(4)
1) . السيرة الحلبية : 3 / 361 ط بيروت ؛ وفاء الوفاء : 3 / 902 ؛ خلاصة الوفاء : 423 ، 427 ؛ تاريخ المدينة لابن شبّة : 1 / 105 - 106 ؛ تاريخ الصحابة للبستي : 208 ؛ بحار الأنوار : 81 / 305 .
2) . بحار الأنوار : 81 / 255 ، 390 .
3) . بحار الأنوار : 81 / 255 .
4) . روضة الواعظين : 152 ؛ إعلام الورى : 158 - 159 ؛ تاريخ أهل البيت عليهم السلام : 143 ؛ دلائل الإمامة : 47 - 46 ؛ الكافي : 1 / 458 ؛ أمالي الشيخ المفيد : 281 طبعة أُخرى : 172 ؛ أمالي الشيخ الطوسي : 1/107 (ط النجف) ؛ بشارة المصطفى : 258 ؛ كشف الغمة : 1 / 500 ؛ المناقب : 3 / 363 ؛ بحار الأنوار : 43 / 193 ، 211 - 214 و 81 / 255 ؛ العوالم : 11 / 519 .
3 - إنهما سألا أمير المؤمنين عليه السلام أن يخبرهما حتى يحضرا الصلاة عليها حين خرجا من منزلها بعد العيادة المشهورة ،(1)أو بعد شهادتها قبل دفنها ..(2)ثم بعد دفنها عاتبا أمير المؤمنين عليه السلام على ذلك حتى أرادوا نبش قبرها عليهاالسلام !! ولكن منعهم أمير المؤمنين عليه السلام منعا شديدا .(3)
الطبعة المحققة : 2 / 871 الحديث الثامن والأربعون ، وعنه في بحارالأنوار : 43 / 199 ؛ دلائل الإمامة : 46 ، وعنه في بحار الأنوار : 43 / 171 ؛ عيون المعجزات ، وعنه في بحارالأنوار : 43 / 212 ؛ كشف الغمة : 1 / 504 ؛ العوالم : 11 / 501 ، 525 .
نعم إنّ السيّدة فاطمة عليهاالسلام أعلنت غضبها على القوم ، وشاءت أن يكون خفاء القبر دليلاً على مظلومية أهل البيت وأحقّيّتهم على مدّ التاريخ كي تسأل الأمّة - التي
تدّعي أنها أُمّة محمد صلى الله عليه و آله - لماذا دفنت ابنته الوحيدة ليلاً وسرّا ؟! لماذا لم يصلّ عليها المسلمون وأبو بكر وعمر ؟! ألم يكن الخليفة أولى بأن يصلّي عليها - إذا كان هو خليفة النبي صلى الله عليه و آله ، كما يزعمون - ؟!
4 - قال حسن بن محمد بن علي بن أبي طالب عليه السلام :(4)إنّ فاطمة بنت النبي صلى الله عليه و آله دفنت بالليل . فرّ بها علي عليه السلام من أبي بكر أن يصلّي عليها .. كان بينهما شيء .(5)
ونقل أبو العبّاس المبرّد النحوي (المتوفّي 285) مكاتبة للمنصور العبّاسي (المتوفّى 158) إلى محمد بن عبد اللّه بن الحسن المعروف ب- : النفس الزكيّة (المقتول 148) وفيها : .. أمّا ما ذكرت من أنّك ابن رسول اللّه صلى الله عليه و آله ... ولكنكم بنو ابنته ... ولقد طلب
1) . بحار الأنوار : 81 / 254 .
2) . كامل بهائي : 1 / 311 ؛ بحار الأنوار : 29 / 113 .
3) . مصباح الأنوار ، وعنه في بحارالأنوار : 81 / 255 ؛ علل الشرائع : 189 ، وعنه في بحارالأنوار : 43 / 205 - 206 ؛ الاختصاص : 185 ، وعنه في بحارالأنوار : 29 / 192 ؛ كتاب سليم : 255 - 256
4) . أبوه يعرف ب- : ابن الحنفية ، توفي الحسن سنة 99 أو 100 ، ذكره ابن حبان في الثقات 4/122 ، وهو من رجال الصحاح الستّة ، انظر : موسوعة رجال الكتب التسعة : 1 / 334 و وراجع : - أيضا - تهذيب التهذيب : 2 / 276 .
5) . المصنف لعبد الرزاق : 3 / 521 .
بها [ أي بفاطمة عليهاالسلام ] أبوك بكل وجه ،(1)فأخرجها تخاصم ،(2)ومرّضها سرّا ، ودفنها ليلاً ، فأبى الناس إلاّ تقديم الشيخين ..(3)
فمن هذه المكاتبة يعلم أنّ الناس عرفوا من دفن السيّدة فاطمة عليهاالسلام ليلاً نوع احتجاج وإدانة للهيئة الحاكمة ، وأنّ الغرض منه إنما هو الإعلان بعدم مشروعيّة خلافتهم.
ويظهر هذا أيضا من احتجاج المامون العباسي (المتوفى 218) على علماء العامّة حيث قال : إنّ عليّا قعد عن بيعة أبي بكر ، ورويتم : أنّه قعد عنها حتّى قبضت فاطمة عليهاالسلام .. وإنّها أوصت أن تدفن ليلاً لئلاّ يشهدا جنازتها .(4)
وقال الجاحظ (المتوفى 255) : .. وظهرت الشكية ، واشتدّت الموجدة ، وقد بلغ ذلك من فاطمة عليهاالسلام أنّها أوصت أن لا يصلّي عليها أبو بكر . .(5)
وقد تقدم عن الزبيري - من أعلام القرن الثالث - في ما احتجّ به على البشر المريسي أنه قال : .. فكيف يكون إجماع لا يحضره أحد من أهل بيت رسول اللّه صلى الله عليه و آله ... أُتي به والحبل في عنقه فقالوا : بايع وإلاّ ضرب عنقك ! .. وكشطوا(6)في ذلك بيت فاطمة عليهاالسلام وتناولها عمر بسوطه ...(7)ومنه طرحت الجنين من بطنها ، وفي ذلك أوصت علياً وابنيها الحسن والحسين عليهم السلام أن يدفنوها بالليل ، ولا يعلمها أحد منهم ، ولايصلّ عليها أبو بكر ولا عمر.
1) . خ . ل : وجهة .
2) . خ . ل : تخاصماً .
3) . الكامل للمبرّد : 3 / 1491 ؛ العقد الفريد : 5 / 83 ط مكتبة النهضة المصرية ؛ تاريخ الطبري : 7 / 570 ؛ الكامل لابن الأثير : 5 / 539 ؛ تاريخ ابن خلدون : 4 / 9 ؛ التذكرة الحمدونية : 3 / 416 (ط دار صادر) ؛ مواسم الأدب : 60 .
4) . عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2 / 187 ، وعنه في بحار الأنوار : 49 / 192 .
5) . الرسائل السياسية : 467 ؛ شرح نهج البلاغة : 16 / 246 .
6) . قال الجوهري : كَشَطْتُ الجلَّ عن ظَهر الفرس ، والغطاءَ عن الشيء ، إذا كشفته عنه . انظر الصحاح : 3/1155 .
7) . بياض في الأصل .
وكل هذا أنت تعرفه وترويه ..(1)
وقال السمهودي (المتوفى 911) : وإنما أوجب عدم العلم بعين قبر فاطمة عليهاالسلام وغيرها من السلف ما كانوا عليه من عدم البناء على القبور وتجصيصها ! .. مع ما عرض لأهل البيت - رضي اللّه تعالى عنهم - من معاداة الولاة قديما وحديثا ! ..(2)
والمقصود من نقل عبارته . ما ذكره في ذيل كلامه من اعترافه بأنّ المعاداة التي كانت بين السيّدة فاطمة عليهاالسلام وبين الخليفة أوجبت خفاء القبر .
أما التعليل بعدم البناء والتجصيص فعليل جدّا ، إذ مع ذلك لم يخف قبر أحد من الأئمة عليهم السلام ، مضافا بأنّ الداعي على التحفّظ على مثل ذلك قويّ جدّا .
قال ابن أبي الحديد : وأمّا إخفاء القبر .. وكتمان الموت .. وعدم الصلاة .. وكل ما ذكره المرتضى فيه ، فهو الذي يظهر ويقوي عندي ؛ لأنّ الروايات به أكثروأصحّ من غيرها ، وكذلك القول في موجدتها وغضبها .(3)
ولنعم ما قال القاضي أبو بكر بن أبي قريعة (المتوفى 367) :
يا من يسائل دائبا(4)*** عن كل معضلة سخيفه
لا تكشفنّ مغطّأً *** فلربما كشَّفت جيفه
ولربّ مستور بدا *** كالطبل من تحت القطيفه
إنّ الجواب لحاضر *** لكنّني أُخفيه خيفه
لولا اعتداد(5)رعية *** ألغى(6)سياستها الخليفه
وسيوف أعداء بها *** هاماتنا أبدا نقيفه
لنشرت من أسرار آ *** ل محمد جملاً طريفه
تغنيكم عمّا رواه *** مالك وأبو حنيفه
وأُريكم أن الحسين *** أُصيب في يوم السقيفه
ولأيّ حال لحّدت *** بالليل فاطمة الشريفه
ولما حمت شيخيكم *** عن وطي حجرتها المنيفه
آوه لبنت محمد *** ماتت بغصّتها أسيفه(1)
وفي كتاب نهاية التنوية في إزهاق التمويه ، للسيد هادي بن إبراهيم الوزير المتوفى 822 : 135 ، وفي الصفحة الأخيرة من كتاب قواعد عقائد آل محمد عليهم السلام للديلمي الزيدي المتوفى 711 نسبت الأبيات للإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ، مع اختلاف يسير .
قال الأصبغ بن نباتة : سئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام عن علّة دفنه لفاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله ليلاً ؟
فقال : « إنها كانت ساخطة على قوم كرهت حضورهم جنازتها .. وحرام على من يتولاّهم أن يصلّي على أحد من ولدها » .(2)
عن أبي جعفر الباقر عن أبيه عليهماالسلام ، عن محمد بن عمار بن ياسر ، عن أبيه قال : لمّا مرضت فاطمة بنت رسول اللّه عليهاالسلام مرضتها التي توفّيت فيها وثقلت ، جاءها العباس بن عبد المطلب عائدا فقيل له : إنّها ثقيلة وليس يدخل عليها أحد .. فانصرف إلى داره وأرسل إلى عليّ عليه السلام ، فقال لرسوله : قل له : يا ابن أخ ! عمّك يقرؤك السلام ويقول لك : للّه قد فجأني من الغمّ - بشكاة حبيبة رسول اللّه صلى الله عليه و آله وقرّة عينيه وعينيّ فاطمة - ماهدّني ، وإنّي لأظنّها أوّلنا لحوقا برسول اللّه صلى الله عليه و آله ، يختار لها ويحبوها ويزلفها لربّه ، فإن كان من أمرها ما لابدّ منه ، فاجمع - أنا لك الفداء - المهاجرين والأنصار حتى يصيبوا الأجر في حضورها والصلاة عليها .. وفي ذلك جمال الدين !! ..
1) . كشف الغمة : 1 / 505 ، وعنه في بحار الأنوار : 43 /190 . ورواها الصفدي في ترجمة ابن أبي قريعة عدا الأبيات الأربعة الأولى ، راجع : الوافي بالوفيات : 3 / 227 - 228 .
2) . أمالي الشيخ الصدوق : 523 طبعة أُخرى 658 ، وعنه في بحار الأنوار : 43 / 209 ؛ المناقب : 3 / 363 ؛ روضة الواعظين : 169 (طبعة أُخرى 153) ؛ العوالم : 11 / 515 .
فقال علي عليه السلام لرسوله - وأنا حاضر عنده - : « أبلغ عمّي السلام وقل : لا عدمت إشفاقك وتحيّتك ، وقد عرفت مشورتك ولرأيك فضله . إنّ فاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله لم تزل مظلومة ، من حقّها ممنوعة ، وعن ميراثها مدفوعة ، لم تحفظ فيها وصية رسول اللّه صلى الله عليه و آله ولارعي فيها حقّه ولاحقّ اللّه عزّ وجلّ ، وكفى باللّه حاكما ومن الظالمين منتقما ، وأنا أسألك - يا عمّ ! - أن تسمح لي بترك ما أشرت به ، فإنّها وصّتني بستر أمرها .. ».(1)
وعن أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام : « .. فقال علي عليه السلام لها : « ائت أبا بكر وحده فإنه أرقّ من الآخر وقولي له : ادّعيت مجلس أبي وأنك خليفته وجلست مجلسه ، ولو كانت فدك لك ثم استوهبتها منك لوجب ردّها عليّ .. » .
« فلمّا أتته وقالت له ذلك ، قال : صدقتِ ، قال: فدعا بكتاب فكتبه لها بردّ فدك، فقال : فخرجت والكتاب معها فلقيها عمر ، فقال : يا بنت محمد ! ما هذا الكتاب الذي معك ؟ فقالت : « كتاب كتب لي أبو بكر بردّ فدك » . فقال : هلمّيه إليّ ، فأبت أن تدفعه إليه ، فرفسها برجله - وكانت حاملة بابن اسمه : المحسن - فأسقطت المحسن من بطنها ، ثم لطمها ، فكأنّي أنظر إلى قرط في أُذنها حين نقفت ، ثم أخذ الكتاب فخرقه .. فمضت ومكثت خمسة وسبعين يوما مريضة مما ضربها عمر ثم قبضت » .
« فلمّا حضرته(2)الوفاة دعت عليا عليه السلام فقالت : « إما تضمن وإلاّ أوصيت إلى ابن الزبير » .(3)
فقال علي عليه السلام : « أنا أضمن وصيّتك يا بنت محمد ! » .
قالت : « سألتك بحقّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله إذا أنا متّ ألا يشهداني و لا يصلّيا عليَّ » .
1) . أمالي الشيخ الطوسي : 1 / 156 - 155 ط النجف ؛ بحار الأنوار : 43 / 209 - 210 .
2) . كذا ، والظاهر : حضرتها .
3) . قال المحدّث الخبير الشيخ عبّاس القمي : إنّي أحتمل .. أن لفظ ابن ، زيدَ من النسّاخ . وإن كان صحيحا أرادت - صلوات اللّه عليها - هذا الرجل (أي ابن الزبير بن عبد المطلب) لا عبد اللّه بن الزبير بن العوام ، لأنه كان عند وفاة فاطمة عليهاالسلام طفلاً صغيرا ... مع أنه كان منحرفا عن أهل البيت عليهم السلام لاحظ : سفينة البحار : 1 / 543 - زبر - .
« قال : « فلك ذلك » ، فلمّا قبضت عليهاالسلام دفنها ليلاً في بيتها ، وأصبح أهل المدينة يريدون حضور جنازتها وأبو بكر وعمر كذلك ، فخرج إليهما علي عليه السلام فقالا له : ما فعلت بابنة محمد ؟ أخذت في جهازها يا أبا الحسن ؟ فقال علي عليه السلام : « قد واللّه دفنتها » ، قالا : فما حملك على أن دفنتها ولم تعلمنا بموتها ؟ قال : « هي أمرتني » ، فقال عمر : واللّه لقد هممت بنبشها والصلاة عليها .. فقال علي عليه السلام : « أما واللّه مادام قلبي بين جوانحي وذو الفقار في يدي إنّك لا تصل إلى نبشها .. فأنت أعلم » ، فقال أبو بكر : اذهب فإنّه أحقّ بها منّا .. وانصرف الناس » .(1)
وروى الخصيبي وصيتها بذلك وقولها عليهاالسلام :
« لا يصلّي عليّ أُمّة نقضت عهد اللّه وعهد أبي رسول اللّه صلى الله عليه و آله وأمير المؤمنين بَعْلي ، وظلموني وأخذوا وراثتي ، وحرقوا(2)صحيفتي ... وكذّبوا شهودي ، وطفت عليهم في بيوتهم ... فيجيبون ليلاً ويقعدون عن نصرتنا نهارا ، ثم ينفذون إلى دارنا قنفذا ومعه خالد بن الوليد ليخرجا ابن عمّي ... فجمعوا الحطب ببابنا ، وأتوا بالنار
ليحرقوا البيت ... فأخذ عمر السوط ... فضرب به عضدي فالتوى على يدي حتى صار كالدملج ، وركل الباب برجله فردّه عليّ - وأنا حامل - فسقطت لوجهي والنار تسعر وصفق وجهي بيده حتى انتثر قرطي من أُذني ، وجاءني المخاض فأسقطت محسنا قتيلاً بغير جرم » .
« فهذه أُمّة تصلّي عليّ ؟!! وقد تبرّأ اللّه ورسوله منها وتبرّأت منها .. » .(3)
أقول : بل إنها عليهاالسلام أمرت أسماء أن لايدخل على جنازتها أحد حتى قبل دفنها ، ولذا ردّت أسماءُ عائشةَ كما ورد في غير واحد من كتب العامّة .(4)
وروي أنها عليهاالسلام ردّت عائشة حين جاءت لعيادتها . راجع : كامل بهائي : 1 / 172 .
1) . الاختصاص : 185 ، وعنه في بحار الأنوار : 29 / 192 ؛ العوالم : 11 / 426 .
2) . كذا ، والظاهر : خرقوا .
3) . الهداية الكبرى : 178 - 179 .
4) . راجع : السنن الكبرى : 4 / 35 ؛ كنز العمال : 13 / 686 - 687 ؛ ذخائر العقبي : 53 ؛ وفاء الوفاء : 3/904 ؛نهاية الارب : 9 / 126 - 127 ؛ شرح المواهب للزرقاني : 3 / 206 ؛ الاستيعاب بهامش الإصابة : 4 / 379 ؛ جامع الأحاديث الكبير : 13 / 146 ؛ العوالم : 11 / 511 ؛ الغدير : 7 / 228 .
قال أبو جعفر الباقر عليه السلام : « لمّا ماتت فاطمة عليهاالسلام قام عليها أمير المؤمنين عليه السلام وقال : « اللّهمّ إنّي راض عن ابنة نبيّك .. اللّهم إنها قد أُوحشت فآنسها .. اللّهم إنّها قد هُجرت فصلْها .. اللّهمّ إنّها قد ظُلمت فاحكم لها وأنت خير الحاكمين » .(1)
وفي زيارتها عليهاالسلام : « . .اللّهمّ إنّها خرجت من دنياها مظلومة مغشومة قد ملئت داءً وحسرةً وكمدا وغصةً تشكو إليك وإلى أبيها ما فعل بها . . » .(2)
وفي رواية مولانا الرضا عليه السلام : « كانت لنا أُمّ صالحة ماتت وهي عليهما ساخطة ، ولم يأتنا بعد موتها خبر أنها رضيت عنهما » .
قال ابن طاووس - بعد هذه الرواية - : وعلماء أهل البيت عليهم السلام لا يحصي عددهم وعدد شيعتهم إلاّ اللّه تعالى . وما رأيت ولا سمعت عنهم أنهم يختلفون في : أنّ أبا بكر وعمر ظلما أمّهم فاطمة عليهاالسلام ظلما عظيما .(3)
وورد وصفها بالمظلومية في زياراتها مثل :
« السلام عليك أيّتها المظلومة المغصوبة ، السلام عليك أيتّها المضطهدة المقهورة ،(4)المطلوبة بالأحقاد » .(5)
1) . الخصال : 588 .
2) . المزار الكبير : 79 ؛ بحار الأنوار : 100 / 197 .
3) . الطرائف : 252 .
4) . راجع : مصباح المتهجّد : 712 ؛ المقنعة : 459 ؛ مصباح الزائر : 53 ؛ المزار الكبير : 80 - 81 ؛ الإقبال : 623 - 625 ؛ التهذيب : 6 / 9 ؛ البلد الأمين : 278 ؛ الفقيه : 2 / 573 ؛ بحار الأنوار : 100 / 195 ، 198 - 200 .
5) . المزار الكبير لابن المشهدي : 104 .
التنبيه الأوّل :
أشرنا إلى خفاء قبر السيدة فاطمة عليهاالسلام إلى الآن ، ولكن قيل : ان غير واحد من الروايات تدلّنا إلى موضع قبرها ! ..
أقول : ويرد عليه اولاً : كلّما جاء في هذه الروايات إنما هو الإشارة إجمالاً إلى موضع أوسع من محدودة القبر ، نحو : ( البقيع .. ) ( بيتها .. ) ( المسجد ) . ولا تجد رواية ذكر فيها موضع القبر محدّدا. ولذا اعترف بخفائه جمع من العامّة نحو ابن أبي الحديد والسمهودي .. وغيرهما .
ثانيا : التعارض الموجود في هذ الروايات يمنعنا من أن نعرف حتى الموضع الإجمالي الوسيع المشتمل على القبر ، ولا يمكن الجمع بينها بوجه ؛ ففي طائفة منها: أن قبرها عليهاالسلام بالبقيع ،(1)وفي طائفة ثانية : أنّها دُفنت في بيتها ، وفي بعضها أنّ البيت صار في المسجد ،(2)وفي طائفة ثالثة : أنّها دُفنت في الروضة المنوّرة ، أو بين القبر والمنبر ،(3)وبعضهم ذكروا الطوائف الثلاثة من الروايات ،(4)وفي طائفة رابعة : أنّها
1) . الطبقات لابن سعد : 8 / 19 ؛ المزار للمفيد : 178 ؛ تاريخ بغداد : 1 / 138 ؛ روضة الواعظين : 150 ؛ الدرّة الثمينة : 2 / 403 ؛ شرح نهج البلاغة : 16 / 50 ؛ كشف الغمة : 1 / 501 ؛ ذخائر العقبي : 54 ؛ البداية والنهاية : 6 / 367 ؛ الفصول المهمة لابن الصباغ : 147 ، عيون الأخبار للقرشي : 72 ، 331 ؛ البلد الأمين : 278 ؛ تاريخ الخميس : 1 / 278 ؛ السيرة الحلبية : 3 / 394 ؛ نزل الأبرار : 134 ؛ ينابيع المودّة : 201 ، وفاء الوفاء : 3 / 905 .
2) . تاريخ المدينة لابن شبة : 1 / 107 ؛ قرب الاسناد : 161 ؛ الكافي : 1 / 461 ؛ معاني الأخبار : 268 ؛ عيون اخبار الرضا عليه السلام : 1 / 311 ؛ الفقيه : 1 / 229 ؛ الاختصاص : 185 ؛ التهذيب : 3 / 255 ؛ الدرّة الثمينة : 2 / 360 ؛ الاقبال : 624 ؛ كشف الغمة : 1 / 501 ؛ ذخائر العقبي : 54 ؛ تاريخ الخميس : 1/278 ؛ نزل الأبرار : 134 ؛ ينابيع المودّة : 201 .
3) . معاني الأخبار : 267 ؛ المزار للمفيد : 179 ؛ دلائل الإمامة : 46 ؛ روضة الواعظين : 152 ؛ الاقبال : 623 ؛ حبيب السير : 1 / 436 .
4) . تاريخ الأئمة لابن أبي الثلج : 31 ؛ الفقيه : 2 / 572 ؛ التهذيب : 6 / 8 ؛ مصباح المتهجد : 711 ؛ إعلام الورى : 152 ؛ تاج المواليد : 23 ؛ المناقب 3 / 357 ، 363 ، 365 ؛ الوسيلة لابن حمزة : 197 ؛ تهذيب الأسماء واللغات للنووي : 2 / 353 ؛ خلاصة الوفاء : 423 - 427 .
دُفنت بزاوية من دار عقيل بن أبي طالب .(1)
ثالثاً : قد صرّح بذلك ابن عبّاس حينما قال : .. وانسدّ القبر واستوى بالأرض ، فلم يُعلم أين كان إلى يوم القيامة .(2)
التنبيه الثاني :
من أهم الروايات التي اعتمدنا عليها في المقام ما رواه جمع من أعاظم العامّة عن عائشة : أنها قالت : إنّ فاطمة عليهاالسلام سألت أبا بكر - أو : أرسلت إلى أبي بكر تسأله - ميراثها من رسول اللّه صلى الله عليه و آله ممّا أفاء اللّه عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر ، فقال أبو بكر : إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال : لا نورّث ما تركنا صدقة ... فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا ، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتى توفّيت ، وعاشت بعد النبي صلى الله عليه و آله ستّة أشهر فلمّا توفّيت دفنها زوجها عليّ عليه السلام ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر وصلّى عليها .(3)
أقول : لابدّ لنا أن نشير إلى أُمور حول هذه الرواية :
أوّلاً : من عرف سيرة عائشة وموقفها مع الصديقة فاطمة عليهاالسلام يعلم أنّه لا يتصوّر غرض صحيح لها في نقل هذه القضايا .. إلاّ ما تكنّه نفسها من حسد وحقد دفين مع ما تقصده من الشماتة .. فإنّها فرحة مسرورة بغلبة أبيها ووصوله إلى دكة الحكم
1) . الطبقات لابن سعد : 8 / 19 ؛ تاريخ المدينة لابن شبة : 1 / 105 ؛ مصباح الأنوار : 257 مخطوط وعنه في بحار الأنوار : 82 / 27 ؛ الاصابة : 4 / 380 ؛ خلاصة الوفاء : 423 ؛ شرح المواهب اللدنية اللزرقاني : 3 / 207 ، وفاء الوفاء : 3 / 901 .
2) . بحارالأنوار : 43/214 - 215 ، وراجع : إحقاق الحق : 10/453 - 454 عن مودّه القربى.
3) . راجع : الطبقات لابن سعد : 2 / ق 2 / 86 و 8 / 19 ؛ مسند أحمد : 1 / 9 ؛ المصنف ، عبد الرزاق : 5/472 ؛ صحيح البخاري : 5 / 82 وراجع : 4 / 42 ؛ صحيح مسلم : 5 / 154 ؛ تاريخ المدينة المنوّرة ، لابن شبة : 1 / 196 - 197 ؛ تاريخ الطبري : 3 / 207 - 208 ؛ شرح نهج البلاغة : 6 / 46 ؛ كفاية الطالب : 370 ؛ شرح صحيح مسلم ، للنووي : 12 / 77 - 80 ؛ نهاية الارب : 18 / 396 - 397 ؛ البداية والنهاية : 5 / 306 ؛ كنز العمال : 5 / 604 و 7 / 242 ؛ تاريخ الخميس : 2 / 174 .
منتقما من الرسول والوحي و ..(1)
ثانيا : نحن نقطع بأنّها - وإن كانت ذات سياسة وتدبير ، كما قيل(2)لكنّها - لو علمت بأنّه يضرّها وأباها نقل بعض خصوصيات القضية لسكتت عن ذكرها أو سلكت في بيانها منهجا آخر .. ولعل يد الغيب أنطقتها ! ..
ثالثا : إنّها تريد أن تحصر وجه غضب السيدة فاطمة عليهاالسلام في ما يرتبط بفدك وما بقي من خمس خيبر .. لماذا ؟ لتقول : إنّ السيّدة فاطمة عليهاالسلام تهمّها الدنيا وزخارفها .. ولم تغضب إلاّ لها . ثم تمحو بذلك ذكر الخلافة عن الأذهان ، وتُنسي قضايا الهجوم والإحراق والضرب وإسقاط الجنين .. والأهمّ من كل ذا وذاك هو انحراف مسير الإسلام ، وغصب الخلافة ، وظلم الوصيّ و ..
ولعل الغرض من بيان غصب فدك هو أن يعرف الناس عدم صلاحية من تولّى الخلافة لذلك علما وعملاً ، ولذا تراها عليهاالسلام تهتمّ في الخطبة الفدكيّة بأمر الخلافة غاية الاهتمام ، بل وعند عيادة النساء لها ، بل صرّحت بجهات غضبها في وصيتها التي قدّمنا ذكرها ، وعدّت منها هجوم المنافقين على بيتها ، والجنايات الصادرة منهم حينذاك .. وقد أشار إلى ذلك الإمام الصادق عليه السلام كما مرّ قريبا ،(3)بل في ما رواه ابن قتيبة أيضا إشعار بذلك ، فراجع .
رابعا : هذه الرواية عن عائشة دليل قويّ على إبطال قول من يدّعي أنّ فاطمة عليهاالسلامرضيت عن أبي بكر .
التنبيه الثالث :
قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة » .(4)
1) . راجع : شرح نهج البلاغة : 9 / 198 .
2) . قالوا : إنها كانت رجلة العرب ، لو كانت لأبيها مثلها ذكرا لما خرجت الخلافة من بيته . انظر : الأمتاع والمؤانسة : 3/199 .
3) . عن الاختصاص للشيخ المفيد : 185 ؛ وعنه في بحار الأنوار 29 / 192 .
4) . الروايات الواردة بهذا المضمون كثيرة ، راجع : الكافي : 1 / 371 ، 376 - 378 ، 397 و 2 / 20 - 21 و 8 / 146 ؛ بحار الأنوار : 23 / 76 باب وجوب معرفة الإمام . وصرّح بتواترها الشيخ المفيد في الإفصاح : 28 ، والسيّد ابن طاووس في الإقبال : 460 ، وباتّفاق الفريقين على نقلها في الصراط المستقيم : 1 / 196 ، والصوارم المهرقة : 89 .
وروى العامة عنه صلى الله عليه و آله : « من مات بغير إمام .. » أو : « وليس في عنقه بيعة .. » ، أو : « من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات ، مات ميتة جاهليّة » .(1)
فبضيمة رواية عائشة إلى هذه الروايات ماذا يستنتج ؟
هل يتفوّه أحد بأن فاطمة عليهاالسلام لم تعرف إمام زمانها ؟
أم إنّها بايعت أبا بكر .. ؟!
أم ماتت حين ماتت ولا بيعة لها ولا إمام - والعياذ باللّه - ؟!
بل نجدها هَجَرتْ أبا بكر وغضبتْ عليه وماتتْ وهي غضبى عليه ، كما صرّحت بذلك عايشة .
ماذا يُجيبنا أعلام العامّة ؟
من وردت في حقّها آية التطهير وغيرها من الآيات ، ومن كانت محبّتها أجر الرسالة ، وقال النبي صلى الله عليه و آله في حقّها : « هي بضعة منّى » ؛ و : « إنّ اللّه يغضب لغضبها ويرضى لرضاها » ؛ و : « إنّها سيّدة نساء أهل الجنّة » ؛ و : « سيّدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين » و .. من كان إمام زمانها ؟!
هل يمكن أن يقال إنّها لم تعرف إمام زمانها ؟!
1) . راجع : مسند أحمد : 1 / 275 ، 297 ، 310 و 2 / 70 ، 83 ، 93 ، 123 ، 154 ، 296 ، 306 ، 488 و 3 / 446 و 4 / 96 ؛ السنن للدارمي : 2 / 241 ، صحيح البخاري : 8 / 87 ، 105 ؛ صحيح مسلم : 6 / 21 - 22 ؛ السنن للنسائي : 7 / 123 ؛ السنن للبيهقي : 8 / 156 - 157 و 10 / 234 ؛ شرح نهج البلاغة : 8 / 123 ؛ كنز العمال : 1/103 ، 385 و 2 / 207 - 208 .. وغيرها .
