الأربعون حدیثاً - الشیخ بهاءالدین محمّد العاملی

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

الكتاب: الأربعون حديثاً

المؤلف: الشيخ بهاءالدين محمّد العامّلي

المعلّق: العلّامة محمّد إسماعيل المازندراني الخواجوئي

المحقق: السيّد مهدي الرجائي

الطبعة : الأولى

المطبعة : كوثر

العدد: 1000 نسخة

التاريخ: 1426 ق، 1384 ش

الناشر : مؤسسه عاشوراء

شابك : 4-41 - 1363 - 964

سلسلة آثار المحقّق الخواجوئى (82)

الأربعون حديثاً

للعلامة الشيخ

بهاء الدين محمّد بن الحسين العامليّ

مع تعليقات هامة

للعلامة المحقّق محمّد اسماعيل المازندراني الخواجوئي

المتوفّي سنة 1173 ه-

تحقيق

السيد مهدي الرجائي

محرر الرقمي: مرتضی الحاتمي الفرد

اشارة

مركز إحياء تراث العلّامة الخواجوئي

قم المشرّفة - شارع صفائية، زقاق 25

کوچه قائمي پلاك 36. صب 753 - 37185

الكتاب: الأربعون حديثاً

المؤلّف: الشيخ بهاءالدين محمّد العاملي

المعلّق: العلّامة محمّد إسماعيل المازندراني الخواجوئي

المحقِّق: السيّد مهدي الرجائي

الطبعة : الأولى

المطبعة : كوثر

العدد: 1000 نسخة

التاريخ: 1426 ق، 1384 ش

الناشر : مؤسسه عاشوراء

شابك : 4-41 - 1363 - 964

بسم اللّه الرحمن الرحيم

ترجمة الشيخ البهائي

اسمه ونسبه :

هو الشيخ الجليل بهاءالدين محمّد بن الحسين بن عبدالصمد بن شمس الدين محمّد بن علي بن الحسين الحارثي العاملي الجبعي.

لقب بالحارثي لانتهاء سلسلة نسبه الشريف إلى الحارث الهمداني، وكان من خواص الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ).

الاطراء عليه :

للمترجم ثناء جميل وإطراء بليغ في أكثر التراجم والمعاجم الرجالية، وها أنا أذكر نبذة ممّن ذكره بجميل الثناء :

قال الحرّ العاملي: حاله في الفقه والعلم والفضل والتحقيق والتدقيق وجلالة القدر، وعظم الشأن، وحسن التصنيف، ورشاقة العبارة، وجمع المحاسن، أظهر من أن يذكر، وفضائله أكثر من أن تحصر، وكان ماهراً متبحراً جامعاً كاملاً شاعراً أديباً منشئاً ثقة، عدیم النظير في زمانه في الفقه والحديث والمعاني والبيان والرياضيات وغيرها (1).


1) أمل الآمل 1: 155.

وقال السيّد علي خان المدني: علم الأئمّة الأعلام، وسيّد علماء الاسلام، وبحر العلم المتلاطمة بالفضائل أمواجه، وفحل الفضل الناتجة لديه أفراده وأزواجه، وطود المعارف الراسخ، وفضاؤها الذي لا تحدّ له فراسخ، وجوادها الذي لا يؤمل له لحاق، وبدرها الذي لا يعتريه محاق الرحلة التي ضربت إليه أكباد الإبل والقبلة التي فطر كل قلب على حبّها وجبل، فهو علّامة البشر، ومجدد دين الأمة على رأس القرن الحادي عشر إليه انتهت رئاسة المذهب والملة، وبه قامت قواطع البرهان والأدلّة، جمع فنون العلم فانعقد عليه الاجماع، وتفرد بصنوف الفضل فبهر النواظر والأسماع، فما من فنّ إلا وله القدح المعلّى، والمورد العذب المحلّى، إن قال لم يدع قولاً لقائل، أو طال لم يأت غيره بطائل، وما مثله ومن تقدمه من الأفاضل والأعيان، إلا كالملة المحمّدية المتأخّرة عن الملل والأديان، جاءت آخراً ففاقت مفاخراً، وكلّ وصف قلت في غيره فإنّه تجربة الخاطر إلى آخر ما وصفه من الثناء الجميل والاطراء البليغ (1).

وقال التفرشي : جليل القدر عظيم المنزلة، رفيع الشأن، كثير الحفظ، ما رأيت بكثرة علومه وعلوّ رتبته في كل فنون الاسلام كمن له فنّ واحد، له كتب نفيسة جيّدة (2).

مشايخه :

1 - الشيخ عبد العالي الكركي المتوفّى سنة (993).

2 - الشيخ محمّد بن محمّد بن أبي اللطيف المقدسي الشافعي

3 - الشيخ عبدالله اليزدي.

4 - علي المذهب المدرّس درس عنده في العلوم العقلية والرياضية


1) سلافة العصر ص 289 - 302.

2) نقد الرجال 4: 186 - 187.

5 - الشيخ أحمد الكجائي المعروف ببير أحمد، قرأ عليه في قزوين.

6 - عماد الدين محمود النظامي، قرأ عليه في الطب.

7 - الشيخ عمر العرضي.

8 - الشيخ محمّد بن أبي الحسن البكري.

وغيرهم.

تلامذته :

تخرّج من مدرسته جم غفير من العلماء والأعاظم، منهم :

1 - العلّامة الشيخ محمّد تقي المجلسي.

2 - السيّد حسين الكركي.

3 - الشيخ الفاضل الجواد البغدادي.

4 - السيّد ماجد البحراني.

5 - المولى محمّد محسن المشتهر بالفيض الكاشاني.

6 - السيّد الأميرزا رفيع الدين النائيني.

7 - المولى شريف الدين محمّد الرويدشتي.

8 - المولى الأجل الخليل بن الغازي القزويني.

9 - المولى محمّد صالح المازندراني.

10 - الشيخ زين الدين بن الشيخ محمّد بن الشيخ حسن بن الشهيد الثاني.

11 - المولى الشيخ حسنعلي بن مولانا عبدالله الشوشتري.

12 - الشيخ محمّد بن علي العاملي التبنيني.

13 - الشيخ محمّد القرشي صاحب نظام الأقوال.

14 - المولى مظفرالدين علي.

15 - الشيخ محمود بن حسام الدين الجزائري.

16 - الشيخ زين الدين علي بن سليمان بن درويش بن حاتم القدمي البحراني. هذه جملة من تلامذته، وهناك عدة أخرى ممّن تلمّذوا عليه أو استجازوا منه.

تأليفه :

كتب المترجم مؤلّفات ورسائل كثيرة تمثل اضطلاعه بجوانب العلوم المتداولة، ومن بينها مؤلّفات مشهورة قيمة لا تزال معيناً للعلماء إلى اليوم، وحظيت مؤلّفاته القيمة بعناية العلماء والمفكرين، فأقبلوا عليها بالشرح والتعليق والدرس والاستفادة، وظلّت مصدراً للباحثين في المعارف الاسلامية، وهي :

1 - بحر الحساب.

2 - تحفة حاتمى في الاسطرلاب، فارسية مطبوع.

3 - تشريح الأفلاك، مطبوع.

4 - التهذيب في النحو.

5 - توضيح المقاصد فيما اتفق في أيام السنة، مطبوع.

6 - جامع عبّاسي في الفقه، مطبوع.

7 - جواب ثلاث مسائل.

8 - جواب سؤال خان أحمد خان ملك جيلان.

9 - جواب مسائل الشيخ صالح الجزائري اثنتان وعشرون مسألة.

10 - جواب المسائل المدنيات.

11 - الحاشية على الإثنا عشرية للشيخ حسن صاحب المعالم.

12 - الحاشية على تشريح الأفلاك.

13 - الحاشية على تفسير البيضاوي، لم تتم.

14 - الحاشية على الحاشية الخطائية.

15 - الحاشية على الخلاصة في الرجال.

16 - الحاشية على زبدة الأصول.

17 - الحاشية على شرح التذكرة.

18 - الحاشية على شرح العضدي على مختصر الأصول.

19 - الحاشية على الفقيه - لم تتم.

20 - الحاشية على القواعد الشهيدية.

21 - الحاشية على الكشّاف.

22 - الحاشية على المطوّل لم تتم.

23 - الحبل المتين في إحكام أحكام الدين، مطبوع.

24 - حدائق الصالحين في شرح الصحيفة السجّادية.

25 - الحديقة الهلالية في شرح دعاء الهلال.

26 - حلّ عبارة من القواعد في بحث المياه.

27 - خلاصة الحساب.

28 - الرسالة الاثناعشرية في الحجّ.

29 - الرسالة الاثناعشرية في الزكاة.

30 - الرسالة الاثناعشرية في الصلاة

31 - الرسالة الاثناعشرية في الصوم.

32 - الرسالة الاثناعشرية في الطهارة

33 - رسالة في أحكام سجود التلاوة.

34 - رسالة في استحباب السورة ووجوبها.

35 - رسالة في أن أنوار سائر الكواكب مستفادة من الشمس.

36 - رسالة في تحقيق عقائد الشيعة في الفروع والأصول.

37 - رسالة في حل أشكالي عطارد والقمر.

38 - رسالة في ذبائح أهل الكتاب.

39 - رسالة في القبلة.

40 - رسالة في القصر والتخيير في السفر

41 - رسالة في الكرّ.

42 - رسالة في نسبة أعظم الجبال إلى قطر الأرض.

43 - رسالة في النفس والروح.

44 - رسالة في المواريث.

45 - رسالة مختصرة في إثبات وجود صاحب الزمان (عَلَيهِ السَّلَامُ).

46 - زبدة الأصول.

47 - سوانح الحجاز من شعره وإنشائه.

48 - شرح الأربعين حديثاً، وهو هذا الكتاب الذي بين يديك.

49 - شرح شرح القاضي زاده الرومي على الملخّص.

50 - شرح الفرائض النصيرية للمحقق الطوسي.

51 - الصفيحة في الاسطرلاب.

52 - الصمدية في النحو.

53 - العروة الوثقى في تفسير القرآن، خرج منه تفسير الفاتحة ونبذة من البقرة.

54 - عين الحياة في تفسير القرآن.

55 - الكشكول.

56 - لغز الزبدة.

57 - مشرق الشمسين وإكسير السعادتين، طبع مع تعليقات الخواجوئي عليه

58 - مفتاح الفلاح، طبع مع تعليقات الخواجوئي عليه.

59 - الوجيزة في الدراية، مطبوعة.

وغيرها ممّا لم نعثر عليها.

ولادته ونشأته ووفاته :

ولد الشيخ البهائي (قدّس سرّه) ببعلبك عند غروب الشمس يوم الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجّة الحرام سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة وقيل: سنة (951).

وانتقل به والده وهو صغير إلى الديار العجمية، فنشأ في حجره بتلك الأقطار المحمية، وأخذ عن والده وغيره من جهابذة العلم والمعرفة، حتّى أذعن له كل مناضل ومنابذ، فلمّا اشتدّ كاهله وصفت له من العلم مناهله ولي بها شيخ الاسلام وفوضت إليه أمور الشريعة على صاحبها الصلاة والسلام، وكان يصلّي الجمعة والجماعة بأمر السلطان شاه عبّاس.

ثمّ رغب في الفقر والسياحة، واستهبّ من مهاب التوفيق رياحه، فترك تلك المناصب ومال لما هو لحاله مناسب فقصد زيارة بيت اللّه الحرام وزيارة النبي وأهل بيته الكرام عليه وعليهم أفضل الصلاة والتحية والسلام.

ثم أخذ في السياحة فساح ثلاثين سنة، وطاف أكثر المدن الاسلامية في أنحاء العالم، واجتمع في أثناء ذلك بكثير من أرباب الفضل والحال، ونال من فيض صحبتهم ما تعذر على غيره واستحال، ثمّ عاد وقطن بأرض العجم، وهناك همي غيث فضله وانسجم، فألّف وصنّف، وقرط المسامع وشنّف.

وتوفّي (رحمه اللّه) في شوّال سنة ثلاثين بعد الألف الهجرية في اصفهان، ونقل جثمانه إلى المشهد الرضوي صلوات اللّه عليه ودفن في داره جنب الروضة المقدّسة، والآن داخل في الحرم يزار هناك.

ترجمة العلّامة الخواجوئي

قد كتبنا رسالة عربية وفارسية حول حياة العلّامة الخواجوئي، وتكلمنا عن حياته الاجتماعية والثقافية، وعن عصره الذي كان يعيش فيه، ذلك العصر الذي جرت فيه على الشيعة وعاصمتها اصفهان أهوال من الاضطراب والخوف، وكان العلماء والزعماء الدينيين في عصره: ما بين شريد، أو محبوس، أو شهيد، أو في زاوية من الخمول والوحدة ونرى كثيراً من العلماء بعد ما كانوا مشهورين ومعروفين، وكانت لهم رئاسة وزعامة دينية، لما قدموا في هذا العصر، خبأ ذكرهم وأسماؤهم، فلا نرى منهم ذكراً ولا أثراً، كأكثر البيوتات العلمية التي كانت في اصفهان عاصمة الشيعة آنذاك.

ونجد بعضهم مع خمول ذكرهم وانزوائهم عن الخلق، خدموا الشيعة بآثارهم وكتبهم العلمية الممتعة، وحفظوا الآثار عن الانمحاء والاندراس.

ونری امتداد نشاطهم وحركتهم الفكرية إلى كلّ ما كان هناك من علوم معروفة ومتداولة، وشملت حركتهم الثقافية إلى جانب الفقه وأصوله والكلام وعلوم القرآن واللغة والأدب، ونجد هذا النشاط بارزاً في مؤلّفاتهم الكثيرة التي تعكس اتجاههم العلمي ونشاطهم الفكري.

ومن الواجب والانصاف علينا أن لا ننسى لهم ما قاموا به من الأدوار الكبيرة في الحركة الثقافية في الأحقاب الاسلامية الماضية، وما ساهم به اتجاههم هذا

الممعن بحثاً، الذي جاب مناطق الانسان والحياة في بناء الحضارة الاسلامية، وإقامة دعائمها على أسس قويمة منتجة.

ومن زعماء الشيعة الذين برزوا في جميع هذه الميادين العلمية والعملية، هم الشيخ الفقيه المحقّق الحكيم المتأله العارف الموالي لأهل البيت والطهارة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، المولى محمّد إسماعيل المازندراني الخواجوئي الاصفهاني أسكنه اللّه بحبوحات جنّاته.

وها أنا أذكر هنا نبذة من حياته الشريفة للأعزّاء الكرام :

اسمه ونسبه:

المولى محمّد إسماعيل بن الحسين بن محمّدرضا بن علاء الدين محمّد المازندراني الاصفهاني المشهور بالخواجوئي.

والخواجوئي نسبة إلى محلة معروفة في بلدة اصفهان، متّصلة بالجسر العتيق على نهر زاینده رود المعروف ب« «جسر الخواجو» وقد انتقل إليها المترجم في فتنة الأفاغنة، وكانت المحلّة في زمانه خارج بلدة اصفهان، واتخذها مسقط رأسه حتّى اشتهر بالنسبة إليها.

الإطراء عليه :

للمترجم ثناء بليغ وتجليل وتبجيل تام في أكثر التراجم والمعاجم الرجالية، وإليك نص نبذة من عباراتهم :

قال الشيخ عبدالنبي القزويني من معاصريه في كتاب تتميم أمل الآمل (ص76): كان من العلماء الغائصين في الأغوار والمتعمقين في العلوم بالأسبار، واشتهر بالفضل، وعرفه كل ذكي وغبي، وملك التحقيق الكامل، حتّى اعترف به كلّ فاضل زكي.

وكان من فرسان الكلام، ومن فحول أهل العلم، وكثرة فضله تزري بالبحور

الزاخرة عند الهيجان والتلاطم، والجبال الشاهقة، والأطواد الباذخة، إذا قيست إلى علوّ فهمه كانت عنده كالنقط، والدراري الثاقبة إذا نسبت إلى نفوذ ذهنه كأنها حبط.

حكى عنه الثقات أنه مرّ على كتاب الشفاء ثلاثين مرّة: إما بالقراءة، أو بالتدريس، أو بالمطالعة، وأخبرني بعضهم أنه كان سقط أنه كان سقط من كتاب الشفاء عنده أوراق، فكتبها من ظهر قلبه، فلما عورض بكتاب صحيح ما شدّ منه إلا حرفان أو حرف.

وبالجملة الكتب المتداولة في الحكمة والكلام والأصول كانت عنده أسهل من نشر الجراد، حتّى يمكن للناس أن يقولوا: إن هذا لشيء عجاب، إن هذا لشيء يراد. وكان (رحمه اللّه) ذلك ذا بسطة في الفقه والتفسير والحديث مع كمال التحقيق فيها وبالجملة كان آية عظيمة من آيات اللّه، وحجّة بالغة من حجج اللّه، وكان ذا عبادة كثيرة، وزهادة خطيرة، معتزلاً عن الناس، مبغضاً لمن كان يحصل العلم للدنيا، عاملاً بسنن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وفي نهاية الاخلاص لأئمة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وذا شدّة عظيمة في تسديد العقائد الحقة وتشديدها، وذا همّة جسيمة في إجراء أمور الدين مجراها وتأييدها.

وقال المحقّق الخوانساري في الروضات (114:1): العلم العالم الجليل مولانا إسماعيل... كان عالماً بارعاً، وحكيماً جامعاً، وناقداً بصيراً، ومحقّقاً نحريراً، من المتكلّمين الأجلاء، والمتتبّعين الأدلاء والفقهاء الأذكياء، والنبلاء الأصفياء.

طريف الفكرة، شريف الفطرة، سليم الجنبة، عظيم الهيبة، قوي النفس، نقي القلب، زكي الروح، وفي العقل كثير الزهد، حميد الخلق، حسن السياق، مستجاب الدعوة، مسلوب الادعاء، معظماً في أعين الملوك والأعيان، مفخماً عند أولي

الجلالة والسلطان.

حتى أن نادر شاه - مع سطوته المعروفة وصولته الموصوفة كان لا يعتني من بين علماء زمانه إلا به، ولا يقوم إلا بإذنه، ولا يقبل إلا قوله، ولا يمتثل إلا أمره، ولا يحقق إلا رجاه، ولا يسمع إلا دعاه.

وذلك لاستغنائه الجميل عمّا في أيدي الناس، واكتفائه بالقليل من الأكل والشرب واللباس، وقطعه النظر عمّا سوى اللّه، وقصده القربة فيما تولاه.

ثمّ قال: غير أنّ هذا الشيخ الجليل لمّا كان في زمن فاسد عليل، وعصر لم يبق لأحد فيه إلى نصر العلم والدين سبيل - من جهة استيلاء الأفغان على ممالك ايران، واستحلالهم أعراض الشيعة ودماءهم وأموالهم في كل مكان، سيّما محروسة اصبهان - لم يبق له مع كونه الفحل المحل العجب العجاب كثير ذكر بين الأصحاب، ولا جدير اشتهار لما صنّف من رسالة وكتاب.

بل لم يعرف من أجل ذلك له أستاد معروف، أو اسناد متصل إليه أو عنه على وجه مكشوف، وكأنّ ذلك كان مفقوداً فيه معوذاً عليه، وإلا لنقله ونقل عنه في مبادىء كتاب أربعينه لا محالة، كما هو ديدين مؤلّفي الأربعينيات، ولم يكن يعتذر هناك عن تركه ذكر الاسناد منه إلى المعصوم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأعذار غير سديدة.

ثم قال: وكان (رحمه اللّه) مرتفعاً جداً في محبتهم - أي: محبّة السادة الفاطميين - والاخلاص لهم الوداد، كما حكاه الثقات.

وكان (رحمه اللّه) أيضاً صاحب مقامات فاخرة وكرامات باهرة، يوجد نقل بعضها في بعض المواقف، ويؤخذ بالسائر من الأفواه، وإنما أعرضنا عن تفصيلها حذراً عن الاطناب الممل المخلّ بوضع هذه العجالة.

وخطّه (رحمه اللّه) أيضاً قد كان بقسميه المعهودين في قاصي درجة من الجودة والحسن والبهاء، كما اطلعنا عليه من أكثر أرقامه ومصنفاته الموجودة لدينا

بخطوطه المباركة.

وراجع ما ذكره جمع من الأعلام في الإطراء عليه: نجوم السماء في تراجم الرجال للميرزا محمّد علي الكشميري ص 269، والمحدّث النوري في خاتمة المستدرك 2: 107 - 108، والسيّد العاملي في أعيان الشيعة 3: 402، والسيد الصفائي في كشف الأستار 1: 132، والمدرّس الخياباني في ريحانة الأدب 105:2، والشهيد التبريزي في كتاب مرآة الكتب 1: 46، والمحدّث القمي في الكنى والألقاب 2: 179 وكحالة في معجم المؤلفين 1: 192.

أقول: قد أشار جميع ار جميع أرباب التراجم أنّ خمول ذكره الشريف مع جلالته علماً وعملاً أنه كان يعيش في عين الفتنة الهائلة.

قال المترجم نفسه في آخر كتاب الأربعين المطبوع بتحقيقي: جمعتها في زمان، وألفتها في مكان كانت عيون البصائر فيه كدرة، ودماء المؤمنين المحرّم سفكها بالكتاب والسنّة فيه هدرة، وفروج المؤمنات مغصوبة فيه مملوكة بأيمان الكفرة الفجرة، قاتلهم اللّه بنبيه الكرام البررة.

وكانت الأموال والأولاد منهوبة فيه مسبية مأسورة، وبحار أنواع الظلم مواجة فيه متلاطمة، وسحائب الهموم والغموم فيه متلاصقة متراكمة، زمان هرج ومرج مخرب الآثار، مضطرب الأخبار محتوي الأخطار، مشوّش الأفكار، مختلف الليل، متلوّن النهار، لا يسير فيه ذهن ثاقب، ولا يطير فيه فكر صائب.

نمقتها وهذه حالي، وذلك قالي، فإن عثرتم فيه بخلل، أو وقفتم فيه على زلل فأصلحوه رحمكم اللّه، إنّ اللّه لا يضيع أجر المحسنين.

مشايخه :

ورد في بعض المعاجم نبذة قليلة من مشايخه في الرواية والدراية، وهم :

1 - العالم الجليل الشيخ حسين الماحوزي.

2 - المولى محمّد جعفر بن محمّد طاهر الخراساني الاصفهاني صاحب كتاب الاكليل وغيره، ولد سنة ثمانين وألف.

أقول: وعد في بعض التراجم من مشايخه في العلوم النقلية والعقلية: المحقّق التحرير الفاضل الهندي صاحب كشف اللثام والحكيم المتاله الملا محمّد صادق الأردستاني، والحكيم المتأله الملا حمزة الكيلاني، واللّه العالم.

تلامذته ومن روى عنه :

لم يصل إلينا تفصيل تلامذته، وإليك نبذة ممّن وقفنا عليه :

1 - العالم التحرير الملا مهدي النراقي المتوفّى سنة (1209) كان أكثر تلمذه في العلوم لديه، حتّى قيل - واللّه العالم - إنّه كان في مدة ثلاثين سنة يتلمّذ لديه، لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً، حتّى بلغ ما بلغ من العلم والعمل.

2 - العالم العارف الآقا محمّد بن المولى محمّد رفيع الجيلاني المشتهر بالبيد آبادي الاصفهاني، المتوفى سنة (1197).

3 - المولى محراب الجيلاني الحكيم العارف المشهور المتوفى سنة (1217).

4 - الميرزا أبو القاسم المدرّس الاصفهاني الخاتون آبادي، المتوفى سنة (1202).

تأليفه القيّمة :

للعلّامة الخواجوئي مؤلّفات ورسائل وحواشٍ كثيرة على الكتب، قد تجاوزت جهود الفرد الواحد، تمثل اضطلاعه بجوانب المعرفة الشاملة، وقد يعجب المرء من وفرة تأليفه ذات المواضيع المختلفة في شتّى العلوم والمعارف المتعددة، على الرغم - كما عرفناه - من سيرة حياته من عدم استقراره وتفرّغه للعلم، للفتنة الهائلة الأفغانية.

ولا ريب أن ذكاءه المفرط وذاكرته العجيبة ووعيه الشامل، كان ذلك من

الأسباب الرئيسية في تغلبه على تلك العقبات التي تحول دون تأليفه وتصنيفه، وقد أشار أكثر أرباب التراجم إلى وفرة تأليفه.

قال في تتميم الأمل وله (رحمه اللّه) تأليف كثيرة وحواش على كتب العلوم.

وقال في الروضات بعد عد جملة من تصانيفه: إلى غير ذلك من الرسائل والمقالات الكثيرة التي تبلغ نحواً من مائة وخمسين مؤلّفاً متيناً في فنون شتّى من العلوم والحكم والمعارف.

وقال في موضع آخر أكثرها لم يتجاوز نسخة الأصل إلى زماننا هذا.

أقول: قد وفّقني اللّه تبارك وتعالى لجمع أكثر مؤلفاته ورسائله وحواشيه على الكتب، وتحقيقها ونشرها إلى عالم النور، وقد طبعت آثاره تحت سلسلة آثار المحقّق الخواجوئي، وهي :

1 - بشارات الشيعة. وهو من أحسن ما كتب في بابه مشحون بالتحقيقات وبيان النكات وأنواع التنبيهات، شرع فيه سنة (1155) وفرغ منه أواخر شوّال من تلك السنة.

2 - ذريعة النجاة من مهالك تتوجه بعد الممات. في ذكر فضائل الامام أمير المؤمنين وأولاده المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) وأنهم أفضل من سائر الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ) غير نبينا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و الاستدلال على ذلك بالآيات والروايات الواردة في ذلك.

3 - الفوائد في فضل تعظيم الفاطميين. رسالة مبسوطة في فضل إكرام ذرّية فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وكون المنتسب إليها بالأمّ منهم، ويستحق الخمس، ويحرم عليه الصدقة.

4 - رسالة ميزة الفرقة الناجية عن غيرهم. رسالة استدلالية اعتقادية في بعض أحكام المخالفين للشيعة.

5 - رسالة في تحقيق وتفسير الناصبي. تحقيق حول معنى الناصبي لغة

واصطلاحاً، وأيّ الفرق من الفرق الاسلامية محكوم به، وان الناصبي على صنفين: صنف محكوم بأحكام الاسلام والآخر خارج عن ربقة الاسلام ومحكوم بالكفر.

6 - طريق الارشاد إلى فساد إمامة أهل الفساد. في الأدلة الدالة على جواز لعن الغاصبين لحقوق الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) وهو ما جرى منهم على فاطمة البتول (عَلَيهَا السَّلَامُ) من الأذى والظلم.

7 - الرسالة الأينية. رسالة تحقيقية حول نفي الأين عن اللّه جل ذكره، وتأويل ما ورد من اثبات الأين له تعالى ذكره. (عَلَيهِ السَّلَامُ)

8 - رسالة في توجيه مناظرة الشيخ المفيد. رسالة مختصرة حول مناظرة الشيخ المفيد (قدّس سرّه) مع القاضي عبدالجبار المعتزلي في مسألة خلافة الامام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

أقول: طبعت هذه الرسائل من الرقم الأوّل إلى هنا في المجموعة الأولى من الرسائل الاعتقادية.

9 - تذكرة الوداد في حكم رفع اليدين حال القنوت. رسالة استدلالية في استحباب رفع اليدين إلى السماء في حال القنوت.

10 - رسالة في شرح حديث الطلاق بيد من أخذ بالساق. رسالة استدلالية حول الرواية المذكورة عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأنه هل الوكيل والولي في الطلاق بمنزلة الزوج أم لا؟

11 - رسالة في حرمة النظر إلى وجه الأجنبية. رسالة استدلالية متقنة في عدم جواز النظر الى وجه الأجنبية إلا ما استثني حال الضرورة.

12 - رسالة خمسية رسالة استدلالية في أحكام الخمس ومصارفه في زمن الغيبة، وهي في مقدّمة وأربع فصول وخاتمة.

13 - رسالة في أقل المدّة بين العمرتين. رسالة استدلالية ذهب المؤلّف فيها إلى

القول بجواز التوالي بين العمرتين، وناقش الأقوال الأخر في ذلك.

14 - رسالة في الرضاع. رسالة استدلالية في جواز النكاح بين أخوان وأخوات المرتضعين، وردّ على رسالة الملاً أبي الحسن الفتوني النباطي المتوفّى سنة (1138) ه-.

15 - رسالة في جواز التعويل على أذان الغير في دخول الوقت. رسالة استدلالية في حكم التعويل على دخول الوقت بأيّ أمارة حصلت كأذان المؤذن أو صيحة الديك، أو وقت ساعة وغيرها وذهب إلى جواز التعويل على تلك الأمارات ولولم يحصل له العلم بدخول الوقت.

16 - رسالة في حكم الاستيجار للحج من غير بلد الميت. رسالة استدلالية حول الحديث المروي في التهذيب عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل أعطى حجة يحج بها عنه من الكوفة فحج عنه من البصرة، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لا بأس إذا قضى جميع المناسك فقد تم حجه.

17 - رسالة في حكم الإسراج عند الميت إن مات ليلاً. رسالة استدلالية مختصرة، ذهب فيها إلى عدم استحباب ذلك وأنه لا دليل عليه.

18 - رسالة في شرح حديث توضأوا ممّا غيّرت النار.

19 - رسالة في الغسل في الأرض الباردة ومع الماء البارد.

20 - رسالة في أفضلية التسبيح على القراءة في الركعتين الأخيرتين.

21 - رسالة في تحقيق وجوب غسل مسّ الميّت.

22 - رسالة في حكم شراء ما يعتبر فيه التذكية. رسالة استدلالية حول شراء الفراء واللحوم والجلود وغيرها ممّا يعتبر فيها التذكية

23 - رسالة في حكم لبس الحرير للرجال في الصلاة وغيرها. رسالة استدلالية في جواز لبس الحرير المحض مطلقا للنساء والأطفال والخناثي، وكراهته للرجال

إلا في حال الضرورة والحرب، ويعبّر عنها المؤلّف في بعض رسائله بالرسالة الحريرية.

24 - رسالة في حكم الغسل قبل الاستبراء.

25 - الفصول الأربعة في عدم سقوط دعوى المدعي بيمين المنكر. رسالة استدلالية في عدم سقوط دعوى المدّعي لو حلف المنكر على الوجه الشرعي، خلافاً لجماعة من الفقهاء.

26 - رسالة في وجوب الزكاة بعد إخراج المؤونة.

27 - رسالة في صلاة الجمعة رسالة استدلالية في حرمة صلاة الجمعة وعدم وجوبها عيناً في زمن الغيبة والردّ على رسالة الشهاب الثاقب للمحقق الكاشاني، مع عناوين قال أقول. أقول: طبعت هذه الرسائل من رقم (9) إلى هنا في المجموعة الأولى من الرسائل الفقهية.

28 - رسالة في شرح حديث ما من أحد يدخله عمله الجنّة وينجيه من النار.

29 - رسالة في شرح حديث لو علم أبوذرّ ما في قلب سلمان لقتله.

30 - رسالة في شرح حديث أعلمكم بنفسه أعلمكم بربه.

31 - رسالة في شرح حديث لا يموت لمؤمن ثلاثة من الأولاد فتمسه النار إلاّ تحلّة القسم.

32 - رسالة في شرح حديث أنهم يأنسون بكم فإذا غبتم عنهم استوحشوا.

33 - رسالة في شرح حديث النظر إلى وجه العالم عبادة.

34 - رسالة في تفسير آية «فاخلع نعليك أنك في الواد المقدس».

35 - رسالة في تعيين ليلة القدر. رسالة لطيفة في تعيين ليلة القدر مع اختلاف الأفق في أنحاء العالم شرقها وغربها، ثمّ استدلّ على أن ليلة القدر التي تقدر فيها

المقدّرات مطابق للأفق الذي يعيش فيه الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

36 - الحاشية على أجوبة المسائل المهنائية للعلامة الحلّي.

37 - رسالة عدلية. رسالة مبسوطة في طة في معنى العدالة، وما تحصل به العدالة، وما تزول به العدالة، والمناقشة في أقوال الفقهاء في ذلك، في ثلاثة أبواب وكل باب يشتمل على عدة فصول.

38 - رسالة في نوم الملائكة. رسالة لطيفة حول الرواية المروية في الاكمال عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه سئل عن الملائكة أينامون؟ فقال: ما من حي إلا وهو ينام.

39 - هداية الفؤاد إلى نبذ من أحوال المعاد. رسالة مبسوطة استدلالية في المسألة الخلافية بين المتكلمين والحكماء في أنّ ما سوى اللّه تعالى هل يفنى على عمومه مجرداته ومادّياته حتّى لا يبقى منه شيء ولا يدوم منه موجود أم يبقى منه باقٍ ببقاء اللّه تعالى؟ اختار المؤلّف الشقّ الثاني، واستدل عليه بالآيات والروايات.

40 - رسالة في بيان الشجرة الخبيثة.

41 - رسالة في الجبر والتفويض شرح لطيف حول كلام الامام أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في نهج البلاغة «إنا لا نملك مع اللّه شيئاً ولا نملك إلا ما ملكنا» تكلّم في هذا الشرح حول الجبر والاختيار، والقضاء والقدر، وما يستفاد من الآيات والروايات وغيرهما.

42 - رسالة في شرح حديث من أحبّنا أهل البيت فليعد للفقر جلباباً أو تجفافاً.

43 - المسائل الخمس.

44 - رسالة في تفسير قوله تعالى «وكان عرشه على الماء».

45 - رسالة في ذمّ سؤال غير اللّه. وفيها ذكر مكاشفة وقعت للمؤلّف (قدّس سرّه).

أقول: وطبعت هذه الرسائل الشريفة من رقم (28) إلى هنا في المجموعة الثانية من الرسائل الاعتقادية.

46 - رسالة في أحكام الطلاق رسالة استدلالية في الطلاق الرجعي وحقيقته، وفيها بيان حقيقة الطلاق المزيل لعلاقة النكاح.

47 - رسالة في شرح حديث لسان القاضي بين جمرتين من نار.

48 - رسالة في ارث الزوجة. رسالة استدلالية في بيان كيفية ميراث الزوجة من الزوج في مقدمة وأربعة فصول وخاتمة.

49 - رسالة في الحبوة. رسالة استدلالية في ستة فصول في بيان أحكام الحيوة وما يختص من الميراث بالولد الأكبر.

50 - رسالة في حرمة تزويج المؤمنة بالمخالف.

51 - رسالة في استحباب كتابة الشهادتين على الكفن.

52 - رسالة في حكم التنفّل قبل صلاة العيد وبعدها

53 - رسالة في بيان عدد الأكفان.

54 - رسالة في جواز التداوي بالخمر عند الضرورة. رسالة استدلالية ألفها للسيّد میر محمّدطاهر في أربعة فصول.

55 - رسالة في حكم الحدث الأصغر المتخلّل في غسل الجنابة. رسالة استدلالية في ثمانية فصول في حكم الحدث الأصغر المتخلّل أثناء الغسل وأنه هل يبطل الغسل أم لا؟

56 - المسائل الفقهية المتفرّقة. يبحث عن ثلاثين مسألة فقهية وغيرها، وفيها مباحث هامّة.

57 - رسالة في استحباب رفع اليدين حالة الدعاء.

58 - رسالة في بيان علامة البلوغ.

59 - رسالة في من أدرك الامام في أثناء الصلاة.

60 - الرسالة الهلالية رسالة مبسوطة في كيفية ثبوت الهلال.

61 - الرسالة الذهبية. رسالة استدلالية في جواز لبس الذهب واللباس المذهب والصلاة فيه وعدمه.

62 - الفصول الأربعة في من دخل عليه الوقت وهو مسافر فحضر وبالعكس والوقت باقٍ.

63 - رسالة في حكم من زنا بامرأة ثمّ تزوّج بابنتها. رسالة استدلالية في المسألة المذكورة، ردّ فيها على المحقّق السبزواري حيث أجاز ذلك على كراهية.

64 - رسالة في شرائط المفتي. مناظرة ومناقشة مع أحد أساتذته فيما يشترط في المفتي والافتاء.

65 - رسالة في منجزات المريض. رسالة استدلالية في منجزات المريض إذا كانت تبرّعاً ومات في ذلك الزمن.

أقول : وطبعت هذه الرسائل الشريفة من رقم (46) إلى هنا في المجموعة الثانية من الرسائل الفقهية. وتصدّى لطبع هذه الرسائل المطبوعة في أربعة مجلدات دار الكتاب الاسلامي في قم المقدّسة.

66 - الأربعون حديثاً طبع الكتاب ضمن منشورات مكتبة آية اللّه السيّد حسين الخادمي الصدر (قدّس سرّه).

67 - الدرر الملتقطة من تفسير الآيات القرآنية. التقطت من جميع آثار المحقّق الخواجوئي ما يرتبط بتفسير الآيات القرآنية طبع الكتاب ضمن منشورات دار القرآن الكريم في قم المقدّسة.

68 - مفتاح الفلاح ومصباح النجاح في شرح دعاء الصباح.

69 - الفوائد الرجالية.

70 - التعليقة على مشرق الشمسين للشيخ البهائي. طبعت هذه الكتب الثلاثة الأخيرة ضمن منشورات مجمع البحوث الاسلامية التابع للآستانة الرضوية

المقدّسة.

71 - التعليقة على مفتاح الفلاح للشيخ البهائي.

72 - جامع الشتات. طبع الكتابان الأخيران ضمن منشورات مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدّسة.

73 - رسالة أصول الدين مبسوط. باللغة الفارسية.

74 - رسالة أصول الدين كليات. باللغة الفارسية.

75 - ترجمة المناظرة المأمونية باللغة الفارسية طبعت هذه الثلاثة الأخيرة

باهتمام أحد الخيّرين في مجموعة واحدة.

76 - رساله رضاعيه. طبعت في مجله فقه أهل بيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) برقم (23).

77 - رسالة اجوبة مسائل میرزا محمّد حفیظ. طبعت في مجلة فقه أهل بيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) برقم (28).

78 - رساله نوروزیه طبعت الرسالة في المجموعة الرابعة من ميراث اسلامي ایران نشر مكتبة آية اللّه العظمى المرعشي النجفي (قدّس سرّه).

79 - رسالة وحدت وجود.

80 - رسالة سهو النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).

81 - رسالة أجل محتوم طبعت هذه الرسائل الثلاثة في مجموعة ميراث حوزه اصفهان.

82 - التعليقة على الأربعين حديثاً للشيخ البهائي، هو هذا الكتاب بين يديك. أقول: هذا ما طبع من آثار المحقّق الخواجوئي بتحقيقي. وأما بقية آثاره فهي:

83 - التعليقة على الاثناعشرية في الصوم للشيخ البهائي.

84 - التعليقة على كتاب تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي.

85 - رسالة في تجسّم الأعمال.

86 - رسالة إبطال الزمان الموهوم.

87 - التعليقة على تفسير الصافي للفيض الكاشاني.

88 - رساله تحقیق دربارهٔ کوه قاف.

89 - رسالة أخبار وأحوال أبو هذيل علاف.

90 - رسالهٔ جواب از بعض مسائل ضروريه.

91 - كتاب الامامة.

92 - تبصرة الاخوان في بيان أكبرية القرآن.

93 - جواز القراءة بالقراآت السبع وجواز ملك يوم الدين.

94 - التعليقة على أصول الكافي.

95 - التعليقة على زبدة البيان للمقدس الأردبيلي.

96 - التعليقة على مدارك الأحكام.

97 - رسالة في حد اليأس الحاصل للمرأة.

98 - رسالة سقوط الوتيرة في السفر

99 - شرح نهج البلاغة.

100 - رسالة في الصلاة.

101 - رسالة في العقود الفضولي.

102 - رسالة في الغناء.

103 - الفصول في مباحث الشفعة.

104 - رسالة في فضل ما لا يؤكل لحمه.

وغيرها ممّا لم نعثر عليها.

ولادته ووفاته :

لم أعثر إلى الآن على تاريخ ولادته، ولم يتعرّض لذلك أرباب التراجم.

وأما تاريخ وفاته، فالصحيح أنه توفّي في حادي عشر من شهر شعبان سنة (1173) ه-.

والذي ظهر لي من عمره الشريف أنه (قدّس سرّه) ناهز الثمانين سنة، وذلك أنه أدرك الفتنة الهائلة الأفغانية، وكان ابتداؤها من سنة (1133) ه- وانتقل المترجم عند ذاك إلى محلة خواجو مع أهله وأولاده، وألف في حين الفتنة عدة كتب ورسائل، منها كتابه الأربعون حديثاً المحتوية على التحقيقات والتدقيقات اللطيفة، وأشار في آخر الكتاب إلى بعض الوقائع الحادثة في عصره، وكان يعد مع ذلك من العلماء والفحول، فمن كان في تلك الرتبة والمرتبة، فلا أقل من أن يكون عمره الشريف في حوالي الأربعين سنة، ومن ابتداء الفتنة إلى حين وفاته أيضاً أربعون سنة، فيبلغ المجموع إلى حوالي الثمانين سنة، واللّه العالم بحقائق الأمور.

ومزاره في اصفهان في المزار المعروف ب- «تخت فولاد» في بقعة لسان الأرض المشحونة بالعلماء والصلحاء والأولياء، وهو مزار مشهود.

حول الكتاب :

هذا الكتاب الشريف الذي بين يديك هو تعليقات قيمة مشحونة بالتحقيقات العلمية على كتاب شرح الأربعين حديثاً للشيخ البهائي (قدّس سرّه).

قال المحقّق الخوانساري في الروضات: وتعليقاته الأنيقة التي تنيف على سبعة آلاف بيت مشحونة بالتحقيقات اللطيفة والتدقيقات الشريفة على كتاب شرح الأحاديث الأربعين لمولانا الشيخ بهاء الدين العاملي (قدّس سرّه).

وفيها من المباحث الهامة ما يبيّن مدا وسعه الشامل في العلوم النقلية والعقلية، ولعمري كتاب قيمّ شريف في بابه، وفيها مباحث علمية لا يسع الباحث عنه.

قمت أولاً بتحقيق متن الكتاب وهو شرح الأربعين حديثاً وقابلته مع نسخة مصححة كانت أصحّ من نسخة الأربعين المطبوعة، لكنّها تبتدأ من أوّل الحديث الثالث، وفيما قبله اعتمدت على النسخة المطبوعة بتحقيق جماعة المدرسين بقم المشرفة.

ثم قمت بتحقيق التعليقة ومقابلته مع نسختين مخطوطتين :

1 - النسخة المصوّرة عن النسخة المخطوطة، النسخة المخطوطة، وهي نسخة كاملة ممتازة مدوّنة عن خطّه الشريف، وجاء في آخر النسخة: وقد دوّنت هذه النسخة الشريفة المباركة خوفاً من التلف والإندراس، ورقمت النسخة المذكورة عن وجه نسخة الأصل، وقابلت مع النسخة المذكورة في غداة يوم الخميس في سادس عشر شهر جمادي الثاني سنة ثمانية وأربعين ومائتين بعد الألف (1248) من الهجرة النبوية عليه آلاف التحية، أنا الغريق في بحار الخطيئة محمّد حسين بن محمّد علي، اللّهمّ اغفر لي ولوالدي ولجميع المؤمنين بحق محمّد وآله الطاهرين. وفي الحقيقة نسخة الأصل هي هذه النسخة المدوّنة المجموعة. وأصل هذه النسخة محفوظة في خزانة مكتبة آية اللّه العظمی الگلپايكاني في قم المقدّسة.

2 - نسخة مخطوطة ناقصة الصفحة الأولى كتبت سنة (1261) عن نسخة الأولى المكتوبة سنة (1248) وأصل النسخة محفوظة في خزانة مكتبة مجلس الشورى الملّي.

وبما أني قمت بتأسيس مركز خاص لإحياء آثار العلّامة الخواجوئي، فأسأل اللّه تبارك وتعالى أن يوفقني لنشر ما بقي من آثاره القيمة، والحمد لله ربّ العالين، والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

قم المقدّسة - السيّد مهدي الرجائي

عيد الغدير المبارك - 1425 ه- ق.

الأربعون حديثاً

للعلامة الشيخ بهاء الدين محمّد بن الحسين الحارثي العاملي

المتوفى سنة (1030) ه- ق

مع تعليقات هامة

للعلامة محمّد إسماعيل المازندراني الخواجوئي

المتوفى سنة (1173) هق

تحقیق السيّد مهدي الرجائي

----------------------------------------------------------------------

بسم اللّه جلّ جلاله وعم نواله وعظم شأنه

بعد حمد اللّه على نعمته، والصلاة على أشرف بريته، محمّد و آله وعترته.

يقول العبد الآنس بربّه الجليل محمّد بن الحسين بن محمّدرضا المازندراني المدعوّ بإسماعيل عفى اللّه عن جرائمهم بمحمّد و آله وقائمهم: هذه حروف وكلمات وألفاظ وعبارات لها دلالات وإشارات إلى جمل ما أجمله شيخ العارفين جمال السالكين زين الكاملين، قدوة السائرين، صدر المحققين، بدر المدققين، خاتم الفقهاء والمجتهدين، بهاء الملة والدين، أعلى اللّه درجته في عليين، في شرحه على الأربعين.

نظمتها في سلك التقرير، وسمط التحرير، في أويقات وسويعات عديدة غير مديدة، من أيّام تشويش البال وتشتت الحال لعدم مساعدة الزمان، وإسعاف الدهر الخوّان، وكان ذلك في بلدة اصفهان، حرست عن بوائق الزمان، وطوارق الحدثان، تبصرة للبليد، وتذكرة للحديد، بل لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، راجياً من اللّه العزيز الحميد أن يجعلها ذخراً لنا ومزيداً فوق مزيد، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد

والاستفاضة الشياع والانتشار.

والمنن جمع منّة بالكسر، بمعنى النعمة والمن: العطاء.

بسم الله الرحمن الرحيم

إن أحسن حديث تحلّي اللسان بجواهر حقائقه، وخير خبر تجلّي الإنسان في زواهر حقائقه، حمد اللّه سبحانه على نعمه المسلسلة المتواترة، وشكره على مننه المستفيضة المتكاثرة.


قوله: «إنّ أحسن الحديث».

سيأتي معنى الحديث والخبر، وأنهما مترادفان، في شرح الحديث الأول، وفيهما من البراعة ما لا يخفى.

و «تحلّي» أي: تزيّن الحلي بفتح الحاء وخفّة الياء، إسم لكل ما تزيّن به من الذهب والفضة.

وإضافة الجواهر إلى الحقائق إضافة اللجين إلى الماء، أو بيانية؛ إذ الجوهر: قد یراد به الموجود لا في موضوع، وقد يراد به ذات الشيء وحقيقته، كما يقال: جوهر السواد، أي ذاته. صرّح به الامام الرازي في أوائل شرحه على الاشارات (1).

و «تجلّي» أي: ظهر وانكشف.

وزهرة النبات - بفتح الزاي وسكون الهاء - نوره. وإضافة الزواهر إلى الحدائق لامية، واحدتها حديقة، وإن لم تكن محاطاً بها. وبعضهم أنكر ذلك، وقال: ما لم يكن عليه حائط لم يكن حديقة.

والمسلسل : هو الذي اتصل بعضه ببعض.

وكثيراً ما يراد المنّ في كلامهم بمعنى الاحسان إلى من لا يستثيبه ولا يطلب الجزاء عليه.


1) شرح الاشارات للفخر الرازي، لا يوجد لدي.

والصلاة على من أرسله بالهدى ودين الحق بشيراً ونذيراً، واصطفاه بنبوته من قبل أن تخمّر طينة آدم تخمّراً.


وفي القاموس من عليه مناً أنعم واصطنع عنده صنيعة، ومنة امتن (1).

وقيل : المنّة النعمة الثقيلة، ويرد على معنيين :

أحدهما أن يكون بالفعل نحو من عليه أثقله بالنعمة.

الثاني: أن يكون بالقول، وهو عد الاحسان، وهو مستقبح، ولذا قيل: المنّة تهدم الصنيعة إلا عند الكفران.

قوله: «من قبل أن تخمّر طينة آدم تخمّراً».

أي: يجعلها خميراً. والخمير: العجين.

والطين معروف، والطينة أخص منه.

ولعلّ (قدّس سرّه) أشار بذلك إلى ما ورد في الخبر عن سيد البشر: «كنت نبياً وآدم بين الماء والطين» (2).

وفي رواية أخرى: «كنت أنا وعلي نوراً بين يدي اللّه تعالى قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام» (3).

وفي بعض الروايات دلالة على أنّ أرواحهم كانت متعلقة بأبدان مثالية، وكانوا يعبدون اللّه بالتسبيح والتهليل.

ولا استبعاد فيه؛ إذ كما جاز تعلّقها بعد مفارقة هذه الأبدان بأبدان مثالية، جاز تعلقها بها قبل تعلّقها بهذه الأبدان، وسنأتيك في هذا الكتاب بكلام أبسط في هذا


1) القاموس المحيط 4: 272.

2) بحار الأنوار 16: 402 عن المناقب لابن شهر آشوب.

3) بحار الأنوار 18: 398 عن كتاب اليقين لابن طاووس.

وآله الناسجين على منواله المقتدين به في أفعاله وأقواله دعائم ملّته وأساسها، وحفظة شريعته وحرّاسها، وسلم تسليماً كثيراً.


الباب بعون اللّه الملك الوهاب.

قوله: «وآله الناسجين» (1).

النساجة: الحياكة، تقول: نسجت الثوب نسجاً إذا حكته، والفاعل ناسج ونساج، والكلام استعارة تمثيلية أو مصرّحة

و «على منواله» أي: على وجهه ونمطه وطرزه وطوره ونقشه

قوله: «دعائم ملّته».

الدعامة بالكسر : عماد البيت الذي يقوم عليه، والجمع دعائم، واستعير لغير ذلك، كما في الحديث «لكلّ شيء دعامة ودعامة الاسلام الشيعة»(2)وفيه «دعامة الانسان عقله»(3)ومنه ما ورد في وصف أهل البيت: «أشهد أنكم دعائم الدين» (4)شبه الملة بالبيت أو الحائط وأثبت له الدعامة، وهي ما يسند به الحائط إذا مال ليمنعه من السقوط، فالكلام استعارة بالكناية وترشيح.

وما ذكرنا أوّلاً مبنى على أن يعتبر تشبيه حفظهم الملة وحراستهم الشريعة بحفظ الدعامة للحائط والبيت، فيكون الكلام إستعارة، والصحيح أنه تشبيه بليغ لا استعارة؛ لأنّ الطرفين مذكوران.


1) في الأربعين المطبوع: الناسخين، وهو غلط مطبعي.

2) الروضة من الكافي 8: 213.

3) أصول الكافي 1: 24 ح 23.

4) فقرة من زيارة أئمّة البقيع (عَلَيهِم السَّلَامُ) وفقرة من زيارة الامام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم عيد الفطر.

أما بعد: فانّ الفقير إلى اللّه الغني بهاء الدين محمّد العاملي عامله اللّه بلطفه وإحسانه وأذاقه حلاوة غفرانه يقول :

إن أعظم المطالب والمفاخر بعد الإيمان بالله واليوم الآخر هو ما يتوصل به إلى السعادة الأبدية ويتخلّص من الشقاوة السرمدية، وما هو إلا الاقتداء بالملة النبوية والاقتفاء للسنة المحمّدية.


وقس عليه قوله «وأساها» وما سبق من الأمثله الثلاثة. والأساس على فعال بكسر الفاء جمع أس بالضم، كخفاف جمع خفّ، والأس أصل البناء، ومنه الامامة أس الإسلام النامي، أي: أصله. وقيل: جمع الأس أساس كقفل وأقفال.

وحرسه حراسة أي: حفظه، والجمع حرس وحراس، مثل خدم وخدام، فالعطف تفسيرى، وإنّما جعل الأخفى مفسّراً للأجلى رعاية على القرينة ومحافظة للفقرة.

قوله: «وأذاقه حلاوة غفرانه».

تشبيه الغفران بالعسل ونحوه من الأجسام الحلوة إستعارة بالكناية، وإثبات الاذاقه والحلاوة ترشيح وتخييل.

قوله: «بعد الايمان».

لعلّ (قدّس سرّه) نظر إلى أنّ مجرّد الايمان بالله واليوم الآخر وإن كان من أعظم المطالب والمفاخر، إلا أنه من دون ذلك الاقتداء، وهذا الاقتفاء ممّا لا يمكن أن يتوصل به إلى تلك السعادة العظمى، ويتخلّص به من هذه الشقاوة الكبرى، فجعله كأنه خارج عنه، وجعل هذا الاقتداء لكونه كالجزء الأخير للعلة التامة التي لتلك السعادة، كأنه هو العلة لا غير، ولذلك بالغ في ذلك حتّى حصرها فيه، وإلا فمن البيّن أنّ الأيمان بالمبدء والمعاد من أعظم أركان ما يتوصل به إلى السعادة الأبدية،

على الصادع بها من الصلاة أفضلها ومن التحيّات أكملها، وذلك لا يستتب إلا بنقل الحديث وروايته وضبطه ودرايته وصرف الأيام في مدارسته، وقضاء الأعوام في ممارسته. فطوبى لمن وجّه إليه همته، وبيض عليه لمته، وجعله شعاره و دثاره، وصرف فيه ليله ونهاره.


ويتخلّص به من الشقاوة السرمدية، فكان الأولى كما قيل أن يقول: إن أعظم ما يتوصل به إلى المذكورات بعد الايمان بالله هو الاقتداء الخ. حتّى يكون مفاد العبارة أنّ ما يتوصل به إلى ذلك مركب من أجزاء أعظم أجزائه بعد الايمان هو الاقتداء، فتأمّل.

قوله: «على الصادع بها».

صدعت الشيء بينته وأظهرته، وصدعت بالحق تکلّمت به جهاراً، وقوله تعالى (فاصدع بما تؤمر) (1)أي: أبن الأمر إبانة لا تنمحي، كما لا تلتئم صدع الزجاجة، والكلام إستعاره والمستعار منه كسر الزجاجة، والمستعار له التبليغ، والجامع التأثر.

واستتب الأمر: تهيّأ واستقام.

ودراية الحديث: البحت عن متنه بطرقه الصحيحة والسقيمة وما يحتاج إليه ليعرف المقبول منه فيعمل والمردود منه فيجتنب عنه.

واللمة بالكسر : الشعر إذا تجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغت المنكبين فهو جمة.

والشعار في الأصل: الثوب الذي يلاصق البدن، وسمّي شعاراً لمماسة الشعر.

والدثار: ما يلبس فوقه، يقال: جعل الشيء شعاره و دثاره إذا خالطه و مارسه


1) سورة الحجر: 94.

وهذا أربعون حديث من طرق أهل بيت النبوة والولاية، ومنبع الفتوة والهداية، جمعتها من أماكن عديدة، ومواطن شريدة، نصرة لاخوان الدين، وتذكرة لخلان اليقين، وأردفت كل حديث يحتاج إلى البيان بما يوقف الطالبين على سواء سبيله، و يرشد الراغبين إلى الرحيق المختوم من سلسبيله. مخبراً بالسر المصون خلف


وزاوله كثيراً. والمراد المداومة عليه ظاهراً وباطناً، كذا نقل عنه (قدّس سرّه) في الحاشية.

و «مواطن شريدة» أي متفرّقة، والشريد الطريد، ومنه (فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ) (1)أي: فرّق وبدد جمعهم.

والخليل: الصديق الذي يخاللك في أمرك، وهو فعيل من الخلّة، أي: المودة والصداقة، والجمع الأخلاء والخلان، كما في القاموس (2).

والرحيق الخالص من الشراب. وعن الخليل أفضل الخمر وأجودها (3).

والسلسبيل اللين الذي لا خشونة فيه والخمر وعين في الجنّة، قوله تعالى (عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا) (4).

والمصون المحفوظ.

والمكنون: المستور.


1) سورة الأنفال: 57.

2) القاموس المحيط 3: 370.

3) العين للخليل 3: 45.

4) سورة الانسان: 18.

أستاره، مظهراً للدرّ المكنون بعد استتاره، رافعاً للنقاب عن خبايا رموزه.

كاشفاً للحجاب عن خفايا كنوزه، طاوياً في الأغلب عن تحقيق رجال السند كشحاً، ضارباً عن بيان حال المستند صفحاً، لكون أكثرها مقصوراً على السنن والآداب، واشتهار حديث «من سمع شيئاً من الثواب»(1).


وخبات المشي خبئاً من باب نقع سترته، ومنه «المرء مخبوء تحت لسانه»(2).

والكشح: ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف، وطويت كشحي عن الأمر أضمرته وسترته، وطوى فلان عنك كشحه إذا قطعك، وضربت عنه صرفت وأعرضت عنه وتركته.

قوله: «صفحاً».

أي: إعراضاً، أو للإعراض، أو معرضاً، على أنه مصدر أو مفعول له، أو حال، وفسّر بالأوجه الثلاثه قوله تعالى (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا) (3)

قوله: «من سمع شيئاً من الثواب».

قال المصنّف في الحاشية: هذا الحديث حسن الطريق، وهو الحديث الحادي والثلاثون من هذا الكتاب، وقد تكلّمنا فيه ممّا لا مزيد عليه. انتهى كلامه رفع مقامه (4).

قوله في الحاشية: «هذا الحديث حسن الطريق».

بإبراهيم بن هاشم القمّي، كما هو المشهور، والحق أنه صحيح صحيح الطريق، كما بيناه


1) أصول الكافي 2: 71 ح 1.

2) بحار الأنوار 77: 166 و ص 384.

3) سورة الزخرف: 5.

4) هذه الحاشية غير موجودة في المطبوع من الأربعين.

وإن ساعدتني الأقدار، وأسعفني الدهر الغدار، ومد اللّه عزّوجلّ في مدة الأجل لحصول ذلك الأصل، صرفت عنان النظر إلى تأليف كتاب يحتوي على ألوف من الأحاديث في الأحكام، وينطوي على جميع أبواب الفقه بالتمام، وأصرف إليه الهمّة صرفاً، وأنقده حرفاً حرفاً، وأنظم درر فرائده في سمط دقيق

وأنشر غرر فوائده على طرز أنيق.


في بعض رسائلنا (1)، وسيأتي الايماء إليه في أثناء بيان الحديث الرابع إن شاء اللّه العزيز.

وإسعاف الحاجة قضاؤها.

والغدر ترك الوفاء، ونقض العهد.

والفرائد جمع فريدة وهي الجواهر العالية الأثمان، والمراد بها هنا الصور العلمية والمعانى التصوّريه والتصديقية، والكلام إستعارة، وإضافة الدار إلى الفرائد بيانية.

والسمط : الخيط مادام فيه الخرز، وإلا فهو سلك.

والنثار والانتشار بمعنى واحد.

والغرر جمع الأغر وهي النفائس، والاضافة كما سبقت.

والطرز الهيئة والطريقة والصورة.

وشيء أنيق حسن معجب، إستعار النظم لتأليف بسائط كلامه المترتبة المعاني المتناسقة الدلالات، وأشار إلى الأوّل لبسائط كلامه كالدرر في الصفاء والضياء،

وإنما قال ذلك تحريصا للطالبين وترغيباً للراغبين.


1) راجع، الفوائد الرجالية للمؤلّف ص 66.

مذيلاً كل حديث بتصحيح مبانيه، وتوضيح معانيه، متعمقاً في الكشف عن حاله، والبحث عن رجاله، مبيناً ما هو عليه من الصحة والحسن والتوثيق.


قوله: «مذيلاً كل حديث بتصحيح مبانيه».

الذيل واحد ذيال القميص وذيوله والتذييل على ما ذكره الخطيب الدمشقي في تلخيص المفتاح عبارة عن تعقيب الجملة بجملة تشتمل على معناها، أي: الأولى للتوكيد.

والمراد بالمباني الألفاظ، ومنه قولهم «زيادة المباني تدلّ على زيادة المعاني».

وعمق النظر في الأمور تعميقاً بالغ فيها. ومنه المتعمق في الأمر للتشديد فيه الذي يطلب أقصى غايته.

والكشف: رفع الشيء عمّا يواريه ويغطّيه.

واعلم أن الحديث: إما متواتر، وهو ما ورد من قوم تأمن النفس مواطأتهم على الكذب وهو يفيد العلم وإمّا مشهور، وهو ما ورد من جماعة يتاخم قولهم العلم، وهو إنما يفيد ظنّاً غالباً ويسمّى المستفيض وإمّا أحاد، وهو ما ورد من شخص أو أشخاص لا يفيد قولهم العلم ولا متآخمه وإنّما يفيد مجرّد الظَّنِّ.

وقد حدّوا المستفيض بأنه ما زادت رواته على ثلاثة، وما نقص عن الأربعة فآحاد.

ثم الآحاد: إما مسند أو مرسل، أو مقطوع فالمسند: ما اتصلت روايته بذكر الراوي حتّى يتصل بالمروي عنه، ويسمّى المعنعن والمتصل. والمرسل: ما رواه الراوي عن المروي عنه بغير ذكر الواسطة وهو ممّن لم يلقه. والمقطوع: ما لم يذكر فيه المروي عنه.

ثمّ المسند: إمّا صحيح، أو حسن أو مولّق، أو ضعيف.

----------------------------------------------------------------------

فالصحيح: ما رواه الامامي المعلوم عدالته عن مثله، حتّى يتصل بالمروي عنه من نبي أو إمام، وقد يطلق عليه اسم القوي.

والحسن: ما رواه الممدوح من الامامي الذي لم يبلغ مدحه تعد. تعديله، بأن يكون في الطريق ولو واحداً.

والضعيف: ما رواه غير العدل من الامامي، سواء كان معلوم الفسق أو مجهول الحال في التعديل وعدمه، أو مارواه غير الامامي ممّن لم يوثق، بأن يكون في الطريق ولو واحداً، فهذه أقسام الحديث وأصنافه. هذا.

وإضافة النور إلى التوفيق إضافة اللجين إلى الماء، أو بيانية.

والتوفيق لغة: جعل الشيء موافقاً لآخر، وعرفا جعل اللّه فعل العبد موافقاً لما يحبه ويرضاه، وهو وإن كان في الأصل موضوعاً على وجه يصح استعماله في السعادة والشقاوة، إلا أنه قد صار متعارفاً في السعادة فقط، ولعله المراد بقولهم «التوفيق جعل الأسباب نحو المطلوب الخير».

وقيل: هو الدعوة إلى الطاعة، والمآل واحد

والمراد به هنا تسديد اللّه وتذكيره ولطفه وإلهامه وإلقاؤه أشعة أنواره إلى البال وعصمته عن الخطأ والزلل في الأقوال والأعمال، والتوفيق ممّا لا يستغني الانسان عنه في كل حال، كما قيل لحكيم: ما الشيء الذي لا يستغنى عنه في كلّ حال؟ فقال: التوفيق

ولاح النجم: إذا بدا و ظهر وتلألأ، ومنه قوله :

لقد لاح في الصبح الثريا لمن يرى ***كعنقود ملاحية حين نورا

مهتدياً في ذلك بنور التوفيق، كاشفاً عن مفرداته اللغوية، وتركيباته النحوية، ونكاته المعانية، ولطائفه البيانية، مستنبطاً منه ما يمكن استنباطه من الأحكام الشرعية، مشيراً إلى ما يلوح خلاله من الدقائق الأصلية والفرعية.

راجياً بذلك عظيم الثواب، وجزيل الأجر يوم يقوم الحساب.

وها أنا باسط كفّ السؤال إلى من لا تخيب لديه الآمال أن يوفقني لاتمام ما


وخلاله وسطه وبينه قال اللّه تعالى (فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ) (1).

وقال: (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ) (2)وهي فرج السحاب الذى يخرج منها القطر.

وإضافة العظيم إلى الثواب إضافة الجرد إلى القطيفة.

ومثله «جزيل الأجر» والجزيل: العظيم، يقال: عطاؤك جزيل، فالعطف تفسيري.

و «ها» حرف تنبیه، تقول: ها «أنتم هؤلاء» تجمع بين التنبيهين للتوكيد، وهو مبني على الكسر إذا مددت وقد تقصر، وقد ورد في الرواية كذلك، وتكون مقصورة للتقريب، فنقول: ها أنا ذا. وإن قيل لك: أين فلان؟ قلت إذا كان قريباً ها هو ذا. وإن كان بعيداً: هاهو ذاك. وفى الدعاء «ها أنا ذا بين يديك»(3).

وخاب يخيب خيبة حرم، وخيّبه اللّه لم ينل ما طلب، وفي المثل «الهيبة خيبة».

والأمل محرّكة الرجاء.


1) سورة الاسراء: 5.

2) سورة النور: 43، وسورة الروم: 48.

3) من لا يحضره الفقيه 1: 491.

أرجوه، ويرزقني إكماله على أحسن الوجوه وأن يجعلني ممّن تزود في يومه لغده، من قبل أن يخرج الأمر من يده.

وأن يعصمني عن موارد الزلل في القول والعمل، أنّه القادر على ما يشاء، وبيده أزمة الأشياء، لا نعبد غيره ولا نرجو إلا خيره.


قوله: «ممن تزوّد في يومه».

أي: في دنياه لآخرته، ومنه قول العارف الشيرازي :

زین دو بیتم چه خوش آمد که سحرگه می گفت ***با دف و نی به در مصطبه ترسائی(1)

این حدیثم چه خوش آمد که سحرگه می گفت ***بر در میکده ای با دف ونی ترسائی

گر مسلمانی همین است که حافظ دارد ***آه اگر از پس امروز بود فردائی(2)

وقد يراد باليوم الوقت مطلقا، ومنه الحديث «تلك أيام الهرج»(3)أي: وقته، ولا يختص بالنهار دون الليل.

وقيل: الفرق بين اليوم والنهار أنّ وجود اليوم من حركة فلك الأطلس دورة واحدة، وإنّما وجود الليل والنهار بحركة الشمس.

قوله: «وبيده أزمة الأشياء».

الأزمة جمع زمام، وهو ما يعمل ويجعل في أنف البعير ليقاد به.


1) في الديوان :

2) الديوان للحافظ الشيرازي ص 336 طبع سنة (1376) ش.

3) نهاية ابن الأثير 5: 303.

----------------------------------------------------------------------

ویده تعالى قدرته؛ لأنها يستعمل مجازاً تارة في القدرة، وأخرى في النعمة.

و عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : اليد في كلام العرب القوة والنعمة (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ) (1)أي: بقوّة، ولفلان عندي أيادي كثيرة، أي: فواضل وإحسان، وله عندي يد بيضاء أي: نعمة (2).

والمراد بها هنا المعنى الأوّل، والأولى أن تكون جارياً على سنن التمثيل الذي يسمّيه أهل البيان تمثيلاً تخييلياً، أي: الايقاع في الخيال بتصوير المعاني العقلية بصور الأعيان الحسّية؛ لكونها أظهر حضوراً، وأكثر خطوراً، وهي وإن كانت ترى في الظاهر كاذبة، فليست بكاذبة؛ لأنّ القصد منها تشبيه تلك الحال بحال من تفرض له تلك الصورة الحسّية مثلاً، مثل حال تسخيره تعالى وقدرته على كلّ شيء بحال من تكون له يد يأخذ الأشياء ويتصرّف فيها تصرّف المالك في المملوك، من غير أن يذهب بها إلى جهة حقيقة بالنسبة إليه تعالى، كما ذهب إليه المجسمة، أو مجاز بأن يراد باليد القدرة.

وإنما المراد بالمفردات في مثل ذلك حقائقها في نفسها، كما في قولك «أراك تقدم رجلاً وتؤخّر أخرى» لكن لا بالنسبة إلى الممثل له، بل بالنسبة إلى الممثل به.

وهو باب جليل في علم البيان، عليه يحمل كثير من متشابهات القرآن، كقوله تعالى (ووَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) (3)وقوله


1) سورة الذاريات: 47.

2) التوحيد للشيخ الصدوق ص 153.

3) سورة الزمر : 67.

----------------------------------------------------------------------

(وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ) (1).

قال صاحب الكشّاف : إنّ ذلك تصوير وتمثيل لعظمته تعالى، وتوقيف على كنه جلاله من غير ذهاب بالقبضة واليمين والأيدي إلى جهة حقيقة أو مجاز (2).

بل يذهب إلى آخر الزبدة والخلاصة من الكلام من غير أن يتمحل بمفرداته حقيقة أو مجازاً، كقوله تعالى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) أي: هو بخيل (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) (3)أي: هو جواد من غير تصوّر يد ولا غل ولا بسط.

وشدّد النكير على من تأوّل القبضة بالملك، واليمين واليد بالقدرة، وقال: إنه من ضيق العطن، والمسافرة من علم البيان مسافرة أعوام.

قال: وكم من آية من آيات اللّه في التنزيل وحديث من أحاديث الرسول قد ضيم وسيم الخسف بالتأويلات الغنّة والوجوه الرثّة (4).

واعتذر الشيخ عبدالقاهر من تأويلهم القبضة بالملك، واليد بالقدرة ونحو ذلك، بأن الغرض منه أن لا يقع السامع في التشبيه والتجسيم، وينبه على كون الكلام للتصوير والتمثيل.


1) سورة الذاريات: 47.

2) الكشّاف 3: 408.

3) سورة المائدة: 64.

4) الكشّاف 409:3.

الحديث الأول: ثواب حفظ أربعين حديثاً

إشارة:

حدّثني والدي واستاذي ومن إليه في العلوم الشرعية استنادي حسين بن


الحديث الأول

قوله: «حدّثني والدي».

من الظاهر أنّ أمثال هذه الطرق ليست لذكرها فائدة تعتد بها، إذ لا حاجة في زماننا هذا وما يشبهه من الأزمنه التي اشتهر فيها الكافي والتهذيب وما شاكلهما من الكتب المشهورة إشتهار الشمس في وسط السماء إلى الاسناد ببعض المشايخ إلى تلك الكتب؛ لأنّها مشهورة معروفة بين عامة العلماء، عامة العلماء، ومعلوم يقيناً أنّ التهذي. مثلاً من الشيخ الطوسي، وأنه راض بالنقل عنه، فلا ثمرة إلا تشبّهاً بالسلف وتيمناً واتصالاً للسند.

فجهالة بعض هؤلاء - وهم من مشايخ الاجازة والحافظين للأخبار - غير ضارة إن كان ما في أصل السند معتبراً، ولهذا يوصف الطريق الذي هم فيه بالصحة إن لم يكن فيه قادح من غير جهتهم كهذا الطريق.

فإن موسى بن إبراهيم المروزي أبو حمران وإن كان له كتاب وروايات يرويها عن الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وذكر أنه سمعها وأبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) محبوس عند السندي بن شاهك، وهو معلّم ولد السندي إلا أنه غير منصوص عليه بقدح ولا مدح سوى ما ذكر، وكذا عبيدالله بن عبدالله مشترك بین ضعيف ومهمل، ومثله علي بن إسماعيل، فهذا السند بين ضعيف ومجهول.

عبدالصمد الحارثي الهمداني - نور اللّه تربته


قوله: «حسین بن عبدالصمد».

الجباعي الحارثي من أصحابنا الامامية، فاضل جليل، له كتب، منها شرح الرسالة الألفية، وله تعليقات وحواش على الاستبصار، ورسالة وجيزة جيّدة متعلقة بالوسواس وبالطهارة وأحكامها وما يجوز به الصلاة نجساً من البدن واللباس، كتبها بأمر الشاه طهماسب، ولذا سمّاها بالعقد الطهماسبية.

قوله: «عبدالصمد الحارثي الهمداني».

قال المصنّف في الحاشية: نسبة إلى الحارث الهمداني، كان من أصحاب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وخواصه، وهو المخاطب بالأبيات المشهورة التي أولها «يا حار همدان من يمت يرني» وهمدان بسكون الميم قبيلة من اليمن. انتهى كلامه.

قوله في الحاشية: «الحارث الهمداني».

الحارث بن عبدالله الأعور الهمداني تابعي ثقة صدوق، وهو من كبار العلماء والأولياء، من أصحاب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وخواصه.

روي أنه قال: أتيت أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذات ليلة، فقال: يا أعور ما جاء بك؟

قال: فقلت: يا أمير المؤمنين جاء بي واللّه حبّك، قال: فقال: أما أنا ساحدثك لتشكرها، أما أنه لا يموت عبد يحبّنى فتخرج نفسه حتّى يراني حيث يحبّ، ولا يموت عبد يبغضني فتخرج نفسه حتّى يراني حيث يكره (1).

وفي رواية أخرى عن ميمون بن مهران عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: قال لي الحارث : تدخل منزلى يا أمير المؤمنين؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): على شرط ألا تدخرني شيئاً ممّا في


1) اختيار معرفة الرجال 1: 299 برقم: 142.

وأعلى في عليين رتبته - يوم الثلاثاء ثاني شهر رجب المرجب سنة إحدى وسبعين وتسعمائة في دارنا بالمشهد المقدّس الرضوي على مشرفه السلام.


بيتك، ولا تكلّف لى شيئاً ممّا وراء بابك، قال: نعم، فدخل يتحرّق ويحبّ أن يشتري له وهو يظن أنه لا يجوز له، حتّى قال له أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يا حارث ولست أقدر على أن أشتري لك ما أريد، قال: أوليس قلت فقال: هذه دراهم معي. لك لا تكلّف ما وراء بابك، فهذه ممّا في بيتك(1).

قوله: «وأعلى في عليين».

أي: في مراتب عالية محفوفة بالجلالة

وقيل: في السماء السابعة وفيها أرواح المؤمنين.

وقيل: في سدرة المنتهى، وهي التي ينتهي إليها كلّ شيء من أمر اللّه تعالى.

وقيل: عليون الجنّة. وعن البراء بن عازب عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، قال: في عليين في السماء السابعة تحت العرش(2).

قوله: «احدى وسبعين».

يظهر من هذا التاريخ أنّ هذا التحديث كان في عنفوان شباب الشيخ، فإنّه (قدّس سرّه) - على ما ذكره ميرزا محمّد طاهر النصر آبادي في تذكرته - مات قبل وفاة الشاه عباس سنة ثلاثين وألف بعد الهجرة (3).

وكتب (رَحمهُ اللّه) هذا الكتاب المستطاب قبل وفاته بخمس وثلاثين سنة، سنة خمس وتسعين وتسعمائة في محروسة اصفهان، وكان في أكثر أيام عمره مشغولاً


1) اختيار معرفة الرجال 1: 299 - 300 برقم: 143.

2) مجمع البيان 5: 455.

3) التذكرة للنصر آبادي 1: 218 - 219.

عن شيخيه الجليلين عمادي الإسلام وفقيهي أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) السيّد حسن بن جعفر الكركي، والشيخ زين الملة والدين العاملي (قدّس اللّه سرّهما) ورفع في الملأ الأعلى ذكرهما، عن الشيخ الفاضل التقي علي بن عبد العالي الميسي، عن الشيخ السعيد محمّد بن داود المؤذن الجزيني عن الشيخ الكامل ضياء الدين علي، عن والده الأفضل الأكمل المدقق المحقّق الجامع في معارج السعادة بين رتبة العلم ودرجة الشهادة الشيخ شمس الدين محمّد بن مكي رفع اللّه قدره وأضاء في سماء الرضوان بدره الحديث.


بالسياحة والتجارة.

فإن قلت: هل يقدح ميله إلى التصوّف والقول بوحدة الوجود في قبول روايته؟

قلت: هذا القول وإن لم يقم عليه دليل عقلي ولا شاهد نقلي، كما أوضحناه في رسالة لنا في إيطاله، ولكن الظاهر أنه لا يقدح في العدالة إذا لم يكن فيها قادح من غير جهته؛ لأن وحدة الوجود وتعدّده وكونه مشتركاً معنوياً أو لفظياً ونحو ذلك من فروع الكلام، والاختلاف فيها لا يوجب تكفيراً ولا تفسيقاً، وإن كان مخطئاً في اجتهاده. كما صرح به جماعة من أصحابنا منهم الشهيد الثاني في شرح الشرائع معللاً بأنها مباحث ظنّية، والاختلاف فيها بين العلماء كثير، وقد عد بعضهم جملة ما وقع الخلاف فيه منها ما بين المرتضى وشيخه المفيد، فبلغ نحواً من مائة مسألة فضلاً عن غيرهم (1).

قوله: «بين رتبة العلم ودرجة الشهادة».

نقل أنّ الشيخ الشهيد ما تن اللمعة - روح اللّه روحه - قبض بمكة المشرفة بأمر


1) مسالك الأفهام 14: 172.

وعن شيخنا زين الملة والدين عن الشيخ الجليل جمال الدين أحمد بن خاتون، عن شيخنا المحقّق أفضل المتأخرين وأكمل المتبحرين نور الملة والدين علي بن عبدالعالي الكركي العاملي، أعلى اللّه مقامه، وأجزل في الخُلد إكرامه، عن الشيخ الورع الجليل علي بن هلال الجزائري عن الشيخ العالم العابد جمال الدين أحمد ابن فهد الحلّي، عن الشيخ زين الدين علي بن الخازن، عن شيخنا الشهيد محمّد بن مكي الحديث.

و عن الشيخ محمّد بن المؤذن عن السيّد الأجل السيّد علي بن رقماق الحسيني، عن الشيخ محمّد بن شجاع القطان عن الشيخ الجليل الفاضل المقداد ابن عبدالله السيوري الحلّي عن شيخنا الشهيد، عن جماعة من مشايخه:

منهم: السيّد المحقّق الطاهر عمیدالدین عبدالمطلب الحسيني، والشيخ الأفضل فخر المحققين أبو طالب محمّد الحلّي، والسيد الفاضل النسّابة أبو عبدالله محمّد بن القاسم بن معيّة الحسني، والسيد الكبير نجم الدين مهنا بن سنان (1)المدني،


السلطان سليمان ملك الروم في ثامن شهر ربيع الأول سنة خمس وستين وتسعمائة، وكان القبض عليه فى المسجد الحرام بعد فراغه من صلاة العصر، وأخرجوه إلى بعض دور مكة، وبقي محبوساً هناك شهر أو أربعة أيام، ثمّ ساروا به على طريق البحر إلى قسطنطنيه، وقتلوه بها في تلك السنة، وبقي مطروحاً ثلاثة أيام، ثمّ ألقوا جسده الشريف في البحر (قدس اللّه روحه) كما شرف خاتمته، وكانت ولادته سنة احدى وتسعمائة.


1) في المطبوع من الأربعين: مهنا سنان.

والمولى الفاضل ملك العلماء مولانا قطب الدين محمّد الرازي(1)، عن الشيخ الأكمل العلّامة آية اللّه في العالمين جمال الملة والحق والدين أبي منصور الحسن ابن مطهر الحلّي (قدس اللّه روحه) ونوّر ضريحه، عن شيخه الأفضل رئيس المحققين نجم الملة والدين أبي القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد الحلّي، عن السيّد الجليل النسابة فخّار بن معد الموسوي، عن شاذان بن جبرئيل القمي، عن محمّد ابن أبي القاسم الطبري، عن الشيخ الفقيه أبي على الحسن، عن والده الأجل الأكمل شيخ الطائفة محمّد بن الحسن الطوسي نور اللّه مرقده الحديث.

وعن الشيخ العلّامة جمال الدين حسن بن مطهر، عن السيّد الطاهر ذي المناقب والمفاخر رضي الدين علي بن الطاووس الحسني (طاب ثراه)، عن حسين بن أحمد السوراوي، عن محمّد بن أبي القاسم الطبري، عن الشيخ أبي علي، عن والده محمّد بن الحسن الطوسي الحديث.

وعن العلّامة جمال الملة والدين عن أستاذه أفضل المحققين، سلطان الحكماء المتكلمين، خواجه نصير الملة والحق والدين محمّد الطوسي، عن والده محمّد بن الحسن الطوسي، عن السيّد الجليل فضل اللّه الراوندي، عن السيد المجتبى بن الداعي الحسني عن الشيخ الطوسي الحديث.

وعن شيخنا الشهيد عن الشيخ رضي الدين علي بن أحمد المزيدي، عن الشيخ الفاضل الجليل الحسن بن داود الحلّي عن الشيخ أبي القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد، عن أبيه، عن جده، عن عربي بن مسافر العبادي، عن إلياس بن هشام الحائري، عن الشيخ أبي علي، عن والده محمّد بن الحسن الطوسي، عن الشيخ


1) صاحب المحاكمات وشرح المطالع، وهو من تلامذة شيخنا العلّامة، وقرأ عنده كتاب قواعد الأحكام، وله عليه نقود وحواش نقلها والدي (طاب ثراه) في قواعده من قواعد شيخنا الشهيد (قدس اللّه روحه) (منه).

الأعظم الأكمل المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان الحارثي سقى اللّه ثراه، عن الشيخ الأجل ثقة الإسلام محمّد بن علي بن بابويه القمّي أعلى اللّه درجته، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن علي بن إسماعيل، عن عبیدالله بن عبدالله عن موسى بن إبراهيم المروزي، عن الإمام الكاظم موسى بن جعفر، قال :

قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): من حفظ على أمتي أربعين حديثا ممّا يحتاجون


قوله: «محمّد بن علي بن بابويه القمي».

المفيد يروي عن محمّد بن بابويه بغير واسطة. وأما روايته عن محمّد بن يعقوب، فبواسطة جعفر بن محمّد بن قولويه، كما سيأتي في سند الحديث السابع والعشرين، وكذلك في كثير من الأحاديث المذكورة في التهذيب، وذلك أنه لم يدرك محمّد بن يعقوب، فإنّه مات في آخر زمان الغيبة الصغرى قبل وقوع الغيبة الكبرى سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وولد المفيد سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة فالتفاوت بين تاريخي وفاته وتولّد المفيد تسع سنين.

قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «أربعين حديثاً».

الحديث والخبر مترادفان، وهو أعم من أن يكون قول الرسول والامام والصحابي والتابعي وغيرهم من العلماء والصلحاء ونحوهم، وفي معناه فعلهم وتقريرهم، هذا هو الأشهر في الاستعمال.

وقد يخص الحديث بما جاء عن المعصوم من النبي والامام. والخبر بما جاء عن غيره، ومن ثمّ قيل لمن اشتغل بالتواريخ وما شاكلها: الأخبارى. ولمن اشتغل بالسنّة النبوية: المحدّث.

وقيل: الحديث أعمّ من الخبر مطلقا، فكلّ خبر حديث من غير عكس.

وفي الدراية الشهيدية : الصحابي من لقي النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، مؤمناً به، ومات على

----------------------------------------------------------------------

الاسلام، وإن تخلّلت ردّته بين لقيه مؤمنا به وبين موته مسلماً على الأظهر.

والمراد باللقاء ما هو أعم من المجالسة والمماشاة، ووصول أحدهما إلى الآخر وإن لم يكالمه ولم يره، فيدخل فيه مثل ابن أم مكتوم الأعمى، فإنّه صحابي بغير خلاف. واحترز بقوله «مؤمناً» عمّن لقيه كافراً وإن أسلم بعد موته، فإنّه لا يعد من الصحابة.

وبقوله «به» عمّن لقيه مؤمنا بغيره من الأنبياء ومن هو مؤمن بأنه سيبعث ولم يدرك بعثته، فإنّه حينئذ لم يكن (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نبياً.

وبقوله «مات على الاسلام» عمّن ارتد ومات عليها، كعبيدالله بن جحش.

وشمل قوله «وإن تخلّلت ردّته» ما إذا رجع إلى الاسلام في حياته وبعده، سواء لقيه ثانياً أم لا.

ونبه بقوله «على الأظهر» على خلاف في كثير من تلك القيود، فإن بعضهم اعتبر فيه رواية الحديث، وبعضهم كثرة المجالسة وطول الصحبة، وآخرون الاقامة سنة وسنتين وغزوة معه وغزوتين وغير ذلك. وتظهر فائده قيد الردّة في مثل الأشعث بن قيس، فإنه كان قد وفد على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ثمّ ارتد وأسر في خلافة الأوّل، فأسلم على يده فزوجه أخته وكانت عوراء، فولدت له محمّد الذي شهد قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فعلى ما عرّفنا يكون صحابياً (1).

وأما التابعي، فهو من لقي الصحابي كذلك، أي بالقيود المذكورة، واستثني منه قید الایمان به فذلك خاص بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).


1) الرعاية في علم الدراية للشهيد الثاني ص 339 – 341.

إليه في أمر دينهم، بعثه اللّه عزّوجلّ يوم القيامة فقيهاً عالماً.

بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث

«من حفظ»: الظاهر أنّ المراد الحفظ عن ظهر القلب، فانّه هو المتعارف المعهود في الصدر السالف، فإنّ مدارهم كان على النقش في الخواطر لا على الرسم في الدفاتر، حتّى منع بعضهم عن الاحتجاج بما لم يحفظه الراوي عن ظهر القلب.

وقد قيل إنّ تدوين الحديث من المستحدثات في المائة الثانية من الهجرة.


قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «بعثه اللّه عزّوجل».

وفي رواية أبي الدرداء: كنت له يوم القيامة شافعاً وشفيعاً وشهيداً (1).

وفي رواية ابن مسعود: قيل له: ادخل الجنة من أي باب شئت (2).

وفي رواية ابن عمر: كتب في زمرة الشهداء (3).

قوله: «حتى منع بعضهم».

هذا منع لا وجه له ؛ لقول الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمفضّل بن عمر: اكتب وبثّ علمك في إخوانك، فإن مت فأورث كتبك بنيك، فإنّه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلا بكتبهم (4).

إن آثارنا تدلّ علينا ***فانظروا بعدنا إلى الآثار


1) كنز العمّال 10: 224 برقم: 29184.

2) كنز العمّال 10: 225 برقم: 29186.

3) كنز العمّال 10: 225 برقم: 29191.

4) أصول الكافي 1: 52 ح 11.

----------------------------------------------------------------------

وكذا لا وجه لقول من يقول: إنّ تدوين الحديث من المستحدثات في المائة الثانية من الهجرة؛ لقول الشيخ المفيد أبي عبدالله محمّد بن النعمان البغدادي - (رضي اللّه عنه) - صنّفت الامامية من عهد أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى عهد أبي الحسن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) أربعمائة كتاب تسمّى الأصول، فهذا معنى قولهم «له أصل».

والمشهور أنّ أوّل من صنف فى الاسلام أمير المؤمنين على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثمّ سلمان الفارسي، ثمّ أبو ذر الغفاري، ثمّ الأصبغ بن نباته، ثمّ عبيدالله بن أبي رافع، ثمّ الصحيفة الكاملة عن زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

وقصة سليمان بن قيس الهلالي وهو من أصحاب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مشهورة، فإنّه لما طلبه الحجّاج ليقتله هرب منه إلى ناحية من أرض فارس، و آوى إلى أبان ابن أبي عياش، فلما حضرته الوفاة أعطاه كتاباً، قال أبان: قرأته على علي بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، فقال : صدق سليم رحمة اللّه عليه هذا حديث نعرفه (2).

وسينقل بعضه شيخنا البهائي (قدّس سِرُّه)، ويجعله من جملة الأربعين في الحديث الحادي والعشرين.

والعجب منه أنه يعضد كلامه بمثل هذه الأقوال من غير تدبّر، فتدبّر.

واعلم أنّ هذا المذهب وهو المنع من الاحتجاج بما لم يحفظه الراوي منقول عن مالك وأبي حنيفة وبعض الشافعية، فإنّهم قالوا: لا حجة إلا فيما رواه الراوي من حفظة.


1) معالم العلماء لابن شهر آشوب ص 2 - 3.

2) کتاب سليم بن قيس الهلالي ص 66 طبع النجف الأشرف.

ولا يبعد أن يراد بالحفظ الحراسة عن الاندراس بما يعم الحفظ عن ظهر القلب والكتابة والنقل بين الناس ولو من كتاب وأمثال ذلك.


ومنهم من أجاز الاعتماد على الكتاب بشرط بقائه في يده، فلو أخرجه عنها ولو بإعارة ثقة، لم يجز الرواية منه؛ لغيبته عنه المجوّزة للتغيير، وهو دليل من يمنع الاعتماد على الكتاب. والحق جواز الاعتماد عليه وإن خرج من يده مع أمن التغيير والتبديل.

قوله: «أن يراد بالحفظ الحراسة عن الاندراس».

أي: حفظها عن التلف والزوال، فيشمل حفظها عن ظهر القلب ونسخها ودرسها قراءة ومطالعة ومذاكرة، إلى غير ذلك، حتّى ضبطها وحفظها في وعاء كصندوق لتسلم عن الآفة والتلف، بشرط أن يكون في نيّته ذلك، لا التجارة والقنية ونحوهما، فإنه بمجرد ذلك يترتب عليه الجزاء، ويكتب من جملة العلماء، ويحشر في زمرة الشهداء، كما ورد في بعض روايات هذا الحديث (1).

والمراد بالأمة هنا أمة الاجابة لا أمة الدعوة.

ويشبه أن يكون المراد بالحاجة الدينية ما يعم القوة والفعل، بأن يكون الحديث ممّا من شأنه أن يحتاجوا إليه في أمر دينهم، وإن لم يتفق الحاجة إليه في بعض الأزمان، فيشمل الأحاديث الواردة في الجهاد الابتدائي، ونحوه ممّا لا تدعو إليه الحاجة الدينية، ولا ينتفع به الأمّة في هذه الأزمان، وهو زمان غيبة صاحبنا صلوات اللّه عليه، فتأمّل.


1) تقدم استخراجها عن كتاب كنز العمال، فراجع.

وقد يقال: المراد بحفظ الحديث تحمّله على أحد الوجوه الستة المقررة في الأصول، أعني: السماع من الشيخ والقراءة عليه، والسماع حال قراءة الغير، والإجازة، والمناولة، والكتابة. وبعده ظاهر.

«على أمتي»: الظاهر أنّ «على» بمعنى اللام، أي: حفظ لأجلهم، كما قالوه في قوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ (1)أي: لأجل هدايته إياكم.)ويحتمل أن يكون بمعنى «من» (2كما قيل في قوله تعالى: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى)-------------------------------------------------------------------------قوله: «والاجازة والمناولة».الاجازة: هي أن يقول الشيخ لتلميذه: أجزت لك أن تروي هذا الحديث وذلك الكتاب ونحو ذلك، من غير أن يقرأ عليه وهو يقرأ على الشيخ تمامه.وفي أصول الكافي عن أحمد بن عمر الحلال، قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ : الرجل من أصحابنا يعطيني الكتاب ولا يقول اروه عنّي، يجوز لي أن أرويه عنه ؟ قال : فقال: إذا علمت أن الكتاب له فاروه عنه (3).)وهذه تسمّى بالمناولة، والمشهور جواز حدّثنا وأخبرنا فيه مقيّداً. وقيل: يجوز مطلقا، واصطلح فيه أنبأنا.قوله: «يحتمل أن يكون بمعنى من».فيكون «من» ابتدائية، أي: حفظ من أمتي لا من غيرهم، ويلزم ترتب الجزاء


1) سورة البقرة : 185.

2) ويؤيّده ما أورده الشيخ الصدوق في كتاب عيون الأخبار في الحديث الخامس والتسعين من باب ماجاء عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الأخبار المجموعة «من حفظ من أمتي أربعين حديثاً» (منه).

3) أصول الكافي 1: 52 ح 6.

النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (1).)«أربعين حديثاً»: الحديث لغة يرادف الكلام. سُمّي به لأنه يحدث شيئاً فشيئاً.وفي الاصطلاح: كلام خاص عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، أو الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أو الصحابي، أو التابعي، ومن يحذو حذوه، يحكي قولهم أو فعلهم أو تقريرهم.)وبعض المحدثين لا يطلق إسم الحديث إلّا على ما كان عن المعصوم (عَلَيهِ السَّلَامُ.)«ممّا يحتاجون إليه في أمر دينهم»: أي من الأحاديث التي تدعو الحاجة الدينية إليها، كالأحاديث الواردة في بعض الاعتقادات والأعمال، لا الدنيوية كالأحاديث في توسعة الرزق ودفع المؤذيات مثلاً إذا لم تدع إليها حاجة دينية.وفي بعض الروايات: «فيما ينفعهم في أمر دينهم» وفي بعضها: «أربعين حديثاً ينتفعون بها» من غير تقييد بأمر الدين.«عزّوجل» جملتان معترضتان بين الحال وصاحبه ويحتمل الحالية بتقدير «قد».« فقيهاً عالماً» المراد أنّه يحشر بمجرد ذلك في زمرة الفقهاء والعلماء الذين-------------------------------------------------------------------------على الحفظ من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بطريق أولى.)ويحتمل أن يكون بيانية، أي: من حفظ وكان الحافظ من أُمتي، فيخرج عنه لو كان الحافظ غير مسلم؛ إذ لم يترتب الجزاء المذكور عليه، كما لا يخفى، كذا قيل.والأوّل بعيد، لقوله في الحديث المشهور «خذ الحكمة أني كانت، فإن الحكمة تكون في صدر المنافق، فتلجلج في صدره حتّى تخرج، فتسكن إلى صواحبها في صدر المؤمن» (2والظاهر هو الثاني.)


1) سورة المطففين: 2.

2) نهج البلاغة ص 481 رقم الحديث: 79.

يرجح مدادهم على دماء الشهداء.### المراد من الحفظ في الحديثتبصرةالظاهر من قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ «من حفظ» ترتب الجزاء على مجرّد حفظ لفظ الحديث، وأن معرفة معناه غير شرط في حصول الثواب، أعني: البعث يوم القيامة فقيهاً عالماً.)وهو غير بعيد، فإنّ حفظ ألفاظ الحديث طاعة كحفظ ألفاظ القرآن. وقد دعا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لناقل الحديث وإن لم يكن عالماً بمعناه، كما يظهر من قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «رحم اللّه امرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها، فربَّ حامل فقه ليس بفقيه، وربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (1).)-------------------------------------------------------------------------قوله : «يرجح مدادهم».لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : إذا كان يوم القيمة يوزن مداد العلماء على دماء الشهداء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء (2). وذلك لكثرة الانتفاع بآثار مدادهم، فربّ مسألة حققها عالم انتفع بها خلق كثير بمرور الشهور ومضي الدهر، فيكون مثله كمثل صدقة جارية فيهم ينتفعون بها.)قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «رحم اللّه امرأ».)استدل بهذا الحديث على وجوب نقله بصورته بأنّ أداء ما سمعه كما هو إنما هو بنقل اللفظ بعينه، على أنّ السامع قد يكون أذكر من الراوي، فيستفيد من اللفظ ما لا يستفيده الراوي.وفيه أنّ دلالته على وجوب التأدّي كما سمعه ممنوعة؛ لجواز كونه وعاءً لمن نقله بلفظه لأنه أولى. ولو سلّم فلا دلالة على وجوب تأديته ؛ لأن تأدية المسموع


1) أصول الكافي 1: 403 ح 1.

2) بحار الأنوار 2 : 16 ح 35 عن الأمالي للشيخ الطوسي.

ولا يبعد أن يندرج يوم القيامة بمجرد حفظ اللفظ في زمرة العلماء، فإنّ من تشبه بقوم فهو منهم.-------------------------------------------------------------------------كما يحصل بلفظه، كذلك يحصل بنقله بمضمونه عرفاً.على أنّ الخبر المذكور بعينه يدلّ على جواز النقل بالمعنى؛ لأن الظاهر أنه حديث واحد، والأصل عدم تكرّر منه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ. ومع ذلك فقد روي «نضر الله» (1)و «رحم الله» و «إلى غير «فقيه» و «إلى من لا فقه له» فهو لنا لا علينا.)والمشهور أنّ الراوي إذا كان عارفاً بمواقع الألفاظ وموارد استعمالها، بأن يكون عارفاً بحقائقها ومجازاتها ومنطوقها ومفهومها، وعالماً بفنون العربية، جاز له ذلك، بشرط أن يذكر في روايته أنه نقل المعنى دون اللفظ، مع أن الأولى نقله بصورته، وأما غيره فلا يجوز له ذلك اتفاقاً.والدليل على جوازه مع الأخبار الدالّة عليه، إطباقهم على جواز تفسيره بالعجمية، فتفسيره بالعربية أولى؛ لأنه أقرب نظماً وأوفى بمقصود تلك اللغة من لغة أخرى، على أنا نعلم أن المقصود في التخاطب إنّما هو المعنى ولا عبرة بالتلفّظ.قوله: «فإنّ من تشبه بقوم فهو منهم».وذلك لأن تشبّهه بهم يدلّ على رضائه بفصلهم وقولهم، وبما يتشبّه به بهم، وقد ثبت بالعقل والنقل أنّ الراضي بفعل المحسن شريك له في إحسانه، والراضي بفعل المسيء شريك له في إساءته من جهة المدح والذم والأجر والاثم، وقد ذم اللّه من كان من اليهود في عصر نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بإضافته قتل أنبيائهم إليهم، وإن كان المباشر لذلك من تقدّمهم من آبائهم؛ لرضائهم به وموافقتهم إياهم.)


1) كما في الكافي.

وهل ترجمة لفظ الحديث حديث فيترتب ذلك الثواب على حفظها؟ الظاهر لا. كما أنّ ترجمة القرآن ليست بقرآن. ولذلك جاز للمحدّث مسها، ولم يخرج ناذر قراءة القرآن عن العهدة بقراءتها.والاستدلال على أنها قرآن بقوله تعالى: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى(1)فالحديث كذلك، ضعيف.)وأما تجويزهم نقل الحديث بالمعنى، فلا يقتضي كون الترجمة حديثاً. وهو ظاهر.### المراد من قوله «على أُمتي»تنبیهالظاهر من قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: (على أمتي» أن المراد جميع الأمة. وهو بظاهره يقتضي)-------------------------------------------------------------------------قوله: «والاستدلال» إلى قوله (ضعيف».)وجه الاستدلال: أنّ المشار إليه بهذا القرآن، فعلم أنّ هذه المعاني وإن عبّر عنها بألفاظ أخر يسمى قرآناً.وجه الضعف: أنه لا يدلّ على أنّ المذكور في الكتب السابقة المنزلة على الأنبياء متصف بوصف القرآنية، والمطلوب هذاقوله: «على أمتي». لو كان المراد بقوله «على أمتي» جميع الأمة بناءً على أن الأمة إسم جنس مضاف، وهو كما تقرّر في مقرّه يفيد العموم لزم منه أن لا يترتب ذلك الثواب إلاّ على حفظ حدیث متواتر متفق عليه بين جميع الأمة، مشترك بينهم في الحاجة إليه والانتفاع به، كقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر»(2)دون خبر)


1) سورة الأعلى: 18.

2) عوالي اللئالي 1: 244 و 453 و 2: 258 و 345 و 3: 523.

أن لا يترتب ذلك الثواب إلّا على حفظ ما يشترك جميع الفرق الإسلامية في الحاجة إليه والانتفاع به، كقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : « لا صلاة إلا بطهور»(1)«جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً » (2)«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»(3)وأمثال ذلك دون الأحاديث التي بعض الأمة مصرّ على ردّها وإنكارها، كقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):)-------------------------------------------------------------------------الواحد الذي لم يعمل به جماعة من الأمّة، كالمرتضى والأكثر على ما نقله جماعة، فإنّهم لم يحتاجوا إليه في أمر دينهم، ولم ينتفعوا به فيه، بل صرحوا بأنه لا يفيد العلم ولا العمل، فافهم.وظنّي الاضافة في قوله «على أُمّتي» للعهد؛ لأنّ تعريفها كما صرحوا به باعتباره، فلا يقال غلام زيد إلا لغلام معهود باعتبار تلك النسبة، لا لغلام من غلمانه، وإلا لم يبق فرق بين النكرة والمعرفة. والمعهود من أمته هو الفرقة الناجية المذكورة في قوله «ستفرق أُمتي على ثلاثة وسبعين فرقة فرقة ناجية، والباقون في النار» (4إذ لو كان المراد به جميع هؤلاء الأمة - كما فهمه منه (قدّس سرّه) - لزم منه حقية مذاهب هذه الفرق كلّها، والتالي باطل عنده، فالمقدم مثله.)بيان الملازمة : أنّ مذاهبم لو كانت باطلة لما ترتب هذا الجزاء على مجرد حفظ من لهم لفظ الحديث الذي يحتاجون إليه، وينتفعون به في أمر دينهم ومذهبهم، وهذا ظاهر فافهمه.


1) عوالي اللئالي 2: 184 و ص 209 و 3: 8.

2) عوالي اللئالي 2 : 13 و ص 208.

3) فروع الكافي 5: 437 ح 2 و 3.

4) بحار الأنوار 28: 3 - 4.

«البيعان بالخيار ما لم يفترقا » (1وأحاديث مسح الرجلين في الوضوء(2). وما رووا عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «ما أبقت الفرائض فلا ولي عصبة ذكر»(3)وغير ذلك، إذ الجميع لا يحتاجون إليه ولا ينتفعون به.)فإما أن يُراد بالأمة ما يشتمل بعضهم، أو يراد بقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ «مما يحتاجون إليه» ما من شأنهم أن يحتاجوا إليه ولو بحسب اعتقاد ذلك الحافظ (4)، فليتأمل (5).)-------------------------------------------------------------------------قوله: «إذ الجميع لا يحتاجون إليه».لا يخفى أن الاحتياج إلى شيء غير الانتفاع به، وباعتقاد الامامي في مثال المذكور كان كلّ الأمة محتاجين بالفعل إلى حديث المسح، وإن لم يكونوا منتفعين بالفعل، فظهر أنّ بعد ما أخذ الاحتياج بحسب اعتقاد البعض لا يحتاج إلى تأويل ممّا يحتاجون إليه إلى ما بالقوة حتّى يكون بعيداً، فتأمّل كذا قيل.


1) فروع الكافي 5: 170 ح 6.

2) راجع وسائل الشيعة 1 : 457 ب 38 أبواب الوضوء

3) مسند أحمد بن حنبل 1: 213.

4) كالإمامي لو حفظ أربعين حديثاً فيما يختص بالشيعة، كمسح الرجلين والمتعة مثلاً؛ لأن من شأن جميع الأمة العمل بها بحسب اعتقاده بخلاف ما لو حفظ أربعين حديثاً في غسل الرجلين والعول والتعصيب مثلاً؛ لأنه ليس من شأن جميع الأمّة العمل بها - اعتقاده؛ لأنّ الأمة لا تجتمع على الخطأ (منه).

5) وجه التأمل أن تفسير ما يحتاج إليه الأمة بما من شأنهم الاحتياج إليه وإن لم يتحقق إحتياج إليه بالفعل أصلاً بعيد جداً (منه).

إن قلت (1: لا مناص عن أن يراد من الأمة بعضهم، أعني: المجتهدين منهم، لأن وظيفة من عداهم التقليد لا الرجوع إلى الحديث، فهم لا يحتاجون إليه ولا ينتفعون به.)قلت: الاحتياج إليه أعم من أن يكون بواسطة أو لا. وأيضاً فالكل ينتفعون بالحكم المستنبط منه وإن كان المستنبط بعضهم.### استفاضة حديث من حفظتتميملو اشتمل الحديث الواحد على أحكام وجمل متعدّدة، فلا شبهة في جواز الاقتصار على نقل البعض بانفراده، إذا لم يكن متعلقاً بالباقي. ونقل العلّامة في نهاية الأصول الاتفاق على ذلك، كقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «من فرج عن أخيه كربة من كرب الدنيا فرج اللّه عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن كان في حاجة أخيه كان اللّه في حاجته، ومن ستر على أخيه ستر اللّه عليه في الدنيا والآخرة، واللّه تعالى في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (2)فهذا الحديث واحد، ويجوز الاقتصار على نقل كلّ من الجمل الأربع بانفرادها فيقال: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كذا.)أما ما يرتبط بعضه ببعض، فلا يجوز الاقتصار على نقل بعضه، كالاقتصار على نقل قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «لا سبق إلّا في نصل (3)»(4)من دون أن يضاف إليه «أو خفّ أو)


1) مبنى السؤال على الانتفاع بالحديث في استنباط الأحكام منه مع إغماض العين عن الانتفاع ولو أريد بالانتفاع مطلق ترتب الثواب مثلاً لم يرد السؤال؛ لأن الثواب يترتب على حفظ اللفظ، وكذا لو أريد الانتفاع بالقوة (منه).

2) أصول الكافي 2 : 200 ح 4 و 5 مع اختلاف في بعض الألفاظ.

3) فروع الكافي 5: 49 ح 6.

4) اختلف المحدّثون في أنّ السبق في هذا الحديث هل هو بسكون الباء ليكون مصدراً لمعنى المسابقة، أو بفتحها بمعنى المال المبذول للسابق. فعلى الأوّل تصح المسابقة في غير هذه الثلاثة. وعلى الثاني يصح ولكن أخذ العوضين حرام (منه).

حافر» والاقتصار على قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «من نزل على قوم فلا يصومن تطوعاً»(1)من دون أن يضيف اليه «إلا بإذنهم».)وعلى هذا فلو تضمّن الحديث أربعين حكماً مثلاً كل منها مستقل بنفسه، فلا شكّ في جواز نقل كلّه منها بانفراده، لكن هل يصدق على من حفظه أنه حفظ أربعين حديثاً، فيستحق به الثواب المترتب على ذلك؟ لم أجد لأحد فيه تصريحاً. وهو محلّ تأمل، ولو قيل به لم يكن بعيداً.تذكرةهذا الحديث مستفيض بين الخاصّة والعامّة، بل قال بعضهم بتواتره.-------------------------------------------------------------------------قوله: «هذا الحديث مستفيض».قال الشيخ شهاب الدين في كتاب الأربعين - بعد أن نقل طرق هذا الحديث عن العامّة -: - اتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف وإن كثرت طرقه.وقال أبو علي سعيد بن سكن الحافظ: ليس يروى هذا الحديث عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ من طريق ثبت.)وقال الدارقطني : لا يثبت في طرقه شيء.وقال البيهقي: أسانيده كلّها ضعيفة.وقال ابن عساكر: أسانيده كلّها فيها مقال، ليس فيها للتصحيح مجال.وقال عبد القادر :البرهاوى طرقه كلّها ضعاف؛ إذ لا يخلو طريق منها أن يكون فيها مجهول لا يعرف، أو معروف مضعف ونحو ذلك قال سائر علمائهم (2.)


1) كنز العمّال 9: 261 برقم: 25951.

2) الأربعين للشيخ شهاب الدين، لم يوجد لديّ.

-------------------------------------------------------------------------قيل: وكما أنه ضعيف من جانبهم بجميع طرقه، فكذا طرقه، فكذا من جانبنا.وجملة ما وقفت من جانبنا ثلاث طرق :الأولى: ذكرها شيخنا الشهيد فى أربعينه، وابتداء السند فاضلون إلى السيّد فضل اللّه الراوندي، وباقي سنده إلى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ مجهول (1). وجملته خمسة رجال منهم من لا يعرف، ومنهم من لم ينص الأصحاب فيه بمدح ولا قدح.)والثانية: رواها الشهيد أيضاً مقروة بإسناده المشهور إلى الصدوق وكلّهم ثقات، و ابن بابويه أرسله إلى الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ.)والثالثة: ذكرها الشيخ الجليل أبو سعيد محمّد بن أحمد بن الحسين النيسابوري في أربعينه، وفي سنده أيضاً مجاهيل.وأما ما ذكره الشيخ البهائي (قدّس سِرُّه من السند، فقد عرفت أنه بين ضعيف ومجهول، وإذا ثبت أنه ضعيف بجميع طرقه فعلی تقدیر تسلیم دلالته على حجية خبر الواحد لا يجوز الاستدلال به عليه، ولذلك لم يستدل به عليه أحد من العلماء فافهم.)ثم إني لم أجد أحداً قال بتواتره، بل ولا أحداً قال بصحته، سوى أحمد بن محمّد السلفي في خطبة كتاب الأربعين له، حيث قال: أما بعد، فإن نفراً من العلماء لما رأوا ورود أقول أطهر منسل وأظهر مرسل من حفظ على أمتي أربعين حديثاً بعثه اللّه يوم القيامة فقيهاً » من طرق وثقوا بها، وعوّلوا عليها، و عرفوا صحتها،


1) الأربعين للشهيد الأوّل ص 1 - 2.

فإن ثبت أمكن الاستدلال به على أن خبر الواحد حجة. ولم أجد أحداً استدل به على هذا المطلب.-------------------------------------------------------------------------وركنوا إليها، خرّج كلّ منهم لنفسه أربعين حتّى قال إسماعيل بن عبدالغافر الفارسي: اجتمع عندي من الأربعينيات ما ينيف على السبعين(1)وتعقبه بعضهم بعد أن نقل اتفاق علمائهم على ضعفه على نحو ما سبق بقوله: فاتفاق هؤلاء الأئمّة على تضعيفه أولى من إشارة السلفي إلى صحته.وقال زكي الدين المنذري: لعلّ السفلي كان يرى أنّ مطلق الأحاديث الضعيفة إذا انضم بعضها إلى بعض أحدث قوّة.ثمّ قال: قلت: لكن تلك القوة لا يخرج هذا الحديث من مرتبة الضعف، والضعيف يتفاوت، فإذا كثرت طرق حديث رجّح على حديث فرد، فيكون الضعيف الذي ضعفه ناش عن سوء حفظ رواته إذا كثرت طرقه ارتقى إلى مرتبة الحسن، والذي ضعفه ناش عن تهمة أو جهالة إذا كثرت طرقه ارتقى عن مرتبة المردود المنكر الذي لا يجوز العمل به بحال إلى رتبة الضعيف الذي يجوز العمل به في فضائل الأعمال، إلى آخر ما قاله هناك.فظهر أنّ هذا الحديث ليس ممّا يصلح أن يستدل به على إثبات هذا المطلب، فلا تكون حجّة على من لا يعمل بخبر الواحد، فافهم.قوله: «على أن خبر الواحد حجّة».يجب العمل بمقتضاه، خلافاً للمرتضى وابن زهرة وابن البراج وابن ادريس وكثير من قدمائنا، حتّى توهّم بعض المخالفين كابن الحاجب أنهم متفقون على


1) الأربعين لأحمد بن محمّد السلفي، لم يوجد لديّ.

وظنّي أنّ الاستدلال به على ذلك ليس أدون من الاستدلال بآية (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ (1).)-------------------------------------------------------------------------عدم العمل به، حيث قال: يجب العمل بخبر الواحد خلافاً للرفضة.قوله: «ليس أدون من الاستدلال بآية».وجه الاستدلال بهذه الآية: أن أقلّ الفرقة ثلاثة، فالنافر واحد أو اثنان، وهو المراد بالطائفة، وقد أوجب اللّه إنذارها، وهو خبر آحاد، فثبت المطلوب.واعترض عليه بأنه يقتضي وجوب نفر كلّ واحد من الثلاثة، وبأنه يجوز أن يراد بالتفقه الاجتهاد، وبالانذار الفتوى، وبأن المفسّرين نقلوا في سبب النزول ما يقتضي أن يكون المتفقهون هم القاعدون لا النافرون، ولعلّهم بلغوا حد التواتر، قالوا: لما أمر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بالسرايا إلى الغزو ونفر المسلمون جميعاً وبقي النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وحده، فنزلت، ثمّ قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : فهلا خرج إلى الغزو من كل قبيلة جماعة ليتفقهوا في الدين. يعني الفرقة القاعدين.)وقد يجاب عن الأوّل بأنّ عدم وجوب ذلك علم من الاجماع.وعن الثاني بأنه يستلزم تخصيص القوم بالمقلدين، وتخصيص الانذار بالفتوى، مع شموله الرواية، وفيه ما فيه.وعن الثالث بأن كل فرقه عام، والتخصيص بما يكون القاعدون منهم بالغون في الكثرة حد التواتر خلاف الأصل، فتأمّل.


1) سورة التوبة: 122.

وتقريره أن يقال: إنّ أسماء الشرط من صيغ العموم، فقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : « من حفظ» في قوة «كلّ شخص حفظ» سواء كان ذلك الشخص منفرداً بالحفظ، أو كان له فيه مشاركون قد بلغوا حد التواتر أو لا.)و قد قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «ممّا يحتاجون إليه في أمر دينهم» فقد أثبت احتياجهم إليه في دينهم ولولم يكن حجّة لما احتاجت الأمة إليه في أمر الدين، بل كان وجوده كعدمه.)ولا يرد جريان هذا الدليل في خبر الفاسق ومجهول الحال؛ لخروج الفاسق بآية التثبت (1، والمجهول بما تقرّر في الأصول، فيبقى خبر العدل على حجيته.)نعم لقائل أن يقول: ليس الحديث (2صريحاً في الاحتياج إليه حال كونه خبراً واحداً، فيجوز أن يكون مراده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : (ممّا يحتاجون إليه) عند صيرورته حجّة، و هو وقت تواتره.)وهذا الاحتمال وإن كان خلاف الظاهر إلّا أنّه يجعل الاستدلال استدلالاً بظاهر في أصل فلايُجدي، فليتأمل (3.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «وهذا الاحتمال».وذلك أنّ هذه المسألة، وهي كون خبر الواحد حجة مسألة أصولية يطلب فيها اليقين، والاستدلال بالظاهر عليه لا يفيد إلا ظنّاً، فلا يجدي نفعاً، فتأمّل.


1) أي: آية التبيّن، وهي قوله تعالى: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) الحجرات: 6.

2) من جملة ذلك الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) خرج معدوم العدالة بالإجماع، فبقي ما عداه... (منه).

3) وجه التأمل: أنّ عدم جواز التعويل على الظنّ في الأصول لم يثبت بعد (منه))وأيضاً: وجه التأمل: أنّ الأصح أنّ الظنّ كائن في الأصول (منه.

### المراد من الفقه في الحديثارشادليس المراد بالفقه في قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «بعثه اللّه يوم القيامة فقيهاً عالماً» الفقه بمعنى الفهم، فإنّه لا يناسب المقام ولا العلم بالأحكام الشرعية العملية عن أدلتها التفصيلية، فإنّه معنى مستحدث، بل المراد به البصيرة في أمر الدين، والفقه أكثر ما)-------------------------------------------------------------------------قوله: «الفقه بمعنى الفهم».يقال: فقهت الكلام فهمته وفلان لا يفقه أي لا يفهم، ومنه سمي الفقيه فقيهاً، يقال: فقه الرجل بالكسر يفقه من باب تعب إذا علم وفقه بالضم مثله، وقيل: الضمّ إذا صار الفقه له سجية، ثمّ خص به علم الشريعة.قيل: الفقه هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد، ويسمى العلم بالأحكام فقها والفقيه هو الذي علم ذلك واهتدي به إلى استنباط ما قضي فيه، وفقه اللّه وتفقه إذا تعاطى ذلك.قوله: «بل المراد به».لا يخفى أنّ ما أراده من الفقه لا يخفى من غموض؛ لما عرفت في الحاشية السابقة.ولعل المراد منه علم الشريعة، كما نبه الجوهري (1عليه.)فيكون المعنى حينئذ من حفظ على أمتي أربعين حديثاً ممّا يحتاجون إليه في بعثه اللّه يوم القيامة فقيهاً عالماً، داخلاً في أمر دينهم، وإن لم يكن فقيهاً عالماً، زمرة الفقهاء العلماء، وثوابه كثوابهم بمجرد حفظه تلك الأحاديث، وإن لم يتفقه في معانيها، بل بمجرّد كتابتها.


1) صحاح اللغة للجوهري 6: 2243.

يأتي في الحديث بهذا المعنى، والفقيه هو صاحب هذه البصيرة، وإليها أشار النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بقوله: «لا يفقه العبد كلّ الفقه حتّى يمقت الناس في ذات اللّه تعالى، وحتى يرى للقرآن وجوهاً كثيرة، ثمّ يقبل على نفسه، فيكون لها أشدّ مقتاً» (1).)-------------------------------------------------------------------------قال السلفي استفتيت علي بن محمّد الطبري في رجل وصى بثلث ماله في العلماء والفقهاء، هل يدخل كتبة الحديث في وصيّته؟ فكتب بخطه تحت السؤال: نعم، وكيف لا ؟ وقد قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: من حفظ على أمتي أربعين حديثاً بعثه اللّه يوم القيامة فقيهاً الحديث.)قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «حتى يمقت الناس».)المقت بالسكون البغض، مقته مقتاً من باب قتل أبغضه أشدّ البغض عن أمر قبيح.وعن الغزالي: معنى كون الشيء مبغوضاً نفرة النفس عنه لكونه مولماً، فإن قوي البغض والنفرة سمّي مقتاً، والمقت بالتحريك المحنه(2. والحديث يحتملهما.)فإنّ ذات اللّه عبارة عمّا يضاف إليه سبحانه من الأوامر والحدود والأحكام، كجنب في قوله (يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ (3)ومنه قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «إن علياً ممسوس في ذات الله»(4)وقوله «إنّ علياً لأخيشن في ذات اللّه» (5)وفيه شاهد على استعمال «ذات» بهذا المعنى، وردّ على من أنكره، على أنه قد حكي عن صاحب التكملة جعل اللّه ما بيننا في ذاته.)


1) كنز العمّال 10: 182 - 183 برقم: 28949 و 28950.

2) احیاء علوم الدين للغزالي 1: 26.

3) سورة الزمر: 56.

4) بحار الأنوار 39: 313.

5) راجع احقاق الحق 4: 240 - 244.

ثم هذه البصيرة: إما موهبية، وهي التي دعا بها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لأمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام حين أرسله إلى اليمن بقوله: «اللّهمّ فقهه في الدين»(1)أو كسبية وهي التي أشار إليها أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث قال لولده الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): «و تفقه يابني في الدين»(2).)وفي كلام بعض الأعلام أنّ اسم الفقه في العصر الأوّل إنما كان يطلق على علم-------------------------------------------------------------------------وقال أبو التمام: ويضرب في ذات الإله فيرجع، فإذا ترك الناس هذه الأوامر والحدود والأحكام يبغضهم الفقيه، وإذا فعلوها يحبّهم، فيكون مداره على الحبّ في الله والبغض فيه.قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «وتفقه يا بني».)قيل: المراد بالتفقه في دين اللّه هو أن سائر الأفعال التي أوجبها تعالى كالوضوء والغسل والصلاة والصوم والحج والزكاة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يجب على الخلق طلب العلم بها.وأما الأحكام الشرعية الوضعية، كحكم الشكّ في عدد في عدد الركعات، وحكم من زاد على سجدة سهواً، وأحكام البيع والميراث والديات والحدود والقصاص، والاقتضائية التي هي تحريم بعض الأفعال كحرمة الغيبة وشرب الخمر وغير ذلك، فإنّما يجب طلب العلم بها عند الحاجة إليها.قوله: «إنّ اسم الفقه».قال بعض أصحابنا: الفقه لغة العلم: إمّا مطلقا كما يفهم من ظاهر أقاويل، وإمّا


1) کنز العمّال 13: 459 برقم: 37193، قاله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في حق ابن عباس.

2) نهج البلاغة ص 393 رسالة 31.

-------------------------------------------------------------------------العلم الحاصل عن استعمال فطنة ودقة نظر، كما يفهم من كلام صاحب الكشّاف (1ثمّ غلب على علم الشرعية بأنواعه، سواء تعلّق بالأعمال أو بتهذيب الأخلاق، أو بالعقائد المفضية إليهم ؛ لدقة مسالكه و احتياجه إلى زيادة استعمال فطنة و تدقيق نظر، وتدلّ على تلك الغلبة روايات :)منها صحيحة أبان بن تغلب قال سئل أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ عن مسألة فأجاب فيها، فقيل : إنّ الفقهاء لا يقولون هذا فقال: يا ويحك وهل رأيت فقيها قطّ ؟! إنّ الفقيه حق الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة، المتمسك بسنة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (2).)و تخصيصه بعلم الفروع اصطلاح مستحدث حدث بعد الصحابة والتابعين، وليس في كلام الأسلاف منه عين ولا أثر، وكذلك العلم غلب على علم الدين لشرفه، ولأنه هو العلم النافع، فكأنّ العلم منحصر فيه، كما دلّت عليه الظواهر، مثل قوله تعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (3)حيث دل بمنطوقه على أنّ العلماء يخشون اللّه لعلمهم؛ لأنّ تعليق الحكم على الوصف يشعر بعليته وبمفهومه، على أن غير العلماء لا يخشون اللّه بالتقريب المذكور.)وأما الاصطلاح المستحدث، فلم يثبت في العلم كما ثبت في الفقه، وكأنّ الوجه فيه أنّ الفقه لما اعتبر في مفهومه لغة ثمّ عرفاً تدقيق النظر واستعمال الفطنة، خص بعلم الفروع بتلك المناسبة؛ لاحتياجه إلى مزيد تدقيق واستعمال فطنة، بخلاف العلم فإنّه لم يعتبر ذلك في مفهومه لا لغة ولا عرفاً.


1) الكشّاف 2 : 221.

2) أصول الكافي 1: 70 ح 8.

3) سورة فاطر: 28.

الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدة الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدّة التطلّع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب.ويدل عليه قوله تعالى : (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ (1)فقد جعل العلّة الغائية من الفقه الإنذار والتخويف. ومعلوم أنّ ذلك لا يترتب إلّا على هذه المعارف، لا على معرفة فروع الطلاق والمساقاة والسلم وأمثال ذلك)وأما العلم، فالمراد منه قريب ممّا ياد من الفقه، لا الفقه، لا المعاني المصطلحة المستحدثة كحصول الصورة، أو الصورة الحاصلة عند العقل، أو ملكة يقتدر بها على إدراكات جزئية، وما أشبه ذلك، فإنّ «العلماء ورثة الأنبياء»(2وليس شيء من هذه المعاني ميراث الأنبياء، وقد قال اللّه تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (3)فقد جعل العلم موجباً للخشية والخوف لتعليق الحكم على الوصف.)-------------------------------------------------------------------------قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ. أي: لا يخشى اللّه بالغيب إلا العالمون به وبما يليق به من صفاته الجليلة وأفعاله الجميلة.)قال الطبرسي (رَحمهُ اللّه : ومتى قيل قد نرى من العلماء من لا يخاف اللّه ويرتكب المعاصي، فالجواب: أنه لابد من أن يخافه مع العلم به، وإن كان ربما يؤثر المعصية عند غلبة الشهوة لعاجل اللذة (4).)


1) سورة التوبة: 122.

2) أصول الكافي 1: 32 ح 2.

3) سورة فاطر: 28.

4) مجمع البيان 407:4.

فجميع ما ارتسم في ذهنك من التصوّرات والتصديقات التي لا توجب لك الخشية والخوف، وإن كانت في كمال الدقة والغموض، فليست من العلم في شيء بمقتضى الآية الكريمة، بل هي جهل محض، بل الجهل خير منها. إنتهى كلامه، ولعمري إنّه كلام رشيق أنيق، يليق أن يكتب بالنور على صفحات خدود الحور.-------------------------------------------------------------------------والظاهر من كلامه هذا أنّ العلم بالله لا ينفكّ عن الخشية له، كما لا تنفك عن العلم به، فهما متلازمان، فكلّما تحقق أحدهما تحقق الآخر، كما أشار إليه الغزالي. ولمّا كان مدار الخشية على معرفة المخشي، كانت الخشية له تعالى على حسب العلم بنعوت كماله وصفات جلاله فمن كان أعلم به كان أخشى له. وفي الحديث «أعلمكم بالله أشدّكم خشية له» (1.)قوله: إنّه كلام رشيق.ليس كذلك؛ لأنّ العلم عبارة عن انكشاف المعلوم على العالم: إما بذاته، أو بصورته من غير أن يعتبر فيه إفادة الخشية وعدمها.نعم لو كان المعلوم ممّا له هيبة، فربّما يوجب العلم به خشية وخوفا إذا تصوّر من تلك الجهة، والآية لا تدلّ على أنّ العلم بغير اللّه أيضاً يوجب الخشية حتّى يلزم من انتفائها انتفاؤه، وإنّما تدلّ على أن العلم بالله وبصفاته يوجب ذلك، وهو كذلك.كما أشار إليه علي بن الحسين صلوات اللّه عليهما: «سبحانك أخشى خلقك لك أعلمهم بك» (2وقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ):)رأيت العلم علمين***فمسموع ومطبوع


1) مستدرك الوسائل 11: 231، إرشاد القلوب 1: 106، غرر الحكم ص 63.

2) الصحيفة الكاملة السجادية ص 254 الدعاء: 52.

-------------------------------------------------------------------------فلا ينفع مسموع***إذا لم يك مطبوعكما لا تنفع الشمس ***وضوء العين ممنوع (1)وهذا يدلّ على أنّ العلم يطلق على العلم بالشرعيات وهو المسموع، وعلم العلم بأصول الدين وهو المطبوع، سواء أوجب الخشية أم لا.وبالجملة العلم هو اليقين الذي لا يدخله احتمال، هذا هو الأصل فيه لغةً وشرعاً وعرفاً.وكثيراً ما يطلق على الاعتقاد الراجح المستفاد من سند، سواء كان يقيناً أم ظنّاً، ومنه قوله تعالى (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ (2)الآية، أراد الظنّ المتاخم للعلم لا العلم حقيقة، فإنّه غير ممكن. وعبر عن الظن بالعلم ايذاناً بأنه كهو في وجوب العمل به، فتأمّل.)


1) ديوان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ص 61.

2) سورة الممتحنة: 10.

## الحديث الثاني: صفات أولياء اللّه### إشارة:وبالسند المتّصل إلى الشيخ الصدوق ثقة الإسلام محمّد بن بابويه القمي، عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن خالد عن محمّد بن علي الكوفي، عن محمّد بن سنان، عن عيسى الجريري، عن الإمام جعفر بن محمّد-------------------------------------------------------------------------الحديث الثانيقوله : «عن محمّد بن سنان».المشهور أنّ محمّد هذا ضعيف في الرواية، والحق أنه قوي، معتبر قوله، صحيحة رواياته، إذا لم يكن في الطريق قادح من غير جهته، وما جعلوه سبباً للقدح فيه غير ظاهر من أصل معتبر يدلّ عليه، ونحن قد فصلنا ما له وعليه في بعض رسائلنا (1.)نعم هذا الحديث ضعيف جداً بمحمّد بن علي الكوفي، فإنّه فاسد الاعتقاد، لا يعتمد في شيء، وكان ورد قم وقد اشتهر بالكذب في الكوفة، ونزل على محمّد بن عيسى مدة، ثمّ اشتهر بالغلو، فجفي ونفاه أحمد عن قم.قوله: «عن عيسى».الظاهر أن المراد به عيسى بن أعين الجريري الأسدي الكوفي الثقة.


1) راجع كتابه الفوائد الرجالية ص 134 المطبوع بتحقيقنا.

الصادق، عن أبيه محمّد الباقر، عن أبيه زين العابدين، عن أبيه سيّدالشهداء، عن أبيه أمير المؤمنين (عَلَيهِم السَّلَامُ، قال :)قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : من عرف اللّه وعظمه منع فاه من الكلام، وبطنه من)-------------------------------------------------------------------------قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : « من عرف اللّه وعظمه».)إنّما قيّد بذلك؛ لأنّ مجرّد المعرفة لا يستتبع ما ذكره، بل هي بانضمام التعظيم؛ إذ ربّ عارف بالله وبصفاته لا يترتب على معرفته شيء من ذلك لإفادته التعظيم.قال المحشي (رَحمهُ اللّه في هذا المقام أيضاً ما هذا عين عبارته: جاء العلم بمعنى المعرفة، كما جاءت بمعناه؛ لاشتراكهما في كون كلّ منهما مسبوقاً بالجهل؛ لأنّ العلم وإن حصل عن كسب، فذلك الكسب مسبوق بالجهل، وفي التنزيل (مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ) (1)أي: علموا وقال: (لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) (2)أي: لا تعرفونهم اللّه يعرفهم.)قال في المصباح واطلقت المعرفة على اللّه لأنها أحد العلمين، والفرق بينهما اصطلاحي، وهو تعالى منزّه عن سابقة الجهل وعن الاكتساب؛ لأنه يعلم ما كان وما يكون وما لا يكون لو كان كيف يكون، وعلمه صفة قديمة ذاتية له. قال: وإذا كان العلم بمعنى اليقين تعدّى إلى مفعولين، وإذا كان بمعنى المعرفة تعدّى إلى واحد (3انتهى.)قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : « من الكلام».)أي: من فضوله على حذف المضاف.


1) سورة المائدة: 83.

2) سورة الأنفال: 60.

3) المصباح المنير ص 427.

الطعام، وعنّى نفسه بالصيام والقيام.قالوا: بآبائنا وأمهاتنا يا رسول اللّه هؤلاء أولياء الله؟ قال: إن أولياء اللّه سكتوا فكان سكوتهم فكراً، وتكلّموا فكان كلامهم ذكراً، ونظروا فكان نظرهم عبرة، ونطقوا فكان نطقهم حكمة، ومشوا فكان مشيهم بين الناس بركة. لولا الآجال التي قد كتبت عليهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم خوفاً من العذاب وشوقاً إلى الثواب (1.)بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث«من عرف الله»: قال بعض الأعلام أكثر ما تطلق المعرفة على الأخير من الإدراكين للشيء الواحد إذا تخلّل بينهما عدم، بأن أدركه أولاً ثمّ ذهل عنه ثمّ أدركه ثانياً، فظهر له أنه هو الذي كان قد أدركه أوّلاً.ومن هاهنا سُمّي أهل الحقيقة بأصحاب العرفان؛ لأنّ خلق الأرواح قبل خلق الأبدان، كما ورد في الحديث (2، وهي كانت مطلعة على بعض الإشراقات الشهودية، مقرّة لمبدعها بالربوبية، كما قال سبحانه: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) (3))-------------------------------------------------------------------------قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : « وبطنه من الطعام».)وقد قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: كفى ابن آدم ثلاث لقيمات يقمن صلبه (4).)


1) الأمالي للشيخ الصدوق ص 380 برقم: 482.

2) بحار الأنوار 61: 131.

3) سورة الأعراف: 172.

4) بحار الأنوار 66: 329 - 330.

لكنّها لإلفها بالأبدان الظلمانية، وانغمارها في الغواشي الهيولانية، ذهلت عن مولاها ومبدعها، فإذا تخلّصت بالرياضة من أسر دار الغرور، وترقت بالمجاهدة عن الإلتفات إلى عالم الزور، تجدد عهدها القديم الذي كاد أن يندرس بتمادي-------------------------------------------------------------------------قوله: «لإلفها».يجوز أن تكون النفس قادرة على الاكتساب قبل التعلّق بالبدن، ثمّ عند التعلق به يحصل لها الخلو عن العلوم كلها، وهذا هو مرتبة العقل الهيولائي لتوغلها في الكدورات الجسمانية الجسدانية، ثمّ بعد المؤانسة عادت إلى ما كانت عليه قبل وتقتدر على الاكتساب، وهذا هو مرتبة العقل بالملكة.وأما ما يقال من أنّ اكتساب النفس مطلقا موقوف على الآلات البدنية، فممّا لم يقم عليه برهان، سيّما في العقليات الصرفه التي لم تؤخذ من طرق الآلات كالحواس، سلّمنا ذلك لكن كما جاز تعلّقها بهذا البدن ببدن مثالي، جاز تعلقها بهذا البدن، وليس هذا من التناسخ في شيء كما ستعرفه.فإن قلت: هذا ينافي مذهب الحكماء أنها حادثة بحدوث البدن.قلت: ليس هذا مذهب جميعهم؛ إذ عند الاشراقيين منهم النفس موجودة قبل وجود البدن، وإن كان بين المذهبين فرق، مع أنه لو كان مخالفاً لمذهبهم جميعاً ما كان يضرّ من قال بتقدّمها عليه إذا دلّ عليه دليل شرعي لم يقم على خلافه برهان عقلي، ب، وأدلّة المسائية على خلافه غير تمام والروايات الدالة على تقدمها عليه غير محصورة، وستأتي نبذة منها إن شاء اللّه العزيز.قوله: «تجدّد عهدها القديم».ما أفاده صاحب الفتوحات المدّعي للكشف والكرامات مبني على مذاقه ومذاق أهله، وقد بالغ في ذلك بعض الصوفية، حتّى قال: إن لذة ذلك الخطاب، أي

الأعصار والدهور، وحصل لها الإدراك مرّة ثانية، وهي المعرفة التي هي نور على نور.-------------------------------------------------------------------------المذكور في قوله تعالى (ألست بربكم (1)في أذني إلى الآن.)وقد أومأ إليه صاحب عرائس البيان في ذيل الآية المذكورة بعد كلام طويل. ويقال: كاشف قوماً حال الخطاب بجماله، فطرحهم في هيجان حبّه، فاستكتب نجاتهم في كوامن أسرارهم، فإذا سمعوا اليوم سماعاً تجدد لهم تلك الأحوال، والانزعاج الذي يظهر منهم لتذكر ما سلف لهم من العهد المتقدم، وقد نظمه صاحب الكلشن فيه.ولعله إنما يحصل لهم ذلك التذكّر وقت التغنّي والتنعش على كراسيهم خرّبها اللّه، ومراقصهم عطّلها اللّه بأبيات الغزل المقوله في المراد، أو عند صعقاتهم التي أين عنها صعقة موسى عند دك الطور.وليست هذه الدعوى بأشنع من دعواهم جهلاً أو سفها أنا نستمع حال السماع والرقص من حورات مقصورات في الخيام، وتصل إلينا منهنّ فيوضات وخطابات، ونحن نتكلم معهن، ونجامعهنّ جامع وطي، ولذا إذا صاروا مغشياً عليهم وقت السماع والطرب اغتسلوا غسل جنابة بعد أن أفاقوا. وهذه كلها هذيان عند أهل الأديان.والوجه في ذلك توجّه الخطاب إلى العقلاء البالغين الذين عرفوا اللّه بما شاهدوا من آثار صنعه في أنفسهم وفي الآفاق، ونحن قد فصلنا الكلام في ذلك فيتعليقاتنا على المسائل المهنائية (2، فليطلب من هناك.)


1) سورة الأعراف: 172.

2) الحاشية على أجوبة المسائل المهنائية ص 137 المطبوعة في المجموعة الثانية من الرسائل الاعتقادية المطبوعة بتحقيقنا.

عنّى نفسه»: عنّى بالعين المهملة والنون المشدّدة أي: أتعب، والعناء بالفتح والمد: التعب.«بآبائنا وأمهاتنا»: هذه الباء يسمّيها بعض النحاة بالتعدية، وفعلها محذوف غالباً، والتقدير : نفديك بآبائنا وأمهاتنا، وهي في الحقيقة باء العوض نحو: خذ هذا بهذا، و عُدّ منه قوله تعالى : (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (1))-------------------------------------------------------------------------قوله: «وعد منه قوله تعالى».قال في المغني: ومن معاني الباء المقابلة، وهي الداخلة على الأعواض، كقولهم «هذا بذاك» ومنه (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قال: وإنما لم نقدرها باء السببية، كما قالت المعتزلة، وكما قال الجميع في «لن يدخل أحدكم الجنّة بعمله» لأن المعطي بعوض قد يعطي مجاناً. وأما المسبّب، فلا يوجد بدون السبب، وقد تبيّن أنه لا تعارض بين الحديث والآية؛ لاختلاف محملي البائين جمعاً بين الأدلة (2).)قال الشمني: قوله « وكما قال الجميع» قيل: المراد جميع أهل السنة، وهو خلاف الظاهر. وقيل: المعتزله وغيرهم؛ لأنّ المعتزله يقولون: إن قدرة العباد على خلق أفعالهم وتوفيقهم بخلقها لخلق اللّه تعالى وايجاده، فمن هذه الجهة يصح نفي السببية عندهم عن الأفعال وإثباتها لرحمة اللّه تعالى، فحينئذ لا خلاف بين أهل السنة والمعتزلة في ذلك. انتهى ملخصاً.


1) سورة النحل: 32.

2) مغني اللبيب 1: 104.

«هؤلاء أولياء اللّه» هو استفهام محذوف الأداة، ويمكن أن يكون خبراً قصد به لازم الحكم والتأكيد في قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : « ان أولياء اللّه... إلى آخره»: لكون الخبر ملقى إلى السائل المتردّد على الأوّل، ولكون المخاطب حاكماً بخلافه على الثاني إن جعل قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إنّ أولياء الله» رداً لقولهم «هؤلاء أولياء الله» أي: أنّ أولياء اللّه أناس أخر صفاتهم فوق هذه الصفات.)وإن جعل تصديقاً لقولهم ووصفاً لأولياء اللّه بصفات أخرى زيادة على-------------------------------------------------------------------------قوله: «أولياء الله».الولي ضد العدو، والأولياء ضد الأعداء، وطريقة أولياء اللّه مبنية على مجاهدات نفسانية، وإزالة عوائق بدنية، وتوجّه نحو طلب الكمال الذي يسمّى بالسلوك.ومن جملة تلك المجاهدات التوبة وهي الرجوع عن المعصية، والانابة وهي الرجوع إلى اللّه تعالى والاقبال عليه والاخلاص، وهو أن جميع ما يفعله السالك ويقوله يكون تقرباً إلى اللّه تعالى وحده لا يشوبه شيء، والزهد في الدنيا، وايثار الفقر، وليس المراد به عدم المال، بل عدم الرغبة في القنيات الدنيوية والرضاية والحزن على ما فات والخوف على ما لم يأت، والرجاء والصبر والشكر، ونحو ذلك من الكمالات.ولما كانوا كذلك في الحياة الدنيا بشرهم اللّه بما لهم في الحياة الآخرة بقوله (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (1))


1) سورة يونس: 62.

صفاتهم الثلاث السابقة، فالتأكيد لكون الخبر مُلقى إلى الخُلّص الراسخين في الإيمان، فهو رائج عندهم، مُتقبّل لديهم صادر عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ عن كمال الرغبة ووفور النشاط أنه وصف أولياء اللّه بأعظم الصفات، فكان مظنة التأكيد، كما ذكره صاحب الكشّاف عند قوله تعالى: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا) (1).)«فكان سكوتهم فكراً»: أطلق على سكوتهم الفكر؛ لكونه لازماً له غير منفكّ-------------------------------------------------------------------------قوله: «فالتأكيد».كما أنه قد يترك تأكيد الحكم المنكر؛ لأنّ نفس المتكلّم لا تساعده على تأكيده؛ لكونه غير معتقد له، أو لأنه لا يروج منه ولا يتقبل على لفظ التأكيد، فكذا قد يؤكد الحكم المسلّم لصدق الرغبة ووفور النشاط فيه، ورواجه عند المخاطبين.قال في الكشّاف في قوله تعالى (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ: ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديراً بأقوى الكلامين وأوكدهما؛ لأنهما في ادعاء حدوث الايمان منهم ونشئه من قبلهم، لا في ادعاء أنهم الأوحديون فيه، إما لأنّ أنفسهم لا تساعدهم عليه لعدم الباعث والمحرّك من العقائد، وإما أنه لا يروج ذلك منهم لو قالوه على لفظ التأكيد و المبالغة. وأما مخاطبة إخوانهم والإخبار عن أنفسهم بالثبات على اليهودية، فهم فيه على صدق رغبة وفور نشاط، فهو رايج عنهم، متقبل منهم، فكان مظنة للتحقيق، ومئنة للتأكيد. هذا كلامه (2)، فافهمه.)قوله: «فكان سكوتهم فكراً».السكوت على وجهين : ما ينشأ عن غفلة القلب وهذا لا يمدح، وما ينشأ عن


1) سورة البقرة: 14.

2) الكشّاف 1: 185 - 186.

عنه. وكذا إطلاق العبرة على نظرهم، والحكمة على نطقهم، والبركة على مشيهم. وجعل (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ كلامهم ذكراً ثمّ جعله حكمة إشعاراً بأنه لا يخرج عن هذين، فالأوّل في الخلوة، والثاني بين الناس ولك إبقاء النطق على معناه المصدري، أي: أنّ نطقهم بمهما نطقوا به مبني على حكمة ومصلحة)-------------------------------------------------------------------------اشتغال القلب بالتفكر وهذا ممدوح.وقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ: كل سكوت ليس فيه فكر فهو غفلة (1).)وروي أن لقمان (عَلَيهِ السَّلَامُ دخل على داود (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو يسرد الدرع، وقد لين اللّه له الحديد كالطين، فأراد أن يسأله، فأدركته الحكمة فسكت، فلما أتمها لبسها، وقال: نعم لبوس الحرب أنت فقال: الصمت حكم وقليل فاعله، فقال له داود: لحق ما سمّيت حكيماً (2).)ولعلّ الوجه فيه أنّ من صمت عمّا لا يغنيه حصلت بذلك مناسبة ما بينه وبين الحكيم الحقيقي الذي لا لغو في قوله وفعله، فيفيض عليه من الحكمة ما يليق به.وأيضاً فإنّ الصمت لكونه ترك ما لا يحتاج إليه من الكلام ممّا يوجب لين القلب، كما أنّ ضدّه يورث القساوة، وإذا لان القلب ينفتح للحكمةقوله: «والبركة على مشيهم».ولعلّ ذلك أنهم كلّما مشوا بين الناس أمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، وأرشدوهم إلى الحق وإلى صراط مستقيم، وهذا من أكمل أفراد الخير والبركة.ولا يبعد أن يكون مشيهم في الناس سبباً لكثرة نعمتهم، وموجباً لزيادة شرافتهم وكرامتهم.


1) من لا يحضره الفقيه 405:4.

2) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر المعروف بمجموعة ورّام ص 108.

-------------------------------------------------------------------------وعلى التقديرين فأطلق المسبب على السبب.هذا ويمكن أن يستدلّ بهذا الحديث على ترجيح مذهب من قال بأن تحصيل المعارف والعلوم إنما هو بالفكر، والاستدلال كالمتكلمين والمشائين، لا بالمكافشه والمعاينة، كما هو مذهب المتصوفين والاشراقيين، فإنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ جعل الفكر والاستدلال من صفات أولياء اللّه وسيماتهم، فلو كان للمكاشفة أصل وكان لها عند اللّه مزية وفضل على الفكر والاستدلال كما زعموا، حيث قالوا :)پای استدلالیان چوبین بود*** پای چوبین سخت بی تمکین بود(1)وقال شيخهم أبو سعيد أبو الخير (2:)نتوان بخدا رسید از علم وکتاب ***حجت نبرد راه باقليم صوابدر وادی معرفت براهین حکیم ***چون جاده هاست در چراگاه دواب(3)لكان جعلها من صفاتهم أولى من الفكر ؛ لأنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في مقام ذكر صفات تبين بها أولياء اللّه عن غيرهم، فتأمّل.)


1) المثنوي المعنوي ص 59.

2) والصحيح أنّ ما يذكره من البيتين الآتيين منسوب إلى المولى مؤمن حسين اليزدي، لا إلى أبي الخير.

3) راجع: تذكرة رياض العارفين ص 212، وشرح أربعين البهائي للخواتون آبادي ص 59 الطبع الحجري.

«خوفاً من العذاب وشوقاً إلى الثواب»: فيه إشارة إلى تساوي الخوف والرجاء فيهم، وكونهما معاً في الغاية القصوى والدرجة العليا، كما ورد في الحديث عن الإمام محمّد بن علي الباقر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ أنه قال: ليس من عبد مؤمن إلا وفي قلبه نوران: نور خيفة ونور رجاء، لو وزن هذا لم يزد على هذا» (1).)-------------------------------------------------------------------------قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «ليس من عبد مؤمن إلا وفي».)وذلك لأن المؤمن لا يخلو من تصوّر أسباب الخوف والرجاء، وتجويز وقوع مقتضى كلّ واحد منهما بدلاً عن الآخر، بحيث لا يرجح أحدهما على الآخر؛ إذ لو رجح الرجاء لزم الأمن في غير موضعه (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (2)ولو رجّح الخوف لزم اليأس الموجب الهلاك (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (3)ومنه ظهر أنّ الخوف غير القنوط، وأنه والرجاء ينبغي أن يكونا متساويين مطلقا.)وقال بعض العارفين: الرجاء والخوف كجناح الطائر إذا استوى استوى الطائر وتمّ طيرانه، وإذا نقص أحدهما كان جاز باله فسقط على رأسه، وإذا ذهب هلك الطائر. ونعم ما قال الشاعر في هذا المعنى بالفارسية :هر کرا خوف و رجا نیست زمین گیر ***به کجا می رود آن مرغ که یک پر باشدوقال أبو عثمان المغربي: من حمل نفسه على الرجاء تعطل، ومن حمل نفسه على الخوف قنط، ولكن ينبغي أن يخاف العبد راجياً ويرجو خائفاً.وقيل لسيدنا أبي عبد اللّه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ : إن قوماً من مواليك يلمون بالمعاصي)


1) أصول الكافي 2: 67 ح 1.

2) سورة الأعراف: 99.

3) سورة يوسف: 87.

وعن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ: أعجب ما كان في وصية لقمان أن قال لابنه : خف اللّه خيفة لو جئته ببر الثقلين لعذبك، وارج اللّه رجاء لو جئته بذنوب الثقلين لرحمك» (1).)### كيفية معرفة اللّه تعالىتبصرةالمراد بمعرفة اللّه تعالى الاطلاع على نعوته وصفاته الجلالية والجمالية بقدر الطاقة البشرية. وأمّا الاطلاع على حقيقة الذات المقدّسة، فمما لامطمح فيه للملائكة المقربين والأنبياء المرسلين فضلاً عن غيرهم-------------------------------------------------------------------------ويقولون: نرجو، فقال: كذبوا ليسوا لنا بموال أولئك قوم ترجحت بهم الأماني، من رجا شيئاً عمل له، ومن خاف من شيء هرب منه (2.)قوله: «وصفاته الجلالية والجمالية».المراد بصفاته الجلالية الصفات السلبية، وبصفاته الجمالية الصفات الثبوتية.وقيل : المراد بالأوّل صفات الغضب كالقهّارية، وبالآخر صفات الرحمة كالغفّارية والرزاقيه.وإنما قدّم الجلالية؛ لكونها من الصفات السلبية وهي متقدمة؛ لأن السلب يفيد تنزه الذات، لا بمعنى أنه أزال النقصان عن الذات، وربما يقدّم الصفات الوجودية نظراً إلى أنّ الوجود أشرف من العدم.قوله: «وأما الاطلاع».معرفة ذاته تعالى: إمّا بالبديهه وهو باطل بالبديهة، وإمّا بالنظر، وهو: إما بالحدّ والحد يستلزم الجنس والفصل المستلزمين للتركيب، أو بالرسم وهو لا يفيد الحقيقة؛


1) اصول الكافي 2: 67 ح 1.

2) أصول الكافي 2: 68 - 69 ح 6.

وكفى في ذلك قول سيد البشر: «ما عرفناك حق معرفتك»(1وفي الحديث:)-------------------------------------------------------------------------لأن المعلوم منه سبحانه: إمّا السلوب أو الاضافات وذاته مغايرة لهما؛ إذ المعلوم من قدرته مثلاً أنهما مستلزم للتأثير، فحقيقتها مجهولة، والمعلوم منها ليس إلا هذا اللازم، فتبيّن أن صفاته كذاته غير معلومة، وأنّ المعلوم منها ليس إلا السلوب والاضافات، ولمّا ثبت أنّ العلم بها لا يستلزم العلم بالحقيقة، ثبت أنا لا نعلم ذاته ولا صفاته التي هي عين ذاته.ولذا لما سئل كليم اللّه عن حقيقته تعالى، حيث قيل: وما ربّ العالمين؟ فأتى ب-«ما» الطالبة للحقيقة، أجاب عنه بذكر خواصه، فقال: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ تنبيهاً على أنّ حقيقة ذاته لا يعلم إلا بذكر مفهوم له، ولا مقوّم له؛ إذ لا تركيب فيه، ولم يتنبه السائل الجاهل بذلك، أو لج وعند، ولذا (قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ) أني سألت عن حقيقة ربّ العالمين، وهو أجابني بذكر صفاته.)فلم يتعرّض موسى لبيان غلطه وفرط جهله، فذكر صفات أخرى أبين من الأولى، فقال: (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ليتنبه على غلطه، فلم يتنبه ونسبه إلى الجنون، فقال: (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ).)فلم يلتفت إليه الكليم، وذكر صفات أخرى أظهر من الأولى، وأشار إلى أنّ السؤال عن حقيقته ليس من دأب العقلاء، فقال: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (2))


1) عوالي اللئالي 4: 132 ح 227.

2) سورة الشعراء: 23 - 28.

«إنّ اللّه احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، وان الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم» (1فلا تلتفت إلى مَن يزعم أنه قد وصل إلى كنه الحقيقة المقدّسة، بل أحث التراب في فيه، فقد ضل و غوى، وكذب وافترى، فإنّ الأمر أرفع وأطهر أن يتلوّث بخواطر البشر، وكلّ ما تصوّره العالم الراسخ فهو عن حرم الكبرياء بفراسخ، وأقصى ما وصل إليه الفكر العميق فهو غاية مبلغه من التدقيق، وما أحسن ما قال:)آنچه پیش تو غیر از آن ره نیست*** غایت فهم توست اللّه نیستبل الصفات التي نثبتها له سبحانه وتعالى إنّما هي على حسب أوهامنا وقدر أفهامنا، فإنا نعتقد اتصافه سبحانه بأشرف طرفي النقيض بالنظر إلى عقولنا القاصرة، وهو تعالى أرفع وأجلّ من جميع ما نصفه به.وفي كلام الإمام أبي جعفر محمّد بن علي الباقر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ إشارة إلى هذا المعنى)-------------------------------------------------------------------------قوله: «وان الملأ الأعلى».قيل : الملأ الجماعة من الناس الذين يملؤون العين والقلب هيبة.وقيل : هم أشراف الناس ورؤسائهم الذين يرجع إلى قولهم. وقيل: إنّما قيل لهم ذلك؛ لأنهم ملأ بالرأي والغنا والملأ الأعلى الملائكة المقربون الساكنون في الأعلى، كما أنّ الملأ الأسفل الانس والجن الساكنون في الأرض.قوله: «في كلام الامام أبي جعفر».قيل: لعلّ معنى الحديث أنه لا تفهمون اللّه تعالى بما وصفتموه من العلم والقدرة والحياة وغير ذلك، بالمعاني التي فهمتموه من تلك الصفات ؛ لأنّ كلّ ما ميّزتموه


1) تحف العقول ص 245.

حيث قال: «كلّ ما ميّزتموه بأوهامكم في أدق معانيه مخلوق مصنوع مثلكم، مردود إليكم. ولعلّ النمل الصغار تتوهّم أنّ اللّه تعالى زبانيتين فإنّ ذلك كمالها. وتتوهّم أنّ عدمهما نقصان لمن لا يتصف بهما. وهكذا حال العقلاء فيما يصفون اللّه تعالی به»(1. انتهى كلامه صلوات اللّه عليه وآله.)قال بعض المحققين: هذا كلام دقيق رشيق أنيق صدر من مصدر التحقيق-------------------------------------------------------------------------بأوهامكم في أدق معانيه مخلوق، أي: حادث ممكن مصنوع مثلكم، أي: في الامكان والحدوث والاحتياج إلى المادة مردود إليكم بالحقيقة، أنتم مرجع هذا المميز، فلا ينبغي الاعتقاد بأنه تعالى موصوف بمثل هذه الأشياء بهذه المعاني التي ميّزتموه، بل حالكم في هذا كحال النمل الصغار.فالعقلاء لما وجدوا أن اللّه تعالى واهب العلم والقدرة والحياة، قصدوا توصيف خالقهم بما هو الأشرف عندهم وصفوه بهذه الصفات إلا أن في نفس الأمر لا يوصف بهذه الأشياء، بل له الطرف الأشرف من جميع الأمور.والغرض من نقل الحديث في هذا الموضع تحقيق معنی توصیف اللّه تعالى بالطرف الأشرف الذي فيما نحن فيه هو الحياة، ويدفع بهذا الحديث القول بزيادة الصفات؛ لأنّ مضمون الحديث بالحقيقة نفى الصفات، ويؤيد القول بالعينية.قوله: «بعض المحققين».المراد به جلال الدين محمّد الدواني.


1) بحار الأنوار 69: 293.

ومورد التدقيق، والسرّ في ذلك أنّ التكليف إنّما يتوقف على معرفة اللّه تعالى بحسب الوسع والطاقة، وإنما كلّفوا أن يعرفوه بالصفات التي ألفوها وشاهدوها فيهم مع سلب النقائص الناشئة عن انتسابها إليهم. ولما كان الإنسان واجباً بغيره عالماً قادراً مريداً حياً متكلّماً سميعاً بصيراً كلّف بأن يعتقد تلك الصفات في حقه تعالى مع سلب النقائص الناشئة عن انتسابها إلى الإنسان، بأن يعتقد أنه تعالى واجب لذاته لا بغيره عالم بجميع المعلومات، قادر على جميع الممكنات، وهكذا في سائر الصفات، ولم يُكلف باعتقاد صفة له تعالى لا يوجب فيه مثالها ومناسبها بوجه. ولو كلّف به لما أمكن تعلّقه بالحقيقة. وهذا أحد معاني قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «مَن عرف نفسه فقد عرف ربه» (1)إنتهى كلامه)-------------------------------------------------------------------------قوله: «والسر في ذلك».الحاصل أن مفيض الحياة على الأحياء يجب أن يكون حيّاً، كما أنه يجب أن يكون مفيض العلم على العلماء عالماً، وهكذا حال سائر الصفات الكمالية.قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : «من عرف نفسه».)هذا حديث علوي، قيل في تفسيره: إنّ الروح لطيفة لاهوتية في جنّة ناسوتية، دالّة على عشرة أوجه :الأوّل: أنّه لمّا حركت الجنّة ودبّرتها، علمنا أنه لا بد للعالم من مدبّر.الثاني: وحدانيتها على وحدانيته.الثالث: دلّ تحريكها للجسم على قدرته. الرابع: دلّ على اطلاعها على الجسد على علمه.


1) عوالي اللئالي 4: 102 ح 149.

واعلم ان تلك المعرفة التي يمكن أن يصل اليها أفهام البشر لها مراتب متخالفة ودُرَج متفاوتة.### طریق معرفته سبحانهقال المحقّق الطوسي (طاب ثراه في بعض مصنفاته: إن مراتبها مثل مراتب معرفة النار مثلاً، فإنّ أدناها من سمع أنّ في الوجود شيئاً يعدم كلّ شيء يلاقيه، ويظهر أثره في كلّ شيء يحاذيه، وأيّ شيء أخذ منه لم ينقص منه شيء، ويسمّى ذلك الموجود ناراً. ونظير هذه المرتبة في معرفة اللّه تعالى معرفة المقلّدين الذين صدّقوا بالدين من غير وقوف على الحجّة)-------------------------------------------------------------------------الخامس: دلّ استيلائها على الأعضاء على استيلائه على خلقه.السادس: دلّ تقديمها عليه وبقاؤها بعده على أزليته وأبديته.السابع: دلّ عدم العلم بكيفيتها على عدم الاحاطة به.الثامن: دلّ عدم العلم بمحلّها من الجسد على تجرّده.التاسع: دلّ عدم مسها على امتناع مسهالعاشر: دلّ عدم إبصارها على استحالة رؤيته.قوله: «انّ مراتبها».طرق معرفته سبحانه - وإن كانت لا تحصى جهاتها كثيرة، إلا أنها تنحصر في أقسام ثلاثة، تندرج تحت كل قسم مراتب غير محصورة :أحدها: طريق الدلالة بحسب الفطرة، وهذه طريقة يشترك في سلوكها العوام أيضاً؛ إذ ما من أحد إلا ويعلم أن له صانعاً صنعه، ومدبّراً دبّره، بحسب فطرته الأصلية، لما ركب فيه من العقل الذي هو الحجّة الأولى. وإن أنكر وجوده منكر، فإنّما هو لغلبة شقاوة المكتسبة المبطلة لاستعداده الفطري، وهو مع ذلك يعترف به حال الاضطرار، كما هو الوارد في الأخبار.

وأعلى منها مرتبة من وصل إليه دخان النار وعلم أنه لا بد له من مؤثر، فحكم بذات لها أثر وهو الدخان. ونظير هذه المرتبة في معرفة اللّه تعالى معرفة أهل النظر والاستدلال الذين حكموا بالبراهين القاطعة على وجود الصانع.-------------------------------------------------------------------------الثاني: الطريق الحاصل بالانظار والاستدلال بالآثار، وهذه الطريقة يشترك في سلوكها جميع الخواص المستدلّين من العالمين حتّى الأنبياء والمرسلين، وإن كانوا فيه على تفاوت مراتب عقولهم.ألا ترى أنك تستدلّ بملكوت السماوات وحركات الكواكب وبزوغها وأفولها على صانعها ومدبّرها، كما استدلّ بها خليل الرحمن ولكن لا يحصل لك من ذلك إلا علم ضعيف، لا يكاد يمازجه ايقان ولا ایمان، حتّى لو وقعت في أدنى بلية تشبثت بكل حشيش.والذي حصل له (عَلَيهِ السَّلَامُ كان علماً ثابتاً ويقيناً جازماً، حتّى قال له روح الأمين وقد رمي بالمنجنيق، فكان في الهواء مائلاً إلى النار: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا(1). فلاعراضه عنه فى مثل هذه الحالة والتجاؤه إلى ربّه ليس إلا لأنه رأى ما سواه مفتقراً إليه، خاشعاً لديه، خاضعاً بين يديه، بل لم ير موجوداً سواه، ولا ملجأ إلا إياه.)الثالث: الطريق الحاصل بالرياضة والمجاهدة الموصلة إلى حق اليقين، بل عين اليقين، وهذه الطريقة لخواص الخواص الذين يعرفون الحق بالحق، والمراد بالمعرفة المذكوره في هذا الحديث بعض مراتب المرتبه الثانية، وجميع مراتب المرتبة الثالثه، والعلم عند اللّه وعند أهله.


1) علل الشرائع ص 36 ح 6.

وأعلى منها مرتبة من أحس بحرارة النار بسبب مجاورتها، وشاهد الموجودات بنورها، وانتفع بذلك الأثر. ونظير هذه المرتبة في معرفة اللّه سبحانه وتعالى معرفة المؤمنين الخلّص الذين اطمأنّت قلوبهم بالله، وتيقنوا (أنّ اللّه نور السماوات والأرض (1)كما وصف به نفسه.)وأعلى منها درجة مرتبة من احترق بالنار بكليته، وتلاشى فيها بجملته. ونظير هذه المرتبة في معرفة اللّه تعالى معرفة أهل الشهود والفناء في اللّه، وهي الدرجة العليا والمرتبة القصوى، رزقنا اللّه الوصول إليها، والوقوف عليها بمنه وكرمه. إنتهى كلامه أعلى اللّه مقامه.-------------------------------------------------------------------------قوله: «والفناء».اعلم أن الذكر القلبي من أعظم علامات المحبّة؛ لأنّ من أحبّ أحداً ذكره دائماً وغالباً، وأن أصل الذكر عند الطاعة والمعصية سبب لفعل الطاعة وترك المعصية، وهما سببان لزيادة الذكر ورسوخه وهكذا يتبادلان إلى أن يستولي المذكور - وهو اللّه سبحانه - على القلب، ويتجلّي فيه، فالذاكر حينئذ يحبه حباً شديداً، ويغفل عن جميع ما سواه حتّى نفسه؛ إذ الحبّ المفرط يمنع عن مشاهدة غير المحبوب.وهذا المقام يسمّى مقام الفناء في اللّه، والواصل إلى هذا المقام لا يرى في الوجود إلا هو، وهذا معنى وحدة الوجود عند محققي المتصوفة، لا بمعنى أنه تعالى متحد مع الكل؛ لأنه محال وزندقة، بل بمعنى أنّ الموجود في نظر الفاني لا غيره؛ لأنه تجاوز عن عالم الكثرة، وجعله وراء ظهره وغفل عنه.


1) سورة النور: 35.

ولا يخفى أنّ المعرفة التي تضمّنها صدر هذا الحديث هي المرتبة الثالثة والرابعة من هذه المراتب واللّه أعلم.تتميمقد اشتمل هذا الحديث على المهم من سمات العارفين وصفات الأولياء الكاملين :فأولها: الصمت وحفظ اللسان الذي هو باب النجاة.-------------------------------------------------------------------------وقال الغزالي في تأويل آية النور بعد ايراد اشارة: العارفون بعد العروج إلى سماء الحقيقه اتفقوا على أنهم لا يرون في الوجود إلا الواحد الحق، لكن منهم من كان له هذه الحالة عرفياً علمياً، ومنهم من صار له ذلك حاليا ذوقياً، وانتفت عنهم الكثرة بالكلية، واستغرقوا فى الفردانية المحضة، واستولت عقولهم فصاروا كالمبهوتين فيه، فلم يبق ثمّ متسع، لا لذكر اللّه ولا لذكر أنفسهم أيضاً، فتمّ عندهم اللّه، فسكروا سكراً رفع سلطان عقولهم.وساق الكلام إلى أن قال، وهذه الحالة إذا غلبت سمّيت بالاضافة إلى صاحب الحالة فناء الفناء؛ لأنه لا فناء عن نفسه، فإنّه ليس يشعر بنفسه، ولا يعدم شعوره بنفسه ولو شعر بعدم شعوره بنفسه يسمّى هذه الحالة بالاضافة إلى المستغرق به بلسان المجاز اتحاداً، وبلسان الحقيقة توحيداً.قوله: «باب النجاة».لأنّ من صمت نجا، فإنّ البلايا موكلة بالمنطق.روي عن سفيان بن عبدالله، قال: قلت: يا رسول اللّه ما أكثر ما تخاف عليّ؟ فأخذ بلسان نفسه، ثمّ قال: هذا.

وثانيها: الجوع، وهو مفتاح الخيرات.-------------------------------------------------------------------------وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: إن ابن آدم إذا أصبح بكرت الأعضاء كلّها إلى اللسان، وقلن : ننشدك أن تستقيم، فإنّك إن استقمت استقمنا، وإن اعوجت أعوجنا.)قيل: لأنّ نطق اللسان يؤثر في أعضاء الانسان بالتوفيق والخذلان.ونقل عن بعض الأكابر أنه كتب باصبعه في الأرض هذه الأبيات :منع اللسان من الكلام لأنه*** كهف البلايا وجالب الآفاتفإذا نطقت فكن لربّك ذاكراً ***لا تنسه واحمده في الحالاتوبالجملة أكثر خطايا ابن آدم في لسانه، ففي الصمت الوقار، واجتماع الهمة، والفراغ للعبادة، والسلامة من آفات الدارين، وأنه باب من أبواب الحكمة، وأنه يكسب المحبّة، وأنه دليل على كلّ خير، وسنأتيك في هذا الباب بكلام أبسط بعون الله الوهاب.قوله: «وهو مفتاح الخيرات».وذلك لأنّ خلوّ الجوف من أسباب إفاضة الحكمة، فإنّه تشبه بصفة الصمدية، وامتلاؤه مانع منها، ولذلك قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «لا تدخل الحكمة جوفاً ملىء طعاماً (1)لأنه يكدر قلبه ويقسيه، ويكلّ طبعه ويشغل سرّه، ويقوي شهوته، ويثقل بدنه، ويكثر نومه، ويورث غفلته، ويمنعه من التهجّد والعبادة والقيام بالليل، ومن المواظبة على سائر العبادات المورثة لإفاضة الحكمة، ويوجب البطر والطغيان، ويولد البلغم المستعقب للنسيان، وهو آفة العلم.)


1) عوالي اللئالي 1: 425 برقم: 111.

وثالثها: اتعاب النفس بالعبادة بصيام النهار وقيام الليل، وهذه الصفة ربما-------------------------------------------------------------------------بخلاف الجوع وخلاء المعدة، فإنّ من أجاع بطنه انكسرت شهوته، وذلت نفسه، وانقادت تحت قلم العقل، وقلّ نومه، ورق قلبه، ونفذت بصيرته، وعظمت فكرته، وزالت عنه واعية البطر والطغيان، وما يورث أسباب النسيان.وبالجملة بقلة الأكل وكثرة الجوع يصفو العقل، ويجلو الفكر، وهما يوجبان حصول المعارف الربّانية، وهى أشرف أحوال النفس الانسانيةولذا قال الحكيم أفلاطون الإلهي الجوع سحاب يمطر العلم والحكمة والشبع سحاب يمطر الجهل والغفلة.وورد أن الجوع إدام للمؤمن، وغذاء للروح، وطعام للقلب، وصحة للبدن(1.)وقال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ : إن البطن ليطغى من أكلة، وأقرب ما يكون العبد من اللّه تعالى إذا ما جاع بطنه، وأبغض ما يكون العبد إلى اللّه إذا امتلأ بطنه (2).)ونحن قد فصلنا أكثر فوائد الجوع في رسالة لنا موسومه بجامع الشتات(3، فليطلب من هناك.)قوله: «وهذه الصفة».قال الغزالي بعد كلام فأنا أجمع بين الظاهر والسرّ، فهذا هو الكامل، وهو المعني بقولهم «الكامل من لا يطفىء نور معرفته نور ورعه» ولذلك ترى الكامل لا تسمح نفسه ترك حدّ من حدود الشرع مع كمال بصيرة.


1) بحار الأنوار 66: 337 ح 33.

2) بحار الأنوار 66: 336 ح 25.

3) جامع الشتات ص 134 المطبوع بتحقيقنا.

توهم بعض الناس استغناء العارف عنها وعدم حاجته إليها بعد الوصول، وهو وهم باطل، إذ لو استغني عنها أحد لاستغني عنها سيّد المرسلين وأشرف الواصلين،-------------------------------------------------------------------------وقبح بعض السالكين إلى الاحاطه وطيء بساط الأحكام ظاهراً، حتّى أنه ربما ترك الصلاة، وزعم أنه دائماً في الصلاة بسره، وليس هذا سوى المغلطة الحمقى من اللاحية الدهرة، أخذهم ترّهات عقولهم، كقول بعض إنه غني عن عملنا، وقول بعضهم إنّ الباطن مشحون بالخبائث، وليس يمكن تزكيته، ولا مطمح في استئصال الغضب والشهوة، ظناً منه أنه مأمور باستئصالهما، وهذه حماقات.وقال الفاضل الحلّي (قدّس سرّه في نهج الحق وكشف الصدق: ولقد شاهدت جماعة من الصوفية في حضرت مولانا الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد صلّوا المغرب سوى شخص واحد منهم كان جالساً ولم يصلّ، ثمّ صلّوا بعد ساعة العشاء سوى ذلك الشخص، فسألت بعضهم عن ترك صلاة ذلك الشخص، فقال: وما حاجة هذا إلى الصلاة وقد وصل، أيجوز أن يجعل بينه وبين اللّه حاجباً؟ فقلت: لا، فقال: الصلاة حاجب بين العبد والربّ. فانظر أيها العاقل إلى هؤلاء، واعتذارهم عن الصلاة وتركها، فإنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (1).)قوله: «وعدم حاجته إليها بعد الوصول».ليس مرادهم بالوصول القبال شيء بشيء، كما يتوهمه المجسمة ومن يحذو حذوهم، تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً، بل المراد به التبتل والانقطاع إلى اللّه، والتجافي عن دار الغرور، والترقي إلى عالم النور، والأنس بالله، والوحشة عمّا سواه، فهو كناية عن القرب منه و الرفعة عنده، بواسطة نيل الثواب


1) نهج الحق وكشف الصدق ص 58 - 59.

