قاعده لاضرر

ghaemiyeh.com

اشارة

نام كتاب: قاعدة لا ضرر موضوع: قواعد فقهى نويسنده: اصفهانى، شيخ الشريعة، فتح اللّٰه بن محمد جواد نمازى تاريخ وفات مؤلف: 1339 ه ق زبان: عربى قطع: وزيرى تعداد جلد: 1 ناشر: دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم تاريخ نشر: 1410 ه ق نوبت چاپ: اول مكان چاپ: قم- ايران محقق/ مصحح: يحيى ابوطالبى عراقى ملاحظات: اين كتاب همراه با كتاب" إفاضة القدير في أحكام العصير" چاپ شده است

اشارة

[مقدمة التحقيق]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه سابغ النعماء، و واهب الآلاء، و مفضل مداد العلماء على دماء الشهداء، و المتجلى على أخص عباده بالعظمة و الكبرياء، و الصلاة و السلام على أفضل السفراء، و أصفى المصطفين و خاتم الأنبياء محمد و آله البررة الأزكياء، و بعد فيقول العبد القاصر الفاني المفتاق الى عفو ربه الباقي (يحيى بن محمد صالح الأبوطالبي العراقي) هلموا يا طلاب الحقيقة، و يا أيها الإخوان بالطريقة الى هذا السفر الجليل الشريف و دونكم بالمصنف النفيس المنيف، الذي طلع كالبدر الباهر عن أفق المطابع، و ظهر كالقمر المنير، لا بل كالشمس المضيئة عن خفاء أستار المطالع، و أخذ في الاضائة و الإشراق على صفحات القلوب بنوره الساطع اللامع، اعنى الكتاب المستطاب الموسوم (إفاضة القدير) فإنها اسم طابق المسمى، و لفظ حاك عن حقيقة المعنى، فإنها من إفاضات الرب القدير، على عبده المخلص الصفي المستنير، من أنوار فيوضات خالقه اللطيف الخبير، فقد كان الدهر الخوان على حسب عادته قد ضن من ظهور هذا الأثر الشريف منذ تألف الى هذا الحين ككثير من آثار سلفنا الصالحين، من علمائنا الماضين، قدس اللّه أسرارهم، حتى شملت العناية الأزلية و التوفيقات الربانية، للرجلين الخيرين زبدتى الأخيار و عمدتى الاشراف و التجار (الحاج محمود الأحمدي الأصفهاني) ابن أخي المصنف «قدس سره» و (الأرباب حسين آغا الأشعري القمي) صاحب المطبعة الأشعرية، بقم المحمية، صانها اللّه عن الحوادث الدهرية فبذل أول المشار إليهما نفقة القراطيس اللازمة، و ثانيهما نفقة الطبع و سائر المصارف و أوكل أمر التصحيح و تنظيم مهام الطبع على عهدة هذا القاصر الخاسر، فوضعت أيدي الإجابة للمسئول على عين القبول، و عددته لنفسي غاية المأمول، فأخذنا في الطبع من النسخة المخطوطة التي كتبها بخطّ يده، سيدنا الأجل، و الحبر الملي المبجل،

حجة الإسلام و المسلمين، و آية رب العالمين حضرة (الحاج السيد أحمد الزنجاني) متع اللّه بوجوده الشريف الأعالي و الادانى، فإنه دام ظله و أمثاله من الحجج و الايات هم الذين عرفوا للنسخة قدرها و لم يرخصوا مهرها، و كانوا يتداولونها بأيديهم، و يتسابقون الى اعارتهم لها منه و تمتعهم منها، على ما حكاه هو دام ظله، نعم ها هو «كك»، فان قدر اللؤلؤة الغالية لا يعرف الا الحزيت الخبير، و الجوهرة النفيسة لا تقوم الا بالناقد البصير، ثم انه دام مجده و علاه هو الذي استبق الى ذلك الخير فحض و نبه اهله باكتساب هذه الفضيلة، و دعاهم بالاهتداء لهاتيك الوسيلة، و إخراج النسخة من الوحدة و الانحصار، و تحليتها بالانطباع و الانتشار، لتصير فائدتها لأهل العلم أتم، و عائدتها للطالبين أعم، فصانها بذلك عن أيدي خيانة الحوادث و التلف، و حاز به الفضيلة و الشرف فلبى دعوته هذه الخيران المشار إليهما، و اكتسبا بذلك ذخرا لمآليهما، و بينما كنا في طبع الكتاب، و كان ثاني الرجلين في محافل الأحباب كالنجم المضي المشرق للاتراب، فإذا نعى به الغراب و سموم الأجل المحتوم قد هبته على نحو عجاب، فصير قلوب الأحبة في احزان و كئاب، نعم لكل أجل كتاب، تغمده اللّه برحمته، و جاوز عن عثراته و خطيئته، ثم قام على تتميم الأمر اخوه الخير الوفي (الميرزا على الأصغر الأشعري) و فقه اللّه لمراضيه و جعل مستقبل أيامه خيرا من ماضيه، فاوفى بميثاق أخيه المرحوم المغفور، و صيّر روحه منه في بهجة و سرور، حتى انه بذل بقية ما نفدهن القرطاس فتم انطباع النسخة بحمد اللّه على أحسن انطباع، و صارت مطبوعة لدى عوالي الطباع، فنقدم التشكر و التقدير منه و من المدير المحترم الداخلي للمطبعة (السيد أبو القاسم العارفى) و لسائر عمالها المكرمين، في تشريكهم لبذل المساعى لتنظيم هذا الدر الثمين، أيدهم اللّه تعالى للخدمة بالدين و وفقهم للعمل بوظائف الشرع المبين، ثم ان أصل هذه النسخة حيث قد استنسخت من النسخة المخطوطة المغلوطة الردية الخط، الغير المأمونة من الاسقاط و التبديل و الخلط، فأصلحها حسب ما يسعه العبارة و يرتبط بعضها ببعض، سيدنا الناسخ المعظم له في جملة منها، و بقي في زوايا الستر و الخفاء جملة

يسيرة اخرى، فأشرنا إلى الأولى منهما بضبطها بين الهلالين معقبا لها بعلامة «ظ» في أثناء السطور المربوطة أو في ذيل الصفحات و الى ثانيتهما بقولنا في الذيل (كذا في النسخة) ازديادا في الأولى على الناظرين من البصيرة، و إخراجا لهم في الثانية من التردد و الحيرة، و إعلاما بعلامة «ظ» بان الظاهر ان يكون العبارة كذلك، مع احتمال ان يكون الساقط أو المبدل هو غير ذلك، و نسأل اللّه تعالى ان ينفعنا بها و جميع المشتغلين و المراجعين و يجعل سعينا في هذا الأمر ذخرا لنا و لجميع من أعاننا فيه من المؤمنين ليوم الدين انه خير موفق و معين و صلى اللّه على محمد و آله الطاهرين أجمعين و ليعلم انى لم آل جهدا و لم اذر سعيا في تصحيح الصفحات المترتبة حين الطبع و مقابلتها مع الأصل و مراجعتها مرة بعد اخرى و كرة بعد اولى بل ثالثة بعد ثنتا حسب ما وسعته الطاقة البشرية كما لم يكن على الناظرين يخفى و لكن بعد اللتيا و التي قد اتفقت أغلاط يسيرة زاغت عنها البصر أو وقعت في أثناء الطبع بعد وقوعها صحيحة قبله فأشرنا إليها في الصفحة التالية ليصلحها أرباب النسخ و هي هذه:

الاحقر يحيى بن محمد

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه ربّ العالمين، و أفضل صلواته و تسليماته على أفضل أنبيائه محمّد و آله.

و بعد، فقد كثر في الأواخر الخوض في «قاعدة الضرر» و شرح مدركها، و الفروع المتفرعة عليها، و الفوائد المستنبطة منها، و ترجيح بعض وجوه الاحتمالات و تعيين ما يصلح منها للاستدلال.

و قد وقع منّي البحث عنها في أوقات مختلفة و أزمنة متباعدة و ربّما يتأخّر بعضها عن بعض بمدة مديدة و سنين عديدة، و بحثت عمّا عنه بحثوا و خضت فيما فيه خاضوا، و نبّهت على ما اتّجه عندي من النظر و التأمّل فيما قالوا، و ما سنح لي من النقض و الإبرام و الهدم و الاحكام فيما إليه أو عنه مالوا، و تنبّهت على أمور غير ما أفادوا و أجادوا. و أحببت إيرادها في هذا المختصر رجاء أن ينفع غيري فينفعني في قبري و يوم حشري، فإن كانت حقّا فمن فضل اللّه تعالى و مننه الغير المتناهية عليّ، و إلّا فمن قصور نفسي و خطاء حدسي.

و لا أريد التعرض في هذه العجالة لما تداول البحث عنه من حكومة القاعدة على القواعد الأخر و عدمها، و عن شرح حكومتها، و أنّ الضرر يعمّ النوعي- كما يظهر من القوم في أبواب المعاملات و الخيارات- أو يخصّ الشخصي- كما يقولون في أبواب العبادات- و أنّها مقدّمة على قاعدة التسليط أم لا؟ و أنّه ماذا ينبغي في تعارض الفردين؟ و أشباه هذه المباحث، فإنّ كثرة شواغلي و انحراف مزاجي

يعوقني عن البسط في أمثالها و إن أتيت في بعض أبحاثي بها أو بأضعافها. و قد كفاني مئونة الخوض في جملة منها من سبقني- جزاهم اللّه خيرا- و إنّما المقصود التنبيه على فوائد مخصوصة مهمّة في نظري، كعدم وجود كلمة «الإسلام» عقيب اللفظين في شي‌ء من طرق الخاصّة و العامّة و عدم ثبوت صدور قوله صلّى اللّه عليه و آله «لا ضرر و لا ضرار» إلّا في قضية «سمرة» و أنّ حديث الشفعة و ما تضمّن النهي عن فضل الماء لم يكونا حال صدورهما مذيّلين ب «حديث الضرر» و أنّ الجمع بينهما و بين هذا الذيل إنّما هو من الراوي، فقد جمع بين شيئين صادرين في وقتين و موردين، و أنّ المدرك في جملة من الخيارات- كالغبن و العيب و تبعّض الصفقة و التدليس و شبهها- ليس هو «حديث الضرر» كما اشتهر، و أنّ «حديث الضرر» ليس فيه تخصيص كثير فكيف بالأكثر و أشباهها. و نذكر هذه الفوائد في ضمن فصول. و أرجو من الإخوان الإغماض و الانصاف، فإنّهما من أشرف الأوصاف و أوصاف الأشراف.