لاينقضي تعجبي من قوم لا يرون دون ما ذهبوا إليه مذهبا - لشدّة تعصّبهم - ويتحفّظون على ما أخذوا عن آبائهم وكبرائهم .. من دون فحص وتحقيق وتمييز حقّه عن باطله ، مع أن اللّه تبارك وتعالى يذمّ من اتبع الآباء والكبراء وقلّدهم من دون بصيرة فيقول : « قالُوْا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنَا أَوَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُوْنَ شَيْئا وَلا يَهْتَدُوْنَ » ،(1)وقال - عزّ من قائل - : « وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّوْنَا السَّبِيْلا » ،(2)فلابدّ للإنسان من الفحص والبحث لكي يكون في معتقداته على بصيرة ويقين لا عن تقليد وظن أو تعصّب وعناد .
إنّ الكثير من العامّة لا يجوّزون الكلام في ما وقع بين الصحابة من المنازعات أو ما صدر عنهم ،(3)ولا بأس بالإشارة إلى كلام بعضهم :
قال النسفي (المتوفى 537) في العقائد : .. ويكفّ عن ذكر الصحابة إلاّ بخير .
وقال التفتازاني (المتوفى 793) في شرحه : .. وما وقع بينهم من المنازعات
والمحاربات فله محامل وتأويلات .(1)
وقال القطفي - المعروف ب- : ابن سيد الكل (المتوفى 697) - : .. وكل أمر روي عن الصحابة فيه تأثيم وعصيان يجب أن ينفيه ويبطله إن ورد ورود الآحاد ، وإن ورد ورود التواتر وجب تأويله وإخراجه عن ظاهره ؛ لأنّه من ثبت إيمانه وبرّه وعدالته لايجوز أن يفسّق بأخبار الآحاد والظواهر ..(2)
والجواب عنه - مضافا إلى ما ذكرناه في المتن مفصلاً ؛ وعدم جواز اتباع كل أحد في الدين - :
أولاً : يكفي من المعجزات القرآن الموجود بأيدينا .
ثانيا : قد تواتر نقل معجزاته صلى الله عليه و آله بحيث نقطع بصدورها عنه ، وقد ثبت في محله عدم الحاجة إلى وثاقة الراوي في الروايات المتواترة .
إلى غير ذلك .وهو كما ترى ، يوجب تحريف الواقع وصرفه عن وجهه .. بل لا يبقى لنا حقيقة تاريخية بل ولا دينية ، ولما يبقى حجر على حجر ، وعلى الإسلام السلام .. فما دأب عليه جمع من الناشرين والمحقّقين من حذف ما يوجب القدح في الصحابة .. والأدهى والأمرّ رفع ما يشتمل على فضائل أهل البيت عليهم السلام من كتب الحديث والتفسير والتاريخ ودواوين الشعراء المتقدّمين .. وغيرها - كما يظهر عند تطبيق الطبعات السابقة مع الطبعات الحديثة - فهو جناية لا تغتفر ، وخيانة لا تسامح .. على الدين والحقيقة ، بل على الإنسانية جمعا .. واللّه سبحانه وتعالى يقول : « إِنَّ اللّه َ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوْا الأَمانات إِلَى أَهْلِها » .(3)
أليس ممّا قال اللّه تعالى شأنه : « وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ » ؟!(4)
1) . حاشية الكستلي على شرح العقائد : 187 ط استامبول .
2) . الأنباء المستطابة : 122 ، بل زاد بعضهم :القول بأن أوّل ما بدأ به الأصحاب ظلم أهل البيت عليهم السلام ، يوجب زوال ثقتنا في ما عوّلنا عليه من اتباع ذوي العقول ، فتطوح الاعتقادات وتضعف النفوس عن قبول الروايات في الأصل وهو المعجزات . راجع : تلبيس إبليس لابن الجوزي : 98 ط دار الكتب العلمية .
3) . النساء 4 : 58 .
4) . آل عمران 3 : 144 .
بل كيف يمكن أن يقال بعدالة جميع الصحابة أو حسن الظن بهم بعد نزول آيات من القرآن في ذمّ جمع منهم ، أو ما نزل من الكتاب مما يدّل على وجود المنافقين بينهم ؟ قال اللّه تعالى : « وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرابِ مُنافِقُوْنَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِيْنَةِ مَرَدُوْا عَلَى النِّفَاقِ .. » ،(1)« إذْ يُبَيِّتُوْنَ ما لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ .. » ،(2)« فَإِذا بَرَزُوْا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُوْلُ .. » ،(3)« ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُوْنَ بِاللّه ِ إنْ أَرَدْنا إِلاّ إِحْساناً وَتَوْفِيْقاً.. »(4)« وَيَحْلِفُوْنَ بِاللّه ِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُوْنَ .. » ،(5)« وَيَحْلِفُوْنَ بِاللّه ِ لَكُمْ لِيُرْضُوْكُمْ وَاللّه ُ وَرَسُوْلُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوْهُ .. » ،(6)« يَحْلِفُوْنَ بِاللّه ِ ما قالُوْا وَلَقَدْ قالُوْا كَلِمَةَ الْكُفْرِ .. » ،(7)« يَمُنُّوْنَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوْا قُلْ لا تَمُنُّوْا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ.. » ،(8)« اتَّخَذُوْا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوْا عَنْ سَبِيْلِ اللّه ِ .. » ،(9)«إِنَّ الَّذِيْنَ آمَنُوْا ثُمَّ كَفَرُوْا .. » .(10)
بل نستشعر من بعضهم - مثل عمر بن الخطاب ! - وحشة من سورة التوبة !! فقد روى السيوطي عن غير واحد منهم ، عن ابن عباس أنه قال : إن عمر قيل له :سورة التوبة ، قال : هي إلى العذاب أقرب ! .. ما أقلعت عن الناس حتى ما كادت تدع منهم أحداً !!
وفي رواية أُخرى قال : ما فُرغ من تنزيل براءة حتى ظننا أنّه لم يبق منا أحد إلاّ
1) . التوبة 9 : 101 .
2) . النساء 4 : 108 .
3) . النساء 4 : 81 .
4) . النساء 4 : 62 .
5) . التوبة 9 : 56 .
6) . التوبة 9 : 62 .
7) . التوبة 9 : 74 .
8) . الحجرات 49 : 17 .
9) . المنافقون 63 : 2 .
10) . النساء 4 : 137 . راجع أيضاً : سورة المنافقين (63) ، وسورة المجادلة (58) : 14 - 19 ، وسورة التوبة (9) : 42 ، 95 ، 96 ، 107 .. وغيرها .
ستنزل فيه ، وكانت تسمّى : الفاضحة !(1)
فإذا كان هذا حالهم في حياة النبي صلى الله عليه و آله .. فهل يحتمل أن يكون لوفاته صلى الله عليه و آله تأثير في شدّة تقواهم وتكامل عدالتهم ؟!
ثم إنه لا ريب في اجتماع شرف الصحبة والزوجية لأزواجه صلى الله عليه و آله ، فهنّ أمهات المؤمنين .. وهنّ صحابيات .. ومع ذلك قال اللّه عزّ وجلّ فيهنّ : « مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيّنَةٍ يُضاعَفُ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ » !(2)وفي سورة التحريم - بعد توبيخ حفصة وعائشة(3)- يضرب لهما مثلاً فيقول : « ضَرَبَ اللّه ُ مَثَلاً لِلَّذِيْنَ كَفَرُوْا امْرَأَتَ نُوْحٍ وَامْرَأَتَ لُوْطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللّه ِ شَيْئاً وَقِيْلَ ادْخُلاَ النّارَ مَعَ الدّاخِلِيْنَ » .(4)
ثم أليس النبي صلى الله عليه و آله قال : « أنا فرطكم على الحوض وليرفعنّ رجال منكم ثم ليختلجنّ دوني ، - وفي رواية : « .. سيجاء برجال من أُمّتي ، فيؤخد بهم ذات الشمال -
فأقول : يا ربّ أصحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، إنّهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم » .(5)
وقال صلى الله عليه و آله - في خطبة خطبها قبل أيام الغدير بمنى - : « لا ألفينّكم ترجعون بعدي كفّاراً ، يضرب بعضكم رقاب بعض » .(6)
أقول : هذه الجملة من الخطبة متكررة في كتب الفريقين ، بل عقد كل من البخاري والترمذي وابن ماجه في كتاب الفتن ومسلم في كتاب الايمان لها باباً ، وتجدها في الصحاح الستة وغيرها من الكتب المعتبرة عند القوم في موارد كثيرة جدّاً مع اختلاف يسير : « ويلكم [ ويحكم خ ل ] لا ترجعن [ لا ترجعواخ ل ]بعدي كفاراً [ ضلاّلاًخ ل ] يضرب بعضكم رقاب بعض » . وفي رواية النسائي : « لا أُلفينكم بعدما أرى ترجعون بعدي كفاراً ، يضرب بعضكم رقاب بعض » . السنن 7/128 .
لاحظ : سنن النسائي : 7/126 - 128 ؛ مسند أحمد : 1/230 ، 402 و 2/85 ، 87 ، 104 و 4/351 ، 358 ، 366 و 5/39 ، 44 - 45 و 49 ، 68 ، 73 ؛ سنن الدارمي : 2/69 ؛ صحيح البخاري : 1/38 و 2/191 - 192 و 5/126 و 6/236 و 7/112 و 8/16 ، 36 ، 91 ؛ صحيح مسلم : 1/58 و 5/108 ؛ سنن ابن ماجه : 2 / 1300 ؛ سنن أبي داود : 2/409 ؛ سنن الترمذي : 3/329 ؛ سنن البيهقي : 5/140 و 6/92 ، 97 و 8/20 ؛ المستدرك : 1/191 .
وقال صلى الله عليه و آله في وصيّته لعلي عليه السلام - والناس حضور حوله - : « أما واللّه - يا علي ! - ليرجعنّ أكثر هؤلاء كفّاراً يضرب بعضهم رقاب بعض ، وما بينك وبين أن ترى ذلك إلاّ أن يغيب عنك شخصي .. يا علي ! إنّ القوم يأتمرون بعدي يظلمون ، ويبيّتون على ذلك ، ومن بَيَّتَ على ذلك فأنا منهم بريء ، وفيهم نزلت « بَيَّتَ طائِفَةٌ مُنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي
تَقُوْلُ وَاللّه ُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُوْنَ »(1)» .
وقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله لعلي عليه السلام: « إن أُمّتي ستفتن من بعدي ، فتتأوّل القرآن وتعمل بالرأي ... وتحرّف الكتاب عن مواضعه ، وتغلب كلمة الضلالة ، فكن جليس بيتك حتّى تقلّدها ، فإذا قلّدتها جاشت عليك الصدور ، وقلبّت لك الأُمور ، تقاتل حينئذ على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ، فليست حالهم الثانية بدون حالهم الأولى .. » .
قال ابن أبي الحديد : رواها كثير من المحدّثين .(2)
وقال صلى الله عليه و آله - قبل وفاته - : «أقبلت الفتن كقطع اللّيل المظلم، يتبع آخرها أوّلها».(3)
فترى أنّه صلى الله عليه و آله أخبر بحال أصحابه بعده وبما يقع في الأُمّة من الفتن ، فكيف يجوز أن نؤوّل هذه النصوص الصحيحة المتواترة الصريحة في ارتداد جمع منهم ؟!
قال مالك : إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال لشهداء أُحد : « هؤلاء أشهد عليهم » . فقال
1) . بحار الأنوار : 22 / 487 . والآيه في سورة النساء 4 : 81 .
2) . شرح نهج البلاغة : 9 / 206 .
3) . راجع : سنن الدارمي : 1/36 - 37 ؛ تاريخ الطبري : 3/188 ؛ مسند أحمد : 3/488 - 489 ؛ شرح نهج البلاغة : 10/183 ؛ البداية والنهاية : 5/243 - 244 ؛ الكامل لابن الأثير : 2/318 ؛ الطبقات : 2/ ق 2/10 ؛ البدء والتاريخ : 5/56 ؛ أنساب الأشراف : 2/214 ؛ تاريخ الإسلام للذهبي : 1/545 ؛ نهاية الارب : 18/362 ؛ المنتظم : 4/14 - 15 ؛ تاريخ الخميس : 2 / 161 ؛ مجمع الزوائد : 9/24 ؛ كنز العمال : 12/262 .. وغيرها .
أبو بكر الصديق : ألسنا - يا رسول اللّه ! - بإخوانهم ؟! أسلمنا كما أسلموا ، وجاهدنا كما جاهدوا .. فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « بلى ، ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي » .(1)
قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « إنّ من أصحابي من لا يراني بعد أن أُفارقه » .(2)
وقال صلى الله عليه و آله : « إذا فتحت عليكم فارس وروم ، أيّ قومٍ أنتم ؟! » قال عبد الرّحمن بن عوف : نقول :(3)كما أمرنا اللّه .
قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « أو غير ذلك .. تتنافسون .. ثم تتحاسدون .. ثم تتدابرون .. ثم تتباغضون .. أو نحو ذلك ، ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين فتجعلون بعضهم على رقاب بعض » .(4)
وراجع أيضاً ما روي في تفسير قوله تعالى : « اتَّقُوْا فِتْنَةً لا تُصِيْبَنَّ الَّذِيْنَ ظَلَمُوْا مِنْكُمْ خاصَّةً »(5)عن الزبير ، وفي أهل بدر خاصة .(6)
بل ترى قوماً من الصحابة يخافون على أنفسهم من النفاق ، فكيف يجوز أن يقطع بإيمان جميعهم ؟! قال ابن أبي مليكة : أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه و آله كلّهم يخاف النفاق على نفسه .(7)
وترى أن عمر يسأل حذيفة : هل أنا من المنافقين أم لا ؟!(8)
ومرة أُخرى يسأل أُم سلمة عن ذلك ؛ فقد روى المتقي الهندي ؛ عن مسروق قال : دخل عبد الرحمن بن عوف على أم سلمة ، فقالت : سمعت النبي صلى الله عليه و آله يقول : « إن من أصحابي لمن لا يراني بعد أن أموت أبدا » ، فخرج من عندها مذعوراً حتى دخل على عمر ، فقال له : اسمع ما تقول أُمك ! فقال [ فقام ظ ] عمر يشتدّ[ ! ! ] حتى دخل عليها ، فسألها ثم قال : أُنشدك اللّه أمنهم أنا ؟! قالت : لا ، ولن أبرئ بعدك أحداً . راجع : كنز العمال 11 / 270 .
1) . كتاب الموطّأ : 2 / 462 .
2) . مسند أحمد : 6 / 290 ، 298 ، 312 ، 317 ، وذكرها بعضهم في ترجمة عبد الرحمن بن عوف ، راجع الاستيعاب وغيره .
3) . كذا ، ولعل الصحيح نكون .
4) . صحيح مسلم : 8 / 212 - 213 .
5) . الأنفال 8 : 25 .
6) . فتح الباري : 13 / 3 .
7) . صحيح البخاري : 1 / 17 .
8) . راجع : جامع الأحاديث : 13 / 409 و 14 / 19 و 15 / 36 ؛ كنز العمال / : 1 / 369 .
ويعرّض حذيفة بنفاق بعضهم حين يمرّ على جلسة عبد اللّه بن عمر ، - كما روى البخاري عن إبراهيم عن الأسود - قال : كنّا في حلقة عبد اللّه ، فجاء حذيفة حتى قام علينا فسلّم ، ثم قال : لقد أُنزل النفاق على قوم خير منكم . قال الأسود : سبحان اللّه ! إنّ اللّه يقول : « إِنَّ الْمُنافِقِيْنَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النّارِ »(1)فتبسّم عبد اللّه ، وجلس حذيفة في ناحية المسجد ، فقام عبد اللّه فتفرّق أصحابه ، فرماني بالحصى فأتيته ، فقال حذيفة : عجبت من ضحكه وقد عرف ما قلت .(2)
بل صرّح ابن عباس بذلك حينما قال لعائشة : ما أخرجك علينا مع منافقي قريش ؟ قالت : كان ذلك قدراً مقدوراً .(3)
قال حذيفة بن اليمان :إنّ المنافقين اليوم شرّ منهم على عهد النبي صلى الله عليه و آله ، كانوا يومئذ يسرّون واليوم يجهرون .(4)
ولذا ترى بعضهم تنبهوا لذلك فجوّزوا عليهم الانحراف عن طريق الحق .
قال التفتازاني (المتوفى 793) - وقد رأيت ما ذكره في شرح العقائد - : إنّ ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات - على الوجه المسطور في كتب التواريخ والمذكورة على ألسن الثقاة - يدلّ بظاهره على أنّ بعضهم قد حاد عن طريق الحق وبلغ حدّ الظلم والفسق ، وكان الباعث له الحقد والعناد ، والحسد واللداد ، وطلب الملك والرئاسة ، والميل إلى اللذّات والشهوات ؛ إذ ليس كلّ صحابي معصوماً ..
1) . النساء 4 : 145 .
2) . صحيح البخاري : 5 / 184 . وراجع ما رواه حذيفة في المنافقين : صحيح مسلم : 5 / 390 و8 / 122 - 123 ؛ مسند أحمد : 5 / 391 ؛ السنن الكبرى ، للبيهقي : 8 / 198 و 9 / 33 ؛ فتجد أنه صرّح بنفاق بعض من حضر وإن لم يذكروا اسمه ؛ ولكن ذكر المتقى الهندي أنه أبو موسى الأشعري ، راجع : كنز العمال : 14 / 86 .
3) . كتاب الفتن لنعيم بن حماد : 47 ، ط مكة المكرمّة .
4) . صحيح البخاري : 8 / 100 ، كتاب الفتن ، باب : إذا قال عند قوم شيئاً ثم خرج بخلافه ، قريب منه كنز العمال : 1/367 ؛ البحر الزخّار المعروف بمسند البزاز : 7 / 303 - 304 .. ونحن أدرجنا بعض الروايات المناسبة للمقام في الفصل الثاني ، فراجع .
ولا كلّ من لقي النبيّ بالخير موسوماً .(1)
وقال أحمد أمين : .. وبعد ؛ فإلى أيّ حدّ تأثر العرب بالإسلام ؟ وهل امّحت تعاليم الجاهلية ونزعات الجاهلية بمجرّد دخولهم في الإسلام ؟
الحقّ أن ليس كذلك .. وتاريخ الأديان والآراء يأبى ذلك ... ومع كل هذه التعاليم ، لم تمت نزعة العصبية وكانت تظهر بقوّة إذا بدا ما يهيّجها .(2)
وقال محمد فريد وجدي : إنّ المؤرخين الأقدمين والمحدّثين حفظوا أمام حوادث الصدر الأول من هذه الأُمة ظاهراً من الأدب ، وامتنعوا عن إبداء آرائهم في تلك الحوادث الهائلة التى كانت أكبر الحوادث الانقلابية في هذه الأُمة ، لما احتوته من أسرار التقدّم وعلل التأخّر معاً ، فجاء تاريخ ذلك العصر الفائض بالحياة مغمضاً مستوراً ، وظنّ أكثر المسلمين أنّ الإنسان يأثم إن انتقد أحد الصحابة أو رأى خلاف رأيه ، واستحال لديهم هذا الظنّ إلى وسوسة حسنت لهم أن ينظروا لحوادث ذلك التاريخ من خلال حُجُب مموهة حتى يروا فيه كل شيء حسناً ، وكل عمل متقناً ، وقد غلا بعضهم فقال : إن قاتلهم ومقتولهم في الجنة !! ..
والحقيقة أنّهم بشر مثلنا ، وإن كانوا أفضل منّا تقوىً وإيماناً وحبّاً للحق .. وقرباً من النور المحمدي صلى الله عليه و آله ، ولكن لا يقول أحد بأنهم منزهون عن الخطأ ، وبأن جميع أعمالهم حسناء ، مع أنه ثبت لنا أنهم تجادلوا وتشاتموا وتضاربوا ، وقتل بعضهم بعضاً ، ومرّ عليهم زمن كانت فيه المجازر بينهم على أشدّ ما يكون بين المتخاصمين من الشعوب المتعادية ، ومن الذي ينسى أن وقعة صفين بين علي عليه السلام ومعاوية ذبح فيها مائة الف مسلم ، وذبح نحو ذلك في واقعة الجمل بين علي عليه السلام وطلحة وعائشة ، ووقعة النهروان بين علي عليه السلام ومن خرجوا عليه من المسلمين ؟!
هذه كلها وقائع حمل فيها المسلمون بعضهم على بعض بالسيف جزّاً في الأعناق ،
وطعناً في الأفئدة ، وضرباً في الوجوه ، وبقراً للبطون .. فإذا ضربنا صفحاً عن ذكر أسبابها ونتائجها بكمال الحرية ، واكتفينا بأن ننظرها على غير حقيقتها .. وسوسةً وخوفاً ، كنّا كمن يريد أن يغشّ نفسه ، واللّه لا يهدي المبطلين .(1)
وقال الدكتور طه حسين : .. وما أُريد أن أتزيّد .. ولا أن أتكلّف .. ولا أن أُوذي بعض الضمائر .. ولا أن أَحفظ بعض الصدور ، ولكنّي مع ذلك أُلاحظ أنّ جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه و آله ... طال عليهم الزمن واستقبلوا الأحداث والخطوب ، وامتحنوا بالسلطان الضخم العظيم ، وبالثراء الواسع العريض ، ففسدت بينهم الأُمور ، وقاتل بعضهم بعضاً ، وقتل بعضهم بعضاً ، وساء ظنّ بعضهم ببعض إلى أبعد ما يمكن أن يسوء ظنّ الناس بالناس ، فما عسى أن يكون موقفنا من هؤلاء ؟
لا نستطيع أن نرضى عن أعمالهم جميعاً ، فلا نلغي عقولنا وحدها .. .(2)
أقول : إذا تأمّلت ما ذكرناه يتضح لك إلى من أُشير في ما رواه الشيخ القمي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى : « إِنَّهُمْ يَكِيْدُوْنَ كَيْدَاً » :(3)« كادوا رسول اللّه صلى الله عليه و آله وكادوا عليّاً عليه السلاموكادوا فاطمة عليهاالسلام » .. إلى أن قال عليه السلام : « فمهّل الكافرين - يا محمّد ! - أمهلهم رويداً ، لوقت بعث القائم عليه السلام فينتقم لي من الجبّارين والطواغيت من قريش وبني أُميّة وسائر الناس » .(4)
ولا يخفى أنّ للقوم دواعي شتّى لصَرْف الخلافة عن أمير المؤمنين إلى أنفسهم ، فإنهم حسدوه كما حسدوا النبي صلى الله عليه و آله قبله ، لرفعته عنهم حسباً ونسباً وعلماً وشجاعة ، بل وفي جميع كمالاته ، ونزلت فيه خاصّة آيات من القرآن ، وذكر النبي صلى الله عليه و آله في فضله أُموراً عظيمة جدّاً ، وكان يقدّمه على غيره في جميع الأُمور ، فلمّا اشتعل نار الحسد في قلوبهم أخرجوا الأمر عن معدنه بغياً وظلماً ، وبغضاً وعدواةً لأهل البيت عليهم السلام ،
ورجاء أن يتداولوها بينهم ، ثم علّلوا أنّ أمير المؤمنين عليه السلام حديث السنّ ! .. وإنه صاحب زهو وتيه ويستصغر الناس لعُجْبه !! ويُؤْثِر بني عبد المطلب على غيرهم .. وتبغضه العرب ولا تطيعه لأنه وتَرَها !! وقريش تنظر إليه كما ينظر الثور إلى جازره !!
بل لا تجتمع الخلافة والنبوة في بيت واحد !!(1)
فلمّا زيّن ذلك في قلوبهم لم يروا بدّاً من إجبار أهل البيت عليهم السلام على البيعة لأبيبكر ليتمّ لهم الأمر أو إهلاكهم إن أبوا عن الإجابة إلى ذلك ، وقديماً قالوا : الملك عقيم .
قال أمير المؤمنين عليه السلام : « ولولا أنّ قريشاً جعلت اسمه [ أي اسم النبي صلى الله عليه و آله ] ذريعة إلى الرئاسة ، وسلّماً إلى العزّ والإمرة لما عَبَدَت اللّه بعد موته يوماً واحداً .. » .(2)
ثم لماذا لم يبالوا بايذاء بضعة النبي صلى الله عليه و آله ومن يغضب اللّه لغضبها ويرضى لرضاها ؟
ولا أُريد أن أذكر هنا عداوتهم لأهل البيت عليهم السلام وما يجري مجرى هذا الكلام - وإن كان صحيحاً في نفسه ، وأمراً ظاهراً لمن تتبّع الآثار والتواريخ - بل أزعم أن
هذه الحركة القاسية كانت غاية ما وصل إليه تفكير الهيئة الحاكمة والطريق الوحيد تجاه أهل البيت عليهم السلام .
فإنك ترى في روايات العامّة والخاصّة أن الهجوم الأخير على البيت الطاهر وقع بعد استنصار السيدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام مع بعلها وبنيها عليهم السلام ليلاً واستنهاضها
المهاجرين والأنصار ليردّوا الحقّ إلى أهله ، فالهيئة الحاكمة بأركانها أصحاب العقبة ، ومجريها الثاني ، ومديرها السياسي الأول عرفوا أنها لا تقعد عن نصرة إمامها ، وعزمت على بذل غاية جهدها في إقامة الحق وإبطال الباطل ، إذ هي التي لم تنس قول أبيها رسول اللّه صلى الله عليه و آله « ... اللّهمّ انصر من نصره واخذل من خذله .. » قبل أيّام قليلة في حجّة الوداع على عكس الذين آثروا الدنيا على الآخرة . فقوّى في نفس القوم احتمال
رجوع الحق إلى أهله ، وانتباه الناس عن غفلتهم ، فلم يروا بدّاً من قتل فاطمة عليهاالسلام ، فعزموا على تلك الجناية التي لا يتصوّر فوقها جناية .. ولا تنسى أبداً .
تلك المصيبة التي لا يجري القلم بكتابتها .. ولا اللسان بذكرها .. والسمع باستماعها .
نعم أوجب الحقد والحسد والعداوة وحبّ الرئاسة والملك وإيثار الدنيا على الآخرة أن يجتمع هؤلاء الذين يعدّون أنفسهم من الأصحاب حول بيت فاطمة الزهراء عليهاالسلام ويهدّدوا تلك البضعة الوحيدة ، وذكرى رسول اللّه صلى الله عليه و آله بإحراق بيتها على أهله ورفعوا أصواتهم بالصيحة المنكرة حول البيت ، وغلظوا في كلامهم معها ، وراموا فتح الباب .. ولمّا امتنعت من ذلك ولم تأذن لهم أن يدخلوا ، جمعوا الحطب على الباب وأحرقوه ، ثم دفعوا الباب المحروق على بطنها وهي حاملة بالمحسن عليه السلام ، وعصروها بين الباب والحائط فأسقطت جنينها ونادت : « يا أبتاه ! يا رسول اللّه ! ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة .. يا أبتاه ! يا رسول اللّه ! أهكذا يصنع بحبيتك وابنتك ؟! » .
« آه ! يا فضّة خذيني » ... وسقطت على الأرض .
ثم دخلوا الدار وأخرجوا أمير المؤمنين عليه السلام ، ولم يكن من يمنعهم سوى فاطمة عليهاالسلام .. فإنّها وإن كانت مريضة ولكنها لم تسمح لنفسها بخذلان أمير المؤمنين عليه السلام،
فلمّا أرادت أن تمنعهم من إخراجه أخذوا في ضربها بالسياط .. وغلاف السيف !! ..
ولعمري ما أدري ماذا أكتب هنا ، أتذكّر قول شريك القاضي : ما لهم ولفاطمة! .. واللّه ما جهّزت جيشاً ولا جمعت جمعاً .. واللّه لقد آذيا رسول اللّه صلى الله عليه و آله في قبره .(1)
فإن هذا وهذا الكلام يدل على أنهم قد بلغوا الغاية في ظلمها ، بل لو أن النبي صلى الله عليه و آلهأوصى أُمّته بإيذاء عترته عليهم السلام لم يقدروا على أشدّ وأزيد مما صنعوا .
1) . تقريب المعارف : 256 (تحقيق تبريزيان) .
ان ثبوت خذلان الناس لأهل بيت النبي صلى الله عليه و آله - ولأمير المؤمنين عليه السلام خاصّة - مما ملئت به الكتب والأسفار واشتهر بين الخاصّة والعامّة ، ولا ينكره إلاّ المكابر .
ومما رواه جمع كثير من العامّة قول عائشة : فلمّا توفّيت فاطمة استنكر عليّ وجوه الناس ، أو : انصرفت وجوه الناس عنه ! ..(1)
البداية والنهاية : 5 / 307 ؛ السيرة النبوية وأخبار الخلفاء للبستي : 434 ؛ تاريخ الطبري : 3/208 ؛ شرح مسلم للنووي : 12 / 77 - 76 ؛ النهاية لابن أثير : 5 / 159 ؛ شرح ابن أبيالحديد : 6/46 ؛ أعلام النساء كحالة : 4 / 132 ؛ إحقاق الحق : 10 / 485 - 484.. وغيرها .
وترى في النصوص أن عدد أعوانه لايتجاوز عدد الأصابع .
وذكرنا ما يدل على ذلك بوضوح من إخبار النبي صلى الله عليه و آله بذلك ، وشكوى أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء عليهماالسلام واستنصارهما وعدم إجابة الناس لهما .
نعم بعض الأنصار ذكروا في ما بينهم أنّ الخلافة حق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام دون غيره ، وبلغ ذلك إلى الخليفة وأعوانه ، فترى ان أبا بكر بعد مواجهة الصدّيقة الكبرى عليهاالسلام في المسجد - عند ذكر الخطبة الفدكية - التفت إلى الأنصار فقال : قد بلغني - يا معشر الأنصار ! - مقالة سفهائكم ، وأحقّ من لزم عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آلهأنتم - فقد جاءكم فآويتم ونصرتم - ألا إني لست باسطاً يداً ولا لساناً على من لم يستحقّ ذلك منّا .(2)
وعن عمر بن الخطّاب أنه قال : فقد جاءني قوم من الأنصار فقالوا : إنّ علياً ينتظر الإمامة ويزعم أنه أولى بها من أبي بكر ، فأنكرتُ عليهم ورددت قولهم في نحورهم .(3)
وأكبر شاهد على خذلان الناس لأهل البيت عليهم السلام وقعودهم عن نصرتهم - إلاّ عدداً يسيراً جدّاً - ما اتّفق على ذكره المؤالف والمخالف وهو :
استنصار السيدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام إيّاهم ليلاً - وفي بعض المصادر زيادة : ونهاراً - مع أمير المؤمنين والحسنين عليهم السلام وهم يعتذرون بسبق بيعتهم لأبي بكر ، أو يعدون النصر ليلاً ويقعدون عنه نهاراً .(1)
قال سلمان - بعد ذكر إرسالهم إلى أمير المؤمنين عليه السلام يدعونه إلى البيعة فلم يقبل - كما مرّ تفصيلاً - : فلمّا كان الليل حمل عليّ فاطمة عليهماالسلام على حمار وأخذ بيد ابنيه الحسن والحسين عليهماالسلام ، فلم يدع أحداً من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله إلاّ أتاه في منزله فناشدهم اللّه حقّه ودعاهم إلى نصرته ، فما استجاب منهم رجل غيرنا أربعة ، فإنّا حلقنا رؤوسنا وبذلنا له نصرتنا !... فلمّا رأى علي عليه السلام خذلان الناس إياه وتركهم نصرته واجتماع كلمتهم مع أبي بكر وتعظيمهم إياه لزم بيته .. .(2)
قال ابن قتيبة الدينوري (المتوفى 276) : وخرج عليّ كرّم اللّه وجهه يحمل فاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله على دابّة ليلاً في مجالس الأنصار تسألهم النصرة فكانوا يقولون : يا بنت رسول اللّه ! قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ، ولو أنّ زوجك وابن عمّك سبق إلينا
قبل أبي بكر ما عدلنا به .