-------------------------------------------------------------------------تشبيهاً بالقرب المكاني، والوصول إلى ما فيهقال صاحب عرائس البيان: وصف اللّه سبحانه بقوله «إن المتقين في جنات ونهر * في مقعد صدق عند مليك مقتدر» (1المتقين الذين أقبلوا على اللّه بنعت المعرفة والمحبّة، وخرجوا ممّا دونه من البرية، وتلك المنازل عالم الشهادة ومقاماته العندية جنانها رفارف الانس وأنوارها أنوار القدس، أجلسهم على بساط الزلفة والمداناة التي لا يتغيّر صاحبها بعلّة القهر، ولا يزول عنها بالحجاب والستر، لذلك سمّاه مقعد الصدق، أى محلّ كرامته دائمة وقربة قائمة، ومواصلة سرمدية، وزلفة أبدية انتهى.)وفي كتاب الكافي عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ : إن روح المؤمن لأشدّ اتصالاً بروح اللّه من اتصال شعاع الشمس بها (2).)وفي مصباح الشريعة عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ : العارف شخصه مع الخلق، وقلبه مع اللّه، لو سهى قلبه عن اللّه طرفة عين لمات شوقاً إليه، والعارف أمين ودائع(3)اللّه، وكنز أسراره ومعدن نوره، ودليل رحمته على خلقه، ومطية علومه، وميزان فضله وعدله، قد غني عن الخلق والمراد والدنيا ولا مونس له سوى اللّه، ولا نطق ولا إشارة ولا نفس إلا بالله ومن اللّه ومع اللّه، فهو في رياض قدسه متردّد، ومن لطائف فضله متزوّد، والمعرفة أصل فرعه الايمان (4).)


1) سورة القمر: 54 - 55.

2) أصول الكافي 2: 166 ح 4.

3) في المصباح: وقائع.

4) مصباح الشريعة ص 191 باب 91.

وقد كان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ يقوم في الصلاة إلى أن ورمت قدماه، وكان أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي إليه تنتهي سلسلة أهل العرفان يصلّي كلّ ليلة ألف ركعة، وهكذا شأن جميع الأولياء العارفين كما هو في التواريخ مسطور وعلى الألسنة مشهور)-------------------------------------------------------------------------وعن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ : من أنس بالله استوحش من الناس (1). وعلامة الأنس الوحشة من الناس.)ونحن قد أوضحنا هذا المطلب بما لا مزيد عليه في شرحنا على دعاء الصباح عند قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «أم علقت بأطراف حبالك حين باعدتني ذنوبي عن دار الوصال» (2)فيطلب من هناك.)قوله: «قدماه».كما روي عن الباقر و الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ: إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إذا صلّى قام على أصابع رجليه حتّى تورّمت فأنزل اللّه (طه) بلغة طي يا محمّد (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) (3).)وفي حديث آخر طويل عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ : ولقد قام رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عشر سنين على أطراف أصابعه حتّى تورّمت قدماه واصفر وجهه، يقوم الليل أجمع، حتّى عوتب في ذلك، فقال اللّه عزّوجلّ (طه) الآية (4).)و روى عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ : أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)كان يرفع إحدى رجليه في الصلاة)


1) بحار الأنوار 78: 377 ح 3.

2) مفتاح الفلاح ومصباح النجاح في شرح دعاء الصباح ص 120 المطبوع بتحقيقنا.

3) تفسير علي بن إبراهيم 2: 58.

4) الاحتجاج 1: 520.

ورابعها الفكر، وفي الحديث: «تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة»(1قال بعض الأكابر انّما كان الفكر أفضل لأنّه عمل القلب، وهو أشرف من الجوارح فعمله أفضل من عملها، ألا ترى إلى قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) (2)فجعل الصلاة وسيلة إلى ذكر القلب، والمقصود أشرف من الوسيلة)-------------------------------------------------------------------------لیزید تعبه، فنزلت (3.)صلى اللّه وعن ابن عبّاس: كان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ إذا قام من الليل ربط صدره بحبل كيلا ينام، فأنزل اللّه هذه الآية (4).)قوله: «ورابعها الفكر».الفكر : حركة للنفس إلى المبادىء ليرجع منها إلى المطالب، فإن كان في آلاء اللّه وما يؤدي إلى معرفة ذاته وصفاته الجليلة والجميلة، فهو أشرف من العبادة وخير منها؛ لتوقفها عليه، وإلا فالعبادة خير منه فإن من المعلوم أن التفكر في معرفة الصناعة الخسيسة والحرفة الدنية، ونحو ذلك من الأفكار الغير المتعلقة بالمبدء والمعاد ممّا لا خير فيه ولا ثواب، كيف؟ وقد فيه ولا ثواب كيف؟ وقد ورد الاستعاذه من علم لا ينفع، أي: لا يصل نفعه إلى العالم به في الآخرة، كالعلوم التي لا دخل لها في الدين، فكيف العلوم التي تضرر بالدين، نعوذ بالله منها.قوله: «قال بعض الأكابر».أراد به الفخر الرازي، فإنّه نقل عنه أنه قال في توجيه هذا الحديث : إن الفكر


1) الجامع الصغير 2: 77.

2) سورة طه : 14.

3) مجمع البيان 4 2.

4) الدر المنثور 4: 288.

وخامسها الذكر، والمراد به الذكر اللساني.-------------------------------------------------------------------------يوصلك إلى اللّه، والعبادة توصلك إلى ثواب اللّه، والذي يوصلك إلى اللّه خير ممّا يوصلك إلى غير اللّه، أو أنّ الفكر عمل القلب، والطاعة عمل الجوارح، والقلب أشرف من الجوارح، يؤكّد ذلك قوله تعالى (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (1)جعلت الصلاة وسيلة إلى ذكر القلب، والمقصود أشرف من الوسيلة، فدل ذلك على أنّ العلم أشرف من غيره. انتهى.)والفكر بالكسر إسم من التفكر وهو لمعنيين :أحدهما: القوة المودعة في مقدّم الدماغ.وثانيهما: أثرها، وهو ترتب أمور في الذهن يتوصل بها إلى مطلوب يكون علماً أو ظنّاً.وقد عرّف الفكر بأنه انتقال الذهن في المعاني انتقالاً بالقصد ليخرج الحدس، وما يتوارد للنفس من المعاني بلا قصدقوله: «وخامسها الذكر».قال الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبدالله ابن سينا في رسالة له في الخلوة والذكر أمّا بعد فإنّ من شمّر عن ساق الجدّ للبلوغ إلى مرتبة الواصلين، فليقصد بسلاح ذكر اللّه تعالى قمع هو احبس النفس وايقاظ القلب عن سنة الغفلة، ويراد بالفكر على الذكر استخلاصاً بثنية الذكر عن عادة الذاهلين، ويسلّط الذكر على الفكر لإذابة تخيّل الواردين، ويتبرأ عن حول الفكرة، ويقوي الذكر بالإنابة إلى ربّ العالمين، وكلّ ذلك داخل في قوله تعالى (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ


1) سورة طه: 14.

### أحسن أفراد الذكروقد اختاروا له كلمة التوحيد لاختصاصها بمزايا ليس هذا محل ذكرها.-------------------------------------------------------------------------سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (1)وخلاصته في نسيان الخلق بالاستغراق في ذكر الحق، إلا أن الذكر لله لا يخلص عن النسيان مع انتشار الحواس في مهواها، فلزم لزمها، ولا يصفو الذكر مع هواجس النفس، فيتعيّن مراقبتها، ولا يستحلي الذكر والسرّ ملتفت إلى غير المذكور فيتحتم قبضه.)فإذا حضرت هذه الشرائط في الذكر برهة من الزمان ثبت الذكر في السرّ، وبرزت عروقه في القلب، وطلعت أغصانه في الغيب، وأثمرت المعارف، وطلع كلّ عرق وغصن في اللسان والسمع والبصر واليد والرجل، وفاز بقوله تعالى (لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وهذا محلّ الكفاية، وموضع النضرة والرعاية، وخرج العبد عن حراسته، ووقع في حفظ اللّه وحرزه؛ لقوله (وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ).)فينبغي أن يفتح الأمر بذكر اللسان على سبيل الحرمة، وهو مجاهدته، فيفتح القلب بالذكر، ومراقبة القلب مجاهدته، ثمّ يفتح الاستغراق في الذكر، والتطلع إلى محلّ المذكور ومجاهدته، ثمّ يتجلّي المذكور، فالمراقبة لما يبدو من فيضه وإحسانه مجاهدة، وكلّ مجاهدة تتم في درجتها نوع من المشاهدة المشاهدة، وفقنا اللّه لكلّ ذلك حتّى نبلغ منزلة السكينة بمنه وجوده وسعة رحمته.قوله: «كلمة التوحيد».أحسن أفراد الذكر قول « لا إله إلا الله» لأنها رأسها، كما يدل عليه ما ورد في الخبر عن سيد البشر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أنه قال : ما قلت ولا قال القائلون قبلى مثل لا إله إلا الله (2).)


1) سورة العنكبوت 69.

2) التوحيد للشيخ الصدوق ص 18 ح 1.

-------------------------------------------------------------------------وفي رواية أخرى عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : ما من الكلام كلمة أحب إلى اللّه عزّوجلّ من قول لا إله إلا اللّه، وما من عبد يقول لا إله إلا اللّه يمد بها صوته فيفرغ إلا تناثرت ذنوبه تحت قدميه، كما يتناثر ورق الشجرة تحتها (1).)أقول: وإنّما صارت هذه الكلمة أحبّ الكلمات إلى اللّه عزّوجل؛ لأنها أعلى كلمة وأشرف لفظة نطق بها في التوحيد، دالّة على وجوده تعالى مفهوماً، وعلى وحدته منطوقاً، وعلى استجماعه جميع صفات الكمال، وتنزّهه عن جميع النقائص، وليس فى الأذكار ما يدلّ على ذلك دونها؛ لأنها إما تمجيد أو تنزيه بخلاف هذه الكلمة، فإنّها جامعة بينهما، منطبقة على جميع مراتب التوحيد، توحيد الذات والصفات والأفعال، وقد وردت في فضلها وشرفها وأسرارها وخواصها من طريق الخاصّة والعامّة ما لا يكاد يحصى، ولذا اختارها أهل السلوك لتربية السالكين، وتهذيب المريدين، وقد جمعت بين نفي ألوهية ما سوى اللّه وإثبات ألوهيته، و هي متعلقة بالجنان واللسان، ومتفاوتة فيه.فمنها ما يكون باللسان وحده من غير حضور القلب، وهي أضعف المراتب.ومنها ما يكون به مع استقرار واستيلاء، بحيث يغفل عما عدا المذكور، وهي المرتبة العليا، والدرجة القصوى، وإليه الاشارة بقوله (ولذكر اللّه أكبر (2).)وممّا يدلّ على كونها أفضل الأذكار زائداً على ما سبق أنها أبعد من الريا، حيث إنّه يمكن اخفاؤها عن الخلق؛ إذ ليس فيها من الحروف الشفوية شيء، ولذلك سمّي بكلمة الاخلاص.


1) التوحيد للشيخ الصدوق ص 21 - 22 ح 14.

2) سورة العنكبوت: 45.

وسادسها نظر الاعتبار، كما قال سبحانه: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ(1))-------------------------------------------------------------------------وأيضاً فإنّ في هذا الذكر من اطمئنان القلوب وتسكين النفوس ما ليس في غيره؛ إذ النفوس مفطورة على توحيده ومعرفته تعالى فهذا الذكر من صميم القلب، والباطن فيه وفق للظاهر، بخلاف سائر الأذكار، فكان أشرف منها؛ إذ كما أنّ أعمال القلوب أشرف من أعمال الجوارح، فكذا ما له مزيد اختصاص بها أشرف من غيره، وهذا أيضاً ممّا يناسب لتسميته بكلمة الاخلاص.قوله: «وسادسها نظر الاعتبار».أشار بذلك إلى أنّ العبرة - بالكسر - المذكورة في الحديث اسم من الاعتبار وهو الاتعاظ، ومنه «الاعتبار يفيدك الرشاد» ومن كلامهم في الاعتبار «سل الأرض من شق أنهارك وأخرج ثمارك، فإن لم تجبك جهاراً أجابتك اعتبارا».وفي الحديث: من أطفأ نور عبرته بشهوة نفسه، فكأنما أعان هواه على هدم عقله (2.)والمعتبر: المستدلّ بشيء على شيء، وحقيقة العبرة ما يفيد الفكر إلى ما هو الحق من وجوب ترك الدنيا والعمل للآخرة واشتقاقها من العبور؛ لأن الانسان ينتقل فيها من أمر إلى آخر، وهي كما ورد في قصص الأولين، والمصائب النازلة بالماضين التي ينتقل ذهن الانسان باعتبارها إلى تقديرها في نفسه وحاله، فيحصل له بذلك انزجار ورجوع إلى اللّه تعالى، كقوله تعالى (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3).)


1) سورة الحشر : 2.

2) مجمع البحرين 3: 394.

3) سورة النازعات: 25 – 26.

وسابعها: النطق بالحكمة.والمراد بها ما تضمّن صلاح النشأتين، أو صلاح النشأة الأخرى من العلوم والمعارف. أما ما تضمّن صلاح الحال في الدنيا فقط، فليس من الحكمة في شيء.وثامنها: وصول بركتهم إلى الناسو تاسعها وعاشرها: الخوف والرجاء.وهذه الصفات العشر إذا اعتبرتها وجدتها أمهات صفات السائرين إلى اللّه تعالى، يسر اللّه لنا الاتصاف بها بمنه وكرمه وجوده.-------------------------------------------------------------------------قوله: «النطق بالحكمة».الحكمة: إمّا طاعة اللّه ومعرفته كما ورد في الخبر ومعرفته كما ورد في الخبر (1، أو تحقيق العلم واتقان العمل كما قال القاضي (2)، أو العلم والعمل به كما ذكره صاحب الكشّاف (3).)وقال صاحب المغرب ما يمنع من الجهل. وقيل: هي الاصابة في القول.وقال ابن دريد : وكلّ ما يؤدّي إلى مكرمة، أو يمنع من قبيح (4)وهذه التفاسير جلّها بل كلّها يرجع إلى أمر واحد.قوله: «ما تضمّن».ما يتعلّق بأمور المعاش إن كان دخيلا في صلاح المعاد ووصلة إلى الحياة الأبدية والفيوضات السرمدية، فلا شكّ أنّه من الحكمة، كيف لا ؟ وقد نيط به صلاح المعاد، والفوز بثواب اللّه ورضوانه أبد الآباد.


1) تفسير العياشي 1: 151 ح 496.

2) لعله القاضي البيضاوي.

3) الكشّاف 1: 396.

4) جمهرة اللغة لابن دريد 2: 186.

-------------------------------------------------------------------------وإن لم يكن كذلك، بل كان مجرّد الفضول، ومنشأ التفاخر والتكاثر، فليس من الحكمة في شيء، ولا يسمّى صاحبه حكيماً من يشتري ما لا يعدل عند اللّه جناح بعوضة بأنفس الأشياء وأشرفها وما لا قيمة له، كما ورد في الحديث «بقية عمر المؤمن لا ثمن لها » (1.)


1) مجموعة ابن ورّام 1: 36.

## الحديث الثالث: أهمية الوقت الأوّل للصلاة### إشارة:وبالسند المتّصل إلى الشيخ الصدوق محمّد بن بابويه، عن موسى بن المتوكل، عن علي بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن عبیدالله الدهقان، عن واصل بن سليمان، عن عبدالله بن سنان، عن الإمام أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ، قال : سمعت أبي يحدّث عن أبيه قال: قال النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلّم): ما من صلاة يحضر وقتها إلّا نادى ملك بين يدي الناس: قوموا إلى نيرانكم التي أو قد تموها على ظهوركم فاطفؤوها بصلاتكم (1).)-------------------------------------------------------------------------الحديث الثالثقوله: «عن موسى».موسى هذا مجهول.قوله: «عن علي بن الحسين».علي هذا من مشايخ الكليني، وداخل في العدّة المذكورة بقوله «عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد البرقي».


1) من لا يحضره الفقيه 1: 208 ح 624، الأمالي للشيخ الصدوق ص 586 ح 806.

بیان(1)ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث«ما من صلاة»: «من» صلة لتأكيد النفي.«إلا نادى ملك»: استثناء مفرّغ. وجملة «نادى ملك» حالية.والمعنى: ما حضر وقت صلاة على حالة من الحالات إلّا مقارناً لنداء ملك... إلى آخره. وإنما صح خلوّ الماضي الواقع حالاً عن «الواو» و«قد» في أمثال هذه المقامات؛ لأنّه قصد به تعقيب ما بعد إلّا لما قبلها، فأشبه الشرط والجزاء. صرّح به المحقّق التفتازاني في أواخر بحث القصر من المطوّل.-------------------------------------------------------------------------قوله: «صرّح به المحقّق التفتازاني».حيث قال: واعلم أنه قد يقع بعد «إلا» في الاستثناء المفرغ الجملة، وهي: إمّا خبر مبتدء نحو ما زيد إلا يقوم، أو صفة نحو ما جاءني منهم إلا رجل يقوم ويقعد، أو حال نحو ما جاءني زيد إلا يضحك، وكثيراً ما يقع الحال بعد إلا ماضياً مجرّداً عن «قد» والواو، ونحو ما أتيته إلا أتاني. وفي الحديث «ما آيس الشيطان من بني آدم إلا أتاهم من قبل النساء» وذلك لأنه يقصد لزوم تعقيب مضمون ما بعد إلا لما قبلها، فأشبه الشرط والجزاء، وهذا الحال ممّا لا يقارن مضمونه بمضمون عامله إلاّ بتأويل العزم. والتقدير: ما آيس الشيطان من بني آدم من جهة غير النساء إلاّ عازماً من قبلهن، كقولهم «خرج الأمير معه صقر صائداً به غداً» جعل المعزوم عليه المجزوم به کالواقع الحاصل (2.)


1) من هنا قابلت كتاب الأربعين مع النسخة المخطوطة المصححة، وعليها تعليقات هامة لبعض الأعلام.

2) المطوّل للتفتازاني ص 223.

وهو مذكور في بعض كتب النحو أيضاً.«بين يدي الناس»: قال صاحب الكشّاف عند أوّل سورة الحجرات: حقيقة قول القائل «جلست بين يدي فلان» أن تجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله قريباً منه، فسُمِّيت الجهتان يدين لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما توسعاً، كما يسمّى الشيء باسم غيره إذا جاوره وداناه(1. إنتهى كلامه.)«إلى نيرانكم»: إستعارة مصرّحة شبّهت الذنوب بالنار في إهلاك من وقع فيها، وأوقدتموها ترشيح آخر، واطفؤوها ترشيح آخر.وإن جعلت «نيرانكم» مجازاً مرسلاً من قبيل تسمية السبب باسم المسبب-------------------------------------------------------------------------قوله: «وهو مذكور في بعض كتب النحو».كالمغني، حيث قال: إذا كان الماضي بعد إلا، فاكتفائه بالضمير دون الواو وقد، نحو ما لقيت إلا أكرمني؛ لأنّ دخول إلا في الأغلب على الأسماء، فهو بتأويل إلا مكرماً لي، فصار كالمضارع المثبت (2.)قوله: «ترشیح آخر».وهو أن يذكر بشيء يلايم المشبه به.قوله: «مجازاً مرسلاً».المجاز مرسل إن كانت العلاقة المصححة غير المشابهة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، وإلا فاستعارة والمجاز المرسل قد يرشّح، فإنّ الترشيح غير مختص بما يقترن بلفظ المشبه به، ولا بالاستعارة المبنية على التشبيه؛ لتصريحهم بأنّ أطولكنّ بترشيح المجاز المرسل الذي في اليد بمعنى النعمة من باب إطلاق


1) الكشّاف 3: 552 - 553.

2) مغني اللبيب 1: 73.

فالترشيحان على ما كانا عليه؛ إذ المجاز المرسل ربما يرشح أيضاً، كما قالوه في قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «أسر عكن لحوقاً بي أطولكنّ يداً» (1).)-------------------------------------------------------------------------السبب على المسبّب، ولا تشبيه فيه أصلاً.وأما تفسيرهم له بذكر ما يلايم المشبه به، فإنّما هو في الترشيح الذي في التشبيه وكذا ما ذكروا في الاقتران بلفظ المشبه به، فالمراد أنه كذلك فيما إذا كان في الكلام تشبيه.والأولى أن يكون ذلك جارياً على سنن التمثيل الذي يسمّيه أهل البيان تمثيلاً تخييلياً، أي: الايقاع في الخيال بتصوير المعاني العقلية تصوّر الأعيان الحسية؛ لكونها أظهر حضوراً وأكثر خطوراً.وهذا ما قال الحكماء: إنّ الناس للتخييل أطوع منهم للتصديق، فأكثروا من استعمال القضايا المخيّلة فى مقام الترغيب والترهيب والاستماحة والاستعطاف ونحو ذلك، وهى وإن كانت ترى بحسب الظاهر كاذبة فليست بكاذبة؛ لأن القصد منها تشبيه تلك الحال بحال من تفرض له تلك الصورة الحسّية مثلاً.مثل حال من يرتكب الذنب المهلك له، وتخفيفه ذلك الذنب بالصلاة بحال من يوقد النار على ظهره واطفائه لها من غير أن يذهب فيه إلى جهة حقيقة أو مجاز، بأن يراد بالنيران الذنوب، وإنما المراد بالمفردات في مثل ذلك حقائقها بأنفسها، كما في قولك «أراك تقدّم رجلاً وتؤخّر أخرى» لكن لا بالنسبة إلى الممثل له، بل بالنسبة إلى الممثل به، وهذا باب جليل في علم البيان، عليه يحمل كثير من متشابهات القرآن.


1) صحيح البخاري 2: 137 أبواب الزكاة.

ولا يبعد أن يجعل الكلام استعارة تمثيلية من غير ارتكاب تجوز في المفردات بأن تشبّه الهيئة المنتزعة من المذنب وتلبسه بالذنب المهلك له. وتحقيق (1ذلك بالصلاة بالهيئة المنتزعة من توقد النار على ظهره ثمّ إطفائه لها.)وهاهنا وجه آخر مبني على مقدمة، وهي أنه قد ذهب بعض أصحاب القلوب إلى أنّ الأعمال الصالحة هي التي تظهر في القيامة بصورة نعيم الجنة وحورها وقصورها، كما أنّ الأعمال السيّئة تظهر بصورة عذاب النار وعقاربها وحياتها. وقد ورد في القرآن والحديث ما يرشد إلى ذلك.-------------------------------------------------------------------------قوله: «إنّ الاعمال الصالحة».تجسّم الأعمال والاعتقادات في النشأة الآخره ممّا ذهب إليه كثير من أهل الاسلام، ومن الحكماء فيثاغورث الحكيم، ودلّت عليه آيات وروايات سيأتيك شيئاً فشيئاً في هذا الكتاب، بعون اللّه الملك الوهاب.فمن الآيات: قوله تعالى (يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (2))ومن الروايات: قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في جوفه نار جهنم (3).)وجملة الكلام في هذا المقام أنّ الجنّة الصورية، وهي الأبواب والجدران وما فيها من الأنهار والأشجار والحور والقصور وغيرها من أنواع النعيم المقيم، صور الأخلاق الحميدة، والأفعال الحسنة، والعلوم والآراء المطابقة للواقع، كما أنّ النار


1) في «ح»: تخفيف.

2) سورة البقرة: 167.

3) بحار الأنوار 7: 229، عوالي اللئالي 4: 8 برقم: 9.

فعلى هذا يجور أن تكون «نيرانكم» مجازاً مرسلاً، علاقته تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه، والترشيح بحاله كما عرفت وظنّي أنّ هذا الوجه أحسن من الوجوه الثلاثة السابقةإكمالقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «فاطفؤوها بصلاتكم» صريح في أنّ الصلاة تكفّر الذنوب وتسقط العقاب المتوعّد عليها. والقرآن يدلّ عليه، قال سبحانه وتعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (1)والمراد بها الصلوات لسوق الآية.)-------------------------------------------------------------------------الصورية، وما فيها من العقارب والحيات وغيرهما من أنواع الآلام والمؤذيات صور أضدادها من الأخلاق الذميمة، والملكات الرديئة، والأفعال القبيحة، والعلم بالأشياء على ما هي عليه.قوله: «بإسم ما يؤول إليه».كما في قوله تعالى (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا (2).)قوله سبحانه وتعالى (إن الحسنات.)قيل : إن قوله تعالى (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ يحتمل وجهين :)أحدهما: تكفير الذنوب بالطاعات، فهي صريحة في وقوع التكفير، وكذا غيرها من الآيات والروايات.وثانيهما: اللطف، يعني ان الطاعات موجبة لترك المعصيات بالخاصية، أو بسبب لطفه تعالى، كقوله تعالى (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ (3)وكلام)


1) سورة هود: 114.

2) سورة يوسف: 36.

3) سورة العنكبوت: 45.

وقد ورد ذلك في أحاديث متكثّرة من طرق العامّة والخاصّة.روى أبو حمزة الثمالي عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ، عن أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه قال: والذي بعثني بالحق بشيراً ونذيراً أنّ أحدكم ليقوم من وضوئه فتساقط عن جوارحه الذنوب، فإذا استقبل اللّه بوجهه وقلبه لم ينفتل وعليه من)-------------------------------------------------------------------------الشيخ (قدّس سرّه مبني على الوجه الأوّل.)ويؤيده ما في جوامع الجامع : عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ، عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه قال: أرجى آية في كتاب اللّه هذه الآية، وظاهره يفيد العموم في التكفير، كقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «كيوم ولدته أمه» (1).)قوله: «أبو حمزه الثمالي».ثابت بن دينار أبو حمزه الثمالي من أعيان هذه الطائفة وثقاتهم، واختلف في بقائه إلى عهد الكاظم موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ، ويقال : إنّ هذا الخلاف إنّما نشأ من قلم الشيخ (قدّس سرّه)، ولا يتوهم له مأخذ ولا محلّ اشتباه، فإنّ الحق أنه أدرك برهة من زمانه (عَلَيهِ السَّلَامُ).)كما يظهر ممّا روي عن الفضل بن شاذان قال: سمعت الثقة يقول: سمعت الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ يقول: أبو حمزة الثمالي في زمانه كسلمان(2)في زمانه، وذلك أنه خدم أربعة منا علي بن الحسين، ومحمّد بن علي، وجعفر بن محمّد، وبرهة من عصر موسى بن جعفر صلوات اللّه عليهم (3).)


1) من لا يحضره الفقيه 1: 141 - 142.

2) في الكشي: كلقمان.

3) اختيار معرفة الرجال 2: 458 برقم: 357.

ذنوبه شيء كيوم ولدته أمه، إنّما منزلة الصلوات الخمس لأمتي كنهر جارٍ على باب أحدكم، فما ظنّ أحدكم لو كان على جسده درن، ثمّ اغتسل في ذلك النهر-------------------------------------------------------------------------وعن علي بن الحسن بن فضال: إنّ أبا حمزه وزرارة ومحمّد بن مسلم ماتوا في سنة واحده بعد أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ بسنة وشهرين أو بنحو منه (1).)ومنه ومن أمثاله يظهر أنه أدرك وقت الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ، كما أشار إليه الشيخ البهائي. (قدّس سرّه) في الحاشية، حيث قال : المراد بأحدهما هاهنا الصادق والكاظم (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، فلا يكون للخلاف الذي ذكره الشيخ الطوسي (رَحمهُ اللّه) عند ترجمته في «ظم» من «جخ»(2)أثر، واللّه يعلم.)قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : « كنهر جار ».)هذا التشبيه يمكن أن يكون من باب تشبيه آحاد جملة بأخرى مثلها، بأن يشبه الصلاة بالنهي والنفس بالجسد وذنوبها بدرنه، إلى غير ذلك ذلك من الاعتبارات.ويمكن أن يكون من باب تشبيه الهيئة الحاصلة من آحاد جملة بأخرى مثلها، مثل قوله :وكان أجرام النجوم لوامعاً ***درر نثرن على بساط أزرقفإنّه يمكن فيه اعتبار كل من التشبيهين، وإن كان الثاني أحسن، وإنما أتى به لكشف المعنى الحاصل الممثل له، ورفع الحجاب عنه، وابرازه في صورة المشاهد المحسوس، ليساعد فيه الوهم العقل؛ إذ المعنى الصرف إنما يدركه العقل منازعة من الوهم؛ لأنّ من طبعه ميل الحسّ وحبّ المحاكاة. هذا.ويقال: انفتل من الصلاة أي: انصرف عنها.


1) اختيار معرفة الرجال 2: 455 برقم 353.

2) رجال الشيخ الطوسي ص 333 برقم: 4959.

خمس مرات، أكان يبقى في جسده درن؟ وكذلك واللّه الصلوات الخمس لأمتي (1.)وروي في سبب نزول قوله تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ أن رجلاً من الصحابة أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلّم)، فأخبره، فأنزل اللّه تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) فقال الرجل: ألي هذا؟ فقال (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): لجميع أمتي كلهم (2).)ولا يخفى أنّ هذه الذنوب التي وردت الأخبار بأن الصلاة مكفّرة لها مخصوصة بما عدا الكبائر، وفي كثير من الأحاديث تصريح بذلك، كما روي عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ عنه قال: «إنّ الصلوات كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر» (3).)-------------------------------------------------------------------------والدرن: بالتحريك الوسخ، وقد درن الثوب بالكسر درنا فهو درن، مثل وسخ فهو وسخ وزناً ومعنىً.قوله: «كما روي عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ».)ظاهر هذه الأخبار وما شاكلها، بل ظاهر الآية يعطي أن الكبائر ذنوب مخصوصة ممتازة عن الصغائر عيّنها الشارع وعرّفها، بحيث يمكن أن يعرفها كلّ مكلّف كسائر أبواب التكاليف، فإذا عرفها المكلّف واجتنبها، صار ذلك الاجتناب مكفّراً لما عداها من الصغائر.


1) تفسير العياشي 2: 161 - 162.

2) أسباب التنزيل للواحدي ص 180.

3) الدر المنثور 3: 355.

و عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «ما من امری مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلّا كانت كفّارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة» (1).)و عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «ان الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن ما لم تغش الكبائر» (2). والروايات بذلك متظافرة، فينبغي حمل الذنوب في الرواية الأولى على الصغائر، وإن كان قوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): «كيوم ولدته أمه» ظاهراً في العموم، كما لا يخفى.)-------------------------------------------------------------------------وظاهر الفاضل النيسابورى فى تفسيره يقتضي خلافه، حيث قال بعد تقسيم الذنب إلى الصغير والكبير : الحق في هذه المسألة وعليه الأكثر أنّ اللّه تعالى لم يميّز جملة الكبائر عن جملة الصغائر لمّا بيّن في قوله (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ إن اجتناب الكبائر يوجب تكفير الصغائر، فلو عرف المكلّف جميع الكبائر اجتنبها فقط، واجترأ على الاقدام على الصغائر. أما إذا عرف أنه لا ذنب إلا ويجوز كونه كبيراً صار هذا المعنى زاجراً له عن الذنوب كلّها. ونظير هذا في الشرع إخفاء ليلة القدر في شهر رمضان، وساعة الاجابة في ساعات الجمعة، ووقت الموت في جملة الاوقات.)هذا ولا مانع أن يبيّن الشارع في بعض الذنوب أنه كبيرة، كما روي أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قال: اجتنبوا السبع الموبقات إلى غير ذلك.)وفيه أن اجتناب الكبائر إنما يتصوّر إذا كانت ذنوباً مخصوصة معروفة بتعريف الشارع إيّاها، فإذا لم يكن جملة الكبائر ممتازة عن جملة الصغائر، فأي معنى لقوله في عدة أخبار «إنّ الصلاة كفارات لما بينهنّ ما اجتنب الكبائر» فتأمّل فيه.


1) صحیح مسلم 1: 142.

2) صحیح مسلم 1: 144.

### اجتناب الكبائر مكفّر للصغائرتذنيبما ورد من أنّ اجتناب الكبائر مكفّر للصغائر، كما قال سبحانه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (1)لا ينافي ما تضمنته الأحاديث السابقة من كون الصغائر مكفّرة بالصلاة، فلعل كلّاً منهما مكفّر لنوع منها، أو أنّ لكلّ منهما مدخلاً في التكفير، فهو بهذا الاعتبار مكفّرة في الجملة.)ولا يمكن أن تحمل الصغائر التي تكفّرها الصلاة على الصغائر الصادرة ممّن لا يجتنب الكبائر؛ لأنّ ما في قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «ما اجتنب الكبائر» وما لم تؤت كبيرة » و «ما لم تَغشَ الكبائر» ظرفية. فالمعنى أن الصلاة تكفّر ما بينهنّ وقت اجتناب الكبائر، فمن لا يجتنبها تكون صغائره غير مكفّرة بالصلاة. وهذا ظاهر لا سترة فيه)-------------------------------------------------------------------------قوله: «قال اللّه سبحانه «إن تجتنبوا كبائر »».قيل: الأولى أن يقال: إنّ الاتيان بالصلاة اجتناب عن تركها الذي هو من الكبائر، وبذلك يندفع المنافاة.ويمكن أن يقال: إنّ كلّ صلاة تكفّر الصغائر التي وقعت بينها وبين سابقتها، بشرط أن يجتنب المصلّي عن الكبائر بين الصلاتين، وذلك لا ينافي كون الاجتناب عن الكبائر جميعاً مكفّراً للصغائر لو كانت، وأيضاً فالعلل الشرعية علامات لا يمتنع اجتماعها.


1) سورة النساء: 31.

## الحديث الرابع: وضوء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)### إشارة:وبسندي المتّصل إلى الشيخ الجليل شيخ الطائفة محمّد بن الحسن الطوسي (قدس اللّه روحه عن الشيخ الجليل عماد الإسلام محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد (طاب ثراه)، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن الحسين بن الحسن بن أبان عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير وفضالة، عن جميل بن دراج، عن زرارة بن أعين، قال :)-------------------------------------------------------------------------الحديث الرابعقوله: «وبسندي المتصل» إلى قوله «عن الحسين بن الحسن بن أبان».قال المصنّف في الحاشية رجال هذا السند كلّهم من أجلاء الطائفة وثقاتهم بغير كلام إلا الحسين بن الحسن بن أبان، فإنّي لم أظفر بما يدلّ على توثيقه، لكن العلّامة في المنتهى (1والمختلف(2)، وشيخنا الشهيد في الدروس(3)وصفا هذه الرواية بالصحة، ولم يذكر العلّامة في الخلاصة هذا الرجل، وقد ذكره ابن داود والشيخ في كتابيهما (4).)


1) منتهى المطلب 1: 290.

2) مختلف الشيعة 1: 277 طبع جامعة المدرّسين.

3) الدروس 1: 91.

4) رجال ابن داود ص 122 - 123 رجال الشيخ الطوسي ص 398 - 399، و ص 424.

-------------------------------------------------------------------------لكن كلامهما لا يدلّ على مدح ولا قدح، كما لا يخفى على من رآه، والمستفاد بعد التتبع أنّ الرجل من وجوه أصحابنا من رجال العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ، وقد روى عنه أكابر هذه الطائفة، كالشيخ الجليل سعد بن عبدالله الأشعري وغيره، وظنّي عدّ روايته من الحسان (1)انتهى كلامه أعلى اللّه مقامه.)قوله في الحاشية: «كلّهم من أجلاء الطائفة وثقاتهم بغير كلام».فيه نظر يعرف ممّا أفاده مولانا المحقّق والتحرير المدقق عبدالله بن الحسين التستري بقوله: أحمد بن محمّد بن الحسن بن الوليد أبوالحسن لم أجده في كتب أصحابنا المتقدّمين، مع أنّ رواية المتأخرين كالمفيد عنه كثيرة، وكأنه من مشايخ الاجازة. وبالجملة لا أعرفه بتوثيق.وإذا قال الشيخ في التهذيب: وأخبرني الشيخ عن أحمد أحمد بن محمّد عن أبيه فالمراد من الشيخ المفيد ومن أحمد من ذكرناه من ابن الوليد.ويحتمل بحسب المرتبه أن يكون أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار، إلا أنّ القرائن ممّا تنبه على إرادة الأوّل؛ لأنّ الشيخ أكثر ما ينقل بوساطة المفيد عن الأوّل، وبوساطة الغضائري عن الأخير يشهد عليه أدنى تتبع، وكلاهما مجهولان. والظاهر أنه لا تضرّ الجهالة، نظراً إلى أنّ الظاهر أنهما من مشايخ الاجازة، وإنما يذكران لمجرد اتصال السند لا أنهما من المصنّفين، حتّى يحتاج إلى توثيقهما، وهكذا الكلام في الحسين بن الحسن بن أبان، ولا نعتمد على ما ذكره ابن داود من


1) هذه الحاشية غير موجودة في المطبوع والمخطوط من الأربعين.

-------------------------------------------------------------------------توثيقه في باب محمّد بن أورمة (1لأنّ كتاب ابن داود ممّا لم أجده صالحاً للاعتماد؛ لما ظفر عليه من الخلل الكثير في النقل من المتقدمين، وفي تقييد الرجال و التمييز بينهم.)أقول: ولكن ذكر الشيخ أنّ الحسين هذا ممّن أدرك العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال: ولم أعلم أنه روى عنه، وذكر ابن قولويه أنه قرابة الصفار وسعد بن عبدالله القمي الأشعري، وهو أقدم منهما؛ لأنه روى عن الحسين بن سعيد كتبه كلّها، وهما لم يرويا عنه (2). فدل هذا على جلالة الرجل واعتباره، وروى عنه جماعة منهم محمّد بن الحسن بن الوليد، وسعد بن عبدالله القمّي.)وقال ابن الوليد: إنه أخرج إليّ خط الحسين بن سعيد، وذكر أنه جاء إلى قم ونزل عند أبيه الحسن بن أبان وهو ضيفه (3. فظهر حيث نزل عندهم أنهم المعتبرون في العلم والدين والدنيا.)وقال بعض أصحابنا ممّن له قدم راسخة في معرفة أحوال الرجال: إن من المدح أن يكون الرجل ممّن تردّد في جميع الروايات والأصول في دفتر، وجعلها أصلاً محفوظاً عن الاندراس، أو يكون ممّن روى عنه علماؤنا، مثل ابن الزبير، والحسين بن الحسن بن أبان، واسماعيل بن مرّار انتهى.وبالجملة روايات الحسين هذا إما صحاح، أو حسان كالصحاح، ولا بأس في الاحتجاج برواياته إذا لم يكن في الطريق مانع من غير جهته، وبالله التوفيق.


1) رجال ابن داود ص 499.

2) رجال الشيخ ص 398 - 399 برقم: 5843.

3) رجال الشيخ الطوسي ص 59 - 60، والفهرست للشيخ الطوسي ص 58.

حكى لنا الإمام أبو جعفر محمّد بن علي الباقر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ وضوء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فدعا بقدح من ماء، فأدخل يده اليمنى، فأخذ كفّاً من ماء، فأسدلها على وجهه من أعلى الوجه، ثمّ مسح بيده الجانبين جميعاً، ثمّ أعاد اليسرى في الإناء، فأسدلها على اليمنى، ثمّ مسح جوانبها، ثمّ أعاد اليمنى في الإناء، ثمّ صبّها على اليسرى، فصنع بها كما صنع باليمنى، ثمّ مسح ببقية ما بقي في يديه رأسه ورجليه ولم يُعدها في الإناء (1).)بیان ما لعله يحتاج إلى بيان في هذا الحديث«فدعا بقدح من ماء»: قد يتمسّك بهذا على أنّ إحضار الغير ماء الوضوء ليس من الاستعانة المكروهة في الوضوء. وإنّما هي صبّ الماء في اليد ليغسل به العضو.-------------------------------------------------------------------------قوله: «وإنّما هي صبّ الماء».بل يظهر من بعض الأخبار أنّ هذا أيضاً ليس من الاستعانة المكروهة.مثل ما رواه العامّة والخاصّة عن علي بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ أنه كان يتوضأ وجارية واقفة تسكب الماء في يده، فسقط الابريق من يدها على وجهه فجرحه، فرفع (عَلَيهِ السَّلَامُ) رأسه إلى الجارية، فقالت: إن اللّه يقول : (والكاظمين الغيظ) فقال: قد كظمت غيظي، فقالت: (والعافين عن الناس) فقال: قد عفوت عنك، قالت: (واللّه يحبّ المحسنين) فقال: أنت حرّة لوجه اللّه (2).)


1) تهذيب الأحكام 1: 55 - 56 ح 157.

2) بحار الأنوار 45: 67 - 68.

وفيه ما لا يخفى.«فأسدلها على وجهه» أي: صبّها، والسدل في الأصل إرخاء الثوب ونحوه، ومنه السديل لما يُرخى على الهودج. فالكلام استعارة تبعية.-------------------------------------------------------------------------قوله: «وفيه ما لا يخفى».قيل: الأولى في بيان ما فيه أن يقال: إنه ليس بصدد بيان جميع أفعال الوضوء من المندوبات وترك المكروهات، بل بصدد أقل ما يتأتى به الوضوء من الواجبات، وإلا لزم أن لا يكون غسل اليدين والمضمضة والاستنشاق والسواك وأمثالها ممّا لا خلاف في استحبابها مندوبة، فإنّه كما يبعد أنه يفعل المكروه في العبادة، يبعد ترك جميع مندوباتها.ويظهر من هذا أنه كان بصدد بيان أقل ما يجزىء من الواجبات، فلا يدلّ تركه شيئاً على عدم استحبابه، ولا فعله شيئاً على عدم كراهته.ومسحه جانبي الوجه يمكن أن يكون صدر عنه بطريق الوجوب؛ لأنه لم يصل الماء إلى جميع البشرة بمجرّد إسداله، ففعله ذلك إشارة إلى أنه يجب وصول الماء إلى جميع أجزاء الوجه.وأما ما ذكره أن فعله (عَلَيهِ السَّلَامُ بطريق الحكاية لا القربة، فلا يضر المستدل بدون ضمّ ما ذكرنا إليه، وحينئذ لا حاجة إلى ما ذكره، فإنّ ما ذكرناه وارد، وإن كان فعله (عَلَيهِ السَّلَامُ) بطريق القربة أيضاً، وحاصله عدم صحة الاستدلال بهذا الحديث على ذلك المطلب، ولكن بطريق آخر.)قوله: «استعارة تبعية».والمستعار منه السدل والمستعار له الصبّ والجامع الارتباط، والتعليق تأمل فيه.

«من أعلى الوجه»: المراد بأعلى الوجه على ما قالوه منتهى قصاص الناصية وما سامته ومن الجهتين، وسيرد عليك زيادة تحقيق فيه.«ثم مسح بيده الجانبين جميعاً»: أي جانبي الوجه، وربّما يوجد في بعض نسخ التهذيب «الحاجبين» (1وهو من سهو النسّاخ (2).)ولا يخفى أن لفظة «ثمّ» في هذا الحديث منسلخة عن معنى التراخي، وهو في كلام البلغاء كثير.«ثمّ أعاد اليسرى»: كأنّ الظاهر ثمّ أدخل اليسرى، ولعله أطلق الإعادة على الإدخال الابتدائي لمشاكلة قوله فيما بعد «ثمّ أعاد اليمنى».-------------------------------------------------------------------------وإنّما اعتبر التشبيه في المصدر وجعل الاستعارة تبعية؛ لما تقرّر عندهم أنّ اللفظ المستعار إذا كان فعلاً أو مشتقاً منه فالاستعارة تبعية، والتشبيه في المصدر سواء كان المشتق صفة كاسم الفاعل والمفعول، أو غير صفة كاسم الزمان والمكان والآلة.قوله: «كأنّ الظاهر».وذلك لأن إعاده الشيء عبارة عن فعله ثانياً، ومنه إعادة الصلاة. وهنا لم يسبق ذكر إدخال اليسرى في الاناء كاليمنى حتّى يصدق على فعله ثانياً الاعادة.والظاهر أنه ضمن أعاد معنى أدخل، فاستعمله استعماله بقرينة قوله «في الاناء» دون إلى الاناء، وإلا فهو يتعدّى إلى المفعول الثاني ب-«إلى» دون «في» يقال: أعاده إليه، كما يقال: أدخل فيه.


1) كما في المطبوع من التهذيب.

2) لأنّ في النسخة التي بخط الشيخ الطوسي (رحمه اللّه) الجانبين. وكذا في النسخة التي عليها الاعتماد (منه).

ولا يتوهّم أنّ تقدّم المشاكل - بالفتح - على المشاكل - بالكسر - شرط، فإنّهم صرحوا بأنّ «يمشي» في قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ (1)لمشاكلة قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ) (2).)هذا ويمكن أن يقال: إنّه أطلق الإعادة باعتبار كونها يداً لا باعتبار كونها يسرى، فتدبّر (3.)«ثم مسح ببقية مابقي في يديه رأسه ورجليه» كأنّ الظاهر: ثمّ مسح بما بقي في يديه، وكأنّه لمّا كان موهماً لكون الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ مسح رأسه ورجليه بجميع الرطوبة الباقية وكلّ الكفّ، أدرج لفظ البقية رفعاً للتوهّم، وإشعاراً بأنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مسح بشيء منها.)«ولم يعدها في الإناء» إفراد الضمير لعوده إلى اليمنى في قوله «كما صنع باليمنى» ويمكن عوده إلى اليد في ضمن اليدين. وربّما يوجد في بعض النسخ «ولم يعدهما» بالتثنية، فلا تكلّف.-------------------------------------------------------------------------قوله: «أدرج لفظ البقية».يحتمل أن يكون إضافة بقية إلى «ما» بيانية، فلا يحتاج إلى التأويل.قوله: «ويمكن عوده إلى اليد».هذا هو الظاهر المتبادر إلى الذهن.


1) سورة النور: 45.

2) سورة النور: 45.

3) وجه التدبّر: أنّ بعضهم جوّز عود الضمير إلى الأمر الخاص لا باعتبار خصوصية، بل باعتبار المعنى العام، وجعله من قبيل الاستخدام، وبعضهم منع منه، وهو الظاهر (منه).

### الاحتجاج بالحديث على وجوب الابتداء في غسل الوجه بالأعلىتبصرةاحتج من قال من علمائنا بوجوب الابتداء في غسل الوجه من أعلاه، وهم من عدا المرتضى وابن إدريس وأتباعهما بما تضمّنه هذا الحديث من الغسل من الأعلى في مقام البيان، فيجبولا يرد الاعتراف باليمنى (1؛ لأنّه علم استحبابه من دليل آخر، وبأنّ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لما توضأ الوضوء البياني: إما أن يكون بدأ بأعلى الوجه أو بأسفله، لا سبيل إلى الثاني، وإلا لوجب على التعيين ولم يجز سواه؛ للاتفاق على أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال بعد فراغه: «هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلا به» لكنه غير واجب على التعيين باتفاق الأمة، فتعيّن الأوّل.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «احتج».حاصل الحجة: أن فعل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وقع بياناً لما أجمل في الآية، فيكون وجوب البدأة بالأعلى متعيّناً.)وفيه أنه لا إجمال في الآية ليحمل فعله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ على البيان. وابتداؤه بالأعلى يجوز أن يكون لقرب هذا الفرد إلى العادة، أو لكونه أفضل الفردين الواجبين، أو يكون اتفاقياً فلا يدلّ على الوجوب.)وحجة من جوز النكس وذهب إلى استحباب عدمه، إطلاق الآية والأخبار، ثمّ عموم قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «لا بأس بمسح الوضوء مقبلاً ومدبراً» (2)وهي حجة ضعيفة.)


1) فإن قيل: يلزم حينئذٍ وجوب الاغتراف؛ لأنه يُفهم من كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) صريحاً. أجيب بأنّ استحبابه يُفهم من حديث آخر، فحينئذٍ كلّما دل الحديث... عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالصدور لا يحكم بوجوبه (منه).

2) تهذيب الأحكام 1: 161، والاستبصار 1: 57.

واعترض على هذا بأنه يجوز أن يكون (عَلَيهِ السَّلَامُ بدأ بالأسفل لبيان جوازه والإشعار بعدم وجوب الابتداء بالأعلى، فلا يجب على الأمّة.)ويخطر بالبال أنه على تقدير ابتدائه (عَلَيهِ السَّلَامُ بالأعلى أيضاً لا يلزم وجوبه على الأمة، فإن غسل الوجه على هذا الوجه - أعني : من الأعلى إلى الأسفل - من قبيل الأفعال الجبلية (1)التي لا يقتضي صدورها عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وجوبها على الأمة.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «واعترض على هذا»قال المصنّف في الحاشية: هذا البحث من خواص هذا الكتاب انتهى كلامه.قال المحشي : ليس هذا من خواصه، بل هو وما ذكره في الحاشية بقوله «لجواز أن يكون الواجب الخ. مأخوذان من المدارك (2، ولا تفاوت إلا في التقرير. ويمكن أن يكون هذا من باب توارد الفكرين، واللّه يعلم.)قوله: «من قبيل أفعال الجبلية».قال المصنّف في الحاشية: إنّما كان من قبيل الأفعال الجبلية؛ لأنّ كلّ من غسل وجهه فإنّما يغسله من الأعلى إلى الأسفل، فلو غسل شخص وجهه من الأسفل يسأل عن وجهه.قوله في الحاشية: «من غسل وجهه».للوجه معنيان: العضو المخصوص والعلّة والجهة فأراد هنا بالأوّل الأوّل، وبالثاني الثاني.قوله: «لا يقتضي صدورها».


1) إنما كان من قبيل الأفعال الجبلية؛ لأنّ كلّ من غسل وجهه فإما يغسله من الأعلى إلى الأسفل، فلو غسل شخص وجهه من الأسفل إلى الأعلى لسئل عن وجهه (منه).

2) مدارك الأحكام 1: 200.

وكون ذلك من جملة ما قصد بالبيان ممنوع، وقصد القربة فيه غير معلوم، وكونه من كيفيات بعض ما قصد بيانه والقربة به، لا يوجب كونه كذلك، وإلّا لوجب إمرار اليد على الوجه حال غسله، كما ذهب إليه الشاد من أصحابنا، فإنّه أيضاً من كيفيات بعض ما قصد بيانه والقربة به وقد فعله (عَلَيهِ السَّلَامُ كما نطق به الحديث.)-------------------------------------------------------------------------وذلك لأنّ الأفعال الجبلية، وهي التي يعبّر عنها بالأفعال العادية، ليست من السنّة في شيء، حتّى يقتضي صدورها عنه وجوبها على الأمة، فإنّ السنة هي قوله أو فعله أو تقريره غير قرآن ولا عادي، فيخرج عنها الأقوال والأفعال والتقريرات العادية، كالقيام والقعود، وغسل الوجه من الأعلى إلى الأسفل ونحو ذلك، والتقرير عليها والأمر بها.قوله: «وكون ذلك».كون الغسل من الأعلى والابتداء به من قبيل الأفعال الجبلية العادية، لا يمنع كونه من جملة ما قصد بالبيان، بل الظاهر منه ذلك، فيجب أن يحمل أمر الشارع بغسل الوجه عليه، وإلا لزم الاغراء بالجهل وتأخّر البيان، وذلك لأنّ كلّ من غسل وجهه، فإنّما يغسل من الأعلى إلى الأسفل، وهو الظاهر المتبادر المنساق إلى الأذهان من غسل الوجه.فلو كان مراده بغسل الوجه في قوله (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ (1)خلاف هذا الظاهر لوجب عليه البيان، وإلا لزم ما قلناه، كما لا يخفى على أهل العرفان.)


1) سورة المائدة: 6.

وأما قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : «لا يقبل اللّه الصلاة إلّا به» فمعناه إلا بمثله. والمماثلة بين الوضوئين لا تنتفي بمجرّد الإبتداء من الأسفل، فلو بقي أقل ما يتحقق معه المماثلة لكفى. والأصل براءة الذمة من الزائد على ذلك الأقل، كما لو كلّف السيّد عبده بأن يعمل مثل عمل زيد، فإنّه يخرج عن العهدة بأقل ما يصدق عليه المماثلة عرفاً.)وظنّي أنه لو استدلّ على هذا المطلب بأنّ المطلق ينصرف إلى الفرد الغالب الشائع المعتاد، والغالب الشائع المعتاد في غسل الوجه غسله من فوق إلى أسفل، فينصرف الأمر به في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ (1)إليه لم يكن بعيداً.)-------------------------------------------------------------------------وهذا بخلاف إمرار اليد في هذا الوضوء، فإنّه إنما كان ليصل به الماء إلى أجزاء الوجه جميعاً؛ إذ بدونه لا يتحقق هذا الغسل، لا أنه كان من أفعاله الواجبة المعتبرة في تحققة مطلقا؛ إذ الأصل عدمه، وعدم هذا التكليف كما هو ظاهر إطلاق الآية، فحيث يمكن ايصاله إليها بدونه كما في صورة الغمس يسقط هذا الوجوب، وقرينة ظهور ذلك يخرجه عن كونه من جملة ما قصد بالبيان، وبالله التوفيق وعليه التكلان.قوله: «فمعناه إلا بمثله».فيكون على الحذف والايصال والقرينة عليه أن الاتيان بعينه محال.أمّا أوّلاً: فلأنه عرض قائم بموضوعه، والعرض لا يجوز عليه الانتقال.وأما ثانياً: فلأن موضوع العرض من جملة مشخصاته، فإذا انتفي انتفى.وأما ثالثاً: فلأنّ هذا الوضوء المخصوص قد انعدم، وإعادة المعدوم بعينه محال، فافهم.


1) سورة المائدة: 6.

وجريانه في إمرار اليد على الوجه مشترك بينه وبين الدليلين السابقين للأصحاب. وما هو جوابهم فهو الجواب. وستسمع في هذا الباب ما يزيل عنك الإرتياب.### تحديد الوجهبیان واف و تبیان شافتحديد الوجه وإن كان مشهوراً وفي كتب الأصحاب مسطوراً، إلا أني أريد أن أذكر ما ظهر لي من كلام أئمتنا (عَلَيهِم السَّلَامُ ممّا لم يذكره أولئك الأعلام.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «وجریانه».إشارة إلى أنّ هذا الدليل ينتقض بإمرار اليد؛ إذ الغالب الشايع المعتاد في غسل الوجه، بل غسل مطلق الأعضاء أن يكون بالدلك وإمرار اليد، وأنتم لا توجبونه بل تقولون : إنّ المتوضّي لو غمس وجهه بعد النية في الماء لكفاه ذلك، ولا يجب عليه إمرار اليد.والجواب: أنّ هذا النقض مشترك بين هذا الدليل والدليلين اللذين ذكرهما الأصحاب، فإنا نقول: كما أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ ابتدأ بأعلى الوجه، كذلك مسح جانبيه أيضاً، فلو كان ابتداؤه بالأعلى دليلاً على وجوبه، لكان مسحه جانبيه أيضاً كذلك، وكذلك الكلام في الدليل الثاني، فما هو جوابهم عن هذا فهو جوابنا عن ذاك.)قوله: «وفي كتب الأصحاب».قال المحقّق في الشرائع الوجه هو ما بين منابت الشعر في مقدّم الرأس إلى آخر طرف الذقن طولاً، وما اشتملت عليه الابهام والوسطى عرضاً، وما خرج عن ذلك فليس من الوجه (1.)


1) شرائع الاسلام 1: 21.

-------------------------------------------------------------------------قال المحقّق الشيخ علي المراد بذلك أوّل منابت الناصية وما حاذاه من النرعتين إلى أوّل منابت الصدغين، فيدخل في تحديد الوجه موضع التحذيف، فيكون غسله واجبا (1.)ولابد من تفسير هذه المذكورات :فالناصية : هي الشعر الذي في مقدّم الرأس يكتنفه بياضان غالباً، وهما النزعتان بالتحريك.وموضع التحذيف بالذال المعجمة: هو الشعر الذي بين النزعة والصدغ وتحذف النساء والمترفون الشعر منه، والأصح أنه من الوجه، فيجب غسله.والصدغ ما حاذى العذار فوقه، ولا يجب غسله.والعذار: هو المحاذي للأذن يتصل أعلاه بالصدغ، وأسفله بالعارض، وفي وجوب غسله قوة، ويلوح ذلك من قول المحقق: لا عبرة بالأنزع، ولا بالأغم، ولا بمن تجاوزت أصابعه العذار، أو قصرت عنه (2.)أما البياض الذي بينه وبين الأذن، فلا يجب غسله قطعاً.والعارض: هو ما على العظم الذي عليه الأسنان السفلى، ويجب غسله قطعاً، كما صرح به في الذكرى (3.)والذقن: محرّكة مجمع اللحيين، أعني العظمين اللذين عليهما الأسنان السفلى.


1) راجع جامع المقاصد 1: 213.

2) شرائع الاسلام 1: 21.

3) ذكرى الشيعة 2: 122.

فأقول: أطبق أهل الإسلام سوى الزهري (1، على أن ما يجب غسله في الوضوء من الوجه ليس خارجاً عن المسافة التي هي من قصاص شعر الرأس إلى طرف الذقن طولاً، و من وتد الأذن إلى وتد الأذن عرضاً.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «سوى الزهري».قال المصنّف في الحاشية: ذهب الزهري إلى أنّ الأذنين من الوجه، فأوجب غسلهما معه. واحتج بقول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في سجوده «سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره» والجواب: أنّ الاضافة بأدنى ملابسة وهي هاهنا الجوار انتهى كلامه (رحمه اللّه).)قوله في الحاشية: «سجد وجهي».إسناد السجود إلى الوجه مجاز، كإضافة السمع والبصر إليه، فإنّ الاضافة في الأولى إضافة أحد المتجاورين إلى الآخر، وفي الثانية إضافة الجزء إلى الكل والمشقوق إنّما هو آلة السمع والبصر لأنفسهما، فإنّهما قوتان مودعتان احداهما في ملتقي العصبتين المقدمتين من الدماغ والآخر في العصب المفروش في باطن الصماخ، ففي الكلام مضاف محذوف، وهو موثقة زرارة، قال: سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ أنّ اناساً يقولون: إنّ بطن الأذنين من الوجه وظهرهما من الرأس؟ فقال: ليس عليهما غسل ولا مسح (2).)


1) ذهب الزهري إلى أنّ الأذنين من الوجه، فأوجب غسلهما معه، واحتج بقول النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلّم) في سجوده: «سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره». والجواب: أنّ الإضافة لأدنى ملابسة وهي هاهنا الجوار (منه).

2) فروع الكافي 3: 29 ح 10.

والقصاص لغة: منتهى منابت شعر الرأس من مقدّمه ومؤخره، والمراد هنا قصاص المقدّم، وهو يأخذ من كل جانب من الناصية ويرتفع عن النزعة، ثمّ ينحط إلى مواضع التحذيف (1ويمرّ فوق الصدغ ويتصل بالعذار. وأما ما يرتفع عن الأذن فداخل في المؤخّر.)والّذي استفاده أصحابنا (رضوان اللّه عليهم من صحيحة زرارة الآتية أنه من القصاص إلى طرف الذقن طولاً، وما حواه الإبهام والوسطى عرضاً.)وهذا التحديد يقتضي بظاهره دخول النزعتين والصدغين في الوجه، وخروج مواضع التحذيف والعذارين والبياض الذي بينهما وبين الأذنين. لكن النزعتان خارجتان عند علمائنا عن حدّ الوجه، ولذلك ذكروا أنّ أعلى الوجه هو قصاص الناصية وما على سمته من الجانبين في عرض الرأس.وأما الصدغان، فهما وإن كانا تحت الخط العرضي المارّ بقصاص الناصية ويحويهما الاصبعان أيضاً إلّا أنهم استفادوا عدم وجوب غسلهما من صحيحة زرارة المذكورة.وهي ما رواه عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ قال : قلت له: أخبرني عن حدّ الوجه الذي ينبغي أن يوضاً الذي قال اللّه عزّ وجلّ ؟ فقال : الوجه الذي أمر اللّه عزّوجلّ بغسله، الذي لا ينبغي لأحد أن يزيد عليه ولا ينقص منه، إن زاد عليه لم يؤجر (2)وإن)


1) التحذيف بالذال المعجمة ما بين منتهى العذار والنزعة ينبت عليها شعر خفيف تحذفه النساء والمترفين (منه).

2) هذه الشرطية مع الشرطية المعطوفة عليها: إما مفسّرة لقوله «لا ينبغي لأحد» أو معترضة بين المبتدأ والخبر، وإمّا صلة ثانية للموصول، وتعدّد المصدر لم يكن مسطوراً في كتب النحاة لامانع منه كالخبر والحال، وقد جوّز... والتفتازاني في حواشي الكشّاف ... قوله تعالى: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) (منه).

نقص منه أثم ما دارت عليه الوسطى والإبهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن، وما جرت عليه الإصبعان مستديراً فهو من الوجه وما سوى ذلك فليس من الوجه. فقلت له : الصدغ من الوجه ؟ فقال : لا. قال زرارة : قلت له: أرأيت ما أحاط به الشعر (1. فقال : كلّ ما أحاط به الشعر، فليس على العباد أن يطلبوه، ولا أن يبحثوا عنه، ولكن يجرى عليه الماء (2).)وهذه الرواية هي معتمد الأصحاب في تحديد الوجه. وطريقها في الفقيه والكافي صحيح، وفي التهذيب (3حسن، وهي فيه مضمرة كما في الكافي، ولكنّه غير مضر، لتصريح الشيخ في الخلاف (4)بأنّ المسؤول أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وتصريح الصدوق بأنه الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ).)-------------------------------------------------------------------------قوله: «وفي التهذيب».روى الشيخ في التهذيب عن أبي القاسم جعفر بن محمّد، عن محمّد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، جميعاً عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، قال: قلت له: أخبرني عن حدّ الوجه الحديث (5.)


1) إذا قلت لشخص: «أرأيت زيداً» فتارة تقصد بهذا الكلام معناه الظاهري، وهو السؤال عن أنه هل رآه أم لم يره؟ والجواب نعم أو لا. وتارة يقصد الاستخبار عن حاله لا أنه يراه أم لم يره، والجواب: حاله كذا وكذا. وهذا المعنى هو المراد هنا، وكأنه قال: أخبرني عن حكم ما أحاط به الشعر هل يُغسل أم لا ؟ (منه).

2) فروع الكافي : 27 – 28 ح 1، من لا يحضره الفقيه 1: 44 - 45 ح 88.

3) تهذيب الأحكام 1: 54 ح 3.

4) الخلاف 1: 54 ح 3.

5) تهذيب الأحكام 3: 54 ح 154.

-------------------------------------------------------------------------أقول : قد حققنا فى أوائل التهذيب أنّ محمّد بن إسماعيل الذي يروي عنه محمّد بن يعقوب هو أبو الحسن النيسابوري تلميذ الفضل بن شاذان لا البرمكي أبو جعفر المعروف بصاحب الصومعة، كما جزم به الشيخ البهائي في غير هذا الكتاب.حيث قال بعد أن نفى كونه ابن البزيع معلّلاً بأنه من رجال الكاظم والرضا والجواد (عَلَيهِم السَّلَامُ : فكيف يعاصر الكليني والفضل بن شاذان (1).)والحق أنه البرمكي صاحب الصومعه، ومع هذا فإنّ البرمكي هذا ضعيف، كما صرّح به ابن الغضائري، وإن وثقه النجاشي (2، وظاهر أن الجرح مقدم على التعديل.)فطريق هذه الرواية في الكافى أعني الطريق الثاني على ما فهمه الشيخ حيث حمله على البرمكي ضعيف، وعلى ما حملناه عليه وهو الحق معتبر.وأما طريقها الأوّل، فحسن على المشهور - ومنهم البهائي (قدّس سرّه - بإبراهيم بن هاشم، وصحيح على ما تقرّر عندنا، وفصلناه في بعض رسائلنا (3).)وظنّي أنّ قول الفاضل الأردبيلي (رَحمهُ اللّه في آيات أحكامه - بعد أن نقل ما رواه محمّد بن يعقوب، عن على بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، قال: سألتهما عن رجل الحديث - : إنه حسن ؛ لوجود على بن إبراهيم بن هاشم، وكذا)


1) مشرق الشمسين ص 66.

2) رجال النجاشي ص 341 برقم 915.

3) الفوائد الرجالية ص 31.

-------------------------------------------------------------------------سمّاه في المختلف والمنتهى. وقال الشيخ زين الدين في شرح الشرائع لصحيحة محمّد بن مسلم وزرارة، وما وجدت في كتب الأخبار غير ما ذكرته عن محمّد بن مسلم، فالظاهر أنه إنما عني ذلك، فاشتبه عليه الأمر أو تعمّد وثبت توثيقه عنده، والظاهر أنه يفهم توثيقه من بعض الضوابط (1.)إشارة إلى ما أشرنا إليه، وأشار بقوله «من بعض الضوابط» إلى أن اعتبار مشايخ القميين له وأخذ الحديث عنه ونشر الرواية منه على ما في الفهرست(2والنجاشي (3)يعطي أنه ثقة في الرواية والنقل، جليل عندهم؛ لأنّ أهل قم كانوا يخرجون الراوي منها ويؤذونه لمجرّد توهّم شائبة ما فيه، فكيف يجتمعون عليه ويقبلون حديثه لولا وثوقهم به، وقد فصلنا القول فيه في رسالتنا المذكورة، فليطلب من هناك (4).)ثم لا وجه للحكم بكون طريقها في التهذيب حسناً بعد الحكم بكونه في الكافي (5صحيحا ؛ لأنّ طريقها فيه بعينه طريقها، ولا تفاوت بين الطريقين إلاّ بأبي عبدالله المعروف بالشيخ المفيد، وبأبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه القمي، وفضل الأوّل في الفقه والكلام والرواية والثقة والعلم أشهر من أن يوصف)


1) زبدة البيان في أحكام القرآن ص 154 - 155.

2) الفهرست ص 4.

3) رجال النجاشي ص 16.

4) الفوائد الرجالية ص 31.

5) فروع الكافي 3: 27 ح 1.

وأما مواضع التحذيف والعذاران، فقد اختلف أصحابنا فيها، فبعضهم أدخل مواضع التحذيف لاشتمال الإصبعين عليها غالباً، وكونها أخفض ممّا يسامت قصاص الناصية.وقطع العلّامة في التذكرة (1بخروجها للأصل ولنبات الشعر عليها متصلاً بشعر الرأس. وهو موافق لمذهب بعض العامّة.)وأمّا العذاران فقد قطع المحقّق والعلّامة بخروجهما؛ للأصل، ولعدم اشتمال الاصبعين عليهما، ولأنّهما لا يواجه بهما. ولا ريب أن إدخالهما أحوط.وأما البياضان اللذان بينهما وبين الأذنين، فهما خارجان عن الحدّ الطولي العرضي عندنا. وأكثر العامّة على دخولهما، لأنّ الحدّ العرضي عندهم من الوتد إلى الوتد.إذا تقرّر هذا، فالمستفاد من كلام فقهائنا (رضوان اللّه عليهم بعد تحديدهم الوجه طولاً وعرضاً بما مرّ أنّ أعلى الوجه هو قصاص الناصية وما سامته في جهة العرض على الاستقامة من الجانبين بقدر ما يشتمل عليه الاصبعان.)-------------------------------------------------------------------------وقد نص على توثيقه وجلالته في الفهرست (2والنجاشي (3)، وكذا الثاني ثقة لتصانيف كثيرة، كما صرّح به في الفهرست (4)، وأما الشيخ أبو جعفر فجلالته في أصحابنا وكونه ثقة فيهم كما نص عليه النجاشي غني عن البيان، فمن حكم بصحة طريقها في الكافي يلزمه أن يحكم بصحته في الفهرست من غير فرق.)


1) تذكرة الفقهاء 1: 16.

2) الفهرست ص 158.

3) رجال النجاشي ص 399.

4) الفهرست ص 42.

وظاهر أنّ مواضع التحذيف والصدغين تحت هذا الحد الطولي، وداخلان في الحدّ العرضي؛ لاشتمال الاصبعين عليهما غالباً، فالتحديد المشهور للوجه عند من يخرجهما معاً كالعلّامة بل جميع أصحابنا المخرجين للصدغين غير سديد، لخروج ما هو داخل فيه، وكيف يصدر مثله عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ ؟!)والذي يظهر لي من الرواية أنّ كلّاً من طول الوجه وعرضه هو ما اشتمل عليه الاصبعان (1بمعنى أن الخطّ المتوهّم من القصاص إلى طرف الذقن، وهو الذي يشتمل عليه الاصبعان غالباً إذا أثبت وسطه وأدير على نفسه حتّى حصل شبه دائرة، فذلك القدر هو الذي يجب غسله)-------------------------------------------------------------------------قوله: «انّ كلا من طول الوجه».یرد عليه أنّ هذا مع كونه خلاف المتبادر إلى الأذهان، يستلزم خروج بعض الجبينين عن الوجه، والظاهر أنه لم يذهب إليه أحد، وهو مناف لما يفهم من الوجه عرفاً. ومن هنا جعل المخالف والمؤالف مبدء الوجه مبدء التسطيح، حتّى جعلوا الدخول فيه والخروج عنه ضابطاً في هذا الباب على أن قوله «طول الوجه بقدر ما بين الأصبعين غالباً محل تأمل.قوله: «ما اشتمل عليه الأصبعان».قال بعض الأفاضل المتأخرين: إنّ الأصحاب فهموا من صحيحة زرارة أنّ الحد الطولي للوجه من قصاص الشعر، أي : منتهى شعر الناصية إلى الذقن. وحده العرضي ما اشتملت عليه الابهام والوسطى.


1) هذا التحديد يُستفاد من كلام بعض أصحابنا المتقدمين، فإنّهم حدّدوا الوجه بما حواه الإبهام والوسطى، ولم يخصوا ذلك بالعرض، كما فعل المتأخرون، ونقل في المختلف مثله عن ابن الجنيد (منه).

-------------------------------------------------------------------------وإنما حملوا القصاص على منتهى شعر الناصية، وإن كان أعم منه بحسب اللغة: إما لكون ذلك هو المتبادر في مثل هذه العبارة، أو لأن التحديد لموضع الاشتباه، وغير هذا الموضع ممّا ارتفع عن النزعتين لا اشتباه في كونه من الرأس، فكأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: ما درات عليه الاصبعان من المبدء المذكور إلى منتهاه من الموضع الذي يظنّه الناس وجهاً.)ولهذا نبه بقوله «وما جرت عليه الاصبعان من الوجه مستديراً فهو من الوجه» أي ما جرت عليه الاصبعان ممّا يظنّه الناس وجها، فلا يلزم على هذا الحمل دخول النزعتين في التحديد ولا الصدغتين فيه؛ لأنّ الصدغ على ما فسره العلّامة في المنتهى الشعر الذي بعد انتهاء العذار المحاذي لرأس الأذن، وينزل عن رأسها قليلاً (1. وغيره من الفقهاء ممّا يقرب منه، وهو ما دارت عليه الاصبعان غالباً؛ لأنّ المراد بالدوران الحركة حول الشيء.)وعلى هذا يندفع ما أورد على الأصحاب بأنّ ظاهر الرواية على هذا الحمل يوجب خروج بعض ما دخل في التحديد كالصدغين؛ لاشتمال الاصبعين عليهما غالباً، ودخول بعض ما ليس من الوجه عندهم كالنزعتين؛ لأنها تحت القصاص.هذا والمستفاد من الرواية المذكورة خروج الصدغين من الوجه، وهو مذهب جمهور العلماء. وقيل: إنّه إجماع، وبه يشعر عبارة الشيخ في التهذيب (2، لكن نقل في الذكرى عن ظاهر الراوندي في الأحكام (3)غسل الصدغين (4).)


1) منتهى المطلب 2: 24.

2) تهذيب الأحكام 1: 54.

3) فقه القرآن 1: 13.

4) ذكرى الشيعة 2: 123.

بيان ذلك : قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «من قصاص شعر الرأس... إلى آخره» إما حال من الموصول والواقع خبر عن الوجه وهو ما والمعنى انّ الوجه هو القدر الذي دارت عليه الاصبعان حال كونه من قصاص شعر الرأس إلى الذقن، وإما متعلّق ب-«دارت» والمعنى: أنّ الدوران يبتدىء من قصاص شعر الرأس منتهياً إلى الذقن.)ولا ريب أنه إذا اعتبر الدوران على هذه الصفة للوسطى اعتبر للإبهام عكسه، وبالعكس تتميماً للدائرة المستفادة من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ مستديراً، فاكتفى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذكر أحدهما عن الآخر.)-------------------------------------------------------------------------ولا إشكال في خروج الصدغين عن الوجه على تفسير الفقهاء، لكن فسّره أهل اللغة بما بين العين إلى الأذن.وعلى هذا معنى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «إنه ليس من الوجه» أن ليس كله منه، ولا ينافي أن يكون بعضه منه.)وأما مواضع التحذيف، فقيل: لا يجب غسله لنبات الشعر عليه متصلاً بشعرالرأس. وفيه أن اتصاله به لا يوجب كونه منه إذا كان متميّزاً عنه، كما هو الواقع وللأصل، ووجوب تحصيل اليقين بالبراءة يدفعه.وقيل : يجب؛ لأنه المستفاد من تحديد أعلى الوجه بمنابت شعر الرأس.وفيه أنّ المتبادر من مبدء التحديد منتهى شعر الناصية.وقيل: ولا ريب في كون غسلهما أحوط مع عدم نية الوجوب، إلا فيما يشتمل عليه الاصبعان منه.

ثمّ بيّن هذا المضمون وأوضحه بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «و ما جرت عليه الإصبعان مستديراً فهو من الوجه» فقوله «مستديراً» حال من المبتدأ وهو «ما» وهذا صريح في أن كلاً من طول الوجه وعرضه شيء واحد، وهو ما اشتمل عليه الإصبعان عند دورانها كما ذكرناه، وحينئذٍ فيستقيم التحديد، ولا يدخل فيه مواضع التحذيف والصدغان ليحتاج إلى إخراجهما، فيخرج بذلك عن السداد.)وانما قلنا بخروج مواضع التحذيف والصدغين عن التحديد؛ لأنّ أغلب الناس إذا طبق الخط المتوهّم من انفراج الوسطى والإبهام مابين قصاص ناصيته إلى طرف ذقنه وأداره مثبتاً وسطه ليحصل شبه الدائرة وقعت مواضع التحذيف والصدغين خارجة عنهما كما تشهد به التجربة.ويظهر من هذا أنّ ما يجب غسله من جانب أعلى الوجه بمقتضى التحديد المشهور يزيد على ما يفهم من الرواية بنصف التفاضل ما بين مربع معمول على دائرة قطرها انفراج الاصبعين، وتلك الدائرة أعني: مثلثين يحيط بكل منهما خطان مستقيمان وقوس من تلك الدائرة، ومواضع التحذيف والصدغان واقعان في هذين المثلثين، ومن احتاج إلى التوضيح، فلينظر إلى هذا الشكل :ف-«ب» قصاص الناصية و «ز» طرف الذقن، وخطّ «أ ب ج» هو الخط المارّ بقصاص الناصية وما سامته من الجانبين بقدر انفراج الاصبعين، وهو أعلى الوجه على ما استفاده أكثر علمائنا من التحديد الذي تضمنته الرواية، والوجه هو مجموع هذا الشكل عندهم.وأما على ما استفدته بنظري القاصر، فإذا توهّم وصل «ب ج ز» بخط وهو ما

بين الاصبعين وأثبت وسطه وهو «ح» ثمّ أدير على نفسه حصلت دائرة «ب ه- ز د» وهي الوجه الذي يجب غسله بمقتضى الرواية، والتفاضل بين الوجهين بمثلثي «م ن ه-» و «ج ب د» وهذان المثلثان خارجان عن الوجه، فلا يجب غسلهما، وذلك ما أردناه.### المعتبر في غسل الوجهنقل مقال وتحقيق حالقال بعض الأعلام: إنّ المعتبر في غسل الوجه غسل الأعلى فالأعلى، لكن لا حقيقة لتعسّره أو لتعذره بل عرفاً، فلا تضرّ المخالفة اليسيرة التي لا يخرج بها في العرف عن كونه غسل الأعلى فالأعلى.ثمّ قال: وفي الاكتفاء بكون كلّ جزء من العضو لا يُغسل قبل ما فوقه على خطّه وإن غسل ذلك الجزء قبل الأعلى من غير جهته وجه وجيه. إنتهى كلامه أعلى الله مقامه.والذي يخطر بالبال أنه إذا حصل الابتداء بغسل جزء من أعلى الوجه كفى، وأنّ مراعاة الأعلى فالأعلى في بقية أجزاء الوجه غير واجبة لا حقيقة ولا عرفاً، سواء أخذت الأجزاء بالنسبة إلى ما علا خطّها أو بالنسبة إلى غيره، لأصالة براءة الذمة-------------------------------------------------------------------------قوله: «غسل الأعلى».قال في المدارك واعلم أن أقصى ما يستفاد من الأخبار وكلام الأصحاب وجوب البدأة بالأعلى، بمعنى صبّ الماء على الوجه، ثمّ اتباعه بغسل الباقي. وأما ما تخيّله بعض المتأخرين (1من عدم جواز غسل شيء من الأسفل قبل الأعلى وإن لم يكن في سمته، فهو من الخرافات الباردة والأوهام الفاسده (2))


1) في المدارك: القاصرين.

2) مدارك الأحكام 1: 201.

من ذلك، ولما فيه من المشقة. ولا دلالة في الحديث على أكثر من أنه لا ابتدأ بصب الماء على أعلى الوجه.وأما أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ راعى في الغسل تقديم الأعلى فالأعلى، فليس في هذه الرواية ولا في شيء من أصولنا الأربعة ما يدلّ عليه ولم أظفر في شيء من كتبنا الاستدلالية بما يومىء إليه، والمسح في قول زرارة «ثم مسح بيده الجانبين» يتحقق في ضمن مسح الأعلى فالأعلى، وبدونه فلا يحمل على الأوّل من غير دليل، واللّه الهادي إلى سواء السبيل)-------------------------------------------------------------------------قوله: «ولما فيه».أشار بذلك إلى قوله تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (1)وقوله (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (2)فكل ما فيه حرج وعسر ومشقة، فهو مرفوع عنا إجماعاً، وقد استقاض النقل بذلك عنهم (عَلَيهِم السَّلَامُ).)وفيه أنّ مطلق المشقة لا يوجب سقوط التكليف، وإلا لسقط من أصله، وليس مراعاة الأعلى - ولاسيما العرفية - كثير حرج و مشقه، نعم البراءة الأصلية مع وجدان ما يدلّ على هذا التكليف كاف في سقوطه.قوله: «من أصولنا الأربعة».الظاهر أنه أراد به الكتب المشهوره التهذيب والاستبصار، وفروع الكليني، ومن لا يحضر الفقيه. وأما احتمال إرادته بها الكتاب والسنة والاجماع والاستدلال لأنّ القياس عندنا باطل، فبعيد


1) سورة الحج: 78.

2) سورة البقرة : 185.

### ما لو غمس المتوضّىء وجهه في الماءنقل کلام و توضیح مرامالمشهور بين الأصحاب أنّ المتوضّىء لو غمس وجهه في الماء ناوياً مبتدءاً بأعلاه لكفى، وأنه لا يجب إمرار اليد على الوجه حال غسله.وقال بعض الزيدية بوجوبه. وعليه أصحابنا أيضاً.واستدل العلّامة في المختلف على المذهب المشهور بأن قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم (1)يصدق مع إمرار اليد وعدمه، فيكون الآتي بالماهية في أي جزئي أوجدها فيه ممتثلاً للأمر فيخرج عن العهدة (2). إنتهى كلامه زيد إكرامه.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «وقال بعض الزيديه بوجوبه».ونقل البيضاوي عن مالك أنه قال بوجوب ذلك الوجه حال غسله (3.)قوله: «إمرار اليد».إمرار اليد في هذا الوضوء إنما كان ليوصل به الماء إلى أجزاء الوجه، فيتحقق به غسله جميعاً؛ إذ بدونه لا يتحقق هذا الغسل، لا أنه كان من أفعاله الواجبة المعتبرة في تحققه مطلقا؛ إذ الأصل عدمه، وعدم هذا التكليف كما هو ظاهر إطلاق الآية، فحيث يمكن ايصاله إليه بدونه كما في صورة الغمس يسقط هذا الوجوب.وبهذا يندفع النقض أيضاً؛ لأنا نختار أنه قد أمر يده على وجهه حال غسله، لكن لا لكونه من أجزائه وأفعاله الواجبة مطلقا، بل لكونه واجباً في خصوص هذه الصورة، فمن ادعى وجوبه مطلقا فعليه البيان، وبالله التوفيق وعليه التكلان.


1) سورة المائدة: 6.

2) مختلف الشيعة 1: 287.

3) تفسير البيضاوي 1: 325.

ويخطر بالبال أنّ هذا الاستدلال إنّما يجدي لولم يوجد إمرار اليد في الوضوء البياني الذي تضمنه هذا الحديث الصحيح (1الذي تلقاه جميع الأصحاب بالقبول، أما بعد وجوده فلا، فإنّ لقائل أن يقول : إنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد مسح وجهه بيده في معرض البيان فيجب، كما أو جبتم الابتداء بأعلى الوجه على ما مرّ، وما هو جوابكم عن هذا فهو جوابنا عن ذلك.)وأيضاً فما استدللتم به على ذلك من أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ لما توضأ الوضوء البياني الذي قال بعده: «هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلّا به» إمّا أن يكون بدأ بأعلى الوجه أو بأسفله إلى آخر ما ذكرتموه جارٍ بعينه هنا، فيقال: إنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إما أن يكون قد أمر يده على وجهه حال غسله أو لا، لا سبيل إلى الثاني، وإلا لتعين على الأمة، لكنّه غير متعيّن اتفاقاً، فتعيّن الأول، فتأمّل (2)وبالله التوفيق.)### تقديم غسل اليمني على اليسرىتبيين وإعلام وكلام على كلام بعض الأعلامما تضمنه هذا الحديث من تقديم غسل اليمنى على اليسرى ممّا اختص به أصحابنا وانعقد عليه إجماعنا، وما مرّ في الاستدلال على الابتداء بأعلى الوجه جار هنا.-------------------------------------------------------------------------قوله: «هذا الحديث».ومثله ما رواه الشيخ في التهذيب عن منصور بن حازم، قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ عن رجل بدأ بالسعي بين الصفا والمروة، قال: يرجع فيطوف بالبيت،)


1) الصفة بالصحة تبعاً للعلّامة في المنتهى والمختلف وشيخنا الشهيد في الذكرى، وقد عرفت الكلام في الحسين بن الحسن بن أبان (منه).

2) وجه التأمّل : أنّ المراد لا يقبل اللّه الصلاة إلا بما تضمنه من الأفعال وقارنه من التروك كعدم إمرار اليد (منه).

والعامّة بأسرهم لا يوجبونه، بل بعضهم كالشافعي وأحمد لا يقولون بالترتيب إلا بين الوجه ومجموع اليدين والرأس ومجموع الرجلين، وبعضهم كأبي حنيفة ومالك لا يوجبون الترتيب أصلاً، مستدلّين بالأصل وإطلاق الآية؛ لعدم اقتضاء الواو الترتيب.فالصور المجزية عندهم بلغ سبعمائة وعشرين صورة كلّها باطلة عند الإمامية، إلّا صورتين عند من لم يرتب بين الرجلين، أو واحدة عند من رتب.وتوضيح بلوغها هذا المبلغ: أنّ الأعضاء سنّة، وللأولين صورتان، والحاصل من ضربهما في مخرج الثالث ستة، ومن ضربها في مخرج الرابع أربعة وعشرون، ومن ضربها في مخرج الخامس مائة وعشرون ومن ضربها في مخرج السادس سبعمائة وعشرون. وهذا ظاهر-------------------------------------------------------------------------ثم يستأنف السعي، قلت: إنّ ذلك قد فاته، قال عليه دم، ألا ترى أنك إذا غسلت شمالك قبل يمينك كان عليك أن تعيد (1على شمالك (2).)قوله: «إنّ الأعضاء ستة».الأعضاء المغسولة والممسوحة ستة: الوجه واليدان والرأس والرجلان وعلى القول بسقوط الترتيب يصح لك الابتداء بكلّ منها، وبأيّها ابتدأت فلك أن. تغسل بعده ما شئت من كل واحد من الخمسة الباقية، والحاصل من ضربك الستة في الخمسة يبلغ ثلاثين صورة.ثم العضو الذي تغسله بعد ذلك يحتمل أن يكون كلاً من الأربعة الباقية، والحاصل من ضربك الثلاثين في الأربعة مائة وعشرون، وكذا العضو الذي تغسله


1) في التهذيب: تعمد.

2) تهذيب الأحكام 5: 129 - 130 ح 99.

وقد استدل العلّامة (طاب ثراه على وجوب الترتيب في الوضوء بوجوه، ولنذكر بعضها مع ما يسنح لنا من الكلام عليها :)الوجه الأوّل ما ذكره في منتهى المطلب وهو قوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ (1)فإنّه تعالى عقب إرادة القيام إلى الصلاة بالغسل، فيجب تقديمه على غيره، وكلّ من أوجب تقديم الغسل أوجب)-------------------------------------------------------------------------بعده يحتمل أن يكون كلاً من الثلاثة الباقيه والحاصل من ضربك مائة وعشرون في الثلاثه يبلغ ثلاثمائة وستين، وهكذا الحال في العضو الخامس، فإنّه يحتمل أن يكون كلاً من العضوين الباقيين والحاصل من ضربك ثلاثمائه وستين في الاثنين سبعمائة وعشرون فيبقى لك عضو واحد لا يحتمل إلا صورة لا يفيد إلا صورة لا يفيد الضرب فيها زيادة.قوله : «وهو قوله تعالى «إذا قمتم إلى الصلاة»».قال الفاضل الأردبيلي نور اللّه مرقده في آيات أحكامه: الترتيب في غسل اليدين مستفاد من الاجماع والخبر، ويمكن فهمه من الآية أيضاً بتكلف، بأن يقال: يفهم تقديم الوجه لوجود الفاء التعقيبية، ولا قائل بعدم الترتيب حينئذ، فإنّ الحنفية لا توجب الترتيب أصلاً، بل تجوّز تقديم غسل الرجلين على غسل الوجه.وأيضاً عطف الباقى على الوجه الذي هو مدخول الفاء يفيد التعقيب في كل واحد، فتأمّل فيه، فإنّها تدلّ على فعل المجموع بعد القيام إلى الصلاة، فكأنه قال: إذا قمتم إلى الصلاة فتوضؤوا (2.)


1) سورة المائدة: 6.

2) زبدة البيان في أحكام القرآن ص 16 - 17.

الترتيب(1. هذا كلامه.)وهو كما ترى يحتمل معنيين :الأول: أن يريد بالغسل غسل الوجه والمعنى: أنّ كلّ من أوجب تقديم غسله على اليدين أوجب الترتيب. وهذا هو الذي فهمه شيخنا الشهيد (قدّس سرّه، كما يظهر من عبارة الذكرى (2).)ويخطر بالبال أنه غير مستقيم؛ فإنّ الفاء داخلة على الغسل الواقع على مجموع الوجه واليدين؛ إذ الواو لمطلق الجمع، فكأنه سبحانه يقول: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا هذه الأعضاء. ولا دلالة في هذا على تقديم غسل الوجه على اليدين بوجه؛ إذ هو مثل أن تقول لصاحبك: إذا لقيت زيداً فقبل وجهه ويده، وظاهر أنه لا يفهم من هذا الكلام تقديم تقبيل الوجه على تقبيل اليد.-------------------------------------------------------------------------قوله «ولا قائل بعدم الترتيب حينئذ» أي: حين تقديم الوجه؛ لأن من قال بعدمه قال مطلقا، ومن قال بوجوبه قال بتقديم الوجه على اليمنى واليمنى على اليسرى، فمن قال بوجوب تقديم الوجه وعدم الترتيب في الباقي، خالف الاجماع المركب.ولكن في فهم تقديم الوجه من الظاهر الداخل على المعطوف والمعطوف عليه تأمل؛ إذ الواو للجمع المطلق، إلا أن يقال: تقديم الوجه لتقدمه الذكري علم وجوبه بعد الفاء، وتقديم المعطوف غير معلوم فيؤخذ بالجزم، لكن فيه ما فيه. وأشار إلى هذا بقوله «فتأمّل».


1) منتهى المطلب 2: 105.

2) ذكرى الشيعة 2: 161.

وأما التقديم الذكري، فغير دال على التقديم، وإلا لم يحتج إلى الفاء.الثاني: أن يكون مراده بالغسل غسل الوجه واليدين. والمعنى أن كل من أوجب تقديم طبيعة الغسل على المسح أوجب الترتيب.ويخطر بالبال أنه لا يكاد يتم أيضاً، فإنّ الواو لمطلق الجمع في عطف المفردات والجمل. وقد عقب سبحانه القيام إلى الصلاة بمجموع جملتي «اغسلوا» «وامسحوا» وعطف إحداهما على الأخرى بالواو وجعلهما معاً جزاء الشرط وفي حيّز الفاء الجزائية، فأين ما توهم الدلالة على تقديم الغسل سوى التقديم الذكري.-------------------------------------------------------------------------وبذلك يظهر لك أنّ هذا الكلام ليس ممّا يتفرّد به شيخنا (قدّس سرّه، كما يوهمه قوله «مع ما يسنح لنا من الكلام عليها» بل هو ممّا سبقه به جمع من الأصحاب، منهم الفاضل الأردبيلي (رَحمهُ اللّه) كما سبق.)ثم لا يذهب عليك أن ظاهر ما فهمه الشهيد، وكذا الفاضل الحلّى والأردبيلي (طاب ثراهما، يدلّ على أنّ كلّ من قال بوجوب تقديم الوجه على اليدين، قال بوجوب الترتيب فيهما بتقديم اليمنى على اليسرى، وظاهر ما نقله الشيخ بقوله «بل بعضهم» كالشافعي وأحمد لا يقولون بالترتيب إلا بين الوجه ومجموع اليدين ينافي ذلك؛ لأنه صريح في أنهم لا يوجبون الترتيب فيهما، كما سيصرح به أيضاً في ذيل الوجه الثاني والثالث للعلامة. وأيضاً فإنّهم لو قالوا بالترتيب فيهما لما كان لبحثه (قدّس سرّه) على العلّامة فيما سيأتى بقوله «والذي يخطر بالبال» إلى آخر ذلك المقال وجه ظاهر، فتأمّل.)قوله: «فإنّ الواو لمطلق الجمع».المشهور أن الواو لمطلق الجمع ولا يفيد الترتيب، خلافاً للفراء وأبي عبيد وغيرهما، فإنّهم ذهبوا إلى أنها تفيد الترتيب، واستدلوا عليه بأدلّة لا تثبته، وهي

وبالجملة فالفاء التعقيبية إنّما تدلّ على وجوب الإتيان بمجموع أجزاء الوضوء بعد القيام إلى الصلاة لا على الإتيان بغسل الوجه بعد القيام بغير فصل. وهل هذا إلّا مثل أن تقول لصاحبك : إذا طلبك الأمير فلفٌ عمامتك والبس ثوبك. وظاهر أنه لا دلالة على تقديم أحد الفعلين على الآخر، فليتأمل (1.)-------------------------------------------------------------------------مذكورة في مختصر الأصول وغيره.قوله: «فليتأمل».قال المصنّف في الحاشية: وجه التأمل أنه يمكن أن يقال: إن الفاء التعقيبية إنما تفيد تعقيب مدخولها لما قبله، ومدخولها هاهنا هو الغسل، وأما المسح فمعطوف على مدخولها، ولهذا لو قيل طلعت الشمس فجاء زيد فعمرو فبكر، إنّما يستفاد تعقيب مجيء زيد بطلوع الشمس فقط، لا تعقيب مجيء عمرو وبكر، وهذا ظاهر.والجواب: أنّ المسح هاهنا معطوف بالواو لا بالفاء، وجملتا المعطوف والمعطوف عليه وقد وقعا معاً جزاء الشرط، ألا ترى أنك لو قلت طلعت الشمس فجاء زيد وعمرو وبكر، فإنّه يستفاد تعقيب مجيء الثلاثة لطلوع الشمس لا مجيء زيد فقط. هذا.واعلم أن المشهور فيما بين النحاة أن الفاء التعقيبية هي العاطفة لا الجزائية، وكلام العلّامة مبني على أنّ الجزائية أيضاً تعقيبية، وللكلام فيه مجال ليس هذا محله. انتهى كلامه أعلى اللّه مقامه.قوله في الحاشية: «وكلام العلّامة مبني على أن الجزائية».قيل : لا فرق بين الفائين في اللغة، فإنّها تقتضي التعقيب إذا لم تكن من نفس


1) وجه التأمّل : أنّ لقائل أن يقول إنّ التشبث بهذا وتسليم كون الفاء للتعقيب ليس على ما ينبغي، فإنّها جزائية وفاء التعقيب عاطفة. فالأولى منع إفادتها التعقيب من رأس (منه).

الوجه الثاني والثالث ما استدل به (طاب ثراه في نهاية الإحكام، وهذه عبارته يجب أن يبدأ بغسل وجهه، ثمّ بيده اليمنى، ثمّ اليسرى، ثمّ يمسح رأسه، ثمّ يمسح رجليه ؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : « لا يقبل اللّه صلاة امرىء حتّى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه، ثمّ يغسل يديه، ثمّ يمسح رأسه، ثمّ رجليه» ولأنّ العامل العطف واحد بتقوية الحرف، وقد جعل تعالى نهاية الغسل المرفقين، والمسح الكعبين (1). إنتهى كلامه أعلى اللّه مقامه.)ومراده بما أفاده في الدليل الثاني أنه قد تقرّر في العربية أن العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف عليه بسبب تقوية حرف العطف له، والعامل هنا هو «اغسلوا» الواقع على الوجه واليدين و«إلى» متعلّقة به وهي لانتهاء غايته، وقد جعل غايته المرفقين فليس بعد غسلهما غسل أصلاً، والوجه مغسول فغسله قبل المرفقين ألبتة.-------------------------------------------------------------------------الكلمة، جزائية كانت أو عاطفة، فكما أنّ قوله اضرب زيدا فعمروا يقتضى وجوب ايقاع الضرب بعمرو عقيب ايقاعه بزيد، فكذلك قوله «إذا دخل زيد فاعطه» يقتضي وجوب الاعطاء عقيب الدخول، وإن كانت الفاء فيه جزائية.وفيه أنّ العلّة يستفاد من التعليق بالشرط؛ لأنك لو حذفت الفاء قلت إذا جاءك زيد أكرمه، يفهم منه عرفاً أنّ الاكرام المأمور به إنّما هو حين يتحقق المجيء، والمشهور في الفرق بين الفائين أنّ الجزائية لا يصح قطع الكلام عنها، بخلاف التعقيبية فإنّه يصح في اضرب زيداً فعمروا الاقتصار على اضرب زيداً، ولا يصح الاقتصار على الشرط فقط في إذا جاء زيد فأكرمه.


1) نهاية الاحكام 1: 46 المطبوع بتحقيقنا.

ولا يجوز أن تكون كلمة «إلى» غاية للغسل باعتبار وقوعه على اليدين فقط، لأنه بهذا الاعتبار مغاير للغسل الواقع على الوجه، فيصير العامل في المعطوف غير العامل في المعطوف عليه، وهو خلاف ما تقرّر في العربية. وقس على هذا مسح الرجلين.هذا والذي يخطر بالبال أنّه لا انطباق لشيء من هذين الدليلين على المدعى، فإنّهما إنما يدلان على الترتيب الذي أوجبه الشافعي وكثير من العامّة، أعني: تقديم الوجه على اليدين من غير ترتيب فيهما، وهما على الرأس، وهو على الرجلين، والمدعى وجوب الترتيب الذي اختص به الخاصّة، أعني: غسل الوجه أولاً، ثمّ اليد اليمنى، ثمّ اليسرى إلى آخره. ولا دلالة في هذين الدليلين عليه بوجه فالاستدلال بهما على ذلك المطلب عجيب.بل أقول: لا دلالة في الدليل الثاني منهما على الترتيب الذي عليه الشافعي أيضاً، لأنّه غاية ما يلزم منه بعد اللتيا والتي وجوب تقديم الوجه على اليدين والرأس على الرجلين، ولا دلالة فيه على وجوب تقديم غسل المغسولات على المسح كما لا يخفى.-------------------------------------------------------------------------قوله: «بعد اللتيا والتي».قال الجوهري: التي إسم مبهم للمؤنّث، تصغيرهما اللتيا بالفتح والتشديد، إلى أن قال: ووقع فلان في اللتيا والتي، وهما إسمان من أسماء الدواهي (1انتهى.)وجاء في الحديث «بعد اللتيا والتي» قيل: هما كنايتان عن الشدائد المتعاقبة يكنّى بها عنها، فهي كالمثل.


1) صحاح اللغة 6: 2479 - 2480.

فإن تشبّت متشبث بالفاء التعقيبية، كان رجوعاً إلى ما مرّ في الدليل الأول، وقد عرفت كلامنا عليه فتدبّر.بل أقول أيضاً: إنّ الدليل الثاني لا يدلّ على وجوب تقديم غسل الوجه على غسل اليدين، ولا مسح الرأس على الرجلين، فإنّ غاية ما دلّ عليه أن المرافق نهاية فعل الغسل والكعبين نهاية فعل المسح، وهذا يتحقق لو غسل اليد اليمنى قبل الوجه ثمّ غسله ثمّ غسل اليسرى، وكذا لو مسح إحدى الرجلين ثمّ الرأس ثمّ الرجل الأخرى، فإنّه يصدق على هذا الوضوء أن نهاية الغسل فيه المرافق ونهاية المسح الكعبين.وما يُترأى من أن نهاية الغسل حينئذ ليس المرافق، بل المرفق ليس بشيء لأنّ جمع المرافق في الآية باعتبار المتوضئين. وأيضاً فهو لازم عليكم، وجوابكم جوابنا.الوجه الرابع: ما استدل به (قدس اللّه روحه في التذكرة وهو قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): «ابدؤا بما بدأ اللّه به» (1).)-------------------------------------------------------------------------وأصله أن رجلاً تزوّج قصيرة، فقاسى منها شدّة فطلقها وتزوّج طويلة فقاسى منها أضعاف ذلك فطلقها، فقال: بعد اللتيا والتي لا أتزوّج أبداً، فكني بها عن الشدائد المتعاقبة (2.)قوله: وهو قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ «ابدوا».)في صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبدالله الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ : إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حين فرغ من طوافه وركعتيه، قال: إبدء بما بدأ اللّه به، إن اللّه عزّوجل يقول: (إن)


1) تذكرة الفقهاء 1: 185.

2) مجمع البحرين 1: 372.

والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.وهذا الدليل كالدليل الأوّل في أنّه إنّما يدلّ على الترتيب الذي ذهب إليه الشافعي، لا على الترتيب المختص بالإمامية. ولهذا إنّما استدل به (طاب ثراه على الأول.)ومع هذا فيخطر بالبال أنه لا يدلّ عليه أيضاً، بل إنّما يدل على وجوب الابتداء بالوجه. وأما الترتيب بينه وبين الأعضاء فلا والحديث إنّما دلّ على الابتداء بما بدأ اللّه به لا على التثنية بما ثنّى والتثليث بما ثلث. وهذا ظاهر.-------------------------------------------------------------------------الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ (1).)وهذا يدلّ على تقديم الوجه على اليدين، فإنّ مورده وإن كان خاصاً إلا أنه من حيث المفهوم عام، ولا اعتبار بخصوص المورد مع عموم المفهوم، وقد سبق أنّ كلّ من أوجب تقديم الوجه بل تقديم الغسل أوجب الترتيب، فبإضافة هذه المقدمة يثبت الترتيب الذي اختص به الامامية، وهو المطلوب.قوله: «لا بخصوص السبب».قيل: لما نزل قوله تعالى (إنّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ (2)سألوه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بأيهما نبدأ؟ فقال: ابدوا بما بدأ اللّه به (3).)والأصحّ عندي ما في صحيحة معاوية، فتأمّل.


1) فروع الكافي 4: 431 ح 1.

2) سورة البقرة : 158.

3) فروع الكافي 4: 431 ح 1، والتهذيب 5: 245.

وأما الابتداء الاضافي فيجوز.و من رام الاستدلال بهذا الحديث على ذلك المطلب، فليضف اليه المقدّمة المأخوذة في الدليل الأوّل، ولعلّ تلك المقدمة مطوية في كلامه أنار اللّه برهانه، وإن كان ذلك لا يخلو من بعد هذا ما تيسر لي من الكلام على كلام ذلك الإمام فأعرضه على جوهري رأيك وصير في فكرك ثمّ روّج الكساد وأصلح الفساد.### وجوب المسح ببلل اليدينتذكرة فيها تبصرةما تضمّنة هذا الحديث من مسحه (عَلَيهِ السَّلَامُ ببلل يديه رأسه ورجليه(1)ممّا استدل به على عدم جواز استئناف ماء جديد للمسح كما هو مذهب أصحابنا سوى ابن الجنيد، فانّه جوّز الاستئناف وفاقاً لمالك، وباقي العامّة أوجبوه، وأحاديثنا)-------------------------------------------------------------------------قوله: «وأما الابتداء الاضافي».بأن يقال: يجب الابتداء بكل ما قدم اللّه في الآية من الوجه واليد والرأس على ما بعده؛ لأنه مبدء إضافي بالاضافه إليه. وجوابه أنه تجوز، فلا يصح الاستدلال به، وفيه تأمل.قوله: «ببلل يديه».كما أن الاجماع يقتضي المسح ببقية البلل، كذلك الاحتياط يقتضيه، فإنّ ابن الجنيد لمّا قال بالتخيير بينه وبين الاستئناف، فإذا مسح المكلّف ببقية البلل، فقد أتى بالواجب عند الكلّ، بخلاف المسح بالماء الجديد


1) وأنت خبير بأنه يمكن أن يقال: يجوز أن يكون مسحه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ببقية البلل لكونه أحد فردي الأمر الكلّي، ويكون المكلّف مخيّراً بينه وبين الاستئناف، كما قال ابن الجنيد. فالاستدلال بالإجماع أولى. وأنا إلى الآن لم أظفر برواية صريحة في وجوب المسح ببقية البلل، وانّما اعتمادي في ذلك على الإجماع (منه).

الصريحة في خلافهم من الصحاح وغيرها كثيرة. لكنّه قد ورد روایتان صحیحتان صريحتان فيما يوافقهم :فالأولى: ما رواه معمّر بن خلاد قال سألت أبا الحسن موسى بن جعفر الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ: أيجزىء الرجل أن يمسح قدميه بفضل رأسه؟ فقال برأسه: لا. فقلت: أبماء جديد ؟ فقال برأسه: نعم (1).)والثانية: ما رواه أبو بصير، قال: سألت أبا عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ عن مسح الرأس أمسح بما في يدي من الندى رأسي؟ قال: لا، بل تضع يدك في الماء ثمّ تمسح (2).)والعلّامة في المنتهى (3والمختلف (4)جعل هاتين الروايتين حجة لابن الجنيد، فقال: احتج ابن الجنيد بكذا وكذا.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «فقال برأسه نعم».القول يستعمل من طريق المجاز والاتساع في كثير من الأفعال، يقال: قال برأسه إذا أشار، وقال برجله إذا مشى. وعن ابن الأنباري أنه قال: يقول العرب: قال بمعنى تكلّم، وبمعنى أقبل، وبمعنى مال، وبمعنى ضرب، وبمعنى استراح، وبمعنى غلب، ومن هذا الباب «وقالت له العينان سمعاً وطاعة» أي: أدمت، ومنه واشهد أن القول كما حدث.


1) تهذيب الأحكام 1: 58 ح 12.

2) تهذيب الأحكام 1: 58 ح 13.

3) منتهى المطلب 1: 54.

4) مختلف الشيعة 1: 297.

وأنت خبير بأنهما يناديان على خلاف مذهبه، فإنّه قائل بالتخيير بين الاستئناف والمسح بالبقية، والمفهوم منهما وجوب الاستئناف والنهي عن المسح بالبقية فكيف يحتج بهما؟ اللّهمّ إلّا أن يكون حمل النهي على الكراهة ويكون مذهبه استحباب الاستئناف. لكن لم ينقل أحد من علمائنا ذلك عنه. هذا والشيخ حمل الروايتين على التقية؛ لموافقتهما مذهب العامّة، ومخالفتهما ما عليه الخاصّة، ثمّ احتمل أن يكون هذا الأمر حال جفاف الأعضاء. قال، وأما الخبر الثاني فيحتمل أن يكون المراد بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : «بل تضع يدك في الماء»: الماء الذي بقي في وحاجبيه. هذا حاصل کلامه (طاب ثراه).)وقال والدي (قدس اللّه روحه في حواشي الاستبصار: هذا حمل بعيد جداً، لأنّ السائل قال: «أمسح بما في يدي من الندى» فكيف ينهاه عن ذلك ويأمره بالأخذ من لحيته وحاجبيه. إنتهى كلامه.)ولا يخفى أنّ حمل الخبرين على جفاف الأعضاء أبعد من هذا، فإنّ السائل قال في الأوّل: «يمسح قدميه بفضل رأسه» وفي الثاني: «أمسح بما في يدي من الندى» وغفلة مثل ذلك الشيخ الجليل عن هذا عجيب، لكن الجواد قد يكبو والصارم قد ينبو.-------------------------------------------------------------------------قوله: «لكن الجواد قد يكبو والصارم قد ينبو».هذا مثل في العرب والجواد الجيّد للعدو، يقال: جاد الفرس جودة بالضمّ والفتح فهو جواد، والجمع الجياد، وسمّى بذلك لأنه يجود بجريه، والأنثى جواد أيضاً. وكبا لوجهه يكبو سقط.وصرم السيف احتدو، سيف صارم :أي: قاطع.ونبا حد السيف إذا لم يقطع.

ثمّ في حمل الخبر الأول على التقية نوع خفاء، لأنّ العامّة لا يمسحون القدمين لا ببقية البلل ولا بماء جديد فكيف يحمل على التقية، تأمل (1)-------------------------------------------------------------------------قوله: «نوع خفاء».إنما خص الخفاء بالخبر الأول دون الثاني؛ لأنهم يمسحون الرأس بالماء الجديد، وفيه أنّ بعضهم جوّز المسح على الرجلين أيضاً لكن بالماء الجديد، فيمكن أن يكون محمولاً على التقية بالنسبة إليه، وعلى هذا فلا حاجة في حمله على التقية إلى ما تكلّفه في الحاشية.والأولى حمله على غير الاختيار، كما حمله عليه الفاضل الأردبيلي، ثمّ قال: والاحتياط لا يترك (2.)ولعله إشارة إلى أنّ المسح ببقية البلل هو مقتضى الاحتياط؛ لأن ابن الجنيد قال بالتخيير، فإذا مسح بيقية البلل أتى بالوجب عند الكل، بخلاف المسح بالماء الجديد.


1) وجه التأمّل: أنّ المحمول على التقية ليس هو سؤال السائل بل جواب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ). وظاهر أنّ عدوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن التلفظ بالجواب إلى الإيماء قرينة على التقية، إذ ليس من دأبهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) الإجابة عن المسائل الدينية بالإيماء، ولعلّ إيماءه (عَلَيهِ السَّلَامُ) برأسه في المرة الأولى كان المراد به نهي السائل عن هذا السؤال، وتنبيهه على حضور بعض المخالفين، فلم يقهم ما أراده (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكرّر السؤال و قال أبماء جديد؟ فسمع المخالف الحاضر هذه اللفظة فقط، فحملها على مسح الرأس، فانّه هو المذكور في ذهن المخالفين. فأشار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) برأسه نعم لأجل التقية، ومثل هذا يقع كثيراً في المحاورات، وأيضاً فالقول بأنّ العامّة لا يمسح القدمين ليس على إطلاقه، فانّهم يمسحون على الخفين، فيمكن حمل التقية على ذلك (منه).

2) زبدة البيان ص 18.

### وجوب مسح الرجلينتأصيل فيه تفصيلما تضمنه هذا الحديث من مسح الرجلين هو مذهب الإمامية، وقد أخذوه عن أئمتهم المعروفين، ووصل إليهم بالنقل المتواتر أنّهم (عَلَيهِم السَّلَامُ ما زالوا يفعلونه ويأمرون شيعتهم بفعله، فعن غالب بن هذيل قال: سألت الإمام أباجعفر محمّد بن علي الباقر (عَلَيهِما السَّلَامُ) عن مسح الرجلين، فقال : نعم هو الذي نزل به جبرئيل (عَلَيهِ السَّلَامُ)(1).)وعن أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ انه قال: يأتي على الرجل ستون وسبعون سنة ما قبل اللّه منه صلاة. قلت : وكيف ذلك؟ قال: لانه يغسل ما أمره اللّه تعالى بمسحه (2).)وأمثال ذلك من طرق أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ أكثر من أن يحصى.)و من طرق العامّة ما رواه أوس بن أوس الثقفي، قال: رأيت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أتى كظامة قوم بالطائف فتوضأ ومسح على قدميه (3).)والكظامة بكسر الكاف : بئر إلى جنبها بئر وبينهما مجرى في بطن الوادي.وروى حذيفة بن اليمان (رضي اللّه عنه أنه رأى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) توضأ ومسح على نعليه (4).)-------------------------------------------------------------------------قوله «وروى حذيفة بن اليمان».قيل: إنّ حذيفة بن اليمان رابع الأركان، وهم: المقداد، وأبوذر، وسلمان وهؤلاء الثلاثة هم الذين لم يرتدوا بعد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ حيث كان الناس أهل ردّة، وبقوا)


1) تهذيب الأحكام 1: 63 ح 26.

2) تهذيب الأحكام 1: 65 ح 33.

3) مسند أحمد بن حنبل 4: 8.

4) سنن ابن ماجة 1: 181.

والمراد النعل العربية، والمسح عليها مجوّز عندهم؛ لأنّ سيورها لا يمنع المسح على ظهر القدم، إذ هم لا يوجبون استيعابه بالمسح.ووصف ابن عبّاس وضوء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ انه مسح على رجليه (1).)وكان يقول: إنّ كتاب اللّه بالمسح، ويأبى الناس إلا الغسل (2.)وعنه أنه كان يقول: الوضوء غسلتان ومسحتان، من باهلني باهلته(3. وأمثال ذلك كثير.)واعلم أن الاحتمالات العقلية في هذه المسألة لا تزيد على أربعة: الغسل، والمسح والجمع والتخيير. وقد ذهب إلى كلّ احتمال جماعة من أهل الاسلام.فالغسل مذهب الفقهاء الأربعة وأتباعهم.والمسح مذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ.)وقد نقله الامام الرازى في التفسير الكبير عن الامام محمّد بن علي الباقر-------------------------------------------------------------------------على ارتدادهم سنة، ما رجع فيها إلا قليل، وهم خمسة نفر: حذيفة، وعمّار، وأبوساسان، وثعلبة عمرو الأنصارى، وشتيرة، ورجع عمّار قبل حذيفة.والحق أن رابع الأركان هو عمّار ليس إلا، وأما حذيفه فليس من الأركان الأربعه، ولا يليق بهذا المقام، كما لا يخفى على ذي التتبع من الأعلام.


1) تهذيب الأحكام 1: 63 ح 22.

2) سنن ابن ماجة 1: 156.

3) الخلاف للشيخ الطوسي 1: 14.

(عَلَيهِمَا السَّلَامُ، ونسبه أيضاً إلى ابن عبّاس وأنس بن مالك من الصحابة وعكرمة والشعبي من التابعين (1).)والجمع مذهب داود الاصفهاني والناصر للحق وكثير من الزيدية.والتخيير مذهب الحسن البصري، ومحمّد بن جرير الطبري، وأبي على الجبائي، والشيخ العارف محيى الدين ابن عربي فإنّه قال في الفتوحات المكية: إنّ مذهبنا التخيير فالمسح بظاهر الكتاب والغسل بالسنّة (2انتهى.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «ونسبه أيضاً إلى ابن عباس وأنس بن مالك».الأخبار في عبدالله بن عبّاس مختلفة مدحاً وقدحاً، فالسكوت عنه وعدم التعرّض له جرحاً وتعديلاً طريق الاحتياط.وأما أنس بن مالك أبو حمزة الأنصاري خادم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، فكتم حديث غدير خم «من كنت مولاه فعلي مولاه» فدعا عليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالبلية، فبرص قدماه، فحلف أن لا يكتم منقبة (عَلَيهِ السَّلَامُ) و لا فضلاً أبداً.)قوله: «والشيخ العارف محي الدين».قال بعض أصحابنا: محي الدين العربي من أئمّة الصوفية، ومن رؤسائهم أهل معرفتهم.وفي كلماته من مخالفة الشرع الفاضحة، ومناقضات العقل الواضحة، ما يضحك منه الصبيان، ويستهزأ به النسوان كما لا يخفى على من تتبع تصانيفه ولاسيما الفتوحات، وخصوص ما ذكره في أبواب أسرار العبادات.


1) التفسير الكبير 11: 161.

2) الفتوحات المكية 1: 448.

ولكلّ من هؤلاء الفرق دلائل ليس هذا محلّ بيانها. ولنقتصر على مناظرة بين الفريقين الأولين، واللّه ولي التوفيق.### مناظرة بين الغاسلين والماسحينمناظرة بين الغاسلين والماسحين وكلّ يدّعي أنه فيها من الناصحين فيهاقال الغاسلون: قد ورد الغسل في الكتاب والسنة.أمّا الكتاب، فقد قال اللّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (1).)-------------------------------------------------------------------------ثمّ إنّه مع دعاوية الطويلة العريضه في معرفة اللّه، ومشاهدته المعبود، وملازمته في عين الشهود، وتطوّفه بالعرش المجيد، وفنائه في التوحيد، تراه ذا شطح وطامات وصلف ورعونات في تخليط، ومناقضات تجمع الأضداد، وفي حيرة محيّرة يقطع الأكباد، يأتي تارة بكلام ذي ثبات وثبوت، وأخرى بما هو أوهن من بيت العنكبوت.وفي كتبه وتصانيفه من سوء أدبه مع اللّه سبحانه في الأقوال ما لا يرضى به مسلم بحال في جملة مزخرفة مخبطة، يشوّش القلوب، وتدهش العقول، وتحير الأذهان، وكأنه يرى في نفسه من الصور المجرّدة ما يظهر في العزلة، فظنّ أنّ لها حقيقة وهي له، فكان يتلقاها بالقبول، ويزعم أنها حقيقة الوصول.ولعلّه ربما يختل عقله لشدّة الرياضة والجوع، فكان يكتب ما يأتي بقلمه ممّا يخطر بباله من غير رجوع.


1) سورة المائدة: 6.

و قد قرأ نافع وابن عامر والكسائي وحفص بنصب «أرجلكم» إما بالعطف على «وجوهكم» أو بتقدير واغسلوا.-------------------------------------------------------------------------قوله «أرجلكم».عطفاً على محل «برؤوسكم» إذ الجار والمجرور محلّه النصب على المفعولية، كقولهم مررت بزيد وعمرواً: وقرىء (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (1)وكقوله :)معاوي أننا بشر فاسجح ***فلسنا بالجبال ولا الحديدا(2)إذ قرأ الباقون بالجرّ عطفاً على رؤوسكم، وهو ظاهر، فإذن القراءتان دالتان على معنى واحد وهو وجوب المسح، كما هو مذهب الامامية.وقال الفقهاء الأربعة بوجوب الغسل محتجين بقراءة النصب عطفاً على وجوهكم، أو أنه منصوب بفعل مقدّر، أي: اغسلوا أرجلكم كقولهم «وعلفتها تبناً وماء باردا أراد وسقيتها، وقوله «متقلّداً سيفاً ورمحاً» أي: ومعتقلاً رمحاً، ويؤيده قراءة وأرجلكم بالرفع أي وأرجلكم مغسولة.وأما قراءة الجرّ فبالمجاورة، كقوله تعالى (عذاب يوم أليم (3)بجر الميم وقرأ حمزة «وحور عين» (4)فإنّه ليس معطوفاً على قوله تعالى (ولحم طير) (5)و ما قبله و إلا لكان تقديره : يطوف عليهم ولدان مخلدون بحور عين، لكنه غير)


1) سورة المؤمنون: 20.

2) البيت لعقبة بن هبيرة الأسدي شاعر مخضرم، من أبيات قالها يخاطب بها معاوية ويوبخه فيها، راجع تهذيب الأحكام 1: 71.

3) سورة هود: 26.

4) سورة الواقعة: 22.

5) سورة الواقعة: 21.

-------------------------------------------------------------------------مراد، بل هم الطائفون لا المطوف بهم، فيكون جرّه على مجاورة لحم، ولأن القول بالغسل قول أكثر الأمة.والجواب عن الأوّل: أنّ العطف على وجوهكم مستهجن، مع أن الكلام إذا وجد فيه عاملان عطف على الأقرب منهما، كما هو مذهب البصري، وشواهده مشهورة، خصوصاً مع عدم المانع كما في المسألة، فإنّ العطف على الرؤوس لا مانع منه لغةً ولا شرعاً. وأما النصب بفعل المقدّر، فإنّما يجوز إذا لم يمكن حمله على اللفظ المذكور. وأما هنا فلا لما قلنا من العطف على المحلّ. وأما قراءة الرفع، فيحتمل أيضاً مذهبنا، أي: وأرجلكم حة، بل هو أولى لقرب القرينة.وعن الثاني: بأنّ إعراب المجاور إمّا ضعيف جداً، وقد أنكره أكثر أهل اللغة العربية، ومن جوّزه إنّما جوّزه بشرطين: عدم الالتباس كقولهم «حجر ضبّ خرب» فإنّه لا التباس؛ لأنّ الخرب صفة للحجر، بخلافه هنا، فإنّ الأرجل يمكن أن تكون ممسوحة ومغسولة.فإن قلت: الالتباس زائل بالتحديد بالغاية؛ إذ التحديد إنما هو المغسول، كما لا يدي إلى المرافق.قلنا: جاز في شرعنا اختلاف المتفقات في الحكم وبالعكس، فلا يزول الالتباس، وعدم حرف العطف، وهنا العطف موجود. وأما قراءة أليم، فلعدم الالتباس بيوم، و«حور عين» مجرور معطوف على جنات، أي: المقربون في جنات، ومصاحبة حور عين، وذلك أن الجوار مع الواو ممنوع.وعن الثالث بالمنع من كونه حجّة مع مخالفة علماء أهل البيت، خصوصاً وقد بينا وروده من طرقكم، ولهذا كان الجبائي يغسل ويمسح ويفتي بالجمع بينهما.

وقرا الباقون بالجر: إما بالحمل على مسح الخفّين، أو لأجل الجوار، أو للعطف على الرؤوس لا ليتمسّح، بل ليقتصد في صبّ الماء عليها، ويغسل غسلاً شبيها بالمسح.وأما السنة، فما روي أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لما توضأ الوضوء البياني غسل رجليه(1).)وما روي عن ابن عبّاس أنه حكى وضوء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وختم. وختم بغسل رجليه (2).)وما رواه البخاري في صحيحه عن عبدالله بن عمر، قال: تخلف النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ عنا في سفر، فأدركنا وقد أرهقنا العسر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار - مرتين أو ثلاثاً -(3).)وما رواه محيى السنّة في المصابيح وغيره عن أبي حيّة: قال: رأيت عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ توضأ، فغسل كفيه حتّى انقاهما، ثمّ تمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه مرّة، ثمّ غسل قدميه إلى الكعبين، ثمّ قام فأخذ فضل طهوره فشربه وهو قائم، ثمّ قال: أردت أن أريكم كيف كان طهور رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) (4).)وأمثال هذه الأحاديث كثيرة. فقد دلّ الكتاب والسنّة على الغسل، وبطل ما يقوله الماسحون المحرّفون للكتاب، العادلون عن السنّة، المتبعون للأهواء المضلة.وقال الماسحون: يا أيها الاخوان في الدين والشركاء في طلب اليقين لو صرفتم إلى الآية الكريمة بالكم، لعلمتم أنها عليكم لا لكم.


1) صحيح البخاري 1: 51.

2) صحيح البخاري 1: 48.

3) صحيح البخاري 1: 52.

4) مصابيح السنّة 1: 30.

وبيان ذلك: أنكم وجهتم قراءة النصب بتوجيهين، نحن وأنتم في الثاني منهما سواء، فإنّ باب التقدير واسع ولكلّ منّا أن يقدر ما يوافق مذهبه، فيبقى الأوّل أعني العطف على الوجوه وأنّه كما لا يخفى مخلّ بنظم الكلام؛ لأنه يصير من قبيل «ضربت زيداً وعمرواً وأكرمت خالداً وبكراً» بجعل «بكراً» عطفاً على «زيد» وإرادة أنه مضروب لا مكرم.وهذا مستهجن جدا تنفر منه الطباع ولا تقبله الأسماع، فكيف يحتج إليه أو يحمل القرآن عليه ؟! فتعيّن إمّا العطف على محلّ الرؤوس، وإما جعل الواو للمعية. وكلّ منهما صريح فيما ندّعيه.وحكاية واو المعية أوردها الشيخ الجليل جمال العارفين الشيخ محيي الملة والدين ابن عربي في الجزء الثالث من الفتوحات المكية، وهي مذكورة في كتب الامامية أيضاً.-------------------------------------------------------------------------قوله: «وهذا مستهجن».مع أن الأولى والأنسب عطف جزء الجملة على جزئها الآخر، لا على جزء جملة أخرى، بل يجب إذا لم يكن باعث وضرورة إلى العطف على جزء الجملة الأولى، وهنا لا باعث عليه، ولا ضرورة داعية إليه.قوله: «وإما جعل الواو للمعية».لا يخفى بعد كون هذه الواو واو المعية، كيف لا ؟ وقد قال ابن هشام في المغني: ولم يأت واو المعية في التنزيل بيقين (1.)


1) لم أعثر بنص العبارة في المغني.

وقال (طاب ثراه: وأما القراءة في قوله تعالى: «وأرجلكم» بفتح اللام وكسرها، فمن أجل العطف على الممسوح فالخفض أو على المغسول فالفتح، فمذهبنا أنّ الفتح في اللام لا يخرجه عن الممسوح، فإنّ هذه الواو قد يكون واو مع، وواو المعية تنصب، تقول: «قام زيد وعمروا» تريد مع عمرو. فحجة من يقول بالمسح في هذه الآية أقوى؛ لأنّه يشارك القائل بالغسل في الدلالة التي اعتبرها وهي فتح اللام، ولم يشاركه من يقول بالغسل في خفض اللام (1)انتهى كلامه.)ثم انكم أيها الاخوان هدانا اللّه وإياكم سواء الطريق، وسقانا جميعاً من رحيق التحقيق: حملتم قراءة الجرّ على المسح على الخفين تارة، وعلى الجوار تارة أخرى، وعلى العطف على «الرؤوس» للاقتصاد في صب الماء أخرى، وعدلتم عمّا الأظهر الأصوب الأحرى، وهذه محامل بعيدة، وتوجيهات غير سديدة.أما الحمل على مسح الخفّين، فبعده ظاهر؛ إذ لم يجر لهما ذكر ولا دلّت عليهما قرينة، ولبسهما في الحجاز نادر جداً، فكيف تعدلون بالآية عن ظاهرها، و تحملوها على هذا المحمل النادر الغير المتبادر ؟!وأمّا الجرّ على الجوار، فضعيف جداً، قد أنكره أكثر النحاة، فكيف يليق الركون إليه و حمل كلام اللّه عليه؟!ثمّ من جوزه فإنّما جوّزه بشرط أمن اللبس، وأن لا يتوسط (2حرف العطف)


1) الفتوحات المكية 1: 448.

2) ان قلت: اشتراط عدم توسط حرف العطف ينافي جرّ قوله تعالى ﴿وحور عين) في سورة الواقعة لجوار لحم طير.)قلت: المروي عن حمزة والكسائي هو الجرّكما قلت، ولكن كونه بالجوار ممنوع، وقد صرّح الزمخشري والبيضاوي وغيرهما من أكابر المفسّرين بأنّ جرّ حور عين بالعطف على جنّات بتقدير هم في جنّات ومضاجعة حور، أو على أكواب؛ لأن المراد منعمون بأكواب (منه.

نحو: «جحر ضب خرب» والشرطان مفقودان في الآية الكريمة، فالقول به عدول عن الطريقة القويمة، والجادة المستقيمة.وأمّا العطف على «الرؤوس» لتغسل غسلاً شبيها بالمسح، فهو وإن أورده صاحب الكشّاف (1، لكنّه ظاهر الاعتساف، فإنّ المعطوف في حكم المعطوف عليه باتفاق النحاة، وهل يليق من رشيد أن يقول: «أكرمت زيداً وعمرواً وسخرت من خالد وبكر» بعطف «بكر» على «خالد» لا لمشاركته في السخرية، بل للدلالة على أنّ إكرامه كان إكراما قليلاً شبيها بالسخرية.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «نحو جحر ضب خرب».الجحر بالضمّ فالسكون ثقب الحيّة ونحوها من الحشار، وجوز جرّ خرب مع أنه خبر لمجاورة ضبّ.قوله: «أكرمت زيداً وعمرواً».قيل: بل نقول: هذا المثال يمكن حمله على وجه صحیح جری به العرف والعاده دون الآية على ما يقولون، كأن يكون بكر مستوجباً لمزيد إكرام بالنسبة إلى زيد وعمرو، ويكون تشريكه لهما فى الاكرام شبيهاً بالسخرية والاستهزاء، ولهذا نسب إليه السخرية، ومع هذا لا يفهم هذا من عبارة المكرم الساخر إلا بقرينة واضحة وأمارة لايحة.وأما في الآية الكريمة على قولهم، فلا مجال لهذا الاحتمال، بل هو محض مكابرة، ونوع مصادرة.


1) الكشّاف 1: 611.

وأيضاً فإذا أريد بالمسح بالنسبة إلى المعطوف عليه حقيقة، وبالنسبة إلى المعطوف الغسل الشبيه بالمسح يكون استعمالا للفظ في الحقيقة والمجاز، وهذا ممّا يلحق بالمعميات والالغاز.والعجب أن الزمخشري منع في هذه الآية من حمل الأمر في «اغسلوا» على ما يشمل الوجوب والندب، وقال: إن تناول الكلمة لمعنيين مختلفين من باب الالغاز و التعمية، ثمّ إنّه جوّز مثل هذا.-------------------------------------------------------------------------قوله: «انّ الزمخشري منع».قال صاحب الكشّاف فيه : فإن قلت: ظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة محدث وغير محدث، فما وجهه؟قلت: يحتمل أن يكون الأمر للوجوب، فيكون الخطاب للمحدثين خاصة، وأن يكون للندب.فإن قلت: هل يجوز أن يكون الأمر شاملاً للمحدثين وغيرهم؟ لهؤلاء على وجه الايجاب، ولهؤلاء على وجه الندب.قلت: لا، لأنّ تناول الكلمة لمعنيين مختلفين من باب الالغاز والتعمية (1.)وفي كونه من هذا الباب تأمل؛ لأنه حينئذ بمعنى الرجحان المطلق، فهو مجاز، والمجاز غير الغاز، ولكنّه بعيد لعدم القرينةويمكن أن يكون مراده من الإلغاز والتعمية هذا المعنى؛ لأن المجاز من دون القرينة كالإلغاز والتعمية من حيث عدم فهم المراد منه.


1) الكشّاف 1: 596.

وأما ما استدللتم به من السنّة، فهو معارض بمثله. وقد روينا عن أئمتنا (عَلَيهِم السَّلَامُ أنّ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لما توضأ الوضوء البياني مسح رجليه.)وما نقلتموه عن ابن عبّاس يكذبه ما اشتهر عنه ونقلتموه في كتبكم من أنّ مذهبه المسح، وقد نقله الفخر الرازي وغيره عنه.وأما حديث ابن عمر فبعد تسليمه لا يدلّ إلا على أمره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بغسل الأعقاب،)-------------------------------------------------------------------------ثمّ قال فيه بعد أسطر: إنّ المراد بمسح الرجلين المفهوم من عطفهما على الرأس الغسل القليل.ولا شكّ أنه بالنسبة إلى الرأس مسح حقيقي، فهو لفظ واحد أطلق في إطلاق واحد على المعنى الحقيقي و المجازي معاً مع عدم القرينة، بل مع الاشتباه، فهو الغار وتعمية، وهل هذا إلا تناقض، فظهر أنّ المراد به المعنى الحقيقي في الرجلين أيضاً، كما فهه بعض الصحابة، و علماء أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ، فتأمّل فإنّه يمكن أن يقال: إنه ليس إطلاق لفظ واحد بل إطلاق لفظين على ما هو مفاد العطف؛ لأنّ تقديره وامسحوا برؤوسكم وامسحوا أرجلكم، فحينئذ يحتمل أن يراد من أحدهما معناه الحقيقي، ومن الآخر المجازي، لكن عدم القرينة والالتباس باق، فتأمّل.)قوله: «فبعد تسلیمه».إنّما قال بعد تسليمه؛ لأنّ ابن عمر من الخاذلين المشهورين، وهم قد رووا عن علي أمير المؤمنين (سلام اللّه عليه أنه كتب إلى والى المدينة: لا تعطين سعداً ولا ابن عمر من الفيء شيئاً (1). وقيل لابن مسعود: إنّي أحبّ ابن عمر في اللّه، فقال: لو علمت بعمله إذا دخل بيته لأبغضته في اللّه.)


1) مستدرك الوسائل 16: 798 عن رجال الكشي 1: 197.

-------------------------------------------------------------------------وذكر ابن جرير في كتاب الفاضح أنه قال: بيعة عن ضلالة.وعن ميمون بن مهران قال: أتى ابن عمر علياً، فقال له: أقلني بيعتي، قال: فأقال، ثمّ أتى يزيد بن معاوية فبايعه، فجاء إلى الحجاج، فقال له: امدد يدك لأبايعك لأمير المؤمنين عبد الملك، فقال له الحجّاج ما حملك على ذلك يا عبدالرحمن بعد تأخّرك عنه؟ قال: حملني عليه حديث رويته عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أنه قال: من مات وليس في عنقه بيعة إمام مات ميتة جاهلية، فقال له الحجاج: بالأمس تتأخر عن بيعة علي بن أبي طالب مع روايتك هذا الحديث، وتستحلّ خلافه، وتأبى الدخول في طاعته، ثمّ تأتي الآن لأبايعك لعبد الملك، أما يدي فمشغولة عنك، ولكن بك خشبة ابن الزبير المنصوبة في الحرم. ثمّ إنّه كان يفطر على مائدة الحجاج في شهر رمضان وكان يعجبها (1).)قال المحشي في هذا الموضع أيضاً ما هذا عين عبارته: قوله «فبعد تسليمه لا يدل» دلالته على ذلك ممنوعة، بل ظاهر السياق يقتضى أن يكون (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قد أمرهم بمسح الأعقاب؛ لأنّ قوله «ويل للأعقاب بعد مسحهم على أرجلهم دون أعقابهم» (2)يفيد ذلك، وعلى تقدير عدم إفادته ذلك صريحاً، فكما يجوز تقدير لترك غسلها ليكون علّة لقوله «ويل» فكذا يجوز تقدير لترك مسحها، بل هو أولى لوضوح القرينة.)ويمكن أن يكون هذا مراده (قدّس سرّه بالمنع الضمني المشار إليه بقوله «فبعد تسليمه» فتأمّل.)


1) راجع الفصول المختارة ص 240 - 245.

2) كنز العمّال 9: 325 – 326.

فلعله لنجاستها، فإنّ إعراب الحجاز ليبس هوائهم ولمشيهم حفاة في الأغلب كانت أعقابهم تتشقق كثيراً، وقلّما تخلو عن نجاسة الدم وغيره، وقد اشتهر أنهم كانوا يبولون عليها، ويزعمون أن البول علاج لها، فإن صدر عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أمر بغسل الرجلين فلعله كان لذلك، ثمّ اشتبه فظنّ أنّه من الوضوء.)ثم نقول: إنّ عبدالله بن عمر والذين توضؤوا ومسحوا أرجلهم كانوا من أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بغير مرية، ولا شكّ أن أصحابه أعلم منا ومنكم ومن فقهائكم الأربعة بسنن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لمشاهدتهم أفعاله وسماعهم أقواله بغير واسطة، خصوصاً الأمور المتكرّرة كلّ يوم كالوضوء، ولا ريب أنّ مسحهم أرجلهم كما رويتموه عنهم لم يكن تشهيا من عند إنفسهم، بل لاعتقادهم أنه من الوضوء لمشاهدتهم، أو سماعهم ذلك من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم).)ثمّ ليس في هذا الحديث أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ نهاهم عن المسح، بل غاية ما تضمنه أمرهم بغسل أعقابهم، وتخصيصه و تخصيصه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالأعقاب وسكوته عمّا فعلوه من المسح بل تقريرهم عليه ظاهر فيما قلناه من أنّ الأمر بالغسل إنّما كان لإزالة النجاسة ليس إلا. فهذا الحديث عند التأمل لنا لا علينا، كما أن الآية الكريمة كذلك.)وإما ما نقلتموه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام، فالنقل المتواتر عندنا عنه وعن الأئمّة من أولاده (عَلَيهِم السَّلَامُ مخالف له، وقد نقلتم في كتبكم أنّ الامام أباجعفر محمّد بن علي الباقر وولده الامام أباعبدالله)-------------------------------------------------------------------------قوله: «لم يكن تشهياً».قيل: هذا الكلام لا يجري في الغسل، فإنّ غسل بعض الصحابة لو ثبت، فيمكن حمله على نجاسة أعقابهم، والمسح الواقع في حديث ابن عمر لا يمكن إلا على أنه جزء الوضوء.

جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ كانا يقولان بالمسح، ولا ريب أنهما كانا أعلم بشريعة جدّهما وعمل أبيهما منكم ومن محدّثيكم.)وأما ما شنعتم به أيّها الاخوان علينا ونسبتموه من تحريف الكتاب ومخالفة السنة إلينا فلا نقابلكم بمثله، بل نقول غفر اللّه لنا ولكم، وتجاوز عنا وعنكم، ومنّ علينا وعليكم بالتوفيق والهداية، وعصمنا وإياكم عمّا يوجب الضلاة والغواية آمین یا رب العالمين### محاكمة بين المتأخرين والعلّامة يندفع بها التشنيع عليه والملامةالكعبان عند أكثر العامّة هما العظمان الناتئان عن يمين القدم وشماله.وأما عند أصحابنا، فالذي ذكره متأخّر وهم أنهما الناتئان في ظهر القدمين بين المفصل والمشط. وظاهر عبارات أكثر علمائنا يشعر بذلك.وذهب العلّامة جمال الملة والحق والدين (طاب ثراه إلى أنّ الكعب هو المفصل بين الساق والقدم، قائلاً إنّ هذا هو مذهب أصحابنا، ونسب من فهم من كلام الأصحاب غير هذا إلى عدم التحصيل.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «وذهب العلّامة».وتبعه على ذلك الشهيد في الرسالة، وهو الظاهر من الفاضل الأردبيلي (طاب ثراه في آيات أحكامه (1). وكذا من الشيخ مقداد في الكنز، حيث قال: وأما الكعبان فملتقى الساق والقدم والنابتان، لا شاهد لهما لغة وعرفاً وشرعاً(2).)والظاهر أنّ الشيخ البهائي (قدّس سرّه تفطّن من هنا فأخذه منه وبسطه وفصله بما ترى.)


1) زبدة البيان ص 17 - 18.

2) كنز العرفان في آيات الأحكام 1: 18.

-------------------------------------------------------------------------وفيه أن السيّد المرتضى وشيخ الطائفة وكثيراً من المحققين على ما في مجمع البحرين قد ادعوا الاجماع على أنّ الكعب الذي ينتهي إليه المسح هو قبة القدم التي هي معقد الشراك (1.)وبذلك ينهدم بنيان كلّ ما مهده (قدّس سرّه وبذل فيه جهده؛ لأنه استدلال في مقابل الضروري، وهو ما يفيده الاجماع من اليقين بالمعنى المراد من الكعب في باب المسح، فهو في مقابله غير مسموع، وذلك أنّ الكعب لما كان مشتركاً بين معان أربعة على ما سيجيء، وقد انعقد إجماعهم على أن المراد به في هذا الباب هو قبة القدم أمام الساق، دون سائر المعاني، تعيّن المصير إليه؛ لأن إجماع الطائفة المحقه حجّة لا يجوز التخلّف عمّا انعقد عليه، فالمسألة ليست باجتهادية حتّى يستفرغ فيه الوسع في تعيين ما هو المقصود من معان الكعب، بل هي إجماعية واجبة الاتباع.)على أنّ هؤلاء الفضلاء المحققين آنس بعبارة الأصحاب، وأبصر بمقاصدهم من العلّامة (طاب ثراه، فكيف تشتبه عليهم عباراتهم حتّى ضلّوا مقاصدهم دونه، بل نسبة الاشتباه إليه أولى من نسبته إليهم.)وأما حديث الأخوين زرارة وبكير بن أعين، فشاذ عندهم، وهم لم يعملوا به، وخاصة المرتضى والمانعون من خبر الواحد مطلقا، وهم الأكثر على ما نقله جماعة، كما في رواية الشهيد الثاني.


1) مجمع البحرين 2: 161.

-------------------------------------------------------------------------على أنه معارض بما رواه الصدوق في الفقيه في باب حد السرقة، عن محمّد بن عبدالله بن هلال، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال : إنّ القطع ليس من حيث رأيت تقطع، إنما تقطع الرجل من الكعب، ويترك له من قدمه ما يقوم عليه يصلّي ويعبد اللّه عزّ وجل (1).)قال بعض أهل اللغة: القدم من الرجل ما يطأ عليه الانسان من لدن الرسغ إلى ما دون ذلك. والرسغ بالضم: ما بين الساق.فهذا الحديث صريح في أنّ المراد بالكعب ليس هو أحد الناتيين عن يمين القدم وشماله ولا نفس المفصل، ولا العظم الناتي في القدم عند هذا المفصل الذي هو الكعب عند العلّامة؛ إذ لو كان الكعب أحد هذه الثلاثة، فإذا قطع رجل السارق من كعبه لم يبق من قدمه ما يقوم عليه بخلاف ما إذا كان المراد به قبة القدم، وهو ظاهر.نعم هذا الحديث مجهول السند، فلا يعارض صحيحه، فالعمدة في إثبات كون الكعب قبة القدم إجماع الطائفة، فإن ثبت فهو الحجة، وإلا فالاحتياط يقتضي المسح إلى المفصل بين الساق والقدم كما هو مذهب العلّامة ومن تبعه.فإن قلت: فما حكم من اقتصر في المسح على قبة القدم صح وضوؤه أم لا؟قلت: إن كان اقتصاره عليه من اجتهاد أو تقليد صح وضوؤه وإلا فلا.


1) من لا يحضره الفقيه 4: 69 برقم: 5127.

قال (طاب ثراه في المختلف: مسح الرجلين من رؤوس الأصابع إلى الكعبين، ویراد بالكعبين هنا المفصل بين الساق والقدم. وفي عبارة علمائنا اشتباه على غير المحصل (1).)ثمّ نقل عبارات الأصحاب، ثمّ قال لنا: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة وبكير ابني أعين، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ قلنا: أصلحك اللّه فأين الكعبان؟ قال: هاهنا يعنى المفصل دون عظم الساق. وما رواه ابن بابويه عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد حكى صفة وضوء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى أن قال: «و مسح على مقدّم رأسه وظهر قدميه» وهو يعطى استيعاب المسح لجميع ظهر القدم، ولأنه أقرب إلى ما حدّده أهل اللغة (2). إنتهى كلامه.)وقال (طاب ثراه في كتاب منتهى المطلب قد تشتبه عبارة علمائنا على بعض من لا مزيد تحصيل له في معنى الكعب والضابطة فيه ما رواه زرارة في الصحيح)-------------------------------------------------------------------------قوله: «وهو يعطي الاستيعاب».قيل: فيه نظر؛ لأنا لا نسلّم أن المسح على الشيء معناه الاستيعاب.سلّمنا لكن قوله «مسح على مقدم رأسه» ليس بمعنى الاستيعاب، فكذا المعطوف عليه؛ إذ لو سلّم أنه ظاهر في الاستيعاب في نفسه، لكن مع وجود ما ذكرناه ممنوع بقرينة المناسبة، وتوافق أجزاء الكلام.سلّمنا لكن وجوب مسح ظهر القدم مستوعباً خلاف ما ينقلون عليه الاجماع، ويدلّ عليه الأخبار، فيلزم أن لا يحمل عليه.سلّمنا مسحه (عَلَيهِ السَّلَامُ لا يدلّ على الوجوب، فلعله كان مبنياً على الاستحباب.)


1) مختلف الشيعة 1: 292.

2) مختلف الشيعة 1: 294.

وذكر الرواية الأولى (1.)ثمّ إنّ جميع من تأخّر عن عصر العلّامة من أعلام علمائنا أنكروا هذا القول، وشنعوا على العلّامة (قدس اللّه روحه في نسبته إلى علمائنا تشنيعا بليغاً، وادعوا أنه إحداث قول ثالث.)قال شيخنا الشهيد (قدّس سرّه في كتاب الذكرى: تفرّد الفاضل (رحمه اللّه) بأنّ الكعب هو المفصل بين الساق والقدم، وصبّ عبارات الأصحاب كلّها عليه، وجعله مدلول كلام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) محتجاً برواية زرارة عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) المتضمنة لمسح ظهر القدمين، وهو يعطي الاستيعاب، وأنه أقرب إلى حدّ أهل اللغة.)وجوابه : أنّ الظهر المطلق هنا يحمل على المقيّد؛ لأنّ استيعاب الظهر لم يقل به أحد منا، وقد تقدّم قول الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إذا مسحت بشيء من رأسك أو بشيء من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك» ورواية زرارة وأخيه بكير (2).)وقال في المعتبر : لا يجب استيعاب الرجلين بالمسح، بل يكفي المسمّى من رؤوس الأصابع إلى الكعبين ولو باصبع واحدة، وهو إجماع فقهاء أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ، ولأنّ الرجلين معطوفة على الرأس الذي يمسح بعضه فيعطيان حکمه (3).)ثم قال شيخنا الشهيد: وأهل اللغة إن أراد بهم العامّة فهم مختلفون، وإن أراد بهم لغوية الخاصّة، فهم متفقون على ما ذكرنا حسب ما مرّ، ولأنه إحداث قول ثالث مستلزم رفع ما أجمع عليه الأمّة؛ لأنّ الخاصّة على ما ذكرنا والعامّة على أنّ


1) منتهى المطلب 2: 74.

2) ذكرى الشيعة 2: 150 - 151.

3) المعتبر 1: 150.

الكعبين ما نتأ عن يمين الرجل وشمالها. (1وإلى هنا كلام شيخنا الشهيد في الذكرى.)ولعمرى أنه قد تجاوز الحد في التشنيع على العلّامة، وأطنب في الازراء عليه والملامة، وستطلع فيما بعد على حقيقة الحال إن شاء اللّه تعالى.ولقد سلك على منواله في هذا التشنيع شيخنا المحقّق الشيخ على أعلى اللّه شأنه، فقال في شرح القواعد: ما ذكره في تفسير الكعبين خلاف ما عليه جميع أصحابنا، وهو من متفرّداته، مع أنه ادعى في عدّة من كتبه أنه المراد في عبارات الأصحاب. وإن كان فيها اشتباه على غير المحصل، واستدلّ عليه بالأخبار وكلام أهل اللغة. وهو عجيب، فإنّ عبارات الأصحاب صريحة في خلاف ما يدعيه، ناطقة بأنّ الكعبين هما العظمان الناتيان في ظهر القدم أمام الساق حيث يكون معقد الشراك غير قابلة للتأويل، والأخبار كالصريحة في ذلك.-------------------------------------------------------------------------قوله: «والأخبار».منها: خبر أبي نصر البزنطي، عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال: سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفّه على الأصابع، فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم (2).)وكلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ صريح في المدّعى، فإنّ المراد بظاهر القدم ما ارتفع منها؛ لأنّ الظواهر أشراف الأرض، ويقال : لما ارتفع وغلظ من الأرض ظهر، مؤيداً بباقي الأخبار، والشواهد اللغوية، ومطابق لعمل الأصحاب، وخبر الأخوين مخالف له، فالترجيح لما عليه عمل الأصحاب، وما انعقد عليه إجماعهم.)


1) الذكرى 2: 151.

2) فروع الكافي : 30 ح 6.

وكلام أهل اللغة مختلف، وإن كان اللغويون من أصحابنا مثل عميد الرؤساء لا يرتابون في أنّ الكعب هو الناتىء في ظهر القدم. وقد اطنب عميد الرؤساء في كتاب الكعب في تحقيق ذلك، وأكثر من الشواهد على ذلك، على ما حكي من كلامه.على أنّ القول بأنّ الكعب هو المفصل بين الساق والقدم إن أراد به أنّ نفس المفصل هو الكعب لم يوافق مقالة أحد من الخاصّة والعامّة، ولا كلام أهل اللغة، ولم يساعد عليه الاشتقاق الذي ذكروه، فإنّهم قالوا: إنّ اشتقاقه من كعب إذا ارتفع، ومنه كعب ثدي الجارية. وإن أراد به ما نتأ عن يمين القدم وشماله هو الكعب - كمقالة العامّة - لم يكن المسح منتهياً إلى الكعبين (1. إلى هنا كلام شيخنا (طاب ثراه).)وقد تتبع شيخنا زين الملة والدين (قدّس اللّه روحه آثار هذين الشيخين نوّر الله مرقدهما، فقال في شرح الارشاد بعد ما نقل روايتين تدلان على أن الكعب في ظهر القدم: لا ريب أنّ الكعب الذي يدّعيه المصنّف ليس في ظهر القدم وإنّما هو المفصل بين الساق والقدم والمفصل بين الشيئين يمتنع كونه في أحدهما. ثمّ قال: والعجب من المصنّف، حيث قال في المختلف: إنّ في عبارة أصحابنا اشتباهاً على غير المحصل. مشيراً إلى أنّ المحصل لا يشتبه عليه أن مرادهم بالكعب المفصل بين الساق والقدم، وأنّ من لم يفهم ذلك من كلامهم لم يكن)-------------------------------------------------------------------------قوله: «إذا ارتفع».ولا ارتفاع ولا نتو في المفصل.


1) جامع المقاصد 1: 220 - 221.

محصلاً، ثمّ حكى كلام جماعة منهم. والحال أنّ المحصل لو حاول فهم ذلك من كلامهم لم يجد إليه سبيلاً ولم يقم عليه دليلاً (1. انتهى كلامه زيد إكرامه.)إذا انتقش كلام هؤلاء المشايخ الثلاثة على لوح خاطرك، ظهر لك أن تشنيعهم عليه (طاب ثراه يدور على أمور خمسة :)الأوّل: أنّ قوله هذا خرق لما أجمع عليه الأمّة من الخاصّة والعامّة، وإحداث قول ثالث لم يقل به أحد منهم، فكيف يدعي أنه قول أصحابنا؟الثاني: أنه مخالف لكلام أهل اللغة؛ إذ لم يقل أحد منهم بأنّ المفصل كعب.الثالث: أنه مخالف للاشتقاق، فإنّ الكعب مشتق من كعب إذا ارتفع ونتا والمفصل ليس كذلك.الرابع: أنه مخالف لما وردت به النصوص عن أئمتنا (عَلَيهِم السَّلَامُ.)الخامس: أنه زعم أنّ عبارات الأصحاب موافقة له، مع أنها ناطقة بأنّ الكعبين هما العظمان الناتئان في ظهر القدم، وليس المفصل عظمين ناتئين، ولا واقعا في ظهر القدم. فهذا حاصل ما شنّعوا به عليه (قدّس اللّه سره.)وأنا أقول: إنّ من أمعن النظر علم أنّ كلامهم عليه في غير موضعه، وتشنيعهم-------------------------------------------------------------------------قوله: «لم يجد إليه سبيلاً».وذلك لما عرفت من إجماعهم على أنّ المراد بالكعب في باب المسح هو قبة القدم عند معقد الشراك لا المفصل بين الساق والقدم.قوله: «في غير موضعه».بل هو في موضعه؛ لأنهم يقولون: إنّ الأمة قد اختلفوا في تعيين الكعب المراد به


1) روض الجنان في شرح الارشاد ص 36.

واقع غير موقعه، وحاشا العلّامة أن يقع في مثل هذه الغمة، ويخالف ما اجتمعت عليه الأمة، بل ما ذهب إليه هو الحق الذي لا ريب فيه، والصدق الذي لا شبهة تعتريه، والنص الصحيح بذلك شاهد، وكلام أصحابنا عليه مساعد، وما ذكره علماء التشريح يدلّ عليه، وما أورده المحققون من أهل اللغة يرشد إليه، وكلام العامّة صريح في نسبة هذا القول إلينا وكتبهم مشحونة بالتشنيع به علينا، ولنفصل هذا الاجمال بحيث لا يبقى للشك مجال.تطويل مقال لتفصيل إجمال، وتأصيل بيان لتحصيل اطمئنانروى الشيخ في الصحيح عن زرارة وبكير ابني أعين أنهما سألا الامام أبا جعفر محمّد بن علي الباقر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ عن وضوء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فدعا بطشت أو تور فيه ماء، ثمّ حكى وضوء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)،)-------------------------------------------------------------------------في قوله تعالى (وأرجلكم إلى الكعبين (1)على قولين، فالخاصّة على أن المراد به قبة القدم أمام الساق عند معقد الشراك لاجماعهم عليه، وإشارات رواياتهم إليه. والعامّة على أن المراد به العظمان النابتان من جانبي الساق عن يمين القدم وشماله، فالقول بأنّ المراد به العظم الناتىء في أسفل الساق عند المفصل قول ثالث خارق لما أجمع عليه الأمة من الخاص والعام؛ إذ لم يقل أحد منهم أنه المراد بالكعب في باب المسح، فكيف يدّعي أنه قول أصحابنا أجمع، ويزعم أن عباراتهم مطابقة له، وهم قد أجمعوا على أنّ المراد به العظم الناتيء في ظهر القدم، لا الذي في أسفل الساق عند المفصل، ولا هو نفسه، وذلك ظاهر على الناظر في كلامهم، والخائض في مقصودهم ومرامهم.)


1) سورة المائدة: 6.

وفي آخر الحديث قلنا: أصلحك اللّه فأين الكعبان ؟-------------------------------------------------------------------------قوله: «يعني المفصل».أقول: وممّا يمكن أن يستدل به على مذهب العلّامة ما رواه الصدوق في الفقيه في باب حد السرقة، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن زرارة، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال : وكان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا قطع اليد قطعها دون المفصل، وإذا قطع الرجل قطعها من الكعب(1).)وجه الاستدلال: أنّ المشهور عند القائلين بالمسح أن رجل السارق إنّما يقطع من مفصل القدم، ويترك له العقب يعتمد عليه حالة المشي والصلاة؛ لقول الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ : تقطع يد السارق، ويترك ابهامه وصدر راحته، وتقطع رجله ويترك له عقبه يمشي عليها (2)فهذا قرينة واضحة على أنّ المراد بالكعب المذكور في رواية زرارة المذكور آنفاً إنّما هو مفصل القدم دون قبتها التي هي معقد الشراك.)ولا يبعد أن يحمل على هذا ما سبق من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ في رواية محمّد بن عبدالله بن الهلال: إنما تقطع الرجل من الكعب ويترك له من قدمه ما يقوم عليه(3).)وعليه فلا تعارض بينها وبين صحيحة الأخوين.وفيه نظر؛ إذ غاية ما دلّ عليه الحديث المذكور لو سلّم له ذلك أن الكعب قد يطلق على مفصل القدم أيضاً. وأما أنه المراد بالكعب الذي ينتهي إليه المسح وهو محل النزاع، فلا دلالة له عليه بواحدة من الدلالات، فكيف يمكن أن يستدلّ به عليه، وقد عرفت ما انعقد عليه إجماعهم فتذكّر.


1) من لا يحضره الفقيه 4: 64 - 65 برقم: 5115.

2) فروع الكافي 7: 224 ح 13.

3) من لا يحضره الفقيه 4: 69 برقم: 5127.

قال: هاهنا يعني المفصل دون عظم الساق، فقالا: هذا ما هو ؟ قال: هذا عظم الساق (1.)ولا يخفى أنّ هذا الحديث صريح فيما ادعاه العلّامة (طاب ثراه، غير قابل للتأويل، ولذلك جعله في المختلف أوّل الدلائل على ما ادعاه، واقتصر في المنتهى عليه ولم ينقل سواه.)والعجب من شيخنا الشهيد فإنّه مع كمال حرصه في الذكرى على نقل دلائل العلّامة ونقضها، لم ينقل هذه الرواية في جملة ما نقله، مع أنها هى العمدة في ذلك المدعى، وعليها المدار في إثبات تلك الدعوى.-------------------------------------------------------------------------وبالجملة مجرّد إطلاق الكعب على المفصل وما في معناه، لا يكفي في كونه المراد بالكعب المذكور في باب المسح، وهو ظاهر، فتأمّل واعتبر.قوله: «دون عظم الساق».لفظة «دون» في قول الأخوين «دون عظم الساق» إما بمعنى «غير» كما قالوا في قوله تعالى (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ (2)أو بمعنى «تحت» كما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) «سلوني عمّا دون العرش» (3)أو بمعنى «عند» ولعل الأوسط أوسط، فتأمّل.)


1) تهذيب الأحكام 1: 76 ح 40.

2) سورة البقرة : 23.

3) بحار الأنوار 82: 254.

وأعجب من ذلك أنه جعلها أوّل دلائله على أنّ الكعبين قبتا القدم أمام الساق أعني: العظم الذي بين المفصل والمشط، مع أنها في خلافه كالشمس في رابعة النهار، فاعتبروا يا أُولي الأبصار.ثم إنه (قدس اللّه سره استدل بما رواه ميسّر عن الامام أبي جعفر محمّد بن على الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه وصف الكعب في ظهر القدم (1).)-------------------------------------------------------------------------قوله: «وأعجب من ذلك».قال بعض الفضلاء: فإن قلت كيف استدلّ الشيخ في التهذيب(2والخلاف (3)والمحقق في المعتبر (4)، والشهيد في الذكرى (5)، بخبر الأخوين على أن الكعب هو العظم الناتيء؟)قلت: لعلّ غرضهم الاستدلال به على نفي مذهب المخالفين، لا تعيين الكعب بخصوصه، ومثله يمكن أن يقال في أصل الحديث، بأن يكون الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ أشار نحو المفصل، فقال: هاهنا من غير تعيين، وكان الغرض مجرّد نفي مذهب المخالفين، أو أطلق المفصل على العظم الناتىء للمجاورة مجازاً.)قوله: «بما رواه میسّر».الظاهر أنه بضم الميم وفتح الياء وتشديد السين.


1) تهذيب الأحكام 1: 75 ح 38.

2) تهذيب الأحكام 1: 90.

3) الخلاف 1: 82 و ص 93.

4) المعتبر 1: 151.

5) ذكرى الشيعة 2: 150.

وبما رواه عنه أيضا أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ وضع يده على ظهر القدم، وقال: هذا هو الكعب (1).)ولا دلالة في شيء من هذين الحديثين على ما يخالف كلام العلّامة (طاب ثراه، فإنّ الكعب عنده في ظهر القدم أيضاً، كما ستطلع عليه إن شاء اللّه تعالى.)ثمّ إنّ أهل اللغة صرّحوا بأنّ المفاصل والتي بين أنابيب القصب تسمّى كعاباً.قال في الصحاح: كعوب الرمح النواشز في أطراف الأنابيب(2.)-------------------------------------------------------------------------قوله: ولا دلالة في شيء».لا يخفى أنّ المتبادر من إطلاق ظهر القدم إنّما هو القبة التي عند معقد الشراك، لا نفس مفصل الساق والقدم، ولا العظم الناتى في أسفل الساق عند هذا المفصل، فهذان الحديثان مع ما سبق عن محمّد بن عبدالله الهلالي وأبي نصر البزنطي كالصريح فيما يخالف مذهب العلّامة، كما أوماً إليه المحقّق الشيخ علي على ما سبق منه بقوله «والأخبار كالصريحة في ذلك» أي: في أن المراد بالكعب في هذا الباب هو العظم الناتىء في ظهر القدم عند معقد الشراك، والظاهر أن مراده بالأخبار هو هذه الأخبار المذكورة.نعم میسر بن صدقة مجهول، فروايته هذه غير صالحة للاستدلال بها على هذا المطلب، فإن تطرّق إليه قدح، فليكن هذا دون ذلك. وغيه تأمل؛ لأنه ممدوح، وقد وتقه علي بن الحسن، على ما نقله الكشي (3، فروايته صحيحة.)


1) تهذيب الأحكام 1: 75 ح 39.

2) صحاح اللغة 1: 213.

3) اختيار معرفة الرجال 2: 513 برقم 446، والذي وثقه الكشي في رجاله هو ميسر بن عبدالعزيز لا ميسّر بن صدقة، والكلام في الثاني لا في الأوّل.

وقال في المغرب: الكعب هو العقدة بين الأنبوبتين في القصب.وقال أبو عبيده: الكعب هو الذي في أصل القدم ينتهي إليه الساق بمنزلة كعاب القناة.ونقل الفخر الرازي في تفسيره الكبير: أنّ المفصل يسمّى كعباً (1.)وقال في القاموس : الكعب: كلّ مفصل للعظام والعظم الناشز فوق القدم (2.)فظهر من هذا أنّ العلّامة نوّر اللّه مرقده لم يأت ببدعة في تسمية المفصل كعباً، وان ما ذكره المحقّق الشيخ علي أعلى اللّه شأنه من أنه لم يقل بذلك أحد من الخاصّة والعامّة ولا أهل اللغة خال عن الاستقامة.ثم اعلم أنّ المستفاد من كلام علماء التشريح كجالينوس والشيخ والرئيس وشرّاح القانون كالقرشي وغيره، أنّ القدم مؤلّف من ستة وعشرين عظماً، أعلاها الكعب، وهو عظم مائل إلى الاستدارة واقع في ملتقى الساق والقدم، له زائدتان ناتئتان في أعلاه إنسية ووحشية، يدخل كلّ منهما في حفرة من حفرتي قصبتي الساق، وزائدتان في أسفله تدخلان في حفرتي العقب، وأنّ الساق مؤلّف من قصبتين متلاصقتين إنسية ووحشية والإنسية منهما أعظم وتسمّى القصبة العظمى، وهي المتصلة بالركبة، والوحشية صغيرة تستدق شيئاً فشيئاً، وتنقطع قبل الوصول إلى الركبة، وفي أسفل كلّ من هاتين القصبتين حفرة يدخل فيها إحدى الزائدتين الناتئتين في الكعب، ويحتوي طرفا القصبتين على الكعب من جوانبه-------------------------------------------------------------------------قوله: «المحقق الشيخ علي».قد عرفت مراد المحقّق الثاني الشيخ علي فتذكّر.


1) التفسير الكبير 11: 162.

2) القاموس المحيط 1: 124.

سوى جانب المشط، فالكعب عظم في ظهر القدم متوسط بين الساق والعقب وعليه يتصل الساق بالقدم.ولنقتصر في تأييد هذا الكلام على ما ذكره الشيخ في القانون والشارح القرشى في شرحه.قال الشيخ في مبحث تشريح عظام القدم من القانون وأمّا الكعب فإنّ الانساني منه أشدّ تكعيباً من كعوب سائر الحيوانات، وكأنه أشرف عظام القدم النافعة في الحركة، كما أنّ العقب أشرف عظام الرجل النافعة في الثبات. والكعب موضوع بين الطرفين الناتئين من القصبتين يحتويان عليه من جوانبه، أعني من أعلاه وقفاه وجانبيه الوحشي والانسي، ويدخل طرفاه في العقب في النقرتين دخول ركز، والكعب واسطة بين الساق والعقب به يحسن اتصالهما ويتولّق المفصل بينهما، وهو موضوع في الوسط بالحقيقة، وإن كان قد يظنّ بسبب الأخمص أنه منحرف إلى الوحشي (1. انتهى كلام الشيخ)وقال القرشى في شرح القانون: إنّ أجزاء القدم مقسومة إلى ستة أقسام، وهي: الكعب، والعقب، والعظم الزورقي، وعظام الرسغ، وعظام المشط، وعظام-------------------------------------------------------------------------قوله: وعظام الرسغ وعظام المشط.قال المصنّف في الحاشية: الرسغ بالغين المعجمة مفصل ما بين الساق والقدم. والمشط بضم الميم سلاميات ظهر القدم. انتهى كلامه (رحمه اللّه.)قوله في الحاشية: «سلاميات».في الصحاح: السلاميات عظام الأصابع (2.)


1) القانون ص 38 تعلیم 5 فصل 30.

2) صحاح اللغة 5: 1951.

الأصابع.ونحن الآن نتكلّم على كلّ واحد منها، فنقول: أما الكعب، فالانساني منه أكثر تكعباً وأشدّ تهندماً ممّا في سائر الحيوانات، وذلك لأن لرجليه قدماً وأصابع، ويحتاج في تحريك قدميه إلى انبساط و انقباض، وذلك بحركة سهلة ليسهل عليه الوطىء على الأرض المائلة إلى الارتفاع والانخفاض وعلى المستوية، فلذلك يحتاج أن يكون مفصل ساقه مع قدمه مع قوته وإحكامه سلساً سهل الحركة.وهذا المفصل لا يمكن أن يكون بزائدة واحدة مستديرة تدخل في حفرة الساق، فكان يحدث للقدم أن يتحرّك مقدّمة إلى جهة جانبيه، بل إلى جهة مؤخّرة، وكان يلزم من ذلك فساد التركيب ومصاكّة احدى القدمين للأخرى، فلابدّ أن يكون بزائدتين حتّى يكون كل واحد منهما مانعة من حركة الأخرى على الاستدارة، ولا يمكن أن تكون إحدى الزائدتين خلفاً والأخرى قداماً؛ لأنّ ذلك مما يعسر معه حركة الانبساط والانقباض اللتين بمقدم القدم، فلابدّ من أن تكون-------------------------------------------------------------------------وفي القاموس : السلامي عظام صغار طول أصبع أو أقل في اليد والرجل، جمعه سلاميات (1.)وعظام المشط على ما يستفاد من كتب التشريح عظام تتصل بها عظام الأصابع، فإنّهم ذكروا أن القدم مركبة من ستة وعشرين عظماً، راجعة إلى أقسام سنّة : عظم الكعب، وعظم العقب وهو عمدة الساق وكالأساس له، والعظم الزورقي، وعظام أربعة للرسغ بها تتصل عظام المشط. وعظام خمسة للمشط بها تتصل الأصابع، وأربعة عظماً للأصابع


1) القاموس المحيط 4: 131.

هاتان الزائدتان إحداهما يميناً والأخرى شمالاً، ولابد أن يكون بينهما تباعد له قدر يعتد به ليكون امتناع تحرّك كلّ واحدة منهما على الاستدارة أكثر وأشدّ فلذلك لا يمكن أن يكون ذلك مع قصبة واحدة، فلابدّ أن يكن مع قصبتين.ولو كان بقدر مجموعهما عظم واحد لكان يجب أن يكون ذلك العظم ثخينا جداً، وكان يلزم من ذلك ثقل الساق، فلذلك لابد أن يكون أسفل الساق عند هذا المفصل قصبتين.وأما أعلى الساق وذلك حيث مفصل الركبة، فإنّه يكتفى فيه بقصبة واحدة فلذلك احتيج أن تكون احدى قصبتي الساق منقطعة عند أعلى الساق، ويجب أن تكون الحفرتان في هاتين القصبتين والزائدتان في العظم الذي في القدم؛ لأنّ هاتين القصبتين يراد فيهما الخفّة.وذلك ينافي أن تكون الزوائد فيهما؛ لأنّ ذلك يلزمه زيادة الثقل والحفرة يلزمها زيادة الخفّة، فلذلك كان هذا المفصل بحفرتين في طرفي القصبتين، وزائدتين في العظم الذى في القدم. انتهى كلامه.فكلام المشرحين صريح في أنّ الكعب هو ذلك العظم الذى في المفصل، وقد علمت ما تضمنه الحديث وكلام أهل اللغة أنّ نفس المفصل يسمّى كعباً أيضاً، ولعله لمجاورة هذا العظم.فصار ما يطلق عليه اسم الكعب أربعة قبة القدم أمام الساق واحد الناتئين عن يمين القدم وشماله ونفس المفصل والعظم الناتى في القدم الداخل طرفاه في حفرتي عظم الساق، وكثيراً ما يعبّر عنه بالمفصل أيضاً.وهذا الأخير هو الكعب عند العلّامة فإنّه لا ينكر أنّ الكعبين عظمان ناتئان.

وقد صرّح في التذكرة بذلك، وفسّرهما بمجمع الساق والقدم، ونقل إجماع علمائنا عليه، وقال: إنّه مذهب محمّد بن الحسن (1.)ويشهد لما ذكره (طاب ثراه من نسبة هذا القول إلى علمائنا أن كتب العامّة وتفاسيرهم مشحونة بأنّ الكعب عند القائلين بالمسح هو العظم الذي في المفصل.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «ونقل اجماع».هذا نقل غريب؛ لما عرفت أن المرتضى والشيخ وكثيراً من محققي الأصحاب نقلوا الاجماع على أن المراد بالكعب في باب المسح هو قبة القدم، لا مجمع الساق والقدم، ولعلّ هذا الاجماع لم يثبت عنده، ولكن كيف يصح له أن يدعي الاجماع على خلافه، وهؤلاء العلماء المتقدمون عليه قد ادّعوا الاجماع على خلاف ما ادعى الاجماع عليه.وبالجملة قد عرفت أنه لا دليل له على ما ذهب إليه يعتد به إلا صحيحة الأخوين، وهي عند جلّ من تقدّم عليه بل كلّهم غير معمولة بها، وكذا عند من تأخر عنه، فالاعتماد عليه ضعيف، فتأمّل.قوله: «مذهب محمّد بن الحسن».لا يقدح خلافه في إجماعهم، على أنّ المراد بالكعب هو قبة القدم؛ لأنّ المخالف إذا تعيّن وعرف باسمه ونسبه لا يعتد بخلافه، كما هو المقرّر عندهم.قوله: «إنّ كتب العامّة وتفاسيرهم».لا عبره بما فيهما، والمحققون من القائلين بالمسح قد نقلوا الاجماع على أنّ المراد بالكعب الوارد في الآيات والروايات الواردة في باب المسح هو قبة القدم


1) تذكرة الفقهاء 1: 170.