الفصل الأول [في بيان مأخذ القاعدة]

هذه القاعدة و إن كان قد يستقل بحكمها العقل القاطع في بعض صورها، إلّا أنّ الأصل فيها عند القوم هو الحديث النبويّ المشهور بين محدّثي الشيعة و السنّة من قوله صلّى اللّه عليه و آله: «لا ضرر و لا ضرار» و قد روي في طرقنا صدوره عنه صلّى اللّه عليه و آله بحسب ظاهر ما وصل إلينا من الروايات في ثلاثة مواضع.

أحدها: ما تضمّن قضية «سمرة بن جندب».

و الثاني: في خبر الشفعة.

و الثالث: في رواية «لا يمنع فضل الماء ليمنع فضل الكلاء».

و قد وجدت في رواياتنا نقله عنه صلّى اللّه عليه و آله في خبرين آخرين غير هذه الثلاثة المعروفة المرويّة في الكتب الأربعة، كلاهما في «دعائهم الإسلام» إلّا أنّه لا يظهر منهما و لو بأدنى ظهور صدوره عنه في غير المواضع الثلاثة المتقدمة.

أحدهما: ما رواه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه سئل عن جدار الرجل و هو سترة

بينه و بين جاره سقط عنه فامتنع من بنائه؟ قال: ليس يجبر على ذلك، إلّا أن يكون وجب ذلك لصاحب الدار الأخرى بحقّ أو بشرط في أصل الملك، و لكن يقال لصاحب المنزل: استر على نفسك في حقّك إن شئت. قيل له: فان كان الجدار لم يسقط و لكنّه هدمه أو أراد هدمه إضرارا بجاره لغير حاجة منه إلى هدمه؟ قال:

لا يترك، و ذلك انّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: «لا ضرر و لا ضرار» و إن هدمه كلّف أن يبنيه.

و الثاني: ما رواه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليه السّلام إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: لا ضرر و لا ضرار.

حيث إنّه و إن كان من المحتمل فيهما نقل ما صدر عنه ابتداء من غير سبق قضيّة، لكن يحتمل احتمالا مساويا نقل ما صدر عنه صلّى اللّه عليه و آله في ضمن قضيّة سابقه أو لاحقة، كما هو الشائع الذائع في الجملة في نقل الأئمّة عليهم السّلام عنه صلّى اللّه عليه و آله ما صدر عنه في ضمن قضية أو جوابا عن سؤال على وجه الاستقلال من غير نقل القضية و السؤال كما لا يخفى على من له خبرة بالروايات و الإلمام بها.

- الثاني- [أنّ قضية «سمرة» قضية واحدة]

من المعلوم: أنّ قضية «سمرة» و ما اتفق منه فيها و ما وقع له من السؤال و الجواب مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قضية واحدة، و إن اختلف نقلها في رواياتنا، حيث إنّها وصلت إلينا بتوسّط الكافي و الفقيه و التهذيب بثلاثة أسانيد و ثلاثة متون. فقد روي تارة- كما عن الفقيه- عن الصيقل عن الحذاء من غير ذكر هذين اللفظين- أعني لا ضرر و لا ضرار- فيه أصلا و الاقتصار على قول الرسول صلّى اللّه عليه و آله لسمرة: ما أراك يا سمرة إلّا مضارّا، اذهب يا فلان فاقلعها و اضرب بها وجهه.

و ثانية- كما في الكافي و الفقيه- عن ابن بكير، عن زرارة، مع تضمّن اللفظين فقط و أنّه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله للأنصاري: اذهب فاقلعها و ارم بها إليه فإنّه

لا ضرر و لا ضرار.

و ثالثة- كما في الكافي- عن ابن مسكان، عن زرارة، انّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال لسمرة: إنّك رجل مضارّ و لا ضرر و لا ضرار على مؤمن.

و بناء على القاعدة المطّردة المسلّمة: إنّ الزيادة إذا ثبتت في طريق قدمت على النقيصة و حكم بوجودها في الواقع و سقوطها عن رواية من روى بدونها و أنّ السقوط إنّما وقع نسيانا أو اختصارا أو توهّما أنّه لا فرق بين وجودها و عدمها إلّا التأكيد، أو غير ذلك من وجوه ما يعتذر للنقص في قضية شخصية ثبت في طريق آخر مع الزيادة، فينتج ما ذكر أنّ الثابت في قضية «سمرة» هو قوله صلّى اللّه عليه و آله «لا ضرر و لا ضرار على مؤمن» لا هما مجرّدين. و من جهة هذه القاعدة المطّردة حكم الكلّ بوجود «لا ضرر و لا ضرار» في قضية «سمرة» مع أنّ رواية الفقيه بسنده الذي هو صحيح أو كالصحيح- كما ستعرف إن شاء اللّه- عن الصيقل عن الحذاء خالية عن نقل هذين اللفظين بالمرّة كما عرفت، فليكن على ذكر منك.

- الثالث- إنّ الثابت في روايات العامّة هو قوله: «لا ضرر و لا ضرار»

من غير تعقيب قوله:

«في الإسلام» فقد تفحّصت في كتبهم و تتبّعت في صحاحهم و مسانيدهم و معاجمهم و غيرها فحصا أكيدا فلم أجد روايته في طرقهم، إلّا عن «ابن عباس» و عن «عبادة بن الصامت» و كلاهما رويا من غير هذه الزيادة: و لا أدري من أين جاء ابن الأثير- في النهاية- بهذه الزيادة! و ليس المقام من مصاديق القاعدة السالفة- من تقدم الزيادة على النقيصة و الحكم بوجودها- فإنّها فيما إذا ثبتت الزيادة بطريق معتبر، لا في غيره مما لم يثبت أو ثبت خلافها أو أرسلها واحد أو اثنان، فلا يمكن الاحتجاج بمثل هذه الزيادة- التي لو لم يدّع الجزم بخطائها فغاية ما فيه الإرسال ممّن لا يعلم حال مراسيله- على حكم ديني و فرع فقهي، و ناهيك في المقام أنّ علّامتهم

المتبحّر الماهر «السيوطي» الذي تجاوزت تصانيفه عن خمسمائة و يعدّونه مجدّد المأة التاسعة، و قيل: إنّه ما بلغ أحد درجة الاجتهاد بعد الأئمّة الأربعة إلّا «السيوطي» صنّف كتابه «جمع الجوامع» في الحديث، و جمع فيه جميع كتب الحديث من الصحاح و غيرها- كصحيحي البخاري و مسلم و صحيح الترمذي، و سنن أبي داود، و سنن النسائي، و صحيح ابن ماجة القزويني، و موطّإ مالك، و مسند أحمد بن حنبل، و صحيح ابن خزيمة، و صحيح ابن عوانة، و مستدرك الحاكم، و منتقى ابن الجارود، و صحيح ابن ميان، و صحيح الطبراني، و سنن سعيد بن منصور و ابن أبي شيبة، و جامع عبد الرزاق، و مسند أبي يعلى، و سنن الدار قطني، و المختارة للضياء المقدسي، و شعب الإيمان البيهقي، و الكامل لابن عديّ- و غيرها من كتب كثيرة لا نطيل بنقلها. و لم ينقل في هذا الكتاب إلّا قوله صلّى اللّه عليه و آله «لا ضرر و لا ضرار» فقط، و ذكر رواية أحمد في مسنده و ابن ماجة في صحيحه.

و هذه كتب أحاديث أهل السنّة تريها خالية عن قوله «في الإسلام» فمن أين هذه الزيادة حتى نقدّمها على النقيصة و نستشهد بها على معنى الحديث و نستعين بها في بعض المقاصد و الفروع؟ فما اشتهر في الكتب و تداولوه في الاستشهاد بها ليس على ما ينبغي(1).

و أعجب من الكلّ ما رأيته في كلام بعض المعاصرين من دعوى الاستفاضة مع هذا القيد و إسناده إلى المحقّقين دعوى تواتر هذا الحديث مع هذه الزيادة.

- الرابع- إنّ الرواية الناهية عن منع فضل الماء من الروايات المشهورة

اشارة

التي رواها الفريقان في كتب الحديث و الفقه و تكلّموا فيها و في معناها و الفروع المستنبطة منها.


1) لا يخفى أن كلمة «الإسلام» موجودة في كتاب من لا يحضره الفقيه و قد ذكر الشيخ الحر العاملي- رحمه اللّه- في الوسائل في أول كتاب الإرث عن الفقيه مرسلا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام» محمد علي القاضي الطباطبائي

فمن طرقنا:

ما في الكافي عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن عبد اللّه بن هلال، عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بين أهل المدينة في مشارب النخل: أنّه لا يمنع نقع البئر، و قضى بين أهل البادية أنّه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء.

و في الفقيه قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في أهل البوادي: أن لا يمنعوا فضل ماء كي لا يمنعوا فضل كلاء.

و في نهاية ابن الأثير: فيه- أي في الحديث- نهى أن يمنع نقع البئر: أي فضل مائها، لانّه ينقع به العطش: أي يروى، و شرب حتى نقع: أي روى. و قيل:

النقع الماء الناقع، و هو المجتمع. و منه الحديث «لا يباع نقع البئر».

و مشارب: جمع مشرب بالشين المعجمة. و كان أهل المدينة يشربون نخيلهم بالآبار. و الكلاء: هو النبات رطبه و يابسه.

و المعروف في تفسير الحديث بين الفقهاء و المحدّثين من الفريقين أنّه يراد به ما إذا كان حول البئر كلاء و ليس عنده ماء غيره و لا يمكن أصحاب المواشي رعيه إلّا إذا تمكّنوا من سقي بهائمهم من تلك البئر لئلّا يتضرروا بالعطش بعد الرعي، فيستلزم منعهم من الماء منعهم من الرعي.