فيقول عليّ كرّم اللّه وجهه : « أفكنت أدَعُ رسول اللّه صلى الله عليه و آله في بيته لم أدفنه وأخرج أُنازع الناس سلطانه ؟! »
1) . الاحتجاج : 75 ، 81 - 82 ، 190 وعنه في بحار الأنوار : 29 / 419 ؛ الهداية الكبرى : 178 ، 408 ؛ كامل بهائي : 2 / 4 ؛ الاختصاص : 184 ؛ كتاب سليم : 128 الطبعة المحققة : 666 الحديث الثاني عشر ، وعنه في بحار الأنوار : 29 / 468 ؛ الصراط المستقيم : 2 / 80 - 79 ؛ مثالب النواصب : 233 ( الخطّية ) ؛ دلائل الإمامة : ج 2 ، وعنه في بحار الأنوار : 30 / 292 - 293 ؛ العوالم : 11 / 425 ؛ دائرة المعارف ، فريد وجدي 3 / 759 ؛ موسوعة آل النبي صلى الله عليه و آله الدكتورة عائشة بنت الشاطي : 614 ؛ تراجم سيّدات بيت النبوّة ، لها أيضاً : 613 - 614 ؛ فاطمة بنت محمّد صلى الله عليه و آله ، عمر أبو النصر : 117 - 118 ؛ السيّدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام للدكتور بيّومي مهران : 137 ؛ الصديق أبو بكر ، محمّد حسين هيكل : 65 ؛ وفي حاشية شفاء صدور الناس : 484 عن الكامل المنير .
2) . كتاب سليم : 81 - 82 ( الطبعة المحققة : 2 / 584 - 583 الحديث الرابع ) ، وعنه في بحار الأنوار : 28 / 267 - 268 .
فقالت فاطمة : « ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له .. ولقد صنعوا ما اللّه حسيبهم وطالبهم » .(1)
ومن كتاب معاوية المشهور إلى عليّ عليه السلام : واَعْهَدُك أمس .. تحمل قعيدة بيتك ليلاً على حمار ويداك في يدي ابنيك الحسن والحسين ، يوم بويع أبو بكر الصديق ، فلم تدع أحداً من أهل بدر والسوابق إلاّ دعوتهم إلى نفسك ، ومشيت إليهم بامرأتك ، وأدليت إليهم بابنيك ، واستنصرتهم على صاحب رسول اللّه ، فلم يُجبك منهم إلاّ أربعة أو خمسة .
ومهما نسيت فلا أنسى قولك لأبي سفيان ، لمّا حرّكك وهيّجك : « لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم .. » فما يوم المسلمين منك بواحد ، ولا بغيك على الخلفاء بطريف ولا مستبدع !! ..(2)
والعشرون .
قال ابن أبي الحديد : ويقال : إنه عليه السلام لمّا استنجد بالمسلمين عقيب يوم السقيفة وما جرى فيه ، وكان يحمل فاطمة عليهاالسلام ليلاً على حمار وابناها بين يدي الحمار وهو عليه السلاميسوقه ، فيطرق بيوت الأنصار وغيرهم ويسألهم النصرة والمعونة ، أجابه أربعون رجلاً فبايعهم على الموت ، وأمرهم أن يصبحوا بكرة محلّقي رؤوسهم ومعهم سلاحهم ، فأصبح لم يوافه منهم إلاّ أربعة : الزبير والمقداد وأبوذر وسلمان ، ثم أتاهم من اللّيل فناشدهم ، فقالوا : نصبحك غدوة ، فما جاءه منهم إلاّ أربعة ، وكذلك في الليلة الثالثة .(3)
وخلاصة القول : إنّ الناس بعد وفاة النبي صلى الله عليه و آله إمّا كانوا ممّن يحسدون أمير المؤمنين عليه السلامأو يبغضونه لأنه قتل آباءهم وإخوانهم وأقرباءهم وأصدقاءهم ، أو
1) . الإمامة والسياسة : 1 / 19 ؛ شرح نهج البلاغة : 6 / 13 عن الجوهري ؛ وعنه في بحار الأنوار : 28 / 352 ؛ أعلام النساء كحالة : 4 / 114 ؛ وراجع : أهل البيت عليهم السلام ، توفيق أبو علم : 167.
2) . شرح نهج البلاغة : 2 / 47 . قريب منه كتاب سليم : 191 الطبعة المحققة : 2 / 765 - 766 الحديث الخامس
3) . شرح نهج البلاغة : 11 / 14 . وأشار إليه في : 18 / 39 .
يخافون شدّته وعدله .. فهذه الطوائف ، إمّا رجّحوا نصرة الهيئة الحاكمة فكانوا من أعوانهم ، وإمّا تركوا نصرة أمير المؤمنين عليه السلام فهم وإن لم يروا أبا بكر أهلاً للخلافة ولكن قالوا إنّه ألين من علي عليه السلام ؛ ومنهم فرقة أُخرى - وهم الأكثرون - أعراب وجفاة وطغام ، أتباع كلّ ناعق ، يميلون مع كلّ ريح ، فهؤلاء مقلّدون لا يسألون ولا ينكرون ولا يبحثون ، وهم مع أُمرائهم وولاتهم ؛ وجمع من الصحابة كانوا قائلين بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام ولكنهم لمّا رأوا ذلّة الحقّ وأهله وكونهم متفرّقين وغلبة الباطل عليهم سكتوا .
ويظهر من الآثار أنّ الفتنة كانت شديدة جدّاً - كما قال بعضهم في جواب سليم - : أصابتنا فتنة أخذت بقلوبنا وأسماعنا وأبصارنا .(1)
وقال حذيفة في جواب بعضهم : يا أخا الأنصار ! إنّ الأمر كان أعظم ممّا تظنّ ! إنّه عزب - واللّه - البصر ، وذهب اليقين ، وكثر المخالف ، وقلّ الناصر لأهل الحقّ ... أُخذ - واللّه - بأسماعنا وأبصارنا .. وكرهنا الموت وزيّنت عندنا الدنيا.. .(2)
هل وصلت يد الأجبني إلى وجه الصدّيقة الكبرى عليهاالسلام ؟!
إذا راجعنا أحوال الأنبياء والأوصياء عليهم السلام وهكذا المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام ، نرى أنّ لهم حالات متفاوتة وليسوا في جميع حالاتهم غالبين قاهرين ، بل غالباً - حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية - يكونون : مغلوبين ، مضروبين ، مقهورين ، مشتومين ، مقتولين ..فإنّ اللّه عزّ وجلّ لا يريد صدور الإعجاز منهم في جميع حالاتهم وشؤونهم ، بل أراد ابتلاءهم وابتلاء الناس بهم كما يستفاد من النصوص ، وأمرهم بالصبر والاستقامة والرضا بما يقضي لهم وعليهم ..
وهكذا السيّدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام لم تخرج عن هذا السنة الإلهية ، ولا نريد أن نقول : وصلت يد الأجنبي إلى وجه الصدّيقة الكبرى عليهاالسلام من دون ستر وحاجب .. بل الذي دلتنا عليه الآثار خلافه ، وإليك نصّ بعضها :
روي عن مولانا الصادق عليه السلام أنه قال : « .. وصفقةُ خدِّها حتى بدا قرطاها تحت خمارها .. » .(1)
وفي رواية أُبيّ بن كعب : ثم لطمها ... من وراء الخمار .(2)
وفي كتاب عمر إلى معاوية : فصفقتُ صفقةً على خدّيها من ظاهر الخمار ..(3)
نعم ورد في رواية أنها حين الهجوم على بيتها لم يكن عليها خمار .. ولكنّه لا دلالة فيها على وصول يد الأجنبي إلى بشرة وجهها .
والذي نحن بصدده في هذا المجال ، أنه لا وجه لإنكار ابتلائها عليهاالسلام بهذه المصائب العظيمة لمجرّد الاستبعاد .. بعد ثبوتها بالدليل القطعي .
ولا أظنّك أن تقنع نفسك بأن تقول : جلالة قدر فاطمة عليهاالسلام ومكانتها من النبي صلى الله عليه و آلهتمنعان الناس من هتك حرمتها ! .. إذ ترى أنّهم هتكوا حرمة أبيها بالاعتراض عليه في موارد شتّى ، وحينما قالوا : إنّه ليهجر ! .. وحين لم يبالوا بأمره في إنفاذ جيش أُسامة .. بل لعنه مَن تخلّف عنه .. فرجعوا وحضروا في محرابه للصلاة ليكون ذريعة لهم يتشبثوا بها لغصب الخلافة ، وكانوا هم السبب في إيذائه وخروجه في تلك الحالة الصعبة ليصلّي بالناس حتّى لا يشتبه الأمر عليهم ..
ثم هل تتوقّع أن يصدر عنهم أسوأ وأعظم مما صنعوا مع جنازته صلى الله عليه و آله ، إذ قالوا لأهل البيت عليهم السلام : دونكم صاحبكم !! ..(1)ثم ذهبوا وتنازعوا في أمر الخلافة فلم يحضروا تغسيله ولا تجهيزه والصلاة عليه ، بل ولا دفنه . أليس هذا كله هتكاً لحرمته ؟ واستخفافاً بأمره .. ؟! و ..
ألا ترى أنها مع ما سألتهم النصرة مراراً في أمر الخلافة ، وكذا في أمر فدك .. - وخطبتها في المسجد مشهورة - .. قعدوا عن نصرتها بأجمعهم ، كأنهم لم يسمعوا شيئاً !! ،(2)
ما صحّ أن المسلمين بأمة *** لمحمّد بل أُمّة لعتيق
جاءت تطالب فاطم بتراثها *** فتقاعدوا عنها بكل طريق
وتسارعوا نحو القتال جميعهم *** لمّا دعتهم ابنة الصديق
فقعودهم عن هذه ونهوضهم *** مع هذه يغني عن التحقيق
بل واجهها أبو بكر بعد الخطبة بكلام لا أستطيع أن أكتبهُ .. فراجع ما رواه عن الجوهري ،(3)نعم ، « الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونهمادرّت معايشهم ، فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الديّانون » .(4)كما عن مولانا سيدالشهداء عليه السلام.1) . راجع : السنن الكبرى للبيهقي : 8/145 ؛ أُسد الغابة : 3/222 ؛ مجمع الزوائد : 5/182 ؛ كنز العمال : 5/635 ؛ جامع الأحاديث : 13/102 .. غيرها .
2) . ولنعم ما قيل - كما في الصراط المستقيم : 3/162 - :
3) . شرح نهج البلاغة : 16 / 214 - 215 ، وعنه في بحار الأنوار : 29 / 326 .
4) . انظر : تحف العقول : 245 ؛ كشف الغمة : 2/32 ؛ بحارالأنوار : 44/ 195 ، 382 و 75/116 .
لماذا سكت أمير المؤمنين عليه السلام ولم يدافع عن نفسه وزوجته ؟!
قد يُتساءل : لماذا سمح اللّه تعالى للأعداء أن يفعلوا ما يريدون بحيث يتغلّبون على أولياء اللّه تعالى ؟!
ولماذا لم يقتل النبي صلى الله عليه و آله أعداء أمير المؤمنين عليه السلام في حياته ليتمّ الأمر له بعده ؟
وأخيراً : لماذا لم يحاربهم أمير المؤمنين عليه السلام وقعد عن طلب حقّه ، بل لم يدافع عن نفسه وزوجته ؟! مع أنه كان أشجعهم وأقواهم باعترافهم و إقرارهم ، بل يمكنه إهلاكهم بالإعجاز ؟
أقول : قد أُجيب عن هذه الأسئلة في غير واحد من الآيات والروايات تصريحاً أو تلويحاً .. وبعد التأمّل التامّ نجد أنّ اللّه تبارك وتعالى أرسل الأنبياء عليهم السلام إلى الناس ليدعوهم إلى الصراط المستقيم ، وليبيّنوا لهم أوامره ونواهيه ، وكانت سنّته أن لا يجبر الناس على طاعته قهراً بل أراد أن يكون لهم الخيرة في ذلك ، وجعل الدنيا دار ابتلاء وامتحان ، فلم تكن الغلبة لأوليائه دائماً ، بل كثيراً ما تقتضي المصلحة أن لا يمنع من غلبة الكفّار والمشركين والفسّاق على الأنبياء والأوصياء عليهم السلام وأتباعهم .. فيُغيرون عليهم ويقتلونهم ويأسرونهم ويؤذونهم و .. وقد يطول مدة ملك الطواغيت إلى ما شاء اللّه . وبذلك يبتلي عباده كي يميز الخبيث من الطيب ، والمنافق من المؤمن ، والمدعي الكاذب من الصادق الصابر .. قال اللّه تبارك وتعالى : « وَتِلْكَ الأَيّامُ نُدَاوِلُها بَيْنَ النّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّه ُ الَّذِيْنَ آمَنُوْا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللّه ُ لا يُحِبُّ الظّالِمِيْنَ * وَلُِيمَحِّصَ اللّه ُ الَّذِيْنَ آمَنُوْا وَيَمْحَقَ الْكافِرِيْنَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوْا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّه ُ الَّذِيْنَ جاهَدُوْا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِيْنَ » .(1)
وقال النبي صلى الله عليه و آله - في حديث - : « .. ولو شاء [ أي اللّه تعالى ] لجمعهم على الهدى
1) . آل عمران 3 : 140 - 142 ، وراجع أيضاً الآيات الأولى من سورة الكهف (18) .
حتّى لا يختلف اثنان من هذه الأُمّة ، ولا ينازع في شيء من أمره ، ولا يجحد المفضول ذا الفضل فضله ، ولو شاء لعجّل النقمة والتغيير حتّى يكذّب الظالم ويعلم الحقّ أين مصيره ؟ ولكنّه جعل الدنيا دار الأعمال وجعل الآخرة دار القرار : « لِيَجْزِيَ الَّذِيْنَ أَساءُوْا بِما عَمِلُوْا وَيَجْزِيَ الَّذِيْنَ أَحْسَنُوْا بِالْحُسْنَى » ».(1)
وفي رواية أُخرى : « إنّ اللّه يمتّعهم ليبتليهم ويبتلي من يأتي بعدهم تفرقةً بين الخبيث والطيّب .. » .(2)
وأمّا النبي الأعظم صلى الله عليه و آله ؛ فإنّه كان عالما بما يجري على أهل بيته عليهم السلام وأُمّته ، وكان قادراً على إهلاك أعداء أهل بيته عليهم السلام في حياته - كما يصنعه الملوك والخلفاء بمخالفيهم - إلاّ أنّ ذلك كان مضرّاً على الدين ويوجب أن يبسط من أراد هدم أساس الإسلام لسانه فيقول : إنه لمّا ظفر بالفتح أخذ يقتل أعوانه وأنصاره - كما أشار إليه النبي صلى الله عليه و آله في بعض كلامه - .(3)
ثم كيف يعاقبهم على أمر لم يصدر منهم بعد ؟ ولا أقل من أنه لم يؤمر من قبل اللّه تعالى بقتلهم ..(4)
وأمّا سكوت مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ؛ فليُعلم أوّلاً : إنّ لكلّ واحد من الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام دستوراً خاصّاً من قبل اللّه تعالى ، نزل به أمين الوحي على الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله ليبلغه إليهم كي يعملوا به طيلة حياتهم ،(5)وعند التأمّل في الظروف التي تخصّهم تجد التوافق والتطبيق بين هذه التكاليف الخاصّة وبين المصالح الظاهرة عندنا .
1) . كمال الدين : 264 ؛ إرشاد القلوب : 420 ؛ بحار الأنوار : 28 / 54 ، والآية في سورة النجم 53 : 31 .
2) . بحار الأنوار : 28 / 106 .
3) . انظر : بحار الأنوار : 21/196 ؛ 28 / 99 .
4) . راجع : بحار الأنوار : 28/106 .
5) . راجع : الكافي : 1 / 279 باب أنهم عليهم السلام لا يفعلون شيئاً إلاّ بعهد من اللّه ؛ إلامامة والتبصرة من الحيرة : 38 - 39 ؛ الغيبة للنعماني : 34 - 38 باب ما جاء في الإمامة والوصية وأنهما من اللّه ؛ تقريب المعارف : 422 - 421 ، تحقيق تبريزيان ؛ بحار الأنوار : 36 / 209 و 48 / 27 .
ويستفاد من الآثار أن أمير المؤمنين عليه السلام قعد عن محاربة أعدائه لجهات شتّى نذكر أهمّها :
الاُولى : المخالفون لأبي بكر في أمر الخلافة - وإن لم يكونوا قليلين - إلاّ أنّهم قعدوا عن نصرة أمير المؤمنين عليه السلام ولم يوجد مَنْ أعانه إلاّ ثلاثة أو أربعة ، ولذا قال عليه السلام في خطبة له : « أما واللّه لو كان لي عدّة أصحاب طالوت أو عدّة أهل بدر ... لضربتكم بالسيف حتّى تَؤولوا إلى الحقّ .. » .(1)
وفي خطبة الشقشقية : « .. وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء أو أصبر على طخية عمياء .. » .(2)
ثم إنه عليه السلام - بعد الفراغ من دفن النبي صلى الله عليه و آله وجمع القرآن - خطب الناس ودعاهم إلى نصرته ، بل ذهب مع فاطمة والحسنين عليهم السلام إلى دور المهاجرين والأنصار واستنصرهم لإزالة أبي بكر عن الخلافة المغتصبة ، وذكّرهم ما أوصاهم به رسول اللّه صلى الله عليه و آله في حقّه ، فلم يدع لأحد عذراً في ترك نصرته . كما أنّ فاطمة الزهراء عليهاالسلام حينما خطبت الناس في المسجد دعتهم إلى محاربة الهيئة الحاكمة بأبلغ الوجوه ، وقالت صريحاً : « قاتلوا أئمة الكفر » ، إلاّ أن ذلك كلّه لم يؤثر في قلوب خَلَت عن ذكر اللّه ، وضعفت في إيمانها .. ، ثم بعد إتمام الحجّة عليهم كان اللازم عليهم أن يجتمعوا لنصرة أمير المؤمنين عليه السلام لا أن يأتي هو عندهم ويدعوهم ، فإنّ مَثَل الإمام مَثَل الكعبة يؤتى ولا يأتي .
الثانية : إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله أمره بالسكوت ونهاه عن القيام إذا لم يجد من يعينه لئلاّ ينهدم الدين برأسه ، ويخرب البنيان من أُسّه .. ولا يبقى منه شيء .
فالإمام عليه السلام وإن كان هو الشجاع البطل الذي لا يجترء أحد أن يدنو منه في الحرب ، وكان في أقصى درجات الحمية والغيرة و ... إلاّ أنه تحمّل كل هذه المشاقّ لكونه مأموراً بذلك من قبل اللّه تعالى ومن قبل النبيّ صلى الله عليه و آله .
نعم ، الصبر على هذا النوع من البلاء في غاية الصعوبة - لاسيّما بالنسبة لغيرة اللّه وحميّه عليه السلام - ولذا ترى أنه يشقّ عليه استماعه عن النبي صلى الله عليه و آله بحيث يصعق ويسقط على وجهه . بل النبي صلى الله عليه و آله أخذ من ابنته عهداً وميثاقاً - أيضاً - على الصبر ، وكذا ابنيها الحسن والحسين عليهماالسلام .. وكلّهم قبلوا ورضوا بالتكليف الإلهي . بل هذا هو أحد أسباب اجتراء هؤلاء الرعاع على كشف بيت فاطمة الزهراء عليهاالسلام وانتهاك حرمتها ؛ فإنهم علموا بذلك كلّه .. وعلموا أن الناس يقعدون عن نصرة العترة عليهم السلام .
فقد ورد عن مولانا الإمام الكاظم عليه السلام أنه قال : « قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله لأمير المؤمنين عليه السلام : « .. اعلم يا أخي ! إنّ القوم سيشغلهم عنّي ما يشغلهم .. والذي بعثني بالحق لقد قدّمت إليهم بالوعيد ، بعد أن أخبرتهم رجلاً رجلاً ما افترض اللّه عليهم من حقّك ، وألزمهم من طاعتك ، وكلّ أجاب وسلّم إليك الأمر ، وإني لأعلم خلاف قولهم ، فإذا قبضتُ وفرغتَ من جميع ما أُوصيك به وغيّبتني في قبري ، فالزم بيتك واجمع القرآن على تأليفه ، والفرائض والأحكام على تنزيله ، ثم امض على غير لائمة على ما أمرتك به ، وعليك بالصبر على ما ينزل بك وبها [ يعني بفاطمة عليهاالسلام ] حتى تقدموا عليّ » .(1)
وراجع : الصراط المستقيم : 2 / 92 .
وفى رواية أُخرى قال صلى الله عليه و آله : « إن وجدت أعواناً فبادر اليهم وجاهدهم ، وإن لم تجد أعواناً كفّ يدك واحقن دمك حتى تلحق بي مظلوماً » .(2)
وفي رواية : قال له : « يا عليّ ! إنك ستبتلى بعدي فلا تقاتلنّ » .(3)
وقال عليه السلام : « قال لي رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « إن اجتمعوا عليك فاصنع ما أمرتك وإلاّ
1) . خصائص الأئمة عليهم السلام : 73 ، عنه الطرف : 26 - 27 ، وكذا عنه في بحار الأنوار : 22 / 483 .
2) . الاحتجاج : 75 ، 190 ، وعنه في بحار الأنوار : 28 / 191 ؛ قريب منه في : الصراط المستقيم : 2 / 79 ؛ إرشاد القلوب : 395 ؛ الغيبة للطوسي : 193 ، 335 ؛ كتاب سليم : 87 ، 127 ، 192 الطبعة المحققة : 2 / 591 ، 664 ، 767 - 768 ، الأحاديث الرابع والثاني عشر والخامس والعشرون .
3) . الغدير : 7 / 173 عن كنوز الدقائق للمناوي : 188 .
فالصق كَلْكَلَكَ بالأرض .. » . فلمّا تفرَّقوا عني جررت على المكروه ذيلي ، وأغضيت على القذى جفني ، وألصقت بالأرض كَلْكَلي » .(1)
وقال عليه السلام : « لولا عهد عهده إليّ النبيّ الأُميّ صلى الله عليه و آله لأوردت المخالفين خليج المنيّة ، ولأرسلت عليهم شآبيب صواعق الموت .. وعن قليل سيعلمون » .(2)
وفي رواية : قال علي عليه السلام لأبي سفيان - لمّا استنهضة على القتال - « .. قد عهد إليّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله عهداً ، فأنا عليه » .(3)
.. والروايات في ذلك كثيرة ، بل متواترة .(4)
ولزيادة التوضيح حول سكوته عليه السلام وعدم قتاله القوم راجع ما رواه شيخنا العلامة المجلسي رحمه الله في موسوعته بحار الأنوار المجلد الثامن ط القديم : 145 - 159 وفي الطبعة المحققة : 29 / 417 - 479 ، بل وما بعدها من الأبواب .
الثالثة : لو فرضنا محاربة القوم حينذاك لم يكن يترتّب عليه الأثر المطلوب ، بل تورث نتائج سيّئة نشير إلى بعضها :
1 - ارتداد كثير من الناس ، لاسيّما من كان منهم جديد العهد بالإسلام لضعف إيمانهم .. مع ما كانوا عليه من الإسلام الظاهري والاعتقاد الناقص ..
قال ابن أبي الحديد : ولامته فاطمة عليهاالسلام على قعوده وأطالت تعنيفه وهو ساكت . وفي رواية : حرّضته على النهوض والوثوب ، حتى أذّن المؤذّن فلمّا بلغ إلى قوله : أشهد أنّ محمّداً رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال لها : « أتحبّين أن تزول هذه الدعوة من الدنيا ؟! » قالت : « لا » ، قال : « فهو ما أقول لك » .(5)
وليعلم المتأمّل العارف بشؤون أهل العصمة عليهم السلام أنّ ما نقله عن السيّدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام لم يكن بقصد الملامة - والعياذ باللّه - قطعا ، بل لكي يُعلم علّة سكوتمولانا أمير المؤمنين عليه السلام ..
روى السيوطي عن أبي الطفيل عامر بن وائلة ، قال : كنت على الباب يوم الشورى ، فارتفعت الأصوات بينهم ، فسمعت علياً عليه السلام يقول : « بايع الناس أبا بكر وأنا - واللّه - أولى بالأمر منه وأحق به منه ، فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع الناس كفّاراً يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف ، ثم بايع الناس عمر وأنا - واللّه - أولى بالأءمر منه وأحق به منه ، فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع الناس كفاراً يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف .. ثم أنتم تريدون أن تبايعوا عثمان ؟! .. » .(1)
وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام في رواية : « لم يمنع أمير المؤمنين عليه السلام من أن يدعو إلى نفسه إلاّ نظراً للناس وتخوّفاً عليهم أن يرتدّوا عن الإسلام فيعبدوا الأوثان ، ولا
يشهدوا أنْ لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه صلى الله عليه و آله » .(2)
2 - إيجاد التفرقة بين المسلمين واختلال أُمورهم بحيث يطمع الكفّار والمشركون فيهم ، كما كتب عليه السلام في جواب معاوية : « وقد كان أبوك أبو سفيان جاءني في الوقت الذي بايع الناس فيه أبا بكر فقال لي : أنت أحقّ بهذا الأمر من غيرك ، وأنا يدك على
من خالفك ، وإن شئت لأملأنّ المدينة خيلاً ورجلاً على ابن أبي قحافة ! .. فلم أقبل ذلك ، واللّه يعلم أنّ أباك قد فعل ذلك فكنت أنا الذي أبيت عليه مخافة الفرقة بين أهل الإسلام » .(3)
3 - إن المتأمّل لا يخفى عليه أنه عليه السلام لو أراد أن يواجه القوم ويحاربهم - مع ما هو عليه من قلّة الناصر وخذلان الأعوان - لقتلوه وقتلوا معه أنصاره وأهل بيته عليهم السلام .. وهذا غاية آمال الخليفة وأعوانه ، فيضيّع بذلك جميع ما تحمّله النبي صلى الله عليه و آله في إقامة الدين .
قال الأستاذ عبد الفتّاح عبد المقصود : ثم تطالعنا صحائف ما أورده المؤرخون بالكثير من أشباه هذه الأخبار المضطربة التي لانعدم أن نجد من بينها من عنف عمر
ما يصل به إلى : الشروع في قتل علي ، أو إحراق بيته على من فيه .. .(1)
وذكر ابن أبي الحديد : قال له قائل : يا أمير المؤمنين ! أرأيت لو كان رسول اللّه صلى الله عليه و آلهترك ولداً ذكراً قد بلغ الحلم وآنس منه الرشد أكانت العرب تسلّم إليه أمرها ؟! قال : « لا ، بل كانت تقتله إن لم يفعل ما فعلتُ . إن العرب كرهت أمر محمّد صلى الله عليه و آلهوحسدته على ما آتاه اللّه من فضله ، واستطالت أيامه حتى قُذفت زوجته ، ونفرت به ناقته ، مع عظيم إحسانه إليها ، وجسيم مننه عندها ، وأجمعت - مذ كان حيّاً - على صرف الأمر عن أهل بيته بعد موته ، ولولا أنّ قريشاً جعلت اسمه ذريعة إلى الرئاسة ، وسلّما إلى العزّ والإمرة .. لما عَبَدَت اللّه بعد موته يوماً واحداً .. » إلى أن قال عليه السلام :
«اللّهمّ إنّك تعلم أنّي لم أُرد الإمرة ، ولا علوّ الملك والرئاسة ، وإنما أردت القيام بحدودك ، والأداء لشرعك ، ووضع الأُمور في مواضعها ، وتوفير الحقوق على أهلها ، والمضي على منهاج نبيّك ، وإرشاد الضالّ إلى أنوار هدايتك » .(2)
هذا بعض ما يقال في علة سكوته عليه السلام ؛ وأمّا الوجه في بيعته لأبي بكر ، فقد أوردنا نصوصاً كثيرةً جاء في بعضها : .. أنّهم أخرجوه كرهاً ، وهدّدوه بالقتل .. فبايعهم وهو يشير إلى القبر ويقول : « إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي » .(3)
وأمّا عدم صدور الإعجاز عنه عليه السلام - مع أنه أفضل الأوصياء عليهم السلام وسيّدهم ، وعنده علم الكتاب كلّه ، الذي به يقدر على جميع المعجزات - فلأنّ الأوصياء كالأنبياء عليهم السلام لم يكونوا مأمورين بالإعجاز في جميع أُمورهم ، بل في ما أذن اللّه لهم ، وهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون .
لا ريب لأحد أنّ في أولاد فاطمة الزهراء عليهاالسلام من يسمّى ب- : المحسن عليه السلام ، ولا يعبأ بمن ينكر ذلك جهلاً أو عناداً ،(1)
ابن إسحاق المتوفى 151 في السيرة : 247 .
ابن قتيبة الدينوري (المتوفى 276) في المعارف : 91 .
البلاذري (المتوفى 279) في أنساب الاشراف : 2 / 189 . ( طبع دار الفكر : 2 / 411 ) .
اليعقوبي (المتوفى 292) في التاريخ : 2 / 213 .
الطبري (المتوفى 310) في التاريخ : 5 / 153 .
الدولابي (المتوفى 310) في الذرية الطاهرة : 92 ، 99 .
المسعودي (المتوفى 346) في مروج الذهب : 3 / 63 .
ابن حبان البستي (المتوفى 354) في الثقات : 2 / 144 ، 304 ؛ وفي السيرة النبوية وأخبار الخلفاء : 409 ، 553 .
المقدسي (المتوفى 355) في البدء والتاريخ : 5 / 73 - 75 .
القاضي القضاعي في الإنباء بأنباء الأنبياء عليهم السلام : 137 .
ابن حزم الأندلسي (المتوفى 456) في جمهرة أنساب العرب : 16 ، 37 .
البيهقي (المتوفى 458) في دلائل النبوة : 3 / 162 .
ابن فندق (المتوفى 565) في لباب الأنساب : 1 / 336 - 337 .
الخطيب الخوارزمى (المتوفى 568) في مقتل الحسين عليه السلام : 1 / 83 .
أبو الفرج ، ابن الجوزي (المتوفى 597) في صفوة الصفوة : 2 / 9 ، وتلفيح فهوم أهل الأثر : 32 .
الحافظ المقدسي الجماعيلي (المتوفى 600) في سيرة النبي صلى الله عليه و آله وأصحابه : 29 ، 67 .
الأشعري القرطبي (القرن السادس) في التعريف في الأنساب : 42 .
ابن الأثير (المتوفى 606) في جامع الاصول : 12 / 9 - 10 .
ابن الأثير (المتوفى 630) في أُسد الغابة : 2 / 11 ؛ الكامل في التاريخ : 3 / 397 .
محمد بن طلحة الشافعي (المتوفى 652) في مطالب السؤول : 9 .
حسام الدين المحلّي (المتوفى 652) في الحدائق الوردية : 1 / 52 .
سبط ابن الجوزي (المتوفى 654) في تذكرة الخواص : 322 .