قال الفخر الرازي في التفسير الكبير عند قوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين : جمهور الفقهاء على أنّ الكعبين هما العظمان الناتئان من جانبي الساق.)-------------------------------------------------------------------------عند معقد الشراك، وهم أعرف من العامّة بمقاصدهم ومقاصد أصحابهم وأئمتهم (عَلَيهِم السَّلَامُ.)قوله: «جمهور الفقهاء».إنما قال جمهورهم؛ لأنّ بعضهم موافق لنا في القول بأن الكعب هو العظم الناتيء في ظهر القدم، قال: ويطلق عليه المفصل.ونقل عن صدر الشريعة من أفاضل العامّة أنّ الكعب في رواية هشام عن محمّد هو المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك.بل يظهر من الصحاح والمغرب أنّ القول بأنّ الكعب في ظهر القدم قول شايع في الناس، حيث قالا: وأنكر الأصمعي قول الناس إنّه في ظهر القدم (1.)وقال ابن الأثير: وذهب قوم إلى أنّ الكعبين هما العظمان اللذان في ظهر القدم، وهو مذهب الشيعة، ومنه قول يحيى بن الحارث «رأيت القتلى يوم زيد بن علي فرأيت الكعاب فى وسط القدم» (2.)وقال أبو عمرو الزاهد في كتاب فائت الجمهرة اختلف الناس في الكعب، فأخبرني أبونصر عن الأصمعى أنه الناتىء في أسفل الساق عن يمين وشمال، وأخبرني سلمة عن الفرّاء، قال: هو في مشط الرجل، وقال هكذا برجله، قال أبو العباس: فهذا الذي يسمّيه الأصمعي الكعب هو عند العرب المنجم.


1) صحاح اللغة 1: 213.

2) نهاية ابن الأثير 4: 178 - 179.

وقالت الامامية وكلّ من ذهب إلى وجوب المسح إنّ الكعب عبارة عن عظم مستدير مثل كعب الغنم والبقر، موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم، و هو قول محمّد بن الحسن وكان الأصمعي يختار هذا القول.ثم قال: حجّة الامامية: إنّ إسم الكعب يطلق على العظم المخصوص الموجود في أرجل جميع الحيوانات، فوجب أن يكون في حق الانسان كذلك. والمفصل يستى كعباً، ومنه كعباب الرمح لمفاصله، وفي وسط القدم مفصل، فوجب أن يكون الكعب (1. انتهى كلامه.)وقال صاحب الكشف عند تفسير هذه الآية: لو أريد المسح لقيل إلى الكعاب أو الكعب؛ لأنّ الكعب إذ ذاك مفصل القدم، وهو واحد في كل رجل. فإن أريد كلّ واحد فالأفراد وإلا فالجميع وأمّا إذا أريد الغسل فهما الناشزان، وهما اثنان في كل رجل، فتصبح التثنية باعتبار كل رجل هذا كلامه.وقال الفاضل النيشابوري في تفسيره بعد ما نقل مذهب الجمهور من أن الكعبين هما العظمان الناتئان عن الجنبتين قالت الامامية وكل من قال بالمسح: إنّ الكعب عظم مستدير موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق-------------------------------------------------------------------------قال: وأخبرني سلمة عن الفراء عن الكسائي، قال قعد محمّد بن علي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ في مسجد كان له وقال هاهنا الكعبان، قال: فقالوا: هكذا، فقال: ليس هو هكذا ولكنّه هكذا، وأشار إلى مشط رجله، فقالوا له: إن الناس يقولون هكذا، قال: لا(2).)وقد عرفت المعنى المراد بالمشط، فتذكّر.


1) التفسير الكبير 11: 162.

2) ذكرى الشيعة 2: 151 - 152.

والقدم، كما في أرجل جميع الحيوانات، والمفصل يسمّى كعباً، ومنه كعوب الرمح المفاصل.حجّة الجمهور: أنه لو كان الكعب ما ذكره الامامية لكان الحاصل في كل رجل كعباً واحداً، فكان ينبغي أن يقال: «وأرجلكم إلى الكعاب» كما أنه لما كان الحاصل في كلّ يد مرفقاً واحداً لا جرم قال «إلى المرافق» وأيضاً العظم المستدير الموضوع في المفصل شيء خفي لا يعرفه إلا أهل العلم بتشريح الأبدان، والعظمان الناتئان في طرفى الساق محسوسان لكلّ أحد، ومناط التكليف لا يكون إلا أمراً ظاهراً (1. انتهى كلامه.)ثم إنِّي واللّه لشديد التعجب من أولئك الأعلام كيف زلت أقدام أقلامهم في هذا المقام، حتّى زعموا أنّ ما قاله العلّامة ممّا لم يقل به أحد من الخاص والعام.-------------------------------------------------------------------------قوله: «إنّي واللّه لشديد التعجب.هذا تعجب في غير محله؛ إذ مرادهم أنّ ما قاله العلّامة ممّا لم يقل أحد من الخاص والعام بأنه المراد بالكعب في باب المسح. أما العامّة، فظاهر. وأما الخاصّة، فلما عرفت من إجماعهم على أنّ المراد بالكعب الذي ينتهي إليه المسح هو قبة القدم عند معقد الشراك. وأما أنّ الكعب قد يطلق على نفس المفصل وما في معناه من العظم الناتيء عنده، فمجرد ذلك لا يكفي في كونه مراداً بالكعب المذكور في هذا الباب، واللّه أعلم بالصواب.


1) تفسير النيشابوري المطبوع على هامش تفسير الطبري 6: 74 - 75.

وظنّي أنّ وقوعهم في هذه الورطة إنّما نشأ من اشتباه عبارات أصحابنا، كما نبه عليه (طاب ثراه في المختلف والمنتهى، وذلك أنهم صرّحوا باشتقاق الكعب من كعب إذا ارتفع، وأكثر العبارات ناطقة بأنّ الكعبين هما العظمان الناتئان في القدمين، والمتبادر من الناتيء ما كان نتؤه محسوساً بحسّ البصر، ولا ناتىء في القدمين على هذه الصفة إلا اللذان عن يمين القدم وشمالها، والمتوسطان بين المفصل والمشط، لكن الأوّلان ليسا الكعبين باتفاق علمائنا، فحكموا بأنهما الأخيران ألبتة، وغلطوا من قال بأنهما المفصلان لأنّه لانتوء فيهما، وغفلوا عن العظمين الناتئين فيهما ؛ لأنّ القوة الباصرة عن إدراك نتوء هما قاصرة.)خاتمةما أورده الشيخ الشهيد (طاب ثراه على العلّامة (قدس اللّه روحه) من أن استيعاب ظهر القدم لم يقل به أحد منا إلى آخر كلامه، غير وارد على العلّامة)-------------------------------------------------------------------------قوله: «غير وارد على العلّامة».لا يخفى أنّ ظاهر الحديث السابق، وهو قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «ومسح على مقدم رأسه وظهر قدميه» وكذلك ظاهر قول العلّامة «وهو يعطي المسح بجميع ظهر القدم» صريح في الاستيعاب الطولي والعرضى معاً.)وإلى ذلك أشار الفاضل الأردبيلي في آيات أحكامه بقوله: الرابع مسح الرجلين بالمسمّى كالرأس، وفي الرواية الصحيحة أنه بكل الكف، ويفهم من الأخرى كلّ الظهر، وإلى أصل الساق ومفصل القدم، وهو المراد بالكعب، ويدلّ عليه اللغة، وهو مذهب العلّامة، وكأنه موافق لمذهب العامّة، فافهم (1انتهى كلامه)


1) زبدة البيان في أحكام القرآن ص 17 - 18.

أصلاً، وهو (قدّس اللّه روحه قائل بموجبه، وإنّما أراد باستيعاب القدم استيعابه طولاً فقط، أعني: من رؤوس الأصابع إلى الكعب.)قال في التذكرة : لايجب استيعاب الرجلين بالمسح، بل يكفي المسح من رؤوس الأصابع إلى الكعب ولو باصبع واحدة عند أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ.)ثم قال: ويجب استيعاب طول القدم من رؤوس الأصابع إلى الكعبين (1.)وإن أراد شيخنا الشهيد (رحمه اللّه أنّ استيعاب الطول إلى المفصل ممّا لم يقل به أحد منا بناءً على ما ظنّه من أنّ الكعب ليس هو المفصل عندنا، رجع هذا الكلام إلى كلامه الثاني، وقد عرفت حقيقته فتأمّل (2).)-------------------------------------------------------------------------رفع مقامه.فما أورده الشهيد على العلّامة وارد عليه، وتوجيه الشيخ كلامه هذا غير موجّه، فتأمّل.


1) تذكرة الفقهاء 1: 171.

2) وجه التأمل: أنّ لمتكلّف أن يقول : مراد شيخنا الشهيد (رحمه اللّه) أن استيعاب القدم طولاً بمعني دخول الكعب في الممسوح لم يقل به أحد من أصحابنا، لا استيعابه طولاً وعرضاً معاً. ولا يخفى بعده، فإنّ مسح الكعبين مختلف وجوبه عندنا. وقد نبّه المحقّق وغيره عليه، فكيف يدّعي الاتفاق على عدم وجوبه (منه).

## الحديث الخامس: وضوء أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)### إشارة:بالسند المتّصل إلى الشيخ الأعظم محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن محمّد بن يحيى، وأحمد بن إدريس، عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن الحسين بن علي بن عبدالله، عن علي بن حسان، عن عمه-------------------------------------------------------------------------الحديث الخامسقوله: «علي بن حسّان».علي بن حسّان بن الكثير الهاشمي لا يروي إلا عن عمه وهو غال ضعيف جدّاً.قال محمّد بن مسعود: سألت علي بن الحسن بن فضال عن علي بن حسّان، فقال: عن أيهما سألت؟ أما الواسطي فهو ثقة. وأما الذي عندنا يروي عن عمه عبدالرحمن بن كثير فهو كذاب. وقيل: هو واقفي أيضاً (1.)وأما عبد الرحمن هذا، فهو ضعيف غمز أصحابنا عليه، وقالوا: كان يضع الحديث، وله كتاب فضل إنا أنزلناه (2.)


1) اختيار معرفة الرجال 2: 748 برقم: 851.

2) رجال النجاشي ص 234 - 235.

عبدالرحمن بن كثير الهاشمي شمي (1، عن الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ).)-------------------------------------------------------------------------قوله: «عبدالرحمن بن كثير».قال المصنّف في الحاشية هذه الرواية وإن كان في طريقها عبدالرحمن بن كثير وهو ضعيف، إلا أن ضعفها منجبر بالشهرة بين الأصحاب، وممن قال بشهرتها شيخنا الشهيد (رَحمهُ اللّه في الذكرى، على أنّها واردة في المستحبّات، فالضعف لا يمنع من العمل بها. انتهى كلامه أعلى اللّه مقامه.)قوله في الحاشية: «إلا أنّ ضعفها منجبر بالشهرة».فيه أن هذه الشهرة غير مؤثرة في جبر الضعف، فإنّ هذا إنما يتمّ لو كانت الشهرة متحققه قبل زمن الشيخ الطوسي، والأمر ليس كذلك، فإنّ من قبله كانوا بين مانع من خبر الواحد كالمرتضى والأكثر على ما نقله جماعة، وبين جامع الأحاديث من غير التفات إلى تصحيح ما يصح وردّ ما يرد، فالعمل بمضمون الخبر الضعيف قبل زمنه على وجه يجبر ضعفه غير متحقق.ولما عمل هو به في كتبه الفقهية، جاء من بعده من الفقهاء وتبعه منهم الأكثر تقليداً له، له، فجاء المتأخّرون بعد ذلك ووجدوه ومن شيعه قد عملوا به، فحسبوا أنّ العمل به مشهور، وجعلوها جابرة لضعفه، ومثل هذه الشهرة لا تكفي في جبره.نعم جوّز أكثرهم العمل به في نحو المستحبّات؛ لتساهلهم في أدلة السنن، ولما ورد عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أنه قال : « من بلغه عن اللّه فضيلة فأخذها وعمل بها ايماناً بالله)


1) هذه الرواية وإن كان فى طريقها عبد الرحمن بن كثير، وهو ضعيف، إلا أن ضعفها منجبر بالشهرة بين الأصحاب، وممن قال بشهرتها شيخنا الشهيد في الذكرى، على أنها واردة في المستحبّات فالضعف لا يمنع من العمل بها (منه).

وإلى الشيخ الأعظم المشار إليه، عن أبي القاسم جعفر بن محمّد، عن محمّد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن قاسم الخزاز، عن عبدالرحمن بن كثير، عن الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ، قال : بينا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذات يوم جالس مع ابن الحنفية (رضي اللّه عنه) إذ قال له: يا محمّد ائتني باناء من)-------------------------------------------------------------------------ورجاء ثوابه أعطاه اللّه ذلك وإن لم يكن كذلك» (1وله نظائر.)وهو حسن حيث لا يبلغ الضعف حدّ الوضع، وقد عرفت أن أصحابنا قد صرحوا بأنّ هذا الهاشمي كان يضع الحديث، وأنّ ابن أخيه علياً هذا ضعيف غال كذاب واقفي. وفي الطريق الثاني أيضاً ما قد عرفته، فاحتمال كون هذا الحديث موضوعاً قوي لانتهاء طريقه إلى هذا الهاشمي الواضع.قوله: «عن قاسم الخزاز».ما وجدته في كتب الرجال.قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : «ذات يوم».)يمكن أن يكون منه وقت أو ساعة أو حالة ملابسة لليوم.كما قال صاحب الكشّاف في تفسير قوله تعالى (وأصلحوا ذات بينكم (2)إنّ الأحوال الملابسة مبين قيل لها ذات البين كقولهم «اسقني ذا إنائك» يريدون ما في الاناء من الشرب، وكقوله تعالى (وذات الصدور) مضمراتها (3).)ويمكن أن يكون المراد نفس يوم كما قال الشيخ الطبرسي في مجمع البيان في


1) راجع وسائل الشيعة 1: 80 – 82.

2) سورة الأنفال: 1.

3) الكشّاف 2: 141.

ماء أتوضأ للصلاة، فأتاه محمّد بالماء، فأكفاه بيده اليمنى على يده اليسرى، ثمّ قال: «بسم اللّه وبالله والحمد لله الذي جعل الماء طهوراً ولم يجعله نجساً» قال: ثمّ استنجى فقال: «اللّهمّ حصن فرجي وأعفّه، واستر عورتي وحرمنى على النار» قال: ثمّ تمضمض فقال: «اللّهمّ لقني حجّتي يوم ألقاك، وأطلق لساني بذكراك» قال: ثمّ استنشق فقال: «اللّهمّ لا تحرّم علي ريح الجنّة، واجعلني ممّن يشم ريحها وروحها وطيبها» قال: ثمّ غسل وجهه فقال: «اللّهمّ بيض وجهي يوم تسود فيه الوجوه، ولا تسود وجهي يوم تبيض فيه الوجوه» ثمّ غسل يده اليمنى فقال: «اللّهمّ اعطني كتابي بيميني، والخلد في الجنان بيساري، وحاسبني حساباً يسيراً». ثمّ غسل يده اليسرى فقال: «اللّهمّ لا تعطني كتابي بشمالي، ولا تجعلها مغلولة إلى عنقي، وأعوذ بك من مقطعات النيران» ثمّ مسح رأسه فقال: رأسه فقال: «اللّهمّ غشني رحمتك وبركاتك» ثمّ مسح رجليه فقال: «اللّهمّ ثبتني على الصراط يوم تزل فيه الأقدام، واجعل سعيي فيما يرضيك عنّي» ثمّ رفع (عَلَيهِ السَّلَامُ رأسه فنظر إلى محمّد فقال: يا محمّد من توضأ مثل وضوئي وقال مثل قولي خلق اللّه له من كلّ قطرة ملكاً يقدّسه ويسبّحه ويكبّره، فيكتب اللّه له ثواب ذلك إلى يوم القيامة» (1).)-------------------------------------------------------------------------تفسیر (ذات بينكم ووصلكم أي: أصلحوا بينكم، كذا قيل (2).)قوله: «مغلولة».أي: ممنوعة مجعول فيها غلّ، وهي الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه.قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : «من كل قطرة ملكاً».)ظاهره يفيد أن ذلك الملك إنّما يخلق من تلك القطرة، أي : تكون هي مادة


1) تهذيب الأحكام 1: 52 ح 2 فروع الكافي 3: 70 - 71 ح 6.

2) مجمع البيان 2: 518.

بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث(بينا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ ذات يوم جالس): بينا: هي بين الظرفية، أشبعت فتحتها فصارت ألفاً، وتقع بعدها حينئذ إذ الفجائية غالباً، يقول: بينا أنا في عسر إذ جاء الفرج، وعاملها محذوف يفسّره الفعل الواقع بعد إذ عند بعض، وبعضهم يجعلها خبراً عن مصدر مسبوك من الفعل أي بين أوقات أعساري مجيء الفرج.)-------------------------------------------------------------------------خلقه، كما في قوله تعالى (كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ (1)ويمكن أن تكون كلمة «من» تعليلية أو بدلية، أي: يخلق بدل كلّ قطرة وعوضها منها ملكاً، فتأمّل.)قوله: «بين الظرفية».«بين» ظرف مبهم لا يتبين معناه إلا بالاضافة إلى اثنين فصاعداً، وما يقوم مقام ذلك، كقوله تعالى (عوان بين ذلك (2)ويكون ظرف مكان، نحو جلست بين القوم، وظرف زمان وهو كثير.)وإنما قيّد وقوع «إذ» بعدها بالغالب؛ ليحترز به عن نحو قولهم «بينا نحن نرقبه أتانا» أي أتانا بين أوقات رقبتنا إياه، وتضاف إلى جملة من فعل وفاعل، أو مبتدأ وخبر، وتستدعي في الصورتين جواباً يتم به المعنى، كما تستدعي إذ ولما قيل: والأفصح في جوابه أن لا يكون فيه إذ وإذا.ونقل عن الأصمعي أنه قال: لا يستفصح إلا طرحهما في جواب بينا وبينما، وأنشدوا «بينا نحن نرقبه أتانا» لأنّ الظاهر أنّ العامل في «بينا» هو الجواب، كما في «إذ» الزمانية على الصحيح، فإذا قلت نحن نرقبه إذ أتانا، وكان العامل في بينا


1) سورة آل عمران: 59.

2) سورة البقرة : 68.

(فأكفاه بيده اليمنى أي: صبّه.)-------------------------------------------------------------------------هو أتانا يلزم تقدّم معمول المضاف إليه وهو بينا على المضاف عليه وهو إذ، وهو غير جائز.وأورد عليه أنّ ذلك إنما يلزم لو كان العامل في «بينا» حينئذ مدخول «إذ» وليس كذلك، بل العامل فيه على هذا التقدير معنى المفاجأة المستفاد من إذ وإذا.كما قال صاحب الكشّاف في قوله تعالى (وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (1)العامل في «إذا» معنى المفاجأة، تقديره: وقت ذكر الذين من دونه فاجأوا وقت الاستبشار (2).)وقد صرّح بذلك صاحب اللباب على ما نقل عنه الطيبي، فقال: العامل فيهما الجواب إذا كان مجرّداً من كلمتي المفاجأة، وإلا فمعنى المفاجأة المتضمنة هما إياه انتهى.وحينئذ فما وقع في كلام الشاعر لا ينافي ما في الحديث؛ إذ الكل جائز. وعلى تقدير المنافاة، فالحديث أولى بالاتباع؛ لأن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أفصح من الشاعر، كيف لا؟ وما وقع في الحديث عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) شايع في الأحاديث المنقولة عن طرق العامّة والخاصّة.)قوله: «فأكفاه بيده اليمنى».في جلّ نسخ التهذيب بل في كلّها فأكفاه بيده اليسرى على يده اليمنى» وهذه النسخة مع مناسبتها لما دلّ على استحباب غسل اليمني قبل إدخالها في الإناء مناسبة لمعنى الاكفاء، أي: فقلب الإناء بيده اليسرى على يده اليمنى.


1) سورة الزمر: 45.

2) الكشّاف 401:3.

وفي الصحاح كفأت الإناء كببته وقلبته فهو مكفوء. وزعم إبن الأعرابي أنّ أكفأته لغة (1. إنتهى.)وهو يعطي أنّ أكفأ لم يثبت في اللغة وأنّ الصحيح كفي، وكفى بكلام الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ حجّة على ثبوته.)(ثمّ قال: «ثمّ» هنا مجرّدة عن معنى التراخي كما قالوه في قوله تعالى (ثم أنشأناه خلقاً آخر) (2).)-------------------------------------------------------------------------والشيخ (قدّس سرّه لمّا أرجع الضمير إلى الماء، اختار النسخة الأخرى، وتجوّز في معنى الاكفاء، حيث قال: «فأكفاه» أي: صبّه.)ولعلّه إنّما اختار هذه النسخة لاعتماده عليها كما سيصرّح به، حيث يقول: وأنا نقلت هذا الحديث من التهذيب من نسخة معتمدة بخط والدي، وهي التي قرأتها أنا عليه، وهو قرأها على شيخنا الشهيد الثاني.ولكن أكثر نسخ التهذيب الذي وصل إلينا في زماننا هذا هو الأول، وفي بعضها كتب في الحاشية «اليمنى بدل اليسرى واليسرى بدل اليمنى» والأكثر والأظهر هو الأول.قوله: «ثمّ هنا مجرّدة عن معنى التراخي».«ثمّ» حرف عطف يدلّ على الترتيب والتراخي، فتارة يراد بها كلاهما وهو الأكثر، وأخرى يراد بها مجرّد الترتيب، ويجرّد عن معنى التراخي، كما في الآية والحديث، والظاهر أنها واقعة فيهما موقع الفاء في قوله :


1) صحاح اللغة 1: 68.

2) سورة المؤمنون: 14.

(ولم يجعله نجساً يجوز بكسر الجيم وفتحها، والأوّل أشهر.)(اللّهمّ حصن فرجي قال الفراء: أصل اللّهمّ يا اللّه آمنا بالخير، فخفف بالحذف لكثرة الدوران على الألسن (1).)والأكثر أن أصله يا اللّه، فحذف حرف النداء وعوّض عنه الميم المشدّدة.-------------------------------------------------------------------------کھر (2الرديني تحت العجاج ***جرى في الأنابيب ثمّ اضطرب)إذ الهز (3متى جرى في أنابيب الرمح يعقبه الاضطراب، ولم يتراخ عنه، صرّح بذلك في المغني (4).)قوله: «قال الفراء أصل اللّهمّ».المشهور أنّ اللّهمّ أصله «يا اللّه» فحذف حرف النداء وعوّض عنه الميم المشدّدة، ومعناه معنى يا اللّه وعلّة إدخال الميم بدل الياء أن الميم حرف غنّة، والياء إذا أسكنت لقرب مخرجها من الخيشوم كالميم، فإنه يحصل من الميم والياء صوت في الخيشوم، وهذا الصوت يسمّى غنّة، وإنّما أدخل ميمان؛ لأن المحذوف حرفان وهو الياء والألف، ولا يجوز الجمع بين الياء والميم، فلا يقال يا اللّهمّ إلا في ضرورة الشعر، وهذا أي حذف حرف النداء مع إبدال الميم المشدّدة منه من خصائص هذا الاسم كدخول باء عليه مع لام التعريف.وقال الفرّاء : أصله يا اللّه آمنا بالخير فخفّف بحذف حرف النداء ومتعلقات الفعل و همزته ؛ لكثرة الدوران على الألسن و تعقبه الرضي، بأنه يقال : اللّهمّ لا


1) معاني الأخبار 1: 203.

2) في النسخة النهر.

3) في النسخة النهر.

4) المغني اللبيب 1: 119.

-------------------------------------------------------------------------تؤمهم بالخير.وفيه أنه يجوز أن يكون الأصل اللّهمّ آمنا بالخير ولا تؤمهم بالخير، بأن يكون المراد الدعاء له والدعاء عليهم. نعم لو سمع منهم اللّهمّ لا تؤمنا بالخير لكان متجهاً. والظاهر أنه لم يسمع.وقد يقال في توجيه كلام الرضي: إنّ مراده الانتقاض بقول القائل اللّهمّ لا تؤمنا بالخير، والتعبير عن أمثال هذه العبارات الدالّة على أمر غير لائق الانتساب إلى المتكلّم بعنوان الغيبة شايع، قال اللّه تعالى (وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (1)وقال: (وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (2)وأمثال ذلك غير قليل.)وفيه أن الشيخ البهائي قد سلّم أن كلام الرضي متجه لو سمع منهم اللّهمّ لا تؤمنا بالخير، لكنّه أنكر سماع ذلك منهم، فمن ادعى سماعه فعليه البيان، بأن يؤتى منهم بكلام مشتمل عليه: إما في نظم، أو نثر، وأنى له ذلك.نعم يرد على الفرّاء أنه لو كان كذلك لقيل في نحو «اللّهمّ اغفر لنا» اللّهمّ واغفر لنا بالعطف، كما يقال: يا اللّه آمنا بالخير واغفر لنا. ورفضهم ذلك رأساً بحيث لم يسمع منهم دليل على أن الأصل خلافه.وقد يجاب عنه بأنها لما خففت صارت كالكلمة الواحدة، فلم يعامل مع ما يدلّ على الطلب، وهو أمّ معاملة الجملة، بل جعلت منزلة دال زيد مثلاً، فلم يعطف عليه شيء، كما لا يعطف على جزء الكلمة الواحدة.


1) سورة النور: 7.

2) سورة النور: 9.

وردّ الشيخ الرضي كلام الفرّاء بأنه يقال: اللّهمّ لا تؤمهم بالخير، وفيه نظر لا يخفى على المتأمّل.والمراد بتحصين الفرج ستره وصونه عن الحرام، وعطف الاعفاف عليه تفسيري و عطف ستر العورة عليه من قبيل عطف العام على الخاص، فإنّ العورة في اللغة كل ما يستحيي منه.(لقّني حجتي بالقاف والنون المشدّدتين من التلقين وهو التفهيم.)(ممن يشم بفتح الشين، وأصله يشمم بميمين كيعلم، فنقلت فتحة الميم إلى الشين وأدغمت، وماضيه شمم بالكسر.)و الريح: الرائحة.و الروح: بفتح الراء النسيم الطيب.(بيض وجهي يوم تسود فيه الوجوه بياض الوجه وسواده: إما كنايتان عن ظهور بهجة السرور والفرح وكأبة الخوف و الخجل، أو المراد بهما حقيقة البياض والسواد وفسّر بالوجهين قوله تعالى: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه» (1).)(مقطعات النيران المقطّعات: كلّ ثوب يقطع كالقميص والجبة ونحوهما لا ما لا يقطع كالازار والرداء.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «لقني حجّتي».لقن بالقاف المشدّدة والنون الساكنه أمر من تلقن، فلمّا لحقته ياء المتكلّم أتي بنون الوقاية لتقي آخره عن الكسرة المختصة بالاسم، فاجتمعت النونان، فأدغمت الأولى في الثاني.


1) سورة آل عمران: 106.

ولعلّ السرّ في كون ثياب النار مقطعات كونها أشد اشتمالاً على البدن، فالعذاب بها أشدّ.وقال بعض أهل اللغة: إنّ المقطعات جمع لا واحد له من لفظه، وواحدها ثوب.وبعضهم ضبط المقطعات بالفاء والظاء المعجمة جمع مفظعة بكسر الظاء من فظع الأمر بالضم فظاعة فهو فظيع أي شديد شنيع، والصحيح الأوّل (1.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «والصحيح الأوّل».قال المصنّف في الحاشية: فإنه هو المنقول، وذاك تصحيف، وفي القرآن في سورة الحج (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ (2)انتهى كلامه (رحمه اللّه).)قوله في الحاشية: «وفي القرآن في سورة الحج».في تفسير علي بن إبراهيم في ذيل كريمة (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ في صحيحة أبي بصير، عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: قلت له: يابن رسول اللّه خوفني، فإن قلبي قد قسي، فقال: يا أبا محمّد استعدّ للحياة الطويلة، فإنّ جبرئيل جاء إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو قاطب، وقد كان قبل ذلك يجيء متبسماً، فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : جئتني اليوم قاطباً؟)فقال: يا محمّد قد وضعت منافخ النار، فقال : وما منافخ النار يا جبرئيل؟ فقال: يا محمّد إنّ اللّه عزّ وجلّ أمر بالنار فنفخ عليها ألف عام حتّى ابيضت، ثمّ نفخ عليها ألف عام حتّى احمرت، ثمّ نفخ عليها ألف عام حتّى اسودت، فهي سوداء مظلمة، لو أن قطرة من الضريع قطرت في شراب أهل الدنيا لمات أهلها من نتنها، ولو أن حلقة


1) فإنه هو المنقول وذلك تصحيف، وفي القرآن (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ) (منه).

2) سورة الحج: 19.

(غشني رحمتك أي: غطّني واشملني بها قال الجوهرى: استغشي بثوبه و تغشّي به: إي تغطى به (1). ولعله تضمن معنى ألبسني، فعدي بغير باء. ويجوز نصب رحمتك» بنزع الخافض.)تتمةنسخ التهذيب (2والكافي (3)والفقيه (4)وأمالي ابن بابويه(5)متخالفة في)-------------------------------------------------------------------------واحدة من السلسلة طولها سبعون ذراعاً وضعت على الدنيا لذابت الدنيا من حرّها، ولو أن سربالاً من سرابيل أهل النار علّق بين السماء والأرض لمات أهل الأرض من ريحه ووهجه.قال: فبكى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ و بكى جبرئيل (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فبعث اللّه إليهما ملكاً، فقال لهما : إنّ ربّكما يقرؤكما السلام ويقول قد أمنتكما أن تذنبا ذنباً أعذبكما عليه، فقال أبو عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : فما رؤي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) متبسما بعد ذلك (6).)قوله: «فعدي بغير باء».وإلا فغشي يتعدّى إلى المفعول الثاني بالباء، ثمّ إنّ الحمل على التضمين أولى من الحمل على النصب بنزع الخافض؛ لأنه مع عدم حاجته إلى الاضمار وتقدير الباء أكثر وروداً وأدق مسلكاً منه، كما سيصرّح به الشيخ في الحديث التاسع.


1) صحاح اللغة 6: 2447.

2) تهذيب الأحكام 1: 52 ح 153.

3) فروع الكافي 3: 70 ح 6.

4) من لا يحضره الفقيه 1: 26 ح 84.

5) الأمالي للشيخ الصدوق ص 445 ح 11.

6) تفسير القمي 2: 81.

بعض ألفاظ هذه الأدعية (1.)ففي بعض النسخ: «اللّهمّ حصن فرجي، واستر عورتي، وحرمهما على النار» بضمير التثنية. وهو يحتمل عوده إلى الفرج والعورة، نظراً إلى اختلاف اللفظين وعموم العورة، أو إلى تخالف المحصن والمستور. وإن قرىء «عورتي» بالياء المشدّدة المدغمة في ياء المتكلّم على صيغة التنثية فلا إشكال.وفي بعضها في دعاء المضمضة: «اللّهمّ أنطق لساني بذكراك واجعلني ممّن ترضى عنه».وفي بعضها في دعاء الاستنشاق: «اللّهمّ لا تحرمني طيبات الجنان، واجعلنى... إلى آخره» وفي آخره: «وریحانها» بدل «طیبها».وفي بعضها في دعاء غسل الوجه زيادة لفظة «فيه» بعد تسود وتبيض.وفي بعضها: «والخلد في الجنان بشمالي» بدل «يساري» و«مقطعات النار» بدل «النيران» و «ثبت قدمي بدل «ثبتني».وأنا نقلت هذا الحديث من التهذيب من نسخة معتمدة بخط والدي وهي التي قرأتها أنا عليه، وهو قرأها على شيخنا الشهيد الثاني (قدس اللّه سرّه.)### المراد من طلب العباد تلقين الحجّةتبصرة فيها تذكرهالمراد من طلب العباد تلقين الحجّة أن يلهمهم اللّه تعالى ما يحتجون به-------------------------------------------------------------------------قوله: «وفي بعضها في دعاء المضمضة».في نسخة التهذيب التي عندنا: اللّهمّ لقني حجتي يوم ألقاك، وأطلق لساني بذكراك. الذكر والذكرى واحد، واختارها عليه لوزان الفقرة.


1) راجع وسائل الشيعة 1: 401 - 403.

لأنفسهم يوم القيامة، فإنّ الناس في ذلك اليوم يحتجون لأنفسهم، ويسعى كل منهم في فكاك رقبته، كما قال سبحانه: (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا (1)واللّه سبحانه يلقن من يشاء حجّته، كما قالوا في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) (2)انّ ذكر «الكريم» تلقين للعبد، وتنبيه له على أن يحتج ويقول: غرّني كرمك.)قال الفاضل النيسابوري في تفسيره: رأيت في عنفوان الشباب في المنام أنّ-------------------------------------------------------------------------قوله : كما قالوا في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ.)قال في الكشّاف: فإن قلت: ما معنى قوله «ما غرّك بربك الكريم» وكيف طابق الوصف بالكرم إنكار الاغترار به، وإنّما يغتر بالكريم، كما يروى عن علي (رضي اللّه عنه أنه صاح بغلام له كرّات فلم يلبّه، فنظر فإذا هو بالباب، فقال له: مالك لم تجبني؟ قال: لثقتي بحلمك، وأمني من عقوبتك، فاستحسن جوابه وأعتقه. وقالوا: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه.)قلت: معناه أن حق الانسان أن لا يغتر بتكرّم اللّه عليه، حيث أحياه (3لينفعه ويتفضّل عليه بذلك، حتّى يطمع بعد ما مكنه وكلّفه، فعصى وكفر النعمة المتفضّل بها أن يتفضّل عليه بالثواب وطرح العقاب إغتراراً بالتفضّل الأوّل، فإنّه منكر خارج من حد الحكمة، ولهذا قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لما تلاها غرّه جهله.)وقيل: للفضيل بن عياض: أقامك اللّه عياض: أقامك اللّه يوم القيامة، وقال لك (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ماذا تقول؟ قال: أقول: غرّتني ستورك المرخاة.)


1) سورة النحل: 111.

2) سورة الأنفطار: 6.

3) في الكشّاف حيث خلقه حيّاً.

القيامة قد قامت وقد دار في خلدي أنّ اللّه تعالى لو خاطبني بقوله: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ فماذا أقول ؟ ثمّ ألهمني اللّه في المنام أن أقول: غرني كرمك يا ربّ. ثمّ إنّي وجدت هذا المعنى في بعض التفاسير (1). إنتهى كلامه.)-------------------------------------------------------------------------وهذا على سبيل الاعتراف بالخطأ بالاغترار بالستر، وليس باعتذار كما يظنّه الطماع، ويظن به قصاص الحشوية، ويروون عن أئمتهم إنما قال «بربك الكريم» دون سائر صفاته، ليقلن عبده الجواب حتّى يقول غرّني كرم الكريم (2انتهى كلامه.)ويظهر منه أنّ هذا رواية رواها الشيعة عن أئمتهم، وليس كذلك؛ إذ لم يوجد في طريقهم رواية بذلك أصلاً، وإنما هو نكتة ذكرها المفسرون منهم، فاعتراضه على تقدير وروده إنما يرد عليهم لا على أئمتهم، فإنهم لم يقولوا بذلك، بل قالوا بخلافه.كما يظهر ممّا في نهج البلاغه من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال عند تلاوته (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) أدحض مسؤول حجّة، وأقطع مغترّ معذرة، لقد أبرح جهالة بنفسه، يا أيها الانسان ما جرّاك على ذنبك، وما غرّك بربك، وما أنسك بهلكة نفسك؟ أما من دائك بُلُول، أم لم ليس من نومتك يقظة؟ أما ترحم من نفسك ما ترحم من غيرك؟ فلربما ترى الضاحي من حرّ الشمس فتظله، أو ترى المبتلى بألم يمض جسده فتبكي رحمة له، فما صبرك على دائك، وجدك على مصابك، وعزاك عن البكاء على نفسك، وهي أعزّ الأنفس عليك، وكيف لا يوقظك خوف بيات نقمة، وقد تورطت بمعاصيه مدارج سطواته (3).)


1) تفسير النيسابوري المطبوع على هامش تفسير الطبري 40:30.

2) الكشّاف 4: 227 – 228.

3) نهج البلاغة ص 344 رقم الكلام: 223.

والظاهر أنه أراد ببعض التفاسير كتاب مجمع البيان للشيخ الثقة الشيخ أبي علي الطبرسي (رحمه اللّه، فإنّه قال وهذه عبارته: إنّما قال سبحانه «الكريم» دون سائر أسمائه وصفاته؛ لأنّه كان لقنه الجواب حتّى يقول: غرّني كرم الكريم (1). إنتهى كلامه.)إن قلت: كيف يستقيم القول بأنّ أهل المحشر يحتجون لأنفسهم ويجادلون في خلاصها مع ما ورد من أنّه يختم على أفواههم، وإنّما تنطق جوارحهم، كما قال اللّه تعالى: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (2)؟)قلت: لعلّ ذلك مخصوص بالكفّار، كما قاله بعض المفسرين، أو أنّ هذا الختم-------------------------------------------------------------------------قوله: «كما قاله بعض المفسرين».منهم الشيخ الطبرسي في مجمع البيان، حيث قال : وهذا حقيقة الختم فتوضع على أفواه الكفّار يوم القيامة، فلا يقدرون على الكلام والنطق.ثم قال : واختلف في كيفية شهادة الجوارح على وجوه :أحدها: أن اللّه يجعلها خلقة يمكنها أن تتكلّم وتنطق وتعرّف بذنوبها.وثانيها: أن اللّه يجعل فيها كلاماً، وإنّما نسب الكلام إليها؛ لأنها لا يظهر إلا من جهتها.وثالثها: أن معنى شهادتها وكلامها أنّ اللّه يجعل فيها من الآيات ما يدل على أن أصحابها عصوا اللّه بها، فسمّي ذلك شهاده منها (3.)


1) مجمع البيان 5: 449.

2) سورة يس: 65.

3) مجمع البيان 4: 430 - 431.

يكون بعد الاحتجاج والمجادلة، كما في بعض الروايات.وقد ورد أن بعض الأعضاء يحتج لصاحبها، كما جاء في بعض الأخبار: «تشهد أعضاؤه عليه بالزلّة، فتتطاير شعرة من جفن عينيه، فتستأذن في الشهادة، فيقول الحق تعالى : تكلّمي يا شعرة عينيه واحتجّي لعبدي، فتشهد له بالبكاء من خوفه، فيغفر له وينادي مناد: هذا عتيق اللّه بشعرة».-------------------------------------------------------------------------قوله: «كما في بعض الروايات».مثل ما في تفسير علي بن إبراهيم قال : إذا جمع اللّه الخلق يوم القيامة دفع إلى كلّ إنسان كتابه، فينظرون فيه، فينكرون أنهم عملوا من ذلك شيئاً، فتشهد عليهم الملائكه، فيقولون: يا ربّ ملائكتك يشهدون لك، ثمّ يحلفون أنهم لم يعملوا من ذلك شيئاً، وهو قول اللّه عزّوجلّ (فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ فإذا فعلوا ذلك ختم اللّه على ألسنتهم، وتنطق جوارحهم بما كانوا يكسبون (1).)وفي الكشّاف: يروى أنهم يجحدون ويخاصمون، فتشهد عليهم جيرانهم وأهاليهم وعشائرهم، فيحلفون ما كانوا مشركين، فحينئذ يختم على أفواههم وتكلّم أيديهم وأرجلهم. وفي الحديث يقول العبد يوم القيامة: إنّي لا أجيز عليّ شاهداً إلا من نفسي، فيختم على فيه، ويقال لأركانه: أنطقي، فتنطق بأعماله، ثمّ يخلّي بينه وبين الكلام فيقول: بعداً لكنّ وسحقاً، فعنكن كنت أناضل (2.)قوله: «هذا عتیق الله».ونعم ما قال الشاعر في هذا المعنى بالفارسية :ارباب کرم چه عذر عصیان طلبند*** صد کوه گناه را به یک مو بخشند


1) تفسير القمى 2: 216.

2) الكشّاف 3: 328.

وعلى هذا فلا يلزم من الختم على الأفواه عدم وجود المحاجة إنّما يلزم عدم تحققها باللسان، فتدبّر### معنی الخلد في الجنان بيساريبیان و تفسیرمعنی «الخلد في الجنان بيساري» لايخلو من خفاء. وهو يحتمل وجوهاً :الأوّل: أنّه يقال في الشيء الذي حصله الانسان من غير مشقة وتعب فعلته بيساري. فالمراد هنا طلب الخلود في الجنّة من غير أن يتقدمه عذاب النار وأهوال يوم القيامة.الثاني: أنّ الباء فيه للسببية. والمراد أعطني الخلود في الجنان بسبب غسل يساري. وعلى هذا فالباء في «بيميني» أيضاً للسببية لتتوافق القرينتان. ولا يخلو من بعد.الثالث: أنّ المراد بالخلد براءة الخلد في الجنان على حذف مضاف، فالباء على حالها للظرفية. وهذا وجه قريب.الرابع: أنّ المراد باليسار ليس ما يقابل اليمين، بل اليسار المقابل للاعسار. والمراد اليسار بالطاعات، أي: أعطني الخلد في الجنان بكثرة طاعاتي. فالباء للسببية، وحينئذ يكون في الكلام ايهام التناسب، وهو الجمع بين معنيين غير-------------------------------------------------------------------------قوله: «الأوّل أنّه يقال».والوجه في هذا القول أن اليمين كما هو المعروف، وقد ذكر في كتب الكلامية أيضاً في مبحث الجهات الست - أقوى من اليسار في الغالب، فإذا فعل فاعل فعلاً باليسار من دون الاستعانة فيه باليمين، دلّ ذلك على كونه في غاية السهولة وانتفاء التعب والمشقة. وإلى هذا المعنى أشار الحكيم فردوسي بقوله :جهان هر چه خواهد به ما می کند*** به دست چپ این کارها می کند

متناسبين بلفظين لهما معنيان متناسبان كما في قوله تعالى: ﴿والشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (1)فإنّ المراد بالنجم ما ينجم من الأرض، أي يظهر ولا ساق له كالبقول وبالشجر ما له ساق، فالنجم بهذا المعنى وإن لم يكن مناسباً للشمس والقمر، لكنّه بمعنى الكوكب يناسبهما. ومن هذا ما يروى من قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «لا يزال المنام طائراً حتّى يقص (2)، فإذا قص (3)وقع» وهذا الوجه وإن كان بعيداً إلا أنه لا يخلو من لطافة.)### وجوب غسل الوجه واليدين مرّة واحدةإشارةظاهر هذا الحديث أنّ غسل كلّ من الوجه واليدين وقع مرّة واحدة، فهو ممّا يؤيد القول بعدم استحباب الغسلة الثانية؛ إذ لو كانت لذكرها الراوي، إذ المقام مقام بيان سنن الوضوء، وقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ في آخر الحديث: «خلق اللّه من كل قطرة ملكاً يقدّسه ويسبّحه» ولا شكّ أنّ القطرات مع تنثية الغسلات أكثر.)-------------------------------------------------------------------------قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «لا يزال المنام».)يعني ما رأيت شيئاً في المنام فهو كالطائر يطير ما لم تقل بشخص، فإذا قلت ظهر أثره ووقع، أو قطع جناحه ووقع، والحاصل ما رأيته لا يصل ضره ولا نفعه إلاّ إذا حكيته وحكم بما رأيته، فحينذ يقع افقاً للتعبير.


1) سورة الرحمن: 5 - 6.

2) والتناسب هاهنا هي لفظ القص والطائر المنام؛ لأنه بالنسبة إلى المنام القصة، وإلى الطائر قطع جناحه والمراد هنا القصّة كذا فهم من كلامه (منه).

3) القص بمعنى القصة، ويجيء كثيراً بمعنى الأخذ بالمقراض، ولذلك سمّي المقراض مقصاً (منه).

وربما قيل: إن سكوت الراوي عن تثنية غسل الوجه واليدين لاشتهارها بين الأمة، وشيوع استحبابها، كالسكوت عن تثليث المضمضة والاستنشاق.و فيه : أنّ شيوع استحبابها إلى هذا الحد ممنوع، كيف والشيخ الصدوق مصرّ على عدم الاستحباب، وروى في كتاب من لا يحضره الفقيه عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «و اللّه ما كان وضوء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلا مرة مرة» (1)وحمل الأخبار المتضمنة للمرّتين على التجديد.)وقال الشيخ الجليل محمّد بن يعقوب الكليني بعد ما روى أن وضوء علي (عَلَيهِ السَّلَامُ ما كان إلا مرة مرّة : هذا دليل على أنّ الوضوء مرّة مرّة، لأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان إذا ورد عليه أمران كلاهما طاعة اللّه أخذ بأحوطهما وأشدّهما على بدنه (2). إنتهى كلامه.)فبعد منازعة مثل هذين الشيخين المتقدمين الجليلين في استحباب التثنية كيف يدعي أن سكوت الراوى عن ذكرها لاشتهارها بين الأمة وشيوع استحبابها؟ و تحقيق المقام يقتضي بسطاً في الكلام ليس هذا محلّه.### المراد من المد الذي يستحبّتكملةاستفاد بعض أصحابنا من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «ائتني بإناء من ماء أتوضأ للصلاة» واستنجائه من ذلك الماء، أن ماء الاستنجاء محسوب من ماء الوضوء، وفرّع عليه دخوله في المد الذي يستحبّ الوضوء به قائلا: إنّ المد لا يكاد يبلغه الوضوء)-------------------------------------------------------------------------قوله: «في المد الذي يستحبّ».ورد في كثير من الأخبار وبعضها صحيح أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ كان يتوضأ بمد)


1) من لا يحضره الفقيه 1: 37 ح 76.

2) فروع الكافي 3: 27 ح 9.

-------------------------------------------------------------------------من ماء، ويغتسل بصاع (1.)والمشهور أنّ الصاع أربعة أمداد، والمدّ مائتا درهم واثنان وتسعون درهماً ونصف درهم، فالصاع ألف ومائة وسبعون درهماً، والدرهم وزن ستة دوانيق، والدائق وزنه ثمان حبّات من أوساط الشعير، فالدرهم ثمان وأربعون شعيرة، فالمد يزيد على ثمن المنّ الشاهي العبّاسي الذي يقال بالفارسیة پنجاه درم بسبعة دراهم وقريب من نصف درهم، والصاع يزيد على نصف المنّ الشاهي بثلاثين درهماً، أو قريب منها.والظاهر أنّ مدّاً من الماء إذا لم يسرف فيه يكفي الوضوء المسبغ والاستنجاء من البول، بل كاد أن يكفى الاستنجاء من الغائط إذا لم يكن متعدّياً، كما يظهر بالامتحان.والشيخ قد أفرط في القول بعدم وفائه بإسباغ الوضوء، مع أنه (قدّس سرّه لا يرى تثنية الغسلات الثلاث مستحبّاً، كما هو الظاهر منه في هذا الكتاب.)وقد قال في حبل المتين بعد ما ذكر أدلّة القائلين باستحباب الغسلة الثانية وردها: ولم يبق للقائلين باستحباب التثنية إلا الاجماع الذي نقله ابن إدريس: قال في السرائر : المرّتان فضيلة بإجماع المسلمين، ثمّ قال: ولا يلتفت إلى خلاف من خالفه من أصحابنا بأنه لا تجوز المرّة الثانية؛ لأنه إذا تعيّن المخالف وعرف اسمه ونسبه، فلا يعتد بخلافه. هذا كلامه، ولم يقل بهذ الاجماع أحد من علمائنا الذين وقفنا على كلامهم سواه، فإن ثبت فهو الحجّة (2.)


1) تهذيب الأحكام 1: 136، والاستبصار 1: 121.

2) الحبل المتين 1: 113 - 114.

وهذا الكلام لا يخلو من بعد، فإنّ ماء الوضوء المسبخ المشتمل على غسل اليدين أوّلاً وتنثية الغسلات الثلاث والمضمضة والاستنشاق اللذين كلّ منهما بثلاثة أكفّ يبلغ المد بغير شك؛ إذ المد لا يزيد على مائتين واثنين وتسعين درهماً شرعية، وهي على ما حسبناه لا يكاد تزيد على ربع المد التبريزي في زماننا هذا. وظاهر أنّ هذا القدر لا يفضل عنه شيء عند الاتيان بالمستحبّات المذكورة قطعاً، بل قد يترآى عدم وفائه بها، فكيف يحسب ماء الاستنجاء منه؟-------------------------------------------------------------------------قوله: «وتثنية الغسلات الثلاث».قال المصنّف في الحاشية وأيضاً فالروايات المتضمنة لوصف وضوء أئمتنا (عَلَيهِم السَّلَامُ كصحيحة زرارة (1)، وصحيحة أبي عبيدة الحذاء(2)وغيرهما، أكثرها صريح في أنهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) اقتصروا على المرّة، ولم أظفر بعد التتبع التام برواية تدلّ على أن أحدهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) ثنى الغسل، وهذا يؤيد ما قاله هذان الشيخان.)قوله في الحاشية: «صحيحة أبي عبيدة».في كون رواية أبي عبيدة صحيحة نظر؛ لوجود الحسين بن الحسن بن أبان في طريقها. وفيه كلام قد سبق، وصرّح الشيخ (قدّس سرّه فيما سبق بأن روايته عد من الحسان.)قال أبو عبيدة: وضأت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ بجمع وقد بال، فناولته ماء فاستنجى، ثمّ أخذ كفّاً فغسل به وجهه، وكفّاً غسل به ذراعه الأيمن، وكفّاً غسل به ذراعه الأيسر، ثمّ مسح بفضله الندى رأسه ورجليله (3).)


1) فروع الكافي 3: 24 - 25.

2) تهذيب الأحكام 1: 58.

3) تهذيب الأحكام 1: 79 ح 204، والاستبصار 1: 69 ح 209.

-------------------------------------------------------------------------هذا وفي صحيحة معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ عن الوضوء فقال: مثنى مثنى (1).)وفي صحيحة صفوان عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: الوضوء مثنى مثنى (2).)وفي رواية زرارة عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال : الوضوء مثنى مثنى، من زاد لم يوجر عليه(3).)وفي رواية أخرى صحيحة عن زرارة وبكير أنهما سألا أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ عن وضوء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فدعا بطست وذكر الحديث، إلى أن قال: فقلنا: أصلحك اللّه فالغرفة الواحدة تجزىء للوجه وغرفة في الذراع؟ فقال: نعم إذا بالغت فيها، والثنتان تأتيان على ذلك كله (4).)وفي رواية داود الرقي، قال: دخلت على أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ، فقلت: جعلت فداك كم عدّة الطهارة ؟ فقال : ما أوجبه اللّه فواحدة، فأضاف إليها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) آخر لضعف الناس، ومن توضأ ثلاثاً ثلاثاً فلا صلاة له (5).)وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ لداود بن زربي يا داود توضاً مثنى مثنى، ولا تزدن عليه، فإنك إن زدت عليه فلا صلاة لك (6).)وقال الصدوق في الفقيه الوضوء مرّة مرّة، ومن توضأ مرّتين لم يوجر ومن


1) تهذيب الأحكام 1: 80 ح 208، والاستبصار 1: 70 ح 213.

2) تهذيب الأحكام 1: 80 ح 209، والاستبصار 1: 70 ح 214.

3) تهذيب الأحكام 1: 80 ح 210، والاستبصار 1: 70ح 215.

4) فروع الكافي 3: 25 ح 5.

5) اختيار معرفة الرجال 2: 600 برقم: 564.

6) اختيار معرفة الرجال 2: 600 برقم: 564.

-------------------------------------------------------------------------توضأ ثلاثاً فقد أبدع (1.)وقال الشهيد في الدورس وإنكار ابن بابويه التثنية ضعيف، كما ضعف قول ابن أبي عقيل بعد تحريم الثالثة، وقول أبي الصلاح بإبطالها الوضوء، ولم يقيده بالمسح بمائها (2.)ومنهم من حمل قوله «مثنى مثنى» على ما روي عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ «الوضوء غسلتان ومسحتان» (3)، يعني ان أفعال الوضوء لا يزيد على غسلتين ومسحتين، وفيه بعد.)وبالجملة المشهور بين الأصحاب استحباب تثنية الغسلات، وادعي ابن ادريس الاجماع عليه، وخالف فيه الصدوق، وقال بعدم الاستحباب، وهو الظاهر من الكليني وابن أبي نصر، ويظهر من بعضهم التحريم.قيل: ولا خلاف عندنا في حرمة الثالثة، وأنّ المسح إذا وقع بها بأن يغسل اليد اليسرى ثلاثا بطل الوضوء؛ لكونه مستأنفاً لماء جديد في المسح، وهو مبطل للطهارة والأخبار في الثانية مختلفة، فالأكثر جمعوا بينهما بحمل ما دلّ على التثنية على الاستحباب، والصدوق حمله على التجديد، والكليني على من لم تكفّه الواحدة، وبعضهم حمل المرّتين على الغرفتين والمرّة على الغسلة الواحدة والاكتفاء بالغرفة الواحدة والغسلة الواحدة أقرب إلى الاحتياط، وأبعد من عمل المخالفين ورواياتهم.


1) من لا يحضره الفقيه 1: 47.

2) الدروس 1: 93 طبع مؤسسة النشر الاسلامي.

3) بحار الأنوار 80: 247.

هذا واعلم أن أمره (عَلَيهِ السَّلَامُ ابنه (رضي اللّه عنه) بإحضار الماء يعطي بظاهره أنّ إحضار الماء ليس من الاستعانة المكروهة في الوضوء، ولهذا ذكر أصحابنا أنّ إحضار الماء فيه ليس إستعانه. وأمّا احتمال كون الأمر بذلك لبيان جواز الاستعانة، فلا يدلّ على عدم الكراهة، فلا يخلو من بعد.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «يعطي بظاهره».قد سبق أنّ هذا الحديث ضعیف، فالاستدلال به عليه ضعيف، والظاهر أنّ مستند الأصحاب فيما ذكروه صحيحة معاوية بن وهب المذكورة في التهذيب قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ يقول: كان أبي يدعو بالطهور في السفر وهو في محمله، فيؤتى بالتور فيه الماء فيتوضأ، ثمّ يصلّي الثماني والوتر في محمله، فإذا نزل صلّى الركعتين والصبح (1)، ولا قائل بجواز ذلك في السفر دون الحضر؛ إذ لا قائل بالفصل على ما علمنا، واللّه أعلم.)


1) تهذيب الأحكام 3: 232 ح 113.

## الحديث السادس: كيفية التيمّم### إشارة:وبالسند المتّصل إلى شيخ الطائفة محمّد بن الحسن الطوسي، عن الشيخ الجليل عمدة الاسلام محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن سعد بن عبدالله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن داود بن النعمان، قال: سالت أبا عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ عن التيمّم)-------------------------------------------------------------------------الحديث السادسقوله: «عن داود بن النعمان».روى حمدويه عن أشياخه أنهم قالوا داود بن النعمان خير فاضل(1. وسيشير إليه الشيخ (قدّس سرّه).)وفي النجاشي: داود بن النعمان مولى بني هاشم أخو علي بن النعمان، وداود الأكبر، روى عن أبي الحسن موسى، وقيل: عن أبي عبدالله (عَلَيهِمَا السَّلَامُ، له کتاب (2).)وفي نسبة ذلك إلى القيل إشعار بأنه غير جازم فيه، ولا وجه له بشهادة هذا الحديث له وأمثاله.


1) اختيار معرفة الرجال 2: 870 برقم: 1141.

2) رجال النجاشي ص 159 برقم 419.

فقال : إنّ عمّاراً أصابته جنابة، فتمعك كما تتمعك الدابة.-------------------------------------------------------------------------ووثقه العلّامة في الخلاصة وزاد عليه: أنه عين (1.)والظاهر أنه أخذهما ممّا ذكر النجاشي في علي أخيه، حيث قال: وأخوه داود أعلى منه، ثمّ قال بعد كلام وكان علي ثقة وجهاً ثبتاً صحيحاً، واضح الطريقة، له كتاب يرويه جماعة (2.)فظنّ منه العلّامة توثيقه، وهذا كما ترى لا يفيد التوثيق فضلاً عن كونه عيناً، بل الظاهر أنّ المراد أنه أكبر منه سناً، كما صرّح في داود أخيه على أن يكون بعبارة أخرى.وهذا كما يقال: هذا وقف على الجماعة الأعلى فالأعلى، أو أعلى بحسب الاعتبار الدنيوي، أو في المرتبة والطبقة على روايته على علي، حيث إنّ داود روى عن الصادق والكاظم (عَلَيهِمَا السَّلَامُ دون علي، فيكون حديث داود عالي السند، أي: يصل إلى المعصوم بواسطة قليلة، وعلى هذا اصطلاحهم، وليس له معنى آخر، مثل الأشرفية في اللغة العربية غاية الأمر احتمال هذا المعنى مع بعد كثير.)وليس بصريح في التوثيق حتّى يحكم بتوثيقه مع زيادة كونه عيناً.ولعل الشيخ نظر إلى ما في الخلاصة، فحكم بصحة هذا الحديث، كما سيأتي من غير رجوع إلى الأصول الخمسة، وتأمل فيها، فتأمّل.قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : «فتمعك».)في القاموس: معكه في التراب دلكه، وتمعك تمرغ(3.)


1) خلاصة الأقوال ص 69.

2) رجال النجاشي ص 274 برقم: 719.

3) القاموس المحيط 3: 319.

فقال له رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وهو يهزأ به : يا عمّار تمعكت كما تتمعك الدابة. فقلنا له: فكيف التيمّم ؟ فوضع يديه على الأرض، ثمّ رفعهما فمسح وجهه ويديه فوق الكفّ قليلاً (1).)بیان(فتمعّك كما تتمعك الدابة أي: تمرّغ وتقلب في التراب، والمراد أنه ماس التراب بجميع بدنه، فكأنه لما رأى التيمّم في موضع الغسل ظنّ أنّه مثله في استيعاب البدن.)-------------------------------------------------------------------------وإنما فعل ذلك؛ لأنه كان عالماً بأصل وجوب التيمّم بدلاً من الغسل، ولم يكن عالماً بكيفيته، فتقلب في التراب ودلكه بجميع بدنه، ظناً منه أن البدل يجب أن يكون مثل المبدل في استيعاب البدن.ويستفاد أنّ المجتهد إذا عمل بما يؤدّي إليه ظنّه، ثمّ ظهر عليه خطاؤه، لا يجب عليه إعادة ذلك؛ لأنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لم يأمره بإعادة ما فعل بذلك التيمّم من العبادات، وإلاّ لنقل كما نقل أصل الواقعة، فتأمّل.)قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «یا عمار تمعكت».)هذا بيان لهزئه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ به، حيث شبّه فعله وتمرّغه في التراب بفعل الدابة وتمرّغها فيه، فالمراد بهزئه به أنه قال له ما يدلّ على أنّ فعله هذا حقيق بأن يسخر منه الساخرون، ويضحك منه الضاحكون وليس الغرض منه استخفافه والتهكم به وما يدخل في باب السخرية والعبث والجهل حتّى ينافي منصب النبوة ومقام الرسالة ؛ لاشتماله على نوع من القباحة والجهالة.)


1) تهذيب الأحكام 1: 207 ج 1.

(وهو يهزأ به الهزء بالضمّ السخرية والاستخفاف يعدى بالباء و«من» يقال: هزأ به وهزأ منه.)(تمعكت كما تتمعك الدابة: إمّا استفهام إنكاري، أو خبر أريد به لازم معناه، نحو حفظت التوراة والأوّل أنسب بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «يهزأ به».)(فقلنا له: فكيف التيمّم هذا الكلام يحتمل وجهين :)الأوّل: أن يكون قائله داود بن النعمان والمقول له الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ، والتيمّم المذكور وقع منه (عَلَيهِ السَّلَامُ).)الثاني: أن يكون قائل هذا القول الصحابة الذين كانوا حاضرين مع عمّار (رضي اللّه عنه، والمقول له الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، والامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) حكى كلامهم بلفظه، وإلاّ فالسياق يقتضي فقالوا، وحينئذ يكون الضمير في وضع ورفع ومسح للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).)-------------------------------------------------------------------------قوله: «اُرید به لازم معناه».أي: حصل لي العلم بأنك فعلت هكذا.قوله: «حکی کلامهم».أي سؤالهم عن كيفية التيمّم، وجواب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ عنه، ليعلم منه جواب سؤال داود عن كيفيته.)ويمكن أن يؤيد هذا الوجه بوجود الفاء التفريعية في قوله «فكيف التيمّم» فإنّ معناه إذا لم يكن ما فعله عمّار تيمّماً وقد كنا زعمنا أنه تيمم فكيف التيمّم؟ وهذا إنما يلايم كون قائل هذا القول هو الصحابة دون داود، فإنّه كان عالماً بأن ما فعله لم يكن تيمّماً شرعياً، وبأن سؤاله على هذا يكون مجاباً.وأما على الوجه الأوّل، فليس سؤاله الأول بمجاب؛ لأن مجرد نقل قصة عمّار بدون ضمّ هذه الضميمة ليس بجواب عن سؤاله، فيلزم منه أن لا يكون جواب

ويدلّ عليه ما رواه الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه، عن زرارة في الصحيح، عن الامام أبي جعفر محمّد بن علي الباقر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ، قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ذات يوم لعمار في سفر له يا عمّار بلغنا أنك أجنبت فكيف صنعت؟ قال: تمرّغت يا رسول اللّه في التراب. قال: فقال له: كذلك يتمرغ الحمار، أفلا صنعت كذا؟ ثمّ أهوى بيديه إلى الأرض، فوضعها على الصعيد، ثمّ مسح جبينه بأصابعه وكفيه إحداهما بالأخرى ثمّ لم يعد ذلك (1).)وما رواه محيي السنّة من العامّة في كتاب المصابيح بهذا اللفظ، قال عمّار : كنا في سريّة، فأجنبت فصليت، فذكرت للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، فقال : إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثمّ مسح بهما وجهه وكفيه (2)إنتهى.)-------------------------------------------------------------------------الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ مقابلاً لسؤاله، وهذا قبيح.)وأيضاً فأيّة فائده لنقل القصة بعد سؤال داود عن كيفية التيمّم لولا أن الغرض منه هو الجواب عن سؤاله؟ وهذا إنما يتمّ إذا كان قائل هذا القول هو الصحابة وكان الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ حاكياً كلامهم بلفظه، فتأمّل.)قوله: «كنا في سرية».السرية: هي الطائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائه تبعث إلى العدو، وجمعها السرايا سمّوا بذلك؛ لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم، من الشيء السري النفيس. وقيل: لأنهم ينفذون سرّاً، وليس بالوجه؛ لأنّ لام السرّ راء وهذه ياء، كذا في نهاية ابن الاثير (3.)


1) من لا يحضره الفقيه 1: 104 ح 213.

2) مصابيح السنّة 1: 36.

3) نهاية ابن الأثير 2: 363.

وظنّي أنّ الحمل على الوجه الأوّل أوجه؛ إذ حمل لفظ «قلنا» على حكاية كلامهم بعيد جداً.وفي صحيحة زرارة: فوضع أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ كفيه على الأرض، ثمّ مسح وجهه وكفّيه (1).)ودلالة ما رواه الصدوق على الوجه الثاني ممنوعة؛ لاحتمال عود ضمير «أهوى» إلى الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ، وعلى تقدير عوده إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أيضاً لجواز أن يكون النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بين لعمار، والامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بين لداود بن النعمان.)إن قلت: احتياج عمّار ونظرائه من الصحابة إلى مشاهدة التيمّم البياني غير بعيد، بأن يكون وقوع هذه القصة في مبدء الاسلام وقبل نزول آية التيمّم واشتهار كيفيته بين الأمة.-------------------------------------------------------------------------قوله: «بين لداود بن النعمان».لا يخفى أن سؤال داود بن النعمان عن كيفية التيمّم واقع، سواء قلنا إن لفظ «قلنا» حكاية كلام أصحاب الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أو لا؛ لأنّ السائل عن كيفية التيمّم أوّلاً عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو داود بن نعمان قطعاً، فحديث استبعاد سؤاله ساقط رأساً فتأمّل كذا قيل.)والصواب تركيب لفظة «عن» في قوله «عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ» لأنه مسؤول لا مسؤول عنه، وإنّما المسؤول عنه هو كيفية التيمّم.)


1) تهذيب الأحكام 1: 208 ح 5.

أما احتياج داود بن النعمان إلى مشاهدة كيفية التيمّم من الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ، فمستبعد جداً، كيف؟ والرجل معدود من أفاضل الرواة، فكيف يخفى عليه التيمّم؟ فالحمل على صدور التيمّم الواقع في الحديث عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) متعين.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «داود بن النعمان».داود بن النعمان مشترك بين الأنباري بياع الأنماط خال علي بن الحكم، وهو من أصحاب أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ، كما صرح به الكشي(1)، وبين مولى بني هاشم أخي علي بن النعمان (2)كما سبق. والأول مهمل، والثاني كما مر خير فاضل(3).)والظاهر من قول الشيخ (قدّس سرّه «كيف والرجل معدود من أفاضل الرواة» أنه يشير بذلك إلى أنّ المراد به الثاني دون الأوّل.)وفيه نظر أما أوّلاً: فللشكّ في كون الثاني من رجال أبا عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ، كما أشار إليه النجاشي بقوله «وقيل: إنه روى عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (4)فأشار إلى عدم كونه مرضياً عنده مع اليقين بكون الأوّل من رجاله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما جزم به الكشي (5).)وأما ثانياً : فلرواية علي بن الحكم الكوفي الثقة عن داود هذا، وهو ابن أخت الأوّل، فيؤيّد كونه المراد في هذا السند دون الثاني.وأما ثالثاً: فلأنّ غاية الأمر احتمال أن يكون المراد به الثاني مع بعد كثير، وأما الجزم به من دون قرينة لاشتراكهما في صحابته (عَلَيهِ السَّلَامُ لو سلم لزوم ذلك و عدم)


1) اختيار معرفة الرجال 2: 840 برقم: 1079.

2) رجال النجاشي ص 159.

3) اختيار معرفة الرجال 2: 870.

4) رجال النجاشي ص 159.

5) اختيار معرفة الرجال 2: 870.

قلت: إحتياج داود إلى مشاهده تيمّم الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ لا يقصر عن احتياج عمّار إلى التيمّم البياني؛ لأنّ الأمّة مختلفون في كيفية التيمّم اختلافاً شديداً، فبعضهم أوجب مسح كل الوجه واليدين إلى المرفقين، وبعضهم خصّ المسح ببعض الوجه واليدين من الزندين، وبعضهم جعله مطلقا بضربة، وبعضهم جعله مطلقا بضربتين، وبعضهم فصل بالوضوء والغسل، وبعضهم ثلث الضربات فأراد داود أن يشاهد فعل الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليفوز بالعيان، ويحصل له كمال الاطمئنان.)-------------------------------------------------------------------------اختصاص علي بالرواية عن أحدهما، فلا يخلو عن الاشكال، بل كاد أن يكون من المحال، كما لا يخفى على من له أدنى دربة بالرجال، ولكنه (رَحمهُ اللّه أعرف بما قال.)قوله: «وبعضهم جعله مطلقا».اختلفوا في عدد الضربات، فالمرتضى وابن الجنيد وابن أبي عقيل والمفيد في الرسالة العزّية على أنّ الواجب في الجميع ضربة، واعتبر المفيد في الأركان الضربتين مطلقا، وعلي بن بابويه في الرسالة ثلاث ضربات، واختار المفيد في المقنعة(1، والشيخ في المبسوط (2)والنهاية (3)، وأبوجعفر ابن بابويه، وسلار(4)وأبو الصلاح (5)وابن إدريس (6)وابن حمزة (7)وأكثر المتأخرين ضربة بدلاً من)


1) التهذيب 1: 209.

2) المبسوط 1: 33.

3) النهاية ص 49 - 50.

4) المراسم ص 54.

5) الكافي لأبي الصلاح ص 136.

6) السرائر 1: 137.

7) الغنية ص 63.

### المراد من الاستهزاء في حديث عمّارتبصرةقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «و هو يهزأ به» لا يخلو من إشكال؛ لأنّ الاستهزاء لا يليق بمنصب النبوة، ألا ترى إلى أن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما قال له قومه : (أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (1)وهذا يدلّ على أنّ الاستهزاء من عمل الجاهلين.)وعلى تقدير جواز صدور الاستهزاء عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بالنسبة إلى بعض الأفراد كيف يصدر ذلك عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالنسبة إلى عمّار الذي هو من أعيان الصحابة وصفوتهم وأجلائهم، ولم يزل (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) له مكرماً موقراً حتّى قال: «عمار جلدة بين عيني، تقتله الفئة الباغية» (2).)-------------------------------------------------------------------------الوضوء، وضربتين بدلاً من الغسل. ومنشأ الخلاف اختلاف الأخبار، وفي الجمع بينها طريقان :الأوّل: ما اختاره المفضّلون من تخصيص ما تضمّن المرّة بما كان بدلاً من الوضوء، والمرّتين بما كان بدلاً من الغسل.والثاني: حمل أخبار المرّتين على الاستحباب والمرّة على الوجوب، وهو المرضي عند المرتضى، واستحسنه المحقّق في المعتبر (3، ولا يخلو من قوة.)قوله: «الفئة الباغية».يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار. روي عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: لما قتل عمّار بن ياسر ارتعدت فرائص خلق كثير، وقالوا: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : عمار تقتله الفئة الباغية، فدخل داخل على معاوية، فقال: يا أمير المؤمنين قد هاج الناس)


1) سورة البقرة : 67.

2) سيرة ابن هشام 2: 142.

3) المعتبر 1: 388.

وغاية ما يمكن أن يقال: إنّ الاستهزاء هنا ليس على معناه الحقيقي - أعني السخرية - بل المراد به نوع من المزاح والمطايبة، ولا بعد في صدور ذلك عنه 9 بالنسبة إلى عمّار ونظرائه، ويكون ذلك ناشئاً عن كمال اللطف بهم والمؤانسة معهم، فإنّ الانسان لا يمازح غالباً إلا من يحبّه، ولا قصور في المزاح بغير الباطل. فقد روي عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «إنّي أمزح ولا أقول إلا الحق» (1).)-------------------------------------------------------------------------واضطربوا، قال: لماذا؟ قال: قتل عمّار، قال معاوية: قتل عمّار فماذا؟ قال: أليس قد قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : عمار تقتله الفئة الباغية ؟ فقال له معاويه: دحضت في قولك أنحن قتلناه، إنما قتله علي بن أبي طالب لمّا ألقاه بين رماحنا، فاتصل ذلك بعلي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال : إذا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قتل حمزة لما ألقاه بين رماح المشركين (2).)والفئة الباغية هي الظالمة الخارجة عن طاعة الامام. وأصل البغي: مجاوزة الحد.قوله: «ولا قصور في المزاح بغير الباطل».نعم كثرة المزاح والافراط فيه ينافي المروءة ويقدح في العدالة، كما صرّح به الفقهاء. وأما أصل المزاح، فمرغب فيه، فورد «ما من مؤمن إلا وفيه دعابة»(3«وان المداعبة من حسن الخلق، وأنّك لتدخل بها السرور على أخيك، ولقد كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يداعب الرجل يريد أن يسره» (4).)


1) مكارم الأخلاق ص 21.

2) بحار الأنوار 33: 7 - 8 عن الاحتجاج للطبرسي.

3) أصول الكافي 2: 663 ح 2.

4) أصول الكافي 2: 663 ح 3.

حديثه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ مع العجوز التي سألته أن يدعو لها بالجنّة مشهور (1).)-------------------------------------------------------------------------والمداعبة : الممازحة، ولعلّه كان من هذا القبيل ما حكاه السيّد نعمة اللّه الشوشتري في بعض تصانيفه: النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ كان ذات يوم يؤاكل عليا الرطب في طبق، وكان يلفظ نوئ تمراته على نوى تمرات علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في الأثناء: إنك يا علي لأكول، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا رسول اللّه بأبي أنت وأمي إن الأكول من يأكل التمر بنواه.)قوله: «وحديثه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ مع العجوز».)قال المصنّف في الحاشية: روي أن عجوزاً سألت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أن يدعو لها بالجنّة، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أما عملت أنّ الجنّة لا تدخلها العجائز، فحصل للعجوز اضطراب، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أما قرأت قوله تعالى (إنا أنشأناهن انشاء * فجعلناهن أبكاراً * عرباً أترابا) (2)،(3). إنتهى كلامه أعلى اللّه مقامه)قوله في الحاشية: «عرباً أتراباً».العروب من النساء هي المتحبّبة إلى زوجها وقيل : هي العاشقة لزوجها. وقيل: هي الحسنة التبعّل. والجمع العُرب بضمتين.وأتراباً :أي: أمثالاً وأقراناً واحدها ترب. وإنّما جعلن على سن واحد؛ لأنّ التحابّ بين الأقران أثبت.


1) روي أن عجوزاً سألته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يدعو لها بالجنة، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لها: أما علمت أن الجنة لا تدخلها العجائز، فحصل للعجوز اضطراب، فقر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (وإنا أنشأناهن إنشاء * فجعلناهن أبكاراً * عرباً أتراباً) (منه).

2) سورة الواقعة 35 - 37.

3) مناقب ابن شهر آشوب 1: 148.

### ما تضمنه الحديث من التعبير بوضع اليدين على الأرضتذكرةما تضمنه هذا الحديث من التعبير بوضع اليدين على الأرض موجود في بعض الأحاديث، وفي أكثرها وقع التعبير بالضرب، وهو وضع خاص مع اعتماد، ولعله الأحوط. ولوالدي (قدس اللّه روحه فيه كلام أورده في شرح الرسالة.)وكيف كان فهل هو أوّل أفعال التيمّم بحيث يجب تقديم النية عليه ومقارنتها له، أو هو بمنزلة اغتراف الماء للطهارة المائيّة ؟ ظاهر أكثر الأصحاب الأوّل.والعلّامة في النهاية (1على الثاني، وعبّر عن الضرب بنقل التراب، ولم يجعله جزء من التيمّم كالاغتراف في الوضوء، بل هو عنده أمر واجب خارج عن ماهية)-------------------------------------------------------------------------قوله: «ظاهر أكثر الأصحاب».قال الفاضل الأردبيلي في آيات أحكامه المشهور كون الضرب أوّل الأفعال، ويمكن فهم كونه المسح من الآية، وعنى بها قوله تعالى (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (2)ثمّ قال: والأحوط أن ينوي عند الضرب والمسح (3).)و ما جعله أحوط هو الأحوط. وبالجملة مذهب العلّامة لا يخلو من قوة ويؤيده أصالة عدم جزئية الضرب من التيمّم، وعدم وجوب النية قبله.قوله: «أمر واجب خارج».و ممّا يدلّ على مذهب العلّامة موثقة سماعة، قال : سألته عن رجل مرّت به


1) نهاية الإحكام 2: 203.

2) سورة النساة: 42.

3) زبدة البيان في أحكام القرآن ص 26.

التيمّم.واعترضه شيخنا الشهيد بأمرين :الاوّل: أن الاغتراف غير معتبر لنفسه؛ لسقوطه عند غمس الوجه اتفاقاً، بخلاف الضرب فإنّه معتبر لنفسه. ولهذا لو وضع جبهته على الأرض لم يجز.وفيه أنّ هذا الفرق غير مضرّ للعلامة وهو يقول بموجبه، ويجعل نقل التراب شرطاً في الصحة، فتأمّل(1.)-------------------------------------------------------------------------جنازة وهو على غير طهر قال يضرب بيديه على حائط اللبن فيتيمم (2.)فإنّها صريحة في أنّ الضرب باليدين خارج عن التيمّم، كما هو مذهب العلّامة، فإنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ فرع التيمّم على الضرب باليدين، فيكون أمراً خارجاً عن ماهيته)ويستفاد من هذا الحديث أحكام أخر :الأول: إطلاقه (عَلَيهِ السَّلَامُ على الحائط يعمّ حائطه وحائط غيره، وهو يدلّ على جواز التيمّم بحائط الغير كالصلاة في المكان بشاهد الحال.)الثاني: عدم اشتراط اتصال المضروب عليه، فلو كان فيه بعض الفرج جاز؛ إذ الحائط من اللبن لا يخلو عن الفرج، تأمل فيه.الثالث: أنّ التيمّم على الخزف غير جائز؛ لأن تخصيصه (عَلَيهِ السَّلَامُ بحائط اللبن والوقت وقت استعجال يفيد ذلك. وفيه أيضاً تأمل. الرابع: جواز التيمّم للصلاة على الجنازة عند الاستعجال، بل مطلقا وإن لم يخف الفوات، فتأمّل.)


1) ولا مانع من أن يكون الشيء واجباً في نفسه وشرطاً لآخر، كصوم رمضان للاعتكاف ووجه التأمّل أنّ مراد شيخنا الشهيد لعله مجرّد إبداء الفرق بين نقل التراب والاغتراف، فلا يصح قياسه على الاغتراف (منه).

2) فروع الكافي 3: 178 - 179 ح 5.

والثاني: أنّ تخلّل الحدث بين الاغتراف وغسل الوجه غير مضر، بخلاف تخلّله بين الضرب ومسح الجبهة (1.)وفيه أنه إن أراد أنه تخلّله مضرّ عند القائلين بأنّ الضرب جزء من التيمّم فمسلم ولا ينفعه. وإن أراد أنه كذلك عند العلّامة فممنوع. كيف؟ وقد صرّح (طاب ثراه في النهاية بأن تخلّله غير مضرّ.)واعلم أنّ العلّامة مع حكمة بعدم جزئية الضرب للتيمم جوّز مقارنة نيته له.وفيه أنه يستلزم عدم مقارنتها لشيء من إجزائه، بل لأمر خارج عنه، ولا يرد مثله في مقارنة نية الوضوء لغسل اليدين والمضمضة والاستنشاق؛ لأنّ كلاً منها يصير حينئذ جزء الوضوء الكامل كما قالوه.ولعلّ مراد العلّامة بنفي جزئية الضرب أنّه ليس جزءً حتمياً أصلياً يتعين النية قبله كمسح الجبهة، بل إن قارن المكلّف النية به صار جزء وإلا فلا، وحينئذ فلا فرق بين الضرب وغسل اليدين عنده كما لا يخفى.ثمّ ما تضمّنه هذا الحديث من مسحه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وجهه يعطي بظاهره الاستيعاب، وهو مذهب علي بن بابويه.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «يعطي بظاهره».إنما قال بظاهره؛ لأنه يمكن أن يراد بالوجه هنا بعضه وهو الجبين، بقرينة ما وقع في صحيحة زرارة المذكورة في الفقيه حكاية عن تيمم عمّار، وقد سبقت، حيث قال: مسح جبينيه بأصابعه الحديث (2.)


1) ذكرى الشيعة 2: 257 - 258.

2) من لا يحضره الفقيه 104:1 برقم: 213.

وفي الأخبار ما يساعده، إلا أن السيّد المرتضى (رضي الله عنه نقل الاجماع على عدم وجوبه. ويعضده الأخبار الصحيحة الناطقة بعضها بمسح الجبهة وبعضها بمسح الجبينين.)وحكم المحقّق في المعتبر (1بالتخيير بين مسح كل الوجه وبعضه يعني الجبهة، ونقله عن ابن أبي عقيل، وكأنه حمل عدم الوجوب في كلام المرتضى على عدم الوجوب الحتمي.)وأما استيعاب اليدين إلى المرفقين فهذا الحديث الصحيح صريح في عدمه. وأوجبه علي بن بابويه لوروده في بعض الأخبار. ولو قيل بالتخيير هنا أيضاً كالوجه لكان وجهاً.-------------------------------------------------------------------------قوله: «وفي الأخبار».كصحيحة محمّد بن مسلم الماضية، وموثقة سماعة الآتية، وغيرهما ممّا سينقله في الحاشية بعد قوله «إرشاد فيه سداد».قوله: «فهذا الحديث الصحيح».قد عرفت ما فيه، والظاهر أنه حديث حسن؛ لأنّ داود ممدوح، ولكن لا يبلغ إلى حد التوثيق، هذا إذا كان المراد به أخا علي، وأما إذا كان المراد به الأنباري فالحديث مجهول؛ لأنه مهمل كما مرّ.قوله: «في بعض الأخبار».كصحيحة محمّد بن مسلم وقد سبقت، وموثقة سماعة، قال: سألته كيف التيمّم؟ فوضع يده على الأرض، فمسح بها وجهه وذراعيه إلى المرفقين (2.)


1) المعتبر 1: 386.

2) تهذيب الأحكام 1: 208، والاستبصار 1: 170.

### الاكتفاء بالضربة الواحدةارشاد فيه سداد235ظاهر هذا الحديث أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ اكتفى بالضربة الواحدة، ولا ريب أن الكلام كان في تيمّم الجنب، فإنّ عمّاراً كان جنباً، فهو حجّة من يجتزيء بالضربة الواحدة، كالمفيد والمرتضى (رضى اللّه عنهما).)-------------------------------------------------------------------------والشيخ في التهذيب حملهما على أنّ المراد به الحكم لا الفعل؛ لأنه إذا مسح ظاهر الكفّ فكأنه غسل ذراعيه في الوضوء، فيحصل له بمسح الكفّين في التيمّم حكم غسل الذراعين في الوضوء. وهذا كما ترى بعيد جداً، فالوجه هو التخيير بين مسح اليدين إلى المرفقين وبين مسحهما إلى الزندين.قوله: «ظاهر هذا الحديث».المشهور فى كيفية التيمّم النية مقارنة لضرب اليدين على الأرض، ضربة للوجه فيمسحه باليدين من قصاص شعر الرأس إلى طرف الأنف الأعلى، وضربة لليدين فيمسح ببطن كلّ واحدة ظهر الأخرى من الزند إلى أطراف الأصابع إن كان بدلاً عن الغسل. وإن كان بدلاً عن الوضوء، فضرب واحد.ودليله غير ظاهر في الدلالة عليه؛ لأنّه خبران صحيحان، ذكرهما في التهذيب (1، أحدهما عن زرارة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وسينقله الشيخ البهائي (قدّس سره)، ويشير إلى ما فيه بقوله «وأما ما رواه الشيخ في الصحيح» إلى آخره.)والآخر عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ، وقد نقلناه سابقاً في بيان مذهب علي بن بابويه، وهما لا يدلان على هذا التفصيل، كما لا يخفى.)


1) تهذيب الأحكام 1: 210.

-------------------------------------------------------------------------وقيل : ضربة واحدة للغسل والوضوء، ويدلّ عليه ظاهر قوله تعالى (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ (1)لأنه يدلّ على مطلق قصد الصعيد، فيصدق على مرّة منه، والأصل عدم الزيادة.)فكذا يدلّ عليه موثّقة زرارة، قال: سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ عن التيمّم، فضرب بيده الأرض، ثمّ رفعها فنفضها، ثمّ مسح بها جبهته وكفّيه مرّة واحدة (2).)وفي رواية أخرى: ثمّ مسح بهما جبينه وكفّيه مرة واحدة (3.)وفي أخرى قال: تضرب بكفّيك الأرض ثمّ تنفضهما وتمسح وجهك ويديك (4.)وحسنة عمرو بن أبي المقدام، عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه وصف التيمّم، فضرب بيديه على الأرض، ثمّ رفعهما فنفضهما، ثمّ مسح على جبينه وكفّيه مرة واحدة (5).)وقيل: ضربتان للغسل والوضوء، ويدلّ عليه صحيحة ليث المرادي عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ في التيمّم، قال : تضرب بكفّيك على الأرض مرتين، ثمّ تنفضهما و تمسح بهما وجهك وذراعيك (6).)


1) سورة المائدة: 6.

2) تهذيب الأحكام 1: 211 ح 16.

3) فروع الكافي 3: 61 ح 1.

4) تهذيب الأحكام 1: 212 ح 18.

5) تهذيب الأحكام 1: 212 ح 17.

6) تهذيب الأحكام 1: 209 ح 11.

ويعضده موثقة زرارة، وحسنة ابن أبي المقدام.-------------------------------------------------------------------------وصحيحة إسماعيل بن همام الكندي، عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال : التيمّم ضربة للوجه، وضربة للكفّين (1).)وصحيحة محمّد بن مسلم عن بن مسلم عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ، قال: سألته عن التيمّم، فقال: مرتين مرتين للوجه واليدين (2).)وحمل أخبار المرّتين على الاستحباب والمرّة على الوجوب، طريق الجمع بين الأدلّة، فليحمل عليهقوله: «وحسنة ابن أبي المقدام».هذا منه (قدّس سرّه غريب؛ لأنّ ثابت بن هرمز الفارسي أبا المقدام العجلي الحداد من رؤساء البترية، ومن أركان الزيدية، ولا مدح فيه ولا توثيق، فهو من الضعفاء، فكيف تكون روايته حسنة.)عن سدير قال: دخلت على أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ ومعي سلمة بن كهيل، وأبو المقدام ثابت الحداد، وسالم بن أبي حفصة، وكثير النوا، وجماعة معهم، وعند أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخوه زيد بن علي، فقالوا لأبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): نتولّى علياً وحسناً و حسيناً، وتتبرأ من أعدائهم، قال: نعم. قالوا: نتولّى أبا بكر وعمر ونتبرأ من أعدائهم، قال: فالتفت إليهم زيد بن علي، وقال: أتتبرأون من فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) بترتم أمرنا بتركم اللّه، فيومئذ سمّوا البترية (3).)


1) تهذيب الأحكام 1: 210 ح 12.

2) تهذيب الأحكام 1: 210 ح 13.

3) اختيار معرفة الرجال 2: 505 برقم: 429.

وأجاب العلّامة في المختلف عن الاحتجاج بهذا الحديث وأمثاله، بأنه لا دلالة فيه على أنّ التيمّم الذي وصفه الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ بدل عن الوضوء أو الغسل، وذكر قصة عمّار لا يدلّ على إرادة بيان بدل الغسل؛ لاحتمال ذكر القصة، ثمّ سئل (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن كيفية التيمّم مطلقا، أو عن كيفية التيمّم الذي هو بدل عن الوضوء (1). هذا كلامه.)ولا يخفى أنه بعيد جداً، وسوق الكلام يأباه، وحديث قصة عمّار الذي رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة - على ما تقدّم - صريح في كون التيمّم بدلاً عن الغسل ووحدة الضرب أيضاً؛ لأنّ في آخره: «ولم يعد ذلك» أي: لم يعد ذلك الوضع. فمذهب المرتضى لا يخلو من قوّة، وأحاديث التثنية يمكن حملها على الاستحباب جمعاً بين الأخبار، وهو خير من حملها على بدل الغسل؛ وأحاديث الوحدة على بدل الوضوء، كما هو المشهور بين المتأخرين؛ لأنّ في أحاديث الوحدة ما هو كالصريح في بدلية الغسل، وحكاية مناسبة الوحدة للوضوء والتثنية للغسل لا تنهض دليلاً.وأما ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن الامام أبي جعفر محمّد بن علي الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال: قلت كيف التيمّم ؟ قال : هو ضرب واحد للوضوء، والغسل من الجنابة تضرب بيديك مرّتين ثمّ تنفضهما مرّة للوجه ومرّة لليدين» (2)فلا دلالة)-------------------------------------------------------------------------قوله: «لأنّ في أحاديث الوحدة».ليس فيها ما يكون كذلك، بل كلّها : إمّا مطلق، أو عام شامل للغسل والوضوء من غير ظهور في أحدهما، فضلاً عن أن يكون كالصريح فيه، فإن كنت في شكّ من


1) مختلف الشيعة 1: 433.

2) تهذيب الأحكام 1: 210 ح 14.

ذلك فارجع إليها ثمّ انظر فيها لتكون من الموقنين.فيه على التفصيل المشهور، وإن كان الشيخ في التهذيب والمحقق في المعتبر (1قد فهما منه ذلك، بل قد يدعى دلالته على التثنية مطلقا، ومن ثمّ احتج به ابن بابويه على ذلك (2).)والحق أنه مجمل بالنسبة إلى ما ذهب إليه هذان الشيخان، فإن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «هو ضرب واحد» يحتمل أن يكون معناه أنه نوع واحد غير مختلف، سواء كان عن الوضوء أو الغسل، ومجيء الضرب بمعنى النوع والقسم في لسان الشرع شائع، كما يقال : الطهارة على ضربين مائية وترابية.)وحينئذ يقرأ قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «والغسل» بالجرّ عطفاً على الوضوء كما هو الظاهر، ويجعل جملة «تضرب بيديك إلى آخره» مفسّرة للضرب الواحد.)ويحتمل أن يكون معناه أنه ضربة واحدة على الأرض للوضوء، ويجعل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «والغسل عن الجنابة» ابتداء كلام إما برفع الغسل بالابتداء على حذف مضاف، أي ويتمّم الغسل، أو جرّه بلام محذوفة متعلقة بتضرب، كأنه قال: «و تضرب بيديك للغسل من الجنابة» ويكون من عطف الفعلية على الاسمية.)والحديث على كلّ من هذين الحلّين لا مناص فيه عن ارتكاب خلاف الظاهر، إذ الظاهر من الضرب هو الضرب على الأرض، والظاهر أن الكلام من عطف المفرد على المفرد، وهذه التقديرات على خلاف الأصل.ويخطر بالبال أنّه يمكن حمل الضرب على ما هو الظاهر من الضرب على الأرض، وقراءة الغسل بالجرّ عطفاً على الوضوء كما هو الظاهر أيضاً، ويكون المراد من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «واحد» الوحدة النوعية لا العددية، أي: ان الضرب على)


1) المعتبر 1 : 388.

2) الهداية للشيخ الصدوق ص 18.

الأرض فيهما واحد غير مختلف، وحمل الوحدة على الوحدة النوعية (1وإن كان فيه أدنى مخالفة للظاهر، إلا أنها أقل من مخالفة الظاهر على الحلّين السابقين، كما لا يخفى.)### عدم اشتراط علوق التراب بشيء من الكفّينتتمةالمشهور بين أصحابنا عدم اشتراط علوق التراب بشيء من الكفّين، واشترطه ابن الجنيد (2وبعض وبعض العامّة.)وقد استدل الأصحاب على المشهور بالروايات (3المتضمّنة للنفض.)واستضعفه والدي (طاب ثراه في شرح الرسالة بأنّ الأجزاء الصغيرة الغبارية لا يتخلّص كلّها من اليدين بالنفض، بل تبقى منها بقية كما تشهد به التجربة.)ولعلّ النفض لما عساه يلصق بالكفّين من الأجزاء الترابية الكثيرة الموجبة لتشويه الوجه، ويكون الغرض من النفض تقليلها، فلا دلالة للأمر بالنفض على عدم اشتراط العلوق، بل ربما يدل على اشتراطه، فتأمّل (4)


1) ويستفاد من الحديث حينئذ تثنية الضرب مطلقا، كما فهمه ابن بابویه (منه).

2) حكاه عنه في مختلف الشيعة 1: 420.

3) تهذيب الأحكام 1 : 207 - 208.

4) لأنّ ايجاب النفض لا يتم إلا مع العلوق ووجه التأمل أنه لا قائل بوجوب النفض (منه).

ثمّ إنّه (طاب ثراه مال إلى تقوية ما استدل به ابن الجنيد من إنّ «من» في قوله تعالى (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) (1)ظاهرة في التبعيض، وجعل كونها لابتداء الغاية سمجاً(2)بعيداً.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «من أنّ من».فيه أقوال :الأوّل أنها لابتداء الغاية، فالمعنى أنّ المسح يتبدىء من الصعيد، أو من الضرب عليه، كأنه أمر أن يكون مسح الوجه موصولاً بتيمم الصعيد من غير تخلّل.الثاني: أنها للسببية، وضمير «منه» للحدث المفهوم من الكلام السابق، كما يقال: تيممت من الجنابة، وعليه قوله تعالى (وممّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا (3)ويحتمل إرجاع الضمير إلى عدم وجدان الماء.)وفيه أنه مع كونه خلاف الظاهر، ومتضمّناً لإرجاع الضمير إلى الأبعد، مستلزم لكون «منه» تاكيداً لا تأسيساً؛ إذ السببية يفهم من الفاء ومن جعل المسح في معرض الجزاء، وتعليقه بالوصف المناسب المشعر للعلّية.الثالث: أنها للتبعيض، وضمير «منه» للصعيد، كما تقول: أخذت من الدراهم، وأكلت من الطعام.


1) سورة المائدة : 6.

2) وإنما جعله سمجاً؛ لأنّ «من» الجارة الداخلة على ذي أجزاء الظاهر منها التبعيض، نحو أخذت من الدراهم، وفعلها حينئذ لابتداء الغاية ظاهر السماجة؛ لأن مفهومه أخذ بعض الدراهم لا أخذاً مبتدءً من الدراهم، وما نحن فيه هو الصعيد وأنه ذو أجزاء كالدراهم، فلا تغفل (منه).

3) سورة نوح: 25.

-------------------------------------------------------------------------ويحتمل البدلية، كما في (أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ (1)وحينئذ يرجع الضمير إلى الماء. والمعنى: فلم تجدوا ماءً فتيمموا الصعيد بدل الماء.)وفيه بعد، مع أنّ قوماً من النحاة أنكروا مجيئها للبدلية، فقالوا: التقدير أرضيتم بالحياة الدنيا بدلاً من الآخره، فالمقيّد للبدلية متعلّقها المحذوف، وهذا أيضاً يجري هنا، لكنّه خلاف الظاهر.ولعلّ حملها على التبعيض أقرب الوجوه، ولذا اختاره صاحب الكشّاف وخالف الحنفية القائلة بعدم اشتراط العلوق، مع توغله في متابعة أقوالهم، وتهالكه في انتصار مذاهبهم.فقال فيه : فإن قلت: قولهم إنّها لابتداء الغاية قول متعسّف، ولا يفهم أحد من العرب من قول القائل «مسحت برأسه من الدهن ومن الماء ومن التراب» إلا معنى التبعيضقلت: هو كما تقول، والاذعان للحق أحق من المراء (2.)وما يقال من أنّ حملها على التبعيض غير مستقيم؛ لأن الصعيد تناول الحجر، كما صرح به أئمة اللغة والتفسير، وحملها على الابتداء متعسّف، وليس ببعيد حملها على السببية؛ إذ على تقدير أن لا يكون حقيقة، فلا أقل من أن يكون مجازاً، ولابد هنا من ارتكاب مجاز: إمّا في الصعيد، أو في «من» ولا ريب أن التوسّع في الحروف أكثر.


1) سورة التوبة: 38.

2) الكشّاف 1: 529.

وقال: إنّ ما تضمنه صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ من إعادة ضمير «منه» في الآية إلى التيمّم غير مناف للتبعيض الذي هو الظاهر، وجعل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في آخرها لانه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكفّين ولا يعلق ببعضها دالاً على اشتراط العلوق. ولعلّ وجه الدلالة على ذلك أنّ هذه الرواية قد دلّت على أنه سبحانه لمّا علم أنّ ذلك الصعيد لا يجري بأجمعه على الوجه؛ لأنه يعلق ببعض الكفّين ولا يعلق ببعضها قال: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ).)-------------------------------------------------------------------------فمندفع لبعد هذا الحمل كما سبق وقرب الحمل على التبعيض وتبادره، وإن سلّم استلزامه حمل الصعيد على المعنى المجازي، فظهر أن الآية بظاهرها تدلّ على وجوب علوق شيء في التراب باليد والمسح به، كما نقل عن ظاهر ابن الجنيد.قوله: «لأنّه يعلق ببعض الكفّين».قال الشيخ (قدّس سرّه في مشرق الشمسين : قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «أي من ذلك التيمّم» الظاهر أنّ المراد التيمّم به يدلّ على ذلك الاشارة بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «لأنه علم أن ذلك لم يجر على الوجه» أي: علم أنّ ذلك الصعيد - أي وجهه الذي مسه الكفان حال الضرب عليه - لا يلصق بأجمعه بالكفّين، فلا يجري جميعه على الوجه؛ لأنه يعلق بعض منه ببعض الكفّ، ولا يعلق ببعضها. ومن تأمل هذا الكلام ظهر عليه أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) جعل لفظة «من» في «منه» للتبعيض، وهو كالنصّ فيما قال به بعض علمائنا من اشتراط العلوق، وعدم جواز التيمّم بالحجر. فقول العلّامة إن الآية خالية عن اشتراط العلوق؛ لأن لفظة «من» فيها مشتركة بين التبعيض والابتداء، فلا أولوية في الاحتجاج محل بحث (1).)


1) مشرق الشمسين ص 362 - 363.

ومن تأمّل هذا الكلام وهذا التعليل حق التأمّل (1علم إشعاره بوجوب العلوق، وظهر له أنّ التيمّم الذي أعاد الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ضمير منه إليه المراد به التيمّم به فتأمّل (2).)


1) حيث جوّز العلوق بالنفض دون النفض عنه، للعلم بأنّ ذلك لا يجري بأجمعه على الوجه (منه).

2) المراد التأمل في متن الرواية ليظهر منها ما يظهر (منه).

## الحديث السابع : صلاة حمّاد بن عيسى### إشارة:وبسندي المتّصل إلى شيخنا السعيد الشهيد محمّد بن مكي (قدس اللّه روحه، قال: قرأت على شيخنا الشيخ الامام فخر الدين بن المطهر دام فضله بداره بالحلة آخر نهار الجمعة ثالث جمادي الأوّل سنة ستّ وخمسين وسبعمائة، قال: قرأت على والدي جمال الدين قال : حدّثني والدي سديد الدين، عن السيّد رضي الدين بن طاووس، عن السيّد شمس الدين فخار عن الشيخ محمّد بن إدريس، عن الشيخ عربي بن مسافر العبادي، عن إلياس بن هشام الحائري، عن الشيخ أبي علي المفيد، عن والده الشيخ أبي جعفر الطوسي، عن الشيخ أبي عبدالله المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان، عن أبي القاسم جعفر بن محمّد، عن محمّد بن يعقوب)-------------------------------------------------------------------------الحديث السابعقوله: «عن أبي القاسم جعفر بن محمّد».وهو المشهور بابن قولويه، وهذا ما وعده الشيخ (قدّس سرّه في أواخر سند الحديث الأوّل في الحاشية أنه سيأتي في سند الحديث السابع، فتذكر.)

الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، قال: قال لي أبو عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ يوماً: يا حماد أتحسن أن تصلي؟ قال: فقلت: يا سيدي أنا أحفظ كتاب حريز في الصلاة. فقال: لا عليك يا حمّاد قم فصل.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «عن علي بن إبراهيم».روى هذا الحديث في التهذيب (1، وفي الكافي (2)بسند حسن على المشهور بإبراهيم بن هاشم. وفي الفقيه (3)بسند صحيح)والحق أن السند فيهما أيضاً صحيح، كما أشرنا إليه سابقاً، فتذكر.قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «أتحسن أن تصلّي».)كأن فيه دلالة على أنهم كانوا يعتمدون على ما يرويه الثقة مع وجودهم (عَلَيهِم السَّلَامُ، بل فيه دلالة على أنهم كانوا يرجعون إلى ما صنف أصحابنا في الفقه، وكانوا يحفظون منه ما يحتاجون إليه مع وجودهم (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فإنّ المراد بكتاب حزير في الصلاة ما صنّفه فيها، وهو كتاب كبير لطيف، كما سنشير إليه.)قوله: «کتاب حريز في الصلاة».حريز بن عبدالله أبو محمّد الأزدي من أهل الكوفة، أكثر السفر والتجارة إلى سجستان يعرف بها، وقيل سكنها له كتاب الصلاة كبير، وآخر ألطف منه، وله كتاب الزكاة، وكتاب الصيام، وكتاب النوادر، وثقه في الفهرست (4، وسكت عن)


1) تهذيب الأحكام 2: 81 برقم: 301.

2) فروع الكافي 3: 311 ح 8.

3) من لا يحضره الفقيه 1 : 196 برقم: 916.

4) الفهرست للشيخ الطوسي ص 62 – 63.

قال: فقمت بين يديه متوجهاً إلى القبلة، فاستفتحت الصلاة، فركعت وسجدت. فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: يا حماد لا تحسن أن تصلي، ما أقبح بالرجل منكم يأتي عليه ستون سنة أو سبعون سنة، فلا يقيم صلاة واحدة بحدودها تامة. قال حماد: فأصابني في نفسي الذل. فقلت: جعلت فداك فعلمني الصلاة.)فقام أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ مستقبل القبلة منتصباً، فأرسل يديه جميعاً على فخذيه قد ضم أصابعه، وفرّق بين قدميه حتّى كان بينهما قدر ثلاث أصابع منفرجات واستقبل بأصابع رجليه القبلة لم يحرّفها عن القبلة، فقال بخشوع: «الله أكبر» ثمّ قرأ الحمد بترتيل و «قل هو اللّه أحد».)-------------------------------------------------------------------------توثيقه النجاشي (1، وكذا الكشي، إلا أنه قال: هو أزدي عربي كوفي، انتقل إلى سجستان، فقتل بها (رحمه اللّه) (2)والرحمة عندهم عديل التوثيق، ولا أقل من إفادته الاعتبار.)قوله: «جعلت فداك».قال صاحب الكشّاف: أوّل من تكلّم بهذه الجملة الدعائية أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ في مخاطبته مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ثمّ شاع بين الناس.)وفيه من رعاية حسن الأدب وكمال الاخلاص ما لا يخفى، ثمّ لا يخفى حسن موقعها في هذا المقام؛ لأنّ من الواحب على المتعلم أن يتكلم بكلام يوجب استعطاف المعلّم عليه، وحنّه على تعليمه مع ما فيه من التذلل المناسب لآداب التعلم.


1) رجال النجاشي ص 144 - 145.

2) اختیار معرفة الرجال 2: 681.

ثمّ صبر هنية بقدر ما يتنفّس وهو قائم. ثمّ رفع يديه حيال وجهه، وقال: «الله أكبر» وهو قائم. ثمّ ركع، وملأكفّيه من ركبتيه منفرجات، وردّ ركبتيه إلى خلفه، ثمّ سوى ظهره حتّى لو صبّ عليه قطرة من ماء أو دهن لم تزل لاستواء ظهره، ومد عنقه، وغمض عينيه، ثمّ سبّح ثلاثاً بترتيل، فقال: «سبحان ربي العظيم وبحمده» ثمّ استوى قائماً، فلما استمكن من القيام قال: «سمع اللّه لمن حمده» ثمّ كبر وهو قائم، ورفع يديه حيال وجهه.ثم سجد وبسط كفّيه مضموتي الاصابع بين يدي ركبتيه حيال وجهه، فقال: «سبحان ربي الأعلى وبحمده» ثلاث مرّات. ولم يضع شيئاً من جسده على شيء منه، وسجد على ثمانية أعظم الكفّين و الركبتين، وأنامل إبهامي الرجلين، والجبهة، والأنف، وقال: سبعة منهنّ فرض يسجد عليها، وهي التي ذكرها اللّه-------------------------------------------------------------------------قوله: «ثمّ صبر هنيّة».هنية بضمّ الهاء وتشديد الياء: الوقت اليسر، مصعّر هنة بمعنى الوقت. وربما قيل: هنيهة بإبدال الياء هاء. وأمّا هنيئة بالهمزة، فغير صواب، نص عليه في القاموس (1.)قوله: «لم تزل لاستواء ظهره».زال إذا كانت تامة فمضارعها يزول بالواو، وإذا كانت ناقصة فمضارعها يزال بالألف.قوله: «وقال سبعة منهنّ فرض».الظاهر بل الأزيد منه أنّ هذا الكلام من الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ كان في أثناء هذه الصلاة؛)


1) القاموس المحيط 404:4.

عزّ وجلّ في كتابه، فقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا وهي الجبهة والكفّان والركبتان والإبهامان، ووضع الأنف على الأرض سنة. ثمّ رفع رأسه من السجود، فلمّا استوى جالساً قال: «الله أكبر». ثمّ قعد على فخذه الأيسر، وقد وضع قدمه الأيمن على بطن قدمه الأيسر، وقال: «أستغفرالله ربّي وأتوب إليه». ثمّ كبّر وهو جالس وسجد السجدة الثانية، وقال كما قال في الأولى، ولم يضع شيئاً من بدنه على شيء منه في ركوع ولا سجود، وكان مجنّحاً، ولم يضع ذراعيه على الأرض. فصلّى ركعتين على هذا ويداه مضمومتا الأصابع وهو جالس في التشهد فلما فرغ من التشهد سلّم، وقال: يا حمّاد هكذا صلّ (1).)-------------------------------------------------------------------------لأنها كانت تعليمية محضة، ولم تكن عبادة معتبرة فيها القربة، كما يدل عليه قول حمّاد «فقام» متفرّعاً على قوله «فعلّمني الصلاة» ولو كان بعد الفراغ منها لكان يقول: فلما فرغ من الصلاة قال كذا، كما قال: فلما فرغ من التشهد سلّم وقال كذا، وذلك أنّ من دأب الرواة، ولاسيما مثل حمّاد أن ينقلوا ما صدر منهم (عَلَيهِم السَّلَامُ من غير زيادة ولا نقصان، كلّ ذلك في محلّه وموضعه؛ لأنّ التغيير ولو كان في أدنى مراتبه يخلّ بفهم المقصود، وقد قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه (2).)ولكن من الأصحاب من يكاد يجزم بكونه بعد الفراغ من الصلاة، ظناً منه أنها وقعت عبادة وتعليماً معاً، ثمّ طال الكلام في بيان عدم منافاة هذه الضميمة وهي التعليم للقربة المعتبرة في العبادات، بما لا طائل تحته في هذا المقام، كما لا يخفى على ذوي الأفهام.


1) فروع الكافي 3 : 311 ح 8 تهذيب الأحكام 2: 81 ح 69.

2) كنز العمّال 10: 191 برقم: 29004.

بیان(يا حماد أتحسن أن تصلي هو حمّاد بن عيسى الجهني، منسوب إلى جهينة - بضم الجيم - قبيلة، وهو من ثقاة أصحابنا، لقي الصادق والكاظم والرضا (عَلَيهِمَ السَّلَامُ)، ودعا له الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالدار والزوجة والولد والخادم والحج خمسين حجّة، فنال)-------------------------------------------------------------------------قوله: «ودعا له الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ».)روی محمّد بن عيسى بن عبيد عن حمّاد بن عيسى، قال: دخلت على أبي الحسن الأول (عَلَيهِ السَّلَامُ، فقلت له: جعلت فداك أدع اللّه لي أن يرزقني داراً وزوجة وولداً وخادماً والحج في كلّ سنة، فقال: اللّهمّ صل على محمّد وآل محمّد، وارزقه داراً وزوجة وولداً وخادماً والحج خمسين سنة.)قال حمّاد: فلما اشترط خمسين سنة علمت أني لا أحجّ أكثر من خمسين سنة قال: وحججت ثمانياً وأربعين سنة، وهذه داري قد زرقتها، وهذه زوجتي وراء الستر تسمع كلامي، وهذا إبني، وهذه خادمي قد رزقت كل ذلك، فحجّ بعد هذا الكلام حجتين تمام الخمسين، ثمّ خرج بعد الخمسين حاجاً، فلما صار في موضع الاحرام دخل يغتسل، فجاء الوادي فحمله فغرقه الماء (رحمه اللّه.)عاش إلى وقت الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ، و توفي سنة تسع ومائتين، وكان من جهينة، وكان أصله كوفياً، ومسكنه البصرة، عاش نيفاً وسبعين سنة، كذا في الكشي (1).)وقال النجاشي: ومات (في حياة أبي جعفر الثاني (عَلَيهِ السَّلَامُ)(2)غريقاً بوادي قناة، وهو واد يسيل من الشجرة إلى المدينة، وهو غريق الجحفة، في سنة تسع ومائتين،)


1) اختیار معرفة الرجال 2: 604 - 605 برقم: 572.

2) الزيادة غير موجودة في الرجال.

كل ذلك. و لما أراد أن يحجّ الحادية والخمسين غرق في الجحفة حين أراد غسل الاحرام، وكان عمره نيفاً وسبعين سنة.(أنا أحفظ كتاب حريز بالحاء المهملة وآخره زاي، وهو حريز بن عبدالله السجستاني، أصله كوفي وسافر إلى سجستان كثيراً فعرف بها، وهو من أصحاب الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثقة، صنّف كتباً.)(لا عليك «لا» نافية للجنس، وحذف اسمها في أمثال هذا مشهور، أي: لا بأس عليك.)-------------------------------------------------------------------------وقيل: سنة ثمان ومائتين، وله نيف وتسعون سنة (رحمه اللّه (1).)فبينهما اختلاف في عمر حماد، قيل: ولعلّ الأثبت ما في النجاشي من وجوه.قوله: «نيفاً».بفتح النون وكسر الياء المشدّدة وقد يخفّف، كذا في نهاية ابن الاثير (2.)قال المحشي في هذا الموضع أيضاً ما هذا عين عبارته: النيف هو العدد الذي فوق الاثنين وتحت العشرة مع أي عدد اتفق، وقيل: كلما زاد على عقد فهو نيف حتّى يبلغ العقد الثاني، وأصله من الواو.قوله: «لا بأس عليك».أي: لا بأس عليك يا حمّاد في العمل بكتاب حريز، ولكن قم فصل عندنا حتّى يحصل لك بما فيه أولاً بأس عليك في الصلاة عندنا، وإن كنت حافظاً لكتابه، فعلّك لم تحفظه على ما هو عليه، أو لعلّ فيه سهواً أو غلطاً ولم تتفطّن به.


1) رجال النجاشي ص 143 برقم: 370.

2) نهاية ابن الأثير 5: 141.

(ما أقبح بالرجل منكم فصل (عَلَيهِ السَّلَامُ) بين فعل التعجب ومعموله، وهو مختلف فيه بين النحاة، فمنعه الأخفش والمبرّد، وجوزه المازني والفرّاء بالظرف، ناقلاً عن العرب أنّهم يقولون: «ما أحسن بالرحل أن يصدق» وصدوره عن الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أقوى الحجج على جوازه.)و «منكم» حال من «الرجل» أو وصف له، فإنّ لامه جنسية.والمراد ما أقبح بالرجل من الشيعة أو من صلحائهم.(بحدودها تامة بحدودها متعلّق بيقيم، وتامة: إما حال من حدودها، أو نعت ثان ل-«صلاة».)-------------------------------------------------------------------------قوله: «وهو مختلف فيه».المشهور بينهم أن صيغتي التعجّب لا يتصرّف فيهما بايقاع فصل بين العامل والمعمول، نحو ما أحسن في الدار زيداً، وأكرم اليوم بزيد؛ لإجرائهما مجرى الأمثال، فلا يغيّران كما لا يغيّر الأمثال، وأجاز المازني الفصل بالظرف، والأكثرون بلفظة «كان» نحو ما كان أحسن زيداً، بمعنى أنه كان في الماضي له حسن واقع دائم، إلا أنه لم يتصل بزمان المتكلّم، بل كان دائماً قبله، ف-«ما» مبتدأ نكرة بمعنى شيء، وما بعدها في محلّ الرفع على الخبر.قوله: «فإنّ لامه جنسية».ولام الجنس إذا كانت للاشارة إلى المعهود الذهني كانت في حكم النكرة، فيوصف بدخولها بها، كقوله :ولقد أمر على اللئيم يسبّني ***فمضيت ثمة قلت لا يعنيني

(فقال بخشوع أي: بتذلّل وخوف وخضوع. وبذلك فسّر الخشوع في قوله تعالى (والَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (1).)وفي الصحاح: خشع ببصره : أي: غضّه (2)وروى الشيخ الجليل أبو علي الطبرسي في كتاب مجمع البيان عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أنه رأى رجلاً يعبث بلحيته في صلاته، فقال: «أما أنه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه».)ثمّ قال الشيخ أبو علي: في هذا دلالة على أنّ الخشوع في الصلاة يكون بالقلب وبالجوارح. فأما بالقلب، فهو أن يفرغ قلبه بجمع الهمّة لها والاعراض عما سواها، فلا يكون فيه غير العبادة والمعبود.-------------------------------------------------------------------------قوله: «فقال بخشوع».في الكشّاف: الخشوع في الصلاة خشية القلب، وإلزام البصر موضع السجود (3، ولعل المراد حال القيام.)وبالجملة الظاهر أنه حضور القلب وتأتره وخوفه وطمعه، ويظهر ذلك بالتوجه التام إلى الصلاة وإلى اللّه تعالى، بحيث يظهر أثر البكاء في العين، والاضطراب في القلب، واستعمال الأعضاء الظاهرة على الوجه المندوب، وترك المكروهات، مثل العبث بجسده وثيابه، والالتفات يميناً وشمالاً، بل النظر إلى غير المسجد حال القيام، والتمطّي والتثأب والفرقعة، وغير ذلك ممّا بين في الفروع وورد في الأصول.


1) سورة المؤمنون: 2.

2) صحاح اللغة 3: 1204.

3) الكشّاف 3: 178.

وأما بالجوارح، فهو غض البصر والاقبال عليها وترك الالتفات والعبث (1.)(ثم قرأ الحمد بترتيل الترتيل: التاني وتبيين الحروف بحيث يتمكن السامع من عدّها، مأخوذ من قولهم ثغر رتل ومرتل إذا كان مفلجاً، وبه فسر في قوله تعالى: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) (2).)-------------------------------------------------------------------------قوله: «والاقبال عليها».أورد عليه أن إقبال الجوارح إلى العبادة ليس له معنى ظاهر؛ لأنّ الاقبال إنما يكون بالقلب.ويمكن أن يقال: إقبال الجوارح عبارة عن النظر إلى موضع السجود، إلى آخر ما هو المشهور، وعدم الالتفات يميناً وشمالاً، وعدم العبث، إلى غير ذلك.قوله: «ثم قرأ الحمد بترتيل».في المصباح رتلت القرآن ترتيلاً تمهلت في القراءة ولم أعجل (3.)وفي القاموس رتل الكلام ترتيلاً أحسن تأليفه وترتل فيه ترسل (4.)وفي الكشّاف: ترتيل القرآن قراءته على ترسل وتؤدة بتبيين الحروف وإشباع الحركات، حتّى يجيء المتلوّ منه شبهاً بالثغر المرتل، وهو المفلج المشبه بنور الأقحوان، وأن لا يهذه هذا، ولا يسرده سرداً (5.)


1) مجمع البيان 4: 99.

2) سورة المزمل: 4.

3) المصباح المنير ص 218.

4) القاموس المحيط 3: 381.

5) الكشّاف 4: 638.

-------------------------------------------------------------------------وفي القاموس: الفلج تباعد بين الأسنان (1. والأقحوان: البابونج.)والسرد نسج الدرع وجودة سياق الحديث.والهذ: سرعة القطع بهذ القرآن هذا، يسرع فيه كما يسرع في قراءة الشعر.وهو إشارة إلى ما روي عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ في معناه: بينه بياناً، ولا تهذه هذ الشعر، ولا تنثره نثر الرمل، ولكن أفزع به القلوب (2)القاسية، ولا يكونن هم أحدكم آخر السورة (3).)قيل: البيان يكون بحيث لو أراد السامع عد حروف الكلمات لعده، كما روي في قراءة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، عن عائشه في الكشّاف (4).)وقيل: إنه لا يتم بالتعجيل، وإنّما يتم بأن يبيّن جميع الحروف ويوفي حقها من إشباع الحركات، وكأنه إشارة إلى ما قيل في معناه: إنه بيان الكلمات وأداء الحروف.وقيل: الترتيل أن يقرأ على نظمه وتواليه، ولا يغيّر لفظاً ولا يقدّم مؤخراً، وكأن المراد حينئذ الوجوب لا الاستحباب.وروى أبو بصير عن أبي عبدالله في معناه، قال: هو أن تتمكث فيه وتحسن به صوتك.


1) القاموس المحيط 1: 203.

2) في الكافي: أفزعوا قلوبكم.

3) أصول الكافي 2: 614 ح 1.

4) الكشّاف 4: 638.

وعن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ: انه حفظ الوقوف، وبيان الحروف. أي: مراعاة الوقف التام و الحسن (1)، والاتيان بالحروف على الصفات المعتبرة من الهمس والجهر والاستعلاء والاطباق والغنّة وأمثالها والترتيل بكلّ من هذين التفسيرين مستحب.)-------------------------------------------------------------------------وروي عن أمّ سلمه أنها قالت: كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : يقطع قراءة آيه آية. وعن أنس قال: كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يمد صوته مدا (2).)وأكثر ما روي في معناه يدلّ على أنه مستحبّ.قوله: «الوقف التام».الأفضل التام، ثمّ الحسن، ثمّ الكافي، على ما هو مقرّر في محله. وفي شرح الجزري: إن لم يتمّ معنى شيء إلا بما بعده، فالوقف عليه قبيح، كالشرط دون الجزاء. وإن تمّ فإن لم يوجد ممّا وقف عليه تعلّق بما بعده لا لفظاً ولا معنى، فالوقف تام، مثل «إيّاك نستعين» و «أولئك هم المفلحون» وإن كان فيه تعلّق به معنى لا لفظاً.فالكافي، مثل «لا ريب فيه» و «ممّا رزقناهم ينفقون» وإن كان فيه تعلّق بما بعده لفظاً ومعنى، فالوقف حسن، مثل «الحمد لله» لأنّ المعنى مفهوم، ولا يحسن الابتداء بما بعده؛ لكونه تابعاً لما قبله، وليس رأس الآية.


1) الوقف التام هو الذي لا يكون للكلام قبله تعلّق بما بعده لا لفظاً ولا معنى. والحسن هو الذي يكون له تعلّق لفظاً لا معنى. وفي الفاتحة أربعة وقوف توام: على البسملة، ومالك يوم الدين، ونستعين، وضالّين وعشرة حسنة: على بسم اللّه، وعلى الرحمن، وعلى الرحيم، وعلى العالمين وعلى الرحمن وعلى الرحيم وعلى نعبد، وعلى المستقيم، وعلى أنعمت عليهم، وعلى غير المغضوب عليهم (منه).

2) ما نقله هنا مأخوذ أكثرها من مجمع البيان 5: 377 - 378.

ومن حمل الأمر في الآية على الوجوب، فسّر الترتيل بإخراج الحروف من مخارجها على وجه يتميّز ولا يندمج بعضها في بعض.(هنيّة بالتصغير أي لمحة قليلة.)(بقدر ما يتنفّس على البناء للمفعول.)(حيال وجهه أي: بإزائه. والمراد أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يرفع يديه بالتكبير أزيد من محاذاة وجهه.)(و ملأ كفّيه من ركبتيه أي ماسهما بكلّ كفّيه، ولم يكتف بوضع أطرافها، والظاهر أن المراد بالكف هنا ما يشمل الأصابع، وأن الإنحناء إلى أن تصل الأصابع إلى الركبتين هو الواجب والزائد مستحبّ. ويدل عليه حديث زرارة.)(فقال سبحان ربي العظيم وبحمده سبحان مصدر كغفران بمعنى التنزيه، ولا)-------------------------------------------------------------------------وهذا يخالف تفسير الشيخ (قدّس سرّه في الحاشية، ويدل على أنّ الكافي أفضل من الحسن، فتأمّل فيه، وما ذكرناه من الترتيب أولاً هو المذكور في شرح اللمعة (1).)قوله: «إنّ المراد بالكفّ هنا».قال الأزهري: الكفّ الراحة مع الأصابع، سمّيت بذلك لأنها تكف الأذى عن البدن (2. وفي القاموس الكفّ اليد، أو إلى الكوع، والجمع أكف وكفوف (3).)قوله: «سبحان ربي العظيم وبحمده».الواو إمّا حالية، والتقدير: أنا متلبس بحمده، قيل : وربما يرجح الحالية قوله


1) شرح اللمعة 1: 261.

2) تهذيب اللغة للأزهري لم يوجد لديّ.

3) القاموس المحيط 3: 190.

یکاد يستعمل إلا مضافاً منصوباً بفعل مضمر كمعاذ اللّه.-------------------------------------------------------------------------تعالى (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ (1)ونظائره التي بدون الواو.)أو اعتراضية ومدخولها جملة مقدّرة، والحمد قائم مقامه، والتقدير: أسبحه سبحاناً، وبنعمته التي توجب على حمده أسبّحه، وتلك النعمة هي حوله وقوته التي ملكنيها.أو زائدة، والجار بمجروره في محلّ النصب على الحالية، والتقدير: متلبساً بحمده.أو عاطفة تعطف الجملة الاسمية، أو الفعلية المقدّرة على الفعلية المضمرة في «سبحان».فإن جعلت الباء «بحمده» للمصاحبة، فإضافة الحمد إلى الضمير إضافة المصدر إلى المفعول. وإن جعلتها للاستعانة، فإضافته إليه إضافة المصدر إلى الفاعل، ولعلّ المراد بالحمد التوفيق عليه، والتقدير: أسبحه سبحاناً أسبحه مستعيناً بتوفيقه إياي على حمده.وإلى هذا أشار الشهيد الثاني بقوله: الواو في «وبحمده» قيل: زائده، والباء للمصاحبة، والحمد مضاف إلى المفعول، ومتعلّق الجار عامل المصدر، أي: سبّحت اللّه حامداً أي أنزّهه عمّا لا يليق به، وأثبت له ما يليق به.ويحتمل كونها الاستعانة والحمد مضاف إلى الفاعل، أي: سبّحته بما حمد به نفسه إذ ليس كل تنزيه محمود.وقيل: إن الواو عاطفة، ومتعلّق الجار محذوف، أي: بحمده سبحته


1) سورة الزمر: 75، وغافر: 7.

فمعنى سبحان ربّي: أنزهه تنزيهاً عما لا يليق بجناب قدسه وعز جلاله.وهو مضاف إلى المفعول. وربما جوّز كونه مضافاً إلى الفاعل بمعنى التنزه.والواو في «وبحمده» إمّا حالية أو عاطفة، والتقدير: وأنا متلبس بحمده على التوفيق لتنزيهه والتأهيل لعبادته، كأنه لما أسند التسبيح إلى نفسه أوهم ذلك تبجحاً، فعقب بهذه الجملة الحالية ليزول على قياس ما قيل في (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.)(سمع اللّه لمن حمده ضمن «سمع» معنى استجاب، فعدّي باللام، كما ضمن معنى الإصغاء فعدّى ب-«إلى» في قوله تعالى: (لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى) (1).)-------------------------------------------------------------------------وذكر بعضهم أنّ المعنى وبمعونته التي هي نعمة توجب عليّ حمده سبحته لا بحولي وقوتي، فتكون ممّا أُقيم المسبب مقام السبب، أو هو بمعنى والحمد له، نظير (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)أي: والنعمة له، فالواو حالية، والباء زائدة، والحمد لما قطع عن الاضافة أدخل عليه الألف واللام تتميماً للاسم، وأبرزت اللام المقدّرة في الاضافة فإنّها كانت بتقدير اللام، وكذا الكلام في الآية، فإن معناها لست یا محمّد بمجنون والنعمة لربّك، والتركيب كما سبق)قوله: «تبجحاً».يقال: يبجحني بتقديم الجيم على الحاء فبجحت، أي: فرحني ففرحت.وقيل: عظمني فعظمت نفسي عندي، يقال: فلان يتبجح بكذا، أي: يتعظم ويفتخر.


1) سورة فاطر: 8.

2) سورة القلم: 2.

(بين يدي ركبتيه أي: قدامهما وقريباً منهما، وقد تقدّم الكلام على هذا اللفظ في الحديث الثالث.)(وأنّ المساجد للّه تفسير المساجد بالأعضاء السبعة التي يسجد عليها هو المشهور بين المفسّرين.)والمروي عن أبي جعفر محمّد بن علي بن موسى (عَلَيهِم السَّلَامُ أيضاً حين سأله المعتصم عن هذه الآية (فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) : فلا تشركوا معه غيره في سجودكم عليها (1).)وأما ما قاله بعض المفسّرين من أنّ المراد بها المساجد المشهورة، فلا تعويل عليه بعد التفسير المروي عن الامامين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «قاله بعض المفسّرين».قال الفاضل الأردبيلي في آيات أحكامه بعد ذكر الآية: قيل المراد بالمساجد الأعضاء السبعة التي يسجد عليها، وأيّد بقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ: «أمرت أن أسجد على سبعه آراب أي: أعضاء، وقد روي ذلك عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فالمعنى أنّها لله، أي: خلقت لأن يعبد بها اللّه فلا تشركوا معه غيره في سجودكم عليها.)ثمّ قال: والظاهر أنها المساجد المعروفة كما قيل، فالمعنى أنها مختصة بالله، فلا يتعبد فيها مع اللّه غيره.وقيل: المراد بقاع الأرض كلها؛ لقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ «جعلت لي الأرض مسجداً» فلا يعبد فيها غيره)وقيل : المسجد الحرام، عبّر بالمساجد لأنه قبلتها، وهو بعيد


1) تفسیر نور الثقلين 5: 439.

(وكان مجنّحاً بالجيم والنون المشدّدة والحاء المهملة، أي: رافعاً مرفقيه عن الأرض حال السجود، جاعلا يديه كالجناحين فقوله «و لم يضع ذراعيه على الأرض» عطف تفسيري.)### ما لا يشترك الرجل والمرأة في أفعال الصلاةايضاحما تضمنه هذا الحديث من الأفعال المشترك بين الرجل والمرأة سوى أمور يسيرة تختص بالرجل، وهي ستة :الأول: إرسال اليدين حال القيام، فإنّ المستحبّ لها وضع كلّ يد على الثدي المحاذي لها.الثاني : التفريق بين القدمين، فإنّ المستحبّ لها جمعهما.الثالث: التجافي المعبّر عنه بقوله و لم يضع شيئاً من بدنه على شيء منه» فإنّ المستحبّ لها تركه.الرابع: التجنّح (1، فإنّ المستحب لها تركه.)الخامس: التورّك بين السجدتين، فإنّ المستحب للمرأة ضمّ فخذيها ورفع ركبتيها.-------------------------------------------------------------------------وقيل: المساجد جمع مسجد بالفتح مصدراً، فالمراد يجب السجود لله، فلا يفعل لغيره، اللّه يعلم (2.)قوله: «التفريق بين القدمين».يمكن أن يكون الوجه في ذلك كله أنها أستر لها، فتأمّل.


1) التجنّح في البدن والتجافي في كل الأعضاء (منه).

2) زبدة البيان في أحكام القرآن ص 81 - 82.

السادس: وضع اليدين على الركبتين، فإنّها تضعهما فوق ركبتيها لرواية زرارة (1، ولكن تجب عليها أن تنحني قدر ما ينحني الرجل.)واحتمل بعض أصحابنا إجتزائها بدون إنحناء الرجل، بأن يكون الواجب عليها أن تنحني أن تصل يداها إلى فخذيها فوق ركبتيها كما تشعر به الرواية، فإنّها معللة بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «لئلا تتطأطأ كثيراً فترتفع عجيزتها» وهذا الاحتمال غير بعيد.)وما تضمّنه الخبر من تغميضه (عَلَيهِ السَّلَامُ عينيه حال ركوعه ينافي ما هو المشهور بين الأصحاب من استحباب نظر المصلّي حال ركوعه إلى ما بين قدميه، كما يدلّ عليه خبر زرارة (2).)والشيخ في النهاية (3عمل بالخبرين معاً، وجعل التغميض أفضل من النظر إلى)-------------------------------------------------------------------------قوله: «كما يدل عليه خبر زرارة».خبر زرارة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ صحيح، وله طول نأخذ منه موضع الحاجة، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : فإذا ركعت فصفٌ في ركوعك بين قدميك، تجعل بينهما قدر شبر، وتمكّن راحتيك من ركبتيك، وتضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى، وبلغ أطراف أصابعك عين الركبة، وفرّج أصابعك إذا وضعتها على ركبتيك، فإن وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك أجزاك ذلك، وأحبّ إلي أن تمكن كفيك من ركبتيك، فتجعل أصابعك في عين الركبة، وتفرّج بينهما، وأقم صلبك، ومد عنقك، وليكن نظرك إلى ما بين قدميك (4).)


1) فروع الكافي 3: 335 ح 2.

2) فروع الكافي 3: 334 ح 1.

3) النهاية ص 71.

4) فروع الكافي 3: 334 ح 1، وتهذيب الأحكام 2: 83.

ما بين الرجلين.والمحقق في المعتبر (1عمل بخبر حماد.)وشيخنا الشهيد في الذكرى (2جمع بين الخبرين، بأنّ الناظر إلى ما بين قدميه تقرب صورته من صورة المغمض. وهو جمع بعيد.)والتخيير بين التغميض والنظر الخاص لا يخلو من وجه.### معنى الارغام والسجود على الأنفتتمةما تضمّنه هذا الحديث من سجوده (عَلَيهِ السَّلَامُ على الأنف الظاهر أنه سنة مغايرة للإرغام المستحبّ في السجود، فإنّه وضع الأنف على الرغام - بفتح الراء - وهو)-------------------------------------------------------------------------قوله: «جمع بين الخبرين».ليس هذا الجمع من الشهيد، بل هو مأخوذ من كلام الشيخ.قال الفاضل الأردبيلي في آيات أحكامه بعد الاشارة إلى روايتي حماد وزرارة حمل الشيخ الأولى على الثانية، بأنه إذا لم ينظر إلا إلى ما بين رجليه فكأنه غض بصره، ثمّ قال : ويحتمل العمل بهما، فيكون كل واحد من الغض والنظر مستحبّاً تخييرياً (3.)قوله: «للإرغام».قد يقال: لا وجه لما ذكره بعد قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «ووضع الأنف على الأرض سنّة» ولو خص الإرغام بالتراب، فمع أن الظاهر أنه لا قائل به، وان تخصيص بعضهم التراب بالذكر فيه من باب التمثيل لبيان مناسبة النقل، لا يساعده ما سيذكره من أنه يتحقق)


1) المعتبر 2: 246.

2) ذكرى الشيعة 3: 373.

3) زبدة البيان ص 53.

التراب، والسجود على الأنف، كما روي عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ «لا تجزىء صلاة لا يصيب الأنف ما يصيب الجبين» (1)يتحقق بوضعه على ما يصح السجود عليه وإن لم يكن تراباً.)وربما قيل: الإرغام يتحقق بملاصقة الأنف الأرض وإن لم يكن معه اعتماد. ولهذا فسّره بعض علمائنا بمماسة الأنف التراب، والسجود يكون معه اعتماد في الجملة، فبينهما عموم من وجه.وفي كلام شيخنا الشهيد ما يعطي أنّ الإرغام والسجود على الأنف أمر واحد، مع أنه عد في بعض مؤلّفاته كلا منهما سنة على حدة.ثم على تفسير الإرغام بوضع الأنف على التراب هل تتأدى سنة الإرغام بوضعه على مطلق ما يصح السجود عليه وإن لم يكن تراباً؟ حكم بعض أصحابنا بذلك وجعل التراب أفضل. وفيه ما فيه، فليتأمل (2.)إكمالظاهر قول الراوي: «فصلى ركعتين» على هذا يعطي أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ قرأ سورة التوحيد)-------------------------------------------------------------------------بملاصقة الأنف للأرض، فالوجه أنّ ما تضمنه الحديث ممّا اجتمعت فيه السنتان، سواء أخذنا أعم وأخص مطلقا أو من وجه.قوله: «على هذا».أي: على ما ذكره من حدودها الواجبة والمندوبة، وذلك أنه لا قام ليعلمه صلاة تامة في حدودها الظاهرة، وحقوقها الباطنة من الفرائض والسنن، والخشوع


1) فروع الكافي 3: 333 ح 2، والتهذيب 1: 298 ح 1202.

2) وجه التأمّل أنّ جعل مطلق ما يصح عليه السجود في ذلك الحكم كالتراب قياس مع الفارق (منه).

في الركعة الثانية أيضاً، وهو ينافي ما هو المشهور بين أصحابنا من استحباب مغايرة السورة في الركعتين، وكراهة تكرار الواحدة فيهما إذا أحسن غيرها، كما رواه علي بن جعفر عن أخيه الامام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ(1).)-------------------------------------------------------------------------والاقبال بقلبه على اللّه.نعم كما يدلّ عليه قوله « يا حمّاد لا تحسن أن تصلّي» إلى قوله «صلاة واحدة بحدودها تامة» فهذا قرينة واضحة على أن لفظة «هذا» إشارة إلى هذا، وهذا لا يعطي مماثلة الثانية للأولى في كلّ ما فيها، حتّى يلزم منه أن يكون (عَلَيهِ السَّلَامُ فد قرأ التوحيد في الركعتين معاً، كيف؟ والركعة الأولى مشتملة على التكبيرة والاستعاذة دون الثانية، وهي مشتملة على القنوت دون الأولى، فيظهر منه أن الغرض الأصلي هو الاشارة إلى مشاكلة الثانية للأولى في أكثر ما فيها من الفرائض والسنن، وتكرار السورة فيهما ليس منها.)قوله: «علي بن جعفر».صحيحة على بن جعفر هكذا قال: سألته عن الرجل يقرأ سورة واحدة في الركعتين من الفريضة وهو يحسن غيرها، فإن فعل فما عليه؟ قال: إذا أحسن غيرها فلا يفعل، وإن لم يحسن غيرها فلا بأس (2.)وهذه الصحيحة ليست بصريحة في كراهة تكرار الواحدة في الركعتين، بل تحتمل كراهة تفريقها فيها، بأن يقرأها في الركعتين من الفريضة وهو يحسن غيرها، فتأمّل.


1) تهذيب الأحكام 2: 72 ح 31.

2) تهذيب الأحكام 2: 72 ح 31.

ويؤيّده ما مال إليه بعضهم من استثناء سورة الاخلاص من هذا الحكم. وهو جيد. و يعضده ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ من أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) صلى ركعتين، وقرأ في كلّ منهما قل هو اللّه أحد (1). وكون ذلك لبيان الجواز بعيد.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «ما رواه زراره عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ».)هذا حديث موثّق، رواه الشيخ في التهذيب عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أبي سعيد المكاري، وعبدالله بن بكير، جميعاً عن عبيد بن زرارة، وأبي إسحاق ثعلبة، عن زرارة، قال: قلت لأبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ : أصلّي بقل هو اللّه أحد؟ فقال: نعم، قد صلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في كلتا الركعتين بقل هو اللّه أحد، لم يصل قبلها ولا بعدها بقل هو هو اللّه أحد أتمّ منها (2).)وفي صحيحة صفوان الجمال، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ يقول: قل هو اللّه أحد تجزىء في خمسين صلاة (3).)وفي كتاب التوحيد بإسناده إلى عمران بن الحصين، أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بعث سرية واستعمل عليها عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلما رجعوا سألهم، فقالوا: كل خير غير أنه قرأ بنا في كلّ الصلوات بقل هو اللّه أحد، فقال: يا علي لم فعلت هذا؟ فقال: لحبّي بقل هو الله أحد، فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): ما أحببتها حتّى أحبّك اللّه عز وجل (4).)


1) تهذيب الأحكام 2 : 96 ح 7.

2) تهذيب الأحكام 2: 96 برقم: 359.

3) تهذيب الأحكام 2: 96 برقم: 360.

4) التوحيد للشيخ الصدوق ص 94.

ولعلّ استثناء سورة الإخلاص من بين السور واختصاصها بهذا الحكم لما فيها من مزيد الشرف والفضل.فقد روى الشيخ الصدوق عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: من مضى عليه يوم واحد، فصلّى فيه خمس صلوات ولم يقرأ فيها ب-«قل هو اللّه أحد» قيل له: يا عبدالله لست من المصلين (1).)وروى الشيخ أبو علي الطبرسي في تفسيره، عن أبي الدرداء، عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أنه قال: أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ قلت: يا رسول اللّه ومن يطيق)-------------------------------------------------------------------------قوله: «لما فيها».في كتاب ثواب الأعمال باسناده عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال: من مضت له جمعة ولم يقرأ فيها بقل هو اللّه أحد، ثمّ مات مات على دين أبي لهب (2).)وفيه عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ : من مضت له ثلاثة أيّام لم يقرأ فيها قل هو اللّه أحد، فقد خذل ونزع ربقة الايمان من عنقه، فإن مات في هذه الثلاثة الأيام كان كافراً بالله العظيم (3))وفيه عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ : من أصابه مرض أو شدّة ولم يقرأ في مرضه أو شدّته قل هو اللّه أحد، ثمّ مات في مرضه، أو في تلك الشدّة التي نزلت به، فهو من أهل النار (4).)فهذه الأخبار وما شاكلها تدلّ على أنّ لهذه السورة من مزيد الشرف والفضل ما ليس لغيرها، فلعلها لذلك اختصت بهذا الحكم دون غيرها.


1) ثواب الأعمال ص 155.

2) ثواب الأعمال للشيخ الصدوق ص 282 - 283 ح 1.

3) ثواب الأعمال للشيخ الصدوق ص 282 ح 1.

4) ثواب الأعمال للشيخ الصدوق ص 283 ح 1.

ذلك؟ قال: إقرأوا «قل هو اللّه أحد»(1.)وقد ذكر بعض العلماء في وجه معادلة هذه السورة لثلث القرآن كلاماً حاصله: أنّ مقاصد القرآن الكريم ترجع عند التحقيق إلى ثلاثة معان: معرفة اللّه تعالى، ومعرفة السعادة والشقاوة الأخروية والعلم بما يوصل إلى السعادة ويبعد عن الشقاوة. وسورة الإخلاص تشتمل على الأصل الأوّل، وهو معرفة اللّه تعالى، وتوحيده وتنزيهه عن مشابهة الخلق بالصمدية ونفي الأصل والفرع والكفؤ؛ وكما سمّيت الفاتحة أم القرآن؛ لاشتمالها على تلك الأصول الثلاثة، عادلت هذه-------------------------------------------------------------------------قوله: «قال: إقرأوا قل هو اللّه أحد».في كتاب التوحيد باسناده إلى أبي بصير، عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال: من قرأ قل هو اللّه أحد مرّة واحدة، فكأنما قرأ ثلث القرآن وثلث التوراة، وثلث الإنجيل، وثلث الزبور (2).)وفي كتاب كمال الدين وتمام النعمة بإسناده إلى علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): من قرأ قل هو اللّه أحد مرّة، فكأنما قرأ ثلث القرآن، ومن قرأها مرّتين، فكأنما قرأ ثلثى القرآن، ومن قرأها ثلاث مرات فكأنما قرأ القرآن كلّه (3).)قوله: «بالصمدية».وذلك لما ثبت في محلّه أنّ كلّ ممكن زوج تركيبي فله جوف، بخلاف الواجب فإنه فرد واحد أحدي المعنى لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم.


1) مجمع البيان 5: 561.

2) التوحيد للشيخ الصدوق ص 95 ح 15.

3) كمال الدين للشيخ الصدوق ص 542 ح 6.

السورة ثلث القرآن؛ لاشتمالها على واحد من تلك الأصول. واللّه أعلم.-------------------------------------------------------------------------وعليه فلا حاجة إلى ما أفاده ثقة الاسلام محمّد بن يعقوب الكليني في الأصول، بعد أن روى روايتين ضعيفتين دالّتين على أن المراد بالصمد السيّد المصمود إليه في القليل والكثير، بقوله: فهذا هو المعنى الصحيح في تأويل الصمد، لا ما ذهب إليه المشبهة أن تأويل الصمد المصمت الذي لا جوف له؛ لأن ذلك لا يكون إلا من صفة الجسم، واللّه جل ذكره متعال عن ذلك، هو أعظم وأجلّ من أن تقع الأوهام على صفته، أو تدرك كنه عظمته، ولو كان تأويل الصمد في صفة اللّه عزّ وجلّ المصمت لكان مخالفاً لقوله عزّوجلّ (ليس كمثله شيء لأن ذلك من صفة الأجسام المصمتة التي لا أجواف لها، مثل الحجر والحديد وسائر الأشياء المصمتة التي لا أجواف لها، تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً. فأما ما جاء في الأخبار من ذلك، فالعالم (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعلم بما قال (1). انتهى كلامه رفع مقامه.)وذلك لأن العالم (عَلَيهِ السَّلَامُ أشار بقوله «الصمد هو الذي لا جوف له» إلى ما أشرنا إليه لا إلى ما فهمه (رحمه اللّه).)وذلك مثل ما في كتاب التوحيد عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: حدّثني أبي زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، عن أبيه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: الصمد الذي لا جوف له، والصمد الذي لا ينام والصمد الدائم الذي لم يزل ولا يزال (2).)وفي رواية الربيع بن مسلم قال: سمعت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ وسئل عن الصمد، فقال: الصمد الذي لا جوف له (3).)


1) أصول الكافي 1: 124.

2) التوحيد ص 90.

3) التوحيد ص 93 ح 7.

-------------------------------------------------------------------------وفي رواية محمّد بن مسلم، عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ، قلت: ما الصمد؟ فقال: الذي ليس بمجوّف (1).)وفي رواية أخرى عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ : اللّه نور لا ظلام فيه، وصمد لا مدخل فيه (2).)إلى غير ذلك من الأخبار، وبعضها كالصريح فيما قلناه، فتأمّل.


1) التوحيد ص 93 ح 8.

2) التوحيد ص 140 ح 4.

## الحديث الثامن: زكاة الأموال وزكاة الأجسادوبالسند المتّصل إلى الشيخ الجليل محمّد بن يعقوب الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يوماً لأصحابه : ملعون كلّ مال لا یزکّی، ملعون كل جسد لا يزکّى، ولو في كل أربعين يوماً مرة.)فقيل: يا رسول اللّه أمّا زكاة المال فقد عرفناها، فما زكاة الأجساد ؟ فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لهم: أن تصاب بآفة. قال: فتغيّرت وجوه الذين سمعوا ذلك منه.)قال: فلما رآهم قد تغيّرت ألوانهم قال لهم: هل تدرون ما عنيت بقولي؟ قالوا: لا يا رسول اللّه. قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : بلى الرجل يخدش الخدشة، وينكب النكبة، ويعثر العثرة، ويمرض المرضة ويشاك الشوكة وما أشبه هذا حتّى ذكر في حديثه اختلاج العين (1).)-------------------------------------------------------------------------الحديث الثامنقوله: «عن مسعدة بن صدقة».عامي بتري لا مدح فيه، فالسند ضعيف.


1) أصول الكافي 2: 258 ح 26.

بیان(ملعون كلّ مال لا يزكّى أي: بعيد عن الخير والبركة، يعني لا خير لصاحبه ولا بركة.)ويجوز أن يراد ملعون صاحبه على حذف مضاف، أي: مطرود مبعد عن رحمة الله تعالى. وقس عليه قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ «ملعون كل جسد لا يزكّى».)وذكر الزكاة هنا من باب المشاكلة؛ ويجوز أن يكون استعارة تبعية، ووجه الشبه أنّ كلّ منهما وإن كان نقصاً بحسب الظاهر إلا أنه موجب لمزيد الخير والبركة في نفس الأمر.(فتغيرت وجوه الذين سمعوا ذلك لأنّهم ظنّوا أنّ مراده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالآفة : العاهة والبلية الشديدة التي كثيراً ما يخلو عنها الانسان سنين عديدة فضلاً عن أربعين)-------------------------------------------------------------------------قوله: «من باب المشاكله».قال صاحب النخبة في كتاب الزكاة زكاة الجسد، وهو نقصه لمزيد الخير والبركة: إمّا اضطراراً بأن يصاب بآفة كعثرة، أو خدشة، أو مرض، حتّى اختلاج العين، وفيه ورد «ملعون كل جسد لا يزكّى ولو في كل أربعين يوماً مرّة». وإما إختياراً، بأن يصرف في الطاعة، ويمنع عن المعصية، وفيه ورد حديث زكاة الأعضاء ومصارفها «وأنّ لكلّ شيء زكاة، وزكاة الأبدان الصيام» (1.)وعلى هذا فيمكن أن يقال: لا حاجة إلى القول بالمشاكلة والاستعارة؛ لأنّ الزكاة في اللغة: الطهارة والنمو. فكما أنّ زكاة المال يطهره وينمي الثواب، فكذلك زكاة البدن وغيره يطهره وينمي الثواب، فتأمّل.


1) النخبة للفيض الكاشاني ص 142.

يوماً.(يخدش الخدشة يخدش بالبناء للمفعول، وكذا ينكب والخدشة: تفرق اتصال في الجلد من ظفر ونحوه، سواء خرج معه دم أو لا.)(ويعثر العثرة المراد بها عثرة.الرجل. ويجوز أن يراد بها ما يعمّ عثرة اللسان أيضاً. لكنه بعيد.)(ويشاك الشوكة يقال: شاكته الشوكة تشوكه شاكة وشيكة أذا دخلت في جسده. وانتصاب الشوكة بالمفعولية المطلقة، كانتصاب الخدشة والنكبة والعثرة.)فإن قلت: تلك مصادر بخلاف الشوكة، فكيف يكون مفعولاً مطلقا ؟قلت: قد يجيء المفعول المطلق غير المصدر إذا لابس المصدر بالآلية ونحوها، نحو ضربته سوطاً. وإن أبيت فاجعل انتصابها بنزع الخافض، أي: يشاك بالشوكة.-------------------------------------------------------------------------قوله: «يخدش الخدشة».خدش الجلد: قشره بعود أو ظفر ونحوهما.والعثرة: المرّة من العثار في المشي، وهو الزلّة، يقال: عثر يعثر من باب قتل عثاراً بالكسر إذا كبا وسقط، ومنه العاثور المكان الوعث الخشن؛ لأنه يعثر فيه، وعثرة اللسان خطأه. وفي الحديث أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم»(1وفي رواية أخرى «ذوي المروّات» ومنه قول الشاعر :)يصاب الفتى من عثرة بلسانه وليس يصاب المرأ من عثرة الرجلفعثرته في القول تذهب رأسه وعثرته في الرجل تبرأ عن مهل


1) کنز العمال 5: 309 برقم: 12975.

(وما أشبه هذا يحتمل أن يكون من كلام النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأن يكون من كلام الراوي.)(إختلاج العين عده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من جملة الآفات؛ لأنّ الإختلاج مرض من الأمراض، وقد ذكره الأطبّاء. وهو حركة سريعة متواترة غير عادية تعرض لجزء من البدن كالجلد ونحوه بسبب رطوبة غليظة لزجة تنحل، فتصير ريحاً بخارياً غليظاً يعسر خروجه من المسام وتزاول الدافعة دفعة فيقع بينهما مدافعة واضطراب.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «من كلام النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ»)بأن يكون نظم كلامه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ هكذا، أو يشاكه الشوكة وما أشبه هذا، حتّى اختلاج العين، فزاد الراوي حين نقله الحديث قوله «ذكر في حديثه».)ولعلّ بهذا يندفع ما قيل كونه من كلامه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بعيد جداً؛ إذ سوق الكلام كالصريح في أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عدها مفصلة حفّفها إلى أن عد اختلاج العين منها.)اللّهمّ إلا أن يقال: إنّه أجملها أوّلاً بقوله وما أشبه هذا» ثمّ فصلها ثانياً بعض التفصيل، فذكر الاختلاج وفيه ما ترى.والأظهر أن يكون من كلام الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ، أو الراوي، والعائد إليه ضمير ذكر وحديثه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ويحتمل عودهما إلى الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً على الأخير، فتأمّل.)قوله: «لأن الإختلاج مرض».أصل الإختلاج الحركة والاضطراب، ومنه الحديث «ما اختلج عرق إلا ويكفّر الله به» (1.)


1) نهاية ابن الأثير 2: 60.

## الحديث التاسع: خطبة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في شهر رمضان)### إشارة:وبسندي المتّصل إلى الشيخ الجليل ثقة الاسلام محمّد بن بابويه، عن أحمد بن الحسن بن القطان، عن أحمد بن محمّد بن سعيد الهمداني، عن علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عَلَيهِمَا السَّلَامُ، عن أبيه الكاظم موسى بن جعفر، عن أبيه الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه الباقر محمّد بن علي، عن أبيه زين العابدين علي بن الحسين، عن أبيه سيّد الشهداء الحسين بن علي، عن أبيه سيّد الوصيين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِم السَّلَامُ)، قال :)-------------------------------------------------------------------------الحديث التاسعقوله: «عن أحمد بن الحسن».أحمد هذا غير مذكور في الرجال، ولكن الظاهر أنه من مشايخ الإجازة، فلا تضر جهالته.قوله: «عن أحمد بن محمّد بن سعيد الهمداني».المشهور بابن عقدة، ثقة جليل في أصحاب الحديث، وكان زيدياً جارودياً، إلاّ أنه روى جميع كتب أصحابنا وصنّف لهم، وذكر أصولهم، ويحكى عنه أنه قال: أحفظ مائة وعشرين ألف حديث بأسانيدها، وأذاكر بثلاثمائة ألف حديث.

إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ خطبنا ذات يوم فقال: أيها الناس انه قد أقبل إليكم شهر اللّه بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند اللّه أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، وهو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة اللّه، وجعلتم فيه من أهل كرامته أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، و عملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب فاسألوا اللّه ربّكم بنيات صادقة، وقلوب طاهرة أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه، فإنّ الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم.)واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه، وتصدّقوا على فقرائكم ومساكينكم، ووقروا كباركم، وارحموا صغاركم، وصلوا أرحامكم، واحفظوا ألسنتكم، وغضوا عمّا لا يحلّ النظر إليه أبصاركم، وتحننوا على أيتام الناس يتحنّن على أيتامكم، وتوبوا إلى اللّه من ذنوبكم، وارفعوا إليه أيديكم بالدعاء في أوقات صلواتكم، فإنّها أفضل الساعات، ينظر اللّه تعالى فيها بالرحمة إلى عباده يجيبهم إذا ناجوه ويلبّيهم إذا نادوه، ويستجيب لهم إذا دعوه.أيّها الناس إنّ أنفسكم مرهونة بأعمالكم، ففكوها باستغفاركم، وظهوركم ثقيلة من أوزاركم، فخففوا عنها بطول سجودكم، واعلموا أنّ اللّه تعالى جلّ ذكره أقسم بعزّته أن لا يعذب المصلين والساجدين، ولا يروّعهم بالنار يوم يقوم الناس لربّ العالمين.أيها الناس من فطّر منكم صائماً مؤمناً في هذا الشهر، كان له بذلك عند الله عتق رقبة، ومغفرة لما مضى من ذنوبه.فقيل: يا رسول اللّه وليس كلنا يقدر على ذلك.فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: اتقوا النار ولو بشق تمرة، اتقوا النار ولو بشربة من ماء.)

أيها الناس من خفف منكم في هذا الشهر عمّا ملكت يمينه خفف اللّه تعالى عليه حسابه، ومن كفّ فيه شرّه كفّ اللّه عنه غضبه يوم يلقاه، ومن أكرم فيه يتيماً أكرمه اللّه يوم يلقاه، ومن وصل فيه رحمه وصله اللّه برحمته يوم يلقاه، ومن قطع فيه رحمه قطع اللّه عنه رحمته يوم يلقاه، ومن تطوّع فيه بصلاة كتب اللّه له براءة من النار.ومن أدّى فيه فرضاً كان له ثواب من أدّى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور، ومن أكثر فيه الصلاة عليّ ثقل اللّه ميزانه يوم تخفّف الموازين، ومن تلا فيه آية من القرآن كان له مثل أجر من ختم فيه القرآن في غيره من الشهور.-------------------------------------------------------------------------قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «قطع اللّه عنه رحمته». الكافي بإسناده عن حذيفة بن منصور، قال: قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : اتقوا الحالقة، فإنّها تميت الرجال، قلت: وما الحالقة؟ قال: قطيعة الرحم (1).)والمراد بالحالقة الخصلة، والتي من شأنها أن تحلق، أي: تهلك وتستأصل الدين كما يستأصل الموسى الشعر.والأخبار في النهي عن قطيعة الرحم أكثر من أن تحصى، وقد نبّه إليه سبحانه؛ إذ قرن الأرحام باسمه في قوله (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ (2)على أن صلتها بمكان منه.)و عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: الرحم معلّقة بالعرش، تقول: ألا من وصلني وصله اللّه، ومن قطعني قطعه اللّه (3).)


1) أصول الكافي 2: 346 ح 2.

2) سورة النساء: 1.

3) كنز العمّال 3 368 برقم: 6980.

أيها الناس أبواب الجنان في هذا الشهر مفتحة، فاسألوا ربكم أن لا يغلقها عليكم، وأبواب النيران مغلقة، فاسألوا ربّكم أن لا يفتحها عليكم، والشياطين مغلولة فاسألوا ربكم أن لا يسلّطها عليكم.قال أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام: فقمت وقلت: يا رسول اللّه ما أفضل الأعمال في هذا الشهر ؟ فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : يا أبا الحسن أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم اللّه عزّوجلّ، ثمّ بكى.)فقلت: ما يبكيك يا رسول اللّه ؟ فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: أبكي لما يستحلّ منك في هذا الشهر، كأني بك وأنت تصلّي لربك وقد انبعث أشقى الأولين والآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود، يضربك ضربة على قرنك فخضب منها لحيتك. فقلت: يا رسول اللّه وذلك في سلامة من ديني ؟ فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : في سلامة من دينك)-------------------------------------------------------------------------قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «مغلولة».)أي ممنوعة من التصرّف في الصائمين ومن وسوستهم؛ لكثرة ذكرهم، ودوام فکرهم، وقوّة ايمانهم وإخلاص توحيدهم، وتيقظهم وعدم غفلتهم، وسدّهم المجاري بالجوع، فلا تصل إلى قلوبهم وسوستها فكأنها بذلك مغلولة، وإلا فلا غل، ثمّ ولا مغلول في الحقيقة.قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «على قرنك».)إناخته البرانس وأحد جانبيه. ومنه حديث علي (عَلَيهِ السَّلَامُ وذكر قصة ذي القرنين، ثمّ قال: وفيكم مثله (1). عني اللّه نفسه؛ لأنه ضرب على رأسه ضربتين: ضربة يوم الخندق، وضربة اللعين ابن ملجم.)


1) أصول الكافي 1: 269 ح 4.

ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : يا على من قتلك فقد قتلني، ومن أبغضك فقد أبغضني؛ لأنك منّي كنفسي، وطينتك من طينتي، وأنت وصبّي وخليفتي على أمتي (1).)-------------------------------------------------------------------------ثمّ إنّ هذا الحديث بظاهره يدل على أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ ضرب وهو في الصلاة، كما هو المشهور. ولكن ذكر بعض أصحابنا أنه لما كانت الليلة التي ضرب فيها أكثر الخروج والنظر إلى السماء، وكان يقول: واللّه ما كذبت ولا كذبت، وأنها الليلة التي وعد اللّه، فلما كان وقت السحر وأذن المؤذن بالصلاة خرج، فلما دخل المسجد أقبل ينادي الصلاة، فشدّ عليه اللعين ابن ملجم لعنه اللّه، فضربه على رأسه بالسيف، فوقعت ضربته موقع التي ضربه إياها عمرو بن عبدود يوم الخندق.)ويمكن الجمع بينهما بحمل الصلاة في الحديث على المجاز، من قبيل تسمية المشارف على الشيء باسمه، ولعلّ هذا هو الأظهر؛ لأن اللعين عبدالرحمن لما خاف فوت الفرصة باجتماع الناس للصلوة بادر إلى ضربه (عَلَيهِ السَّلَامُ من قبل أن يشرع في الصلاة، فعلى ضاربه لعنة اللّه ولعنة اللاعنين إلى يوم الدين.)وأما ما رواه الشيخ في أماليه عن الرضا عن آبائه، عن علي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ، قال : لما ضرب ابن ملجم أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكان معه آخر، فوقعت ضربته على الحائط، وأما ابن ملجم فضربه، فوقعت الضربة وهو ساجد على رأسه على الضربة التي كانت فخرج الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، فأخذا ابن ملجم وأوثقاه الحديث (2). فيمكن حمل السجود فيه على ما هو بين الأذان والاقامة، فتأمّل)قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «لأنك منّي كنفسي».)أراد به غاية الاختصاص، وكمال الاتحاد من الطرفين والطينة الخلقة.


1) عيون أخبار الرضا 1: 295 - 297 ح 53، الأمالي للشيخ الصدوق ص 153 - 155.

2) أمالي الشيخ الطوسي ص 365 برقم: 768.

بیان(خطبنا ذات يوم ضمن (عَلَيهِ السَّلَامُ) «خطبنا» معنى وعظنا، فعدّاه تعديته، وإلا فخطب هنا لازم بمعنى النطق بالخطبة، وكما يضمن المتعدّي بنفسه معنى المتعدّي بحرف فيعدى به كذلك قد يضمن اللازم معنى المتعدّى، فيتعدّي بنفسه كما نحن فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ) (1)قالوا: إنّه ضمن معنى تنووا، فعدي بنفسه، وإلا فهو يتعدى ب-«على».)واليوم الذي أبهمه (عَلَيهِ السَّلَامُ بقوله «ذات يوم» في بعض الروايات أنه كان آخر جمعة من شعبان.)وعطف «فقال» على «خطبنا» بالفاء التعقيبة مع أنّه لا تعقيب بين الخطبة والقول إمّا على تأويل أراد أن يخطبنا كما قالوه في قوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (2)من أنه بتأويل أردنا إهلاكها، أو على ما ذكره بعض المحققين من النحاة من أنّ التعقيب في الفاء على نوعين: حقيقي معنوي نحو جاء زيد فعمرو، ومجازي ذكري وهو عطف مفصل على مجمل، كقوله تعالى: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) (3)ونحو)-------------------------------------------------------------------------قوله: «خطبنا».أي: وجّه الكلام إلينا ليفهمنا، والخطاب توجيه الكلام نحو الغير للإفهام. وقد يطلق على الكلام الموجّه والخطبة بالضمّ يختص بالموعظة بنفسها، فيقال: خطبنا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أي وعظنا. وبالكسر خطبة النساء.)


1) سورة البقرة: 235.

2) سورة الأعراف: 4.

3) سورة هود: 45.

قولك «توضأت فغسلت وجهي ويدي ومسحت رأسى ورجلي» فإنّ التفصيل حقه أن يتعقب الإجمال.(إنّه قد أقبل إليكم شهر اللّه تأكيد الحكم ب-«انّ» مع أن قرب شهر رمضان ممّا)-------------------------------------------------------------------------قوله: «تأكيد الحكم».قد يقال في توجيه هذا التأكيد كما أنه قد يترك تأكيد الحكم المنكر؛ لأن نفس المتكلّم لا تساعده على تأكيده؛ لكونه غير معتقد له، أو لأنه لا يروج منه، ولا يتقبل على لفظ التأكيد، فكذا قد يؤكّد الحكم المسلم لصدق الرغبة فيه والرواج، فالأظهر أن يحمل التأكيد على تاكيد الحكم المسلّم لصدق الرغبة، ووفور النشاط فيه، ورواج الحكم عند المخاطبين.قال في الكشّاف في قوله تعالى (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ (1): ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديراً بأقوى الكلامين وأوكدهما ؛ لأنهم في ادعاء حدوث الايمان منهم ونشئه من قبلهم، لا في ادعاء أنهم أوحديون في الايمان غير مشقوق فيه غبارهم، وذلك: إما لأنّ أنفسهم لا تساعدهم عليه؛ إذ ليس لهم من عقائدهم باعث ومحرّك، وهكذا كل قول لم يصدر عن نشاط (2)وصدق رغبة واعتقاد، وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد والمبالغة، وكيف يقولونه ويطمعون في رواجه، وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار.)يعني: هؤلاء الذين آمنوا عن قريب لو ادعوا الأوحدية مع هؤلاء الأعاظم في الدين والايمان والتوحيد لا يروج.


1) سورة البقرة : 14.

2) في الكشّاف: عن أريحة.

لا ينكره المخاطب ولا يتردّد فيه لعله من إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، بجعل غير المنكر كالمنكر إذا لاح عليه شيء من أمارات الإنكار، كقوله «إنّ بني عمّك فيهم رماح» فالمخاطبون كأنّهم لمّا لم يستعدّوا ويتهيأوا لدخوله بالخروج من المظالم والتبعات وتهيّأة الأقوات لتفطير الصائمين والصدقات، ولم يحصل لهم الفرح والاستبشار بإقبال هذا الشهر العظيم الذي تغفر فيه الخطيئات وتستجاب فيه الدعوات، جعلوا كأنّهم منكرون لإقباله عليهم، فخوطبوا خطاب-------------------------------------------------------------------------وأما مخاطبة إخوانهم، فهم فيما أخبروا عن أنفسهم من الثبات على اليهودية، والقرار على اعتقاد الكفر، والبعد من أن يزلوا عنه على صدق رغبة ووفور نشاط، و ما قالوه من ذلك فهو رائج عنهم متقبل منهم، فكان مظنة للتحقيق، ومئنة للتوكيد، هذا كلامه (1. فتأمّل فيه ليرشدك إلى المرام، ويوفقك على ما يناسب هذا المقام.)قوله: «كقوله».أي: كقول حجل بن نضلة : جاء شقيق عارضاً رمحهأي: واضعاً رمحه على العرض، فهو لا ينكر أنّ في بني عمه رماحاً، لكن مجيئه واضعاً الرمح على العرض من غير التفات وتهي إمارة أنه يعتقد أن لا رمح فيهم بل كلّهم لا سلاح معهم، فنزل منزلة المنكر، وخوطب خطاب التفات بقوله «إنّ بني عمّك فيهم رماح» مؤكّداً، والمراد بوضع العرض هنا كون عرض الرمح في جانب الأعداء؛ إذ الوضع بحيث يكون طوله نحوهم علامة التصدّي للمحاربة، فالوضع بحيث يكون العرض نحوهم علامة الانكار.


1) الكشّاف 1: 185 - 186.

المنكر، مع المبالغة في التأكيد بالإبهام بضمير الشأن ثمّ التفسير ب-«قد» التحقيقية.ولا يبعد كون التأكيد جارياً على مقتضى الظاهر، نظراً إلى أن الحكم ليس مجرّد إقبال الشهر، بل هو إقباله مصاحباً للبركة والرحمة والمغفرة.ولعلّ هذا الحكم المقيّد ممّا يشكّ فيه بعض الحاضرين، أو ينكره بعض المنافقين، فخطابهم جميعاً بالحكم المؤكد من قبيل تغليب المتصف بأمر على غير المتصف به.وإسناد الإقبال إلى الشهر مجاز عقلي. ولك أن تجعل التجوز في الطرف لا في النسبة: إما في المسند بجعل الإقبال مجازاً عن القرب، أو في المسند إليه على طريقة الاستعارة بالكناية.ويمكن طيّ الكشح عن التجوّز في المفرد، بأن يعتبر تشبيه التلبس الغير الفاعلي بالتلبّس الفاعلي، ويستعمل فيه اللفظ الموضوع لإفادة التلبس الفاعلي، فيصير الكلام إستعارة تمثيلية، كما في «أراك تقدم رجلاً وتؤخّر أُخرى».وإضافة «الشهر» إلى «الله تعالى» لعله لمزيد الاختصاص المفهوم ممّا نطق به الحديث القدسي الذي رواه العامّة والخاصّة «إنّ اللّه تعالى يقول: إن الصوم لي-------------------------------------------------------------------------قوله: «يقول إنّ الصوم».وجه بعض أصحابنا هذا الحديث بأنّ الصوم توطين النفس على الامساك من الأمور المشهورة، ولا يطلع على ذلك إلا علام الغيوب، بخلاف سائر العبادات فإنّها من أفعال الجوارح التي يطلع عليه الناس. وأما إسناد جزاؤه إليه تعالى، فالغرض منه بيان الاهتمام بذلك، فإنّ من اهتم بأمر يتوجه إليه بنفسه، فيكون من باب التمثيل.

وأنا أجزىء عليه» (1.)وإما إشعار بأنّ رمضان من أسمائه تعالى، كما رواه الشيخ الجليل قدوة المحدثين محمّد بن يعقوب الكليني (طاب ثراه في كتاب الكافي، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن أحمد بن أبي نصر، عن هشام بن سالم، عن سعد بن سالم، قال: كنا عند أبي جعفر محمّد بن علي الباقر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، فذكرنا رمضان، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لا تقولوا هذا رمضان، ولا ذهب رمضان، ولا جاء رمضان، فإنّ رمضان إسم من أسماء اللّه تعالى، وهو عزّوجلّ لا يجيء ولا يذهب، ولكن قولوا: شهر رمضان. الحديث (2).)-------------------------------------------------------------------------قوله: «قولوا شهر رمضان».رمضان مصدر رمض بمعنى الحرّ والشدّة، فنقل إلى الشهر، وجعل الشهر مضافاً إليه، فصار المجموع علماً، كذا في الكشّاف (3.)وقيل: رمضان أيضا علم، فكان له علمين مركب ومفرد.يدلّ على الأوّل ما في الكافي عن سعد، عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال: كنا عنده ثمانية رجال، فذكرنا رمضان، فقال: لا تقولوا هذا رمضان، ولا ذهب رمضان، ولا جاء رمضان، فإنّ رمضان إسم من أسماء اللّه تعالى، لا يجيء ولا يذهب، وإنما يجيء ويذهب الزائل، ولكن قولوا شهر رمضان، فإنّ الشهر مضاف إلى الاسم، والاسم إسم اللّه سبحانه وتعالى، وهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن (4).)


1) فروع الكافي 4: 63 ح 6.

2) فروع الكافي 4: 69 ح 2.

3) الكشّاف 1: 336.

4) فروع الكافي 4 : 69 - 70 ح 2.

(فإنّ الشقي من حرم غفران اللّه قصر إسم إنّ على خبرها للمبالغة في شقاوة المحروم من الغفران في هذا الشهر، كأنه لا شقي غيره، على ما قالوا في نحو «الأمير زيد والشجاع عمرو» من أنّ اللام إن حمل في المقام الخطابي على الإستغراق، كان بمنزلة «كلّ أمير زيد وكلّ شجاع عمرو» وإن حمل على الجنس أفاد أن زيداً جنس الأمير، وعمرواً جنس الشجاع، متحدان في الخارج. وكيف كان فالقصر الادعائي حاصل.)(وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم ربما استدل بعطف أحدهما على الآخر)-------------------------------------------------------------------------وفيه عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال : قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لا تقولوا رمضان، ولكن قولوا شهر رمضان، فإنّكم لا تدرون ما رمضان (1).)وعلى الثاني ما روي عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : من صام رمضان إيمانا واحتسابا فله الجنّة (2).)وفي رواية: غفر له ما تقدّم من ذنبه (3و «من أدرك رمضان ولم يغفر له» الحديث (4).)ومن أصحابنا من جمع بينهما بحمل الأوّل على الكراهة، والثاني على الجواز. وأما القائلون بأنّ العلم هو المجموع، فأجابوا عمّا دلّ على الثاني بانه على حذف المضاف لا من الالتباس.وفيه أنّ القول بحذف المضاف من العلم، مع أنه خلاف الأصل بعيد عن الطبع والاستعمال.


1) فروع الكافي 3: 69 ح 1.

2) كنز العمّال 8: 465.

3) عوالي اللئالي 1: 86 و 2 : 81.

4) كنز العمّال 16: 43 برقم: 43855.