و ذكر كثيرون: أنّ البذل و عدم المنع يختصّ بمن له ماشية و ليتحقّق (1)به الرعاة إذا احتاجوا إلى الشرب، لأنّهم إذا امتنعوا عن الشرب امتنعوا عن الرعي هناك.

و بين الفريقين خلاف عظيم في فروع المسألة عند تعرّضهم لها في كتاب إحياء الموات: من أنّ النهي عن المنع للتحريم أو التنزيه؟ و أنّ النهي يختصّ بالماشية أو يعمّ مثل سقي الزرع؟ و أنّه في الماء المملوك و المباح و ما كان الحافر أولى به جميعا أو يختصّ بالماء الغير المملوك؟ و أنّه يجب البذل مجّانا أو بعوض؟ كالطعام في المخمصة.


1) كذا في النسخة.

قال شيخ الطائفة في المبسوط: كلّ موضع قلنا: إنّه يملك البئر، فإنّه أحقّ بمائها بقدر حاجته لشربه و شرب ماشيته و سقي زرعه، فإذا فضل بعد ذلك شي‌ء وجب عليه بذله بلا عوض لمن احتاج إليه لشربه و شرب ماشيته من السابلة و غيرهم، و ليس له منع الماء الفاضل من حاجته حتى لا يتمكن غيره من رعي الكلاء الذي يقرب ذلك الماء، و إنّما يجب عليه ذلك لشرب المحتاج إليه و شرب ماشيته، فأمّا لسقي زرعه: فلا يجب عليه ذلك، لكنّه يستحبّ. و فيهم من قال: يستحبّ ذلك لشرب ماشيته و سقي زرعه و لا يجب. و فيهم من قال: يجب بذله بلا عوض لشرب الماشية و لسقي الزرع. و فيهم من قال: يجب عليه بالعوض، فأمّا بلا عوض فلا، و في الغنية: و الماء المباح يملك بالحيازة، سواء حازه في إناء أو ساقه إلى ملكه في نهر أو قناة أو غلب عليه الزيادة فدخل إلى أرضه، و هو أحقّ بماء البئر التي ملك المتصرف فيها بالاحياء، و إذا كانت البئر في البادية فعليه بذل الفاضل لغيره لنفسه و ماشيته، ليتمكّن من رعي ما جاور البئر من كلاء المشترك. و ليس عليه بذله لزرعه و لا بذل آلة الاستسقاء.

و في التذكرة: لو حفر البئر و لم يقصد التملّك و لا غيره، فالأقوى اختصاصه به، لأنّه قصد بالحفر أخذ الماء، و هنا ليس له منع المحتاج عن الفاضل عنه لا في شرب الماشية و لا الزرع. إلى غير ذلك من الكلمات.

و أما الحديث من طرق العامة:

فقد روى كثير من محدّثيهم و منهم: البخاري و مسلم، عن أبي هريرة: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلاء.

و بسند آخر عنه صلّى اللّه عليه و آله لا تمنعوا من فضل الماء لتمنعوا به الكلاء.

و في آخر عند مسلم و غيره: لا يباع فضل الماء ليباع به الكلاء.

و في آخر عند البخاري و غيره: لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلاء.

و في آخر عند مسلم و غيره عن جابر بن عبد اللّه قال: نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن

بيع فضل الماء. إلى غير ذلك.

و في البخاري و غيره: عنه صلّى اللّه عليه و آله ثلاثة لا يكلّمهم اللّه يوم القيامة و لا ينظر إليهم، و عدّ منهم: رجل منع فضل ماء، فيقول اللّه: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يدك.

و المعروف عندهم حمل النواهي على الكراهة دون التحريم، و هو خلاف صريح بعضها و ظاهر الجميع. كما أنّ المعروف عندهم و عند من عمل منّا بها تخصيص النهي بالمنع عن الماشية. و قد سمعت كلام المبسوط و الغنية. و في شرح العسقلاني على البخاري- بعد أن نقل عن الجمهور التخصيص المذكور- حكى عن مالك بن أنس إلحاقه الزرع بالماشية، عملا بمثل ما في صحيح مسلم من النهي عن بيع فضل الماء. و اعترض عليه: بأنّه مطلق فيحمل على المقيّد. قال: و على هذا لو لم يكن هناك كلاء يرعى فلا منع من المنع، لانتفاء العلّة.

أقول: فينقدح إشكال في المقام بأنه إمّا أن يراد من الماء في هذه الأحاديث خصوص الماء المباح الذي لم يملكه المتولّي عليه، أو للأعمّ منه و من المملوك.

فعلى الأوّل: لا وجه لهذا التقييد المعروف عند الفريقين من اختصاص النهي بالمنع عن شرب الماشية. و على الثاني: لا وجه لتعليله بالضرر و الضرار- كما في طريقنا- فإنّ منع الإنسان ماله و ملكه ليس إضرارا به قطعا، غايته أنّه تفويت نفع عنه أ ترى أنّه لو لم يبذل دابّته أو حبله أو حزامه أو منجله لغيره فلم يتمكّن من الاحتطاب و الاحتشاش أنّه أضرّ به!.

فتحقيق فقه الحديث يحتاج إلى تنقيح أزيد، و حيث إنّ المقام تطفّلي لم نتعرّض لأزيد من هذا.

و ليعلم: أنّ ما في بعض النسخ من عطف قوله: «فقال لا ضرر و لا ضرار» بالفاء تصحيف قطعا، و النسخ الصحيحة المعتمدة من الكافي متفقة على الواو، فليكن على ذكر.

- الخامس- [ان الضرر المترقب في الشفعة لا ينشأ من نفس المعاملة]

إنّ الضرر المترتّب على المعاملة ينشأ تارة من بعض أركانها، أو الشروط

المأخوذة فيها- كالمعاملة الغبنيّة و المدلّس فيها و التي تبعّضت الصفقة فيها و أشباهها- و تارة ينشأ من أمر خارج ربّما يتعقّب المعاملة و يترتّب عليها- كما إذا باع داره المحبوبة عند أولاده فأدّى إلى مرضهم أو مشاجرتهم أو عقوقهم أو إيذائهم له، أو باع داره لشرير يؤذي الجار اللصيق و العابرين في الطريق، أو اشترى ما لا حاجة له إليه بزعم الحاجة و قد كان عنده أو سبقه ولده أو غلامه باشترائه له، أو باع ما يستلزم عادة فقره أو تعرّض أعدائه له بأنواع الهتك و الإيذاء، أو زوّج ابنته التي يريدها ابن عمّها من أجنبيّ يستلزم عادة مرض ابن العمّ أو إضراره أو قتله لواحد أو مشاجرة عظيمة بين العشيرة، أو وقفه أملاكه التي يؤدّي إلى إضرار أولاده أو أقاربه أو تسلّط أعدائه عليه، و أشباهها و أمثالها ممّا لا حصر له- ممّا لا يترتّب عليها لا نفي الصحة و لا نفي اللزوم.

و الضرر الحاصل المترقّب في الشفعة من قبيل هذه الأمثلة، فإنّ نفس بيع الشريك لأجنبيّ بقيمة معتدلة لا ضرر فيه. و إنّما الضرر المترقّب فيه أنّه ربّما يكون المشتري ممّن يضرّ الشريك الآخر و يؤذيه، و هو ليس أمرا دائميا، بل و لا غالبيا، فربّما كان الأجنبيّ المشتري ممّا يفيد الآخر فوائد عظيمة و منافع جسيمة.

ثمّ هذا المعنى المترقّب كما يتفق بين الشريكين فكذلك في الشركاء، و كما يترقّب في الشريك فهو مترقب في الجار مع عدم ثبوت الشفعة في زيادة الشركاء على الاثنين و في الجار. و بقرينة تذييل حديث الشفعة بقوله: «لا ضرر» يتبيّن أنّ مثل هذا الضرر مشمول للحديث مراد منه، فإنّ الموارد الخارجة عن عموم الضرر التي أشرنا إلى بعضها ليس خروجها مستندا إلى نصّ توقيفيّ يقتصر عليه و يتمسّك به فيما عداه، و من هنا يقال: إنّ عموم الضرر لا يعمل به في غير موارد عمل الأصحاب و يأتي الكلام فيه آنفا.

- السادس- من الذائع الشائع الدائر على الألسن

أنّ جملة من العمومات لا يعمل بها في

غير مورد عمل الأصحاب- كعموم الضرر و الحرج، و عموم المؤمنون عند شروطهم و عموم القرعة، و قاعدة عدم سقوط الميسور- لورود تخصيصات كثيرة عليها، فيقتصر في التمسّك بها على مورد عمل الجماعة.

و هذا الكلام- مع ما فيه من أنّا نعلم أنّ حديث الضرر مثلا كغيره وصل إليهم كما وصل إلينا و لم يكن في زمانهم مقترنا بقرينة ظهرت لهم و خفيت علينا- محتمل لوجوه:

أحدها: أنّ كثرة التخصيص بهذا الحدّ مستبشعة مستهجنة غير متعارفة في العمومات، فيكشف من أنّ المراد منها معنى لا يؤدّي إليها، فيوجب الإجمال في معنى الحديث. و ما يقال: إنّ هذه التخصيصات ممّا يحتمل كون جميعها بعنوان واحد فلا يستلزم استهجانا، يندفع بأنّ هذا لو تمّ فإنّما يتمّ فيما لو كان أفراد العامّ هي العناوين و خرج عنوان واحد كثير الأفراد منها، لا ما إذا كانت هي المصاديق للعامّ، كما في مقامنا من «حديث الضرر».

الثاني: أنّ العلم الإجمالي بخروج كثير من الأفراد يمنع من التمسّك بها، للعلم الإجمالي و عدم تعيين مورده.

الثالث: أنّ كثرة التخصيص و إن قيل بجوازه، إلّا أنّه يوجب وهنا في ظهور العامّ في العموم و إرادة جميع الأفراد منها.

لكنّه يتّجه على الجميع أنّ عمل جماعة بمثل هذا العامّ ما لم يبلغ حدّ الحجّية لا يوجب رفع الاجمال و لا تعيين المورد و لا الظهور الفعلي في مثل ما عملوا، مضافا إلى أنّ الوهن الشخصي في الظهور لا يمنع من العمل عند المشهور، و لذا يعملون من غير نكير بعمومات الكتاب و السنّة، و إن فرض وجود ظنّ غير معتبر على خلافها. و الفرق بين الوهن الناشئ من كثرة التخصيص و ما نشأ من غيرها تحكّم لا يرجع إلى وجه متين.