النووي (المتوفى 676) في تهذيب الأسماء : 1 / 349 .
أحمد بن عبد اللّه الطبري (المتوفى 694) في ذخائر العقبى : 55 ، 116 ؛ الرياض النضرة : 707 .
ابن الكازروني (المتوفى 697) في مختصر التاريخ : 54 .
التلمساني (القرن السابع) في الجوهرة : 19 .
النخجواني (المتوفى 714) في تجارب السلف : 36 .
البناكتي (المتوفى 730) في روضة الأحباب (تاريخ البناكتي) : 98 .
أبو الفداء (المتوفى 732) في المختصر في أخبار البشر (تاريخ أبي الفداء) : 1 / 181 .
ابن سيد الناس (المتوفى 734) في عيون الأثر : 2 / 365 .
النويري (المتوفى 737) في نهاية الارب : 18 / 213 و 20 / 221 - 223 .
الحافظ جمال الدين المزي (المتوفى 742) في تهذيب الكمال : 1 / 191 .
الذهبي (المتوفى 748) في سير أعلام النبلاء : 2 / 88 - 119 ؛ تهذيب سير أعلام النبلاء : 1/54 ؛ المشتبه : 1 / 576 .
ابن الوردي (المتوفى 749) في تتمة المختصر : 1 / 249 .
ابن منظور (المتوفى 711) في لسان العرب : 4 / 393 - شبر - .
الصفدي (المتوفى 764) في الوافي بالوفيات : 1 / 82 .
أبو الفداء ابن كثير الدمشقي (المتوفى 774) في البداية والنهاية : 3 / 418 و 5 / 314 و 6/365 ، 332 ؛ السيرة النبوية : 4 / 582 ، 611 .
أبو بكر الدواداري (القرن الثامن) في كنز الدرر : 3 / 131 ، 406 .
محمد بن شحنة (المتوفى 817) في روضة المناظر ، بهامش الكامل : 11 / 132 .
الفيروزآبادي (المتوفى 817) في القاموس المحيط : 2 / 55 .
القلقشندي (المتوفى 821) في مآثر الانافة : 1 / 100 .
أبو زرعة العراقي (المتوفى 826) في طرح التثريب : 1 / 150 .
غياث الدين البلخي (خواند مير) ، (المتوفى 832) في حبيب السير : 1 / 436 .
ابن المرتضى (المتوفى 840) في البحر الزخار : 1 / 208 .
ابن ناصر الدين الدمشقي (المتوفى 842) في توضيح المشتبه : 8 / 82 .
العسقلاني (المتوفى 852) في الإصابة : 3 / 471 ؛ تبصير المنتبه بتحرير المشتبه : 4 / 1264 .
الباعوني الشافعي (المتوفى 871) في جواهر المطالب : 2 / 121 .
السخاوي (المتوفى 902) في التحفة اللطيفة : 1 / 40 و 3 / 448 .
القسطلاني (المتوفى 923) في المواهب اللدنية : 1 / 258 وشرحه للزرقاني : 3 / 207 .
شمس الدين محمّد بن طولون (المتوفى 953) في الأئمة الاثنا عشر : 58 .
الديار بكرى (المتوفى 982) في تاريخ الخميس : 2 / 284 .
الأشخر اليمني (القرن العاشر) في شرح بهجة المحافل : 2 / 138 .
العلاّمة المناوي (المتوفى 1031) في إتحاف السائل : 33 .
العصامي المكي (المتوفى 1111) في سمط النجوم العوالي : 1 / 437 و 2 / 512 .
البدخشاني الحارثي (المتوفى بعد 1126) في نزل الأبرار : 134 .
الزبيدي (المتوفى 1205) في تاج العروس : 18 / 147 (آخر مادة حسن) .
ابن خير اللّه العمري (المتوفى حدود 1232) فى مهذّب الروضة الفيحاء : 149 .
القنذروزي (المتوفى 1294) في ينابيع الموّدة : 201 .
الشبلنجي (المتوفى 1308) في نور الأبصار : 53 ، 114 .
الببلاوي في تاريخ الهجرة النبوية : 58 .
عمر أبو النصر في فاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله : 99 - 100 .
الأديبة زينب بنت يوسف فواز العاملي في الدر المنثور : 361 .
العقاد في موسوعة العقاد : 2 / 819 .
الدكتور بيّومي في السيدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام : 127 .
توفيق أبو علم في أهل البيت عليهم السلام : 152 .
أبو الحسن الندوي في المرتضى : 87 - 168 .
بل كان ذلك في التوراة ، كما روى1) . من ذكر المحسن عليه السلام من أولاد أمير المؤمنين وفاطمة عليهماالسلام جماعة ، منهم :
ابن شهر آشوب المازندراني عن أبي بكر الشيرازي في ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين عليه السلامعن مقاتل عن عطاء في قوله تعالى : « وَلَقَدْ آتَيْنا مُوْسَى الْكِتابَ » :(1)كان في التوراة : « يا موسى ! إني اخترتك واخترت لك وزيراً هو أخوك - يعني هارون - لأبيك وأمك ، كما اخترت لمحمّد إليا ، هو أخوه ووزيره ووصيّه والخليفة من بعده ، طوبى لكما من أخوين ، وطوبى لهما من أخوين . إليا أبو السبطين الحسن والحسين ومحسن الثالث من ولده ، كما جعلت لأخيك هارون شبراً وشبيراً ومشبّراً » .(2)
وعن أبي عبد اللّه عليه السلام : « إذا كان يوم القيامة ... ينادي مناد من بطنان العرش
من قبل ربّ العزة والأُفق الأعلى : نعم الأب أبوك و ... نعم الجنين جنينك وهو محسن .. » .(1)
وقال أمير المؤمنين عليه السلام : « .. فإن أسقاطكم إذا لقوكم في القيامة ولم تسمّوهم يقول السقط لأبيه : ألا سمّيتني ؟ وقد سمّى رسول اللّه صلى الله عليه و آله محسناً قبل أن يولد » .(2)
وقال ابن أبي الثلج البغدادي (المتوفى 325) : ولد لأمير المؤمنين عليه السلام من فاطمة عليهاالسلام : الحسن والحسين ومحسن سقط وأُمّ كلثوم وزينب . .(3)
وقال الشيخ حسين بن حمدان الخصيبي (المتوفى 334) : والذي ولدت فاطمة عليهاالسلام من أمير المؤمنين عليه السلام الحسن والحسين ومحسناً سقطاً . .(4)
وقال الشيخ الطبرسي رحمه الله (المتوفى 548) : الفصل الخامس في ذكر عدد أولاده عليه السلام : كان لأمير المؤمنين عليه السلام ثمانية وعشرون ولداً - ويقال ثلاث وثلاثون ولداً ذكراً وأُنثى - : الحسن والحسين عليهماالسلام والمحسن الذي أُسقط وزينب الكبرى ، وزينب الصغرى المكنّاة ب- : أُمّ كلثوم - رضي اللّه عنهما - أُمّهم فاطمة البتول سيّدة نساء
العالمين عليهاالسلام .(5)
وقال : كان لفاطمة عليهاالسلام خمسة أولاد ... وولد ذكر أسقطته فاطمة عليهاالسلام بعد النبي صلى الله عليه و آله ، وقد كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله سمّاه - وهو حمل - : محسناً .(6)
وقريب منه ما ذكره في إعلام الورى ،(7)والشيخ المفيد(8)(المتوفّى 413) ،
1) . تفسيرالقمي : 1/128 ، وعنه في بحارالأنوار : 12/6 و 23/130 . والمخاطب هو النبي صلى الله عليه و آله.
2) الكافي : 6 / 18 ، وعنه في بحار الأنوار : 43 / 195 ؛ علل الشرائع : 464 ؛ الخصال : 634 .
3) . تاريخ الأئمة عليهم السلام : 16 في مجموعة نفيسة ، تاريخ أهل البيت عليهم السلام : 93 (ط آل البيت) ويحتمل أن يكون من كلام الإمام الصادق عليه السلام .
4) . الهداية الكبرى : 180 .
5) . تاج المواليد : 18 في ضمن مجموعة نفيسة : 94 .
6) . المصدر السالف : 23 - 24 .
7) . إعلام الورى بأعلام الهدى : 203 .
8) . الارشاد : 1 / 355 .
وابن البطريق الأسدي(1)(المتوفّى 600) ، والشيخ الأربلي(2)(المتوفّى 629) ، والعلاّمة الحلّي ..(3)
وصرّح غير واحد من أهل السنّة بكونه سقطاً .
قال محمّد بن طلحة الشافعي (المتوفّى 652) : اختلفت في عدد أولاده عليه السلام ذكوراً وإناثاً ، فمنهم من أكثر فعدّ منهم السقط ... ذكروا منهم محسناً شقيقاً للحسن والحسين عليهماالسلامكان سقطاً .(4)
وقال الحافظ جمال الدين المزّي (المتوفّى 742) : محسن عليه السلام درج سقطاً .(5)
وقال الحسني الفاسي المكّي (المتوفّى 832) : والذين لم يعقّبوا محسِّن عليه السلام ، درج سقطاً .(6)
وقال إبراهيم الطرابلسي الحنفي (المتوفى 841) في الشجرة التي صنعها للناصر واستنسخت لخزانة صلاح الدين الأيوبي : .. محسن بن فاطمة عليهاالسلام أُسقط . وقيل درج صغيراً . والصحيح أن فاطمة أسقطت جنيناً .(7)
وقال ابن الصباغ المالكي (المتوفى 855) : وذكروا أنّ فيهم محسناً شقيقاً للحسن والحسين عليهماالسلام ، ذكرته الشيعة وانه كان سقطاً .(8)
وقريب منه ما نقل عن الحافظ أبي عبد اللّه محمّد بن يوسف البلخي الشافعي .(9)
وقال الصفوري الشافعي (المتوفى 894) : أولاد فاطمة خمسة : الحسن والحسين
1) . العمدة : 30 .
2) . كشف الغمة : 1 / 441 .
3) . المستجاد : 140 .
4) . مطالب السؤول في مناقب آل الرسول صلى الله عليه و آله الفصل الحادي عشر في اولاده عليه السلام : 62 ، عنه كشف الغمة : 1 / 441 .
5) . تهذيب الكمال : 20 / 479 .
6) . العقد الثمين في أخبار البلد الأمين : 6 / 203 .
7) . مأساة الزهراء عليهاالسلام : 2 / 131 ، عن أولاد الإمام علي عليه السلام : 46 .
8) . الفصول المهمّة : 126 .
9) . راجع : المناقب الثلاثة للفارس الكرّار أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ونجليه عليهم السلام : 120 ط مصر .
والمحسن كان سقطاً .(1)
وقال في كتابه الآخر : من كتاب الاستيعاب لأبي [ كذا ] عبد البرّ قال : وأسقطت فاطمة عليهاالسلام ، سقط(2)سمّاه علي : محسناً عليهماالسلام .(3)
وقال الإمام جمال الدين يوسف المقدسي (المتوفى 909) : محسن ، قيل : سَقْط ، وقيل بل درج صغيراً ، والصحيح أنّ فاطمة عليهاالسلام أسقطته جنيناً .(4)
وقال محمّد الصبّان (المتوفى 1206) : ولدت فاطمة عليهاالسلام ... والمحسن ... وأما المحسن فأُدرج سقطاً .(5)
وقال الشيخ حسن العدوي الحمزاوي ( القرن الثالث عشر ) : وأما المحسن فأُدرج سقطاً .(6)
وقال مؤلف نسمات الأسحار عند ذكر أولادهما عليهماالسلام : .. ومحسناً أسقطته سقطاً .(7)
ونحن ذكرنا ما في كتبهم من كون سبب الإسقاط هو ما وقع حين الهجوم على بيتها كما رواه ابن قتيبة(8)(المتوفى 276) ، والملَطي الشافعي(9)(المتوفى 377) ،ومقاتل بن عطيّة(10)(المتوفى 505)، والشهرستاني(11)(المتوفى 548) ، والجويني(12)
1) . نزهة المجالس : 2 / 194 ط دار الجيل ، صفحة : 579 .
2) . كذا ، والظاهر : سقطاً .
3) . المحاسن المجتمعة في الخلفاء الأربعة : 164 ، ولم نجده في الإستيعاب المطبوع .
4) . الشجرة النبوية في نسب خير البريّة : 60 ط دمشق .
5) . إسعاف الراغبين مطبوع بهامش نور الأبصار : 93 .
6) . مشارق الأنوار في فوز أهل الاعتبار : 133 .
7) . نسمات الأسحار : 109 .
8) . المعارف ، عنه المناقب لابن شهر آشوب المازندراني : 3 / 358 ؛ مثالب النواصب : 419 الخطّية .
9) . التنبيه والردّ : 25 - 26 .
10) . مؤتمر علماء بغداد : 63 ؛ الخلافة والإمامة : 160 - 161 .
11) . الملل والنحل : 1 / 57 .
12) . فرائد السمطين : 2 / 35 .
(المتوفى 722) ، والحافظ الذهبي(1)(المتوفى 748) ، والصفدي(2)(المتوفى 764) ، وابن حجر العسقلانى (المتوفى 852) ،(3)والعقّاد ..(4)وغيرهم .
ونسبه بعضهم إلى الشيعة مثل : المقدسي(5)(المتوفى 355) ، والعمري النسّابة(6)(المتوفى 490) ، وابن أبي الحديد(7)(المتوفى 656) وابن الصباغ المالكي(8)(المتوفى 855) .. بل ظاهر كلامهم اتّفاق الشيعة عليه ، ولو تنزّلنا عن ذلك فدلالتها على الشهرة العظيمة لا تنكر .
وقد ذكرنا في آخر الفصل الرابع التصريح بالإجماع في ذلك من الشيخ الطوسي (المتوفى 460) ،(9)وعماد الدين القرشي (المتوفى 872) ،(10)والشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء ..(11)وغيرهم .
كما وقد ذكر الشيخ عبد الجليل القزويني ( القرن السادس ) : اتّفاق كتب الفريقين على نقله .(12)
وقال الشيخ عبد الواحد المظفّر : المشهور أنّه مات سقطاً وهو المعتمد .. وقد أكثر الشعراء من ذكر هذا السقط .(13)
1) . ميزان الاعتدال : 1 / 139 ؛ سير أعلام النبلاء : 15 / 578 .
2) . الوافي بالوفيات : 6 / 17 .
3) . لسان الميزان : 1 / 268 .
4) . فاطمة الزهراء عليهاالسلام والفاطميون : 68 .
5) . البدء والتاريخ : 5 / 20 .
6) . المجدي في أنساب الطالبيين : 19 .
7) . شرح نهج البلاغة : 2 / 60 .
8) . الفصول المهمّة : 126 .
9) . تلخيص الشافي : 3/156 .
10) . عيون الأخبار : 6 .
11) . جنّة المأوى : 133 .
12) . كتاب النقض : 317 .
13) . بطل العلقمي : 3/476 .
نعم شتم ابن تيمية(1)(المتوفى 728) ، وابن حجر(2)(المتوفى 974) .. القائلين بذلك ونسباهم إلى الجهل ؟! .. وذاك ذريعة العاجز ، ومنطق الحقود ! ..
وروايات الشيعة في ذلك متواترة ، وعليه إجماعهم .
قال العلاّمة المجلسي : قد استفاض في رواياتنا - بل في رواياتهم - أنّه [ أي عمر ] روّع فاطمة عليهاالسلام حتّى ألقت ما في بطنها ..(3)
قد يقال : ظاهر طائفة من الآثار المنقولة عن أبناء العامّة هو الاكتفاء بالتهديد ، أو الإتيان بالنار ، أو جمع الحطب .. ونحوها ، ولم يصرّحوا بتحقق الإحراق وغيره .
والجواب عنه ؛
أولاً : يكفي تحقق أحد هذه الأُمور - أعني التهديد بالإحراق ، أو الإتيان بالنار أو الحطب - في الطعن على فاعله ، كيف لا يبالون بتحقير بيت يُعدّ من بيوت أذن اللّه أن
ترفع ويذكر فيها اسمه ،(1)ولماذا لا يهتمّون بتهديد من يغضب اللّه لغضبها ويرضى لرضاها ، ومن آذاها فقد آذى اللّه ؟! ..
ثانياً : هل يترقّب أن تحكى لنا القضية بتمامها من الذين أُشرب في قلوبهم حبّ الهيئة الحاكمة والظالمين للعترة الطاهرة عليهم السلام؟! مع ما هناك من تعتيم إعلامي وتحريف وخوف .. ورغبة .. كلاّ ! وقديماً قالوا : حبّ الشيء يعمي ويصمّ .. نعم قد جرى على ألسنة بعضهم وسقط عن أقلام آخرين ما يكفي لطالب الحق ويقبله المنصف ، ولكن مع ذلك لا يقدرون على إيراد القضية بتمامها ، بل هناك دواعي شتى لإخفاء تلك الفضائح .. نشير إلى بعضها عند البحث عن تحريف السيرة .
وثالثاً : يمكن أن يقال : إنّ كل واحد من الرواة نقل ما رآه بعينه - لاسيّما مع شدة الزحام - وما كان عليه المهاجمون من الفظاظة والغلظة .. فإن ذلك يمنع عن مشاهدة القضية بتمامها ، فحكاية شيء منها لا ينفي سائر ما ذكر عنها .
ويشهد لذلك : ما ورد من الآثار التي ذكر فيها تحقق إحراق الباب بعد ذكر التهديد أو إرادة الإحراق ، والمراد : إنهم قصدوا إحراق البيت ومن فيه .. أي أمير المؤمنين والسيدة فاطمة الزهراء وأولادهم عليهم السلام ، ولكنّهم لم يقدروا على ذلك أو
1) . راجع : الدرّ المنثور : 6 / 203 .
لم يتحقق .. واقتصر على الباب مع قصد الجميع ..
ورابعاً : الذي يظهر من مجموع القرائن والشواهد لكل متعلم ماهر وخبير بصير بالجنايات والحوادث إذا طرح عن نفسه العصبية ونظر بعين الإنصاف في روايات العامّة - التي تذكر : تهديدهم السيدة فاطمة عليهاالسلام بإحراق دارها .. وروايات أُخرى عنهم تذكر الإتيان بالنار ، وطائفة ثالثة تدل على جمعهم الحطب حول البيت .. وطائفة رابعة على ضربها أو إسقاطها جنينها .. - ثم يرى تواتر النصوص بدفنها ليلاً ، وإيصائها بذلك لئلاّ يصلّي عليها الشيخان ، وأنّها لم تزل غضبى عليهما إلى أن ماتت ..
بل بقي قبرها مخفياً إلى يومنا هذا بوصية منها ؛ يحصل له العلم القطعي بتحقق الإحراق وسائر الجنايات .
وربّما يتوهّم التنافي بين هذه النصوص ، ففى بعضها : كانت سبب وفاتها أن قنفذاً مولى عمر لكزها بنعل السيف بأمره .. وكذا ما رواه سليم - من إسناد شهادتها إلى قنفذ - .
وفي بعضها : فمضت ومكثت خمسة وسبعين يوماً مريضة مما ضربها عمر ثم قبضت ..
وكذا بين ما أسند الإسقاط إلى عمر ، وبين ما أسنده إلى قنفذ أو خالد أو المغيرة .. إلى غير ذلك .
ولكن الحق عدم تعارضها ولا تنافيها لوجهين :
الأول : إنّ عمر لمّا كان هو السبب لفعل غيره والآمر به صح أن يسند إليه جميع المصائب وإن لم يفعلها بالمباشرة ، وكذا الحال في إسنادها إلى أبي بكر .
الثاني : إذا اجتمع عدّة واشتركوا في قتل إنسان يصحّ لولده أن يقول لواحد منهم : أنت الذي قتلت أبي .. أو إذا جرى ذكر بعضهم يقول : هو قاتل أبي .. وهذا أمر شائع عند العرف .
وقد أُورد على الاستدلال بما رواه أهل السنّة بأمور :
منها : إن القوم ذكروا كثيراً من الروايات في فضائل خلفائهم وغيرها ممّا لا يلتزم
بها الشيعة ، فكيف يصحّ الأخذ بطائفة من رواياتهم وطرح طائفة أُخرى ؟
أقول : هذا الإيراد عجيب جدّاً ، إذ نحن نحتجّ عليهم بما يُعدّ إقراراً واعترافاً منهم بما ندّعيه .. إذ لا يتصوّر أيّ باعث أو داعٍ منهم على الوضع في ذلك .. دون ما يروونه
انتصاراً لدعاويهم الباطلة . وقد اتّفق جميع العقلاء على قبول إقرار من أقرّ على نفسه .
ومنها : إنّ جملة كبيرة من روايات العامّة تشتمل على ما لا يمكن الالتزام به عقلاً أو له معارض نقلاً ، ومما يؤسف أنه قد استدلّ ببعضها في المقام وفي أكثر من مورد ..
أقول : التفكيك في الحجّية - بأن يقبل بعض الرواية ويطرح بعضها الآخر - ليس بغريب ، وهذا نظير أن يقال عند الحاكم : لفلان عليّ كذا ولي عليه كذا .. فيحكم عليه
ولا يحكم له . وهذا أمر مطّرد كما يظهر من مراجعة النصوص التي يستدلّ بها في الفقه وغيره . بل المتتبّع في التأريخ يجد روايات كثيرة توافق الواقع مع اختلاف مضامينها
في بعض الخصوصيّات . من دون أن يكون مضرّاً باعتبارها والاعتماد عليها .
ثم إنك ترى بعض المتكلمين من العامّة يغالطون ويكابرون ، إذ أَنهم أطالوا الكلام حول تكذيب إحراق البيت ! .. والذي نحن بصدده ودلتنا عليه الآثار والأخبار هو : التهديد بإحراق الدار مع أهلها ثم إحراق الباب دون البيت . وأمّا إحراق الدار تماماً فلم نقل به .. وما يوهمه ظاهر بعض الكلمات ليس مراداً قطعاً . ولهذا عبّر جمع منهم بإرادة إحراق الدار ولم يذكروا وقوعه ، وليس مرادهم عدم وقوع الإحراق أصلاً ، بل أرادوا : أن المهاجمين قصدوا إحراق الدار تماماً على أهلها ولكنهم لم يقدروا على أزيد من إحراق الباب .
قد يتساءل : لماذا سكت كثير من علماء العامّة عن إيراد قضية الهجوم على بيت فاطمة عليهاالسلام وإحراقه مفصلاً ، أو لم يذكروه أصلاً ؟! كما أنّ جملة من كتب الشيعة ذكرت القضية إجمالاً .
أقول : أولاً إن الذين ذكروا هذه القضايا في كتبهم من علماء السنة ليسوا بقليلين .. كما أسلفنا بعضها ! ..
وثانياً : المتتبع يجد أنه لم يصل إلينا إلاّ القليل ممّا يرتبط بالصحابة من القضايا التاريخية - سواء أكانت مما وقعت في زمن النبي الأعظم صلى الله عليه و آله أو بعده - إمّا لإخفائها ، أو لذكرها مبهمة أو محرَّفة ، فأصل وقوع تلك القضايا - بل وجود رواياتها في القرون الأولى - مما لا يقبل الإنكار .
قال ابن عَديّ (المتوفى 365) في ترجمة ابن خراش : وحمل إلى بندار جزأين صنّفهما في مثالب الشيخين ... فأما الحديث فأرجو أنّه لا يتعمد الكذب .(1)
وقال في ترجمة عبد الرزاق بن همام - بعد مدحه - : .. إلاّ أنهم نسبوه إلى التشيع ، وقد روى أحاديث في الفضائل مما لا يوافقه عليها أحد من الثقات ، فهذا أعظم ما رموه به ... ولما رواه في مثالب غيرهم مما لم أذكره في كتابي هذا ، وأما في باب الصدق فأرجو أن لا بأس به ، إلاّ أنّه قد سبق منه أحاديث في فضائل أهل البيت عليهم السلام ومثالب آخرين .. مناكير .(2)
وقال الذهبي في ترجمة أبي الصلت الهروي - بعد ذكر جلالته - : .. إلاّ أنّ ثم أحاديث يرويها في المثالب .(3)
وقال في ترجمة الرواجني - بعد نقل توثيقه ورواية أعاظمهم عنه - : إنه كان يشتم السلف ، روى مناكير في الفضائل والمثالب ...
ثم قال الذهبي : ما أعتقده يتعمّد الكذب أبداً .(1)
وقال ابن حجر في ترجمة جعفر بن سليمان : قال ابن حبان : كان جعفر من الثقات في الروايات ، غير أنّه ينتحل الميل إلى أهل البيت عليهم السلام ، قال الأزدي : كان فيه تحامل على بعض السلف ، وكان لا يكذب .(2)
ولو أردنا الاستقصاء في ذلك لخرجنا عن ما وضع له الكتاب ، ولذا تراهم يناقشون في وثاقة غير واحد من الرواة بأنه : يشتم ، أو يتناول من أبي بكر وعمر ، أو يروي الطعن على السلف .. وأشباه ذلك ، ففي صحيح مسلم عن علي بن شقيق قال : سمعت عبد اللّه بن المبارك يقول على رؤوس الناس : دعوا حديث عمرو بن ثابت فإنه كان يسبّ السلف .(3)
وقال برهان الدين الحلبي - في ترجمة أحمد بن محمّد بن سعيد بن عقده ، الحافظ أبو العباس - : .. ضعّفه غير واحد وقوّاه آخرون ... قال ابن الجوزي : إنه كان رافضياً
يحدّث بمثالب الصحابة .(4)
وراجع ترجمة إسماعيل بن عبد الرّحمن السدي ،(5)وتليد بن سليمان ،(6)والقادسي ،(7)وعمرو بن شمر ،(8)ومحمّد بن عبد اللّه الشيباني ،(9)وزياد بن المنذر ،(10)
1) . المصدر : 11/537 - 538 ، وقريب منه عبارة ابن عدي في الكامل .
2) . تهذيب التهذيب : 2/83 .
3) . صحيح مسلم : 1/12 .
4) . الكشف الحثيث : 70 .
5) . تهذيب التهذيب : 1/273 - 274 .
6) . المصدر : 1/447 .
7) . سير أعلام النبلاء : 18/12 .
8) . لسان الميزان : 4/366 .
9) . المصدر : 5/231 .
10) . كتاب المجروحين لابن حبان البستي : 1/302 .
وسالم بن أبي حفصة ،(1)وعلي بن بذيمة ،(2)وعمرو بن حماد القنّاد ..(3)وغيرهم .
وهذا كان من أهم دواعي ترك الرواية عن بعض المشايخ الثقات الأجلاّء عندهم.
ففي ترجمة الحسين بن الحسن الأشقر : قيل لأحمد بن حنبل : تحدّث عن حسين الأشقر ؟! قال : لم يكن عندي ممن يكذب ، وذكر عنه التشيع .
فقالوا له : إنّه يحدّث في أبي بكر وعمر ، وانّه صنّف باباً في معايبهما . فقال : ليس هذا بأهل أن يحدث عنه ! ..(4)
بل قال أحمد بن حنبل : كان أبو عوانة(5)وضع كتاباً فيه معايب أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وفيه بلايا !! فجاء سلام بن أبي مطيع فقال : يا أبا عوانة ! أعطني ذاك الكتاب ، فأعطاه ، فأخذه سلام فأحرقه !!(6)
بل بعد التأمل والدقة تجد شيوع ذكر مثالبهما في زمان خاصّ ، ولعل منه كلام زائدة بن قدامة حيث يقول : متى كان الناس يشتمون أبا بكر وعمر ؟! ..(7)ولذا كانوا يمنعون الناس من لعن يزيد ومعاوية لئلاّ تصل النوبة إلى أبي بكر وعمر .
قال وكيع : معاوية بمنزلة حلقة الباب ، من حرّكه اتهمناه على من فوقه ! ..(8)
وقال التفتازاني : فإن قيل : فمن علماء المذهب من لم يجوّز اللعن على يزيد
1) . تهذيب الكمال : 10/136 .
2) . مختصر تاريخ دمشق : 17/205 .
3) . تهذيب الكمال : 21/594 .
4) . راجع : الضعفاء للعقيلي : 1/249 ؛ تهذيب التهذيب : 2/291 .
5) . هو وضاح بن خالد المتوفى 176 .
6) . العلل ومعرفة الرجال ، أحمد بن حنبل : 1/108 بيروت مؤسسة الكتاب الثقافية .
7) . سير أعلام النبلاء : 7/377 ؛ تهذيب التهذيب : 3/264 ولعلّ من هذا القبيل أيضا ما نقله عنه ابن بطّة ، فإنه قال : قال زائدة : قلت لمنصور : يا با عتاب ! اليوم الذي يصوم فيه أحدنا ، ينتقص فيه الذين ينتقصون أبا بكر وعمر .. ؟ قال : نعم . لاحظ : الشرح والإبانة على أُصول السُّنّة والديانة : 40 .
8) . مختصر تاريخ دمشق : 25/75 .
مع علمهم بأنّه يستحق على ما يربو على ذلك ويزيد !! قلنا : تحامياً أن يُرتقى إلى الأعلى فالأعلى .(1)
فوجود الكتب والروايات في مطاعنهم مسلّم ، بل صرّحوا بوثاقة المؤلف والراوي ، كما رأيت في كلام ابن عدي والذهبي وابن حجر ؛ بل واحمد بن حنبل قبل أن يسمع رواية حسين الأشقر للمثالب يوثّقه ، ثم يتركون الرواية عنه وله لذلك .. ومن هنا فقدنا ذلك التراث العظيم من الحقائق الناصعة المتواترة التي أُعدمت من أعداء الشريعة أو أُحرقت أو .. .
ولا بأس بذكر بعض أسباب التحريف :
1 - الحبّ الشديد للصحابة عموماً ، مع تصريح القرآن الكريم بنفاق بعضهم ، وورود روايات كثيرة من العامّة في ذمّ آخرين .
2 - زعمهم بأن الأصل في الصحابة هو العدالة .
3 - ادعاء أن كل ما صدر عنهم مغفور لهم - كان ما كان - فلذا لا يصح لنا أن نذكر أفعالهم التي غفرها اللّه لهم ! ولزوم السكوت عمّا صدر منهم .
قال أحمد بن حنبل : إذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من أصحاب محمّد صلى الله عليه و آله بسوء فاتّهمه على الإسلام !! ..(2)
وقال أبو زرعة الرازي : إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آلهفاعلم أنّه زنديق !! ..(3)
قال ابن بطة(4)(المتوفى 387) : .. ومن بعد ذلك نكفّ عمّا شجر بين أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فقد شهدوا المشاهد معه ، وسبقوا الناس بالفضل .. فقد غفر اللّه لهم ! .. وأمرك بالاستغفار لهم ، والتقرب إليه بمحبتهم ، وفرض ذلك على لسان نبيّه - وهو
يعلم ما يكون منهم - سيقتتلون ، وإنما فُضّلوا على سائر الخلق ؛ لأن الخطأ والعمد قد وضع عنهم من كلّ ما شجر بينهم مغفور لهم !!(1)
وقد ذكرنا بعض ما يرتبط بهذا السبب عند الجواب على إنكار إسناد الهجوم إلى الصحابة ، فراجع .
5 - تحفّظ الكاتب على شؤونه الشخصية ومكانته عند الحكام والناس ، وكذا مَنْ يرتبط به من تلاميذه وملازميه و ..