على تخالفهما، ولا خلاف في اشتراكهما في وصف عدمي هو عدم وفاء الكسب والمال بمؤونته ومؤونة العيال، إنّما الخلاف في أنّ أيهما هو الذي لا مال له ولا كسب بالكلية، وهذا معنى الخلاف في أنّ أيهما أسوأ حالاً.-------------------------------------------------------------------------قوله: «على تخالفهما».فيدل على خلاف ما ذهب إليه ابن الأعرابي من ترادفهما.وفيه أنّ العطف لا يدلّ على المغايرة مطلقا، فإنّ من أقسامه عطف الشيء على مرادفه، وقد عدّ منه قوله تعالى (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ (1)وقوله (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) (2)وقوله (لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا)(3)وقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «ليليني منكم ذوو الاحلام والنهى» (4).)### الفقير والمسكين أيهما أسوأ حالاًوالمراد بالفقراء والمساكين هنا واحد وهو من لا يقدر على قوت السنة له ولعياله الواجب نفقتهم عليه ولو بالصنعة والكسب، وإنما ذكرا معاً للتأكيد، ولا فائدة هنا للبحث عن الأسوء منهما حالاً، وإن كان الحق أن المسكين أسوأ من الفقير حالاً.قوله: «وهذا معنى الخلاف في أن أيهما أسوأ حالاً».ذهب قوم منهم المحقّق في الشرائع (5إلى أنّ الفقراء والمساكين لا فرق بينهما، فأصناف المستحقين للزكاة عند هؤلاء سبعة، والجمهور على الفرق.)


1) سورة البقرة: 157.

2) سورة يوسف: 86.

3) سورة طه: 107.

4) كنز العمال 7: 626 برقم: 20592.

5) شرائع الاسلام 1: 160.

-------------------------------------------------------------------------قال ابن عبّاس: الفقير هو المتعفّف الذي لا يسأل، والمسكين الذي يسأل.وقيل بالعكس. وقال محمّد بن بابويه رحمة اللّه عليه: الفقير الزمن المحتاج، والمسكين المحتاج غير الزمن.وقال الشيخ فى المبسوط : الفقير من لا شيء له، والمسكين من له بلغة من العيش، قال اللّه تعالى (وأَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ(1). وكذا قال في الجمل (2)، وتبعه ابن البرّاج (3)، وابن حمزة (4)، وابن إدريس(5)، وحكاه الجوهري(6)عن الأصمعي.)وقيل بالعكس، وإليه ذهب الشيخ في النهاية (7، والمفيد في المقنعة (8)، وابن الجنيد (9)، وسلار (10)، وحكاه الجوهري (11)عن ابن السكيت، والهروي عن ابن عرفة عن أحمد بن يحيى، عن محمّد بن سلام، عن يونس.)


1) المبسوط 1: 246 - 247.

2) الجمل والعقود ص 103.

3) المهذب البارع 1: 524 - 528.

4) غنية النزوع ص 123.

5) السرائر 1: 456.

6) صحاح اللغة 2: 782.

7) النهاية ص 184.

8) المقنعة ص 241.

9) مختلف الشيعة 2: 198.

10) المراسم ص 132.

11) صحاح اللغة 2: 782.

فقال الفراء وثعلب وابن السكيت هو المسكين وبه قال أبو حنيفة، ووافقهم من علماء الشيعة الامامية (1ابن الجنيد (2)وسلار (3)والشيخ الطوسي في النهاية (4)؛ لقوله تعالى (أو مسكيناً ذا متربة) (5)وهو المطروح على التراب لشدّة الاحتياج، ولأنّ الشاعر قد أثبت للفقير مالاً في قوله :)أمّا الفقير الذي كانت حلوبته ***وفق العيال فلم يترك له سَبَدُ (6)وقال الاصمعي: الفقير أسوأ حالا (7، وبه قال الشافعي (8)، ووافقه من الامامية)-------------------------------------------------------------------------قوله: «كانت حلوبته».الحلوبة: شاة تحلب ويقال كسبه وفق عياله، أي: بقدر كفايتهم ومقدار حاجتهم.والسبد : بالتحريك القليل من الشعر، ويقال: ما له سبد ولا لبد محرّكتان، أي: لا قليل ولا كثير.


1) ممّن صرّح بان المعنى هو هذا فخر المحققين في الايضاح، ويدلّ عليه أيضاً كلام الصحاح، ولو كان الخلاف في أنّ أيهما أقل من الآخر لما صح الاستدلال بالبيت وآية السفينة (منه).

2) مختلف الشيعة 2: 198.

3) المراسم ص 132.

4) النهاية ص 184.

5) سورة البلد: 16.

6) البيت للراعي كما في تهذيب اللغة للأزهري 9: 114.

7) المغني لابن قدامة 7: 313.

8) المغني لابن قدامة 7: 313.

المحقق محمّد بن إدريس الحلّي (1، والشيخ أبو جعفر الطوسي في المبسوط (2)والخلاف (3)لأنّ اللّه تعالى بدأ به في آية الزكاة (4)، وهو يدلّ على الاهتمام بشأنه في الحاجة، ولاستعاذة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من الفقر، مع قوله «اللّهمّ أحيني مسكيناً،)-------------------------------------------------------------------------قوله: «ولاستعاذة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ».)فإن قلت: هذا ينافي ما ورد في الخبر أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قال : الفقر فخري وبه أفتخر على سائر الأنبياء (5).)قلت: قد جمع بينهما، بأن الفقر الذي تعود (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ منه هو الفقر إلى الناس، والذي دون الكفاف، والذي افتخر به هو الفقر إلى اللّه تعالى، وإنما كان هذا فخراً له على سائر الأنبياء مع مشاركتهم له فيه؛ لأنّ توحيده واتصاله بالحضرة الإلهية وانقطاعه إليه كان في الدرجة التي لم يكن لأحد مثلها في العلو، ففقره إليه كان أتم وأكمل من فقر سائر الأنبياء.)قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «اللّهمّ أحيني مسكينا».)المراد بالمسكنة فى هذا الدعاء الخضوع والخشوع، وعدم التكبر، والرضا باليسير، وحبّ الفقراء، وسلوك طريقهم في المعاش، ونحو ذلك. وليس المراد به ما يرادف الفقر الصوري. وفي بعض الروايات «واحشرني في زمرة المساكين» والزمرة: الجماعة من الناس، ومنه زمرة المتقين.


1) السرائر 1: 456.

2) المبسوط 1: 246.

3) الخلاف 4: 229.

4) سورة التوبة 60.

5) عوالي اللئالي 1: 39 ح 38.

وأمتني مسكيناً، واحشرني مع المساكين» (1ولان الفقر مأخوذ من كسر الفقار من شدة الحاجة.)وإثبات الشاعر المال للفقير لا يوجب كونه أحسن حالاً من المسكين، فقد أثبت تعالى للمساكين مالاً في آية السفينة.والحق أنّ المسكين أسوأ حالاً من الفقير لا لما ذكر، بل لما رواه شيخ الطائفة محمّد بن الحسن الطوسي (قدس اللّه روحه في كتاب التهذيب، عن محمّد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أحمد بن محمّد، عن أحمد بن خالد، عن عبدالله بن يحيى، عن عبد اللّه بن مسكان، عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : قول اللّه عزّوجلّ: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) قال: الفقير الذي لا يسأل الناس، والمسكين أجهد منه، والبائس أجهدهم... الحديث (2).)-------------------------------------------------------------------------قوله: «بل لما رواه».فيه نظر؛ إذ لا مانع من أن يعلل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «والمسكين أجهد منه» بقوله تعالى (أو مسكيناً ذا متربة) وبأنّ الفقير له مال أو كسب، بخلاف المسكين، فيكون ما ذكره القوم وجهاً وعلة لحكمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكونه أجهد منه، فلا وجه لنفي ما ذكروه علّة لكونه أسوأ من منه، ثمّ إثباته بهذا الحديث، بل كان ينبغي أن يذكره من باب تأييد ما ذكروه وتأكيد ما علّلوه، فتأمّل.)قوله: «قول اللّه عزّوجلّ (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ».)قد اشتهر بين الطلبة أنّ الفقير والمسكين كالجار والمجرور إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، والمراد أنهما إذا اجتمعا في الكلام افترقا في المفهوم، فيراد من


1) الجامع الصغير 1: 56.

2) تهذيب الأحكام 4: 104 ح 31.

-------------------------------------------------------------------------كل منهما غير ما يراد من الآخر، كما في آية الزكاة، وإذا افترقا في الكلام بأن يذكر أحدهما دون الآخر، كما في آية الكفّارة اجتمعا، أي: في الارادة، فيراد بالمذكور منهما ما يشملهما.قال الشهيد الثاني في المسالك الفقراء والمساكين متى ذكر أحدهما خاصة دخل فيه الآخر بلا خلاف نص عليه قوم، منهم الشيخ والعلّامة، كما في آية الكفّارة المخصوصة بالمسكين، فيدخل فيه الفقير، وإنما الخلاف فيما لو جمعا كما في آية الزكاة لا غير (1. انتهى كلامه رفع مقامه.)وكذلك حكم لفظي الجار والمجرور، فإنّهما إذا ذكرا معاً كان المراد بكلّ منهما معنى آخر، كما إذا قلنا الجار والمجرور متعلّق بكذا، فالمراد بالجار الحرف والمجرور الاسم، وإذا ذكر أحدهما دون الآخر، كما إذا قلنا الجار متعلّق بكذا، فالمراد الجار والمجرور معاً، فإنّ التعلق من أحكام الظرف، وهو اسم لمجموعهما.ويحتمل أن يكون المراد باجتماع الفقراء والمساكين تحقق كلا الصنفين، والمراد بافتراقهما حينئذ اختصاص كلّ منهما بحكمه وسهمه، مثلاً إذا كان في البلد كلا الصنفين صرف إلى كلّ منهما سهمه من الزكاة وفيما لو نذر بمال للفقراء وبآخر للمساكين، وإذا افترقا أي تحقق أحدهما دون الآخر، بأن لم يوجد في البلد إلاّ أحدهما اجتمعا، أي صرف إلى الصنف الموجود سهم كلا الصنفينونظير هذا حكم الجار والمجرور، فإنّهما إذا تحققا في الكلام كان لكل حكمه، فاختص الجار بحكم البناء لمكان الحرفية، والمجرور بالاعراب اللفظي أو التقديري


1) المسالك 409:1.

وهذا حديث صحيح. وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «الفقير الذى لا يسأل الناس» الظاهر أنه كناية عن أنّ له مالاً أو كسباً في الجملة، وهو يقنع به وكان قاصراً عن مؤونته ولا يسأل الناس.)وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «المسكين أجهد منه» أي: أشق حالاً. والجهد: بالفتح المشقة، بمعنى أنه لا مال ولا كسب له أصلاً (1).)وعلى هذا فيشكل جعل البائس أجهد منه، اللّهمّ إلا إن يعتبر فيه الضعف البدني كالزمانة ونحوها، كما اعتبره قتادة في الفقير.وتظهر فائدة الخلاف في الترادف (2والتخالف فيما لو أريد بسط الزكاة على الأصناف الثمانية، أو نذر أو أوصى للفريقين معاً.)قيل: وتظهر أيضاً في الكفّارة، فإنّها مخصوصة بالمسكين.ورد(3بأنه لا خلاف في أنه إذا ذكر أحدهما وحده دخل الآخر، إنما الخلاف)-------------------------------------------------------------------------أو المحلّي، وإذا افترقا أي وجد أحدهما بدون الآخر مثلاً، وجد المجرور بدون الجار، كما في المنصوب بنزع الخافض ثبت له حكم مجموعهما، أي النصب على المفعولية، فإنّ الظرف منصوب المحلّ؛ لأنه مفعول بالواسطة.


1) إنما حملنا على هذا المعنى لما من أنّ الخلاف في أنّ أيّها أسوأ حالاً معناه أنّ أيّهما. الذي لا مال ولا كسب له (منه).

2) القائل بالترادف هو ابن الأعرابي، فإنّه قال: كلّ من الفقير والمسكين هو الذي لا شيء له، نصّ عليه في الصحاح (منه).

3) هذا الردّ مذكور في كلام أصحابنا المتأخرين، كالشيخ أحمد بن فهد ومن تأخر عنه (منه).

فيما إذا ذكرا معاً. وقد نص الشيخ وغيره على ذلك. وفيه ما فيه(1.)(ووقروا كباركم التوقير التعظيم والاحترام والمراد بالكبار ما يشمل الكبار سناً أو شأناً كالمعلّمين.)(وصلوا أرحامكم.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «و وقروا كباركم».أي: عظموهم وارفعوا شأنهم ومنزلتهم. وإذا كان المراد بالكبار ما يشمل السنّ والشأن كالمعلّمين، فليكن المراد بالصغار أيضاً ما يشمل السن والشأن كالمتعلّمين، فكما يجب توقير الكبار منهم، كذلك يجب الرحمة على الصغار منهم بالمداراة، وترك المكافات، ولين الجانب في مقام التعليم والتفهيم، فافهم.قوله: «وصلوا أرحامكم».صلة الرحم المأمور به عبارة عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار، والتعطف عليهم، والرفق بهم، والرعاية لأحوالهم وإن بعدوا وأساؤوا.يقال: وصل رحمه يصلها وصلاً وصلة، والهاء فيها عوض من الواو المحذوفة، فكأنه بالاحسان إليهم يصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابة والصهر.


1) لأنّ دخول أحدهما في الآخر لا نسلّم أنه حقيقة، وقد منع شيخنا الشهيد في البيان كونه حقيقة. سلّمناه لكنه عرف جديد لم يثبت كونه في زمن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لتحمل عليه آية الكفّارة، بل هو متأخّر عن زمانه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وإلا لما وقع الاختلاف في جواز دفع الكفارة إلى الفقراء، لكن الخلاف في ذلك مشهور. وقد توقف فيه العلّامة في القواعد، وأيضاً لولم يكن هذا الاتفاق طارءً لما صح الاستدلال ببيت الحلوبة وآية المتربة والسفينة؛ لأن لفظ الفقير في البيت المذكور وحده، وكذا لفظ المسكين في الآية، وبالجملة فهذا من عجيب ما وقع من متأخري علمائنا (رضوان اللّه عليهم) (منه).

قصر بعض العلماء الرحم على من يحرم نكاحه. والظاهر أنه كل من عرف نسبه وإن بعد.ويؤيده ما رواه علي بن إبراهيم في تفسير قوله تعالى (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (1)أنها نزلت في بني أمية وما صدر منهم بالنسبة إلى أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) (2).)-------------------------------------------------------------------------وقد ورد أن القرض بثمانية عشر، وصلة الاخوان بعشرين، وصلة الرحم بأربعة وعشرين. والأخبار (3في مدح صلة الرحم وذمّ قطعها أكثر من أن تحصها، حتّى عد قطيعة الرحم من الكبائر.)قوله: «قصر بعض العلماء».نهاية ابن الأثير: الرحم هم الأقارب، ويقع على كلّ من يجمع بينك وبينه نسب، ويطلق في الفرائض على الأقارب من جهة النساء، يقال: ذو رحم محرم ومحرّم، وهم من لا يحل نكاحه، كالأم و البنت والأخت والعمة والخالة (4. انتهى.)قوله: «في تفسير قوله تعالى (فهل عسيتم».)أي: هل يتوقع منكم يا معشر المنافقين «إن تولّيتم» أي: تسلّطتم وملكتم أمور الناس، وتأمرتم عليهم، وجعلتم ولاة أ«ن تفسدوا في الأرض» بسفك الدم الحرام، وأخذ الرشا «و تقطعوا أرحامكم» تهالكاً على ملك الدنيا، فيقتل بعضكم بعضاً، ويقطع بعضكم رحم بعض.


1) سورة محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : 22.

2) تفسير القمي 2 : 308.

3) راجع أصول الكافي 2: 150 - 157.

4) نهاية ابن الأثير 2: 210 - 211.

والظاهر حصول الصلة بأقل ما يسمّى برّاً وإحساناً، وعن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «صلوا أرحاكم ولو بالسلام» (1).)(وتحننوا على أيتام المسلمين الحنين إلى الشيء: توقان النفس إليه. والحنان: الرحمة، ومنه الحنّان بالتشديد.)(وأنفسكم مرهونة بأعمالكم قد يعتبر تشبيه توقف خلاص النفس من العذاب على العمل الصالح بتوقف تخليص الرهن على أداء الدين، ليكون الكلام إستعارة بالكناية. والصحيح أنه تشبيه بليغ لا استعارة؛ لأنّ الطرفين مذكوران. وقس عليه قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «و ظهوركم ثقيلة إلى آخره».)(ولا يروّعهم بالتشديد أي لا يفزعهم. والروع بالفتح: الفزع، وروّعت فلاناً إذا فزعته.)(اتقوا النار ولو بشق تمرة أي: ولو كان الاتقاء بشق تمرة، فحذفت كان مع إسمها. وهذه الواو واو الحال عند صاحب الكشّاف، واعتراضية عند بعض المحققين، وعاطفة على محذوف عند بعضهم، فإنّهم قالوا في قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «أطلبوا)-------------------------------------------------------------------------قوله: «فحذفت».هذا حذف شايع، كما أشار إليه ابن مالك في الخلاصة بقوله :ويحذفونها ويبقون الخبر*** وبعد أن ولو كثيراً ذا اشتهرقوله: «على محذوف».نظير ذلك ما قيل في قولهم لا بد وأن يكون من أنّ هذه الواو عاطفة على محذوف، وهو الضمير المجرور في «منه» أي: لابد وأن يكون، ولا يبعد أن يكون


1) بحار الأنوار 74: 104.

العلم ولو بالصين» (1انّ التقدير : أطلبوا العلم لولم يكن بالصين ولو كان بالصين. والشق بالكسر : نصف الشيء.)(كان له ثواب من أدّى سبعين فريضة المراد بالسبعين: إما العدد الخاص أو معنى الكثرة، فإنّ السبعين جارٍ مجرى المثل في الكثرة، كما قالوه في قوله تعالى: (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) (2).)وقد يقال في وجه تخصيص السبعين بذلك من بين سائر الأعداد أنها تكرير ما هو أكمل الآحاد أعني : السبعة بعدة عدد كامل هو العشرة؛ لاشتماله على جميع مخارج الكسور التسعة، ولأنّ جميع ما فوقه يحصل بإضافة الآحاد إليه، أو بتكريره، أو بهما معاً.ووجه أكملية السبعة إشتمالها على جملة أقسام العدد؛ لأنه إما زوج أو فرد، إمّا أوّل أو غير أوّل، وإما منطق أو أصمّ، وإما مجذور أو غير مجذور، وإما تام أو زائد أو ناقص، وإما زوج الزوج أو زوج الفرد. وقد اشتملت السبعة على جميع هذه الأنواع إلا الزائد والفرد غير الأوّل.-------------------------------------------------------------------------الواو فيهما زائدة، زيدت لتزيين الكلام، كما في قولنا «سبحان ربي العظيم وبحمده» على ما سبق، فتذكّر.قوله: «وإما زوج الزوج أو زوج الفرد».زوج الزوج وهو الذي بعده زوج مرّات عددها زوج، وزوج الفرد هو الذي بعده فرد مرّات عددها زوج وفرد الفرد هو الذي بعده فرد عددها فرد، كذا في تحریر اقلیدس.


1) عوالي اللئالي 4: 70 ح 37.

2) سورة التوبة 80.

### ما المراد من وزن الأعمال(ثقل اللّه ميزانه ثقل الميزان كناية عن كثرة الحسنات ورجحانها على السيئات.)وقد اختلف أهل الاسلام في أنّ وزن الأعمال الوارد في الكتاب والسنة هل هو كناية عن العدل والإنصاف والتسوية أو المراد به الوزن الحقيقي؟ فبعضهم على الأوّل؛ لأنّ الأعراض لا يعقل وزنها وجمهورهم على الثاني للوصف بالخفّة والثقل في القرآن والحديث، والموزون صحائف الأعمال، أو الاعمال نفسها بعد تجسمها في تلك النشأة.-------------------------------------------------------------------------قوله: «وقد اختلف أهل الاسلام».قال في مجمع البيان: قوله تعالى (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ (1)قيل : معناه ان الوزن عبارة عن العدل في الآخرة، وأنه لا ظلم فيها.)وقيل: إن اللّه ينصب ميزاناً له لسان وكفتان يوم القيامة، فتوزن به أعمال العباد الحسنات والسيئات.ثم اختلفوا في كيفية الوزن؛ لأنّ الأعمال أعراض لا يجوز وزنها، فقيل: توزن صحائف الأعمال.وقيل: تظهر علامات للحسنات والسيئات في الكفتين فيراها الانسان.وقيل: تظهر للحسنات صورة حسنة وللسيّئات صورة سيئة.وقيل: توزن نفس المؤمن ونفس الكافر.وقيل: المراد بالوزن ظهور مقدار المؤمن في العظم، ومقدار الكافر في الذلة(2.)


1) سورة الأعراف: 8.

2) مجمع البیان 2: 399.

(الورع عن محارم اللّه للورع عندهم درجات أربع :)الأولى ورع التائبين، وهو ما به يخرج الإنسان عن الفسق، وهو المصحح لقبول الشهادة الثانية: ورع الصالحين، وهو التوقي من الشبهات، فإنّ من رتع حول الحمى، أو شكّ أن يدخله، قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (1).)الثالثة: ورع المتقين، وهو ترك الحلال الذي يتخوّف أن ينجر إلى الحرام، كما قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «لا يكون الرجل من المتقين حتّى يدع ما لا بأس به مخافة ما به بأس» (2)وذلك مثل الورع عن التحدّث بأحوال الناس مخافة أن ينجر إلى الغيبة.)الرابعة ورع الصدّيقين، وهو الإعراض عمّا وهو الإعراض عما سوى اللّه تعالى خوفاً من صرف ساعة من العمر فيما لا يفيد زيادة القرب عند اللّه عزّوجلّ، وإن كان معلوماً أنه لا-------------------------------------------------------------------------قوله: «الورع».الورع: محرّكة الكفّ عمّا لا ينبغي، يقال: ورع عن المحارم يرع بكسرتين ورعاً بفتحتين ورعة كعدة فهو ورع.قال الشهيد (رَحمهُ اللّه في الذكرى الورع العفّة وحسن السيرة، وهو مرتبة وراء العدالة، تبعث على ترك المكروهات، والتجنّب عن الشبهات (3).)وقال بعض أصحابنا في مقام تعداد مراتب الورع: الرابعة: ورع الصدّيقين، وهو ترك ما لا يراد بتناوله القوة على طاعة اللّه، أو يلم بصاحبه بعض خواطر المعصية، ولعلّ هذا أظهر ممّا ذكره الشيخ (قدّس سرّه؛ لأنّ ما ذكره ليس هو معنى الورع حقيقة، بل هو معنى التبتل، فتأمّل.)


1) عوالي اللئالي 1: 394 و 3: 330.

2) سنن ابن ماجة 2: 1409 برقم: 4215.

3) ذكرى الشيعة 4: 420.

ينجر إلى حرام ألبتة.و قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في هذه الخطبة «الورع عن محارم الله» ظاهر في المرتبة الأولى من الورع. و لا يبعد إدراج الثانية والثالثة فيه كما لا يخفى.)(على قرنك القرن: أحد جانبي الرأس.)(وذلك في سلامة من ديني المشار إليه بذلك هو شهادته (عَلَيهِ السَّلَامُ) المدلول عليها بالكلام السابق. و«في» بمعنى «مع» كما في قوله تعالى: (ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ) (1).)و «من» بمعنى «في» كما في قوله تعالى: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ (2).)هداية فيها درايةما ذكرناه في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «خطبنا» من الحمل على التضمين أولى من الحمل على النصب بنزع الخافض، فإنّ التضمين أكثر وروداً في اللغة وأدق مسلكاً، فهو على تقدير المجازية أولى من الإضمار.)والحق أنه حقيقة لا إضمار فيه، وليس اللفظ مستعملاً في كلا المعنيين، ولا المعنى الآخر مراداً بلفظ مقدر على حدة ليلزم ذلك، بل اللفظ مستعمل في معناه-------------------------------------------------------------------------قوله: «وذلك في سلامة».أي: ذلك الضرب يقع في ظرف سلامة منسوبة إلى ديني وفي زمانها، فكلمة «من» هذه، كما في قوله «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» وكلمة «في» ظرفية على حالها، ولا حاجة إلى ما تكلّفه، فتأمّل.


1) سورة الأعراف: 38.

2) الجمعة: 9.

الحقيقي، وهو المقصود منه أصالة، ولكن قصد بتبعيته معنى آخر من غير أن يستعمل فيه ذلك اللفظ، أو يقدّر لفظ آخر. فلفظ «خطب» مستعمل في معناه أصالة، و تعديته بنفسه مشعر بتبعية معنى الوعظ له.وكذلك لفظ «تكبّروا» في قوله تعالى: (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ (1)مستعمل في معناه، وتعديته ب-«على» يشعر باستتباعه معنى الحمد من دون تجوز وإضمار، فتأمّل (2).)### الموزون في النشأة الأخرى هو نفس الأعمال لا صحائفهاإشارة فيها إنارةالحق أنّ الموزون في النشأة الأخرى هو نفس الأعمال لا صحائفها. وما يقال من أن تجسّم العرض طور خلاف طور العقل، فكلام ظاهري عامي.-------------------------------------------------------------------------قوله: «تجسّم العرض».وممن صرّح بتجسّم الأعمال فيثاغورث الحكيم، حيث قال: إعلم أنك ستعارض بأفكارك وأقوالك وأفعالك وسيظهر من كلّ حركة فكرية أو قولية أو فعلية صور روحانية وجسمانية، فإن كانت الحركة غضبية شهوية صارت مادّة شيطان يؤذيك في حياتك، ويحجبك عن ملاقاة النور بعد وفاتك، وإن كانت الحركة أمرية عقلية صارت ملكاً تلتذ بمنادمته في دنياك، وتهتدي بنوره في أخراك إلى جوار اللّه وكرامته.وأمثال هذا ممّا يدل على تجسّد الأعمال في كلمات كثيرة


1) سورة البقرة: 185.

2) وجه التأمّل أنّ بعضهم ذهب إلى أنّ دلالة اللفظ على المعنى بالتبعية أيضاً مجاز (منه).

والذي عليه الخواص من اهل التحقيق أنّ سنخ (1الشيء وحقيقته أمر مغاير لصورته التي يتجلّى بها على المظاهر الظاهرة، ويلبسها لدى المدارك الباطنة، وانه يختلف ظهوره في تلك الصور بحسب اختلاف المواطن والنشآت، فيلبس في كلّ موطن لباساً ويتجلبب في كلّ نشأة بجلباب، كما قالوا: إنّ لون الماء لون إنائه.)وأمّا الأصل الذي تتوارد هذه الصور عليه، ويعبّرون عنه تارة بالسنخ، ومرّة بالوجه، وأخرى بالروح فلا يعلمه إلا علام الغيوب، فلا بعد في كون الشيء في-------------------------------------------------------------------------والأحاديث الواردة في أنّ الناس يبعثون على صور مختلفة بحسب أخلاقهم كثيرة، كقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ «يحشر الناس يوم القيامة على وجوه القيامة على وجوه مختلفة وقوله «كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تبعثون»(2).)ولهذا قال ما معناه: إنّه يحشر من خالف الامام في أفعال الصلاة ورأسه رأس حمار، فإنّه إذا عاش في المخالفة التي هي عين البلاهية والحمارية تمكنت فيه، ولتمكن البلاهة فيه يحشر على صورة الحمار، إلى غير ذلك، وستسمع كلاماً أبسط في أواخر الكتاب إن شاء اللّه العزيز الوهاب.قوله: «في كون الشيء».لا كلام في جواز كون الشيء في موطن عرضاً وفي آخر جوهراً، فإن الصور العقلية للجواهر على القول بأن الحاصل في الذهن هو مهيات الأشياء، والاختلاف إنّما هو في الوجود، وما يتبعه من الأحوال يصدق عليها حالة كونها في الذهن رسم العرض، وهو الموجود في موضوع.


1) السنخ بكسر السين وإسكان النون وآخره خاء معجمة بمعنى الأصل (منه).

2) عوالي اللئالي 4: 72 برقم: 46.

-------------------------------------------------------------------------وإذا وجدت في الخارج يصدق عليها رسم الجوهر، وهو المهية التي إذا وجدت في الأعيان كانت لا في موضوع، ولذا ذهب إليه كثير من الحكماء والمتكلمين. وإنّما الكلام في جواز كون الشيء جوهراً في وقت وعرضاً في آخر بالقياس إلى الوجود الخارجي، فأكثر الاسلاميين من المتكلمين وغيرهم جوزوه، لكن بحسب اختلاف النشأتين، بل منهم من جوزه بحسب نشأة واحدة.وأما الفلاسفة، فأنكروا ذلك ولم يجوّزوه، فهذا شيخهم الرئيس قال في إلهيات الشفاء في فصل العلم بعد كلام فإن قيل قد جعلتم ماهية الجوهر أنها تارة تكون عرضاً وتارة جوهراً وقد منعتم هذا.فنقول: إنا منعنا أيضاً أن تكون ماهية شيء توجد في الأعيان مرّة جوهراً ومرّة عرضاً، حتّى تكون في الأعيان تحتاج إلى موضوع ما، وفيها لا تحتاج إلى موضوع ألبتة، ولم نمنع أن يكون معقول هذه الماهية(1يصير عرضاً، أي: تكون موجودة في النفس، إلى آخر ما قاله هناك (2).)والحق ما ذهب إليه أكثر أهل الاسلام ويؤيّده ما روي عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه كان عنده ناصبي يؤذيه بمشهد من المنصور فامر (عَلَيهِ السَّلَامُ) كانت هناك على وسادة أن خذي عدوّ الله، فصارت أسداً فافترسه، ثمّ عادت إلى مكانها(3).)ومثله ما في عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ في قصة الحاجب (4). و في كشف الغمّة)


1) في المصدر: تلك الماهيات.

2) الشفاء، الإلهيات ص 142.

3) الاختصاص للشيخ المفيد ص 247.

4) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) 2: 171.

موطن عرضاً وأخرى جوهراً. ألا ترى إلى الشيء المبصر، فإنّه إنما يظهر بحسّ البصر إذا كان محفوفاً بالجلابيب الجسمانية ملازماً لوضع خاص، وتوسط بين القرب والبعد المفرطين، وأمثال ذلك، وهو يظهر في الحس المشترك عرياً من تلك الأمور التي كانت شرط ظهوره لذلك الحسن.ألا ترى إلى ما يظهر في اليقظة من صورة العلم، فإنّه في تلك النشاة أمر عرضي، ثمّ إنّه يظهر في النوم بصورة اللبن، فالظاهر في الصورتين سنخ واحد تجلّى في كلّ موطن بصورة، وتجلّى في كلّ نشأة بجلية، وتزيا في كلّ عالم بزيّ، وتسمّى في كلّ مقام باسم، فقد تجسّم في كلّ مقام ما كان عرضاً في مقام آخر، وعساك تظفر في هذا الكتاب بما تزيل عن قلبك الارتياب في هذا الباب إن شاء-------------------------------------------------------------------------قصة الهندي المشعبد، ونحن قد فصلنا هذه المسأله بما لا مزيد عليه في بعض رسائلنا المعمولة لجواب شبهة بعض معاصرينا، فليطلب من هناك.قوله: «ثمّ إنّه يظهر».ولعلّ ذلك في عالم الخيال والمثال الذي سمّاه المتشرعون برزخاً، وأهل المعقول عالم الأشباح المجرّدة، فإنّ فيه جميع الأشكال والصور والمقادير والأجسام وما يتعلّق بها من الحركات والسكنات والأوضاع والهيئات، وغير ذلك قائمة بذاتها، معلقة لا في مكان ومحلّ.وكذا جميع ما يراه النائم في المنام من الخيال والصور والأرضون والسماوات والأصوات العظيمة، والأشخاص الانسانية و الحيوانية والنباتية والعنصرية والفلكية والكوكبية وغيرها مثل قائمة بذاتها لا في محلّ ومكان، وكذا الروائح وغيرها من الأعراض، كالألوان والطعوم وأمثالها هي مثل قائمة بذاتها لا في محلّ ومادة في ذلك العالم، وإن كانت عندنا لا تقوم إلا بمادة لعدم المادة هناك.

الله تعالى.تتمةلك أن تجعل الظرفية في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «في سلامة من ديني» ظرفية مجازية بتشبيه ملابسة قتله ال السلامة الدين في الاجتماع معها بملابسة المظروف للظرف، فيكون لفظة في استعارة تبعية.)ولك أن تعتبر تشبيه المنتزعة من القتل وسلامة الدين ومصاحبة أحدهما الآخر بالهيئة المنتزعة من المظروف والظرف واصطحابهما، فيكون الكلام إستعارة تمثيلية تركب كلّ من طرفيها، لكنّه لم يصرّح من الألفاظ التي هي بإزاء المشبه به إلا بكلمة «في» فإنّ مدلولها هو العمدة في تلك الهيئة، وما عداه تبع له، فيلاحظ، معه في ضمن ألفاظ منوية، فلا تكون لفظة «في» إستعارة، بل هي على معناها الحقيقي.ولك أن تشبه سلامة الدين بما يكون محلاً وظرفا للشيء على طريقة الاستعارة بالكناية، ويكون ذكر كلمة «في» قرينة وتخييلاً على قياس ما ذكره بعض المحققين في قوله تعالى: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ.)وفي هذا المقام بحث طويل ليس هذا محلّه، وقد أوردناه في حواشينا على المطوّل، فمن أراده فليقف عليه هناك.-------------------------------------------------------------------------فالصور والأعراض المشاهدة في عالم المثال في النوم واليقظة أشباح محضة، والتذاذنا في النوم بمآكل ومشارب ذوات طعم ولون ورائحة ليس لانطباع هذه الأعراض من تلك الأشباح، بل لتمثلها فيها على سبيل التخييل، فكل ما في هذا العالم المثالى جواهر بسيطة لقيامها بذاتها، وتجرّدها عن المواد.

## الحديث العاشر: أهمية الحجوبالسند المتّصل إلى الشيخ الأعظم محمّد بن الحسن الطوسي، عن الشيخ الجليل محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد عن الصدوق محمّد بن علي بن بابويه، عن محمّد بن الحسن بن الوليد، عن محمّد بن الحسن الصفار، عن موسى بن القاسم، عن صفوان وابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه أمير المؤمنين (عَلَيهِم السَّلَامُ،)-------------------------------------------------------------------------الحديث العاشرقوله: «وبالسند المتّصل إلى قوله عن محمّد بن الحسن الصفار».قال المصنّف في الحاشية: هذا الحديث صحيح السند، بناءً على أنّ محمّد بن الحسن الصفار هو ابن فروخ وكلام ابن داود (1. صريح في ان محمّد بن الحسن الصفار إثنان ابن فروخ وغيره، والأوّل ثقة، والثاني ممدوح، لكن الظاهر أن كليهما واحد، وهو ابن فروخ الثقة، وابن داود وهم في كلامه. واللّه أعلم بحقيقة الحال. انتهى كلامه (رحمه اللّه).)


1) رجال ابن داود ص 305 و 307.

قال: إنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لقيه أعرابي، فقال: يا رسول اللّه إنِّي خرجت أريد الحج، ففاتني وأنا رجل مميل فمرني أن أصنع بمالي ما أبلغ به مثل أجر الحاج.)فالتفت إليه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، وقال له: أنظر إلى أبي قبيس، فلو أنّ أبا قبيس ذهبة حمراء أنفقته في سبيل اللّه ما بلغت ما يبلغ الحاج. ثمّ قال: إنّ الحاج إذا أخذ)-------------------------------------------------------------------------قوله في الحاشية: «الصفّار هو محمّد بن الحسن بن فروخ».الصفّار الملقب ب-«ممولة» من أصحاب سيدنا أبي محمّد الحسن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ، قمي وجه ثقة، عظيم القدر، جليل في أصحابنا، داخل في العدة المذكوره في الكافي بين محمّد بن يعقوب الكليني، وبين سهل بن زياد الآدمي الرازي، مات بقم سنة تسعين ومائتين، ومات الكليني ببغداد سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، فبين تاريخي وفاتهما رحمة اللّه عليهما تسع وثلاثون سنة.)ومن المعلوم أن الصدوق محمّد بن بابويه (رحمة اللّه عليه لم يدرك الكليني، فإنّ النجاشي (1)ذكر أنه ورد بغداد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وهو حدث السن، فكيف يروي عمّن مات قبل الكليني بالمدة المذكورة بلا واسطة ؟)فيظهر منه أنّ محمّد بن الحسن الصفار الذي يروى عنة الصدوق ليس هو ابن فروخ الثقة، بل هو غيره، وهو الذي صرّح ابن داود بأنه ممدوح.ومنه يعلم أنّ توهّم الاتحاد فاسد، نشأ من الغفلة، وعدم ملاحظة طبقات الرجال واللّه يعلم بحقيقة الحال.


1) رجال النجاشي ص 389.

في جهازه لم يرفع شيئاً ولم يضعه إلا كتب اللّه له عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات. ورفع له عشر درجات، فإذا ركب بعيره لم يرفع خفّاً ولم يضعه إلا كتب اللّه له مثل ذلك، فإذا طاف بالبيت خرج من ذنوبه، فإذا سعى بين الصفا والمروة خرج من ذنوبه، فإذا وقف بعرفات خرج من ذنوبه، فإذا وقف بالمشعر الحرام خرج من ذنوبه، فإذا رمي الجمار خرج من ذنوبه.قال: فعدّد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ كذا وكذا موقفاً إذا وقفها الحاج خرج من ذنوبه. ثمّ قال : أنى لك أن تبلغ ما يبلغ الحاج (1).)-------------------------------------------------------------------------قوله : «في جهازه».أي: في إعداد ما يحتاج إليه في حجه، ومنه جهاز العروس.وفيه دلالة على حصول الأجر والثواب بالسعي في عمل الخير من المقدمات القريبة والبعيدة، حتّى الخطوات في تحصيل الحج.ومثله في الدلالة رواية سعد الاسكاف، قال: سمعت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ يقول: إنّ الحاج إذا أخذ في جهازه، لم يخط خطوة في شيء من جهازه إلا كتب اللّه له عشر حسنات، ومحى عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، حتّى يفرغ من جهازه متى ما فرغ، فإذا استقبلت به راحلته لم تضع خفّاً ولم ترفعه إلا كتب اللّه له مثل ذلك حتّى يقضي نسكه، فإذا قضى نسكه غفر اللّه له ذنوبه، وكان ذا الحجّة والمحرّم وصفر وشهر ربيع الأوّل أربعة أشهر تكتب له الحسنات ولا تكتب عليه السيئات إلا أن يأتي بموجبه، فإذا مضت الأربعة الأشهر خلط بالناس (2).)


1) تهذيب الأحكام 5: 19 - 20 ح 3.

2) فروع الكافي 4: 254 - 255 ح 9.

بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث(لقيه أعرابي بفتح الهمزة منسوب إلى الأعراب، وهم سكان البادية خاصة، ويقال لسكان الأمصار عرب وليس الأعراب جمعاً للعرب، بل هو ممّا لا واحد له، نص عليه في الصحاح (1).)(وأنا رجل مميل أي: صاحب مال وثروة.)(وانظر إلى أبي قبيس الظاهر أنّ المراد نظر العين إن كان هذا الكلام بمكة وما قاربها، وإلا فنظر القلب)(إذا أخذ في جهازه أي شرع فيه. والجهاز بفتح الميم وكسرها.)(الا كتب اللّه له مثل ذلك أي: عشر حسنات، ويجوز أن يراد بذلك ما يعم محو السيئات ورفع الدرجات أيضاً.)(خرج من ذنوبه شبه مفارقة الذنوب والتخلّص منها بالخروج من البيت وشبهه، فالكلام إستعارة مصرّحة تبعية أو شبه الذنوب بالشيء المحيط بالإنسان كالثوب ونحوه، كما قال اللّه تعالى: (وأحاطت به خطيئته) (2)فالكلام إستعارة بالكناية، وذكر الخروج تخييل.)(فإذا سعى بين الصفا والمروة خرج من ذنوبه قد تكرّر ذكر الخروج من الذنوب في هذا الحديث مراراً.)


1) صحاح اللغة 1: 178.

2) سورة البقرة: 81.

ولعلّ ذلك لتأكيد البعد عنها، والتنصّل عن تبعاتها، أو لأنه يحصل بإزاء-------------------------------------------------------------------------قوله: «ولعلّ ذلك لتأكيد البعد».أو للإشارة إلى أنّ فعل كل منسك من تلك المناسك كاف في الخروج من الذنوب، فكيف إذا أجمعت وتظهر الفائدة فيما إذا طاف الحاج بالبيت، ثمّ مات قبل أن يسعي بين الصفا والمروة، وهكذا فإنّه حينئذ مات وليس عليه ذنوب بخلاف ما إذا علّق خروجه من الذنوب على مجموع مناسك الحج.ثمّ الظاهر أنّ هذه الذنوب التي دلّ هذا الحديث على الخروج منها بفعل تلك المناسك المخصوصة بماعدا الكبائر مطلقا، أو ممّا ليس للآدميين فيه حق، كقتل النفس والزنا والسرقة ونحوها؛ إذ القول بأنه يخرج بمجرّد فعل الحج عن الذنوب كلّها صغائرها وكبائرها، وإن كانت كبيرة، لا تساعده قواعد القوم، فتأمّل.قوله: «والتنصل».أي: التحرّج والتخلّص عنها من قولهم «نصل علينا» إذا خرج، وذلك أن النفس إذا تدنّست بدنس الخطايا والذنوب ترين، فإذا خرجت منها بطاعة أو توبة تبقى فيها آثارها، وهي بعد مكدّرة، فإذا بالغت في الطاعات واجتهد في العبادات وأتى بها مرّة بعد أخرى انمحت عنها تلك الآثار على التدريج، وأعادت على ما كانت عليه من الصفاء والضياء، كمرآت رانت ثمّ صقلت وصفت، فإنّها ليست كالمرآت المصفات التي لم يغيّرها رين أصلاً، ولذلك ينطبع فيها من دقائق الأشياء ما لا ينطبع في الأولى، فإذا بولغ في تصقيلها وتصفيتها عادت كأنها مرآة مصفاة لم يغيّرها رين أصلاً.قوله: «أو لأنّه يحصل».و لا يقدح في هذا الوجه إضافة الذنوب إلى الضمير المفيدة للعموم، كما تقرّر

كل نسك من تلك المناسك الخروج من نوع من أنواع الذنوب، فإنّها تتنوع إلى مالية وبدنية، والبدنية إلى قولية وفعلية والفعلية تختلف باختلاف الآلات التي تفعل بها، إلى غير ذلك. وقد ورد في بعض الأخبار تنويعها إلى مغيرة للنعم،-------------------------------------------------------------------------في الأصول، من أن الجمع المضاف يفيده؛ لأنّ المراد به حينئذ عموم أفراد كلّ نوع من أنواع الذنوب، بحيث لا يبقى منه فرد، فيكون تأسيساً لا عموم أفراد جنس الذنوب على وجه لا يبقى منه فرد، كما في الوجه الأوّل حتّى يكون تأكيداً.قوله: «في بعض الأخبار».وكذا في بعض الأدعية، كدعاء المنسوب إلى كميل بن زياد من خواص أصحاب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ، حيث قال: اللّهمّ اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم، اللّهمّ اغفر لي الذنوب التي تنزل النقم، اللّهمّ اغفر لي الذنوب التي تغيّر النعم، اللّهمّ اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء اللّهمّ اغفر لي الذنوب التي تنزل البلاء، اللّهمّ اغفر لي الذنوب التي تقطع الرجاء الدعاء.)وفي دعاء آخر: أعوذ بك من الذنوب التي تحبس القسم. وهو بالكسر الحصة والنصيب، وهي كما جاءت به الرواية عنهم (عَلَيهِم السَّلَامُ إظهار الافتقار والنوم عن صلاة العتمة، وعن صلاة الغداة، واستحقار النعم، وشكوى المعبود تعالى.)وفي دعاء آخر: وأعوذ بك من الذنوب التي تكشف الغطاء. وهي كما وردت به الرواية عنهم (عَلَيهِم السَّلَامُ الاستدانة بغير نيّة الوفاء والاسراف في النفقة في الباطل، والبخل على الأهل والولد، وسوء الخلق وقلّة الصبر والكسل والزجر والاستهانة بأهل الدين.)

ومنزلة للنقم، وحابسة للرزق وهاتكة للستور، ومعجّلة للفناء (1، وكما أنّ لكلّ دواء من الأدوية اختصاص بإزالة مرض من الأمراض لأسباب وخصوصيات لا توجد في غيره، فلعل لكل فعل من أفعال الحجّ اختصاصاً بتكفير نوع من أنواع الذنوب لمناسبات وخصوصيات لا يعلمها إلا علام الغيوب.)ويؤيد ذلك ما أورده الغزالي في الاحياء عن الامام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ بإسناده إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه قال: «إنّ من الذنوب لا يكفّرها إلاّ الوقوف بعرفة»(2)وأمثال هذه الأخبار كثيرة، واللّه أعلم.)


1) عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): الذنوب التي تغيّر النعم البغي والتي تنزل النقم: الظلم، والتي تحبس الرزق الزنا، والتي تهتك الستور: شرب الخمر، والتي تعجل الفناء: قطيعة الرحم (منه).

2) إحياء علوم الدين 1: 188.

## الحديث الحادي عشر: جهاد النفس### إشارة:وبالسند المتّصل إلى الشيخ الصدوق محمّد بن بابويه، عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن محمّد بن يحيى الخزاز، عن موسى بن إسماعيل، عن أبيه، عن الامام موسى بن جعفر الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، أنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعث سرية، فلما رجعوا قال: مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر، قيل : يا رسول اللّه وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس. ثمّ قال : أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه(1).)-------------------------------------------------------------------------الحديث الحادي عشرقوله: «من جاهد نفسه».للنفس إطلاقات كثيرة، كما هو صريح ما روي عن كميل بن زياد، عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ، وما روي عن أعرابياً سأله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن النفس، فقال له: عن أيّ نفس تسأل؟ فقال: يا مولاي هل النفس أنفس عديدة؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): نعم نفس نامية نباتية، ونفس حسّية حيوانية، ونفس ناطقة قدسية، ونفس إلهية ملكوتية كلية.)


1) الأمالي للشيخ الصدوق ص 553 ح 740، معاني الأخبار ص 160.

-------------------------------------------------------------------------قال: يا مولاي ما النباتية ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: قوة أصلها الطبائع الأربع، ايجادها مسقط النطفة، مقرّها الكبد، مادتها من لطائف الأغذية، فعلها النمو والزيادة، سبب فراقها اختلاف المتولّدات، فإذا فارقت عادت إلى مأمنه بدأت عود ممازجة لا عود مجاورة.)فقال: يا مولاي وما النفس الحيوانية؟ قال: قوّة فلكية، وحرارة غريزية، أصلها الأفلاك، بدو ايجادها عند الولادة الجسمانية، فعلها الحياة والحركة والظلم والغشم، واكتساب الأموال والشهوات الدنيوية، مقرّها القلب، سبب فراقها اختلاف المتولّدات، فإذا فارقت عادت إلى مأمنه بدأت عود ممازجة لا عود مجاورة، فتعدم صورتها، ويبطل فعلها ووجودها، ويضمحل تراكيبها.وفي حديث كميل: الحسّية الحيوانية لها خمس قوى سمع، وبصر، وشم وذوق، ولمس ولها خاصيتان الرضاء والغضب، وانبعاثها من القلب.رجعنا إلى حديث الأعرابي، فقال: يا مولاي وما النفس الناطقة القدسية؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ : قوه لاهوتية، بدو ايجادها عند الولادة الدنيوية، مقرّها العلوم الحقيقية الدينية، موادّها التأييدات العقلية، فعلها المعارف الربانية، سبب فراقها تحلّل آلات الجسمانية، فإذا فارقت عادت إلى مأمنه، بدأت عود مجاورة لا ممازجة.)وفي حديث كميل: والناطقة القدسية لها خمس قوي: فكر، وذكر، وعلم، وحلم، ونباهة، وليس لها انبعاث، وهي أشبه الأشياء بالنفوس الملكية، ولها خاصيتان النزاهة والحكمة الحديث (1.)


1) كلمات مكنونة من علوم أهل الحكمة والمعرفة للفيض الكاشاني ص 76 - 78، وبحار الأنوار 61: 85.

بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث(بعث سرية السرية : القطعة من الجيش من خمسة أنفس إلى ثلاثمائة أو أربعمائة.)(مرحباً بقوم الرحب بالضم السعة، وبالفتح الواسع. ونصب «مرحباً» بفعل لازم الحذف سماعاً كاهلاً وسهلاً، أي: أتيت بكم رحباً وسعة.)والباء في «بقوم» إما للسببية أو للمصاحبة.وعن المبرد: إن نصبه على المصدر، أي: رحبت بلادك مرحباً.(جهاد النفس أي: قهرها وبعثها على ملازمة الطاعات، ومجانبة المنهيات، ومراقبتها على ممرّ الأوقات، ومحاسبتها على ما ربحته وخسرته في دار المعاملة من السعادات وكسر قواها البهيمية والسبعية بالرياضات والمجاهدات كما قال سبحانه وتعالى (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (1).)-------------------------------------------------------------------------فيمكن أن يكون مراده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بالنفس في هذا الحديث النفس الحيوانية، وهي التي بين جنبي الانسان، والمحتاجة إلى المجاهدة، فهذا الحديث لا ينافي تجرّد الناطقة حتّى يحتاج إلى التأويل، واللّه أعلم.)قوله: «كما قال سبحانه «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا».الضمير للنفس. والتزكية : التطهير من الأخلاق الذميمة الناشئة من شره البطن والكلام والغضب والحسد والبخل وحبّ الجاه وحبّ الدنيا والكبر والعجب، ولكلّ من هذه المذكورات علاج مذكور في المطوّلات.


1) سورة الشمس: 9 – 10.

(أفضل الجهاد من جاهد نفسه هذا الخبر لا يحمل على المبتدأ بحسب الظاهر فلابدّ: إما من جعل المصدر هنا بمعنى إسم الفاعل أي: افضل المجاهدين من جاهد نفسه، أو أن يكون الخبر محذوفاً، والتقدير : أفضل الجهاد جهاد من جاهد نفسه.)(التي بين جنبيه قد يظنّ أنّ فيه دلالة على عدم تجرد النفس (1).)والحق أنه لا دلالة فيه على ذلك، بل هو كناية عن كمال قرب، فإنّ تجرد النفس ممّا لا ينبغي أن يرتاب فيه، وقد قامت عليه البراهين العقلية، وأشارت إليه الكتب السماوية، والأخبار النبوية، وشهدت له الأمارات السرية والمكاشفات الذوقية.### جهاد النفس أفضل الجهادتبصرةجهاد نفس أفضل الجهاد، كما تضمّنه هذا الحديث، وقد تكفّل سبحانه للمجاهدين بأن يهديهم الطريق القويم والصراط المستقيم، قال سبحانه: ﴿والذين-------------------------------------------------------------------------وفي الغريب: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا» أي: ظفر من طهر نفسه بالعمل الصالح «وقد خاب من دساها أي فات الظفر من دسّ نفسه، أي: أخفاها بالفجور والمعصية، والأصل دسّها فغيّرت، وكلّ شيء أخفيته فقد دسسته، ومنه «يدسه في التراب» أي: يخفيه ويدفنه فيه.


1) يمكن أن يراد بالنفس هنا القوى الحيوانية من الشهوة والغضب وأمثالهما، وإطلاق النفس على هذه القوى سائغ. وقال الغزالي في كتاب مدارج القدس: يطلق النفس على الجامع للصفات المذمومة، وهي القوى الحيوانية المضادة للقوى العقلية، وهو المفهوم عند إطلاق الصوفية، وإليه أشار بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك» انتهى كلامه (منه).

جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا (1).)### المراد من محاسبة النفسفيجب على كلّ شخص أن يجاهد نفسه بالمحاسبة والمراقبة، ويصدّها عن الحظوظ الفانية الدنية، ويضيّق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها، فإنّ كلّ نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها، يمكن أن يشتري بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد، وانقضاء هذه الأنفاس ضائعة أو مصروفة إلى ما يجلب الهلاك خسران عظيم هائل لا تسمح به نفس عاقل.-------------------------------------------------------------------------قوله: «بالمحاسبة».الأولى تقديم المراقبة على المحاسبة، فإنّ للعارفين مع أنفسهم مقامات: المشارطة، ثمّ المراقبة، ثمّ المحاسبة، ثمّ المعاتبة، ثمّ المعاقبة.وضربوا لذلك مثالاً، فقالوا: ينبغي أن يكون حال الانسان مع نفسه حاله مع شريكه إذا أسلم إليه مالاً ليتجر به فالعقل هو التاجر في طريق الآخرة، ومطلبه وربحه تزكية النفس؛ إذ بها فلاحها « قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا » فالعقل يستعين بالنفس هذه التجارة؛ إذ يستسخرها فيما يزكّيها، كما يستعين الانسان بشريكه، وكما أن الشريك يصير خصماً منازعاً يحاربه في الربح، فيحتاج أن يشاركه أولاً، ويراقبه ثانياً، ويحاسبه ثالثاً، ويعاتبه أو يعاقبه رابعاً، فكذلك العقل يحتاج إلى هذه المقامات الخمس :الأوّل: المشارطة، وهي أن يشارط النفس أولاً، فيوظف عليها الوظائف، ويأمرها بسلوك طريق ويرشدها إليه، ويحرم عليها غيره، كما يشترط التاجر على شریکه.


1) سورة العنكبوت: 69.

-------------------------------------------------------------------------الثاني: المراقبة، وهي أن لا يغفل عنها لحظة فلحظة عند خوضها في الأعمال، ويلاحظها بالعين الكالئة، فإنّ الانسان إن غفل عن نفسه وأهملها لم ير منها إلاّ الخيانة وتضييع رأس المال، كالعبد الخائن إذا انفرد بمال سيده.الثالث: المحاسبة، وهي أن يحاسبها بعد الفراغ من العمل، ويطالبها بالوفاء بها بما شرط عليها أوّلاً، فإنّ هذه تجارة ربحها الفردوس الأعلى، فتدقيق الحساب في هذا أعمّ من التدقيق في أرباح الدنيا؛ لحقارتها بالنسبة إلى نعيم الآخرة، فلا ينبغي أن يترك مناقشتها في ذرّة من حركاتها وسكناتها وخطراتها ولحظاتها، فإنّ كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها، يمكن أن يشتري بها كنز من كنوز الآخرة، لا يتناهى نعيمه، ولا يظعن مقيمه.قالوا: وينبغى الانسان أن يخلو عقب فريضة كل صبح بنفسه، ويقول لها: أي نفس مالي بضاعة إلا العمر، ومهما فني فقد فني رأس مالي، ووقع اليأس من التجارة وطلب الربح، وهذا يوم جديد قد أمهلني اللّه فيه، ولو توفّاني لقلت: ربّ ارجعوني لعلّي أعمل صالحاً فيما تركت، فأجيب: إنك توفيت ثمّ رددت، فإيّاك و تضييع هذا اليوم والغفلة فيه.الرابع: المعاتبة والتوبيخ، وقد علمت أنّ لك نفساً أمارة بالسوء ميالة إلى الشر، وقد أمرت بتقويمها وقودها بسلاسل القهر إلى عبادة ربّها، وطاعة خالقها، فسبيل المعاتبة والتوبيخ أن يعدّ على النفس عيوبها، ويذكر لها ما هي عليه من الجهل في ارتكاب المعاصي، وانحرافها عن سلوك سبيل الله؛ لتذل وتكسر وتضعف سورة شهوتها، وتستعد بذلك إلى استنزال رحمة اللّه تعالى ورأفته.

-------------------------------------------------------------------------قال بعض العارفين: النفس شرور جموح، فإن أهملتها لم تظفر بها بعد ذلك، وإن لازمتها بالتوبيخ والمعاتبة واللائمة كانت نفسك هي النفس اللوامة.الخامس: المعاقبة والمجاهدة، وذلك إذا رأى نفسه قد فارقت معصية، أو همّت بها، فينبغي أن يعاقبها بالتضييق عليها في الأمور المباحة، ويأخذ بالصير عنها، وإذا رآها توانت وكسلت عن شيء من الفضائل، وورد من الأوراد، فينبغي أن يؤدبها بتثقيل الأوراد عليها، ويلزمها فنوناً من الطاعات، جبراً لما فات.ولعلّ نظر الشيخ (قدّس سرّه إلى ما قيل في تفسير قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا» (1)من أنّ المحاسبة عبارة عن أن ينسب الانسان المكلّف طاعاته إلى معاصيه ليعلم أيهما أكثر، فإن فضلت طاعاته نسب قدر الفاضل إلى نعم اللّه عليه التي هي وجوده، والحكم المودعة في خلقه، والفوائد التي أظهرها الله في قواه، ودقائق الصنع التي أوجدها في نفسه، التي بها تدرك العلوم والمعقولات)فإذا نسب فضل طاعته إلى هذه النعم التي لا تحصى، كما قال سبحانه (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا (2)ووازنها، وقف على تقصيره وتحققه، وإن ساوت طاعاته معاصيه، تحقق أنه قام بشيء من وضائف العبودية، وكان تقصيره أظهر.)ثمّ قال: وينبغي أن يتبع المحاسبة المراقبة وهي أن يحفظ ظاهره وباطنه لئلا يصدر عنه شيء يبطل حسناته التي عملها، وذلك بأن يلاحظ أحوال نفسه دائماً لئلا تقدم على معصية انتهى


1) كنز العمّال 16: 159 برقم: 44203.

2) سورة إبراهيم: 34.

فإذا أصبح العبد وفرغ من صلاة الصبح ينبغي أن يتوجه إلى نفسه ويقول: يا نفس ليس لي بضاعة إلا العمر، ومهما يفنى منه فهو من رأس المال، وهذا يوم جديد وقد أمهلني اللّه تعالى فيه، وأنعم عليّ به، ولو توفاني لكنت تتمنين أن ترجعي إلى الدنيا يوماً واحداً لتعملي فيه عملاً صالحاً، فافرضي أنك توفيت ثمّ رددت، فإيّاك ثمّ إيّاك أن تضيّعي هذا اليوم، واعلمي أن اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة.وقد ورد في الخبر: «إنّه ينشر للعبد لساعات اليوم والليلة أربع وعشرون خزانة، فتفتح له منها خزانة، فيراها مملوءة نوراً من حسناته التي عملها في تلك الساعة، فيناله من الفرح والسرور والاستبشار ما لو وزّع على أهل النار لأشغلهم ذلك عن الإحساس بألمها.وتفتح له خزانة أخرى، فيراها مظلمة يفوح نتنها، ويتغشاه ظلامها، وهي الساعة التي عصى الله تعالى فيها، فيناله من الهول والفزع ما لو قسم على أهل الجنّة لنقص عليهم نعيمها.وتفتح خزانة أخرى، فيراها فارغة ليس فيها شيء، وهي الساعة التي نام فيها أو اشتغل بشيء من مباحات الدنيا، فيتحسّر على خلوّها، ويندم على ما فاته من الربح العظيم الذي كان قادراً على تحصيله في تلك الساعة، وهكذا تعرض عليه خزائن أوقاته في طول عمره» (1.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «من مباحات الدنيا».كالأكل والشرب ونحو ذلك، وفيه نوع دلالة على بطلان مذهب الكعبي في نفي


1) عدة الداعي ص 103.

فاجتهدي يا نفس في هذا اليوم أن تعمري خزائنك، ولا تتركيها خالية من تلك الكنوز العظيمة، والسعادات الجسيمة، ولا تميلي إلى الكسل والدعة والاستراحة فيفوتك من الدرجات العلية ما كنت قادرة على تحصيله بأدنى توجّه، وينالك ما ينال التاجر القادر على الربح العظيم إذا أهمله وتساهل فيه، فلا تنفك عنك الحسرة أبداً، نعوذ بالله من ذلك### النفس الانسانية واقعة بين القوّة الشهوانية والعاقلةتتمةالنفس الانسانية واقعة بين القوّة الشهوانية والقوّة العاقلة. فبالأولى تحرص-------------------------------------------------------------------------المباح.وفي أصل الحديث دلالة واضحة على تجسّم الأعمال، ويظهر منه أن نومنا خير من يقظتنا؛ لأنها لا تزيدنا إلا ظلاماً، وهو فارغ عنه، و نعم ما قال الشاعر في هذا المعنى بالفارسية :نسبت به شغل بیهوده ما عبادت است**** از عمر آنچه صرف خور و خواب میشودقوله: «واقعة بين القوة الشهوانية».قوة الفكرة بين العقل والقوّة الشهوانية والعقل فوقها، والقوة الشهوانية تحتها فمتى ارتفعت الفكرة ومالت نحو العقل صارت رفيعة، فولدت المحاسن.وإذا اتضعت ومالت نحو القوة الشهوانية صارت وضيعة، فولدت المقابح.ومن شأن العقل أن يروّي ويختار أبداً الأفضل والأصلح في العواقب، وإن كانت على النفس منه في المبدء مؤونة ومشقة، والقوّة الشهوانية على الضد من ذلك، فإنّها تؤثر ما يدفع المؤذي في الوقت، وإن كان يعقب مضرّة من غير نظر منها في العواقب، كالصبي الرمد الذي يؤثر أكل الحلاوات واللعب في الشمس على

على تناول اللذات البدنية البهيمية كالغذاء والسفاد والتغالب، وسائر اللذات العاجلة الفانية، وبالأخرى تحرص على تناول العلوم الحقيقية، والخصال الحميدة المؤدية إلى السعادات الباقية الأبدية.-------------------------------------------------------------------------أكل الهليلج والحجامة.ولذا قال (عَلَيهِ السَّلَامُ «حقت الجنّة بالمكاره، وحقت النار بالشهوات» (1).)وأيضاً فالعقل يرى صاحبه ما له وعليه والقوة الشهوانية تريه ما له دون ما عليه، وتعمي عليه ما يعقبه من المكروه، ولهذا قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «حبك للشيء يعمي ويصم» (2).)وروي عن سيّد المجاهدين أمير المؤمنين (سلام اللّه عليه ما حاصله: إن الملائكة خلقت من عقل بلا شهوة، والبهائم من شهوة بلا عقل، والانسان منهما، فمن غلب عقله شهوته، فهو أفضل من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله، فأولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلا (3).)وإلى هذا أشار الرومي في المثنوي بقوله :آدمی زاده طرفه معجونیست از فرشته سرشته وز حیوانگر کند میل این شود به از این ور رود سوی آن شود کم از آنقوله: «وإن سلطت الشهوة».كما نظمه العارف الرومي :مار شهوت را بکش از ابتدا ***ور نه اینک گشت مارت اژدها


1) كنز العمّال 3: 332 برقم: 6805.

2) كنز العمّال 16: 115 برقم: 44104.

3) بحار الأنوار 60: 299 ح 5.

وإلى هاتين القوتين أشار سبحانه بقوله: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (1)وبقوله تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) (2)فان جعلت الشهوة منقادة للعقل، فقد فزت فوزاً عظيماً، واهتديت صراطاً مستقيماً، وإن سلطت الشهوة على العقل وجعلته منقاداً لها ساعياً في استنباط الحيل المؤدية إلى مراداتها، هلكت يقيناً وخسرت خسراناً مبيناً.)واعلم أنك نسخة مختصرة من العالم فيك بسائطه ومركباته ومادّياته ومجرّداته، بل أنت العالم الكبير بل الأكبر، كما قال أمير المؤمنين وسيد الموحدين (عَلَيهِ السَّلَامُ :)دواؤك فيك وما تبصر ***وداؤك منك وما تشعروتزعم أنك جرم صغير ***وفيك انطوى العالم الأكبر (3)-------------------------------------------------------------------------قوله: «كما قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ»)يستعلم ذلك من الكتب المعمولة في تطبيق العالم الصغير على العالم الكبير، فليطلب من هناك.قوله: «تزعم أنك جرم».هذا خطاب لكلّ من يصلح أن يكون مخاطباً من الناس، فإنّ كلّ واحد منهم يشتمل على نظائر ما في العالم الأكبر من الجواهر والأعراض التي يعلم بها الصانع، كما يعلم بما أبدعه في العالم الأكبر.


1) سورة البلد: 10.

2) سورة الدهر 3.

3) ديوان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ص 57.

وما من شيء إلا وأنت تشبهه من وجه لكن الغالب عليك أربعة أوصاف: الملكية و السبعية والبهيمية، والشيطانية، فمن حيث الملكية تتعاطى أفعال الملائكة من عبادة اللّه سبحانه وطاعته والتقرب إليه، ومن حيث الغضب تتعاطى أفعال السباع من العداوة والبغضاء والهجوم على الناس بالضرب والشتم، ومن حيث الشهوة تتعاطى أفعال البهائم من الشره والشبق والحرص، ومن حيث الشيطانية تتعاطى أفعال الشياطين، فتستنبط وجوه الشر يتوصل إلى الأغراض بالمكر والحيل.فكأنّ المجتمع في إهابك أيها الإنسان ملك وكلب وخنزير وشيطان، فالكلب-------------------------------------------------------------------------ولذا قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «من عرف نفسه فقد عرف ربه» (1).)قوله: «من الشره».شره کفرح غلب حرصه والشره طلب المال مع القناعة، ومنه حديث أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ «ما بي شره ولكن أحببت أن يراني اللّه متعرّضاً لفوائده»(2).)قوله: «ومن حيث الشيطانية».عداوة الشيطان للانسان بالجبلة والذات، فإذا وجد معاوناً وهو النفس الأمارة بالسوء غلب عليه وظفر به، فيأسره ويستعبده ويستخدمه في مراداته المشاكلة لأفعاله القبيحة، وأعماله السيئة، وتصير تلك الأشياء عادة للانسان وجبلة فيه وطبيعة ثانية، فتصير النفس الناطقة التي هي جوهرة شريفه ودرّة نفيسة شيطانية، فيكون من الهالكين محشورة مع الشياطين محترقة بنار الجحيم، مشاركة لهم في عذاب الجحيم، فنعوذ بالله من الشيطان الرجيم.


1) عوالي اللئالي 4: 102 برقم: 149.

2) فروع الكافي 5: 77 ح 16.

هو الغضب والخنزير هو الشهوة، فإن اشتغلت بجهاد هذه الثلاثة ودفع كيد الشيطان ومكره بالبصيرة الناقدة وتكسّر شرّ هذا الخنزير بتسليط الكلب عليه، إذ بالغضب تنكسر سورة الشهوة، وأذللت الكلب بتسليط الخنزير، وجعلت الكل مقهورين تحت السياسة اعتدال الأمر وظهر العدل في مملكة البدن، وجرى الكل على الصراط المستقيم. وإن لم تجاهدهم قهروك واستخدموك، فلا تزال في استنباط الحيل وتدقيق الفكر في تحصيل مطلوبات الخنزير ومرادات الكلب، فيكون دائماً في عبادة كلب وخنزير. وهذا حال أكثر الناس الذين همتهم مصروفة إلى البطن والفرج ومناقشة الخلق ومعاداتهم.والعجب منك أنك تنكر على عبّاد الأصنام عبادتهم لها، ولو كشف الغطاء عنك وكوشفت بحقيقة حالك، ومثل لك ما يمثل للمكاشفين: إما في النوم، أو اليقظة، لرأيت نفسك قائماً بين يدي خنزير مشمّراً ذيلك في خدمته، ساجداً له مرّة وراكعاً أخرى، منتظراً لإشارته وأمره.فمهما طلب الخنزير شيئاً من شهواته، توجّهت على الفور إلى تحصيل مطلوبه، وإحضار مشتهياته، ولأبصرت نفسك جائياً بين يدي كلب عقور عابداً له، مطيعاً لما يلتمسه، مدققا للفكر فى الحيل الموصلة إلى طاعته، وأنت بذلك ساع فيما يرضي الشيطان ويسرّه، فإنّه هو الذي يهيج الخنزير والكلب، ويبعثهما على استخدامك، فأنت من هذا الوجه عابد للشيطان وجنوده، ومندرج في المخاطبين المعاتبين يوم القيامة بقوله تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا-------------------------------------------------------------------------قوله: «بقوله تعالى ألم أعهد».)والعهد: الوصية، وعهد اللّه إذا وصاه، وعهد اللّه إليهم ما ركز فيهم من أدلّة العقل، وأنزل عليهم من دلائل السمع.

الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (1).)-------------------------------------------------------------------------وعبادة الشيطان طاعته فيما يوسوس به إليهم ويزيّنه لهم، كما ورد في الحديث «من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق عن اللّه فقد عبد اللّه، وإن كان الناطق عن إبليس فقد عبد إبليس» (2.)قوله تعالى: «عدوّ مبين».عداوة الشيطان للإنسان عبارة عن تسويله ووسوسته وتزيينه له ما حرمه اللّه عليه، ودعوته إلى ذلك، رجاء أن يغلبه بذلك فيهلكه، كما قال (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ (3).)وحقيقة عداوته: أنّ الانسان بينما هو ذاهل عن الشيء ذكر ذلك، فيحدث له ميل جازم يترتب الفعل على حصول ذلك الميل، فعداوته ذلك التذكير وإجابته حصول ذلك الميل الذي هو من شأن النفس.ولذلك قال المحققون: الشيطان الأصلي هو النفس، وذلك أن الانسان إذا أحسّ بشيء أو أدركه، ترتب عليه شعوره بكونه ملائماً له أو منافراً، ويتبع هذا الشعور الميل الجازم إلى الفعل أو الترك، وكلّ ذلك من شأن النفس، ولا مدخل في شيء من هذه المقامات للشيطان، إلا بأن يذكره شيئاً، مثل أن الانسان كان غافلاً عن صورة امرأة، فيلقى الشيطان حديثها في خاطره.قال في مجمع البيان في الآية المذكورة دلالة على أن الشيطان لا يقدر على أكثر من الدعاء والاغواء، وأنه ليس عليه عقاب معاصيه، وإنما عليه عقاب الدعوة


1) سورة يس: 60.

2) فروع الكافي 6: 434 ح 24، بحار الأنوار 2: 94.

3) سورة إبراهيم: 22.

فليراقب كلّ عبد حركاته وسكناته وسكوته ونطقه وقيامه وقعوده؛ لئلا يكون ساعياً طول عمره في عبادة هؤلاء، وهذا غاية الظلم، حيث صيّر المالك مملوكا والسيّد عبداً والرئيس مرؤوساً، إذ العقل هو المستحق للسيادة والرئاسة والاستيلاء، وهو قد سخّره لخدمة هؤلاء، وسلّطهم عليه وحكمهم فيه.قال بعض المفسرين عند قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (1)وقد سخّر لك الكون وما فيه لئلا يسخّرك منه شيء، وتكون مسخّراً لمن سخّر لك الكل، فإن جعلت نفسك مسخّرة لما في الكون أسيرة للذات الفانية، فقد جهلت فضل اللّه لديك، وكفرت نعمته عليك، إذ خلقك عبداً لنفسه حرّاً من الكلّ فاستعبدك الكل، ولم تشتغل بعبودية الحق بحال.)-------------------------------------------------------------------------فحسب، وعدم عبادة الانسان للشيطان عبارة عن كفّه نفسه عن إطاعته وإجابته إلى ما يدعوه إليه ويسوّله له، وذلك إنما يكون بتوفيق اللّه ونصرته على فعل الطاعة وترك المعصية، وعدم الالتفات إلى ما يلقيه إليه الشيطان من خطواته، فإنّه بذلك يقهره ويغلبه إن شاء اللّه (2.)قوله: «وقد سخر لك الكون وما فيه».ونعم ما قال الشاعر في هذا المعنى بالفارسية :ابر و باد و مه و خورشید و فلک در کارند *تا تو نانی بکف آری وبغفلت نخوریهمه از بهر تو سر گشته و فرمان بردار شرط انصاف نباشد که تو فرمان نبری


1) سورة الجاثية: 13.

2) ما نقله عن مجمع البيان غير موجود ذيل الآية الشريفة المذكورة.

## الحديث الثاني عشر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشرائطهما### إشارة:وبالسند المتّصل عن الشيخ الجليل محمّد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة عن الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ، قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إن اللّه عزّوجلّ يبغض المؤمن الضعيف الذي لا دين له. قيل له: وما المؤمن الذي لا دين له يا رسول الله؟ قال: الذي لا ينهي عن المنكر.)قال مسعدة: وسئل أبو عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أواجب هو على الأمّة جميعا ؟ فقال : لا.)فقيل له: ولم؟ قال: إنّما هو على القوي المطاع، العالم بالمعروف من المنكر، لا على الضعفة الذين لا يهتدون سبيلاً.-------------------------------------------------------------------------الحديث الثاني عشرقوله: «عن مسعدة بن صدقة».هذا عامي بتري لا مدح فيه، غير أنّ له كتباً، منها كتاب خطب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ، فالحديث ضعيف السند، فلا يصلح للسندية، والاستدلال به على ما ذهب إليه أحد الفريقين، كما سيأتي.)

والدليل على ذلك من كتاب اللّه عزّوجلّ قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ (1)فهذا خاص غير عام، كما قال اللّه عزّوجلّ: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) (2)،(3).)-------------------------------------------------------------------------### تفسير آية «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ »قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ.)أي: ولتكن جماعة هم بعضكم يدعون، وذكر باعتبار حمل أُمة على جماعة من الذكور، وإن دخلت فيهم الاناث تغليباً إلى الخير أى الدين، أو مطلق الأمور الحسنة شرعاً وعقلاً، من المعروف وترك المنكر، فيكون مجملاً يفصله «ويأمرون بالمعروف» أي: بالطاعة. والأمر يكون للرجحان مطلقا أعم من الوجوب والندب وينهون عن المنكر أي خلاف الطاعة من كونه مكروها وحراماً، ويكون الوجوب الذي يستفاد من الأمر، أي: «ولتكن» ومن حصر الفلاح في الأمرون والناهون المفهوم من قوله «أولئك هم المفلحون» باعتبار المجموع وبعض الأفراد.ويحتمل تخصيص الأمر بالواجبات والنهي بالمحرمات، فيكون صريحاً في الوجوب. وأما تفصيل الوجوب وشرائطه المعتبرة، فسيأتي في كلام الشيخ (قدّس سرّه.)ولا ثمرة كثيراً في البحث عن الوجوب عينياً أو كنائياً، والأولى منه في ذلك البحث عن كونه عقلياً أو نقلياً.


1) سورة آل عمران: 104.

2) سورة الأعراف: 158.

3) فروع الكافي 5: 59 - 60 ح 16.

-------------------------------------------------------------------------قيل: والظاهر أنه كفائي، كما هو ظاهر هذه الآية في كون الغرض هو الردّ من القبيح، والحثّ على الطاعة؛ ليرتفع القبيح ويقع المأمور به والحسن، وفي كونه ظاهراً من الآية نظر سيأتي، ولا دليل في العقل يدلّ على الوجوب مطلقا، نعم يمكن كونه واجباً عقلياً في الجملة، وعلى من ظهر عنده قبحه بمعنى ترتب الذنب على الترك، فيمكن القول بأنه عقلي.وقيل: إنه لو كان واجباً عقلياً لوجب على اللّه، ولو وجب عليه وهو متمكن من إزالة كل منكر لما كان يقع أصلاً.وأجيب بأنه جاز أن يكون وجوبهما عليه تعالى مشروطاً، كما نقول في المكلّف: إنّه يجب عليه بشرط الأمن، وشرطه في حقه تعالى أن لا يبلغ الالجاء بحيث يبطل التكليف.وحاصله: أن الواجب يختلف باختلاف الأمر والناهي؛ إذ القادر يجب عليه بالجنان واللسان والأركان، والعاجز لا يجب عليه إلاّ بالقلب، وإذا جاز اختلاف الواجب باختلاف محاله، جاز اختلافه بالنسبة إليه تعالى مع ظهور المانع، فيكون الواجب في حقه تعالى الانذار والتخويف بالمخالفة لئلا يبطل التكليف وقد فعل.وفيه نظر؛ لأنّ المانع وهو الإلجاء الممتنع في التكليف مشترك مع ما فيه من التخصيص في المقدّمة العقلية، وكذا الجواب بأنّ اللطف مقرّب لا ملجىء.والحق ما اختاره صاحب التجريد (1من كونهما واجبين سمعاً فقط لا عقلاً.)


1) تجريد الاعتقاد ص 309.

بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث(ليبغض المؤمن الضعيف أي: ضعيف الايمان، والمراد أنه سبحانه يعامله معاملة المبغض مع من أبغضه ويوصل إليه ما يترتب على البغضاء من الجزاء السيء، وهكذا أكثر ما يوصف به سبحانه، فإنّه إنما يؤخذ باعتبار الغايات لا المبادىء.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «ليبغض المؤمن الضعيف».لما كانت المبغضة كالمحبة أمراً قلبياً، وهو نفرته عن الشيء لكونه مولماً، وكان الله منزّهاً عنه، فإذا أسندت إليه وجب تأويلها، كما في سائر صفاته تعالى.فنقول: معنى الحديث - واللّه أعلم - انّ اللّه يبغض المؤمن، أي: عمله، بحذف المضاف، وهو كفه نفسه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويذمه عليه، ويحكم بأنّ هذا عمل يستحق به العقاب إن لم يتب، أو يشفع له شفيع، وإلا فالمؤمن بما هو مؤمن محبوب لله، وهو يثني عليه ويعظمه ويريد له الثواب، فكيف يبغضه ويذمه ويهينه.والحاصل: أن المؤمن بما هو مؤمن معظم عند اللّه ممدوح، وهو يريد له الثواب، ومن حيث إنّه تارك للنهي عن المنكر، وهو نوع ضعف في دينه وايمانه، حتّى كأنه لا دين له مهان مذموم يريد اللّه له العقاب إلا أن يتوب.ثمّ لا يخفى ما في هذ الحديث من المبالغة والدلالة على أن الإخلال بالعمل لا يوجب الخروج عن الايمان بل يجامعه، ففيه ردّ على المعتزلة القائلة بأن الفاسق وكل من أخل بالعمل خارج عن الايمان غير داخل في الكفر.

(الذي لا ينهى عن المنكر المراد به القبيح، أعني: الحرام. والمراد بالمعروف الذي يذكر في مقابله الفعل الحسن المشتمل على رجحان، فيختص بالواجب والمندوب، ويخرج المباح والمكروه، وإن كانا داخلين في الحسن.)«و سئل أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ... إلى آخره» المراد بالمعروف هنا الواجب، والمراد من السؤال عن وجوبهما على الأمة جميعاً وجوبهما على كلّ واحد منهم، عالماً كان أو جاهلاً مؤثراً أمره ونهيه أو غير مؤثر.)(والدليل على ذلك أي: على أنّ الوجوب إنّما هو على بعض الأمة، فالمشار إليه بذلك هو الأمر اللازم من حصر الوجوب على من صفته كذا وكذا، لا نفس الحصر كما هو ظاهر.)(ولتكن منكم أمّة كلام الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) صريح في أنّ «من» في الآية تبعيضية، وأما ما في بعض التفاسير من جعلها بيانية والمعنى كونوا أُمة تأمرون بالمعروف فبعيد جداً.)(فهذا خاص غير عام أي: طلب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يعمّ الأمّة جميعاً، بل يختص ببعضهم.)### وجوب الحسبةتبصرةاختلف أصحابنا في أنّ وجوب الحسبة، إعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هل هو عيني أو كفائي؟فالشيخ (1والمحقق (2)وابن إدريس (3)، وجماعة من متأخري علمائنا، ومنهم)


1) الاقتصاد ص 147.

2) شرائع الاسلام 1: 258.

3) السرائر 2: 22.

شيخنا الشهيد في شرح الارشاد، والمحقق الشيخ علي (1(طاب ثراه) على الأوّل. والسيد المرتضى وأبو الصلاح (2)والعلّامة (3)، وبعض المتأخرين، كالشهيد الثاني(4)على الثاني.)ولنمثل محل النزاع بما لو كان في البلد شخص يترك الصلاة، أو يشرب الخمر مثلا، وفي البلد عشرة أشخاص يجوّز كلّ منهم تأثير أمره ونهيه في ذلك الشخص من غير ضرر يلحقه، وشرع واحد منهم في أمره ونهيه، وكان ترتب الأثر على ذلك مظنوناً، فبمجرد ذلك قبل حصول الأثر - أعني: فعل الصلاة وترك شرب الخمر - هل يسقط وجوب الأمر والنهي عن التسعة الباقية أم يجب عليهم مشاركته في الأمر والنهي وعدم تقاعدهم عن ذلك إلى أن يحصل الأثر؟والقائلون بالوجوب العيني استدلوا بصدر هذا الحديث، فإنّ ظاهره الوجوب العيني، وبأحاديث أخرى يقارب مضمونها ذلك، كما روي عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ من ترك إنكار المنكر بقلبه ويده ولسانه فهو ميت في الأحياء (5).)وما روي عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال لأصحابه : إنّه قد حق لي أن آخذ البريء منكم بالسقيم، وكيف لا يحق لي ذلك وأنتم يبلغكم عن الرجل منكم القبيح، فلا تنكرونه عليه ولا تهجرونه ولا تؤذونه حتّى يتركه (6).)وأمثال هذه الأحاديث كثيرة. والاستدلال كما ترى.


1) جامع المقاصد 4: 48.

2) الكافي لأبي الصلاح ص 264.

3) مختلف الشيعة 4: 457.

4) شرح اللمعة 2: 413.

5) تهذيب الأحكام 6: 181 ح 23.

6) تهذيب الأحكام 6: 182 ح 24.

والقائلون بالوجوب الكفائي استدلوا بالآية الكريمة وبما تضمنه آخر هذا الحديث.ويخطر بالبال أنّ الآية والحديث إنّما يدلان على عدم وجوبهما على كلّ واحد من آحاد الأمة، وهو كذلك؛ لأنّه ليس كلّ واحد منهم مستجمعاً لشرائط الوجوب، ولا يدلان على أنّهما يسقطان عن المستجمعين بشرائط الوجوب؛ لقيام البعض منهم قبل ترتب الأثر، والنزاع ليس إلا في هذا وسقوطهما عن غير مستجمع الشرائط لا يقتضي الوجوب الكفائي كما في الحج.ولا يبعد أن يقال أنه إذا شرع أحد العشرة في المثال السابق بالأمر والنهي، فإنّ ظن التسعة الباقون أنّ مشاركتهم له لا يثمر تعجيل ترتب الأثر ولا رسوخ الإنزجار في قلب من يراد إنزجاره، بل وجودها في ذلك كعدمها، فالمشاركة غير واجبة والوجوب على الكفاية، وإلا فالوجوب على العشرة عيني. وكلام ابن البرّاج يمكن تنزيله على هذا التفصيل. فقول العلّامة في المختلف(1إنّ مذهبه هو مذهب السيّد بعينه محل نظر.)هذا وقد استدل العلّامة في التذكرة على الوجوب الكفائي بأن الغرض من الأمر والنهى وقوع المعروف وارتفاع المنكر، فمتى حصلا بفعل واحد كان الأمر والنهي من غيره عبثاً هذا كلامه (2.)وفيه: أنه إن أراد بقوله فمتى حصلا الحصول الفعلي، فهو خروج عن محلّ النزاع. وإن أراد الحصول بالقوة، فإن كان مراده أنّ الأمر والنهي من الغير حينئذ عبث في بعض الأوقات لم ينفعه أو دائما منعناه. والسند - أي : سند المنع - ما


1) مختلف الشيعة 4: 458.

2) تذكرة الفقهاء 9: 442.

عرفت في التفصيل، فتدبر (1.)### شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرتنبيهتضمّن هذا الحديث بعض شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمشهور منها أربعة :الأوّل: علم الآمر والناهي وتمييزه بين المعروف والمنكر.الثاني: إصرار المأمور أو المنهي على الذنب وعدم ظهور امارة الإقلاع.الثالث: تجويز التأثير.الرابع: عدم توجه ضرر مالي أو بدني أو عرضي إلى الآمر والناهي، ولا إلى أحد من المسلمين بسببهوقد تضمّن هذا الحديث الشرط الأول والثالث.ولا يخفى أنّ هذه الأربعة إنّما هي شروط الحسبة التي باللسان أو اليد، وأمّا الحسبة القلبية المعبّر عنها بالإنكار القلبي، فغير مشروطة بمجموع هذه الأربعة، وهي على أنواع :الأوّل: اعتقاد وجوب ما يترك وتحريم ما يفعل وعدم الرضا به، وهو مشروط بالشرط الأول فقطالثاني: مقت مرتكب المعصية وبغضه على ارتكابها، وهو البغض في اللّه المأمور به في السنة المطهرة، وهو مشروط بالشرطين الأولين فقط.الثالث : إظهار الكراهية بغير اللسان واليد كعدم المكالمة وترك المخالطة


1) وجه التدبّر: أنّ كلام العلّامة (طاب ثراه) مبني على أن الغرض من الأمر والنهي هو نفس وقوع المعروف وارتفاع المنكر لا تعجيل ذلك ورسوخه في قلب المأمور والمنهي، فإذا علمنا بأنها سيقعان بفعل الغير كان أمرنا ونهينا غير داخلين فيما هو الغرض، فيلحقان بالعبث (منه).

وهو مشروط بالشروط الأربعة، وفي عدّه من أنواع الإنكار القلبي مسامحة.ومن هذا يظهر أنّ ما ذكره المحقّق والعلّامة وغيرهما من أن وجوب الإنكار القلبي مطلق، أي: غير مشروط بشيء من الشروط الأربعة غير مستقيم، فليتأمل (1.)ولا يخفى إن إطلاق النهي على كلّ من مراتب الإنكار القلبي تجوّز، وكذا في إطلاق الأمر والنهي على كلّ من أنواع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سوى بعض أفراد الأمر والنهي اللساني، وكأنّ ذلك صار حقيقة شرعية، فتخصيص التجوّز بالنوع الأول من أنواع الإنكار القلبي - كما يظهر من كلام بعض علمائنا - محل نظر.هدايةهذه الشروط الأربعة هي المذكورة في كتب أصحابنا (رضوان اللّه عليهم، وقد اشترط بعض العلماء شرطاً خامساً، وهو أن لا يكون الأمر والناهي مرتكباً للمحرمات، واشترط فيه العدالة، واستدل بقوله تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ)-------------------------------------------------------------------------قوله بقوله تعالى: «أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ».هذه الآية تدلّ على أنّ من يريد لغيره خيراً ولا يريده لنفسه لا يعقل، ففيها توبيخ لمن يفعل ذلك، فتدل على كون النفس مذمومة بذلك عقلاً، ولا تدلّ على عدم جواز أمره الناس بالطاعات مع ارتكابه المعاصي، كما توهمه؛ إذ العدالة لا تشترط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما هو الأصل والمشهور، ومقتضى الدليل، وعدم اشتراط كون الواعظ متعظاً ؛ لأنّ الأمر بالمعروف واجب،


1) وجه التأمل: أنه يمكن أن يريدوا بالإنكار القلبي المرتبة الأولى منه، وإطلاق المطلق عليه؛ لأنّ توقف الشيء على العلم والتمييز بينه وبين غيره لا يخرجه عن كونه واجباً مطلقاً (منه).

-------------------------------------------------------------------------وفعله واجب آخر، ولا يستلزم ترك الثاني سقوط الأوّل، وهو ظاهر، بل المراد إظهار قبحه وكونه أفحش وأظهر قبحاً عند العقل لا زيادة عقابه.نعم يمكن كون وعظ المتّعظ أدخل، فحينئذ يجوز لتارك الصلاة والزكاة مثلاً أمر غيره بهما.وبالجملة يفهم من ظاهر الآية الحظر والتهديد العظيم على من ترك نفسه سه مع أمر غيره.وأما قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (1)ففيه مبالغة وتوبيخ عظيم على القول بشيء من غير العمل به؛ لأنّ مقتاً تمييز للدلالة على أنّ هذا القول مقت عظيم، كأنه حقير دونه كلّ عظيم، وهو أشدّ البغض فيدلّ بظاهره على اشتراط كون الواعظ متعا، وقد عرفت أن مقتضى الدليل خلافه، فيمكن أن لا يكون للمنع من القول، بل من عدم العمل بعد تحريص الناس عليه وترك نفسه، وهو قبيح عقلاً أيضاً.)وعن بعض السلف أنه قيل له: حدّثنا فسكت، ثمّ قيل له: حدّثنا، فقال: تأمرونني أن أقول ما لا أفعل، فأستعجل مقت اللّه.وأن يكون المراد النهي عن قول لا يعلمه يعني يعد بشيء وفي العمل لا يعمله يعني يعد بشيء وفي نفسه عدمه، فتدل على تحريم خلف الوعد حينئذ ووجوب الوفاء به لا مطلقا مع احتمال الاطلاق.


1) سورة الصف: 2 - 3.

وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ (1)وبقوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (2)وبما روي عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) انه قال: «مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من أنتم ؟ فقالوا كنّا نأمر بالخير ولا نأتيه وننهي عن الشرّ و نأتيه» (3)وبأنّ هداية الغير فرع الإهتداء والإقامة بعد الإستقامة، ولهذا قيل: إنّ الاصلاح زكاة نصاب الصلاح. والحق أنه غير شرط، وأن الواجب على فاعل الحرام المشاهد فعله من غيره أمران: تركه، وإنكاره، ولا يسقط بترك أحدهما وجوب الآخر، والأحاديث الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شاملة للعادل والفاسق. والإنكار في الآيتين المذكورتين على عدم العمل بما يأمر به وبقوله لا على الأمر والقول، وكذلك ما تضمنه حديث الإسراء.)وأيضاً فالصغائر النادرة لا تخلّ بالعدالة، ولفاعلها أن ينهي عن المنكر اتفاقاً مع اندراجه في الآيتين والحديث، وما هو جوابكم فهو جوابنا.وأما حكاية الفرعية، فكلام شعري، وأيضاً فلو تمت دلائلكم لا قتضت عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا على المعصوم (عَلَيهِ السَّلَامُ، ومن لم يقع منه من حين بلوغه أو حين توبته ذنب صغير ولا كبير فينسد باب الحسبة، واللّه أعلم.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «فكلام» شعريبل هو مأخوذ ممّا قال الشاعر في هذا المعنى بالفارسية :خود نا گرفته پند مده پند دیگران ***پیکان به تیر جا کند آن گاه برنشانوهذا كما ترى كلام يتأثر منه النفس، ولكن لا تذعن به.


1) سورة البقرة: 44.

2) سورة الصف: 3.

3) ارشاد القلوب ص 21.

## الحديث الثالث عشر: الإجمال في طلب الرزق### إشارة:وبسندي المتّصل إلى الشيخ الجليل محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن أبي حمزة الثمالي، عن الامام أبي جعفر محمّد بن علي الباقر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ، قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في حجة الوداع: ألا إن الروح الأمين نفث في روعي أنه لا تموت نفس حتّى تستكمل رزقها، فاتقوا اللّه، واجملوا في الطلب، ولا يحملتكم استبطاء شيء)-------------------------------------------------------------------------الحديث الثالث عشرقوله: «وبسندي المتصل».هذا السند بطريقه الأول صحيح، والثاني ضعيفقوله: «إنّ الروح الأمين».قيل: إن جبرئيل الا وهو المسمّى بروح القدس والمعلّم الشديد القوى، والمؤيّد بإلقاء الوحي إلى الأنبياء، وهو الروح الأمين، والرسول المنعوت بقوله تعالى (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (1)جوهر في ذاته عقلي روحاني قدسي، لا ينزل عن سماء تجرّده وقربه، فإذا نزل عنها تمثل وتصوّر بصورة تناسب المنزل عليه وهو معنى نزوله على الرسول، كما في قوله تعالى (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) (2)في)


1) سورة الحاقة 40.

2) سورة مريم: 17.

-------------------------------------------------------------------------أكمل صورة وأجملها، وإن لم يتمثل ولم يتصوّر، بل تحلم الرسول في باطن السرّ والعقل، كان كلامه وحديثه كلاماً عقلياً وحديثاً روحانياً.ولعلّ إلقاؤه هذا الحديث في روعه، حيث قال: «نفث في روعي» أي: ألقى في قلبي وخاطري، ولم يقل خاطبني وأسمعني أو كلمني ونحو ذلك، كان من هذا القبيل.### المراد من نزول الملك بالوحيواعلم أن الآراء اختلف في نزول الملك بالوحي على الرسول، فقال جمهور الحكماء من الفلاسفة: إن نفس النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ إذا فاض عليها معنى عقلي ارتسم في خیاله وحسّه صورة مناسبة له، فيبصره ويسمع كلامه.)وهذا في الحقيقة إنكار لملك مجسّم موجود في الخارج، وإنكار كلام خارجي، وإنما هو تقرير أمور وصور ذهنية، وظاهر الشرع يأباه.وقال جمهور المليين: إنّ الملك شخص سماوي، متكوّن من جنس العناصر التي منها تكونت السماوات العنصرية، فهو حي ناطق متحرّك بالإرادة، مأمور تابع للأوامر الإلهية، فجبرئيل (عَلَيهِ السَّلَامُ ملك كريم عليم، والعبارة التي ينزل بها وحي يسمعه في السماء العنصرية، أو يراها منقوشة في لوح سماوي عنصري، فيقرؤها ويأمره اللّه أن ينزل بها على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ويخاطبه بها، هذا ما دلّت عليه ظواهر الشرع.)وقال السيّد نظام الدين أحمد (قدّس سرّه: الأشبه عندي أن نزول الوحي والملك على الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ) إنما هو بأن تتلقى نفس النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أولاً ما يوحى إليه من الملك الموحي، أو من اللّه تعالى تلقياً روحانياً، ثمّ يتمثل ويتصوّر ما يوحى إليه فقط، أو مع الملك الموحي في حسّه المشترك، ثمّ في حسّه الظاهر، ثمّ في الخارج، ثمّ في الهواء المجاور له، بعكس ما يرى الشيء الموجود في الخارج أوّلاً، فإنه يتمثل)

من الرزق أن تطلبوه بشيء من معصية اللّه، فإنّ اللّه تعالى قسم الأرزاق بين خلقه حلالاً ولم يقسمها حراماً، فمن اتقى اللّه وصبر آتاه رزقه من حلّه، ومن هتك حجاب ستر اللّه عزّوجلّ، وأخذه من غير حلّه قص به من رزقه الحلال، وحوسب عليه يوم القيامة (1.)بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث(نفث في روعي النفث بالنون والفاء والثاء المثلثة بمعنى النفخ.)-------------------------------------------------------------------------أولاً في الحسّ الظاهر، ثمّ في الحس المشترك، ثمّ في القوة العقليه؛ لأنه لو كان الوحي نزول ملك جسماني يتكلم معه في الخارج فقط من غير تلق روحاني لما عرض للنبي الموحى إليه حين نزول الوحي شبه غشي، ولحواسه الظاهرة شبه دهشة، على ما هو المشهور المنقول من حال نبينا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ حين نزول الوحي عليه، بل كان ينبغي أن يكون توجّه النفس الكاملة على هذا التقدير إلى الظاهر أكمل وأتم، وتكون حواسه الظاهرة أصح وأسلم (2).)قوله: «فإنّ اللّه تعالى».كأنّ في قوله «فإنّ اللّه قسم الأرزاق» أي: جعلها بين خلقه حلالاً دلالة على أنّ سائقها إليهم هو اللّه تعالى، وهو رازقهم حقيقة، خلافاً لبعض المعتزلة، حيث زعم أنّ الرزق إن حصل بكدّ الحيوان وسعيه وتعبه فهو الرازق لنفسه دون اللّه، وإذا حصل بدون ذلك فالرزاق له هو اللّه، وهو كما ترى ممّا لا يعبأ به ولا بقائله.


1) فروع الكافي 5: 80 ح 1.

2) رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين للسيّد نظام الدين أحمد 1: 155 - 156، طبع مؤسسة النشر الاسلامي.

والروع بالضم: القلب والعقل. والمراد أنه ألقي في قلبي وأوقع في بالي.(واجملوا في الطلب أي: لا يكون كدّكم فيه كداً فاحشاً، وقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «اتقوا الله واجملوا في الطلب» يحتمل معنيين :)الأوّل: أن يكون المراد اتقوا اللّه في هذا الكد الفاحش، أي: لا تقيموا عليه، كما تقول: «اتق اللّه في فعل كذا» أي: لا تفعله### المراد من الرزقالثاني: أن يكون المراد أنكم إذا اتقيتم اللّه لا تحتاجون إلى هذا الكد والتعب، ويكون إشارة إلى قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (1))-------------------------------------------------------------------------قوله: «إشارة إلى قوله تعالى (ومن يتق الله».)ظاهر الآية يفيد العموم، فما وقع في كلام بعض العلماء الفقهاء طالب العلم «المتقي لا يحتاج إلى كسب الرزق، فإنّه يأتيه من عند اللّه بغير كسب من حيث لا يحتسب» محل نظر.ثمّ إنّ الأرزاق نوعان: ظاهرة للأبدان كالأقوات، وباطنة للقلوب كالمعارف والعلوم. وكما أنّ الاتقاء يجلب الأوّل، فكذلك الثاني بطريق أولى.ثمّ إنّ المعروف من التقوى في عرف الشرع، هو أن لا يراك اللّه حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك، ويعبّر عنه باجتناب المنهيات بأسرها، وبارتكاب المأمورات عن آخرها، وهذا هو الذي يجلب الرزق الحلال، وينجي من الشدائد والملال، كما هو مفاد الآية الكريمة.


1) سورة الطلاق 2 - 3.

(ولا يحملتكم أي: لا يبعثكم ويحدوكم، والمصدر المسبوك من أن المصدرية ومعمولها منصوب بنزع الخافض، أي: لا يبعثكم استبطاء رزقكم على طلبه بالمعصية.)(قسم الأرزاق بين خلقه حلالاً نصبه على الحالية أو المفعولية بتضمين قسم معنى جعل.)(ومن هتك حجاب ستر الله هتك الستر تمزيقه وخرقه. وإضافة الحجاب إلى الستر إن قرأته بكسر السين بيانية وبفتحها لامية وفي الكلام إستعارة مصرّحة مرشّحة تبعية.)(قص به بالبناء للمفعول من المقاصة.)تبصرةالرزق عند الأشاعرة كلّ ما انتفع به حيّ، سواء كان بالتغذي أو بغيره، مباحاً كان أو حراماً. وخصه بعضهم بما يربّى به الحيوان من الأغذية والأشربة.-------------------------------------------------------------------------قوله: «ستر الله».الستر بالفتح واحد الستور والأستار، وبالكسر الحجاب. شبه حدود اللّه وأحكامه وحلاله وحرامه بالستر، ثمّ ذكر المشبه به وأراد المشبّه، فهذا إستعارة مصرحة. والهتك من ملائمات الحجاب والستر، فإثباته له مرشحة تبعية لتحققه بتبعية الفعل.قوله: «الرزق عند الأشاعرة».الرزق في اللغة: هو الحظ والنصيب والعطاء، وما ينتفع به الحيوان، فهو يتناول الحلال والحرام، والعرف خصصه بتخصيص اللّه الشيء بالحيوان، وسوقه إليه للانتفاع به، وإطلاق الشيء يعم الغذاء وغيره، ولذا يقال: رزقني اللّه ولداً أو علماً

وعند المعتزلة هو كل ما صح انتفاع الحيوان به بالتغذي أو غيره، وليس لأحد منعه منه، فليس الحرام رزقاً عندهم.وقال الأشاعرة في الردّ عليهم : لولم يكن الحرام رزقاً لم يكن المتغذي به طول عمره مرزوقاً، وليس كذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا (1).)وفيه نظر، فإنّ الرزق عند المعتزلة أعمّ من الغذاء، وهم لم يشترطوا الإنتفاع بالفعل، فالمتغذّي طول عمره بالحرام إنّما يرد عليهم لولم ينتفع مدة عمره بشيء انتفاعاً محلّلاً، ولا بشرب الماء والتنفّس فى الهواء، بل ولا يمكن من الانتفاع بذلك أصلاً، وظاهر أنّ هذا ممّا لا يوجد، وأيضاً فلهم أن يقولوا: لو مات حيوان قبل أن يتناول شيئاً محلّلاً ولا محرّماً يلزم أن يكون غير مرزوق، فما هو جوابكم فهو جوابنا. هذا ولا يخفى أنّ الأحاديث المنقولة في هذا الباب متخالفة، والمعتزلة تمسكوا بهذا الحديث، وهو صريح في مدعاهم غير قابل للتأويل.-------------------------------------------------------------------------وخصصه بعضهم بالغذاء، وعرّفه بعض الأشاعرة بما ساقه اللّه إلى الحيوان فانتفع به، وبعض المعتزلة بسوق اللّه إلى الحيّ ما يتمكن من الانتفاع به، وليس لأحد ه، فالحرام ليس برزق عندهم؛ لأنه تعالى منع من الانتفاع به، وأمر بالزجر عنه.ويظهر من تعريفهم أنّ الانتفاع بالفعل ليس بشرط عندهم، وكذلك كون الرزق غذاء، فلا يتم عليهم نقض الأشاعرة، إلا إذا فرض ذلك المغتذي من حين ولادته إلى وقت وفاته لم ينتفع بشيء انتفاعاً محلّلاً، ولم يتمكن منه أصلاً، والعادة قاضية بعدم وجوده، ومادة النقض لابد من تحققها.


1) سورة هود: 6.

والأشاعرة تمسكوا بما رووه عن صفوان بن أميّة، قال: «كنا عند رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ إذ جاء عمر بن قرّة، فقال: يا رسول اللّه إنّ اللّه كتب عليّ الشقوة، فلا أراني أرزق إلا من دفّي بكفي، فأذن لي في الغناء من غير فاحشة، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة، أي عدو اللّه لقد رزقك اللّه طيباً، فاخترت ما حرم اللّه)-------------------------------------------------------------------------قوله: «بما رووه عن صفوان».صفوان هذا مهمل في كتب الرجال.قوله: «عمر بن قرّة».بضم القاف وتشديد الراء إسم مغنّ كان بالمدينة، ومراده بالشقوة هنا هو الفقر. والشقاوة ضد السعادة.يعني: إنّ اللّه قدر لي الفاقة و الأفلاس وضيق المعاش، وهذا منه شكاية عن اللّه إلى خلقه، وسوء ظن منه به، وهو حرام قبيح؛ لأنّ اللّه تعالى حكيم، يوسع في الدنيا على من توجب الحكمة التوسعة عليه، ويضيّق على من توجب الحكمة التضييق عليه، وذلك لعلمه بأنه أصلح بحالهم وأوفق بمالهم، كما يشير إليه قوله تعالى: «وإن من عبادي من لا يصلحه إلاّ الفقر، ولو أغنيته لأفسده» (1.)قوله: «عليّ الشقوة».الشقوة بالكسر الشقاوة، قوله تعالى (رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا (2)والفتح لغة. وهو ينقسم إلى: دنيوي هو في المعاش من النفس والمال والأهل، وأخروي هو في المعاد.)


1) عوالي اللئالي 2 : 108 برقم: 295، أصول الكافي 2: 352ح 8.

2) سورة المؤمنون: 106.

عليك من رزقه مكان ما أحل اللّه لك من حلاله، أما أنك لو قلت بعد هذه المقالة ضربتك ضرباً وجيعاً» (1.)والمعتزلة يطعنون في سند الحديث تارة، ويأوّلونه على تقدير سلامته أخرى، بأن سياق الكلام يقتضي أن يقال: فاخترت ما حرم اللّه عليك من حرامه مكان ما أحل اللّه لك من حلاله، وإنما قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «من رزقه» مكان «من حرامه» فأطلق)-------------------------------------------------------------------------قال الجوهري: الشقاء والشقاوة بالفتح نقيض السعادة، وقرأ قتادة «شقاوتنا» بالكسر وهي لغة، وإنما جاء بالواو؛ لأنه بني على التأنيث في أوّل أحواله، وكذلك النهاية، فلم تكن الواو والياء حرفي إعراب. ولو بني على التذكير لكان مهموزاً، كقولهم غطاءة وعباءة وملاءة، وهذا أعلّ قبل دخول الهاء يقال: شقي الرجل انقلبت الواو ياءً لكسرة ما قبلها، ثمّ تقول : يشقيان، فيكونان كالماضي(2.)قوله: «أما أنك لو قلت».يستفاد منه أنّ التكلّم بأمثال هذه المقالة يوجب التعزير والتأديب؛ لما مرّ من كونه قبيحاً متضمناً لسوء الظن بالله، والأذى برسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ.)ثمّ وجه التمسك بهذا الحديث : أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ جعل «من رزقه» بياناً لما حرم اللّه، فصرّح بأن الرزق يكون حراماً.)وفيه منع؛ لأنه إما يكون صريحاً فيه لو كان قوله فاخترت ما حرم اللّه عليك من رزقه» نصاً في أنه رزقه، واحتمال كونه رزقاً لمن أحلّ له قائم، ومع قيام الاحتمال يسقط الاستدلال، والمصير لا خلاف الظاهر لا بأس به، بل هو لازم في توفيق الحديثين ورفع تدافعهما من البين.


1) سنن ابن ماجة 2: 872 مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ.

2) صحاح اللغة 6: 2394.

على الحرام إسم الرزق لمشاكلة قوله فلا أراني أرزق» وقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ « لقد رزقك الله» وهذا كما يقوله من يخص الثناء باللسان في قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (1)انّه من باب المشاكلة؛ لقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) « ثناء عليك» ان المراد «كما وصفت نفسك».)والمشاكلة وإن كانت نوعاً من المجاز إلا أنها من المحسنات المعنوية الكثيرة الورود في القرآن والحديث الفاشية في نظم البلغاء ونثرهم، فليس الحمل عليها ببعيد ليرتفع التعاند من البين، ويزول التنافي بين الحديثين.وتمسك المعتزلة أيضاً بقوله تعالى: (وممّا رزقناهم ينفقون (2).)وقال الشيخ الجليل الطوسي في تفسيره الموسوم بالتبيان ما حاصله: إن هذه-------------------------------------------------------------------------قوله: «قال الشيخ الجليل».قيل : مراد الشيخ أنه لو فرض أنّ ما رزقهم اللّه حرام بأجمعه - كما يجوزه الأشاعرة - لكانوا بالإنفاق منه داخلين في الممدوحين بالآية؛ لصدق أنهم أنفقوا ممّا رزقهم اللّه، فلو كان الحرام رزقاً لكان منفقه ممدوحاً عند اللّه بمقتضى الآية، والتالي باطل بالاتفاق.وفيه أن الآية مطلقة لا عموم لها، فلا تدلّ على مدحهم بالانفاق من كل ما رزقهم اللّه، فلعل مدحهم باعتبار إنفاقهم من أبغض أفراد ما رزقهم اللّه وهو الحلال، فالتالي في الفرض المذكور، وهو دخولهم تحت الممدوحين على تقدير كون ما رزقهم اللّه حراماً، كله ممنوع.


1) سنن ابن ماجة 1: 1263.

2) سورة البقره : 3.

الآية تدلّ على أن الحرام ليس رزقاً؛ لأنه سبحانه مدحهم بإنفاق الرزق، والإنفاق من الحرام لا يوجب المدح. وقد يقال: إنّ تقديم الظرف يفيد الحصر، وهو يقتضي كون المال المنفق على ضربين ما رزقه اللّه، وما لم يرزقه، وإنّ المدح إنما هو على الإنفاق ممّا رزقهم اللّه وهو الحلال، لا ممّا سوّلت لهم أنفهسم من الحرام، ولو كان كلّ ما ينفقونه رزقاً من اللّه سبحانه لم يستقم الحصر (1، فتأمّل(2).)


1) التبيان 1: 57.

2) وجه التأمّل: أنّ التقديم لا ينحصر في أن يكون للحصر فقط؛ إذ يمكن أن يكون هاهنا للسجع، وأيضاً إنّما استفيد من هذا كون الحلال رزقاً؛ لأن الحرام ليس برزق مع أنه هو المبحوث عنه (منه)

## الحديث الرابع عشر : كتاب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى شريح القاضى في شراء بيت)### إشارة:وبالسند المتّصل إلى الشيخ الجليل محمّد بن بابويه عن صالح بن عيسى بن أحمد، عن محمّد بن محمّد بن علي، عن محمّد بن الفرج الرخجي(1، عن عبدالله بن محمّد العجلي، عن عبدالعظيم بن عبدالله الحسني، عن أبيه، عن أبان مولى زيد بن علي، عن عاصم بن بهدلة، قال:)-------------------------------------------------------------------------الحديث الرابع عشرقوله: «وبالسند المتصل».في سند هذا الحديث مجاهيل منهم عبدالله بن محمّد، وعاصم بن بهدلة. وأمّا شریح، فحاله معلوم، فإنّه جلس مجلساً لا يجلس فيه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي، وليس بالأولين فيكون ثالثاً.قوله: «عن عبد العظيم».عبدالعظیم بن عبدالله بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِمَا السَّلَامُ من أصحاب الجواد والهادي، له كتاب.)


1) بالراء المهملة المضمومة والخاء المعجمة المفتوحة والجيم، ثقة من أصحاب الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (منه).

قال لي شريح: إشتريت داراً بثمانين ديناراً، وكتبت كتاباً، وأشهدت عدولاً، فبلغ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ، فبعث إلى مولاه قنبر فأتيته، فلما دخلت عليه قال: يا شريح إشتريت داراً وكتبت كتاباً وأشهدت عدولاً ووزنت مالاً ؟ فقلت: نعم. قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا شريح اتق اللّه، فإنّه سيأتيك من لا ينظر في كتابك ولا يسأل عن بيتك حتّى يخرجك من دارك شاخصاً، ويسلّمك إلى قبرك خالصاً، فانظر أن لا تكون اشتريت هذه الدار من غير مالكها، ووزنت مالاً من غير حلّه،)-------------------------------------------------------------------------وقال ابن بابويه (رَحمهُ اللّه : حدّثني علي بن أحمد، عن حمزة بن القاسم العلوي (رَحمهُ اللّه)، عن محمّد بن يحيى العطّار، عمّن دخل على أبي الحسن الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أهل الري، :قال فقال: أين كنت ؟ قلت: زرت الحسين بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، قال : أما إنك لو زرت قبر عبد العظيم عندكم لكنت كمن زار قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).)وقال في مشيخة الفقيه: إنه كان مرضياً (2.)وقال أيضاً في باب الصوم من يوم الشكّ هكذا: هذا حديث غريب لا أعرفه إلاّ من طريق عبد العظيم بن عبدالله الحسني المدفون بالري في مقابر الشجرة، وكان مرضياً (رضي اللّه عنه (3).)قوله: «قال لي شريح القاضي».هو الحارث بن قيس الكندي، إستقضاه عمر على الكوفة، وأقام قاضياً خمساً وسبعين سنة، لم تبطل إلا ثلاث سنين، امتنع فيها من القضاء، وذلك أيام فتنة ابن الزبير، واستعفى الحجّاج فأعفاه، فلم يقض بين اثنين حتّى مات، وكان من التابعين.


1) ثواب الأعمال ص 124.

2) من لا يحضره الفقيه 4: 468.

3) من لا يحضره الفقيه 2: 128.

فإذا أنت قد خسرت الدارين جميعاً الدنيا والآخرة.ثمّ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: يا شريح فلو كنت عندما اشتريت هذه الدار أتيتني، فكتبت لك كتاباً على هذه النسخة إذن لم تشترها بدرهمين.)قال: قلت: وما كنت تكتب يا أمير المؤمنين ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ : كنت أكتب لك هذا الكتاب:)بسم اللّه الرحمن الرحيم. هذا ما اشترى عبد ذليل من ميت أزعج بالرحيل، اشترى منه داراً في دار الغرور من جانب الفانين إلى عسكر الهالكين، ويجمع هذه الدار حدود أربعة: فالحد الأوّل منها ينتهي إلى دواعي الآفات وا والحد الثاني منها ينتهي إلى دواعي العاهات والحد الثالث منها ينتهي إلى دواعي المصيبات، والحد الرابع منها ينتهي إلى الهوى المردى والشيطان المغوى، وفيه يشرع باب هذه الدار.-------------------------------------------------------------------------قوله: «هذا ما اشترى».هذا أي: ما أشير إليه إشارة حسّية أو عقلية، فهو مبهم يفسره «ما اشترى» فصحة الحمل وإفادته باعتبار إيهام الموضوع وتعيين المحمول، كما في هذا زيد.وقوله «من ميت أزعج بالرحيل» إما مجاز من قبيل تسمية المشارف على الشيء باسمه، فإنّ صاحب الدار قد أشرف على الموت، وقرب رحيله من الدنيا إلى الآخرة، بل الدنيا وأهلها، كما قال الشاعر :وما الناس إلا كالديار وأهلها ***بها يوم حلوها وغذوا بلاقعأو حقيقة؛ لأنّ هذه الدار كانت لمن مات وانتقلت منه إلى غيره، فكأنه قد اشتراها منه، والتجوّز هنا باعتبار ما كان وفيما سبق باعتبار ما يكون، تأمل.

اشترى هذا المفتون بالأمل من هذا المزعج بالأجل جميع هذه الدار بالخروج من عزّ القنوع والدخول في ذلّ الطلب. فما أدرك هذا المشتري من درك، فعلى مبلي أجسام الملوك، وسالب نفوس الجبابرة، مثل كسرى وقيصر وتبع وحمير، ومن جمع المال إلى المال فأكثر، وبنى فشيّد، ونجد فزخرف، وادّخر بزعمه للولد أشخاصهم جميعاً إلى موقف العرض لفصل القضاء، وخسر هنالك المبطلون. شهد على ذلك العقل إذا خرج من أسر الهوى، ونظر بعين الزوال لأهل الدنيا، وسمع منادي الزهد ينادي في عرصاتها ما أبين الحق لذي عينين! إنّ الرحيل أحد اليومين، تزوّدوا من صالح الأعمال، وقرّبوا الآمال بالآجال (1.)-------------------------------------------------------------------------وقوله «اشترى منه داراً» جملة مستأنفة، كأن سائلاً يقول: أي شيء اشترى منه؟ قال: اشترى منه داراً في دار الغرور، أي الدنيا، فإنّها تغرّ أهلها، ثمّ وصفها فقال: إنّها ابتدأت وانتقلت من جانب قوم فانين، وانتهى إلى قوم هالكين.وسمّاهم بالعسكر وهو الجيش إمّا لهجومهم على الدنيا وجمعها، أو لأن بعضهم يعاون بعضاً كالعسكر في تحصيلها.وبالهالك: إمّا لهلاكهم الذاتي، أو لأنهم سيموتون ويهلكون. وعلى الأوّل فالاسم الفاعل ليس بمعنى الاستقبال، بل هو على حقيقته من معنى الحال.والآفات جمع الآفة، وهي عرض يفسد ما أصابه وهي العاهة، وايف الشيء كقيل بالبناء للمفعول أصابته الآفة، وهو مؤوف كرسول، والأصل مأؤوف على مفعول، لكنّه استعمل على نقض العين، فوزنه مفول.


1) الأمالي للشيخ الصدوق ص 388 - 389 ح 501.

بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث(حتى يخرجك من دارك شاخصاً يقال: شخص بصره - بالفتح - فهو شاخص: إذا فتح عينيه وصار لا يطرف. وهو هنا كناية عن الموت.)-------------------------------------------------------------------------والعاهات جمع العاهة وهي الآفة، كما صرّح به في القاموس، حيث قال: عاه المال يعيه أصابته العاهة، أي: الآفة (1انتهى)والمصيبات جمع المصيبة، وهي الأمر المكروه الذي يحلّ بالانسان، والغرض مجرّد بيان أنّ هذه الدار الفانية محفوفة بالبليات والكدورات مع المكروهات من جميع جوانبها، فلا ينبغي للعاقل البصير الناقد الخبير المتأمل في العواقب أن يشتريها بدرهمين، فضلاً عن أن يشتريها بثمانين دينار.فيظهر منه أنّ السبب المقدّم على شرائها إنّما هو الهوى المردى، ويعينه عليه الشيطان المغوي؛ لأنّ الهوى إنما يحكم بما لا يلايم الطبع، ولا يراعي فيه المال، بل يخالف العقل والشرع بمعونة الوهم والخيال، فيختار العاجل، ولو كان فانياً دون الآجل ولو كان باقياً.ولهذا قال (عَلَيهِ السَّلَامُ وفي هذا الحدّ يفتح باب هذه الدار. ولكنه لما كان بصدد كتاب نسخة قبالة هذه الدار، وكان المتعارف في كتابتها أن يحد فيها حدودها الأربع لتعيّن الحدين الآخرين، حدّدها بهذه الحدود، ثمّ جعل ثمنها الخروج من عز القنوع والدخول في ذلّ الطلب والاضافتيان لاميتان؛ لأن من قنع عزّ، ومن طمع ذل.)


1) القاموس المحيط 4: 289.

ويجوز أن يكون من «شخص من البلد» بمعنى ذهب وسار، أو من «شخص السهم» إذا ارتفع عن الهدف.والمراد: يخرجك منها مرفوعاً محمولاً على أكتاف الرجال.(ويسلمك إلى قبرك خالصاً سلّمه إليه : أعطاه فتناوله منه. والمراد خالصاً من الدنيا وحطامها، ليس معك شيء منها.)(فانظر أن لا تكون اشتريت هذه الدار من غير مالكها أي: تأمّل وتدبّر لئلاً تكون أو في أن لا يكون. والمصدر المسبوك منصوب بنزع الخافض، أي: تأمّل في عدم كونك شارياً لها من غير مالكها، وفي أدائك ثمنها من غير حلّه، وتفحص عن ذلك لئلا يكون واقعاً.)(فإذا أنت قد خسرت «إذا» هذه الفجائية، كالواقعة في قوله تعالى: ﴿فإذا هم خامدون) (1):أي فتكون مفاجئاً للخسران.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «إذا هذه الفجائية».وهي مختصة بالجملة الاسمية، ولا يحتاج إلى جواب، ولا يقع في الابتداء، ومعناها الحال لا الاستقبال، نحو (فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (2)وهي حرف عند الأخفش، وظرف مكان عند المبرّد، وظرف زمان عند الزجاج، وناصبها الخبر المذكور في نحو «خرجت فإذا زيد «جالس» فزيد مبتدأ، وجالس خبر، وإذا منصوب المحل على الحالية من الخبر، أعني جالس، وهو عامل فيه.)


1) سورة يس: 29.

2) سورة طه 20.

(إذن لم تشترها بدرهمين إذن : حرف جواب وجزاء، والأكثر وقوعها بعد «أن» و«لو». واختلف في رسم كتابتها، والجمهور بالألف والنون، والمازني بالنون، والفرّاء كالجمهور إن أعلمت وكالمازني إن أهملت.)(أزعج بالرحيل بالبناء للمفعول من أزعجه فانزعج إذا أقلقه وقلعه من مكانه.)(يجمع هذه الدار أي يحويها ويحيط بها الهوى، والمردى: إي المهلك والردى الهلاك، والمراد هنا هلاك الدين.)(يشرع باب هذه الدار يشرع بالبناء للمفعول بمعنى يفتح، يقول: أشرعت باباً إلى الطريق أي: فتحته.)(بالخروج من عزّ القنوع الباء للعوض، والقنوع بالضم: القناعة.)(فما أدرك هذا المشتري من درك (ما) شرطية، وأدرك بمعنى لحق، واسم الاشارة مفعوله.)و في الصحاح : الدرك التبعة يحرّك ويسكن يقال: ما لحقك من درك فعليّ خلاصه (1. انتهى.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «إذن حرف جواب».فيكون الفعل الواقع بعدها مستقبلاً؛ لأنّ الجواب والجزاء لا يمكنان إلا في الاستقبال، وهذا أحد شرطي عملها النصب في المضارع، والآخر أن لا يعتمد ما بعدها على ما قبلها، فإذا فقد أحدهما أو كلاهما وجب الرفع وهو الإهمال، مثال الإعمال قولك لمن قال أسلمت «إذا تدخل الجنّة» ومثال الإهمال قولك لمن يحدثك «إنما أظنك كاذباً».


1) صحاح اللغة 4: 1582.

فعلى مبلي أجسام الملوك مبلي كمكرم من البلاء بالكسر، وهو الدثور والإندراس، والجار والمجرور خبر مقدم عن أشخاصهم.(مثل كسرى وهو بكسر الكاف وفتحها لقب ملوك الفرس، وهو معرب خسرو أي: واسع الملك.)(وقيصر لقب ملك الروم.)(وتبّع بضم التاء المثناة من فوق وتشديد الباء الموحدة المفتوحة: ملك اليمن. و هو مفرد، وجمعه التبابعة.)(وحمير بكسر أوّله أبو قبيلة من اليمن كان منهم الملوك في الزمن السابق.)-------------------------------------------------------------------------قوله «قیصر».كبيدر، لقب هرقل ملك الروم، ثمّ لقب به كلّ من ملك الروم، كما لقب كل من ملك فارس بكسرى، وكلّ من ملك الحبشة بالنجاشي.وحمير بكسر الحاء وسكون الميم وفتح الياء المثناة التحتانية.وتبع كسكر واحد التبابعة من ملوك حمير، سمّي تبعاً لكثرة أتباعه. وقيل: سمّوا تبابعة؛ لأنّ الأخير يتبع الأول في الملك، وهم سبعون تبعا ملكوا جميع الأرض ومن فيها من العرب والعجم، وكان تبع الأوسط مؤمناً، وهو تبع الكامل بن ملكي أبوكريين، تبع الأكبرين تبع الأقرن، وهو ذوالقرنين الذي قال اللّه فيه (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ (1)وكان من أعظم التبابعة، وأفصح شعراء العرب.)ويقال: إنه نبي مرسل إلى نفسه لما تمكن من ملك الأرض، والدليل عليه أن اللّه تعالى ذكره عند ذكر الأنبياء، فقال: (وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (2).)


1) سورة الدخان: 37.

2) سورة ق: 14.

(وبنى فشيّد الشيد بكسر الشين ما يطلي به الحائط من الجص ونحوه، يقال: شاده يشيده شيداً بالفتح جصصه، وهو مشيد أي معمول بالشيد، والمشيد بالتشديد المطوّل.)(ونجد فزخرف «نجد» بالنون والجيم المشدّدة والدال المهملة من النجدة، وهو ما ارتفع من الأرض. ويجوز أن يكون ممّا ينجد به البيت، أي: يزين من بسط وفرش ووسائد.)والزخرف بالضم: الذهب وزخرفه: زيّنه.(إشخاصهم لفصل القضاء أي : إزعاجهم وإحضارهم، والضمير للبايع والمبيع والمشتري وصاحب الدرك، أي: انّ الموت متعهد ومتكفل بإحضارهم جميعاً للقضاء الفصل، والكلام كلّه إستعارات، ولا يخفى تفصيلها على الناقد البصير.)(في عرصاتها أي: ساحاتها. والضمير: إمّا للدار، أو للدنيا، والأوّل أقرب وإن كان أبعد.)-------------------------------------------------------------------------ولم يعلم أنه أرسل إلى قوم تبع رسول غير تبع، وهو الذي نهى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ عن سبه: لأنه آمن به قبل ظهوره بسبعمائة عام.)وفي بعض الأخبار (1تبع لم يكن مؤمناً ولا كافراً، ولكن كان يطلب الدين الحنيفة.)قيل: ولم يملك المشرق إلا تبع وكسرى، وتبع أوّل من كسى البيت الأنطاع بعد آدم، حيث كساه الشعر. وقيل : بعد إبراهيم حيث كساه الخصف. وأوّل من كساه الثياب سليمان، وسنذكر سبب كساء تبع البيت إن شاء اللّه العزيز.


1) راجع: بحار الأنوار 14: 513.

(ما أبين الحق لذى عينين «ما» تعجّبية، أي: ما أظهر الحق لصاحب البصيرة.)(إنّ الرحيل أحد اليومين أي: كما أنّ لابن آدم يوم ولادة، وهو يوم القدوم إلى هذه الدار، فله يوم رحيل عنها وهو يوم الموت، فينبغي أن لا يزول عن خاطره بل يجعله أبداً نصب عينيه.)(وقربوا الآمال بالآجال أي: قصّروها بتذكر الموت الذي هو هادم اللذات وفاضح الآمال.)### المراد من الدار المشترى في الحديثإشارةيمكن أن تكون «الدار» في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «اشترى منه دارا» رمز إلى هذه البنية البدنية والمشتري رمز إلى النفس الناطقة الانسانية العاكفة على تلك البنية الظلمانية، المشغولة بها عن العوالم المقدّسة النورانية، والبايع رمز إلى الأبوين اللذين منهما حصلت الأجزاء المنوية المتكوّن منها البنية التي مبدأها من جانب الفانين، ومآلها إلى عسكر الهالكين.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «والمشتري رمز».لا يخفى على ذوي الأفهام عدم استقامة هذا الكلام، و ذلك أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ قد قام في هذا المقام على ساق الجد والتشمير، ثمّ شرع باب التوبيخ والتعيير على هذا المشتري الشاري هذه الدار، بالخروج من عزّ القنوع والدخول في ذلّ الطلب، بأنه تابع للهوى المردى والشيطان المغوي، مفتون بالأمل، شار للدار ممّن أزعجه الأجل غير مراقب ولا مراع فيه المآل بل يخالف العقل والشرع بمتابعة الوهم والخيال، فيختار العاجل، وهو فان دون الآجل، وهو باق إلى غير ذلك من أنواع التوبيخ والتعيير.)

-------------------------------------------------------------------------وهذا إنّما يتصوّر فيما إذا كان له اختيار في شرائه هذا ومعاملته هذه، والنفس الناطقة سواء كانت حادثة بحدوث البدن أو كان حدوثها سابقاً على حدوثه، كما هو ظاهر كلامه (قدّس سرّه، لا اختيار لها في تعلّقها بهذا البدن الهيولائي الشاغل لها عن عالمها النوراني، كما يدلّ عليه العقل والنقل، فلا تثريب عليها اليوم، ولا تتوجه إليها المذمة في هذا المقام، كما لا يخفى على ذوي البصائر والأحلام، مع أنّ هذا الكلام لا يلايمه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «ومن جمع المال إلى المال» فتأمّل هذا.)وفي كتاب التوحيد: عن عبدالله بن الفضل الهاشمي، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ: لأي علة جعل اللّه تبارك وتعالى الأرواح في الأبدان بعد كونها في ملكوته الأعلى في أرفع محل؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إن اللّه تبارك وتعالى علم أنّ الأرواح في شرفها وعلوها متى تركت على حالها نزع أكثرها إلى دعوى الربوبية دونه عزّوجلّ، فجعلها بقدرته في الأبدان التي قدّرها في ابتداء التقدير نظراً لها ورحمة بها، وأحوج بعضها إلى بعض، وعلّق بعضها على بعض، ورفع بعضها فوق بعض درجات، وكفى بعضها ببعض، وبعث إليهم رسله، واتخذ عليهم حججه مبشرين ومنذرين، يأمرونهم بتعاطي العبودية، والتواضع لمعبودهم بالأنواع التي تعبدهم بها الحديث وطوله (1).)وهو صريح في أنها غير مختارة في عكوفها على هذا البدن وتعلقها به، فكيف تتوجه إليها المذمة بأنها اشترته بالخروج من عزّ القنوع والدخول في ذلّ الطلب؟ إلى غير ذلك من أنواع الملامة والمذمة، وهي ما اشترته باختيار منها ولا طلبته.


1) التوحيد للشيخ الصدوق ص 402 - 403 ح 9.

ثمّ هذه البنية - أعني : البدن - وإن كان مركباً للنفس، ووسيلة لها إلى تحصيل كمالاتها، لكن قواه البهيمية دواع وأسباب لآفات النفس وعاهاتها ومصيباتها واتباعها للهوى والشيطان، فنزل (عَلَيهِ السَّلَامُ تلك الدواعي منزلة حدود الدار المكتنفة بها من جوانبها.)ولما كان الخروج من ولاية اللّه والدخول في ولاية الطاغوت يحصل باتباع الهوى والشيطان، ناسب أن يجعل باب تلك الدار في هذا الحدّ.ولما كان ذلّ النفس وخروجها عن استغنائها الذي كانت عليه في عالمها النوراني ملازماً لعكوفها على هذا البدن الهيولائي، ومسبّباً عن تعلقها به وشرائها له، شبهه (عَلَيهِ السَّلَامُ بالثمن الذي هو من لوازم الشراء.)-------------------------------------------------------------------------ولو سلّم فإنّها كانت محتاجة إليه في تحصيل كمالاتها، وظاهر أن شري ما يتوقف عليه الكمال لا يوجب مذمّة، وإلا لتوجّهت إلى عامة من اشتراه، ومنهم الذامّ (عَلَيهِ السَّلَامُ، أقول هذا وأستغفر اللّه. نعم يتوجه إلى من صرفه في غير مصرفه، وهو كلام آخر.)وبالجمله لا أعرف وجهاً لتنزيل هذا الحديث على هذا المعنى، وصرفه عن ظاهره، وهو (قدّس سرّه أعرف بما قال، واللّه أعلم بحقيقة الحال.)قوله: «في عالمها النوراني».ظاهره يفيد أنه (قدّس سرّه ممّن يقول بتقدّم النفوس على الأجساد، كما هو صریح قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إن اللّه خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام» (1)لا بحدوثها بحدوث الأجساد، كما هو ظاهر قوله تعالى (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) (2).)


1) أصول الكافي 1: 438 ح 1.

2) سورة المؤمنون: 14.

ولما كان الموت هو السائق الذي يسوق الخلق بأجمعهم طوعاً وكرها إلى موقف القيامة ليقضي بينهم الحكم العدل وينتصف من المعتدي للمعتدى عليه، شبهه (عَلَيهِ السَّلَامُ بشخص ضمن الدرك، وتعهد أن يحضر كل من له دخل في هذه المعاملة إلى دار القضاء ليحكم بينهم، ويقضي لمن له الحق بحقه.)-------------------------------------------------------------------------فإن قلت: هذا ينافي مذهب الحكماء أنها حادثه بحدوث البدن.قلت هذا ليس مذهب جميع الحكماء؛ إذ عند الإشراقيين منهم النفس موجودة قبل وجود البدن، وإن كان بين المذهبين فرق، وهو أنها قديمة عندهم وعند هؤلاء حادثة، مع أنه لو كان مخالفاً لمذهب الحكماء ما كان يضرهم إذا دلّ عليه جميع دليل شرعي لم يقم على خلافه برهان عقلي، وأدلّة المشائين على خلافه غير تمام، والروايات الدالة على تقدّمها على الأبدان من طرق العامّة والخاصه أكثر من أن تحصى في هذه الرسالة.منها : قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ «كنت أنا وعلي نوراً بين يدي اللّه تعالى قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام» الحديث (1).)وفي رواية أخرى: يا محمّد خلقتك وعلياً نوراً - يعني روحاً - بلا بدن قبل أن أخلق سماواتي وأرضي وعرشي وبحري، فلم يزل يهللني ويمجدني (2.)وفي أخرى خلق اللّه أرواح شيعتنا قبل أبدانهم بألفي عام (3.)وبعضها كما يدلّ على خلق أرواحهم قبل أجسادهم، يدل على أنهم كانوا يعبدون اللّه بالتسبيح والتهليل.


1) راجع احقاق الحق 4: 91.

2) راجع احقاق الحق 6: 138.

3) أصول الكافي 1: 438 ح 9.

هذا ما خطر بالبال في معنى هذا الكلام، ولعلّ أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ أراد معنى آخر غير هذا لم يهتد نظري الكليل إليه، ولم يعثر فكري العليل عليه، واللّه أعلم بحقيقة الحال.)-------------------------------------------------------------------------وفي بعضها دلالة على أنّ أرواحهم كانت متعلقة بأبدان مثالية.ولا استبعاد فيه؛ إذ كما يجوز تعلّقها بعد خراب هذه الأبدان بأبدان مثالية، جاز تعلّقها قبل تعلّقها بهذه الأبدان، وليس هذا من التناسخ في شيء، كما ستعرفه في آخر الكتاب بعون اللّه الملك الوهاب.

## الحديث الخامس عشر : توبة عامل بني أمية وأداء حقوق الناس### إشارة:وبالسند المتّصل إلى الشيخ الجليل محمّد بن يعقوب، عن علي بن محمّد بن بندار، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبدالله بن حماد، عن علي بن أبي حمزة، قال: كان لي صديق من كتاب بني أمية، فقال: إستاذن لي على أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ، فاستاذنت له فأذن له، فلما دخل وسلّم وجلس، ثمّ قال:)-------------------------------------------------------------------------الحديث الخامس عشرقوله: «عن إبراهيم بن إسحاق».الظاهر أنه الأحمري، بقريته روايته عن عبدالله بن حماد الأنصاري، والأوّل ضعيف، والثاني مجهول، فالسند بين كونه ضعيفاً ومجهولاً.قوله: «كان لي صديق».الصديق: من إذا غاب عنك حفظ غيبتك، وصدق وده لك، ولا يسلمك عند النكبات.فإن قلت: كيف يسوغ لعلي بن أبي حمزة الثمالي الثقة أن يكون له صديق من علماء بني أمية وهو ظالم والصداقة مع الظالمين والموادة بهم، بل الركون إليهم ينافي العدالة.قلت: صداقته له لا يستلزم العكس، فكثيراً ما يخلص الرجل وده لغيره وهو يبغضه ويشنيه ولا يعنيه ولا منافاة بين استئذانه له وعدم ركونه إليه.

جعلت فداك إني كنت في ديوان هؤلاء القوم، فأصبت من دنياهم مالاً كثيراً وأغمضت في مطالبه.فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ : لولا أن بني أمية وجدوا من يكتب لهم ويجبي لهم الفيء ويقاتل عنهم، ويشهد جماعتهم، لما سلبونا حقنا، ولو تركهم الناس وما في أيديهم ما وجدوا شيئاً إلا ما وقع في أيديهم.)فقال الفتى: جعلت فداك فهل لي من مخرج منه؟ قال: إن قلت لك تفعل؟ قال: أفعل.قال: فاخرج من جميع ما اكتسبت في ديوانهم، فمن عرفت منهم رددت عليه-------------------------------------------------------------------------قوله: «إنّي كنت في ديوان».الديوان بفتح الدال وكسرها الكتاب يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطية ويستعار لصحائف الأعمال، ومنه «إذا ماتت المرأة في النفاس لم ينشر لها ديوان يوم القيامة» (1. والأصل في الديوان دوّان، فأبدل من احدى الواوين ياء للتخفيف، بدليل جمعه على دواوين.)قوله: «فمن عرفت منهم رددت عليه».يستفاد من هذا الحديث أنّ حقوق الناس المالية أشدّ من سائر حقوقهم وحقوق اللّه تعالى، فإنه (عَلَيهِ السَّلَامُ و ضمن له على اللّه الجنّة، بعد أن أمره بالخروج من ذلك، ولم يأمره بالخروج ممّا سواه من الحقوق كالشتم واللطم والخيبة ونحوها، وقضاء الصوم والصلاة وأداء الخمس والزكاة وغيرها، وكون ذمته بريئة عن ذلك كله مستبعد جداً.)


1) مجمع البحرين 6: 249.

ماله، ومن لم تعرفه تصدّقت به، وأنا أضمن لك على اللّه الجنّة. فأطرق الفتى طويلاً، ثمّ قال: قد فعلت جعلت فداك-------------------------------------------------------------------------ويدل على ما ذكرناه ما رواه عمر بن يزيد، عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال: إذا كان لرجل على رجل دين، فمطله حتّى مات ثمّ صالح ورثته على شيء، فالذي أخذته الورثة لهم وما بقي فهو للميت، حتّى يستوفيه منه في الآخرة. وإن هو لم يصالحهم على شيء حتّى مات ولم يقض عنه، فهو للميت يأخذه منه (1).)وورد في بعض الروايات: أنّ من عليه دين ولم يمكنه ردّه على صاحبه، فإنّ اللّه لا يقتص من حسناته إذا عجز عن ردّ التبعات، بل يرضى صاحبها عنه ويكافئه من عنده، ويعوّضة من خزانة رحمته. وسنأتيك بكلام أبسط في الحديث الثامن والثلاثين.قوله: «ومن لم تعرفه تصدّقت».كلام الامام في هذا المقام مجمل، والقواعد الفقهية تقتضي التفصيل، وهو إن كان مجهولاً مالكه يجب حفظه مع رجاء وجود المالك وظهوره لإمكان ايصاله حينئذ إلى مالكه، مثل سائر الأمانات، ومع اليأس بالكلية يجب التصدق به؛ لأنّ أكل مال الغير من غير رضائه منهي عنه، والتصدق به إلى المستحقين نوع ايصال إلى المالك لحصول العوض، وهو الثواب مع عدم القدرة على غيره، والأمر بحفظه في هذه الصورة مع أنه تكليف شاق ممّا لا فائدة له وهل يضمنه حينئذ لو ظهر مالكه ؟ فيه نظر.


1) فروع الكافي 5: 259 ح 8.

قال ابن أبي حمزة: فرجع الفتى معنا إلى الكوفة، فما ترك شيئاً على وجه الأرض إلا خرج منه حتّى ثيابه التي على بدنه.قال: فقسمنا له قسمة، وشرينا له ثياباً، وبعثنا إليه بنفقة. قال: فما أتى عليه إلاّ أشهر قلائل حتّى مرض، فكنا نعوده. قال: فدخلت عليه يوماً وهو في السوق، قال: ففتح عينيه، ثمّ قال: يا علي وفي لي - واللّه - صاحبك.قال: ثمّ مات وتولينا أمره، فخرجت حتّى دخلت على أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ، فلما نظر إلي قال لي: يا على وفينا واللّه لصاحبك.)قال: فقلت: صدقت جعلت فداك هكذا واللّه قال لي عند موته(1.)بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث(من كتاب بني أمية أي: من عمالهم.)(أغمضت في مطالبه أي: تساهلت في تحصيله ولم أجتنب من الحرام والشبهات. وأصله من إغماض العين.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «من إغماض العين».ففي الكلام إستعارة مصرّحة، حيث شبّه التجاهل بالحرام والشبهات والتعاهل عنهما والتساهل في تحصيلهما بإغماض العين عمّا لا يريد أن يراه الرائي لمنافاته غرضه، ثمّ ذكر المشبه به وأراد به المشبّه.واعلم أن المال في الأصل الملك من الذهب والفضة، ثمّ أطلق على كل ما يقتضي ويملك من الأعيان، وهذا هو المراد به هنا.


1) فروع الكافي 5: 106 ح 4.

(ويجبي لهم الفيء يجبي بالجيم، أي: يجمع، يقال: جبيت الخراج جباية وجبوته جباوة، والمراد بالفيء الخراج.)(إلا خرج منه أي: فارقه وأخرجه من يده. وفي الكلام إستعارة بالكتابة وتخييل، شبه المال بالشيء المحيط بالإنسان كالثوب ونحوه وأثبت له الخروج منه.)(فقسمنا له قسمة أي: فرضنا له فيما بيننا شيئاً وقسطناه على أنفسنا.)(أشهر قلائل الوصف بالقلائل لتأكيد القلّة، فإنّ أفعل من جموع القلة وليس من المشتركات بين جمع القلة والكثرة، كأذرع ورجال، ليكون الوصف مؤسساً لمجيء شهور، فكأنها كانت أقرب إلى الثلاثة من العشرة.)(وهو في السوق أي في النزع.)-------------------------------------------------------------------------قوله «شبه المال».أو شبهه بالبيت ونحوه من الأماكن والمساكن، بل هذا هو الأظهر.قوله: «أي فرضنا».أي: فرزنا وعزلنا له من أموالنا حصّة وجزء ونصيباً.قوله: «وليس من المشتركات».يعني: صيغة جمع القلّة إنما تستعمل في جمع الكثرة إذا لم تكن له صيغة، كأذرع ورجال، فإنّهم لما لم يجدوا لجمع كثرتهما صيغة خاصة به استعملوهما فيه، فيكونان من المشتركات بين جمعي القلة والكثرة، فهاهنا لو كانت أشهر مشتركة بينهما كأذرع، كان الوصف مؤسساً مفيداً معنى جديداً لقطعه الشركة، لكنه ليس كذلك لمجيء شهور في الكثرة، فيكون الوصف وهو قلائل مؤكداً لما يفيده أشهر من القلة.

تبصرةيستفاد من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «لولا أنّ بني أمية... إلى آخره» أن إعانة الظالمين حرام ولو كانت بما هو مباح في نفسه؛ لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ويشهد جماعتهم».)ويؤيده ما رواه الشيخ في الحسن عن ابن أبي يعفور، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ إذ دخل عليه رجل من أصحابه، فقال له: أصلحك اللّه إنه ربما)-------------------------------------------------------------------------قوله: «ما رواه الشيخ في الحسن».ومثله موثقة صفوان بن مهران الجمال، قال: دخلت على أبي الحسن الأول (عَلَيهِ السَّلَامُ، فقال لي: يا صفوان كلّ شيء منك حسن جميل ما خلا شيئاً واحداً، قلت: جعلت فداك أي شيء؟ قال: إكراؤك جمالك من هذا الرجل - يعني هارون - قلت: واللّه ما أكريته أشراً ولا بطراً ولا للصيد ولا للهو، ولكنّي أكريته لهذا الطريق - يعني طريق مكة - ولا أتولاه بنفسي، ولكن أبعث معه غلماني.)فقال: يا صفوان أيقع كراؤك عليهم؟ قلت: نعم جعلت فداك، قال: فقال لي: أتحبّ بقاءهم حتّى يخرج كراؤك؟ قلت: نعم جعلت فداك، قال: من أحب بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم كان ورد النار.قال صفوان: فذهبت فبعت جمالي عن آخرها، فبلغ ذلك إلى هارون، فدعاني، فقال لي: يا صفوان بلغني أنك بعت جمالك؟ قلت: نعم، قال: لم؟ قلت: أنا شيخ كبير وان الغلمان لا يفون بالأعمال، فقال: هيهات هيهات، إني لأعلم من أشار عليك بهذا، أشار عليك بهذا موسى بن جعفر قلت مالي ولموسى بن جعفر، فقال: دع هذا عنك، فواللّه لو لا حسن صبحتك لقتلتك(1.)


1) وسائل الشيعة 17: 182 - 183 ح 17 عن رجال الكشي 2: 740.

أصاب الرجل منا الضيق أو الشدّة، فيدعى إلى البناء يبنيه، أو للنهر يكريه، أو المسناة يصلحها، فما تقول في ذلك ؟ فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ : ما أحب أن عقدت لهم عقدة، أو وكيت لهم وكاءً، وأنّ لي ما بين لابتيها لا ولا مدة بقلم، إن أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتّى يحكم اللّه بين العباد (1).)وفي الصحيح عن يونس بن يعقوب، قال: قال لي أبو عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ: لا تعنهم على بناء مسجد (2).)-------------------------------------------------------------------------قوله: «أو للنهر يكريه».كري النهر: استحدث حفره والمسنّاة العرم وهي جمع عرمة كفرحة، سد يعترض به الوادي. والوكاء ككتاب حبل يشدّ به رأس القربة، واللابة الحرّة وهي أرض ذات حجارة نخرة سود.وما بين لابتيها أي لابتي المدينة شرّفها اللّه، وهما حرّتان تكتنفانها.والسرادق: الذي يمد فوق صحن البيت، والبيت من الكرسف والدخان المرتفع المحيط بالشيء، وبيت مسردق أعلاها وأسفله مسدود كله.قوله: «على بناء مسجد».مع أنّ بناء المسجد خير والمعاونة عليه خير وبرّ؛ لأنّ معاونة البربر، وإنما نهى عنها لأنه ظلمة، ومعاونة الظلمة ظلم.ومثله ما في الكشّاف عن أبي حنيفة أنه كان يقول في المنصور الدوانيقي وأشياعه: لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عد آجره لما فعلت.


1) تهذيب الأحكام 6: 331 ح 40.

2) تهذيب الأحكام 6: 338 ح 62.

وروى ابن بابويه عن الحسين بن زيد عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ، عن آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ)، قال: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ألا ومن علق سوطاً بين يدي سلطان جائر، جعل اللّه ذلك السوط يوم القيامة ثعباناً من نار طوله سبعون ذراعاً، يسلّط عليه في نار جهنّم وبئس المصير (1). وأمثال هذه الأحاديث كثيرة.)وهي كما ترى عامة في الإعانة بالمحرّم والمباح بل المندوب.وربما يستأنس له بقوله تعالى: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ (2).)-------------------------------------------------------------------------قوله: «بقوله تعالى (ولا تركنوا».)أي: لا تميلوا إلى من وجد منه الظلم وقتاً ما أدنى ميل، فإنّ الركون هو الميل القليل كالتزيّ بزيّهم، وتعظيم ذكرهم واستدامته، فإن فعلتم فتمسكم النار بركونكم، فإذا كان الميل اليسير إلى من صدر منه الظلم وقتاً يسمّى ظلماً موجباً لمس النار، فما ظنّك بالميل الكثير إليه وبالظالم نفسه وبالظلم.وفي الكافي في باب المعيشة في باب عمل السلطان: هو الرجل يأتي السلطان فيحب بقاءه إلى أن يدخل يده في كيسه فيعطيه(3.)وهذا كالصريح في أنّ المراد بالظالم السلطان الجائر، وبالركون إليه محبّة بقائه، وهو الظاهر من كلام الكشّاف (4، وذلك غير بعيد؛ لأنه المتبادر، ولأنّ ظلمه أقبح، فلا يبعد كون قباحته واصلاً إلى هذه المرتبة.)


1) الأمالي للشيخ الصدوق ص 517 ح 707.

2) سورة هود: 113.

3) فروع الكافي 5: 108 - 109 ح 12.

4) الكشّاف 2: 296.

-------------------------------------------------------------------------ولما روي في أخبارنا عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أنه قال: من مدح سلطاناً جائراً أو تخفّف وتضعضع له طمعاً فيه، كان قرينه في النار، قال اللّه عزّوجلّ (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): من ولي جائراً على جور كان قرين هامان في جهنّم (1).)وقال في الكشّاف: النهي متناول للانحطاط في هواهم، والانقطاع إليهم، ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم، والرضا بأعمالهم، و التشبه بهم، والتزيّي بزيهم، ومد العين إلى زهرتهم، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم، ثمّ نقل إلى الأخبار في ذمّ الاختلاف إلى أبواب الظلمة (2.)ويؤكد ذلك ما روى عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بطريق العامّة والخاصّة: كفّارة اختلاف أبواب السلطان قضاء حوائج الإخوان (3).)وظاهر كلام البيضاوي (4مشعر بأنه فسّر الظلم بمطلق الذنب، فالمراد هو النهي عن الميل إلى مطلق الظالم من حيث أنّه ظالم لا من حيث أنه مؤمن، أو مصلح المعالم الاسلام، وناظم لأمور جماهير الأنام، ولهذا قالوا: يجوز مدح من يستحق الذم من وجه آخر بوجه لا يستلزم مدحه على القبيح، ويدلّ عليه العقل.)ولذلك نقلوا عن المشايخ الكرام والعلماء العظام أنهم كانوا يدعون لسلطان وقتهم بالبقاء والظفر والنصرة، وكانوا يمدحونهم بأنواع المدائح، وشاع ذلك منهم


1) من لا يحضره الفقيه 11:4.

2) الكشّاف 2: 296.

3) عوالي اللئالي 1: 314 و 4: 70.

4) تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 1: 580.

### المراد من معونة الظالمينويظهر من كلام بعض فقهائنا في مبحث المكاسب أن معونة الظالمين إنما تحرم إذا كانت بما هو محرّم في نفسه، وأمّا إعانتهم على تحصيل أموالهم وخياطة ثيابهم وبناء منازلهم مثلاً فليس بمحرّم.وهذا التفصيل إن كان قد انعقد عليه إجماع فلا كلام فيه، وإلا فللنظر فيه مجال، فإنّ النصوص على ما قلناه متظافرة.-------------------------------------------------------------------------وذاع من غير نكير، وديباجة أكثر كتبهم مشحونة بذلك.فما ورد من النهي عن الدعاء لهم بالبقاء، كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «من دعا لظالم بالبقاء، فقد أحبّ أن يعصى اللّه في أرضه» (1)مقيّد لا مطلق، أي: من حيث انه ظالم، كما هو ظاهر الحديث، فالميل إلى الظلمة والدعاء لهم بالبقاء لا من حيث ظلمهم، بل من حيث ان لوجودهم مدخلاً في نظام العالم، وبقاء بني نوع آدم، ممّا لا مشاحة فيه ولا المعار، ولا يكون ذلك من موجبات النار، كما لا يخفى على ذوي الأبصار.)ثمّ من المعلوم عقلاً ونقلاً جواز مخالطتهم ومعاشرتهم دفعاً لشرهم، وكفى في هذا شاهداً مخالطة على بن يقطين الثقة ظلمة وقته لدفع شرّهم عنه وعن شيعة زمانه ومكانه.قوله: «بعض فقهائنا».كالمحقق في الشرائع، حيث قال في كتاب التجارة بعد بنائه على فصول: الأوّل فيما يكتسب به: وهو ينقسم إلى محرّم ومكروه ومباح، فالمحرم منه أنواع وعدها، إلى أن قال: الرابع ما هو محرّم في نفسه كعمل الصور المجسّمه، والغناء، ومعونة الظالمين بما يحرم (2.)


1) بحار الأنوار 75: 334.

2) شرائع الاسلام 2: 10.

وأيضاً فعلى هذا لا معنى حينئذ لتخصيص الإعانة بالظالمين، فإنّ إعانة كلّ أحد بالمحرّم محرّمة، بل فعل المحرّم في نفسه حرام، سواء كان إعانة أو غير إعانة، فتدبر (1.)والعجب من العلّامة في التذكرة حيث خص تحريم معونتهم بما يحرم، ثمّ استدل على ذلك بالروايات السالفة (2. وهي كما عرفت صريحة في خلاف ما ادعاه، فتأمّل (3).)هذا والظاهر أنّ مرجع الإعانة إلى العرف، فما سمّي إعانة عرفاً حرام.وأما ما ينقل عن بعض الأكابر أنّ خياطاً قال له: إنّي أخيط للسلطان ثيابه، فهل تراني داخلاً بهذا في أعوان الظلمة ؟ فقال : الداخل في أعوان الظلمة من يبيعك-------------------------------------------------------------------------قال في المسالك احترز به عن مساعدتهم بالأعمال المحللة، كالخياطه فإنّه جائز وإن كان أخذ الأجرة منه مكروهاً من حيث معاونة الظالمين (4.)وقال الشهيد الأوّل في اللمعة في كتاب المتاجر ويحرم معونة الظالمين بالظلم.وقال الشهيد الثاني: كالكتابة لهم، وإحضار المظلوم ونحوه، لا معونتهم بالأعمال المحللة كالخياطة (5.)


1) وجه التدبّر: أنّ التخصيص قد يوجد بأنّ إعانة الظالمين بالمحرّم أشد تحريماً من إعانة غيرهم، فالاهتمام ببيانها أشد، فصرّح بها، وإن كان السكوت عنها يستلزم دخولها بالطريق الأولى (منه).

2) تذكرة الفقهاء 1: 852 الطبع الحجري.

3) وجه التأمل: أنه يحتمل ثبوت الاجماع عند العلّامة (منه).

4) المسالك في شرح الشرائع 3: 127.

5) اللمعة وشرحها 3: 213.

الأبر والخيوط، وأمّا أنت فمن الظلمة أنفسهم. فالظاهر أنه محمول على نهاية المبالغة في الاحتراز عنهم، والاجتناب من تعاطي أمورهم، وإلا فالأمر مشكل جداً. نسأل اللّه العصمة والتوفيق.هدايةما تضمنه هذا الحديث من قول ذلك الرجل عند حضور موته: «و فى لي واللّه صاحبك» يدلّ على أنه ينكشف للإنسان عند الإحتصار بعض أحوال تلك النشأة، ويظهر عليه أنّه من أهل السعادة أو الشقاوة، كما ظهر لهذا الرجل وفاء الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ بما ضمنه له من الجنّة.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «هذا الحديث».قال أبو جعفر محمّد بن بابويه رحمة اللّه عليه: إعتقادنا أنه لا يخرج أحد من الدنيا حتّى يرى مكانه من الجنّة أو من النار، وانّ المؤمن لا يخرج من الدنيا حتّى يرفع له الدنيا كأحسن ما رآها، ثمّ يرفع مكانه في الآخرة، ثمّ خير بين الدنيا والآخرة، فهو يختار الآخرة، فحينئذ يقبض روحه (1.)أقول: ويدلّ على هذه الجملة ما روي عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ انه قال: لا يزال المؤمن خائفاً من سوء العاقبة، لا يتيقن الوصول إلى رضوان اللّه حتّى يكون وقت نزع روحه وظهور ملك الموت له، وذلك أن ملك الموت يرد على المؤمن وهو في شدّة علّته، وعظيم ضيق صدره، بما يخلّف من أمواله و لما هو عليه من اضطراب أحواله في معاملته وعياله، وقد بقيت في نفسه مرارتها و حسراتها، واقتطع دون أمانيه فلم ينلها. فيقول له ملك الموت: مالك تجرع غصصك؟ قال: لاضطراب)


1) الاعتقادات ص 79.

وقد ورد في هذا المعنى أحاديث متكفّرة، فقد روى المخالف والمؤالف عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أنه قال: لن يخرج أحدكم من الدنيا حتّى يعلم أين مصيره، وحتى يرى مقعده من الجنّة أو النار (1).)و روى الشيخ الجليل ثقة الاسلام محمّد بن يعقوب الكليني في كتاب الجنائز من الكافي، في باب ما يعاين المؤمن والكافر، عن علي بن عقبة، عن أبيه في حديث طويل، قال: قال لي أبو عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ: يا عقبة لا)-------------------------------------------------------------------------أحوالي، واقتطاعك لي دون آمالي فيقول له ملك الموت: وهل يحزن عاقل من فقد درهم زايف، واعتياض ألف ألف ضعف الدنيا ؟ فيقول: لا، فيقول ملك الموت: فانظر فوقك، فينظر فيرى درجات الجنّة وقصورها التي يقصر دونها الأماني، فيقول ملك الموت تلك منازلك ونعمك وأموالك وأهلك وعيالك، ومن كان من أهلك هاهنا وذريتك صالحاً فهم هناك معك، أفترضى به بدلاً ممّا هناك؟ فيقول: بلى والله. ثمّ يقول: انظر فينظر فيرى محمّداً وعلياً والطيبين من ألهما في أعلى عليين، فيقول: أو تراهم ؟ هؤلاء ساداتك وأئمتك هم هناك جلاسك وآناسك، أفما ترضى بهم بدلاً ممّا تفارق هاهنا ؟ فيقول: بلى وربّي، فذلك ما قال اللّه تعالى (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا (2)فما أمامكم من الأهوال كفيتموها، ولا تحزنوا على ما تخلفونه من الذراري، فهذا الذي شاهدتموه في الجنان بدلاً منهم، وأبشروا بالجنّة التي كنتم توعدون، هذه منازلكم، وهؤلاء ساداتكم آناسكم وجلاسكم (3)والأخبار في ذلك كثيرة.)


1) احیاء علوم الدين 4: 451.

2) سورة فصلت: 30.

3) بحار الأنوار 6: 176 - 177 ح 2 عن تفسير الامام العسكري ص 239 - 240.

يقبل اللّه من العباد يوم القيامة إلا هذا الأمر الذي أنتم عليه، وما بين أحدكم وبين أن يرى ما تقرّ به عينه إلا أن تبلغ نفسه إلى هذه، ثمّ أهوى (عَلَيهِ السَّلَامُ بيده إلى الوريد... الحديث (1).)وعن بعض أصحاب القلوب أنه فتح عينيه وهو محتضر وتبسّم، وقال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (2).)ونقل المحدّثون من أصحابنا أحاديث متكثّرة صريحة في أنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحضران عند كل محتضر ويبشّرانه بما يؤول إليه حاله من)-------------------------------------------------------------------------قوله: «وأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ.)لا وجه لهذا التخصيص لدلالة كثير من الأخبار على حضور الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ عند الموت.)منها ما ورد: إنّ المؤمن الموالي إذا حضره ملك الموت وجد عند رأسه محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ومن جانب آخر علياً، وعند رجليه الحسن، ومن جانب آخر الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وحواليه بعدهم خيار خواصهم ومحبّيهم، الذين هم سادة هذه الأمة بعد ساداتهم من آل محمّد (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ينظر العليل المؤمن إليهم فيخاطبهم، بحيث يحجب اللّه صوت وته عن آذان حاضريه، كما يحجب اللّه رؤيتنا أهل البيت، ورؤية خواصنا عن أعينهم، ليكون ايمانهم بذلك أعظم ثواباً لشدّة المحنة عليهم.)فيقول المؤمن بأبي أنتم وأمّي يا رسول اللّه، ويا وصي رسول اللّه، ويا شبلي محمّدا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وسبطيه، مرحباً بكم معاشر خيار أصحاب محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وولديه، ما كان أعظم شوقي إليكم، وما أشدّ سروري الآن بلقائكم، يا رسول اللّه)


1) فروع الكافي 3: 128 ح 1.

2) سورة الصافات: 61.

-------------------------------------------------------------------------هذا ملك الموت قد حضرني ولا أشكّ في جلالتي في صدره لمكانك ومكان أخيك.فيقول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ كذلك هو، فأقبل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى ملك الموت، فيقول: يا ملك الموت استوص بوصية اللّه في الاحسان إلى مولانا وخادمنا ومحبّنا ومؤثرنا، فيقول له ملك الموت: يا رسول اللّه مره أن ينظر إلى ما أعد اللّه له في الجنان، فيقول له رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لينظر إلى العلو، فينظر إلى ما لا يحيط به الألباب، ولا يأتي عليه العدد والحساب.)فيقول ملك الموت: كيف لا أرفق بمن ذلك ثوابه، وهذا محمّد وأعزّته زوّاره، يا رسول اللّه لو لا أنّ اللّه جعل الموت عقبة لا يصل إلى تلك الجنان إلا من قطعها لما تناولت وجه، ولكن لخادمك ومحبّك هذا أسوة بك وبسائر أنبياء اللّه ورسله وأوليائه الذين أذيقوا الموت لحكم اللّه تعالى.ثم يقول محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : يا ملك الموت هاك أخانا قد سلّمناه إليك، فاستوص به خيراً، ثمّ يرتفع هو ومن معه إلى روض الجنان، وقد كشف من الغطاء والحجاب لعين ذلك المؤمن العليل، فيراهم المؤمن هناك بعد ما كانوا حول فراشه، فيقول: يا ملك الموت الوحا الوحا تناول روحي، ولا تلبثني هاهنا، فلا صبر لي عن محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و أعزّته، وألحقني بهم، فعند ذلك يتناول ملك الموت روحه، فيسلها كما يسل الشعرة من الدقيق، وإن كنتم ترون هو في شدّة، فليس هو في شدّة، بل هو في رخاء ولدة الحديث وطوله (1).)


1) بحار الأنوار 6: 173 - 175 عن تفسير الامام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ).

سعادة أو شقاوة. والأبيات التي ينقل عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ في هذا المضمون في مخاطبة الحارث الهمداني مشهورة، وفي كثير من كتب السير مسطورة. رزقنا اللّه البشارة بالسعادة، ومن علينا جميعاً بالحسنى وزيادة، إنه جواد كريم رؤوف رحيم.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «في هذا المضمون».وهو أنّ الحارث لمّا قال: إنّي أتخوّف عن وقتين: وقت الإحتضار، ووقت المرور على الصراط، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ:)یا حار همدان من يمت يرني من مؤمن أو منافق قبلاوأنت عند الصراط معترضي فلا تخف عثرة ولا زللاأقول للنار حين توقف للعرض*** دعيه لا تقرب الرجلاأسقيك من بارد على ظماء ***تخاله في حلاوة العسلا(1)


1) راجع بحار الأنوار 6: 180.

## الحديث السادس عشر: دعاء أداء القرضوبالسند المتّصل إلى الشيخ الجليل محمّد بن بابويه، عن محمّد بن بكران النقاش، عن أحمد بن محمّد الهمداني مولى بني هاشم، عن عبيد بن حمدون الرواسي، عن حسين بن نصر، عن أبيه، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن عبدالله عن الامام أبي جعفر محمّد بن علي الباقر، عن أبيه علي بن الحسين الأنصاري، زین العابدين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أمير المؤمنين (عَلَيهِم السَّلَامُ، قال :)شكوت إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ديناً كان عليّ، فقال: يا علي قل: «اللّهمّ أغنني بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك» فلو كان عليك مثل صبير ديناً قضاه اللّه عنك. والصبير : إسم جبل باليمن ليس باليمن جبل أعظم منه (1).)-------------------------------------------------------------------------الحديث السادس عشرقوله: «والصبير».في نهاية ابن الاثير : وفيه من فعل كذا وكذا كان له خيراً من صبير ذهباً» هو إسم جبل باليمن. وقيل: إنّما هو مثل جبل صير بإسقاط الباء الموحدة، وهو جبل لطيّ، وهذه الكلمة جاءت في حديثين لعلي ومعاذ. أما حديث علي فهو صير، وأمّا رواية معاذ فصبير كذا فرّق بينهما بعضهم (2انتهى.)


1) الأمالي للشيخ الصدوق ص 472 ح 632.

2) نهاية ابن الأثير 3: 9.

قال جامع هذه الأحاديث عفا اللّه عنه كثر علي الدين في بعض السنين حتّى تجاوز ألفاً وخسمائة مثقال ذهباً، وكان أصحابه متشددين في تقاضيه غاية التشدّد حتّى شغلني الاهتمام به عن أكثر أشغالي، ولم يكن لي في وفائه حيلة، ولا إلى أدائه وسيلة، فواظبت على هذا الدعاء، فكنت أكرّره كل يوم بعد صلاة الصبح، وربما دعوت به بعد الصلوات الأخر، فيسر اللّه سبحانه قضاءه، وعجّل أداءه في مدة يسيرة بأسباب غريبة ما كانت تخطر بالبال ولا تمرّ بالخيال.-------------------------------------------------------------------------قوله: «على هذا الدعاء».قد اشتهر هذا الدعاء بين بين الطلبة هكذا: اللّهمّ أغنني بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمّن سواك.وقد سمعت عن بعض مشايخي وهو يدعو في قنوت صلاته المكتوبة هكذا: إلهى كفى علمك عن المقال، وكرمك عن السؤال، صلّ على محمّد و آل محمّد وأغنني بحلالك عن حرامك، إلى آخر ما نقلناه آنفا. ولا شكّ أنه أفضل وأشمل.

## الحديث السابع عشر: عصمة الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ)### إشارة:وبسندي المتّصل إلى الشيخ الصدوق ثقة الاسلام محمّد بن بابويه (قدس اللّه روحه، عن تميم بن عبدالله القرشي، عن أبيه عبدالله بن تميم، عن أحمد بن سليمان النيشابوري، عن علي بن الجهم، في حديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة، قال: قال المأمون لأبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ما معنى قول الله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) الآية (1)كيف يجوز أن يکون)-------------------------------------------------------------------------الحديث السابع عشرقوله: «تمیم بن عبدالله».تميم بن عبدالله بن تميم القرشي الذي يروي عنه أبو جعفر محمّد ابن بابويه ضعیف.قوله: «كيف يجوز».أستفهام إنكاري، أي: لا يجوز عليك ذلك، فإنّ كلّ من له أدنى عقل يعلم أنه تعالى لكونه مجرّداً غير ذي وضع، ولا متحيّز لا بالذات ولا بالعرض، ممتنع عليه


1) سورة الأعراف: 143.

الرؤية، ولا تدركه العيون والأبصار، ولا يحيط به الأوهام.کلیم اللّه موسى بن عمران لا يعلم أنّ اللّه تعالى لا يجوز عليه الرؤية حتّى يسأله هذا السؤال ؟فقال الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ : إن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) علم أن اللّه تعالى جل أن يرى بالأبصار، ولكنّه لمّا كلّمه وقربه نجيّاً، رجع إلى قومه وأخبرهم أن اللّه تعالى كلمه وقربه وناجاه.)فقالوا: لن نؤمن لك حتّى نسمع كلامه كما سمعت وكان القوم سبعمائة ألف رجل، فاختار منهم سبعين ألفاً، ثمّ اختار منهم سبعة آلاف، ثمّ اختار منهم سبعمائه، ثمّ اختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربّه، فخرج بهم إلى طور سيناء، فأقامهم في سفح الجبل، صعد موسى إلى الطور، وسأل اللّه تعالى أن يكلمه ويسمعهم كلامه، فكلّمه اللّه تعالى، وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأمام؛ لأنّ اللّه تعالى احدثه في الشجرة، ثمّ جعله منبعثاً منها حتّى سمعوه من جميع-------------------------------------------------------------------------وأيضاً فإنّ المرئيات بين أن تكون جسماً أو عرضاً حالاً فيه، والضرورة قاضية بأنه تعالى ليس كذلك.قوله: «وسمعوا كلامه».أي: سمعوا كلامه بمعنى ما به التكلّم، وهو الحروف والأصوات الموجودة في الأعيان، أي: في جسم الهواء الدالة لا من جهة واحدة، بل من جميع الجهات، ليكون ذلك حجّة عليهم، ودليلاً على أنه من اللّه حيث كان بطريق خرق العادة، وإليه الاشارة بقوله « ثمّ جعله منبعثاً منها حتّى سمعوه من جميع الوجوه».وفيه دلالة على أنه تعالى جعل الصوت الواحد الموجود القائم بجسم الشجرة المشهورة بالطور، بحيث سمعوه من جميع الجهات على طريق خرق العادة،

فالمسموع واحد، وجهات سماعه متعدّدة.الوجوه.فقالوا: (لن نؤمن لك بأنّ هذا كلام اللّه (حتى نرى اللّه جهرة) (1).)فلما قالوا هذا القول العظيم، بعث اللّه عليهم صاعقة، فأخذتهم بظلمهم فماتوا.فقال موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ: يا ربّ ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم؟ وقالوا: إنك ذهبت بهم وقتلتهم؛ لأنك لم تكن صادقاً فيما ادّعيت من مناجاة اللّه تعالى إيّاك، فأحياهم اللّه وبعثهم معه فقالوا: إنّك لو سألت اللّه تعالى أن يريك تنظر إليه لأجابك، وكنت تخبرنا كيف هو ونعرفه حق معرفته.)فقال موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ: يا قوم إنّ اللّه لا يرى بالأبصار ولا كيفية له، وإنما يعرف بآياته ويعلم بأعلامه.)-------------------------------------------------------------------------وهذا الكلام من الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ ممّا لا محيد عنه؛ لكونه حقاً ثابتاً مطابقاً للأمر نفسه، فلا التفات بعده إلى ما قيل إذا كان سماع الصوت من جميع الجهات لم يكن الصوت متحققاً في الأعيان؛ لأن الصوت باعتبار الوجود العيني إنّما يقوم بالهواء، فله وضع حقيقي لا محالة، فلا يسمع إلا من جهة مخصوصة، فهذا الصوت المسموع من جميع الجهات إن حكم عليه بأنه صوت، فإنّما يصح إن أريد بالصوت ما هو مسموع في المنام من الأصوات، فإنّه إنما هو صوت موجود بالوجود الظلّي المثالي.)قوله: «ولا كيفية له».الكيفية منسوبة إلى الكيف، أي: الحال المنسوبة إلى كيف، وهو الاستفهام عن


1) سورة البقرة : 55.