- السابع- [إرادة النهي التكليفي من «حديث الضرر»]

إنّ الراجح في نظري القاصر إرادة النهي التكليفي من «حديث الضرر»

و كنت استظهر منه عند البحث عنه في أوقات مختلفة إرادة التحريم التكليفي فقط، إلّا أنّه يثبّطنى من الجزم به حديث الشفعة و حديث النهي عن منع فضل الماء، حيث إنّ اللفظ واحد. و لا مجال لإرادة ما عدا الحكم الوضعي في حديث الشفعة و لا التحريم في النهي عن منع فضل الماء، بناء على ما اشتهر عند الفريقين من حمل النهي على التنزيه. فكنت أتشبّث ببعض الأمور في دفع الإشكال إلى أن استرحت في هذه الأواخر، و تبيّن عندي أنّ حديث الشفعة و الناهي، عن منع الفضل لم يكونا حال صدورهما من النبي صلّى اللّه عليه و آله مذيّلين ب «حديث الضرر» و أنّ الجمع بينهما و بينه جمع من الراوي بين روايتين صادرتين عنه صلّى اللّه عليه و آله في وقتين مختلفين.

و هذا المعنى و إن كان دعوى عظيمة و أمرا يثقل تحمّله على كثير بن و يأبى عن تصديقه كثير من الناظرين، إلّا أنّه مجزوم به عندي، و إنّما أثبته في هذه الأوراق رجاء تصويب بعض الباحثين و ترك الاحتجاج به في المواضع المعروفة عند المتأخّرين و اندفاع جملة من الإشكالات التي نبّهنا عليها و لم نذكر. فنقول: يظهر- بعد التروّي و التأمّل التامّ في الروايات- أنّ الحديث الجامع لأقضية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و ما قضى به في مواضع مختلفة و موارد متشتتة كان معروفا عند الفريقين.

أما من طرقنا: فبرواية عقبة بن خالد عن الصادق عليه السّلام.

و من طرق أهل السنة: برواية عبادة بن صامت، فقد روى أحمد بن حنبل في في مسنده الكبير الجامع ثلاثين ألف عن عبادة بن صامت، قال: إنّ من قضاء رسول اللّه أنّ المعدن جبار، و البئر جبار، و العجماء جرحها جبار- و العجماء: البهيمة من الأنعام و غيرها، و الجبار: هو الهدر الذي لا يغرم- و قضى في الركاز الخمس، و قضى أنّ تمر النخل لمن أبّرها إلّا أن يشترط المبتاع، و قضى أنّ مال المملوك لمن باعه إلّا أن يشترط المبتاع، و قضى أنّ الولد للفراش و للعاهر الحجر، و قضى بالشفعة بين الشركاء في الأرضين و الدور، و قضى لحمل «ابن مالك الهذلي»

بميراثه عن امرأته التي قتلتها الأخرى، و قضى في الجنين المقتول بغرّة عبد أو أمة، قال: فورثها بعلها و بنوها، قال: و كان له من امرأتيه كلتيهما ولد، قال:

فقال: أبو القاتلة المقضي عليه: يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كيف أغرم من لا صاح و لا استهل و لا شرب و لا أكل فمثل ذلك يطل، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: هذا من الكهان، قال: و قضى في الرحبة تكون بين الطريقين ثم يريد أهلها البنيان فيها فقضى أن يترك للطريق فيها سبع أذرع، قال: و كان تلك الطريق تر البناء (1)و قضى في النخلة أو النخلتين أو الثلاث فيختلفون في حقوق ذلك فقضى أنّ لكلّ نخلة من أولئك مبلغ جريدتها حيّز لها، و قضى في شرب النخل من السيل أنّ الأعلى يشرب قبل الأسفل و يترك الماء إلى الكعبين ثمّ يرسل الماء الأسفل الذي يليه فكذلك ينقضي حوائط أو يفنى الماء، و قضى أنّ المرأة لا تعطي من مالها شيئا إلّا بإذن زوجها، و قضى للجدّتين من الميراث بالسدس بينهما بالسواء، و قضى من أعتق شركا في مملوك فعليه جواز عتقه إن كان له مال، و قضى أن لا ضرر و لا ضرار و قضى أنّه ليس لعرق ظالم حق، و قضى بين أهل المدينة في النخل لا يمنع نقع بئر، و قضى بين أهل البادية (2)أنّه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل الكلاء، و قضى في دية الكبرى المغلظة ثلاثين ابنة لبون و ثلاثين حقة و أربعين خلفة، و قضى في دية الصغرى ثلاثين ابنة لبون و ثلاثين حقة و عشرين ابنة مخاض و عشرين بني مخاض ذكور.

أقول: و هذه الفقرات كلّها أو جلّها مروية في طرقنا موزّعة على الأبواب، و غالبها برواية «عقبة بن خالد» و بعضها برواية غيره، و جملة منها برواية «السكوني» و الذي أعتقده أنّها كانت مجتمعة في رواية «عقبة بن خالد» عن أبي عبد اللّه عليه السّلام كما في رواية «عبادة بن صامت» إلّا أنّ أئمّة الحديث فرّقوها على الأبواب.

ففي الفقيه: بإسناده عن محمّد بن عبد اللّه بن هلال: عن عقبة بن خالد، عن


1) في المصدر: سمى الميتاء.

2) في المصدر: المدينة.

أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: من قضاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنّ المعدن جبار، و البئر جبار، و العجماء جبار. و العجماء: بهيمة الأنعام. و الجبار: من الهدر الذي لا يغرم.

و في الكافي و التهذيب: عن السكوني، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: البئر جبار، و العجماء جبار، و المعدن جبار.

و في معاني الأخبار: قال رسول اللّه: العجماء جبار، و البئر جبار، و المعدن جبار، و في الركاز الخمس. و الجبار الذي لا دية فيه و لا قود.

و في الكافي و التهذيب، عن محمّد بن عبد اللّه بن هلال. عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنّ ثمر النخل للذي أبّرها، إلّا أن يشترط المبتاع.

و في الفقيه: عن أبي عبد اللّه عليه السلام عن أبيه: من باع عبدا و له مال فالمال للبائع، إلّا أن يشترط المبتاع، أمر رسول اللّه بذلك.

و في كثير من الروايات عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّ رسول اللّه قال: الولد للفراش و للعاهر الحجر.

و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في جنين الهلالية- حيث رميت بالحجر فألقت ما في بطنها ميتا- فانّ عليه غرّة عبد أو أمة.

و عنه عليه السّلام قال: جاءت امرأة فاستعدت على أعرابي قد أفزعها فألقت جنينا، فقال الأعرابي: لم يحلّ و لم يصح و مثله يطل، فقال النّبي صلّى اللّه عليه و آله: اسكت سجّاعة! عليك غرّة و صيف عبد أو أمة.

و عنه عليه السّلام أنّ رجلا جاء النبيّ و قد ضرب امرأة حبلى فأسقطت سقطا ميتا فأتى زوج المرأة فاستعدى عليه، فقال: الضارب: يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ما أكل و لا شرب و لا استهلّ و لا صاح و لا استبش، فقال النّبي صلّى اللّه عليه و آله: إنّك رجل سجّاعة، فقضى فيه رقبة.

و عنه عليه السّلام أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: الطريق يتشاح عليه أهله فحدّه سبع أذرع.

و في الكافي و التهذيب: عن محمّد بن عبد اللّه بن هلال، عن عقبة بن خالد:

أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله قضى في هوائر النخل أن تكون النخل و النخيلات للرجل في حائط الآخر فيختلفون في حقوق ذلك، فقضى فيها أنّ لكلّ نخلة من أولئك من الأرض مبلغ جريدة من جرائدها حين بعدها.

و فيهما: عن محمّد بن عبد اللّه بن هلال، عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في شرب النخل بالسيل أنّ الأعلى يشرب قبل الأسفل و يترك من الماء إلى الكعبين ثم يسرّح الماء إلى الأسفل الذي يليه كذلك حتى تنقضي الحوائط و يفنى الماء.

و عن محمّد بن عبد اللّه بن هلال، عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالشفعة بين الشركاء في الأرضين و المساكين و قال: لا ضرر و لا ضرار.

و عن محمّد بن عبد اللّه بن هلال، عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بين أهل البادية: أنّه لا يمنع فضل ماء ليمنع به فضل كلاء، و قال: لا ضرر و لا ضرار.

و قد مرّ أنّ ما في بعض النسخ من عطف قوله: «و قال» بالفاء تصحيف، فإذا تبيّن هذه الجملة، فنقول:

قد عرفت بما نقلنا مطابقة ما روي في طرقنا لما روي في طرق القوم من رواية «عبادة بن الصامت» من غير زيادة و لا نقيصة، بل بعنوان تلك الألفاظ غالبا، إلّا الحديثين الأخيرين المرويّين عندنا من زيادة قوله: «لا ضرر و لا ضرار» و تلك المطابقة بين الفقرات ممّا يؤكّد الوثوق بأنّ الأخيرين أيضا كانا مطابقين لما رواه «عبادة» من عدم التذييل بحديث الضرر، و أنّ غرض الراوي أنّه صلّى اللّه عليه و آله قال كذا و قال كذا، لا أنّه كان متّصلا به و في ذيله ممّا يرجع إلى أنّه كان حديث الشفعة مذيّلا بحديث الضرر- و كذلك الناهي عن منع فضل الماء- و أسقطهما «عبادة بن

الصامت» في نقله و أنّه روى جميع الفقرات مطابقة للواقع إلّا الفقرتين من غير خصوصيّة فيهما و لا تصوّر نفع له أو ضرر عليه في النقل للذيل و تركه.