قال ابن أبي الحديد - عند ذكر قصيدة أبي القاسم المغربي - : وكنت برهة أسأل النقيب أبا جعفر عن القصيدة وهو يدافعني بها حتى أملاها عليّ بعد حين ، وقد أوردت هاهنا بعضها .. لأني لم أستجز ولم أستحل إيرادها على وجهها !!(2)
6 - الخوف من الرمي بالرفض ، بل وحتى التشيع .
7 - الخشية من عدم تحمل الناس لاستماعها .
8 - حذر الراوي على نفسه وترك الروايات للتقية .(3)
.. فهذه العوامل وغيرها أوجبت أن يحرّف التأريخ وغالب الحقائق العلمية بل والمعارف الدينية بأنحاء مختلفة ، نشير إلى بعضها .
1) . كتاب الشرح والإبانة على أُصول السنة والديانة : 63 - 64 . ط فرانسة راجع أيضاً : تحقيق مواقف الصحابة : 1/130 - 142 .
2) . شرح نهج البلاغة : 6/15 .
3) . أقول : هذا هو العمدة في ترك الروايات أو إجمالها فيما رواها رواة الشيعة ، وإليك بعض الأمثلة لذلك : إن فاطمة عليهاالسلام لمّا كان من أمرهم ما كان .. الكافي : 1/460 .. ، لمّا نالها من القوم ما نالها (دعائم الإسلام : 1/232) ، قال له عمر ما قال ... حكي في هذا الباب ما حكي (الزيدية لصاحب ابن عباد : 64 ، 79 ط دار التوحيد للموسوعات ، بيروت) .. وكثير من موارد إسناد الفعل إلى المفعول وحذف الفاعل نحو : جيء بعلي عليه السلام .. أُتي به .. أُخرج .. اُستخرج .. قيل له .. مرّوا به .. راجع : بصائر الدرجات : 275 ، الاختصاص : 11 ، 275 ؛ الشافي : 3/244 ؛ تلخيص الشافي : 3/79 ؛ رجال الكشي : 1/29 - 30 ، 37 ، المسترشد : 381 ؛ المناقب : 2/248 و 3/339 ، الاحتجاج : 86 ؛ تفسير العياشي : 1/199 ؛ الكافي : 8/237 ، 245 .. وغيرها ولذا ترى ان الأئمة المعصومين عليهم السلام يمنعون شيعتهم عن ذكر الشيخين وما صنعا ، ويحذّرونهم أن تحلّ دماؤهم بذلك ، راجع : بحار الأنوار : 30/267 ، 379 - 382 ، 388 .
1 - حذف المطالب ، إما بواسطة الكاتب نفسه ، او الرواة والناقلين ، أو النسّاخ أو الناشرين .. وهذا موضوع يحتاج إلى تأليف مستقل ولكن لا ينبغي إهماله هنا ، وإليك بعض الشواهد لذلك :
قال ابن هشام - عند ذكر ما يتركه من المطالب التاريخية - : تارك ... أشياءَ بعضها يشنع الحديث به ، وبعض يسوء بعض الناس ذكره !!(1)
وقال الطبري في حوادث سنة 36 : وذكر هشام عن أبي مخنف ، قال : وحدّثني يزيد بن ظبيان الهمداني : أنّ محمّد بن أبي بكر كتب إلى معاوية بن أبي سفيان لمّا وليّ .. فذكر مكاتبات جرت بينهما ، كرهت ذكرها لما فيه مما لا يحتمل سماعها العامّة !!(2)
وقد يعتذرون لترك الرواية بنسيانها .(3)
وفي بعض الموارد يعتذرون بأن النسخة كانت فاقدة للمطلب ، ففي شرح المقاصد للتفتازاني قال : وذكر في صحيح البخاري وغيره من الكتب الصحيحة أن بيعة علي عليه السلام .. ثم يقطع الكلام ، ويقول الناشر : وقع في هذا الموضع من المصنف بياض !(4)
وفي كتاب آخر عند ذكر المتخلّفين عن بيعة أبي بكر : وقعت هاهنا .. أي من الفصل الثالث من الباب الأول إلى وسط الفصل الأول من الباب الثاني سقطة كبيرة في الأصل ! ..(5)
وفي ثالث تحذف قضايا السقيفة ويقولون : سقط تتمة القصّة من الأصل !! ..(6)
وفي رابع تحذف الكلمات ويجعل بدلها نقط متوالية .(7)
1) . السيرة النبوية : 1/4 .
2) . تاريخ الطبري : 4/557 وذكرنا الكتاب صفحة : 160 فراجع .
3) . شرح نهج البلاغة : 6/44 .
4) . شرح المقاصد : 5/264 ، ونحوه في لسان الميزان : 6/320 ط الأعلمي .
5) . تحفة أهل التصديق ببعض فضائل الصديق للشيخ عبد القادر المحلّي : 34 ط الهند .
6) . الفتوح لأحمد بن أعثم الكوفي : 1/4 - 5 ط دار الندوة الجديدة ، بيروت .
7) . مسند أبي بكر للمروزي المتوفى 292 : 39 (ط مكتب الإسلامي ، بيروت) عند ذكر رواية يصرّح فيها عمر بنالخطّاب بأنّ أمير المؤمنين عليه السلام والعبّاس كانا يقولان : إنّ أبا بكر وعمر كاذبان ، فاجران ، غادران . وتجد الرواية في صحيح مسلم : 5/152 ؛ المغازي للزهري : 164 ؛ سمط النجوم العوالي : 2/249 وغيرها .
وفي خامس يحذفون ما صنعه الشيخان من دون إشارة إلى ذلك ،(1)بل هذا النحو من التحريف أكثر من غيره كما يظهر لمن يراجع النسخ المتعددة للكتب .(2)
وراجع : حلية الأبرار ، للسيد هاشم البحراني إذ حذف الباب الثامن والعشرين من المنهج الثالث عشر في الطبع الجديد من دون أيّ إشارة وتجده في طبع العلمية : 2/598 . وراجع أشعار مهيار الديلمي في شرح نهج البلاغة : 16/235 وإثبات الهداة : 2/388 ، ثم انظر الديوان له : 2/367 - 368 ط دار الكتاب المصرية القاهرة .
والذي يثير الشك إشتراك جميع المحذوفات في ما يرتبط بمخازي الصحابة ولاسيّما الشيخين !! أو مما يرجع الى فضائل أمير المؤمنين عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام .
قال الذهبي (المتوفى 748) في ترجمة الشافعي : .. كما تقرّر عن الكفّ عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم ... وما زال يمرّ بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء !! ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف ، وبعضه كذب ، وهذا في ما بأيدينا وبين علمائنا ، فينبغي طيّه وإخفاؤه ، بل إعدامه لتصفو القلوب ، وتتوفّر على حبّ الصحابة والترضّي عنهم ، وكتمان ذلك متعيّن عن العامّة وآحاد العلماء !! وقد يرخّص في مطالعة ذلك خلوةً للعالم المنصف العريّ من الهوى ، بشرط أن يستغفر لهم !! .. فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفّرة لما وقع منهم ... فأمّا ما تنقله الرافضة وأهل البدع في كتبهم من ذلك فلا نعرّج عليه ولاكرامة ! فأكثره باطل وكذب وافتراء ، فدأب الروافض رواية الأباطيل !!!(3)
قال بعض المعاصرين - بعد قول النقيب في إسقاط المحسن عليه السلام ، وقد مرّ : فإني
1) . تثبيت الإمامة ، طبع مع كتاب المنتخب ، للهادي اليمني : 493 - 503 ط دار الحكمة اليمانية ثم راجع الكتاب (ط بيروت) .
2) . راجع : مروج الذهب للمسعودي : 3/77 طبع دار الأندلس ونفس المصدر طبع دار الهجرة قم . بل ترى هذه الرواية بعينها في شرح نهج البلاغة : 20/147 ويصرّح ببعض الأسماء . وراجع ما نقله ابن شهر آشوب المازندراني في المناقب : 3/358 والكنجي الشافعي في كفاية الطالب : 413 عن ابن قتيبة ، مع أنه سرق من المعارف المطبوع .
3) . سير أعلام النبلاء : 10/92 - 93 .
متوقف في هذا الموضع ، لتعارض الاخبار عندي فيه - :
أين روايات إسقاط المحسن عليه السلام ؟ ! وليت شعري ، أين هي تلك الأخبار في إسقاط المحسن عليه السلام التي قال عنها أبو جعفر : إنها موجودة ومتعارضة ؟ ! فها نحن لا نجد لها عينا ولا أثرا في كتبهم ومؤفاتهم اليوم ، إلاّ القليل مما هو من قبيل هذا التعبير الذي نحن بصدد الحديث عنه .
أليس ذلك يعني : أن هذه الاخبار قد أُسقطت وقضي عليها ، كغيرها من الكثير مما رأوه يضرّ بمصالحهم وبعقائدهم ؟ ! وإن كان قد بقي حتى الآن الكثير النافع ، والقاطع لكل عذر ، ولا مجال لأحد أن ينكره ، أو أن يشكّك فيه مما ليس فيه حرج بالغ ، أو خزي فاضح .(1)
2 - التصرف في الروايات والآثار بتغيير الألفاظ(2)والأسماء الواردة فيها وتبديلها بأسماء أُخرى ، أو تبديل الاسم بالكناية نحو (فلان) وإيقاع الإبهام في الكلام ، واختصار الجملات ، وحذف الفاعل وإسناد الفعل إلى المفعول ونحوها . وهذا ما يعبّر عن بعضه ب- : تدليس الشيوخ ، أو تدليس المتن .. وهم يجوّزونه ويحبّذونه .. بل قالوا : قلّما سلم رجلٌ من التدليس .(3)
ولا بأس بذكر أمثلة لذلك :
قال أبو عبيد وحميد بن زنجويه - عند ذكر اعتراف أبي بكر بكشف بيت فاطمة عليهاالسلام- : فقال : فوددت أني لم أكن فعلت .. كذا وكذا ! ..(4)
1) . الصحيح من السيرة للسيد جعفر مرتضى : 5 / 239 .
2) . ومن العجيب أن عمر أراد أ يتصرّف حتى في الآيات الكريمة ليحطّ من شأن الأنصار ويرفع المهاجرين ، فيقرأ الآية الشريفة من سورة التوبة : 100 هكذا : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصارُ الذين اتبعوهم بإحسان برفع الراء في الأنصار وحذف الواو بعد لفظ الأنصار ، وينكر على من يقرأها بكسر الراء ويذكر الواو بعد لفظ الأنصار ، كما هو المتداول في المصاحف . حتى يكون أُبيّ بن كعب هو الذي يواجهه بشدّة وغضب وينكر عليه ذلك ، روى ذلك غير واحد من أئمة الحديث وحكم بعضهم بصحته ، راجع : جامع الأحاديث الكبير للسيوطي : 14/82 و 17/490 ، 493 .
3) . انظر : مستدرك مقباس الهداية : 5/396 ، 399 - 400 .
4) . الأموال لأبي عبيد : 194 ؛ الأموال لابن زنجويه : 1/348 .
وقال ابن عبد البرّ والنويري عند ذكر تهديد عمر بإحراق البيت بدل قوله : (لأحرقنّ البيت عليهم) : لأفعلنّ وأفعلن .(1)
وفي رواية المسعودي : « أُرهب بنو هاشم ، جُمع لهم الحطب .. »(2).. ولم يذكر من الذي فعل ذلك بهم !!
وفى رواية البلاذري : فذكر أمراً ، جرى بينهما كلام ! ..(3)
وقد مرّ قريباً كلام حسن بن محمّد : إن فاطمة بنت محمّد صلى الله عليه و آله دفنت بالليل ، فرّ بها علي عليه السلام من أبي بكر أن يصلّي عليها ، كان بينهما شيءٌ ! ..(4)
قال اليافعي : لمّا قال له - أي لأمير المؤمنين عليه السلام - بعض اليهود : ما أتى عليكم يا معشر المسلمين بعد موت نبيّكم إلاّ كذا .. وكذا - من زمان ذكره - حتى علا بعضكم بالسيف رأس بعض ؟! ..(5)
روى ابن أبي الحديد عن أمير المؤمنين عليه السلام : « غضّ الدهر منّي فقرن بي فلان وفلان ثم قرنت بخسمة أمثلهم عثمان .. » .(6)
وعن عثمان أنه قال لأمير المؤمنين عليه السلام : أما واللّه لأنا خير لك من فلان وفلان .(7)
وفي رواية عن النبي صلى الله عليه و آله يقول يوم أُحد : « لَمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان .. » وكان يراها يومئذ تقاتل أشدّ القتال ، وإنها لحاجزة ثوبها علىوسطها حتى جرحت ثلاثة عشر جرحاً .(8)
وعن رافع بن خديج : وندبنا رسول اللّه صلى الله عليه و آله وحضّنا على القتال ، واللّه فكأنّي
أنظر إلى فلان وفلان في عرض الجبل يعدوان هاربين .(1)
وروي عن الواقدي - ضمن رواية يذكر فرار الناس إلى الجبل يوم أُحد - : رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول : « إليَّ يا فلان .. إليّ يا فلان .. أنا رسول اللّه » ، فما عرج عليه واحد منهما .
قال ابن معد : ليس في الصحابة من يحتشم ويستحيى من ذكره بالفرار وما شابهه من العيب فيضطرّ القائل إلى الكناية إلاّ هما - أي أبو بكر وعمر - .(2)
3 - إنكار الروايات الصحيحة(3)والقضايا التاريخية واستبعادها ، واتهام من رواها بالكذب والرفض .
قال أحمد بن حنبل : إذا رأيتم رجلاً يذكر جيش أُسامة فاعلموا أنّه رافضي .(4)والوجه في ذلك واضح ؛ إذ يذكر فيه تخلّف الشيخين و ..
قال الفضل بن روزبهان : من أسمج ما افتراه الروافض هذا الخبر ، وهو إحراق عمر بيت فاطمة عليهاالسلام ، وما ذكر أن الطبري ذكره في التاريخ ، فالطبري من الروافض مشهور بالتشيع ! ... وكل من نقل هذا الخبر فلا يشك أنه رافضي متعصب يريد إبداء القدح والطعن على الأصحاب ... وما رأينا أحداً روى هذا ، إلاّ أنّ الروافض ينسبونه إلى الطبري ، ونحن ما رأينا هذا في تاريخه !! وإن كان في تاريخه فلا اعتداد به ؛
1) . المصدر : 15/27 .
2) . شرح نهج البلاغة : 15/23 - 24 . قال الدكتور مارسدن جونس في مقدمة المغازي للواقدي : في المخطوطة التي اتخذناها أصلاً لهذه النشرة نرى قائمة بمن فرّ عن النبي صلى الله عليه و آله يوم أُحد ، تبدأ بهذه الكلمات : .. وكان ممن ولّى فلان والحارث بن حاطب ... بينما نرى النصّ عند ابن أبي الحديد : (عمر وعثمان) ، بدلاً من (فلان) ، ويروي البلاذري عن الواقدي عثمان ولا يذكر عمر . المغازي : 1/18 .
3) . إنكار الروايات المعتبرة حسب الأهواء المختلفة مما ابتلى به كثير من العامّة - لاسيّما في مواجهة الشيعة - وكفانا في المقام كلام ابن حجر في ترجمة العلاّمة الحلّي - بعد أن ذكر كتابه منهاج الكرامة وردّ ابن تيمية عليه - قال : لكنّه - أي ابن تيمية - ردّ في ردّه كثيراً من الأحاديث الجياد !! ... وكم من مبالغة لتوهين كلام الرافضي أدّته إحياناً إلى تنقيص علي عليه السلام . لسان الميزان : 6/319 - 320 .
4) . مثالب النواصب : 163 الخطّية .
لأنّه من الواقعات العظيمة المشهورة ، وفي أمثال هذا لا يكتفى برواية واحد لم يوافقه أحد ! ..(1)
قال الواقدي (المتوفى 207) : فهذا - أكرمك اللّه - ما كان من سقيفة بني ساعدة ، وهذا رواية العلماء ولم أُرد أن أكتب هاهنا شيئاً من زيادات الرافضة فيقع هذا الكتاب في يد غيرك فتنسب أنت إلى أمر من الأُمور ! ..(2)
وذكر نحو هذا الكلام أحمد بن أعثم الكوفي في أوّل الفتوح .(3)
قال أبو داود السجستاني (المتوفى 275) : محمّد [ بن عيسى بن سميع ]كان له ابن صاحب حديث ... كان سنيّاً ، وكان يُنكر أن يكون حدّث بحديث ابن أبي ذئب ، حديث السقيفة ، وقال : أُدخل عليه وادّعي !!
ولمّا يُسأل بعض المشايخ عن هذا الحديث يقول : أيشٍ سؤالك عن هذا ؟ !(4)
قال محمّد عزة دروزه - عند ذكر رزية يوم الخميس - : ونحن لا نستبعد أن تكون الرواية من مصنوعات الشيعة المتأخرين !!(5)
أقول : ونحن ذكرنا مصادرها من البخاري ومسلم وغيرهما من الكتب المعتبرة عندهم ، فراجع .
وقال - بعد ذكر رواية الطبري في إجبار أمير المؤمنين عليه السلام على البيعة لأبي بكر - : ونرجّح كثيراً أنّ هذا الخبر مصنوع مدسوس من الشيعة .(6)
بل يقول انّ أبا بكر لمّا روى حديث : لا نورث ما تركناه صدقة .. انقطع مادةالنزاع في أمر فدك !! ويكون ما عدا ذلك من مزيدات الشيعة ومدسوساتهم .(7)
1) . إبطال نهج الباطل في ضمن دلائل الصدق : 3/79 - 81 .
2) . كتاب الردّة : 47 .
3) . الفتوح : 1/14 ط دار الكتب العلمية بيروت .
4) . سؤالات أبي عبيد الآجري : 2/201 .
5) . تاريخ العرب في الإسلام تحت راية الخلفاء الراشدين : 16 - 17 ط المكتبة العصرية ، بيروت .
6) . المصدر : 16 - 17 .
7) . المصدر : 16 - 17 .
ولا يكاد ينقضي تعجبي عمّا نقله الخفاجي عن هشام القوطي وعباد الصيمري وابن حزم ، حيث ذكر أن هؤلاء أنكروا واقعة الجمل !!(1)
4 - النهي عن ذكرها وكتابتها والاستماع إليها ، والإنكار الشديد على رواتها ومن استمع إليها .
قال ابن بطة (المتوفى 387) : ولا ينظر في كتاب صفين والجمل ووقعة الدار وسائر المنازعات التي جرت بينهم ولاتكتبه لنفسك ولا لغيرك ، ولا تروه عن أحد ، ولا تقرأه على غيرك ، ولا تسمعه ممن يرويه .. فعلى ذلك اتفق سادات علماء هذه الأُمة من النهي عمّا وصفناه ، منهم : حماد بن زيد ، ويونس بن عبيد ، وسفيان الثوري ، وسفيان بن عيينة ، وعبد اللّه بن إدريس ، ومالك بن أنس ، وابن أبي ذيب ، وابن المنكدر ، وابن المبارك ، وشعيب بن حرب ، وأبو إسحاق الفزارى ، ويوسف بن أسباط ، وأحمد بن حنبل ، وبشر بن الحارث ، وعبد الوهاب الورّاق .. كل هؤلاء قد رأوا النهي عنها ، والنظر فيها ، والاستماع إليها ، وحذّروا من طلبها والاهتمام بجمعها ، وقد روي عنهم في من فعل ذلك أشياء كثيرة بألفاظ مختلفة متفقة المعاني على كراهية ذلك ، والإنكار على من رواها واستمع إليها .(2)
أقول : سبقهم في ذلك عمر بن الخطاب ، حيث نهى الصحابة عن نقل أحاديث النبي صلى الله عليه و آله ، بل منع المحدثين منهم الخروج من المدينة ، فسدّ بذلك على الناس باب الرواية ، وهذا أيضاً من أهم الأسباب في تحريف المعارف الدينية عموماً وما يرتبط بالصحابة ومناقب بعضهم ومثالب آخرين خصوصاً .(3)
5 - السكوت عن تفسير ما ورد فيهم من الآيات والروايات ، أو فتح باب التأويل والتوجيه فيها .
قال أحمد بن حنبل - بعد بعض الروايات مثل قول النبي صلى الله عليه و آله : « لا ترجعوا بعدي
كفاراً ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض » - : نرويها كما جاءت ولا نفسّرها .(1)
وقد سبقه إلى ذلك أُستاذه علي بن المديني .(2)
وقد مرّ عليك كلام النسفي والتفتازاني والقطفي .(3)
بل تراهم يقولون بأن الآية الشريفة : « وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خالِداً فِيْها »(4)من الآيات المنسوخة ،(5)كما نقل الإمام أبو القاسم هبة اللّه بن سلامة إجماع المفسرين من الصحابة والتابعين على ذلك إلاّ ابن عباس وابن عمر لماذا ؟ وهل ذلك إلاّ للدماء الكثيرة التي أُريقت بين الصحابة وغيرهم ؟
6 - وضع الأكاذيب وجعل الروايات في فضائل الصحابة ونشرها(6)ليمحوا بذلك عن الأذهان ما صدر عنهم من القبائح ، وهذا هو الغرض الأقصى للذين أسّسوا أساس الوضع والاختلاق ، إذ لا يقبل أحد - مع هذه الفضائل المزعومة - أن يصدر عنهم ظلم في حقّ أهل البيت عليهم السلام !!
قال ابن أبي الحديد في شرح قوله عليه السلام : « إنّ في أيدي الناس حقّاً وباطلاً وصدقاً وكذباً .. » : فإنه خالط الحديث كذب كثير صدر عن قوم غير صحيحي العقيدة قصدوا به الإضلال وتخبيط القلوب والعقائد ، وقصد به بعضهم التنويه بذكر قوم ... ولم يسكت المحدّثون الراسخون في علم الحديث عن هذا ، بل ذكروا كثيراً من هذه الأحاديث الموضوعة ... إلاّ أنّ المحدثين إنما يطعنون في ما دون طبقة الصحابة ولايتجاهرون في الطعن على أحد من الصحابة !(7)
1) . شرح اصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ، للامام اللالكلائي : 1/163 ، (ط الرياض) .
2) . المصدرالسالف : 169 .
3) . راجع صفحة : 435 - 436 .
4) . النساء 4 : 93 .
5) . لاحظ : الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي ، هامش صفحة : 199 - 200 (مطبوع في ضمن مجموعة رسائل في علوم الحديث للامام النسائي والخطيب البغدادي ، ط الرياض) .
6) . راجع : كتاب الموضوعات لابن الجوزي : 1 / 303 - 337 ؛ ترتيب الموضوعات للذهبي : 81 - 97 ؛ اللآلئ المصنوعة للسيوطي : 1 / 262 ؛ الأسرار المرفوعة للملا علي القاري : 454 .. وغيرها .
7) . شرح نهج البلاغة : 11/42 .
وهو يذكر بعد ذلك من الموضوعات روايات منها : لو كنت متخذاً خليلاً ... لاتخذت أبا بكر خليلاً ؛ يأبى اللّه والمسلمون إلاّ أبا بكر ؛ إنّ اللّه يقول لأبي بكر : أنا راض عنك فهل أنت عني راض ؛ سدّوا الأبواب إلاّ باب أبي بكر ..(1)
وروى عن المدايني في كتاب الأحداث رواية طويلة خلاصتها : انّه كتب معاوية إلى عمّاله عدّة كتب منها : أن برئت الذمّة ممّن يروي شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته .. والأمر بإكرام الذين يروون فضائل عثمان وإرسال الروايات إلى معاوية ..
ودعوة الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين .. وأنه قال : لا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة ..
قال : فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها ، وجدّ الناس في روايتها حتى شادوا بذكرها على المنابر وأُلقي ذلك إلى معلمي الكتاتيب فعلّموا صبيانهم ... وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن !! ...
فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ... ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل حتى انتقلت تلك الأخبار إلى أيدي الديّانين الذين لا يستحلّون الكذب والبهتان فقبلوها ورووها .(2)
أقول : وللعلامة الأميني مباحث جيّدة حول الروايات الموضوعة في مواضع شتى من الغدير ، راجع : فهرسته على ضفاف الغدير : 21 - 22 الاختلاق والتزوير : 64 - 67 (التحريف والتصحيف ) : 144 - 149 (الغلوّ) .
ولاحظ أيضاً ما ذكره الشيخ الرحماني في كتابه : الإمام علي عليه السلام : 555 - 572 (استطراد في تحريف الكتب) .
كثر السؤال عن تاريخ إحراق بيت فاطمة عليهاالسلام وإسقاط جنينها ، ولم أجد من تكلّم حول هذا الموضوع مستنداً إلى النصوص والآثار(1)لأقتفي أثره ، وقد صعب علينا التحقيق في ذلك لاقتضاء غير واحد من الأسباب خفاءه كالتقية ، وتكرر الهجوم على البيت .. وغير ذلك ، ولعلّ بعضهم لم يكن يهتمّ بضبط التاريخ الدقيق في أمثاله لمعروفيته أو غيره .
و لنذكر ما وصلنا إليه ليكون مقدّمةً وتسهيلاً لمن أراد التحقيق في ذلك ، ولبيانه نقدّم أُموراً :
الأول : لا ريب في أن إرسالهم إلى بيت الصديقة فاطمة الزهراء عليهاالسلام والهجوم عليه وقع بعد وفاة النبي صلى الله عليه و آله بأيام قليلة ، وقد ورد في زيارة جامعة أئمة المؤمنين عليهم السلام : « .. غادروه على فراش الوفاة وأسرعوا لنقض البيعة ... فحشر سفلة الأعراب وبقايا الأحزاب إلى دار النبوة والرسالة .. » .(2)
وفي ما رواه الجوهري : نادت السيدة فاطمة عليهاالسلام : « يا أبا بكر ! ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول اللّه .. » .(3)
وأمّا ما توهمّه بعض الناس من وقوع الهجوم حين اشتغالهم بتجهيز النبي صلى الله عليه و آله ، فيرد عليه :
1) . ذكر بعضهم أن ذلك كان في يوم 29 صفر - كالشيخ البيرجندي في وقايع الأيام : 59 ، وسپهر في ناسخ التواريخ قسم الخلفا : 1/50 - أو 30 صفر ، كما هو مختار البيرجندي في المصدر السابق وسپهر في الناسخ ، أو أحد اليومين على الترديد ، كما نسبه إلى الشيعة السيد الخاتون آبادي في وقايع السنين والأعوام : 72 . ولكنّنا لا يمكننا الالتزام بذلك كما سيظهر لك إن شاء اللّه تعالى . ونقل بعض المعاصرين عن بعض المؤرخين أنه كان يوم السادس بعد الوفاة ، ولم يذكر له سنداً ولا مستنداً ، لاحظ : مسند فاطمة عليهاالسلام ، مهدي الجعفري : 128 .
2) . مصباح الزائر : 463 - 464 ، وعنه في بحار الأنوار : 102/165 - 166 .
3) . شرح نهج البلاغة : 2/57 و 6/49 .
أولاً : تصريح ما ورد في الهجوم الأول بكونه بعد دفن النبي صلى الله عليه و آله .(1)
ثانياً : احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على القوم في الهجوم الأول بقوله : « أفكنت أدع رسول اللّه مسجّى لا أُواريه وأخرج أُنازع سلطانه ؟ » .(2)
ثالثاً : الروايات الدالّة على اشتغاله عليه السلام حين الهجوم بجمع القرآن .
رابعاً : التصريح بمضيّ أيام في بعض الروايات .(3)
الثاني : كانت وفاة النبي الأعظم صلى الله عليه و آله يوم الإثنين 28 صفر - على المشهور عندنا - و12 ربيع الأول - على المشهور عندهم - واشتغل أمير المؤمنين عليه السلام بغسله وتجهيزه ودَفَنَه صلى الله عليه و آله ليلة الأربعاء .
الثالث : في هذا اليوم - أي يوم الإثنين - وقعت بين الصحابة منازعات ومشاجرات في أمر الخلافة ، وبايع أبا بكر جمع منهم على خطّة كانت بينهم .
الرابع : من تأمّل في الروايات يعرف تكرر إرسال القوم إلى أمير الؤمنين عليه السلام وهجومهم على بيته غير مرّة ، ففي المرّة الأُولى من إخراجه لم يبايعهم .. وتركوه ، وفي
الثانية خرج المجتمعون في بيته ، وسلّ الزبير سيفه هاجماً على عمر بن الخطاب .. وبعد لحظات هجموا للمرّة الثالثة وأخرجوا أمير المؤمنين عليه السلام بعد أن أحرقوا باب الدار وضربوا فاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله وأسقطوا جنينها .. ثم هدّدوا أمير المؤمنين عليه السلام بالقتل وأجبروه على البيعة كرهاً .
والمميّز بين الهجومين هو مبايعته عليه السلام بعد الثالث دون الأول .(4)
الخامس : لمّا فرغ أمير المؤمنين عليه السلام من تجهيز النبي صلى الله عليه و آله ودفنه أخرجوه لأولمرّة ، وهذا ما يصادف يوم الأربعاء .(5)
1) . الاحتجاج : 73 .
2) . الاحتجاج : 74 .
3) . الاحتجاج : 80 .
4) . الاحتجاج : 75 ؛ الايضاح : 367 ؛ المسترشد : 381 ؛ وقد صرّح ابن شهرآشوب في ما رواه أنه عليه السلام لم يقبل أن يبايعهم ثم انصرف إلى منزله واشتغل بجمع القرآن . لاحظ : مثالب النواصب : 139 الخطّية .
5) . راجع : الاحتجاج : 73 ؛ روضة الصفاء : 2/595 ؛ مجالس المؤمنين : 2/566 .
السادس : ورد في غير واحد من النصوص : لمّا أرسلوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام ليخرج من بيته ويبايع أبا بكر قال : « لا أخرج حتى أجمع القرآن .. » أو قاله غيره مجيباً عنه عليه السلام ،(1)فكان بعض موارد الإرسال إليه حين اشتغاله بجمع القرآن .
السابع : وردت روايات كثيرة في اشتغال أمير المؤمنين عليه السلام بجمع القرآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه و آله ودفنه ،(2)ولكنّها تختلف في تعيين مدّته ، ففي رواية فرات الكوفي في تفسيره عن أبي جعفر الباقر عليه السلام : قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « يا علي ! لا تخرج ثلاثة أيام حتى تؤلف كتاب اللّه ... »(3)وكذا ما نقله ابن النديم عن أمير المؤمنين عليه السلام: أنه جلس في بيته ثلاثة أيام حتى جمع القرآن .(4)
وفي رواية عن مولانا أبي جعفر الباقر عليه السلام يذكر خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام خطبها بعد وفاة النبي صلى الله عليه و آله بسبعة أيّام حين فرغ من جمع القرآن .(5)
وروى بعضهم هذه الرواية بلفظ (تسعة أيام) بدل السبعة .(6)وهذه الخطبة معروفة ب- : خطبة الوسيلة .