الحال، و التأنيث باعتبار الحال التي مؤنّث سماعية، و المراد أنه تعالى لا يكون فقالوا: لن نؤمن لك حتّى تسأله.فقال موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ: يا ربّ إنّك قد سمعت مقالة بني إسرائيل، وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى اللّه تعالى إليه: يا موسى سلني ما سالوك، فلن أواخذك بجهلهم. فعند ذلك قال موسى : (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ) يقول: رجعت إلى معرفتي بك عن)-------------------------------------------------------------------------موضوعاً ولا معروضاً لكيفية من الكيفيات الإمكانية الخلقية الحادثة؛ لامتناع كونه محلاً للحوادث، ولو كانت تلك الكيفيات أزلية، والأزلي لا يكون أثراً لمختار، لزم استنادها إلى الذات على وجه الايجاب.ولذا قال سيدنا الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ : إن اللّه لا يوصف بكيف، وكيف أصفه بالكيف؟ وهو الذي كيف الكيف حتّى صار كيفاً، فعرفت الكيف بما كيف لنا من الكيف (1).)ولكن في حديث الزنديق الذي أتاه (عَلَيهِ السَّلَامُ سأله عن مسائل التوحيد، أنه قال: فله كيفية ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لا ؛ لأن الكيفية جهة الصفة والإحاطة، ولكن لابد من الخروج من جهة التعطيل والتشبيه؛ لأنّ من نفاه فقد أنكره، ودفع ربوبيته وأبطله، ومن شبّهه بغيره فقد أثبته بصفة المخلوقين المصنوعين الذين لا يستحقون الربوبية، ولكن لابد من إثبات أنّ له كيفية لا يستحقها غيره، ولا يشارك فيها، ولا يحاط بها، ولا يعلمها غيره الحديث (2).)وهو يدلّ على أنّ له تعالى كيفية ذاتية هي نفس ذاته المجرّدة البسيطة، ولا


1) أصول الكافي 1: 103 ح 12.

2) أصول الكافي 1: 84 - 85.

يدركها غيره، ولا تكون كالكيفيات الإمكانية الحادثة.جهل قومي (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (1)منهم بأنك لا ترى.)فقال المأمون: لله درك، فأخبرني عن قول اللّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ (2).)فقال الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ : لقد همّت به، ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها كما همّت به لكنّه كان معصوماً، والمعصوم لا يهم بذنب.)### تفسير آية «وذا النون»فقال المأمون اللّه درّك يا أبا الحسن، فأخبرني عن قول اللّه تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ (3).)-------------------------------------------------------------------------قوله: «عن قول اللّه تعالى (وذالنون».)أى: أذكر يا محمّد يونس بن متى وقت ذهابه عن قومه حين ضاق خلقه من وعظهم ودعوتهم، وعدم اتعاضهم وقبولهم، حال كونه مغضباً، أي: أغضبهم بمفارقته لهم لخوفهم نزول العذاب عليهم عند مفارقته لهم.ويحتمل أن يكون بمعنى باغضاً لهم أيضاً، مع أنه ظنّ أنّ ذلك يجوز له حيث ما فعل إلا لله فهو يبغض لله، ولعلّه كان عليه أن يصابر وينتظر الإذن والفرج من اللّه فما صبر (فظنّ أن لن نقدر (4)أي: ظنّ أنّ اللّه ما قدر وما فرض له المعاتبة والتعنيف عليه، أو ظنّ أنه لم يفعل اللّه معه فعل القادر، ولم يستعمل قدرته في عتابه لحسن ظنه بالله، أو مثل عدم فعله تعالى بسبب أنه كان جائزاً له بمن لا يقدر)


1) سورة الأعراف: 143.

2) سورة يوسف: 24.

3) سورة الأنبياء: 87.

4) سورة الأنبياء: 87.

-------------------------------------------------------------------------عليه، فهو تمثيل واستعارة قاله في الكشّاف (1.)وقال في مجمع البيان أن لن نضيّق عليه، وهذا مروي عن الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ قال الجبائي: ضيّق اللّه عليه الطريق حتّى ألجأه إلى ركوب البحر، ثمّ قذف فيه، فابتلعته السمكة. وقيل: استفهام وتقديره: فظن أن لن نقدر عليه (2))(فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ظلمة بطن الحوت، وظلمة الليل، وظلمة البحر، أو أنّ الحوت الذي بلعه بلعه حوت آخر، فصار ظلمات بطنين وظلمة الليل، أو شدّة الظلمة كأنها ظلمات كثيرة.)(أن لا إله أي: بأن لا إله إلا أنت، أو أي لا إله إلا أنت، ف-«أن» بعنى أي، وفي الأوّل الباء مقدّرة.)(سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ أي من الذين وجد منهم الظلم، قاله على سبيل الخشوع والخضوع؛ لأنّ البشر لا يمتنع منه وقوع الظلم، ولم يكن في بطن الحوت على جهة العقوبة؛ لأنها عداوة والنبي ليس بعدوّ لله، بل على جهة التأديب، فإنّه يجوز للمكلّف وغيره كالصبي ولغير العدوّ.)وكذا في مجمع البيان (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ أي: ليست بمخصوصة به، بل ينجي كلّ مؤمن مبتلى دعا به. وعن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): ما من مكروه يدعو بهذا الدعاء إلا استجيبت له. وهو صريح في قوله تعالى (وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (3).)


1) الكشّاف 2: 581.

2) مجمع البيان 3: 60 - 61.

3) مجمع البيان 3: 61.

فقال الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ : ذاك يونس بن متى (ذَهَبَ مُغَاضِبًا) لقومه (فظنّ) بمعنى استيقن أن لن نقدر عليه أن لن نضيّق عليه رزقه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ) أي: ضيّق وقتر (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ) ظلمة الليل وظلمة البحر وبطن الحوت (أ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) بتركي مثل هذه العبادة التي فرّغت لها في بطن الحوت، فاستجاب اللّه له، قال سبحانه: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).)فقال المأمون اللّه درك يا أبا الحسن، فأخبرني عن قول اللّه تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر (1).)-------------------------------------------------------------------------وفي الكشّاف عن الحسن ما نجّاه اللّه إلا إقراره على نفسه بالظلم (2.)قوله: «متی».كحتى إسم أبي يونس (عَلَيهِ السَّلَامُ. وقال في جامع الأصول وقيل: اسم أمه)قوله: «عن قول اللّه تعالى (ليغفر لك اللّه».)في رواية عمر بن يزيد بياع السابري، قال: قلت لأبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ : قول اللّه كتابه (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) قال : ما كان له ذنب ولا هم بذنب، ولكن اللّه حمّله ذنوب شيعته ثمّ غفرها له (3).)وفي رواية المفضّل بن عمر عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ: ما كان له ذنب، ولكن اللّه ضمّن له أن يغفر ذنوب شيعة علي ما تقدّم من ذنبهم وما تأخّر (4).)


1) سورة الفتح: 2.

2) الكشّاف 2: 582.

3) مجمع البيان 5: 110.

4) مجمع البيان 5: 110.

قال الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): لم يكن أحد عند مشركي مكة أعظم ذنباً من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لأنهم كانوا يعبدون من دون اللّه ثلاثمائة وستين صنماً، فلمّا جاءهم بالدعوة إلى كلمة الإخلاص، كبر ذلك عليهم وعظم، وقالوا: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (1)* مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ) (2)فلما فتح اللّه تعالى على نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مكة، قال: يا محمّد (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) عند مشركي أهل مكة بدعائك إلى توحيد اللّه فيما تقدّم وما تأخّر.

فقال المأمون: لقد شفيت صدري يابن رسول اللّه، وأوضحت لي ما كان ملتبساً، فجزاك اللّه عن أنبياء اللّه وعن الإسلام خيراً (3.)بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث(قربه نجياً فعيل من المناجاة وهى المسارّة. ويمكن جعله مصدراً. وهو على التقديرين حال من فاعل «قرب» أو مفعوله.)حتى نرى اللّه جهرة أي عياناً. وانتصابها على المفعول المطلق، أو الحال من فاعل «نرى» أو مفعوله.(جعله دكاً أي: مدكوكاً مفتتاً.)والخرور: السقوط على الوجه.


1) أي: أراده اللّه تعالى، أو أنه شيء مراد للناس، أي: دعوته (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليس بالحق بل هو لإرادة الملك والرئاسة، وهذا أمر يراد (منه).

2) ص: 75.

3) عيون أخبار الرضا 1: 200 - 202.

(وصعقاً أي: مغشياً عليه)(ولقد همت به هم بالشيء قصده وعزم عليه. والمراد - واللّه أعلم - قصدت مخالطته.)-------------------------------------------------------------------------قوله: (ولقد همّت به.)في حديث علي بن محمّد بن الجهم عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ وقد سأله يابن رسول اللّه أتقول بعصمة الأنبياء؟ قال: نعم، قال: فما تقول في قوله تعالى في يوسف (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) قال لها : إنها همت بالمعصية وهم يوسف بقتلها إن أجبرته لعظم ما تداخله، فصرف اللّه عنه قتلها، والفاحشة وهو قول اللّه عزّوجلّ (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ) يعني القتل، والفحشاء الزنا (1).)وقال الشيخ (قدّس سرّه في الكشكول ما حاصله إن قوله تعالى (وهم بها) هو جواب «لولا» أي: لولا أن رأى برهان ربِّه لهم بها، كما تقول: لولا أني أخاف اللّه لقتلتك، وحينئذ فلا يلزم كونه (عَلَيهِ السَّلَامُ) همّ بالمعصية أصلاً، كما هو شأن النبوة.)ثمّ قال: أقول : وما ذكره بعض المفسرين من أنّ جواب «لولا» لا يتقدم عليها، محتجاً بأنها في حكم الشرط، وللشرط صدر الكلام، وان الشرط مع ما في حيّزه من الجملتين في حكم الكلمة الواحدة، ولا يجوز تقديم بعض أجزاء الكلمة على بعض، فكلام ظاهري لا مستند له في كلام المتقدمين من أئمة العربية، والحجة المذكورة لا يخفى ضعفها.


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) 1: 192 - 193.

(ولولا أن رأى برهان ربّه لقصد مخالطتها أيضاً، فقوله تعالى: (وهم بها) جواب «لولا» مقدم عليها، أو دال على الجواب، كما تقول: «قتلتك لولا أن أخاف الله» وستسمع لهذا زيادة تحقيق.)(أن لن نضيّق عليه رزقه ومنه قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) (1)والمراد - واللّه أعلم - أنه علم أنا نرزقه من غير تقتير، سواء كان مقيماً بين قومه أو مهاجراً عنهم.)وهذا التفسير الذي فسره الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ هو الحق الذي لا محيد عنه، فلا يعبأ بعده بما قيل من أن المراد: فظنّ أن لن نقضي عليه بالعقوبة، من القدر بمعنى القضاء، أو هو تمثيل لحاله بحال من ظنّ أن لن نقدر عليه أو هي خطرة شيطانية سبقت إلى وهمه، فسمّيت ظنّاً للمبالغة، وأمثال ذلك ممّا هو بالإعراض عنه حقيق.)(سبحانك إني كنت من الظالمين بتركي مثل هذه العبادة التي فرّغت لها في بطن الحوت هذا كلام منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم أظفر به في شيء من التفاسير التي اطلعت عليها، وهو يؤيد ما قاله أهل الكشف والعرفان من أن القرب الذي حصل ليونس على نبينا وآله و (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بطن الحوت لم يحصل له قبل ذلك ولا بعده مثله، حتّى جعلوا إلتقام الحوت معراجاً له (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ونقلوا في ذلك حديثاً عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد نظمه العارف الرومي في المثنوي.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «في ذلك حديثاً عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ».)وهو قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: فضلوني على الأنبياء إلا على يونس من متى، فإن معراجي إلى السماء، ومعراجه إلى الماء (2). وقد نظمه الرومي في المثنوي :)


1) سورة الاسراء: 30.

2) راجع بحار الأنوار 30 : 505. والخبر لا توجد في مصادرنا المعتبرة.

-------------------------------------------------------------------------گفت پیغمبر که معراج مرا نیست بر معراج يونس اجتباآن من بالا و آن او به شیب زانکه قرب حق برون است از حسیبقرب نی بالا و پستی جستن است ***قرب حق از حبس هستی رستن است (1)أقول: هذا الخبر على تقدير ثبوته وصحته يحتاج إلى ضرب من التأويل؛ لأنّ نبينا أفضل المخلوقات وأكمل الموجودات ومعراجه بلا شبهة أفضل من معراج كلّ ذي معراج.كيف لا ؟ وهو قد بلغ في معراجه إلى حيثما أخبر عنه سبحانه بقوله (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (2)أي قرب فاشتد قربه، فكان البعد بينهما قدر قوسين بل أدنى، والمقصود تمثيل ملكة الاتصال، وتحقيق استماعه لما أوحي إليه بنفي البعد الملبس، فيكون دنوّه كناية عن رفع مكانته، وتدلّيه عن جذبه بشراشره إلى جناب القدس، وكان له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مع اللّه وقت لا مع وقت لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل وما حصل ليونس بن متى ولا لغيره من الأنبياء عشر أعاشير ما حصل له.)فالحق أن يجعل «إلا» فيه عاطفة بمثابة الواو العاطفة، كما ذهب إليه جمع من الأدباء، كالأخفش والفرّاء وابن عبيدة، والشارح الفاضل الرضي، وابن هشام في المغني، وجعلوا منه قوله تعالى (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ (3).)


1) المثنوي ص 330.

2) سورة النجم: 7 - 8.

3) سورة البقرة: 150.

(إنّ هذا لشيء يراد أي: إنّ هذا الأمر من نوائب الدهر يراد بنا فلا مردّ له، أو أن ما قصده محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من الرئاسة والترفع على العرب والعجم شيء يريده كلّ أحد.)(ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة أي : ما سمعنا بما يقوله من التوحيد في الملة التي أدركنا عليها آباءنا، أو في ملة عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) التي هي آخر الملل، فإنّ النصارى مثلثون (1)غير موحدين أيضاً.)-------------------------------------------------------------------------وقوله (لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ (2)أي: ولا الذين ظلموا ولا من ظلم، فيكون من باب ذكر الخاص بعد العام، تنبيهاً على زيادة الاهتمام، ودفعاً لما عسى أن يتوهّم أنّ له اللّه فضل وزيادة على جميع الأنبياء من جميع من جميع الجهات إلا على يونس، فإنهما سيان في كونهما ذوي معراج، فدفعه بأن قال: فضّلوني على الأنبياء وعلى يونس بن متى أيضاً، فإنّ معراجي إلى السماء، ومعراجه إلى الماء، وبون بعيد بينهما، فهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس.)وليس الغرض حصول العروج إلى السماء، أو النزول إلى الماء، بل المراد هو الايماء إلى تفاوت ما بين المعراجين في حصول القدر والمرتبة.وبهذا التقرير يمكن استفادة وجه آخر على تقدير إبقاء «إلا» على الاستثناء، وهو أن يكون الغرض أنّ له فضلاً على جميع الأنبياء، ومنهم يونس بن متى إلا في خصوص كونهما ذوي معراج من غير ملاحظة تفضيل أحد المعراجين على الآخر، والوجه ما ذكرناه أوّلاً، فتأمّل.


1) أي: يجعلون له سبحانه إبنا وزوجة، وهو تعالى ثالثهم (منه).

2) سورة النمل: 10 - 11.

(والاختلاق: الكذب المخترع.)### مسألة الرؤيةتذكرة فيها تبصرةالأشاعرة تمسكوا بالآية الموردة في السؤال الأول على إمكان رؤيته تعالى من وجهين :-------------------------------------------------------------------------قوله: «الأشاعرة تمسكوا».قال السيّد نظام الدين أحمد (قدّس سِرُّهفي رسالته لإثبات الواجب تعالى(1): قد ثبت في محله أنه يجوز أن تعلم بعض النفوس المجرّدة الإلهية الكاملة ذات الواجب تعالى بالعلم الحضوري الذي هو عبارة عن مشاهدة ذاته من غير تكيف ولا مسامتة ولا مجازاة، وإذا جاز فما المانع من قول من تجوّز رؤيته تعالى في الآخرة، فإنّ الرؤية في الحقيقة عبارة عن مشاهدة حضورية، ولا يشترط فيها وقوعها بالجارحة المخصوصة، بل بعض القائلين بجوازها صرّح بأن رؤيته تعالى لا يجب أن تكون بتوسط تلك الجارحة المخصوصة)قال في شرح التجريد (2: لا يلزم من نفي الرؤية بالبصر نفي الرؤية مطلقا؛ إذ يمكن أن يرى لا بتلك الجارحة المخصوصة كما هو المدّعى، فإن المثبتين لرؤيته تعالى يدعون أن الحالة التي تحصل لنا بالبصر في الدنيا، وتسمّى رؤية، تحصل لنا في تلك النشأة بعينها بالنسبة إليه تعالى من غير توسط تلك الجارحة انتهى.)ويؤيد ما ذكرنا ما قال المعلّم الثاني في فصوصه: من أن كل إدراك يحصل بلا واسطة إستدلال، فهو المختص باسم المشاهدة، وكلّ ما لا يحتاج في إدراكه إلى الاستدلال، فهو ليس بغايب بل هو شاهد، فإدراك الشاهد هو المشاهدة.


1) لا يوجد هذه الرسالة لديّ.

2) وهو غير شرح التجريد للعلامة.

-------------------------------------------------------------------------والمشاهدة إمّا بمباشرة وملاقاة، وإمّا من غير مباشرة وملاقاة، وهذا هو الرؤية. والحق الأوّل تعالى لا يخفى عليه ذاته، وليس ذلك بإستدلال، فجاز على ذاته مشاهدة كماله من ذاته، فإذا تجلّى لغيره مغنياً عن الاستدلال، وكان بلا مباشرة ولا مماسة، كان مرئياً لذلك الغير، فإنه صريح فيما ذكرناه.فإن قلت: إذا كانت المشاهدة الحضورية هي الرؤية، فلا مانع منها في هذه النشأة أيضاً، فلم اختص جواز الرؤية بالنشأة الآخره؟ كما هو مذهب أكثر القائلين بجوازها.قلت: لعلّ هؤلاء لا يمنعون الجواز بل الوقوع، ولعل السرّ في ذلك ما صرّح به بعض الأعاظم من أن النفس سيّما الكاملة المشرقة إذا شاهدت المبدأ الأوّل والتذت بلدات مشاهدته، قلّ إقبالها على الجسم وعالم التجسيم، وكلما زاد إقبالها عليه نقص توجهها إلى هذا العالم فينقص توجهها إلى ما تدبّره من الجسم، بل تعرض عنه بالكلية، فتنفتت أجزاء بدنها وتفسد، وتنحل تركيبه، ويبطل نظام أعضائه واتصالها، فلم تبق حياة بدنية؛ لإعراضها عن البدن بالكلية، فإن نظام البدن واتصاله من آثار المجرّد المدبّر على ما هو المشهور.وبهذا يظهر تفسير الكريمة الحاكية عن سؤل موسى الا، فإنه حيث طلب الرؤية، وهي المشاهده الحضورية أجيب ب-«لن تراني» أي: لن تشاهدني وأنت في هذه النشأة التعليقية. ويؤيد هذا ما في التوراة «لا يراني آدم وهو حيّ» أي: في حال حياته البدنية.فإن قيل: فلا يمكن الرؤية مع بقاء الحياة في النشأة الآخرة أيضاً.

الوجه الأول: أنه سبحانه علّق رؤية موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ له جل شأنه على استقرار الجبل، و هو في نفسه أمر ممكن، والمعلّق على الممكن ممكن.)وقالت المعتزلة : ليس المعلّق عليه هو استقرار الجبل مطلقا، فإنّ الجبل كان وقت هذا التعليق مستقراً، وهو الآن مستقر أيضاً، بل استقراره حال التجلّي وهو غير ممكن؛ لأنه سبحانه قد علّق عليه وقوع الرؤية بعد إخباره تعالى بعدم وقوعها بقوله (لن تراني ووقوع الرؤية بعد إخباره سبحانه بأنها لا تقع محال، فاستقرار الجبل الذي علّق عليه هذا المحال محال أيضاً، وتعليق وقوع ما علم امتناع وقوعه على أمر صريح في امتناع وقوع ذلك الأمر، كما تقول لمن يجادلك في أمر: «إن كان كلامك حقاً، فشريك الباري موجود» تريد بهذا أنّ حقيقة كلامه محال كوجود الشريك للباري، فظاهر أنه لا يلزم من هذا الكلام الإعتراف بإمكان الشريك)-------------------------------------------------------------------------قلت: لعلّ البدن الذي في النشأة الآخرة غير قابل للتفرّق والتفتت، أو لعل النفس لكمال قوّتها التي اكتسبتها في تلك النشأة إذا شاهدت المبدأ الأوّل فيها، فأقبلت عليه إقبالاً كلّياً، لا تعرض عن البدن بالكلية، ولا يشغلها شأن عن شأن.ولا يخفى على الخبير أنّ ما ذكرنا ليس توجيهاً لكلام القائلين بجواز رؤيته تعالى وهم الأشاعرة، فإنّ جمهورهم صرّح بأنّ اللّه تعالى يرى في الآخرة بهذه الجارحة المخصوصة، بل هو تفسير وتأويل للآيات وروايات دالة على جواز رؤيته تعالى، ووقوعها في النشأة الآخرة، فيكون جواباً لاستدلالهم بتلك الآيات والروايات، سيّما ما ذكره من أن طلب موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ الرؤية دال على جوازها، وإلاّ لزم أن يكون جاهلاً بصفاته تعالى، فإنّه طلب المشاهدة الحضورية الصرفة الخالية عن شوب الخيالات والأوهام، لا الرؤية بالبصر، ولا حاجة إلى تكلّفات ارتكبها القائلون بامتناعها، فافهم.)

لتعليقه على الممكن في ذاته وهو الصدق، فتدبّر (1،(2).)الوجه الثاني: أنّ رؤيته تعالى لو كانت ممتنعة كما يزعمه المعتزلة - لم يسألها موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ، لأنّ العاقل لا يطلب المحال، فسؤاله لها يدل على أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يعتقد جوازها عليه تعالى، كما نقوله نحن.)وما زعمه المعتزلة من امتناعها عليه تعالى يقتضي جهل النبي العظيم المعزّز بالتكليم بما يجوز عليه سبحانه، ويمتنع دون آحاد المعتزلة، ومن له طرف من علم الكلام.وهذه طريقة عوجاء وملّة شنعاء لا يسلكها أحد من العقلاء.والمعتزلة أيضاً تمسكوا بتلك الآية، وقالوا: إذا كانت الرؤية جائزة عليه تعالى كما تدعونه، فلم يسأل موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ وقومه إلا أمراً جائزاً عليه جل شأنه، فلم استعظم اللّه سبحانه ذلك السؤال استعظاماً بليغاً وسمّاه ظلماً، ودلك له الجبل وأرسل بسببه الصاعقة، قال اللّه تعالى: (فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ) (3)؟)فأجابهم الأشاعرة : بأنّ ذلك الاستعظام البليغ والإنكار الشديد إنما صدر عنه تعالى؛ لأن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ سأل الرؤية في الدنيا، وعلى طريق المقابلة والجهة، وذلك ممّا يمتنع عليه سبحانه.)


1) وجه التدبر: أنه لا يصير دليلاً برأسه، غايته أن تصير إلزامياً، فتدبّر (منه).

2) كلّ هذا الكلام للشيخ كمال الدين ابن ميثم البحراني، ووجه التدبّر: إيتناء تمامية هذا الكلام على كون «لن» لتأييد النفي؛ إذ لو كان المعنى لن تراني في الدنيا لم يتم، كما لا يخفى (منه) راجع شرح نهج البلاغه خطبة 178 وخطبة 183.

3) سورة النساء: 153.

وإنما يجوز رؤيته في الآخرة من دون جهة ومقابلة-------------------------------------------------------------------------قوله: «وإنّما يجوز رؤيته في الآخرة من دون جهة».الرؤية تستلزم كون المرئي: إمّا جسماً، أو جسمانياً ذا جهة وحيّز، يكون بينه وبين الرائي هواء ينفذه البصر، فإذا لم يكن بينهما هواء وعدم الضياء الذي هو شرط الرؤية، لم تصح الرؤية بالبصر، فالإدراك المخصوص المعلوم بالوجه الممتاز عن غيره لا يمكن أن يتعلّق بما ليس في جهة، وإلا لم يكن للبصر فيه مدخل بل المدخل فيه للعقل، فلا وجه حينئذ لتسميته إبصاراً، فالقول بجواز رؤيته تعالى عن ذلك منزّهاً عن المقابلة والجهة والمكان ليس ممّا يحتمله عقل الإنسان، بل هو محض الهذيان.واستدل في المشهور على نفي إمكان رؤيته تعالى بأن المرئي بالبصر يجب أن يكون في جهة، وهو تعالى منزّه عنها، وإلا وجب كونه عرضاً أو جوهراً جسمانياً.واعترضه الغزالي بأنّ أحد الأصلين من هذا القياس مسلّم، وهو كونه في جهة يوجب المحال، ولكن الأصل الآخره وهو ادّعاء هذا اللازم على اعتقاد الرؤية ممنوع.فنقول: لم قلتم إنه إن كان مرئياً كان في جهة من الرائي؟ أعلمتم ذلك ضرورة أم بنظر ؟ لا سبيل إلى دعوى الضرورة، وأمّا النظر فلابدّ من بيانه، ومنتهاه أنهم لم يروا إلى الآن شيئاً إلا وكان في جهة من الرائي مخصوصة، ولو جاز هذا الاستدلال لجاز للمجسّم أن يقول: إنّ الباري تعالى جسم؛ لأنه فاعل، فإنا لم نر إلى الآن فاعلاً إلا جسماً، وحاصله يرجع إلى الحكم بأنّ ما شوهد وعلم ينبغي أن يوافقه ما لم يشاهد ولم يعلم.

وللمعتزله أن يقولوا إنّ هذا يقتضي جهل النبي المعظم المعزّز بالتكليم بما يجوز عليه سبحانه، ويمتنع دون آحاد الأشاعرة، ومن له طرف من علم الكلام، إلى آخر ما شنعتم به علينا ونسبتموه أيّها الإخوان إلينا.### عدم تقدّم الجزاء على الشرطتوضیح حال و تزییف مقالأكثر النحاة على أنّ الجزاء لا يتقدّم على الشرط؛ لأنّ له صدر الكلام، فالجزاء في نحو قولك: «أنا ظالم إن فعلت كذا» مقدّر بعد الشرط، والاسمية المتقدّمة دليل عليه، والتقدير: فعلت كذا فأنا ظالم.وذهب بعضهم إلى جواز تقديمه، فلا تقدير حينئذ.-------------------------------------------------------------------------وأجيب بأنّ دعوى كون المرئي بهذا العين مطلقا يجب أن يكون في جهة، ليس مبناها على أنّ المرئيات في هذا العالم لا تكون إلا في جهة حتّى يكون من باب قياس الغائب على الشاهد، بل النظر والبرهان يؤدّيان إليه، وهو أن القوة الباصرة التي في عيوننا قوة جسمانية، وجودها وقوامها بالمادة الوضعية، وكلّ ما وجوده وقوامه بشيء فقوام فعله وانفعاله بذلك الشيء؛ إذ الفعل والانفعال بعد الوجود وفرعه؛ إذ الشيء يوجد أوّلاً إما بذاته أو بغيره، ثمّ يؤثر في شيء أو يتأثر عنه، فكل ما كان وجود القوة بنفسها متعلّقاً فيه بمادة جسمانية بما لها من الوضع، كان تأثيرها أو تأثرها أيضاً بمشاركة المادّة ووضعها بالقياس إلى ما تؤثر فيه أو تتأثر عنه، فلأجل ذلك نحكم بأن البصر لا يرى إلا ما له نسبة وضعية إلى محلّ، فالباصرة والسامعة لا تبصر ولا تسمع إلا ما وقع منهما في جهة أو أكثر، فهذا هو البرهان.قوله: «وذهب بعضهم».جوزت الكوفية تقدّم الجزاء على الشرط؛ إذ ليس عندهم للشرط صدارة، كما

وقول الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ في الجواب عن السؤال الثاني «ولقد همّت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها كما همّت به» ليس نصاً في شيء من المذهبين، كما لا يخفى.)نعم قد يدعى أنه ظاهر في الأوّل لقرينة تقدير اللام، فيتأيد به ما قاله المحققون من المفسّرين من أنّ قوله تعالى: (وهم بها ليس هو جواب «لولا» لأنها في حكم أدوات الشرط، فلا يتقدّم جوابها عليها بل الجواب محذوف يدلّ عليه المذكور، والتقدير لولا أن رأى برهان ربِّه لهم بها.)وأما ما ذهب إليه صاحب الكشّاف (1وأكثر المفسّرين من أن التقدير: «لولا أن رأى برهان ربّه لخالطها فمما لا ينبغي الإلتفات إليه، فإنّه يقتضي بظاهره وقوع الهم بالمعصية من ذلك النبي الجليل، ويحوج إلى سلوك مسالك التجوّز والتأويل، كما يقال : المراد أنّ نفسه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مالت إلى مخالطتها بمقتضى الشهوة المركوزة في الطبع ميلاً شديداً يشبه الهم والعزم، أو أنه سبحانه أطلق الهم على ذلك الميل النفساني على طريقة المشاكلة، أو أنه من قبيل تسمية المشارف على الشيء باسمه، وأمثال ذلك ممّا يوجب صرف الكلام حقيقة من غير داعٍ يدعو إليه وباعث يبعث عليه؛ لاتساع باب التقدير، كما لا يخفى على الناقد الخبير.)-------------------------------------------------------------------------في قول القائل لزوجته: أنت طالق إن دخلت الدار. واعتبرت البصرية له صدر الكلام، فالمتقدّم قرينة الجزاء ودليل عليه.قوله: «تسمية المشارف على الشيء باسمه».يعني: ان هذا من تعبيرهم بالفعل من مشارفته، أي: شارفت أن تهم نفسه أن الهم قد وقع فهو من قبيل قوله تعالى («وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا


1) الكشّاف 2: 456.

### المراد ببرهان ربهتتمة مهمةالمراد ببرهان ربه: ما نصبه من الدلائل العقلية والنقلية الدالة على وجوب اجتناب المحارم، والتباعد عن الذنوب والمآثم.وقد يستفاد من كلام الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ أن من جملة ذلك الهم بالمعصية والقصد إليها، فإنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) جعل ذلك من منافيات العصمة، حيث قال: والمعصوم لا يهم بذنب ولا)-------------------------------------------------------------------------خَافُوا عَلَيْهِمْ (1)أي: شارفوا أن يتركوا ليصح وقوع خافوا جزاء؛ لانتفاء الخوف بعد الموت، ومنه قول الشاعر :)إلى ملك كاد الجبال لفقده*** تزول وزال الراسيات من الصخرفإنّ المراد شارفت الزوال وقع، وعلى هذا فلا بعد في أن يقال: إنّ المعصوم لمّا كان في قالب بشري، وجلباب ناسوتي، وكانت له قوى حيوانية متجاذبة متداعية إلى الشر والضرّ، شارفت نفسه الهم بالمعصية، والجرأة عليها، وليس في ذلك ما ينافي العصمة.قوله: «والقصد إليها».وكذلك يدل عليه قوله تعالى (إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ (2)وقوله (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) (3)فإنهما يدلان على العقاب بأفعال القلب ولو بقصد المعصية، وذلك غير بعيد، فإن قصد القبيح قبيح عقلاً ونقلاً، إلا أنه لا يعاقب عليه العقاب الذي يعاقب عليه بفعله في الخارج، وبه يجمع بين الأخبار، بل بين الأقوال.)


1) سورة النساء: 9.

2) سورة البقرة: 284.

3) سورة البقرة: 235.

يأتيه.اللّهمّ إلا أن يقال: جعل الهم بالمعصية منافياً للعصمة، لا يقتضي كونه ذنباً؛ لجواز كونه من قبيل السهو والنسيان، فإنّهما ينافيان العصمة عند الإمامية وليسا من الذنوب.-------------------------------------------------------------------------نعم لا يدخل فيه ما يخفيه الإنسان من الوسواس وحديث النفس؛ لأن ذلك ليس ممّا في وسعه الخلو منه ولكن يؤاخذ بما اعتقده وعزم عليه.قوله: «ينافيان العصمة عند الامامية».لعله لم يعتبر خلاف محمّد بن بابويه وشيخه محمّد بن الحسن بن الوليد؛ لأنّ إجماع الامامية في الأعصار السابقة عليهما واللاحقة منعقد على جواز السهو والنسيان على الأنبياء والأئمّة الالا. وأما حديث ذي اليدين، فأنكروه استناداً إلى قيام الدليل العقلي على أنّ النبي والقائمين مقامه لعصمتهم مبرأون عن ذلك.وقال بعض الفضلاء: ولو قيل بصحة الحديث لاشتهار نقله بين الفريقين، وورود الخبر الصحيح بثبوته منقولاً عن الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ، وإمكان تأويله بوروده قبل نسخ الكلام، كما وردت به الرواية عن زيد بن أرقم، وتخصيص عدم جواز السهو بما ليس ممّا نحن فيه خصوصاً إن تمّت الدعوى بالفرق بين سهو النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وغيره، لم يكن بعيداً.)وأشار بقوله «وورود الخبر الصحيح» إلى ما رواه الحسن بن محبوب، عن الرباطي، عن سعيد الأعرج، قال: سمعت أبا عبد اللّه الله يقول: إن اللّه تبارك وتعالى أنام رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ عن صلاة الفجر حتّى طلعت الشمس.)ثمّ قال: فبدأ فصلّى الركعتين اللتين قبل الفجر، ثمّ صلّى الفجر، وأسهاه في صلاته، فسلّم في ركعتين، ثمّ وصف ما فعله ذو الشمالين، وإنما فعل به رحمة لهذه

ومن جوّز على الأنبياء صلوات اللّه عليهم إقتراف المعاصي وارتكاب الآثام فسر هم يوسف (عَلَيهِ السَّلَامُ بأنه حل سراويله وجلس منها مجلس المجامع، وفسّر البرهان بأنه سمع صوتاً: إياك وإيّاها، فلم يرتدع ثمّ سمعه ثانياً فلم ينته، ثمّ سمع ثالثاً: أعرض عنها فلم ينزجر، حتّى تمثل له يعقوب (عَلَيهِ السَّلَامُ) عاضاً على أنملته.)وقيل: سمع صوتاً يا يوسف لا تكن كالطائر كان له ريش، فلمّا زنا قعد لا ريش له.وقيل: بدت كفّ فيما بينهما مكتوب فيها : (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ (1)فلم ينصرف عمّا هو عليه، ثمّ رأى فيها: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) (2)فلم يتنبه، ثمّ رأى فيها : (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى)-------------------------------------------------------------------------الأمة لئلا يعيّر الرجل المسلم إذا هو نام عن صلاته أو سها فيها، فيقال: قد أصاب ذلك رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ (3).)والحق أنّ الأخبار معارضة بمثلها، فيرجع في ذلك إلى قضية العقل، وهو يحكم بعدم جواز مثل ذلك على المعصوم.نعم حديث إنامت (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ مما يتفق عليه العامّة والخاصّة، ومن أنكر سهو النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم ينكر هذا، كما ذكره الشهيد، ولكنه ينافي ظاهراً ما عد من خصائصه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه كان ينام عينه ولا ينام قلبه، فيلزم ترك الصلاة متعمداً.)وأجيب عنه بوجوه، أوردناها في تعليقاتنا على آيات الاحكام، فليطلب من هناك.


1) سورة الإنفطار: 10 - 11.

2) سورة الإسراء: 32.

3) من لا يحضره الفقيه 4: 358 - 359 برقم: 1031.

الله (1)فلم يتأثر بذلك، فقال اللّه سبحانه وتعالى لجبرئيل: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة، فانحط جبرئيل وهو يقول: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في ديوان الأنبياء؟!)وأنا أقول: قاتل اللّه قوماً يعتقدون في أنبياء اللّه التلبس بمعاصيه، وعدم الإنزجار والإرتداع عمّا هم فيه مع مشاهدة أمثال هذه الزواجر الجليلة والروادع القوية. نعوذ بالله من اقتحام أودية الغواية، ونسأله العصمة والهداية.وإنّي ليعجبني كلام العلّامة الزمخشري في التشنيع عليهم أعمى اللّه أبصارهم وخذل أنصارهم، قال في الكشّاف بعد نقل كلامهم وتبيين مرامهم: هذا ونحوه ممّا يورده أهل الحشو والجبر الذين دينهم بهت اللّه وأنبيائه، وأهل العدل والتوحيد ليسوا في مقالاتهم ورواياتهم بحمد اللّه بسبيل، ولو وجدت من يوسف (عَلَيهِ السَّلَامُ أدنى زلة لنعيت (2)عليه، وذكرت توبته وإستغفاره، كما نعيت على آدم زلّته، وعلى داود وعلى نوح وعلى أيوب (3)وعلى ذى النون، وذكرت توبتهم واستغفارهم.)كيف وقد أثني عليه وسمّي مخلصاً، فعلم بالقطع أنه ثبت في هذا المقام الدحض (4، وأنه جاهد نفسه مجاهدة أولي القوة والعزم، ناظراً في دليل التحريم ووجه القبح، حتّى استحق من اللّه الثناء فيما أنزل من كتب الأولين.)ثمّ في القرآن الذي هو حجّة على سائر كتبه مصداق لها، ولم يقتصر إلا على


1) سورة البقرة : 281.

2) النعي: هو إظهار الخبر الرديء (منه).

3) قوله «وعلى أيوب» فيه نظر، إذ لم يجر له ذكر في القرآن إلا على وجه يدلّ على عظم شأنه، وأما إن ابتلاءه كان بتقصيره، فليس في القرآن دلالة عليه، وقد نبه على هذا صاحب الكشف (منه).

4) الدحض: بالحاء المهملة المكسورة والضاد المعجمة ما يزلق فيه القدم (منه).

استيفاء قصته، وضرب سورة كاملة عليها، ليجعل له لسان صدق في الآخرين، كما جعله لجده الخليل إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ، وليقتدي به الصالحون إلى آخر الدهر في العفّة وطيب الإزار والتثبت في مواقف العثار.)فأخزى اللّه أولئك في إيرادهم ما يؤدّي إلى أن يكون أنزل اللّه السورة التي هي أحسن القصص في القرآن العزيز المبين، ليقتدى بنبي من أنبياء اللّه في القعود بين شعب الزانية، وحلّ تكته للوقوع عليها، وفي أن ينهاه ربه ثلاث كرّات، ويصاح به من عنده ثلاث صيحات بقوارع القرآن وبالتوبيخ العظيم، وبالوعيد الشديد، وبالتشبيه بالطائر الذي سقط ريشه حين سفد(1غير أنثاه، وهو جاثم في مريضه، ولا يتجلجل ولا ينتهي ولا يتنبه حتّى يتدارك اللّه تعالى بجبرئيل، ولو أنّ أوقع الزناة وأشطرهم وأحدهم حدقة وأجلحهم وجهاً لقي بأدنى ما لقي به نبي اللّه ممّا ذكروا لما بقي له عرق ينبض ولا عضو يتحرّك، فيا له من مذهب ما أفحشه ومن ضلال ما أبينه (2)إنتهى كلام العلّامة جزاه اللّه عن أنبيائه خيراً.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «من مذهب ما أفحشه».أقول: أفحش من ذلك ما نسبوه إلى داود النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ من التهاون بالصلاة والفاحشة والقتل.)في عيون الأخبار في باب مجلس الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ عند المأمون مع أصحاب الملل والمقالات، وما أجاب علي بن جهم في عصمة الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ) حديثاً طويلاً، يقول فيه الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : وأما داود (عَلَيهِ السَّلَامُ) فما يقول من قبلكم فيه؟ فقال علي بن محمّد بن الجهم يقولون: إنّ داود كان يصلّي في محرابه إذ تصوّر له إبليس على صورة طير)


1) سفد بالدال المهملة كضرب من السفاد، وهو نزو الذكر على الأنثى (منه).

2) تفسير الكشّاف 2: 457.

-------------------------------------------------------------------------أحسن ما يكون من الطيور، فقطع داود صلاته، وقام ليأخذ الطير، فخرج الطير إلى الدار، فخرج في أثره، فطار الطير إلى السطح، فصعد في طلبه، فسقط الطير في دار اوریا بن حنان، فاطلع داود في أثر الطير، فإذا بامرأة اوريا تغتسل، فلما نظر إليها هواها، وكان قد أخرج اوريا في بعض غزواته، فكتب إلى صاحبه: أن قدم اوريا أمام التابوت، فقدّم فظفر اوريا بالمشركين، فصعب ذلك على داود، فكتب إليه ثانياً: أن قدمه أمام التابوت، فقدّم فقتل اوريا، فتزوّج داود بامرأته.قال: فضرب الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ بيده على جبهته، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد نسبتم نبياً من أنبياء اللّه إلى التهاون بصلاته، حتّى خرج في أثر الطير، ثمّ بالفاحشة، ثمّ بالقتل.)فقال: یابن رسول اللّه فما كان خطيئته؟فقال: ويحك إن داود (عَلَيهِ السَّلَامُ إنما ظنّ أنّ ما خلق اللّه عزّوجل خلقاً هو أعلم منه، فبعث اللّه عزّوجل إليه الملكين فتسوّر المحراب فقال خصمان إلى قوله تعالى (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) فجعل داود (عَلَيهِ السَّلَامُ) على المدعى عليه، فقال: (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ) ولم يسأل المدعي البينة على ذلك، ولم يقبل على المدعى عليه، فيقول له: ما تقول؟ فكان هذا خطيئة رسم الحكم، لا ما ذهبتم إليه، ألا تسمع اللّه عزّ وجلّ يقول: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) الآية.)فقال: یابن رسول اللّه فما قصته مع اوريا؟قال الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ: إن المرأة في أيام داود (عَلَيهِ السَّلَامُ) كانت إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوج بعده أبداً، فأول من أباح اللّه عز وجل أن يتزوج بامرأة قتل بعلها كان داود)

و للفخر الرازي في هذا المقام كلام جيد جداً تنازعني نفسي إلى ذكره، وتأبى أن أطويه على عزّه.قال في التفسير الكبير: إنّ الذين لهم تعلق بهذه الواقعة هم يوسف (عَلَيهِ السَّلَامُ والمرأة وزوجها والنسوة والشهود وربّ العالمين وإبليس، وكلهم قالوا ببراءة يوسف (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الذنب، فلم يبق لمسلم توقف في هذا الباب. أما يوسف (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلقوله: (هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي) (1)وقوله: (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) (2).)وأما المرأة فلقولها : (وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ (3)وقالت: (الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ) (4).)وأما زوجها فلقوله: (إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ.)وأما النسوة فلقولهنّ: (امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (5)وقوله: (حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ) (6).)(عَلَيهِ السَّلَامُ، فتزوّج بامرأة اوريا لما قتل وانقضت عدتها منه، فذلك الذي ش-ق على الناس من قبل اوريا (7).)


1) سورة يوسف: 26.

2) سورة يوسف : 33.

3) سورة يوسف: 32.

4) سورة يوسف: 51.

5) سورة يوسف: 30.

6) سورة يوسف: 51.

7) عيون أخبار الرضا 1: 193 - 194.

وأما الشهود فقوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا (1).)وأمّا شهادة اللّه بذلك، فقوله عزّ من قاتل: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (2).) وأما إقرار ابليس بذلك، فلقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (3)

ص: 82 - 83.

فأقر بأنه لا يمكنه إغواء العباد المخلصين، وقد قال اللّه تعالى: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) (4)، فقد أقرّ إبليس بأنه لم يغوه.

وعند هذا نقول: هؤلاء الجهّال الذين نسبوا إلى يوسف (عَلَيهِ السَّلَامُ الفضيحة إن كانوا من أتباع دين اللّه فليقلبوا شهادة اللّه بطهارته. وإن كانوا من أتباع إبليس وجنوده، فليقبلوا إقرار إبليس بطهارته (5). انتهى كلامه وهو كلام طريف جيد جداً.)### مسألة صدور الذنب عن الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ)ارشاد فيه سدادإضطرب كلام المفسّرين الذين لا يجوزون صدور الذنوب صغيرها وكبيرها عن الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ في تفسير الآية التي اشتمل عليها السؤال الرابع، فإنّ ظاهرها صدور الذنب سابقاً ولاحقاً منه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وما ذكره الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الوجه الصحيح وما والحق الصريح الذي لا ريب فيه ولا شكّ يعتريه.)وقد ذكر أصحاب السير أنّ المشركين كانوا يقولون: إن مكن اللّه تعالى محمّداً من بيته وحكمه في حرمه تبينا أنه نبي حق، فلمّا يسر اللّه له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ فتح مكة دخلوا في دين اللّه أفواجاً، وأذعنوا بنبوّته، كما نطق به الكتاب العزيز، وزال إنكارهم)


1) سورة يوسف: 26.

2) سورة يوسف: 24.

3) سورة

4) سورة يوسف: 24.

5) التفسير الكبير 18: 116.

عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في الدعوة إلى ترك عبادة الأصنام، وصار ذنبه عندهم مغفوراً، كما قرره الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ).)ولا يخفى أنه إذا حمل الذنب المذكور في الآية على معناه الظاهري، الذي فهمه أكثر المفسّرين، لم يصح تعليل الفتح بغفران الذنب إلا بتكلف بعيد، كأن يقال: لمّا كان الفتح متضمّناً لجهاد العدوّ، صح بهذا الإعتبار جعله سبباً لغفران الذنب المتقدّم و المتأخّر. وأمثال ذلك ممّا لا يخفى بعده.وأما على ما قرره الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ في الجواب، فاستقامة التعليل ممّا لا يحوم حوله شكّ ولا ارتياب.)والعجب من أكثر علماء الشيعه الامامية ومفسّريهم، كشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي، والشيخ الجليل أمين الاسلام الشيخ أبي علي الطبرسي، والسيد الأجل قدوة أهل الايمان المرتضى علم الهدى قدّس اللّه أرواحهم، مع كثرة تصنيفهم في التفسير والحديث والكلام، كيف لم يذكروا في شيء من كتبهم هذا الجواب (1الذي ذكره الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وذكروا وجوها ضعيفة لا تشفي العليل، ولا تروي الغليل، مع أنّ هذا الحديث موجود في مؤلّفات الشيخ الصدوق ثقة الاسلام محمّد بن بابويه، ككتاب عيون الأخبار (2)وغيره، وزمانه (طاب ثراه) متقدّم على زمانهم.)وأما الذين يجوزون صدور المعاصي عن الأنبياء صلوات اللّه عليهم، فمن جوز عليهم الصغائر والكبائر معاً أبقى الذنب على عمومه، وقال: المراد بما تقدّم وما تأخر هو ما وقع منه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قبل النبوة وبعدها، أو قبل الفتح وبعده، أو ما وقع وما سيقع، أو ذنب أبويك آدم وحواء ببركتك وذنب أمتك بدعوتك.)ومن جوّز الصغائر فقط، ومنع من صدور الكبائر عنهم (عَلَيهِم السَّلَامُ، حمل الذنب على)


1) رأيت هذا الكلام في بعض نسخ الغرر والدرر للسيّد المرتضى (قدس اللّه روحه) (منه).

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) 203:1.

الصغائر، وجعل التقدّم والتأخر كما جعله أولئك.وكل هذه الوجوه مشتركة في عدم استقامة التعليل بدون التكلّف.ولا يخفى أن التقدم والتأخر على تفسير الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ لا يمكن حمله على ما قبل النبوة وبعدها؛ لأنّه صلوات اللّه عليه لم يدعهم إلى التوحيد قبل النبوة، ولا على ما قبل الفتح وبعده؛ لأنّهم أذعنوا له بعد الفتح، ولم يكن مذنباً عندهم حينئذ.)اللّهمّ إلا أن يراد بالنسبة إلى من بلغهم خبر الفتح بعد مدة.والأنسب حمل ذلك على ما صدر منه صلوات اللّه عليه من الدعوة إلى التوحيد قبل الهجرة وبعدها.-------------------------------------------------------------------------قوله: «ولا على ما قبل الفتح».هذا منه (قدّس سرّه غريب؛ لأنّ في عيون الأخبار في باب ذكر مجلس آخر للرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند المأمون في عصمة الأنبياء اللّه باسناده إلى علي بن محمّد بن الجهم قال حضرت مجلس المأمون و و و عنده الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال له المأمون: يابن رسول اللّه أليس من قولك إنّ الأنبياء معصومون؟ قال: بلى، قال: فما معنى قول اللّه عزّوجل.)إلى قوله عند مشركي أهل مكة بدعائك إلى توحيد اللّه فيما تقدّم وما تأخّر؛ لأنّ مشركي مكة أسلم بعضهم، وخرج بعضم عن مكة، ومن بقي منهم لم يقدر على إنكار التوحيد عليه إذا دعا الناس إليه، فصار ذنبه عندهم في ذلك مغفوراً لظهوره عليهم، فقال المأمون: لله درّك يا أبا الحسن (1.)فإنّ هذا صريح في أنّ المراد بالتقدّم والتأخر هو ما قبل الفتح وبعده.


1) عيون أخبار الرضا 1: 195 - 202.

-------------------------------------------------------------------------وقال ابن طاوس (رَحمهُ اللّه في كتاب سعد السعود يعني ما تقدم قبل الهجرة وبعدها، فإنك إذا فتحت مكة بغير قتل لهم ولا استئصال ولا أخذهم بما قدموه من العداوة والقتال، غفروا ما كانوا يعتقدونه ذنباً لك عندهم متقدّماً أو متأخراً، وما كان يظهره من عداوتهم في مقابلة عداوتهم له، فلمّا رأوه قد تحكّم وتمكن ولا استقصى ولا استصفى غفروا ما ظنّوة من الذنوب (1). انتهى كلامه.)


1) سعد السعود ص 208.

## الحديث الثامن عشر : صفات الجليس### إشارة:وبالسند المتّصل إلى الشيخ الجليل أمين الاسلام محمّد بن يعقوب الكليني، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد البرقي، عن شريف بن سابق، عن الفضل بن أبي قرّة عن الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ، قال :)قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، قالت الحواريون لعيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا روح اللّه من نجالس؟)قال: من يذكركم اللّه رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغبكم في الآخرة عمله (1.)-------------------------------------------------------------------------الحديث الثامن عشرقوله: «عن شريف بن سابق».قال ابن الغضائري: شريف بن سابق التفليسي أبو محمّد روى عن الفضل بن أبي قرّة السمندي عن أبي عبدالله، وروى عنه البرقي، وهو ضعيف مضطرب الأمر (2.)


1) رجال العلّامة الحلّي ص 229.

2) أصول الكافي 1: 39 ح 3.

-------------------------------------------------------------------------أقول: قال بعض الحكماء: ينبغي للعاقل أن يتخير جليسه، كما يتخيّر مأكوله و مشروبه، ففي تخيّرهما صلاح البدن، وفي تخيّر الجليس صلاح النفس، ولذلك سألت الحواريون عيسى بن مريم (عَلَيهِمَا السَّلَامُ عمّن يجالسونه؟ فقال: جالسوا من فيه ثلاث خصال:)الأولى: أن يذكركم اللّه رؤيته بأن يكون مؤمناً خالصاً خاشعاً لله خاضعاً له خائفاً منه، مجتنباً عن نواهيه مرتكباً لأوامره، تاركاً للدنيا وزخارفها، زاهداً عنها وعمّا فيها.الثانية: أن يزيد في علمكم منطقه، بأن يكون فقيهاً عالماً حكيماً صدوقاً، محترزاً عن فضول الكلام وعمّا لا يعنيه، مفيداً لمعالم الدين، ناظماً لأمور جماهير المسلمين، فأما أهل الغفلة والجهالة، فينبغي الاحتراز منهم مهما أمكن، فإنّ الوحدة خير من جليس السوء، كما أنّ الجليس الصالح خير من الوحدة.والثالثة: أن يرغبكم في عمل الآخرة عمله بأن يكون عاملاً مخلصاً له، محسناً إلى ضعفاء خلقه من إطعام المساكين، والنظر في أمور المحتاجين، ونصرة المظلومين وجبر المنكسرين، ثمّ بعد ذلك يتقرّب بنوافل العبادات، لاسيّما الصلوات، وأهمّها قيام الليل، فإنّها عبادة جليلة، وساعات الليل ساعات عزيزة، ينبغي للعبد أن يغتنم التقرّب فيها صلاة وتضرعاً ودعاء(1.)


1) راجع: أصول الكافي 1: 39 ح 3.

### من يجوز مجالستهبیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث(قالت الحواريون هم خواص عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ).)قيل: سمّوا حواريون؛ لأنهم كانوا قصارين يحورون الثياب، أي: يقصرونها وينقونها من الأوساخ ويبيضونها، مشتق من الحور وهو البياض الخالص.وقال بعض العلماء: إنّهم لم يكونوا قصارين على الحقيقة، وإنّما أطلق هذا الإسم عليهم رمزاً إلى أنهم كانوا ينقون نفوس الخلائق عن أوساخ الأوصاف الذميمة والكدورات، ويرقونها إلى عام النور من عالم الظلمات.(من يذكركم اللّه رؤيته ووصف (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمن يجوز مجالسته بثلاثة أوصاف :)الأوّل: أن تكون رؤيته موجبة لذكر اللّه تعالى كما هو مشاهد من رؤية العباد والزهاد والسالكين.الثاني: أن يكون كلامه موجباً لازدياد علم من يجالسه.الثالث: أن يكون عمله ممّا يرغب في الآخرة، أي: تكون رؤية أعماله وعباداته ممّا يوجب إقبال الرائي على الأعمال الأخروية، والإعراض عن الأشغال الدنيوية.ولا يخفى أن المراد بالمجالسة في هذا الحديث ما يشمل الألفة والمخالطة والمصاحبة. وفيه إشعار بأن من لم يكن على هذه الصفات، فلا ينبغي مجالسته ولا مخالطته، فكيف من كان موصوفاً باضدادها كأكثر أبناء زماننا.فطوبى لمن وفقه اللّه سبحانه لمباعدتهم، والاعتزال عنهم، والأنس بالله وحده، والوحشة منهم، فإنّ مخالطتهم تميت القلوب، وتفسد الدين وتحصل بسببها للنفس ملكات مهلكة مؤدّية إلى الخسران المبين، وقد ورد في الحديث:

«فرّ من الناس فرارك من الأسد» (1.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «فرّ من الناس».لعلّ السرّ في الأمر بالفرار منهم أنّ من خالط الناس كثرت معاصيه، وإن كان تقياً في نفسه، وذلك لأنّ كلّ من شاهد منكراً أو سكت عنه، فهو شريك فيه، فالمستمع شريك للمغتاب ويجري هذا في جميع المعاصي حتّى في مجالسته من يلبس الديباج ويتختم بالذهب، والجلوس في دار فيه صور وتمثال، وعليه فقس.### فوائد الاعتزالواعلم أنّ في الاعتزال عن الناس والفرار منهم فوائد أخرى :منها: الفراغ للعبادة، فالخلق شاغلون عنها، وكان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ يعتزل في جبل الحراء، والجمع متعذر إلا لمن استغرق باطنه به تعالى، فغاب عنهم قلباً وشهدهم لساناً.)ومنها: الخلاص عن المعاصي كما سبق كالرياء والغيبة، والبدع ومشاهدتها، فهي تورث الاستحقار. وعن الجليس السوء؛ لتأثير الصحة، فورد مثل الجليس السوء مثل القين وهو الحدّاد، فإنّ من يجالسه تصل إليه الشرارة ألبتة، وتشوّه وجهه، وتحرق لباسه لا محالة.ومنها الخلاص عن الفتن فورد ألزم بيتك وأملك عليك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر الخاصّة، ودع عنك أمر العامّة حين قيل ماذا تأمر في زمان الفتن.ومنها: الخلاص عن ايذائهم بنحو الغيبة والنميمة وطمعهم، فرعاية الحقوق شديدة، وفيها ضياع الأوقات وفوت المهمات.


1) كنز العمّال 10: 56 برقم: 28340، وفيه: فرّ من المجذوم فرارك من الأسد.

وقال معروف الكرخي لأبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ: «أوصني یابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقال: أقلل معارفك. قال: زدني. قال: أنكر من عرفت منهم(1).)وروى الشيخ الجليل زين السالكين جمال الدين أحمد بن فهد في كتاب التحصين، عن ابن مسعود قال: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : ليأتين على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من يفرّ من شاهق إلى شاهق، ومن جحر إلى جحر، كالثعلب بأشباله.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «وقال معروف الكرخي».معروف هذا غير معروف عند أرباب الرجال، فإنهم لم يذكروه أصلاً فضلاً عن أن يعدوه من أصحابه (عَلَيهِ السَّلَامُ.)قوله: «أنكر من عرفت».ونعم ما قال بعض العارفين في هذا المعنى :ألزم الوحدة تنجو ما بقي في الناس خلهإنّ ردّ الناس أضحى لنفاق أو لعلهواترك الأصحاب إلاّ صاحباً يصحبك للهومن الرزق تقنع إن في الحرص مذلهوإذ اللمة شابت فلهنات محلهآخر الدنيا إلى الموت ويبقى الملك للهقوله: «من شاهق».الشاهق الجبل المرتفع.


1) کتاب التحصين لابن فهد الحلّي ص 11.

قالوا: ومتى ذلك الزمان؟قال : إذا لم تنل المعيشة إلا بمعاصى اللّه، فعند ذلك حلّت العزوبة.قالوا: یا رسول اللّه أمرتنا بالتزويج!قال: بلى، ولكن إذا كان ذلك الزمان فهلاك الرجال على يدي أبويه، فإن لم يكن له أبوان فعلى يدي زوجته وأولاده، فإن لم يكن له زوجة ولا ولد، فعلى يدي قرابته وجيرانه.قالوا: وكيف ذلك يا رسول اللّه ؟قال: يعيّرونه بضيق المعيشة، ويكلّفونه ما لا يطيق حتّى يوردوه موارد الهلكة (1.)-------------------------------------------------------------------------وقوله «كالثعلب» أي: كما يفرّ الثعلب، أو شبه الفأر، وهو من بالفأر وهو الثعلب، لا فراره بفراره والثعلب حيوان معروف.والشبل بالكسر: ولد الأسد، والجمع أشبال كحمل وأحمال. والكلام مجاز على سبيل الاستعارة.


1) کتاب التحصين لابن فهد الحلّي ص 13.

## الحديث التاسع عشر أوصاف رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في التوراة)وبالسند المتّصل إلى الشيخ الجليل عماد الاسلام محمّد بن بابويه، عن الحسين بن إدريس، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن يحيى الخزاز، عن موسى بن إسماعيل، عن أبيه، عن الامام أبي الحسن موسى الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: إنّ يهودياً كان له على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دنانير، فتقاضاه.)فقال: يا يهودي ما عندي ما أعطيك.قال: فإنّي لا أفارقك يا محمّد حتّى تقضيني.فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : إذن أجلس معك، فجلس (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) معه حتّى صلى في ذلك الموضع الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والغداة. وكان أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يتهدّدونه ويتواعدونه)-------------------------------------------------------------------------الحديث التاسع عشرقوله: «وبالسند المتّصل» إلى قوله «عن موسى بن إسماعيل عن أبيه». هذا الحديث مجهول السند؛ لأنّ موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ مهمل، وإن كانت له كتب رواها عنه محمّد بن الأشعث.)

فنظر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ إليهم، فقال : ما الذي تصنعون به؟ فقالوا: يا رسول اللّه يهودي يحبسك! فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): لم يبعثني ربّي عزّوجلّ بأن أظلم معاهداً ولا غيره.)فلما علا النهار قال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا اللّه، وأشهد أن محمّداً عبده ورسوله، وشطر مالي في سبيل اللّه، أما واللّه ما فعلت بك الذي فعلت إلا لأنظر إلى نعتك في التوراة، فإنّي قرأت نعتك في التوراة: محمّد بن عبدالله مولده بمكة، ومهاجره بطيبة وليس بفظ، ولا غليظ، ولاسخّاب، ولا مترنن بالفحش، ولا قول-------------------------------------------------------------------------قوله: «بأن أظلم معاهداً».فيه دلالة بأن تهديد الغريم وتوعيده وإن كان معاهداً ذمياً بل كافراً حريباً لعموم قوله «ولا غيره» ظلم، بل يجب مداراته إلى أن يقضي حقه ويؤدّي دينه، ولعلّه كان قبل نزول قوله تعالى («وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ (1)فإنّه يدل على أنه إذا علم إعسار صاحبه لا يجوز الطلب والحبس، بل يجب الإنظار، فتدبّر.)ولعلّ في قوله «بأن أظلم معاهداً ولا غيره» تأييد ما هو المشهور من قوله «من آذى ذمّياً فأنا خصمه يوم القيامة» (2.)وقال بعض العلماء: إنّه من المشهور الذى لا أصل له.قوله: «ولبس بفظ».وقد أخبر اللّه عن ذلك أيضاً في كتابه العزيز الذي أنزله على محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ كقوله عز من قائل (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (3)حيث أتى بكلمة «لو» دلالة على أن ذلك منه الا اللّه كأنه محال.)


1) سورة البقرة: 280.

2) لم أعثر عليه في مظانه.

3) سورة آل عمران: 159.

الخنا. وأنا أشهد أن لا إله إلا اللّه، وأنك رسول اللّه، وهذا مالي فاحكم فيه بما أنزل الله.وكان اليهودي كثير المال.ثم قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ : كان فراش رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عباءه، وكانت مرفقته أدما حشوها ليف، فثنّيت له ذات ليلة، فلما اصبح :قال لقد منعني الفراش الليلة الصلاة، فأمر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يجعل بطاق واحد.)-------------------------------------------------------------------------وفيه دلالة على أن لينته لهم ما كانت إلا برحمة من اللّه، أي: يربط اللّه على قلبه وتوفيقه للرفق والمداراة، حتّى كان يغتمّ لهم بعد أن خالفوه بعد تكرار الحجج والبراهين، وتقريرها عليهم على وجه الشفقة واللطف مرّة بعد أخرى، وبعد تواضعه لهم، فتجاوزه عنهم، وعدم مؤاخذته لهم إنّما هو برحمة من الله حيث جعله ليناً هيناً حسن الخلق، فهى تدلّ على أن حسن الخلق إنما هو من أعطاه اللّه، ولا يحصل إلا بتوفيقه، وليس العبد مستقلاً فيه، ولا هو من مقتضى مزاجه.وقيل في قوله (ولو كنت فظا أي : لو كنت جافي اللسان سيء الكلام قاسي القلب، صعباً غير لين، لتفرّقوا عنك وخلّوك وحدك، فما آمنوا بك ولا يجادلوا معك عدوّاً، فلا يتمّ لك الأمر، ففيه إشارة إلى فائدة عظيمة لحسن الخلق ظاهراً وباطناً.)ومن فوائده هنا إسلام اليهودي، وصرفه شطر ماله في سبيل اللّه، وقد تمّت مكارم الأخلاق فيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، حتّى قال اللّه تعالى في شأنه العزيز (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (1).)


1) سورة القلم: 4.

بیان ما لعله يحتاج إلى البيان(بأن أظلم معاهداً إسم مفعول من العهد بمعنى الامان أو الذمة.)(وشطر مالي في سبيل اللّه الشطر يجيء بمعنى النصف، وبمعنى الجزء المطلق، وكلّ منهما محتمل هنا. ولعلّ قوله فيما بعد: «فاحكم فيه بما أنزل الله»)-------------------------------------------------------------------------قوله: «الشطر يجيء بمعنى النصف».الشطر هو الجانب والنحو والجهة (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (1)أي: جهته ونحوه، وقد يجيء بمعنى النصف والجزء وهو كثير، ومنه الحديث «السواك شطر الوضوء» (2)كأنه يريد المبالغة في استعماله، ومنه قوله «اجعل شطر مالي في سبيل الله» (3)أي: جزءً منه، ويحتمل النصف، وهو معيّن.)وأما الجزء، فقد اختلف الأصحاب في تعيّنه بعد اتفاقهم على اختصاصه بقدر معين شرعاً، وإن لم يكن معيناً لغةً ولا عرفاً.ووجه الاختلاف اختلاف الروايات فيه، ففي بعضها انه العشر؛ لقوله تعالى في قصة إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ (اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا) (4)وكانت الجبال عشرة، وفي إجزائه السبع لقوله تعالى (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ) (5)وهذا القول أصح؛ لصحة رواية البزنطي، والأوّل أكثر)


1) سورة البقرة: 144 و 150.

2) مجمع البحرين 3: 346.

3) مجمع البحرين 3: 346.

4) سورة البقرة: 260.

5) سورة الحجر: 44.

ناظر إلى الثاني.(إلا لأنظر إلى نعتك في التوارة أي: لأعلم أنّ النعت الذي في التوراة نعتك تك أم لا، فاختصر الكلام لدلالة المقام.)(مولده بمكة المكّ بمعنى النقص والهلاك. وسمّي البلد الحرام مكة؛ لأنها تنقص الذنوب أو تفنيها، أو تهلك من قصدها بظلم، كما وقع لأصحاب الفيل.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «في التوراة نعتك أم لا».وأطبقه مع ما في التواة، فإن كان مطابقاً له فصدقتك، وإلا فكذبتك، فاختصر لدلالة السياق عليه، كما في قوله تعالى (أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ (1):أي: فأرسلوه إليه، فقال له يوسف: أيها الصدّيق.)قوله: «كما وقع لأصحاب الفيل».كما قال اللّه تعالى (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (2)وأما ما وقع من حجاج ويزيد بن معاوية من تخريب مكة، وإحراقها في الثامن من الصفر سنة أربع وستين، فكان مقصودهم بالذات مقاتلة عبدالله بن الزبير لما حصر فيها، وما قصدوا البيت بوجه وإلا لهلكوا كما هلك أصحاب الفيل.)ألا يرى إلى ما في الكافي عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ : إن تبعاً لما أن جاء من قبل العراق وجاء معه العلماء وأبناء الأنبياء، فلمّا انتهى إلى هذا الوادي لهذيل، أتاه ناس من بعض القبائل، فقالوا: إنك تأتي أهل بلدة قد لعبوا بالناس زماناً طويلاً حتّى اتخذوا بلادهم حرماً وبنيتهم رباً أو ربّة، فقال: إن كان كما تقولون قتلت مقاتليهم، وسبيت ذريتهم، وهدمت بنيتهم.)


1) سورة يوسف: 46.

2) سورة الحج: 25.

(و مهاجره بطيبة مهاجر بفتح الجيم أي موضع هجرته، والهجرة بكسر الهاء وضمّها: الخروج من أرض إلى أخرى.)وطيبة بفتح الطاء وسكون الياء: مدينة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ.)(ليس بفظ ولا غليظ ولاسخّاب الفظ والغليظ متقاربان، وهما بمعنى السيء الخلق القاسي القلب الخشن الكلام.)والسحّاب بالسين المهملة والخاء المعجمة المشدّدة وآخره باء تحتانية: صيغة-------------------------------------------------------------------------قال: فسالت عيناه حتّى وقعتا على خديه، قال: فدعا العلماء وأبناء الأنبياء، فقال: انظروا واخبروني لما أصابني هذا؟ قال: فأبوا أن يخبروه حتّى عزم عليهم، قالوا: حدّثنا بأي شيء حدثت نفسك؟ قال: حدثت نفسي أن أقتل مقاتلهم، وأسبي ذريتهم، وأهدم بنيتهم، فقالوا: إنا لا نرى الذي أصابك إلا لذلك.قال: ولم هذا؟ قالوا: لأنّ البلد حرم اللّه والبيت بيت اللّه، وسكانه ذرية إبراهيم خليل الرحمن فقال: صدقتم، فما مخرجي ممّا وقعت فيه؟ قالوا: تحدث نفسك بغير ذلك، فعسى اللّه أن يردّ عليك، قال: فحدّث نفسه بخیر، فرجعت حدقتاه حتّى ثبتتا مكانهما.قال: فدعا بالقوم الذين أشاروا عليه بهدمها فقتلهم، ثمّ أتى البيت وكساه وأطعم الطعام ثلاثين يوماً، كلّ يوم مائة جزور، حتّى حملت الجفان إلى السباع في رؤوس الجبال، ونثرت الأعلاق (1في الأودية للوحوش، ثمّ انصرف من مكة إلى المدينة، فأنزل بها قوماً من أهل اليمن من غسان وهم الأنصار.)وفى رواية أخرى كساه النطاع وطيبه (2.)


1) في الكافي: الأعلاف.

2) فروع الكافي 4: 215 - 216 ح 1.

مبالغة من السخب بالتحريك، وهو شدة الصوت، يقال: تساخب القوم أي تصايحوا وتضار بوا.(ولا مترنّن بالفحش ولا قول الخنا مترنّن بالراء المهملة والنونين من الرنّة بالفتح والتشديد بمعنى الصوت.)والخنا بالخاء المعجمة المفتوحة والنون مرادف للفحش.(كان فراش رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ عباءه) الهاء في عباءه يجوز ان تكون ضميراً راجعاً إليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأن تجعل تاء من أصل الكلمة.)(و كانت مرفقته أدماً المرفقة: المخدّة.)والأدم بفتحتين: جمع أديم وهو الجلد(فثنّيت أي: العباءة، بمعنى جعلت على طاقين.)(لقد منعني الفراش الليلة الصلاة أي: انه للينه ونعومته لم تسمح النفس بمفارقته والقيام عنه إلى صلاة الليل.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «عباءه».العباء: ضرب من الأكسية الواحدة العباءة وعباية، وقد يقع على الواحد؛ لأنه جنس، فإن جعلت الهاء ضميراً، فهو جنس وقع على الواحد منه، وإن جعلتها تاءً من أصل الكلمة، فالمراد به الواحدة من ذلك الجنس، ولعلّ قوله فيما بعد «فتنيت له» يؤيد الثاني، فتأمّل.قوله: «لقد منعني الفراش الليلة».من المعلوم أن الفراش إذا كان له حشو، وكانت له نعومة وملاسة، لا يصيب منه على بدن النائم نصب يوجب انتباهه إلا بعد مدة، بخلاف ما إذا كان عديم الحشو أو خشناً، فإنه يوجب انتباهه سريعاً، لما يصيبه من الألم.

-------------------------------------------------------------------------فالمراد - واللّه أعلم - أنّ الفراش لكونه ذا حشو ونعومة أورث راحة البدن وغلبة النوم، و استمراره إلى أن طلع الفجر، فكأنه منعني من الصلاة، وفي الحقيقة المانع منها إنّما هو النوم المستمر، وإنّما أسند المنع إليه لكونه بنعومته سبباً لاستمراره المفوّت للصلاة.وهذا لا ينافي ما عليه الأصحاب من وجوب قيام بعض الليل وصلاة الوتر عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، فإن ذلك إنما يكون في صورة كونه مكلّفاً بهما، بأن ينتبه ليلاً بعد نومته، وإلا فالنائم بما هو نائم غير مكلف بشيء، وقد نام رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في المعرس عن الصلاة حتّى طلعت عليه الشمس كما رواه العامّة والخاصّة، ومن أنكر سهو النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم ينكر هذا النوم، كما ذكره الشهيد، فإذا جاز عليه هذا النوم، فليجز عليه ذاك أيضاً بطريق أولى، وعليه فلا إشكال.)ولا حاجة إلى ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه ولا إلى ما تكلّفه بعضهم بقوله: كأن مراده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لقد كان الفراش يكاد يمنعني عن الصلاة للينه ونعومته، واشتياق القوى البشرية له واستلذاذه به لولا أن يتداركه اللّه بعصمته، ومثل هذا الكلام في نحو هذا المقام غير عزيز.)ولعمري أنّ هذا الحمل ولو بعد أيضاً كان أهون عليّ من الاجتراء على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، والتزام أنه قد غلب هذه اللذة الخسيسة على جنابه إلى أن منعه ولو عن بعض الصلاة والقيام، فبعداً له ثمّ بعداً له عن هذا المقام، فإنّ هذا الكلام مع اشتماله على تقدير كثير لا دلالة للفظ الحديث عليه ممّا لا حاجة إليه، فتأمّل.)

ولعله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أراد بالصلاة بعضها فإنّ أصحابنا على أن قيام بعض من الليل والصلاة الوتر كانا من خصائصه الواجبة عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).)قوله: «من خصائصه الواجبة».لقوله تعالى (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ (1).)ويمكن أن يقال: إنّ وقوع ذلك كان قبل ايجابهما عليه، وعليه فلا حاجة إلى التبعيض والتخصيص، فتأمّل.


1) سورة الإسراء: 79.

## الحديث العشرون : ذم عبادة الطاغوت وحبّ الدنيا### إشارة:وبالسند المتّصل إلى الشيخ الجليل محمّد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد عن منصور بن العبّاس عن سعيد بن جناح، عن عثمان بن سعيد، عن عبدالحميد بن علي الكوفي، عن مهاجر الأسدي، عن الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ، قال : مرّ عيسى بن مريم (عَلَيهِ السَّلَامُ) على قرية قد مات أهلها وطيرها ودوابها فقال: أما أنهم لم يموتوا إلا بسخطه، ولو ماتوا متفرّقين لتدافنوا.)فقال الحواريون يا روح اللّه وكلمته ادع اللّه أن يحييهم لنا، فيخبرونا ما كانت-------------------------------------------------------------------------الحديث العشرونقوله: «وبالسند المتّصل» إلى قوله «عن مهاجر الأسدي».هذا الحديث مجهول السند بمهاجر بن زيد الأسدي، فإنّه مهمل، وكذلك منصور ابن العباس الرازي مضطرب الأمر.قوله: «وكلمته».إطلاق الكلمة على الموجودات العينية، كما ورد في حق عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ (وَكَلِمَتُهُ)

أعمالهم فنجتنبها، فدعا عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ ربّه فنودي من الجوّ أن نادهم، فقام عيسى الا بالليل على شرف من الأرض، فقال: يا أهل هذه القرية.)فأجابه منهم مجيب: لبيك يا روح اللّه وكلمته، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: ويحكم ما كانت أعمالكم؟ قال: عبادة الطاغوت، وحبّ الدنيا مع خوف قليل، وأمل بعيد، وغفلة في لهو ولعب، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : كيف كان حبّكم للدنيا ؟ قال : كحبّ الصبي لأمه، إذا أقبلت علينا فرحنا وسررنا، وإذا أدبرت عنا بكينا وحزنا.)قال: كيف كانت عبادتكم للطاغوت ؟ قال : الطاعة لأهل المعاصي.قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: كيف كانت عاقبة أمركم ؟ فقال : بتنا في ليلة في عافية، وأصبحنا في الهاوية. فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : و ما الهاوية ؟ قال : سجين. قال: وما سجين؟)-------------------------------------------------------------------------أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ (1)وكما قيل: إنّ بسائط الموجودات حروف وكلمات، إطلاق مجازي. وإنّما سمّي عيسى بذلك؛ لأنه وجد بأمره تعالى من دون أب، فشابه البدعيات (إِنَّما مَثَلَ عِيسَى كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (2).)قوله: «وما سجين».السجين فعيل من السجن، وهو الحبس. وفي التفسير (3في قوله تعالى (إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ) (4)هو كتاب جامع ديوان الشرّ، دون اللّه فيه أعمال)


1) سورة النساء: 171.

2) سورة آل عمران: 59.

3) أي: في تفسير الكشّاف للزمخشري.

4) سورة المطفّفين: 7.

قال: جبال من جمر توقد علينا إلى يوم القيامة. قال (عَلَيهِ السَّلَامُ : فما قلتم وما قيل لكم؟ قال: قلنا: ردّنا إلى الدنيا فنزهد فيها، قيل لنا: كذبتم.)قال: ويحك كيف لم يكلمني غيرك من بينهم؟ قال: يا روح اللّه إنّهم ملجمون بلجم من نار بأيدي ملائكة غلاظ شداد، وأنا كنت فيهم ولم أك منهم، فلما نزل العذاب عمّني معهم، فأنا معلّق بشعرة على شفير جهنم، لا أدري أكبكب فيها أم أنجو منها.-------------------------------------------------------------------------الكفرة والفسقة من الجن والانس، وهو كتاب مرقوم بين الكتابة (1.)ويقال: سجين صخرة تحت الأرض السابعة، يعني: إنّ أعمالهم لا تصعد إلى السماء، مقابل لقوله تعالى (إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي عِلِّينٍ (2)أي: في السماء السابعة.)وفي الخبر عن علي بن عطية (3، قال: جاء ابن عبّاس إلى كعب الأحبار، فقال: أخبرني عن قول اللّه (إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ) قال: إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها فيهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فتدخل سبع أرضين، حتّى ينتهي بها إلى سجين، وهو موضع جندإبليس(4).)قوله: «بلجم».اللجام للفرس قيل: عربي، وقيل: معرّب، والجمع لجم، مثل كتاب وكتب


1) الكشّاف 4: 231.

2) سورة المطففين: 18.

3) في المجمع: شمر بن عطية.

4) مجمع البيان 5: 453.

فالتفت عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى الحواريين، وقال: يا أولياء اللّه أكل الخبز اليابس بالملح الجريش، والنوم على المزابل خير كثير مع عافية الدنيا والآخرة (1).)بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث(أما أنّهم «أما» بالتخفيف حرف استفتاح وتنبيه تدخل على الجمل لتنبيه المخاطب، وطلب إصغائه إلى ما يلقى إليه. وقد يحذف إلفها، نحو: أم واللّه زيد قائم.)(لم يموتوا إلا بسخطة السخط بالتحريك وبضم أوله وسكون ثانيه: الغضب ولو ماتوا متفرّقين لتدافنوا الظاهر أن تفاعل هنا بمعنى فعل، كتواني بمعنى تأنّي. و يمكن إبقاؤه على أصل المشاركة بتكلف.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «أما أنهم».قال الجوهري: أما مخفّفاً لتحقيق الكلام الذي يتلوه، تقول: أما إن زيداً عاقل، تعني أنه عاقل على الحقيقة دون المجاز (2.)وقال الزمخشري: أما من مقدمات اليمين وطلايعها، أما والذي لا يعلم الغيب غيره، أما والذي أبكى وأضحك والذي أمره الأمر.قوله: «الظاهر أن تفاعل هنا».تفاعل وضع لنسبة الفعل إلى المشتركين فيه، نحو تضارب زيد وعمرو، أي: صدر الضرب من كلّ منهما، وتدافن ليس كذلك؛ لأنّ المدفون لا يصدر منه الدفن، إلا أن يقال : معنى تدافنوا دفن بعضهم بعضاً.


1) أصول الكافي :2 : 318 ح 11.

2) صحاح اللغة للجوهرى 5: 2273.

(فقال الحواريون قد تقدّم الكلام في تفسير الحواريين في الحديث الثامن عشر.)(فنودي من الجوّ هو بتشديد الواو مابين السماء والأرض.)(على شرف الشرف المكان العالي.)قيل: ومنه سمي الشريف شريفاً تشبيهاً للعلوّ المعنوي بالعلوّ المكاني.(فقال ويحكم ويح إسم فعل بمعنى الترحم، كما أنّ «ويل» كلمة عذاب. وبعض)-------------------------------------------------------------------------فالدفن مشترك بين كلّ واحد من البعضين يصدر من أفراد هذا تارة، ومن أفراد ذاك أخرى، وفيه من التكلف ما لا يخفى.قوله: «الشرف المكان العالي».الشرف: بفتحتين القدر والقيمة والرفعة والعلو، ومنه الاستشراف وهو أن تضع يدك على حاجبك وتنظر كالذي يستظل من الشمس لتبين الشيء، كأنه ينظر إليه من مكان مرتفع، فيكون أكثر لإدراكه، وشرف ككرم فهو شريف وشرفه تشريفاً أعلاه، وأصله من الشرف وهو المكان المشرف العالي، ثمّ استعمل في القدر والمنزلة مجازاً.قال في الأساس ومن المجاز لفلان شرف وهو علوّ المنزلة (1.)قوله: «ویح اسم فعل».قال سيبويه: ويح زجر لمن أشرف على الهلكة، وويل لمن وقع فيها، وقال الزيدي: هما بمعنى واحد، تقول ویح لزید وویل لزید ترفعهما على الابتداء وويحك وويح زيد وويلك وويل زيد على الاضافة فتنصبهما بإضمار فعل.


1) أساس البلاغة ص 327 طبع دار صادر بیروت.

اللغويين يستعمل كلا منهما مكان الأخرى.(عبادة الطاغوت هو فعلوت من الطغيان وهو تجاوز الحد. وأصله طغيون فقدموا لامه على عينه على خلاف القياس، ثمّ قلّبوا الياء ألفاً فصار طاغوت. وهو يطلق على الكاهن والشيطان والأصنام، وعلى كلّ رئيس في الضلالة، وعلى كلّ ما يصدّ عن عبادة اللّه تعالى، وعلى كل ما عبد من دون اللّه تعالى.)ويجيء مفرداً، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ (1)وجمعاً كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) (2).)-------------------------------------------------------------------------وفي المجمع ويح كلمة ترحم وتوجّع لمن وقع في هلكة، وقد يقال للمدح و التعجب، ومنه ويح ابن عباس كأنه أعجب بقوله (3.)قوله: «فصار طاغوت».في القاموس الطاغوت اللات والعزّى والكاهن والشيطان، وكل رأس ضلال والأصنام، وكل ما عبد من دون اللّه (4.)والغالب في أخبارنا إطلاق الطاغوت على الثاني، والجبت على الأوّل.والمراد بالطاغوت في الآية الأولى كعب بن الأشرف؛ لما نقل أن بين المسلمين كانت منازعة، فقال أحدهما: إنا نتحاكم إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، وقال الآخر: أنا نتحاكم إلى الكعب، فنزلت.)


1) سورة النساء: 60.

2) سورة البقرة: 257.

3) مجمع البحرين 2: 425.

4) القاموس المحيط 4: 357.

(و غفلة في لهو ولعب لفظة «في» هنا بمعنى الظرفية المجازية، كما في نحو «النجاة في الصدق» أو بمعنى «مع» كما في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ) (1)أو للسببية كقوله تعالى: (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) (2).)(إذا أقبلت علينا... إلى آخره الشرطيتان واقعتان موقع المفسّرة ل-«حب الصبي لأمه».)(فأنا معلّق بشعرة على شفير جهنّم كناية عن أنه مشرف على الوقوع فيها، ولا يبعد أن يراد به معناه الصريح.)والشفير: حافة الشيء وجانبه.(أكبكب فيها على صيغة المبني للمفعول، أي: أطرح فيها على وجهي.)(بالملح الجريش أي: الذي لم ينعم دقه.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «أكبكب فيها».ومنه قوله تعالى (فكبكبوا فيها (3)على صيغة المجهول، أي: القول على رؤوسهم، واطرحوا في جهنّم من قولهم كبيت الإناء إذا قلبته على رأسه.)قوله: «بالملح الجريش».من قولهم «جرشت الشيء» إذا لم تنعم دقه، فهو جريش أي مجروش.وفي الصحاح : ملح جريش لم يطيب (4.)


1) سورة الأعراف: 38.

2) سورة يوسف 32.

3) سورة الشعراء: 94.

4) صحاح اللغة 3: 998.

تبيين حال وذكر مثالما ذكره هذا الرجل المتكلم لعيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ في وصف أصحاب تلك القرية، وما كانوا عليه من الخوف القليل والأمل البعيد والغفلة واللهو واللعب والفرح بإقبال الدنيا، والحزن بإدبارها، هو بعينه حالنا وحال أهل زماننا، بل أكثرهم خال عن ذلك الخوف القليل أيضاً، نعوذ بالله من الغفلة وسوء ء المنقلب.)وما أحسن ما نقله الشيخ الصدوق محمّد بن بابويه رحمة اللّه في كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة، عن بعض الحكماء في تشبيه حال الإنسان واغتراره بالدنيا، وغفلته عن الموت وما بعده من الاهوال وانهماكه في اللذات العاجلة الفانية-------------------------------------------------------------------------قوله: «في وصف أصحاب تلك القرية وما كانوا عليه».في صحيحة ضريس الكناسي عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ في حديث طويل، قال: وإن لله ناراً في المشرق خلقها ليسكنها أرواح الكفّار، ويأكلون من زقومها، ويشربون من حميمها ليلهم، فإذا طلع الفجر هاجت إلى وادٍ باليمن يقال له: برهوت أشدّ حرّاً من نيران الدنيا، كانوا فيه يتلاقون ويتعارفون، فإذا كان المساء عادوا إلى النار، فهم كذلك إلى يوم القيامة الحديث (1).)ويظهر منه أنّ المراد بجهنّم في هذا الحديث هو هذه النار التي في الدنيا قبل يوم القيامة، كما هو صريح هذا الحديث أيضاً.قوله: «وانهماكه في اللذات».الإنهماك : التمادي في الشيء، والجد واللجاج فيه، ومنه الحديث «من انهمك في أكل الطين فقد شرك في دم نفسه»(2.)


1) فروع الكافي 3: 247 ح 1.

2) مجمع البحرين 5: 299.

الممتزجة بالكدورات، بشخص مدلي في بئر، مشدود وسطه بحبل، وفي أسفل ذلك البئر ثعبان عظيم متوجّه إليه منتظر سقوطه، فاتح فاه لالتقامه، وفي أعلى ذلك البئر جرذان أبيض وأسود لا يزالان يقرضان ذلك الحبل شيئا فشيئاً، ولا يفتران عن قرضه آناً من الآنات، وذلك الشخص مع أنه يرى ذلك الثعبان ويشاهد انقراض الحبل آناً فاناً، قد اقبل على قليل عسل قد لطخ به جدار ذلك البئر، وامتزج بترابه، واجتمع عليه زنابير كثيرة، وهو مشغول بلطعه، منهمك فيه، ملتذ بما أصاب منه مخاصم لتلك الزنابير عليه، وقد صرف باله بأجمعه إلى ذلك، غير ملتفت إلى ما فوقه وما تحته.-------------------------------------------------------------------------والتدلي: إرسال مع تعلّق كتدلّي الثمرة، والمدلي: المرسل، ومنه قوله (وأدلى دلوه (1)أي أرسلها ليملأها.)والثعبان بالضم الحيّة العظيمة الجسم، ومنه (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (2).)والجرذ كالصرد ضرب من الفأرة، والجمع جرذان.والقرض القطع، ومنه المقراض.و لطخه فتلطّخ أي: لوّثه فتلوّث، ومنه لطخ ثوبه بالمداد من باب نقع.واللطع: اللحس، يقال لطعته بالكسر ألطعه لطعاً لحسته، وإنما ضرب بهذا المثل زيادة في التوضيح.والتخييل أي: الايقاع في الخيال بتصوير المعاني العقليه بصور الأعيان الحسّية؛ لكونها أظهر حضوراً، وأكثر خطوراً، وأن هو يريك المخيل محققاو المعقول


1) سورة يوسف: 19.

2) سورة الأعراف: 107، والشعراء: 32.

فالبئر هو الدنيا، والحبل هو العمر، والثعبان الفاتح فاه هو الموت، والجرذان: الليل والنهار القارضان للأعمار، والعسل المختلط بالتراب هو لذات الدنيا الممتزوجة بالكدورات والآلام والزنابير هم أبناء الدنيا المتزاحمون عليها (1.)ولعمرى أنّ هذا المثل من أشدّ الأمثال إنطباقا على الممثل له. نسأل اللّه البصيرة والهداية ونعوذ به من الغفلة والغواية.هدايةلعلّك تظنّ أنّ ما تضمّنه هذا الحديث من أنّ الطاعة لأهل المعاصي عبادة لهم، على ضرب من التجوّز لا الحقيقة، وليس كذلك بل هو حقيقة، فإنّ العبادةليست إلا الخضوع والتذلّل والطاعة والانقياد.ولهذا جعل سبحانه اتباع الهوى والانقياد إليه عبادة للهوى، فقال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ (2)وجعل طاعة الشيطان عبادة له، فقال تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ) (3)وقد مرّ فيه كلام في الحديث الحادي عشر.)-------------------------------------------------------------------------محسوساً في كتبه الأمثال، فثبت في كلام الأنبياء والحكماء، فإنّهم قالوا: إنّ الناس للتخيّل أطوع منهم للتصديق، فأكثروا من استعمال القضايا المخيلة في مقام الترغيب والترهيب والاستماحة والاستعطاف ونحو ذلك، وهي وإن كانت ترى بحسب الظاهر كاذبة فليست بكاذبة؛ لأنّ القصد منها تشبيه تلك الحال بحال من تفرض له تلك الصورة الحسية.


1) كمال الدين وتمام النعمة ص 593 - 894.

2) سورة الجاثية: 23.

3) سورة يس: 60.

وقد روى الشيخ الجليل محمّد بن يعقوب الكليني في باب الزي والتجمّل من كتاب الكافي، عن أبي جعفر محمّد بن علي الباقر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ أنه قال: من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق يؤدّي عن اللّه فقد عبدالله، وإن كان يؤدّي عن الشيطان فقد عبد الشيطان (1).)وروى في آخر باب الشرك من الكافي أيضاً، عن أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ : أنه قال : من أطاع رجلاً في معصية فقد عبده (2).)وروى في كتاب العلم من الكافي أيضاً في باب التقليد، عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ ما معنى هذه الآية (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): و اللّه ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم، ولو دعوهم ما أجابوهم، ولكن أحلوا لهم حراماً وحرموا عليهم حلالاً، فعبدوهم من حيث لا يشعرون (3).)-------------------------------------------------------------------------قوله: «من أصغى».أي: أمال إليه قلبه، وألقى لديه سمعه ليستمع ما يقول ويتلقاه بالقبول، فهذا نوع عبادة وطاعة، فإن كان المنطوق حقاً فقد عبد اللّه لأنه من الله. وإن كان باطلاً، فقد عبد الشيطان؛ لأنه منه.والإصغاء الإمالة، قوله تعالى (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ (4)أي: تميل إلى هذا الوحي قلوبهم.)


1) فروع الكافي 6: 434 ح 24.

2) أصول الكافي 2: 398 ح 8.

3) أصول الكافي 1: 53 ح 1.

4) سورة الأنعام: 113.

### وقوع العذاب في مدة البرزخوروى في هذا الباب بطريق آخر أنه لا سئل عن هذه الآية، فقال: واللّه ما صلوا لهم ولا صاموا، ولكن أحلّوا لهم حراماً وحرموا عليهم حلالاً فاتبعوهم (1.)وإذا كان اتباع الغير والإنقياد إليه عبادة له فأكثر الخلق عند التحقيق مقيمون-------------------------------------------------------------------------قوله: «عند التحقيق مقيمون».توضيح ذلك: إنّ الهوى هو الذي يميل إليه القلب من المحبوبات والمشتهيات. والتحقيق أن الهوى ما يحكم الطبع بملائمته، ولا يراعي فيه المآل، بل يخالف العقل والشرع بمعونة الوهم والخيال، فيختار العاجل، ولو كان فانياً دون الآجل، وإن كان باقياً فلا تتبع الهوى فيضلّك عن سبيل اللّه. وفي الحديث «أبغض آله عبد في الأرض الهوى والشيطان».ثمّ إنّ الانسان مع هواه ثلاث أحوال :الأولى: أن يغلبه الهوى فيستعبده، كما قال تعالى (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (2).)الثانية: أن يغالبه فيقهر مرّة ويقهر أخرى، وإيّاه قصد بمدح المجاهدين، وعناه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، وقد سئل أى الجهاد أفضل قال جهاد هواك. وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم (3).)والثالثة: أن يغلب هواه كالأنبياء والأولياء وكثير من صفوة الأولياء، ولا شكّ أنّ الغالب في أكثر الخلق هو الحالة الأولى؛ فإنّهم لم يجاهدوا أهواءهم حق جهادها، فغلبتهم واستعبدتهم واستخدمتهم في مراداتها القبيحة ومقاصدها الشنيعة، فهم لها


1) أصول الكافي 1: 53 ح 3.

2) سورة الفرقان: 43.

3) بحار الأنوار 68: 370.

على عبادة أهواء أنفسهم الخسيسة الدنية، وشهواتهم البهيمية والسبعية على كثرة أنواعها، واختلاف أجناسها، وهي أصنامهم التي هم عليها عاكفون، والأنداد التي هم لها من دون اللّه عابدون. وهذا هو الشرك الخفي، نسأل اللّه سبحانه أن يعصمنا عنه، ويطهر نفوسنا منه بمنه وكرمه.وما أحسن ما قالت رابعة العدوية رضي اللّه عنها :لك ألف معبود معبود مطاع أمره دون الإله وتدعي التوحيدتذكرة وتبصرةما تضمنه هذا الحديث من كون أهل تلك القرية في جبال من جمر توقد عليهم إلى يوم القيامة، صريح في وقوع العذاب في مدة البرزخ، أعني: ما بين الموت والبعث. وقد انعقد عليه الإجماع، ونطقت به الأخبار، ودلّ عليه القرآن العزيز،-------------------------------------------------------------------------عابدون، وعليها عاكفون، ونعم ما أشار إليه الشاعر في هذا المعنى بالفارسية :حرم داران دری را می پرستند فقیهان دفتری را می پرستندبر افکن پرده تا معلوم گردد*** که یاران دیگری را می پرستندقوله: «وهذا هو الشرك الخفي».وقد يعبّر عنه بالشرك الأصغر، قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول اللّه عزّوجلّ يوم القيامة إذا جاز العباد بأعمالهم: إذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا هل تجدون عندهم ثواب أعمالكم (1).)


1) بحار الأنوار 72: 266 و 303 ح 50.

وقال به أكثر أهل الملل وإن وقع الإختلاف في تفاصيله.-------------------------------------------------------------------------قوله: «وإن وقع الإختلاف في تفاصيله».باختلاف الأخبار، ففي بعضها : إنّ الموتى في قبورهم، وهي: إما روضة من رياض الجنّة، أو حفرة من حفر النيران.وفي بعض آخر: إنّهم يخرجون منها إما إلى الجنّة المغربية، أو إلى النار المشرقية، يتعذبون في البرهوت والمؤمنون يتفرجون في الهواء فيما بين الطلوعين، ثمّ يعودون إلى قبورهم.وبعضها يدلّ على أنه لا يبقى مؤمن في شرق الأرض وغربها إلا حشره اللّه روحه إلى وادي السلام، وهو ظهر الكوفة، وأنّها لبقعة من جنة عدن.وبعضها يدلّ على غير ذلك، مثل ما في بصائر الدرجات عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال: كنت خلف أبي وهو على بغلته فنفرت بغلته، فإذا هو شيخ في عنقه سلسلة ورجل يتبعه، فقال: يا علي بن الحسين إسقني إسقني، فقال الرجل: لا تسقه لا سقاه اللّه، وكان الشيخ معاوية (1).)وهذا كما أنه صريح في بقاء النفس بعد مفارقتها البدن العنصري كذلك كذلك صريح في تعلّقها بالقالب المثالى في عالم البرزخ ليكون آلة لها في ايصال الثواب والعقاب. ويظهر منه ومن أمثاله أنهم (عَلَيهِم السَّلَامُ كانوا يشاهدون أهل البرزخ وما هم فيه من الثواب والعقاب، وإنما حجبوا عن أبصارنا لضرب من المصلحة، أو لئلا يختل أمر التكليف، ولهذا رأته البغلة فنفرت، وقد أخفى اللّه شخصه عن سائر أفراد المكلّفين، وسيأتي في ذلك كلام أبسط إن شاء اللّه العزيز.)


1) بصائر الدرجات ص 285 ح 1، بحار الأنوار 33: 168 ح 439.

والذي يجب علينا هو التصديق المجمل بعذاب واقع بعد الموت وقبل الحشر في الجملة. وأما كيفياته وتفاصيله، فلم نكلف بمعرفتها على التفصيل، وأكثرها ممّا لا تسعه عقولنا، فينبغي ترك البحث والفحص عن تلك التفاصيل، وصرف الوقت فيما هو أهم منها، أعني : فيما يصرف ذلك العذاب ويدفعه عنا كيفما كان وعلى أيّ نوع حصل، وهو المواظبة على الطاعات واجتناب المنهيات، لئلا يكون حالنا في الفحص عن ذلك والاشتغال به عن الفكر فيما يدفعه وينجي منه كحال شخص أخذه السلطان وحبسه، ليقطع في غدٍ يده ويجدع أنفه، فترك الفكر في الحيل المؤدية إلى خلاصه، وبقي طول ليله متفكّراً في أنه هل يقطع بالسكين أو بالسيف؟ وهل القاطع زيد أو عمرو ؟هذا ولعلنا نورد بعض الأحاديث الواردة في هذا الباب من طرق أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ فى أواخر هذا الكتاب، ولنورد هنا حديثاً واحداً مختصراً.)روينا عن الشيخ الصدوق محمّد بن بابويه (رحمه اللّه، بسنده إلى أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أنه قال : إن بين الدنيا والآخرة ألف عقبة أهونها وأيسرها الموت(1). وفي هذا الحديث كفاية، واللّه الهادي.)ثمّ لا يخفى أنّ ما قاله هذا الرجل من أنه كان فيهم ولم يكن منهم، فلما نزل العذاب عمّه معهم، يشعر بأنه ينبغي المهاجرة عن أهل المعاصي، والإعتزال عنهم، وأنّ المقيم معهم شريك لهم في العذاب، محترق بنارهم، وإن لم يشاركهم في-------------------------------------------------------------------------قوله: «شريك لهم». إن رضي بفعلهم وإلا فلا.


1) من لا يحضره الفقيه 1: 124 ح 359.

أعمالهم وأقوالهم.وقد يستأنس لذلك بعموم قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (1).)وبما رواه الشيخ الجليل محمّد بن يعقوب الكليني في باب مجالسة أهل المعاصي من كتاب الكافي عن الامام أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم (عَلَيهِمَا السَّلَامُ أنه نهى بعض أصحابه عن مجالسة رجل من أهل الضلال، فقال: أي شيء عليّ منه إذا لم أقل ما يقول؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أما تخاف أن تنزل به نقمة فتصيبكم جميعاً (2). والحديث طويل نقلنا منه موضع الحاجة)-------------------------------------------------------------------------أما الأولى، فلما ثبت بالعقل والنقل أنّ الراضي بفعل المحسن شريك له في إحسانه، والراضي بفعل المسيء شريك له في إساءته من جهة المدح والذم والأجر والإثم.وأما الثانية، فلما روي عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: إذا عملت الخطيئة في أرض، فمن أنكرها كان كمن غاب عنها، ومن رضيها كان كمن شهدها (3).)وأما هذا الرجل، فهو وإن لم يكن منهم عملاً، فلعله كان منهم رأياً واعتقاداً، ولذلك كان فيهم ولم ينكرهم عملهم، ولعلّه لذلك مسته طائفة من العذاب.


1) سورة النساء: 97.

2) أصول الكافي 2: 374 - 375 ح 2.

3) مجموعة الورّام ص 292.

ولو لم يكن في الإعتزال عن الناس فائدة سوى ذلك لكفي، كيف وفيه من الفوائد ما لا يعدّ ولا يحصى، نسأل اللّه سبحانه أن يوفقنا لذلك بمنه وكرمه.-------------------------------------------------------------------------قوله: «وفيه من الفوائد».قد مرّت نبذة من تلك الفوائد في حواشينا على الحديث الثامن عشر، ومن جملتها ما أشار إليه الشاعر :ای کوشه عزلت ز تو آب رخم افزود*** نشناسم اگر قدر تو را در بدر افتمومنها: الخلاص عن الطمع ممّا في أيدي الناس، فإنّ النظر إلى زهرات الدنيا يحرك شهوة الحريص.ومنها: الفراغ عن لقاء الثقيل والأحمق، وهو من أشدّ البلايا، كما قيل :روح را صحبت ناجنس عذابیست الیمهذا وكما أنّ للإعتزال عن الناس فوائد، كذلك له آفات :منها: فوات التعلّم المحتاج إليه في العبادة والتقوى والتعليم، وهو أولى من العزلة إن كان في علم الآخرة، واحترز فيه عن الرياء وحبّ الجاه ونحو ذلك، وإلاّ فالعزلة كما في زماننا هذا لذهاب علم الآخرة والعمل عليه.ومنها: فوات الإنتفاع عن الغير بالكسب للكفاية، أو الصدقة، وفوات المؤانسة بالإخوان وحقوقهم، كالعيادة وتشييع الجنازة والتبرك بزيارتهم، ونحو ذلك من الفوائد والآفات، فإن تحققت الفوائد أو أكثرها وانتفت الآفات أو أكثرها، فالعزلة أولى من المخالطة، وإن انعكس انعكس، وقد مرّ الكلام فيه، فتذكر.

## الحديث الحادي والعشرون: علة إختلاف الأحاديث### إشارة:وبالسند المتّصل إلى الشيخ الجليل عماد الإسلام محمّد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبان بن أبي عياش، عن سليمان بن قيس الهلالي، قال:-------------------------------------------------------------------------الحديث الحادي والعشرونقوله: «عن إبراهيم بن عمر اليماني».إبراهيم هذا مختلف فيه، ضعفه الغضائري (1، ووثقه النجاشي(2). والحق قبول روايته إن لم يكن في الطريق قادح من غير جهته، كهذا الطريق؛ فإنّ أبان هذا تابعي ضعيف.)قوله: «عن سليم بن قيس الهلالي».سليم بن قيس العامرى ثمّ الهلالي من أجلّة أصحاب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ، ومن أجلّة الأولياء، وعدّه أرباب الرجال من السلف الصالح، ومن جملة المتقدمين في)


1) رجال العلّامة الحلّي ص 6 عنه.

2) رجال النجاشي ص 20 برقم: 26.

-------------------------------------------------------------------------التصنيف، طلبه الحجّاج ليقتله، فهرب إلى ناحية من أرض فارس، وآوى إلى أبان ابن أبي عياش.فلما حضرته الوفاة قال لأبان: إنّ لك عليّ حقاً، وقد حضرني الموت، يابن أخي إنّه كان من الأمر بعد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ كيت وكيت، وأعطاه كتاباً، وذكر أبان في حديثه أنه كان شيخاً متعبداً، له نور يعلوه.)وروى الكشي أحاديث كثيرة تدلّ على صحته وصحة كتابه (1.)وذكر ابن الغضائري أنه موضوع وعلى ذلك علامات: منها ما ذكر أنّ محمّد بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت. ومنها: أنّ الأئمّة ثلاثة عشر (2.)والحق أنه غير مشتمل على باطل؛ فإنّ المذكور فيه أن عبدالله بن عمر وعظ أباه، وأن الأئمّة ثلاثة عشر مع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، ولا يقتضي من ذلك الوضع.)ثمّ ذكر ابن الغضائري أنّ أسانيد هذا الكتاب تختلف تارة برواية عمر بن أذينة عن إبراهيم بن عمر الصنعاني عن أبان بن أبي عياش عن سليم، وتارة يروي عن عمر عن أبان بلا واسطة (3.)وفيه أنّ الكشي روى باسناده المتّصل إلى إسحاق بن إبراهيم بن عمر اليماني الصنعاني، عن ابن أذينة، عن أبان بن أبي عياش، قال: هذا نسخة كتاب سليم بن قيس العامري دفعه إلى أبان بن أبي عياش وقرأه، وزعم أبان أنه قرأه على علي بن الحسین (عَلَيهِمَا السَّلَامُ، قال : فقال: صدق سليم رحمة اللّه عليه، هذا حديث نعرفه.)


1) اختيار معرفة الرجال 1: 321 – 322.

2) رجال العلّامة الحلّي ص 83 عنه.

3) رجال العلّامة الحلّي ص 83 عنه.

-------------------------------------------------------------------------وباسناده عن إسحاق بن إبراهيم المذكور في الطريق السابق، عن ابن أذينة، عن أبان بن أبي عياش عن سليم بن قيس الهلالي، قال: قلت لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ : إني سمعت وذكر الحديث بطوله(1).)وهذا كما ترى لا اختلاف فيه؛ فإنّ إسحاق بن إبراهيم بن عمر اليماني المذكور في الطريقين يروي في الروايتين المذكورتين عن ابن أذينة لا إبراهيم والده.وقد روى محمّد بن يعقوب الكليني اللّه في باب استعمال العلم، وكذلك في باب المستأكل بعلمه، باسناده عن حمّاد بن عيسى، عن عمر بن أذينة، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس(2.)وفي باب اختلاف الحديث عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبان بن أبي عياش (3.)فلحمّاد إلى أبان طريقان أحدهما بواسطة عمر بن أذينة، والآخر بواسطة إبراهيم بن عمر اليماني عن أبان بن أبي عياش.وبالجملة ما رأيت أحداً يقول: إنّ عمر بن أذينة يروي عن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبان بن أبي عياش غير ابن الغضائري، وهو منه اشتباه غريب.ثمّ أنت بعد رجوعك الرجال، وتأملك في ترجمة سليم هذا، يظهر لك اعتباره جداً، وعدم ذمّه بشيء ممّا ذكر فيه ولا في كتابه.


1) اختيار معرفة الرجال 1: 321 برقم: 167.

2) أصول الكافي ص 44 ح 1 و ص 46 ح 1.

3) أصول الكافي ص 62 ح 1.

قلت لأمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ : إني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذرّ شيئاً في تفسير القرآن وأحاديث عن نبي اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) غير ما في أيدي الناس، ثمّ سمعت منك تصديق ما سمعته منهم، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبي اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنتم تخالفونهم فيها، وتزعمون أنّ ذلك كله باطل، أفترى الناس يكذبون على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) متعمدين ويفسرون القرآن بآرائهم.)قال: فأقبل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ، فقال : قد سألت فافهم الجواب، إنّ في أيدي الناس حقاً وباطلاً، وصدقاً وكذباً، وناسخاً ومنسوخاً، وعاماً وخاصاً، ومحكماً ومتشابهاً، وحفظاً ووهماً، وقد كذب على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في عهده حتّى قام خطيباً، فقال: «أيها الناس قد كثرت عليّ الكذابه، فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» ثمّ كذب عليه من بعده. وإنّما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس :)رجل منافق يظهر الايمان متصنّع بالاسلام لا يتأثم ولا يتحرّج أن يكذب على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ متعمّداً، فلو علم الناس أنه منافق كذاب لم يقبلوا منه ولم يصدقوه، ولكنهم قالوا: هذا صحب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ورآه وسمع منه، فأخذوا عنه وهم لا يعرفون حاله، وقد أخبره اللّه تعالى عن المنافقين بما أخبره ووصفهم بما وصفهم، فقال عزّوجلّ: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ... الآية) (1).)ثمّ بقوا بعده، فتقربوا إلى أئمّة الضلال والدعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان، فولّوهم الأعمال، وحملوهم على رقاب الناس، وأكلوا بهم الدنيا، وإنّما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم اللّه، فهذا أحد الأربعة.


1) سورة المنافقون: 4.

ورجل سمع من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ شيئاً لم يحفظه على وجهه ووهم فيه، فلم يتعمّد كذباً، فهو في يده يقول به ويعمل به ويرويه، ويقول: أنا سمعته من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فلو لعلم المسلمون أنه وهم لم يقبلوه، ولو علم هو أنه وهم لرفضه.)ورجل ثالث سمع من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ شيئاً أمر به ثمّ نهى عنه وهو لا يعلم، أو سمعه ينهي عن شيء ثمّ أمر به وهو لا يعلم، فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ، ولو علم أنه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه.)و آخر رابع لم يكذب على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ مبغض للكذب خوفاً من اللّه، وتعظيماً لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، لم يسه بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به كما سمع لم يزد فيه ولم ينقص منه، وعلم الناسخ من المنسوخ، فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ، فإنّ أمر النبي علا اللّه مثل القرآن ناسخ ومنسوخ وخاص وعام ومحكم ومتشابه، وقد كان يكون من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الكلام له وجهان: كلام عام، وكلام خاص مثل القرآن، وقال اللّه عزّوجلّ في كتابه: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (1).)فيشتبه على من لم يعرف ولم يدر ما عنى اللّه به ورسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، وليس كل أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان يسأله عن الشيء فيفهم، وكان منهم من يسأله ولا يستفهمه، حتّى أن كانوا ليحبّون أن يجيء الأعرابي الطارىء، فيسأل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كل يوم دخلة، وكلّ ليلة دخلة، فيخليني فيها أدور معه حيث دار، قد علم)-------------------------------------------------------------------------قوله: «ووهم فيه».وهم بالكسر غلط، وبالفتح ذهب وهمه إلى شيء وهو يريد غيره.


1) سورة الحشر: 7.

أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ انه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري.)وربما كان يأتيني رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أكثر ذلك في بيتي، وكنت إذا دخلت عليه بعض منازله أخلاني وأقام عنّي نساءه، فلا يبقى عنده غيري، وإذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم يقم عنّي فاطمة، ولا أحداً من بنتي، وكنت إذا سألته أجابني، وإذا سكت عنه وفنيت مسائلي ابتدأني فما نزلت على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) آية من القرآن ألا أقرأنيها وأملاها عليّ، فكتبتها بخطي، وعلّمني تأويلها)-------------------------------------------------------------------------قوله: «فما نزلت على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ».)الأخبار الدالّة على أنّ أمير المؤمنين وأولاده الطاهرين (عَلَيهِم السَّلَامُ قد علموا جميع ما في القرآن علماً قطعياً بتأييد إلهي وإلهام ربّاني قد كادت تبلغ حد التواتر، وقد طابق العقل في ذلك النقل، وذلك أنّ الامام إذا لم يعلم جميع القرآن لزم إهمال الخلق وبطلان الشرع وانقطاع الشريعة.)ومن الأخبار في هذا المعنى ما ورد في طريق العامّة، عن أبي الطفيل، قال: شهدت عليا يخطب وهو يقول: سلوني فواللّه لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم، وسلوني من كتاب اللّه، فواللّه ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل (1.)وأخرج أبو نعيم في حلية الأولياء عن ابن مسعود، قال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، ما منها حرف إلا وله ظهر وبطن، وان علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ عنده منه الظاهر والباطن (2).)


1) الطبقات الكبرى لابن سعد 2: 338 طبع مصر، والاستيعاب 2: 463 طبع حیدرآباد الدكن، وذخائر العقبى للطبري ص 83، والرياض النضرة 2: 198.

2) حلية الأولياء 1: 65.

وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها وخاصها وعامها، ودعا اللّه أن يعطيني فهمها وحفظها، فما نسيت آية من كتاب اللّه عزّوجلّ، ولا علماً أملاه علي وكتبته من دعا لي بما دعا، وما ترك شيئاً علّمه اللّه من حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي، أو شيء كان أو يكون، ولا كتاباً منزلاً على أحد قبله من طاعة أو معصية-------------------------------------------------------------------------وأخرج ايضاً من طريق أبي بكر بن عياش عن نصير، عن سليمان الأحمس، عن أبيه، عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال : واللّه ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم أنزلت، وأين أنزلت، إن ربي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً سؤولاً (1).)أقول: وفي ذلك بطلان ما روته العامّة عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ انه سئل هل عندك شيء من العلم ليس في أيدي الناس فقال: لا إلا كلمات أخفيتها في قراب سيفي.)وأما الروايات في ذلك من طريق الخاصّة، فأكثر من أن تحصى :منها: ما روي عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: ما يستطيع أحد أن يدّعي أنّ عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الأوصياء (2).)وعن عبد الأعلى مولى آل سام قال: سمعت أبا عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ يقول: واللّه إنِّي لأعلم كتاب اللّه من أوله إلى آخره كأنه في كفّي فيه خبر السماء وخبر الأرض وخبر ما كان وخبر ما هو كائن، قال اللّه تعالى فيه (تبيان كلّ شيء) (3).)وفي قوله «كأنه في كفّي» تنبيه على أنّ علمه بما في الكتاب علم شهودي بسيط واحد بالذات متعلّق بالجميع، كما أن رؤية ما في الكف رؤية واحدة متعلقة بجميع أجزائه، والتعدّد إنما هو بحسب الاعتبار.


1) حلية الأولياء 1: 67 - 68.

2) أصول الكافي 1: 228 ح 2.

3) أصول الكافي 1: 229 ح 4.

إلا علّمنيه وحفظته، فلم أنس حرفاً واحداً، ثمّ وضع يده على صدري ودعا اللّه لي أن يملأ قلبي علماً وحكماً ونوراً.فقلت: يا نبي اللّه بأبي أنت وأمي مذ دعوت اللّه بما دعوت لم أنس شيئاً ولم يفتني شيء لم أكتبه، أفتتخوّف علي النسيان فيما بعد؟فقال: لا، لست أتخوّف عليك النسيان أو الجهل (1.)### المراد من المحكم والمتشابهبیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث(و محكماً ومتشابها المحكم في اللغة هو المضبوط المتقن.)ويطلق في الإصطلاح على ما اتضح معناه، وظهر لكل عارف باللغة مغزاه، وعلى ما كان محفوظاً من النسخ أو التخصيص أو منهما معاً، وعلى ما كان نظمه مستقيماً خالياً عن الخلل، وعلى ما لا يحتمل من التأويل إلا وجهاً واحداً، ويقابله بكل من هذه المعاني المتشابهة، وكلّ منهما يجوز أن يكون مراداً له (عَلَيهِ السَّلَامُ بقوله: محكماً و متشابهاً.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «المحكم».اللفظ المفيد وضعاً إن لم يحتمل غير ما فهم منه بالنظر إليه فهو النص، وإلاّ فالراجح الظاهر والمرجوح المأوّل، وإن تساوى الاحتمالان فالمجمل، والقدر المشترك بين النص والظاهر هو المحكم، فهو ما اتضح معناه، سواء كان نصاً فيه أو ظاهراً، والمشترك بين المجمل والمأوّل هو المتشابه، وقد يتركب بعضها مع بعض.


1) أصول الكافي 1: 62 - 64 ح 1.

(قد كثرت على الكذابه بالتشديد كسيّارة، والجار: إما متعلّق به أو ب«كثرت» على تضمين اجتمعت ونحوه.)(فليتبوأ مقعده من النار أي: لينزل منزله منها، تقول: تبوأت منزلاً أي نزلته. وهذا الحديث معدود من المتواترات.)(متصنّع بالاسلام أي: متكلّف له ومتدلّس به غير متصف به في نفس الأمر.)(لا يتأثم ولا يتحرّج العطف تفسيري أي: لا يعد نفسه آثماً بالكذب على)-------------------------------------------------------------------------قوله: «عليّ الكذابة».الكذابة بالفتح والتشديد الواحد البليغ في الكذب، والتاء لزيادة المبالغة، والمعنى كثرت عليّ أكاذيب الكذابة، أو التاء للتأنيث، والمعنى كثرت عليّ الجماعة الكذابة بكسر الكاف وتخفيف المعجمة مصدر كذب يكذب، والمصدر على فعال وفعالة بكسر الفاء شايع في لغة فصحاء العرب، ومنه كتب فلان كتاباً وكتابة أي كثرت على كذابة الكذابين.ويمكن أن يكون الكذاب بمعنى المكذوب، كالكتاب بمعنى المكتوب، والتاء للتأنيث، أي : كثرت عليّ الأحاديث المفتراة.قوله: «وهذا الحديث معدود من المتواترات».قيل : ولم يتحقق إلى الآن خبر خاص بلغ حد التواتر إلا هذا الخبر، وهو «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» (1فإنه نقله عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من الصحابة أربعون، وقيل: نيف وستون، ولم يزل العدد الراوي لهذا الحديث في ازدياد، وظاهر أنّ التواتر يتحقق بهذا العدد بل بما دونه.)


1) راجع كنز العمّال 10: 233 - 236.

رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)(وقد أخبره اللّه عن المنافقين بما أخبره... إلى آخره المراد أن المنافقين كان ظاهرهم ظاهراً حسناً، وكلامهم كلاماً مزيّناً مدلّساً، يوجب اغترار الناس بهم وتصديقهم لهم فيما ينقلونه عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من الأحاديث، ويرشد إلى ذلك أنه سبحانه خاطب نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بقوله: (إِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ) أي : لصباحتهم وحسن منظرهم (وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) (1)أي: تصغي اليه لذلاقة ألسنتهم.)(بالزور والكذب متعلّق ب-«تقربوا» والعطف تفسيري.)(ناسخ و منسوخ خبر ثان ل«أن»، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: بعضه ناسخ وبعضه منسوخ، أو بدل من «مثل» وجرّه على البدلية من القرآن ممكن، فإنّ قيام البدل مقام المبدل منه غير لازم عند كثير من المحققين، وقد جعل صاحب الكشّاف «الجنّ» في قوله تعالى: (وجعلوا لله شركاء الجن) (2)بدلاً من «شركاء» ولا يقوم مقامه (3).)(وقد كان يكون من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اسم كان ضمير الشأن و«يكون» تامة، وهي مع اسمها الخبر.)(وله وجهان نعت للكلام لأنه في حكم النكرة أو حال منه. وإن جعلت «يكون» ناقصة فهو خبرها.)


1) سورة المنافقون: 4.

2) سورة الأنعام: 100.

3) تفسير الكشّاف 2: 52.

(فيشتبه متفرّع على ما قبل الآية.)(ولم يدر ما عنى اللّه به الموصول مفعول «يدر» ويحتمل أن يكون فاعل «يشتبه».)(الأعرابي الطارىء أي: المتجدّد قدومه.)(فيخلينى فيها أدور معه يخليني إما من الخلوة، أو من التخلية، أي: يتركني أدور معه حيث دار. والظاهر أنه ليس المراد الدوران الجسمي بل العقلي.)والمعنى أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ كان يطلعني على الأسرار المصونة عن الأغيار ويتركني أخوض معه في المعارف اللاهوتية والعلوم الملكوتية، التي جلّت عن أن يكون شريعة لكلّ وارد أو يطلع عليها إلا واحد بعد واحد.)### المراد من التأويل والتفسير(وعلّمني تأويلها وتفسيرها التأويل: إرجاع الكلام وصرفه عن معناه)-------------------------------------------------------------------------قوله: «ما قبل الآية».وقيل : المراد أنهم لمّا سمعوا هذه الآية علموا وجوب اتباعه (عَلَيهِ السَّلَامُ، ولما لم يعرفوا مراده عملوا بما فهموا منه واخطأوا فيه، فهذا بيان لسبب خطأ الطائفة الثانية والثالثة، ثمّ بين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما يرفع الاستبعاد عن خطائهم بقوله «وليس كل أصحاب» فتدبر.)قوله: «يخلّيني».قيل: أي في أي معنى يتكلّم كنت أوافقه وأفهم مراده، أو كنت أدخل معه أي مدخل يدخل وأسر معه أينما سار.قوله: «علّمني تأويلها».اختلفوا في التأويل والتفسير، فقال أبو عبيد والمبرّد وطائفة: هما بمعنى، وأنكره قوم حتّى بالغ النيسابوري، فقال: قد نبع في زماننا مفسّرون لو سئلوا عن الفرق بين

-------------------------------------------------------------------------التفسير والتأويل ما اهتدوا إليه.وقال الراغب: التفسير أعم من التأويل، وأكثر استعماله في الألفاظ ومفرداتها، وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل، وأكثر ما يستعمل في الكتب الإلهية، والتفسير يستعمل فيها وفي غيرها (1.)وقال غيره: التفسير بيان لفظ لا يحتمل إلا وجهاً واحداً، والتأويل توجيه لفظ إلى معانٍ مختلفة إلى معنى واحد منها بما ظهر من الأدلة.وقال الماتريدي: التفسير القطع على أنّ المراد من اللفظ والشهادة على اللّه أنه عني باللفظ هذا، فإن قام دليل مقطوع به فصحيح، وإلا فتفسير بالرأي وهو المنهي عنه، والتأويل ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة على اللّه.وقال الثعلبي: التفسير بيان وضع اللفظ إمّا حقيقة أو مجازاً، كتفسير الصراط والصيب بالمطر، والتأويل تفسير باطن اللفظ مأخوذ من الأول، وهو الرجوع لعاقبة الأمر، فالتأويل إخبار عن دليل المراد؛ لأنّ اللفظ يكشف عن المراد والمكاشف دليل، مثاله (إنّ ربّك لبالمرصاد (2)وتفسيره أنه من الرصد، يقال: رصدته أي رقبته، والمرصاد مفعال منه، وتأويله التحذير من التهاون بأمر اللّه والغفلة عن الأهبة والاستعداد للعرض عليه، وقواطع الأدلة تقتضي بيان المراد منه على خلاف وضع في اللفظ اللغة.)وقيل: التفسير يتعلّق بالرواية، والتأويل يتعلّق بالدارية.وقال قوم: ما وقع سبباً في كتاب ومعنياً في صحيح السنة سمّي تفسيراً؛ لأنّ


1) مفردات الراغب ص 380.

2) سورة الفجر: 14.

الظاهري إلى معنى أخفى منه، مأخوذ من آل يؤول إذا رجع. وقد تقرر أن لكل آية ظهراً وبطناً.والمراد أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ اطلعه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على تلك البطون المصونة، وعلّمه تلك الأسرار المكنونة.)والتفسير لغة: كشف معنى اللفظ وإظهاره، مأخوذ من الفسر، وهو مقلوب السفر، يقال: أسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته، وأسفر الصبح أذا ظهر.وفي الاصطلاح علم يبحث فيه عن كلام اللّه المنزل للإعجاز من حيث الدلالة علی مراده سبحانه.وقولنا: «المنزل للإعجاز» لإخراج البحث عن الحديث القدسي.(من طاعة أو معصية أي: ممّا يوجب طاعة اللّه أو معصيته)(أن يملأ قلبي علماً وحكماً أي: حكمة، فان الحكم بضم الحاء يجيء بمعنى الحكمة أيضاً، ولا يبعد أن يقراً «وحكماً» بكسر الحاء وفتح الكاف: جمع حكمة.)تبصرةلا ريب في أنه قد كذب على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ التوصل إلى الأغراض الفاسدة)-------------------------------------------------------------------------معناه قد ظهر ووضح، وليس لأحد أن يتعرّض له باجتهاد ولا غيره، بل يحمله على المعنى الذي ورد ولا يتعداه، والتأويل ما استنبطه العلماء العالمون بمعاني الخطاب، الماهرون في آلات العلوم.وقيل : التفسير علم نزول الآيات وأقاصيصها، والأسباب النازلة فيها، ثمّ ترتيب مكيها ومدنيها ومحكمها ومتشابهها وناسخها و منسوخها وخاصها وعامها ومطلقها ومقيّدها وحلالها وحرامها ووعدها ووعيدها وأمرها ونهيها وغيرها وأمثالها.

والمقاصد الباطلة، من التقرّب إلى الملوك، وترويج الآراء الزائفة أي الضعيفة وغير ذلك.ودعوى صرف القلوب عن ذلك ظاهرة البطلان وما تضمنه هذا الحديث من قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ «قد كثرت عليّ الكذابة» دليل على وقوعه؛ لأن هذا القول: إما أن يكون قد صدر عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، أو لا، والمطلوب على التقديرين حاصل كما لا يخفى؛ لوجود الأحاديث المتنافية التي لا يمكن الجمع بينها، وليس بعضها ناسخاً لبعض قطعاً.)وما ذكره (عَلَيهِ السَّلَامُ من وضع الحديث للتقرب إلى الملوك قد وقع كثيراً، فقد حكي)-------------------------------------------------------------------------### الواضعون للحديث أصنافقوله: «من وضع الحديث».الواضعون للحديث أصناف منهم من قصد التقرب به إلى الملوك وأبناء الدنيا. ومنهم: قوم من السؤال يضعون على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ يرتزقون بها، كما اتفق لأحمد ويحيى بن معين في مسجد الرصافة.)قال الشيخ شرف الدين الطيبي شارح الكشّاف في كتاب الخلاصة في علم الحديث في قسم الموضوع وأقسام الواضعين ومنهم قوم من السؤال والمكدين يقعون في الأسواق والمساجد، فيضعون على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أحاديث بأسانيد صحيحة قد حفظوها، فيذكرون الموضوعات بتلك الأسانيد.)قال جعفر بن محمّد الطيالسي: صلّى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهما قاص، فقال حدّثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قال: حدّثنا عبدالرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : من قال لا إله إلا اللّه يخلق من كلّ كلمة منها طائر منقاره من ذهب، وریشه مرجان. وأخذ في قصته من نحو عشرين ورقة، فجعل أحمد ينظر)

-------------------------------------------------------------------------إلى يحيى، وهو ينظر إلى أحمد، فقال: واللّه ما سمعت به إلا هذه الساعة.قال: فسكتا جميعاً حتّى فرغ فقال يحيى بيده : أن تعال، فجاء متوهّماً لنوال يحيى، فقال له يحيى من حدثك بهذا ؟ فقال: أحمد، قال: ما سمعنا بهذا في حديث رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، فان كان ولابد من الكذب فعلى غيرنا.)فقال له: أنت يحيى بن معين؟ قال: نعم، قال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق، وما علمته إلا هذه الساعة قال له يحيى: وكيف علمت أني أحمق؟ قال: كأنه ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما، كتبت عن سبعة عشر أحمد غير هذا، قال: فوضع أحمد بن حنبل كمّه على وجهه، وقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزء بهما.ومن أعظم هؤلاء الواضعين ضرراً من انتسب منهم إلى الزهد والصلاح بغير علم، فزعم أنه وضعه حسبة لله تعالى ليجذب بها قلوب الناس إلى اللّه تعالى بالترهيب والترغيب، فقبل الناس موضوعاتهم ثقة بهم وركوناً إليهم لظاهر حالهم بالصلاح والزهد.ويظهر لك ذلك من أحوال الأخبار التي وضعها هؤلاء في الوعظ والزهد، وضمنوها أخباراً عنهم، ونسبوا إليهم أحوالاً وأفعالاً خارقة للعادة، وكرامات لم يتفق مثلها لأولي العزم من الرسل، بحيث يقطع العقل بكونها موضوعة.ومن ذلك ما قيل في حديث أبي الطويل في فضائل سور القرآن سورة سورة، فروى عن المؤمل بن إسماعيل، قال: حدّثني شيخ به فقلت للشيخ: من حدثك؟ فقال: حدّثني رجل بالمدائن وهو حيّ، فصرت إليه، فقلت: من حدثك؟ فقال: حدّثني شيخ بواسط وهو حيّ، فصرت إليه، فقال : حدّثني شيخ بالبصرة، فصرت

أن غياث بن إبراهيم دخل على المهدي العباسي، وكان يحبّ المسابقة بالحمام، فروى عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل أو جناح» فأمر له المهدى بعشرة آلاف درهم. فلما خرج قال المهدي: أشهد أنّ فقاه قفا كذاب على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «أو جناح» ولكن هذا أراد أن يتقرب إلينا، وأمر بذبح الحمام، وقال: أنا حملته على ذلك.)وقد وضع الزنادقة - خذلهم اللّه - كثيراً من الأحاديث، وكذلك الغلاة والخوارج.ويحكى أنّ بعضهم كان يقول بعد ما رجع عن ضلالته: أنظروا إلى هذه الأحاديث عمّن تأخذونها، فإنا كنا إذا رأينا رأياً وضعنا له حديثاً.-------------------------------------------------------------------------إليه، فقال: حدّثني شيخ بعبادان، فصرت إليه، فأخذ بيدي فأدخلني بيتاً، فإذا قوم فيه من المتصوّفة ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ حدّثني، فقلت: يا شيخ من حدثك؟ فقال: لم يحدّثني أحد، ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن.ووضعت الزنادقة كعبد الكريم بن أبي العوجاء والغلاة من فرق الشيعة جملة من الحديث لينصروا بها مذهبهم ويفسدوا بها الاسلام.وقد ذهبت الكرامية وبعض المبتدعة من المتصوّفة إلى جواز وضع الحديث للترغيب والترهيب، واستدلوا عليه بما روي في بعض طرق الحديث «من كذب عليّ متعمّداً ليضل به الناس فليتبوأ مقعده من النار» وهذه الزيادة قد أبطلها نقلة الحديث، وحمل بعضهم حديث من كذب عليّ على من أنه ساحر أو مجنون، حتّى قال بعض المخذولين: إنّما قال «من كذب عليّ» ونحن مكذب له ونقوّي شرعه، نسأل اللّه السلامة من الخذلان.

وقد صنف جماعة من العلماء كالصغاني وغيره - كتباً في بيان الأحاديث الموضوعة، وعدوا من تلك الأحاديث :«السعيد من وعظ بغيره»«الشقي من شقي في بطن أمه».-------------------------------------------------------------------------قوله: «كالصغاني».وهو الحسن بن محمّد، وغيره كأبي الفرج ابن الجوزي، ولكن كتاب الصغاني المسمّى ب-«الدرر الملتقط في تبيين الغلط» كتاب جيّد تام في هذا المعنى، مشتمل على أصناف كثيرة، بخلاف كتاب ابن الجوزي، فإنّه ذكر فيه كثيراً من الأحاديث التي ادعى وضعها لا دليل على كونها موضوعة، بل قال بعض العلماء بإلحاق بعضها بالضعيف، وبعضها بالحسن، وبعضها بالصحيح.قوله: «السعيد من وعظ بغيره».عدهم هذا الحديث من تلك الأحاديث الموضوعة غريب، فإنّه حديث صحيح، رواه الصدوق في الفقيه بإسناده إلى صفوان بن يحيى، عن الكناني، قال: قلت للصادق جعفر بن محمّد (عَلَيهِمَا السَّلَامُ : أخبرني عن هذا القول قول من هو «الشقي من شقي في بطن أمه و السعيد من وعظ بغيره؟» فقال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): هذا قول رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (1).)ومثله ما في مجمع البحرين، حيث قال وفي الحديث «الشقي من شقي في بطن أمه» أي: من قدر اللّه عليه في أصل خلقته أن يكون شقياً فهو الشقي حقيقة، لا من عرض له بعد ذلك، وهو إشارة إلى شقاء الآخرة لا شقاء الدنيا.


1) من لا يحضره الفقيه 4: 402 برقم: 5868.

«الجنّة دار الأسخياء».«طاعة النساء ندامة».«دفن البنات من المكرمات».«أطلبوا الخير عند حسان الوجوه«.«لا هم إلا هم الدين، ولا وجع إلا وجع العين».«الموت كفّارة لكل مسلم».«إنّ التجار هم الفجار».قال الصغاني في كتاب الدر الملتقط ومن الموضوعات ما زعموا أنّ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قال : إن اللّه يتجلّى يوم القيامة للخلائق عامة، ويتجلى لك يا أبا بكر خاصة.)-------------------------------------------------------------------------والأوضح في معناه ما قيل: هو أنّ الشقي حق الشقي من علم اللّه أنه سيشقى في فعله، من اختياره الكفر والمعصية في بطن أمه، فكأنه شقي في بطن أمه من أنه علم اللّه ذلك منه، والمعلوم لا يتغيّر؛ لأنّ العلم يتعلّق بالمعلوم على ما هو عليه، والمعلوم لا يتبع العلم، فإذا كان زيد أسوداً في علم اللّه، فعلم اللّه لا يصيّره أسود.وفي تسميته في بطن أمه شقياً نوع مبالغة، أي: سيصير كذلك لا محالة، كقوله تعالى (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (1)أي: إنّك ستموت. وقيل: أراد بالأمّ جهنّم، كما في قوله تعالى (فامه هاوية) (2)أي: الشقي كلّ الشقي من شقي في نار جهنّم، وهي شقاوة لا شقاوة مثلها (3).)


1) سورة الزمر: 30.

2) سورة القارعة: 9.

3) مجمع البحرين 1: 249.

وانه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قال : «حدثنى جبرئيل أنّ اللّه تعالى لما خلق الأرواح اختار روح أبي بكر من بين الأرواح» وأمثال ذلك كثير.)ثم قال الصغاني: وإنا أنتسب إلى عمر وأقول فيه الحق؛ لقول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «قولوا الحق ولو على أنفسكم والوالدين والأقربين».)فمن الموضوعات ما روي أنّ أوّل من يعطى كتابه بيمينه عمر بن الخطاب وله شعاع كشعاع الشمس قيل : فأين أبو بكر؟ فقال: سرقته الملائكةومنها: «من سب أبابكر وعمر قتل، ومن سبّ عثمان وعلياً جلد الحد» إلى غير ذلك من الأحاديث المختلقةومن الموضوعات: «زر غباً تزد حبّاً».«النظر إلى الخضر يزيد في البصر».«من قاد أعمى أربعين خطوة غفر اللّه له».«العلم علمان: علم الأديان، وعلم الأبدان» إنتهى كلام الصغاني منتخباً.و قد ظهر في الهند بعد الستمائة من الهجرة شخص اسمه بابا رتن ادعى أنه من-------------------------------------------------------------------------قوله: «شخص اسمه بابا رتن.رتن محركة ابن کر پال بن اتن البترندي ورتن يقال بالهندية للياقوت، وکرپال من أسامي صنمهم واتن أي بلا بدن.قيل: إنه ليس بصحابي، وإنما هو كذاب ظهر بالهند بعد الستمائة، فادعى الصحبة وصدّق ومن مصدّقيه علاء الدولة السمناني، حتّى كتب في لفافة بعض أمشاطه: هذا مشاط من أمشاط رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أهدى إلي بابا رتن الصحابي، وصورة خطه مذكورة في أكثر كتب الفرقة المعروفة بينهم بأهل المعرفة عند ذكر أحوال السمناني ومقاماته.)

أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، وأنه عمر إلى ذلك الوقت، وصدقه جماعة، واختلق أحاديث كثيرة زعم أنه سمعها من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).)قال صاحب القاموس: سمعنا تلك الاحاديث من أصحاب أصحابه، وقد صنف الذهبي كتاباً في تبيين كذب ذلك اللعين سماه «كسر وثن بابا رتن» والأحاديث الموضوعة أكثر من أن تحصى.### إخبار علي الا بالمغيباتتذكرةما تضمنه هذا الحديث من تعليمه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لأمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما كان وما يكون، يمكن حمله على الأحكام الشرعية في المسائل الكائنة والمتجددة، ويمكن حمله على بعض المغيبات التي اطلع اللّه تعالى رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عليها، فقد نقل أصحاب السير من الخاص والعام أنّ أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخبر بكثير من ذلك، كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما استأذنه طلحة والزبير في الخروج إلى العمرة: «و اللّه ما يريدان العمرة ولكن يريدان البصرة، وان اللّه تعالى سيرد كيدهما ويظفرني بهما».)و كإخباره عن عدم عبور الخوارج النهر، وقال: «كيف يعبرونه وقد أخبرني رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أن مصرعهم دونه».)وكإخباره عن قتل نفسه قبل قتله (عَلَيهِ السَّلَامُ بثلاث ليال وكان لا يتناول فيهما إلا ما يسد الرمق، ويقول: ألقى اللّه خميصاً.)وكإخباره كميل بن زياد بقتل الحجاج له.وكإخباره وهو متوجّه إلى صفين لمّا مرّ بكربلاء عن قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ فيها.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «أكثر من أن تحصى».حتى روى العقيلي عن حمّاد بن زيد قال وضعت الزنادقة على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أربعة عشر ألف حديث.)

وكإخباره بزوال دولة بني العباس على يد الأتراك. وغير ذلك ممّا هو مشهور وفي كتب السير مسطور.وقد تظافرت الأخبار بأنّ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أملى على أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كتابي الجفر والجامعة، وأنّ فيهما علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة.)ونقل الشيخ الجليل عماد الاسلام محمّد بن يعقوب الكليني في كتاب الكافي عن الامام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ أحاديث كثيرة في أنّ ذينك الكتابين كانا عنده، وأنهما لا يزالان عند الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) يتوارثونه واحداً بعد واحد (1).)وقال المحقّق الشريف في شرح المواقف في مبحث تعلّق العلم الواحد بمعلومين: إنّ الجفر والجامعة كتابان لعلي كرّم اللّه وجهه، قد ذكر فيهما على-------------------------------------------------------------------------قوله: «ماکان».الظاهر أنّ هذا العلم، وهو علم ما كان وما يكون هو العلم بحقائق الأشياء الثابتة على مر الدهور من العرش والكرسي والأفلاك والأرضين والجنة والنار والملائكة والحيوانات والنباتات وغيرها، وليس المراد منه العلم بأحكام الشرعية الكائنة والمتجدّدة؛ لأنّ هذا العلم ممّا اشتمل عليه كتاب الجامعة، ولا العلم بالحوادث الماضية والحادثة؛ لأنّ ذلك ممّا اشتمل على بعضه الجفر وعلى بعضه مصحف فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ علي وعلى بعضه ما يحدث بالليل والنهار، كما ورد في الأخبار.)قوله: «انّ الجفر والجامعة».الجفر لغة البئر الواسعة. وفي الشرع ينقسم إلى الأبيض والأحمر، وهو وعاء سلاح رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ الذي ورد فيه روايات كثيرة صحيحة أنّ مثله مثل التابوت)


1) أُصول الكافي 1: 238.

-------------------------------------------------------------------------في بني إسرائيل، فمن أوتي السلاح أوتي الامامة، كما أن في بني إسرائيل أي أهل بيت وجد التابوت على بابهم أوتوا النبوة.ثم كون الجفر من إملاء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ما لم ترد فيه رواية واحدة من طرق أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) فضلاً عن الروايات المتظافرة، بل الروايات تظافرت على خلافه.)ففي صحيحة أبي بصير، عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال: قلت: وما الجفر؟ قال: وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين، وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل(1).)وفي صحيحة الحسين بن أبي العلاء قال: سمعت أبا عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ يقول: عندي الجفر الأبيض، قال: قلت: فأيّ شيء فيه؟ قال: زبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وصحف إبراهيم إلى أن قال: وعندي الجفر الأحمر، قال: قلت: وأي شيء في الجفر الأحمر؟ قال: السلاح الحديث (2).)وفي صحيحة أبي عبيده، قال: سأل أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ بعض أصحابنا عن الجفر، فقال: هو جلد ثور مملوء علماً، قال له : فالجامعة؟ قال: تلك صحيفة طولها سبعون ذراعاً في عرض الأديم مثل فخذ الفالج، فيها كلّ ما يحتاج الناس إليه، وليس من قضية إلا وهى فيها حتّى أرش الخدش الحديث (3).)نعم قد ورد في روايات كثيرة أنّ الجامعة من إملاء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وخط علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).)


1) اصول الكافي 1: 239 ح 1.

2) أصول الكافي 1: 240 ح 3.

3) أصول الكافي 1: 241 ح 5.

طريقة علم الحروف الحوادث التي تحدث إلى انقراض العالم، وكان الأئمّة المعروفون من أولاده يعرفونهما ويحكمون بهما.وفي كتاب قبول تولّي العهد الذي كتبه علي بن موسى الرضا (عَلَيهِمَا السَّلَامُ إلى المامون: إنّك قد عرفت من حقوقنا ما لم يعرف آباؤك، فقبلت منك عهدك إلا أنّ الجفر الجامعة يدلان على أنه لا يتمّ.)ولمشايخ المغاربة نصيب من علم الحروف ينسبون فيه إلى أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ، ورايت بالشام نظماً أشير فيه بالرموز إلى أحوال ملوك مصر، وسمعت أنه مستخرج من ذينك الكتابين. إلى هنا كلام الشريف.)-------------------------------------------------------------------------منها: رواية أبو بصير عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال : قلت: وما الجامعة؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وإملائه من فلق فيه وخط علي بيمينه، فيها كل حلال وحرام، وكلّ شيء يحتاج الناس إليه حتّى الأرش في الخدش الحديث (1).)قوله: «إلى هنا كلام الشريف».أنت خبير بما في الكلام الشريف من وجوه النظر.أمّا أوّلاً، فلأنه ذكر أنّ الجفر كتاب، وقد سبق في الحاشية أنه وعاء علوم النبيين والوصيين.وأما ثانياً، فلأنه زعم أنّ الجامعة كتاب ذكر فيه على طريقة علم الحروف الحوادث المتجدّدة، وليس كذلك، بل هي مشتملة على علم الحلال والحرام فقط، كما دلّت عليه رواية أبي بصير السابقة ؛ لأنّ الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ في صدد بيان ما اشتمل)


1) أصول الكافي 1: 239 ح 1.

-------------------------------------------------------------------------عليه ذلك الكتاب حتّى أرش الخدش، فلا يليق أن يترك العلوم الغيبية رأساً، إلا أن يقال: إنّها مشتملة على نبذة منها أيضاً إن صح ما روي عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ في كتاب قبول العهد.)وأما ثالثاً، فلأنها ليست على طريقة علم الحروف؛ لأنّ خواص أصحاب الباقرين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ رووا هذا الكتاب ووصفوه بخلاف ما وصفه به.)ففي حسنة زرارة، قال: سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ عن الجد، فقال: ما أجد أحداً قال فيه إلا برأيه إلا أمير المؤمني (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قلت: أصلحك اللّه فما قال فيه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : إذا كان غداً فألقني حتّى أقرأكه في كتاب.)إلى أن قال: فلما دخلت عليه أقبل على ابنه جعفر، فقال له: إقرأ زرارة صحيفة الفرائض، ثمّ قام لينام فبقيت أنا و جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ في البيت، فأخرج إلي صحيفة مثل فخذ البعير، فقال : لست أقرأكها حتّى تجعل لي عليك اللّه أن لا تحدّث بما تقرأ فيها أحداً أبداً حتّى آذن لك.)إلى أن قال: فلمّا ألقى إلى طرف الصحيفة إذا كتاب غليظ يعرف أنه من كتب الأولين، فنظرت فيها فإذا فيها خلاف ما بأيدي الناس.إلى أن قال: فلما أصبحت لقيت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ، فقال لي: أقرأت صحيفة الفرائض ؟ فقلت: نعم، قال: كيف رأيت ما قرأت؟ قال: قلت: باطل ليس بشيء هو خلاف ما الناس عليه، قال: فإنّ الذي رأيت واللّه يا زرارة هو الحق الذي رأيت إملاء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وخط علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيده فأتاني الشيطان فوسوس في صدري، فقال: وما يدريه أنه إملاء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وخط علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيده، فقال لي قبل أن أنطق يا زرارة لا تشكّن ودّ الشيطان واللّه إنك شككت، وكيف لا أدري أنه إملاء)

-------------------------------------------------------------------------رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وخط علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيده، وقد حدّثني أبي عن جدي عن أمير المؤمنين حدثه بذلك، قال: قلت: لا كيف جعلني اللّه فداك، وندمت على ما فاتني من الكتاب، ولو كنت قرأته وأنا أعرفه لرجوت أن لا يفوتني منه حرف(1).)وعن محمّد بن مسلم، قال: أقرأني أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ صحيفة كتاب الفرائض التي إملاء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وخط علي بيده، فوجدت فيها رجل ترك ابنته وأمه للإبنة النصف ثلاثة أسهم وللأمّ السدس سهم، يقسم المال على أربعة أسهم الحديث (2).)وأما رابعاً، فلأن تندم زرارة على ما فاته من الكتاب يشهد بأنّ ما زعمه السيّد من تداول الجفر والجامعة بين جماعة من الناس حتّى يتمكنوا من استخراج الأحكام منهما باطل، وكيف لا ؟ وزرارة من أخص أصحابهم وما رآه إلا مرة واحدة بعد أن أخذ عليه العهود والمواثيق بأن لا يحدّث به أحد، إلا أن يؤذن له بذلك، ولو تيسر له رؤيته بعد ذلك لما حصلت له تلك الندامة.وعذر السيّد الشريف في هذا وأمثاله مسموع؛ لأنه ليس من متتبعي آثار أهل البيت (عَلَيهِمَا السَّلَامُ بل ولا من شيعتهم، كما يدلّ عليه قوله لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) «كرّم اللّه وجهه» لأنه من شعار علماء السنّة.)ولكن العجب من الشيخ (قدّس سرّه أنه تلقى منه ذلك بالقبول، بل وزاد عليه حيث ادّعى تظافر الأخبار بأن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد أملى كتاب الجفر على زوج البتول صلوات اللّه عليهم، وقد عرفت أنه ليس من إملائه عليه، ولا عليه رواية واحدة فضلاً عن كونها متظافرة.)


1) فروع الكافي 7: 94 - 95 ح 3.

2) فروع الكافي 7: 93 ح 1.

## الحديث الثاني والعشرون : وصايا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ حين شهادته)### إشارة:وبالسند المتّصل إلى شيخ الطائفة محمّد بن الحسن الطوسي، قال: حدّثنا محمّد بن محمّد بن النعمان في شهر رمضان سنة تسع وأربعمائة، حدّثنا عمر بن محمّد بن علي الصيرفي المعروف بابن الزيات، حدّثنا أبو علي محمّد بن همام الاسكافي، حدّثنا جعفر بن محمّد بن مالك، حدّثنا أحمد مالك، حدّثنا أحمد بن سلامة الغنوي - بفتح الغين والنون - حدّثنا محمّد بن الحسين العامري، حدّثنا أبو معمر، عن أبي بكر بن عياش، عن الفجيع العقيلي، حدّثنا الحسن بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِمَا السَّلَامُ، قال :)لما حضرت أبي الوفاة أقبل يوصي فقال: هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب أخو محمّد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ و ابن عمه وصاحبه: أوّل وصيّتي أني أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّ محمّداً رسوله، إختاره بعلمه، وارتضاه بخبرته، وأنّ اللّه باعث من في القبور، وسائل الناس عن أعمالهم، عالم بما في الصدور.)ثمّ إنّي أوصيك يا حسن - وكفى بك وصيّاً - بما أوصاني به رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، فإذا كان ذلك يا بني فألزم بيتك، وابك على خطيئتك، ولا تكن الدنيا أكبر)-------------------------------------------------------------------------الحديث الثاني والعشرونقوله : «فألزم بيتك».إما إشارة إلى المنع من الخروج على معاوية والمحاربة معه، لعلمه (عَلَيهِ السَّلَامُ بأنه)

همك، وأوصيك يا بني بالصلاة عند وقتها، والزكاة في أهلها عند محلّها، والصمت عند الشبهة، والعدل في الرضا والغضب، وحسن الجوار، وإكرام الضيف، ورحمة المجهود وأصحاب البلاء، وصلة الرحم، وحبّ المساكين ومجالستهم، والتواضع-------------------------------------------------------------------------يغلبه ولا يمكنه مقاومته، أو إشارة إلى النهي عن قبول البيعة وإظهار منصب الامامة؛ لئلا يصير ذلك سبباً لقتله وخروج معاوية عليه، والثاني بعيد؛ لأنه بعد وفاة أبيه صلوات اللّه عليه خطب خطبة بليغة، فلما فرغ جلس، فقام عبدالله بن عبّاس بين يديه، فقال: معاشر الناس هذا ابن نبيّكم ووصي إمامكم فبايعوه، فاستجاب له الناس، فرتب الأعمال وأمر الأمراء، وأنفذ عبد اللّه بن عبّاس إلى البصرة ونظر في الأمور.وقوله «وابك على خطيئتك الظاهر أنّ كلمة «على» للسببية والتعليل، كما في قوله (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ (1).)قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : «وحب المساكين».)لما كانت النفوس البشرية مجبولة على بغض المسكنة وكراهيتها، نافرة عن صحبة المساكين ومعاشرتهم، أمره (عَلَيهِ السَّلَامُ بحبهم ومجالستهم، بأن يجعلها رياضة النفس وتحليتها بالتواضع والتذلّل والتأسي بهم في القناعة باليسير من حطام الدنيا، والرضا بالقليل من متاعها، وصيانة النفس عن الإنهماك في شهواتها ولذاتها، وترك طلب المنزلة والجاه والكرامة فيها، وكان سليمان بن داود (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) مع ما أوتى من الملك يجالس الفقراء والمساكين، وكان يقول: مسكين جالس مسكيناً. وربما روي ذلك عن سيّدنا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).)


1) سورة البقرة: 185.

فإنّه من أفضل العبادة، وقصر الأمل، وذكر الموت، والزهد فأنك رهين موت، وغرض بلاء، وطريح سقم.وأوصيك بخشية اللّه في سرّ أمرك وعلانيتك، وأنهاك عن التسرع في القول والفعل، وإذا عرض شيء من أمر الآخرة فابدأ به، وإذا عرض شيء من أمر الدنيا فتانه حتّى تصيب رشدك فيه. وإيّاك ومواطن التهمة، والمجلس المظنون به السوء، فإنّ قرين السوء يغرّ جليسه. وكن لله - يابني - عاملاً، وعن الخنا زجوراً، وبالمعروف آمراً، وعن المنكر ناهياً. وراخ الأخوان في اللّه، وأحبّ الصالح، ودار الفاسق عن دينك، وأبغضه بقلبك، وزايله بأعمالك لئلا تكون مثله، وإياك والجلوس في الطرقات ودع المماراة ومجاراة من لا عقل له ولا علم.واقتصد - يا بني - في معيشتك واقتصد في عبادتك، وعليك فيها بالأمر الدائم الذي تطيقه، وألزم الصمت تسلم، وقدّم لنفسك تغنم، وتعلّم الخير تعلم، وكن لله ذاكراً على كل حال، وارحم من أهلك الصغير، ووفّر منهم الكبير، ولا تأكلنّ طعاماً-------------------------------------------------------------------------وكان من دعاء النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: اللّهمّ أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني مع المساكين (1).)قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : «يغرّ جليسه».)بل ينبغي أن لا يجالس إلا من يفيده في الدين فائدة، أو يستفيد منه، فأما أهل الغفلة فيحدّروا منهم، قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ:الوحدة خير من جليس السوء، والجليس الصالح خير من الوحدة (2).)


1) بحار الأنوار 72: 30 و 46.

2) کنز العمال 43:9 برقم: 24846.

حتى تصدّق قبل أكله، وعليك بالصوم فإنّه زكاة البدن، وجنّة لأهله، وجاهد نفسك، واحذر جليسك، واجتنب عدوّك، وعليك بمجالس الذكر، وأكثر من الدعاء، فإنّي لم آلك يا بني نصحاً، وهذا فراق بيني وبينك(1)

ص: 220 - 222.

.

-------------------------------------------------------------------------قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «زكاة البدن».)وذلك أنه يورث الجوع، وهو يدفع الأمراض الجسمانية، بل النفسانية أيضاً، ويوجب خفّة البدن وصحته، وقد ورد في الخبر «إنّ الجوع إدام للمؤمنين، وغذاء للروح، وطعام للقلب، وصحة البدن» (2.)قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : «واحذر جليسك».)جليسك من يجالسك، فعيل بمعنى فاعل، ومنه قوله تعالى في الحديث القدسي «أنا جليس من ذكرني» والمجالسة المخالطة والمصاحبة.والحذر هو الإحتراز عن مخوف، يقال: رجل حاذر وحذر، أي: محترز متيقظ. ولعلّ الوجه في الأمر بالإحتراز عنه والتيقظ منه ما في خبر آخر «الناس جواسيس العيوب فاحذروهم» فلا ينبغي الغفلة عنهم، وكشف السر عندهم.ونعم ما قيل: «عدوّك مستعان من صديقك، فلا تستكثرن من الصحاب، فإن الداء أكثر ما تراه من الطعام والشراب» ثمّ نعم ما قال الشاعر في هذا المعنى بالفارسية :راز خود با یار خود هر چند بتوانی مگو ***یار را یاری بود از یار یار اندیشه کن


1) الأمالي للشيخ الطوسي ص 7 - 8 ح 8، وأمالي الشيخ المفيد

2) مصباح الشريعة ص 237، مستدرك الوسائل 16: 211 ح 12.

بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث(وارتضاه بخبرته الخبر والخبرة بالخاء المعجمة المضمومة الموحدة الساكنة يرادف العلم، فهذه الجملة كالمؤكدة لما قبلها.)(فإذا كان ذلك الإشارة إلى حلول أجله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و«كان» تامة.)(عند محلّها بكسر الحاء أي عند أجلها، وهو حلول الحول في النقدين والأنعام. وحول الزكاة عندنا أحد عشر شهراً.)(و حسن الجوار عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «ما زال جبرئيل)-------------------------------------------------------------------------قوله: «أحد عشر شهراً».فإذا أهل الثاني عشر وجب دفعها في أهلها، ولا يجوز التأخير إلا لمانع أو لانتظار من له قبضها.قوله: «وحسن الجوار».الجار هو الذي يجاورك في المسكن، و يميل ظل بيته إلى بيتك، من الجور الميل، تقول: جاورته مجاورة وجواراً، والكسر أفصح من الضمّ إذا لاصقته في المسكن، وظاهر كلام الشيخ (قدّس سرّه مبني على هذا، ولكن ورد في الخبر: إنّ كل أربعين دار جيران من بين اليدين والخلف واليمين والشمال(1). وفي الحديث «عليكم بحسن الجوار» (2)وحسن الجوار وحسن الجوار يعمر الدار.)وقيل: من تطاول على جاره حرم بركة داره، ومن أذى جاره ورثه اللّه داره.


1) بحار الأنوار 74: 151 ح 6.

2) بحار الأنوار 74 150 ح 1.

يوصيني بالجار حتّى ظننت أنه سيورثه»(1والأحاديث في ذلك كثيرة.)وليس حسن الجور كفّ الأذى عنه فقط، بل تحمّل الأذى منه أيضاً.ومن جملة حسن الجوار إبتداؤه بالسلام وعيادته في المرض، وتعزيته في المصيبة، وتهنئته في الفرح والصفح عن زلاته، وعدم التطلع إلى عوراته، وترك مضايقته فيما يحتاج إليه من وضع جذوعه على جدارك، وتسليط ميزابه إلى دارك، وما شابه ذلك.(وإكرام الضيف عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» (2)إلى غير ذلك من الأحاديث.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «كف الأذى».كالنظر إلى بيته، وإجراء الميزاب إليه، ووضع السارية على حائطه، ومنع الريح و الهواء عنه برفع البناء عليه، ونحو ذلك من أنواع الايذاء.قوله: «ومن جملة حسن الجوار».ومنه أن يرسل إليه ثمرة يشتريها أو يخفيها، ولا يبلغه ريح ريح القدر إلا أن يرسل إليه.قوله: «من وضع جذوعه».وكذا فيما يحتاج إليه من الملح والماء والنار والسلّم والقدر، ونحو ذلك من الماعون.قوله: «وإكرام الضيف».تنزيل الإنسان ضيفه وهو قد يكون واحداً وجمعاً؛ لأنه في الأصل مصدر من


1) الجامع الصغير 2: 147.

2) جامع الأخبار ص 158.

-------------------------------------------------------------------------ضافه ضيفاً إذا نزل عنده، وسمّي الضيف ضيفاً لميله إلى الذي ينزل عليه من أضافه إلى الشيء أماله وضمّه إليه، والضيافة صفة محمودة مرغوبة، حتّى ورد «لا خير في من لا يضيف» (1ولا تكون أكثر من ثلاثة أيام، فما زاد فصدقة، وهو حينئذ من أهل البيت يأكل ما أدرك.)ومن فوائدها: أن الضيف يجيء برزقه، ويذهب بذنوب أهله، ولا ينبغي أن يتكلف له بالاستقرارض، أو تقديم ما يحتاج إليه العيال، ولا يحتقر ما حضره، ولا الضيف ما قدّم إليه، إذا أتاك أخوك فأته ممّا عندك، وإذا دعوته فتكلف له، والأفضل أن يقدّم إليه ما يشتهي فورد من صادف من أخيه شهوة فقضاها غفر له(2.)ومن إكرامه: أن يعدّ خلاله وفراشه، وأن يصبّ الماء على يده، ويريه القبلة والمتوضىء إذا بات عنده ويأخذ الركاب للركوب بعد أن شيعه إلى الباب.وبالجملة إكرامه محثوث عليه، حتّى ورد أكرموا الضيف ولو كان كافراً وقد أكرمه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ إكراما وألطفه ألطافا كثيراً، على ما نظمه الرومي في أوائل المجلد الخامس من المثنوي قال :)کافران مهمان پیغمبر شدند*** وقت شام ایشان به مسجد آمدندإلى أن قال :این سخن پایان ندارد آن عرب*** ماند از الطاف آن شه در عجبخواست دیوانه شدن عقلش رمید*** دست عقل مصطفی بازش کشید (3)


1) كنز العمّال 9: 245 برقم: 25854.

2) کنز العمّال 9: 245.

3) المثنوي ص 443 - 445.

ومن جملة إكرامه تعجيل الطعام، وطلاقة الوجه والبشاشة، وحسن الحديث عنده حال المؤاكلة ومشايعته إلى باب الدار، وأمثال ذلك.وقد عدّ من جملة إكرام الضيف تقديم الفاكهة إليه قبل الطعام؛ لأنه أوفق بالطب وأبعد عن الضرر، كما قدمها سبحانه في قوله عزّوجلّ: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (1).)(ورحمة المجهود أي: الذي وقع في تعب ومشقة.)(وحب المساكين ومجالستهم روي أن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ اجتاز بالمدينة في طريق و هو راكب، فرأى جماعة من المساكين وقد أخرجوا كسراً يابسة وهم يأكلونها، فسلّم عليهم، فقالوا : هلم يابن رسول اللّه إلى الغذاء، فنزل (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجلس معهم على الأرض، وشاركهم في الأكل حتّى فرغوا، ثمّ قام.)وروي أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ مرّ يوماً بجماعة من المجذومين وهم يأكلون، وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) صائماً، فقالوا: هلم إلى الغذاء، فقال: إني صائم وخشي أن يكون قد حصل لهم بذلك كسر قلب، فقال: تأتوني الليلة جميعاً لأفطر معكم، فأتوه عند المساء وأكل معهم على خوان واحد جبراً لقلوبهم.)وربّما روي ذلك عن الامام زين العابدين علي بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «على بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ».)كان علي بن الحسين صلوات اللّه عليهما كثير المجالسة للفقراء والمساكين، حتى قال له نافع بن جبير: إنك تجالس أقواماً دوناً، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: إني جالس من أنتفع بمجالسته في ديني (2).)


1) سورة الواقعة 20 – 21.

2) بحار الأنوار 46: 93 ح 82.

(وقصر الأمل في الحديث : إذا أصبحت فلا تحدّث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدّث نفسك بالصباح، وخذ من حياتك لموتك، ومن صحتك لسقمك، فإنّك لا تدري ما اسمك غداً(1).)وعن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ : إنما أخاف عليكم إثنين : اتباع الهوى، وطول الأمل. أما اتباع الهوى، فإنه يصدّ عن الحق. وأما طول الأمل، فإنّه ينسي الآخرة (2).)-------------------------------------------------------------------------قوله: «وقصر الأمل».الأمل محرّكة: الرجاء، وحقيقته إبتهاج النفس لانتظار ما هو محبوب عندها، فهو حالة تصدر عن علم وتقتضي علماً.وقيل: أكثر ما يستعمل الأمل فيما يستبعد حصوله، فإنّ من عزم على سفر إلى بلد بعيد، يقول: آملت الوصول إليه، ولا يقول طمعت إلا إذا قرب منه، فإنّ الطمع لا يكون إلا فيما قرب حصوله.وقد يكون الأمل بمعنى الطمع، والرجاء بين الأمل والطمع، فإنّ الراجي قد يخاف أن لا يحصل ما هو له، ولهذا يستعمل بمعنى الخوف، فإن قوي الخوف استعمل استعمال الأمل، وعليه قول أرجو وآمل أن تدنو مودتها.ومنشأ الأمل الحرص على الأسباب الدنيوية، وجمع القينات الفانية، وثمرته الإعراض عن الأمور الأخروية الموجبة لأشقى الشقاء، نعوذ بالله منهاقوله: «فإنّه ينسي».بيان ذلك: إن طول توقع الأمور المحبوبة الدنيوية يوجب دوام ملاحظتها، ويستلزم دوام إعراض النفس عن ملاحظة أحوال الآخرة، وهو مستعقب لانمحاء


1) صحيح البخاري 8: 119.

2) أصول الكافي 2: 335 ح 3.

-------------------------------------------------------------------------ما تصوّر في الذهن منها، وذلك معنى النسيان لها، وبذلك يكون الهلاك الأبدي والشقاء السرمدي.وقد ورد من الآثار والأخبار في التحذير من طول الأمل والتنفير عنه ما تضيق عنه دائرة الإحصاء، وتقصر عن قطع مسافته قدم الاستقصاء، وكفى في ذلك قوله تعالى (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (1)فنبه على أنّ ايثار التلذذ والتنعم وما يؤدي إليه طول الأمل من أخلاق الكافرين، لا من صفات المؤمنين.)و عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: يا أباذر إيّاك والتسويف بأملك، فإنّك بيومك، ولست بما بعده، فإن يكن غد لك فكن في الغد كما كنت في اليوم، وإن لم يكن غد لك لم تندم على ما فرّطت في اليوم.)يا أباذركم من مستقبل يوماً لا يستكمله، ومنتظر غداً لا يبلغه.يا أباذر لو نظرت إلى الأجل ومصيره لأبغضت الأمل وغروره يا أباذر كن كأنك في الدنيا غريب، أو كعابري سبيل، وعد نفسك في أصحاب القبور.يا أباذر إذا أصبحت لا تحدّث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح (2.)وعن أنس أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ خطّ خطاً، وقال: هذا الانسان، وخط إلى جنبه خطاً وقال: هذا أجله، وخطّ آخر بعيداً منه، فقال: هذا الأمل، فبينما هو كذلك إذ جاءه الأقرب.)


1) سورة الحجر: 2 - 3.

2) بحار الأنوار 77: 75.

وروي أنّ أسامة بن زيد بن ثابت اشترى وليده بمائة دينار إلى شهر، فبلغ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، فقال : ألا تعجبون من أسامة المشتري إلى شهر، إن أسامة لطويل الأمل... الحديث (1).)وسبب طول الأمل هو حب الدنيا، فإنّ الإنسان إذا أنس بها وبلداتها ثقل عليه مفارقتها، وأحبّ دوامها، فلا يتفكّر فى الموت الذي هو سبب مفارقتها، فإن من أحبّ شيئاً كره الفكر فيما يزيله ويبطله، فلا يزال يمني نفسه البقاء في الدنيا، ويقدر حصول ما يحتاج إليه من أهل ومال وأدوات وأسباب ويصير فكره مستغرقاً في ذلك، فلا يخطر الموت بخاطره، وإن خطر بباله الموت والتوبة والإقبال على الأعمال الأخروية، أخّر ذلك من يوم إلى يوم، ومن شهر إلى شهر، و من سنة إلى سنة، وقال: إلى أن اكتهل ويزول سنّ الشباب، فإذا اكتهل قال: إلى أن أصير شيخاً، فإذا شاخ قال: إلى أن أتمّم عمارة هذه الدار، أو أزوّج ولدي الفلاني، أو إلى أن أرجع من هذا السفر. وهكذا يؤخّر التوبة شهراً بعد شهر، وسنة بعد سنة، وكلّما فرغ من شغل عرض له شغل بل أشغال حتّى يختطفه الموت وهو غافل عنه، غير مستعد له، مستغرق القلب في أمور الدنيا، فتطول في الآخرة-------------------------------------------------------------------------وفي حديث قدسي: يا موسى لا تطوّل في الدنيا أملك فيقسو لذلك قلبك، وقاسي القلب منّي بعيد (2.)وفي خطبة لعلي عال : اعلموا أن الأمل العقل، وينسي الذكر، فاكذبوا الأمل فإنّه غرور، وصاحبه مغرور (3فنهى عن الأمل وبين شروره وضروره.)


1) المحجة البيضاء 8: 245.

2) أصول الكافي 2: 329 ح 1.

3) نهج البلاغة ص 118 رقم الخطبة 86.

حسرته، وتكثر ندامته، وذلك هو الخسران المبين، نعوذ بالله منه.(فإنّك رهين موت فعيل بمعنى مفعول، أي: إنّك مرهون الموت وماله، وقد رهنك في هذه الدنيا مدة قليلة، ثمّ عن قريب يفك رهنه، ويتصرف في ماله.)(وغرض بلاء بالغين والضاد المعجمتين، أي هدف بلاء.)(وطريق سقم أي : مطروح له ذليل عنده وهو متمكن منك غاية التمكن، إذ الإنسان لتركبه من المواد المتضادّة المشرفة على الانحلال في غاية الاستعداد للأمراض والأسقام بفتحتين وبضم السين وإسكان القاف، كالحزن والحُزن.)(وأوصيك بخشية اللّه قال المحقّق الطوسي (طاب ثراه) في بعض مؤلّفاته ما حاصله: إن الخوف والخشية وإن كانا في اللغة بمعنى واحد إلا أن بين خوف اللّه)-------------------------------------------------------------------------قوله: «والخشية».الخشية خوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذلك خص العلماء بها في قوله تعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (1)أي: لا يخشى اللّه بالغيب إلا العالمون به وبما يليق به من صفاته الجليلة وأفعاله الجميلة.)وعن ابن عبّاس أنه قال: يريد إنّما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني(2.)وإذا كان مدار الخشية معرفة المخشي كانت الخشية له تعالى على حسب العلم بنعوت كماله وصفات جلاله، فمن كان أعلم به تعالى كان أخشى له عزّوجلّ.


1) سورة فاطر: 28.

2) مجمع البيان 4: 407.

وخشيته في عرف أرباب القلوب فرقاً، هو أنّ الخوف تألم النفس من العقاب المتوقع بسبب ارتكاب المنهيات والتقصير في الطاعات، وهو يحصل لأكثر الخلق، وإن كانت مراتبه متفاوتة جداً، والمرتبة العليا لا تحصل إلا للقليل.### المراد من الخشيةوالخشية حالة تحصل عند الشعور بعظمة الحق وهيبته وخوف الحجب عنه.وهذه الحالة لا تحصل إلا لمن اطلع على جلال الكبرياء، وذاق لذة القرب، ولذلك قال سبحانه: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (1)فالخشية خوف خاص، وقد يطلقون عليها الخوف أيضاً. إنتهى كلامه.)والمراد بالخشية في العلانية أن تظهر آثارها فيه في الأفعال والصفات من كثرة البكاء، ودوام التحرّق، وملازمة الطاعات، وقمع الشهوات حتّى يصير-------------------------------------------------------------------------ولذا قال علي بن الحسين - صلوات اللّه عليهما - في الصحيفة الكاملة: سبحانك أخشى خلقك لك أعلمهم بك. وفي الحديث: أعلمكم بالله أشدّهم خشية له. وفي رواية: أعلمكم بالله أخوفكم لله (2.)و عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : أنا أخشاكم لله وأتقاكم له (3). إذ كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعلم الخلق به.)وقال الطبرسي (رَحمهُ اللّه : ومتى قيل قد نرى من العلماء من لا يخاف اللّه ويرتكب المعاصي، فالجواب: أنه لابد من أن يخافه مع العلم به، وإن كان ربما يؤثر المعصية عند غلبة الشهوة لعاجل اللذة. وعن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يعني بالعلماء من صدق قوله فعله، ومن لم يصدّق فعله قوله فليس بعالم (4).)


1) سورة فاطر: 28.

2) أصول الكافي 1: 36.

3) بحار الأنوار 67: 344.

4) مجمع البيان 4: 407.