و بعد هذا كلّه، فظهور كون هذا الذيل متّصلا بحديث الشفعة حال صدوره ليس ظهور لفظيّا وضعيّا لا يرفع اليد عنه إلّا بداع قويّ و ظهور أقوى، بل هو ظهور ضعيف يرتفع بالتأمّل فيما نقلناه، سيّما ما علم من استقراء رواياته من إتقانه و ضبطه و ما صرّحوا به أنّه كان من أجلّاء الشيعة. و عن الكشّي، عن الفضل بن شاذان: أنّه من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين عليه السّلام- كحذيفة، و خزيمة بن ثابت، و ابن التيهان، و جابر بن عبد اللّه، و أبو سعيد الخدري- و هو ممن شهد العقبة الاولى و الثانية و شهد بدرا و أحدا و الخندق و المشاهد كلّها مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

و بالجملة: أمّا أنا فلا أشكّ في أن حديث الشفعة و الناهي عن منع الفضل لم يكونا مذيّلين بحديث الضرر، و أنّ الذي ثبت صدوره عنه منحصر في قضية «سمرة بن جندب» و أمّا غيري فهو بالخيار بعد مراعاة التأمّل و الانصاف.

و قد أريتك يا أخي ما ينزل و يعلو، فاختر لنفسك ما يجلو، و سيتّضح الثمرات و الفوائد المرتّبة على وجود هذا الذيل و عدمه إن شاء اللّه.

فائدة: المرويّ في طرقنا في قضية من حكم على (1)النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بغرة عبد أو أمة: أنّه قال: لم يهلّ و لم يصح و مثله يطل- كما في رواية داود بن فرقد- و قال: ما أكل و لا شرب و لا استهلّ و لا صاح و لا استبش- كما في رواية سلمان بن خالد- و في (2)أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال له أنّه سجّاعة مع أنّه لم يصدر منه سجع حتّى يقول له النبي صلّى اللّه عليه و آله: سجّاعة، و الصحيح ما سمعته في رواية «عبادة بن الصامت» من أنّ الأعرابي قال: يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كيف أغرم من


1) كذا في النسخة. و الصواب «حكم عليه النبي».

2) كذا في النسخة، و الصواب «و فيها».

لا شرب و لا أكل و لا صاح و لا استهلّ فمثل هذا يطل، فقال صلّى اللّه عليه و آله: هذا من الكهّان- كما في رواية- حيث إنّ الكهّان من شأنه التسجيع، أو أنّه سجّاعة- كما في طرقنا- و الراوي من طريقنا نقل بالمعنى في موضع يجب نقله باللفظ حتّى يناسب جواب النبي صلّى اللّه عليه و آله و من هذا و أشباهه يعرف ضبط الراوي و إتقانه في النقل.

- الثامن- إنّ «حديث الضرر» محتمل عند القوم لمعان:

أحدها: أن يراد به النهي عن الضرر،

فيكون نظير قوله تعالى «فَلٰا رَفَثَ وَ لٰا فُسُوقَ وَ لٰا جِدٰالَ فِي الْحَجِّ» و قوله تعالى «فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيٰاةِ أَنْ تَقُولَ لٰا مِسٰاسَ» في «مجمع البيان» معنى لا مساس: أي لا يمسّ بعض بعضا، فصار «السامريّ» يهيم في البريّة مع الوحش و السباع لا يمسّ أحدا و لا يمسّه أحد، عاقبة اللّه تعالى بذلك، و كان إذا لقي أحدا يقول: لا مساس: أي لا تقربني و لا تمسّني.

و مثل قوله صلّى اللّه عليه و آله: لا جلب و لا جنب و لا شغار في الإسلام. و قوله صلّى اللّه عليه و آله:

لا جلب و لا جنب و لا اعتراض و قوله صلّى اللّه عليه و آله: لا إخصاء في الإسلام و لا بنيان كنيسة.

و قوله صلّى اللّه عليه و آله: لا حمى في الإسلام و لا مناجشة. و قوله صلّى اللّه عليه و آله: لا حمى في الأراك.

و قوله صلّى اللّه عليه و آله: لا حمى إلّا ما حمى اللّه و رسوله. و قوله صلّى اللّه عليه و آله: لا سبق إلّا في خفّ.

أو حافر أو نصل. و قوله صلّى اللّه عليه و آله: لا صمات يوم إلى الليل. و قوله: صلّى اللّه عليه و آله:

لا صرورة في الإسلام. و قوله صلّى اللّه عليه و آله: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. و قوله صلّى اللّه عليه و آله:

لا هجر بين المسلمين فوق ثلاثة أيّام. و قوله: لا غشّ بين المسلمين هذا كلّه ممّا في الكتاب و السنّة النبويّة، و لو ذهبنا لنستقصي ما وقع من نظائرها في الروايات و استعمالات الفصحاء نظما و نثرا، لطال المقال و أدّى الملال.

و فيما ذكرنا كفاية في إثبات شيوع هذا المعنى في هذا التركيب- أعني تركيب «لا» التي لنفي الجنس- و في ردّ من قال في إبطال احتمال النهي: إنّ النفي بمعنى النهي و إن كان ليس بعزيز، إلّا أنّه لم يعهد من مثل هذا التركيب.

ثانيها: أنّ المنفيّ هو الضرر الغير المتدارك الغير المجبور،

فالضرر و إن كان واقعا

كثيرا، إلّا أنّه محكوم بوجوب التدارك شرعا، و كما أنّ ما يحصل به بإزائه نفع لا يسمّى ضررا- كدفع مال بإزاء عوض مساو له أو أزيد منه- كذلك الضرر المحكوم بوجوب تداركه ينزّل منزلة عدم الضرر عرفا، فغصب المال من غير وجوب دفع المثل أو القيمة ضرر، و تمليك المعيب بقيمة الصحيح من غير خيار ضرر.

ثالثها: أنّ المراد من الحديث نفي الحكم الضرري

و ما يستلزم تشريعه ضررا في التكليفيات و الوضعيّات، فكلّ حكم يؤدّي إلى الضرر و يصير سببا و علّة له ليس من شرع الإسلام، فوجوب الوضوء و الصوم و الحجّ الموجبة للضرر، و لزوم البيع الموجب لضرر المغبون، و سلطنة «سمرة» على الدخول إلى عذقه من غير استيذان، و حرمة الترافع إلى حكّام الجور مع توقّف أخذ الحقّ عليه، كلّها من الأحكام الضررية منفية. و هذه الوجوه الثلاثة هي المتعارف ذكرها و التكلّم في ترجيحها في الكتب و الأبحاث.

رابعها: ما كنت وجّهت في بعض أبحاثي من أن يكون وزانه وزان رفع الخطأ و النسيان،

بأن يراد أنّ الأحكام المجعولة للعناوين العامّة منتفية في حصول الضرر، كما أنّه يقع نفى الأحكام عن بعض أصناف الموضوعات- مثل لا سهو في سهو، و لا سهو للإمام مع حفظ المأموم، و لا شكّ لكثير الشكّ، و لا شك في الثنائية و المغرب- كذلك يقع نفيها من بعض الموضوعات العامّة، مثل رفع عن أمّتي تسعة: الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه، فالوجوب المجعول للوضوء و القيام و الصيام و الحجّ مرفوع و منفيّ في صورة التضرّر بها، و اللزوم المجعول للبيع و الصلح و السلطنة على الدخول في ملكه كذلك.

و الظاهر الراجح عندي بين المعاني الأربعة هو الأوّل، و هو الّذي لا تسبق الأذهان الفارغة عن الشبهات العلميّة إلّا إليه. و من المعلوم: في المعنى الثاني أنّ مجرّد الحكم بوجوب تدارك الضرر لا يصحّ نفيه، و المصحّح هو نفس التدارك.

كما أنّ المعنى الثالث من نفي المسبّب و إرادة السبب لم يعهد في مثل هذا التركيب أبدا، و إنّما المعهود النهي أو نفي الكمال في لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد

و لا علم إلّا ما نفع، و لا سفر إلّا برفيق، و لا كلام إلّا ما أفاد. و إن أمكن إرجاع الثلاثة إلى جهة واحدة.

و المعنى الرابع و إن كان معهودا في هذا التركيب- كما سمعت- إلّا أنّه فيما إذا ثبت حكم لموضوع عامّ و أريد نفيه عن بعض أصنافه- كما في الأمثلة المتقدمة- و من الواضح: أنّه لم يجعل لنفس الضرر حكم يراد به نفيه عن بعض أصنافه. و أمّا نفي حكم موضوع آخر عنه فإرادته يحتاج إلى قرينة واضحة، و هي منتفية في مقامنا.

و منه تبيّن: أنّ ما اشتهر من أنّ «حديث نفي الضرر» نفي للحكم بلسان نفي الموضوع- و هو أمر ذائع- مغالطة، إذ لو سلّم الشيوع فإنّما هو في نفي حكم الموضوع عن بعض أصنافه بلسان نفي الموضوع، لا نفي السبب بلسان نفي المسبّب و لا نفي حكم موضوع آخر بلسان نفي موضوع آخر مغاير له.

و بالجملة: فلا إشكال أنّ المتبادر إلى الأذهان الخالية من أهل المحاورات قبل أن يورد عليها شبهة التمسّك بالحديث في نفي الحكم الوضعي ليس إلّا النهي التكليفي، مضافا إلى ما عرفت: من أنّ الثابت من صدور هذا الحديث الشريف إنّما هو في قضية «سمرة بن جندب» و أنّه ثبت فيها «لا ضرر و لا ضرار على مؤمن» و لا شك أنّ اللفظ بهذه الزيادة ظاهر في النهي، على أنّ قوله لسمرة: إنّك رجل مضارّ و لا ضرر و لا ضرار على مؤمن- كما في رواية ابن مسكان عن زرارة- إنّما هو بمنزلة صغرى و كبرى، فلو أريد التحريم كان معناه: إنّك رجل مضارّ و المضارّة حرام، و هو المناسب لتلك الصغرى. لكن لو أريد غيره ممّا يقولون صار معناه: إنّك رجل مضارّ و الحكم الموجب للضرر منفيّ، أو الحكم المجعول منفيّ في صورة الضرر. و لا أظنّ بالأذهان المستقيمة ارتضاءه. و قد اختار شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) المعنى الثالث، قال: و الأظهر بملاحظة نفس الفقرة و نظائرها و موارد ذكرها في الروايات و فهم العلماء هو المعنى الأوّل- يعني ما ذكرناه ثالث المعاني.