الثامن : قال أمير المؤمنين عليه السلام : « لمّا توفي رسول اللّه صلى الله عليه و آله اشتغلت بغسله وتكفينه والفراغ من شأنه ، ثم آليت على نفسي يميناً أن لا أرتدي برداء إلاّ للصلاة حتى أجمع القرآن ، ففعلت ، ثم أخذت بيد فاطمة وابنيّ الحسن والحسين عليهم السلام فدرت على أهل
1) . راجع : تفسير العياشي : 2 / 66 - 68 ؛ 307 - 308 ؛ الاختصاص : 185 ؛ كتاب سليم : 249 الطبعة المحققة : 2 / 863 - 862 الحديث الثامن والأربعون ؛ الإمامة والسياسة : 1/19 ؛ الهداية الكبرى : 138 - 139 ، 178 - 179 ، 406 ؛ شرح نهج البلاغة : 2/56 ؛ مختصر البصائر : 192 ؛ بحار الأنوار : 53/18 .
2) . تفسير القمّي : 2/451 ، خصائص الأئمّة عليهم السلام : 73 ؛ الطرف : 26 - 27 ؛ الصراط المستقيم : 2/93 . المناقب : 2/40 - 41 عن كتب الفريقين ؛ كامل بهائي : 1/304 ؛ سعد السعود : 227 - 228 ؛ ورواها العامّة في ضمن رواية موضوعة راجع : شواهد التنزيل : 1/36 - 38 ؛ شرح نهج البلاغة : 1/27 و 6/40 ؛ كنز العمال : 2/588 و 13/128 .
3) . تفسير فرات : 398 - 399 .
4) . الفهرست : 30 .
5) . الكافي : 8/17 ، كتاب التوحيد للصدوق : 73 .
6) . أمالي الشيخ الطوسي : 1/263 وعنه في بحار الأنوار : 4/221 ؛ 77/382 .
بدر وأهل السابقة فناشدتهم حقّي ودعوتهم إلى نصرتي .. » .(1)
أقول : وهذا الاستنصار كان قبل الهجوم الأخير ، بدليل قوله عليه السلام : « فواللّه لو أن أُولئك الأربعين الذين بايعوني وفوا لي وأصبحوا على بابي محلّقين قبل أن تجب لعتيق في عنقي بيعة لناهضته وحاكمته إلى اللّه عزّ وجلّ ... فأما بعد بيعتي إياهم فليس إلى
مجاهدتهم سبيل .. » .(2)
وهذا صريح في أنّه وإن بايع كرهاً ولكنّه لا يريد نكث هذه البيعة ، كما صرّح بذلك في كلام له قبل ذلك بقوله : « .. ومثلي لا ينكث بيعته » .(3)
فلابدّ وأن تكون دعوته إلى نصرته قبل هذه البيعة .. أي قبل الهجوم أخيراً ، وهذا لا يمكن إلاّ أن يكون بين جمع القرآن وبين الهجوم الأخير فصلاً ، كما هو الظاهر
من كلام المسعودي وصريح رواية سليم الهلالي عن سلمان .
قال المسعودي : .. بعد فراغه من غسل رسول اللّه صلى الله عليه و آله ... ودفنه ... اعتزلهم ودخل بيته ... ثمّ ألّف القرآن وخرج إلى الناس ... فقال لهم : « هذا كتاب اللّه قد ألّفته كما أمرني وأوصاني رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، كما أُنزل » . فقال له بعضهم : اتركه وامض ... فقالوا :
لا حاجة لنا فيه ولا فيك ، فانصرِفْ به معك لاتفارقه. فانصرف عنهم .
فأقام أمير المؤمنين عليه السلام ومن معه من شيعته في منازلهم ... فوجّهوا إلى منزله فهجموا عليه وأحرقوا بابه . .(4)
وفي رواية سلمان - بعد ذكر تجهيز رسول اللّه صلى الله عليه و آله - : وأقبل [ أمير المؤمنين عليه السلام ] على القرآن يؤلّفه ويجمعه ... بعث إليه أبو بكر : اخرج فبايع ، فبعث إليه علي عليه السلام : « إنّي مشغول ... أُؤلّف القرآن وأجمعه » . فسكتوا عنه أيّاماً ، فجمعه في ثوب واحد
1) . كتاب سليم : 128 ( الطبعة المحققة : 2 / 666 الحديث الثاني عشر ) ؛ الاحتجاج : 75 ، 190 ، وعنه في بحار الأنوار : 22/328 و 28/191 ، وراجع : بحار الأنوار : 29/419 ، 468 .
2) . كتاب سليم : 130 - 131 ( الطبعة المحققة : 2 / 666 الحديث الثاني عشر ) ، وعنه في بحار الأنوار : 29/471 .
3) . المصدر السالف .
4) . إثبات الوصيّة : 145 - 146 ، وعنه في بحار الأنوار : 28/308 .
وختمه ، ثم خرج إلى الناس - وهم مجتمعون مع أبي بكر في مسجد رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فنادى علي عليه السلامبأعلى صوته : « أيّها الناس ! إني لم أزل منذ قبض رسول اللّه صلى الله عليه و آله مشغولاً بغسله ثم بالقرآن .. » فقال له عمر : ما أغنانا بما معنا من القرآن عمّا تدعونا إليه !!
ثم دخل علي عليه السلام بيته وقال عمر لأبي بكر : أرسل إلى علي فليبايع ... فأرسل إليه .. - ثم ذكر المراودات بينهما كما مرّ في الفصل الثالث - فسكتوا عنه يومهم ذلك ، فلمّا كان الليل حمل عليّ فاطمة عليهماالسلام وأخذ بيد ابنيه الحسن والحسين عليهماالسلام ، فلم يدع أحداً من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله إلاّ أتاهم في منزله فناشدهم اللّه حقّه ودعاهم إلى نصرته ... فلمّا أن رأى خذلان الناس إيّاه ... لزم بيته .. ثم ذكر الهجوم الأخير كما مرّ .(1)
فبناءً على وقوع الهجوم الأخير في اليوم التالي من الاستنصار تكون الاحتمالات في زمان وقوع تلك الحادثة ثلاثة ، لاختلاف الراويات في تعيين مدّة اشتغاله عليه السلامبجمع القرآن ، كما مرّ في الأمر السابع ، فليلاحظ الجداول الثلاثة الآتية:
1) . كتاب سليم : 81 - 83 ( الطبعة المحققة : 2 / 577 - 599 الحديث الرابع ) ، وعنه في بحار الأنوار : 28/264 - 268 .
1 - يوم الأحد ؛ أي ستة أيام بعد الوفاة بناءً على رواية أبي جعفر الباقر عليه السلام ورواية ابن النديم .
عکس
2 - يوم الثلاثاء ؛ ثمانية أيام بعد الوفاة ، بناءً على النسخة الأولى لخطبة الوسيلة .
3 - يوم الخميس ؛ عشرة أيام بعد الوفاة ، بناءً على النسخة الثانية لخطبة الوسيلة .
منذ زمن طويل حاول عدّة من المؤلّفين استقصاء مصادر ماجرى على أهل البيت عليهم السلام بعد النبي صلى الله عليه و آله ، وها نذكر بعض من اتفق لنا العثور على تأليفه ، ولا نريد استقصاء الكتب في ذلك .
1 - محمّد بن علي بن شهرآشوب المازندراني (المتوفى 558) في مثالب النواصب : 418 - 423 (في النسخة الخطية) .
2 - المحقّق الأردبيلي (المتوفى 993) في حديقة الشيعة : 252 .
3 - الشيخ الحرّ العاملي (المتوفى 1104) في إثبات الهداة :2 / 333 - 334 ، 346 ، 353 ، 359 - 361 ، 367 - 370 ، 377 ، 383 - 384 .
4 - المحدث السيد هاشم البحراني (المتوفى 1107) في غاية المرام : 549 - 560 (ترجمته المسمّى بكفاية الخصام : 508 - 517) .
5 - العلاّمة المجلسي (المتوفى 1111) في بحار الأنوار : 28 / 175 - 411 مضافاً إلى مباحث كلاميّة شتّى حول الموضوع ، ومرآة العقول : 5 / 318 ، وحق اليقين : 157 - 189 ، وفي جلاء العيون : 197 - 245 (ط أُخرى 132 - 160) الفصل السابع من حياة السيدة فاطمة عليهاالسلام .
6 - الشيخ عبد اللّه البحراني في العوالم ، كتاب غصب الخلافة وفدك ، و 11/ 390 - 417 (طبع مع المستدركات للسيد الأبطحى) . وفي الطبعة الحديثة : 11 / 2 / 454 - 610 .
7 - السيد عبد اللّه شبّر (المتوفى 1242) في جلاء العيون : 1 / 182 - 198 .
8 - العلاّمة السيد محمّد قلي الموسوي الهندي (المتوفى 1268) في تشييد المطاعن الذي ألّفه في ردّ الشاه عبد العزيز الدهلوي صاحب التحفة الاثنى عشرية . فإنه ذكر الروايات وأثبت أن تلك الكتب من أهل السنّة راجع : 1 / 431 - 494.
9 - العلاّمة سپهر (المتوفى 1297) في ناسخ التواريخ - الخلفاء : 1 / 50 - 100 (ط الإسلامية) وفي ترجمة السيّدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام : 1 / 89 - 113 (ط قم) .
10 - السيّد اسماعيل الطبرسي النوري (المتوفى 1321) في كفاية الموحّدين : 2/124 - 130 .
11 - المحقّق الشيخ حبيب اللّه الخوئي (المتوفى 1324) في شرح نهج البلاغة - المسمّى ب- : منهاج البراعة : 3 / 24 - 25 ، 367 - 374 .
12 - الحاج السيد أسد اللّه بن صدر الدين الحسيني التنكابني (المتوفى 1339) في مصائب الهداة عليهم السلام : 18 - 160 مع ترجمتها بالفارسيّة .
13 - الشيخ أبو الحسن المرندي (المتوفى 1349) في مجمع النورين : 75 - 85 . وفي نور الأنوار : 210 .
14 - المحدث الخبير الشيخ عباس القمي (المتوفى 1359) في بيت الأحزان ، الباب الثالث .
15 - العلامه الكبير الشيخ عبد الحسين الأميني (المتوفى 1390) في الغدير : 7 / 77 - 78 .
16 - الواعظ الشهير سلطان الواعظين الشيرازي (المتوفى 1391) في شبهاى پيشاور : 507 - 520 .
17 - الشيخ ذبيح اللّه المحلاتي في رياحين الشريعة : 1 / 281 - 292 .
18 - الدكتور محمّد بيومي مهران - الأُستاذ في جامعة الإسكندرية - في كتابه الإمامة وأهل البيت عليهم السلام : 1 / 342 - 348 (الطبعة الثانية) .
19 - المحقّق التستري في بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة : 5 / 1 - 18 (ط مكتبة الصدر ) (5 / 295 - 300 ط مؤسسة نهج البلاغة) .
20 - السيد عبدالرزّاق كمونة الحسيني في كتاب الزهراء عليهاالسلام : 2/191 - 200.
21 - الشيخ أحمد الرحماني في كتابه بهجة قلب المصطفى صلى الله عليه و آله : 517 - 566 .
22 - على اكبر بابازاده في تحليل سيرة فاطمة الزهراء عليهاالسلام : 233 - 244 ، وفي مواضع أُخرى من كتابه .
23 - السيد ياسين الموسوي في ملاحظات على منهج السيّد محمّد حسين فضل اللّه وكذا في مقتل فاطمه الزهراء عليهاالسلام .
24 - السيد مسعود آقائي في كتابه چشمه در بستر : 371 - 433 .
25 - السيد أبوالحسن الحسيني في كتابه بر خانه حضرت فاطمة عليهاالسلام چه گذشت ؟
26 - الشيخ حسين غيب غلامي في كتابه إحراق بيت فاطمة عليهاالسلام .
27 - السيد جعفر مرتضى العاملي في كتابه مأساة الزهراء عليهاالسلام .
28 - الشيخ عبد الكريم العقيلي في كتابه ظلامات فاطمة الزهراء عليهاالسلام .
29 - الشيخ نزيه القميحا في شرح خطبة الزهراء عليهاالسلام وأسبابها .
30 - نجاح الطائي في كتابه نظريات الخليفتين : 1 / 154 - 173 .
31 - الشيخ مهدي الفقيه إيماني في كتابه حق با على است : 146 - 149 .
32 - السيد محمد على الحلو في كتابه أدب المحنة .
33 - دائرة المعارف بزرگ اسلامى : 5 / 229 - 230 (فارسي) .
34 - الشيخ قيس العطّار في كتابه التحف في توثيقات الطرف (مطبوع مع الطرف للسيد بن طاووس رحمه الله) : 390 - 398 و 465 - 467 .
35 - السيد هاشم الناجي الموسوي الجزائري في كتابه ظلامات الصدّيقة الشهيدة الزهراء عليهاالسلام وشرح ما وقع عليها من الجنايات (على ترتيب حروف الهجاء).
36 - الشيخ عبدالمحسن عبدالزهراء القطيفي في كتابه المحسن بن فاطمة الزهراء عليهماالسلام .
37 - السيد محمد حسين سجاد في كتابه آتش به خانه وحى .
القرآن الكريم
آثار أحمدي ، الأسترآبادي نشر ميراث مكتوب ، طهران
الآحاد والمثاني ، ابن أبي عاصم الرياض
الأئمة الاثنى عشر عليهم السلام ، ابن طولون دار صادر ، بيروت
أبكار الأفكار ، الآمدي مصوّرة ، مركز إحياء التراث السلامي ، قم
الأحاديث المختارة ، المقدسي مكّة المكّرمة
إتحاف السائل ، المناوي القاهرة
إثبات الوصية ، المسعودي دار الأضواء ، بيروت
إثبات الهداة ، الشيخ الحرّ العاملي العلمية ، قم
الاحتجاج ، الشيخ الطبرسي الأعلمي ، بيروت
إحقاق الحق ، السيد الحسيني المرعشي مكتبة السيد المرعشي ، قم
أخبار الخلفاء ، البستي (طبع مع السيرة النبوية ، له أيضاً ) بيروت
الاختصاص ، الشيخ المفيد جماعة المدرسين ، قم
اختيار معرفة الرجال ، الشيخ الطوسيموسسة آل البيت عليهم السلام ، قم
إرشاد القلوب ، الشيخ الديلمي الشريف الرضي ، قم
الاُرجوزة المختارة ، القاضي المغربي معهد الدراسات الإسلامية ، بيروت
الإرشاد ، الشيخ المفيد مؤسسة آل البيت عليهم السلام ، قم
إزالة الخفا ، الدهلوي پاكستان
الاستيعاب ، ابن عبد البرّ دار الجيل
الاستيعاب ، ابن عبد البرّ ، بهامش : الإصابة دار الفكر ، مصر
أُسد الغابة ، ابن الأثير دار التراث العربي
إسعاف الراغبين ، الصبان ، بهامش نور الأبصار البابي ، مصر
الإصابة ، العسقلاني دار الفكر ، مصر
الإصابة ، العسقلاني دار صادر ، مصر
أعلام النساء ، كحالة مؤسسة الرسالة ، بيروت
إعلام الورى ، الشيخ الطبرسي الإسلامية ، مؤسسةُ آل البيت عليهم السلام ، قم
إفحام الأعداء والخصوم ، السيد ناصر حسين الموسوي مكتبة نينوى ، طهران
الإقبال ، السيد ابن طاووس دار الكتب الإسلامية ، طهران
الاكتفاء ... مغازي رسول اللّه صلى الله عليه و آله والخلفاء ، الكلاعي عالم الكتب
التهاب نيران الأحزان ؟ مصوّرة مركز إحياء التراث الإسلامي
الألفاظ الكتابية ، الهمذاني دار الكتب العلمية ، بيروت
الأمالي ، الشيخ الطوسي مطبعة النعمان ، النجف
الأمالي ، الشيخ الصدوق الأعلمي بيروت ، كتابخانه اسلامى
الأمالي ، الشيخ المفيد جماعة المدرسين ، قم ، الحيدرية النجف
الإمام علي عليه السلام ، عبد الفتاح عبد المقصود مصر
الإمامة والسياسية ، ابن قتيبة دار المعرفة ، بيروت
الأموال ، أبو عبيد مكتبة الكليات الازهرية ، الاولى
الأموال ، حميد بن زنجويه الرياض
الأنباء المستطابة ، القطفي دمشق
الانتصار ، الخياط مصر
أنساب الأشراف ، البلاذري المحمودي ، بيروت
أنساب النواصب ، الأسترآبادي مصوّرة ، الآستانة الرضوية المقدّسة
أُنس المؤمنين ، الحموي مؤسسة البعثة ، طهران
أنوار اليقين فيإمامة أمير المؤمنين عليه السلام ، الحسيني مصورة مركز الأبحاث العقائدية ، قم
أهل البيت عليهم السلام ، توفيق أبو علم مصر
الإيضاح ، فضل بن شاذان جامعة طهران
الإيقاظ من الهجعة ، الشيخ الحرّ العاملي اسماعيليان ، قم
الباب الحادي عشر مع شرحيه جامعة طهران
بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي طهران
بحر الأنساب (ترجمته بالفارسية) ، المنسوب إلى أبي مخنف مخطوط ، الآستانة الرضوية المقدّسة
البدء والتاريخ ، المقدسي بغداد
البداية والنهايه ، ابن كثير دار إحياء التراث العربي ، بيروت
بشارة الباكين ، التبريزي مصوّرة مركز إحياء التراث الإسلامي ، قم
بشاره المصطفى صلى الله عليه و آله ، الشيخ الطبري الحيدرية، النجف
بصائر الدرجات ، الشيخ الصفار مكتبه السيد المرعشي ، قم
بلاغات النساء ، ابن طيفور الشريف الرضي ، قم
البلد الأمين ، الشيخ الكفعمي
بناء المقاله الفاطمية ، أحمد بن طاووس مؤسسة آل البيت عليهم السلام ، قم
بهجة المباهج ، السبزواري مصوّرة مركز إحياء التراث الإسلامي ، قم
البيان والتبيين ، الجاحظ دار الفكر
بيت الأحزان ، المحدث القمّي مطبعة سيد الشهداء عليه السلام ، قم
بيت الأحزان ، اليزدي ط الحجري
تاج المواليد ، الشيخ الطبرسي ، (في ضمن مجموعة نفيسة) مكتبة بصيرتي ، قم
تاريخ أبي الفداء دار المعرفة ، بيروت
تاريخ أبي زرعة تحقيق القوچاني
تاريخ الأئمة ، البغدادي ، (في ضمن مجموعة نفيسة) مكتبة بصيرتي ، قم
تاريخ الإسلام ، الذهبي دار الكتاب العربي
تاريخ الخميس ، الديار بكري مؤسسة شعبان ، بيروت
تاريخ الصحابة ، البستي ، دار الكتب العلمية
تاريخ الطبري دار التراث ، بيروت ، دار المعارف ، مصر
تاريخ المدينة المنوّرة ، ابن شبّة دار الفكر ، قم
تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر دار الفكر
تاريخ اليعقوبي دار صادر ، بيروت
تاريخ أهل البيت عليهم السلام مؤسسة آل البيت عليهم السلام ، قم
تاريخ بغداد ، الخطيب البغدادي دار العلمية ، بيروت
تأويل الآيات ، السيد الأسترآبادي جماعة المدرسين ، قم
تبصرة العوام، السيد الرازي تصحيح ، عباس اقبال
تتمة المختصر ، ابن الوردي دار المعرفة ، بيروت
تثبيت الإمامة ، الهادي الزيدي دار الإمام السجّاد عليه السلام ، بيروت
التحفة اللطيفة ، السخاوي السعودية
تحفه إثنا عشريه ، الدهلوي لكنهو
تحقيق أنساب الأئمّة الطاهرين عليهم السلام ، الدواني مصوّرة مركز إحياء التراث الإسلامي ، قم
تحقيق مواقف الصحابة ، دكتر محمد أمحزون الرياض
تذكرة الحفاظ ، الذهبي الهند
تذكرة الخواص ، ابن الجوزي طهران
تذكرة المصائب ، الشيباني ط الحجري
تراجم سيّدات بيت النبوّة ، عائشة بنت الشاطي دار الكتاب العربي ، بيروت
تشييد المطاعن ، السيد الموسوي الهندي مطبعة مجمع البحرين
تفسير العياشي العلمية الإسلامية ، طهران
تفسير القمي دار الكتاب الجزائري ، قم
تقريب المعارف ، الشيخ أبو الصلاح الحلبي تحقيق تبريزيان ، قم
تلبيس إبليس ، ابن الجوزي دار الكتب العلمية ، بيروت
تلخيص الشافي ، الشيخ الطوسي مطبعة الآداب ، النجف الاشرف
التنبيه والاشراف ، المسعودي مؤسسة نشر منابع الثقافة الإسلامية
التننبيه والرد ، الملطى مكتبة المثنى ، بغداد والمعارف ، بيروت
التوضيح الأنور ، الرازي مخطوط ، الآستانة الرضويّة المقدّسة
التهذيب ، الشيخ الطوسي دار الأضواء ، بيروت
تهذيب الأسماء واللغات ، النووي مصر
تهذيب التهذيب ، العسقلاني دار صادر ، بيروت
تهذيب الكمال في أسماء الرجال ، المزّي مؤسسة الرسالة ، بيروت
الثقات ، ابن حبان الهند
جامع الأحاديث الكبير ، السيوطي دار الفكر ، بيروت
جامع المسانيد والسنن ، ابن كثير دار الفكر ، بيروت
جامع النورين ، السبزواري العلمية الإسلامية ، طهران
جلاء العيون ، العلاّمة المجلسي الإسلامية ، طهران
جمال الأسبوع ، السيد ابن طاووس الشريف الرضي ، قم
الجمل ، الشيخ المفيد الإعلام الإسلامي
جمهرة أنساب العرب ، ابن حزم دار المعارف ، مصر
جنات الخلود ، الخاتون آبادي ط الحجري
جنة العاصمة ، السيد المير جهاني مكتبة الصدر ، طهران
جنة المأوى ، آل كاشف الغطاء دار الأضواء ، بيروت
الجواب الحاسم لشبه المغني ، محمد بن أحمد ، مع المغني للأسدآبادى الدار المصرية
الجواهر السنية ، الشيخ الحر العاملي مكتبة المفيد ، قم
جواهر المطالب ، الباعوني الشافعي مجمع إحياء الثقافة الإسلامية
الجوهرة ، التلمساني مكتبة النوري ، دمشق
حاشية الكستلي على شرح العقائد اسلامبول
الحاشية على شرح التجريد ، المحقق الأردبيلي مؤتمر المقدس الأردبيلي ، قم
حبيب السير ، غياث الدين البلخي مكتبة الخيام ، الثالثة
الحدائق الناضرة ، المحدث البحراني جماعة المدرسين ، قم
الحدائق الوردية ، المحلي دار أُسامة ، دمشق
حق اليقين ، السيد الشبّر العرفان ، صيدا
حق اليقين ، العلامة المجلسي العلمية الإسلامية ، طهران
حلية الأبرار ، السيد البحراني العلمية ، قم
حلية الأولياء ، أبو نعيم دار الكتب العلمية ، بيروت
حياة الصحابة ، الكاندهلوي دار المعرفة
الخرائج والجرائح ، الشيخ الرواندي مؤسسة الإمام المهدي عليه السلام ، قم
خزائن المصائب ، الجرمقي البسطامي مخطوط ، الآستانة الرضويّة المقدّسة
خصائص الأئمة عليهم السلام ، السيد الرضي مجمع البحوث الإسلامية
الخصائص الكبرى ، السيوطي دار الكتاب العربي ، بيروت
الخصال ، الشيخ الصدوق جماعة المدرسين ، قم
الخطط المقريزية (المواعظ والاعتبار) ، المقريزي مكتبة المثنى ، بغداد
خلاصة الوفاء ، السمهودي المدينة المنورة
الخلافة والإمامة ، عبد الكريم الخطيب دار المعرفة ، بيروت ، ط الثانية
دائرة المعارف ، وجدي مكتبة المثنى ، بغداد ، ط الرابعة
الدر المنثور ، الزينب العاملية مكة المكرّمة
الدرّ المنثور ، السيوطي دار الفكر ، بيروت
الدّر النظيم في مناقب الأئمة الهاميم، الشيخ جمال الدين الشامي جماعة المدرسين ، قم
الدرجات الرفيعة ، السيد علي خان مكتبة بصيرتي ، قم
دعائم الإسلام ، القاضي النعمان مؤسسة آل البيت عليهم السلام ، قم
دلائل الإمامة ، الشيخ الطبري دار الذخائر ، مؤسسة البعثة ، قم
دلائل الصدق ، الشيخ المظفر ، (طبع باسم فضائل أمير المؤمنين عليه السلام) بيروت
دلائل النبوة ، البيهقي دار الكتب العلمية ، بيروت
ذخائر العقبى ، المحب الطبري مؤسسة الوفاء ، بيروت
ذخيرة يوم المحشر ، الماحوزي البحراني مصوّرة مركز إحياء التراث الإسلامي ، قم
الذرية الطاهرة ، الدولابي جماعة المدرسين ، قم
رجال الكشي ، راجع اختيار معرفة الرجال
الرسائل ، الجاحظ دار مكتبة الهلال
الرسائل الاعتقادية ، الخواجوئي دار الكتاب الإسلامي ، قم
رسالة أُصول الدين ، المحقق الأردبيلي (في ضمن هفده رساله) مؤتمر المقدّس الأردبيلي ، قم
رسالة عقائد الدينيّة ، الجرجاني مخطوط ، الآستانة الرضويّة المقدّسة
رسالة عقائد الشيعة ، الجرجاني (رسائل فارسي) نشر ميراث مكتوب ، طهران
رسالة في ما ورد في صدر هذه الأُمّة ، الشرواني مصوّرة مركز إحياء التراث الإسلامي ، قم
روضة المتقين ، الشيخ المجلسي كوشانپور
روضة الواعظين ، الشيخ الفتال النيشابوري الأعلمي بيروت ، والشريف الرضي ، قم
رياحين الشريعة ، الشيخ المحلاتي دار الكتب الإسلامية
رياض الأبرار ، العقيلي مخطوط ، الآستانة الرضويّة المقدّسة
الرياض النضرة ، المحب الطبري مكتبة القيّمة ، قاهرة ، دار مكتبة العلمية ، بيروت
السبيل الهدى والرشاد ، الصالحي الشامي دار الكتب العلمية ، بيروت
سعد السعود ، السيد ابن طاووس دار الذخائر
السقيفة والخلافة ، عبد الفتاح عبد المقصود مصر
السمط الثمين ، أحمد الطبري حلب
السنن ، ابن ماجه دار الفكر
السنن ، أبي داود دار الفكر
السنن ، البيهقي دار المعرفة ، بيروت
السنن ، الترمذي دار الفكر
السنن ، الدارمي دهمان ، دمشق
السنن ، النسائي دار إحياء التراث العربي
السيدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام ، بيّومي بيروت
سير أعلام النبلاء ، الذهبي دار المعارف ، مصر ، مؤسسة الرسالة
سيرة ابن إسحاق ، (السير والمغازي) اسماعيليان ، قم
سيرة الأئمة الاثنى عشر ، هاشم معروف الحسني دار التعارف ، دار القلم
السيرة الحلبية ، الحلبي بيروت
السيرة النبوية ، أبي الفداء دار إحياء التراث العربي ، دار المعرفة
السيرة النبوية ، البستي بيروت
سيرة عمر بن الخطاب ، التاجي مصطفى البابي وأولاده
الشافي ، السيد المرتضى مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
شجرة العقائد الإسلامية مركز المصطفى صلى الله عليه و آله وسلم
شرح الأخبار ، القاضي النعمان جماعة المدرسين ، قم
شرح الأصول الخمسة، القاضي عبد الجبار مصر
شرح التجريد ، العّلامة الحلي قم
شرح التجريد ، القوشچي ط الحجري
شرح صحيح مسلم ، النووي دار الفكر
شرح المقاصد ، التفتازاني الأفندي
شرح المواهب اللدنيّة ، الزرقاني المطبعة الأزهرية ، مصر
شرح نهج البلاغة ، ابن ميثم مؤسسة النضر ، طهران
شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد مكتبة السيد المرعشي ، قم
شفاء صدور الناس ... ، الشرفي الأُهنومي مصورة مركز الأبحاث العقائدية
شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني الارشاد ، قم
صبح الأعشى ، القلقشندي وزراة الثقافة والإرشاد القومي
صبح الأعشى ، القلقشندي دار الكتب العلمية
صحيح البخاري مصر
صحيح مسلم دار الفكر ، بيروت
الصديق أبو بكر ، محمد حسين هيكل مصر ، ط الثامنة
الصراط المستقيم ، الشيخ البياضي المكتبة المرتضوية
صفوة الصفوة ، ابن الجوزي القاهرة
الصواعق المحرقة ، الهيثمي مكتبة القاهرة
ضياء العالمين ، الشيخ النباطي العاملي مصورة مؤسسة آل البيت عليهم السلام ، قم
الطبقات ، ابن سع ددار الفكر
طبقات الشافعية الكبرى ، السبكي هجر
الطرائف ، السيد ابن طاووس الخيّام
الطرف ، السيد ابن طاووس النجف
طريق الرشاد ، (ضمن الرسائل الاعتقادية) الخواجوئي دار الكتاب اسلامى ، قم
طعن الرماح ، (الفوائد الحيدرية) السيد محمّد
العدد القوية ، الشيخ الحلي مكتبة السيد المرعشي ، قم
عقاب الأعمال ، الشيخ الصدوق الشريف الرضي ، قم ، الصدوق طهران
عقائد الثلاث والسبعين فرقة ، اليمنى مكتبة العلوم والحكم ، المدينة المنوّرة
العقد الفريد ، ابن عبد ربّه دار الكتاب العربيبيروت ، الاُوفست مكتبة النهضة المصرية
علل الشرائع ، الشيخ الصدوق الداوري ، الاُوفست عن الحيدرية ، النجف
علم اليقين ، الفيض الكاشاني دار البلاغة
عمدة التحقيق ، العبيدي ، (بهامش روض الرياحين) قبرص
العمدة ، ابن البطريق طهران
عوالم العلوم ، الشيخ البحراني مؤسسة الإمام مهدي عليه السلام ، قم
العين ، الخليل مؤسسة دار الهجرة ، قم
عيون أخبار الرضا عليه السلام ، الشيخ الصدوق جهان
عيون الأثر ، ابن سيد الناس عزّ الدين ، دار الجيل ، بيروت
عيون الأخبار ، عماد الدين القرشي دار التراث فاطمي ، بيروت
الغارات ، الشيخ الثقفي دار الكتب الإسلامي
الغدير ، العلاّمة الاميني دار الكتب الإسلامية ، ط الثانية
غريب الحديث ، ابن الجوزي دار الكتب العلمية ، بيروت
غريب الحديث ، ابن قتيبة بغداد
الغيبة ، الشيخ النعماني الأعلمي ، بيروت ، مكتبة الصدوق
الفائق ، الزمخشري عيسى البابي الحلبي
فاطمة الزهراء عليهاالسلام والفاطميون ، العقاد بيروت ، ط الثانية