جميعها مكروهاً لديه، كما يصير العسل مكروها عند من عرف أن فيه سمّاً قاتلاً مثلاً. وإذا احترقت جميع الشهوات بنار الخوف ظهر في القلب الذبول والخشوع والإنكسار، و زال عنه الحقد والكبر والحسد، وصار كل همه النظر في خطر العاقبة، فلا يتفرّغ لغيره، ولا يصير له شغل إلا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والاحتراز من تضييع الأنفاس والأوقات، ومؤاخذه النفس في الخطوات والخطرات. وأما الخوف الذي لا يترتب عليه شيء من هذه الآثار، فلا يستحق أن يطلق عليه إسم الخوف، وإنّما هو حديث نفس. ولهذا قال بعض العارفين: إذا قيل لك هل تخاف اللّه ؟ فأسكت عن الجواب، فإنّك إن قلت «لا» كفرت، وإن قلت «نعم» كذبت.(وأنهاك عن التسرّع في القول والفعل أي: الإسراع والمبادرة إليهما من دون تأمل وتدبّر.)(وإذا عرض شيء من أمر الدنيا فتأنّه الهاء للسكت، ويحتمل أن يكون من باب الحذف والإيصال أي فتأنّ فيه.)(ومواطن التهمة هي بالتحريك.)(يغرّ جليسه أي: يخدعه ويوقعه فيما هو فيه.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «من دون تأمل و تدبّر».ونعم ما قال الشاعر في هذا المعنى بالفارسية :مزن بی تأمل به گفتار دم*** نکو گو اگر دیر گوئی چه غمقوله: «هي بالتحريك».أي: هي بضم التاء وفتح الهاء. وفي نهاية ابن الأثير: التهمة فعلة من الوهم

(وكن اللّه يا بني عاملاً تقديم الظرف للحصر، أي: ليكن عملك خالصاً لوجه اللّه، غير ملاحظ فيه غيره، حتّى الفوز بالثواب والخلاص من العقاب، كما قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «واللّه ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك» (1)وهذه مرتبة عالية لا يصل إليها إلا القليل.)وإنّما حملنا الكلام عليها؛ لأنّ بقية المراتب أظهر من أن يوصي بها، وستمسع في الإخلاص كلاماً في الحديث السابع والثلاثين إن شاء اللّه تعالى.(وعن الخنا زجوراً أي: زاجراً عن الفحش نفسك وغيرك.)(وراخ الأخوان في اللّه راخ بالخاء المعجمة من المراخاة، وهي ضدّ التشدّد.)-------------------------------------------------------------------------والتاء بدل من الواو، وقد تفتح الهاء، وأتهمته أي ظننت فيه ما نسب إليه (2.)قوله: وعن الخنا».الخنا: مقصوراً الفحش من القول.قوله: «وراخ الاخوان».أي: لين جانبك معهم في المحاورات والمعاملات، وراع حقوق الأخوة في المجالسات والمصاحبات من الرخوة بمعنى اللينة المقابلة للشدّة، وهذا وما بعده إشارة إلى آداب المعاشرة مع طبقات الناس، وهذا نوع من الحكمة العملية المتعلّقة بالسياسة المدنية.وقد أشار إلى ما يتعلّق بالسياسة المنزلية بقوله «وارحم من أهلك الصغيرة» وأما ما يتعلّق بالشخص بانفراده ليكون متخلّياً عن الرزائل ومتحلّياً بالفضائل، ففي كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ ما لا يخفى.)


1) عوالي اللئالي 404:1 و 11:2.

2) نهاية ابن الأثير 1: 201.

(وزايله بأعمالك أي: ليكن أعمالك مباينة لأعماله، والمزايلة: المباينة.)(ودع المماراة أي: المجادلة.)(ومجاراة من لا عقل له أي: الخوض معه في الكلام.)(واقتصد يا بني في معيشتك واقتصد في عبادتك الاقتصاد هو التوسط بين التبذير والتقتير. والمراد من الاقتصاد في العبادة الاتيان منها بما لا يلحق البدن منه مشقة شديدة لئلا يتنفّر الطبع عنها.)روى الشيخ الجليل محمّد بن يعقوب عن الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ، قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا علي إنّ هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، لا تبغض إلى نفسك عبادة ربّك، أن المنبت - يعني المفرط في السير - لا ظهراً أبقى، ولا أرضاً قطع، فاعمل عمل من يرجو أن يموت هرماً، واحذر حذر من يتخوّف أن يموت غداً(1).)-------------------------------------------------------------------------قوله: «فأوغل فيه».أي: أدخل فيه برفق ولا تكلّف نفسك ما لا تطيقه فتعجز وتترك الدين والعمل، يقال: أو غل القوم إذا أمعنوا في سيرهم.وقال في مجمع البحرين في الحديث «لا تكرهوا إلى أنفسكم عبادة ربّكم، فإنّ المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى» يقال للرجل إذا انقطع به في سفره وعطبت راحلته: «قد أبتت» أي انقطع من البت القطع، يقال: بنه بتاً من باب ضرب وقتل قطعه، ومنه رجل مبت أي منقطع والمعنى: أنه بقي في طريقه عاجزاً عن مقصده لم يقض وطره وقد أعطب ظهره. وفي الحديث «المبت المفرط» (2انتهى.)


1) أصول الكافي 2: 87 ح 6.

2) مجمع البحرین 2: 190.

(والزم الصمت تسلم أي: تسلم من آفات اللسان والمعاصي الناشئة منه. وهي متكثّرة جداً، فإنّه ما من موجود ومعدوم وخالق ومخلوق ومعلوم وموهوم إلا يتناوله اللسان، ويتعرّض له بنفي أو إثبات. وهذه الخاصية لا توجد في بقية أعضاء الإنسان، فإنّ العين لا تصل إلى غير الألون والأضواء، والأذن لا تصل إلى غير الأصوات، واليد لا تصل إلى غير الأجسام. وأمّا اللسان، فميدانه واسع جداً، وله في كلّ من الخير والشر مجال عريض.)-------------------------------------------------------------------------والظهر كناية عن الدابة والراحلة، ويطلق على الواحد والجمع، ومنه «أتأذن في نحر ظهرنا» يريد إبلنا، فهو من باب تسمية الشيء باسم جزئه؛ لكونه عمدة فيه، كتسمية الجاسوس بالعين مثلاً ونحوه.قوله: «من آفات اللسان».آفة اللسان: أنه يهلك المرء بعثراته، ويذهب رأسه بذلاته وسقطاته، كماومن أشار إليه أبو يوسف المعروف بابن سكيت، وكان من أكابر العربية وعظماء الشيعة، وأصحاب الجواد والهادي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ، بقوله :)يصاب الفتى من عثرة بلسانه ***وليس يصاب المرء من عثرة الرجلفعثرته في القول تذهب رأسة وعثرته في الرجل تبرء عن مهلثمّ من غريب ما وقع منه (رَحمهُ اللّه وقوله هذا أن المتوكل العباسي ألزمه تأديب ولديه المعتز والمؤيّد، فقال له يوماً: أيما أحبّ إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين، فقال : واللّه إن قنبر خادم علي خير منك ومن ابنيك، فقال المتوكل لأتراكه: سلوا من لسانه قفاه، ففعلوا فمات، ونعم ما قال الشاعر في هذا المعنى بالفارسية :)زبان گفت با سر که چونی خوشی بگفتا خوشم گر تو دم در کشی

وعن معاذ بن جبل أنه قال: قلت: يا رسول اللّه أنؤاخذ بما نقول؟ فقال: ثكلتك أمّك، وهل يكبّ الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم(1.)وعنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أنه قال : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت (2). والاحاديث في ذلك كثيره.)(فإنّه جنّة أي: وقاية من النار.)(فإني لم آلك يا بني نصحاً أي: لم أمنعك، والألو في الأصل بمعنى التقصير، لكنّه كثيراً ما يضمن معنى المنع، فيتعدّى إلى مفعولين، كما فيما نحن فيه. ولنا في هذا المقام كلام على بعض الأعلام أوردناه في شرحنا على الحاشية الخطائية، فمن أراده فليقف عليه.)(وهذا فراق بيني وبينك يجوز أن يقرأ بإضافة المصدر إلى الظرف على)-------------------------------------------------------------------------قوله: «وهل يكبّ الناس».أي: وهل يلقى الناس في النار على وجوههم وتطرحهم في جهنّم على رؤوسهم من كببت الإناء إذا قلبته على رأسه.وحصائد ألسنتهم ما قالوه في الناس وقطعوا به عليهم، وأصل الحصد ق-طع الزرع، فاستعمله على وجه الاستعارة، وهي من نتائج بلاغته التي لم يشاركه فيها أحد، وذلك أنه شبّه إطلاق المتكلّم لسانه بما يقتضيه الطبع من اللسان من غير أن يميز بين سقاط القول ونخبه، و تناوله الناس بلسانه بفعل الحاصد الذي لا يميّز في الحصاد بين شوك وزرع، بل يتناول الكلّ بمنجله.


1) مسند أحمد بن حنبل 5: 237.

2) أصول الكافي 2: 667 ح 6.

الاتساع، ويجوز أن يقرأ «فراق» بالتنوين والظرف نعته. وقد قرىء بالوجهين قوله تعالى: (هذا فراق بيني وبينك (1).)نقل مقال لإزالة إشكالما تضمنه صدر هذا الحديث من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «وأبك على خطيئتك» لا يستقيم بظاهره على قواعد الامامية القائلين بالعصمة. وقد ورد مثله كثيراً في الأدعية المروية عن أئمتنا (عَلَيهِم السَّلَامُ)، كما روي عن الامام موسى الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه كان يقول في سجدة الشكر: «ربّ عصيتك بلساني، ولو شئت وعزّتك لأخرستني، وعصيتك ببصري، ولو شئت وعزتك لأكهمتني، وعصيتك بسمعي، ولو شئت وعزتك لأصممتني... إلى آخر الدعاء (2).)وفي الصحيفة الكاملة المنسوبة إلى الامام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ أشياء كثيرة من هذا القبيل، بل روى عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما يشعر بذلك أيضاً.)وروى الشيخ الجليل محمّد بن يعقوب الكليني في باب الاستغفار من كتاب الكافي، عن الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان يتوب إلى اللّه عزّوجلّ كلّ يوم سبعين مرّة (3))وروى العامّة في صحاحهم انه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قال : إنّي لأستغفر اللّه وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرّة (4). وأمثال ذلك من طرق الخاصّة والعامّة كثيرة.)وأحسن ما تضمحل به هذه الشبهة ما أفاده الفاضل الجليل بهاء الدين علي بن


1) سورة الكهف: 78.

2) فروع الكافي 3: 326 ح 19.

3) أصول الكافي 2: 438 ح 4.

4) صحيح البخاري 7: 83.

عيسى الأربلي (قدس اللّه روحه في كتاب كشف الغمة، قال (رحمه الله): إن الأنبياء والأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) تكون أوقاتهم مستغرقة بذكر اللّه تعالى، وقلوبهم مشغولة به وخواطرهم متعلّقة بالملأ الأعلى، وهم أبداً في المراقبة، كما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أعبد اللّه كأنك تراه، فإن لم تره فإنّه يراك» فهم أبداً متوجّهون إليه، منقلبون بكليتهم عليه، فمتی انحطوا عن تلك الرتبة العالية والمنزلة الرفيعة إلى الإشتغال بالمأكل والمشرب، والتفرّغ إلى النكاح وغيره من المباحات عدوه ذنباً، واعتقدوه خطيئة، فاستغفروا منه.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «علي بن عيسى الأربلي».قال في مجمع البحرين: أربل إسم بلد أو قرية، ولعلّ منه صاحب كتاب كشف الغمّة بهاء الدين بن عيسى الأربلي (1انتهى.)قوله: «فمتی انحطوا».وبالجملة ذنوبهم غفلتهم عن اللّه ولو بطرفة عين، والتفاتهم عنه إلى غيره، وتوبتهم رجوعهم عما سواه إليه.قوله: «عدوه ذنباً».إعترافهم بالذنوب والمعاصي، وإقرارهم بالخطايا والسيئات والمساوي مع عصمتهم وطهارتهم محمول : إما على تأديب الرعية وتعليمهم كيفية الإقرار والإعتراف بالتقصير والذنوب والإستغفار عنها والتوبة منها، أو على التواضع والإعتراف بالمعبودية، وأنّ البشر فى مظنّة المعصية، وليسوا كالملائكة الذين لا يعصون ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.


1) مجمع البحرين 5: 378.

-------------------------------------------------------------------------ويؤيده ما روي عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ في حديث له طول: ألم تعلموا أن لله عباداً قد أسكتتهم خشيته من غير عيّ ولا بكم، وأنهم هم الفصحاء البلغاء الألباء، العالمون بالله وأيامه، ولكنّهم إذا ذكروا عظمة اللّه انكسرت ألسنتهم، وانقطعت أفئدتهم، وطاشت عقولهم، وتاهت حلومهم، إعزازاً لله، وإعظاماً وإجلالاً، فإذا أفاقوا من ذلك استبقوا إلى اللّه بالأعمال الزاكية، يعدون أنفسهم مع الظالمين والخاطئين، و أنهم براء من المقصرين والمفرطين، إلا أنهم لا يرضون لله بالقليل، ولا يستكثرون لله الكثير، ولا يدلّون عليه بالأعمال، فهم إذا رأيتهم مهيّمون مروّعون خائفون مشفقون وجلون، فأين أنتم منهم الحديث (1).)ويمكن أن يقال: إنّ التكاليف الشرعية لمّا كانت بحسب مراتب العقل ضعفاً وقوّةً، ونظر جلّ وعز إلى أضعف خلقه عقلاً، فشرع له من التكاليف ما يحتمله عقله؛ لئلا يلزم تكليف ما لا يطاق، ثمّ سوّى بينه وبين أقوى الأقوياء عقلاً وفهماً في هذه التكاليف؛ ليكون قواعد الشرعية كلّية مصونة عن تطرّق الخلل.فالأنبياء ومن يحذو حذوهم لما علموا أنّ جلّ تكاليفهم أو كلّها إنّما خفّف فيها لأجل ضعف الشركاء، لم يرضوا بأداء تلك التكاليف من أنفسهم، بل وضعوا أنفسهم مواضع التكاليف التي كانوا أحقاء بها في ذواتهم، ثمّ حاولوا أداء ما كان ينبغي أن يكلفوا به لو لم يضمّوا مع الضعفاء.ولما كانت التفاوت بين عقولهم وعقول الضعفاء بمراتب لا تحصى، كان تكليفهم الذي يليق به فوق هذا التكليف بتلك المراتب.


1) بحار الأنوار 3: 265 - 266 عن تفسير الامام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ألا ترى أنّ بعض عبيد الدنيا لو قعد يأكل ويشرب وينكح، وهو يعلم أنه بمرأى من سيّده ومسمع، لكان ملوماً عند الناس ومقصراً فيما يجب عليه من خدمة سيّده ومالكه فما ظنك بسيد السادات، ومالك الأملاك، وإلى هذا أشار (عَلَيهِ السَّلَامُ بقوله: «إنّه ليغار على قلبي وإنّي لأستغفر بالنهار سبعين مرّة» وبقوله «حسنات الأبرار سيّئات المقربين» (1)هذا ملخص كلامه خصه اللّه بإكرامه.)وقد اقتفى أثره القاضي الفاضل البيضاوي في شرح المصابيح عند شرح قوله : «إنه ليغان على قلبي وإنّي لأستغفر اللّه في اليوم مائة مرّة» قال: الغين لغة في الغيم، وغان على كذا: أي غطي عليه.قال أبو عبيده في معنى الحديث: أي يتغشّى قلبي ما يلبسه.وقد بلغنا عن الأصمعي أنه سئل عن هذا الحديث، فقال للسائل: عن قلب من-------------------------------------------------------------------------فحينئذ لا يبعد أن يقع منهم تقصير ما في تكاليفهم، كما يقع منا تقصيرات كثيرة في تكاليفنا، ولا يستبعد أيضاً أن يحدث ما يقع منهم من التقصير حجاباً بين قلوبهم المقدّسة وبين ربهم حتّى يحتاجوا إلى التوبة والاستغفار والنوح والبكاء، كما يشير إليه قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : « إنه ليغان على قلبي، وانّي لأستغفر اللّه سبعين مرّة» (2)أي: لرفع هذا الغين، كما دلّ عليه السياق.)فظهر أنّ تماديهم في العجز والاستغفار والنوح والبكاء مع عصمتهم وعدم أرتكابهم معصية حقيقة، وتقصيرهم فيما كلّف اللّه به أضعف عباده ممّا لا يستبعد؛ لأنهم وإن لم يرتكبوا ما هو معصية حقيقة، فلعلهم يرتكبون ما هو بمنزلة المعصية في حقهم، وهذا معنى قول الأكابر «حسنات الأبرار سيئات المقربين».


1) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة 2: 253 - 254.

2) بحار الأنوار 93: 282.

تروي هذا؟ فقال عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، فقال: لو كان غير قلب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لكنت أفسّره لك.)قال القاضي: واللّه درّ الأصمعي في انتهاجه منهج الأدب، وإجلاله القلب الذي جعله اللّه موقع وحيه ومنزل تنزيله، وبعد فإنّه مشرب سدّ عن أهل اللسان موارده، وفتح لأهل السلوك مسالكه، وأحق من ي-عرب أو يعبّر عنه مشايخ الصوفية الذين بارك الحق أسرارهم، ووضع الذكر عنهم أوزارهم، ونحن بالنور المقتبس من مشكاتهم نذهب ونقول : لمّا كان قلب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أتم القلوب صفاء، وأكثرها ضياءً، وأعرفها عرفاناً، وكان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) معيناً مع ذلك لتشريع الملة وتأسيس السنّة، ميسّراً غير معسّر، لم يكن له بدّ من النزول إلى الرخص، والإلتفات إلى حظوظ النفس، مع ما كان ممتحناً به من أحكام البشرية، فكان إذا تعاطىء شيئاً من ذلك أسرعت كدورة ما إلى القلب لكمال رقته، وفرط نورانيته، فإنّ الشيء كلّما كان أرق وأصفى كان ورود المكدّرات عليه أبين وأهدى. وكان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إذا أحس بشيء من ذلك عده على النفس ذنباً فاستغفر منه. إنتهى كلامه ملخصاً.)وللشيخ العارف كمال الدين عبد الرزاق الكاشي (رَحمهُ اللّه في هذا المقام كلام جيد جداً، منعني عن ذكره خوف التطويل، واللّه الهادي إلى سواء السبيل.)

## الحديث الثالث والعشرون : وجوب الحذر من الذنوبوبالسند المتّصل إلى الشيخ الصدوق محمّد بن بابويه، عن جعفر بن علي بن الحسن الكوفي، عن جده الحسن بن علي بن عبدالله، عن جده عبدالله بن المغيرة، عن إسماعيل بن مسلم، عن الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه أمير المؤمنين علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)×، قال : قال رسول اللّه)-------------------------------------------------------------------------الحديث الثالث والعشرونقوله: «عن جعفر بن علي بن الحسن الكوفي».جعفر بن علي بن الحسن بن علي بن عبدالله بن مغيرة الكوفي ذكر كثيراً في أوائل مشيخة الفقيه (1مقروناً بالرحمة والرضوان، فدلّ على اعتباره.)وأمّا جدّه الحسن، فثقة ثقة له كتاب نوادر وكذا جد جده عبدالله بن المغيرة ثقة ثقة لا يعدل به أحد من جلالته ودينه وورعه.ولكن إسماعيل بن مسلم المعروف بابن أبي زياد السكوني الشعيري من العامّة مقدوح مجروح مذموم، فبه يصير الحديث ضعيف السند.


1) راجع من لا يحضره الفقيه 4: 460 و غيره.

(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: عجبت لمن يحتمي من الطعام مخافة الداء، كيف لا يحتمي من الذنوب مخافة النار (1).)وليس في هذا الحديث ما يحتاج إلى البيان. ولا يخفى أن إطلاق الحمية على اجتناب الذنوب من باب المشاكلة.-------------------------------------------------------------------------ومضمونه: أن من يكفّ نفسه عن الطعام والشراب مخافة أن يتضرّر به وضرره حقير وزمانه يسير، فالعجب منه كلّ العجب كيف لا يكفّها عن الذنوب مخافة أن يتضرّر بها وضررها عظيم وعذابها أليم وزمانه طويل، والصبر عليه قليل.قوله: «عجبت لمن يحتمي من الطعام».احتمي من الطعام لم يقربه، أي: كفّ نفسه عنه.


1) الأمالي للشيخ الصدوق ص 247 ح 265.

## الحديث الرابع والعشرون : ذم الفحاش وقليل الحياء### إشارة:وبالسند المتّصل إلى الشيخ الجليل ثقة الاسلام محمّد بن يعقوب الكليني، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن عمر بن أذينة، عن أبان بن أبي عياش عن سليم بن قيس، عن أميرالمؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إن اللّه حرم الجنّة على كلّ فحاش بذي، قليل الحياء، لا يبالي بما قال ولا ما قيل له، فإنّك إن فتشته لم تجده إلا لغية أو شرك شيطان.)قيل: يا رسول اللّه وفي الناس شرك شيطان؟فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : أما تقرأ قول اللّه عزّوجلّ: (وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ) (1).)بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث(إنّ اللّه حرم الجنّة لعله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أراد أنها محرمة عليهم زماناً طويلاً، لا محرّمة)


1) اصول الكافي 2: 323 ح 3.

مؤبداً، أو المراد جنّة خاصة معدّة لغير الفحاش، وإلا فظاهره مشكل، فإنّ العصاة من هذه الأمّة مآلهم إلى الجنّة، وإن طال مكثهم في النار.-------------------------------------------------------------------------الحديث الرابع والعشرونقوله: «وإلا فظاهره مشكل».على تقدير أن يكون المراد من اللغية ولد الزنا، ويكون الفحاش المذكور الموصوف بالبذاء وقلّة الحياء وعدم المبالاة بما قال ولا ما قيل له عبارة عنه، كما هو صريح الحديث، لا إشكال فيه على مذهب السيّد المرتضى ومن شايعه؛ لأنه يصرّح ويصر بعدم نجاته من النار، وعدم دخول الجنة؛ لروايات رواها :منها: قول الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ يقول ولد الزنا: يا ربّ ما ذنبي، فما كان لي في أمري صنع ؟ فيناديه مناد ويقول: أنت شرّ الثلاثة أذنب والدك، فتبت عليهما وأنت رجس، ولن يدخل الجنة إلا طاهر (1).)فهذا الحديث أيضاً - أي: حديث سليم - ممّا يؤيّد مذهب السيّد.والوجه فيه: أن ولد الزنا لخبث أصله وفساد طبيعته لا يقبل الألطاف الإلهية ولا يصح منه اعتقاد الحق؛ لتقصيره عن النظر الواجب عليه شرعاً المتمكن منه عقلاً، ولا عذر له؛ لأن الواجب على اللّه تعالى بعثة الرسل وخلق القدرة والآلات والألطاف، وقد فعله اللّه له، فالتقصير له.وجملة الكلام في هذا المقام: إنّ ولد الزنا وإن كان متمكناً من الوصول إلى الحق، وقادراً على سلوك طريقه، إلا أنه لا يختار محبة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ، بل يبغضهم في الباطن ويخالفهم، وكل من هو مبغض لهم فهو لا يدخل الجنة، بل هي)


1) علل الشرايع ص 564 ح 2، بحار الأنوار 5: 285 ح 5 عنه.

(بذيّ بالباء التحتانية الموحدة المفتوحة والذال المعجمة المكسورة والياء المشدّدة، من البذاء بالفتح والمد بمعنى الفحش.)(قليل الحياء: إمّا أن يراد به معناه الظاهري، أو يراد عديم الحياء، كما يقال: فلان قليل الخير أي عديمه.)(لم تجده إلا لغية يحتمل أن يكون بضم اللام وإسكان الغين المعجمة وفتح الياء المثناة من تحت إلى ملغى والظاهر أنّ المراد به المخلوق من الزنا.)ويحتمل أن يكون بالعين المهملة المفتوحة أو الساكنة والنون، أي: من دأبه أن-------------------------------------------------------------------------محرّمة عليه؛ لأنّ بغضهم سيئة لا تنفع معها حسنة.وفي كتاب علل الشرائع عن سعد بن عمر الجلاب، قال: قال لي أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ : إن اللّه عزّوجلّ خلق الجنّة طاهرة مطهرة، فلا يدخلها إلا من طابت ولادته (1).)وكذا الكلام في شرك الشيطان، فإنّه أيضاً مبغض، كما دلّ عليه ما في التهذيب وسيأتي من قوله: قلت: فبأي شيء يعرف ذلك؟ قال: بحبّنا ويبغضنا (2.)ونحن قد أوضحنا هذه المسألة وما فيها وما عليها في تعليقاتنا على المسائل المهنائية (3، فليطلب من هناك.)


1) علل الشرايع ص 564 ح 1، بحار الأنوار 5: 285 ح 4 عنه.

2) تهذيب الأحكام 7: 407 ح 1.

3) راجع الحاشية على أجوبة المسائل المهنائية المطبوعة في المجموعة الثانية من الرسائل الاعتقادية للمؤلّف ص 127.

يلعن الناس أو يلعنوه (1.)قال في كتاب أدب الكاتب : فعلة بضم الفاء وإسكان العين من صفات المفعول، وبفتح العين من صفات الفاعل. يقال: رجل همزة للذي يهزأ به، وهمزة لمن يهزأ بالناس. وكذلك «لعنة» و«لعنة» (2. انتهى كلامه.)(أو شرك شيطان المصدر بمعنى إسم المفعول، أو إسم الفاعل، أي: مشاركاً فيه مع الشيطان، أو مشاركاً فيه الشيطان.)-------------------------------------------------------------------------


1) سمعت هذين الوجهين من والدي اللّه حال قراءتي كتاب الكافي عليه، فلذلك أعرضنا عمّا في الصحاح وغيرها من أنه يقال فلان لغية بكسر الغين المعجمة وتشديد الياء المتوحة، أي: ولد زنا. وذكرنا كلام أدب الكاتب وفيه أنّ اللغي كالغني هو الذمي الساقط عن الاعتبار. وقريب منه كلام القاموس ذكره في بيان لغه لا في بيان لغو.)وبعض الطلبة ظنّ أنه لم نطلع على ما في الصحاح، وأعرض بأنّ كلامنا يخالف ما في كتاب الصحاح، وتعجب من عدم اطلاعنا على ذلك، ولم يدر هذا المسكين أن الصحاح ليس بعزيز الوجود، وأن مدار كثير من الألفاظ الواقعة في الحديث على السماع من المحدثين، لا على ما يوجد في كلام اللغويين.وقريب من هذا الاعتراض أنّ بعض الطلبة سمع مني في أثناء الدرس، أن الغسق في قوله تعالى (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ المراد به نصف الليل، فاعترض بأن كلام الصحاح صريح في أنّ الغسق ظلمة أوّل الليل، وكذا كلام القاموس، فقلت: نحن لا نلتفت إلى ما في الصحاح والقاموس بعد ما نقلناه عن أصحاب العصمة سلام اللّه عليهم، من أن الغسق نصف الليل، كما رواه الكليني بسند صحيح عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ).)ومن هذا القبيل إعتراض بعض المعاصرين على قول علماء الرجال أن أعلى مراتب التوثيق أن يقال: ثقة ثقة مرّتين، بأن صاحب القاموس صرّح بأنه يقال: فلان ثقة ثقة فالأولى بالمثلثة والثانية بالنون، فكلام علماء الرجال تصحيف. وأمثال هذه الاعتراضات الواهية كثيرة في زماننا، وبالله الاعتصام (منه.

2) أدب الكاتب ص 567.

### تفسير آية «وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ»تبصرةقال المفسرون في قوله تعالى: (وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ (1): إنّ مشاركة الشيطان لهم فى الأموال حملهم على تحصيلها وجمعها من الحرام وصرفها فيما لا يجوز، وبعثهم على الخروج في إنفاقها عن حدّ الإعتدال: إما بالإسراف والتبذير، أو البخل والتقتير، وأمثال ذلك.)وأمّا المشاركة لهم في الأولاد، فحتهم على التوصل إليها بالأسباب المحرّمة من الزنا ونحوه، أو حملهم على تسميتهم إياهم بعبد العزّئ وعبد اللات، أو على تضليل الأولاد بالحمل على الأديان الباطلة الزائفة، والافعال القبيحة. هذا كلام المفسرين.-------------------------------------------------------------------------قوله: «وأما المشاركة لهم».هذه الاحتمال بثلاثتها خلاف ظاهر قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ «أو شرك شيطان» بعد قوله «لغية» فإنّه نظراً إلى سياق الكلام ومقتضى المقام، يفيد أن للشيطان مدخلاً في وجوده وتكوّنه، بأن تحصل نطفته منه ومن أبيه بعد إدخاله فرجه في فرج أُمه، كما هو صريح رواية أبي بصير الآتية، فيكون مشتركاً فيه بينهما، و لذلك يصير شيطانياً فحاشاً بذياً؛ لأنّ كلّ شيء يرجع إلى أصله، والولد سرّ أبيه، والاناء يترشّح بما فيه.)قيل: إن إبليس قال: ربّ إنّك خلقت آدم وجعلت بيني وبينه عداوة، فسلّطني عليه فقال: جعلت صدورهم مساكن لك، قال: ربّ زدني، فقال: تجري منهم مجرى الدم، فقال: رب زدني، قال: أجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد.


1) سورة الإسراء: 64.

وقد روى الشيخ الجليل ثقة الاسلام أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (قدس اللّه روحه حديثاً يتضمّن معنى آخر للمشاركة مع الأولاد، روى في باب الاستخارة للنكاح من تهذيب الأحكام، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، أنه قال: «إذا تزوّج أحدكم كيف يصنع ؟ قال: قلت له: ما أدري جعلت فداك. قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : فإذا هم بذلك، فليصل ركعتين، ويحمد اللّه، ويقول: اللّهمّ إني أريد أن أتزوّج، فقدر لي من النساء أعفهن فرجاً، وأحفظهن لي في نفسها وفي مالى، وأوسعهنّ رزقاً، وأعظمهن بركة، وقدر لي منها ولداً طيباً تجعله خلفاً صالحاً في حياتي وبعد موتي)فإذا دخلت عليه، فليضع يده على ناصيتها ويقول: اللّهمّ على كتابك تزوّجتها، وفي أمانتك أخذتها، وبكلماتك استحللت فرجها، فإن قضيت لي في رحمها شيئاً فاجعله مسلماً سوياً، ولا تجعله شرك شيطان قلت وكيف يكون شرك شيطان؟فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ لي : إنّ الرجل إذا دنا من المرأة وجلس مجلسه، حضره الشيطان، فإن هو ذكر اسم اللّه تنحى الشيطان عنه، وإن فعل ولم يسمّ أدخل الشيطان ذكره، فكان العمل منهما جميعاً والنطفة واحدة.)قلت: فبأي شيء يعرف هذا؟ قال: بحبّنا وبغضنا (1.)وهذا الحديث يعضد ما قاله المتكلّمون من أنّ الشياطين أجسام شفّافة تقدر على الولوج في بواطن الحيوانات، ويمكنها التشكل بأي شكل شاءت-------------------------------------------------------------------------قوله: «من أنّ الشياطين أجسام». المثبتون لوجود الشياطين اختلفوا في حقيقتها، فالمتكلمون منهم قالوا : هي


1) تهذيب الأحكام 7: 407 ح 1.

وبه يضعف ما قاله بعض الفلاسفة من أنّها النفوس الأرضية المدبّرة للعناصر، أو النفوس الناطقة الشريرة التي فارقت أبد آنها وحصل لها نوع تعلّق والفة بالنفوس الشريرة المتعلقة بالأبدان، فتمدّها وتعينها على الشر والفساد.-------------------------------------------------------------------------أجسام شفّافة تتشكّل بأي شيء شاءت، وتقدر على الولوج في بواطن الحيوان، وتنفذ في منافذها الضيقة نفوذ الهواء المستنشق. وظاهر بعض الأخبار يعضده.وعن ابن عبّاس: إنّ اللّه جعل الشيطان يجري من بني آدم. ومثله في الكافي بسند صحيح عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ (1).)و قال قوم: هي النفوس الأرضية المدبّرة للعناصر. وقيل: هي النفوس الناطقة الشريرة المفارقة أبدانها، فتتعلّق بالنفوس الشريرة، وتعاونها على الشر والفساد.وقيل: نفوس مجرّدة تتصرّف بالتعلّق وتدرك بآلة هي كرة الأشير وأدل به خلقهم من النار. وقال جمهور الفلاسفة: إنّ الشيطان عبارة عن الوهم المعارض للعقل، وجنوده سائر القوى التابعة له في معارضة العقل في أشخاص الكفار والفاسقين عن أوامر اللّه، والوهم رئيس القوى البدنية، فهي إذن عند معارضتها ومتابعتها جنود إبليس وقبيله.قالوا: والمراد بكونه خلق وقبيله من نار أنّ الأرواح الحاملة لهذه القوى أجسام لطيفة تتكون عن لطافة الأخلاط، وهي حارّة جداً، مائلة إلى الإفراط، والنارية والهوائية عليها أغلب، وتولّدهما عنهما أسهل وهي أحرّ أجزاء البدن، وكذلك القلب الذي هو منبعها، فكانت تلك الأرواح كالأبدان لهذه القوى، فلذلك نسبوا إلى النار.


1) روضة الكافي 8: 113 ح 92.

## الحديث الخامس والعشرون : حديث عتق بريرة والأحكام المستنبطة منه### إشارة:وبالسند المتّصل إلى الشيخ الجليل أمين الاسلام محمّد بن يعقوب الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ، قال : إنّ بريرة كانت عند زوج لها وهي مملوكة، فاشترتها عائشة فأعتقتها، فخيّرها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقال: إن شاءت أن تقر عند زوجها، وإن شاءت فارقته)-------------------------------------------------------------------------الحديث الخامس والعشرونقوله: «انّ بريرة كانت عند زوج لها».روي أن عائشه لما أرادت شري بريرة، قال أهلها: لا نبيعها إلا بأن يكون ولاءها لنا، فقال لهما رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : اشترطي لهم الولاء، فلما اشترتها وشرطت لهم الولاء، قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما بال أقوام يشرطون شرطاً ليس في كتاب اللّه، من شرط شرطاً ليس في كتاب اللّه فهو ردّ، وإنما الولاء لمن أعتق (1).)قيل: وهذه الرواية ممنوعة؛ لاقتضائها نوع غش و تدليس، والمقام النبوي منزّه عنهما، فإن عصمته شفقته على الخلق حتّى كادت نفسه تذهب تأسفاً و تحسّراً


1) کنز العمّال 10: 325.

وكان مواليها الذين باعوها اشترطوا على عائشة أنّ لهم ولاءها، فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : الولاء لمن أعتق.)وتصدق على بريرة بلحم، فأهدته إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، فعلقته عائشة وقالت: إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لا يأكل لحم الصدقة.)فجاء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ و اللحم معلق، فقال: ما شأن هذا اللحم لم يطبخ؟)فقالت: یا رسول اللّه صدّق به على بريرة، وأنت لا تأكل الصدقة.فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : هو لها صدقة ولنا هدية، ثمّ أمر بطبخه، فجاء فيها ثلاث من السنن (1).)بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث(إنّ بريرة كانت عند زوج لها بريرة مصغرة بالباء الموحدة والياء المثناة من تحت المتوسطة بين الرائين المهملتين وآخرها هاء وإسم زوجها مغيث بالميم المضمومة والغين المعجمة ثمّ الياء المثناة من تحت والثاء المثلثة.)وقد اختلف في أنه هل كان حرّاً أو عبداً، ومن ثمّ اختلف الفقهاء في تخيير الأمة إذا أعتقت تحت حرّ.-------------------------------------------------------------------------على عدم ايمانهم يمنع من ذلك، ولو سلمت لم يكن فيها بعد؛ لجواز اختلاف الحكم بتجدّد نسخ، أو تخصيص عام، أو تقييد إطلاق.


1) فروع الكافي 5: 485 - 486 ح 1.

(إن شاءت أن تقرّ بالفتح إي تمكث ويجوز الكسر تقول: قررت بالمكان بالكسر أقرّ بالفتح، وقررت أقرّ بالعكس.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «إن شاءت».اختلفوا في أنّ هذا الاختيار للأمة المعتقة هل هو على الفور أم يجوز فيه التراخي؟ فجماعة منهم على الأوّل، إقتصاراً في فسخ العقد اللازم على موضع اليقين والضرورة، ولظاهر قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لبريرة «ملكت بضعك فاختاري» فإنّ الفاء للتعقيب بغير مهلة.)وقال بعضهم بالثاني؛ لثبوت الخيار في الجملة، فيستصحب إلى أن يثبت المزيل، والفاء اقتضت ثبوت الخيار من حين العتق بلا فصل، ونحن نقول به، ولكنّه لا ينافي امتداده.ويؤيده ما روي أنّ مغيثاً كان يطوف خلفها في سكك المدينه يترضاها ليختاره، وطلب من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أن يشفع له إليها، فشفّع فلم تقبل. فلو كان على الفور لبطل حقها بالتأخير واستغنى عن الشفاعة.)وأجيب بأنّ ظاهر الحديث أنّ الشفاعة كانت بعد فسخها، وكذلك روي أنه كان يطوف ويبكي ولم يأمرها (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بترك الفسخ، بل قال لها: لو راجعته فإنه أبو ولدك. والظاهر أنّ المراد بالمراجعة النكاح.)وفيه أن ما ذكر من الرواية ليس صريحاً في وقوع الفسخ، وكون ذلك على وجه المراجعة، وفي بعض ألفاظ الرواية تصريح بكون ذلك طلباً للاختيار، فعن ابن عباس كان زوج بريرة يقال له: مغيث كأني أنظر إليه يطوف وراءها في سكك المدينة، وان دموعه لتسيل على لحيته يترضاها ليختاره فلم تفعل. وفي رواية أخرى : إنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قال لبريرة : إن قربك فلا خيار لك. وهو دليل على التراخي.)

(انّ لهم ولاءها الولاء بفتح الواو، وهو في الأصل بمعنى الدنو. ويطلق في الشرع على علاقة بين الشخصين توجب الإرث سوى علاقة النسب والزوجية. والمراد به هنا العلاقة المترتبة على العتق الموجبة للإرث.)(لا يأكل لحم الصدقة هي ما أعطي للغير تبرّعاً بقصد القربة غير هدية، فيدخل فيها الزكاة والمنذورات والكفّارات وأمثالها.)(فجاء فيها ثلاث من السنن هذا من كلام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أي: ورد بسبب بريرة ثلاثة أحكام من السنن النبوية :)الأوّل: تخيير الأمة المعتقة تحت حرّ أو عبد على الخلاف بين فسخ النكاح وإبقائه.الثاني : ثبوت الولاء للمعتق دون البايع المشترط له.الثالث: أنّ الصدقة المحرّمة على بنى هاشم إذا دفعت إلى شخص، فأهداها إليهم لم تكن محرّمة عليهم.تبصرةما تضمّنه هذا الحديث من ثبوت الخيار للأمة المعتقة ممّا لا خلاف فيه مع-------------------------------------------------------------------------وفي روايات الأصحاب: أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قال لها: اختاري بغير فاء، رواه عبدالله بن سنان وغيره (1). والأمر لا يفيد الفور، وعلى كل حال فلا خروج عما عليه الأصحاب.)قوله: «ممّا لا خلاف فيه».اتفق المسلمون على أنّ الأمة المعتقه بعد تزويجها بعبد كان لها الخيار، والأصل


1) تهذيب الأحكام : 341 ح 26 و 27 و 28 و 29.

رقية الزوج.-------------------------------------------------------------------------فيه قصة بريرة، وتخيير رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ إياها بعد انعتاقها، وهو أيضاً موافق للحكم بحدوث الكمال لها، وبقاء نقصه بالعبودية المقتضية لتضرّرها، من حيث إنّ سيّده يمنعه عنها بحقوقه، ولا ينفق على ولدها، ولا ولاية عليهم، ولا ترث منه، إلى غير ذلك من الموجبات للضرر.)واختلفوا في ثبوت الخيار لها إن كان الزوج حرّاً، فذهب الأكثر إلى ثبوته أيضاً؛ لعموم صحيحة الكناني (1. ورواية زيد الشحّام عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: إذا أعتقت الأمة ولها زوج خيّرت وإن كانت تحت حرّ أو عبد (2).)وقريب منها رواية محمّد بن آدم عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ(3).)وذهب المحقّق في الشرائع (4، وقبله الشيخ في الخلاف (5)والمبسوط (6)إلى عدم الخيار؛ لأصالة لزوم العقد، فحدوث الخيار يحتاج إلى دليل، وهو منتف في الحر؛ لما روي أن زوج بريرة كان عبداً وهو أصل الحكم.)وأجيب بأنّ الدليل الموجود وهو الرواية الصحيحة السالفة الدالة بعمومها عليه، وخصوص الروايتين الأخيرتين شاهد صريح، وإن كان في طريقهما ضعف.


1) تهذيب الأحكام 7: 341 ح 25.

2) تهذيب الأحكام 7: 342 ح 32.

3) تهذيب الأحكام 7: 342 ح 31.

4) شرائع الاسلام 2: 311.

5) الخلاف 4: 353 مسألة 134.

6) المبسوط 4: 175.

أما مع حريته، فأكثر علمائنا على ثبوته؛ لأنّ زوج بريرة كان حرّاً، كما في بعض الروايات، وبه قال أبو حنيفه، ولصحيحة أبي الصباح الكناني، عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ: «أيما امرأة أعتقت فأمرها بيدها، إن شاءت أقامت، وإن شاءت فارقت» (1)وهي بعمومها شاملة لمحل النزاع.)والأقلّ من علمائنا على انتفائه وعليه الشافعي ومالك وأحمد لما روي عن ابن عبّاس: «انّ زوج بريرة كان عبداً أسود، وكأني أنظر إليه يطوف خلفها في سكك المدينة يبكي ودموعه تسيل على لحيته»(2.)ثمّ ما تضمنه الحديث من أنّ عائشة أعتقتها ظاهره إعتاق كلّها، وكذا ظاهر صحيحة أبي الصباح، فالأمة المبعضة لا خيار لها وإن تحرّر أكثرها، إقتصاراً فيما خالف الأصل على الفرد الظاهر من النصّ.-------------------------------------------------------------------------وأما زوج بريرة، فالروايات فيه مختلفة، ففي بعضها أنه كان عبداً، وفي آخر: أنه كان حرّاً. وعلى هذا فدلالته على المدعى ظاهرة، وعلى الأوّل لا يدلّ إلا من حيث المفهوم المخالف، وفي كونه حجّة خلاف، فكيف مع معارضته للمنطوق.ثمّ لا فرق في ثبوت الخيار بين كونه قبل الدخول وبعده، فإن كان قبله سقط المهر؛ لأنّ الفسخ جاء من قبلها. وإن كان بعده فهو بحاله؛ لاستقراره بالدخول، سواء كان العتق قبل الدخول أم بعده؛ لأنّ الفسخ إنّما يرفع النكاح من حينه، وإن كان سببه قبل الدخول، وحينئذ فقد استقرّ المسمّى، وحيث يستقر باختيارها الزوج أو بالدخول قبل الفسخ، فهو للسيد؛ لوجوبه بالعقد على الأصحّ، وكونها حالة العقد مملوكة.


1) تهذيب الأحكام 7: 341 ح 25.

2) سنن ابن ماجة 1: 671.

واعلم أنّ المستفاد من الأخبار أنّ عتق بريرة وقع بعد الدخول بها، فقد روي أنّ مغيثاً استشفع برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، فقال لها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): لو راجعتيه فإنه أبو ولدك، فقالت: يا رسول اللّه تأمرني بأمرك؟ فقال: لا إنما أنا شافع، فقالت: لا حاجة لي فيه (1).)لكن علماء نا رضي اللّه عنهم أثبتوا الخيار للأمة، سواء وقع عتقها قبل الدخول أو بعده، عملاً بعموم الصحيحة السابقة، فإن وقع قبله وفسخت سقط المهر، وإن وقع بعده لم يسقط المهر وكان للسيّد طلبه.تذنيباستثنى الفقهاء من تخيير الأمة المعتقة صورة واحدة، هي ما إذا ساوئ مهرها ثلث مال مولاها، وقيمتها ثلثاً آخر، وخلّف مالاً بقدر قيمتها بعد وصيّته بعتقها، ووقع العتق قبل الدخول، فإنّ اختيارها الفسخ يوجب سقوط المهر، فلا ينفذ العتق في جميعها لزيادته على الثلث، فيبطل خيارها.### تحریم الصدقة مطلقا على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)تذكرةما دلّ عليه هذا الحديث من تقرير النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ عائشة على قولها «وأنت لا تأكل الصدقة» يعطي بظاهره تحريم الصدقة الواجبة والمندوبة معاً عليه؛ لأنّ اللام في)-------------------------------------------------------------------------قوله: «في جميعها».لانحصار التركة حينئذ في الأمة ومقدار قيمتها، فيبطل العتق فيما زاد على الثلث، فيبطل خيارها لاشتراطه بعتق كلّها كما سبق، فيؤدي ثبوته إلى عدم ثبوته، وهو دور.


1) سنن ابن ماجة 1: 671.

الصدقة إما للجنس أو للإستغراق، إذ لا عهد بحسب الظاهر.وكذا ما روي من أنّ الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ أخذ وهو صغير تمرة من تمر الصدقة، فقال له النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : كخ كخ ليطرحها، وقال : ما شعرت أنا لا نأكل الصدقة (1).)ولا خلاف بين أهل الاسلام في تحريم الصدقة الواجبة عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في الجملة، إنما الخلاف في المندوبة.)وقد حكم العلّامة فى التذكرة (2بتحريمها أيضاً عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لعلو شأنه، وزيادة رفعته، وعدم لياقتها بشرفه ومنزلته، لما فيها من الغض بمقامه وتسليط المتصدق، ومنصب النبوّة أجلّ وأرفع من ذلك، وهو أحد قولي الشافعي.)وأما الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ، فالظاهر إلحاقهم في ذلك بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فتحرم عليهم المندوبة، وبه حكم العلّامة في التذكرة (3).)وأما ما رواه العامّة عن الامام أبي جعفر محمّد بن علي الباقر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ أنه كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينه فقيل له: أتشرب من الصدقة؟! فقال: إنما حرّم علينا الصدقة المفروضة (4). فهو ممّا تفرّد بروايته العامّة. وفي طريقه ضعف)-------------------------------------------------------------------------قوله: «كخ کخ ليطرحها».هو زجر للصبي وردع ويقال عند التقدّر أيضاً، فكأنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أمره بإلقائها من فيه وتكسر الكاف وتفتح وتسكن الخاء وتكسر بتنوين وغير تنوين، قيل هي عجمية عربت.)


1) صحیح مسلم 3: 117.

2) تذكرة الفقهاء 5: 269.

3) تذكرة الفقهاء 5: 270.

4) المغني لابن قدامة 2: 520، ومختصر المزني ص 159.

وأما بقية بني هاشم، فلا خلاف عندنا في جواز أخذهم الصدقة المندوبة، وللشافعي قولان.وهل الصدقة المحرّمة على بني هاشم مخصوصة بالزكاة أو عامة في جميع الصدقات كالمنذورات والكفارات؟ ظاهر أكثر أصحابنا العموم. وفي بعض الروايات ما يدلّ على التخصيص بالزكاة، وهو مستند العلّامة(1في تجويزه دفع النذور والكفارات إليهم. وفيه ما فيه (2).)ولا كلام في جواز أخذ الهاشمي الصدقة الواجبة من مثله، لكن هل هذا الحكم مخصوص بمن عدا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ والأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، أو شامل له ولهم صلوات اللّه عليهم أجمعين، فيجوز لهم أيضا قبول الصدقة من الهاشمي ؟ لم أظفر لعلمائنا (رضوان اللّه عليهم) فيه بشيء، لكن المناسب لعلو شأنهم تحریم الصدقة عليهم كيف ما كانت و من أي شخص صدرت، سواء الهاشمي وغيره.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «من مثله».المراد بالمثل مطلق الهاشمي وإن لم يماثله في الأب الخاص كالعلوي وغيره، ويتخيّر مع وجود الخمس وزكاة مثله في أخذ أيهما شاء، والأفضل إختيار الخمس؛ لأنّ الزكاة أوساخ في الجملة.قوله: «لم أظفر».هذا منه (قدّس سِرُّه غريب، فإنّ شيخنا الشهيد الثاني (رَحمهُ اللّه) قد صرّح في شرح الشرائع بتحريم الصدقة على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) مطلقا، واجبة كانت أو مندوبة، من هاشمي كانت أم غيره.)


1) تذكرة الفقهاء 5: 271.

2) وجهه أنّ التخصيص في الروايات ذكري، والتخصيص الذكري ضعيف عندنا (منه).

### تحقيق معنى الآلخاتمةذكر بعض أصحاب الكمال في معرض تحقيق الآل كلاماً يناسب هذا المقام، حاصله : أن آل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ كل من يؤول إليه، وهم قسمان :)-------------------------------------------------------------------------حيث قال بعد نقل قول المحقّق «ويجوز للهاشمي أن يتناول المندوبة من هاشمي وغيره»(1: يستثنى منه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فإنّ الأصح تحريم الصدقة عليه مطلقا، وكذا الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ثمّ قال : وفي حكم المندوبة المنذورة لغيرهم والموصى بها، وفي الكفّاره وجهان أصحهما جوازها، فيختص التحريم بالزكاتين (2).)و هذا منه (رَحمهُ اللّه صريح في اختياره ما دلّ عليه بعض الروايات من تخصيص الصدقة المحرّمة على بني هاشم بالزكاة، فوافق فيه العلّامة في جواز دفع المنذورات والكفارات إليهم، ولعله أجود في التوفيق بين الأخبار، وأقرب إلى الإباحة الأصلية السالمة عن المعارض، فتأمّل.)قوله: «إنّ آل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ».)آل الرجل أهله وعياله وآله صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ عند الامامية عترته الطاهرة من أهل العصمة (عَلَيهِم السَّلَامُ، ولا وجه لتخصيص الشهيد الثاني في شرحه على اللمعة بأصحاب الكساء، وهم علي وفاطمه وابناهما الحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ثمّ قال: ويطلق تغليباً على باقى الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ).)أقول : بل يطلق على غيرهم أيضاً، كما ورد عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أنه قال : كل تقي ونقي آلي. ويمكن توجيهه بما يقرب ممّا نقله الشيخ (قدّس سِرُّه) عن الحضرة الجلالية المحمّدية خلدت إفاداته، فإنّ هؤلاء أيضاً يؤلون إليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مالاً معنوياً روحانياً فتأمّل.)


1) شرائع الاسلام 1: 164.

2) مسالك الأفهام 1: 424.

الأوّل: من يؤول إليه مآلا صورياً جسمانياً، كأولاده ومن يحذو حذوهم من أقاربه الصوريين الذين تحرم عليهم الصدقة في الشريعة المحمّدية.والثاني: من يؤول إليه مآلاً معنوياً روحانياً، وهم أولاده الروحانيون من العلماء الراسخين، والأولياء الكاملين، والحكماء المتألهين، المقتبسين من مشكاة أنواره، سواء سبقوه بالزمان أو لحقوه.ولا شكّ أنّ النسبة الثانية آكد من الأولى.وإذا اجتمع النسبتان كان نوراً على نور كما في الأئمّة المشهورين من العترة الطاهرة صلوات اللّه علهيم أجمعين.وكما حرم على الأولاد الصوريين الصدقة الصورية، حرم على الأولاد المعنوية الصدقة المعنوية، أعني تقليد الغير في العلوم والمعارف(1. هذا ملخص كلامه. وهو ممّا يستوجب أن يكتب بالتبر على الأحداق لا بالحبر على الأوراق.)-------------------------------------------------------------------------وللعامة في آله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ إختلافات، فقيل: آله أمته. وقيل: عشيرته. وقيل: من حرم عليه الزكاة من بني هاشم وعبدالمطلب (2).)


1) شواكل الحور في شرح هياكل النور للمحقق الدواني ص 115.

2) راجع مجمع البحرين 5: 313.

## الحديث السادس والعشرون : صلاح تقدير اللّه للعباد وذم العجبوبالسند المتّصل إلى الشيخ الجليل شيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، عن الشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان، عن عمر بن محمّد، عن علي بن مهرويه القزويني، عن داود بن سليمان، عن الامام أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه أمير المؤمنين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال اللّه عزّوجلّ: يا بني آدم كلّكم ضال إلا من هديت، وكلّكم عائل إلا من أغنيت، وكلكم هالك إلا من أنجيت، فاسألوني أكفكم وأهدكم سبيل رشدكم.)وإنّ من عبادي من لا يصلحه إلاّ الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك.وإن من عبادي من لا يصلحه إلاّ الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك.وإنّ من عبادي من لا يصلحه إلا الصحة، ولو أمرضته لأفسده ذلك.وإن من عبادي من لا يصلحه إلا المرض، ولو أصححت جسمه لأفسده ذلك.وإن من عبادي من يجتهد في عبادتي وقيام الليل، فالقي عليه النعاس نظراً مني إليه، فيرقد حتّى يصبح، ويقوم حين يقوم، وهو ماقت لنفسه زار عليها، ولو-------------------------------------------------------------------------الحديث السادس والعشرونقوله: «زار عليها».كرام من زريت عليه زراية إذا عبته، وأزريت به إزراء إذا قصرت به وتهاونت،

خليت بينه وبين ما يريد لدخله العجب بعمله، ثمّ كان هلاكه في عجبه، ورضاه عن نفسه، فيظن أنه قد فاق العابدين، وجاز باجتهاده حدّ المقصرين، فيتباعد ب-ذلك منّي، وهو يظن أنه يتقرب إليّ.ألا فلا يتكلنّ العاملون على أعمالهم وإن حسنت ولا ييأس المذنبون من مغفرتي لذنوبهم وإن كثرت، لكن برحمتي فليثقوا، وبفضلي فليرجوا، وإلى حسن نظري فليطمئنوا، وذلك أني أدبّر عبادي بما يصلحهم، وأنا بهم لطيف خبير (1.)-------------------------------------------------------------------------وهذا أي كون الإنسان ماقتاً لنفسه زارياً عليها من أجل المقامات، وأشرف الصفات، وأحسن السمات.روي أن عابداً عبد اللّه سبعين عاماً صائماً نهاره قائماً ليله، فطلب إلى اللّه حاجة فلم يقض، فأقبل على نفسه، فقال: من قبلك أبيت لو كان عندك خيراً قضيت حاجتك، فأنزل اللّه إليه ملكاً، فقال: يابن آدم ساعتك التي أزريت فيها على نفسك خير من عبادتك التي مضت.وبالجملة توبيخ النفس ومعاتبتها باب عظيم في أبواب المرابطة في سبيل اللّه.قوله: «إنّي أدبر».التدبير في الأمر أن تنظر إلى ما تؤول إليه عاقبته، والتدبّر هو النظر في أدبار الأمور وتأملها، وتدبّر الأمر التفكّر فيه، والفرق بينهما أن التدبّر تصرّف القلب بالنظر في العواقب، والتفكر تصرّفه بالنظر في الدلائل، وتدبّره تعالى في الأمر مجاز عن علمه بما هو أصلح بحاله وأوفق لمآله، فيفعل به ما تقتضيه حكمته ومصلحته.


1) الأمالي للشيخ الطوسي ص 166 - 161 ح 278.

-------------------------------------------------------------------------وهذا الحديث يؤيّد ما ذهب إليه المعتزلة من أنه يجب على اللّه تعالى ما هو أصلح لعباده، وإليه أشار صاحب التجريد بقوله: والأصلح قد يجب على اللّه تعالى لوجود الداعي وانتفاء الصارف (1.)زعم شارح الجديد للتجريد أنّ مفاسد هذا الباب أكثر من أن تحصى :منها: أن الأصلح بحال الكافر المبتلى بالأسقام والآفات أن لا يخلق، أو يموت طفلاً، أو يسلب عقله بعد البلوغ، فلم لم يفعل معه ذلك وأبقاه حتّى يفعل ما يوجب خلوده في النار؟وجوابه: أنّ هذا إنما يوجب ذلك لو كان كلّ ما في الكون من أفعاله تعالى، وليس كذلك، وذلك لأنّ للعبد فعلاً ولله فعلاً، وأن الواجب على كلّ منهما إنما هو فعله، وإذ ذاك كذلك، ومن البيّن أنّ ما هو أصلح بالقياس إلى العبد أن يوجده اللّه ويبقيه ويعطيه جميع ما له مدخل في تحصيل كمالاته، وهو قد فعل ذلك بالكافر والمؤمن معاً، غاية الأمر أن الكافر قد اختار لنفسه أمراً به صار مستحقاً للعقاب أو الألم، وهو غير مناف لأن يكون الأصلح بحاله الحياة والبقاء والقدرة، وأما الآلام والأسقام وغير ذلك من الأمور الدنيوية، فالله تعالى يعوّضها عوضاً هو أكثر من هذه الآلام كان مآله أيضاً هو الأصلح به.ومنها: أنه يلزم أن يكون إماتة الأنبياء والأولياء المرشدين وتبقية إبليس وذريته المضلين إلى يوم الدين أصلح لعباده.


1) تجريد الاعتقاد ص 208.

-------------------------------------------------------------------------وجوابه: أنّ هذا إنما يوجب ذلك لو كان الواجب عليه في الارشاد والهداية إبقاء شخص واحد وأشخاص معيّنة، وليس كذلك؛ إذ الواجب ليس إلا من يرشدهم إما بالأصاله أو بالتبعية، وما من عصر إلا وقد وجد فيه ما يصلح من ذلك. وأما بقاء ذرّية إبليس، فإنّما يضرّ لو لم يكن في كلّ عصر من ينبتهم على مخالفيهم وليس كذلك، على أنهم لخفائهم وظهور المرشدين البادين في حكم المعدومين.ومنها : أن لا يكون لتفضّله تعالى على عباده مجال، ولا يكون له تعالى خيرة في الإنعام والإفضال، بل يكون كلّ ما يفعله تأدية للواجب عليه، كرد وديعة أو دين لازم، فلا يستوجب على فعله شكراً، ويكون الدعاء لدفع البلاء وكشف البأساء سؤالاً من اللّه أن يغيّر ما هو الواجب عليه.وجوابه: أن مبنى ذلك على أن لا يكون له تعالى فعل سوى ما هو أصلح لعباده، وليس كذلك؛ إذ له أفعال كثيرة، منها : ما هو مصالح عباده. ومنها: ما هو تفضّل عليهم. ومنها ما هو عوض عليهم وعليه تعالى وغير ذلك؛ إذ ذاك كذلك كان له تعالى في كل فعل غرض آخر لا يجب أن يكون كلّ ما فعله دائماً يجب عليه.ولو سلّم ذلك، فلا نسلّم أنّ هذا يوجب ارتفاع هذه الأمور واختيار فعل لأن يستحق بتركه الذم أن لا يكون له تعالى إنعام وإفضال وغير ذلك، كما لا يخفى على من له أدنى فطانة.وبالجملة غاية ما لزم من كون الواجب عليه تعالى ما هو الأصلح إنحصار أفعاله تعالى فيما لا يكون قبيحاً، وهو لا يوجب أن لا يكون له تفضّل وإنعام.ومنها : أن مقدورات اللّه تعالى غير متناهية، فأيّ قدر يضبط في الأصلح فالمزيد عليه ممكن، فلزم أن لا يمكن له الاتيان بما يجب عليه.

بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث(كلكم ضال إلا من هديت إذا اضيفت «كلّ» إلى ضمير جمع جاز مراعاة لفظها فيفرد ضميرها، ومراعاة معناها فيكون بحسب ما يضاف إليه، يقال: كلّهم قائم وكلهم قائمون. وقد روعي هنا جانب اللفظ، كما قال اللّه تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) (1).)والهداية: هي الدلالة بلطف، سواء كانت دلالة موصلة إلى المطلوب أم دلالة على ما يوصل إليه.ومن الأوّل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(2)وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (3)وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ) (4).)ومن الثاني: قوله تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى (5).)-------------------------------------------------------------------------وفيه أنّ هذا إنّما يوجب ذلك لو لزم من انحصار ما يجب عليه في حسان الأمور من كون ذلك من جملة ما هو أصلح لعباده أن يوجد كل ما هو أحسن وأصلح، وليس كذلك.


1) سورة مريم: 95.

2) سورة البقرة : 258.

3) سورة العنكبوت 69.

4) سورة محمّد 4 - 5.

5) سورة فصلت: 17.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (1)وقوله تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) (2)أي: طريقي الخير والشر، فإنّ المراد إراء تهما؛ لأنّ الآية موردة في معرض الإمتنان، ولا يمنّ بالايصال إلى طريق الشرّ.)وبهذا يظهر ضعف التفصيل بأنّ الهداية إن تعدّت إلى المفعول الثاني بنفسها، كانت بمعنى الدلالة الموصلة إلى المطلوب. وإن تعدّت باللام أو إلى، كانت بمعنى الدلالة على ما يوصل.(وكلكم عائل إلا من أغنيت يقال: عال يعيل عيلة وعيولاً إذا افتقر.)(وأهدكم سبيل رشدكم المراد بالهداية هنا الدلالة الموصولة، فإنّ الدلالة على ما يوصل حاصلة من دون سؤال.)وهداية اللّه سبحانه للعباد على خمسة أنواع، كما قاله بعض الأعلام :الأول: إفاضة القوى التي يتمكنون بها من الإهتداء إلى مصالحهم، كالقوة العقلية والمشاعر الظاهرة، والحواس الباطنة.-------------------------------------------------------------------------قوله: «المراد بالهداية هنا الدلالة الموصلة».لا وجه لهذا التخصيص ؛ فإنّ المراد بالهداية فيما سبق أيضاً الدلالة الموصلة؛ لأن الدلالة على ما يوصل وهي الدلالة التكوينية المنصوبة في الآفاق والأنفس والبينات الواردة في الكتب السماوية على الاطلاق بالنسبة إلى البرية كافة برّها وفاجرها، حاصلة بلا مثنوية، فالمراد بهداية من استثناه هو الدلالة الموصلة لا الدلالة على ما يوصل، فإنّها حاصلة من دون الاستثناء، إلا أن يقال: إن المراد بهذه الهدايه هو الهداية المسؤولة بعينها، فتأمّل.


1) سورة الدهر: 3.

2) سورة البلد: 10.

والثاني: نصب الدلائل العقلية الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد.والثالث: هدايتهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب.والرابع: أن يكشف على قلوبهم السرائر، ويريهم الأشياء كما هي بالمنامات الصادقة، أو الإلهام، أو الوحي.-------------------------------------------------------------------------قوله: «الرابع أن يكشف على قلوبهم».هذا على مذاق أرباب الطريقة.والحقيقة. وأما على مسلك أهل النظر والحجة، فالنوع الرابع من هداية اللّه تعالى أن يفيض على نفوسهم باستعمالهم الشرائع النبوية والنواميس الإلهية، المشار إليهما في المرتبة السالفة قوة وقدرة يقتدرون بها على استحضار النظريات متى شاؤوا.والخامس: أن يريهم النظريات مشاهدة إمّا بالقياس إلى كل مدرك، أو بالنظر إلى جميع المدركات، بأن يصير جميعها مشاهداً بحيث لا يغيب شيء منها أصلاً، وذلك لنفوس قوية لا يشغلها شأن عن شأن، فكأنهم وهم في جلابيب من أبدانهم قد نفضوها، وانخرطو في سلك المجرّدات التي تشاهد معقولاتها دائماً.وهذا مسلك قويم، وصراط مستقيم، لا عليك أن تسلك فيه بمصباح المقتبس من مشكاة النقل.وأما طريقتهم العوجاء، ففيها ظلمات بعضها فوق بعض، والسالكون فيها على خطر عظيم، ودغدغة وعذاب أليم، رفضوا الدنيا والآخرة، وزعموا أن كلا منهما بضاعة دائرة، فلا نصيب لهم من الشريعة، وإنما جلّ ما في غطّهم الخديعة، لبسوا الطيالسة، وتشبّهوا بالأبالسة، اثروا الوبر والصوف، وقنعوا من العظم بالغضروف، شعارهم العجب والخيلاء، ودثارهم الخبث والخناء، لا يرجون عن الطريقة والحقيقة، و لا أثر من زخارفهم سوى الصداع والشقيقة.

الخامس: أن يمحو عنهم ظلمات أبدانهم، ويميط عنهم جلابيب نواسيتهم، ويشهدهم التجلّيات الأحدية، فينداً عند ذلك جبال أنانيتهم، فيخرّون خروراً، ويصيرون هباءً منثوراً، ويستهلك في نظرهم الأغيار، وتحترق الحجب والأستار، وينادون (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (1).)(ثم كان هلاكه في عجبه ورضاه عن نفسه لا ريب أن من عمل أعمالاً صالحة من صيام الأيام، وقيام الليالي وأمثال ذلك، يحصل لنفسه ابتهاج.)فإن كان من حيث كونها عطية من اللّه له ونعمة منه تعالى عليه، وكان مع ذلك-------------------------------------------------------------------------قوله: «لا ريب أن من عمل أعمالاً».هذا خلاصة ما ذكره ابن فهد في عدّة الداعي، حيث قال بعد نبذة من الأخبار الدالّة على أنّ العجب من المهلكات إعلم أنّ حقيقة العجب إستعظام العمل الصالح واستكثاره والابتهاج به.ثم قال: فإن قلت: فمن صادف في نفسه السرور بالطاعة والابتهاج بها لكنّه لا يستعظمها، بل يفرح بفعلها، ويحبّ الزيادة منها، وهذا أمر لا يكاد الانسان ينفكّ فإنه إذا قام ليلة أو صام يوماً، أو حصل له مقام شريف ودعاء وعبادة، فإنّه يسره ذلك لا محالة، فهل يكون ذلك إعجاباً محبطاً للعمل، ودخلاً به في زمرة المعجبين؟فالجواب: أن العجب إنما هو الابتهاج بالعمل الصالح، أو الادلال له واستعظامه، وأن يرى نفسه به خارجاً من حدّ التقصير، وهذا مهلك لا محالة، ناقل للعمل من كفّة الحسنات إلى كفّة السيِّئات، ومن رفيع الدرجات إلى أسفل الدركات.


1) سورة غافر: 16.

خائفاً من نقصها، مشفقاً من زوالها، طالبا من اللّه الإزدياد منها، لم يكن ذلك الإبتهاج عجباً.وإن كان من حيث كونها صفة قائمة به ومضافة إليه، فاستعظمها وركن إليها ورأى نفسه خارجاً عن حد التقصير بها، وصار كأنه يمن على اللّه سبحانه بسببها، فذلك هو العجب المهلك، وهو من أعظم الذنوب، حتّى روي عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أنه قال: لولم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك: العجب العجب (1).)وعن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ : سيّئة تسؤك خير من حسنة تعجبك (2).)(ألا فلا يتكلنّ العاملون على أعمالهم وإن حسنت أي: لا يعتمدون في دخول)-------------------------------------------------------------------------روى سعد بن أبي خلف عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال : عليك بالجد، ولا تخرجن نفسك من حد التقصير في عبادة اللّه تعالى وطاعته، فإنّ اللّه تعالى لا يعبد حق عبادته.)وأما السرور مع التواضع لله والشكر له على التوفيق لذلك وطلب الاستزادة منه، فحسن محمود قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ : من سرّته حسنة وساءته سيئته فهو مؤمن. وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ليس منا من لم يحاسب نفسه كلّ يوم، فإن عمل خيراً حمد اللّه واستزداده، وإن عمل سوء استغفر اللّه.)ثم ذكر ما حاصله: إنّ علاج العجب إحتقار ما فعل في جنب اللّه واستضعافه، فإنّه بالنسبة إليه لم يوازن نعمه، وبأنه لولا إعانة اللّه ما فعله ولا تمّ له ولا استقام بل لم يكن صدوره من العبد أصلاً، وبذلك يندفع العجب عنه (3.)


1) الجامع الصغير 2: 131.

2) نهج البلاغة، من حكمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ح 64.

3) عدة الداعي لابن فهد الحلّي ص 223 - 224.

الجنّة على محض تلك الأعمال، وإن أتوا بها حسنة تامة الأركان، فإنّ المفسدات الخفية كثيرة جداً، وقلّما يخلو عمل عنها، كما تضمّنه الخبر الذي رواه الشيخ العارف جمال الدين أحمد بن فهد في كتاب عدّة الداعي، عن معاذ بن جبل، عن-------------------------------------------------------------------------قوله: «فإنّ المفسدات الخفية».مفاسد العبادات والأعمال أكثر من أن تحصى، يعرف ذلك من النظر في الآثار. وفي خبر معاذ دلالة على أنّ العمل المقبول أقلّ وجوداً من الكبريت الأحمر.قوله: «عن معاذ بن جبل».معاذ مهمل، والخبر في كتاب العدّة (1مرسل، يدل على أن هذه الصفات الثمانية: الغيبة وحبّ الدنيا، والكبر والعجب والحسد والشماتة، والسمعة، والرياء، مفسدات الأعمال ومبطلاتها. وفيه إشكال، فإنّ أكثرها كالغيبة والحسد ومحبّة الدنيا، وكذلك الكبر والشماتة لا تمنع من صحة عبادة إذا وقعت على وجهها، ولهذا لم يحكم الفقهاء ببطلان صلاة من فيه هذه الصفات الرذيلة كلاً أو بعضاً، بل منهم من حكم كالسيد المرتضى بصحة صلاة المرائي، وكونها مبرأة لما الذمة، إلا أن يفرّق بين الصحة والقبول، ويقال: إنّها وإن لم تمنع من صحة العمل إلا أنها تمنع من قبوله ويجعل هذا الخبر إشارة إلى ذلك، فتأمّل.)ثمّ أنت خبير بما فيه من التصريح بتجسّم العمل في هذه النشأة أيضاً، كقوله «له نور وله دوي وله رنين وله صوت وله ضوء وأمثال ذلك، ولم أجد منهم من صرّح بذلك، نعم كثير منهم ومن غيرهم قد صرّحوا بتجسّم الأعمال بل الاعتقادات أيضاً في النشأة الآخرة، كما سبق وسيأتي إن شاء اللّه العزيز.


1) عدّة الداعي ص 227 - 230.

رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أنه قال: إن اللّه خلق سبعة أملاك قبل أن يخلق السماوات، فجعل كل سماء ملكاً قد جلّلها بعظمته، وجعل على كل باب من أبواب السماوات ملكاً بوّاباً، فتكتب الحفظة عمل العبد من حين يصبح إلى حين يمسي، ثمّ ترتفع الحفظة بعمله وله نور كنور الشمس، حتّى إذا بلغ سماء الدنيا، فتزكيه وتكثره، فيقول: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه أنا ملك الغيبة، فمن اغتاب لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، أمرني بذلك ربّي.)قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: ثمّ تجيء الحفظة الغد، من ومعهم عمل صالح، فتمر به تزکیه وتكثره، حتّى يبلغ السماء الثانية، فيقول الملك الذي في السماء الثانية: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه إنّما أراد بهذا عرض الدنيا، أنا صاحب الدنيا لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري.)قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: ثمّ تصعد الحفظه بعمل العبد مبتهجاً بصدقة وصلاة، فتعجب به الحفظة وتجاوزه إلى السماء الثالثة، فيقول الملك قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه وظهره أنا صاحب الكبر أنه عمل وتكبر على الناس في مجالسهم أمرني ربّي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري.)قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : وتصعد الحفظة بعمل العبد يزهر كالكوكب الدري في السماء، له دوي بالتسبيح والصوم والحج فتمرّ به إلى السماء الرابعة، فيقول لهم الملك: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه وبطنه، أنا ملك العجب، أنّه كان يعجب بنفسه وانه عمل وأدخل نفسه العجب أمرني ربّي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري.)قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : وتصعد الحفظة بعمل العبد كالعروس المزفوفة إلى بعلها، فتمرّ به إلى ملك السماء الخامسة بالجهاد والصدقة مابين الصلاتين، ولذلك العمل ضوء كضوء الشمس، فيقول الملك : قفوا أنا ملك الحسد أضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، واحملوه على عاتقه، إنّه كان يحسد من يتعلّم أو يعمل لله بطاعته، وإذا)

رأى لأحد فضلاً في العمل والعبادة حسده ووقع فيه، فيحمله على عاتقه ويلعنه عمله.قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : وتصعد الحفظة بعمل العبد، فتجاوز السماء السادسة، فيقول الملك: قفوا أنا صاحب الرحمة، أضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، واطمسوا عينيه، إنّ صاحبه لا يرحم شيئاً، إذا أصاب عبداً من عباد اللّه ذنباً للآخرة، أو ضراً في الدنيا شمت به أمرني ربي أن لا أدع عملاً يجاوزني.)قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: وتصعد الحفظة بعمل العبد بفقه واجتهاد وورع، وله صوت كالرعد، وضوء كضوء البرق ومعه ثلاثة آلاف ملك فتمرّ بهم الحفظة إلى ملك السماء السابعة، فيقول الملك : قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، أنا ملك الحجاب، أحجب كل عمل ليس اللّه، إنه أراد رفعة عند القواد(1)، وذكراً في المجالس، وصيتاً في المدائن، أمرني ربي أن لا أدع عملاً يجاوزني إلى غيري ما لم يكن اللّه خالصاً.)قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : وتصعد الحفظة بعمل العبد مبتهجاً به من صلاة وزكاة وصيام وحجّ وعمرة وخلق حسن وصمت وذكر كثير، تشيّعه ملائكة السماوات والملائكة السبعة بجماعتهم، فيطأن الحجب كلّها حتّى يقوموا بين يديه سبحانه، فيشهدوا له بعمل ودعاء، فيقول: أنتم حفظة عمل عبدي، وأنا رقيب على ما في نفسه، إنّه لم يردني بهذا العمل عليه لعنتي. فتقول الملائكة : عليه لعنتك ولعنتنا... الحديث (2). وهو طويل أخذنا منه موضع الحاجة، وهو ينبّهك على أن العمل الخالص من)-------------------------------------------------------------------------قوله: «بهذا العمل عليه لعنتي».يدلّ على أن المرائي، بل كلّ من لم يرد بعمله وجه اللّه تعالى فهو ملعون؛ لأنه


1) قواد جمع قائد، وهو من يقود العسكر والأمراء والخوانين (منه).

2) عدّة الداعي ص 228 - 229.

الشوائب أقلّ قليل، نسأل اللّه العصمة والتوفيق.(ولا ييأس المذنبون من مغفرتي لذنوبهم وإن كثرت كما قال سبحانه: (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ) (1)وقال سبحانه: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) (2).)وفي الخبر عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : ليغفرن اللّه تعالى يوم القيامة مغفرة ما خطرت قطّ على قلب أحد حتّى أنّ إبليس ليتطاول لها رجاء أن تصيبه (3).)-------------------------------------------------------------------------مشرك، كما يدلّ عليه قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ «من صلى صلاة يرائي بها فقد أشرك»(4). وقوله «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء (5).)قوله تعالى: «لا تقنطوا من رحمة اللّه».ونعم ما قال سيّدنا الشاعر في هذا المعنى بالفارسية :گنهت سخت عظیم است به چشم تو نجات وسعت رحمت حق را تو چه پنداشته ایوله أيضاً :من كیستم وگناه من چیست تا مانع رحمت تو باشدقوله: «إنّ إبليس ليتطاول لها».


1) سورة الرعد: 6.

2) سورة الزمر: 53.

3) تفسير العياشي 1: 357.

4) عدة الداعي ص 203.

5) بحار الأنوار 72: 304 عن عدة الداعي.

وروى في الكافي عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أنه قال : لولا أنكم تذنبون، ثمّ تستغفرون اللّه لخلق الله خلقا حتّى يذنبوا ثمّ يستغفروا اللّه، فيغفر لهم(1).)ونقل الغزالي في الإحياء عن الامام أبي جعفر محمّد بن علي الباقر أنه كان يقول لأصحابه: أنتم أهل العراق تقولون : أرجى آية في كتاب اللّه عزّوجلّ قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ (2)ونحن أهل البيت نقول: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) (3)أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن)-------------------------------------------------------------------------تقول: تطاولت لها تساورت وحرصت عليها حتّى أبديت وأظهرت وجهي وتصديت لذلك ليتذكّرنيقوله: «فيغفر لهم».لعلّ الوجه فيه: أنّ الصفات الإلهية بأسرها تقتضي الظهور، وتتأبى عن الإستتار، فلابدّ من وجود مذنب مستغفر ليغفر له حتّى يظهر فيه الصفة الرحمة والغفّارية، وعليه فقس سائر أسمائه وصفاته، وفيه دقيقة يحتاج إلى التأمل.قوله: «إنّ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لا يرضى».)روي عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: رضي جدي أن لا يبقي في النار موحد.)وعن محمّد بن علي ابن الحنيفة أنه قال: وهي واللّه الشفاعة ليعطينها في أهل لا إله إلا اللّه، حتّى يقول: ربّ رضيت (4.)


1) أصول الكافي 2: 424 ح 1.

2) سورة الزمر: 53.

3) سورة الضحى: 5.

4) مجمع البيان 5: 505.

النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لا يرضى وواد من أمته في النار (1).)والأحاديث الواردة في سعة عفو اللّه، وجزيل رحمته، ووفور مغفرته، كثيرة جداً، ولكن لابد لمن يرجوها ويتوقعها من العمل الخالص المعد لحصولها، وترك الإنهماك في المعاصي المفوّت لهذا الإستعداد كمن ألقى البذر في أرض، وساق إليها الماء في وقته، ونقاها من الشوك والأحجار، وبذل جهده في قلع النباتات الخبيثة المفسدة للزرع، ثمّ جلس ينتظر كرم اللّه ولطفه سبحانه، مؤملا أن يحصل له وقت الحصاد مائة قفيز مثلاً. فهذا هو الرجاء الممدوح. وأما من تغافل عن الزراعة، واختار الراحة طول السنة، وصرف أوقاته في اللهو واللعب، ثمّ جلس ينتظر أن ينبت اللّه له زرعاً من دون سعي وكد وتعب، وكان طامعاً أن يحصل له كما يحصل لصاحبه الذي صرف ليله ونهاره في السعي والكد والتعب، فهذا أحمق وغرور لا رجاء.فالدنيا مزرعة الآخرة، والقلب الأرض، والايمان البذر، والطاعات هي الماء-------------------------------------------------------------------------قوله: «لابد لمن يرجوها».وبالجملة الرجاء الصرف البحت مذموم فإنّ من حمل نفسه على الرجاء تعطل، كما أن من حمل نفسه على الخوف قنط، بل ينبغي أن يكون العبد راجياً عاملاً وخائفاً تاركاً، وإلا فلا رجاء ولا خوف.قيل لسيدنا الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ : إن قوماً من مواليك يلمون المعاصي، ويقولون: نرجو، فقال: كذبوا أولئك ليسوا لنا بموال أولئك قوم ترجحت بهم الأماني، من رجا شيئاً عمل له، ومن خاف من شيء هرب منه (2).)


1) إحياء علوم الدين 4: 144.

2) أصول الكافي 2: 68 - 69 ح 6.

الذي يسقى به الأرض، وتطهير القلب من المعاصي والأخلاق الذميمة بمنزلة تنقية الأرض من الشوك والأحجار والنباتات الخبيثة، ويوم القيامة هو وقت الحصاد.فاحذر أن يغرّك الشيطان، ويثبّطك عن العمل، ويقنعك بمحض الرجاء والأمل، وانظر إلى حال الأنبياء والأولياء، واجتهادهم في الطاعات، وصرفهم العمر في العبادات ليلاً ونهاراً، أما كانوا يرجون عفو اللّه ورحمته ؟ بلى واللّه إنهم كانوا أعلم بسعة رحمة اللّه، وأرجى لها منك ومن كلّ أحد، ولكن علموا أنّ رجاء الرحمة من دون العمل غرور محض وسفه بحت فصرفوا في العبادات أعمارهم، وقصروا على الطاعات ليلهم ونهارهم.

## الحديث السابع والعشرون: أحكام النذور والقسم### إشارة:وبالسند المتّصل إلى الشيخ الجليل شيخ الطائفة محمّد بن الحسن الطوسي عن الشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان عن أبي القاسم جعفر بن محمّد، عن الشيخ الأجل ثقة الاسلام محمّد بن يعقوب الكليني، عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن حازم، عن الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):لا يمين لولد مع والده، ولا للمملوك مع مولاه، ولا للمرأة مع زوجها ولا نذر في معصية، ولا يمين في قطيعة (1)،(2).)-------------------------------------------------------------------------الحديث السابع والعشرونقوله: «وبالسند المتصل».هذا سند صحيح على ما اخترناه، كما مرّ غير مرّة، وحسن بإبراهيم بن هاشم على ما هو المشهور.وقوله: «عن أبي القاسم جعفر بن محمّد».هذا هو المشهور بابن قولويه.


1) تهذيب الأحكام 8: 285 ح 42.

2) هذا الحديث حسن الطريق بإبراهيم بن هاشم وباقي الرواة ثقات (منه).

بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث(لا يمين اليمين: القسم.)قيل: مأخوذ من اليمين بمعنى القوة؛ لأنّ الشخص يتقوى به على فعل ما يحلف على فعله، وترك ما يحلف على تركه.وقيل: مأخوذ من اليمن بمعنى البركة؛ لحصول التبرك بذكر اللّه تعالى.وقيل: مأخوذ اليمين بمعنى الجارحة المخصوصة؛ لأنهم كانوا عند الحلف يضربون أيمانهم بيمين المحلوف له. وهذه الوجوه الثلاثة ذكرها أبو علي الطبرسي (رحمه اللّه في تفسيره مجمع البيان(1).)(لولد مع والده سواء كان الولد ذكراً أو أنثى، وسواء كان الوالد حرًا أو عبداً.)أما لو كان كافراً، فهل هو في ذلك كالمسلم؟ لا يحضرني فيه تصريح لعلمائنا. وإطلاق الحديث يشمله. ويمكن إخراجه بآية رفع السبيل.(ولا للمملوك مع مولاه سواء تعدّد المولى أو لا. والظاهر أن المتحرّر بعضه كذلك.)(ولا للمرأة مع زوجها وهل المتمتع بها كذلك ؟ لم أجد لأحد من علمائنا فيه صريحاً والمطلقة رجعياً.زوجة.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «وهل المتمتع».نعم هي كذلك؛ لأنها زوجة بالاتفاق؛ لقوله تعالى (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ (2)فإنّ ظاهره يفيد إنحصار سبب الإباحة في الزوجية، و ملك)


1) مجمع البیان 1: 321.

2) سورة المؤمنون: 6.

وهل يشترط في الزوج البلوغ ؟ ظاهر الحديث العموم، وللنظر فيه مجال. ولم أظفر للأصحاب فيه بكلام.(ولا نذر في معصية النذر لغة الوعد، وشرعا إلتزام بفعل وترك بقول لله عليّ)-------------------------------------------------------------------------اليمين على سبيل الإنفصال الحقيقي، بحيث لا يجتمعان ولا يرتفعان، وأصحابنا لما حكموا بإباحة المتعة، فلابدّ من دخولها في المنفصلة، والأكانت باطلة، وليست بداخلة في ملك اليمين، فتدخل في الأزواج، فيشمله الحكم.قال في الكشّاف: فإن قلت: هل فيه أي في قوله تعالى (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُ دليل على تحريم المتعة؟)قلت : لا؛ لأنّ المنكوحة نكاح المتعة من جملة الأزواج إذا صح النكاح (1.)قوله: «وهل يشترط في الزوج البلوغ».لمّا كان لإذن الزوج والمولى مدخل في صحة اليمين أو لزومها، فلا يبعد القول باشتراط البلوغ فيهما؛ إذ لا عبرة هنا بإذن غير البالغ وعدم إذنه، كما في سائر أبواب الفقه، وخاصة إذا كان صغيراً غير متميّز؛ إذ لا نظر له في المصلحة والمفسدة، بل لا يبعد القول بعدم اعتبار إذنه وعدمه مطلقا، حتّى في الزيارات المندوبة والخروج عن البيت لصلة، وغيرها من الأمور المباحة، وإنما العبرة حينئذ بإذن الولي فيما يعتبر فيه إذنه، وليس هذا منه لعدم الدليل، فالقول بصحة يمين المملوك والزوجة أو لزومها إذا كان الزوج والمولى غير بالغين غير بعيد.قوله: «النذر لغة الوعد».بشرط وبدونه، وفي شرح الشرايع النذر لغة الوعد بخير أو شرّ، وشرعا: إلتزام


1) الكشّاف 3: 26 - 27.

متقرباً. والماضي منه مفتوح العين، ويجوز في مضارعه ضمّها وكسرها.(ولا يمين في قطيعة أي: قطيعة الرحم، كأن يحلف أن لا يكلّم أباه مثلاً.)ويمكن أن يكون (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أراد بالقطيعة ما يشمل قطيعة الأخ في الدين أيضاً.)-------------------------------------------------------------------------قربة لم يتعيّن أو مطلقا (1.)قوله: «ما يشمل قطيعة الأخ».فلا ينعقد اليمين في قطعه، كيف؟ وقد ورد أنه لا يحل أن يهجره فوق ثلاثة أيام. وفي رواية: إنّ أحدكم ليدع من حقوق أخيه شيئاً فيطالبه به يوم القيمة فيقضي له علیه (2.)وورد ما عبد اللّه بشيء أفضل من أداء حق المؤمن (3.)وفي الحديث النبوي: للمؤمن على أخيه ثلاثون حقاً لا براء له منها إلا بالأداء أو العفو: يغفر زلّته، ويرحم غربته (4، ويستر عورته، ويقيل عثرته، ويقبل معذرته، ويرد غيبته، ويديم نصيحته، ويحفظ خلّته، ويرعي ذمته، ويعود مرضته، ويشهد ميته، ويجيب دعوته ويقبل هديته ويكافيء صلته ويشكر نعمته ويحسن نصرته، ويحفظ حليلته، ويقضي حاجته، ويشفع مسألته، ويسمّت عطسته، ویرشد ضالته ويرد سلامه، ويطيب كلامه، ويبرّ إنعامه ويصدّق أقسامه، ويواليه ولا يعاديه (5)، وينصره ظالماً أو مظلوماً.)


1) مسالك الأفهام 11 : 309.

2) بحار الأنوار 74: 236.

3) أصول الكافي 2: 170 ح 4.

4) في البحار: عبرته.

5) في البحار: ويوالي وليه ولا يعاديه.

تبصرةنفيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ يمين الولد والمملوك والمرأة مع الوالد والمالك والزوج، يمكن أن يراد به نفي الصحة، فلا ينعقد في الأصل من دون سبق إذنهم فيها، ولا تؤثر الإذن المتعقبة، وأن يراد به نفي اللزوم، فينعقد ويكون لهم إلزامها وحلها. وهذا هو الذي أفتى به أكثر علمائنا كالمحقق (1)وغيره، ومال إليه العلّامة في القواعد (2).)وقد يستأنس له بعموم الآيات الدالة على وجوب الوفاء باليمين، كقوله تعالى: (ولا تنقضوا الأيمان (3)خرج ما إذا حلّها الأب والمالك والزوج، فيبقى الباقي (4). وفيه ما فيه.)وذهب بعض المتأخرين إلى الأوّل؛ لأنّ نفي الصحة هو أقرب المجازات إلى نفي الحقيقة.وهذا أظهر لولا أنّ الثاني أشهر. والخلاف إنّما هو في غير الحلف على فعل واجب أو ترك محرّم.-------------------------------------------------------------------------فأما نصرته ظالماً فيرده عن ظلمه، وأما نصرته مظلوماً فيعينه على أخذ حقه، ولا يسلمه، ولا يخذله ويحبّ له من الخير ما يحب لنفسه، ويكره له من الشرّ ما يكره لنفسه (5.)


1) شرائع الاسلام 2: 712.

2) قواعد الأحكام 2 : 131.

3) سورة النساء: 141.

4) لأنّ المراد من اليمين الصحيح، ويمين العبد والزوجة بدون إذن السيّد والزوج ليستا يميناً عندهم حتّى ينهي عن نقضها (منه).

5) بحار الأنوار 74: 236 ح 36.

أما الحلف على أحدهما، فلا بحث في لزومه، وأنه لا ولاية لأحد على حله.ولا يخفى أنّ النصّ بالولاية على هؤلاء إنّما ورد في اليمين، وليس في نذرهم نص.وبعض المتأخرين من علمائنا جعل نذرهم في ذلك كيمينهم، ودليلهم غير واضح، لكن روى الشيخ في التهذيب، عن الحسن بن علي الوشاء عن الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال : قلت له: إنّ لي جارية حلفت منها بيمين، فقلت: لله عليّ أن لا أبيعها أبداً، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ف اللّه بنذرك (1).)قال شيخنا الشهيد في الدروس بعد نقل هذا الخبر: وفيه دقيقة (2.)وأراد (رحمه اللّه أنه يدلّ على أنّ النذر يسمّى يميناً، فيستنبط منه توقف نذر الولد و أخويه على الإذن؛ لورود النص في توقف يمينهم. وهذه التسمية وإن استفيدت من كلام السائل، لكن تقرير الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) له في قوة تلفظه به. هكذا نقل عنه (رحمه اللّه).)وأنت خبير بأنّ التقرير على هذه التسمية على تقدير تسليمه لا يجعلها حقيقة؛ لجواز التقدير على المجاز، على أن الظاهر من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ : «ف لله بنذرك» الردّ عليه في تسمية اليمين نذراً لا تقريره عليها، كما لا يخفى.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «لا يجعلها حقيقة لجواز التقدير على المجاز».أنت خبير بأنّ الأصل في الإطلاق هو الحقيقة، وخاصة مع وجود ما يشير إليه، وهو تفريع صيغة النذر عليه، والقول بأن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «ف اللّه بنذرك» ردّ عليه في تسمية اليمين نذراً يستلزم جهله بلسان قومه، وهو بعيد.)


1) تهذيب الأحكام 8 310 ح 26.

2) الدروس الشرعية 2: 150.

وبالجملة فأمثال هذه الدلائل الضعيفة لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية، وإلا فيصار على ما يقتضيه ظاهر النص هو الأولى، واللّه أعلم.### المراد من قوله «لا نذر في معصية»هدايةقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «لا نذر في معصية» يشمل ما إذا كان نذرها مطلقاً، نحو: «لله عليّ أن أتزوّج خامسة» مثلاً، ومعلّقاً سواء كانت المعصية شرطاً، نحو: «إن شربت خمراً فلله عليّ كذا إذا لم يقصد زجر النفس عنه، أو جزء نحو: «إن شفي مريضي فلله على أن أصوم العيد» مثلاً.)هذا وقد ذهب السيّد المرتضى (رضي اللّه عنه إلى بطلان النذر المطلق مطلقا، طاعة كان أو معصية، واعتبر في ماهية النذر أن يكون معلقاً على شيء، وادعى على ذلك إجماع الامامية.)-------------------------------------------------------------------------كيف لا ؟ والرجل من أفاضل الرواة ومن فقهائهم، وله كتب، منها ثواب الحجّ والمناسك والنوادر وغيرها، كما يظهر من كتب الرجال، فارجع إليها.وروى النجاشي بسند صحيح عن أحمد بن محمّد بن عيسى، قال: خرجت إلى الكوفة في طلب الحديث، فلقيت به الحسن بن علي الوشاء، فسألته أن يخرج لي كتاب العلاء بن رزين القلاء، وأبان بن عثمان الأحمر، فأخرجهما إليّ، فقلت له: أحبّ أن تجيزهما لي، فقال لي: يا رحمك اللّه وما عجلتك إذهب فاكتبهما واسمع من بعد فقلت لا آمن الحدثان، فقال : لو علمت أنّ هذا الحديث يكون له هذا الطلب لاستكثرت منه، فإنّي أدركت في هذا المسجد تسعمائة شيخ كل يقول: حدّثني جعفر بن محمّد (عَلَيهِمَا السَّلَامُ. وكان هذا الشيخ عيناً من عيون هذه الطائفة (1).)


1) رجال النجاشي ص 39 - 40 برقم: 80.

وقال: إنّ العرب لا تعرف من النذر إلا ما كان معلّقاً كما قاله تغلب، والكتاب والسنّة وردا بلسانهم، والنقل على خلاف الأصل (1. هذا ملخص كلامه (طاب ثراه).)وقد خالفه أكثر علمائنا، وحكموا بانعقاد النذر المطلق كالمعلق، وقد استدل على ذلك بوجوه : الأوّل: نقل الشيخ الإجماع على ذلك.الثاني: أنه ورد في الكتاب مطلقاً غير مقيد بشرط، كقوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا (2)(إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) (3)يوفون بالنذر) (4)وغير ذلك.)الثالث: إطلاق قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : « من نذر أن يطيع اللّه فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» (5)ولو كان النذر مختصاً بالشروط لم يحسن إطلاق الأمر بالطاعة بمجرّد النذر، بل كان ينبغى أن يقول : فليطعه إذا حصل الشرط المعلّق عليه.)الرابع ظاهر ما رواه أبو الصباح الكناني في الصحيح عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال: «سألته عن رجل قال: علي نذر، فقال: ليس النذر بشيء حتّى يسمّي شيئاً لله صياماً أو صدقة أو حجّا» (6)فقد جعل (عَلَيهِ السَّلَامُ) المصحح للنذر هو تسمية الصيام أو الصدقة أو الحج اللّه تعالى. ولو كان الشرط من المصححات لذكره أيضاً. هذا خلاصة ما استدل به على شمول النذر للمطلق والمعلّق.)


1) الانتصار ص 164.

2) سورة مريم: 26.

3) سورة آل عمران: 35.

4) سورة الانسان: 7.

5) سنن ابن ماجة 1: 687.

6) تهذيب الأحكام 8: 303 ح 2.

ويخطر بالبال أنه ليس في شيء من هذه الدلائل ما ينهض حجّة على السيّد-------------------------------------------------------------------------قوله: «ويخطر بالبال».حاصله : أن السيّد (قدّس سرّه لمّا ادّعى أنّ النذر في اللغة هو الوعد بشرط، حيث قال: إن العرب لا تعرف من النذر إلا ما كان معلّقاً، كما قاله تغلب، فلا تقوم هذه الآيات والروايات حجّة عليه؛ لأنّها إمّا عامة أو مطلقة كما اعترفوا به، فهو يحملها على ما كان معلّقاً بشرط.)وأنت خبير بما فيه، فإنّ أولئك الأعلام المخالفين للسيد في هذه المسألة لم يجعلوا هذه الدلائل حجّة عليه، وإنما جعلوها دلائل على حكمهم بانعقاد المطلق كالمعلّق، بعد أن أبطلوا دليله على بطلان المطلق مطلقا، بأن قول تغلب وهو عمدة دليله معارض بما نقل عن أهل اللغة أنه بغير شرط أيضاً، وبأن الاجماع غير ثابت، وقد عورض بمثله، فيبقى عموم الآيات والروايات الشامل للمطلق والمعلّق بحاله من غير معارض، بل مؤيّد بأصالة عدم عدم اعتبار كونه مقيداً بشرط.وكذا عدم عمله بالأخبار الآحاد لا يضر من خالفه إذا كان عاملاً بها؛ لأنه لا يجعلها حجّة عليه كما عرفت بل يجعلها دليلاً على حكمه بعد إبطاله دليله بما عرفت، وصحيحة منصور بن حازم وغيرها واضحة الدلالة على ما حكم به وتأويلها إلى ما أوّلها إليه الشيخ (قدّس سرّه خلاف الظاهر، بل في غاية البعد.)ومدار الإستدلال بالآيات والروايات من السلف إلى الخلف على الظاهر المتبادر، ولا يقدح فيه الإحتمالات البعيدة الغير المنساقة إلى الذهن.وأما ما اشتهر بين الطلبة من قولهم إذا جاء الإحتمال بطل الاستدلال» فإنّما هو في العقليات الصرفة المطلوب فيها اليقين، وأمّا في النقليات التي يكتفى فيها بمجرد تحصيل الظن فلا.

أمّا نقل الشيخ الاجماع فظاهر، أي ظاهر خلاف للإجماع لمخالفة السيّد.وأما الآيات الثلاثة، فإنّما دلّت على وقوع نذر الصوم والتحرير والوفاء به. ولا ريب أن السيّد يحمله على المشروط، فإنّ ماعداه ليس نذراً عنده، وليس في الآيات دلالة على أنّ النذر المذكور فيها لم يكن معلّقاً على شرط.أمّا الأولى، فمع أنها حكاية عما وقع في شريعة أخرى لم تتضمّن سوى أمر مریم (عَلَيهَا السَّلَامُ، بأن تخبر الناس أنها نذرت صوماً أي صمتاً، وكونها لم تذكر الشرط في هذا الخبر لا يقتضي أن لا يكون قد ذكرته في النذر، ولم يثبت أنّ كلامها هذا كان صيغة النذر حتّى يقال: إنّه خال عن الشرط، بل الموجود في التفاسير أنه كان إخباراً عن وقوع النذر سابقاً.)فإن قلت: هذا الكلام مستلزم لمخالفة النذر، فلابدّ من الحمل على أنه هو صيغة النذر لتسلم من الحنث.قلت: لعلّها استثنت حال النذر الإخبار به أو أنها كانت مضطرة إلى الكلام بهذا القدر؛ لئلا يظنّ قومها أنّ تركها إجابتهم وقع منها عناداً أو خجلاً من صدور ماتوهموه في حقها. وبعض المفسرين على أنّ إخبارها بالنذر كان بالإشارة، فأطلق سبحانه عليها القول مجازاً.وقد نقل الشيخ الجليل أبو علي الطبرسي (رحمه اللّه في مجمع البيان أنه كان قد أذن لها أن تتكلّم بهذا القدر، ثمّ تسكت ولا تتكلّم بشيء آخر (1). وهو صريح في أن كلامها هذا لم يكن صيغة النذر، بل إخبار بسبق وقوعه منها كما مرّ.)وأما الآية الثانية، فهى وإن احتملت أن يكون هذا الكلام الصادر عن امرأة عمران هو صيغة النذر، إلا أنّ كلام المفسّرين صريح في أنها قالته بعد صدور


1) مجمع البيان 3: 512.

النذر.قال في الكشّاف: روي أنها كانت عاقراً لم تلد إلى أن عجزت، فبينا هي في ظلّ شجرة بصرت بطائر يطعم فرخاً له، فتحرّكت نفسها للولد وتمنّته، فقالت: اللّهمّ إنّ لك عليّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس، فيكون من سدنته وخدمته فحملت بمريم (عَلَيهَا السَّلَامُ (1). إنتهى كلام الكشّاف.)فإن قلت: قد روى الشيخ أبو علي الطبرسي (رحمه اللّه في كتاب مجمع البيان عند تفسير هذه الآية عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أنه قال: إن اللّه عز وجل أوحى إلى عمران: إنّي واهب لك ذكراً يبرىء الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن اللّه، وجاعله رسولاً إلى بني إسرائيل، فحدث امرأته بذلك، وهي أمّ مريم (عَلَيهَا السَّلَامُ)، فلمّا حملت بها قالت (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) الحديث. وهو يشعر بأنّ هذا القول هو صيغة النذر، وأنه لم يسبق منها نذر تحريره إن رزقته، كما رواه في الكشّاف، إذ بعد إعلام اللّه سبحانه بهبة الولد لا معنى لاستجلابه بالنذر (2).)قلت: ليس في هذه الرواية إشعار بما زعمت، فإنّ قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «فلما حملت... إلى آخره» لا يدلّ إلا على أنها وقع منها هذا القول بعد الحمل، وهو لا يدل على عدم وقوع النذر قبله بشيء من الدلالات، وإخبار اللّه سبحانه عمران بهبة الذكر له لا ينافي نذرها؛ لأنه لم يخبره بأنه يحصل منها، وعلى تقدير علمها بذلك يمكن أن يكون نذرها كان قد وقع قبل إخباره سبحانه وبالجملة فلا دلالة في هذه الآية على ما ينافي مذهب السيّد بوجه)وأما الآية الثالثة، فذكرها في معرض الإستدلال عجيب، فإنّها لم تتضمن إلاّ


1) تفسير الكشّاف 3: 355.

2) مجمع البيان 1: 434.

المدح بالوفاء بالنذر، وذلك النذر الذي هو سبب نزولها معلّق على الشرط باتفاق الأمة، والقصة أشهر من أن تذكر ولكنّها نذكرها تبرّكاً بذكر من نزلت الآية بل السورة في شأنهم سلام اللّه عليهم أجمعين.قال القاضي البيضاوي في تفسيره: عن ابن عبّاس: إن الحسن والحسين ضي اللّه عنهما مرضا، فعادهما رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في ناس، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك، فنذر علي وفاطمة رضي اللّه عنهما وفضة جاريتهما صوم ثلاثة أيام إن برءا. فشفيا وما معهم شيء، فاستقرض علي (رضي اللّه عنه) من شمعون الخيبري ثلاث أصوع من شعير، فطحنت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) صاعاً، واختبزت خمسة أقراص، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم مسكين، فآثروه وباتوا ولم يذوقوا إلا الماء، وأصبحوا صياماً، فلما أمسوا ووضعوا الطعام وقف عليهم يتيم فآثروه، ثمّ وقف عليهم في الثالثة أسير، ففعلوا مثل ذلك.)فنزل جبرئيل (عَلَيهِ السَّلَامُ بهذه السورة، وقال: خذها يا محمّد هناك اللّه في أهل بيتك (1)إنتهى كلام القاضي.)وأما الاستدلال بقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «من نذر أن يطيع اللّه فليطعه» فلو تم التقريب الذي ذكرتموه فيه لدلّ على عدم مشروعية النذر المعلّق، كما لا يخفى على)-------------------------------------------------------------------------قوله: «لدلّ على عدم مشروعية النذر».بأن يقال: لو كان النذر المعلّق مشروعاً لما حسن إطلاق الأمر بالطاعة بمجرد النذر، بل كان ينبغي أن يقول : فليطعه إذا حصل الشرط المعلّق عليه.فإن قلت: لا منافاة بين إطلاقه ومشروعية المعلّق؛ إذ كلّ مطلق قابل للتقييد.


1) تفسير البيضاوي 2: 526.

المتأمّل (1. وما هو جوابكم، فهو جواب السيّد (قدس اللّه روحه). على أنه (رحمه اللّه) لا يعمل بخبر الآحاد فأمثال هذه الأخبار ليست حجّة عليه.)وأما رواية أبي الصباح، فهو يقول بموجبها من أن تسمية العبادة شرط في النذر ومصحح له، والامام (عَلَيهِ السَّلَامُ جعل تسمية العبادة كالجزء الأخير من المصححات، كما تشعر به «حتى» الإنتهائية، ولم يحصر المصحح في ذلك، فيصح أن يكون له مصححات أخر من التعليق وغيره.)هذا وربما يستدلّ على ما ذهب إليه الأكثر من صحة النذر المطلق، بما رواه الشيخ في الصحيح عن منصور بن حازم، عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال: «إذا قال الرجل: علي المشي إلى بيت اللّه وهو محرم بحجة، أو علي هدي كذا وكذا، فليس بشيء حتّى يقول: لله عليّ المشي إلى بيته أو يقول: لله عليّ كذا وكذا إن أفعل كذا وكذا » (2)فإنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد بيّن النذر المطلق بقوله «لله عليّ المشي إلى بيته» والمعلّق بقوله «لله عليّ هدي كذا وكذا إن لم أفعل كذا»)-------------------------------------------------------------------------قلت: هذا بعينه هو جواب السيّد.قوله: «لله عليّ المشي إلى بيته».قد يستدل بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «حتّى يقول» على عدم انعقاد النذر من غير لفظ، كما هو مذهب الأكثر، واستدلوا عليه أيضاً بأنّ النذر من قبيل الأسباب، والأصل فيها اللفظ الكاشف عمّا في الضمير، و لأنه في الأصل وعد بشرط أو بدونه، و الوعد)


1) بأن يقال: لو كان النذر المعلّق صحيحاً لم يحسن إطلاق الأمر بالطاعة على مجرّد النذر، والطاعة إنّما يجب الاتيان بها حينئذ بعد حصول الأمر المعلّق عليه لا بمجرد النذر، فتأمّل (منه).

2) تهذيب الأحكام 8: 303 ح 1.

ولا يخفى أنّ هذه الرواية كما تحتمل التنزيل على هذا المعنى تحتمل التنزيل على معنى آخر، وهو أن يكون قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «إن لم أفعل كذا قيداً لمجموع النذرين معاً، ومع قيام الإحتمال يسقط الإستدلال.)تذنيبمتعلّق اليمين لابد أن يكون وقت الحلف راجحاً ديناً، أو دنياً، أو متساوي-------------------------------------------------------------------------لفظي والأصل عدم النقل.وذهب جماعة منهم الشيخان إلى عدم اشتراط اللفظ؛ للأصل وعموم الأدلة، ولقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ « إنما الأعمال بالنيات وإنّما لكل امرىء مانوئ» (1)و «إنّما» للحصر والباء سببية، فتدل على حصر السببية فيها، واللفظ إنما اعتبر في العقود ليكون دالاً على الإعلام بما في الضمير، والعقد هنا مع اللّه العالم بالسرائر.)وتردّد الشهيد في الدروس (2، والعلّامة في المخلتف (3)، ورجح في غيره الأول، وطريق الإحتياط واضح.)قوله: «ومع قيام الاحتمال».قد عرفت ما فيه فتذكر.قوله: «متعلّق اليمين لابد».متعلّق اليمين ما يحلف عليه، والراجح ديناً كالأغسال المندوبة وترك الأكل باليسرى، والراجح دنيا كلبس الثياب الفاخرة وأكل الأطعمة اللذيذة وترك مباشرة العجائز ومجالسة الأدنين.


1) عوالي اللئالي 1: 81 و 380.

2) الدروس الشرعية 2: 150.

3) مختلف الشيعة 8: 194 - 195.

الطرفين، ولو طرأت مرجوحيته جاز مخالفة اليمين من غير كفارة عندنا، فإن زالت المرجوحية قبل المخالفة حرمت، فإن عادت عاد جواز المخالفة. وهكذا كلّما عادت عاد، وكلّما زالت زال.وأما متعلّق النذر، فالمشهور بين أصحابنا اشتراط كونه راجحاً بحسب الدين، فلا يصح نذر المباح إلا عند بعض.لا يقال: من نذر الصدقة بهذا الدينار مثلا وجب عليه تخصيصه بالصدقة، مع أنّ هذا التخصيص غير راجح في الأصل.لأنا نقول: المنذور هنا هو الصدقة الخاصّة لا نفس التخصيص، وفعل الصدقة الخاصّة كان راجحاً قبل النذر على تركها لا إلى بدل، ولو فرض نذر نفس التخصيص لصح أيضاً؛ لأنه راجح بهذا المعنى، فتدبّر.-------------------------------------------------------------------------وأما ما يتساوى طرفاه فکل فعل مباح فعله کتركه بحسب المعاش والمعاد، والمرجوح كلّ ما تركه أولى من فعله كالأفعال المكروهة، والراجح كلّ ما فعله أولى من تركه كالأفعال المستحبة.قوله: «ولو فرض نذر نفس التخصيص».كما لو وجب عليه أن يتصدق بدينار مثلاً، فنذر أن يوقعه في ضمن هذا الدينار الخاص.وفيه أن التخصيص ليس براجح ديناً ولا دنياً، كما لا يخفى، وإليه أشار بقوله «فتدبّر».

## الحديث الثامن والعشرون : أنموذج من قضاء أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)وبالسند المتّصل إلى الشيخ الجليل محمّد بن يعقوب الكليني، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عبدالرحمن بن الحجاج قاضي بغداد قال سمعت ابن أبي ليلى يحدث أصحابه قال: قضى أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ بين رجلين اصطحبا في سفر، فلما أرادا الغذاء أخرج أحدهما من زاده خمسة أرغفة، وأخرج الآخر ثلاثة أرغفة، فمرّ بهما عابر سبيل، فدعواه إلى طعامهما، فأكل الرجل معهما حتّى لم يبق شيء، فلما فرغوا)-------------------------------------------------------------------------الحديث الثامن والعشرونقوله: «ابن أبي ليلى».محمّد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي من أصحاب الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ، وكان قاضياً من قبل العامّة مذموم، كما يظهر من ترجمته في الخلاصة، روى ابن عقدة عن عبد اللّه بن إبراهيم بن قتيبة، عن ابن نمير، وسئل عن ابن أبي ليلى، فقال: كان صدوقاً مأموناً، ولكنّه سيّىء الحفظ جداً، وهذه الرواية من المرجحات (1).)


1) رجال العلّامة الحلّي ص 165.

أعطاهما العابر بهما ثمانية دراهم، ثواب ما أكل من طعامهما.فقال صاحب الثلاثة أرغفة لصاحب الخمسة أرغفة: أقسمها نصفين بيني وبينك. وقال صاحب الخمسة : لا بل يأخذ كل واحد منّا من الدراهم على عدد ما أخرج من الزاد.قال: فأتيا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ في ذلك، فلما سمع مقالتهما، قال لهما : إصطلحا فإن قضيّتكما دنيّة.)فقالا: إقض بيننا بالحقِّ.قال: فأعطى صاحب الخمسة أرغفة سبعة دراهم، وأعطى صاحب الثلاثة أرغفة درهماً واحداً، وقال لهما: أليس أخرج احدكما من زاده خمسة أرغفة وأخرج الآخر ثلاثة؟ قالا: نعم.قال : أليس أكل معكما ضيفكما مثل ما أكلتما ؟قالا : نعم.قال : أليس أكل كلّ واحد منكما ثلاثة أرغفة غير ثلث؟قالا : نعم.قال: أليس أكلت أنت يا صاحب الثلاثة ثلاثة أرغفة غير ثلث، وأكل الضيف ثلاثة أرغفة غير ثلث؟ أليس بقي لك يا صاحب الثلاثة ثلث رغيف من زادك، وبقي لك يا صاحب الخمسة رغيفان وثلث وأكلت ثلاثة أرغفة غير ثلث؟ فأعطاكما بكل ثلث رغيف درهماً، وأعطى صاحب الرغيفين وثلث سبعة دراهم، وأعطى صاحب الثلاثة أرغفة درهماً (1.)قال جامع هذه الأحاديث على اللّه عنه: القضايا الغريبة المنقولة عن


1) فروع الكافي 7: 427 - 428 ح 10.

أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ كثيرة، وقد اشتمل تهذيب الأحكام والكافي وكتاب من لا يحضره الفقيه على طرف منها. وقد أفرد لها بعض العلماء كتاباً ضخماً اطلعت عليه بخراسان سنة اثنين وسبعين وتسعمائة.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ كثيرة ».)وكفى في هذا الباب قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ « أقضاكم على» (1)صلوات اللّه وسلامه عليهما وألهما.)ولكن أنت خبير بأنه لا غرابة في هذه القضية بعد ما بنى الأمر على مساواة الأرغقه كما وكيفاً وقيمةً، وعلى أن كلا منهم أكل ما أكل الآخر قدراً، فإن من الظاهر أنّ من قسمة الثمانية على الثلاثة يخرج لكلّ واحد إثنان وثلثا رغيفة، ويظهر منه أن العابر قد أكل من ذي الثلاثة ثلثا ومن ذي الخمسة اثنين وثلثاً، أعني: سبعة أثلاث، فإذا أعطى به ثمانية دراهم، يأخذ كل ثلث درهماً، وهذا ما لا يخفى على من له أدنى معارفة بالحساب.واعلم أن هذا الحديث في الأربعين للشيخ جمال الدين هكذا: إنّ رجلين جلسا للغذاء، وعندهم ثلاثة أرغف فمرّ بهما رجل، فدعواه للغذاء، فجاء تغدى واستتمّوا الأرغفة، فأخرج الرجل المدعو ثمانية دراهم ودفعها إليهما وذهب، فقال صاحب الخمسة لصاحب الثلاثة: خذ ثلاثة دراهم وآخذ الخمسة، فقال: ما آخذ إلا أربعة.فاختصما إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): خذ ما عرض عليك صاحبك وانصرف وارض به فقال: لا واللّه لا أرضى إلا بتميّز الحق.)


1) راجع إحقاق الحق 321:4 - 323.

-------------------------------------------------------------------------فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ : فليس لك في الحق إلا درهم واحد، وله سبعة دراهم، فقال: سبحان اللّه يا أمير المؤمنين هو يعرض عليّ ثلاثة دراهم وأشار بها عليّ فلم أرض، ثمّ تقول الآن ليس لك إلا درهم واحد.)فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ : إنه قد عرض عليك ظناً منه أنّ ذلك حقك، وأشار بها عليك الصلح فلم تقبله، فقال الرجل: فعرّفني بتميّز الحق ثمّ أقبله.)قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: نعم أليس كلّ رغيفة ثلاثة أثلاث؟ قال: بلى، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فالثمانية الأرغفة أربعة وعشرون ثلثاً، منها لك تسعة أثلاث، ونفرض أنكم أكلتم بالسوية لا نعلم الأكثر أكلاً من الأقل، فأكل كلّ منكم ثمانية أثلاث، أكل لك ثلث واحد، وأكل لصاحبك سبعة أثلاث، فله سبعة دراهم ولك درهم واحد بثلثك، فقال الرجل: الآن رضيت من أمير المؤمنين (1).)


1) راجع: بحار الأنوار 263:40 - 264 ح 32.

## الحديث التاسع والعشرون: الآثار السيئة للثروةوبالسند المتّصل إلى الشيخ الجليل محمّد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا،عن أحمد أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عمّن ذكره عن الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ قال: جاء رجل موسر إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نقلي، الثوب، فجلس إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فجاء رجل معسر درن الثوب، فجلس إلى جنب الموسر، فقبض الموسر ثيابه من تحت فخذيه.)-------------------------------------------------------------------------الحديث التاسع والعشرونقوله: «فجلس».قيل: إنّ الجلوس هو الإنتقال من سفل إلى علوّ، والقعود هو الإنتقال من علوّ إلى سفل. فعلى الأوّل يقال للنائم: أجلس. وعلى الثاني يقال للقاعد: أقعد، وقد يستعمل جلس بمعنى قعد كما يقال: جلس متربّعاً، وهذا هو المراد من عبارة الحديث في الموضعين.ثم أنت خبير بأنّ ما ذكره الشيخ من المعنيين لا يناسب قوله «فجلس إلى جنب الموسر بل لا يناسبه معنى توجّه أيضاً، ولعلّه لما استعمل جلس هنا بمعنى قعد أعطاه معنى صار، فإنّ قعد قد يستعمل ناقصة بمعنى صار، كما في قوله «ارهف

فقال له رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : خفت أن يمسك من فقره شيء؟ قال: لا.)قال: فخفت أن يصيبه من غناك شيء؟ قال: لا.قال: فخفت أن يوسخ ثيابك؟ قال: لا.قال: فما حملك على ما صنعت؟فقال: یا رسول اللّه إنّ لي قريناً يزين لي كل قبيح، ويقبح لي كلّ حسن، وقد جعلت له نصف مالی.فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ المعسر : أتقبل ؟ قال : لا.)فقال له الرجل: ولم؟قال: أخاف أن يدخلني ما دخلك(1.)-------------------------------------------------------------------------شفرته حتّى قعدت كأنها حربة» (2أي: صارت.)والأظهر أنّ قبض هنا بمعنى أخذ كما في قوله تعالى (فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ (3)أي: أخذت وضمير «فخذيه» يرجع إلى المعسر لا إلى الموسر؛ لأنه لما جلس في جنبه فوق ثيابه أخذها من تحت فخذيه وأخرجها منه، كما يشير إليه قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «فخفت أن يوسخ ثيابك» فافهم.)وفي هذا الحديث من مذمّة الغنى ما يؤدّي هو إليه ما لا يخفى، وكفى في هذا الباب قوله تعالى (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (4).)


1) أصول الكافي 2: 262 ح 11.

2) مجمع البحرين 3: 130.

3) سورة طه: 96.

4) سورة العلق: 6.

بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث(فجلس إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «إلى» إما بمعنى «مع» كما قاله بعض المفسرين في قوله تعالى: (من أنصاري إلى اللّه) (1)أو بمعنى «عند» كما في قول الشاعر:)أشهى إليّ من الرحيق السلسلويجوز أن يضمن جلس معنى توجه ونحوه.(درن الثوب بفتح الدال وكسر الراء المهملتين صفة مشبهة من الدرن بفتحهما، وهو الوسخ.)(فقبض الموسر ثيابه من تحت فخذيه ضمير فخذيه» يعود إلى الموسر، أى)-------------------------------------------------------------------------قوله: «أو بمعنى عند كما في قول الشاعر».الأولى أن يستدلّ على كونها بمعنى «عند» بقوله تعالى (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (2)أي: محل نحرها عند البيت العتيق.)وأما «إلي» في قول الشاعر، فالظاهر أنها للتبيين، وهي المبينة فاعلية مجرورها، كما قالوا في قوله تعالى (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ (3).)قوله: «أشهى إليّ من الرحيق السلسل».أوله: «هلا سبيل إلى الشباب فذكره».والرحيق الخالص من الشراب. وقيل: أفضل الخمر وأجودها.وماء سلسل وسلسال: سهل الدخول في الحلق لعذوبته وصفائه.


1) سورة الصف: 14.

2) سورة الحج: 33.

3) سورة يوسف: 33.

جمع الموسر ثيابه وضمها تحت فخذي نفسه لئلاً تلاصق ثياب المعسر. ويحتمل عوده إلى «المعسر»..و«من» على الأوّل إما بمعنى «في» أو زائدة على القول بجواز زيادتها في الإثبات. وعلى الثاني لابتداء الغاية. والعود إلى «الموسر» أولى، كما يرشد إليه قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «فخفت أن يوسخ ثيابك» فافهم(1).)(إنّ لي قريناً يزين لي كل قبيح أي: إنّ شيطاناً يغويني ويجعل القبيح حسناً في نظري، والحسن قبيحاً. وهذا الفعل الشنيع الذي يصدر مني من جملة إغوائه لي.)(قد جعلت له نصف مالي أي: في مقابلة ما صدر منّي إليه من كسر قلبه، وزجراً لنفسي عن العود إلى مثل هذه الزلة.)(قال: أخاف أن يدخلني ما دخلك أي: من الكبر والغرور والترفّع على الناس، واحتقارهم، وسائر الأخلاق الذميمة التي هي من لوازم التموّل والغنى.)


1) لأن قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «فخفت أن يوسخ ثيابك» الغرض منه مجرد التقريع للموسر، كما هو الغرض من التقريعين السابقين، أعني: قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «خفت أن يمسك من فقره شيء» و«خفت أن يصيبه من غناك شيء» وهذه التفريعات الثلاثة منخرطة في سلك واحد. ولو كانت ثبات الموسر تحت فخذي المعسر لأمكن أن يكون قبضها من تحت فخذيه خوفاً من أن يوسخها (منه).

## الحديث الثلاثون: شرح مناهي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)### إشارة:وبالسند المتّصل إلى الشيخ الصدوق ثقة الاسلام محمّد بن بابويه القمي، عن حمزة بن محمّد بن أحمد بن جعفر بن محمّد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قال : حدّثنا أبو عبد اللّه عبدالعزيز بن محمّد بن عيسى الأبهري، قال: حدّثنا أبو عبد اللّه محمّد بن زكريا الجوهري البصري، قال: حدّثنا شعيب بن واقد، قال: حدّثنا الحسين بن زيد عن الامام الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِم السَّلَامُ، قال :)نهى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ عن الأكل على الجنابة، فإنّه يورث الفقر.)ونهى عن تقليم الأظافبر بالأسنان.وقال : لا تجعلوا المساجد طرقاً حتّى تصلوا فيها ركعتين.ونهى أن يبول أحد تحت شجرة مثمرة، أو على قارعة الطريق.ونهى أن يبول الرجل وفرجه باد للشمس أو للقمروقال: إذا دخلتم الغائط فتجنبوا القبلة.ونهى أن يدخل الرجل في سوم أنيه المؤمن.ونهى أن يكثر الكلام عند المجامعة، وقال: منه يكون خرس الولد.ونهى أن تتكلّم المرأة عند غير زوجها وغير ذي محرم منها أكثر من خمس

کلمات ممّا لابد لها منه.ونهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة.ونهى عن لبس الحرير والديباج والقرّ للرجال. وأما النساء فلا بأس.-------------------------------------------------------------------------الحديث الثلاثونقوله: «والديباج».الديباج من الثياب المتخذة من الأبريسم سداه فارسي معرب، وقد يفتح داله، واختلف في يائه، فقيل: زائدة وزنه فيعال، ولهذا يجمع بالياء، فيقال: ديابج، وقيل: هي أصل والأصل دبّاج بالتضعيف، فأبدل من احدى البائين حرف علة، ولهذا يجمع على دبابيج بباء موحدة بعد الدال وفي خبر آخر لا تلبسوا الحر والديباج (1. يريد به الاستبرق، وهو الديباج الغليظ.)والقزّ بالفتح والتشديد قيل: هو ما يعمل من الأبريسم، وعن بعضهم القز والأبريسم مثل الحنطة والدقيق.ومن هنا يقول الفقهاء: إنّ القزّ نوع من الحرير، وإن غايره في الاسم.وهذا منهم مأخوذ من كتب اللغة، من كتب اللغة، وهم كثيراً ما يجوزون في شرح الألفاظ، ويعبّرون عن معانيها بألفاظ مجازية، والعارف بحقيقة الحال يعلم أن القر والحرير مثل الخل والشراب.فالحكم بحرمة أحدهما لا يستلزم الحكم بحرمة الآخر، وليس على تحريم لبس خصوص القرّ خبر إلا إثنان أو ثلاثة بين ضعيف ومجهول، كذا الخبر الذي نحن فيه.


1) مجمع البحرين 2: 296.

وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : لعن اللّه الخمر وعاصرها وغارسها وشاربها وساقيها وبايعها ومشتريها، وآكل ثمنها وحاملها والمحمولة إليه.)وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: من شربها لم تقبل له صلاة أربعين يوماً، وإن مات وفي بطنه شيء منها كان حقاً على اللّه أن يسقيه من طينة خبال، وهو صديد أهل النار وما يخرج من فروج الزناة، فيجتمع ذلك في قدر جهنم، فيشربه أهل النار، فيصهر ما في بطونهم والجلود.)ونهى عن ضرب وجوه البهائم.-------------------------------------------------------------------------والاباحة الأصلية مع ضعف مستند الحكم وعدم ظهور الاجماع هنا، تفيد جواز لبسه والاحتياط لا يترك، والمشهور جواز الصلاة في ثوب مكفوف بالحرير، بأن يجعل في رؤوس الأكمام والذيل وحول الزيق بالكسر، وهو من القميص ما أحاط بالعنق، وكذا يجوز اللبنة وهي الجيب؛ لما روي أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ كان له جبّة كسراوية لها لبنة ديباج وفرجاها مكفوف بالديباج، وقدر نهايت عرض ذلك بأربع أصابع مضمومة من مستوي الخلقة.)قوله: «ونهى عن ضرب وجوه البهائم».إنا لأنها تتضرّر بالضرب على الوجه أكثر ممّا تتضرّر من غيره، أو لأن دلالة الوجه على العلم والتمدرة أكثر من غيره، كما يظهر من كتب التشريح، أو للنطق الذي لها في الوجه، أو لتسبيح آخر خاص لا نفقهه.قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : للدابة على صاحبها خصال، أي حقوق، وعدّ منها أن ! يضرب وجهها، فإنّها أي الوجوه أو الدابة تسبح بحمد ربّها (1).)


1) من لا يحضره الفقیه 2: 187، والفصال ص 330.

ونهى أن يقول الرجل للرجل : لا وحياتك وحياة فلان.ونهى عن الكلام يوم الجمعة والامام يخطب.ونهى أن يستعمل أجيراً حتّى يعلم ما أجرته.-------------------------------------------------------------------------وقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ في الدواب: لا تضربوا الوجوه، ولا تلعنوها، فإنّ اللّه عزّوجلّ لعن لاعنها (1).)وفي رواية أخرى: لا تقبحوا الوجوه (2. أي بالكي ونحوه.)و عن الباقر : لكل شيء حرمة، وحرمة البهائم في وجوهها (3.)قوله: «لا وحياتك».بل يظهر من بعض الأخبار كراهة القسم بغير اللّه مطلقا بل حرمته، ففي حسنة محمّد بن مسلم، قال: قلت لأبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ : قول اللّه عزّوجلّ (والليل إذا يغشى) (والنجم إذا هوى) وما أشبه ذلك، فقال: إن لله عز وجل أن يقسم من خلته بما يشاء، وليس لخلقه أن يقسموا إلا به (4).)وعنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : لا تحلفوهم إلا بالله (5).)وفي رواية أخرى: عند (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : من كان حالفاً فليحلف بالله أو يذر(6).)إلى غير ذلك.


1) من لا يحضره الفقيه 2: 188 برقم: 845.

2) من لا يحضره الفقيه 2 : 188 برقم: 846.

3) فروع الكافي 6: 539 ح 10.

4) فروع الكافي 7: 449 ح 1.

5) فروع الكافي 7 : 451 ح 1 و 5.

6) راجع: وسائل الشيعة 23: 261.

ونهى أن يختال الرجل في مشيته.وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ من عرضت له فاحشة أو شهوة، فاجتنبها من مخافة اللّه عزّوجلّ، حرّم اللّه عليه النار، وآمنه من الفزع الأكبر، وأنجز له ما وعده في كتابه في قوله تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) (1)ومن ملأ عينه من حرام ملأ اللّه عينه يوم القيامة من النار إلا أن يتوب ويرجع.)ونهى عن الغيبة، وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: من اغتاب امرىء مسلماً بطل صومه، ونقض وضوءه، وجاء يوم القيامة يفوح من فيه رائحة أنتن من الجيفة يتأذى به أهل الموقف.)وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: من ذرفت عيناه من خشية اللّه، كان له بكل قطرة من دموعه قصر في الجنة مكلل بالدرّ والجواهر، فيه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.)وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : لا تحقروا شيئاً من الشر وإن صغر في أعينكم، ولا تستكثروا الخير وإن كثر في أعينكم.)وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الاصرار (2).)بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث(حتى تصلوا: حتّى هذه إمّا لانتهاء الغاية بمعنى «إلى» أو للاستثناء)-------------------------------------------------------------------------قوله: «مكلّل بالدرّ».أي مزيّن. وقيل: كلّ ما احتفّ بالشيء من جوانبه فهو الكليل.


1) سورة الرحمن: 46.

2) الأمالي للشيخ الصدوق ص 507 - 518 ح 707.

بمعنى (إلا ومجيئها للإستثناء مشهور بينهم، وقد عدّوا منه قول الشاعر :)ليس العطاء من الفضول سماحة ***حتّى يجود وما لديه قليلوالمعنى على الأوّل أنّ كراهة الاستطراق مغيّاً بالصلاة، وعلى الثاني أنّ كراهة الاستطراق حاصلة إلا مع الصلاة والمعنيان متقاربان وبينهما فرق لا يخفى على المتأمل.(إذا دخلتم الغائط هو المكان المطمئنّ من الأرض، وكان سكان البادية يقصدونه لقضاء الحاجة، والمراد به مكان التخلّي كيف كان.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «وبينهما فرق لا يخفى على المتأمل».فإنّ الأوّل يفيد أن الكراهة مستمرّة إلى زمان فعل الصلاة فترتفع بعده، والثاني يفيد أن الكراهة حاصلة بدون الصلاة، غير حاصلة معها، أي: لا كراهة معها أصلاً.قوله: «إذا دخلتم الغائط».يريد بذلك بيان آداب التخلّي والغائط في الأصل للمطئن من الأرض، والمراد به هنا موضع التخلّي، ثمّ كنّي عن الحدث بالغائط من باب مجاز المجاورة.قوله: «والمراد به مكان التخلّي».لم يتعرّض الشيخ (قدّس سرّه للأمر بتجنّب القبلة هل هو للوجوب أو الندب أو لمطلق الرجحان، والظاهر أنّ من قال بتحريم استقبال القبلة واستدبارها وقت التخلّي في البناء وغيره، كما هو المشهور بين أكثر الأصحاب، قال: إنه للوجوب. و من قال بالكراهة مطلقا كابن الجنيد، أو في خصوص الأبنية كالشيخ المفيد، قال: إنه للندب.)والقول بالكراهة مطلقا غير بعيد، ويدلّ عليه ظاهر قول الحسن بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ حين سئل عن حدّ الغائط: لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، ولا تستقيل الريح ولا)

-------------------------------------------------------------------------تستدبرها(1. حيث جمع بين القبله والريح في النهي عن الاستقبال والاستدبار، والظاهر بل المصرح به في كتب القوم أنّ النهي في الثاني محمول على الكراهة، فينبغي حمله في الأوّل أيضاً عليها من شيوع استعمال النواهي في الأخبار فيالكراهة، وكذا الأوامر في الندب حتّى قيل: إنّهما حقيقتان عرفيتان فيهما، ويؤيده وجدان الكنيف في دار أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) مستقبل القبلة (2).)وعنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : إذا دخلت المخرج، فلا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، ولكن شرّقوا وغربوا(3). والمراد بالاستقبال والاستدبار هنا ما هو المتعارف في سائر أبواب الفقه، وهو الاستقبال بمقاديم البدن والاستدبار بها.)ومنهم من توهّم أنّ التحريم والكراهة منوط بالعورة حتّى لو حرّفها زال المنع. ثمّ إنّ التحريم أو الكراهة هل هو مخصوص بحال قضاء الحاجة حتّى لو قام المتخلّي من موضع التبرز إلى موضع آخر للاستنجاء جاز له الاستقبال أو الأستدبار أم يعم جميع ذلك؟قال العلّامة : إنّ النهى مخصوص بحال قضاء الحاجة دون غيرها، فإذا قام لغرض ولم يخرج منه حالة قيامه ومشيه جاز له الاستقبال والاستدبار.أقول: ظهر قول الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ في جواب عمار الساباطي حين سأله عن الرجل يريد ان يستنجي كيف يقعد ؟ : كما يقعد للغائط (4).)


1) فروع الكافي 3: 15 ح 3، من لا يحضره الفقيه 1: 18 برقم: 47.

2) تهذيب الأحكام 1: 26.

3) تهذيب الأحكام 1: 25، الاستبصار 47:1.

4) فروع الكافي 3: 18 ح 11.

(في سوم أخيه الدخول في السوم يتحقق بأن يطلب شراء ما أريد أن يشتريه، أو يبذل للمشتري متاعاً غير ما اتفق مع البايع عليه.)وقد اختلفوا في أنّ النهي عن ذلك في الحديث هل هو للتحريم أو الكراهية؟ أما لو التمس الداخل من المدخول عليه تركه له فلا تحريم قطعاً، ولا كراهة على الظاهر.(أن يكثر الكلام عند المجامعة النهي هنا محمول على الكراهة اتفاقاً. ولفظ «يكثر» إمّا أن يقرأ مبنياً للمفعول أو الفاعل.)وعلى الأوّل تعم الكراهة الفاعل والمفعول، ويعضده قول الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ : «اتقوا الكلام عند التقاء الختانين» (1).)وعلى الثاني يمكن أن يخصص بالرجل بعود الضمير إليه في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ «نهى أن يدخل الرجل» ويؤيده قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «يا علي لا تتكلّم عند الجماع كثيراً» (2).)لكنه يضعف بأنّ «الرجل» في قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «نهى أن يدخل الرجل في سوم أخيه» المراد به الشخص، كما في قوله: «و نهى أن يبول الرجل وفرجه باد للشمس» لا الذات الموصوفة بالرجولية، وهذا ظاهر.)-------------------------------------------------------------------------يفيد عموم النهي حالة الاستنجاء أيضاً، وإن كان المستفاد من غيره اختصاص ذلك بحال التغوط والبول.قوله: «المراد به الشخص».الظاهر أن المراد بالرجل في أمثال هذه المواضع هو الذات الموصوفة بالرجولية استعمالاً للفظ فيما وضع له ما لم يصرف عنه صارف، وإنما تدخل المرأة


1) فروع الكافي 5: 498 ح 7.

2) من لا يحضره الفقيه 3: 552 ح 4899.

(طينة خبال بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة، وهو في الأصل الفساد.)(فيصهر ما في بطونهم بالصاد المهملة من صهرت الشيء بمعنى أذبته. والمراد أنّ ذلك الصديد يذيب بحدّته أحشاء شاربيه وجلودهم.)(أن يختال الرجل في مشيته أي: يتبختر كما يفعله المتكبرون، والنهي عن الاختيال والأمور المذكورة قبله محمول على الكراهة اتفاقاً، إلا الكلام في أثناء الخطبة فإنّ في تحريمه خلافاً.)(ولمن خاف مقام ربه جنتان المراد بمقام ربه - واللّه أعلم - موقفه الذي يوقف فيه العباد للحساب، أو هو مصدر بمعنى قيامه على أحوالهم ومراقبته لهم، أو المراد مقام الخائف عند ربه.)وفسّر الجنّتان بجنّة يستحقها العبد بعقائده الحقة، وأخرى بأعماله الصالحة، أو أحدهما لفعل الحسنات والأخرى لاجتناب السيئات أو جنّة يثاب بها والأخرى يتفضّل بها عليه، أو جنّة روحانية وأخرى جمسانية.-------------------------------------------------------------------------تحته من باب التغليب، كما في سائر الأحكام، مثل قول الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ : اتقوا الكلام عند التقاء الختانين. فإنّ ذلك الخطاب وإن اختص بالرجال إلا أن النساء دخلن فيه من باب التغليب وإنّما خصوا بالخطاب لكونهم أشرف وأعقل.)وبهذا التقرير يعلم أنّ الكراهة تعم الفاعل والمفعول بها مطلقا، سواء قرأ يكثر مبني للفاعل أم للمفعول، ومنه يعلم أيضاً أن قول الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ غير صالح للتأييد؛ لأن الخطاب فيه مختص بالرجال، فكيف يعضد الحكم بأن الكراهة تعم الفاعل والمفعول بها لولا القول بالتغليب فنأمل.)قوله: «أو جنّة روحانية».وهي الجنّة العقلية التي للمقرّبين، وهي جوار اللّه وحضرته المشار إليها بقوله

(ذرفت عيناه ذرف الدمع بالذال المعجمة يذرف ذرفا بالسكون وذرفا بالتحريك أي سال، وذرفت عينه إذا سال دمعها.)تبصرةفسّر بعضهم الشجرة المثمرة التي تضمن الحديث النهي عن البول تحتها بما من شأنها الإثمار ولو في الإستقبال وبنى ذلك على ما تقرّر في الاصول من عدم اشتراط بقاء المعنى المشتق منه في صدق المشتق حقيقة.-------------------------------------------------------------------------سبحانه (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (1).)قال بعض العارفين من أصحابنا إنّ هؤلاء الأصفياء وإن كانوا من جهات هوياتهم العقلية مقرّبين منه تعالى، جالسين في مقعد الصدق، تحت قبة الجبروت، لكنهم من جهة نفوسهم المطيعة لأمر اللّه المسلّمة لحكمه يسرحون في مراتع اللذات، ويتنعمون بنعيم الجنان، فلأرواحهم التي هي عقول بالفعل جنان معنوية من المعارف والعلوم، ولأنفسهم جنان صورية من اللذات والشهوات تنالها من طريق قواها الحسّية العملية من أكل وشرب و نكاح وغيرها، جزاء بما صبرت في الدنيا من لذاتها، وجلست عنه قواها من شهواتها، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.قوله: «بما من شأنها الاثمار».المستفاد من الأخبار كراهة البول والغائط تحت الأشجار المثمرة بالفعل، وذلك أن إطلاق المشتق على المتصف بمبدء الاشتقاق بالفعل حقيقة اتفاقاً، وحمل اللفظ على معناه الحقيقي ما لم يصرف عنه صارف واجب بالاتفاق.


1) سورة القمر: 54 - 55.

-------------------------------------------------------------------------إلا أن بعض أصحابنا كالشهيد الثاني في شرحه على اللمعة حمله على ما من شأنها الإثمار، حيث قال بعد قول المصنّف: «ويكره» أي البول والغائط «تحت» الشجرة «المثمرة» وهي التي من شأنها أن تكون مثمرة، وإن لم تكن كذلك بالفعل، ومحلّ الكراهة ما يمكن أن تبلغه الثمار عادة وإن لم تكن تحتها (1.)وربما استدلّ عليه بإطلاق صحيحة عاصم بن حميد، حيث قال (عَلَيهِ السَّلَامُ - بعد أن سئل أين يتوضأ الغرباء؟ - يتقى شطوط الأنهار، والطرق النافذة، وتحت الأشجار المثمرة (2).)وفي رواية أخرى: وشطوط الأنهار، ومساقط الثمار (3.)وفيه نظر.ثمّ إنّ المذكور في الأصول هو أنّ المشتق عند وجود معنى المشتق منه، كالظالم لمباشر الظلم حقيقة اتفاقاً، وقبل وجوده كالظالم لمن لم يظلم وسيظلم مجاز اتفاقاً، وأما بعد وجوده منه وانقضائه كالظالم لمن قد ظلم وهو الآن لا يظلم، فقد اختلف فيه، فأبو حنيفة وشيعته على أنه مجاز مطلقا، والشافعي ومن تابعه ذهبوا إلى أنه حقيقة مطلقا.وقيل: إن كان ممّا يمكن بقاؤه كالقيام والقعود فمجاز، وإن لم يمكن بقاؤه كالمصادر السيالة نحو التكلّم والإخبار فحقيقة


1) شرح اللمعة 1: 88.

2) فروع الكافي 3: 15 ح 2.

3) فروع الكافي 3: 16 ح 5.

وهو بناء عجيب، فإنّ ما ذكر في الأصول على تقدير تمامه إنما يقتضي المساواة في الكراهة بين المثمرة بالفعل وبين ما كانت مثمرة في وقت ما، لا بينها وبين ما من شأنها الإثمار في الاستقبال، فإنّ إطلاق المشتق على من سيتصف بأصله مجاز اتفاقاً، وإنما الخلاف في إطلاقه على من اتصف به وقتاً ما ثمّ زال الاتصاف (1.)هدايةالظاهر أنّ المراد بما لابد منه في نهي المرأة عن التكلم بأزيد من خمس كلمات ما دعت الضرورة إليه كالإقرار والشهادة ونحوهما، فيشكل حينئذ التحديد بالخمس، فإنّه يجوز على حسب الضرورة إجماعاً.وقد يحمل على ما احتاجت عرفاً إلى التكلّم به من غير ضرورة شرعية، كسؤال الأجنبي القادم عن أهلها مثلاً، لكن في جواز مثل هذا الكلام لها مطلقا نظر.ولا يبعد أن يقال: إنّ من العلماء من ذهب إلى أنّ استماع صوت الأجنبيه إنّما يحرم مع خوف الفتنة لا بدونه (2.)ولهم على ذلك دلائل ليس هذا محل ذكرها.


1) نظير هذه المناقشة مناقشاتهم في قولهم في كراهة الوضوء بالماء المسخن بالشمس أنه لو زالت السخونة لم تزل الكراهة؛ لأنه لا بشرط بقاء المعنى في صدق المشتق.)ووجه المناقشة : أنّ محل النزاع إذا لم يطرأ على المحلّ وصف وجودي يناقض الأوّل، وهنا قد عرض البرد الناقض للسخونة. وما يقال من أنّ الوصف هنا التسخين لا السخونة وليس البرد مناقضاً له. ففيه أنّ القائم بالماء إنّما هو التسخّن المطاوع للتسخين، وأما التسخين فهو قائم بالمسخن على البناء للفاعل، وإذا كان الوصف القائم بالماء هو التسخّن، فقد طرأ عليه الوصف المناقض أعني التبرد، فتأمّل (منه.

2) لا يخفى أنّ من جوّز استماع صوتها بهذا الشرط لا يلزمه أن يجوز لها أن يسمع الغير صوتها بهذا الشرط أيضاً، إلا أنا لم نجد قائلاً بجواز الاستماع وتحريم الاستماع (منه).

وممن ذهب إلى ذلك العلّامة جمال الحق والدين (قدس اللّه سره في كتاب تذكره الفقهاء (1)، فيحمل الحديث على هذا بقيد عدم مظنة الفتنة، ويكون الزائد على الخمس مكروهاً، وكذا ما دون الخمس بدون الحاجة.)-------------------------------------------------------------------------قوله: «وممن ذهب إلى ذلك العلّامة».قال العلّامة طاب مثواه في جواب من سأله عن قول أصحابنا: لا يجوز للمرأة كلام الأجبني مع قوله تعالى (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ (2)وظاهره جواز الكلام من غير خضوع، روي أنّ صوت المرأة عورة، وروي جواز السلام على النساء وسلام المرأة عليه. والوجه التحريم مع التلذذ.)ولعله (قدّس سرّه إنّما لم يتعرّض للجواب عن الآية؛ لأنّ دلالتها على ما ذكره السائل مبنية على اعتبار مفهوم المخالفة، وفي كونه حجة خلاف.)هذا وقد ورد في بعض الروايات أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ كان يسلم على الشابة منهنّ، وكن يردّون (عَلَيهِ السَّلَامُ).)وفي رواية مذكورة في الفقيه وغيره أن عليّا (عَلَيهِ السَّلَامُ كان يكره أن يسلم على الشابة منهنّ، وكان يقول: أتخوّف أن يعجبني صوتها، فيدخل من الإثم عليّ أكثر ممّا أطلب من الأجر (3).)وظاهر أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ كان معصوماً بريئاً عن أمثال ذلك، فكان غرضه منه تعليم الرعية، فيظهر منه أنّ استماع الصوت الأجنبية إنّما يحرم مع خوف الوقوع في الإثم بإعجاب صوتها والتلذذ به، وذلك بترقيقها الكلام وتخاطبها بما يؤدي إلى)


1) تذكرة الفقهاء 1 : 582 الطبع الحجري.

2) سورة الأحزاب: 32.

3) من لا يحضره الفقيه 3: 469 برقم: 4634.

ويمكن جعل الخمس» هنا كناية عن القلّة، كما جعلت «السبعون» في قوله تعالى: (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً (1)كناية عن الكثرة. والكلام السابق جارٍ فيه كما لا يخفى (2).)### المراد من عدم قبول صلاة شارب الخمرتبصرةلعل المراد بعدم قبول صلاة شارب الخمر أربعين يوماً عدم ترتب الثواب عليها في تلك المدّة لا عدم إجزائها، فإنّها مجزية اتفاقاً. فهو يؤيد ما يستفاد من كلام السيّد المرتضى علم الهدى - أنار اللّه برهانه - من أن قبول العبادة أمر مغاير للإجزاء.فالعبادة المجزية : هى المبرئة للذمة المخرجة عن عهدة التكليف والمقبولة هي ما يترتب عليها الثواب ولا تلازم بينهما ولا اتحاد كما يظنّ.وممّا يدل على ذلك قوله تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (3)مع إنّ عبادة غير المتقي مجزية إجماعاً.)-------------------------------------------------------------------------الطمع فيها، كما تفعله المرأة المظهرة الرغبة في الرجال، وهذا هو المراد من الخضوع بالقول، وخاصة إذا كانت هناك مظنّة الفتنة وهي الوقوع في الزنا، نعوذ بالله منه.قوله تعالى: «إنّما يتقبل الله».قال الفاضل الأردبيلي نور اللّه مرقده: إنّ في قوله تعالى (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ


1) سورة التوبة 80.

2) من أنه على حسب الضرورة قل أو كثر، وإن أريد الحاجة عرفاً، ففي جوازه نظر (منه).

3) سورة المائدة: 27.

وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم وإسماعيل : (ربنا تقبل منا (1)مع أنهما لا يفعلان غير المجزي.)وقوله تعالى: (فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ (2)مع أن كلا منهما فعل ما أمر به من القربان.)وقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : (إنّ من الصلاة لما يقبل نصفها وثلثها وربعها، وان منها لما تلفّ)-------------------------------------------------------------------------الْمُتَّقِينَ دلالة على أنّ التقوى شرط لقبول العمل، ثمّ نقل عن البيضاوي أنه قال: وفيه إشارة إلى أنّ الطاعة لا تقبل إلا من مؤمن متق، قال: وفيه إشكال، ولهذا ما شرطه الفقهاء، فإنّ الفسق لا يمنع من صحة عبادة إذا فعلت على وجهها (3).)وفيه أن عدم كون الفسق مانعاً من الصحة لا ينافي كون التقوى شرطاً للقبول لا للصحة، فإنّ العبادة الصحيحة هي ما وقع على الوجه المأمور به شرعاً، وبه يخرج عن عهدة التكليف والمقبولة هي ما يترتب عليه الثواب.ويمكن أن يقال: المراد اشتراط التقوى في تلك العبادة، أي: لا يقبل اللّه عبادة إلا من المتقين فيها، بأن يأتي بها بحيث لا يكون عصياناً، مثل أن يقصد بها الرياء، أو غيره من المبطلات، أو المراد تقوى عن ذنب ينافي تلك العبادة، فيكون إشارة إلى أنّ الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضدّه، وهو موجب للفساد.وبالجملة يشترط في قبول العبادة عدم كونها معصية، ولا مستلزماً لها.قيل: ويمكن أن يكون المراد أنّ التقوى شرط لقبول هذه العبادة الخاصّة، وهي قبول القربان بهذا الوجه.


1) سورة البقرة: 127.

2) سورة المائدة: 27.

3) زبدة البيان في أحكام القرآن ص 22.

كما يلفّ الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها» (1والتقريب ظاهر.)ولأنّ الناس لم يزالوا في سائر الأعصار والأمصار يدعون اللّه تعالى بقبول أعمالهم بعد الفراغ منها، ولو اتحد القبول والإجزاء لم يحسن هذا الدعاء إلا قبل الفعل، كما لا يخفى. فهذه وجوه خمسة تدلّ على انفكاك الإجزاء عن القبول.وقد يجاب عن الأوّل: بأنّ التقوى على مراتب ثلاث :أولها: التبرأ عن الشرك، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى (2)قال المفسرون : هي قول: «لا إله إلا الله».)وثانيها: التجنّب عن المعاصي.وثالثها: التنزّه عمّا يشغل عن الحقِّ جلّ وعلا.ولعلّ المراد بالمتقين أصحاب المرتبة الأولى. وعبادة غير المتقين بهذا المعنى غير مجزية، وسقوط القضاء لأنّ الاسلام يجب ما قبله.وعن الثاني: بأنّ السؤال قد يكون للواقع، والغرض منه بسط الكلام مع-------------------------------------------------------------------------قوله: «أصحاب المرتبة الأولى».أنت خبير بأنّ قابيل أخا هابيل ما كان وقتئذ غير متق بهذا المعنى حتّى تكون عبادته وهي قربانه غير مجزية لأجل عدم اتقائه أي شركه، فكيف يقول له هابيل إنما لم يتقبل قربانك لأنك لم تكن من المتقين عن الشرك.نعم إنّه لمّا حسد أخاه وسخط حكم اللّه ولم يرض بقضائه، صار ذنبه هذا مانعاً من قبول قربانه، فتعين أن يكون المراد بالتقوى أحد المعنيين الآخرين، وبه يتمّ الدليل، كما لا يخفى.


1) فروع الكافي 3: 363 ح 5.

2) سورة الفتح: 26.

المحبوب، و عرض الإفتقار لديه، كما قالوه في قوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا (1)على بعض الوجوه (2).)وعن الثالث: بأنه تعبير بعدم القبول عن عدم الإجزاء، ولعله لخلل في الفعل.-------------------------------------------------------------------------قوله: «على بعض الوجوه.وهو أن اللّه تعالى قد وعد أن لا يؤاخذ هذه الأمة بما وقع عنهم نسياناً أو خطأً، كما يدلّ عليه قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان»(3)أي: مؤاخذتهما لئلا يلزم الإخبار بما هو خلاف الواقع، فهذا السؤال يكون للواقع، كما في قوله تعالى (رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ) (4)وعليه فقس سؤال إبراهيم وإسماعيل (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، فلا دلالة على مغايرة القبول والإجزاء.)قوله: «وعن الثالث».وذلك لما نقل أنّ اللّه تعالى أوحى إلى آدم أن يزوج كل واحد منهما توأمته


1) سورة البقره: 286.

2) قوله «على بعض الوجوه» في الآية وجهان آخران :)الأوّل: أنّ المراد - واللّه أعلم - لا تؤاخذنا بما أدّى إلى نسيان أو خطأ من تفريط وقلة مبالاة، فإنّ النسيان والخطأ أغلب ما يكونان من عدم الإعتناء بالشيء، كما أشار إليه العارف الرومي في المثنوي.الثاني: أن المراد لا تؤاخذنا بما وقع منا خطاً، فإنّ الذنوب كالسموم، فكما أنّ تناولها يؤدي إلى الهلاك وإن كان خطأ، فتعاطي الاثم لا يبعد أن يفضي إلى العقاب وإن كان خطأ أو نسياناً، لكنّه سبحانه وعد التجاوز عنه رحمة وفضلاً، فيجوز أن يدعو الانسان ربه استدامة للنعمة واعتداداً بها، كذا في تفسير الفاضل (منه.

3) عوالي اللئالي 1: 323 ح 131.

4) سورة الأنبياء: 112.

وعن الرابع : أنّه كناية عن نقص الثواب وفوات معظمه.وعن الخامس: أنّ الدعاء لعلّه لزيادة الثواب وتضعيفه.وفي النفس من هذه الأجوبة شيء. وعلى ما قيل في الجواب عن الرابع ينزل عدم قبول صلاة شارب الخمر عند غير السيّد المرتضى (رحمه الله.)### المبالغة في حرمة الغيبةتتمیم نفعه عميمنهيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ عن الغيبة محمول على التحريم في غير المواضع المستثناة بإجماع الأمة، وحكمه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إبطالها الصوم ونقضها الوضوء، مبني على كمال المبالغة في نقصها من ثوابهما، حتّى كأنهما قد بطلا بالأصل.)ومن هذا القبيل ما رواه الشيخ الطوسي (طاب ثراه في كتاب تهذيب الأخبار صل اللّه عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: سمع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) امرأة تساب جارية لها وهي صائمة، فدعا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بطعام، فقال لها: كلي، فقالت: إني صائمة، فقال: كيف تكونين صائمة وقد سببت جاريتك، إنّ الصوم ليس من الطعام والشراب (1).)هذا وقد عرفت الغيبة بأنّها التنبيه حال غيبة الانسان المعين أو بحكمه على ما-------------------------------------------------------------------------الآخر، فسخط منه قابيل لأنّ توأمته كانت أجمل، فقال لهما آدم: قربا قرباناً، فمن أيكما قبل يزوّجها، فقرّب قابيل أردأ قمح عنده وكان صاحب زرع، وقرّب هابيل جملاً سميناً وكان صاحب زرع، فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر؛ لأنه سخط حكم اللّه ولم يخلص النية في قربانه وقصد إلى أخس ما عندهقوله: «وقد عرفت الغيبة».إغتابه اغتياباً إذا وقع فيه، والاسم الغيبة بالكسر، وهو أن يتكلم خلف إنسان


1) تهذيب الأحكام 4: 194 ح 1.

-------------------------------------------------------------------------مستور بما يغمّه لو سمعه، فإن كان صدقاً سمّي غيبة، وإن كان كذباً سمّي بهتاناً: وتصديق ذلك ما روي عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أنه قال لأصحابه : هل تدرون ما الغيبة؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فقد بهتة (1).)ولا ريب في اختصاص تحريم الغيبة بمن يعتقد الحق، فإن أدلة الحكم غير متناولة لأهل الضلال كتاباً وسنةً، بل في بعض الأخبار تصريح بسبهم والوقيعة فيهم، بل ظاهر جملة من الأخبار اختصاص التحريم بمن يعتقد الحق ويتصف بصفات مخصوصة، كالستر والعفاف، وكفّ البطن والفرج واليد واللسان، واجتناب الكبائر، ونحو ذلك من الصفات المخصوصة المذكورة في محالها التي إذا حصلت في المكلّف حرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه، ويجب عليهم تزكيته، وإظهار عدالته في الناس.فأما من لم يتصف بذلك، فلم يتم دليل على تحريم غيبته، يؤيد ذلك ما في الكافي، عن سماعة، عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ، قال : من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، كان ممّن حرمت غیبته، و كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته (2).)فالمنع من غيبة الفاسق المصرّ ليس بوجه، وحيث تحرم الغيبة تدخل فيها أمور، كنقصان يتعلّق بالبدن كالعمش والعور، وفي النسب كفاسق الأب وخسيس النسب، وفي الخلق كأن يقول سيّىء الخلق بخيل، وبالفعل المتعلّق بالدين كسارق


1) مجمع البحرين 2: 136.

2) أصول الكافي 2: 239 ح 28.

يكره نسبته إليه ممّا هو حاصل فيه ويعد نقصاً بحسب العرف، قولاً أو إشارة أو كناية أو تعريضاً أو تصريحاً.والتقييد بالمعيّن لإخراج المبهم من جمع غير محصور، كأحد أهل البلد.و«بحكمه» لإدراج المبهم من محصور كأحد قاضي البلد فاسق مثلاً، فإنّ الظاهر أنه غيبة، ولم أجد أحداً تعرّض له.وقولنا «ممّا هو فيه لإخراج البهت وفائدة القيود الباقية ظاهرة.و قد جوّزت الغيبة في عشرة مواضع: الشهادة والنهي عن المنكر، وشكاية المتظلم، ونصح المستشير، وجرح الشاهد والراوي، وتفضيل بعض العلماء والصنّاع على بعض، وغيبة المتظاهر بالفسق الغير المستنكف على قول، وذكر المشتهر بوصف مميّز له كالاعور والأعرج، مع عدم قصد الإحتقار والذم، وذكره عند من يعرفه بذلك بشرط عدم سماع غيره على قول، والتنبيه على الخطأ في المسائل العلمية ونحوها بقصد أن لا يتبعه أحد فيها.-------------------------------------------------------------------------وكذَّاب، وبالدنيا كتقليل الحياء متهاون بالناس وبالثوب كواسع الكم طويل الذيل، إلى غير ذلك، وذلك لا يكون مقصوراً على التلفظ بل التعريض به والإشارة كذلك، وكذا الايماء والغمز، وكلّ ما يفهم منه المقصود داخل في الغيبة مساوٍ للتصريح.و من ذلك ما روي عن عائشه أنها قالت: دخلت علينا امرأة، فلمّا ولّت أومأت بيدي أي قصيرة، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : إغتبتها (1).)


1) مجمع البحرین 2: 137.

### المراد من نفي الصغيرة مع الاصرارإتمام فيه اهتمامقد يفهم من نفي الصغيرة مع الإصرار أنها تصير كبيرة معه، فلو لبس الحرير مثلا مصرّاً عليه يصير ذلك اللبس كبيرة. والمشهور فيما بين القوم أنّ الكبيرة هي نفس الإصرار على الصغيرة؛ لأنّ الصغيرة المصرّ عليها تصير بالإصرار كبيرة، فكأنهم يحملون الحديث على معنى أنه لا أثر للصغيرة في ترتب العقاب مع الإصرار، بل العقاب معه يترتب على نفس الإصرار الذي هو من الكبائر، فكأن الصغيرة مضمحلة في جنبه.والإصرار في الأصل من الصرّ وهو الشدّ والربط، ومنه سمّيت الصرّة، ثمّ أطلق على الإقامة على الذنب من دون استغفار، كأنّ المذنب ارتبط بالإقامة عليه، كذا ذكره المفسّرون فى تفسير قوله تعالى: (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (1).)-------------------------------------------------------------------------قوله: «والإصرار».أصرّ على الشيء لزمه وداومه، وأكثر ما يستعمل في الشر والذنوب، ومنه الحديث «ما أصرّ من استغفر» (2أي من اتبع ذنبه بالاستغفار فليس بمصر، وإن تكرّر منه.)وفي شرح مختصر الأصول: مرجع الإصرار على الصغائر هو العرف، وبلوغه مبلغاً ينفي الثقة، وظاهر أن العرف يختلف باختلاف الصغائر، فالصغيرة التي لا يحترز عنها غالباً إصرارها يتحقق بأكثر ممّا يتحقق به الإصرار على ما يرتكب نادراً.


1) سورة آل عمران: 135.

2) مجمع البحرين 3: 364.

وقد قسم بعض الأعلام الإصرار إلى فعلي وحكمي. وقال: الفعلي: هو الدوام على نوع واحد من الصغائر بلا توبة أو الإكثار من جنس الصغائر بلا توبة.والحكمي : هو العزم على تلك الصغيرة بعد الفراغ منها. أما لو فعل الصغيرة ولم يخطر بباله بعدها توبة ولا عزم على فعلها، فالظاهر أنه غير مصر. إنتهى كلامه.-------------------------------------------------------------------------وقال بعض العامّة: الإصرار هو إدامة الفعل، والعزم على إدامته إدامة يصح معها إطلاق وصف العزم عليه.وقال بعضهم: حدّ الإصرار أن يتكرّر الصغيرة بحيث يشعر بقلة مبالاته بذنبه، كإشعار الكبيرة، وكذا إذا اجتمع صغائر مختلفة الأنواع بحيث يشعر مجموعهما بما يشعر به أصغر الكبائر.وفي الكافي بسند ضعيف، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ في قوله تعالى (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (1)قال : الإصرار هو أن يذنب الذنب، فلا يستغفر اللّه، ولا يحدث نفسه بتوبة، فذلك الإصرار (2).)قيل: وهو يدلّ على أن الاصرار يتحقق بالذنب مع عدم الاستغفار، سواء أذنب ذنباً آخر من نوع ذلك الذنب، أو من غير نوعه، أو عزم على ذنب آخر أم لا.أما تحققه في غير الأخير، فظاهر. وأما في الأخير، فلأن التوبة واجبة في كلّ آن، فتركها مضاف إلى الذنب الأوّل فيتحقق الإصرار.وعن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ يقول: لا واللّه لا يقبل اللّه شيئاً من طاعته على الإصرار على شيء من معاصيه (3).)


1) سورة آل عمران: 135.

2) أصول الكافي 2: 288 ح 2.

3) أصول الكافي 2: 288 ح 3.

ولا يخفى أن تخصيصه الإصرار الحكمي بالعزم على تلك الصغيرة بعد الفراغ منها، يعطي أنه لو كان عازما على الصغيرة الأخرى بعد الفراغ ممّا هو فيه لا يكون مصرّاً. والظاهر أنه مصرّ أيضاً. وتقييده ب-«بعد الفراغ منها» يقتضي بظاهره أنّ من كان عازماً مدة سنة على لبس الحرير مثلاً، لكنّه لم يلبسه أصلاً لعدم تمكنه، لا يكون في تلك المدة مصرّاً. وهو محل نظر.نقل آراء ودفع غطاءاختلف آراء الأكابر في تحقيق الكبائر، فقال قوم: كل ذنب توعد اللّه عليه بالعقاب في الكتاب العزيز (1.)وقال بعضهم : هي كلّ ذنب رتب عليه الشارع حداً، أو صرّح فيه بالوعيد.وقال بعضهم : هي كل معصية تؤذن بقلة اكتراث فاعلها بالدين.وقال آخرون كلّ ذنب علم حرمته بدليل قاطع.وقيل: كلّ ما توعد عليه توعداً شديداً في الكتاب أو السنة.وعن ابن مسعود أنّه قال: إقرأوا من أوّل سوة النساء إلى قوله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ (2)فكل ما نهى عنه في هذه السورة إلى هذه الآية فهو كبيرة. وقال جماعة: الذنوب كلّها كبائر؛ لاشتراكها في مخالفة الأمر والنهي، لكن قد تطلق الصغيرة والكبيرة على الذنب بالإضافة إلى ما فوقه وما تحته، فالقبلة صغيرة بالنسبة إلى الزنا، وكبيرة بالنسبة إلى النظر بشهوة.

قال الشيخ الجليل أمين الاسلام أبو علي الطبرسي (طاب ثراه) في كتاب مجمع


1) عرّف العلّامة الكبيرة في كتبه كالقواعد والتحرير بأنها ما توعد اللّه تعالى عليه النار (منه).

2) سورة النساء: 31.

البيان بعد نقل هذا القول: وإلى هذا ذهب أصحابنا رضي اللّه عنهم، فإنّهم قالوا: المعاصي كلّها كبيرة، لكن بعضها أكبر من بعض، ولليس في الذنوب صغيرة، وإنّما يكون صغيراً بالاضافة إلى ما هو أكبر، ويستحق العقاب عليه أكثر (1). انتهى كلامه.

وقال قوم: إنّها سبع الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم اللّه، وقذف المحصنة (2)، وأكل مال اليتيم، والزنا، والفرار من الزحف، وعقوق الوالدين، ورووا في ذلك حديثاً عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (3).


قوله: «وقذف المحصنة».

القذف هنا رمي المرأة بالزنا، أو ما كان في معناه، وأصله الرمي، ثمّ استعمل في هذا المعنى حتّى غلب عليه.

وأصل الاحصان المنع والمرأة تكون محصنة بالاسلام وبالعفاف والحرّية

والتزويج. والفرار من الزحف أي من الجهاد وبقاء العدوّ في الحرب، والزحف الجيش يزحفون إلى العدو، أي يمشون، يقال: زحف إليه زحفاً أي مشي نحوه.

وعقوق الوالدين تضييع حقوقهما والاساءة إليهما، من العق وهو الشق.

والتعرب من الاعرابية وهي الجهل بأمر الدين. والأعرابي بفتح الهمزة منسوب إلى الأعراب، وهم سكان البوادي الذين لا يدخلون الأمصار إلا لحاجة دنيوية، يكونون جهلة لا يعرفون مناهج الشريعة، ويقابله المهاجر وهو الذي هجر وطنه وفارقه لأجل اكتساب البصيرة في الدين،


1) مجمع البیان 2: 38.

2) أي: العفيفة سواء كانت ذات بعل أو لا (منه).

3) مجمع البيان 2: 39.

وزاد بعضهم على ذلك ثلاثه عشر أخرى اللواط، والسحر، والربا، والغيبة، واليمين الغموس (1)، وشهادة الزور، وشرب الخمر.


وتعلّم الفقه واليقين، ومعرفة مهمات الحلال والحرام وشرايع الأحكام على ما جاء به النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و بلغ عنه أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).

ومكر اللّه ايقاع بلائه بأعدائه دون أوليائه.

وقيل: هو استدراج العبد بالطاعات، فيتوهم أنها مقبولة وهي مردودة.

وأصل المكر الخداع. وقيل: المكر من جانب العبد إيصال المكروه على الانسان من حيث لا يشعر، ومن جانب الحق هو إرداف النعم مع المخالفة وإبقاء الحال مع سوء الأدب، وإظهار الكرامات من غير جهد.

وما أهل لغير اللّه به أي ما رفع الصوت لغير اللّه به عند ذبحه، كقولهم باسم اللات والعزى.

والنجس: النقص، نجسه حقه ينجسه نجساً إذا نقصه.

و تبذير المال تفريقه إسرافاً.

قوله: «واليمين الغموس».

اليمين الغموس بفتح الغين هي اليمين الكاذبة الفاجرة التي يقطع بها الحالف مال غيره مع علمه أنّ الأمر بخلافه، وليس فيها كفّارة لشدّة الذنب فيها، سمّيت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ثمّ في النار، فهي فعول للمبالغة.

والسحت بضمتين وإسكان الثاني تخفيف كلّ ما لا يحلّ كسبه، واشتقاقه من السحت وهو الاستئصال سمّي الحرام به؛ لأنه يعقب عذاب الاستئصال.


1) الحلف على الماضي، وسمّيت غموساً لأنها تغمس صاحبها في الاثم (منه).

واستحلال الكعبة (1)، والسرقة، ونكث الصفقة (2)، والتعرّب (3)بعد الهجرة، واليأس من روح اللّه، والأمن مكر اللّه.

وقد يزاد أربعة عشر أخرى أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل لغير اللّه (4)به من غير ضرورة، والسحت والقمار والنجش في الكيل والوزن


وقيل: لأنه لا بركة فيه.

وقيل: لأنه يسحت مروءة الانسان.

وعن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الرشوة في الحكم ومهر البغي وكسب الحجام، وعسيب الفحل، وثمن الكلب، وثمن الخمر، وثمن الميتة، وحلوان الكاهن، والاستعمال في المعصية (5).

وعن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): السحت أنواع كثيرة، فأما الرشاء في الحكم فهو الكفر بالله (6).

قوله: «واستحلال الكعبة».

أي: ترك احترامها؛ لأنّها البيت الحرام بنص القرآن، قال اللّه تعالى (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ) (7)يقال: استحل الشيء أي عده حلالاً.


1) أي: ترك احترامها؛ لأنّ البيت المحرّم بنص القرآن (منه).

2) الصفقة هي العهد مأخوذة من صفق اليد باليد عند التعاهد (منه).

3) أي: ترك بلاد الاسلام بعد المهاجرة إليها (منه).

4) أي: ذبح باسم اللات والعزى مثلاً (منه).

5) مجمع البحرين 2: 204.

6) مجمع البحرين 2: 204 - 205.

7) سورة المائدة: 97.

ومعونة الظالمين، وحبس الحقوق من غير عسر والاسراف والتبذير، والخيانة، والاشتغال بالملاهي، والإصرار على الذنوب(1). وهذه الأربعة عشر منقولة في عيون الأخبار عن الامام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

فهذه عشرة أقوال في ماهية الكبيرة، وليس على شيء منها دليل تطمئن به النفس. ولعلّ في إخفائها مصلحة لا تهتدى إليه عقولنا، كما في إخفاء ليلة القدر والصلاة الوسطى وغير ذلك.

وقد نقل أصحاب الحديث عن ابن عباس (رضي اللّه عنه) أنه سئل عن الكبائر أسبع هي ؟ فقال : هي إلى السبعمائة أقرب منها ألى السبعة (3).

وربما يقال ما ذهب إليه الامامية من أنّ الذنوب كلّها كبائر - كما نقله الشيخ الطبرسي عنهم - كيف يستقيم مع ما تقرّر من أن الصغائر مغفورة لمن اجتنب


قوله: «فهذه عشرة أقوال».

ومن هذا الاختلاف يعلم أنّ المذاهب فيما يوجب الفسق مختلفة؛ إذ الاختلاف في عدد الكبائر يوجب الاختلاف في أسباب الفسق، فيوجب الاختلاف في أسباب العدالة، فربّ كبيرة قادحة في العدالة عند فقيه، وهي بعينها لا يقدح فيها من غير إصرار عند الآخرين.

قوله: «من أنّ الصغائر مغفورة لمن اجتنب الكبائر».

قال الفاضل النيسابوري في تفسيره: الحق في هذه المسألة وعليه الأكثر بعد


1) عد شيخنا الشهيد الثاني (قدّس سرّه) في شرح اللمعة من جملة الكبائر السعاية إلى الظالم، وقطع الرحم، وتأخير الحجّ عن عام الوجوب اختياراً، والظهار (منه).

2) عيون أخبار الرضا 1: 285 ح 33.

3) مجمع البیان 2: 39.

الكبائر؛ لقوله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) (1)فإنّه يقتضي أن تكون الكبائر ذنوباً مخصوصة لتجتنب، فيحصل باجتنابها تكفير الصغائر.