أقول: و الشواهد الأربعة كلّها منظورة فيها ممنوعة على مدّعيها. أمّا نفس

الفقرة: فقد عرفت ظهورها في الحكم التكليفي. و أمّا نظائرها: فقد قدّمنا عدم النظير لهذا المعنى في هذا التركيب. و أمّا موارد ذكرها في الروايات: ففيه أنّه قد اتضح عدم ذكرها في شي‌ء من الروايات، إلّا في قضية «سمرة» المناسب للتحريم وجدانا، و أنّ «حديث الشفعة» و «الناهي عن منع الفضل» لا مساغ لها فيها إلّا النهي التكليفيّ تحريما أو تنزيها. و أمّا فهم العلماء: فهو أيضا ممنوع، و لم نجد للمتقدّمين و المتأخّرين ما يعيّن أنّهم فهموا هذا المعنى إلّا عن قليل نادر، و لا يكفي فهمهم في تعيين المعنى، فتبصّر.

و قد ذكر في حديث «الدعائم» تعليلا لحرمة الترك.

و لنذكر بعض كلمات أئمّة اللغة و مهرة أهل اللسان تريهم متّفقين على إرادة النهي لا يرتابون فيه و لا يحتملون غيره.

ففي النهاية الأثيرية: قوله «لا ضرر» أي لا يضرّ الرجل أخاه فينقصه شيئا من حقّه، و الضرار: فعال من الضرّ أي لا يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه.

و في لسان العرب- و هو كتاب جليل في اللغة في عشرين مجلّدا- معنى قوله «لا ضرر» أي لا يضرّ الرجل أخاه، و هو ضدّ النفع، و قوله «لا ضرار» أي لا يضارّ كلّ منهما صاحبه.

و في الدّر المنثور للسيوطي «لا ضرر» أي لا يضرّ الرجل أخاه فينقصه شيئا من حقّه، و «لا ضرار» أي لا يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه.

و في تاج العروس، مثل هذا بعينه. و كذا الطريحي في المجمع.

و وقفت بعد هذا على كلام- لصاحب العناوين- لا بأس بنقله، قال: و الحق أنّ سياق الروايات يرشد إلى إرادة النهي من ذلك، و أنّ المراد تحريم الضرر و الضرار و المنع عنهما، و ذلك إمّا بحمل «لا» على معنى النهي، و إمّا بتقدير كلمة «مشروع، و مجوّز، و مباح» في خبره مع بقائه على نفيه. و على التقديرين: يفيد المنع و التحريم، و هذا هو الأنسب، بملاحظة كون الشارع في مقام الحكم من حيث هو كذلك، لا في مقام ما يوجد في دين و لا يوجد، و إن كان كلّ من المعنيين مستلزما للآخر، إذ عدم كونه من الدين أيضا معناه: منعه فيه، و منعه فيه مستلزم لخروجه

عنه، مضافا إلى قولنا «الضرر و الضرار غير موجود في الدين» معنى يحتاج تنقيحه إلى تكلّفات، فانّ الضرر مثلا نقص المال أو ما يوجب نقصه، و ذلك ليس من الدين بديهة، إذ الدين عبارة عن الأحكام، لا الموضوعات، فيحتاج حينئذ إلى جعل المعنى: أنّ الحكم الذي فيه ضرر أو ضرار ليس من الدين، و هذا غير متبادر، و إن بالغ فيه بعض المعاصرين، انتهى.

و ليعلم: أنّ المدّعى أنّ «حديث الضرر» يراد به إفادة النهي عنه، سواء كان هذا باستعمال التركيب في النهي ابتداء، أو أنّه استعمال في معناه الحقيقي و هو النفي و لكن لينتقل منه إلى إرادة الغير، كما يقال: إنّ كلمة «لا» عند استعماله في الاخبار عن نفي الطبيعة حقيقة أو نفي صحّتها أو نفي كمالها أو إرادة النهي منها في جميع المواضع المذكورة يستعمل في معنى واحد و هو نفي الطبيعة، إمّا حقيقة أو ادّعاء، فانّ ما لا يصحّ بمنزلة المعدوم في عدم حصول الأثر المطلوب منه، و كذا الناقص غير الكامل بمنزلة المعدوم من بعض الجهات، و المنهيّ عنه أيضا يراد من جهة شدّة التنفّر عنه و المبالغة في عدم إيجاده بأنّه غير موجود، كما أنّ المأمور به إذا أريد المبالغة في طلبه يعبّر عنه بما يدلّ على وقوعه، فيقال: تركب كذا و تذهب إلى زيد و تقول له. و لذا اشتهر بين أئمّة الأدب: أنّ الجملة الخبريّة التي أريد منها الأمر أبلغ في إفادة الطلب من التصريح بالأمر.

و بالجملة: فالمدّعى أنّ «الحديث» يراد به إفادة النهي لا نفي الحكم الضرري و لا نفي الحكم المجعول للموضوعات عنه، و لا يتفاوت في هذا المدّعى أنّ استعمال النفي في النهي بأيّ وجه، و ربّما كانت دعوى الاستعمال في معنى النفي مقدمة للانتقال إلى طلب الترك أدخل في إثبات المدّعى، حيث لا يتّجه عليه ما يستشكل في المعنى الأوّل: من أنّه تجوّز لا يصار إليه.

- التاسع- [أمور ننبّه على جملة منها]

اشارة

قد اتضحت مما تقدّم أمور ننبّه على جملة منها

أحدها: عدم كون «حديث الضرر» مدركا لشي‌ء من الخيارات

و عدم صحّة التمسّك به عليها. و لا أظنّ بمن تأمّل فيما سلف و تروّى و أنصف أنّ يجعله حجّة عليها بعد ذلك، بل جماعة ممّن عمّموه لنفي الحكم التكليفي و الوضعي استشكلوا به في صحّة الاحتجاج به في مثل خيار الغبن مع شيوعه- سيّما في الأواخر- منهم شيخنا العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) حيث نفى دلالته على الخيار في صورة بذلك الغابن التفاوت.

الثاني: أنّ الضرر الخارجي الذي ربّما يتعقّبه المعاملة ليس موجبا للخيار

و لا متيقّن الدخول في «حديث الضرر» فإنّه مبنيّ على كون «حديث الشفعة» مذيّلا به، و قد عرفت خلافه.

الثالث: أنّ التخصيصات الكثيرة التي يدّعون ورودها على القاعدة ليست كما يقولون،

و أنّها مبتنية على إرادة المعنى الذي رجّحوه منه: من التعميم للتكليفي و الوضعي و للضرر الناشئ من أركان المعاملة و شروطها و ما يترتّب عليها ممّا هو خارج عنها

الرابع: أنّ الضرر يراد به ما هو ظاهر من الضرر الشخصي،

كما اقتصروا عليه في أبواب العبادات و لم يقل أحد بسقوط الوضوء أو الصوم أو القيام أو الحجّ عمّن لا يتضرر به أصلا لخصوصية في شخصه أو طبعه و مزاجه بمجرّد تضرّر الغالب به.

و أنّ الاشكال على القوم بأنّهم يكتفون بالضرر النوعي في أبواب المعاملات و يحكمون بالخيار لمن لا يتضرّر بالعيب أو الغبن أو تبعّض الصفقة: من أنّ اللّفظ واحد و الدليل واحد.

الخامس: أنّه لا يلزم القول بأنّ النهي للتنزيه أو للقدر المشترك لإرادة الكراهة منه

في «النهي عن منع الفضل» و اللفظ واحد، و إن ذهبنا إلى كراهة المنع و حملناه على الماء المملوك أو إلى القدر المشترك، فيقال بالتحريم في الماء المباح و بالكراهة في المملوك إلى غير ذلك ممّا استفيد ممّا أسلفناه.

- العاشر- [في دفع التوهم]

اشارة

إنّه كثيرا ما يختلج ببال من نظر فيما تقدّم أنّه يبقى كثير من الفروع المسلّمة في أبواب العبادات و المعاملات بلا مدرك قويّ و لا مستند جليّ، فإنّه بناء

على عدم صحّة الاستدلال ب «حديث الضرر» في هذه الأبواب ينسدّ السبيل و ينعدم الدليل في فروع كثيرة لا مجال لإنكارها و لا للحكم بثبوتها من غير حجّة، فلا بأس بأن نأتي بكلام إجمالي يرتفع به هذا التوهّم و يندفع به هذا الاستبعاد. و أمّا التفصيل في كلّ فرع ممّا تمسّك به بعض أو جماعة ب «الضرر» فخروج عن وضع الرسالة و يحتاج إفراد مجلّد في هذا الباب، فنقول:

أمّا العبادات المضرّة:

فحرمتها كافية في استبعادها عند القوم، لعدم التقرّب بها. و لو نازع منازع في هذا المعنى، فالقوم متسالمون عليه، و الغرض الاحتجاج بما هو تمام عندهم.

و اما الخيارات:

فجملة منها منصوصة عن أئمّتنا عليه السلام مسطورة في محالها و جملة منها يستند إلى فوات الشرط الضمني الذي يقضي به العرف في المعاملات، فإنّ بناء المتعاملين على البيع و الاشتراء بالقيمة المعتدلة و ما يقرب منها، و على التمليك و التملّك للمجموع لا للبعض منفردا عن الآخر، و علي سلامة المبيع عن العيب، و على وجود الوصف المشاهد ذاتا لا بالعرض و التدليس، كتحمير الوجه و التصرية، و لذا ذكر كثيرون أنّ الخيار على قسمين: تشهّ- كالمجلس و الشرط- و خيار نقيصة و هو فوات أمر مقصود مظنون في المعاملة، نشأ الظنّ فيه من التزام شرطيّ أو تقرير فعليّ أو قضاء عرفيّ. و جعلوا من الأوّل اشتراط كون العبد كاتبا أو الدابة حاملا أو ذات لبن فأخلف، و من الثاني التصرية و تحمير الوجه و تسويد الشعر، و من الثالث ظهور العيب الموجب لنقص العين أو القيمة.