فاطمة بنت محمّد صلى الله عليه و آله ، عمر أبو النصر المكتبة الأهلية ، بيروت
الفتح المبين ، أحمد زيني دحلان ، بهامش السيرة النبوية دار المعرفة ، بيروت
الفتوح ، أحمد بن الأعثم الكوفي دار الكتب العلمية ، بيروت
فجر الإسلام ، أحمد أمين دار الكتاب العربي ، بيروت
فرائد السمطين ، الجويني المحمودي ، بيروت
الفرق بين الفِرَق ، البغدادي دار المعرفة ، بيروت
الفصول المختارة ، السيد المرتضى المؤتمر العالمي للشيخ المفيد ، قم
الفصول المهمة ، ابن صباغ المالكي الحيدرية ، النجف
الفضائل ، شاذان بن جبرئيل القمي الشريف الرضي
فضائل الصحابة ، أحمد بن حنبل مكّة المكرّمة
الفقيه ، راجع من لا يحضره الفقيه
قرة العينين ، الدهلوي پيشاور
قواعد عقائد آل محمّد عليهم السلام ، الديلمي مصورة مركز الأبحاث العقائدية ، قم
الكافي ، الشيخ الكليني دار الأضواء ، بيروت
كامل الزيارات ، الشيخ ابن قولويه القمي المرتضوية ، النجف
كامل بهائي ، الطبري قم
الكامل ، ابن الأثير دار صادر ، بيروت
الكبريت الأحمر ، الشيخ البيرجندي الإسلامية
كتاب سليم بن قيس دار الفنون ، بيروت ، الهادي ، قم
كشف الغمة ، الشيخ الأربلي مكتبة بني هاشم
كشف المحجة ، السيد ابن طاووس الداوري ، قم
كشف اليقين ، العلاّمة الحلّي مجمع إحياء الثقافة الإسلامية ، قم
الكشكول ، الشيخ البهائي دار الزهراء عليهاالسلام ، بيروت
الكشكول ، السيد حيدر الآملي الرضي ، قم
كفاية الأثر ، الشيخ الخزاز القمي بيدار ، قم
كفاية الطالب ، الگنجي الشافعي الحيدرية النجف
كفاية الموحدين ، الشيخ الطبرسي النوري العلمية الإسلامية ، طهران
كمال الدين ، الشيخ الصدوق جماعة المدرسين ، قم
كنز العمال ، المتقي الهندي مؤسسة الرسالة ، بيروت
كنز الفوائد، الشيخ الكراجكي دار الذخائر ، بيروت ، المصطفوي ، قم
الكوكب الدرّي ، الشيخ الحائري المازندراني الشريف الرضي ، (الحيدرية ، النجف)
گوهر مراد ، اللاهيجي وزارة الارشاد
لسان العرب ، ابن المنظور دار صادر
لسان الميزان ، العسقلاني الأعلمي ، بيروت
لوامع الأنوار ، الحسيني المؤيدي مكتبة التراث الإسلامي ، صعدة
اللوامع النورانية ، السيد البحراني اصفهان
مؤتمر علماء بغداد ، مقاتل بن عطية المسترحمي ، ط الرابعة
مآثر الإناقة ، القلقشنديعالم الكتب ، بيروت
مأساة الزهراء عليهاالسلام ، السيد جعفر مرتضى العاملي دار السيرة ، بيروت
متشابه القرآن ، الشيخ ابن شهر آشوب المازندراني بيدار ، قم
مثالب النواصب ، الشيخ ابن شهر آشوب المازندراني مصوّرة مركز إحياء التراث الإسلامي ، قم
المحاسن المجتمعة في الخلفاء الأربعة ، الصفوري مصوّرة مكتبة المحقّق الطباطبائي ، قم
المجدي في أنساب الطالبين ، العُمري مكتبة السيد المرعشي ، قم
المجلّى ، الشيخ الاحسائي ط الحجر
مجمع الزوائد ، الهيثمي دار الكتب العلمية ، بيروت
مختصر البصائر ، الشيخ حسن بن سليمان الحلّي الاُوفست عن الحيدرية ، النجف
مختصر تاريخ دمشق ، ابن المنظور دار الفكر
المختصر في تاريخ البشر ، أبو الفداء دار المعرفة ، بيروت
مدارك الأحكام ، السيد العاملي مؤسسة آل البيت عليهم السلام ، قم
مدينة المعاجز ، السيد البحراني المعارف الإسلامية ، قم
مرآة الجنان ، اليافعي الاعلمي ، بيروت
مرآة العقول ، العلامة المجلسي طهران
المراجعات ، السيد شرف الدين مؤسّسة البعثة ، طهران
مروج الذهب المسعودي دار الهجرة ، قم
مروج الذهب ، المسعودي دار الأندلس
المزار ، الشيخ المفيد المؤتمر العالمي للشيخ المفيد ، قم
المزار الكبير ، الشيخ ابن المشهدي القيوم ، قم
مسائل علي بن جعفر مؤسسة آل البيت عليهم السلام ، قم
المستجاد ، العلاّمة الحلّي ، (في ضمن مجموعة نفيسة) مكتبة بصيرتي ، قم
المستدرك ، الحاكم النيشابوري دار المعرفة، بيروت
المسترشد، الشيخ الطبري مؤسسة كوشانپور
المسلك في أُصول الدين ، المحقق الحلّي الآستانة المقدسة الرضوية عليه السلام
مسند أحمد دار صادر ، بيروت
مسند فاطمة الزهراء عليهاالسلام ، السيوطي حيدرآباد ، الهند
مشكل الآثار ، الطحاوي
مصائب الأبرار ، المخزون السلماسي مخطوط ، الآستانة الرضويّة المقدّسة
المصباح (جنة الأمان ... ) ، الشيخ الكفعمي الشريف الرضي ، قم
مصباح الأنوار ، الشيخ هاشم بن محمّد مصوّرة مكتبة السيّد المرعشي ، قم
مصباح الزائر ، السيد ابن طاووس مؤسسة آل البيت عليهم السلام ، قم
مصباح المتهجد ، الشيخ الطوسي مؤسسة فقه الشيعة ، بيروت
المصنف ، ابن أبي شيبة دار السلفية بومباي الهند
مطارح النظر ... الشيخ الطريحي مصوّرة مركز إحياء التراث الإسلامي ، قم
مطالب السؤول ، ابن طلحة الشافعي الحجر ، طهران
المعارف ، ابن قتيبة دار إحياء التراث ، بيروت
معاني الأخبار ، الشيخ الصدوق جماعة المدرسين ، قم
المعجم الكبير ، الطبراني دار إحياء التراث العربي ط الثانية
المغني ، القاضي الأسدآبادي الدار المصرية
مفتاح الباب ، العربشاهي (الباب الحادي عشر مع شرحيه) تحقيق : الدكتور محقّق
المقتل ، الخوارزمي مكتبة المفيد ، قم الاُوفست عن طبع النجف الأشرف
المقنعة ، الشيخ المفيد جماعة المدرسين ، قم
الملل والنحل ، الشهرستاني بيروت
مِن حياة الخليفة عمر بن الخطاب ، البكري بيروت
من لا يحضره الفقيه ، الشيخ الصدوق جماعة مدرسين ، قم
مناظرات في الإمامة ، عبد اللّه الحسن أنوار الهدى ، قم
المناظرة والمعارضة ، التازي المغربي مخطوط ، الآستانة الرضويّة المقدّسة
مناقب آل أبي طالب ، الشيخ ابن شهر آشوب المازندراني قم ، المكتبة العلمية
المناقب ، ابن المغازلي المكتبة الإسلامية ، طهران
المناقب ، الخوارزمي طهران
المناقب ، الكلابي ، طبع مع المناقب لابن مغازلي المكتبة الإسلامية ، طهران
منال الطالب ، ابن الأثير مكة المكرمة
منتخب الأنوار المضيئة ، النيلي النجفي مكتبة الخيام
منتخب كنز العمال ، المتقي الهندي دار إحياء التراث العربي
المنتظم ، ابن الجوزي دار الكتب العلمية ، بيروت
المنقذ من التقليد ، الحمصي الرازي جماعة المدرسين ، قم
منهاج السنّة ، ابن تيمية المكتب العلمية ، بيروت
مواسم الأدب ، البيتي العلوي السعادة ، مصر
المواهب اللدنّية ، القسطلاني الأفندي
موسوعة رجال الكتب التسعة ، البنداري وكسروي حسن دار الكتب العلمية ، بيروت
موسوعة العقاد الإسلامية ، العقاد دار الكتب العربي
مهذب الروضة الفيحاء ، العمري بغداد
ميزان الاعتدال ، الذهبي دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي
ناسخ التواريخ (قسم فاطمة الزهراء عليهاالسلام) ، سپهر مطبوعات ديني
ناسخ التواريخ (قسم الخلفاء) ، سپهر الإسلامية ط الثانية
النافع يوم الحشر ، السيوري (الباب الحادي عشر مع شرحيه) تحقيق : الدكتور محقّق
نزل الأبرار ، البدخشاني مكتبة أمير المؤمنين عليه السلام ، اصفهان
نزهة المجالس ومنتخب النفائس ، الصفوري الشافعي أحمد البابي الحلبي ، مصر
نساء حول الرسول صلى الله عليه و آله ، بسّام حمامي دار دانية
نسمات الأسحار ؟ مصوّرة مكتبة المحقّق الطباطبائي ، قم
نصيحة الشيعة ، رسول بن محمّد مخطوط ، الآستانة الرضوية المقدّسة
النقض ، الشيخ القزويني تحقيق المحدث الارموي ، طهران
نوائب الدهور ، السيد المير جهاني مكتبة الصدر ، طهران
نوادر الأخبار ، الفيض الكاشاني مؤسسة المطالعات والأبحاث الثقافية
نوادر المعجزات ، الشيخ الطبري الإمامي مؤسسة الإمام المهدي عليه السلام ، قم
النواقض للروافض ، البرزنجي مصوّرة الآستانة الرضوية المقدّسة
نور الأبصار ، الشبلنجي دار الفكر
نور العيون ، الحسيني مخطوط مكتبة السيد الگلپايگاني ، قم
النهاية ، ابن الأثير اسماعيليان ، قم
نهاية الإرب ، النويري الاوفست عن دار الكتب ، مصر
نهاية التنوية في إزهاق التمويه ، ابن الوزير مصوّرة مركز إحياء التراث الإسلامي ، قم
نهج البلاغة ، السيد الرضي ، (نسخة المعجم) جماعة المدرسين ، قم
نهج الحق ، العلاّمة الحلي دار الهجرة ، قم ط الرابعة
وسيلة الإسلام ، ابن قنفذ دار المغرب الإسلامي
وفاء الوفاء ، السمهودي دار إحياء التراث العربي
وفاة الصدّيقة الزهراء عليهاالسلام ، المقرّم الشريف الرضي ، قم
وقعة صفين ، نصر بن مزاحم مكتبة السيد المرعشي ، قم
الهداية الكبرى ، حسين بن حمدان الخصيبي مؤسسة البلاغ ، بيروت
اليقين ، السيد ابن طاووس دار الكتاب الجزائري ، قم
ينابيع المودة ، القندوزي اسلامبول ، الأعلمي ، بيروت
تذييل
حريّ بالمحقق إلحاق هذه المستدركات بالكتاب تعميما للفائدة:
صفحة 35 هامش 3
ورواه قطب الدين الراوندي (المتوفى 573) في مكارم أخلاق النبي والائمة عليه وعليهم السلام : 114 - 115 .
صفحة 66 بعد سطر 5
وروى ابن أبي الحديد - في ضمن رواية - : أن عمر قال : يا بن عباس ! ... ولم أزل أراه - يعني أمير المؤمنين عليا عليه السلام - واجدا ، فيمَ تظنّ موجدته ؟ قلت : ... إنك لتعلم، قال : أظنّه لا يزال كئيبا لفوت الخلافة؟ قلت : هو ذاك ، إنه يزعم أن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلمأراد الأمر له ، فقال : يا بن عباس ! وأراد رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم الأمر له فكان ما ذا إذا لم يرد الله تعالى ذلك ! إن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم أراد أمرا وأراد الله غيره ، فنفذ مراد
الله تعالى ولم ينفذ مراد رسوله ، أو كلّما أراد رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم كان ... ؟ !
ثم قال ابن أبي الحديد : وقد روي معنى هذا الخبر بغير هذا اللفظ ، وهو قوله : إن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم أراد أن يذكره للأمر في مرضه ، فصددتُه عنه خوفا من الفتنة وانتشار أمر الإسلام، فعلم رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم ما في نفسي وأمسك ، وأبى الله إلاّ إمضاء ما حتم.(1)
صفحة 66 هامش 2
وليُعلم أن هذا الكتاب لأحمد بن أبي طاهر الخراساني البغدادي المعروف ب- : ابن طيفور (المتوفى 280) صاحب بلاغات النساء . وقيل : هو أول من صنّف لها - أي للبغداد - تاريخا . (راجع كشف الظنون 1/288، الأعلام للزركلي 1 / 141)
1) . شرح نهج البلاغة : 12 / 78 - 79 .
صفحة 82 آخر المتن
وروي عن أبي علقمة أنه قال : قلت لسعد بن عبادة - وقد مال الناس إلى بيعة أبى بكر - : ألا تدخل فيما دخل فيه المسلمون ؟! قال : إليك عنّي ، فوالله لقد سمعت رسول
الله صلى الله عليه و آله وسلم يقول : «إذا أنا متّ تضلّ [ يضلّ ]الأهواء ، ويرجع الناس على أعقابهم ، فالحق يومئذ مع علي ، وكتاب الله بيده ، لا تبايع لأحد غيره» ، فقلت له : هل سمع هذا الخبر غيرك من رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم ؟ فقال : أناس في قلوبهم أحقاد وضغائن ، قلت : بل نازعتك نفسك أن يكون هذا الأمر لك دون الناس كلّهم ! فحلف أنه لم يهمّ بها ولم يردها ، وانهم لو بايعوا عليا[ عليه السلام] كان أول من بايع سعد .(1)
وزعم بعضهم أنّ سعدا لم يدّع الخلافة ، ولكن لمّا اجتمعت قريش على أبي بكر يبايعونه قالت لهم الأنصار : أمّا إذا خالفتم أمر رسول الله صلى الله عليه و آله في وصيّه وخليفته وابن عمّه فلستم أولى منّا بهذا الأمر فبايعوا من شئتم، ونحن معاشر الأنصار نبايع سعد بن عبادة ، فلمّا سمع سعد ذلك قال : لا واللّه لا أبيع ديني بدنياي ، ولا أبدّل الكفر بالايمان، ولا أكون خصما للّه ورسوله ، ولم يقبل ما اجتمعت عليه الأنصار فلمّا سمعت الأنصار قول سعد سكتت وقوي أمر أبي بكر .(2)
صفحة 82 اول هامش 3
العقد النضيد والدرّ الفريد لمحمد بن الحسن القمي (القرن السابع) : 128.
صفحة 84 آخر المتن
وروى السيوطي والمتقي الهندي عن أمير المؤمنين عليه السلام في ضمن رواية طويلة جدّا أنه قال : «ولقد علم من هاهنا من أصحاب محمد صلى الله عليه و آله وسلم أن أبا بكر وعمر
1) . راجع : كامل البهائي لعماد الطبري : 254 (الباب التاسع في ضمن قصة سعد بن عبادة) (تعريبه : 1 / 324 - 325) ؛ كتاب الأربعين للقمي الشيرازي : 228 ؛ الدرجات الرفيعة : 326 - 327 ؛ إثبات الهداة : 3 / 298 ؛ (رواه مختصرا) أعيان الشيعة : 7 / 225 ؛ شرح إحقاق الحق : 2 / 348 - 349 ؛ تنقيح المقال : 30 / 338 .
2) . الدرجات الرفيعة للسيد علي خان المدني الشيرازي : 326 - 327 .
لم يرضيا ممن امتنع من بيعة أبي بكر حتى بايع وهو كاره» .(1)
صفحة 110 هامش عنوان الهجوم الثاني
وجدير بالذكر أنه لم يصرّح في الأخبار بتعدّد الهجوم وتكراره ، وإنما يستفاد ذلك من الخصوصيات التي ورد فيها، ولا يمكن الجمع والتوفيق بينها إلاّ بذلك، ويأتي زيادة توضيح لهذا الأمر عند البحث عن زمان وقوع الحادثة صفحة 484 .
صفحة 156
1/1 - عبد الله بن يزيد الفزاري ( القرن الثاني ) (2)
من الخوارج أخذوا مذهبهم عنه . لسان الميزان 3 / 378
[ 1/2 ] قال - في بيان عقائد الشيعة - : وقام قوم من الشيعة وأفرطوا في علي[ عليه السلام]كما روى لهم محدّثهم ... وأن أبا بكر وعمر ... ضربا فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم حتى ألقت جنينا ، وأن أبا بكر أمر خالد بن الوليد حين تخلف عن علي[ عليه السلام] بيعته أن يضرب عنقه إذا سلّم أبو بكر من الصلاة ... وأنه ظُلم وقهر .(3)
2/1 - ضرار بن عمرو الغطفاني (القرن الثاني أو أوائل القرن الثالث) (4)
لاحظ : فهرست ابن النديم 215 ، الأعلام الزركلي 3 / 215 . ونقل الذهبي ما يدلّ على موته في زمن الرشيد ، وقال: وله تصانيف كثيرة تؤن بذكائه ، وكثرة اطلاعه على الملل والنحل . سير أعلام النبلاء 10 / 545 - 546
[ 2/2 ] قال - في ضمن مقالات الرافضة والشيعة - : وأن أبا بكر وعمر ظلما وضربا فاطمة بنت رسول الله[ صلى الله عليه و آله وسلم] حتى ألقت جنينا .(5)
1) . جامع الأحاديث جمع الجوامع 18 / 214 ؛ كنز العمال : 16 / 191 نقلاً عن الوكيع والعسكري في المواعظ .
2) . قال ابن حجر العسقلاني : عبد اللّه بن يزيد الفزاري الكوفي المتكلم ، ذكره ابن حزم في النحل [و] أن الاباضية
3) . مقالات استاد حسن انصارى به نقل از كتاب الردود : 9 - 10 چاپ بريل .
4) . هو قاض من كبار المعتزلة ، ومن خصوم الشيعة ، كما عدّ ابن النديم البغدادي من تصانيفه كتاب التحريش والاغراء ، وكتاب الردّ على الرافضة .
5) . كتاب التحريش [والإغراء] :52 (طبع دار الارشاد ، استانبول ، تركيا ، سنة 1435).
صفحة 163 بعد سطر 2
سبط ابن الجوزي( المتوفى 654 ) (1)
صفحة 177 بعد رقم 15
1/15 - أبو جعفر العقيلي (المتوفى 322 ه . ) )
راجع الرواية المرقّمة ب- : [ 110 ] مع إبهام وتحريف ! حيث قال في ترجمة عبد الملك بن أعين ... : ومن حديثه : عن أبي حرب بن أبي الأسود الدئلي ، قال : بعثني
أبي إلى جندب بن عبد الله البجلي ، قال : سله ما حضرت من أمر أبي بكر وعلي . قال جيء بعلي حتى أقعد بين يديه ، فقيل له : بايع، قال : «فإن لم أفعل» . . فذكر كلاما ،
قال: «إذا أكون عبد الله وأخو رسوله . . » وذكر الحديث .(2)
صفحة 182 سطر 6
سبط ابن الجوزي( المتوفى654 ) (3)
صفحة 200 بعد رقم 55
[ 1/55 ]وقال : ... فقد بيّنا أن خبر الإحراق قد رواه غير الشيعة .(4)
صفحة 203 قبل رقم 48
1/47 - سعيد بن محمد بن مسعود الكازروني (المتوفى 758 ه . )
[ 1/58 ]ذكر الكازروني في كتابه المسمّى ب- : مطالع الأنوار ... عند ذكره لرواة الكتاب : ... فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم ... ولدت لعلي الحسن والحسين والمحسن[ عليهم السلام] ، وقيل : سقط المحسن[ عليه السلام] من بطنها ميّتا بسبب أنّ عمر بن الخطّاب دقّ الباب على بطنها حين جاء لعلي[ عليه السلام] أن يروح به الى بيعة أبي بكر لأخذ البيعة .(1)
صفحة 203 بعد الرواية المرقمة 60
وروى البيتين الأوّلين خيرُ الدين الزركلي في هامش الأعلام : 5 / 33 .
صفحة 218 بعد رقم 86
1/86 - أبو بكر الباقلاني (المتوفى 403 ه . )
[ 1/82 ]قال : وأمّا طعن الرافضة على الصحابة ؛ فلا يُلتفت إليه ؛ لأنّهم جروا على عادتهم في سبّ السلف ... وقولهم : انّ عليّا[ عليه السلام] جُرّ إلى بيعة أبي بكر بحبل أسود ... وأنّ عمر رفس بطن فاطمة[ عليهاالسلام] حتّى أسقطت بحسن [بمحسن] .. إلى غير ذلك من الخرافات .(2)
صفحة 219 قبل رقم 88
[ 1/83 ]وقال القاضي عبد الجبّار في موضع آخر: وقيل للرافضة أيضا : إذا كان أبو بكر ضرب فاطمة[ عليهاالسلام] وقتل المحسن[ عليه السلام] فقد كان ينبغي أن يحصل
العلم بذلك عند كلّ من سمع الأخبار ... ولكن دعاوي الرافضة في ضرب فاطمة عليهاالسلاموقتل ولدها ... كدعواهم على رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم النصوص التي يدّعونها ... .
وقال : فيبكون على فاطمة[ عليهاالسلام] وعلى ابنها المحسن[ عليه السلام] الذي زعموا أن عمر قتله .
وقال: وأنتم تدّعون أن فاطمة عليهاالسلام ضُربت وقُتل جنينها في بطنها جهارا بمشهد من العبّاس و علي[ عليه السلام] وجميع بنى هاشم و بمشهد من المهاجرين والأنصار ... .
إلى أن قال: وهذا الذي زعمتم أنه ضربها وقتل جنينها في بطنها ... .(1)
صفحة 301 قبل رقم 152
1/152 - ابن أبي طيّ الحلبي (المتوفى 630 ه . )
[ 1/220 ]قال - عند ذكر ظهور مشهد الدكّة للمحسن بن الحسين بن علي ابن ابي طالب عليهم السلام - ... فجمع سيف الدولة العلويين ، وسألهم : هل كان للحسين[ عليه السلام] ولد اسمه : المحسن؟ فقال بعضهم : ما بلغنا ذلك، وانما بلغنا أن فاطمة عليهاالسلام كانت حاملاً ، فقال لها النبي صلى الله عليه و آله وسلم : «في بطنك محسن»، فلمّا كان يوم البيعة هجموا عليها فى بيتها لإخراج علي كرّم اللّه وجهه[ عليه السلام] الى البيعة فأحدجت.(2)
وهذه الرواية نقلها الغزّي - عن ابن أبي طيّ الحلبي - في نهر الذهب فى تاريخ الحلب : 2 / 210 ، ولاحظ - أيضا - كتابات ابن ابي طيّ الحلبي في المصادر الإسلامية : 158 .
صفحة 220 سطر 9 بعد الرواية المرقّمة 86أقول : قد سبقه إلى هذا النقل السمهودي (المتوفى 119) .(3)
صفحة 236 قبل السطر الاخير
ورواه من العامّة أبو جعفر العقيلي (المتوفى 322) مع إبهام وتحريف .(4)
صفحة 268 بعد الرواية المرقمّة 151
[ 1/151 ]وقال الشيخ الصدوق قدس سره - في مناظرته مع علماء العامّة عند الملك
ركن الدولة - : وروي في أحاديثهم : أن عليا عليه السلام امتنع من البيعة هو وسائر بني هاشم حتى اجتمعوا عليه ، وأخرجوه من داره ملبّيا(5)لمّا امتنع من البيعة يقودونه إلى المسجد للبيعة حتى مسحوا على يده كرها ، وأحرقوا بيت فاطمة عليهاالسلاموضربوها بالسوط .(6)
1) . تثبيت دلائل النبوة : 1 / 240 و 2 / 595 ، 652 .
2) . كذا، والظاهر : فأخدجت . قال ابن منظور : خَدَجَت المرأَةُ ولدَها وأَخْدَجَتْه، بمعنى واحد ... و ذلك إِذا أَلقته وقد استبان خَلْقُه. (لسان العرب : 2 / 248)
3) . جواهر العقدين : 646 ، وفيه : في باب بدل قوله : (فهابت) .
4) . راجع ما استدركناه على صفحة 177 بعد رقم 15 عن ضعفاء العقيلي : 3 / 33 .
5) . كذا، والظاهر : ملبّبا .
6) . المناظرة : 33 نشر ألماس ، الطبعة الأولى 1437 .
صفحة 291 قبل رقم 144
1/143 - أحمد بن منير الأطرابلسي ، الرفّاء ، شاعر الشام ( المتوفى 548 ه . )
قال في القصيدة المعروفة ب- : التترية :
لئن [ إنّ ] الشريف الموسوي *** ابن الشريف أبي مضرْ
أبدى الجحود ولم يردّ *** إليّ مملوكي تَتَرْ
واليت آل أمية الطهر *** الميامين الغررْ
وجحدت بيعة حيدر *** وعدلت عنه إلى عمرْ . . .
وإذا جرى ذكر الصحا *** بة بين قوم واشتهرْ
قلت المقدّم شيخ تيم *** ثم صاحبه عمرْ
ما سلّ قطّ ظبّا على *** آل النبي ولا شهرْ
كلاّ ولا صدّ البتول *** عن التراث ولا زجرْ
وأثابها الحسنى وما *** شقّ الكتاب ولا بقرْ(1)
1) . تجد الأشعار مع اختلاف يسير في بعض الأبيات والألفاظ في خزانة الادب : 146 - 147 طبعة أخرى : 2 / 392 وأخرى : 1 / 325 ؛ ثمرات الأوراق : 216 - 217 (طبعة أخرى : 2/45) ؛ تزيين الأسواق : 1 / 141 (طبعة أخرى : 2 / 95) ؛ نسمة السحر : 1 / 177 ؛ نزهة الجليس : 2 / 607 - 608 ؛ نزهة الأبصار : 1 / 154 ؛ أنوار الربيع : 1/224 ؛ الكشكول للمحقق البحراني : 1/328 ؛ الغدير : 4/326 ؛ أعيان الشيعة: 3/181 و ... . وموجز قصّتها : أنّ ابن منير جهّز بهدايا سَنيّة - مع مملوك له يسمّى : تتر ، وكان يهواه كثيراً - إلى الشريف أبي الرضا بن أبي مضر الموسوي ، فتوهّم الشريف أنّ تتر من ضمن الهدايا فأمسكه ، فلم ير ابن منير حيلة في استرداد مملوكه إلاّ أنّ يهدّد الشريف بالنزوع عن التشيّع وأنّه سيصبح سُنّياً ! فنجحت الحيلة ، ولمّا وقف الشريف على القصيدة تبسّم وقال : أبطأنا عليه ، فجهّز المملوك تتر مع هدايا نفيسة . لاحظ الغدير : 4 / 326 ؛ أهل البيت عليهم السلامفي المكتبة العربية للسيد الطباطبائي قدس سره : 248 - 249
صفحة 309 بعد رقم 167
1 / 167 - زين الدين علي بن يوسف بن جبر (القرن السابع)
[ 1/242 ]قال : وفي حديث آخر: ترك في عنق علي[ عليه السلام] حبلاً أسودا، وقادوه كما يقاد الجمل ، وأضرموا النار ببيته ... .(1)
صفحة 313 بعد سطر 3
[ 1 / 251 ] وقال في ضمن كلام له : وضرب سيّدة نساء العالمين ، وإسقاطها محسناً ، ثمّ وفاتها بسببه ، وهي راغمة كاظمة ساخطة .(2)
صفحة 380 آخر المتن
وفى رواية : وخرج علي عليه السلام - وهو كاسفُ البال ، مظلمٌ ! - وهو يقول : «يا ابن عوف ! ليس هذا بأول يوم تظاهرتم علينا من دفعنا عن حقّنا والاستئثار علينا ، وإنّها لسنّة علينا ، وطريقة تركتموها».(3)
وعن شقيق بن مسلمة : أنّ علي بن أبي طالب عليه السلام لمّا انصرف إلى رحله قال لبني أبيه : «يا بني عبد المطّلب ! إنّ قومكم عادوكم بعد وفاة النبي صلى الله عليه و آله وسلم كعداوتهم النبي صلى الله عليه و آله وسلم في حياته ، وإن يُطع قومكم لا تؤّروا أبدا ، ووالله لا ينيب هؤاء إلى الحق إلاّ بالسيف» . قال: وعبد الله بن عمر بن الخطاب داخل إليهم قد سمع الكلام كلّه ، فدخل وقال : يا أبا الحسن ! أ تريد أن تضرب بعضهم ببعض ؟! فقال : «اسكت - ويحك! - فوالله لولا أبوك و ما ركب منّي قديما و حديثا ما نازعني ابن عفّان ولا ابن عوف»،
فقام عبد الله فخرج .(1)
صفحة 398 بعد سطر 12
وفي رواية الراغب الاصفهاني وغيره : قال عمر : أما - والله - يا بني عبد المطلب ! لقد كان علي فيكم أولى بهذا الأمر منّي ومن أبي بكر ، قال ابن عباس : فقلت
في نفسي : لا أقالني الله إن أقلتُه ، فقلت : أنت تقول ذاك ... وأنت وصاحبك اللذان وثبتما وافترعتما(2)منّا الأمر دون الناس ... .(3)
صفحة 401 آخر هامش 1
ويمكن أن يذكر في هذا المضمار ماروي عن مولانا الصادق عليه السلام فيمايقال بعد كل فريضة : ... يا ربّ محمد صلى الله عليه و آله وسلم انتقم لابنة محمد صلى الله عليه و آله وسلم .(4)
صفحة 405 هامش 4 قبل السيرة الحلبية مرآة الزمان : 4 / 276 .
صفحة 409 هامش 13 مرآة الزمان : 4 / 276 - 275 .
صفحة 409 بعد سطر 8 ومنهم : قطب الدين الراوندي (المتوفى 573 ) (1)
وجدير بالذكر أنّه قدس سره زاد قبل الخطبة : ولمّا كان يوم السقيفة ما كان، ثم منعوها، قالت : «هذا أول غدرة وأقبح فجرة ، قاتلهما الله، والله ما رعيا لحبيبي - [عنت بذلك أباها رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم] - إلاًّ ولا ذمةً» .
صفحة 419 آخر هامش 1
قال الشيخ الصدوق قدس سره: وتخلّفه عن بيعة أبي بكر ودفنه فاطمة عليهماالسلام من غير أن يعرفهم جميعا خبرها حتى دفنها سرّا أدلّ دليل على أنه لم يرض بما فعلوه . (كمال الدين : 88 - 89) .
صفحة 427 هامش 3
وفي كتاب ألقاب الرسول صلى الله عليه و آله وسلم وعترته عليهم السلام لبعض علماء القرن السادس صفحة 44 : وقال علي بن موسى الرضا عليه السلام - وقد سئل عن الشيخين فقال عليه السلام - : «كانت لنا أُمّةبارّة، خرجت من الدنيا وهي عليهما غضبى، ونحن لا نرضى حتى ترضى» . قال المؤلف: والأُمّة : لغة في الأُمّ .
صفحة 440 هامش 2
وذكرهاا لألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: 6 / ق 2 / 1202 رقم 2982 .
صفحة 456 بعد سطر 4
1) . مكارم أخلاق النبي والائمة عليه وعليهم السلام : 142 - 145 .