والحاصل أن تكفير الصغائر باجتناب الكبائر على القول بأن كلا منها أمور مخصوصة معقول، فما معناه على القول بأنّ الوصف بالكبر والصغر إضافي؟

وجوابه: أن معناه أنّ من عنّ له أمران منها، ودعت نفسه إليهما بحيث لا يتمالك، فكفّها عن أكبرهما مرتكباً أصغرهما، فإنّه يكفّر عنه ما ارتكبه لما استحقه من الثواب على اجتناب الأكبر، كمن عنّ له التقبيل والنظر بشهوة، فكفّ عن التقبيل وارتكب النظر، كذا قيل. وفيه تأمل (2).


إثبات تقسيم الذنب إلى الصغير والكبير أنه تعالى لم يميّز جملة الكبائر عن جملة الصغائر، لما بين في قوله تعالى (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) (3).

إن اجتناب الكبائر يوجب تكفير الصغائر، فلو عرف المكلّف جميع الكبائر اجتنبها فقط، واجترأ على الاقدام على الصغائر، أما إذا عرف أنه لا ذنب إلاّ


1) سورة النساء: 31.

2) هذا الكلام مذكور في بعض كتب الامامية، ككتاب كنز العرفان، وقد أورده البيضاوي في تفسيره أيضاً. ووجه التأمل أنه يلزم منه أن من كفّ نفسه عن قتل شخص وقطع يديه مثلاً، يكون مرتكب للصغيرة، اللّهمّ إلا أن يراد بقوله «مرتكباً لأصغرهما» الأصغر منه من نوعه، وهو في المثال أقل ما يصدق عليه الضرر لا قطع اليد، وفيه ما فيه (منه).

3) سورة النساء: 31.

تذنيب

ممّا ذكرناه يظهر أن قولهم العدل من تجنّب (1)الكبائر ولا يصرّ على الصغائر ينبغي أن يراد به أنه إذا عنّ له أمران كفّ عن الأكبر ولم يصرّ على الأصغر. وهذا المعنى وإن كان غير مشهور فيما بينهم، لكنّه هو الذي يقتضيه النظر بناءً على ذلك المذهب، فما في كلام بعض الأعلام من أنّه يلزمهم أن يكون كل معصية مخرجة العدالة محل نظر (2). عن


قوله: «أن يكون كلّ معصية مخرجة عن العدالة».

ويجوز كونه كبيراً، صار هذا المعنى زاجراً له عن الذنوب كلّها.

ونظير هذا في الشرع إخفاء ليلة القدر في شهر رمضان، وساعة الاجابة في ساعات الجمعة، ووقت الموت في جملة الأوقات، هذا ولا مانع أن يبيّن الشارع في بعض الذنوب أنه كبيرة، كما روي أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال: اجتنبوا السبع الموبقات إلى غير ذلك انتهى.

وفيه أي وفي كون معصية مخرجة عن العدالة من الحرج والضيق ما لا يخفى؛ لأنّ غير المعصوم لا ينفك عنه، وأجاب عنه ابن ادريس بأن الحرج ينتفى بالتوبة، ورد بأن الحكم بها لا يكفي فيه مطلق الاستغفار وإظهار الندم، بل لابد وأن يعلم


1) أي: يكون له ملكة متى عن (منه).

2) إذ العدالة على ما يظهر من كلامهم ملكة تبعث على كفّ النفس عن الأكبر مع عدم الإصرار على الأصغر، والذنوب وإن كانت كلّها كباراً عندهم، لكن ليس كل كبيرة مخرجة عن العدالة، بل الكبيرة التي لم يكفّ عنها إلى الأصغر منها والتي يصرّ عليها. نعم يلزم من ظاهر كلامهم أن العدالة لا تجامع من الذنوب إلا واحداً هو أصغر الجميع. ولعلهم يريدون الأصغر من كل نوع من أنواع الذنوب، وإن كان تعينه لا يخلو من إشكال (منه).

ثمّ لا يخفى أنّ كلام الشيخ الطبرسي مشعر بأنّ القول بأن الذنوب كلّها كبائر متفق عليه بين علماء الامامية. وكفى بالشيخ ناقلاً.

إذا قالت حذام فصدقوها ***فإنّ القول ما قالت حذام

ولكن صرّح بعض أفاضل المتأخرين منهم بأنّهم مختلفون، وأن بعضهم قائل ببعض الأقوال السالفة، ونسب هذا القول إلى رئيس الطائفة الشيخ المفيد، وابن البراج، وأبي الصلاح، والمحقق محمّد بن إدريس، والشيخ أبي علي الطبرسي (رضوان اللّه عليهم). وتحقيق ما هو الحق يقتضي نمطاً آخر من الكلام.


من حاله ذلك، وذلك قد يؤدّي إلى زمان طويل يفوت معه الغرض من الشهادة ونحوها، فيبقى الحرج.

الحديث الحادي والثلاثون: التسامح في أدلّة السنن

وبالسند المتّصل إلى الشيخ الجليل عماد الاسلام محمّد بن يعقوب الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم عن محمّد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن الامام أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، أنه قال: من سمع شيئاً من الثواب على شيء فصنعه كان له أجره وإن لم يكن على ما بلغه (1).


الحديث الحادي والثلاثون

قوله: «انّه قال: من سمع شيئاً».

يمكن أن يكون المراد أن من سمع رواية صادقة بحسب ظنه دالة على الثواب المترتب على فعل شيء أو تركه، فصنع ذلك الشيء وأتى به طلباً لذلك الثواب، كان له أجر ذلك الشيء، وإن لم يكن المسموع على ما بلغه، وذلك لأن الأعمال الأركانية لا قدر لها عند اللّه إلا بالنيات الصادقة القلبية، ومن يعمل بما سمع سمع أنه عبادة إنّما يعمل به طاعة لله وانقياداً لرسوله، فيكون عمله مشتملاً على نيّة التقرّب والتسليم، وإن كان نسبته إلى رسول اللّه خطأ.


1) أُصول الكافي 2: 87 ح 1.

بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث

(من سمع شيئاً من الثواب) يحتمل أن يراد بسماع الثواب مطلق بلوغه إليه، سواء كان على سبيل الرواية، أو الفتوى، أو المذاكرة، أو نحو ذلك، كما لو رآه في شيء من كتب الحديث والفقه مثلاً. ويؤيد هذا التعميم أنه ورد في حديث آخر عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «من بلغه شيء من الثواب»(1).

ويمكن أن يراد السماع من لفظ الراوي أو المفتي خاصة، فإنّه هو الشايع الغالب في الزمن السالف. وأما الحمل على التحمّل بأحد الوجوه الستة المشهورة، فلا يخلو من بعد، وظاهر الإطلاق أنّ ظن صدق الناقل غير شرط في ترتب الثواب، فلو تساوى صدقه وكذبه في نظر السامع وعمل بقوله فاز بالأجر.

نعم يشترط عدم ظنّ كذبه لقيام بعض القرائن والظاهر أن تصريح الراوي


وذلك لأنّ هذا الخطأ لم يصدر منه باجتهاده، وإنّما صدر من غيره، وهو إنما يتبع ما سمع، فلا ينافي هذا ما ورد في باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب من قول الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) «لاقول إلا بعمل ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل إلا بإصابة السنة» (2).

قوله: «والظاهر».

كأنّ هذا خلاف ظاهر هذه الأخبار، نعم يظهر من أخبار أخر - كخبر أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه دخل الخلاء، فوجد لقمة خبز في القذر، فأخذها وغسلها ودفعها إلى مملوك معه، فقال: تكون معك لأكلها إذا خرجت، فلما خرج قال للمملوك: أين


1) اصول الكافي 2: 87 ح 2.

2) أصول الكافي 1: 70 ح 9.

بترتب الثواب غير شرط، بل قوله إنّ العمل الفلاني مستحبّ أو مكروه كافٍ في ترتب الثواب على فعله أو تركه.

(على شيء) أي: على فعل شيء أو تركه.

(فصنعه) أي: أتى بذلك الشيء، سواء كان فعلاً أو تركاً.

(كان له أجره) الضمير في «أجره» إما أن يعود إلى «الشيء» أي: كان له الأجر المترتب على ذلك الشيء، أو إلى «من» أي : كان لذلك العامل أجره، أي: الأجر


اللقمة؟ قال: أكلتها يابن رسول اللّه، فقال: إنها ما استقرت في جوف أحد إلاّ وجبت له الجنّة (1)- أن المكلّف إذا فعل فعلاً له جهة حسن شرعي بحسب ظنه يستحق به أجراً، وإن لم يقدّر له في الشرع أجر، أو قدر ولم يبلغه، ولم يصرّح به الراوي، فسماع مقدار الثواب وخصوص نوعه وقصده وقت العمل غير مشروط في ترتبه عليه، كما في شرب الأدوية، وترتب آثارها عليه، بل يكفي فيه مجرّد العلم بأنه فعل حسن ممدوح في نظر الشارع أو مباح.

ضروره أن هذا المملوك ما كان له علم بأن لذلك الأكل أجراً وثواباً، فضلاً أن يكون له علم بمقداره وخصوص نوعه، نعم قد حصل له علم بأن تلك اللقمة مباح أكلها، وبعد التأمل فيما فعله وفي إخباره بأنه سيأكلها يحصل ظنّ ما بأنّ لأكلها جهة حسن يترتب عليها ثواب ما وأمّا مقداره وخصوص نوعه فممّا يمكن استفادته منه، ومثل هذا الظنّ يحصل لكلّ من يفعل مستحبّاً، أو يترك مكروهاً، وإن لم يصرّح بترتب الثواب عليه، فإذا فعله طاعة لله وانقياداً لرسوله استحق بذلك ثواباً، صرّح به أم لم يصرّح.


1) من لا يحضره الفقيه 1: 18 برقم: 49.

الذي طلبه بذلك العمل.

(وإن لم يكن على ما بلغه) إسم «يكن» ضمير الشأن، ويجوز عوده إلى الشيء، أو الثواب، أو المسموع، ويؤيّده أنّ في رواية أخرى: «وإن لم يكن الحديث كما بلغه» (1).

تبصرة

هذا الحديث حسن الطريق، متلقي بالقبول، وقد تأيد بأخبار أخرى، كما رواه


قوله: «وقد تأيّد بأخبار أخرى».

لعلّ (قدّس سرّه) إنما ذكرها بعنوان التأييد؛ لأنّ الخبر الأوّل مجهول السند بعمران بن إسحاق الزعفراني الكوفي، فإنّه مهمل، وبمحمّد بن مروان فإنه مشترك بين الثقة والمهمل.

وأما محمّد بن سنان، فهو وإن كان ضعيفاً على المشهور، إلا أنه في الواقع ثقة إمامي جليل القدر، كما يشهد به التتبع على ما فصلناه في بعض رسائلنا.

والظاهر أن الخبر الثاني صحيح السند، فإنّ علي بن موسى الكمنداني أبو جعفر الداخل في العدة المذكوره في الكافي، عن أحمد بن محمّد بن عيسى المذكور في هذا السند أيضاً من مشايخ الإجازة، وكذا علي بن بابويه والد الصدوق، فجهالتهما غير ضارّة نظراً إلى أنهما من مشايخ الإجازة من المصنّفين والحافظين للأخبار، وأنّهما إنّما يذكران في الأسناد لمجرّد الاتصال وعدم قطع الأنساد، ولذا يوصف الطريق الذي هما ونظائرهما فيه بالصحة إذا لم يكن في الطريق قادح من غير جهتهما.


1) أصول الكافي 2: 87 ح 2.

الشيخ الجليل محمّد بن يعقوب في الكافى، عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن سنان عن عمران الزعفراني عن محمّد بن مروان، قال: سمعت أبا جعفر محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: من بلغه ثواب من اللّه على عمل، فعمل ذلك العمل إلتماس ذلك الثواب، أويته وإن لم يكن الحديث كما بلغه (1).

وما وراه الشيخ الصدوق محمّد بن بابويه في كتاب ثواب الأعمال، عن أبيه علي بن بابويه، عن علي بن موسى، عن أحمد بن محمّد، عن علي بن الحكم، عن هشام، عن صفوان، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: من بلغه شيء من الثواب على شيء من الخير، فعمله كان له أجر ذلك وإن كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم يقله (2).

وهذا هو سبب تساهل فقهائنا في البحث عن دلائل السنن، وقولهم باستحباب بعض الأعمال التي ورد بها أخبار ضعيفة، وحكمهم بترتب الثواب عليها.

فلا يرد عليهم أنهم قد اتفقوا على أنّ الحديث الضعيف لا تثبت به الأحكام الشرعية، والاستحباب حكم شرعي ؛ لأنّ حكمهم باستحباب تلك الأعمال وترتب الثواب عليها ليس مستنداً فى الحقيقة إلى تلك الأحاديث الضعيفة، بل إلى هذا الحديث الحسن المشتهر المعتضد بغيره من الأحاديث.


وبالجملة مشايخ الإجازة الذين يقصد بذكرهم مجرّد اتصال السند بالكتب المشهورة، كإسنادنا ببعض المشايخ إلى التهذيب مثلاً، لا يضر جهالتهم، فإنّ الكتاب مشهور معروف فلا فائدة في ذكر المشيخة إلا التشبه بالسلف في اتصال السند ويحصل ذلك بالإجازة ممّن يعتقد عدم عدالته، كما لا يخفى.


1) أصول الكافي 2: 87 ح 2.

2) ثواب الأعمال ص 160.

نعم يرد البحث على من اقتصر من أصحابنا على العمل بالصحاح ولم يعمل بالحسان، وإن اشتهرت واعتضدت بغيرها، وهو نادر.


قوله: «نعم يرد البحث».

أقول : بل لا يرد هذا البحث عليه أيضاً؛ لأنك قد عرفت سالفاً في الحديث الرابع أنّ مثل هذا السند وإن كان حسناً على المشهور بإبراهيم بن هاشم، إلا أنه صحیح في الواقع، وكذا سند الحديث المذكور في كتاب ثواب الأعمال للصدوق (رَحمهُ اللّه) صحيح على ما عرفته آنفاً، فيسقط عنه هذا البحث رأساً.

واعلم أن من جوّز العمل بالخبر الواحد، قطع بالعمل بالخبر الصحيح حيث لا يكون شاذاً أو معارضاً بغيره من الأخبار الصحيحة، واختلفوا في العمل بالحسن، فمنهم من عمل به مطلقا كالصحيح، وهو الشيخ وكلّ من اكتفى بظاهر الاسلام ولم يشترط ظهورها.

ومنهم من ردّه مطلقا وهم الأكثرون على ما ذكره الشهيد الثاني في الدراية (1)، حيث اشترط في قبول الرواية الايمان والعدالة، كما قطع به العلّامة في كتبه الأصولية وغيره، فقول الشيخ (رَحمهُ اللّه) «وهو نادر» محل تأمل.

و فصل آخرون كالمحقق في المعتبر، والشهيد في الذكرى، فقبلوا الحسن، وربما ترقوا إلى الضعيف أيضاً إذا كان العمل بمضمونه مشتهراً بين الأصحاب حتّى قدموه حينئذ على الخبر الصحيح حيث لا يكون بمضمونه مشتهر

وكذا اختلفوا في الموثق نحو اختلافهم في الحسن، فقبله قوم مطلقا، وردّه آخرون كذلك، وفصل ثالث.


1) الرعاية في علم الدراية ص 71.

هذا. ووجه عدم استنادهم إلى هذا الخبر في وجوب ما تضمن الخبر الضعيف وجوبه كاستنادهم إليه في استحباب ما تضمّن استحبابه ظاهر، فإنّ هذا الخبر لم يتضمن إلا ترتب الثواب على العمل، وهو لا يقتضي الأمر بالعمل

ختام وكلام على كلام

قد ظهر لك وجه عمل أصحابنا بالأحاديث الضعيفة في السنن، وأنه راجع في الحقيقة إلى العمل بذلك الحديث الحسن.

فاعلم أنّ بعض الأعلام من مخالفينا (1)- بعد ما نقل الإشكال في تجويز القوم بل استحبابهم العمل بالخبر الضعيف في فضائل الأعمال، كما صرح به النووي في الأذكار، مع حكمهم بعدم ثبوت الأحكام الشرعية بالأحاديث الضعيفة - قال في التفصي عن هذا الإشكال :

إذا وجد حديث ضعيف في فضيلة عمل من الأعمال، ولم يكن هذا العمل ممّا يحتمل الكراهة والحرمة، فإنّه يجوز العمل به ويستحب، لأنه مأمون الخطر ومرجو النفع، إذ هو دائر بين الاباحة و الاستحباب فالاحتياط العمل به ورجاء الثواب.

وأما إذا دار بين الحرمة والاستحباب فلا وجه لاستحباب العمل به، وإذا دار بين الكراهة والاستحباب، فمجال النظر فيه واسع، إذ في العمل دغدغة الوقوع في المكروه، والترك مظنة ترك المستحب.

فلينظر إن كان خطر الكراهة أشدّ، بأن تكون الكراهة المحتملة شديدة والاستحباب المحتمل ضعيفاً، فحينئذ يترجّح الترك على الفعل، فلا يستحبّ العمل، وإن كان خطر الكراهة أضعف بأن تكون الكراهة على تقدير وقوعها كراهة ضعيفة


1) هو العلّامة الدواني في الأنموذج (منه).

دون مرتبة ترك العمل على تقدير استحبابه، فالاحتياط العمل.

وفي صورة المساواة يحتاج إلى نظر تام، والظنّ أنّه مستحبّ أيضاً؛ لأنّ المباحات تصير عبادة بالنية، فكيف ما فيه شبهة الاستحباب لأجل الحديث الضعيف، فجواز العمل واستحبابه مشروطان.

أمّا جواز العمل، فبعدم احتمال الحرمة، وأما الاستحباب فيما ذكرنا مفصلاً.

ثمّ قال: بقي هنا شيء، وهو أنه إذا عدم احتمال الحرمة، فجواز العمل ليس لأجل الحديث ؛ إذ لو لم يوجد الحديث يجوز العمل، إذ المفروض إنتفاء احتمال الحرمة.

لا يقال : الحديث الضعيف ينفي إحتمال الحرمة.

لأنا نقول: الحديث الضعيف لا يثبت به شيء من الأحكام الخمسة، وانتفاء احتمال الحرمة يستلزم ثبوت الاباحة، والاباحة حكم شرعي، فلا يثبت بالحديث الضعيف.

ولعلّ مراد النووي ما ذكرنا، وإنما ذكر جواز العمل توطئة للاستحباب. وحاصل الجواب: أنّ الجواز معلوم من خارج، والاستحباب أيضاً معلوم من القواعد الشرعية الدالّة على استحباب الاحتياط في أمر الدين، فلم يثبت شيء من الأحكام بالحديث الضعيف، بل أوقع الحديث الضعيف شبهة الاستحباب، فصار الاحتياط أن يعمل به واستحباب الاحتياط معلوم من قواعد الشرع (1). إنتهى كلامه بلفظه.


1) أنموذج العلوم للدواني ص 280 – 281.

و فيه نظر؛ لأنّ خطر الحرمة في هذا الفعل الذي تضمن الحديث الضعيف


قوله: «وفيه نظر».

لا يخفى أن هذا النظر بعينه وارد في الأخبار الحسنة والموثقة المجرّدة عن القرائن الدالة على صدقها؛ لأنها مع خلوّها عن القرائن ولا عدالة للراوي يكون جواز صدقها مساوياً لجواز كذبها فالعمل بمضمونها على هذا الوجه مردود بين كونه سنّة وتشريعاً.

لا يقال: إنّها تفيد الرجحان بل الظنّ، فيعمل بها رجاءً للثواب المظنون، أو تفصياً عن العقاب المظنون لأنا نمنع إفادتها الظنّ والحال؛ لقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «ستكثر بعدي القالة عليّ، فإذا جاءكم عنّي حديث فاعرضوه على كتاب اللّه، فان وافقه فاعملوا به، وإلا فردّوه» (1). وقول الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إن لكل رجل منا رجلاً يكذب عليه (2). فلا خبر من هذا القبيل أولا، ويحتمل أن يكون من قبيل المكذوب فاحتمال البدعة والتشريع بحاله.

لا يقال : هذا خبر واحد. لأنا نقول: إن كان الخبر حجّة، فهذا أحد الأخبار، وإلا فقد بطل الجميع، بل المشهور أن قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أيها الناس قد كثرت على الكذابة من المتواترات.

لا يقال: الامامية عاملة بالأخبار، وعملها حجّة.

لانا نمنع ذلك، فإنّ أكثرهم يردّ الخبر بأنه واحد وبأنه شاذ، فلولا استنادهم مع الأخبار إلى وجه يقتضي العمل بها من القرائن والشهرة بين الأصحاب، لكان عملهم هذا اقتراحاً، وهذ ممّا لا يظن بهم.


1) أصول الكافي 1: 69.

2) بحار الأنوار 2 : 217 ح 12.

استحبابه حاصل كلّما فلعله المكلّف لرجاء الثواب؛ لأنّه لا يعتد به شرعاً، ولا يصير منشأ لاستحقاق الثواب، إلا إذا فعله المكلّف بقصد القربة، ولاحظ رجحان فعله شرعاً، فأنّ الأعمال بالنيات وفعله على هذا الوجه مردد بین كونه سنة ورد الحديث بها في الجملة، وبين كونه تشريعاً وإدخالاً لما ليس من الدين فيه.

ولا ريب أنّ ترك السنة أولى من الوقوع في البدعة، فليس الفعل المذكور دائرا في وقت من الأوقات بين الاباحة والاستحباب، ولا بين الكراهة والاستحباب، بل هو دائماً دائر بين الحرمة والاستحباب فتاركه متيقن للسلامة، وفاعله متعرّض للندامة.

على أن قولنا بدورانه بين الحرمة والاستحباب إنّما هو على سبيل المماشاة وإرخاء العنان، وإلا فالقول بالحرمة من غير ترديد ليس عن السداد ببعيد، والتأمل الصادق على ذلك شهيد.

هذا. وقد تفصى بعض الفضلاء (1)عن أصل الاشكال : بأن معنى قولهم «يجوز العمل بالحديث في فضائل الأعمال دون مسائل الحلال والحرام» أنه إذا ورد


وأما مع وجدان القرائن، فلا تفاوت بين الأخبار؛ لأن القرائن بانفرادها تفيد الظنّ بصدق مضمون الخبر، والمراد بالاحتجاج به هو التأكيد، ولذلك عملوا بالأخبار الضعيفة إذا كان العمل بمضمونه مشتهراً بين الأصحاب حتّى قدموها حينئذ على الخبر الصحيح حيث لا يكون العمل بمضمونه مشتهراً، ومنه يعلم أنّ العمل بمضمون الخبر الواحد الصحيح إذا لم يكن محفوفاً بالقرائن محل تأمل ولذلك لم يعمل به كثير من الأصحاب.


1) هو السيّد الجليل أمير غياث الدين منصور (منه).

حديث صحيح أو حسن في استحباب عمل، وورد حديث ضعيف في أن ثوابه كذا وكذا جاز العمل بذلك الحديث الضعيف، والحكم بترتب ذلك الثواب على ذلك الفعل، وليس هذا الحكم أحد الأحكام الخمسة التي لا تثبت بالأحاديث الضعيفة.

وبعضهم (1)بأن معنى قولهم الأحكام لا تثبت بالأحاديث الضعيفة أنها لا تستقل بإثابتها، لا أنها لا تصير مقوية ومؤكدة لما تثبت به.

و معنى تجويزهم العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، أنه إذا دلّ على استحباب عمل حديثان صحيح وضعيف مثلاً، جاز للمكلّف حال العمل ملاحظة دلالة الضعيف أيضاً عليه، فيكون عاملاً به في الجملة.

ولا يخفى ما في هذين الكلامين من الخلل.

أمّا الأوّل، فلمخالفته منطوق عبارات القوم، فإنّها صريحة في استحباب الاتيان بالفعل إذا ورد في استحبابه حديث ضعيف غير قابلة لهذا التأويل السخيف.

وأما الثاني، فمع بعده وسماجته يقتضى عدم صحة التخصيص بفضائل الأعمال دون مسائل الحلال والحرام، فإنّ العمل بالحديث الضعيف بهذا المعنى لا نزاع بين أهل الاسلام في جوازه في جميع الأحكام، واللّه أعلم.


1) هو الشيخ أحمد الشيباني تلميذ المير غياث الدين منصور.

الحديث الثاني والثلاثون : دعاء شيبة الهذلي في أمور الدنيا والآخرة

وبالسند المتّصل إلى الشيخ الصدوق عماد الاسلام محمّد بن علي بن بابويه، عن أبيه، عن سعد بن عبدالله، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن وهب، عن عمر بن نهيك، عن سلام المكي، عن الامام أبي جعفر محمّد بن علي الباقر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، قال: أتى رجل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقال له: شيبة الهذلي، فقال: يا رسول اللّه إنّي شيخ قد كبرت سني، وضعفت قوتي عن عمل كنت عودته نفسى من صلاة وصيام وحجّ، فعلمني يا رسول اللّه كلاماً ينفعني اللّه به، وخفّف علي يا رسول اللّه.

فقال: أعدها، فأعادها ثلاث مرات.

فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ما حولك شجرة ولا مدرة إلا وقد بكت من رحمتك؛


الحديث الثاني والثلاثون

قوله: «وبالسند المتصل» إلى قوله «عن عمر بن نهيك عن سلام المكي». هذا الحديث مجهول السند بعمر بن نهيك وسلام المكي، فإنّهما مهملان.

قوله: «وقد بكت من رحمتك».

كلمة «من» تعليلية، أي: لأجل ترحمهما عليك، ويجوز أن يكون البكاء هنا

فإذا صليت الصبح، فقل عشر مرّات: «سبحان اللّه العظيم وبحمده، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» فإنّ اللّه عزّوجلّ يعافيك بذلك من العمى والجنون والجذام والفقر والهرم.

فقال: يا رسول اللّه هذا للدنيا فما للآخرة؟

قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : تقول في دبر كل صلاة: «اللّهمّ اهدني من عندك، وأفض عليّ من الله فضلك، وانشر علي من رحمتك، وأنزل عليّ من بركاتك».

قال: فقبض عليهن بيده ثمّ مضى. فقال رجل لابن عبّاس: ما أشد ما قبض عليها خالك.

فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أما أنه إن وافى بها يوم القيامة لم يدعها متعمداً، فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء (1).


حقيقة، والظاهر أنه مجاز عن عظم ما قاله من إصابة الكبر وضعف القوة حتّى كأنه أثر في الجمادات والنباتات.

ومثله ما في حديث رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض (2). وقالت الخارجية

أيا شجر الخابور مالك مورقا ***كأنك لم تجزع على ابن طريف

وهذا على سبيل التمثيل والتخييل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه، وكذلك ما يروى من بكاء مصلّي المؤمن وآثاره في الأرض ومصاعد عمله و مهابط رزقه في السماء له تمثيل.


1) الأمالي للشيخ الصدوق ص 109 - 110 ح 85.

2) نحوه الدعوات للراوندي ص 240.

بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث

(يقال له شيبة الهذلي) شيبة بالمعجمات والهذلي بضم الهاء وفتح الذال المعجمة منسوب إلى هذيل بالضم: طائفة، وقياس النسبة إلى فعيل فعيلي بإثبات الياء لا فعلي. وإنّما تحذف الياء من فعيلة غير المضاعفة، كجهني نسبة إلى جهينة، فقولهم هذلي وقرشي شاذ، والقياس هذيلي وقريشي

(فقال أعدها) أي: أعد تلك الكلمات أو أعد حكاية ضعفك، أو مسألتك.

(فأعادها ثلاث مرّات) فيه تغليب، والمراد ذكرها ثلاثاً. وإن حملت الإعادة على معناها، فالذكر وقع أربعاً.

(شجرة ولا مدرة) بالفتحات قطعة الطين اليابس.

(سبحان اللّه العظيم وبحمده) تقدّم تفسيره في الحديث السابع.

(ولا حول ولا قوة) الحول: القدرة على التصرّف


قوله: «منسوب إلى هذيل».

بضم الهاء وفتح الذال حيّ من مضر، وهو هذيل بن مدركة بن ياس بن مضر.

قوله: «ولا حول ولا قوة».

الحول: الحركة، فكأنّ القائل يقول: لا حركة ولا استطاعة لنا على التصرّف إلاّ بمشيئة اللّه تعالى.

وقيل: الحول القدرة، أي: لا قدرة لنا على شيء ولا قوة إلا بإعانة اللّه سبحانه، أو أنّ الحول بمعنى التحوّل والانتقال. والمعنى: لا حول لنا عن المعاصي إلا بعون اللّه، ولا قوّة لنا على الطاعات إلا بتوفيق اللّه سبحانه. روى الصدوق هذا المعنى

(والهرم) بفتحتين أقصى كبر السن والمراد هنا الضعف والاسترخاء الناشيء منه، تسمية لللازم باسم الملزوم.

(في دبر كل صلاة) دبر الشيء بضمّتين وبضم أوله وإسكان ثانيه: عقبه.

(اللّهمّ اهدني من عندك) قد مرّ في الحديث السادس والعشرين الكلام في هداية اللّه سبحانه للعباد، وأنها على خمسة أنواع، والمراد هنا ماعدا النوع الأول والثالث.

(وأفض عليّ من فضلك) في الكلام إستعارة مكنية وتخييل.


في كتاب التوحيد (1).

وقد يفسّر الحول بالحيلة، وهي ما يتوصل به إلى حالة بما فيه خفية.

وقيل : الحيّة هى الحول قلبت واوه ياءً لانكسار ما قبلها.

والمعنى: لا توصل إلى تدبير أمر وتغيير حال إلا بمشيئته ومعرفته. وفي الحديث « لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنّة»(2)أي: يعد لقائله ويدخر له الثواب ما يقع له بالجنّة موقع الكنز في الدنيا؛ لأن من شأن (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك عند الحاجة إليه.

ولنا في تفسير هذه الكلمة الشريفة وأنها تدلّ على نفي الجبر والتفويض وثبوت الأمر بين الأمرين رسالة مفردة، قد فصلنا القول فيها، فيطلب من هناك.

قوله: «وأفض عليّ».

فاض الماء يفيض فيضاً كثر وسال من شفا الوادي، وأفض على رأسك الماء صبه وشيّعه عليه، وكلمة «من» في هذه الفقرات بثلاثتها تبعيضية مشبّه فضله تعالى


1) مفتاح الفلاح ص 128 عنه.

2) بحار الأنوار93 : 188 - 189 ح 17 و 18.

(وأنزل عليّ من بركاتك) أي من تشريفاتك وكراماتك، سمّي ايصالها إلينا منه سبحانه إنزالاً على سبيل الاستعارة تشبيهاً للعلوّ والتسفّل الرتبيين بالعلق والتسفّل المكانيين.

(فقبض عليهنّ بيده) الظاهر عود الضمير إلى الكلمات الأربع الأخروية، بقرينة قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «إن وافى بها يوم القيامة» ولعلّ المراد بالقبض عدّها بالأصابع وضمها لهنّ.

(ما أشدّ ما قبض عليها خالك) أي صاحبك، يقال: أنا خال هذا الفرس، أي صاحبه. ويمكن أن يراد بالخال معناه الحقيقي، ويكون عبدالله بن عباس (رضي اللّه عنه) منتسباً من جانب الأمّ إلى هذيل، واللّه أعلم.


وهو عطاؤه ورزقه وزياداته في الأجر بماء الوادي إذا سال وكثر، فهذا استعارة مكنية، ثمّ أثبت له الفيض وهو يجيء بمعنى السيلان والجريان والصبّ ونحو ذلك، فهذا استعارة تخييلية.

وعليه فقس قوله «وأنزل عليّ من بركاتك» حيث شبّه بركاته تعالى بأجسام كائنة في جهة العلوّ، ثمّ أثبت له النزول، وهو والصعود وما شاكل ذلك من خواص الأجسام، وبركاته تعالى وهي خيراته ليس منها، ففي الكلام مكنية وتخييلية.

قوله: «ما قبض عليها خالك».

الخال أخ الأم والخالة أختها، وقد يتجوز فيه. فيمكن أن يكون قول هذا الرجل المنافق كما يظهر من سوق الكلام خالك من باب المجاز، فتأمّل.

الحديث الثالث والثلاثون : ثواب إدخال السرور على المؤمنين

وبالسند المتّصل إلى الشيخ الجليل محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن سدير الصيرفي، قال: قال أبو عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في حديث طويل: إذا بعث اللّه المؤمن من قبره خرج معه مثال يقدمه أمامه، كلّما رأى المؤمن هولاً من أهوال يوم القيامة قال له المثال: لا تفزع ولا تحزن وأبشر بالسرور والكرامة من اللّه عزّوجلّ، حتّى يقف بين يدي اللّه عزّوجلّ، فيحاسبه حساباً يسيراً، ويأمر به إلى الجنّة والمثال أمامه.

فيقول له المؤمن: يرحمك اللّه نعم الخارج خرجت معي من قبري، وما زلت تبشرني بالسرور والكرامة من اللّه عزّوجلّ حتّى رأيت ذلك، فمن أنت؟

فيقول: أنا السرور الذي كنت أدخلته على أخيك المؤمن في الدنيا، خلقني اللّه عزوجل منه (1).


الحديث الثالث والثلاثون

هذا حديث حسن سنده بسدير الصيرفي، فإنّه إمامي ممدوح.


1) اصول الكافي 2: 190 ح 8.

بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث

خرج معه مثال يقدمه أمامه المثال الصورة.

ويقدم» على وزن يكرم أي يقويه ويشجّعه من الإقدام في الحرب، وهوالشجاعة وعدم الخوف.

ويجوز أن يقرأ على وزن ينصر، وماضيه قدم كنصر، أي: يتقدمه، كما قال اللّه تعالى (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (1)ولفظ أمامه حينئذ تأكيد.

(نعم الخارج خرجت معي من قبري) المخصوص بالمدح محذوف لدلالة ما قبله عليه، إي : نعم الخارج أنت.

وجملة «خرجت معي» وما بعده مفسّرة لجملة المدح، أو بدل منها، ويحتمل الحالية بتقدير «قد».

(أنا السرور الذي كنت أدخلته) فيه دلالة على تجسّم الأعمال في النشأة الأخروية.

وقد ورد في بعض الأخبار تجسّم الاعتقادات أيضاً.

فالأعمال الصالحة والاعتقادات الصحيحة تظهر صوراً نورانية مستحسنة موجبة لصاحبها كمال السرور والابتهاج، والأعمال السيئة والاعتقادات الباطلة تظهر صوراً ظلمانية مستقبحة توجب غاية الحزن والتألم، كما قال جماعة من المفسّرين عند قوله تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) (2)ويرشد إليه قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *


1) سورة هود: 98.

2) سورة آل عمران: 30.

وَمَن يَعمَل مِثقَالَ ذَرّةٍ شرّاً يَرَه) (1)ومن جعل التقدير: «ليروا جزاء أعمالهم» ولم يرجع ضمير «يره» إلى «العمل» فقد أبعد، وقد مرّ في الحديث التاسع كلام في هذا الباب، ولعلّنا نزيده إيضاحاً فيما نذيل به بعض الأحاديث الآتية إن شاء اللّه تعالى.


قوله تعالى: «مثقال ذرّة شرّاً يره».

قيل: أي يره في كتابه فيسوءه، نقل أنّ الآية مخصوصة بغير خلاف، فإنّ التائب معفو عنه بالاجماع، وآيات العفو دالّة على جواز العفو عمّا دون الشرك، فجاز أن يشترط في المعصية التي يؤاخذ بها أن لا تكون ممّا قد عفي عنه.


1) سورة الزلزال: 6 - 8.

الحديث الرابع والثلاثون: ثلة من الحقوق الاجتماعية

وبالسند المتّصل إلى الشيخ الصدوق محمّد بن بابويه، عن حمزة بن محمّد، عن عبد العزيز بن محمّد الأبهري عن محمّد بن زكريا الجوهري، عن شعيب بن واقد، عن الحسين بن زيد، عن الامام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من سمع فاحشة فأفشاها، فهو


الحديث الرابع والثلاثون

قوله: «محمّد الأبهري».

الأبهري والجوهري وابن واقد كلّهم من المجاهيل. وأما الحسين هذا، فهو وإن كان مهملاً إلا أنه نقل أنّ أبا عبد اللّه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) تبنّاه وربّاه وزوجه بنت الأرقط، فدل على اعتباره، حتّى كاد أن يرتقي إلى التوثيق، فتأمّل.

قوله: «من سمع فاحشة». الفاحشة: كل سوء جاوز حده فهو فاحش، وفحش الشيء فحشاً مثل قبح قبحاً وزناً ومعنىً.

كالذي أتاها.

ومن تطوّل على أخيه في غيبة سمعها فيه فى مجلس، ردّ اللّه عنه ألف باب من السوء في الدنيا والآخرة.

و من كظم غيظاً وهو قادر على إنفاذه، أعطاه اللّه أجر شهيد.

ومن سعى المريض في حاجة قضاها أو لم يقضها، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.

ومن فرج عن مؤمن كربة، فرّج اللّه عنه اثنين وسبعين كربة من كرب الدنيا. من صلّى على ميّت، صلّى عليه سبعون ألف ملك، وغفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه، فإن أقام حتّى يدفن ويحثي عليه التراب كان له بكل قدم نقلها قيراط من الأجر، والقيراط مثل جبل أحد.


وفي نهاية ابن الثير: هو كلّما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي (1).

والفرج بفتحتين إنكشاف الغمّ، يقال : فرّج اللّه الغم عنك بالتشديد تفريجاً كشفه. والكربة: بالضمّ الغمّ الذى يأخذ بالنفس. وكذلك الكرب كالضرب، والجمع كرب كغرفة وغرف وإنما قدّم تفريج كربة الآخرة لأنه أهم وأدوم وألزم.

قوله: «فهو كالذي أتاها».

فيه دلالة على حرمة إظهار الفاحشة ونشرها وإشاعتها، وكفى في هذا الباب قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) الآية.

وعنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : من ابتلي بشيء من هذه القاذورات فليسترها يستره اللّه (2).


1) نهاية ابن الأثير 3: 415.

2) مجمع البحرين 3: 454.

وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : من مطل على ذي حق حقه، وهو يقدر على أداء حقه، فعليه كلّ يوم خطيئة عشار (1).

بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث

(من سمع فاحشة) الفاحشة : كلّ ما نهى اللّه عزّوجلّ عنه، وربما يخص بما يشتد قبحه من الذنوب.

والمراد بسماعها ما يشمل سماعها من ناقلها أو فاعلها، كأن يسمع من أحد كذباً أو قذفاً أو غيبة. ولا ريب أنّ المراد في غير المواضع المستثناة، وقد مضت في الحديث الثلاثين.

(ومن تطوّل على أخيه) أي: تفضّل وتكرّم.

(في غيبة) أي: في ردّها على حذف مضاف، و«في» للسببية.

هذا ولا يبعد أن يجعل استماع غيبة المؤمن لقصد ردّها مجوّزاً، ولم أجد أحداً جوز ذلك، وتجويزه قوي.

(ومن كظم غيظاً) الكظم: الردّ والحبس.


قوله: «الكظم».

قال في مجمع البيان: أصل الكظم شدّ رأس القربة عن ملئها، تقول: كظمت القربة أي ملئتها ماءً ثمّ شددت رأسها، وفلان كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئاً حزناً، وكذلك إذا كان ممتلئاً غضباً لم ينتقم، والكظامة القناة التي تجري تحت الأرض، سميت بذلك لامتلائها تحت الأرض.


1) الأمالي للشيخ الصدوق ص 507 - 518.

أعطاه اللّه أجر شهيد ظاهره ينافي ما اشتهر من قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) « أفضل الأعمال أحمزها» (1).

وربما يقال: إنّ الشهيد وكل فاعل حسنة فأجره مضاعف بعشرة أمثاله؛ لقوله تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) (2)فلعل أجر كاظم الغيظ مع


وفي غريب الحديث لأبي عبيدة: انه رؤي النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أتى كظامة قوم، فتوضأ ومسح على قدميه و الفرق بين الغضب والغيط أنّ الغضب ضد الرضا، وهو إرادة العقاب المستحق بالمعاصي ولعنه، وليس كذلك الغيظ ؛ لأنه هيجان الطبع بتكره ما يكون من المعاصي، ولذلك يقال: غضب اللّه على الكفار، ولا يقال اغتاظ منهم (3).

وكأنّ في التعبير عن عدم إنفاذ الغيظ وترك العمل بمقتضاه بالكظم بالمعنى المذكور، إشارة إلى عدم خروج شيء منه أصلاً ولو قليلاً، فإنّ المطلوب شدّ رأس القربة بحيث لا يترشّح منه أصلاً، وإلا لم يحصل الغرض، بل ينزل الماء ويبل ما تحته ويخرب، فتأمّل.

قوله: «ظاهره ينافي ما اشتهر من قوله».

أقول: لابد من تخصيص هذا الخبر؛ إذ لو بقي على عمومه لزم منه أن لا يكون صلاة فريضة خيراً من عشرين حجّة، ولا أجر البكاء على الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مساوياً لأجر مائة شهيد كما ورد به الخبر، فيكون المفضّل عليه ما سوى ذلك المذكور من الصلاة والبكاء وكظم الغيظ، وأمثال ذلك.


1) نهاية ابن الأثير 1: 440.

2) سورة الأنعام: 160.

3) مجمع البيان 1: 503.

المضاعفة مثل أجر الشهيد بدونها.

واعلم أنّ في كظم الغيظ أجراً جليلاً وثواباً جزيلاً، وهو شعار الصالحين، ودأب الأولياء والمقربين.

روى الشيخ الجليل محمّد بن يعقوب في الكافي عن الامام زين العابدين علي بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من أحب السبيل إلى اللّه عزّوجلّ جرعتان: جرعة غيظ تردّها بحلم، وجرعة مصيبة تردّها بصبر (1).

وعن الامام أبي جعفر محمّد بن علي الباقر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ): من كظم غيظاً وهو يقدر على إمضائه، حشا اللّه قلبه أمناً وايماناً (2).

وروی العامّة والخاصّة عن الامام زين العابدين علي بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أنه كان يتوضأ، وجاريته واقفة تسكب الماء في يده، فسقط الابريق من يدها على وجهه فجرحه، فرفع (عَلَيهِ السَّلَامُ) رأسه إلى الجارية، فقالت: إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : قد كظمت غيظي فقالت: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :


قوله: «وروى العامّة والخاصّة».

في هذه الرواية دلالة على عدم البأس بالاستعانة للوضوء، وقد روي مثلها عن الحسين بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أنه جاء عبده وبيده طبيخ للضيف وهو معهم، فوقع الظرف من يده على رأسه، فنظر إليه، فقال العبد: إنّ اللّه عزّوجل يقول: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) (3)الخ (4).


1) أُصول الكافي 2: 110 ح 9.

2) أُصول الكافي 2: 110 ح 7.

3) سورة آل عمران: 134.

4) مجمع البيان 505:1.

قد عفوت عنك. قالت: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أنت حرّة لوجه الله (1).

وروي عن أبي ذرّ (رضي اللّه عنه) أن شخصاً خاشنه وسبّه، فحلم عنه أبوذر، فقال له: يابن أخي إنّ قدامى عقبة كؤوداً، إن نجوت منها لم يضرني ما قلت، وإن لم أنج منها فأنا شرّ ممّا قلت.

(خرج من ذنوبه) فيه استعارة. وقد مرّ مثله.

(ومن مطل على ذي حق حقه) المطل: التسويف والتعلّل في أداء الحق وتأخيره من وقت إلى وقت.


قوله: «إنّ قدامي عقبة كؤوداً».

العقبة: مرقى صعب من الجبال، وعقبة كؤود صعبة شاقة. وهي منه - (رضي اللّه عنه) - إشارة إلى العقبات التي على طريق المحشر من الفرائض والأوامر والنواهي، فإنّ لكلّ منهما عقبة يحبس عندها العبد فيسأل عنه، فإسم عقبة منها الولاية، وإسم الأخرى الأمانة، وأخرى الصلاة والزكاة وهكذا.

فمتى انتهى المكلف إلى عقبة اسمها فرض وكان قد قصر في ذلك الفرض حبس عندها وطولب بحق اللّه فيها، فإن خرج منها بعمل صالح قدمه أو برحمة تداركه نجا منها إلى عقبة أخرى، فلا يزال يدفع من عقبة إلى عقبة ويجلس عند كلّ منهما فيسأل عمّا قصر فيه، فإن سلم من جميعها انتهى إلى دار البقاء، وإن حبس على عقبة وطولب بحق قصر فيه فلم ينجه عمل قدمه، ولا أدركته من اللّه رحمة، زلت قدمه على العقبة فهوي في نار جهنم، نعوذ بالله منها.


1) الارشاد للشيخ المفيد 2: 146 - 147.

والحق يشمل الحق المالى وغيره، وحقوق اللّه سبحانه، وحقوق الناس. ويدخل فيه التعلّل في إخراج الزكاة والخمس وأداء الحج الواجب، وتأخير الصلاة عن وقتها ونحو ذلك.

(خطيئة عشّار) بالعين المهملة والشين المعجمة المشدّدة، وهو الذي يسمّى بالفارسية «تمغاچی» مأخوذ من التعشير وهو أخذ العشر من أموال الناس بأمر الظالم.

الحديث الخامس والثلاثون : كرامة المؤمن عند اللّه تعالى وثواب النوافل

إشارة:

وبالسند المتّصل إلى الشيخ الجليل عماد الاسلام محمّد بن يعقوب الكليني، عن عدة (1)من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن أبي سعيد القماط، عن أبان بن تغلب، عن الامام أبي جعفر محمّد بن على الباقر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، قال : لما أسري بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، قال: يا ربّ ما حال المؤمن عندك ؟

قال: يا محمّد من أهان لي ولياً، فقد بارزني بالمحاربة، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائى. وما تردّدت في شيء أنا فاعله كتردّدى في وفاة المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، وإنّ من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى، ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك. و انّ من عبادى من لا يصلحه إلا الفقر ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك.


الحديث الخامس والثلاثون

قوله: «لو صرفته إلى غير ذلك».

كلمة «لو» تدلّ على امتناع ذلك الصرف واستحالته، ووجوب الاتيان بما هو


1) هؤلاء العدّة منهم علي بن إبراهيم، فالراوية صحيحة، والعامّة أيضاً رووا هذا الحديث بطرق صحيحة عندهم، وهو من الأحاديث المشهورة المتفق عليها بين أهل الاسلام (منه).

وما يتقرب إليّ عبدي بشيء أحب ممّا افترضت عليه، وانه ليتقرب إلي بالنوافل حتّى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته (1).

بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث

(لما لما أسري بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)) بالبناء للمفعول من السرى على وزن هدى، وهو السير في الليل. وأما تقييده بالليل في قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ


مصلح له من الفقر أو الغنى، وهذا يؤيّد ما ذهب إليه المعتزلة من أنه يجب على اللّه تعالى ما هو أصلح لعباده، واستدلوا عليه بأنّ الفعل يجب عند وجود الداعي والقدرة وانتفاء الصارف.

مثلاً لما كان الغنى أصلح بحاله والفقر يهلكه، وهو تعالى قادر على غنائه، ولا مانع منه بوجه وجب عليه أن يغنيه لئلا يفسده الفقر.

وقس عليه نظيره (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) (2).

أي: يوسع الرزق لمن يشاء ويرى المصلحة له في ذلك، فإنّ اللّه هو العالم الحكيم، لا يفعل إلا لغرض ومصلحة عائدة إلى عبيده، فالبسط والقبض والغنى والفقر إنما يكون في محلّه ومصلحته وتدبيره لهم ذلك لا غير، وهو ظاهر بناءً على أصولنا.


1) أصول الكافي 2: 352 ح 8.

2) سورة الاسراء: 30.

الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) (1)فللدلالة بتنكير الليل على تقليل مدة الإسراء، مع أنّ المسافة بين المسجدين مسير أربعين ليلة.

(ما حال المؤمن عندك) أي: ما قدره ومنزلته.

(من أهان لي ولياً) المراد بالولي المحبّ. وبالمبارزة بالمحاربة: إظهارها والتصدّي لها.

(وما تردّدت في شيء أنا فاعله) ذكر التردّد إستعارة سنتكلم عليها. والجملة الاسمية نعت «شيء» واسم الفاعل فيها يجوز أن يكون بمعنى الحال والاستقبال.

(يكره الموت وأكره مساءته) جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً، كأن سائلاً يسأل ما سبب التردّد؟ فأجيب بذلك. ويحتمل الحالية من «المؤمن» والاستئناف أولى.

والمساءة: على وزن سلامة مصدر ميمي، من ساءه إذا فعل ما يكرهه.

(وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى) القاعدة النحوية تقتضي أن يكون الموصول إسم (إنّ) والجار والمجرور خبرها، لكن لا يخفى أنه ليس الغرض


قوله: «ليلاً من المسجد الحرام».

وقيل: ذكر ليلاً بعد أسرى مبني على التجريد، وهو أن يذكر لفظ ويراد به جزء معناه، ويترك الجزء الآخر ويؤتى بعده بلفظ آخر ویراد به المعنى المتروك، كما في (يسفك الدماء) (2).

والمعنى: أنّه أسرى به في ليلة من جملة الليالي من مكة من بيت أُمّ الهاني إلى الشام، وقد عرج إلى السماء من بيت المقدس في تلك الليلة، وبلغ البيت المعمور وسدرة المنتهى، وكان ذلك بجسده الشريف لا في المنام، كما زعمه بعض الأنام.


1) سورة الاسراء: 1.

2) سورة البقرة: 30.

الإخبار عن أنّ الذي لا يصلحه إلا الغنى بعض العباد؛ إذ لا فائدة فيه، بل الغرض العكس فالأولى أن يجعل الظرف إسم (إنّ) والموصول خبرها. وهذا وإن كان خلاف ما هو المتعارف بين القوم، لكن يجوّز بعضهم مثله في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ) (1).

قال المحقّق الشريف في حواشى الكشّاف عند تفسير هذه الآية :

فإن قيل: لا فائدة في الإخبار بأنّ من يقول كذا وكذا من الناس.

أجيب بأنّ فائدته التنبيه على أنّ الصفات المذكورة تنافي الانسانية، فينبغي أن يجعل كون المتصف بها من الناس ويتعجب منه.

ورد بأنّ مثل هذا التركيب قد يأتي في مواضع لا يتأتي فيها مثل هذا الإعتبار، ولا يقصد منها إلا الإخبار بأنّ من هذا الجنس طائفة متصفة بكذا، كقوله تعالى: (من المؤمنين رجال) (2).

فالأولى أن يجعل مضمون الجار والمجرور مبتدأ على معنى، وبعض الناس أو بعض منهم من اتصف بما ذكر، فيكون مناط الفائدة تلك الأوصاف، ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه مبتدأ. إنتهى كلامه.

ثمّ لمّا كان مضمون هذا الخبر مظنّة التردّد والإنكار حسن فيه التأكيد.

فإن قلت: المخاطب هو النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو لا يتردد في أن أفعال اللّه سبحانه مبنية على الحكم العميمة والمصالح العظيمة.


1) سورة البقرة: 8.

2) سورة الأحزاب: 23.

قلت: أمثال هذه الخطابات من قبيل «إيّاك أعني واسمعي يا جارة» وأكثر ما خاطب اللّه سبحانه به الأنبياء صلوات اللّه عليهم من هذا القبيل.


قوله: «من قبيل إيّاك أعني واسمعي».

من أمثال العرب «إياك أعني واسمعي يا جارة» قيل: أوّل من قال ذلك سهل بن مالك الفزاري، وذلك أنه خرج فمر ببعض أحياء طي، فسأل عن سيّد الحيّ، فقيل: هو حارثة بن لام الطائي، فأمّ رحله، فلم يصبه شاهداً، فقالت له أخته: أنزل في الرحب والسعة فنزل، فأكرمته وألطفته، ثمّ خرجت من خباء إلى خباء، فرآها أجمل أهل زمانها، فوقع في نفسه منها شيء.

فجعل لا يدري كيف يرسل إليها، ولا ما يوافقها من ذلك، فجلس بفناء الخباء وهي تسمع ك کلامه، فجعل ينشد :

يا أخت خير البدو والحضارة*** كيف ترين في فتى فزارة

أصبح يهوي حرّة معطارة ***إياك أعني واسمعي يا جارة

فلما سمعت قوله علمت أنه إيَّاها يعني، فضرب مثلاً (1).

ومنه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «نزل القرآن بإياك أعني واسمعي يا جارة»(2)فهذا مثل يراد به التعريض للشيء، يعني: إن القرآن خوطب به النبي علا اللّه، لكن المراد به الأمة، مثل ما عاتب اللّه به نبيه فى قوله (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) (3)فإنّه عني بذلك غيره، كما جاءت به الرواية(4).


1) راجع: مجمع الأمثال 1: 50 طبع مصر.

2) أصول الكافي 2: 630 - 631 ح 14.

3) سورة الاسراء : 74.

4) أصول الكافي 2: 631 ح 15.

ولا ريب أنّ أكثر الخلق متردّدون في مضمون ذلك الخبر، بل ربما ينكره بعضهم.

(لو صرفته إلى غير ذلك لهلك) فصل هذه الجملة الشرطية عن جملة الصلة لأنها كاشفة ومبيّنة لها، إذ كون هلاك دينه في الفقر ممّا يبين كون صلاحه في الغنى، فبينهما كمال الاتصال.

وأما ما مرّ في الحديث السادس والعشرين (1)من عطف مثل هذه الشرطية على الصلة بالواو، فلملاحظة كون حصول الإفساد أمراً مغايراً لعدم الإصلاح وغير مندرج في جنسه. وقد صرّح علماء المعاني بأنّ الجملتين اللتين بينهما كمال الاتصال الموجب للفصل ربما يلاحظ بينهما الانقطاع بوجه من الوجوه، فتعطف إحداهما على الأخرى لتوسطهما حينئذ بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع.

ألا ترى ما قالوا في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ) (2)وفي سورة إبراهيم: ﴿ويذبحون) (3)بالواو من أنّ طرح الواو في الآية الأولى يجعل تذبيح الأبناء بياناً ليسومونكم، وتفسيراً للعذاب، وإثباتها في الآية الثانية لملاحظة كون التذبيح فوق العذاب المتعارف وزائداً عليه، فكأنه جنس آخر غير مندرج فيه.

وما يتقرب إليّ عبدي بشيء أحبّ ممّا افترضت عليه هذا صريح في أنّ الواجب أكثر ثواباً من المندوبات، وسنتكلم فيه فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.

وعموم الموصول يشمل الواجب بالأصالة، وما أوجبه المكلّف على نفسه بنذر


1) الذي هو في الحديث السابق هكذا وإنّ من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك (منه).

2) سورة البقرة: 49.

3) سورة إبراهيم: 6.

و شبهه.

فإن قلت: مدلول هذا الكلام هو أنّ غير الواجب ليس أحبّ إلى اللّه سبحانه من الواجب، لا أنّ الواجب أحبّ إليه من غيره، فلعلهما متساويان.

قلت: الذي يستفيده أهل اللسان من مثل هذا الكلام هو تفضيل الواجب على غيره، كما تقول: ليس في البلد أحسن من زيد، لا تريد مجرّد نفي وجود من هو أحسن منه فيه، بل تريد نفي من يساويه في الحسن، وإثبات أنه أحسن أهل البلد. وإرادة هذا المعنى من مثل هذا الكلام شايع متعارف في أكثر اللغات


قوله: «لا تريد مجرّد نفي».

ووجه ذلك بأن «أحسن» بعد النفي بمعنى حسن؛ لأن النفي إذا استولى على اسم التفضيل توجّه إلى القيد الذي هو الزيادة، فيفيد أنه ليس حسن غيره زائداً على حسنه، فيبقى أصل حسن غيره مقيساً إلى حسنه: إما مساوية له، أو دونه، والمساواة غير مناسبة لمقام المقام، فيرجع إلى أنّ حسن كل احد من أهل البلد دون حسنه.

ويمكن جعل «أحسن» قبل تسلّط النفي عليه مجرّداً عن الزياده عرفاً؛ لأنّ نفي الزائد غير ملائم للمدح، فيبقى أصل الحسن وتوجّه النفي إلى حسن غيره بالقياس إلى حسنه: إما بالمساواة، أو بكونه دونه، والثاني كما عرفته، فيؤول إلى أنّ حسن كل أحد من أهل البلد دون حسنه، فانتفى المساواة والزيادة بطريق أولى.

ولا يبعد أن يقصد بنفي المساواة نفي الزيادة أيضاً؛ لأن الزائد على شيء ما يساويه مع زيادة، فيصح أن يقصد به عرفاً نفي المساواة مطلقا ولو في ضمن الزائد أيضاً، فيحصل من جميع ذلك أن حسن كلّ أحد من أهل البلد دون حسنه، وذلك كمال التمدح.

(وإنه ليتقرب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه) النوافل جميع الأعمال الغير الواجبة ممّا يفعل لوجه اللّه سبحانه وأمّا تخصيصها بالصلوات المندوبة فعرف طارٍ.

ومعنى محبة اللّه سبحانه للعبد هو كشف الحجاب عن قلبه، وتمكينه من أن يطأ بساط قربه، فإنّ ما يوصف به سبحانه إنما يؤخذ باعتبار الغايات لا باعتبار المبادىء. وعلامة حبّه سبحانه للعبد توفيقه للتجافي عن دار الغرور والتراقي إلى عالم النور والأنس بالله، والوحشة ممّا سواه، وصيرورة جميع الهموم همّاً


قوله: «و معنى محبّة اللّه سبحانه.

معنى محبّة اللّه للعباد إنعامه عليهم، وأن يوفقهم لطاعته، ويهديهم لدينه الذي ارتضاه، وحبّ العباد اللّه أن يطيعوه ولا يعصوه.

وقيل: محبّة الله صفة من صفات فعله، فهى إحسان مخصوص يليق بالعبد.

وأما محبّة العبد لله، فحالة يحدّها في قلبه يحصل منها التعظيم له، وايثار رضاه واستئناس بذكره. وفي الكشّاف عن الحسن زعم أقوام على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنهم يحبّون اللّه، فأراد اللّه أن يجعل لقولهم تصديقاً من عمل، فمن أدعى محبته وخالف سنة رسوله، فهو كذاب وكتاب اللّه يكذبه. وإذا رأيت من يذكر محبة اللّه ويصفق بيديه مع ذكرها ويطرب وينعر ويصعق فلا تشكّ أنه لا يعرف ما اللّه، ولا يدري ما محبّة اللّه، وما تصفيقه وطربه ونعرته وصعقته إلا أنه تصوّر في نفسه الخبيثة صورة مستملحة معشقة، فسمّاها اللّه بجهله ودعارته، ثمّ صفق وطرب ونعر وصعق على تصوّرها، وربما رأيت المني قد ملأ إزار ذلك المحب عند صعقته، وحمقى العامّة حوله قد ملؤوا أدرانهم بالدموع لما رققهم من حاله(1).


1) الكشّاف 1: 382.

واحداً.

قال بعض العارفين : إذا أردت أن تعرف مقامك، فانظر فيما أقامك.

معنى محبة اللّه سبحانه

(فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به... إلى آخره) لأصحاب القلوب في هذا المقام كلمات سنيّة، وإشارات سريّة، وتلويحات ذوقيّة تعطر مشام الأرواح، ويحيي رميم الأشباح، لا يهتدي إلى معناها، ولا يطلع على مغزاها، إلا من أتعب بدنه بالرياضات، وعني نفسه بالمجاهدات حتّى ذاق مشربهم، وعرف مطلبهم، وأمّا من لم يفهم تلك الرموز، لم يهتد إلى هاتيك الكنوز؛ لعكوفه على الحظوظ الدنية، وانهماكه في اللذات البدنية، فهو عند سماع تلك الكلمات على خطر عظيم من التردّي في غياهب الإلحاد، والوقوع في مهاوي الحلول والاتحاد، تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً.

ونحن نتكلم في هذا المقام، بما يسهل تناوله على الأفهام، فنقول: هذا مبالغة في القرب، وبيان لاستيلاء سلطان المحبّة على ظاهر العبد وباطنه وسره وعلانيته فالمراد - واللّه أعلم - انّي إذا أحببت عبدي جذبته إلى محل الأنس، وصرفته إلى عالم القدس، وصيّرت فكره مستغرقاً في أسرار الملكوت، وحواسه مقصورة على


قوله: «علوّاً كبيرا».

الظاهر أنّ المقصود من هذا الكلام المبلغ عن الملك العلام ما أفاده بعض الأعلام بقوله : أي اجعل سلطان حبّي غالباً عليه حتّى يسلب عنه الاهتمام بشيء غير ما يؤوب به إليّ، فيصير منخلعاً عن الشهوات، ذاهلاً عن الحظوظ واللذات، فلا يرى إلا ما يحبّه، ولا يسمع إلا ما يحبّه، ويكون لله سبحانه في ذلك يداً مؤيداً أو عوناً ووكيلاً يحمي سمعه وبصره ويده ورجله عملاً برضاه انتهى كلامه طاب منامه. وهو كلام جيد

اجتلاء أنوار الجبروت، فيثبت في مقام القرب قدمه، ويمتزج بالمحبة لحمه ودمه، إلى أن يغيب عن نفسه، ويذهل عن حسّه، فتتلاشي الأغيار في نظره، حتّى أكون له بمنزلة سمعه وبصره، كما قال من قال:

جنوني فيك لا يخفى ***وناري منك لا تخبو

فأنت السمع والأبصا ***ر والأركان والقلب

(يبطش بها) بالكسر، والضم أي يأخذ بها. وأصل البطش الأخذ بالعنف والسطوة.

وهذا الحديث صحيح السند، وهو من الأحاديث المشهورة بين الخاصّة والعامّة. وقد رووه في صحاحهم بأدنى تغيير هكذا :

قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إن اللّه تعالى قال : من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما يتقرب إلي عبدي بشيء أحبّ ممّا افترضت عليه. وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتّى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. إن سألني لأعطينه، وإن استعاذني لأعيذنه. وما تردّدت في شيء أنا فاعله كتردّدى في قبض نفس المؤمن، يكره


قوله: «وهذا الحديث صحيح السند». في كونه صحيح السند تأمل؛ لأنّ إسماعيل بن مهران وإن وثقه الأكثرون إلا أن بعضهم رماه بالغلو، وقال ابن الغضائري: ليس حديثه بالنقي، يضطرب تارة ويصلح أخرى، ويروي عن الضعفاء كثيراً، ويجوز أن يخرج شاهداً (1).

وظاهر أن الجرح مقدم على التعديل.


1) رجال العلّامة الحلّي ص 8 عنه.

الموت وأكره مساءته ولابد له منه (1).

المراد من تردّد اللّه سبحانه قبض روح المؤمن

تبصرة

ما تضمنه هذا الحديث من نسبة التردّد إليه سبحانه يحتاج إلى التأويل، وفيه وجوه :

الأوّل: أنّ في الكلام إضماراً، والتقدير: لو جاز التردّد ما تردّدت في شيء کتردّدى في وفاة المؤمن.

الثاني: أنه لما جرت العادة بأن يتردّد الشخص في مساءة من يحترمه ويوقره


قوله: «من نسبة التردّد إليه».

لأن التردّد فينا إنما يحصل إذا كانت الأسباب لا يقاع أمر وعدمه متكافئة، ولم يحصل لنا العلم برجحان أحدهما بعد؛ لعدم سبب ذلك الرجحان، فيميل إلى الايقاع تارة وعدمه أخرى.

فهذا وكلّ ما يشعر بالتغيير والسنوح ممتنع عليه تعالى؛ لتنزهه عنه، مع انه قد قضى عليه الموت قضاءً حتماً من غير تردّد، كما قال: (ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) (2)وقال : (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) (3).

فهذا الحديث لو ثبت وصحّ لوجب حمله على المجاز الذي هو من باب إستعمال الشيء في مقابل ضدّه، مثل (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ) (4)و إن كان المكر


1) مسند أحمد بن حنبل 6: 256، صحيح البخاري 8: 131.

2) سورة الأنعام: 2.

3) سورة الأعراف: 34.

4) سورة آل عمران: 54.

----------------------------------------------------------------------

مستحيلاً من اللّه، ولا استبعاد فيه، فإنّ كراهه المؤمن الموت يقتضي ترجيح عدمه كراهة له عند اللّه، ومقتضى حكمته تعالى وهو الموت وعدم الخلو ولا وجد غيره تعالى، كما قال (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) (1)يقتضي ترجيح موته، فلهذين السببين سمّي تردّداً.

ويمكن أن يكون ذلك التردّد لملك الموت وأعوانه من الملائكة، أسند إليه تعالى مجازاً، كما في قوله (فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ) (2)فإنّ كونه مأموراً بقبض روحه يقتضى ترجيحه، وكون المؤمن كارها له وهو شفيق به يقتضي ترجيح عدمه.

وقيل: إنّ التردّد إنّما هو في الأسباب، بمعنى أنّ اللّه تعالى يظهر للمؤمن أسباباً تغلب ظنّه على دنو الوفاه ليستعدّ لأمر الآخرة، ثمّ يظهر له أسباباً تبسط في أمله، فيرجع إلى عمارة دنياه ممّا لابد منه، ولمّا كانت هذه بصورة التردّد أطلق عليها ذلك استعارة؛ إذ كان العبد المتعلّق بتلك الأسباب بصورة المتردّد، وأسند إليه تعالى من حيث إنّه فاعله في العبد.

وقيل: إنّه تعالى لا يزال يورد على المؤمن سبب الموت حالاً بعد حال ليؤثره، فيقبضه مريداً له، وإيراد تلك الأحوال المراد بها غاياتها من غير تعجيل بالغايات من القادر على التعجيل يكون تردّداً بالنسبة إلى قادري المخلوقين، فهو بصورة المتردّد وإن لم يكن ثمّ تردّداً، ويؤيّده ما ورد أنّ إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما أتاه ملك الموت ليقبض روحه وكره ذلك، أخّره اللّه تعالى إلى أن رأى شيخاً هماً يأكل ولعابه يسيل على لحيته، فاستفظع ذلك وأحب الموت. وكذلك موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ).


1) سورة آل عمران: 185.

2) سورة الزخرف: 55.

كالصديق الوفي والخليل الصفي، وأن لا يتردّد في مساءة من ليس له عنده قدر ولا حرمة، كالعدوّ والحيّة والعقرب، بل إذا خطر بالبال مساءته أوقعها من غير تردّد ولا تأمل، صح أن يعبّر بالتردّد والتأمل في مساءة الشخص عن توقيره واحترامه، وبعدمهما عن إذلاله واحتقاره.

فقوله سبحانه: «ما تردّدت في شيء أنا فاعله كتردّدى في وفاة المؤمن» المراد به - واللّه أعلم - ليس لشيء من مخلوقاتي عندي قدر وحرمة كقدر عبدي المؤمن وحرمته، فالكلام من قبيل الاستعارة التمثيلية.

الثالث: أنه قد ورد في الحديث من طرق الخاصّة والعامّة: أن اللّه سبحانه يظهر للعبد المؤمن عند الإحتضار من اللطف والكرامة والبشارة بالجنّة ما يزيل عنه كراهة الموت، ويوجب رغبته في الإنتقال إلى دار القرار، فيقل تأذيه به ويصير راضياً بنزوله، راغباً في حصوله، فأشبهت هذه المعاملة معاملة من يريد أن يؤلم حبيبه ألماً يتعقبه نفع عظيم، فهو يتردّد في أنه كيف يوصل ذلك الألم إليه على وجه يقل تأذيه به، فلا يزال يظهر له ما يرغبه فيما يتعقبه من اللذة الجسيمة والراحة العظيمة، إلى أن يتلقاه بالقبول، ويعده من الغنائم المؤدية إلى إدراك المأمول.

وهم وتنبيه

قد يتوهم المنافاة بين ما دلّ عليه هذا الحديث وأمثاله، من أن المؤمن الخالص يكره الموت ويرغب في الحياة، وبين ما ورد عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «من أحب لقاء اللّه


قوله: «يكره الموت».

فإن قلت: هل كراهه الموت مذمومة، فإنّه س- اللقاء كما قال تعالى (من كان

أحبّ اللّه لقاءه، ومن كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه»(1)فإنّه يدلّ بظاهره على أنّ المؤمن الحقيقي لا يكره الموت بل يرغب فيه، كما نقل عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه


يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ) (2)فينبغي أن لا يكون للمؤمن محبوب غيره.

وقد جاء في الخبر المشهور أنّ إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال لملك الموت إذ جاءه ليقبض :روحه هل رأيت خليلاً يميت خليله؟ فأوحى اللّه تعالى إليه : هل رأيت محبّاً يكره لقاء حبيبه، فقال: يا ملك الموت الآن فاقبض.

قلت: كراهته مذمومة إذا كرهه لحبّ الدنيا وشهوانها والتعلّق بملاذها، وأما إذا كرهه لطاعة اللّه وتحصيل مرضاته وتوفير ما يوجب سعادة النشأة الآخرة كازدياد المعارف الإلهية، وفعل الجهاد والأمر بالمعروف، ونشر العلوم والأخبار فلا، ولذلك روي كراهته عن كثير من الأنبياء والأولياء.

وبالجملة حبّ الحياة الفانية الدنيوية إنّما يذم إذا آثرها على ما يوجب الحياة الباقية الأخروية.

وإليه يشير قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : او عمرني ما كان عمري بذلة في طاعتك، فإذا كان عمري مرتعاً للشيطان فاقبضني إليك قبل أن يسبق سخطك (3)إليّ، أو يستحكم غضبك عليّ. الدعاء (4).


1) معاني الأخبار ص 236.

2) سورة العنكبوت: 5.

3) مقتك – خ ل.

4) فقرات من دعاء الامام السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مكارم الأخلاق ومرضي الأفعال، الصحيفة السجادية، الدعاء 20.

كان يقول: «إن ابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه» (1)وانه قال حين ضربه ابن ملجم: «فزت ورب الكعبة» (2).

وقد أجاب عنه شيخنا الشهيد (طاب ثراه) في الذكرى، فقال: إنّ حبّ لقاء اللّه غير مقيد بوقت، فيحمل على حال الاحتضار ومعاينة ما يحبّ، كما روينا عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) ورووه في الصحاح عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : «من أحب لقاء اللّه أحبّ اللّه لقاءه، ومن كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه» قيل: يا رسول اللّه إنا لنكر اللّه إنا لنكره الموت! فقال: ليس ذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان اللّه وكرامته، فليس شيء أحبّ إليه ممّا أمامه، فأحب لقاء اللّه، وأحبّ اللّه لقاءه، وان الكافر إذا حضر بشر بعذاب اللّه، فليس شيء أكره إليه ممّا أمامه، کره لقاء اللّه فكره اللّه لقاءه» (3)انتهى.

وقد يقال: إنّ الموت ليس نفس لقاء اللّه فكراهته من حيث الألم الحاصل منه


قوله: «آنس بالموت».

من الاستئناس خلاف الاستيحاش، و ذلك أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان مستعداً لحلول الموت مترصداً لنزوله ليريحه من نصب الدنيا الدنية المطلقة ثلاثاً بل تسعاً، وكان يقول في ليلة يضربه اللعين ابن ملجم مخاطباً بنفسه المقدّسة (4):

أشدد حيازيمك للموت ***فإن الموت لاقيكا

ولا تجزع من الموت *** إذا حل بواديكا


1) نهج البلاغة ص 52 الخطبة 5.

2) بحار الأنوار :42: 239 ح 45.

3) ذكرى الشيعة 1: 389.

4) الخرائج والجرائح 1: 182.

لا يستلزم كراهة اللّه. وهذا ظاهر. وأيضاً فحبّ اللّه سبحانه يوجب الاستعداد التام للقائه بكثرة الأعمال الصالحة، وهو يستلزم كراهة الموت القاطع لها.

خاتمة

هذا الحديث كما عرفت صريح في أنّ الواجب أفضل من الندب. وقد استثني من ذلك شيخنا الشهيد وغيره مواضع :

الأوّل: الإبراء من الدين، فإنّه مستحب، وهو أفضل من إنظار المعسر، وهو واجب.

الثاني: السلام إبتداءً، فإنّه أفضل من ردّه، وهو واجب.

الثالث: إعادة المنفرد صلاته جماعة، فإنّ صلاة الجماعة مطلقا تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة.


قوله: «لا يستلزم كراهة لقاء الله».

بل هو سبب للقائه، وكراهة السبب لا يستلزم كراهة المسبّب.

قوله: «تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجه».

هذا حديث رواه العامّة عن أبي سعيد الخدري عنه، والفدّ الواحد، وقد فد الرجل فذاً إذا شذ عنهم وبقي فرداً.

وقال الغزالي: صلاة الجمعة هي صلاة بالظاهر والباطن، وصلاة الفذ هي صلاة بالظاهر فقط.

وفي صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله: الصلاة في جماعة تفضل على صلاة الفرد بأربع وعشرين درجة، فيكون خمسة وعشرين صلاة (1).


1) تهذيب الأحكام 3: 25 ح 85.

الرابع الصلاة في البقاع الشريفة، فإنّها مستحبّة، وهي أفضل من الصلاة في غيرها (1).

الخامس: الخشوع في الصلاة مستحبّ، ويترك لأجله سرعة المبادرة إلى الجمعة وإن فات بعضها مع أنها واجبة.

وللمناقشة في هذه المواضع مجال (2)، واللّه أعلم.


1) هذه الصلاة توصف بالاستحباب، وقالوا: يجوز أن ينوي بها الوجوب. ولا يبعد توقف ترتب الثواب المستحبّ على نيّة الوجوب فيه، لكن قصد العاقل وجوب ما علم استحبابه مشكل، وسيرد في الحديث السابع والثلاثين كلام فيما لو نوى رفع حدث والواقع غيره، وهو نافع هنا. (منه).

2) كالمناقشة في الأوّل بأنّ الواجب هو عدم المطالبة، سواء تحقق في ضمن الإبراء أو غیره، فالمتحقق في ضمنه هو أفضل الواجبين لا مستحبّ، وقس على هذا المناقشة في الرابع. (منه).

الحديث السادس والثلاثون : أقسام طلاب العلم وبقاء الحجّة الإلهية

إشارة:

وبالسند المتّصل إلى الشيخ الجليل محمّد بن علي بن بابويه، عن أبيه، عن محمّد بن القاسم ماجيلويه عن محمّد بن علي الصيرفي، عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن فضيل بن جريح، عن كميل بن زياد النخعي قال: كنت مع أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مسجد الكوفة، وقد صلينا العشاء الآخرة، فأخذ بيدي حتّى خرجنا من المسجد، فمشى حتّى خرج إلى ظهر الكوفة لا يكلمني بكلمة، فلمّا أصحر تنفس الصعداء ثمّ قال :

يا كميل إنّ هذه القلوب أوعية فخيرها أو عاها إحفظ عنّي ما أقول لك: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كلّ ريح، لم يستضيؤوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق.

يا كميل العلم خير من المال العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الانفاق.

یا كميل العلم دين يدان اللّه به، يكسب الإنسان الطاعة في حياته، وجميل الاحدوثة بعد وفاته.

یا کمیل مات خزّان الأموال، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة.

آه آه إنّ هاهنا – وأشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيده إلى صدره - لعلماً جماً لو أصبت له حملة، بلى أصبت له لقناً غير مأمون يستعمل آلة الدين في الدنيا، ويستظهر بحجج اللّه على خلقه، وبنعمه على عباده، أو منقاداً للحق لا بصيرة له في أحنائه، ينقدح الشكّ في قلبه بأوّل عارض من شبهة، ألا لا ذا ولا ذاك، أو منهوماً باللذات سلس القياد للشهوات، أو مغرى بالجمع والادخار ليسا من رعاة الدين في شيء، أقرب شبهاً بهما الأنعام السائمة، كذلك يموت العلم بموت حامليه.

اللّهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة: إما ظاهر مشهور، أو مستتر مغمور، لئلا تبطل حجج اللّه وبيّناته، وأين أولئك؟ أولئك - واللّه - الأقلّون عدداً الأعظمون خطراً، بهم يحفظ اللّه حججه وبيّناته حتّى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقائق الأمور، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون، وآنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحلّ الأعلى، أولئك خلفاء اللّه في أرضه، والدعاة إلى دينه. آه آه شوقاً إلى رؤيتهم.

ثم نزع يده من يدي، وقال: إنصرف إذا شئت (1).

بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث

(فلما أصحر) في الصحاح: أصحر الرجل: إي خرج إلى الصحراء (2).

(تنفس الصعداء) الصعداء بضم الصاد وفتح العين المهملتين والمد: نوع من التنفّس يصعده المتلهف الحزين. وانتصابه على المفعول المطلق النوعي، نحو: جلست القرفصاء.


1) كمال الدين وتمام النعمة ص 290 - 291، الخصال ص 186.

2) صحاح اللغة 2: 708.

(يا كميل) هو من أعاظم خواص أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأصحاب سره، وهو ممّن قتله الحجاج، وكان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد أخبره بأن الحجاج سيقتله.

(إنّ هذه القلوب أوعية) الوعاء بكسر أوّله الظرف. ووعي الشيء يعيه: حفظه و جمعه.

(فخيرها أو عاها) أي: أحفظها للعلم وأجمعها.


الحديث السادس والثلاثون

هذا الحديث مجهول بعمر بن سعد الكوفي المهمل، وفضيل بن جريح المذكور في الرجال.

قوله: «یا کمیل».

کمیل بن زیاد مصغراً من أعظم أصحاب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان عامله على هيت ويدلّ على كونه من أصحاب سرّه ما هو المشهور من الحديث أنه سأله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الحقيقة، فقال: مالك والحقيقة، قال: أولست صاحب سرّك ؟ قال : بلى ولكن رشح عليك ما يطفح منّي، ثمّ أجابه عمّا سأل (1).

ومن الغريب أن أصحابنا أهملوه في رجالهم، إلا ابن داود فإنّه قال: إنه من خواص علي وابنه الحسن (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) (2).

ولعلّ ذلك منهم لشهرته المغنية عن بيان حاله، كيف لا؟ ودعاؤه المروي عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مشهور فيهم من غير نكير، فتأمّل فيه.


1) كلمات مكنونة من علوم أهل الحكمة والمعرفة للفيض الكاشاني ص 30.

2) رجال ابن داود ص 281.

(عالم ربّاني) الربّاني منسوب إلى الربّ بزيادة الألف والنون على خلاف القياس كالرقباني (1).

قال في الصحاح: الرباني: المتأله العارف بالله تعالى(2). وكذا قال في القاموس (3).

وقال في الكشّاف عند قوله تعالى: (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) (4): الرباني هو شديد التمسك اللّه بدین وطاعته. وعن محمّد ابن الحنفية أنه قال حين مات ابن


قوله: «بزيادة الألف والنون ».

للمبالغة، قال أبو العباس أحمد بن عبّاس: إنّما قيل للفقهاء: ربانيون لأنهم يربون العلم أي يقومونه. وفي الحديث لا علم إلا من عالم رباني (5).

قيل: هو من كان علمه موهبياً وأمر اللّه بالأخذ عنه

وقيل : الراسخ في العلم.

وقيل: الذي يطلب بعلمه وجه اللّه.

وقيل: هو من الربّ بمعنى التربيه؛ لأنهم كانوا يربون المتعلمين بصغار العلوم قبل كبارها (6).


1) أي: عطيم الرقبة (منه).

2) صحاح اللغة 1: 130.

3) القاموس المحيط 2: 181.

4) سورة آل عمران: 79.

5) مجمع البحرين 2: 65.

6) مجمع البحرين 2: 65.

عبّاس: اليوم مات ربّاني هذه الأمّة (1). إنتهى.

وقال الشيخ أبو علي الطبرسي (رحمه اللّه) في مجمع البيان: الرباني هو الذي يربّ أمر الناس بتدبيره له وإصلاحه إيّاه (2).

(ومتعلّم على سبيل نجاة) أي: على طريقها، بأن يكون قصده من التعلّم حصول النجاة الأخروية، لا الحظوظ الدنيوية، كأكثر أهل زماننا.


قوله: «لا الحظوظ الدنيوية».

كأن يجلس مجلس القضاء والفتوى، ويأكل بالباطل، أو الحيلة الشرعية، وإن كانت جائزة أموال الناس واليتامى، وهو المعبّر عنه في الأخبار بالمستأكل بعلمه. ففي الحديث: من أراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب، ومن أراد به خير الآخرة أعطاه اللّه خير الدنيا والآخرة (3).

وفي آخر: من أخذ العلم من أهله وعمل بعلمه نجا، ومن أراد به الدنيا فهي حظه. كذا في أصول الكافي (4).

ويحتمل أن يكون المراد بالتعلّم على سبيل النجاة من يكون تعلمه من العالم الربّاني، لا من الذين يدعون العلم ولا علم لهم، فإنّهم ربما يصدونه عن الدين فيكون مثلهم من الهالكين.

ويؤيده ما روي عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إن الناس آلوا بعد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى ثلاثة : آلو إلى عالم على هدى من اللّه قد أغناه اللّه بما علم عن علم غيره، وجاهل


1) تفسير الكساف 1: 378.

2) مجمع البيان 1: 466.

3) أصول الكافي 1: 46 ح 2.

4) أصول الكافي 1: 46 ح 1.

(وهمج رعاع) الهمج جمع همجة، وهو ذباب صغير يسقط على وجوه الحيوانات و أعينها. إستعار هذا اللفظ للجهلة تحقيراً لهم.

والرعاع بالمهملات وفتح أوّله: العوام والسفلة وأمثالهم.

(أتباع كل ناعق) النعيق: صوت الراعي بغنمه. ويقال لصوت الغراب أيضاً. والمراد: أنهم لعدم ثباتهم على عقيدة من العقائد، وتزلزلهم في أمر الدين، يتبعون كل راعٍ، ويعتقدون بكل مدّعٍ، ويخبطون خبط العشواء من غير تمييز بين محق و مبطل.

ولعل في جمع هذا القسم وإفراد القسمين الأولين إيماء إلى قلتهما وكثرته.

(والعلم يزكو على الإنفاق) أي: ينمو ويزيد به.

وكلمة «على» يجوز أن تكون بمعنى «مع» كما قالوه في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ) (1)وأن تكون للسببية والتعليل، كما قالوه في


مدع للعلم لا علم له معجب بما عنده قد فتنته الدنيا وفتن غيره، ومتعلّم من عالم على سبيل هدى من اللّه ونجاة، ثمّ هلك من ادّعا وخاب من افترى (2).

قوله: «يزكو على الإنفاق».

لأن كثيراً ما يظهر في أثناء تقریر المسألة وتعليمها ما كان مخفياً من أسرارها ودقائقها لكمال توجّه النفس حينئذ إليها، مع ما فيه من المطارحة والمناظرة المؤدّية إلى درك كنهها الموجبة للتكرار المورث للملكة المعنية على فهم غيرها من المسائل.


1) سورة الرعد: 6.

2) أصول الكافي 1: 33 - 34 ح 1.

قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) (1).

(العلم دين يدان اللّه به) أي: طاعة يطاع اللّه بها، والتنوين للتعظيم.

(يكسب الإنسان الطاعة) يكسب بضمّ حرف المضارعة من أكسب. والمراد أنه يكسب الإنسان طاعة اللّه تعالى، أو يكسب طاعة العباد له.

(و جميل الأحدوثة) أي الكلام الجميل والثناء. والأحدوثة مفرد الأحاديث.

(وأمثالهم في القلوب موجودة) الأمثال: جمع مثل بالتحريك، وهو في الأصل بمعنى النظير، ثمّ استعمل في القول السائر الممثل مضربه بمورده، ثمّ في الكلام الذي له شأن وغرابة. وهذا هو المراد أي: إنّ حكمهم ومواعظهم محفوظة عند أهلها، يعملون بها ويهتدون بمنارها.


قوله: «وجميل الأحدوثة».

المراد بالأحدوثة ما يتحدّث به الناس بعد وفاتهم من ذكر فضائلهم وكمالاتهم ودقائق أنظارهم، ونتائج أفكارهم وكتبهم وتصانيفهم، ونشرهم العلوم الدينية والمعارف اليقينيه ونحو ذلك، وبذلك تصير أمثالهم في القلوب موجودة.

فلا يبعد أن يراد بالأمثال هنا الأشباح والأظلال، وهي صورهم الحاصلة في الأذهان عند ذكرهم وسماع أسمائهم وأوصافهم، ويكون المراد أن وجوداتهم العينية وإن عدمت وفقدت إلاّ أنّ وجوداتهم الذهنية وصورهم الظلية باقية ببقاء الدهر، أي بمرور السنين والأيام والشهور والأعوام، فإنّهم يذكرون في الألسنة والأفواه في كلّ عهد وأوان وأمكنة وأزمان، فكأنهم لم يموتوا بعد.

مرده آنست که نامش به نکوئی نبرند


1) سورة البقرة: 185.

(لعلماً جماً) أي: كثيراً.

(لو أصبت له حملة) بالفتحات جمع حامل أي من يكون أهلاً له. وجواب «لو» محذوف، أي: لبذلته لهم.

(بلى أصبت له لقناً) بفتح اللام وكسر القاف أي فهماً، من اللقانة وهى حسن الفهم.

(يستعمل آلة الدين في الدنيا) أي: يجعل العلم الذي هي آلة ووصلة إلى الفوز بالسعادات الأبدية وسيلة إلى تحصيل الحظوظ الفانية الدنيوية، كالمال والجاه وميل الخلائق إليه وإقبالهم عليه.


قوله: «أي لبذلته لهم». الأنسب أن يقال: لحملته عليهم، وهذا الكلام منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما يدل على رجحان بذل العلم وإعطائه من هو من أهله، كذلك يدلّ على رجحان الضنة به ومنعه من غير أهله؛ لأنّ بذله له مع أنه لا ينفعه بل يضره لأنه يستعمله وهو آلة الدين في الدنيا يكون بمنزلة ايقاع شيء في غير موقعه، ولهذا كان من يعلّم الحكمة غير أهلها رأى في المنام أنه يعلّق الدرّ على أعناق الخنازير.

وفي الخبر عن سيّد البشر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): من وضع الحكمة في غير أهلها جهل، ومن منع أهلها ظلم، فأعط كل ذي حق حقه.

وفي أصول الكافي عن أبي عبد اللّه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): قال: قام عیسی بن مریم (عَلَيهِ السَّلَامُ) خطيباً في بنى إسرائيل، فقال: يا بني إسرائيل لا تحدثوا الجهال بالحكمة فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم (1).


1) أصول الكافي 1: 42 ح 4.

(ويستظهر بحجج اللّه على خلقه) أي: يطلب الغلبة عليهم بما عرفه اللّه سبحانه من الحجج.

(لا بصيرة له في أحنائه) بفتح الهمزة وبعدها حاء مهملة ثمّ نون، أي: جوانبه، أي: ليس له غور وتعمق فيه.

وفي بعض النسخ: «في إحيائه» بالياء المثناة من تحت، أي: في ترويجه و تقويته.

(ألا لا ذا ولا ذاك) أي: ليس المنقاد العديم البصيرة أهلاً لتحمّل العلم، ولا اللقن الغير المأمون. وهذا الكلام معترض بين المعطوف والمعطوف عليه.

(أو منهوماً باللذات) أي: حريصاً عليها منهمكاً فيها، والمنهوم في الأصل هو الذي لا يشبع من الطعام.

(سلس القياد) أي: سهل الانقياد من غير توقف.

(أو مغرى بالجمع والادّخار) أي : شديد الحرص على جمع المال وادّخاره، كأنّ أحداً يغريه بذلك ويبعثه عليه.


قوله: «أو منهوهاً باللذات».

المنهوم مأخوذ من النهمة بالتحريك، وهي إفراط الشهوة بالطعام، وأن لا يمل بالأكل ولا يشبع، ثمّ استعير لكلّ حريص على الشيء مولع به، ومنه الحديث «منهومان لا يشبعان طالب دنيا، وطالب علم» (1)وفي الحديث :

إن الجواد إذا حباك بموعد ***أعطاكه سلساً بغير مطال(2)

والسلس: ككتف اللين المنقاد السهل.


1) أصول الكافي 1: 46 ح 1.

2) فروع الكافي 4: 25.

اليسا من رعاة الدين في شيء) الرعاة بضم أوله: جمع راعٍ بمعنى الوالي، أي: ليس المنهوم والمغرى المذكوران من ولاة الدين في أمر من الأمور، أي: ليس لهما لياقة ذلك بوجه.

وفيه إشعار بأنّ العالم الحقيقي وال على الدين وقيم عليه.

وقد قسم (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذين ليس لهم أهلية تحمّل العلم إلى أربعة أقسام :

أوّلها: جماعة فسقة لم يريدوا بالعلم وجه اللّه سبحانه، بل إنّما أرادوا به الرياء والسمعة، وجعلوه شبكة لاقتناص اللذات الدنية والمشتهيات الدنيوية.


قوله: «وجعلوه شبكة لاقتناص اللذات الدنية».

وفيهم ورد قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): من أراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له في الآخرة نصیب (1).

وفي آخر: إذا رأيتم العالم محبّاً لدنياه، فاتهموه على دينكم، فإنّ لكلّ محبّ لشيء يحوطه ما أحبّ. وأوحى اللّه إلى داود (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدنيا، فيصدّك عن طريق محبّتي، فإنّ أولئك قطاع طريق عبادي المريدين، إن أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة مناجاتي من قلوبهم (2).

وورد: أنّ الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا، قيل: يا رسول اللّه وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم (3).


1) أصول الكافي 1: 46 ح 2.

2) أصول الكافي 1: 46 ح 4.

3) أصول الكافي 1: 46 ح 5.

وثانيها: قوم من أهل الصلاح، ولكن ليس لهم بصيرة في الوصول إلى أغواره، والوقوف على أسراره، بل إنّما يصلون إلى ظواهره، فتنقدح الشكوك في قلوبهم من أوّل شبهة تعرض لهم.

وثالثها: جماعة لا يتوصلون بالعلم إلى المطالب الدنيوية، ولا هم عادمون للبصيرة في أحنائه بالكلية، ولكنّهم أسراء في أيدي القوى البهيمية، منهمكون في الملاذ الواهية الوهمية.

ورابعها: طائفة سلموا من تلك الصفات الذميمة، وسلكوا الطريقة المستقيمة لكنهم لم يخلصوا من صفة خسيسة أخرى، وهي حبّ المال وادخاره وجمعه وإكثاره.

وبالجملة فلابدّ لطالب العلم الحقيقى من تقديم طهارة النفس عن رذائل الأخلاق وذمائم الأوصاف؛ إذ العلم عبادة القلب وصلاته، وكما لا تصح الصلاة التي هي وظيفة الجوارح الظاهرة إلا بتطهير الظاهر من الأحداث والأخباث


قوله: «فلابدّ لطالب العلم الحقيقي».

المكنون عند أهله المضنون عن غير أهله أن يكون ذكياً عفيفاً صدوقاً مهذب الأخلاق، مبرءً عن الرياء والنفاق، مبغضاً لفضول الدنيا، معرضاً عن المكر والغدر والخيانة ونحوها، مراعياً للآداب والسنن، صابراً على البلايا والمحن، ملازماً للذكر، مداوماً للفكر، متخلّياً عن الشهوات النفسانية والهواجس الشيطانية، مراقباً للنفس آناً فاناً، عاملاً بما يتعلّمه شيئاً فشيئاً، معظماً للعلم والعلماء، مقبلاً على الوظائف الشرعية فرائضها ونوافلها، مع إخلاص النية، وصفاء الطوية، بعد أن يعلم أحكامها، وعرف حلالها وحرامها، وكان قد أخذ عن أهلها وإمامها، ووفقنا اللّه لذلك وسائر الطالبين بنبيه وآله وعترته الطاهرين.

كذلك لا تصح عبادة القلب وصلاته إلا بعد طهارته عن خبائث الأخلاق وأنجاس الأوصاف.

(كذلك يموت العلم بموت حامليه) أي مثل ما عدم من يصلح ليحمل العلوم الحقيقية والمعارف الإلهية بعدم تلك العلوم والمعارف، وتندرس آثارها بموت العلماء العارفين؛ لأنّهم لا يجدون من يليق لتحملها بعدهم.

ولما كانت سلسلة العلم والعرفان لا تنقطع بالكلّية مادام نوع الإنسان، بل لابد من إمام حافظ للدين في كل زمان على ما تقتضيه قواعد العدلية (رضوان اللّه عليهم)، إستدرك أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كلامه هذا بقوله (اللّهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة إما ظاهر مشهور) كمولانا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أيام خلافته الظاهرة المتفق عليها بين أهل الاسلام.

(أو خائف مغمور) أي: مستتر غير متظاهر بالدعوى إلا للخواص، كما كان من


قوله: «يموت العلم».

إسناد الموت إلى العلم مجاز من باب المشاكلة، والمراد أنه لما كان من الكيفيات النفسانية المرتسمة في النفس، فإذا مات حامله ولم يستفد ذلك منه ولم يتحمّل انقطع أثره؛ إذ لا يمكن استفادته منه بعد موته، فكأنه مات بموته، وذهب بذهابه.

وعن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن اللّه عزّوجلّ لا يقبض العلم بعد ما يهبطه، ولكن يموت العالم فيذهب بما يعلم، فتليهم الجفاة فيضلّون ويضلون، ولا خير في شيء ليس له أصل (1).


1) أصول الكافي 1: 38 ح 5.

حاله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أيام خلافة من تقدّم عليه، وكما كان من حال الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) من ولده، وكما هو في هذا الزمان من حال مولانا وإمامنا الحجة المنتظر محمّد بن الحسن المهدي سلام اللّه عليه وعلى آبائه الطاهرين.

(هجم بهم العلم على حقائق الأمور، وباشروا روح اليقين) شرع (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصف


قوله: «هجم بهم العلم».

هجم عليه من باب قعد دخل بغتة على غفلة منه، والهجوم على القوم الدخول فيهم من غير استئذان والباء في «بهم» للتعدية.

وباشر الرجل الأمر إذا خالطه ولامسه، ومنه فليباشر بكفّيه الأرض» وإضافة الروح إلى اليقين لامية.

ولعله (عَلَيهِ السَّلَامُ) شبه حقائق الأشياء وما هي عليه في أنفسها بأشياء مستورة عن أعين الناس، مذخورة في مكان لا يمكن الاطلاع عليها إلا بدليل وهادٍ، وشبّه العلم بهذا الدليل، ثمّ شبّه ما يحصل للنفس بعد حصول اليقين من الراحة والسكون بجسم ملس ناعم يمكن أن يلمسه اللامسة وتلتدّ به.

ففي الكلام تشبيه للعقول بالمحسوس واستعارتان مكنيتان وترشيحيتان، أي: أدخلتم العلم على تلك الحقائق، فعاينوها وميّزوها بعين بصيرة، وأخذوها بيد غير قصيرة، وحصل لهم اليقين بذلك، فسكنت أنفسهم، واستراحت عمّا يعرض النفوس القاصرة الشاكة من القلق والاضطراب والشك والاضطراب.

وفي جعله (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا من أوصافهم دلالة على أنّ العلم بحقائق الأشياء لم يحصل لأحد من الرعية لا كمّاً ولا كيفاً؛ لأنّ نفوسهم وإن جاهدوا لا تستعد لذلك: إما لكونها مكدّرة ببعض التعلّقات، فصارت كمرآت صيقل بعضها، وإما لكونها في ذاتها أحقر أن تسع أشياء كثيرة كمرآت صغيرة صقيلة حوذي بها ما فيه صور كثيرة،

حجج اللّه في أرضه والحافظين لدينه، أي: أطلعهم العلم اللدنّي على حقائق الأشياء محسوساتها ومعقولاتها، وانكشفت لهم حجبها وأستارها، فعرفوها بعين اليقين على ما هي عليه في نفس الأمر من غير وصمة ريب أو شائبة شكّ، فاطمأنت لها قلوبهم، واستراحت بها أرواحهم وهذه هي الحكمة الحقيقية التي من أوتيها فقد أوتى خيراً كثيراً.

والروح بالفتح الراحة.

(واستلانوا ما استوعره المترفون) الوعر من الأرض ضد السهل. والمترف المتنعم، من الترفّه بالضم أي استسهلوا ما استصعبه المتنعمون من رفض


فلا ينطبع فيها إلا شيء يسير منها، وإما لأنّ النفس غير معصوم تتدنّس بدنس الخطايا، وبعده ترين فلا ينطبع فيها بعض الحقائق وإن صفيت بعد ذلك، كمرآت رانت ثمّ صقلت، فلا ينطبع فيها ما ينطبع في المرآت المصفات التي لم يعتره رين أصلاً من دقائق الأشياء وأسرارها، وإن انطبعت فيها جلائلها، وإلا فلا بخل في المبدء الفياض.

فظهر أن مدار العلم والحكمة على طهارة النفس وكمالها وتجرّدها وارتباطها بالمبدء، أو أنها كلما قطعت التعلّقات البدنية وقربت من التجرّد إزداد هذا الارتباط، فإذا وصلت أعلى مراتب التجرّد الممكن في حقها حصلت لها غاية الارتباط بمبدئها، وهي المعبّر عنه بالوصول، كما ورد في الحديث «تجرّد تصل».

وإذا بلغت هذه الغاية استأهلت لإفاضة أقصى ما يمكن لها إفاضة من العلوم والمعارف، سواء في ذلك الصغير والكبير، فلا مانع عقلاً أن ينال الصبي مرتبة الأشياء على ما هي عليه، وتحصل له حقائق الامامة، كما في الجواد والقائم (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) فافهم.

الشهوات البدنية، وقطع التعلّقات الدنيوية وملازمة الصمت والسهر والجوع والمراقبة والاحتراز من صرف ساعة من العمر فيما لا يوجب زيادة القرب من اللّه تعالى شأنه، وأمثال ذلك. وقس على هذه الفقره نظيرتها.

(وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحلّ الأعلى) أي: نفضوا عن أذيال قلوبهم غبار التعلّق بهذه الخربة الموحشة الدنية، وتوجهت أرواحهم إلى مشاهدة جمال حضرة الربوبية، فهم مصاحبون بأشباحهم لأهل هذه الدار، وبأرواحهم للملائكة المقربين الأبرار، وحسن أولئك رفيقا.

(أولئك خلفاء اللّه في أرضه) تعريف المسند إليه بالإشارة للدلالة على أنه حقيق بما يسند إليه بعدها، بسبب اتصافه بالأوصاف المذكورة قبلها، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(1).

(آه آه شوقاً إلى رؤيتهم لا ريب في شدّة شوقه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليهم، فإنّ الجنسية علة


قوله: «بالمحل الأعلى».

بتركهم اللذات الدنية الدنيوية، وقطعهم العلاقة عن الدنيا وملاذها وزخارفها وزهراتها وملازمتهم الصمت والسهر والذكر والفكر، وما شاكل من صفات ذلك الروحانيين، وسمات الملكوتيين.

قوله: «آه آه شوقاً إلى رؤيتهم».

أوه كلمة توجع يتكلّم بها العرب عند الشكاية.

قال الجوهري : قولهم أوه من كذا عند الشكايه ساكنة الواو، وربّما قلبوا الواو ألفاً، فقالوا: آه من كذا، وربّما شدّدوا الواو وكسروها وسكنوا الهاء، فقالوا: أوه من


1) سورة البقرة : 5.

الضم، وهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) أستاذ العارفين، وقدوة الواصلين بعد سيد المرسلين (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فلا جرم اشتاقت نفسه الشريفة إلى مشاهدة أبناء جنسه، وأصحاب طريقته السالكين على آثاره، والمقتبسين من أنواره سلام اللّه عليهم أجمعين.

تبصرة

إستقامة ما دلّ عليه هذا الحديث من عدم خلوّ الأرض من إمام موصوف بتلك الصفات، وكذا ما يفيده الحديث المتفق عليه بين الخاصّة والعامّة من قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) :


كذا، وربما حذفوا الواو مع تشديد الهاء، فقالوا: أة من كذا بلا مد، وبعضهم يقول: آوه من كذا بالمد والتشديد وفتح الواو ساكنه الهاء لتطويل الصوت بالشكاية، وربّما أدخلوا فيه التاء فقالوا: أوتاه يمدّ ولا يمد (1).

قوله: «تبصرة».

إشارة إلى مسألة متنازع فيها بين العامّة والخاصّة، وهي أنهم لما قالوا: إنّ الامام لطف، وهو واجب على اللّه تعالى تحصيلاً للغرض، فلابدّ من وجود إمام معصوم من قبل اللّه في كلّ زمان من أزمنة التكليف؛ لامتناع الاخلال بالواجب على الواجب.

قال العامّة: وجوده لطف إذا كان ظاهراً قاهراً متصرفاً زاجراً عن القبائح، قادراً على تنفيذ الأحكام، وإعلاء لواء الاسلام، وهذا ليس بلازم عندكم، فالامام الذي ادعيتم وجوبه ليس بلطف والذي هو لطف ليس بواجب.

أجاب عنه الخاصّة بأنّ وجوده لطف، تصرّف أم لم يتصرّف، وتصرّفه الظاهر لطف آخر، وعدمه من جهة العباد وسوء اختيارهم، حيث أخافوه و تركوا نصرته


1) صحاح اللغة 6: 2225.

----------------------------------------------------------------------

وفوّتوا هذا اللطف على أنفسهم، وإلى ذلك يشير قول سيدنا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : بلى لا تخلو الأرض عن قائم لله بحجّة إمّا ظاهر مشهور، أو خائف مغمور، لئلا يبطل حجج الله وبيناته (1).

ثمّ قال العامّة: لا نسلّم أن وجوده بدون التصرّف لطف، وما يقال من أن المكلّف إذا اعتقد وجوده كان دائماً يخاف ظهوره وتصرّفه، فيمتنع عن القبائح، ففيه أنّ مجرّد الحكم بخلقه و ایجاده في وقت ما كافٍ في هذا المعنى، فإنّ ساكن القرية إذا انزجر عن القبيح خوفاً من حاكم من قبل السلطان مختف في القرية بحيث لا أثر له لذلك ينزجر خوفاً من حاكم علم أن السلطان يرسله متى شاء، وليس هذا خوفاً من معدوم، بل من موجود مترقب، كما أن خوف الأوّل من ظهور مترقب.

أقول: وفيه أنا نقول : فرق بين حاكم أرسله السلطان إلى أهل قرية ليصلح شؤونهم ويخفّف مؤنهم، ويبلغ إليهم ما فيه رضاه وسخطه ممّا أمر به وهم قد أخافوه وخذلوه وتركوا نصرته، فاختفى منهم خوفاً على نفسه، وهو بعد منتظر لأن يؤمنوه وينصروه حتّى يخرج إليهم ويبلغ ما أرسل به إليهم، وحاكم يرسله إليهم متى شاء، وهو قد شاء وأرسل، فإنّ في الصورة الأولى لا حجة لهم عليه إذا أراد أن يعاقبهم بفعلهم ما فيه سخطه وتركهم ما فيه رضاه، بخلاف الصورة الثانية، فإنّ لهم عليه حجّة بالغة، بأن يقولوا لو أرسلت إلينا رسولاً لا تبعناه فيما فيه رضاك واجتنبنا ما فيه سخطك، فافهم.


1) نهج البلاغة ص 497 رقم الحديث: 147.

المراد من حديث من مات ولم يعرف إمام زمانه

«من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية» (1)ظاهرة على ما ذهب إليه


وقد أجاب عنه الخاصّة بأنّ ذلك الذي سيوجد إما معصوم، أو لا. والثاني باطل؛ لما أثبتنا من وجوب عصمته، فتعيّن الأوّل، فاما أن يخبر عن اللّه من غير أمره بالاخبار وايجابه طاعته على المكلّفين، أو بأمره وايجابه، والأوّل باطل؛ لأنّ أمر المكلّف وطلب الاطاعة منه وجوباً بلا تعيين من اللّه كذب، وهو عن المعصوم منفي، فهو إنما يأمر بأمر اللّه، فإما بلا واسطة بشر، أو بواسطته، والأول باطل وإلاّ لزم أن يكون نبياً وقد انفطع الوحى والنبوة بعد خاتم النبيين، فيكون بواسطة بشر معصوم.

فظهر أن الامام يجب أن يكون موجوداً معصوماً منصوصاً عليه من قبل بشر معصوم إلى أن ينتهي إلى صاحب الوحي، والموصوف بهذه الصفات ليس إلاّ محمّد بن الحسن، فهو الامام في هذا الزمان فمن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، جعل اللّه ظهور إمامنا صاحب العصر والزمان واستيلاءه على كافة أهل الشرك والطغيان، اللّهمّ عجل فرجه وسهل مخرجه، واجعلنا من الذين يدخلون تحت سرادقات دولته، وينخرطون في سلك أحبته، ويقاتلون فيه فيقتلون أو يقتلون لإعلاء كلمته بمحمّد سيّد الأبرار وسند الأخيار وآله وعترته.

قوله: مات ميتة».

الميتة بالكسر للحال والهيئة، ومنه «مات ميتة حسنة» (2)وميتة السوء بفتح السين، وهي الحالة التي يكون عليها الإنسان عند الموت كالفقر المدقع، والوم الموجع، والألم المقلق، والاعلال التي تفضي به إلى كفران النعمه ونسيان الذكر،


1) أصول الكافي 1: 376، مسند أحمد بن حنبل 4: 96.

2) مجمع البحرين 2: 224.

----------------------------------------------------------------------

والأحوال التي تشغله عما له وعليه ومات ميتة جاهلية، أي كموت أهل الجاهلية. فيظهر منه أنّ معرفته بأحوال المبدء والمعاد، وقد فاتت منه تلك المعرفة المخصوصة غير نافعة له في النشأة الآخرة، حيث لا تدفع عنه العذاب الأخروي، وهو ظاهر.

وأما أن حياته أوّلاً يجوز إجراء أحكام المسلمين عليه، فلا دلالة له عليه بشيء من الدلالات، كيف؟ وهو خلاف ما دلّت عليه أخبار كثيرة من إسلام أهل الخلاف.

فما أفاده وحيد زمانه ميرزا محمّد طاهر بقوله: اعلم أن المليين من الملسمين مع اختلاف مذاهبهم اتفقوا على صحة ما نقل عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو قوله «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية» ولا شكّ في أنّ هذا الحديث صريح في أن الجاهل بإمام زمانه كافر، ولا شكّ في أنّ علياً لم يبايع أبا بكر مدة، فعلى هذا يلزم أن لا تكون إمامة أبي بكر حقاً، وإلا لزم أن يكون علي وعباس وكل من تأخر عن بيعته كافراً، ولم يقل به أحد، فثبت المطلوب.

ليس بشيء؛ لأنّ غاية ما يفهم منه أن موت الجاهل بإمام زمانه على تقدير بقائه على هذا الجهل وفنائه عليه شبيه بموت أهل الجاهلية؛ لأنّ من تأخر عن بيعة إمام برهة من الزمان، ولعلّه كان لإجالة النظر وإطاله الفكر ليظهر عليه صدقه وحقيقته في دعواه الامامة، ثمّ بايعه وعرفه ثمّ مات على معرفته والاقرار بإمامته، يلزم منه أن يكون كافراً مدّة حياته، أو يكون موته شبيهاً بموت الجاهلية حتّى يلزم منه المطلوب.

كيف وكثير من أصحاب على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما يبايعوه مدة، ثمّ بايعوه طوعاً أو كرهاً، ثمّ استقاموا على الاقرار بإمامته وماتوا عليه، فيلزم بناء على ما ذكره أن يكونوا كفاراً

----------------------------------------------------------------------

جهلاء محشورين مع أهل الجاهلية، وظاهر أنه لم يقل به أحد.

والعجب أنه مع ثقوب فهمه ورسوب ذهنه وجودة طبعه كيف تكلّم بهذا، وتفاخر في آخر دليله هذا بقوله : وهذا طريق أنيق في إثبات إمامة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، لم يذهب إليه أحد، وقد وفقنا اللّه به مع ظهور بطلانه وفساد بنيانه.

ثمّ قال: ثمّ إنّ الامام الحق في كل عصر يجب أن يكون واحداً، وإلا يلزم تجويز النقيضين على تقدير اختلافهم، وهو ممتنع، وإذا لم يكن الامام عبارة عن السلطان ومن يقتدى به في الصلاة، ثبت أنّ له معنى آخر يخصص عمّن يصدق عليه هذا اللفظ بحسب اللغة وليس للرعية سبيل إلى معرفته، فيجب بيانه و تعيينه على النبي، وتأخير البيان عن محلّ الحاجة قبيح، والنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) منزه عنه، فثبت أنه نص على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؛ إذ لم يدع أحد إدعاء نصه على غيره، فثبت المطلوب.

وفيه أنّ المقدّمة الأولى مستدركة، وكان المناسب أن يقول بعد إبطال إمامة أبي بكر : ثمّ إنّ خلو الزمان عن الامام باطل بإجماع الفريقين، وإذا لم يكن الامام إلى آخر ما ذكر.

على أنهم فسّروا الامامة برئاسة عامة في أمر الدين والدنيا خلافة عن النبي، فهم لا يجوزون تعدّده حقاً كان أم باطلاً، في عصر من الأعصار ليحتاج في نفيه إلى دليل، وفي إبطاله إلى حجة، فهو من المسلّمات عندهم.

وأما أنه ليس للرعية سبيل إلى معرفته، فهو أوّل المسألة وفى حيّز المنع؛ لأنّ إجماع الأمة على أمر دليل على حقيته، وهو سبيل المؤمنين المشار إليه في القرآن. و لعله حاول أن يشير إلى وجوب عصمته، وأنها من الأمور الخفية، فيجب أن يكون منصوصاً، و هو غير مسلّم عندهم، وإلا فبعد تسليمه لا حاجة إلى تلك

الامامية، من أنّ إمام زماننا هذا هو مولانا الامام الحجة محمّد بن الحسن المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ومخالفوهم من أهل السنّة يشنّعون عليهم بأنه إذا لم يمكن التوصل إليه، ولا أخذ المسائل الدينية عنه، فأي ثمرة يترتب على مجرد معرفته حتّى يكون من مات وليس عارفاً به فقد مات ميتة جاهلية.

والامامية يقولون: ليست الثمرة منحصرة في مشاهدته وأخذ المسائل عنه، بل نفس التصديق بوجوده (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأنه خليفة اللّه في الأرض أمر مطلوب لذاته، وركن من أركان الايمان كتصديق من كان في عصر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بوجوده ونبوته.

وقد روي عن جابر بن عبدالله الأنصاري أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ذكر المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال: ذلك الذي يفتح اللّه عزّوجلّ على يديه مشارق الأرض ومغاربها، يغيب عن


التطويلات.

بل يكفي مجرّد أن يقال: إنّ الامام بعد النبي: إما علي أو أبوبكر، والثاني باطل؛ لعدم عصمته إجماعاً، فثبت عصمة علي، وإلا لزم عدم إمامته أيضاً، وهو يستلزم خلاف الاجماع المركب من الفريقين، وإذا كان معصوماً تعين إمامته وهو المطلوب.

وأما ما ذكره من وجوب كون النبي منزّها عن القبيح، فغير مسلّم عندهم، كيف وهم قد كتبوا على ذلك تخطأة الأنبياء، وجوزوا فيهم الاجتهاد، فصوّبوهم تارة، وخطأوهم أخرى.

وبالجملة دليله هذا غير مسكت للخصم بل هو دليل إقناعي عند الامامية بعد تسليم مقدماته، وقد ورد على أكثرها النصّ عن أئمّتهم، فكيف ساغ دعوى التفرّد بذلك.

أوليائه غيبة لا يثبت فيها إلا من امتحن اللّه قلبه للايمان.

قال جابر: فقلت: يا رسول اللّه هل لشيعته انتفاع به في غيبته؟

فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : اي والذي بعثني بالحق أنهم ليستضيؤون بنوره، وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن علاها السحاب.

ثمّ قال الامامية: إنّ تشنيعكم علينا مقلوب عليكم؛ لأنكم تذهبون إلى أنّ المراد بإمام الزمان في هذا الحديث صاحب الشوكة من ملوك الدنيا كائناً من كان، عالماً أو جاهلاً، عدلاً أو فاسقاً، فأيّ ثمرة تترتب على معرفة الجاهل الفاسق ليكون من مات ولم يعرفه فقد مات ميتة جاهلية؟


قوله: «بنور ولايته».

بل بمكاتبته أيضاً، كما روي أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كتب إلى الشيخ السعيد المفيد (رَحمهُ اللّه) بهذه العباره أيضاً: أيها الشيخ المفيد والأخ السديد الرشيد قد أمرنا بمكاتبتك وتشريفك، وإن كنّا نائين عن مواطن الظالمين، فغير خاف عنا ما يكون من أعمالكم، فأعينونا بفقه وسداد وورع واجتهاد فنحن مقيمون بأرض اليمن بوادٍ يقال له: سمروح وسميرخ (1).

قوله: «أو فاسقاً».

هذا النقل ينافي ما نقل عن رؤساء مفسّريهم وأهل معرفتهم في كريمة (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (2).

قال الزمخشري: وقرىء الظالمون أي من كان ظالماً من ذريتك لا يناله استخلافي وعهدي إليه بالامامة، وإنّما ينال من كان عادلاً بريئاً من الظلم، وقالوا:


1) لم أظفر على نص هذا التوقيع بعينه في مظانّه، راجع بحار الأنوار 53: 174 - 178.

2) سورة البقرة : 124.

ولما استشعر هذا بعض مخالفيهم، ذهب إلى أنّ المراد بالامام في الحديث الكتاب.

وقال الامامية: إنّ إضافة الامام إلى زمان ذلك الشخص، يشعر بتبدّل الأئمّة في الأزمنة، والقرآن العزيز لاتبدل له بحمد اللّه على مر الأزمان.


في هذا دليل على أنّ الفاسق لا يصلح للامامة، وكيف يصلح لها من لا يجوز حکمه، ولا يقبل شهادته، ولا تجب طاعته، ولا يقبل خبره، ولا يقدّم للصلاة، وكان أبو حنيفة يفتى سرّاً بوجوب نصرة زيد بن علي وحمل المال إليه، والخروج معه على اللصّ المتغلّب المتسمّى بالامام والخليفة كالدوانيقي وأشباهه، وكان يقول في المنصور وأشياعه: لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عد آجره لما فعلت(1).

ومثله ما في تفسير البيضاوي (2).

وعن ابن عيينة: لا يكون الظالم إماماً قط (3).

قوله: «لا تبدّل».

عدم تبدل أشخاص القرآن وتجدّدها على ما مرّ الأزمان ممنوع، وإنما يتبدل بنوعه الحاصل في ضمنها، والحال في الأئمّة كذلك.

ثمّ إنّهم لو فسّروا الامام المذكور فى هذا الحديث بالفقيه العدل المؤمن لسقط عنهم الاعتراض، فإنّ الفائدة في المعرفة مشتركة، والأرض كما لا تخلو من إمام موصوف بالصفات المذكورة، كذلك لا تخلو من ففيه موصوف بالصفات المذكورة، كما عليه الأكثر، وأدلتهم عليه مشهورة، فافهم.


1) الكشّاف 1: 309.

2) تفسير البيضاوي 1: 111.

3) الكشّاف 1: 309 عن ابن عيينة.

وأيضاً فالمراد بمعرفة الكتاب التي إذا لم يكن حاصلة للانسان مات ميتة جاهلية، إن أريد بها معرفة ألفاظه، أو الاطلاع على معانيه، أشكل الأمر على كثير من الناس. وإن أريد مجرّد التصديق بوجوده، فلا وجه للتشنيع علينا إذا قلنا بمثله.

نقل كلام يناسب المقام

حكى السيّد الجليل ذو المناقب والمفاخر رضي الدين علي بن طاووس (قدس اللّه روحه) في بعض كتبه ما حاصله إنّه اجتمع يوماً في بغداد مع بعض فضلائها،


قوله: «مع بعض فضلائها».

لعل نظر ذلك الفاضل في إنكاره هذا إلى ما قاله الأطباء والطبيعيون من أنّ العمر الطبيعي للانسان مائة وعشرون سنة؛ لأنّ التجربة دلّت على أن غاية سن النموّ ثلاثون سنة، وغاية سنّ الوقوف عشرة، فهذه أربعون سنة، ويجب أن يكون غاية سنّ النقصان ضعف الأربعين المتقدّمة، فيكون نهاية العمر مائة وعشرون سنة.

قالوا: وإنّما صار زمان الفساد ضعف زمان الكون، أما من السبب المادي فلأن في زمان نقصان البدن تغلب اليبوسة على البدن فتتمسك بالقوة. وأما من السبب الفاعلي، فلأن الطبيعة تتأدى إلى الأفضل، وتتحامى عن الأنقص، وقد أنكر كثير من الناس تطاول الأعمار وامتدادها.

وقالوا: إنه لا قدرة عليه ولا سبيل إليه، ومنهم من ينزل في إنكاره درجة، فيقول: إنه وإن كان جائزاً من طريق القدرة والامكان، إلا أنه ممّا يقطع على انتفائه لكونه خارقاً للعادات، وان العادات إذا أوثق الدليل بأنها لا تنخرق إلا على سبيل الابانة والدلالة على صدق نبي من الأنبياء علم أن جميع ما روي من زيادة الأعمار على العادة مصنوع باطل ولا يلتفت إليه.

وأنت خبير بأنه ليس لهم على قولهم هذا برهان قطعي يدل على أن نهاية عمر

----------------------------------------------------------------------

الانسان هذا القدر، أو قدر معيّن غيره، وقد جاء الكتاب الإلهى بإثبات أعمار طويلة للأمم السالفة، قال اللّه تعالى في حق نوح (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا) (1).

قال المفسرون: إنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمّر ألفاً وخمسين سنة، بعث على رأس أربعين، ولبث في قومه تسعمائة وخمسين وعاش بعده تسعين. وعن وهب وهب أنه عاش ألفاً وأربعمائة سنة.

قال الأخباريون كان لقمان بن عاديا أطول الناس عمراً، عاش على ثلاثة آلاف سنة وخمسمائة سنة.

وقيل: إنه عمر عمر سبعة النبيين، وكان يأخذ فرخ النسر الذكر فيجعله في الجبل، فيعيش النسر ما عاش، فإذا مات أخذ آخر فربّاه حتّى كان السابع، وكان أطولها عمراً فسمّاه لبد، ولبد بلسانهم الدهر، فلمّا انقضى عمر أبد رآه لقمان واقعاً، فناداه انهض لبد، فذهب لينهض، فلم يستطع فسقط ومات ومات لقمان معه، فضرب به المثل، فقيل : طال الأبد على لُبد.

ومن المشهور أنّ أربعة من الأنبياء معمّرون، وهم في قيد الحياة: الخضر وإلياس في الأرض، وعيسى وإدريس في السماء.

قيل: وإنما أتى من أحال ذلك من حيث إنّه اعتقد أن استمرار كون الحيّ حيّاً موجب عن طبيعة وقوة لهما مبلغ من المادة متى انتهتا إليه انقطعت، واستحال أن تدوما، ولو أضافوا ذلك إلى فاعل مختار متصرّف لخرج عندهم عن باب الاحالة.


1) سورة العنكبوت: 14.

فانجرّ الكلام بينهما إلى ذكر الامام محمّد بن الحسن المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وما يدعيه الامامية من حياته في هذه المدة الطويلة، فشنع ذلك الفاضل على من يصدق بوجوده ويعتقد طول عمره إلى ذلك الزمان، وأنكره إنكاراً بليغاً.

قال السيّد (رحمه اللّه) : فقلت له: إنّك تعلم أنه لو حضر اليوم رجل وادعى أنه يمشي على الماء، لاجتمع لمشاهدته كلّ أهل البلد، فإذا مشى على الماء وعاينوه وقضوا تعجبهم منه، ثمّ جاء في اليوم الثاني آخر، وقال: أنا أمشي على الماء أيضاً، فشاهدوا مشيه عليه، لكان تعجبهم أقل من الأوّل. فإذا جاء في اليوم الثالث آخر، وادعى أنه يمشي على الماء أيضاً، فربما لا يجتمع للنظر إليه إلا قليل ممّن شاهد الأولين، فإذا مشى سقط التعجب بالكلية. فاذا جاء رابع، وقال: أنا أيضاً أمشي على الماء كما مشوا، فاجتمع عليه جماعة ممّن شاهدوا الثلاثة، ثمّ أخذوا يتعجبون


فأما الكلام في دخول ذلك في العادة وخروجه عنها، فلا شكّ أن العادة قد جرت في أعمار بأقدار متقاربة بعد الزائد عليها خارقا للعادة، إلا أنه قد ثبت أنّ العادة قد تختلف في الأوقات وفى الأماكن أيضاً، ويجب أن يراعي في العادة إضافتها إلى من هي عادة له في المكان والوقت وليس يمتنع أن يقل ما كانت العادة جارية به على التدريج حتّى يصير حدوثه خارقاً للعادة بغير خلاف، ولا أن يكثر الخارق للعادة حتّى يصير حدوثه غير خارق لها على خلاف فيها.

وإذا صح ذلك لم يمتنع أن تكون العادات في الزمان الغابر كانت جارية بتطاول الأعمار وامتدادها، ثمّ تناقص ذلك على تدريج حتّى صارت عادته الآن جارية بخلافه، وصار ما بلغ مبلغ تلك الأعمار خارقاً للعادة، ولكن ذلك لا يحلّ بما قصدناه في هذا الباب، فإنّ خوارق العادات غير ممتنعة في مقدور اللّه تعالى، وعلى أى تقدير فلا وجه لإنكار هذا الفاضل، كما لا يخفى.

منه تعجباً زائداً على تعجبهم من الأوّل والثاني والثالث، لتعجب العقلاء من نقص عقولهم، وخاطبوهم بما يكرهون.

وهذا بعينه حال المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإنّكم رويتم أنّ إدريس (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيّ موجود في السماء من زمانه إلى الآن، ورويتم أنّ الخضر (عَلَيهِ السَّلَامُ) كذلك في الأرض حي موجود من زمنه إلى الآن، ورويتم أن عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيّ موجود في السماء، وأنه سيعود إلى الأرض أذا ظهر المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويقتدي به، فهذه ثلاثة نفر من البشر قد طالت أعمارهم زيادة على المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فكيف لا تتعجبون منهم؟ وتتعجبون من أن يكون لرجل من ذرية النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أسوة بواحد مهم، وتنكرون أن يكون من جملة آياته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يعمر واحد من عترته وذريته زيادة على ما هو المتعارف من الأعمار في هذا الزمان واللّه الهادي (1).


قوله: «إنّ إدريس».

وهو أخنوخ أحد أجداد نوح رفع إلى السماء بعد ثلاثمائة وخمس وستين سنة.

قوله: «قد طالت أعمارهم زيادة على المهدي».

من المعمرين عوج بن عناق كان عمره ثلاثة آلاف وستمائة سنة.

روي أنه لما أراد نوح (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يركب السفينة جاء إليه عوج، وقال له: إحملني معك، فقال نوح (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إني لم أومر بذلك، فبلغ الماء ركبتيه وما جاوزها، وبقي إلى أيام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقتله، لأنه كان جبّاراً عدواً لله وللاسلام، وكانت له بسطة في الجسم والخلق، وكان يضرب بيده فيأخذ الحوت من أسفل البحر، ثمّ يرفعه إلى السماء، فيشويه في حرّ الشمس فيأكله.


1) كشف المحجة ص 55.

خاتمة

إنّه ليعجبني كلام في هذا المقام للشيخ العارف الكامل الشيخ محيي الدين بن عربي، أورده في كتاب الفتوحات المكية، قال في الباب الثلاثمائة والست والستين من الكتاب المذكور: إنّ اللّه خليفة (1)يخرج من عترة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من ولد فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) يواطىء اسمه اسم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، جده الحسين بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، يبايع بين الركن والمقام، يشبه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في الخلق - بفتح الخاء وينزل عنه في الخلق - بضم الخاء - أسعد الناس به أهل الكوفة، يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً، يضع الجزية (2)ويدعو إلى اللّه بالسيف، ويرفع المذاهب عن الأرض، فلا يبقى إلا الدين الخالص، أعداوه مقلّدة العلماء أهل الاجتهاد لما يرونه


قوله: «إنّ لله خليفة».

قال المصنّف في الحاشية: ظاهر قوله «إنّ اللّه خليفة» يشعر بأنه موجود لا أنه سيوجد إنتهى كلامه رفع مقامه.

قوله في الحاشية: «لا أنه سيوجد».

بل القول بأنه سيوجد ممّا لا معنی له؛ لما أقدمناه في بعض الحواشي الماضية من أن ذلك الموجود في هذا الوقت: إما معصوم أو لا، إلى آخر ما قلناه هناك، فتذكّر.

قال المحشي في هذا الموضع أيضاً : قوله: «إنّ لله خليفة».

هذا يناقض ما نقل عنه أنه قال في فتوحاته إني لم أسأل اللّه أن يعرفني إمام زماني، ولو كنت سألته لعرّفني. فانظر كيف خذله اللّه وتركه ونفسه، فإنّه مع سماعه


1) ظاهر قوله «إنّ لله خليفة» يشعر بأنه موجود لا أنه سيوجد (منه).

2) أي: بعد حكومته وظهوره (منه).

يحكم بخلاف ما ذهب إليه أئمتهم، فيدخلون كرها تحت حكمه خوفاً من سيفه، يفرح به عامة المسلمين أكثر من خواصهم يبايعه العارفون من أهل الحقائق عن شهود وكشف، بتعريف إلهي له رجال إلهيون يقيمون دعوته وينصرونه، ولولا أنّ السيف بيده لأفتى الفقهاء بقتله، ولكن اللّه يظهره بالسيف والكرم، فيطمعون ويخافون، ويقبلون حكمه من غير ایمان، ویضمرون خلافه، ويعتقدون فيه - إذا حكم فيهم بغير مذهب أئمتهم - أنّه على ضلال في ذلك؛ لأنهم يعتقدون أن أهل الاجتهاد وزمانه قد انقطع، وما بقي مجتهد في العالم، وان اللّه لا يوجد بعد أئمتهم أحداً له درجة الاجتهاد، وأما من يدعي التعريف الإلهي بالأحكام الشرعية، فهو عندهم مجنون فاسد الخيال. إنتهى كلامه.

فتأمّل بعين البصيرة، وتناوله بيد غير قصيرة، خصوصاً قوله «انّ لله خليفة» وقوله «أسعد الناس به أهل الكوفة» وقوله «أعداؤه مقلّدة العلماء أهل الاجتهاد» وقوله «لأنهم يعتقدون أن أهل الاجتهاد وزمانه قد انقطع» إلى آخر كلامه، عسى أن تطلع على مرامه، واللّه ولي التوفيق.


حديث «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية» (1)المشهور بين العلماء كافّة كيف يسعه الاستغناء عن هذه المعرفة؟ وكيف يسوغ له عدم السؤال عنها ؟ ولعلّ أمثال هذه المناقضات الواضحة ومخالفات الشرع الفاضحة إنما كانت تصدر عنه لاختلال عقله؛ لشدّة الرياضة والجوع، فكان يكتب ما يأتي بقلمه ممّا يخطر بباله من غير رجوع، ولكن لا بأس بما نقله عنه هنا شيخنا؛ لأنه عمل ب-«خذ ما صفي ودع ما كدر».


1) أصول الكافي 1: 376 - 377.

الحديث السابع والثلاثون: الخشية من اللّه والنية الصادقة

إشارة:

وبالسند المتّصل إلى الشيخ الجليل عماد الاسلام محمّد بن يعقوب الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم عن القاسم بن محمّد، عن المنقري، عن سفيان بن عيينة، عن الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ): في قول اللّه عزّ وجلّ (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (1)قال: ليس يعني أكثركم عملاً، ولكن


الحديث السابع والثلاثون

قوله: «عن القاسم بن محمّد».

القاسم بن محمّد مشترك وسليمان بن دواد المنقرى مختلف فيه، ضعفه الغضائري(2)، ووثقه النجاشي (3). وفي سفيان بن عيينة كلام يدل على ذمّه.

قوله تعالى: «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا».

في رواية أبي قتادة قال : سألت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن قوله (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) ما


1) سورة الملك: 2.

2) رجال العلّامة الحلّي ص 225.

3) رجال النجاشي ص 184 برقم: 488.

----------------------------------------------------------------------

عني به؟ فقال: يقول : أيكم أحسن عقلاً، ثمّ قال: أتمّكم عقلاً وأشدّكم لله خوفاً، وأحسنكم فيما أمر اللّه به ونهى عنه نظراً، وإن كان أقلّكم تطوّعاً.

وفي رواية أخرى عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال: أيكم أحسن عقلاً، وأورع عن محارم اللّه، وأسرع في طاعة اللّه (1). وعلى هذا فيكون من باب ذكر اللازم وإرادة الملزوم، فإنّ أحسنية العقل ملزوم أحسنية العمل؛ إذ المراد بالعقل في تلك الأبواب هو العقل التكليفي، وهو ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان.

فإن قلت من هذا الذي يتوهّم أنّ المراد بقوله «أحسن عملاً» هو أكثر عملاً حتّى يحتاج في دفعه إلى قوله «ليس يعني أكثركم عملاً»، فإنّ حسن العمل هو أن يؤتى به على وجه جيّد غير مشتمل على نقص ولا خلل، فهو من مقولة الكيف، لا من مقولة الكم، والمقولتان متباينتان.

قلت: لعل مراده (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه تعالى لم يقل أكثر عملاً، وإنما قال أحسن عملاً، وعني به أصوب عملاً، ثمّ فسّر الاصابة بالخشية وصدق النية فيه.

قال المحشي في هذا الموضع أيضاً قوله «ليبلوكم أيكم أحسن عملاً».

البلاء في الأصل هو التكليف بالأمر الشاق، لكنّه لما استلزم الاختبار بالنسبة إلى من جهل العواقب ظنّ ترادفهما، وفائدة الاختبار إظهار المطيع من العاصي، وإلا فلا حاجه إليه؛ لأنّ عالم الغيب والشهادة لا يخفى عليه شيء، وإنما يبلو ويختبر من تخفى عليه العواقب، واختباره تعالى عبده مجاز عن تمكينه، واختبار أحد الأمرين ما يريده تعالى وما يشتهيه العبد كأنه يمتحنه حسب ذلك.


1) مجمع البيان 5: 322.

أصوبكم عملاً، وإنما الاصابة خشية اللّه والنية الصادقة، ثمّ قال: العمل الخالص الذي لا تريد أن يمدحك عليه أحد إلا اللّه عزّوجلّ، والنية أفضل من العمل (1).

بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث

(لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) هذه الجملة تعليل لخلق الموت والحياة في قوله


قوله «تعليل لخلق الموت».

ذهب جماعه من المتكلمين إلى أنّ الموت فعل من اللّه أو من الملك، يقتضيزوال حياة الجسم من غير جرح، فهو عندهم وجودي، واستدلوا عليه بكريمة (خلق الموت والحياة) (2)فإنّ العدمي لا يوصف بكونه مخلوقاً.

وفي الكافي عن زرارة، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : الحياة والموت خلقان من خلق اللّه، فإذا جاء الموت فدخل في الانسان لم يدخل في شيء إلا وخرجت منه الحياة (3).

فأشار الشيخ (قدّس سرّه) بقوله «قدّر الموت» إلى جوابه بأن المراد بالخلق في الآية التقدير، وهو يتعلّق بالوجودي والعدمي جميعاً.

والحق أن المراد به إحداث أسباب الموت على حذف المضاف، وله أسباب منها ما به يفسد المزاج من ألم شديد، أو كيفية مفرطة من الكيفيات المعلومة، أو كيفية غريبة سمّية، أو اختباس مادّة النفس، والمبرسون في الأكثر يموتون بعدم التنفّس.


1) أصول الكافي 2: 16 ح 4.

2) سوة الملك: 2.

3) فروع الكافي 3: 259 ح 34.

سبحانه (هو الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) (1)والمعنى - واللّه أعلم - أنه سبحانه قدر الموت الذي هو داعٍ إلى حسن العمل، وموجب لعدم الوثوق بالدنيا ولذاتها الفانية، وأعطى الحياة التي يقتدر بها على الأعمال الصالحة الخالصة ليعاملكم في دار التكليف معاملة المختبر أيكم أحسن عملاً.

وقدّم الموت لأنه أدعى إلى حسن العمل، هذا إن حمل الموت على الموت الطارىء على الحياة. وإن حمل على العدم الأصلي، فإنّه يسمّى موتاً، كما قال سبحانه: ﴿وكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ) (2).

فالمعنى واللّه أعلم: قدّر عدمكم الأصلي، ثمّ نقلكم منه، وألبسكم خلعة الحياة


قوله: «وإن حمل على العدم الأصلي».

المشهور أنّ التقابل بين الموت والحياة تقابل العدم والملكة؛ إذ الموت عدم الحياة عمّا اتصف بها، كالعمى الطاريء على البصر لا كمطلق العمى، وعلى هذا فلا يكون العدم الأصلي موتاً. ولذلك قيل: إنّ المراد بالموتة الأولى في قوله تعالى ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) هو كونه نطفاً في الأصلاب؛ إذ النطفة ميتة أو ما يقع بهم في الدنيا بعد الحياة، أو ما كان بعد إحياء اللّه إياهم في الذرّ.

بل يرد على الأوّل أيضاً أنّ الامانة إنما تكون بعد سابقة الحياة، ولا حياة في أطوار النطفة، وله جواب سيأتي في أواخر الكتاب في كلام صاحب الكشّاف، فانتظره.


1) سورة الملك 2.

2) سورة البقرة: 28.

ليبلوكم. وتقديم الموت لأنه مقدّم.

(ليس يعني) إسم ليس ضمير عائد إلى اللّه عزّوجلّ، أو ضمير الشأن، وجملة «يعني» خبرها.

(خشية اللّه والنية الصادقة) قد مرّ في الحديث الثاني والعشرين كلام في الفرق بين الخشية والخوف، نقلناه عن المحقّق الطوسي نصير الملة والدين (طاب ثراه).

والمراد بالنية الصادقة : إنبعاث القلب نحو الطاعة غير ملحوظ فيه شيء سوى وجه اللّه سبحانه، لا كمن يعتق عبده مثلاً ملاحظاً مع القربة الخلاص من مؤونته، أو سوء خلقه، أو يتصدق بحضور الناس لغرض الثواب والثناء معاً، بحيث لو كان منفرداً لم يبعثه مجرّد الثواب على الصدقة، وإن كان يعلم من نفسه أنه لولا الرغبة في الثواب لم يبعثه مجرّد الرياء على الاعطاء، ولا كمن له ورد في الصلوات وعادة في الصدقات، واتفق أن حضر في وقتها جماعة، فصار الفعل أخف عليه، و حصل له نشاط ما بسبب مشاهد تهم له، وإن كان يعلم من نفسه أنه لولم يحضروا


قوله: «ليبلوكم».

لا يخفى أن هذا الحمل بعيد جداً، بل كاد أن لا يكون صحيحاً نظراً إلى التعليل؛ لأن الموت بمعنى العدم الأزلي، وإن ورد في كلام اللّه المجيد، إلا أنه ليس بداع إلى حسن العمل وقبحه، حتّى يصلح أن يكون معياراً، بل ما كان صالحاً للاختبار هو الموت بمعنى العدم الطاريء الذي يكون مبدءً للحساب والكتاب.

اللّهمّ إلا أن يتكلف ويقال: إنّ الحمل الأوّل نظر إلى أن يكون التعليل تعليلاً لخلق الموت، والثاني تعليلاً لخلق الحياة، كما ينبيء به آخر كلامه، يعني خلق الحياة ليبلوكم، إلا أنه أيضاً غريب؛ لأنّ الحياة بدون الموت الطاريء لا يكون داعياً إلى حسن العمل حتّى تكون معياراً، فتدبر.

لم يكن يترك العمل، أو يفتر عنه ألبتة. فأمثال هذه الأمور ممّا يخلّ بصدق النية. وبالجملة فكلّ عمل قصدت به القربة وانضاف إليه حظ من حظوظ الدنيا، بحيث تركب الباعث عليه من ديني ونفسي، فنيّتك فيه غير صادقة، سواء كان الباعث الديني أقوى من الباعث النفسي أو أضعف أو مساوياً.

(العمل الخالص الذي لا تريد أن يمدحك عليه أحد إلا اللّه عزّوجلّ) الخالص في اللغة : كلّ ما صفي وتخلّص ولم يمتزج بغيره، سواء كان ذلك الغير أدون منه، أو لا، فمن تصدّق لمحض الرياء، فصدقته خالصة لغةً، كمن تصدّق لمحض الثواب.

وقد خص العمل الخالص في العرف بما تجرّد قصد التقرب فيه عن جميع الشوائب. و هذا التجريد يسمّى إخلاصاً.


قوله: «وقد خص العمل الخالص».

الذي يتخلّص من روايات كثيرة، منها هذه الرواية، أن أصل الاخلاص وحقيقته في عرف الشرع، هو جعل العمل خالصاً لله وحده بعدم إشراك غيره فيه، وعدم إرادة التقرّب به إلى المخلوقين ومدحهم بإظهار الطاعة وطلب المنزلة في قلوبهم، والميل إلى إعظامهم وتوقيرهم إيّاه، واستجلاب تسخيرهما لقضاء حوائجه والقيام بمهماته، ونحو ذلك، هذا هو الذي عدّ في الأخبار من الشرك الخفي.

روي عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: من صلى صلاة يرائي بها فقد أشرك، ومن صام صوماً يرائي به فقد أشرك، ثمّ تلا هذه الآية (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى) إلى قوله (يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (1)، (2).

وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول اللّه سبحانه: أنا خير شريك، ومن أشرك معي شريكاً في عمله


1) سورة الكهف: 110.

2) مجمع البيان 3: 499.

وقد عرّفه أصحاب القلوب بتعريفات أخر، فقيل : هو تنزيه العمل عن أن يكون لغير اللّه فيه نصيب.

وقيل: إخراج الخلق عن معاملة الحق.

وقيل: هو ستر العمل عن الخلائق وتصفيته عن العلائق.

وقيل: أن لا يريد عامله عليه عوضاً في الدارين. وهذه درجة علية عزيزة المآل. وقد أشار إليها أميرالمؤمنين وسيّد الوصيين صلوات اللّه عليه بقوله «ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك، ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبد تك» (1).

اشتراط القربة في العبادة

تبصرة

ذهب كثير من علماء الخاصّة والعامّة إلى بطلان العبادة إذا قصد بفعلها تحصيل الثواب، أو الخلاص من العقاب، وقالوا: إنّ هذا القصد مناف للاخلاص الذي هو


فهو لشريكي دوني؛ لأني لا أقبل إلا ما خلص لي (2).

وفي روايه أخرى عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إن لكل حق حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الاخلاص حتى لا يحب أن يحمد على شيء من عمل اللّه (3). ومثله كثير.

قوله: «ذهب كثير من علماء».

قال الفاضل العلّامة الحلّي (قدّس سرّه) في جواب من ساله عمن يقوم بالواجبات للوجه الذي حسنت لأجله، وهو رجاء الثواب وخوف العقاب، لم حكمتم ببطلانها إذا أتى بها على هذا الوجه لم لا يكون صحيحة؟ لأن اللّه سبحانه


1) بحار الأنوار 41: 14 ح 4.

2) أصول الكافي 2: 295 ح 9، عدّة الداعي ص 203.

3) عدّة الداعي ص 203، مستدرك وسائل الشيعة 1: 100 ح 6.

----------------------------------------------------------------------

قد صرّح بذلك فى قوله (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) (1)(وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (2)وقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : قوم عبدوا اللّه رغبة فتلك عبادة التجار، وقوم عبدوا اللّه رهبة فتلك عبادة العبيد (3). وهذا معنى الحديث وإن كان اللفظ مخالفاً، فصرّح سبحانه في الآيتين المذكورتين بأنّ العبادة لما ذكر من الثواب ولم يحكم أمير المومنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ببطلان العبادة على هذين الوجهين، فلم لا تكون صحيحة إذا أتى بها على هذا الوجه ؟ وبم يجاب عن الآيتين وعن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟

الا الجواب: اتفقت العدلية على أنّ من فعل فعلاً لطلب الثواب أو لخوف العقاب، فإنّه لا يستحق بذلك الفعل ثواباً، والأصل فيه هو أنّ من فعل فعلاً ليجلب نفعاً أو يدفع عنه ضرراً، فإنّه لا يستحق به المدح على ذلك، ولا يسمّى من أفاد غيره شيئاً ليستعوض عن فعله جواداً، فكذا فاعل الطاعة لأجل الثواب أو دفع العقاب.

والآيتان لا تنافيان لما قلناه؛ لأن قوله تعالى (لِمِثْلِ هَذَا) لا يقتضي أن يكون غرضهم بفعلهم مثل هذا، وكذا في قوله (فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) لعدم دلالتهما عليها (4).

أقول: المشهور أنّ قصد الثواب أو دفع العقاب يخرج العمل عن الاخلاص، وكل عمل غير مخلص فهو منهي عنه، فيكون فاسداً. أما الأولى، فلما ذكره المجيب العلّامة.


1) سورة الصافات: 61.

2) سورة المطفّفين: 26.

3) نهج البلاغة ص 510 رقم الحدیث: 237.

4) أجوبة المسائل المهنائية ص 89 - 90 مسألة 140.

----------------------------------------------------------------------

وأما الثانية، فلأنّ الأمر في قوله تعالى (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (1)منحصر في العبادة المخلصة، والأمر بالشيء نهي أو مستلزم للنهي الضد.

وفيه أنّ الثواب لمّا كان من عند اللّه تعالى فمبتغيه مبتغ لوجه اللّه، فلا يقدح ذلك في الاخلاص. نعم قصد الطاعة والانقياد وكونه تعالى أهلاً للعبادة من غير طمع في الثواب أو دفع العقاب هو الأليق بمقام العبودية، وعنه العبارة بعبادة الكرام، وإليه أشار بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «ما عبدتك خوفاً من نارك» الحديث.

وأما إن عبادة التجار الذين يعبدون اللّه رجاء ثوابه، والعبيد الذين يعبدونه خوفاً من عقابه خارجة عن حد الاخلاص وباطلة، فهو في حيّز المنع؛ لأن المراد بالاخلاص هو القربة التي يذكرها أصحابنا في نياتهم، وهو ايقاعهم الطاعات خالصة لله تعالى وحده، فتجب العبادة له وتحرم لغيره، ويؤيده قوله في الحديث القدسي «من عمل لي عملاً أشرك فيه غيري تركته لشريكه هذا» (2).

ونظير الحديث المشار إليه في المسؤول، ما روي عن أبي عبدالله الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إن الناس يعبدون اللّه تعالى على ثلاثة أصناف: صنف منهم يعبدونه رجاء ثوابه فتلك عبادة الخدام، وصنف منهم يعبدونه خوفاً من ناره فتلك عبادة العبيد، وصنف منهم يعبدونه حبّاً له فتلك عباده الكرام (3).


1) سورة البينة: 5.

2) أصول الكافي 2: 295 ح 9، عدّة الداعي ص 203.

3) بحار الأنوار 8: 200.

إرادة وجه اللّه وحده، وإن من قصد ذلك فإنّما قصد جلب النفع إلى نفسه ودفع الضرر عنها، لا وجه اللّه الله سبحانه، كما أنّ من عظم شخصاً أو أثنى عليه طمعاً في ماله، أو خوفاً من إهانته، لا يعد مخلصاً في ذلك التعظيم والثناء.

وممن بالغ في ذلك السيّد الجليل صاحب المقامات والكرامات رضي الدين علي بن طاووس (قدس اللّه روحه).


وإليه أشار الشهيد الثاني في أسرار الصلاة بقوله: وظيفة النية العزم على إجابة اللّه تعالى في امتثال أمره بالصلاة وإتمامها، والكفّ عن نواقضها ومفسداتها، وإخلاصها من جميع ذلك لوجه اللّه تعالى، رجاء ثوابه وطلب القربة منه إن عجزت عن مرتبة عبادته، لكونه أهلاً للعبادة التي هي عبادة الأحرار، فإن فاتتك درجة الأحرار الأبرار، فلا تفتك درجة التجّار، وهو العمل رجاءً للعوض، فإن فاتتك هذه المرتبة، فاجلس مع العبيد في مجالسهم وشاركهم في مقاصدهم، فإنهم إنما يعملون ويخدمون في الغالب خوفاً من الضرب والعقوبة (1).

وهذا منه (رَحمهُ اللّه) صريح في صحة العبادة إذا أتى بها على هذين الوجهين، وهما أن يطلب بها الثواب، أو يدفع بها العقاب مع الاشارة إلى أن الأولى هو الاتيان بها لكونه تعالى أهلاً لها، بحيث لا يخطر بباله سواه، وهو عبادة الأحرار الأبرار.

فما ذكره الشيخ البهائي (قدّس سرّه) في الحاشية من أنّ هذا النهج من الاستدلال على ذلك المطلب من سوانح وقته وهو متفرّد به فلعله ذهول منه عمّا نقلناه آنفاً وسالفاً، أو هو من باب توارد الأفكار وتوافق الأنظار، وهو أعلم بحقيقة الحال، والصلاة على محمّد و آله خير آل.


1) المصنّفات الأربعة (التنبيهات العلية) ص 44.

ويستفاد من كلام شيخنا الشهيد في قواعده أنه مذهب أكثر أصحابنا (رضوان الله عليهم) (1).

ونقل الفخر الرازي في التفسير الكبير اتفاق المتكلمين على أن من عبد اللّه لأجل الخوف من العقاب، أو الطمع في الثواب، لم تصح عبادته. أورده عند تفسير قوله تعالى (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) (2)، (3).

وجزم في أوائل تفسير الفاتحة بأنه لو قال: أصلّي لثواب اللّه أو الهرب من عقابه، فسدت صلاته. ومن قال بأنّ ذلك القصد غير مفسد للعبادة، منع خروجها به عن درجة الاخلاص (4)

وقال : إن إرادة الفوز بثواب اللّه والسلامة من سخطه، ليست أمراً مخالفاً لارادة وجه اللّه سبحانه، وقد قال تعالى في مقام مدح أصفيائه: ﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا) (5)أي: للرغبة في الثواب من العقاب، وقال سبحانه: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا) (6)وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (7)أي: حال كونكم راجين للفلاح، أو لكي تفلحوا، أو الفلاح هو الفوز بالثواب. نص عليه الشيخ أبوعلي الطبرسي (8). هذا ما وصل إلينا من كلام هولاء، وللمناقشة فيه مجال.


1) القواعد والفوائد 1: 77.

2) سورة الأعراف: 55.

3) التفسير الكبير 14: 134 - 135.

4) التفسير الكبير 1: 250.

5) سورة الأنبياء: 90.

6) سورة الأعراف: 56.

7) سورة الحج: 77.

8) مجمع البیان 2، 399.

أما قولهم: «إنّ تلك الارادة ليست مخالفة لارادة اللّه سبحانه» فكلام ظاهري قشري، إذ البون البعيد بين إطاعة المحبوب والانقياد إليه بمحض حبّه وتحصيل رضاه، وبين إطاعته لأغراض أخر، أظهر من الشمس في رابعة النهار. والثانية(1)ساقطة بالكلية عن درجة الاعتبار عند أولي الأبصار.

وأما الاعتضاد بالآيتين الأوليين، ففيه أن كثيراً من المفسرين ذكروا أن المعنى: راغبين في الاجابة، راهبين من الردّ والخيبة (2).

وأما الآية الثالثة، فقد ذكره الشيخ أبو علي الطبرسي في كتاب مجمع البيان: إنّ معنى «لعلكم تفلحون» لكي تسعدوا (3). ولا ريب أن تحصيل رضاه سبحانه هو السعادة العظمى.

وفسّر (رحمه اللّه) الفلاح في قوله تعالى (وأولئك هم المفلحون) (4): بالنجاح والفوز (5).

وقال الشيخ الجليل شيخ الطائفة أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي في تفسيره الموسوم بالتبيان المفلحون هم المنجحون الذين أدركوا ما طلبوا من عند اللّه بأعمالهم وايمانهم (6).

وفي تفسير البيضاوي: المفلح الفائز بالمطلوب (7). ومثله في الكشّاف (8).


1) أي: الاطاعة الثانية، وهي إطاعته لأغراض أخر (منه).

2) لمّا كان الخوف والطمع بمعنى الرهبة والرغبة إكتفى بأحد النظيرين عن الآخر (منه).

3) مجمع البيان 4: 97.

4) سورة البقرة: 5.

5) مجمع البيان 1: 40.

6) التبيان 1: 59.

7) تفسير البيضاوي 1: 19.

8) تفسير الكشّاف 1: 46.

نعم فسّر الشيخ الطبرسي الفلاح في قوله تعالى: (قد أفلح المؤمنون) (1): بالفوز بالثواب (2).

لكن مجيئه في هذه الآية بهذا المعنى لا يوجب حمله على غيرها أيضاً. وعلى تقدير حمله على ذلك المعنى إنّما يتمّ التقريب لو جعلت جملة الترجي حالية، أما لو جعلت تعليلية - كما جعله الطبرسي - فلا دلالة فيها على ذلك المدعى أصلاً، كما لا يخفى.

هذا والأولى (3)أن يستدل على ذلك المطلب بما رواه (4)الشيخ الجليل محمّد


قوله: «والأولى أن يستدلّ».

أقول: وأولى من ذلك أن يستدلّ على ذلك المطلب بما في الكافي - بطريق حسن على المشهور بإبراهيم بن هاشم وصحيح على ما تقرر عندنا - عن هشام بن سالم، عن أبي عبدالله الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أنه قال: من سمع شيئاً من الثواب على شيء فصنعه، كان له أجره وإن لم يكن على ما بلغه (5).

ومثله بل الأصرح منه ما فيه أيضاً عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ): من بلغه ثواب من اللّه على عمل، فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب، أوتيه وإن لم يكن الحديث كما بلغه (6).


1) سورة المؤمنون: 1.

2) مجمع البيان 4: 99.

3) هذا ممّا سنح لي، وهو أحسن ممّا يستدلّ به في هذا الباب (منه).

4) الاستدلال بهذا الحديث على هذا المطلب من خواص هذا الكتاب، وهو أحسن ما يستدلّ عليه، وقد يستأنس بذلك بحديث «من بلغه شيء من الثواب» وقد مرّ عند شرح الحديث الحادي والثلاثين، وإن كان في سنده ضعف (منه).

5) أصول الكافي 2: 87 ح 1.

6) أصول الكافي 2: 87 ح 2.

بن يعقوب في الكافي، بطريق حسن عن هارون بن خارجة، عن الامام ابي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، قال : العباد ثلاثة : قوم عبدوا اللّه عزّوجلّ خوفاً من العقاب، فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا اللّه تبارك وتعالى طلباً للثواب، فتلك عبادة الأجراء، وقوم عبدوا اللّه حبّاً له، فتلك عبادة الأحرار، وهي أفضل العبادة (1).

فإن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وهي أفضل العبادة» يعطي أنّ العبادة على الوجهين السابقين لا يخلو من فضل أيضاً، فتكون صحيحة، وهو المطلوب.

تتمة

المانعون في نيّة العبادة من قصد تحصيل الثواب، أو دفع العقاب، جعلوا هذا القصد مفسداً لها، وإن انضم إليه قصد وجه اللّه سبحانه، على ما يفهم من كلامهم.

أما بقية الضمائم اللازمة الحصول مع العبادة نويت أو لم تنو، كالخلاص من النفقة بعتق العبد في الكفّارة، والحمية بالصوم والتبرّد في الوضوء، وإعلام المأموم الدخول في الصلاة بالتكبير، ومماطلة الغريم بالتشاغل بالصلاة،


وفي رواية أخرى عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): من بلغه شيء من الثواب على شيء من الخير فعمله، كان له أجر ذلك وإن كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم يقله (2).

فإنّ هذه الأخبار ونظائرها صريحة في أنّ قصد الثواب وطلب الأجر بالعمل لا يخرجه عن درجة الاخلاص ولا يفسده، وإلا لما كان له عليه ثواب ولا أجر، ولا قائل بالفصل، فيكون قصد دفع العقاب كقصد جلب الثواب في عدم الافساد والاخراج عن مرتبة الاخلاص، هذا من سوانح الوقت والحمد لله.


1) أصول الكافي 2: 84 ح 5.

2) ثواب الأعمال للشيخ الصدوق ص 160 ح 1.

وملازمته بالطواف والسعي وحفظ المتاع بالقيام لصلاة الليل، وأمثال ذلك، فالظاهر أنّ قصدها عندهم مفسدة أيضاً بالطريق الأولى.

وأما الذين لا يجعلون قصد الثواب مفسداً، فقد اختلفوا في الافساد بأمثال هذه الضمائم، فأكثرهم على عدمه، وبه قطع الشيخ في المبسوط (1)، والمحقق في المعتبر (2)، والعلّامة في التحرير (3)والمنتهى (4)لأنها تحصل لا محالة، فلا يضرّ قصدها.


قوله: «والمحقق في المعتبر».

وكذا في الشرائع، حيث قال في بحث نيّة الوضوء: ولو ضم إلى نية التقرّب إرادة التبرّد أو غير ذلك، كانت طهارته مجزية (5).

أقول: هذا هو الظاهر؛ لأنك قد عرفت أنّ القدر المعتبر في الاخلاص هو ايقاع الطاعات خالصة لله وحده من غير إشراك غيره فيها، فلا يفسدها قصد الثواب، أو دفع العقاب، ولا ضمّ أمثال هذه الضمائم. نعم تجرّدها عن ذلك كله هو الأولى والأليق.

وقال الشيخ علي في حواشيه على الشرائع والأصح عدم صحة الطهارة على الوجه المذكور (6).


1) المبسوط 1: 19.

2) المعتبر 1: 140.

3) تحرير الأحكام 1: 75.

4) منتهى المطلب 2: 15.

5) شرائع الاسلام 1: 20.

6) حياة المحقّق الكركي وآثاره 45:10.

وفيه أنّ لزوم حصولها لا يستلزم صحة قصد حصولها. والمتأخرون من أصحابنا حكموا بفساد العبادة بقصدها، وهو مذهب العلّامة في النهاية (1)والقواعد (2)، وولده فخر المحققين في الشرح (3)، وشيخنا الشهيد في البيان(4)لفوت الاخلاص. وهو الأصح.

واحتمل شيخنا الشهيد في قواعده (5)التفصيل: بأن القربة إن كانت هي المقصودة بالذات والضميمة مقصودة تبعاً صحت العبادة، وإن انعكس الأمر أو تساويا بطلت.

هذا. واعلم أنّ الضميمة إن كانت راجحة، ولاحظ القاصد رجحانها وجوباً أو ندباً، كالحمية في الصوم لوجوب حفظ البدن، والإعلام بالدخول في الصلاة للتعاون على البرّ، فينبغي أن لا يكون مضرّة، إذ هي حينئذ مؤكدة، وإنما الكلام في الضمائم الغير الملحوظة الرجحان فصوم من ضمّ قصد الحمية مثلا مستحبّاً كان


ويدخل في قوله «أو غير ذلك» نيّة التسخّن بالماء الحار لو توضأ به، وكذا إرادة التنظيف، وموضع الخلاف ما إذا كان ذلك مع النية الواقعة بالفعل، فلو نوى التبرّد ونحوه بعد عزوب النية الأولى، لم يعتد بما فعله على هذا الوجه من غسل ومسح قولاً واحداً؛ لأنّ الاستدامة ضعيفة جداً، فيتمحض الفعل المأتي به لما أحدثه من نية التبرد.


1) نهاية الإحكام 1: 33.

2) قواعد الأحكام 1: 10.

3) ایضاح الفوائد في شرح القواعد 1: 36.

4) البيان ص 7.

5) القواعد والفوائد 1: 79.

الصوم أو واجباً معيناً كان الواجب أو غير معين، ولكن في النفس من صحة غير المعين شيء، وعدمها محتمل، واللّه أعلم.

المراد من النية المعتبرة في العبادة

تبیان

عرّف بعض فقهائنا (رضوان اللّه عليهم) النيّة بأنها إرادة ايجاد الفعل على الوجه المأمور به شرعاً. وأراد بالإرادة إرادة الفاعل، وبالفعل ما يعم توطين النفس على


قوله: «ایجاد الفعل على الوجه المأمور به».

الجار في قوله «على الوجه المأمور به» إن علّق بايجاد(1)صدق على العزم، فلم يكن التعريف مانعاً، وكذا يصدق على إرادة اللّه أفعال العباد، وإن علّق بإرادة لم ينتقض بهما، لكن لا يكون دالا على اعتبار مشخصات الفعل في النية إلا بطريق اللزوم؛ لأنّ الوجه المأمور به على ذلك التقدير للارادة لا للفعل، كذا نقل عن المحقّق الشيخ علي (رَحمهُ اللّه) في شرحه على القواعد (2).

فأجاب عنه الشيخ البهائي (قدّس سرّه) بأنّ مراده بالإرادة الفاعل، فخرجت إرادة اللّه أفعال العباد؛ لأنّ إرادته تعالى أفعالهم ليست إرادة الفاعل، وإلا لأوجبت المراد وامتنع تخلفه عن إرادته ولزم منه الجبر، وما هو خلاف الواقع، بل هي بمعنى الأمر، وهو لا يوجب وجود يوجب وجود المأمور به كما في العصاة.

ثمّ قال: والجار متعلّق بالإرادة، فخرج منه العزم؛ لأنه وإن كان بمعنى إرادة ايجاد الفعل، كما يقال: عزم على الأمر إذا أراد فعله، ولكن لا على وجه المأمور به


1) كما لو أجنب شخص وأراد الغسل، فأتى الحمام أو الشط أو الساقية، ثمّ أتى جميع آداب الغسل إلا النية، ثمّ خرج ولبس ثوبه وتذكّر أنّه لم ينو نية الغسل، فهذا التعريف صادق عليه، ويلزم منه أن يكون غسله صحيحاً، ويمكن التزامه، فتدبر «منه».

2) جامع المقاصد في شرح القواعد للمحقق الكركي 1: 197.

الترك، فخرجت إرادة اللّه سبحانه لأفعالنا، ودخلت نية الصوم والإحرام وأمثالها، و الجار متعلّق بالإرادة لا بالايجاد، فخرج العزم.

و هذا التعريف مذكور في قواعد الأحكام(1).

واعترض عليه شيخنا المحقّق الشيخ علي (قدس اللّه روحه) بأنّ المأمور به إن أريد به الواجب؛ لأنّ الأمر حقيقة في الوجوب مجاز في غيره، انتقض التعريف في عكسه بخروج نية المندوب. وإن أريد به مطلق المطلوب فعله ولو على وجه الإباحة، كالمطلوب في قوله تعالى (وإذا حللتم فاصطادوا) ألزم مع ارتكاب المجاز صدقه على إرادة ايجاد المباح كالاصطياد في الآية على الوجه المطلوب


شرعاً، وأنت خبير بأنّ بعد تعلّق الجار بالارادة يندفع النقض بالعزم وبإرادة اللّه تعالى من غير حاجة إلى تخصيص الارادة، ولكن لا يكون التعريف دالا على مشخصات العقل إلا بالالتزام، ودلالة الالتزامية مهجورة في التعريقات، كما أوماً إليه المعترض، فالاعتراض على حاله.

ثمّ من الظاهر أنّ هذا التعريف شامل لنية الصوم فإنّه عبارة عن كفّ المكلّف كل النهار أو حكمه عن المنهيات الاثني عشرية المذكورة في محلّها، والكفّ فعل، فيصدق على نيته أنها إرادة ايجاد الفعل.

وأما ما ذكره (قدّس سرّه) من تعريف الصوم بتوطين النفس على الترك، فهو المذكور في الدورس (2)، ولا حاجة إليه حتّى يحتاج في انعكاس التعريف وعدم انتقاضه في عكسه بخروج نية الصوم والاحرام و نحوهما إلى تعميم الفعل، فتأمّل.


1) قواعد الأحكام 1: 9.

2) الدروس الشرعية 1: 266.

فيها. وفي عد ذلك نية عند الفقهاء بعد (1). إنتهى.

وفيه نظر، فإنّ المأمور به ما ترجّح فعله شرعاً، فيدخل فيه المندوب، ويخرج المباح عند غير الكعبي.

وما يترا آئ من أنّ دخوله في المأمور به ينافي ما هو مختار المحققين، من أنّ الأمر حقيقة في الوجوب مجاز في غيره، فليس بشيء؛ لأنّ مرادهم بالأمر في قولهم «الأمر حقيقة في الوجوب» هو صيغة «إفعل» وما بمعناها، لا لفظة «أم ر» فإنّها عندهم للقدر المشترك بين الوجوب والندب، أعني: مطلق الترجيح على ما يقتضيه حكمهم بأنّ المطلوب مأمور به حقيقة، كما حكاه المحقّق العضدي في شرح المختصر.

وغاية ما يمكن أن يقال: إنّ اعتراض شيخنا (طاب ثراه) مبني على الإغماض عن حكمهم بأنّ المندوب مأمور به حقيقة. وليس غرضه تزييف التعريف من أصله، بل هو بحث إلزامي مع العلّامة (قدس اللّه روحه)، فإنّه وإن تردّد في النهاية (2)


قوله: «عند غير الكعبي».

وأما عنده فهو أيضاً داخل في تعريف المأمور به؛ لأنّ كلّما وردت فيه رخصة عن الشارع، ففعله عنده راجح على تركه؛ لأنه ينفي المباح ويقول بأنّ كلّ مباح تركه حرام، فإنّ السكوت ترك للقذف مثلاً، وكلّ ترك حرام واجب، فالمباح واجب، والحق أنّ الشيء يجوز أن يكون مباحاً من وجه وواجباً أو مندوباً من وجه آخر، وتحقيقه يطلب من كتب الأصول.


1) جامع المقاصد 1: 197.

2) نهاية الوصول إلى علم الأصول للعلامة الحلّي 409:1.

في أنّ المندوب مأمور به. لكنّه جزم في التهذيب(1)بأنه غير مأمور به، والبحث معه بناءً على مذهبه في التهذيب، فتدبر (2).

هداية

إشتهر الاستدلال بين أصحابنا (رضوان اللّه عليهم) على أنه لابد في العبادات من النية بقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (3).


قوله: «انّ المندوب مأمور به».

اختلفوا في أنّ المندوب هل هو مأمور به حقيقة أم لا، فالمحققون على أنه مأمور به، خلافاً للكرخي وأبي بكر الرازي، ووافقهم العلّامة في تهذيب الأصول (4)، والنزاع هنا في لفظ الأمر لا في صيغه إفعل، فإنّه نزاع آخر.

فالحاصل أن المندوب هل يطلق عليه إسم المامورية حقيقة أم مجازاً، فمن قال بالأوّل قال بأنه حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب لئلا يلزم الاشتراك.

قوله: «وما أمروا إلا ليعبدوا الله».

استدلّ بهذه الآية على وجوب النية في العبادات كلّها حتّى الطهارات، مائية كانت أم ترابية، وفي الدلالة تأمل ظاهر؛ لأنّ النية على الوجه الذي اعتبره الأصحاب - وهو قصد الفعل على وجه القربة مقارناً له - غير مفهوم من الآية، وخاصة على تفسير هؤلاء المفسّرين، فإنّهم خصوا الأمر بالكفّار مع وجوب النية


1) تهذيب الوصول ص 116.

2) وجه التدبّر أنّ البحث على هذا قليل الجدوى جداً، وأيضاً فظاهر كلام شيخنا (طاب ثراه) أنّ غرضه الاعتراض على أصل التعريف (منه).

3) سورة البينة: 5.

4) تهذيب الوصول إلى علم الأصول ص 116.

وفي دلالة الآية الكريمة على ذلك نظر؛ لأنّ «الدين» فيها مفعول «مخلصين» وضمير «أمروا» يعود إلى أهل الكتابين، أي ما أمر اليهود والنصارى إلا ليعبدوا الله مخلصين له العبودية غير مشركين به من سواه كعزير وعيسى (عَلَيهِمَا السَّلَامُ).


على كلّ مكلّف، فالدليل أخصّ من المدعى.

قيل : نعم يمكن الاستدلال بها على وجوب الاخلاص في العبادات الشرعية؛ لانه حصر غاية كل أمر في العبادة حال الاخلاص، فلو حصل الامتثال بدونه لم تكن الغاية منحصرة فيه، والضمير وإن كان لأهل الكتاب إلا أن قوله «وذلك دين القيمة» أي المستمرة على جهه الصواب يثبت حكمه في حقها.

وفيه أنه يجوز أن يكون المراد بالاخلاص تخصيص العبادة بالله من دون غيره من الآلهة والأنداد، كما قالوا في قوله (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (1)أخلصوا دينكم لله أي تبرّأوا من الآلهة والأنداد، فهذا الحمل يوجب موا افقة هذه الآية مع غيرها من الآيات.

والأولى أن يستدلّ على وجوب النية والاخلاص بالأخبار الدالّة عليهما، مثل ما دلّ على تحريم الرياء في العبادات وايجاب أن يكون الأعمال لله، ومثل قوله «إنما الأعمال بالنيات» (2)والجمع المحلّى باللام للعموم، وقوله «إنما لكل امرء ما نوی» (3)وقول الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) «لا قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بإصابة السنّة» (4).


1) سورة غافر: 14.

2) عوالي اللئالي 2: 11 و 190.

3) عوالي اللئالي 2: 11 و 191.

4) أصول الكافي 1: 70 ح 9.

قال الشيخ الجليل أبو علي الطبرسي في تفسيره الموسوم بجوامع الجامع: وما أمروا في التوراة والإنجيل إلا بالدين الحنيف، لكنّهم حرّفوا وبدلوا(1). ومثله قال في الكشّاف (2).

وقال في تفسيره الموسوم بمجمع البيان: «مخلصين له الدين» أي: لا تخلطوا بعبادته عبادة ما سواه (3).

وقال البيضاوى: «مخلصين له الدين) أي: لا يشركون به (4).

وقال الفاضل النيشابوري: استدلّ بالآية من قال إن الايمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والعمل ؛ لأنه سبحانه ذكر العبادة بالإخلاص وهو التوحيد، ثمّ عطف عليه إقامة الصلاة وايتاء الزكاة، ثمّ أشار إلى المجموع بقوله: ﴿ذلك دين القيمة) وردّ بالمنع من أنّ المشار إليه هو المجموع، لم لا يجوز أن يكون إشارة إلى التوحيد فقط. إلى آخر ما قاله (5).

والحاصل أن الآية الكريمة إنّما دلّت على أمر أهل الكتابين بعبادة اللّه تعالى حال كونهم موحدين غير مشركين، ولم تدلّ على أنّ النية لابد منها في العبادات بشیء من الدلالات، بل غاية ما دلّت عليه أنّ عبادة المشركين غير صحيحة، وأين هذا عن ذلك؟ فتدبر (6). ثمّ الآية وإن كانت حكاية عن تكليف أهل الكتابين، ولا


1) جوامع الجامع ص 549.

2) تفسير الكشّاف 4: 782.

3) مجمع البيان 5: 523.

4) تفسير البيضاوي 2: 570.

5) تفسير النيشابوري 30: 143 المطبوع على هامش تفسير الطبري.