قال العلّامة- رحمه اللّه- في التذكرة: إطلاق العقد و اشتراط السلامة يقتضيان السلامة على ما مرّ: من أنّ القضاء العرفي يقتضي أنّ المشتري إنّما بذل ماله بناء على أصالة السلامة فكأنّها مشترطة في نفس العقد، فإذا اشترى عبدا مطلقا اقتضى سلامته عن الخصاء و الجبّ، فإن ظهر به أحدهما له الردّ عندنا- و به قال الشافعي- لأنّ الغرض قد يتعلّق بالفحوليّة غالبا، و الفحل يصلح لما لا يصلح له الخصيّ من

الاستيلاد و غيره، و قد دخل المشتري في العقد على ظنّ الفحوليّة، لأنّ الغالب سلامة الأعضاء، فإذا فات ما هو متعلّق الغرض وجب ثبوت الردّ، و إن زادت قيمته باعتبار آخر، انتهى.

و بالجملة: قضاء العرف في مورد بأنّ بناء جميع أهل المعاملات على أنّهم لا يقدمون على البيع فيه مثلا إلّا بعد اعتقادهم إحراز ذلك المورد وجدانه بجزء كذا أو صفة كذا أو كونه على قيمة كذا أو كان رضاهم مقيّدا مشروطا بذلك الإحراز لكن على وجه تعدّد المطلوب، فإذا تخلّف كان لهم الخيار بمقتضى فقد الشرط المقضيّ به.

و ينبغي أن يعلم: أنّ الشروط المأخوذة في البيع و أشباهه لا يراد بها التعليق في أصل العقد و لا في صحّته، بل يراد بها تعليق اللزوم، فقول المشتري: اشتريت هذا العبد بشرط أن يكون كاتبا مثلا، يراد به: أنّ التزامي بهذا العقد و لزومه عليّ مشروط بكونه كاتبا، فإن لم يكن كاتبا فلا التزام، يعني: إن شئت أمسكته و إن شئت رددته. و قد أوضحت هذا المطلب في محلّه بما لا مزيد عليه، و هو الحقّ الذي لا محيص عنه و لا يساعد الدليل و عرف المتعاملين إلّا عليه.

فالشرط التزام في التزام، بحيث يكون الملتزم أيضا قيدا، و لذا ترى العرف مع قطع النظر عن الشرع يحكمون بالخيار في هذه الموارد و يقولون: لك أن تردّه. و الشارع أمضى ما بيد العرف من المعاملات في غير ما نهى.

و قوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» لا يصلح ردعا لهم عن الحكم بالخيار في أمثال المقامات المعهودة، فإنّ الآية- بناء على دلالتها على أصالة اللزوم، و صحّة الاحتجاج بها عليها، و غمض النظر عن المناقشات الكثيرة المتّجهة على الاحتجاج بها- إنّما تدلّ على وجوب الوفاء بالعقد على ما هو عليه من الخصوصيّات المكتنفة به، و منها: تقيّد الالتزام به- عندهم- على عدم فوات ما كان بناء المتعاملين على وجوده. و لك أن تعدّ هذا التقريب وجها مستقلّا للحكم بالخيار في الموارد المعروفة عند الفقهاء و إثبات أنّه على طبق القاعدة، من غير أن يكون تعبّديا

محضا. و في المقام كلام طويل و أبحاث جيّدة مفيدة، إلّا أنّ التعرّض لها خروج عن وضع الرسالة.

- الحادي عشر- [حول سند الرواية]

اشارة

إنّه عرّفناك سابقا: أنّ قضية «سمرة» و إن كانت قضية واحدة، إلّا أنّها رويت في طرقنا بثلاث أسانيد و ثلاثة متون متقاربة. و المعروف المصرّح به في كلام غير واحد: أنّ شيئا من الطرق الثلاثة ليس صحيحا بالاصطلاح المتأخّر، بل أحدها مرسل- و هو ما رواه محمّد بن خالد عن بعض أصحابنا عن ابن مسكان عن زرارة- و الآخر موثق، لوجود عبد اللّه بن بكير الفطحي في سنده. و الثالث ضعيف، لجهالة «الحسن الصيقل» إلّا أنّه ينبغي أن تعلم: أنّ كون الأوّل مرسلا حقّ- كما قالوا- لكنّ الموثّق المذكور بمنزلة الصحيح أو أعلى منه.

و الثالث المرميّ بالضعف صحيح على الأصحّ.

أمّا الأوّل: فلأنّ رجال السند كلّهم عدول ثقات إماميّون بالاتّفاق، عدا «ابن بكير» و هو من الّذين أجمعت الصحابة على تصحيح ما يصحّ عنهم، فهو بمنزلة الصحيح أو أعلى منه.

و أمّا الثاني- أعني كون المرميّ بالضعف صحيحا- فتوضيحه: أنّه رواه الصّدوق- في الفقيه- عن أبيه، عن محمّد بن موسى المتوكّل، عن عليّ بن الحسين السعدآبادي، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن الحسن بن زياد الصيقل، عن أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي جعفر. و ليس في السند من يتوقّف فيه إلّا «السعدآبادي» و «الصيقل» فرميا بالجهالة و ضعف الحديث من أجلها، و الحقّ خلافه.

أما السعدآبادي: فلوجوه:

أحدها: أنّه شيخ إجازة بالنسبة إلى كتب البرقي المتواترة في ذلك الزمان عند الصدوق و غيره. و شيوخ الإجازة على ما ثبت في محلّه و صرّح به كثير من محقّقي فنّي الحديث و الرجال- لا يحتاجون إلى التنصيص على عدالتهم و وثاقتهم، مضافا

إلى أنّه لا يضرّ ضعفهم بعد تواتر الكتاب الّذي أجازوا روايته.

و ثانيها: أنّ الشّيخ المحدّث الجليل جعفر بن قولويه، يروي عنه كثيرا في «كامل الزيارة» و ذكر في أوّله: أنّه لا يروي فيه إلّا عن الثقات.

ثالثها: أنّه من مشايخ إجازة الكلينيّ، و هو أحد العدّة الذين يروي عنهم عن البرقي. فقد نقل العلّامة- في الخلاصة- عن الكليني أنّه قال: كلّ ما كان في كتابي هذا «عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن خالد البرقي» فهم عليّ ابن إبراهيم، و عليّ بن محمّد بن محمّد بن عبد اللّه أميّة، و عليّ بن محمّد بن عبد اللّه بن أذينة، و عليّ بن الحسين السعدآبادي.

رابعها: رواية الأجلّاء عنه، كعليّ بن إبراهيم، و عليّ بن الحسين- والد الصدوق- و أبو غالب الرازي، و محمّد بن موسى المتوكّل. و ما كان يجتمع مثل هؤلاء الأجلّاء و المشايخ على الرواية أو الاستجازة من ضعيف أو مجهول قطعا! و ما الذي يدعو مثل الكليني- قدّس سرّه- مع وجود طرق عديدة و مشايخ جمّة له إلى البرقي أن يستجيز من السعدآبادي لولا جلالته وثاقته و اشتهاره بين الطائفة. و لقد أجاد السيّد المحقّق المقدّس الكاظمي- رحمه اللّه- حيث قال في عدّته: ما كان العلماء و حملة الأخبار لا سيّما الأجلّاء و من يتحاشى في الرواية من غير الثقات- فضلا عن الاستجازة- ليطلبوا الإجازة في روايتها إلّا من شيخ الطائفة و فقيهها و محدّثها و ثقتها و من يسكنون إليه و يعتمدون عليه.

و بالجملة: فلشيخ الإجازة مقام ليس للراوي، و من هنا قال المحقّق البحراني إنّ مشايخ الإجازة في أعلى درجات الوثاقة و الجلالة. و عن صاحب المعراج:

لا ينبغي أن يرتاب في عدالتهم. و عن الشهيد الثاني: انّ مشايخ الإجازة لا يحتاجون إلى التنصيص على تذكيتهم. و لذلك صحّح العلّامة و غيره كثيرا من الأخبار مع وقوع من لم يوثّقه أهل الرجال من مشايخ الإجازة في السند.

خامسها: أنّ للصدوق طريقا آخر إلى البرقي صحيحا بالاتفاق، فإنّه

يروي عنه أيضا بتوسط أبيه و محمّد بن الحسن بن الوليد، عن سعد بن عبد اللّه، عن البرقي. و هذا السند صحيح اتّفاقا، فلو أغمضنا النظر عن كلّ ما سبق كان طريقا إليه صحيحا أيضا، فلا يضرّ ضعف طريق آخر لو سلّم.

و أما الحسن بن زياد الصيقل:

فيدلّ على وثاقته رواية خمسة من أصحاب الإجماع و من أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه. و هم: يونس بن عبد الرحمن، كما في السند المبحوث عنه في جميع ما رواه في الفقيه عن الصيقل. و حمّاد بن عثمان، كما في الكافي في باب الكذب. و فضالة بن أيّوب، كما في الكافي في باب الورع و في باب ما فرض اللّه عزّ و جلّ من الكون مع الأئمّة. و أبان بن عثمان، كما في الكافي في باب التفكر، و في التهذيب في باب لحوق الأولاد بالآباء و في باب كيفية الصلاة من أبواب الزيادات، و في الفقيه في باب أحكام المماليك و الإماء. و عبد اللّه بن كثير.

فهؤلاء الخمسة من أصحاب الإجماع المستدلّ برواية أحدهم عن شخص على وثاقته، بناء على ما هو المشهور من معنى هذه العبارة و أنّ مفادها وثاقة هؤلاء المجمع عليهم و وثاقة من بعدهم، بل لو لم نقل بما هو المشهور أيضا، لظهور رواية كثير من الأجلّاء و الأعاظم عن واحد في وثاقته.

فإذا انضمّ إلى ما سبق رواية جعفر بن بشير أيضا- الذي ذكروا فيه: أنّه روى عن الثقات عن الصيقل- و رواية العظيم الجليل الحلبي و محمّد بن سنان و مثنى ابن الوليد الحنّاط و عليّ بن الحكم و حسين بن عثمان و عبد الكريم بن عمرو عنه، تأكّدت الدلالة على الوثاقة و صحّ السند من جهته، و الحمد للّه.

و لو أنّ أحدا أخلد إلى لزوم التصريح بالوثاقة و لم يوجد عنده هذه الأمارات الكثيرة، فلا أقلّ من أن يعدّه ممدوحا و يعدّ حديثه حسنا، لا أن يصرّح بجهالته و ضعف حديثه.