قال سعد بن عبادة لأبي بكر : ... وإنّ النبي صلى الله عليه و آله وسلم عرفّه ذلك كلّه ، وأعلمه أنه سيكون بعده ما قد كان ، وأمره بالجلوس .(1)
صفحة 463 بعد سطر 7
وقال الصفدي (المتوفى 764) : والمحسن طرح .(2)
صفحة 475 بعد سطر 8
قال ابن خلدون - في بيان كيفية تأليف كتابه - : أوردتُها ملخّصة عيونها ومجامعها من كتاب محمد بن جرير الطبري ، وهو تاريخه الكبير ؛ فإنه أوثق ما رأيناه في ذلك ، وأبعد من المطاعن عن الشبه في كبار الأمة من خيارهم وعدولهم من الصحابة والتابعين ، فكثيرا ما يوجد في كلام المؤّخين أخبار فيها مطاعن وشبه في حقّهم ، أكثرها من أهل الأهواء ، فلا ينبغي أن تسودّ بها الصحف ، وأتبعتُها بمفردات من غير كتاب الطبري بعد أن تخيّرت الصحيح جهد الطاقة .(3)
صفحة 477 بعد سطر 9 قبل الرقم 2
اقول : وقد عثرت على نصّ يدلّك على أنّ الأمر بالخفاء والكتمان كان رائجا بينهم قديما ؛ فقد قال شهاب بن خراش بن حوشب : أدركتُ من أدركتُ من صدر هذه الأمة وهم يقولون : اذكروا محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم ما تأتلف عليه القلوب ولا تذكروا الذي شجر بينهم فتحرّشوا الناس عليهم .(1)
صفحة 478 هامش 3
وراجع ما استدركناه على صفحة 177 بعد رقم 15 عن ضعفاء العقيلي : 3 / 33 .
صفحة 483 هامش سطر 4 المدايني
لاحظ ما قيل في توثيقه وتمجيده في كتاب الأنساب للسمعاني : 5 / 232 .
صفحة 492 قبل رقم 6
1/5 نوّاب ابراهيم خان (المتوفى 1121) وعدّة من العلماء في البياض الإبراهيمي: 1 / 38 - 42 ، 312 - 314 ، 394 - 402 .
1) . الكامل لابن عدي : 4 / 34 .
ملاحظات
الأولى: لقد تكرّر اسم (طلحة) في عداد أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام الذين تخلّفوا عن بيعة أبي بكر ، ونحن لا نرى لذكره هنا وجها بل هو وهمٌ من أوهام الرواة ، ولعلّه
لاقتران اسمه بالزبير في كثير من الموارد فجاء على لسان بعض الرواة و تبعهم الآخرون ، ولنا على ذلك شواهد لا يحتمل المقام سردها ولا شرحها ، وذلك في الموارد الآتية :
صفحة 73 سطر 9 ، صفحة 88 سطر 4 و 6 ، صفحة 101 سطر 7 ، صفحة 176 سطر 11، صفحة 183 سطر 4، صفحة 191 سطر 4، صفحة 208 سطر 5 ، صفحة 263 سطر 4 .
الثانية : إن ما نقلنا في صفحة 231 سطر 2 عن المناقب : (ولحاقا بي) قد جاء في المناقب طبعة النجف 3/37 : (ولحاقا به) .
وفي المناقب 2 / 225 ( وفيطبعة النجف 2 / 64 ) نُقل هكذا :
إنها اسرع أهلي ميتةً
ولحاقا بي فلا تكثر جزع
الثالثة : ذهب المحقق الطهراني إلى أن كتاب الفضائل ليس لشاذان بن جبرئيل القمي قدس سره فراجع : الذريعة 11 / 282 و 16 / 250 ، وعليه فما جاء في صفحة 302 سطر 9 محلّ كلام، وقد يقال انه لبعض تلامذته .
الرابعة : اختلف في وفاة العلامة المجلسي بين سنة 1111 و 1110 واستصوب البعض سنة 1110 ه- .
الخامسة : بعض ما نقلناه عن الشافي ، كما في صفحات : 160 ، 167 ، 175 ، 264 ، 265 ، 277 ، 300 فهو عن كتاب الشافي لابن حمزة الزيدي ( المتوفى 614 ه . ) لا للشريف المرتضى قدس سره ( المتوفى 436 ه .) .
المقدمة / 13 - 18
الفصل الأول: الوحي يحذِّر .. ويخبر
19 - 44
إيصاء النبي صلى الله عليه و آله بأهل بيته عليهم السلام··· 21
شكوى النبي صلى الله عليه و آله··· 22
عقاب من آذى أهل البيت عليهم السلام··· 22
الضغائن الكامنة··· 23
السهر الطويل··· 24
عليّ عليه السلام يتمنّى الموت··· 24
الظلم والتعب بعد النبي صلى الله عليه و آله··· 24
علي عليه السلام يُملأ غيظاً··· 25
غدر الأُمّة بأمير المؤمنين
عليه السلام··· 26
فاصبر .. وكفّ يدك··· 28
الرسول صلى الله عليه و آله يهيّئ أهل بيته لتلقّي الظلامة والاضطهاد··· 31
دخول الذلّ بيت سيّدة نساء العالمين !! ..··· 31
أنا حرب لمن حاربك··· 32
بكاء النبي صلى الله عليه و آله للطم خدّ فاطمة عليهاالسلام··· 33
أوّل من يُحكَم فيه يوم القيامة··· 34
شكوى النبي صلى الله عليه و آله من ظالمي فاطمة عليهاالسلام··· 35
صبر أهل البيت عليهم السلام لقضاء اللّه تعالى··· 36
تُظلم فاطمة عليهاالسلام ولا يعينها أحد !!··· 36
بكاء بيت الرسالة وجبرئيل عليه السلام لما سيحدث ..··· 37
ويل لمن أحرق بابها ! ..··· 38
صَعَق أمير المؤمنين عليه السلام لانتهاك حرمه ..··· 40
لعن اللّه قاتلي فاطمة عليهاالسلام··· 41
تلحق فاطمة عليهاالسلام بالنبي صلى الله عليه و آله مظلومة مغصوبة··· 41
مظلومية أهل البيت عليهم السلام··· 42
فاطمة عليهاالسلام تخشى من الضيعة ..··· 42
إخبار جبرئيل عليه السلام عن كسر ضلع فاطمة عليهاالسلام ..··· 43
الفصل الثاني : الانقلاب على الأعقاب
45 - 97
ارتدّوا على أدبارهم !··· 47
التنصيص على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام··· 51
الصحيفة الملعونة··· 54
جيش أُسامة··· 59
رزية يوم الخميس··· 63
ادعوا لي خليلي ..··· 66
عمر ينكر وفاة النبي صلى الله عليه و آله··· 67
ترك جنازة النبي صلى الله عليه و آله··· 70
حديث السقيفة وتدبير البيعة ..··· 75
السقيفة برواية عمر بن الخطاب··· 80
إجبار الناس على البيعة··· 83
التخلف عن بيعة أبي بكر والإنكار عليه··· 85
تدبير لم يتمّ !··· 92
محاولة الهيئة الحاكمة خدعة العباس وتطميعه··· 94
الفصل الثالث : تفصيل قضيّة الهجوم
99 - 150
الهجوم الأوّل··· 101
اشتغال أمير المؤمنين عليه السلام بجمع القرآن··· 105
المراجعات مع أمير المؤمنين
عليه السلام··· 106
الاستنصار··· 109
الهجوم الثاني··· 110
خروج الزبير··· 111
التوطئة للهجوم الأخير··· 112
الهجوم الأخير··· 113
إحراق الباب وإسقاط جنين فاطمة عليهاالسلام وضربها··· 119
إخراج أمير المؤمنين عليه السلام··· 123
الإجبار على البيعة··· 127
وأمّا فاطمة عليهاالسلام··· 132
عيادة الشيخين··· 133
وصاياها عليهاالسلام··· 137
حين الوفاة··· 139
تجهيز فاطمة عليهاالسلام ودفنها··· 143
يوم بعد الوفاة··· 148
حزن أميرالمؤنين عليه السلام على شهادتها··· 150
الفصل الرابع : جملة من النصوص والآثار في مأساة الهجوم على بيت فاطمة عليهاالسلام
151 - 364
روايات أهل السنّة وأقوالهم··· 154
1 - موسى بن عقبة ( المتوفى 141 )··· 154
2 - أبو الحسن علي بن محمّد بن سليمان النوفلي ( القرن الثالث )··· 156
3 - محمّد بن عمر الواقدي ( المتوفى 207 )··· 157
4 - نصر بن مزاحم المنقري ( المتوفى 212 )··· 158
5 - الحافظ أبو عبيد القاسم بن سلام بن عبد اللّه ( المتوفى 224 )··· 161
6 - الحافظ سعيد بن منصور ( المتوفى 227 )··· 161
الاعتراف بالجناية··· 161
7 - أبو بكر عبد اللّه بن أبي شيبة ( المتوفى 235 )··· 166
8 - عثمان بن أبي شيبة ( المتوفى 239 )··· 166
9 - حميد بن زنجويه ( المتوفى 251 )··· 168
10 - أبو محمّد عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري ( المتوفى 276 )··· 168
11 - أحمد بن عمرو بن الضحّاك المشهور ب- : ابن أبي عاصم الشيباني··· 173
12 - أحمد بن يحيى البلاذري ( المتوفى 279 )··· 174
13 - اليعقوبي ( المتوفى 292 )··· 175
14 - أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري ( المتوفى 310 )··· 176
15 - أحمد بن أعثم الكوفي ( المتوفى 314 )··· 177
16 - أبو بكر الجوهري ( المتوفى 323 )··· 177
17 - ابن عبد ربّه الأندلسي ( المتوفى 328 )··· 181
18 - خيثمة بن سليمان الإطرابلسى ( المتوفى 343 )··· 182
19 - عليّ بن الحسين المسعودي ( المتوفى 346 )··· 182
20 - مطهّر بن طاهر المقدسي ( المتوفى 355 )··· 183
21 - الحافظ الطبراني ( المتوفى 360 )··· 183
22 - القاضي ابن قريعة ( المتوفى 367 )··· 183
23 - ابن حنزابة··· 184
24 - الحاكم النيسابوري ( المتوفى 405 )··· 185
25 - القاضي أبو الحسن عبد الجبار الأسد آبادي ( المتوفى 415 )··· 187
26 - الإمام عبد القاهر بن طاهر البغدادي ( المتوفى 429 )··· 187
27 - الحافظ البيهقي ( المتوفى 458 )··· 188
28 - ابن عبد البرّ ( المتوفى 463 )··· 188
29 - مقاتل بن عطية ( المتوفى 505 ه .)··· 188
30 - محمد الغزالي الطوسي ( المتوفى 505 )··· 189
31 - الشهرستاني ( المتوفى 548 )··· 190
32 - ابن حمدون ( المتوفى 562 )··· 190
33 - الخطيب الخوارزمي ( المتوفى 568 )··· 190
34 - الحافظ ابن عساكر ( المتوفى 571 )··· 191
35 - ابن الأثير ( المتوفى 630 )··· 191
36 - سيف الدين أبو الحسن علي الآمدي ( المتوفى 631 )··· 191
37 - الكلاعي الأندلسي ( المتوفى 634 )··· 191
38 - ضياء الدين المقدسي ( المتوفى 643 )··· 191
39 - ابن أبيالحديد المدائني المعتزلي ( المتوفى 656 ه .)··· 192
40 - ابن خلّكان ( المتوفى 681 )··· 200
41 - أحمد بن عبد اللّه المحبّ الطبري ( المتوفى 694 )··· 200
42 - الجويني الشافعي ( المتوفى 722 ه .)··· 201
43 - ابن تيميّة ( المتوفى 728 )··· 201
44 - أبو الفداء ( المتوفى 732 )··· 202
45 - أبو بكر الدواداري ( المتوفى 732 ه .)··· 202
46 - النويري ( المتوفى 737 )··· 202
47 - الحافظ الذهبي ( المتوفى 748 )··· 202
48 - الصفدي ( المتوفى 764 )··· 203
49 - ابن كثير الدمشقي ( المتوفى 774 )··· 203
50 - أبو الوليد محمّد بن شحنة ( المتوفّى 815 أو 817 )··· 203
51 - القلقشندي ( المتوفى 821 )··· 204
52 - المقريزي ( المتوفى 845 )··· 204
53 - ابن حجر العسقلاني ( المتوفّى 852 )··· 204
54 - الباعوني الشافعي ( المتوفى 871 )··· 204
55 - في حاشية شرح التجريد للقوشچي ( المتوفى 879 )··· 204
56 - الميرخواند ( القرن التاسع )··· 205
57 - السيوطي ( المتوفى 911 )··· 205
58 - الصالحي الشامي ( المتوفى 942 )··· 205
59 - خواندمير ( المتوفى 942 )··· 205
60 - المتقي الهندي ( المتوفى 975 )··· 205
61 - الدياربكري ( المتوفى 982 )··· 205
62 - إبراهيم بن عبد اللّه اليمني ( القرن العاشر )··· 206
63 - العصامي المكّي ( المتوفّي 1111 )··· 206
64 - الشاه ولي اللّه الدهلوي ( المتوفى 1176 )··· 206
65 - الشاه عبد العزيز الدهلوي ( المتوفى 1239 )··· 206
66 - الدكتور محمّد بيّومي مهران··· 207
67 - الدكتور طه حسين··· 207
68 - الدكتور عبد العزيز سالم··· 208
69 - الأُستاذ توفيق أبو علم··· 208
70 - الأُستاذ عبد الفتاح عبد المقصود··· 208
71 - الدكتورة عائشة بنت الشاطئ··· 213
72 - عباس محمود العقّاد··· 213
73 - محمد حافظ إبراهيم شاعر النيل··· 214
74 - عبد الوهاب النجّار··· 214
75 - محمد حسين هيكل··· 215
76 - جلال السيّد··· 216
77 - عمر أبو النصر··· 216
78 - عبدالرحمن أحمد البكري··· 216
79 - محمّد رضا··· 216
80 - محمّد فريد وجدي··· 216
81 - عبدالكريم الخطيب··· 217
82 - عمر رضا كحّالة··· 217
83 - خير اللّه طلفاح··· 217
84 - محمّد يوسف الكاندهلوي··· 217
ماروته العامّة عن الشيعة في هذا المقام··· 217
85 - المقدسي ( المتوفى 355 )··· 217
86 - أبو الحسين الملَطي الشافعي ( المتوفى 377 )··· 218
87 - القاضي أبو الحسن عبد الجبار الأسدآبادي ( المتوفى 415 )··· 218
88 - ابن تيمية ( المتوفى 728 )··· 219
89 - ابن حجر العسقلاني ( المتوفى 852 )··· 219
90 - ابن حجر الهيتمي ( المتوفى 974 )··· 220
91 - رسول بن محمّد (من قدماء العامة)··· 220
92 - محمد بن رسول الشريف الحسيني الموسوي البرزنجي··· 221
روايات الشيعة وأقوالهم··· 221
93 - سليم بن قيس الهلالي ( المتوفى 76 أو 90 )··· 221
94 - أبو مخنف لوط بن يحيى ( المتوفى 158 )··· 230
95 - أبو هاشم إسماعيل بن محمّد الحميري ( المتوفى 173 )··· 230
96 - علي بن جعفر العريضي ابن الإمام الصادق 7 (القرن الثالث)··· 231
97 - عيسى بن المستفاد الضرير (القرن الثالث)··· 231
98 - الشيخ ابن أبي زينب النعماني (القرن الرابع)··· 234
99 - الشيخ فرات بن إبراهيم الكوفي (القرن الثالث أو الرابع)··· 235
100 - عبد السلام بن رغبان بن حبيب المعروف ب- : ديك الجن··· 235
101 - البرقي ( المتوفى 245 )··· 235
102 - فضل بن شاذان ( المتوفى 260 )··· 236
103 - أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن سعيد الثقفي ( المتوفى 283 )··· 237
104 - الشيخ محمد بن الحسن الصفّار ( المتوفى 290 )··· 238
105 - يحيى بن الحسين الهادي الزيدي اليمني ( المتوفى 298 )··· 239
106 - عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر الخزاعي ( المتوفى 300 )··· 241
107 - محمد بن جرير الطبري الإمامي الكبير (المتوفى أوائل القرن الرابع)··· 241
108 - الشيخ سديد الدين محمود الحمّصي الرازي ( القرن السادس)··· 243
109 - ناصر الدين حسن بن علي الأُطروش ( المتوفى 304 ه .)··· 244
110 - محمّد بن مسعود العياشي ( المتوفى 320 ه . أو حواليها )··· 244
111 - أبو عمرو محمّد بن عمر بن عبد العزيز الكشي (المعاصر للعياشي)··· 247
112 - ثقة الإسلام الكليني ( المتوفى 329 )··· 248
113 - الشيخ ابن بابويه القمي··· 254
114 - حسين بن حمدان الخصيبي ( المتوفى 334 )··· 254
115 - علي بن الحسين المسعودي ( المتوفى 346 )··· 262
116 - السيد أبو العبّاس أحمد بن إبراهيم الحسني الزيدي ( المتوفى 352 )··· 263
117 - أبوالقاسم الكوفي ( المتوفى 352 )··· 265
118 - القاضي النعمان المغربي ( المتوفى 363 )··· 265
119 - أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه ( المتوفى 367 )··· 266
120 - الشيخ الصدوق ( المتوفى 381 )··· 267
121 - الشيخ علي بن محمّد بن علي الخزاز القمي ( المتوفى 400 )··· 269
122 - علي بن حماد ( القرن الرابع )··· 269
123 - أبو محمّد طلحة بن عبد اللّه المعروف ب- : العوني (القرن الرابع)··· 270
124 - الشريف الرضي ( المتوفى 406 )··· 273
125 - الشيخ المفيد ( المتوفى 413 )··· 273
126 - مهيار الديلمي ( المتوفى 428 )··· 276
127 - الشريف المرتضى ( المتوفى 436 ه .)··· 277
128 - أبو الصلاح الحلبي ( المتوفى 447 )··· 279
129 - أبو الفتح محمّد بن علي الكراجكي ( المتوفى 449 )··· 281
130 - الشيخ الطوسي محمد بن الحسن ( المتوفى 460 )··· 281
131 - منصور الفقيه··· 283
132 - القاضي ابن البرّاج ( المتوفى 481 )··· 283
133 - علي بن محمّد العمري النسابة ( المتوفى 490 )··· 283
134 - محمّد بن جرير الطبري الإمامي الصغير (القرن الخامس)··· 283
135 - محمّد بن علي الطرازي ( المعاصر للنجاشي المتوفى 450 )··· 287
136 - محمد بن هارون بن موسى التلعكبري (القرن الخامس)··· 287
137 - الفتال النيسابوري ( المتوفى 508 )··· 288
138 - محمّد بن المشهدي (القرن السادس)··· 288
139 - الشيخ أحمد الطبرسي (القرن السادس)··· 289
140 - مؤلف كتاب ألقاب الرسول وعترته : (القرن السادس)··· 291
141 - الشيخ أبو جعفر الطبري (القرن السادس)··· 291
142 - الشيخ هاشم بن محمّد (القرن السادس)··· 291
143 - السيّد مرتضى الرازي (القرن السادس)··· 291
144 - طلائع بن رزيك ، الملك الصالح ( المتوفى 556 )··· 291
145 - الشيخ عبد الجليل القزويني الرازي ( القرن السادس )··· 292
146 - قطب الدين الرواندي ( المتوفى 573 )··· 292
147 - محمّد بن علي بن شهر آشوب المازندراني ( المتوفى 588 )··· 293
148 - يحيى بن الحسن بن البطريق الأسدي الحلّي ( المتوفى 600 )··· 299
149 - علي بن محمّد الوليد الداعي الإسماعيلي اليمني ( المتوفى 612 )··· 299
150 - ابن حمزة الزيدي ( المتوفى 614 )··· 300
151 - قتادة بن إدريس الزيدي العلويّ ( المتوفى 618 )··· 300
152 - بدر الدين محمّد بن أحمد بن الوليد القرشي الزيدي ( المتوفى 623 )··· 301
153 - الأمير علي بن مقرب الأحسائي ( المتوفى 629 )··· 301
154 - سيف الدين أبو الحسن علي الآمدي ( المتوفى 631 )··· 301
155 - حسام الدين المحلّي ( المتوفى 652 )··· 302
156 - شاذان بن جبرئيل القمي ( المتوفى 660 )··· 302
157 - السيد رضي الدين علي بن طاووس ( المتوفى 664 )··· 303
158 - المنصور باللّه الحسن بن بدر الدين الحسيني الزيدي ( المتوفى 670 )··· 304
159 - المحقّق نصير الدين الطوسي ( المتوفى 672 )··· 305
160 - السيّد أحمد بن طاووس ( المتوفى 673 )··· 305
161 - المحقّق الحلّي صاحب كتاب شرايع الإسلام ( المتوفى 676 )··· 305
162 - كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني ( المتوفى 679 )··· 305
163 - أبو الحسن علي بن عيسى الإربلي ( المتوفى 693 )··· 306
164 - السيد رضي الدين علي بن رضي الدين علي بن طاووس (القرن السابع)··· 307
165 - الشيخ أبو السعادات أسعد بن عبد القاهر الإصفهاني (القرن السابع)··· 307
166 - عماد الدين حسن بن علي الطبري الآملي (القرن السابع)··· 307
167 - رضي الدين علي بن يوسف الحلّي (أخو العلاّمة) (القرن السابع)··· 309
168 - الشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي (القرن السابع)··· 309
169 - عزّ الدين محمّد بن أحمد بن الحسن الديلمي ( المتوفى 711 )··· 309
170 - العلاّمة الحلي ( المتوفى 726 )··· 310
171 - الشيخ علي الخليعي ( المتوفى 750 )··· 311
172 - الحسن بن محمّد الديلمي ( المتوفى 771 )··· 311
173 - أبو سعيد الحسن بن الحسين الشيعي السبزواري (القرن الثامن)··· 311
174 - الشيخ حسن بن سليمان الحلّي (القرن الثامن)··· 312
175 - محمّد بن جمال الدين مكّي العاملي ، الشهيد الأول ( المستشهد 786 )··· 313
176 - السيد حيدر العلوي الحسيني الآملي (القرن الثامن)··· 313
177 - أبو الحسن علاء الدين الحلي (القرن الثامن)··· 314
178 - السيد هادي بن إبراهيم الوزير ( المتوفى 822 )··· 315
179 - الفاضل المقداد السيوري ( المتوفى 826 )··· 315
180 - الشيخ صالح بن عبد الوهّاب بن العرندس ( المتوفى حدود 840 )··· 316
181 - عزّ الدين المهلبي الحلّي ( المتوفى بعد 840 )··· 316
182 - عماد الدين القرشي ( المتوفى 872 )··· 317
183 - العلاّمة الشيخ زين الدين العاملي البياضي ( المتوفى 877 )··· 317
184 - ضياء الدين بن سديد الدين الجرجاني (القرن التاسع)··· 317
185 - الشيخ خضر بن شمس محمّد بن علي الرازي (القرن التاسع)··· 318
186 - الشيخ مفلح ... ابن صلاح البحراني (القرن التاسع)··· 318
187 - الشيخ مغامس الحلي (القرن التاسع)··· 319
188 - الشيخ مفلح الصيمري ( المتوفى 900 )··· 319
189 - الشيخ الكفعمي ( المتوفى 905 )··· 319
190 - ابن أبي جمهور الأحسائي (المتوفى أوائل القرن العاشر)··· 319
191 - المحقّق الثاني الكركي العاملي ( المتوفى 940 )··· 321
192 - أبو الفتح بن مخدوم العربشاهي الجرجاني ( المتوفى 976 )··· 321
193 - المحقّق الأردبيلي ( المتوفى 993 )··· 321
194 - السيّد شرف الدين الأسترآبادي ( القرن العاشر )··· 324
195 - أحمد بن تاج الدين الأسترآبادي (القرن العاشر)··· 324
196 - محمد بن إسحاق الحموي (القرن العاشر)··· 324
197 - مؤلّف كتاب التهاب نيران الأحزان··· 325
198 - الحسين العقيلي الرستمداري (القرن العاشر)··· 328
199 - الفقيه المحقق السيد محمد العاملي ( المتوفى 1009 )··· 328
200 - القاضي نور اللّه التستري ( المستشهد 1019 )··· 328
201 - المحقق عبد الرزاق اللاهيجي ( المتوفى 1051 )··· 329
202 - الشرفي الأُهنومي ( المتوفى 1055 )··· 329
203 - امير شعراء اليمن : الهَبَل (القرن الحادي عشر)··· 329
204 - الملاّ محمد باقر اللاهيجي (القرن الحادي عشر)··· 330
205 - علي بن داود الخادم الأسترآبادي (القرن الحادي عشر)··· 331
206 - أسد اللّه بن ظهير الدين علي الدواني (القرن الحادي عشر)··· 331
207 - العلاّمة الشيخ محمّد تقي المجلسي ( المتوفى 1070 )··· 331
208 - المولى محمد صالح المازندراني ( المتوفى 1081 أو 1086 )··· 331
209 - الفيض الكاشاني ( المتوفى 1091 )··· 332
210 - العلاّمة المجلسي ( المتوفى 1111 )··· 332
211 - الشيخ صفي الدين بن فخر الدين الطريحي ( المتوفى بعد 1110 )··· 333
212 - الشيخ سليمان بن عبد اللّه الماحوزي البحراني ( المتوفى 1121 )··· 333
213 - ضياء الدين يوسف بن يحيى الحسني اليمني الصنعاني··· 333
214 - الشيخ محمد بن عبد الفتاح المشهور ب- : سراب التنكابني··· 333
215 - الإمامي الخاتون آبادي ( المتوفى 1128 )··· 334
216 - الشريف أبو الحسن بن محمّد طاهر النباطي العاملي ( 1138 )··· 335
217 - العلاّمة المحقق الخواجوئي المازندراني ( المتوفى 1173 )··· 335
218 - المحدّث الجليل الشيخ يوسف البحراني ( المتوفى 1186 )··· 335
219 - حيدر علي بن ميرزا محمد الشرواني (أوائل القرن الثاني عشر)··· 336
220 - محمد باقر الشريف الحسيني الأصفهاني (القرن الثاني عشر)··· 336
221 - العلاّمة المولى مهدي النراقي ( المتوفى 1209 )··· 337
222 - السيد محمد مهدي بحر العلوم الطباطبائي ( المتوفى 1212 )··· 337
223 - المخزون السلماسي ( المتوفى 1223 )··· 337
224 - الشيخ جعفر كاشف الغطاء ( المتوفى 1228 )··· 338
225 - السيد محمّد باقر الموسوي ( المتوفى 1240 )··· 338
226 - الحاج محمد حسن القزويني ( المتوفى 1240 )··· 339
227 - محمد هادي النائيني ( المتوفى 1242 )··· 339
228 - العلاّمة السيد عبد اللّه شبّر ( المتوفى 1242 )··· 339
229 - محمد (مهدي) بن علي أكبر الخراساني المشهور ب- : فرشته··· 340
روايات في بكاء أمير المؤمنين عليه السلام حين تغسيل فاطمة عليهاالسلام··· 340
230 - العلاّمة السيد محمد قلي الموسوي الهندي ( المتوفى 1268)··· 344
231 - السيد محمد النقوي الهندي ( المتوفى 1284 )··· 344
232 - المؤرخ الشهير صاحب ناسخ التواريخ ، سپهر ( المتوفى 1297 )··· 345
233 - الحاج ملاّ إسماعيل السبزواري ( المتوفى 1312 )··· 345
234 - العلاّمة السيد اسماعيل الطبرسي النوري ( المتوفى 1321 )··· 346
235 - الشيخ محمد تقي المعروف ب- : آغا نجفي ( المتوفى 1332 )··· 346
236 - الشيخ محمد باقر القايني البيرجندي ( المتوفى 1352 )··· 346
237 - المحدّث الخبير الشيخ عباس القمي ( متوفى 1359 )··· 347
238 - السيد ناصر حسين الهندي ( المتوفى 1361 )··· 349
239 - الشيخ علي أكبر النهاوندي ( المتوفى 1369 )··· 349
240 - الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء ( المتوفى 1373 )··· 349
241 - العلاّمة الشيخ محمد حسين المظفر ( المتوفى 1375 )··· 350
242 - العلاّمة شرف الدين ( المتوفى 1377 )··· 351
243 - الشيخ محمد مهدي الحائري المازندراني ( المتوفى 1384 )··· 351
244 - العلاّمة الأميني ( المتوفى 1390 )··· 353
245 - العلاّمة السيد المرعشي النجفي ( المتوفى 1411 )··· 354
246 - هاشم معروف الحسني··· 355
247 - مجد الدين الحسيني المؤيدي الزيدي··· 355
248 - أحمد بن علي بن حسن بن محمّد بن إسماعيل الكفعمي الجباعي··· 355
249 - بعض علمائنا··· 356
تنبيهان··· 356
التنبيه الأول : مصادر مفقودة··· 356
التنبيه الثاني : جملة من الذين نقلوا الإجماع والشهرة واستفاضة الروايات أو تواترها··· 359
ما جرى على أمير المؤمنين عليه السلام··· 359
ما جرى على السيدة فاطمة عليهاالسلام··· 360
إسقاط المحسن عليه السلام··· 363
الفصل الخامس : تظلّم أهل البيت عليهم السلام
365 - 431
بعض ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه و آله··· 369
التظلّم من قريش··· 376
غَضّ الدهر منّي··· 379
الجهر بغصب المنافقين للخلافة ..··· 380
أرى تراثي نهباً··· 382
الاستنجاد··· 382
ظُلمتُ عدد المدر والوبر !··· 383
علي عليه السلام ومخاصموه عند اللّه تعالى··· 385
ما لي ولقريش··· 385
لكنّي ملجم إلى أن ألقى اللّه ··· 389
تجرّع الغصص··· 392
أشعاره عليه السلام في التظلّم··· 393
تذييلان··· 394
شكوى فاطمة الزهراء عليهاالسلام··· 402
الدفن ليلاً··· 417
تذييل··· 427
تنبيهات··· 428
الفصل السادس : شبهات وردود
433 - 489
الأُولى : هل يصح أن ينسب ظلم أهل البيت عليهم السلام و إهانتهم ألى الصحابة؟··· 435
الثانية : ألم يوجد من يدافع عن أميرالمؤمنين و فاطمة الزهراء عليهماالسلام ؟!··· 446
الثالثة : هل وصلت يد الأجنبي إلى وجه الصّديقة الكبرى عليهاالسلام ؟!450
الرابعة : لماذا سكت أميرالمؤمنين عليه السلام ولم يدافع عن نفسه وزجته ؟!··· 452
الخامسة : إسقاط المحسن عليه السلام !!··· 459
السادسة : الإشكال في مدلول الروايات··· 467
السابعة : تحريف السيرة··· 470
متى وقعت تلك الحادثة ؟··· 484
الخاتمة في ذكر الكتب الجامعة لروايات الهجوم وأسنادها
491 - 494
المصادر··· 495
المستدركات··· 509
الفهرس··· 523
Introductory:
The Prophets prognostication of the attack.
Renaissance of the preIslamic manners after the
Prophets decease.
occurrence.
ordered as to names of narrators and authors.
against usurpers of caliphate and their officials.
to the attack.
THE ATTACK ON FATIMAS HOUSE
IN THE CONSIDERABLE ISLAMIC REFERENCE BOOKS
SUNNI AND SHIITE REFERENCE BOOKS AND TEXTS PROVIDING
THE ATTACK ON HOUSE OF HER HOLINESS FATIMA AZZAHRA (PEACE BE UPON HER),
EXECUTED BY USURPERS OF THE PROPHETS SUCCESSIVE LEADERSHIP
by:
Abdo AlZahra Mahdi