فما صدر عن الكاظمي- في مشتركاته- حيث قال: و ابن الزياد الصيقل المجهول الراوي عنه إبراهيم بن حيّان، قصور عظيم، من حيث عدّه مجهولا و من حصر الراوي عنه في إبراهيم بن حيّان، مع ما عرفت من رواية كثير من الأجلّاء

و الأعاظم عنه، و فيهم خمسة من أصحاب الإجماع.

و من جميع ما مرّ تبيّن التسامح فيما ذكره شيخنا الأنصاري- قدّس سرّه- في أصوله- عند التعرّض لقاعدة الضرر و نقل رواياته- قال- قدّس سرّه- أصحّ ما في الباب سندا و أوضحه دلالة ما رواه غير واحد عن زرارة. و ساق المتن الذي رواه ابن مسكان عن زرارة، ثمّ قال: و في رواية أخرى موثّقة. و نقل موثّقة ابن بكير عن زرارة. فإنّ التسامح فيه من جهات:

إحداها: أنّه ليس في هذه الطرق صحيح اصطلاحيّ حتّى يكون ما ذكره أصحّ، و إن كان و لا بدّ فينبغي عدّ رواية ابن بكير أو رواية الحذّاء أصحّ.

ثانيها: أنّ ما ذكره و جعله أصحّ قد عرفت أنّه أضعف الطرق الثلاثة بحسب السند، لا رسالة و عدم كون المرسل مثل ابن أبي عمير.

ثالثها: أنّ هذا المتن لم يروه غير ابن مسكان عن زرارة، فكيف نسب الرواية إلى غير واحد عن زرارة، و قد ذكر موثّقة ابن بكير عن زرارة قسيما له. و بعبارة أخرى: روى هذه القضيّة عن زرارة اثنان: ابن مسكان و ابن بكير، و هو نقل رواية ابن بكير مستقلّة، فلم يبق إلّا رواية ابن مسكان عنه. و في كتب الحديث و الجوامع الموجودة لم يذكر هذا المتن الذي نسبه إلى غير واحد، إلّا برواية ابن مسكان.

الفصل الثاني عشر [في أن الرواية النبويّة المعروفة: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» لم يروها أحد من أصحابنا]

ينبغي أن يعلم: أنّ الرواية النبويّة المعروفة في كتب الفقه: من قوله صلّى اللّه عليه و آله «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» لم يروها أحد من أصحابنا، و ليس مرويّا في طرقنا، و لا مرويّا في شي‌ء من جوامع حديثنا. و قد تفحّصت كثيرا عن سنده، فإذا هي ممّا تفرّدت بها العامّة بسند ينتهي إلى «الحسن البصري» عن «سمرة بن جندب» هذا الشقيّ المذكور في حديث الضرر- الّذي ردّ على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في هذه القضيّة أحد عشر مرّة حتّى أغاظ الحليم الذي لا توازن السماوات و الأرض حلمه، و شنايع هذا الشقيّ تظهر من كتبنا و كتب القوم.

منها: أنّه كان خليفة زياد بن أبيه في الكوفة إذا كان زياد في البصرة، و خليفته في البصرة إذا كان زياد في الكوفة، فيكون غالبا ستّة أشهر في إحداهما و ستّة في الأخرى، و استخلفه على البصرة و أتى الكوفة، فجاء و قد قتل «سمرة» ثمانية آلاف من الناس، فقال له: هل تخاف أن تكون قتلت أحدا بريئا؟ قال:

لو قتلت مثلهم ما خشيت.

و منها: أنّه كان من شرطة ابن زياد و كان أيّام مسير أبي عبد اللّه الحسين عليه السّلام إلى العراق يحرّض الناس على الخروج إلى قتاله، كما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد.

و منها: أنّه أعطاه معاوية مأة ألف درهم على أن يروي ما يأتي فلم يقبل، فأعطاه مأتي ألف فلم يقبل، ثم ثلاثمائة ألف فلم يقبل، فأعطاه أربعمائة ألف درهم فقبل و روى خطيبا في الشام: أنّه نزلت هذه الآية في حق علي عليه السّلام «و من الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا و يشهد اللّه على ما في قلبه و هو ألدّ الخصام و إذا تولّى سعى في الأرض ليفسد فيها و يهلك الحرث و النسل و اللّه لا يحبّ الفساد» و أنّ الآية التالية لها نزلت في ابن ملجم «وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اللّٰهِ وَ اللّٰهُ رَؤُفٌ بِالْعِبٰادِ».

و منها: أنّه شجّ رأس ناقة النبي صلّى اللّه عليه و آله. ففي روضة الكافي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه كانت ناقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله القصوى إذا نزل عنها علّق زمامها، فتخرج فتأتي المسلمين فيناولها الرجل بشي‌ء و يناولها هذا بشي‌ء فلا تلبث أن تشبع، فأدخلت رأسها في خباء «سمرة بن جندب» فتناول عنزة، فضرب بها على رأسها فشجّها، فخرجت إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فشكته.

و يظهر ممّا نقل عن أبي حنيفة: أنّ حال «سمرة» كان أسوء عنده من معاوية و عمرو بن العاص و أشباههما، حيث نقل في روضة العلماء- للزند و بستي- عن أبي حنيفة: انّه كان اتبرّك (1)قول الصحابة، إلّا بقول ثلاثة: منهم أبو هريرة،


1) كذا في النسخة.

و أنس بن مالك، و سمرة بن جندب.

ثمّ إنّ في هذا السند- أعني رواية الحسن عن سمرة حديث اليد- خللا من جهة أخرى، و هي أنّ المحقّقين من محدّثي القوم قالوا: لم يثبت سماع الحسن من سمرة، و لا لقائه له، ففي الحديث إرسال و الواسطة مجهولة.

أقول: و قد ثبت عن الحسن أنّه كثيرا ما يسند الحديث إلى غير ما سمعه منه و يقول: عن فلان، يريد أنّه نقل عن فلان و حكي عنه. و استعمال هذه اللّفظة فيمن لم يسمع عنه غير صحيح، و لذا لا يعتبر المحدّثون المدقّقون الحديث المعنعن في درجة ما صرّح فيها بالسماع و التحديث، و يلتزمون بإعادة لفظ «حدّثنا» و «أخبرنا» في كلّ راو راو، إلّا أنّ الحسن كان يدلّس حتّى مع استعمال لفظ «حدّثنا» على ما في كتب القوم.

ففي التقريب- لابن حجر العسقلاني- الحسن بن أبي الحسن البصري و اسم أبيه يسار بالتحتانية و المهملة، الأنصاري- مولاهم- ثقة، فقيه، فاضل، مشهور، و كان يرسل كثيرا و يدلّس. قال البزّاز: كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم فيتجوّز و يقول: حدّثنا و خطبنا، يعني قومه الذين حدّثوا و خطبوا بالبصرة. و قد ذكر غيره أيضا مثله.

و كيف كان: فالعمل بمثل هذا الحديث الذي رواه المدلّس عن مجهول عن ملحد ممّا يعيّن القول بأنّ المدار في حجيّة الخبر و وجوب العمل كون الخبر موثوقا بصدوره محفوفا بما يفيد الاطمئنان بصدقه، و ليس مقصورا على خصوص المرويّ عن الإمامي العدل الثقة.

و يعجبني التنبيه على قاعدة أخرى: يعلم فيها تجرّي الجماعة المخالفين لنا في دينهم و أحاديثهم. فقد بالغ القوم في الثناء على البخاري- صاحب الصحيح- و شدّة احتياطه و تورّعه و أنّ كتابه أصحّ الكتب بعد كتاب اللّه الكريم. و قد روى هذا المحتاط المتورّع في صحيحه عن هذا الشقيّ المخذول- أعني «سمرة»- و عن أشباهه من الفسقة الفجرة من الصحابة بالكلّية المدّعاة عندهم- الثابتة بطلانها

و كذبها برواياتهم- من أنّ الصحابة كلّهم عدول. بل نقل البخاري عن غير الصحابي من المشهورين بأنواع الفسوق عن مثل «عمران بن حطّان» مادح ابن ملجم و المثنى عليه فيما ارتكبه في الأبيات المشهورة. و عن مثل «مروان بن الحكم» و «حريز بن عثمان» و أشباههم، إلّا أنّه تورّع و احتاط من النقل عن سيّدنا و مولانا الصادق عليه السّلام لتوقّفه و شكّه في وثاقته و صدق لهجته- العياذ باللّه- لما بلغه عن يحيى ابن سعيد القطّان أنّه قال في حقّه عليه السّلام: في نفسي منه عليه السّلام شي‌ء و مجالد أحبّ إليّ منه. و يعجبني ما قيل:

قضية أشبه بالمرزئة هذا البخاري إمام الفئة

بالصادق الصديق ما احتجّ في صحيحه و احتجّ بالمرجئة

و مثل عمران بن حطّان أو مروان و ابن المرأة المخطئة

مثكلة ذات عوار إلى حيرة أرباب النهي ملجئة

و حقّ بيت يمّمته الورى مغذّة في السير أو مبطئه

إنّ الامام الصادق المجتبى بفضله الآي أتت منبئه

أجلّ من في عصره رتبة لم يقترف في عمره سيّئة

قلامة من ظفر إبهامه تعدل من مثل البخاري مائة

و مجالد هذا الذي فضّله القطّان عليه عليه السّلام ضعيف عند القوم. و عن أحمد بن حنبل أنّه ليس بشي‌ء، يرفع كثيرا ممّا لا يرفع الناس. و عن النسائي: أنّه ليس بالقوي و عن الدار قطني: أنّه ضعيف. قال البخاري: كان يحيى بن سعيد يضعّفه.

فلينظر العاقل إلى هذا التعصّب الفاحش من ترجيح القطّان مجالدا الذي كان ضعيفا عنده على مثل الامام الصادق عليه السّلام فيا لها من كلمة تكاد السماوات أن يتفطّرن لها و تنشقّ الأرض و تخرّ الجبال هدّا!!! و العلّة في اختيار القطّان مجالدا عند ملاحظة النسبة أنّه كان مجالدا يرمى بالتشيّع، و هو القادح العظيم فيه.