6) وجهه أنه يمكن أن يراد بعدم الشرك في العبادة قصد العابد بها التقرب إلى اللّه وحده، وهذا القصد نية. ولا يخفى أنّ كلام المفسّرين يمكن حمله على هذا، لكن يحتمل حمل الآية على ما قلناه احتمالاً ظاهراً، ومع قيام الاحتمال بطل الاستدلال (منه).

يلزمنا ما كلّفوا به في كتابهم، إلا أنّ قوله سبحانه في آخرها: ﴿وذلك دين القيمة) أي: دين الملة القيمة، يشعر بأنّ الأمر المذكور ثابت في شرعنا أيضاً، فلذلك استدلّ بها أصحابنا على ما استدلوا.


قوله: «أي دين الملة القيمة».

إضافة الدين إلى القيمة وهى نعته لاختلاف اللفظين، وأنث القيمة ردّاً بها إلى الملة. وقال في مجمع البيان: تقديره دين الملة القيمة؛ لأنه إذا لم يقدر ذلك كان إضافة الشيء إلى صفته، وذلك غير جائز؛ لأنه بمنزلة إضافة الشيء إلى نفسه (1).

وأورد عليه أن الكوفيين يجوزونها والذين لم يجوّزوها مع إفادة معنى الصفتية لا مطلقا، ولهذا تجوّز الاضافة البيانية بالاتفاق، وعلى تقدير العدم فالفرق بين إضافته إلى الملة والقيمة غير واضح، خصوصاً مع القول بكون الصفة والموصوف بمنزلة شيء واحد.

أقول: وفيه أنّ الفرق واضح؛ لأنّ القيمة على هذا صفة للملة، والدين مضاف إليها، فيندفع الاشكال؛ إذ القيمة ليست مضافاً إليها، ولا صفة للمضاف، وهذا كما قاله البصريون في تأويل مسجد الجامع بمسجد الوقت الجامع، من أن الوقت مقدّر في نظم الكلام والمسجد مضاف إليه، والجامع صفة للوقت، فيندفع عنا ايراد الكوفيين، فإنّ الجامع ليس مضافاً إليه ولا صفة للمضاف.


1) مجمع البيان 5: 523.

بیان مراد و دفع ایراد

لابد في النية من القصد إلى ايقاع الفعل، فمن تصوّر الفعل من دون قصد إلى ایقاعه، فهو غير ناو حقيقة، وقد يطلق على هذا التصوّر إسم النية، كما قال الفقهاء: لو نوى المتوضىء رفع حدث والواقع غيره، فإن كان غلطاً صح، وإن كان عمداً بطل؛ لأنه في صورة الغلط قاصد إلى رفع حدث في الجملة، وأما في صورة العمد، فلم يحصل منه قصد إلى دفع الشيء، وإنّما تصوّر رفع غير الواقع، فيبطل وضوؤه على الأصح؛ لأنه غير ناو في الحقيقة، بل هو لاعب.

قال العلّامة في بحث نية الوضوء من نهاية الإحكام: لا يجب التعرّض لنفي حدث معين، فإن نواه وكان هو الثابت صح إجماعاً، ولو كان غيره فإن كان غالطاً فالأقرب الصحة؛ لعدم اشتراط التعرّض لها، فلا يضرّ الغلط فيها، وإن كان عامداً، فالأقرب البطلان لتلاعبه بالطهارة (1). إنتهى كلامه (طاب ثراه).

فقوله «لتلاعبه بالطهارة» إشارة إلى عدم حصول القصد.


وبالجملة لا فرق بين دين القيمة ومسجد الجامع دخلاً ودفعاً، فالايراد على تقدير وروده إنّما يرد على البصريين لا على صاحب مجمع البيان، فإنّه اختار مذهبهم؛ لكونه المذهب المشهور المنصور فلا شيء عليه، فتأمّل.

قوله: «قال العلّامة».

صريح كلام الرافعي وكذا العلّامة يفيد أنّ من نوى أي قصد رفع حدث معين كالنوم مثلاً، وهو غير واقع، فإن كان غالطاً في ذلك القصد صح وضوءه، وإن كان عامداً أي في ذلك القصد لم يصح؛ لأنه قصد رفع ما هو غير واقع، فيكون لاغياً.


1) نهاية الاحكام 1: 30.

وقال الرافعى في العزيز: إذا نوى رفع حدث النوم ولم ينم وإنما بال، نظر فإن كان غالطاً صح وضوؤه، وإن كان عامداً لم يصح في أصح الوجهين؛ لأنه متلاعب بطهارته (1)إنتهى كلامه.

فقد جعل الفقهاء (2)الغالط ناوياً والعامد لاعباً؛ لأنّ الغالط قاصد لرفع الحدث الجملة، والعامد غير قاصد، وإنّما حصل منه تصوّر وحديث نفس فقط، ولم يريدوا أنّ العامد في الصورة المذكورة قاصد لرفع غير الواقع، ليد ما أورده بعض الأعلام عليهم في الرسالة الموسومة بالأنموذج، حيث قال : إنّ النية هي القصد، وقصد إزالة ما لم يعتقد حصوله مستحيل من الحيوان فضلاً عن الانسان فلا يتصوّر منه غير حدوثه إلا غلطاً، فالتقييد بالغلط غلط (3). إلى آخر ما قاله


فيرد عليه أن قصد رفع حدث غير واقع مع الاعتقاد بأنه غير واقع لا يتصوّر من الحيوان فضلاً عن الانسان.

وأما تأويل الشيخ كلامهم وبيانه بذلك مرامهم، فغير صحيح؛ لأنّ إرادة معنيين مختلفين تصوّر الفعل مع قصد ايقاعه وتصوّره بدون ذلك القصد من لفظ واحد وهو نواه في إطلاق واحد غير جائز، فتأمّل.


1) فتح العزيز في شرح الوجيز 1: 320 المطبوع على هامش المجموع.

2) فإنّ الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) كثيراً ما يطلقون على ما هو بصورة الشيء إسم ذلك الشيء، كقولهم فيما إذا اختلط قتلي المسلمين بقتلة الكفّار : إنّه تجب الصلاة على الجميع، ويفرد المصلّي المسلمين بالنية؛ إذ مع إفراد البعض بالنية لا صلاة على الكل في الحقيقة، وإنما الموجود صورتها حينئذ، وكذا قولهم بوجوب غسل الحيض على الذمية الحائض تحت مسلم إذا طهرت، وقلنا بتوقف الوطىء على الغسل، فإنّ الواقع منها صورة الغسل أيضاً ؛ لأن نية القربة من الكافر متعذر، كذا قالوه (منه).

3) أنموذج العلوم ص 282.

واللّه أعلم.

المراد من نية المؤمن خير من عمله

بسط مقال لتوضيح حال

قد تضمّن هذا الحديث تفضيل النية على العمل ونقل الخاصّة والعامّة عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «نية المؤمن خير من عمله»(1). وقد قيل فيه وجوه :


قوله: «نيّة المؤمن خير من عمله».

أقول : وذلك أنه بمجرّد نيته من دون العمل يثاب بمثل ما يثاب بعمله مع النية، فهما سيان في ترتب الثواب عليهما، وأحدهما يلزمه مشقة العمل دون الآخر، فهو بهذا الاعتبار خير منه.

يدل على ذلك ما في حديث الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إذا كان يوم القيامة أوقف المؤمن بين يديه، فيكون هو الذي يتولّي حسابه، فيعرض عليه عمله، فينظر في صحيفته، فأوّل ما يرى سيّئاته، فيتغيّر لذلك لونه، وترتعش فرائصه وتفزع نفسه، ثمّ يرى حسناته، فتقرّ عينه ونفسه وتفرح روحه، ثمّ ينظر إلى ما أعطاه اللّه من الثواب فيشتد فرحه، ثمّ يقول اللّه للملائكة: هلموا إلى الصحف التي فيها الأعمال التي لم يعملوها، فيقرأونها، فيقولون: وعزّتك إنّك لتعلم أنا لم نعمل منها شيئاً، فيقول: صدقتم نويتموها فكتبناها لكم، ثمّ يثابون عليها (2).

فإنّه يفهم منه أنّ من نوى خيراً أي قصد ايقاعه فهو كفاعله، وإن لم يفعله، كما أنّ من دلّ على الخير كفاعله، وإن لم يفعله هو ولا المدلول عليه، ولعلّ السرّ فيه أنه لما كان راغباً إليه مشتاقاً له مريداً فعله ولم يمكنه ذلك، وكان اللّه عالماً بنيته، وما هو كامن في سريرته، أتابه بذلك ما كان يثيبه على فعله، ولا بعد فيه بعد ورود النص.


1) أصول الكافي 2: 84 ح 2.

2) تفسير القمي 2: 26.

----------------------------------------------------------------------

وقد ثبت بالعقل والنقل أنّ الراضي بفعل الحسن شريك له في إحسانه، والراضي بفعل المسيء شريك له في إساءته من جهه المدح والذم والأجر والاثم.

ويشيد ما قرّرناه ما في علل الشرائع من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إن العبد لينوي من نهاره أن يصلّي بالليل فتغلبه عينه فينام فيثبت اللّه له صلاته، ويكتب نفسه تسبيحاً، ويجعل نومه عليه صدقة (1).

فإنّه يظهر منه أنّ النية إنما تكون خيراً من العمل؛ لأنها مع استلزامها ما هو المطلوب من العمل من غير كلفة ومشقة تستلزم صيرورة النفس تسبيحاً والنوم صدقة، وعليه فقس سائر النيات وما تستلزمه من الثواب في سائر المواد.

والسر فيه زائداً على ما سبق ان قصد القبيح كما يكون قبيحاً عقلاً ونقلاً، كذلك قصد الحسن يكون حسناً، فإذا صار ذلك القصد باستمراره واستقراره في الذهن راسخاً في النفس ملكة فيها يفيدها هيئة حسنة وحالة مستحسنة تسري منها إلى البدن لشدّة العلاقة بينهما، فيصير النفس بذلك تسبيحاً والنوم صدقة، فيثاب عليه الثواب الذي يثاب عليه بفعله في الخارج وأزيد؛ لعدم استمرار وجوده ولا بقائه بخلافه في الذهن، فإنه مستمر فيه إلى أن تحققه في الخارج.

وأما ما ورد أن المؤمن إذا هم بحسنة كتبت له بواحدة، فإذا فعلها كتبت عشراً، فيمكن التوفيق بينهما باختلاف الأشخاص، فمن نوى خيراً أو حنّت إليه نفسه وبذل جهده، ولم يقدر على فعله في الخارج، كتبت له أجر فعله، ومن نواه وهو قادر على فعله ولم يفعل كتبت له حسنة واحدة، فإذا فعله كتبت له عشر أمثاله.


1) علل الشرائع ص 524 ح 1.

الأوّل: أنّ المراد بنية المؤمن اعتقاده الحق، ولا ريب أنه خير من أعماله؛ إذ ثمرته الخلود في الجنّة، وعدمه يوجب الخلود في النار بخلاف العمل.

وبهذا يزول الاشكال (1)فيما يروى في تتمة هذا الحديث من قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «ونية :


ولتفاوت مراتب الأشخاص والنيات دخل عظيم فى تفاوت مراتب الجزاء، ولذا كانت الصدقة في الجزاء بين عشرة وسبعين وسبعمائة إلى سبعين ألف.

ويحتمل أن يكون هذا المقدار من الجزاء تفضّلاً من اللّه استحقاقاً من الناوي، ويكون حديث عشر أمثاله مبنياً على الاستحقاق.

فإن قلت: عبارة الحديث أنهم يثابون أي بتلك الأعمال المنوية، والثواب هو ما يعطى استحقاقاً وجزاء لا تفضّلاً.

قلت: إن الثواب في الأصل هو الجزاء الذي يرجع إلى العامل بعمله، وليس هنا عمل، فيكون تفضّلاً.

فإن قلت: قد ورد أنّ أفضل العبادة أحمزها، ولا ريب أن العمل المعتبر شرعاً لاشتماله على النية أحمر منها، فكيف يكون مفضولاً.

قلت: لابد من تخصيص هذا الخبر جمعاً بين الأخبار؛ إذ لو أبقي على عمومه لزم منه أن لا تكون صلاة فريضة خيراً من عشرين حجة، ولا أجر البكاء على الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مساوياً لأجر مائة شهيد، كما ورد في الخبر، فيكون المفضّل عليه ما سوى ذلك المذكور من النية والصلاة والبكاء وأمثال ذلك، فتأمّل.


1) وجه الاشكال أنه ينافي ما ورد في الحديث من أنّ ابن آدم إذا هم بالمعصية لم يكتب عليه حتّى يعملها (منه).

الكافر شرّ من عمله»(1).

الثاني: أنّ المراد أنّ النية بدون العمل خير من العمل بدون النية.

ورد بأنّ العمل بدون النية لا خير فيه أصلاً. وحقيقة التفضيل تقتضي المشاركة ولو في الجملة.

الثالث: أنّ المؤمن ينوي خيرات كثيرة لا يساعده الزمان على عملها، فكان الثواب المترتب على نياته أكثر من الثواب المترتب على أعماله، وهذا الكلام ينسب إلى ابن دريد اللغوي (رحمه اللّه).

الرابع: أنّ طبيعة النية خير من طبيعة العمل؛ لأنه لا يترتب عليها عقاب أصلاً، بل إن كانت خيراً أثيب عليها، وإن كانت شرّاً كان وجودها كعدمها، بخلاف العمل، فإنّ من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرّة شراً يره، فصح أنّ النية بهذا الاعتبار خير من العمل.


قوله: «لأنه لا يترتب عليها عقاب».

أقول فيه نظر؛ إذ لا نسلّم أن طبيعة النية لا يترتب عليه عقاب أصلاً، وأنها إذا كانت شراً كان وجودها كعدمها، كيف؟ وقد روي في تتمة الخبر أن نية الكافر شرّ من عمله. ولا ريب أنه معاقب بعمله، فيكون معاقباً بنيته بطريق أولى؛ لأنها شرّ من عمله.

والسرّ فيه ما سبق في الحاشية السابقة أنه لمّا كان راغباً إلى الشرّ مشتاقاً له مريداً فعله، ولم يمكنه ذلك، وقد تمكنت هذه الهيئة في نفسه، وصارت ملكة فيها،


1) وأفاد الأستاد مد اللّه ظله العالي أنه يخطر بالبال وجه في التوفيق، وهو أن المراد في قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أفضل الأعمال أحمزها أي الأفضل من كل نوع من العمل أحمزها، فحينئذ يندفع المنافاة، فتأمّل (منه).

----------------------------------------------------------------------

وكان اللّه عالماً بنيته وسريرته، جزاه بذلك مثل ما جزاه على فعله، فهما متساويان في العقاب، وأحدهما تلزمه لذة ما وهمية فانية دنيوية دون الآخر، فهو بهذا الاعتبار شرّ منه.

وقد ذكر بعض الأجلاء من أصحابنا أن قوله تعالى ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) (1)وقوله (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) (2)يدلان على العقاب بأفعال القلب ولو بقصد المعصية، وذلك غير بعيد، فإن قصد القبيح قبيح عقلاً وشرعاً أيضاً، إلا أنه لا يعاقب عليه العقاب الذي يعقاب عليه بفعله في الخارج، وبه يجمع بين الأدلّة، بل بين الأقوال انتهى كلامه طاب منامه.

وفيه تأمل يعرف ممّا سبق. نعم لا مدخل فيه ما يخفيه الانسان من الوسواس وحديث النفس؛ لأنّ ذلك ممّا ليس في وسعه الخلو منه، ولكن ما قصده وعزم.

ومن الغريب أنّ الشيخ البهائي نقل هذا الوجه عن والده (طاب ثراه)ما بعد أن نقل قبيل ذلك تتمة الحديث كما سبقت ولم يتنبه بما يرد عليه من الايراد، ولعلّ تنبه لذلك ولكنه اكتفى في دفعه بما نقله في الحاشية: إنّ ابن آدم إذا هم بالحسنة الحديث. وفيه ما عرفته، وكذا فيما قيل : إنّ المراد بنية المؤمن اعتقاده الحق الخ.

نظر؛ إذ النية في اللغة هي القصد والعزم على الفعل، اسم من نويت نية أي قصدت وعزمت، ثمّ خصت في غالب الاستعمال بعزم القلب على أمر من الأمور، و في عرف الفقهاء كما سبق عبارة عن إرادة ايجاد الفعل على الوجه المأمور به


1) سورة البقرة: 284.

2) سورة البقرة: 235.

----------------------------------------------------------------------

شرعاً، ولا يطلق على الاعتقاد أصلاً، حقاً كان أو باطلاً.

وذكر الصدوق في علل الشرائع أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما سئل عن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «نية المؤمن خير من عمله» قال في الجواب: لأنه ينوي من الخير ما لا يدركه، ثمّ قال في جواب ونية الكافر شرّ من عمله وذلك لأنّ الكافر ينوي الشرّ ويأمل من الشرّ ما لا يدركه (1).

وإلى مثل ذلك يؤول ما قيل في توجيه الخبر: إنّ المؤمن ينوي خيرات كثيرة لا يساعده الزمان الخ.

وفيه أنّ المتبادر من الحديث أن نية المؤمن خير من عمله المنوي بهذه النية، فالمناسب أن يكون الثواب المترتب على كلّ واحد من نياته أكثر الثواب المترتب على كل واحد من أعماله المنوي بهذه النية لا أن يكون الثواب المترتب على نياته الكثيرة أكثر من الثواب المترتب على أعماله القليلة.

وبالجملة ظاهر الحديث يفيد أن نية كلّ عمل خير من ذلك العمل، وما الاشكال إلا فيه.

وفي حديث آخر مذكور في علل الشرائع أيضاً أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) سئل عن ذلك، فقال في الجواب: لأنّ العمل ربما كان رياءً للمخلوقين، والنية خالصة لربّ العالمين، فيعطي اللّه عزّوجلّ على النية ما لا يعطى على العمل (2).

ولعلّه يرجع إليه ما قيل في توجيه الخبر: إنّ النية لا يكاد يدخلها الرياء ولا العجب؛ لأنا نتكلّم على تقدير النية المعتبرة شرعاً بخلاف العمل، فإنّه يعرضه ذينك.


1) علل الشرائع ص 524 ح 2.

2) علل الشرائع ص 524 ح 1.

----------------------------------------------------------------------

والحاصل أنّ أعمال القلب مستورة عن الخلق، لا يتطرّق إليها الرياء ونحوه، بخلاف أعمال الجوارح.

وفيه أن الكلام كما كان على تقدير النية المعتبرة شرعاً، كذلك كان على تقدير الأعمال المعتبرة شرعاً، فكما لا يدخلانها فكذا لا يدخلانها، بل لابد وأن تكون خالصة عنهما، وإلا لما يقع تفضيل؛ لأنّ الأعمال الريائية لا خير فيها أصلاً، والتفضيل يقتضي المشاركة ولو في الجمله.

والشيخ البهائي (قدّس سرّه) مع نقله نظير هذا الكلام في ردّ توجيه بعض الأعلام لم يتفطن بمثله في مثل هذا المقام.

ويمكن أن يأوّل إلى هذا الحديث أيضاً ما قيل: إنّ المراد بالمؤمن هو المؤمن الخاص، كالمغمور بمعاشرة أهل الخلاف فإنّ غالب أعماله جارٍ على التقية و مداراة أهل الباطل، وهذه الأعمال الواقعة على التقية منها ما يقطع فيه بالثواب كالعبادات الواجبة، ومنها ما لا ثواب فيه ولا عقاب كالباقي، وأما نيته فإنّها خالية عن التقية، فهو وإن أظهر موافقتهم بأركانه ونطق به بلسانه، إلا أنه غير معتقد لها بجنانه، بل آبِ عنها ونافر منها.

وإلى هذا أشار أبو عبدالله الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد سأله أبو عمرة السلمي عن الغزو مع غير الامام العادل بقوله : إن اللّه يحشر الناس على نياتهم يوم القيامة (1).

ونقل أنه كانت في المدينة قنطرة، فعزم رجل مؤمن على بنائها، فسبقه كافر إلى ذلك، فقيل للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في ذلك، فقال: نية المؤمن خير من عمله(2). يعني من عمل


1) فروع الكافي 5: 20 ح 1.

2) أصول الكافي 2: 84.

----------------------------------------------------------------------

ذلك الكافر. كذا قيل في مقام توجيه هذا الخبر.

وأنت خبير بأنّ عمله هذا لا خير فيه أصلاً؛ لعدم اقترانه بنية القربة، فكيف يقع بينه وبين نية المؤمن وهي خير محض تفضيل، إلا أن يقال: إن عمله هذا يستتبع خيراً له، لكن لا استحقاقاً وجزاءً حتّى يرد فيه إشكال، بل تفضّلاً من اللّه تعالى من غير اعتبار الثواب، وقد يقع التفضّل على كثير من فاعلي البرّ من غير اعتبار القربة كالكرم، ثمّ إنّ اللّه يوصل إليه جزاء ذلك الخير إما في الدنيا أو في الآخرة، لكن لا على وجه يحصل له الشعور بذلك.

وقيل: إنّ النية هي القصد، وذلك واسطة بين العلم والعمل؛ لأنه إذا لم يعلم بترجيح أمر لم يقصد فعله، وإذا لم يقصد فعله لم يقع، وإذا كان المقصد حصول الكمال من الكامل المطلق، ينبغى اشتمال النية على طلب القربة إلى الحق تعالى؛ إذ هو الكامل المطلق، وإذا كانت كذلك كانت وحدها خيراً من العمل بلا نية وحدها؛ لأنها بمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد، وحياة الجسد بالروح لا الروح بالجسد، فهي خير منه؛ لأنّ الجسد بغير روح لا خير فيه.

فيه ان التفضيل كما مرّ غير مرّة يقتضي المشاركة، والعمل بغير نية لا خير فيه لقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في الحديث المشهور «إنّما الأعمال بالنيات» (1)حيث يفهم منه أن النية شرط في العمل، وانتقاء الشرط ملزوم انتفاء المشروط، فكيف يكون داخلاً التفضيل.

والعجب أنه صرّح بأن العمل بمنزلة الجسد، وقال: إن الجسد بغير روح لا خير


1) عوالي اللئالي 2: 11 و 190.

الخامس : أنّ النية من أعمال القلب، وهو أفضل من الجوارح، فعمله أفضل من عملها، ألا ترى إلى قوله تعالى: (أقم الصلاة لذكري) (1)جعل سبحانه الصلاة وسيلة إلى الذكر، والمقصود أشرف من الوسيلة، وأيضاً فأعمال القلب مستورة عن الخلق لا يتطرّق إليها الرياء ونحوه، بخلاف أعمال الجوارح.


فيه، ولم يتفطّن بأنه ينافيه ما يقتضيه التفضيل.

وقيل : هذا الخبر إما عام مخصوص، أو مطلق مقيّد، فيكون المراد أن نية بعض الأعمال الثقيلة كالحج والجهاد خير من بعض الأعمال الخفيفة كتسبيحة أو تحميدة أو قراءة آية؛ لما في تلك النية من تحمّل النفس المشقة الشديدة والتعرّض للهمّ والغمّ الذي لا تحاذيه تلك الأعمال.

قيل: وهذا التوجيه وإن كان خلاف الظاهر، إلا أن المصير إلى خلافه متعيّن عند وجود ما. يصرف اللفظ إليه، وهو هنا حاصل؛ لأنّ قوله «نية المؤمن خير من عمله» يعارضه قوله «أفضل الأعمال أحمزها» فيجب صرفه عن الظاهر جمعاً بينهما، وقد سبق منا وجه الجمع بينهما بوجه آخر.

وقد قيل في الجمع بينهما : إنّ لفظه «خير» ليست بأفعل التفضيل، بل المراد أن نية المؤمن خير من جملة أعماله ف-«من» تبعيضية، وإنما قال ذلك لئلا يتوهّم أنّ النية لا يدخلها الخير والشرّ.

نقل أنّ السيّد الأجل المرتضى لمّا أفاد هذا الوجه استحسنه بعض الوزراء؛ لأنه لا يرد عليه شيء من الاشكال، واللّه أعلم بحقيقة الحال، والصلاة على رسوله وآله خير آل.


1) سورة طه: 14.

السادس (1): أنّ المراد أن نية بعض الأعمال الشاقة كالحج والجهاد، خير من بعض الأعمال الخفيفة كتلاوة آية والصدقة بدرهم مثلا

السابع : أن لفظة «خير» ليست إسم تفضيل بل المراد أن نية المؤمن عمل خير من جملة أعماله، و«من» تبعيضية ونقل هذا عن السيّد المرتضى (رضي اللّه عنه).

وبه يندفع التنافي بين هذا الحديث وبين ما يروى عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «أفضل الأعمال أحمزها» (2)،(3)ويزول الإشكال (4)المشهور في قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «نية الكافر شرّ من عمله» فإنّ لفظة « شرّ » حينئذ كلفظة «خير» في عدم إرادة التفضيل.

ولا يخفى عدم جريان هذا الوجه في الحديث الذي نحن بصدد الكلام فيه.

الثامن: أنّ المراد بالنية تأثر القلب عند العمل وانقياده إلى الطاعة، وإقباله على الآخرة، وانصرافه عن الدنيا، وذلك يشتدّ بشغل الجوارح في الطاعات، وكفّها عن المعاصي، فإنّ بين الجوارح والقلب علاقة شديدة يتأثر كل منهما


1) هذا الوجه مذكور في كلام بعض أصحابنا، ولا يخفى ضعفه (منه).

2) نهاية ابن الأثير 1: 440.

3) قد يوجه الكلام في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «أفضل الأعمال أحمزها» بوجه آخر هو أن غرضه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ كلّ عمل يمكن وقوعه على أنحاء شتّى، فأفضلها أحمزها، كالصوم مثلاً، فإنّ الواقع منه في الصيف للبلاد الحارّة أفضل من الواقع فيما ليس كذاك، وإخراج الزكاة مع الغلاء وقلة ما في اليد أفضل من إخراجها مع ما يقابل ذلك. وعلى هذا يرتفع المنافاة بين هذا الحديث وبين قوله «نيّة المؤمن خير من عمله» إذ لا ريب أن ملاحظة شرائط الاخلاص على ما هي عليه في غاية المشقة، فبعض السيئات أشق من بعض، كما لا يخفى (منه).

4) الاشكال المشهور أنه كيف يكون نية الكافر شرّاً من عمله، مع ما ورد في الحديث من أن ابن آدم إذا هم بالحسنة كتبت له حسنة، وإذا هم بالسيئة لم تكتب له شيء حتّى يعمل (منه).

بالآخر، كما إذا حصل للأعضاء آفة سرى أثرها إلى القلب فاضطرب، وإذا تألم القلب بخوف مثلاً سرى أثره إلى الجوارح فارتعدت، فالقلب هو الأمير المتبوع، والجوارح كالرعايا والأتباع. والمقصود من إعمالها حصول ثمرة للقلب، فلا تظنّ أنّ في وضع الجبهة على الأرض غرضاً من حيث انه جمع بين الجبهة والأرض، بل من حيث انه بحكم العادة يؤكد صفة التواضع في القلب، فإنّ من يجد في نفسه تواضعاً، فإذا استعان بأعضائه وصورها بصورة التواضع تأكد بذلك تواضعه، وأمّا من يسجد تغافلاً عن التواضع، وهو مشغول القلب بأغراض الدنيا، فلا يصل من وضع جبهته على الأرض أثر إلى قلبه، بل سجوده كعدمه، نظراً إلى الغرض المطلوب منه، فكانت النية روح العمل وثمرته، والمقصد الأصلى من التكليف به، فكانت أفضل. وهذا الوجه قريب من الوجه الخامس.

التاسع: أنّ النية ليست مجرّد قولك عند الصلاة أو الصوم أو التدريس: أصلّي أو أصوم أو أدرس قربة إلى اللّه، ملاحظاً معاني هذه الألفاظ بخاطرك، ومتصوّراً لها بقلبك.

هيهات إنّما هذا تحريك لسان وحديث نفس وإنّما النية المعتبرة إنبعاث النفس وميلها وتوجّهها إلى ما فيه غرضها ومطلبها إما عاجلاً وإما آجلاً. وهذا الإنبعاث والميل إذا لم يكن حاصلاً لها لا يمكنها اختراعه واكتسابه بمجرد النطق بتلك الألفاظ، وتصوّر تلك المعاني وما ذلك إلا كقول الشبعان: أشتهي الطعام وأميل إليه، قاصداً حصول الميل والاشتهاء، وكقول الفارغ: أعشق فلانا وأحبّه وأنقاد إليه وأطيعه، بل لا طريق إلى اكتساب صرف القلب إلى الشيء وميله إليه وإقباله عليه إلا بتحصيل الأسباب الموجبة لذلك الميل والانبعاث، واجتناب الأمور المنافية لذلك المضادّة له، فإنّ النفس إنّما تنبعث إلى الفعل وتقصده وتميل إليه، تحصيلاً للغرض الملائم لها بحسب ما يغلب عليها من الصفات.

فإذا غلب على قلب المدرّس مثلا حبّ الشهرة، وإظهار الفضيلة، وإقبال الطلبة عليه، وانقيادهم إليه، فلا يتمكن من التدريس بنية التقرب إلى اللّه سبحانه بنشر العلم وإرشاد الجاهلين، بل لا يكون تدريسه إلا لتحصيل تلك المقاصد الواهية، والأغراض الفاسدة، وإن قال بلسانه أدرّس قربة إلى اللّه، وتصوّر ذلك بقلبه، وأثبته في ضميره، ومادام لم يقلع تلك الصفات الذميمة من قلبه لا عبرة بني أصلاً.

وكذا إذا كان قلبك عند نية الصلاة منهمكاً في أمور الدنيا، والتهالك عليها، والإنبعاث في طلبها، فلا يتيسر لك توجيهه بكليته إلى الصلاة، وتحصيل الميل الصادق إليها، والإقبال الحقيقي عليها، بل يكون دخولك فيها دخول متكلّف لها متبرم بها، ويكون قولك «أصلّي قربة إلى الله» كقول الشبعان «أشتهي الطعام» وقول الفارغ «أعشق فلاناً».

والحاصل أنه لا يحصل لك النية الكاملة المعتدّ بها في العبادات من دون ذلك الميل والإقبال، وقمع ما يضاده من الصوارف والأشغال، وهو لا يتيسر إلا إذا صرفت قلبك عن الأمور الدنيوية، وظهرت نفسك عن الصفات الذميمة الدنية، وقطعت نظرك عن حظوظك العاجلة بالكلية.

ومن هنا يظهر أنّ النيّة أشق من العمل بكثير، فيكون أفضل منه. وتبين لك أنّ قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «أفضل الأعمال أحمزها» غير مناف لقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «نية المؤمن خير من عمله» بل هو كالمؤكد والمقرر له، واللّه ولي التوفيق.

الحديث الثامن والثلاثون : التوبة وشرائطها

إشارة:

وبالسند المتّصل إلى الشيخ الجليل عماد الاسلام محمّد بن يعقوب الكليني، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضال، عمّن ذكره عن الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : من تاب قبل موته بسنة قبل اللّه توبته.

ثمّ قال: إنّ السنة لكثير من تاب قبل موته بشهر قبل اللّه توبته.

ثمّ قال: إنّ الشهر لكثير من تاب قبل موته بجمعة قبل اللّه توبته.

ثمّ قال: إن الجمعة لكثير، من تاب قبل موته بيوم قبل اللّه توبته.

ثمّ قال: إن يوماً لكثير من تاب قبل أن يعاين قبل اللّه توبته (1).


الحديث الثامن والثلاثون

قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «من تاب».

تاب من ذنبه توباً وتوبة إذا قلع عنه، وعرفت بأنها الرجوع إلى اللّه تعالى بحلّ عقدة الاصرار عن القلب، ثمّ القيام بكل حقوق الربّ.

وقيل: هي الندم على المعصية في الحال، والعزم على تركها في الاستقبال.


1) أصول الكافي 2: 440 ح 2.

----------------------------------------------------------------------

والظاهر أنّ ذكر العزم للتقرير والبيان، كما في قتل النبيين بغير حق، وطائر يطير بجناحيه لا للتقييد والاحتراز؛ إذ النادم على المعصية لقبحها لا يخلو عن ذلك العزم البتة.

وقال بعض العلماء: التوبة تنتظم من أمور ثلاثة: علم، وحال، وعمل.

أما العلم، فهو اليقين بأنّ الذنوب سموم مهلكة، وحجاب بين العبد و محبوبه وهذا اليقين يثمر حالة ثانية هي التألّم لفوات المطلوب، والتأسف من فعل الذنوب، ويعبّر عن هذه الحالة بالندم، وهي يثمر حالة ثالثة ترك الذنوب في الحال، والعزم على عدم العود إليها في الاستقبال، وتدارك ما فات في الماضي من حقوق اللّه، كالصلاة والصيام والزكاة ونحوها من حقوق الناس، كرد المال إلى صاحبه أو وارثه وطلب الإبرار في الغيبة، وتسليم النفس في القصاص إلى وليه، ولولم يمكنه ذلك كان عليه أن يكثر من العبادة ليبقي له قدر الكفاية في القيامة بعد أخذ حقوقهم منها، وهذه الأمور مترتبة في الحصول.

ويطلق إسم التوبة تارة على مجموعها، وأخرى على الندم وحده، ويجعل العلم كالمقدمة والترك كالثمرة، فيكون الندم محفوفاً بالطرفين: الطرف الأول مثمر الندم، والطرف الآخر ثمرته كما قال أمير المومنين صلوات اللّه عليه أن الندم على الشرّ يدعو إلى تركه.

وترتب هذه الأمور غير مختص بالتوبة، بل انتظام الصبر والشكر والتوكل والرضا وغيرها من المقامات الدينية تنتظم من علم وحال وعمل، وهذه الثلاثة إذا قيس بعضها إلى بعض لاح للناظرين إلى الظواهر أنّ العلوم مطلقا إنما يراد للأحوال، والأحوال للأعمال.

بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث

(من تاب قبل موته بسنة) التوبة لغة: الرجوع. وتنسب إلى العبد وإلى اللّه سبحانه. ومعناها على الأوّل: الرجوع عن المعصية إلى الطاعة. وعلى الثاني: الرجوع عن العقوبة إلى اللطف والتفضّل.

وفي الاصطلاح: الندم على الذنب لكونه ذنباً، فخرج الندم على شرب الخمر مثلاً لإضراره بالجسم.

وقد يزاد: «مع العزم على ترك المعاودة أبداً» والظاهر أنّ هذا العزم لازم لذلك الندم غير منفك عنه

والكلام الجامع في هذا الباب ما قاله بعض ذوي الألباب: إنّ التوبة لا تحصل إلا بحصول امور ثلاثة :

أوّلها معرفة ضرر الذنوب، وكونها حجاباً بين العبد ومحبوبه، وسموماً قاتلة


وأما أهل البصائر وأولو الألباب، فالأمر عندهم بالعكس، فإنّ الأعمال عندهم يراد للأحوال والأحوال للعلوم، فالأصل العلوم، ثمّ الأحوال، ثمّ الأعمال؛ لأنّ كلّ مراد لغيره يكون ذلك الغير لا محالة أفضل منه

قوله: «و تنسب».

تختلف التوبة باختلاف ما نسبت إليه، فإذا نسبت إلى المذنبين، فمعناها رجوعهم عن المعاصي إلى الطاعة، وإذا نسبت إلى الأبرار، فعناها رجوعهم عما كره اللّه إلى ما أحبّ، وإذا نسبت إلى المقرّبين، فرجوعهم عما سوى اللّه إليه، وإذا نسبت إلى اللّه، فمعناها رجوعه عن سخطه إلى رحمته، أو عن قهره إلى لطفه، أو عن إعراضه إلى إقباله على اختلاف مراتب التائبين

لمن يباشرها. فإذا عرف ذلك وتيقنه، حصل له من ذلك حالة ثانية هي التألم لفوات المحبوب، والتأسّف من فعل الذنوب. وهذا التألم والتأسف هو المعبّر عنه بالندم. وإذا غلب هذا الألم حصل حالة ثالثة، هي القصد إلى أمور ثلاثة لها تعلّق بالحال والاستقبال والمضي فالمتعلّق بالحال هو ترك ما هو مقيم عليه من الذنوب. والمتعلّق بالاستقبال هو العزم على عدم العود إليها إلى آخر العمر. والمتعلّق بالماضي تلافي ما يمكن تلافيه من قضاء الفوائت والخروج من المظالم. فهذه الثلاثة، أعني: المعرفة والندم والقصد إلى المذكورات أمور مترتبة في الحصول.

وقد يطلق على مجموعها إسم التوبة، وكثيراً ما يطلق على الثاني أعني الندم وحده، وتجعل المعرفة مقدّمة لها، وذلك القصد ثمرة متأخرة عنها. وقد يطلق على مجموع الندم والعزم.

هذا وقد عرّفها بعض أصحاب القلوب برجوع الآبق عن الجرم السابق.

وبعضهم: بإذابة الأحشاء لما سلف من الفحشاء.

وبعضهم: بأنها خلع لباس الجفاء وبسط بساط الوفاء.

(قبل اللّه توبته) المراد بقبول التوبة إسقاط العذاب المترتب على الذنب الذي تاب منه، وسقوط العقاب بالتوبة ممّا أجمع عليه أهل الاسلام، وإنما الخلاف في أنه هل يجب على اللّه حتّى لو عاقب بعد التوبة كان ظلماً، أو هو تفضّل بفعله


قوله: «أعني المعرفة والندم».

وفي الحديث: الندم توبة (1)والمراد أنّ الندم على الذنب لكونه ذنباً توبة.


1) کنز العمّال 4: 232 برقم: 10301 و 10303.

سبحانه كرماً منه ورحمة بعباده؟ (1)

وفيه نظر؛ إذ يحتمل أن يكون من قبيل قوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) وقد مرّ الكلام فيه في الحديث الثلاثين (منه).

.

المعتزلة على الأوّل، والأشاعرة على الثاني وإليه ذهب الشيخ أبو جعفر الطوسي (قدس اللّه روحه) في كتاب الاقتصاد (2)، والعلّامة جمال الملة والدين (رحمه اللّه) في بعض كتبه الكلامية (3)، وتوقف المحقّق الطوسي (طاب ثراه) في التجريد (4). ومختار الشيخين هو الظاهر. ودليل الوجوب (5)مدخول.


قوله: ودليل الوجوب.

أي: دليل المعتزلة على وجوب إسقاط اللّه العقاب بالتوبة، وهو أن العاصي قد بذل وسعه في التلافي فيسقط عقابه كمن بالغ في الاعتذار إلى من أساء إليه يسقط ذنبه بالضرورة.


1) قال الشيخ أبو علي الطبرسي في تفسيره الموسوم بمجمع البيان في تفسير قوله تعالى في سورة المؤمن (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ) في هذه الآية دلالة على أنّ إسقاط العقاب عند التوبة نفضّل من اللّه تعالى، إذ لو كان واجباً لكان لا يحتاج فيه إلى مساءلتهم، بل كان يفعله لا محالة إنتهى كلامه.

2) الاقتصاد ص 124.

3) کشف المراد ص 424.

4) تجريد الاعتقاد ص 308.

5) من جملة دلائلهم على وجوب القبول: ان السيّد إذا أبق عبده شهراً مثلاً، ثمّ رجع نادماً كمال الندم، متأسفاً على ما وقع منه عازماً على أن لا يعود أبداً، ثمّ إن كان المولى لا يقبل توبته، بل كان مصرّاً على عقابه، فإنّ العقلاء يذمونه. وفيه أن السيّد لو قرّر معه معه أنه إذا أبق مدة كذا عاقبه العقاب الفلاني، فإنّه إذا رجع وعاقبه السيّد ذلك العقاب الذي قرّره معه، فلا يستحق بذلك الذم من العقلاء، وما نحن فيه من هذا القبيل (منه).

(من تاب قبل أن يعاين) أي: يرى ملك الموت، كما روي عن ابن عباس (رضي الله عنهما).

ويمكن أن يراد بالمعاينة علمه بحلول الموت، وقطعه الطمع من الحياة، وتيقنه ذلك كانه يعاينه، وأن يراد معاينة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).


مدخول؛ لأنّ من أساء إلى غيره وهتك حرمته، ثمّ جاء معتذراً، لا يجب في حكم العقل قبول اعتذاره، بل الخيرة إلى ذلك الغير إن شاء صفح وإن شاء جازاه.

قوله: «وأمير المومنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)».

هذا التخصيص لا وجه له؛ لأنّ حضور النبي والأئمّة صلوات اللّه عليهم عند الموت ممّا قد وردت به الأخبار واشتهر بين الشيعة غاية الاشتهار، بل وفي بعضها تصريح بحضور فاطمة صلوات اللّه عليها أيضاً.

نعم اختلفوا في نحو حضورهم وكيفيته، فقيل: إنّه يرتسم صورتهم في الحسّ المشترك بحيث يشاهدهم المحتضر ويكلّم معهم كما في المبرسم.

والمنقول عن السيّد المرتضى أنه يعلم في تلك الحال ثمرة ولايتهم وانحرافه عنهم؛ لأنّ المحبّ لهم يرى في تلك الحال ما يدلّ على أنه من أهل الجنة، وكذا المبغض لهم يرى ما يدله على أنه من أهل النار، فيكون حضورهم وتكلّمهم استعارة تمثيلية، وفيهما من البعد ما لا يخفى.

ويمكن أن يكون حضورهم بجسد مثالي لطيف لا يراه غير المحتضر، كحضور ملك الموت وأعوانه. وأما الحيّ منهم، فلا يبعد تصرّف روحه لقوته في جسد مثالي أيضاً.

ولا يبعد أيضاً أن يكون لهم أجساد مثالية كثيرة لما جعله اللّه لهم من القدرة الكاملة، فيمكن حضورهم في زمان واحد في أمكنة متعدّدة.

فقد روى في الكافي وغيره أنهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) يحضران عند كل محتضر ويبشرانه بما يؤول إليه حاله من سعاة أو شقاوة، أو معاينة منزلته في الآخرة، كما روي عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه قال : لن يخرج أحدكم من الدنيا حتّى يعلم أين مصيره، و وحتى يرى مقعده من الجنّة أو النار (1).

وفي الكافي: عن أبي بصير، قال: قال أبو عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ): إذا حيل بينه وبين الكلام أتاه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومن شاء اللّه، فجلس رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن يمينه والآخر عن شماله، فيقول له رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أما ما كنت ترجو فهو ذا أمامك، وأما ما كنت تخاف فقد أمنت منه. ثمّ يفتح له بابا إلى الجنّة، فيقول: هذا منزلك من الجنّة، فإن شئت رددناك إلى الدنيا ولك فيها ذهب وفضة، فيقول: لا حاجة لي في الدنيا الحديث (2).

والمراد ب-«من شاء الله» في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «أتاه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومن شاء الله» أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما ورد التصريح بذلك في أحاديث متكثّرة. ولعلّ الإبهام في هذا الحديث وقع للتقية.


ويمكن أن يخلق اللّه لكلّ منهم مثالاً بصورته، وهذه الأمثلة يحضرون المحتضر ويكلّمونه ويبشرونه من قبلهم، كما ورد في بعض الأخبار بلفظ التمثيل.

قوله: «متكثّرة».

منها: الحديث المشهور عن الحارث الهمداني، حيث قال: إني أتخوّف عن وقتين وقت الاحتضار، ووقت المرور على الصراط، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):


1) راجع: فروع الكافي 3: 128.

2) فروع الكافي 3: 129 ح 2.

وجوب التوبة على الفور

تبصرة

لا ريب في وجوب التوبة (1)

وأما فورية الوجوب، فقد صرّح بها المعتزلة، فقالوا: يلزم بتأخر ساعة إثم آخر تجب التوبة منه أيضاً، حتّى أنّ من أخر التوبة عن الكبيرة ساعة واحدة، فقد فعل كبيرتين، وساعتين أربع كبائر، الأوليان ترك التوبة عن كلّ منهما، وثلاث ساعات ثمان كبائر وهكذا، وأصحابنا يوافقونهم على الفورية، لكنّهم لم يذكروا هذا التفصيل فيما رأيته من كتبهم الكلامية (منه).

على الفور، فإنّ الذنوب بمنزلة السموم المضرّة بالبدن، وكما يجب على شارب السمّ المبادرة إلى الاستفراغ تلافياً لبدنه المشرف على الهلاك، كذلك يجب على صاحب الذنوب المبادرة إلى تركها والتوبة منها تلافياً لدينه المشرف على التهافت والإضمحلال، ومن أهمل المبادرة إلى التوبة وسوّفها من وقت إلى وقت، فهو بين خطرين عظيمين، إن سلم من واحد فلعله

یا حار همدان من يمت يرني*** من مؤمن أو مناحق قبلا

وأنت عند الصراط معترضي ***فلا تخف عثرة ولا زللا

أقول للنار حين توقف للعرض*** ذريه لا تقربي الرجلا

أسقيك من بارد على ظماً*** تخاله في حلاوة العسلا (2)

قوله: «وسوفها».

قال بعض العلماء: الناس في التوبة على أحوال: رجل مسوّف بالتوبة مدافع بها


1) لا خلاف في وجوبها سمعاً، إنما الخلاف في وجوبها عقلاً، فأثبته المعتزلة لدفعها ضرر العقاب، وهذا - كما لا يخفى - لا يدلّ على وجوب التوبة عن الصغائر ممّن يجتنب الكبائر، لأنها مكفّرة حينئذ، ولهذا ذهب الدهشية إلى وجوبها عن الصغائر سمعاً لا عقلاً. نعم الاستدلال بأنّ الندم عن القبيح من مقتضيات العقل الصحيح يعمّ القسمة.

2) بحار الأنوار 6: 180.

لا يسلم من الآخر.

أحدهما: أن يعاجله الأجل، فلا يتنبه من غفلته إلا وقد حضر الموت وفات وقت التدارك، وانسدت أبواب التلافي، وجاء الوقت الذي أشار إليه سبحانه بقوله: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) (1)وصار يطلب المهلة والتأخير يوماً أو ساعة فيقال له: لا مهلة كما قاله سبحانه: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) (2).


اغتر بطول الأمل، ونسي هجوم الأجل، فهذا متى أدركه الموت أدركه على الإصرار فهو هالك. وآخر تائب ما لم يجد شهوة، فإذا وجد ركب هواه واتبع مناه وأضاع المحاسبة لنفسه، فهذا مستوجب للعقوبة من اللّه ورجل تائب بقلبه إلا أنّ نفسه تدعوه إلى شيء ممّا يكره، فهذا يحتاج إلى الأدب لنفسه. ورجل مديم للحساب، قد قام على ساق مقام الحضم، فهذا مستوجب للعصمة من اللّه. ورجل قد ها به خوفه من ذنوبه ولم يتق فيه باقيه، فهذا المتوحد بولاية اللّه.

قوله: «وفات وقت التدارك».

ومن كلام بعضهم: اغتنموا التوبة قبل أن يصير القريب نائياً والمقيم ماضياً، وقبل أن يكون المحصول ندماً والموجود عدماً، وقبل أن يضرب الأدبار على المصرين سرادق الخسار، فلا إقالة عثار، ولا توفيق إنابة واعتذار.


1) سورة سبأ: 54.

2) سورة المنافقون: 10.

قال بعض المفسرين في تفسير هذه الآية: إنّ المحتضر يقول عند كشف الغطاء: يا ملك الموت أخّرني يوماً أعتذر فيه إلى ربّي وأتوب إليه، وأتزوّد صالحاً، فيقول: فنيت الأيام، فيقول: أخّرني ساعة، فيقول: فنيت الساعات، فيغلق عنه باب التوبة، و يغرغر بروحه إلى النار ويتجرّع غصة اليأس، وحسرة الندامة على تضييع العمر، وربما اضطرب أصل ايمانه في صدمات تلك الأهوال، نعوذ بالله من ذلك.

وثانيهما: أن تتراكم ظلمة المعاصي على قلبه إلى أن تصير ريناً وطبعاً، فلا تقبل المحو، فإنّ كل معصية يفعلها الإنسان، تحصل منها ظلمة في قلبه، كما تحصل من نفس الإنسان ظلمة في المرآة، فإذا تراكمت ظلمة الذنوب صارت كما يصير بخار النفس عند تراكمه على المرآة صداً، فإذا تراكم الرين صار طبعاً، فيطبع على قلبه، كالخبث على وجه المرآة إذا تراكم بعضه فوق بعض، فطال مكثه، وغاص في جرمها وأفسدها، فصارت لا تقبل الصيقل أبداً. وقد يعبّر عن هذا القلب بالقلب المنكوس والقلب الأسود.


قوله: «عند تراكمه على المرآة».

ركمه جمعه وألقى بعضه فوق بعض.

وران على قلبه ذنبه من باب باع يرين ريناً، أي غلب، والرين: الحجاب الكثيف ورانت نفسه خبثت وقوله تعالى (بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (1)أي: غلب على قلوبهم كسب الذنوب، كما ترين الخمر على عقل السكران (2). ونعم ما قيل بالفارسية :


1) سورة المطفّفين: 14.

2) مجمع البحرين 6: 259.

المراد من القلب في الحديث

روى الشيخ الجليل محمّد بن يعقوب الكليني في كتاب الكافي، عن الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أنه قال: كان أبي يقول: ما من شيء أفسد للقلب من الخطيئة، ان القلب ليواقع الخطيئة، فلا يزال به حتّى يغلب عليه، فيصبر أعلاه أسفله (1).


زنگ تو بر توست ای دیگ سیاه ***کرده سیمای درونت را تباه

والطبع: بالسكون الختم وبالتحريك العيب وأصله الدنس والوسخ يغشيان السيف، ثمّ يستعمل فيما يشبه الوسخ، فالدنس من الآثام والأوزار وغيرها من العيوب والمقابح، قيل: والطبع هو الرين. وقيل: الرين أيسر من الطبع، وهو أيسر من الإغفال، وهو أشد ذلك كله. وقوله تعالى (طبع اللّه على قلوبهم) (2)أي: ختم عليها وغشاها ومنعها ألطافه، وهو صريح كما قيل في إضلال بعض عباده، من باب المجازاة لا ابتداء، كما زعمته الأشاعرة.

وصقلت السيف صقلاً من باب قتل جلوته.

والمنكوس: المقلوب، يقال: انكست الشيء نكساً من باب قتل قلبته على رأسه فانتكس، وفي حديث الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) «لا يحبّنا ذو رحم منكوسة» (3)قيل: هو المأبون لانقلاب شهوته إلى دبره.

والنكتة في الشيء كالنقطة، والجمع نكت على نكتة من بول ونقطة من بول.

قوله: «إنّ القلب».

القلب يطلق على معنيين: أحدهما اللحم الصنوبري المتشكل المودع في جانب


1) أصول الكافي 2: 268 ح 1.

2) سورة التوبة: 93 وغيرها.

3) مجمع البحرين 4: 119.

----------------------------------------------------------------------

الأيسر من الصدر، وهو لحم مخصوص، وفي باطنه تجويف، وفي ذلك التجويف دم أسود، وهو منبع الروح ومعدنه، وهذا المعنى من القلب موجود في البهائم بل الميت.

والثاني: لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب تعلّق، وتلك اللطيفة هي المعبّر عنها بالقلب تارة، وبالنفس أخرى، وبالروح أخرى، وبالانسان أيضاً، وهو المدرك العارف المخاطب والمعاتب والمثاب والمعاقب.

والمراد به هنا هذا المعنى، فقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «يصير أعلاه أسفله» أي: يصير منكوساً، مجرد تشبيه وتمثيل من غير أن يكون له علوّ أو سفل أو نكس، بل علوّه توجهه إلى العلويات، واستفاضته من المجرّدات، ويعينه على ذلك الايمان والحسنات وسفله توجهه إلى السفليات والمقارنات، وارتباطه مع الماديات، ويعينه على ذلك الكفر والسيئات.

ويمكن أن يقال: إن القلب بالمعنى الأوّل لمّا كان رئيس الأعضاء، وأشرف الأجزاء، وكان ممّا يتعلّق به النفس أوّلاً وبسائر الأعضاء بوساطته، عبّر عنها به مجازاً تسمية للمتعلّق باسم المتعلّق.

واعلم أنّ كلّ ما يدركه الانسان بحواسه، يرتفع منه أثر إلى روحه، ويجتمع في صحيفة ذاته وخزانة مدركاته، وكذلك كلّ مثقال ذرّة من خير أو شرّ يعمله يرى أثره مكتوباً ثمّة وخاصة ما رسخت بسببه الهيآت، وتأكدت به الصفات، وصار خلقاً وملكة، فإن كانت من الصفات الحميدة والأخلاق الحسنة أفادته نوراً وضياءً واستعداداً لما فوقها، وإن كانت من مقابلاتها أفادته مقابلاتها، ولذا يشبه الايمان والهداية بالنور والكفر والضلالة بالظلمة، وعلى التشبيهين قوله تعالى (يُخْرِجُهُمْ

وروى في الكتاب المذكور أيضاً عن الامام أبي جعفر محمّد بن علي الباقر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، أنه قال : ما من عبد إلا وفي قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب ذنباً خرج في النكتة نكتة سوداء، فإن تاب ذهب ذلك السواد، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتّى يغطّي البياض، فإذا غطّي البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً، وهو قول اللّه عزّوجلّ (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (1).

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً» يدلّ على أن صاحب هذا القلب لا يرجع عن المعاصي ولا يتوب منها أبداً، ولو قال بلسانه: «تبت إلى الله» يكون هذا القول مجرّد تحريك اللسان من دون موافقة القلب، فلا أثر له أصلاً، كما أنّ قول القصار «غسلت الثوب» لا يصير الثوب نقياً من الأوساخ.

وربما يؤول حال صاحب هذا القلب إلى عدم المبالات بأوامر الشريعة ونواهيها، فيسهل أمر الذين في نظره، ويزول وقع الأحكام الإلهية من قلبه، وينفر عن قبولها طبعه وينجرّ ذلك إلى اختلال عقيدته وزوال ایمانه، فيموت على غير


مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) (2)أي من الضلال والكفر إلى الهداية والايمان.

وشاع ذلك وذاع حتّى يخيّل أنّ الأوّل ممّا له بياض وإشراق، والثاني ممّا له سواد وإظلام، كقولك شاهدت بياض الايمان أو سواد الكفر من جبين فلان، ومن هذا القبيل تشبيهه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الايمان والطاعة بالنكتة السوداء، فالكلام استعارة مصرحة، حيث ذكر المشبه به وأراد به المشبّه.

قوله: «وينجر ذلك».

كما نقل أنّ رجلاً احتضر، فقيل له : قل لا إله إلا اللّه فقال :


1) اصول الكافي 2: 273 ح 20.

2) سورة البقرة: 257.

الملة، وهو المعبّر عنه بسوء الخاتمة. نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

تذكرة

العزم على عدم العود إلى الذنب فيما بقي من العمر لابد منه في التوبة. وهل إمكان صدوره منه في بقية العمر شرط حتّى لو زني ثمّ جبّ، وعزم على أن لا يعود إلى الزنا على تقدير قدرته عليه لم تصح توبته، أم ليس بشرط فتصح؟ الأكثر على الثاني، بل نقل بعض المتكلمين إجماع السلف عليه.

وأولى من هذا بصحة التوبة من تاب في مرض مخوف غلب على ظنه الموت فيه.


برد الليل وطاب الماء والتد الشراب ***ومضى عنّا حزيران و تموز و آب

ثمّ قضى لوقته. وقيل لآخر وقد قرب خروج نفسه وانقطاع نفسه: قل لا إله إلا الله، فقال :

لهف نفسي على الزمان وفي*** أي زمان دهتني الأزمان

حين ولى الشتاء واستقبل ***الصيف وطلب المدام والريحان

وقالت امراة لرجل كان منزله قريباً من حمام منجاب ببغداد: يا رجل أين الطريق إلى حمام منجاب، فأومىء إليها وأرشدها إلى طريق غيره في سكة خراب لا منفذ لها، وتبعها إليها ففجر بها، فلمّا حضرته الوفاة قيل: قل لا إله إلا اللّه، فقال :

يا ربّ قائلة يوماً وقد لغبت*** أين الطريق إلى حمام منجاب

ومات لوقته، هكذا يدرك سوء الخاتمة، وتهوي بالمخذولين مدرجة العاقبة نعوذ بالله من ذلك

أما التوبة عند حضور الموت وتيقن الفوت - وهو المعبّر عنه بالمعاينة - فقد انعقد الإجماع على عدم صحتها، ونطق بذلك القرآن، قال سبحانه: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا


قوله: «على عدم صحتها».

لأن من شروط صحتها أن يندم العاصي على القبيح لقبحه، لا لغرض آخر من خوف النار، أو ما فيه من الإضرار ببدنه، أو الإخلال بعرضه أو ماله، إلى غير ذلك. وندم العاصي عند المعاينة ليس لقبحها بل لخوف النار أو غيره، ولذلك لا تصح توبته، ولا تقبل منه.

في عيون الأخبار، عن إبراهيم بن محمّد الهمداني، قال: قلت لأبي الحسن الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لأيّ علة أغرق اللّه تعالى فرعون وقد آمن به وأقرّ بتوحيده؟ قال: لأنه آمن عند رؤية البأس، والايمان عند رؤية البأس غير مقبول، وذلك حكم اللّه تعالى ذكره في السلف والخلف، قال اللّه عزّوجلّ (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) (1)وقال عزّوجلّ (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) (2)وهكذا فرعون لما أدركه الغرق (قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فقيل له (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (3)الحديث (4).


1) سورة غافر: 84 - 85.

2) سورة الأنعام: 158.

3) سورة يونس: 90 - 92.

4) عيون أخبار الرضا 2: 77 ح 7.

الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (1).

وفي الحديث: عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : « إن اللّه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (2).

والغرغرة: تردّد الماء وغيره من الأجسام المايعة في الحلق. والمراد هنا تردّد الروح وقت النزع.


قوله: «وفي الحديث».

في الكافي بسند صحيح عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، قال: إن آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: يا ربّ سلّطت على الشيطان، وأجريته منّي مجرى الدم، فاجعل لي شيئاً، فقال: يا آدم جعلت لك أنّ من هم من ولدك (3)بسيئة لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة، ومن هم منهم بحسنة فإن لم يعملها كتبت له حسنة، فإن هو عملها كتبت لها عشراً، قال: رب زدني، قال: جعلت لك أنّ من عمل منهم سيئة ثمّ استغفر غفرت له، قال: رب زدني، قال: جعلت لهم التوبة - أو قال: بسطت لهم التوبة - حتّى تبلغ النفس هذه، قال: يا ربّ حسبي (4).

قوله: «ما لم يغرغر».

أصل الغرغرة أن يجعل المشروب في الفم ليردّده إلى أصل الحلق ولا يبلع، وقوله «ما لم يغرغر» أي ما لم تبلغ روحه حلقومه، فيكون بمنزلة الشيء يتغرغر به المريض، ويكون ذلك عند أوّل ما يأخذه في سياق الموت.


1) سورة النساء: 18.

2) الجامع الصغير 1: 77.

3) في الكافي من ذرّيتك.

4) أصول الكافي 2: 440 ح 1.

وقد روى محدّثوا الإمامية عن أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) أحادث متكثّرة في أنه لا تقبل التوبة عند حضور الموت وظهور علاماته ومشاهدة أهواله (1).


قوله: «لا تقبل التوبة».

فإن قلت: قوله تعالى (هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) (2)يدلّ على أنه تعالى يقبل كلّ توبة، ومنها توبة المعاين وهو من حضره الموت، وذلك لأنّ اللام في التوبة لتعريف الحقيقة، وهي هنا تفيد الاستغراق؛ لأنّ المقصود بها الماهية من حيث وجودها في الخارج في ضمن جميع أفرادها، نحو (خُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (3).

قلت: عدم استثناء توبة المعاين: إمّا لعدم اعتدادها توبة، كما أشار إليه بقوله تعالى (قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) (4). قال بعض محققي المفسرين: ايثار قال عليّ تاب لاسقاط ذلك عن درجة الاعتبار، والتحاشي عن تسميته توبة.

وإما لبيان حكمها في محلّ آخر من القرآن فكان ذكره فيما ذكر فيه ذكراً له فيما يذكر فيه؛ لأن القرآن في حكم واحد، ولا يجوز فيه التناقض، كما نص عليه الزمخشري (5)في قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ) (6).


1) راجع: أصول الكافي 2: 440.

2) سورة الشورى: 25.

3) سورة النساء: 28.

4) سورة النساء: 18.

5) الكشّاف 3: 403.

6) سورة الزمر: 53.

وربما علل ذلك بأنّ الايمان برهاني، ومشاهدة تلك العلامات والأهوال في ذلك الوقت يصيّر الأمر عياناً، فيسقط التكليف، كما أنّ أهل الآخرة لما صارت معارفهم ضرورية سقطت التكاليف عنهم.

قال بعض المفسرين: ومن لطف اللّه تعالى بالعباد أن أمر قابض الأرواح بالابتداء في نزعها من أصابع الرجلين، ثمّ تصعد شيئاً فشيئاً إلى أن تصل إلى الصدر، ثمّ تنتهي إلى الحلق، ليتمكن في هذه المهلة من الإقبال بالقلب على اللّه تعالى والوصية والتوبة ما لم يعاين والاستحلال، وذكر اللّه سبحانه، فتخرج روحه وذكر اللّه على لسانه، فيرجى بذلك حسن خاتمته، رزقنا اللّه ذلك بمنّه وكرمه.

تنبيه

ورد في القرآن العزيز الأمر بالتوبة النصوح، قال سبحانه في سورة التحريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا) (1)وقد ذكر المفسرون في معنى التوبة النصوح وجوهاً :


قوله: «توبة نصوحا».

النصوح: فعول من النصح، وهو خلاف الغش، والتوبة النصوح هي البالغة في النصح التي لا ينوي فيها معاودة المعصية.

وقيل: هي ندم في القلب واستغفار باللسان وترك بالجوارح، وإضمار أن لا يعود. وأصل النصيحة في الخلوص.

قال الغزالي في كتاب منهاج العابدين في التوبة: إعلم أنّ هذه العقبة عقبة صعبة


1) سورة التحريم: 8.

منها: أن المراد توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى أن يأتوا بمثلها لظهور آثارها الجميلة في صاحبها، أو تنصح صاحبها فيقلع من الذنوب ثمّ لا يعود إليها أبداً.

روى الشيخ الجليل محمّد بن يعقوب في الكافي، عن أبي الصباح الكناني أنه سأل أبا عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) عن قول اللّه عزّوجلّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا) فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يتوب العبد عن الذنب ثمّ لا يعود فيه.(1).


أمرها مهم وضررها عظم، فلقد بلغني عن الأستاد أبي إسحاق الاسفرائني وكان من الراسخين في العلم العاملين به، أنه قال: دعوت اللّه سبحانه ثلاثين سنة أن يرزقني توبة نصوحاً، ثمّ تعجبت من نفسي وقلت: سبحان اللّه حاجة دعوت اللّه فيها ثلاثين سنة، فما قضيت إلى الآن، فرأيت فيما يرى النائم كان قائلاً يقول لي: أتعجب من ذلك أتدري ماذا تسأل؟ إنما تسأل اللّه سبحانه أن يحبّك، أما تسمع قوله جلّ جلاله (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) (2).

قوله: «ثم لا يعود فيه».

في كتاب معاني الأخبار باسناده إلى أحمد بن هلال، قال: سألت أبا الحسن الأخير (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن النصوح ما هي ؟ فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أن يكون الباطن كالظاهر وأفضل من ذلك (3).

وباسناده إلى أبي بصير، عن أبي عبد اللّه في قول اللّه عز وجل (تُوبُوا إِلَى اللَّهِ


1) أصول الكافي 2: 432 ح 3.

2) سورة البقرة : 222.

3) معاني الأخبار ص 174 ح 1.

----------------------------------------------------------------------

تَوْبَةً نَصُوحًا) (1)قال: هو يوم الأربعاء والخميس والجمعة (2).

وباسناده إلى عبد اللّه بن سنان وغير واحد، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: التوبة النصوح أن يكون باطن الرجل كظاهره وأفضل. وقد روي أن التوبة النصوح هو أن يتوب الرجل من ذنب وينوي أن لا يعود إليه أبداً (3).

وفي أصول الكافي عن معاوية بن وهب، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: إذا تاب العبد توبة نصوحاً أحبّه اللّه فستر عليه في الدنيا والآخره، فقلت: وكيف يستر عليه؟ قال: ينسي ملكيه ما كتبا عليه من الذنوب، ويوحي إلى جوارحه: اكتمى عليه ذنوبه، ويوحي إلى بقاع الأرض اكتمي ما كان يعمل عليك من الذنوب، فيلقى اللّه حين يلقاه وليس شيء يشهد عليه بشيء من الذنوب (4).

وعن محمّد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني، قال: سألت أبا عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا) قال: يتوب العبد من الذنب، ثمّ لا يعود فيه.

قال محمّد بن الفضيل: سألت عنها أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال: يتوب من الذنب ثمّ لا يعود فيه، وأحبّ العباد إلى اللّه تعالى المتقون التوابون (5).

وعن أبي بصير قال: قلت لأبي عبدالله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ


1) سورة التحريم: 8.

2) معاني الأخبار ص 174 ح 2.

3) معاني الأخبار ص 174 ح 3.

4) أصول الكافي 2 : 430 - 431 ح 1 و ح 12.

5) أصول الكافي :2 432 ح 3.

ومنها: أن النصوح ما كانت خاصة لوجه اللّه سبحانه، من قولهم «عسل نصوح» إذا كان خالصاً من الشمع، بأن يندم على الذنوب لقبحها، وكونها خلاف رضى اللّه سبحانه، لا لخوف النار مثلاً.

وقد حكم المحقّق الطوسي (طاب ثراه) في التجريد بأنّ الندم على الذنوب خوفاً من الناس ليس توبة (1).

وقد مرّ في الحديث السابع والثلاثين ما ينتفع به في هذا المقام.

ومنها: أن النصوح من النصاحة وهي الخياطة؛ لأنها تنصح من الدين ما مزقته الذنوب، أو تجمع بين التائب وبين أولياء اللّه وأحبائه، كما يجمع الخياط قطع الثوب.

ومنها: أنّ النصوح وصف للتائب، وإسناده إلى التوبة من قبيل الإسناد المجازي. أي: توبة تنصحون بها أنفسكم، بأن تأتوا بها على أكمل ما ينبغي أن تكون عليه حتّى يكون قالعة لآثار الذنوب من القلوب بالكلية، وذلك بإذابة النفس بالحسرات، ومحو ظلمة السيّئات بنور الحسنات.

روى الشيخ أبو علي الطبرسي عند تفسير هذه الآية عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ان التوبة تجمعها ستة أشياء: على الماضي من الذنوب الندامة، وللفرائض الإعادة، ورد المظالم، واستحلال الخصوم، وأن تعزم على أن لا تعود، وأن تذيب نفسك في طاعة اللّه كما ربّيتها في المعصية، وأن تذيقها مرارة الطاعات كما أذقتها


تَوْبَةً نَصُوحًا) قال: هو الذنب الذي يعود فيه أبداً، قلت: وأينا لم يعد؟ فقال: يا أبا محمّد إنّ اللّه يحبّ من عباده المفتن التوّاب (2).


1) تجريد الاعتقاد ص 306.

2) أصول الكافي 2: 432 ح 4.

حلاوة المعاصي (1).

المراد من الاستغفار

وأورد السيّد الرضي في كتاب نهج البلاغة، أنّ قائلاً قال بحضرته (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أستغفر اللّه. فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ثكلتك أمك أتدرى ما الاستغفار ؟ إنّ الاستغفار درجة العليين،


قوله: «أستغفر الله».

ربما يفرق بين التوبة والإستغفار ويجعل مرتبته فوق مرتبتها وجملة القول فيه: إنّ مثل العبد المذنب مثل العبد الآبق عن سيّده، كما يشير إليه قصة يونس (إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) (2).

وسئل أبو ذرّ كيف ترى قدومنا على اللّه ؟ فقال: أما المحسن منكم فكالغائب يقدم على أهله. وأما المسيء، فكالآبق يرد على مولاه.

وكما أن للآبق طرقاً في دفع عقاب سيّده عنه، فتارة يتشفّع بمن له وجه عند سيده ليستوهب منه ذنوبه، وأخرى يستجير بحريم السيّد وداره، فإنّ من دأب الكرام أن يجيروا من استجار بهم وصار دخيلاً لهم، وإن كان جرمه عظيماً وإثمه كبيراً، وتارة يرجع من إباقه بنفسه نادماً عن فعله عازماً على عدم العود إليه أبداً، ثمّ يتذلّل بين يدي سيّده، ولا يتوسّل في دفع العقاب عن نفسه إلا بكرمه، وهذا أحسن الطرق.

فكذلك للمذنب هذه الطرق بعينها في دفع العقاب عنه، ولذلك صار الحج كفّارة لجميع الذنوب، حتّى صار الظنّ ببقاء الإثم من أعظم الكبائر، وذلك لما عرفت من دأب الكرام وإجارتهم من استجار بهم، فمن ظنّ بقاء الإثم عليه وقد استجار بالله وحرمه، فقد جعل كرام الخلق أكرم من أكرم الأكرمين، حاشاه عن ذلك.


1) تفسیر جوامع الجامع للطبرسي ص 480.

2) سورة الصافات: 140.

وهو إسم واقع على ستة معان :


وكما أن الطريق الأخير في الآبق أحسن الطرق، فكذلك مثله في طرف المذنب، كما ورد « لا شفيع أنجح من التوبة» (1)فما يشبه رجوع الآبق من الندم الصادق الذي ينبعث منه العزم على أن لا يعود إلى الذنب أبداً سمّي توبة، وما يشبه تذلله بين يدي سيّده سمّي استغفاراً.

قوله: «على ستة معان».

قيل: وجه الجمع بين هذا الخبر والأخبار الدالّة على الاكتفاء بما دون ذلك التوبة، كقول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «كفى بالندم توبة» (2)إن آثار الذنوب تختلف شدة وضعفاً:

فمنها ما يقلع أثره بمجرد الندم.

ومنها: ما لا يقلع أثره إلا إذا اجتمعت هذه الستة، كما يشير إليه موثقة زرارة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : الذنوب كلّها شديدة، وأشدّها ما نبت عليها اللحم والدم؛ لأنه إما مرحوم، وإما معذب، والجنّة لا يدخلها إلا طيب (3)يعني: إن أمره دائر بين هذين، والحال أنّ الجنّة لا يدخلها إلا طيب، ومثل هذا الدم واللحم ليس بطيب، فلا يدخل الجنّة صاحبه، فإن أذابه في الدنيا بالأحزان وغسله بماء التوبة، وإلا يذاب بحريق النار حتّى يستحق الجنّة.

وبالجملة كما أن من النجاسات ما ينمحي أثره عن الظاهر بسهولة كجريان ماء عليه.

ومنها: ما لا ينقلع عن محلّه إلا بقالع قوي كالصابون ونحوه، كذلك من المعاصي


1) روضة الكافي 8: 19.

2) أصول الكافي 2: 426 ح 1.

3) أصول الكافي 2: 270 ح 7.

أولها: الندم على ما مضى.

الثاني: العزم على ترك العود إليه أبداً.

الثالث: أن تؤدّي إلى المخلوقين حقوقهم حتّى تلقى اللّه سبحانه أملس ليس عليك تبعة.

الرابع: أن تعمد إلى كلّ فريضة عليك ضيعتها فتؤدي حقها.

الخامس: أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت(1)، فتذيبه بالأحزان حتّى تلصق الجلد بالعظم، وينشأ بينهما لحم جديد.

السادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة، كما أذقته حلاوة المعصية (2).

وفي كلام بعض الأكابر أنه كما لا يكفي في جلاء المرآة قطع الأنفاس والأبخرة المسوّدة لوجهها، بل لابد من تصقيلها وإزالة ما حصل في جرمها من السواد، كذلك لا يكفي في جلاء القلب من ظلمات المعاصي وكدوراتها مجرد تركها


ما يوجب لوثاً ضعيفاً للقلب، ينمحي أثره عن الباطن بسهولة، كما يشير إليه قوله تعالى (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (3).

ومنها ما يستولي على القلب، ولا يكاد يذهب أثره إلا بقالع قوي، وهو التوبة والاستغفار اللذين مثلهما مثل الترياق الأكبر الذي يقلع عن القلب أثر سموم الذنوب، ولذلك وجبت المبادرة إلى قلعه بالتوبة؛ لأنه كلّما بقي إزداد إضراراً ورداءة، فيحتاج في قلعه إلى رياضات شاقة لا يطيقها إلا رجل مرن على الصبر واعتاد بتجرّع غصص الدهر.


1) السحت هو الرشوة، والمراد به هاهنا كل حرام (منه).

2) نهج البلاغة ص 549 رقم الحكمة: 417.

3) سورة هود: 114.

وعدم العود إليها، بل محو آثار تلك الظلمات بأنوار الطاعات، فإنّه كما يرتفع إلى القلب من كلّ معصية ظلمة وكدورة، كذلك يرتفع إليه من كل طاعة نور وضياء. والأولى محو ظلمة كلّ معصية بنور طاعة تضادّها، بأن ينظر التائب إلى سيئاته مفصلة، ويطلب لكلّ سيّئة منها حسنة تقابلها، فيأتي بتلك الحسنة على قدر ما أتى بتلك السيئة، فيكفر استماع الملاهي مثلاً باستماع القرآن والحديث والمسائل الدينية، ويكفر مس خط المصحف محدثاً بإكرامه وكثرة تقبيله وتلاوته، ويكفر المكث في المساجد جنباً بالاعتكاف فيه وكثرة التعبد في زواياه، وأمثال ذلك.

وأما في حقوق الناس، فيخرج من مظالمهم أوّلاً بردّها عليهم والاستحلال


قوله: «من مظالمهم».

فإن قلت: لعله لا يتمكن من الخروج عنها إلى أصحابها: إما لعجزه عن ذلك، أو لنسيانه لها.

قلت: قد ورد في الحديث أنّ من كانت عليه مظلمة ولم يمكنه ردّها على صاحبها والتحلّل منه، وسأل اللّه تعالى أن يقضيها عنه، قضاها اللّه عنه وأرضى صاحبها عنه.

وروى ثقة الاسلام باسناده عن معتب، قال: دخل محمّد بن بشر الوساء على أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يسأله أن يكلم شهاباً أن يخفّف عنه حتّى ينقضي الموسم، وكان له عليه ألف دينار، فأرسل إليه فأتاه فقال له: قد عرفت حال محمّد وانقطاعه إلينا، وقد ذكر أن لك عليه ألف دينار لم تذهب في بطن ولا فرج، وإنما ذهبت ديناً على الرجال ووضائع وضعها، وأنا أحبّ أن تجعله في حلّ، فقال: لعلّك ممّن يزعم أنه يقتص من حسناته فتعطاها، فقال: كذلك في أيدينا، فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : اللّه أكرم

منهم، ثمّ يقابل ايذاؤه لهم بالاحسان إليهم، وغصب أموالهم بالتصدق بماله الحلال، وغيبتهم بالثناء على أهل الدين وإشاعة أوصافهم الحميدة.

وعلى هذا القياس يمحو كلّ سيّئة من حقوق اللّه أو حقوق الناس بحسنة تقابلها من جنسها، كما يعالج الطبيب الأمراض بأضدادها. فنسأل اللّه سبحانه أن يوفقنا لذلك بمنه وكرمه.

استحباب غسل التوبة

تنبيه وتوجيه

إشتهر بين أصحابنا (رضوان اللّه عليهم) إستحباب غسل التوبة بعدها، سواء كانت عن كفر أو فسق.

ومستند الأوّل ما روي عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه أمر ثمامة الحنفي وقيس بن عاصم لما أسلما بالغسل (1).

ومستند الثاني ما رواه الشيخ في تهذيب الأخبار عن الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أن رجلاً جاء إليه، فقال له: إنّ لي جيراناً وله جوارٍ يتغنّين بالعود، فربما دخلت المخرج، فأطيل الجلوس إستماعاً منّي لهنّ.


وأعدل من أن يتقرب إليه عبده فيقوم في الليلة القرّة أو يصوم في اليوم الحارّ، أو يطوف بهذا البيت، ثمّ يسلبه ذلك فيعطاه، ولكن لله فضل كثير يكافيء المؤمن قال: فهو في حل(2).

وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة على أنّ المكافاة والتعويض منه تعالى يكون من غير اقتصاص من حسنات العبد إذا عجز عن ردّ التبعات.


1) راجع: ذكرب الشيعة 1: 202.

2) فروع الكافي 4: 36 - 37 ح 2.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لا تفعل.

فقال: واللّه ما هو شيء آتيه برجلي، إنما هو استماع أسمعه بأذني.

فقال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): تاللّه أنت أما سمعت اللّه يقول: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) ؟

فقال الرجل: كأني لم أسمع بهذه الآية من كتاب اللّه عزّوجلّ من عربي ولا عجمي، لا جرم أني قد تركتها، وأني أستغفر اللّه.

فقال له الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): قم فاغتسل وصل ما بدا لك، فلقد كنت مقيماً على أمر عظيم، ما كان أسوأ حالك لو مت على ذلك! إستغفر اللّه، اللّه، وسله التوبة من كلّ ما یكره، فإنّه لا يكره إلا القبيح، والقبيح دعه لأهله، فإنّ لكلٍّ أهلاً لا (1).

وهذا الخبر رواه الشيخ مرسلاً، ولم أظفر به مسنداً في شيء من كتب الحديث


قوله: «لا تفعل».

ظاهر قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «لا تفعل» يفيد النهي عن إطالة الجلوس لأجل استماع غنائهنّ ولعبهنّ بالعود، فيكون كل واحد منهما بحياله أمراً عظيماً موجباً لسوء العاقبة لولا التوبة والإنابة لا خصوص الأخير منهما، كما سبق إلى بعض الأفهام، بل نزل النهى عليه بعض الأنام.

قوله: «ولم أظفر به».

هذا الحديث مذكور في التهذيب في باب الأغسال في مقام ذكر غسل التوبة من الكبائر بحذف السند (2)، كما في الفقيه (3).


1) تهذيب الأحكام 1: 116 ح 36.

2) تهذيب الأحكام 1: 116 ح 304.

3) من لا يحضره الفقيه 1: 45 ح 177.

التي اطلعت عليها، ولكن إرساله غير مضرّ فيما هو المقصود منه، بناءً على ما تقدّم في الحديث الحادي والثلاثين.

ولا يخفى أنه كما تضمّن الأمر بالفعل، تضمّن الأمر بالصلاة أيضاً. ولم يتعرّض أكثر فقهائنا (رضوان اللّه عليهم) إلا للغسل.

هذا واعلم أنّ أكثر علمائنا أطلق إستحباب الغسل للتوبة، سواء كانت عن الصغائر أو الكبائر. وفي كلام المفيد (طاب ثراه) أنه يستحب للتوبة عن الكبائر (1). واعترضه شيخنا المحقّق الشيخ علي (قدس اللّه روحه) بأنّ الخبر يدفعه (2). وتوضيحه أنّ الخبر صريح في أنّ توبة ذلك الرجل كانت عن استماع الغناء من تلك الجواري، وليس استماع الغناء من الكبائر.


ورواه في الكافي في باب الغناء بطريق موثق هكذا: علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد، قال: كنت عند أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال له :رجل بأبي أنت وأمي إني أدخل كثيفاً ولي جيران وعندهم جوار يتغنين الحديث (3).

وهارون هذا وإن كان له مذهب في الجبر والتشبيه، إلا أنه ثقة وجه، لقي أبا محمّد أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) له كتب يرويها عنه جماعة.

قوله: «عن استماع الغناء»

فيه نظر؛ لأنهم صرّحوا بأنّ استماع الغناء حرام يقدح في العدالة ويفسق مستمعه، ويرد شهادته، فهو مع قطع النظر عن استلزامه استماع صوت الأجنبيات


1) المقنعة ص 51.

2) جامع المقاصد 1: 76.

3) فروع الكافي 6: 432 ح 10.

ويخطر بالبال أنّ هذا الكلام غير وارد على المفيد (رحمه الله)؛ لأنّ في الخبر دلالة على أنّ ذلك الرجل كان مصرّاً على الاستماع، كما يظهر من قوله: «ربما


وصوت العود وغيره من آلات اللهو والكبائر أصرّ فيه أم لا؛ إذ الصغيرة لا تقدح في العدالة إلا على وجه الإصرار، فلا حاجة في الذنب عمّا أفاده المفيد (طاب ثراه) إلى ذلك التطويل، ولعلّ مراد المحقّق الثاني الشيخ علي (رَحمهُ اللّه) من الخبر غير هذا، واللّه يعلم.

قوله: «لأنّ في الخبر دلالة على أنّ ذلك الرجل كان مصرّاً على الاستماع».

دلالة الخبر على كونه مصرّاً عليه ممنوعة، كيف؟ وهو يقول: واللّه ما هو شيء أتيته برجلي إنما هو سماع أسمعه بأذني. فإنّه صريح في أن دخوله هذا المخرج قليلاً كان أم كثيراً ما كان لقصد الاستماع، بل إنما كان لغرض آخر، كقضاء حاجة من بول أو غائط، إلا أنه لما دخله وسمع صوتهنّ حدث فيه ميل ورغبة إلى استماعه، فأطال الجلوس استماعاً منه لهنّ، ففيه نوع إشعار بميله ورغبته إلى السماع، ولذلك هدّد ومنع ومنع عن ذلك، وقيل له: لقد كنت مقيماً على أمر عظيم من ميلك إلى ما نهى اللّه عنه من استماع صوت العود والغناء، ولا إشعار فيه بكونه مصرّاً عليه، وإنما هو من باب المبالغة والتأكيد في التهديد، كما في النائم وحده، والأكل وحده.

على أنّ «ربّ» كلمة اختلفت أقوال أهل الأدب فيها، فقيل: هي للتقليل، وقيل: للتكثير، وقيل لهما.

فعلى تقدير تسليم كونه للتكثير، فقرينة التقليل هنا موجودة هي دخول المخرج، فإنّه قلما يتفق هو مع قلّة اتفاق الغناء منهنّ والضرب بالعود وهو فيه أيضاً، فإنّ كلمة «ربّ» التي مدار الاستدلال عليها لم توجد في الحديث المروي

دخلت المخرج، فأطيل الجلوس استماعا لهنّ» فإنّ «ربّ» تأتي في الأغلب للتكثير، كما صرّح به في مغنى اللبيب (1)، بل ذكر الشيخ الرضي (رحمه الله): أنّ التكثير صار لها كالمعنى الحقيقي، والتقليل كالمعنى المجازي المحتاج إلى القرينة (2).

وقد صرّح شيخنا الشهيد (طاب ثراه) في قواعده بأنّ الإصرار يحصل بالإكثار من الصغائر بلا توبة (3). ولا ريب أنّ الإصرار على الصغيرة كبيرة.

وقول الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «لقد كنت مقيماً على أمر عظيم، ما كان أسوأ حالك لو مت على ذلك» يشعر بما قلناه.

على أنّ المنقول عن المفيد (طاب ثراه) القول بأنّ الذنوب كلّها كبائر؛ لاشتراكها


بالسند الموثق، كما في الكافي، وإنّما وجدت في المرسل، والمراسيل مطلقا حتّى مراسيل محمّد بن أبي عمير غير معتبرة في باب الأحكام عند المحققين، بل توقف بعضهم في العمل بالمولّق أيضاً، وكونه غير مضرّ بأصل المقصود، وهو استحباب غسل التوبة بعدها، فيدخل تحت حديث «من بلغه شيء من الثواب على شيء من العمل» مسلّم ولكنّهم يستنبطون منه أحكاماً أخر، فتدبر.

قوله: «بالإكثار».

هذا هو المعروف بالإصرار الفعلي، وهو المداومة والإكثار على واحد من الصغائر بلا توبة. وأما الإصرار الحكمي، فهو العزم على فعلها بعد الفراغ منها، سواء كان المعزوم عليه من جنس المفعول أم لا.


1) مغني اللبيب 1: 134.

2) الكافي للشيخ الرضي 2 230.

3) القواعد والفوائد 1: 227.

في الخروج عن طاعة اللّه سبحانه كما ورد في الحديث: «لا تنظر إلى ما فعلت وانظر إلى من عصيت» (1)وأنه ربما يطلق الكبير والصغير على الذنب بالإضافة إلى ما تحته وما فوقه كتقبيل الأجنبية بالنسبة إلى النظر والوطىء، على ما مرّ تفصيله في الحديث الثلاثين.

ولا ريب أنّ ما صدر عن ذلك الرجل كان معصية متضمنة لثلاثة أنواع من المعاصي: إستماع صوت الأجنبيات، وصوت العود، والغناء، فهي كبيرة نظراً إلى كل منها، بل استماع غنائهنّ كبيرة نظراً إلى استماع صوتهنّ.

هذا وبما ذكرناه في هذا المقام يندفع أيضاً ما أورده شيخنا الشهيد الثاني(2)(طاب ثراه) على من قيّد التوبة المستحبّ لها الغسل بما كانت عن كفر أو فسق، من لزوم عدم استحباب الغسل للتوبة عن الصغيرة بالنادرة، فإنّها ليست فسقاً لعدم إخلالها بالعدالة مع شمول النص لغسل التوبة منها (3).

خاتمة

الذنب إن لم يستتبع أمرا آخر يلزم الاتيان به شرعاً، كلبس الحرير مثلاً كفى الندم عليه، والعزم على عدم العود إليه، ولا يجب شيء آخر سوى ذلك. وإن استتبع أمراً آخر من حقوق اللّه أو حقوق الناس مالي أو غير مالي، وجب مع التوبة الاتيان به، وربما كان المكلّف مخيّراً بين الاتيان بذلك الأمر وبين الإكتفاء


1) أوائل المقالات للشيخ المفيد ص 83.

2) شرح اللمعة الدمشقية 1: 687.

3) وفيه أيضاً أنّ عند الإخلال بالعدالة لا يستلزم عدم كونها فسقاً، وكون كلّ فسق مخرجاً عن العدالة ممنوع، وإنما هو الفسق بفعل الكبيرة، والمنع من تسمية فاعل الصغيرة بادراً فسقاً إصطلاح طارٍ؛ إذ ليس الفسق إلا الخروج عن الطاعة، كما هو المذكور في الكتب الكلامية، فتدبّر (منه).

بالتوبة من الذنب المستتبع له.

فحقوق اللّه المالية كالعتق في الكفّارة مثلاً يجب الاتيان بها مع القدرة. وغير المالية إن كان غير حدّ كقضاء الفوائت وصوم الكفّارة فكذلك.

وإن كان حدّاً، فالمكلّف مخيّر إن شاء أقرّ بالذنب عند الحاكم فيقام عليه، وإن شاء ستره واكتفى بالتوبة منه، فلا حدّ عليه، إن تاب قبل قيام البينة به عند الحاكم. وأمّا حقوق الناس المالية، فتجب تبرأة الذمة منها بقدر الإمكان، فإن مات صاحب الحق، فورثته في كلّ طبقة قائمون مقامه، فمتى دفعه إليهم هو أو ورثته أو أجنبي متبرع برأت ذمته، وإن بقي إلى يوم القيامة، فلفقهائنا (رضوان اللّه عليهم) في مستحقه وجوه :

الأول: أنه لصاحبه الأوّل.

الثاني: أنه لآخر وارث ولو بالعموم كالامام.

الثالث: أنه ينتقل إلى اللّه سبحانه


قوله: «وإن كان حداً».

أي: يقتص من حسناته إن كانت له حسنات، وإلا فيضاعف عليه من سيئاته، وهذا لا ينافيه ما نقلناه في بعض الحواشي السابقة عن الكافي عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أنّ اللّه تعالى لا يقتص من حسنات العبد إذا عجز عن ردّ التبعات، بل يرضى صاحبها عنه، ويكافئه من عنده، ويعوّضه من خزانة رحمته؛ لأنه ورد في من عليه دين ولم يمكنه ردّه على صاحبه، وهذا وارد في من تمكن من رده على صاحبه، لكنّه ماطله حتّى مات ولم يرده على وارثه ولم يقض عنه بعد موته، فالميت يأخذه منه في الآخرة.

والأوّل هو الأصح، وقد دلّت عليه الرواية الصحيحة عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)(1).

وأمّا حقوقهم الغير المالية، فإن كان إضلالاً وجب الإرشاد.


قوله: «وجب الارشاد».

على تقدير إمكان الارشاد بالنظر إلى الأحياء، فكيف يمكن بالنظر إلى الأموات، فلو كانت صحة توبته موقوفة على الارشاد كما يظهر من بعض الأخبار، لزم منه عدم قبولها إذا لم يرجع الضال عن ضلالته، أو مات عليها، و هو على قواعد الأصحاب مشكل، ولذلك لم يجعله وما شبهه شرطاً لصحة التوبة كما سيصرح به.

وأما ما رواه هشام بن الحكم وأبو بصير، عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ): قال: كان رجل في الزمن الأوّل طلب الدنيا من حلال فلم يقدر عليها، وطلبها من حرام فلم يقدر عليها فأتاه الشيطان فقال له : يا هذا إنّك قد طلبت الدنيا من حلال فلم تقدر عليها، فطلبتها من حرام فلم تقدر عليها، أفلا أدلك على شيء تكثر به دنياك وتكثر به تبعك؟ فقال: بلى، قال: تبتدع ديناً وتدعو إليه الناس، ففعل، فاستجاب له الناس، فأطاعوه، فأصاب من الدنيا.

ثم إنه فكّر، فقال: ما صنعت، ابتدعت ديناً ودعوت الناس إليه، وما أرى لي توبة إلا أن آتي من دعوته فأردّه عنه، فجعل يأتي أصحاب الذين أجابوه فيقول: إن الذي دعوتكم إليه باطل، وإنّما ابتدعته، فجعلوا يقولون له : كذبت هو الحق


1) هذه الرواية رواها عمر بن يزيد عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : إذا كان للرجل على الرجل دین فمطله حتّى مات، ثمّ صالح ورثته على شيء، فالذي أخذ الورثة لهم وما بقي فهو للميت، يستوفيه منه في الآخرة. وإن كان هو لم يصلحهم على شيء حتّى مات ولم يقض عنه، فهو للميت يأخذه منه (منه).

وإن كان قصاصاً، وجب إعلام المستحق له وتمكينه من استيفائه، فيقول له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أنا الذي قتلت أباك مثلاً، فإن شئت فاقتص مني، وإن شئت فاعف عنّي. وإن كان حقاً كما في القذف، فإن كان المستحق له عالماً بصدور ما يوجبه وجب التمكين أيضاً، وإن كان جاهلا به فهل يجب إعلامه به؟ وجهان: من كونه حق آدمي فلا يسقط إلا بإسقاطه، ومن كون الإعلام تجديداً للأذى، وتنبيهاً على ما يوجب البغضاء. ومثل هذا يجري في الغيبة أيضاً، وكلام المحقّق الطوسي وتلميذه العلّامة (طاب ثراه)ما يعطي عدم وجوب الإعلام بها (1).

واعلم أنّ الاتيان بما يستتبعه الذنوب من قضاء الفوائت وأداء الحقوق، والتمكين من القصاص والحد ونحو ذلك، ليس شرطاً في صحة التوبة، بل هذه واجبات برأسها، والتوبة صحيحة بدونها، وبها تصير أكمل وأتم.


ولكنّك شككت في دينك فرجعت عنه، فلما رأى ذلك عمد إلى سلسله فوتد لها وتداً ثمّ جعلها في عنقه، وقال: لا أحلّها حتّى يتوب اللّه عليّ.

فأوحى اللّه إلى نبي من الأنبياء: قل لفلان وعزّتي وجلالي لو دعوتني حتّى تنقطع أوصالك ما استجبت لك حتّى تردّ من مات على ما دعوته إليه فيرجع عنه (2).

وهذا يدلّ على عدم قبول توبة المضلّ؛ لأنّ ضرره تعدّى إلى الناس، فالظاهر أنه كان في شرع من قبلنا، فلا يكون حجة علينا، أو يكون مبالغة.


1) کشف المراد ص 422.

2) من لا يحضره الفقيه 3: 572 - 573 ح 4958.

وأما التوبة المبعضة والمؤقتة والمجملة، فمختلف فيها. والأصح صحة المبعضة، وإلا لما صحت عن الكفر مع الإصرار على الصغيرة.

وأما المؤقته كأن يتوب عن الذنب سنة، فاشتراط العزم على عدم العود أبداً يقتضي بطلانها.


قوله: «وأما التوبة المبعضة».

اختلف في أن التوبة هل تصح من قبيح دون قبيح وتسمّى المبعضة أم لا، فذهب أبوهاشم وجماعة إلى عدم الصحة؛ لأنّ التوبة عن القبيح إنما هو لقبحه وهو عام، فلو تاب من قبيح دون قبيح، كشف ذلك عن كونه تائباً لا لقبحه، وذهب الجمهور من الفريقين إلى الصحة؛ لأنّ الأفعال تقع بحسب الدواعي وتنتفي بحسب الصوارف.

فإذا ترجّح الداعي وقع الفعل، فجاز أن يرجّح فاعل القبائح دواعيه إلى الندم عليها، وذلك بأن يقترن بعض القبائح بأمر زائد كعظم الذنب أو كثرة الزواجر عنه، أو الشناعة عند العقلاء عند فعله، فإنّ الأفعال الكثيرة قد تشترك في الدواعي، ثمّ يؤثر صاحب الدواعي بعض تلك الأفعال على بعض بأن يرجح دواعيه إلى ذلك الفعل بما يقترن به من زيادة الدواعي فلا استبعاد في كون قبح الفعل داعياً إلى الندم على ذلك البعض.

ولو اشتركت القبائح في قوة الدواعي اشتركت في وقوع الندم، ولم يصح الندم على بعض دون آخر.

وقال العلّامة (طاب ثراه) ولأن اليهود لو سرق درهماً ثمّ تاب عن اليهودية دون

وأما المجملة كأن يتوب عن الذنوب على الإجمال من دون تفصيلها، وهو ذاكر للتفصيل، فقد توقف فيها المحقّق الطوسي (1). والقول بصحتها غير بعيد؛ إذ لا دليل على اشتراط التفصيل. واللّه أعلم بالصواب


السرقة، فإنه يكون مسلماً بالاجماع (2).

ثم اختلفوا في التوبة الموقتة مثل أن لا يذنب إلى سنة، فذهب بعضهم إلى بطلانها؛ لأنه إذا ندم على ذنب في وقت لم يندم عليه لقبحه، وإلا ندم عليه في جميع الأوقات، وإذا لم يكن ندمه لقبحه لم يكن توبة.

وذهب آخرون إلى صحتها كما في الواجبات، فإنه قد يأتي المأمور ببعضها في بعض الأوقات دون بعضها، ويكون المأتي به صحيحاً في نفسه بلا توقف على غيره، مع أن العلة المقتضية للاتيان بالواجبات هي كون الفعل حسناً واجباً، غايته أنه إذا عصى بعد ذلك جدّد ذلك الذنب وجب توبة أخرى.

والحق أن اشتراط العزم على عدم العود أبداً يقتضي بطلانها، فمن اشترطه وهم الشيعه والمعتزله قال بالبطلان، ومن لم يشترطه وهم الأشاعرة قال بالصحة.

قوله: «وأمّا المجملة».

ذهب بعض المعتزلة إلى أنّ التائب إن كان عالماً بذنوبه على التفصيل وجب عليه التوبة عن كلّ واحد منها مفصلاً، وإن علم بعضها مفصلاً وبعضها مجملاً وجب عليه التفصيل فيما علم مفصلاً والاجمال فيما علم مجملاً.


1) کشف المراد ص 422.

2) راجع كشف المراد ص 420 - 421.

الحديث التاسع والثلاثون : تجسّم المال والأولاد والأعمال للإنسان حين الموت

إشارة:

وبالسند المتّصل إلى الشيخ الجليل عماد الاسلام محمّد بن يعقوب الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، والحسن بن علي جميعاً، عن أبي جميلة مفضّل بن صالح، عن جابر، عن عبدالأعلى، وعلي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة، قال:


الحديث التاسع والثلاثون

قوله: «وبالسند المتّصل» إلى قوله «عن سويد بن غفلة».

السند الأوّل ضعيف بأبي جميلة، والثاني مجهول بإبراهيم بن عبدالأعلى، فإنّه مهمل، وكذا سويد بن غفلة بالمجمعين فرداً مهمل في أصول أصحابنا، إلا أنه نقل عن الذهبي أنه قدم المدينة حين دفن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ثقة إمام زاهد قوام، توفي سنة إحدى وثمانين، ولد عام الفيل (1).


1) غير موجود في ميزان الاعتدال للذهبي، وراجع تهذيب التهذيب للعسقلاني 4: 278 – 279.

قال أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إن ابن آدم إذا كان في آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة، مثل له ماله وولده وعمله، فيلتفت إلى ماله، فيقول: واللّه إني كنت عليك حريصاً شحيحاً، فمالي عندك؟ فيقول: خذ مني كفنك.

قال: فيلتفت إلى ولده، فيقول: واللّه إني كنت لكم محبّاً، وإني كنت عليكم محامياً، فمالي عندكم؟ فيقولون: نؤديك إلى حفرتك فنواريك فيها.

قال: فيلتفت إلى عمله، فيقول: واللّه إني كنت فيك لزاهداً، وإنك كنت عليّ لثقيلاً، فما عندك؟ فيقول: أنا قرينك في قبرك ويوم نشرك، حتّى أعرض أنا وأنت على ربّك.

قال: فإن كان اللّه ولياً، أتاه أطيب الناس ريحاً، وأحبّهم منظراً، وأحسنهم رياشاً، فقال: أبشر بروح وريحان، وجنّة نعيم، ومقدمك خير مقدم، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح، إرتحل من الدنيا إلى الجنّة، وأنه ليعرف غاسله، ويناشد حامله أن يعجله.

فإذا دخل قبره أتاه ملكا القبر يجرّان أشعارهما، ويخدان الأرض بأقدامهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف فيقولان له: من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: اللّه ربّي، وديني الاسلام ونبيي محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).

فيقولان: ثبتك اللّه فيما تحب وترضى، وهو قول اللّه عزّوجلّ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ


وفي كتاب الاستيعاب هكذا: شهد سويد بن غفلة مع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) صفين، وتزوّج جارية بكراً وهو ابن مائة وست عشرة سنة فافتضّها، وكان يختلف إليها وقد أتت عليه سبع وعشرون ومائة سنة، سكن الكوفة ومات بها في زمن الحجاج (1).


1) الاستيعاب 2: 116 - 117 المطبوع على هامش الاصابة.

الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) (1)ثمّ يفسحان له في قبره مدّ بصره، ثمّ يفتحان له باباً إلى الجنّة، ثمّ يقولان: نم قرير العين نوم الشاب الناعم، فإنّ اللّه عزّوجل يقول: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا) (2).

قال: وإذا كان لربه عدوّاً، فإنّه يأتيه أقبح من خلق اللّه زياورؤياً، وأنتنه ريحاً، فيقول له: أبشر بنزل من حميم وتصلية جحيم. وإنّه ليعرف غاسله، ويناشد حملته أن يحبسوه.

فإذا دخل القبر أتاه ممتحنا القبر، فألقيا عنه أكفانه، ثمّ يقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك ؟ فيقول: لا أدري.

فيقولان لا دریت، ولا هدیت، فیضربان يافوخه بمرزبة معهما ضربة ما خلق اللّه عزّوجلّ من دابة إلا وتذعر لها ما خلا الثقلين، ثمّ يفتحان له باباً إلى النار، ثمّ يقولان له: نم بشرّ حال (فيه من الضيق مثل ما فيه القنا من الزج، حتّى أنّ دماغه ليخرج من بينم ظفره ولحمه) (3)ويسلّط اللّه عليه حيات الأرض وعقاربها وهوامها فتنهشه، حتّى يبعثه اللّه من قبره (4).

بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث

(مثل له ماله وولده وعمله) «مثل» بالبناء للمفعول وتشديد الثاء المثلثة


1) سورة إبراهيم: 26.

2) سورة فرقان: 26.

3) ما بين الهلالين ساقط من الأربعين.

4) فروع الكافي 3: 231 - 233 ح 1.

أي: صوّر له كلّ من الثلاثة بصورة مثالية يخاطبها وتخاطبه. ويجوز أن يراد بالتمثيل خطور هذه الثلاثة بالبال وحضور صورها في الخيال، وحينئذ تكون المخاطبة بلسان الحال الذي هو أفصح من لسان المقال.

(إني كنت حريصاً شحيحاً) الشح بتثليث أوّله: البخل مع الحرص.

(نؤديك) بالهمزة أي نوصلك.

(إنّي كنت فيك لزاهد) الزهد في الشيء ضدّ الرغبة فيه. وماضيه مثلث العين.

(وأحسنهم رياشاً) بكسر الراء المهملة وبعدها ياء مثناة تحتانية وبعد الألف شين معجمة: اللباس الفاخر.

(أبشر بروح وريحان وجنّة نعيم) الروح بفتح أوله الراحة، وبضمه الرحمة أو


قوله: «أي صوّر له».

لا مانع بالنسبة إلى قدرة اللّه القادر أن يخلق لكل من هذه الثلاثة مثالاً بصورته، وهذه الأمثلة يكلّمون المحتضر ويخاطبونه، وهذا هو الظاهر من الحديث، ومن لفظ التمثيل يقال مثلت له تمثيلاً إذا صوّرت له مثاله بالكتابة وغيرها.

ويمكن أن يكون المراد أن صورها ترتسم في الحس المشترك بحيث يشاهدها المحتضر ويكلّم معها كما في المبرسم، أو المراد أنه يعلم في تلك الحال ثمرات الأموال والأولاد والأعمال ومنافعها ومضارها من حيث العاقبة والمآل فيكون حضورها وتكلّمه معها استعارة تمثيلية أو تشبيهاً للمعقول بالمحسوس، ولا يخفى أنّ الوجهين الأخيرين بعيدان عن سياق الخبر، فتدبّر.

قوله: «وبضمّه الرحمة».

لأنها كالروح للمرحوم. وعن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن هذه الآية نزلت في أهل ولا يتنا

الحياة الدائمة.


وأهل عداوتنا (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ) يعني في قبره (وَجَنَّتُ نَعِيمٍ) يعني في الآخرة (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ) يعني في قبره لا عند موته (1).

ويدلّ عليه أيضاً حديث سويد هذا حيث بشّر فيه هذا الآتي لهذا الولي اللّه عند موته بروح وريحان والبشارة إخبار بما يسرّ لا إحضار لما يسرّ.

ومثله ما في أمالي الصدوق (رَحمهُ اللّه) بإسناده إلى الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال : إذا مات المؤمن شيّعه سبعون ألف ملك إلى قبره، فإذا أدخل قبره أتاه منكر ونكير فيقعدانه ويقولان له: من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيّك ؟ فيقول: اللّه ربّي، ومحمّد نبيي، والاسلام ديني، فيفسحان له في قبره مدّ بصره، ويأتيانه بالطعام من الجنة، ويدخلان عليه الروح والريحان، وذلك قول اللّه عزّوجل (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ) يعني في قبره (وَجَنَّتُ نَعِيمٍ) يعني في الآخرة (2).

وفيه دلالة على أن المراد بالريحان في الآية غير الرزق الطيب إن أريد به الطعام، كما هو المتبادر منه، فالمراد إمّا هذا النبت المشهور الطيب الرائحة، أو كلّ نبت كذلك يؤتى به الميت في قبره ليشمّه إكراماً وإجلالاً.


1) بحار الأنوار 68: 9 - 10 ح 6.

2) بحار الأنوار 6: 222 ح 22 عن أمالي الصدوق.

وقد قرىء بالوجهين في قوله تعالى: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ * وَجَنَّتُ نَعِيمٍ) (1). وروى في الكشّاف قراءة الضمّ عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (2).

ورواها في مجمع البيان عن الامام محمّد بن علي الباقر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أيضاً، وفسر الريحان في الآية بالرزق الطيب (3).

ونقل الشيخ أبو علي الطبرسي عن بعضهم أنه الريحان المشموم يؤتى به عند الموت من الجنّة فيشمّه (4).

(فيقول أنا عملك الصالح) روى في الكافي في حديث آخر عن الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : فيقول: «أنا رأيك الحسن الذي كنت عليه، وعملك الصالح الذي كنت تعمله» (5)وهذا صريح في تجسّم الاعتقاد أيضاً في تلك النشأة.

(إرتحل) بصيغة فعل الأمر.

(وانه ليعرف غاسله) هنا فعل مقدّر يدلّ عليه السياق، والواو حالية، والتقدير: فيرتحل والحال أنه ليعرف غاسله ويحتمل أن يكون عاطفة على أتاه فلا تقدير.

(و يناشد حامله) في الصحاح : نشدت فلاناً: إذا قلت: نشدتك اللّه، أي: سألتك بالله (6).

(يخدّان الأرض) بالخاء المعجمة المضمومة والدال المهملة المشدّدة، أي:


1) سورة الواقعه 87 – 88.

2) الكشّاف 4: 470.

3) مجمع البيان 5: 229.

4) مجمع البيان 5: 229.

5) فروع الكافي 3: 242 ح 1.

6) صحاح اللغة 2: 543.

يشقانها.

(والرعد القاصف) الشديد الصوت.

(ومن نبيك) في كثير من أحاديثنا المروية في الكافي وغيره أنه يسأل عن إمامه أيضاً (1). ولعلّ مولانا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، لم يذكر ذلك اكتفاء بشهرته، وهضماً لنفسه المقدّسة سلام اللّه عليه.

وروى أصحابنا: أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لما دفن فاطمة بنت أسد (رضي اللّه عنها) لقنها،


قوله: «إنّه يسأل عن إمامه».

لعله أراد أنه يسأل عن إمام زمانه لا غير، فإنّ الأخبار المذكورة في الكلام مع أنها بين ضعيف ومرسل ومرفوع لا يفيد أكثر من ذلك.

ففي ضعيفة أبي بكر الحضرمي عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: قلت: وعم يسألون؟ قال: عن الحجّة القائمة بين أظهركم، فيقال للمؤمن ما تقول في فلان ابن فلان؟ فيقول: ذلك إمامي، فيقال: نم أنام اللّه عينك الحديث (2).

وفي مرسلة إبراهيم بن أبي البلاد عن الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فيقال له: من إمامك؟ فيقول : فلان (3).

ومثله في ضعيفة أبي بصير (4).

ويؤيده «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية» (5).


1) فروع الكافي 3: 239 ح 12.

2) فروع الكافي 3: 237 ح 8.

3) فروع الكافي 3: 238 ح 11.

4) فروع الكافي 3: 239 ح 12.

5) أصول الكافي 2: 21 ح 9.

وقال لها : إبنك إبنك (1).

(فيما تحبّ وترضى) على صيغة الغائب أو المخاطب.

(وهو قول اللّه عزّوجلّ) يجوز عود الصغير لقول الملكين: «ثبتك اللّه... إلى آخره» والمضاف محذوف، والتقدير هو مدلول قول اللّه عزّوجلّ. والأولى عوده إلى تثبت المؤمن على ما يجيب به الملكين، كما يدل عليه ما روي عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه ذكر قبض روح المؤمن، فقال: ثمّ تعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان، فيجلسان في قبره، ويقولان له: من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيك ؟ فيقول: ربّي اللّه، وديني الاسلام ونبيي محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي. فذلك قوله تعالى : (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) (2).

وما روى عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إن المسلم إذا سئل في القبر، يشهد أن لا إله إلا اللّه، وأنّ محمّداً رسول الله.فذلك قول اللّه تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) (3).

(ثمّ يفسحان في قبره مدّ بصره) فسح له يفسح بالفتح: أي وسع له. والفسحة بالضم: السعة. والمراد بمد البصر مداه وغايته التي ينتهي إليها.

ولا منافاة هذا بين وبين ماروي عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : « يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين»(4)».

وما رواه في الكافي عن الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ):


1) مستدرك وسائل الشيعة 2: 342 ح 2.

2) الدر المنثور 4: 78.

3) صحيح البخاري 6: 100.

4) سنن الترمذي 3: 383.

يفسح له في قبره سبعة أذرع (1)لاختلاف الفسحة باختلاف الدرجات، فلعلّ فسحة الأدنى سبعة أذرع والأوسط سبعون، والأعلى مد البصر.

(ثم يفتحان له باباً إلى الجنّة) فلا يزال يأتيه من روحها وطيبها إلى يوم القيامة، كذا في أحاديث أخر مروية في الكافي(2)وغيره (3).

(ثم يقولان له: نم قرير العين) قرّة العين: برودتها، وانقطاع بكائها، ورؤيتها ما كانت مشتاقة إليه، والقرّ بالضم: ضدّ الحر.

والعرب تزعم أنّ دمع الباكي من شدّة السرور بارد، ودمع الباكي من الحزن حارّ، فقرّة العين كناية عن الفرح والسرور والظفر بالمطلوب، يقال: قرّت عينه يقرّ بالفتح والكسر قرّه بالفتح والضمّ.


قوله: «إنّ دمع الباكي من شدّة السرور بارد ودمع الباكي من الحزن حارّ».

إعلم أن كلا من الفرح والحزن قد يوجب الدمع، إلا أن الحاصل من الفرح بارد ومن الحزن حارّ؛ لأنّ الفرح كيفية تتبعها حركة الروح إلى خارج البدن قليلاً قليلاً طلباً للوصول إلى الملذ، فإذا تحرّك الروح إلى الخارج انفصل أجزاء الشؤون والمفاصل بعضها عن بعض، فتخرج الرطوبات الباردة المحتبسة في الدماغ.

والحزن كيفية تتبعها حركة الروح إلى الداخل قليلاً قليلاً هرباً من المؤذي، فإذا انقبض الروح متراجعاً نحو الدماغ عصر شيئاً من الرطوبات الباقية على سخونتها السابقة.

فظهر أنّ هذا ليس مستنداً إلى مجرّد زعمهم، بل له وجه عقلي كما عرفت.


1) فروع الكافي 3: 238 ح 9.

2) فروع الكافي 3: 131 ح 4.

3) الدر المنثور 4: 78.

(نوم الشاب الناعم) من النعمة بالكسر، وهى ما يتنعم به من مال ونحوه، أو بالفتح و هي نفس التنعم، ولعلّ الثاني أولى، فقد قيل : كم ذي نعمة لا نعمة له.

(فإنّ اللّه عزّوجل يقول) هذا الكلام يحتمل أن يكون من كلام الامام الا ويكون كالمؤيد لما تضمّنه الكلام السابق من الفسحة وفتح الباب إلى الجنّة ونومه قرير العين، وأن يكون من مقول قول الملكين.

(أصحاب الجنّة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلا) المراد اليوم المذكور في قوله سبحانه قيل هذه الآية: (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا) (1).

وهذا الحديث يدلّ على أنّ المراد بذلك اليوم يوم الموت، وبالملائكة: ملائكة الموت. وهو قول كثير من المفسّرين. وفسّر بعضهم ذلك اليوم بيوم القيامة والملائكة بملائكة النار.

والمراد بالمستقرّ : المكان الذي يستقرّ فيه. وبالمقيل: مكان الاستراحة، مأخوذ من مكان القيلولة.

ويحتمل أن يراد بأحدهما الزمان أي مكانهم وزمانهم أطيب ما يتخيّل من


قوله: «وأحسن مقيلا».

قيل: هو من القائلة، وهو استكنان في وقت نصف النهار. وعن الأزهري القيلولة والمقيل هي الاستراحة وإن لم يكن نوم يدلّ على ذلك «أحسن مقيلا» لأنّ الجنّة لا نوم فيها، والمشهور أنّ القيلولة هي النوم عند الظهيرة. وفي الحديث «لا أقيل حتّى تزول الشمس» (2).


1) سورة الفرقان: 22.

2) مجمع البحرين 5: 459.

الأمكنة و الأزمان، ويحتمل المصدرية فيهما أو في أحدهما.

المراد من حديث من محض الايمان محضاً

(وإذا كان لربّه عدواً) الظاهر أنّ المراد به ما يشتمل الكافر والفاسق المتمادي في فسقه.

وقد روى في الكافي عن الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) بطرق عديدة لا يخلو بعضها من اعتبار أنه «لا يسأل في القبر إلا من محض الايمان محضاً أو محض الكفر محضا» (1).


قوله: «وقد روى في الكافي».

هذا الحديث مذكور في فروع الكافي في باب المسألة في القبر ومن يسأل ومن لا يسأل بطرق ثلاثة عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ):

أحدها: هو ما رواه عن محمّد بن مسلم، صحيح سنده (2).

وثانيها: هو ما رواه عن عبدالله بن سنان، ضعيف بسهل بن زياد الآدمي الرازي (3).

وثالثها: ما رواه عن أبي بكر الحضرمي (4)، حسن معتبر على المشور، وصحيح أيضاً عندنا.

ورواه أيضاً بسند آخر موثق بعبدالله بن بكير عن أبي جعفر (5).

وفي بعض هذه الروايات في تتمّة الحديث: والآخرون يلهون عنهم.


1) فروع الكافي 3: 235 ح 1.

2) فروع الكافي 3: 236 ح 4.

3) فروع الكافي 3: 235 ح 2.

4) فروع الكافي 3: 235 ح 1.

5) فروع الكافي 3: 235 ح 3.

----------------------------------------------------------------------

وفي الفقيه والباقون ملهو عنهم إلى يوم القيامة (1).

والمراد أنّ المسؤول في القبر إنّما هو المؤمن الخالص ايمانه والكافر الخالص كفره، اللذين لا شكّ ولا اضطراب لهما في دينهما. وأما من كان له اضطراب أو كان ايمانه مشوباً بالكفر، أو كفره مشوباً بالايمان، فهو لا يسأل في القبر، بل يلهى عنه إلى يوم القيامة.

هذا هو الظاهر من الحديث، ومن كلام الشيخ الكليني (رَحمهُ اللّه) حيث قال: باب من يسأل ومن لا يسأل، ومن كلام الشيخ البهائي (قدّس سرّه) أيضاً حيث إنه ذكر الحديث لإخراج الفاسق المتمادي في الفسق بعد ما عمّم العدوّ لربه على وجه شامل للكافر وهذا الفاسق.

ومن الأصحاب من جعل لفظة «جرّ» وكلمة «محض» في الموضعين مصدراً وقال في تفسير تتمة الحديث، وهي قوله «والباقون ملهو عنهم» أي: ما سوى الايمان والكفر من الأعمال كالصلاة والزكاة غير مسؤول عنها في القبر، وعبّر عنه بضمير العاقل باعتبار أنّ حقيقة السؤال يتعلّق بفاعل تلك الأعمال، فأعطوها حكمه، وشيوع تعدية السؤال ب-«عن» لا ينفي صحة تعديته ب-«من» لكمال التناسب بين معنييهما، فقد يبدل أحدهما بالآخر بلا كلفة، كما في دعاء الصحيفة لأهل الثغور، ففي نسخة: «فزعهم عن محاربتهم لعبادك» وفي أخرى: «من محاربتهم» وغايته أن يكون هنا مجازاً.

ويحتمل أن يكون للتعليل، أي: لا يكون السؤال إلا بسبب الايمان والكفر.


1) من لا يحضره الفقيه 1: 178 ح 530.

----------------------------------------------------------------------

وأنت خبير بما فيه من التكلّف وعدم المناسبة بما في الكافي من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «والآخرون يلهون عنهم» وخاصة بما في رواية أبي بكر الحضرمي، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : قلت من المسؤولون في قبورهم؟ قال: من محض الايمان ومن محض الكفر، قال: قلت: فبقية هذا الخلق؟ قال: يلهي واللّه عنهم ما يعبا بهم (1).

نعم يناسبه ما في روايتين أخريين، أو من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «وأما ما سوى ذلك فيلهي عنه».

ثمّ قال: ويحتمل أن يكون موصولاً ومحض فعلاً صلته، فالمعنى ان المسؤول من كان مؤمناً من حيث هو مؤمن، أو كافراً من حيث هو كافر، فيرجع إلى أنّ الميت مسؤول عن محض ایمانه و محض كفره دون باقي أعماله، فيكون المراد بالباقون الباقين بالاعتبار، أي: هم لا باعتبار الايمان والكفر غير مسؤول عنهم؛ إذ الشخص من حيث هو معروض للايمان وفرد للمؤمن غيره من حيث معروض للصلاة وفرد للمصلّي؛ لأنّ الصفة والنسبة إليها داخلة في المحكوم عليه، فبالاعتبار الأوّل مسؤول دون الثاني، فيكون بالاعتبار الثاني داخلاً في الباقي.

وفيه أيضاً من التكلّف ما لا يخفى.

ثم قال: وأما الحمل على أن المراد بالباقين من لا يكون مؤمناً و لا كافراً، فينفيه أن المكلّف ليس خارجاً عنهما؛ لأنّ الكفر عدم الايمان عمّن من شأنه الايمان، إلاّ أن يراد بالايمان الايمان الكامل.


1) فروع الكافي 3: 237 ح 8.

(أقبح من خلق اللّه زيّاً) في الكافي في حديث آخر عن الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ): «فيقول له: يا عبد اللّه من أنت؟ فما رأيت شيئاً أقبح منك! فيقول: أنا عملك السيّء الذي كنت تعمله ورأيك الخبيث»(1).

والزيّ بكسر الزاي المعجمة وتشديد الياء الهيئة.

(أبشر بنزل من حميم وتصلية جحيم) البشارة هنا على سبيل التهكم، كقوله تعالى: (فبشرهم بعذاب أليم) (2).

والنزل بضمّتين : ما يعدّ للضيف النازل على الشخص من الطعام والشراب. وفيه تهكم أيضاً.

والحميم: الماء الشديد الحرارة يسقى منه أهل النار، أو يصبّ على أبدانهم. والأنسب بالنزل السقي.

والتصلية: التلويح على النار.

(أتاه ممتحنا القبر) إضافة إسم الفاعل : إمّا إلى معموله على حذف المضاف أي ممتحنا صاحب القبر، أو إلى غير معموله كمصارع مصر، وكريم العصر والبلد، وهذا أولى.

وقد تظافرت الأحاديث بتسمية هذين الملكين منكراً ونكيراً.


قوله: «منكراً ونكيراً».

المنكر إسم مفعول من أنكر الشيء خلاف عرفه والنكير بمعنى الإنكار سمّي بهما ملكا القبر

قال المحشي (رَحمهُ اللّه) في هذا الموضع أيضاً : المنكر ضدّ المعروف وكلّ ما قبّحه


1) فروع الكافي 3: 242 ح 1.

2) سورة التوبة : 34.

وأنكر بعض أهل الاسلام تسميتهما بهذين الاسمين، وقالوا: إن المنكر هو ما يصدر عن الكافر من التلجلج عند سؤالهما. والنكير هو ما يصدر عنهما من التقريع له، فليس للمؤمن منكر ولا نكير عند هؤلاء، والأحاديث المتكثّرة في خلافهم.

(فألقيا أكفانه) تخصيص إلقاء الأكفان بعدوّ اللّه ظاهر؛ لما فيه من الشناعة المناسبة بحاله.

(فیضربان يافوخه بمرزبة معهما ضربة ما خلق اللّه عزّوجلّ من دابة إلا تذعر لها ما خلا الثقلين) اليافوخ بالياء المثناة من تحت وبعد الألف فاء ثمّ واو وآخره خاء معجمة: هو الموضع الذي يتحرّك من رأس الطفل إذا كان قريب عهد بالولادة، وجمعه يافيخ كمصابيح.

والمرزبة بالراء المهملة والزاء المعجمة والباء الموحدة: عصاة من حديد.

وفي الصحاح الأرزبة التي يكسر بها المدر، فإن قلبتها بالميم خففت فقلت المرزبة (1)إنتهى.


الشارع وحرمه، والنكير الإنكار والجحود، وربما كانت تسميتهما بهذين الإسمين لأدنى ملابسة، وذلك لصدور النكير والمنكر منهما على غير المؤمن عند المسألة.

والتلجلج في صدر شيء تردّد وتعلّق ولم يستقرّ، ومنه الحديث المشهور «خذ الحكمة أنّى كانت فإنّ الحكمة تكون في صدر المنافق، فتلجلج في صدره حتّى تخرج، فتسكن إلى صواحبها في صدر المؤمن» (2).

قوله: «الأزبة».

في الحديث «مثل المنافق كمثل الأرزبة المستقيمة لا يصيبه شيء حتّى يأتيه


1) صحاح اللغة 2: 135.

2) نهج البلاغة ص 481 رقم الحديث: 79.

وقال القاضي البيضاوي في شرح المصابيح: إنّ المحدثين يشدّدون الباء من المرزبة. والصواب تخفيفه. وإنّما تشدّد الباء إذا أبدلت الميم.همزة. إنتهى.

ولكن كلام صاحب القاموس (1)صريح في مجيء التشديد في مرزبة أيضاً، ولم يتعرّض فيه لما ذكره الجوهري.

وتذعر بالذال المعجمة والعين المهملة: أي تفزع.

وإنّما سمّي الانس والجن بالثقلين لعظم شأنهما بالنسبة إلى ما في الأرض من بين الحيوانات والعرب تطلق على ماله نفاسة وشأن إسم الثقل.

قال في القاموس ومنه الحديث: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي» (2).

وقيل: سمّيا بذلك لرزانة آرائهما.

وقيل: لأنّهما مثقلان بالتكاليف.

هذا ولعلّ الحكمة في عدم سماع الثقلين ذلك بأنهم لو سمعوه لصار الايمان ضرورياً، فيرتفع التكليف. وقد ورد أحاديث متكثّرة من طرق الخاصّة والعامّة أنّ الحيوانات العجم تسمع صوت عذاب الميت في القبر.

فعن الامام أبي جعفر محمّد بن علي الباقر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، قال: قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «إنّي


الموت» (3)قيل: هي بالكسر مع التثقيل عصاة كبيرة تتخذ لتكسير المدر، وفي لغة مرزبة بميم مكسورة مع التخفيف والعامّة تثقل مع الميم (4).


1) القاموس المحيط 2: 73.

2) القاموس المحيط 3: 342.

3) مجمع البحرين 2: 69.

4) مجمع البحرين 2: 69.

كنت لأنظر إلى الإبل والغنم وأنا أرعاها - وليس من نبي إلا وقد رعي الغنم - فكنت أنظر إليها وهي ممتلئة في المكينة ما حولها شيء يهيجها حتّى تذعر فتطير، فأقول: ما هذا؟ وأعجب، حتّى جاءني جبرئيل، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إن الكافر يضرب ضربة ما خلق اللّه شيئاً إلا سمعها ويذعر لها إلا الثقلين. رواه في الكافي(1).

وعن زيد بن ثابت، قال: بينا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في حائط بني النجار على بغلة ونحن معه، إذ حادت به فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): من يعرف أصحاب هذه الأقبر ؟ قال رجل : أنا قال فمتى ماتوا؟ قال: في الشرك. فقال: إنّ هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت اللّه عزّوجلّ أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه الحديث (2)،(3)

وقيل : المراد أنهم لو سمعوا ذلك لكانوا يهربون عن كلّ ميت لعدم طاقتهم سماع عذاب القبر، فلا يدفنونه؛ إذ العذاب تحصيل لأهله عقيب الموت بلا فاصلة.

وقيل : المراد أنهم ما كانوا يقربون المقابر من أصوات عذاب الأموات. وفيه أن هذا لا يقتضي ترك التدافن مطلقا، إنّما يقتضيه تركه بين المقابر والحديث مطلق.

وقيل: إنّهم لو سمعوا ذلك لحملهم سماعه على عدم التدافن لخوف الفضيحة في أقاربهم وعشائرهم، فإنّ زيارة القبور كانت متعارفة بينهم وسماع صوت القريب يوجب فضيحة قريبه (منه).

.

(ويسلّط اللّه عليه حيات الأرض): روى في الكافي عن الامام أبي عبدالله


1) فروع الكافي 3: 233 ح 1.

2) صحیح مسلم : 160.

3) قوله «فلولا أن لا تدافنوا» قد اختلف المحدّثون في المراد بهذا الحديث، فقيل: المراد أنهم لو سمعوا ذلك لم يدفنوا الميت ليسلم من عذاب القبر. وفيه أن المؤمن ينبغي أن يعتقد حصول العذاب لأهله، ولو في حواصل الطيور وبطون السباع والحيتان، فلا يمنع منه ترك التدافن.

جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : إن اللّه يسلّط عليه تسعة وتسعين تنيناً، لو أن واحداً منها نفخ على الأرض ما أنبتت شجراً أبداً (1).

وروى الجمهور أيضاً هذا المضمون بهذا العدد الخاص عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).

قال بعض أصحاب الحال: ولا ينبغى أن يتعجب من التخصيص بهذا العدد، فلعلّ عدد هذه الحيّات بقدر عدد الصفات المذمومة من الكبر والرياء والحسد والحقد وسائر الأخلاق والملكات الرديئة، فإنّها تتشعب وتتنوّع أنواعاً كثيرة، وهي بعينها تنقلب حيات في تلك النشأة. إنتهى كلامه.

و لبعض اصحاب الحديث في نكتة التخصيص بهذا العدد وجه ظاهری اقناعی محصلخ: انه قد ورد في الحديث: «ان اللّه تعالى تسعة وتسعين اسما من احصاها دخل الجنّة» ومعنى احصاها الاذعان باتصافه عزوجل بكل منها.

و روى ايضا عن النبي انه قال: «ان اللّه مائة رحمة انزل منها رحمة


قوله: «قال بعض أصحاب الحال».

أقول: هذا أيضاً كلام تخميني ظاهري إقناعي، لا دليل عليه من العقل والنقل. بل لا يبعد أن يقال: إنّ وجه التخصيص بهذا العدد ما يجري مجرى الغيوب كمدة بقاء الدنيا، ووقت قيام الساعة، وخواص الأعداد كعدد الزبانية في قوله تعالى (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) (2)فهو الخفي الذي لا يدركه الحس ولا يقتضيه العقل؛ لعدم الدليل عليه، وهو المعني بقوله (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ) (3)وأما من علم من ذلك، فإنّما علمه بعد إعلام اللّه إياه وإلهامه له.


1) فروع الكافي 3: 237 ح 7.

2) سورة المدثر: 30.

3) سورة الأنعام: 59.

واحدة بين الجن والانس والبهائم واخر تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده فتبين من الحديث الاول انه سبحانه بین لعباده معالم معرفته بهذه الاسماء التسعة و التسعين، ومن الحديث الثاين ان لهم عنده في النشاة الاخروية تسعة و تسعين رحمة. وحيث ان الكافر لم يعرف اللّه سبحانه بشيء من تلك الاسماء جعل له في مقابل كل اسم ورحمة تنين ينهشه في قبره. هذا حاصل كلامه. وهو كما ترى.

تبصرة

لعلّك تقول : إنا قد نقيم عند القبر بعد دفن الميت، فلا نسمع شيئاً من ذلك السؤال والجواب والخطاب والعتاب، وربما نكشف عن الميت فنراه في القبر على


قوله: «لعلك».

قد يقرّر هذه الشبهة بوجه آخر أظهر ممّا قرّره الشيخ (قدّس سرّه)، بأن العمل بالظواهر الدالة على عذاب القبر إنّما يمكن إذا لم يكن مخالفة للمعقول. وأما إذا كانت مخالفة، فيجب تأويلها وصرفها عن ظواهرها.

ودليل مخالفتها له أنا نرى شخصاً يصلب ويبقى مصلوباً إلى أن تذهب أجزاؤه، ولا نشاهد فيه إحياء ولا مسألة، والقول بهما مع عدم المشاهدة سفسطة ظاهرة وأبلغ منه من أكله السباع والطيور وتفرّقت أجزاؤه لها في بطونها وحواصلها، وأبلغ منه من أحرق فصار رماداً وذرىء في الرياح العاصفة شمالاً وجنوباً وصباءً ودبوراً، فإنا نعلم عدم إحيائه ومسألته وعذابه.

ويجاب عن المصلوب بأنّ الإحياء والمسألة مع عدم المشاهدة ممّا لا بعد فيه، كما في صاحب السكتة، فإنّه حيّ ولا نشاهد حياته، وكما في رؤية النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جبرئيل سماعه منه وخطابه له وهو بين أظهر أصحابه مع سره علهيم، وكما في صورة النوم و النائم، فإنّه قد يرى في نومه أنه يضربه شخص و هو يتكلّم معه،

حاله الذي تركناه عليه، ولا نرى معه شيئاً من تلك الحيات والعقارب، فكيف يمكن التصديق بما يخالف المشاهدة؟


ويتوجع من تلك الضربة، ومن بحضرته لا يسمع ولا يشاهد من ذلك شيئاً.

وعن الصورتين الأخيرتين بأنّ البينة غير مشروطة في الحياة، فيجوز أن تعاد إلى الأجزاء المتفرّقة وإن كان خلاف العادة، فإنّ خرق العادة غير ممتنع في مقدور الله تعالى.

قوله: «فكيف يمكن التصديق».

أقول: إنكار مثل ذلك لمحض استبعاد الأوهام ليس من طريقة الأعلام؛ لأنّ اللّه تعالى قادر على أن يحجب ذلك عن أسماعنا وأبصارنا لضرب من المصلحة، وقد ورد في أخبار الخاصّة والعامّة في تفسير قوله تعالى ﴿جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا) (1)إنّ اللّه تعالى أخفى شخص النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن أعدائه مع أنّ أولياءه كانوا يرونه (2).

فلا بعد في أن يسمع الميت ذلك السؤال والخطاب والعتاب، ويرى تلك الحيّات والعقارب ويذوق سمومهما، ويدرك اللذع والألم منهما، ولا يسمع ولا يرى ذلك من كان حاضراً عند القبر ومكاشفاً عنه.

ويجوز أن تكون المصلحة في إخفاء ذلك عنه وعدم سماعه ورؤيته شيئاً من ذلك أن لا يصير الايمان بديهياً، فيرتفع التكليف، ولذلك ورد أن الحيوانات العجم تسمع صوت عذاب الميت دون الثقلين.


1) سورة الإسراء: 45.

2) راجع: مجمع البيان 3: 418.

----------------------------------------------------------------------

وأما الأنبياء والأوصياء (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، فلمّا كانت تكاليفهم مخالفة لتكاليفنا كانوا يرون عذاب القبر ويسمعونه، ثمّ يخبرون عنه، كما روي أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مر على قبر يعذب صاحبه، فدعا بجريدة فشقها نصفين، فجعل واحدة عند رأسه، والأخرى عند رجليه، فقيل: لم وضعتهما ؟ فقال : إنّه يخفّف عنه العذاب ما كانتا خضراوتين (1).

ويمكن أن يقال: إنّ تلك الحيّات والعقارب لمّا كانت صورة أخلاقه الذميمة وملكاته الرديئة وأفعاله القبيحة، وعمله بالأشياء على خلاف ما هي عليه، برزت و تجسّدت بجسد مثالي لطيف لا يراه غيره من الحاضرين.

ومن المشهور أن أرباب التسخير يشاهدون الجن ويخاطبونه، وهو أيضاً يخاطبهم، والحاضرون في ذلك المجلس لا يشاهدونه، ولا يسمعون شيئاً من خطابه.

ويمكن أن يقال بارتسام صورة ذلك في الحسّ المشترك، بحيث يشاهده الميت ويكلّم معه كما في المبرسم، ولكنه بعيد عن سياق الأخبار.

والأحوط في أمثال تلك المتشابهات هو الايمان وعدم التعرّض لخصوصياتها وتفاصيلها؛ لأنّ أمثال هذه الشكوك والشبهات تجري في كثير ما ورد به الأخبار عن الأئمّة الأطهار، ويفضي إلى إنكار أكثر معجزات الأنبياء والأوصياء، مثلاً حضور النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و الأئمّة (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) عند الموت ممّا وردت به الأخبار، واشتهرت بين الشيعة غاية الاشتهار.


1) من لا يحضره الفقيه 1: 88 ح 405.

فاعلم أنّ عدم سماعك ومشاهدتك شيئاً من ذلك في عالم الملك لا يمنع من التصديق به، فإنّ هذه الأمور من عالم الملكوت، وهذه الأذن والعين لا يصلحان لسماع الأمور الملكوتية ومشاهدتها، بل إنّما تدرك تلك الأمور بجنس آخر من الحواس. أما ترى الصحابة كانوا يؤمنون بنزول جبرئيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ويذعنون بأن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان يشاهده وهو يخاطبه، وهم لا يشاهدونه ولا يسمعون خطابه. فإن كنت لا تؤمن بهذا، فتصحيح أصل الايمان بالملائكة والوحي أهم وأوجب عليك من تصحيح الايمان بعذاب القبر إن كنت آمنت بذلك، وجوزت أن يشاهد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما لا تشاهده الأمة، ويسمع ما لا يسمعونه، فجوّز مثل ذلك فيما نحن فيه أيضاً.


ونظير هذه الشبهة تجري فيه بأن يقال هذا خلاف الحس والعقل. أما الأوّل، فلانا نحضر الموتى وقت قبض أرواحهم ولا نرى عندهم أحداً ولا نسمع خطاباً ولا عتاباً، ولا وعداً إلى النعيم ووعيداً بالجحيم.

وأما الثاني، فلانه يمكن أن يتفق في زمان واحد قبض أرواح آلاف من الناس في مشارق الأرض ومغاربها، ولا يمكن حضور الجسم في زمان واحد في أمكنة متعدّدة، وكذا الكلام في المعراج الجسماني وما شاكله.

قوله: «كان يشاهده».

أقول: نظير هذه المشاهدة والمخاطبة مع عدم مشاهدة الحاضرين وعدم سماعهم ذلك الخطاب المستطاب ما ورد في الخبر: إنّ المؤمن العليل المحتضر ينظر حال احتضاره إلى محمّد وأهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فيخاطبهم بحيث يحجب الله صوته عن آذان حاضريه، كما يحجب رؤيتنا أهل البيت ورؤية خواصنا عن أعينهم؛ ليكون ايمانهم بذلك أعظم ثواباً لشدّة المحنة عليهم، فيقول المؤمن: بأبي

----------------------------------------------------------------------

أنت وأمي يا رسول اللّه ربّ العزّة، بأبي أنت وأمي يا وصي رسول اللّه ربّ الرحمة بأبي أنتما وأمّي يا شبلي محمّد وضرغاميه يا ولديه وسبطيه، يا سيدي شباب أهل الجنّة المقربين من الرحمة والرضوان مرحباً بكم معاشر خيار أصحاب محمّد وعلي وولديهما، ما كان أعظم شوقي إليكم، وما أشد سروري الآن بلقائكم يا رسول اللّه هذا ملك الموت قد حضرني، ولا أشكّ في جلالتي في صدره لمكانك ومكان أخيك، فيقول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كذلك هو الحديث وطوله (1).

ومثله ما ورد في خبر آخر من مخاطبة ملك الموت مع المؤمن المحتضر، ومخاطبة المؤمن معه، وفيه كلام طويل، يقول له ملك الموت: مالك تجرع غصصك؟ يقول: لاضطراب أحوالي واقتطاعك لي دون آمالي، فيقول له ملك الموت وهل يحزن عاقل من فقد درهم زايف واعتياض ألف ألف ضعف الدنيا؟ فيقول: لا، فيقول ملك الموت فانظر فوقك، فينظر فيرى درجات الجنة وقصورها التي يقصر دونها الأماني الحديث وطوله (2).

فمن آمن بذلك وجوز أن يشاهد المحتضر ما لا يشاهده الحاضرون من حضور محمّد وآله وأصحابه، ويسمع ما لا يسمعونه من الخطابات والدلالات فليجوز فيما نحن فيه أيضاً، وإلا فليكفر بجميع ما جاء به النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من أحوال المعاد؛ لعدم استقلال العقل في الأمور المعادية (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) الآية (3).


1) بحار الأنوار 6: 173 - 174 ح 1.

2) بحار الأنوار 6: 176 ح 2.

3) سورة الكهف: 29.

وممّا يكسر سورة استبعادك أن تتفكّر في حال النائم في مجلس فيه جماعة، فإنّه قد يرى في منامه أن عقارب وحيات تلدغه، أو أن أشخاصاً يعاقبونه بأنواع العذاب، ويصرخون عليه بأصوات هائلة، وهو يتألم من ذلك غاية التألم، ويتأذى به نهاية التأذي، وربما يصيح في أثناء النوم ويرتعد ويعرق من شدة الاضطراب، مع أنّ الجماعة الجالسين حوله لا يسمعون شيئاً من تلك الأصوات، ولا يرون شيئاً من تلك الحيات والعقارب والأشخاص التي يسمعها هو ويشاهدها في النشأة المنامية، فقس على ذلك عذاب القبر وحياته وعقاربه.

وغرضنا من هذا مجرّد التشبيه والتنبيه وليس القصد أنّ حيّات القبر وعقاربه خيالية أيضاً كحيّات المنام وعقاربه. هيهات فإنّها أشد وأدهى من حيات اليقظة وعقاربها، بل نسبتها إليها كنسبة حيّات اليقظة وعقاربها إلى حيّات النوم وعقاربه، فإنّ الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.


قوله: «وغرضنا من هذا».

كأنّ هذا منه (قدّس سرّه) إحتياط في الدين، واتقاء عن موضع التهمة، حتّى لا يقال: إنّه فلسفي المذهب، أو هو منه ردّ على الفلاسفة، فإنّ عقاب الآخرة وثوابها على مذهبهم خيالي، حيث إنهم جعلو الأجرام السماوية آلة لتخيّل النفس جميع ما كانت اعتقدته في دار الدنيا من أحوال القبر والبعث والخيرات والشرور، وغيرها من أحوال الأخروية.

كما نص به ابن سينا في فصل المعاد من الشفاء، قال: وتكون الأنفس الرديئة أيضاً تشاهد العقاب بحسب ذلك المصوّر لهم فى الدنيا وتقاسيه، فإن الصور الخيالية ليست تضعف عن الحسّية، بل تزداد عليها تأثيراً وصفاء، كما يشاهد في المنام، فربما كان المحلوم به أعظم شأناً في بابه من المحسوس، على أن الأخروي

المراد من عذاب القبر

تذكرة

عذاب القبر وهو العذاب الحاصل في البرزخ - أعني: ما بين الموت والقيامة - ممّا اتفقت عليه الأمّة سلفاً وخلفاً، وقال به أكثر أهل الملل، ولم ينكره من المسلمين إلاّ شرذمة قليلة (1)لا عبرة بهم، وانعقد الاجماع على خلافهم سابقاً ولاحقاً، والأحاديث الواردة فيه من طرق الخاصّة والعامّة متواترة المضمون، وهي أكثر من أن تحصى.


أشدّ استقراراً من الموجود في المنام بحسب قلة العوائق وتجرد النفس وصفاء القابل، وليست الصورة التي ترى في النام، بل ولا التي تحس في اليقظة إلاّ المرتسمة في النفس، إلا أن أحدهما يبتدىء من باطن وينحدر إليه، والثاني يبتدىء من خارج ويرتفع إليه، فاذا ارتسم في النفس تم هناك الادراك المشاهد، وإنما يلد ويؤذي بالحقيقه هذا المرتسم في النفس لا الموجود في خارج، فكلّما ارتسم في النفس فعل فعله، وإن لم يكن له سبب من خارج، فإن السبب الذاتي هو هذا المرتسم، والخارج هو سبب بالعرض أو سبب السبب (2).

قوله: «عذاب القبر».

عذاب القبر للكافر والفاسق ممّا اتفق عليه سلف الأمة قبل ظهور الخلاف واتفق عليه الأكثر بعده؛ لأنه أمر ممكن أخبر به الصادق. أما إمكانه فظاهر.

وأما إخبار الصادق به فللآيات والروايات المتواترة المعنى، كقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «القبر


1) المخالف في عذاب القبر هو ضرار بن عمرو، وربما نسب إلى كثير من المعتزلة أيضاً، كما في المواقف وغيره، وهذه النسبة باطلة، ونقل في شرح المقاصد أنهم تبرأوا من إنكار عذاب القبر، وإنّما نسب إليهم لمخالطة ضرار لهم، وتبعه قوم من السفهاء والمعاندين(منه).

2) الشفاء، الإلهيات ص 432.

----------------------------------------------------------------------

إما روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النيران» (1).

وقوله لما مرّ بقبرين إنهما يعذبان وما يعذبان بكبيرة، بل لأن أحدهما كان لا يستبرأ من البول، وأما الثاني فكان يمشي بالنميمة (2).

وقوله في سعد بن معاذ: لقد ضغطه الأرض ضغطة اختلفت بها ضلوعه (3).

وفي الكافي عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خرج في جنازة سعد، وقد شيعه سبعون ألف ملك، فرفع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) رأسه إلى السماء، ثمّ قال: مثل سعد يضمّ قال: قلت: جعلت فداك إنا نحدث أنه كان يستخفٌ بالبول، فقال: معاذ اللّه إنما كان من زعارة في خلقه على أهله، قال: فقالت أم سعد: هنيئاً لك يا سعد، فقال لها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : يا أم سعد لا تحتمي على اللّه (4).

وأما احتجاج منكريه بقوله تعالى (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى) (5)بأنهم لو أحيوا في القبر لذاقوا موتتين.

فمجاب بأن ذلك وصف لأهل الجنّة، أي: لا يذوقون أهل الجنة فيها الموت، فلا ينقطع نعمهم كما انقطع نعم أهل الدنيا بالموت، فلا دلاله فيها على انتفاء موتة أخرى بعد المسألة وقبل دخول الجنة.


1) فروع الكافي 3: 243 ح 2، بحار الأنوار 6: 214 ح 2.

2) مستدرك وسائل الشيعة 1: 270 ح 4.

3) بحار الأنوار 6: 261.

4) فروع الكافي 3: 236 ح 6.

5) سورة الدخان: 56.

وقد أورد الشيخ الجليل محمّد بن يعقوب الكليني في كتاب الكافي طرفاً منها من طرق أهل البيت (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وكذا الشيخ الصدوق محمّد بن بابويه في كتاب الأمالي وغيره. وقد اشتمل كتاب المشكاة والمصابيح على احاديث متكثّرة في هذا الباب. وفي القرآن العزيز آيات ترشد إليه، فمنها قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ


وأما قوله (إلا الموتة الأولى) فهو تأكيد لعدم موتة في الجنة على سبيل التعليق بالمحال، كأنه قيل لو أمكن ذوقهم الموتة الأولى لذاقوا في الجنّة الموت، لكنه لا يمكن بلا شبهة، فلا يتصوّر موتهم فيها. هذا.

واعلم أن البرزخ عبارة عن الحاجز بين الشيئين، والمراد به هنا هو ما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث فمن مات فقد دخل البرزخ، ومنه الحديث «كلكم في الجنّة ولكنّي واللّه أتخوّف عليكم في البرزخ، قلت: وما البرزخ ؟ قال: منذ حين موته إلى يوم القيامة (1).

وفي حديث الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): البرزخ القبر، وهو الثواب والعقاب بين الدنيا والآخرة (2).

قوله: «فمنها قوله تعالى».

فيه أن هذه الآية ليست بناصة في المطلوب؛ لاحتمال أن يكون المراد بالموتة الأولى كونهم نطفاً في الأصلاب؛ لأنّ النطفة ميتة، وقد قال (قدّس سرّه) في بيان الحديث السابع والثلاثون في أنّ العدم الأصلي قد يسمّى موتاً أيضاً، ثمّ استشهد عليه بقوله (وكنتم أمواتاً فأحياكم) وبالحياة الأولى إحياء اللّه اياهم من النطفة،


1) فروع الكافي 3: 242 ح 3.

2) بحار الأنوار 6: 218 ح 12.

وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (1)فقد ذكر سبحانه الرجوع إليه، وهو البعث في القيامة، معطوفاً ب-«ثم» على إحياءين، فأحدهما في القبر. كذا ذكره جماعة من المفسّرين منهم الفخر الرازي في التفسير الكبير (2). ومن قال بالإحياء في القبر قال بعذابه.

ومنها قوله سبحانه حكاية عن فرعون : (النَّارُ (3)يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) (4)وهذا العطف يقتضي أن العرض إلى النار غدوّاً وعشيّاً غير العذاب بعد قيام الساعة، فيكون في القبر.


وبالموتة الثانية إماتة اللّه إياهم بعد الحياة، وبالحياة الثانية إحياء اللّه إياهم للبعث. نعم يحتمل أن يكون المراد بالموتة الأولى ما يقع بهم في الدنيا بعد الحياة، وبالحياة الأولى إحياء اللّه إياهم في القبر للمسألة، وبالموتة الثانية إماتة اللّه إياهم بعد المسألة، وبالحياة الثانية إحياء اللّه للبعث.

وقيل: المراد بالموتة الأولى ما كان بعد إحياء اللّه إيَّاهم في الذر، إذ سألهم (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) (5)ثمّ أما تهم بعد ذلك، ثمّ أحياهم بإخراجهم إلى الدنيا. ثم أماتهم، ثمّ يبعثهم اللّه إذا شاء.


1) سورة البقرة: 28.

2) التفسير الكبير 1: 151.

3) النار بالرفع إما بدل من سوء العذاب في قوله تعالى (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) أو خبر مبتدء محذوف على أن يكون جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً، كأن سائلاً يقول: ما هذا العذاب؟ فقيل : هي النار، وجملة «يعرضون» حال إما من آل فرعون، أو من النار (منه).

4) سورة المؤمن: 46.

5) سورة الأعراف: 172.

وعن الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ): إن هذا في نار البرزخ قبل القيامة، إذ لا غدو ولا عشيّ في القيامة، ثمّ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ألم تسمع قول الله عزّوجلّ: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا) (1)(آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) (2).

ومنها: قوله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ


قوله: «وعن الامام».

لعلّ هذا الحديث في بيان مجمع البيان(3)وغيره.

ومثله ما في تفسير علي بن إبراهيم، قال رجل لأبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ما تقول في قول اللّه عزّوجلّ (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا) (4)فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ما يقول الناس فيها؟ فقال: يقولون: إنها في نار الخلد، وهم لا يعذبون فيما بين ذلك، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : فهم من السعداء، فقيل له: جعلت فداك فكيف هذا؟ قال: إنّما هذا في الدنيا، وأما في نار الخلد فهو قوله (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) (5).

قوله: «فإن له معيشة ضنكاً».

الضنك: الضيق، وهو مصدر يستوي في الوصف به المذكر والمؤنث.


1) أي: ويقال يوم تقوم الساعة أدخلوا الخ، والأمر إما لآل فرعون، فالخاء مضمومة والهمزة وصلية، أو للملائكة فالخاء مكسورة والهمزة قطعية، وقد قرأ بهذا حمزة ونافع والكسائي وحفص، والباقون بالأوّل (منه).

2) مجمع البيان 4: 526.

3) مجمع البيان 4: 525 - 526.

4) سورة غافر: 46.

5) تفسير القمي 2: 258.

الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (1)فقد قال كثير من المفسّرين ان المراد بالمعيشة الضنك عذاب القبر، بقرينة ذكر القيامة بعدها، ولا يجوز أن يراد بها سوء الحال في الدنيا؛ لأنّ كثيراً من الكفّار في الدنيا في معيشة طيّبة هنيئة غير ضنك، والمؤمنين بالضد، كما ورد في الحديث: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» (2).


قيل : والمعنى منه أنّ مع الدين القناعة والتوكل على اللّه والرضا بقسمه، فصاحبه ينفق ممّا رزقه اللّه بسهولة وسماح فيكون في رفاهية من عيشته، ومن أعرض عن الدين استولى عليه الحرص والجشع وهو أشد الحرص، ويتسلّط عليه الشح الذي يقبض يده عن الإنفاق، فيعيش ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى البصر، أو أعمى عن الحجة لا يهتدي إليها.

وفي الحديث سئل أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ذلك، فقال: هم واللّه النصاب، قلت: جعلت فداك قد رأيتهم دهرهم الأطول في كفاية حتّى ماتوا، قال: ذلك واللّه في الرجعة يأكلون العذرة (3).

إن الآية ليست بناصة في عذاب القبر. نعم يحتمله. وأما قول كثير من المفسّرين، فمعارض بقول الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتقريره، فتأمّل.

قوله: «الدنيا سجن المؤمن».

السجن: الحبس، سجنته أي حبسته، والدنيا سجن المؤمن، وذا في جنب ما أعدّ له من المثوبة، وجنة الكافر وذا في جنب ما أعد له من العقوبة، أو المؤمن يسجن نفسه عن الملاذ ويأخذها بالشدائد والكافر بعكسه، أو لأنه ممنوع من الشهوات


1) سورة طه: 124.

2) معاني الأخبار ص 289.

3) تفسير القمي 2: 65.

ومنها قوله تعالى في حق قوم نوح (عَلَيهِ السَّلَامُ): (أغرقوا فأدخلوا نارا) (1)والفاء للتعقيب من غير مهلة فالمراد نار برزخ ولو أراد سبحانه إدخالهم النار يوم القيامة، لكان المناسب الإتيان ب-«ثم» كما لا يخفى.

تتمة

إشتهر الاحتجاج في الكتب الكلامية على إثبات عذاب القبر بقوله تعالى حكاية عن الكفّار (رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ) (2).

و تقرير الإستدلال : انّه سبحانه حكى عنهم على وجه يشعر بتصديقهم الإعتراف بإماتتين وإحياءين، فإحدى الإماتتين في الدنيا والأخرى في القبر بعد


المحرّمة والمكروهة مكلّف بالطاعات، فإذا مات انقلب إلى النعيم الدائم، والكافر بعكسه.

قوله: «لكان المناسب.

إنما قال «لكان المناسب» ولم يقل لكان الواجب؛ لأنّ الفاء قد يقع موقع «ثمّ» ويفيد مفاده من المهلة والتراخي، كما يقال: تزوّجت فولدت لي.

قوله: «واشتهر الاحتجاج».

إنّما نسبه إلى الشهرة تمريضاً له، كما سيظهر من كلامه (قدّس سرّه). ونعم ما قيل: رب مشهور لا أصل لهم.

ثمّ أنت خبير بأن الاحتمالات التي أوردناها سابقاً في تفسير كريمة (وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ) الآية بثلاثتها جارية في هذه الآية، فتذكر ثمّ تفكّر.


1) سورة نوح: 25.

2) سورة غافر: 11.

السؤال، وإحدى الإحياءين فيه للسؤال والآخر في القيامة.

وأما الإحياء في الدنيا، فإنّما سكتوا عنه؛ لأنّ غرضهم الإحياء الذي عرفوا فيه قدرة اللّه سبحانه على البعث، ولهذا قالوا (فاعترفنا بذنوبنا) أي: بالذنوب التي حصلت بسبب إنكار الحشر والإحياء فى الدنيا لم يكونوا فيه معترفين بذنوبهم.

قال المحقّق الشريف في شرح المواقف: إنّ تفسير هذه الآية على هذا الوجه هو الشايع المستفيض بين المفسّرين (1).

ثمّ قال: وأما حمل الإماتة الأولى على خلقهم أمواتاً في أطوار النطفة، وحمل الإماتة الثانية على الإماتة الطارءة على الحياة في الدنيا والحشر، فقد ردّ بأنّ الإماتة إنّما تكون بعد سابقة الحياة، ولا حياة في أطوار النطفة، وبأنه قول شذوذ من المفسّرين والمعتمد هو قول الأكثرين انتهى كلامه.

فقد جعل التفسير بالوجه الاول مستفيضاً، وبالوجه الثاني شاذاً.

ويخطر بالبال أنّ الأمر بالعكس فإنّ الشايع المستفيض بين المفسرين هو ما جعله شاذاً، والشاذ النادر هو ما جعله مستفيضاً، ولعلّ هذا من سهو قلمه، فإنّ التفاسير المشهورة التي عليها المدار في هذه الأعصار هي الكشّاف للعلامة الزمخشرى، ومفاتح الغيب للامام الرازي، ومعالم التنزيل للبغوي، ومجمع البيان


قوله: «للبغوي». وهو المشهور بالفراء.


1) أي: من عصر السيّد إلى هذا العصر، واحتمال أن يكون المشتهر في زمان السيّد غير هذه التفاسير ممّا لا يلتفت إليه (منه).

وجوامع الجامع لأمين الاسلام أبي على الطبرسي، وتفسير النيشابوري، وتفسير القاضي البيضاوي، ولم يختر أحد من هؤلاء تفسير الآية بالوجه الأوّل، بل أكثرهم إنما اختاروا التفسير الثاني. وأما التفسير الأوّل، فبعضهم نقله ثمّ زيفه، وبعضهم اقتصر على مجرّد نقله من غير ترجيح فلو كان هو الشايع المستفيض كما زعمه السيّد المحقّق لما كان الحال على هذا المنوال.

ولا بأس في هذا المقام بنقل كلام بعض هؤلاء الأعلام.

قال في الكشّاف: أراد بالإماتتين خلقهم أمواتاً أوّلاً وإما تتهم عند انقضاء آجالهم. وبالإحياءين: الإحياء الأولى، وإحياء البعث.

ثم قال بعد ذلك فإن قلت: كيف صح أن يسمّى خلقهم أمواتاً إماتة ؟

قلت: كما صح أن تقول: «سبحان من صغر جسم البعوضة وكبر جسم الفيل» وقولك للحفّار : «ضيّق فم الركية ووسّع أسفلها» وليس ثمّ هنا نقل من كبر إلى صغر، ولا من صغر إلى كبر، ولا من ضيق إلى سعة، ولا من سعة إلى ضيق، وإنّما أردت الإنشاء على تلك الصفات.

والسبب في صحته أنّ الصغر والكبر جائزان معاً على المصنوع الواحد من غير ترجیح لأحدهما، وكذلك الضيق والسعة. فإذا اختار الصانع أحد الجائزين وهو

قوله: «ضيق فم الركية».

بالفتح وتشديد الياء البئر، والجمع ركايا كعطيّة وعطايا.

وفي الصحاح : وجمعها ركي وركايا (1).

ومنه الحديث إذا كان الماء في الركي قدر كرّ لم ينجسه شيء» (2).


1) صحاح اللغة 6: 2361.

2) مجمع البحرين 1: 195.

متمكن منهما على السواء، فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر، فجعل صرفه عنه كنقله منه.

ومن جعل الإماتتين التي بعد حياة الدنيا والتي بعد حياة القبر، لزمه إثبات ثلاث إحياءات. وهو خلاف ما في القرآن، إلا أن يتمحل فيجعل أحدهما غير معتدّ بها، أو يزعم أنّ اللّه يحييهم في القبور، وتستمرّ بهم تلك الحياة، فلا يموتون بعدها، ويعدّهم في المستثنين من الصعقة في قوله: (إلا من شاء اللّه).

فإن قلت: كيف تسبّب هذا لقوله: ﴿فاعترفنا بذنوبنا) ؟

قلت: قد أنكروا البعث فكفروا، وتبع ذلك من الذنوب ما لا يحصى؛ لأنّ من لم يخش العاقبة تخرّق في المعاصي، فلمّا رأوا الإماتة والإحياء قد تكرّرا عليهم علموا بأنّ اللّه قادر على الإعادة قدرته على الإنشاء، فاعترفوا بذنوبهم التي اقترفوها من إنكار البعث وما تبعه من معاصيهم (1). إنتهى كلامه.


قوله: «فان قلت كيف تسبب هذا».

أي في قوله تعالى (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) (2)صعق من باب تعب بمعنى مات، ويقال: صعق الرجل صعقة أي غشي عليه من الفزع بصوت يسمعه، والذين استثناهم اللّه من الصعق قيل: هم الشهداء، وهم الأحياء المرزوقون.

قوله: «تخرق في المعاصي».

خرق خرقاً إذا عمل شيئاً فلم يرفق فيه، يعني من لم يخف اللّه يعمل المعاصي من غير مبالاة فيه.


1) الكشّاف للزمخشري 4 : 154.

2) سورة الزمر: 68.

وقال الشيخ أمين الاسلام في جوامع الجامع أراد بالإماتتين خلقهم أمواتاً أوّلاً وإما تتهم عند انقضاء آجالهم، وبالإحياءين الحياة الأولى وحياة البعث. وقيل: الإماتتان هما التي في الدنيا بعد الحياة، والتي في القبر قبل البعث والإحياء ان هما التي في القبر للمسألة والتي في البعث (1). إنتهى كلامه.

وفي كلام هذين الفاضلين كفاية، واللّه الموفق.

تذنيب

وعساك أن تقول: إنّ تفسير الآية على ما هو الشايع المستفيض كما ذكرته يقتضي سكوت الكفّار عن الإحياء والإماتة الواقعتين في القبر، فما السبب في سكوتهم عنهما وإهمالهما؟ وكيف لم يقولوا أحييتنا ثلاثاً وأمتنا ثلاثاً.

فنقول: إنّ الحياة في القبر حياة برزخية ناقصة ليس معها من آثار الحياة سوى الإحساس بالألم أو اللذة، حتّى أنه قد توقف بعض الأمة في عود الروح إلى الميت فيه، فلذلك لم يعتدوا بها في جنب الحياتين الأخريين.


قوله: «إنّ الحياة في القبر».

فيه تأمل، فإنّ هذا إنّما يتمّ في الحياة الحاصلة في القبر لهذا البدن العنصري بعد موته وقت السؤال والجواب، فإنّها ناقصة في جنب الحياتين الأخريين الحياة الدنيوية والأخروية الحاصلة عند البعث، كما يدلّ عليه ما سننقله عن الكافي من ضعيفة أبي بصير بعلي بن أبي حمزة البطائني.

وأما في الحياة الحاصلة في القبر بمعنى المصطلح، وهو ما بين الدنيا والآخرة فلا، فإنّ الحياة البرزخية بهذا المعنى و هي المشهورة بالحياة في القبر إن لم تكن


1) جوامع الجامع ص 416.

----------------------------------------------------------------------

فوق الحياة الدنيوية وسلّم ذلك، فلا يكون دونها البتة.

كيف وهو (قدّس سرّه) سيصرّح في آخر الكتاب بأنّ لأبدانهم المثالية جميع الحواس الظاهرة والباطنة، فيتنعمون ويتألمون باللذات والآلام النفسانية والجسمانية.

وفي الأخبار المروية عن الأئمّة الأخيار (عَلَيهِم السَّلَامُ) : إنهم يجلسون حلقاً حلقاً على صور أبدانهم العنصرية يتحدثون ويتنعمون بالأكل والشرب إنهم ربما يكونون في الهواء بين الأرض والسماء يتعارفون ويتلاقون وأمثال ذلك (1). ولا شكّ أن هذه الحياة فوق الحياة الدنيوية، وإن كانت دون الحياة الأخروية.

وبالجملة هنا ثلاث إماتات: خلقهم أمواتا أوّلاً عند انقضاء آجالهم الدنيوية، وإماتتهم عند انقضاء آجالهم البرزخية، فإنّ الموت لمّا كان عبارة عن مفارقة النفس وانتقالها من بدن إلى بدن، فكما كانت مفارقتها عن هذا البدن العنصري وتعلقها بالبدن المثالي موتاً لها، فلتكن مفارقتها عن المثالي وتعلقها بالعنصري ثانياً موتاً لها أيضاً، وإلا فما الفرق.

وثلاث إحياآت: الإحياء في الدنيا والبرزخ والحشر، فللسائل أن يعود ويقول: فما السبب في سكوتهم عن الإحياء والإماتة الواقعين في البرزخ وهو القبر، كما مر في الحديث.

اللّهمّ إلا أن يقال: إنّ الكلام إنّما هو في خصوص الحياة والممات المتعاقبين على هذا البدن العنصري لا في مطلق الحياة والممات، فتأمّل فيه.


1) راجع: فروع الكافي 3: 243 - 244.

قال في شرح المقاصد: إتفق أهل الحق على أنه تعالى يعيد إلى الميت في القبر نوع حياة قدر ما يتألم ويلتذ، ولكن توقفوا في أنه هل تعاد الروح إليه أم لا؟ وما يتوهم من امتناع الحياة بدون الروح ممنوع، وإنّما ذلك في الحياة الكاملة التي تكون معها القدرة والأفعال الإختيارية. إنتهى كلامه.

والحق أنّ الروح تعلّق به، وإلا لما قدر على إجابة الملكين، ولكنه تعلّق ضعيف، كما يشعر به ما رواه في الكافي، عن الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في حديث طويل: «فيدخل عليه في قبره ملكا القبر منكراً ونكيراً، فيلقيان فيه الروح إلى حقويه» (1)وقد يستبعد تعلّق الروح بمن أكلته السباع أو احترق و تفرّقت أجزاؤه يميناً وشمالاً.

ولا استبعاد فيه نظراً الى قدرة اللّه سبحانه على حفظ أجزائه الأصلية عن التفرّق، أو جمعها وتعلّق الروح بها تعلّقاً ما، وقد روي عن أئمتنا (عَلَيهِم السَّلَامُ) ما يدل على أنّ الأجزاء الأصلية محفوظة إلى يوم القيامة.

روى الشيخ الجليل محمّد بن يعقوب في باب النوادر من كتاب الجنائز من الكافي، عن الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أنه سئل عن الميت يبلى جسده؟ قال: نعم حتّى لا يبقى له لحم ولا عظم، إلا طينته التي خلق منها، فإنّها لا تبلى، بل تبقى في القبر مستديرة، حتّى يخلق منها كما خلق أول مرّة (2).


قوله: «يُبلى جسده».

بلي الثوب يبلي من باب تعب بلي بالكسر والقصر، وبلا بالضم والمد خلق، فهو بال، وبلي الميت أفنته الأرض، وهو كناية عن ذهاب بعض جسد الميت.


1) فروع الكافي 3: 239 ح 12.

2) فروع الكافي 3: 251 ح 7.

----------------------------------------------------------------------

وفي نهاية ابن الأثير : طينة الرجل خلقه وأصله (1).

وفي القاموس الطين بالكسر الخلقة والجبلة (2).

وفي مجمع البحرين الطين معروف، والطينه الخلقة (3).

وظاهر أنّ الأصل الذي خلق منه الميت هو النطفة، فالمراد بالطينة هنا ما به تتولّد الأجزاء الأصلية من العظم والعصب والرباط، فهذا الخبر إشارة إلى أنّ الأجزاء الأصلية والفضلية تتفرّق وتتلاشى بالموت البدني، ويبقى ما به تتكوّن تلك الأجزاء وهو النطفة بحاله، ليكون كالمادة يخلق منها جسد الميت، كما خلق منها أوّل مرّة: إمّا بضم تلك الأجزاء إليها بعد التفتت والتشتت أو بإنشائها منها مرّة أخرى، كما أنشأها منها في المرة الأولى.

وإنما يبقى مستديرة لكونها في بدو الفطرة حين كونها في الرحم كذلك؛ لأن الماء بطبعه يقتضي الكروية والاستدارة حيثما كان، كما هو المقرر عندهم.

وقد يقال : إنّ إستدارتها كناية عن انتقالها من حال إلى حال من الدوران بمعنى الحركة، يعني منتقلة من حال إلى حال، ومن شأن إلى شأن، فما سوى الطينة ينفى، وإنما تبقى الطينة مستديرة مستديمة مستمرة في جميع مراتب التغيّر، دائرة منتقلة من حال إلى حال، مع بقائها بذاتها حتّى يخلق منها كما خلق أوّل مرّة.

وقال آخوندنا المراد (قدّس سرّه) في حواشيه على الفقيه: يمكن أن يراد بالطينة ذرّة من الذرّات المسؤولة في الأزل بقوله (ألست بربكم) بعد ما جعلت قابلة


1) نهاية ابن الأثير 3: 153.

2) القاموس المحيط 4: 245.

3) مجمع البحرين 6: 278.

----------------------------------------------------------------------

للخطاب بتعلق روح كل واحدة بها، فيكون بدن كل إنسان مخلوقاً من ذرّة من تلك الذرّات، فينميها اللّه إلى ما شاء من غاية، ثمّ يذهب عنها ما زاد عليها، وتبقى مستديرة في القبر إلى ما شاء اللّه فيزيد فيها تلك الزيادات وقت الأحياء (1).

وفيه من النظر وجوه أوردناها في جامع الشتات (2).

ويستفاد من هذا الخبر أنّ إعادة فواضل المكلّف غير واجبة، وبه تندفع الشبهة المشهورة أنّ المعاد البدني غير ممكن؛ لأنه لو أكل إنسان إنساناً وصار جزء بدنه، فإما أن لا يعاد، وهو المطلوب، أو يعاد فيهما معاً وهو محال، أو في أحدهما وحده، فلا يكون الآخر بعينه معادا.

وهذا مع إفضائه إلى ترجيح من غير مرجّح يستلزم المطلوب، وهو عدم إمكان إعادة جميع الأبدان بأعيانها، وذلك لأنّ المعاد إنّما هو الأجزاء الأصلية الباقية، وهذا الجزء فضل لا يجب إعادته. نعم لو كان من الأجزاء الأصلية للمأكول أعيد فيه، وإلا فلا.

أو يقال: أجزاء المأكول أصلية له وفضلية للآكل، فيعاد كل منهما مع أجزائه الأصلية، فيرد أصلية المأكول التي صارت فضلة الأكل إلى المأكول، وتبقى فضلة الأكل معه، فلا يمنع العود.

وعلى تقدير عدم إعادة الأجزاء مطلقا أصلية كانت أو فضلية، فبقاء الطينة التي يخلق منها كما خلق أوّل مرّة كاف في القول بالمعاد البدني.


1) التعليقة السجادية - مخطوط.

2) جامع الشتات ص 68 - 72 المطبوع بتحقيقنا.

تجسّم الأعمال في النشأة الأخروية

خاتمة

ما تضمنه هذا الحديث من تجسيم العمل في النشأة الأخروية، وأنه يكون قرين الإنسان في قبره وحشره، قد ورد في أحاديث متكثّرة من طرق المخالف والمؤالف.

وقد روى أصحابنا (رضوان اللّه عليهم) عن قيس بن عاصم، قال: وفدت مع جماعة من بني تميم على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فدخلت عليه وعنده الصلصال بن الدلهمس، فقلت: يا نبي اللّه عظنا موعظة ننتفع بها، فإنا لقوم نغيّر في البرية.

فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : يا قيس إن مع العزّ ذلاً، وإن مع الحياة موتاً، وإن مع الدنيا آخرة، وإنّ لكلّ شيء رقيباً، وعلى كلّ شيء حسيباً، وإنّ لكلّ أجل كتاباً، وإنه لابد لك يا قيس من قرين يدفن معك وهو حيّ، وتدفن معه وأنت ميت، فإن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك، ثمّ لا يحشر إلا معك، ولا تحشر إلا معه، ولا تسأل إلا عنه، فلا تجعله إلا صالحاً، فإنّه إن صلح آنست به، وإن فسد لا تستوحش إلا منه، وهو فعلك.

فقال: يا نبي اللّه أحبّ أن يكون هذا الكلام في أبيات من الشعر، نفخر به على من يلينا من العرب وندخره.


قوله: «فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله)».

هذا الحديث مذكور في كتاب روضة الواعظين (1)، وهو من كتب الشيعة، وأما مصنفه ففيه خلاف (2).


1) روضة الواعظين 2: 487 وراجع أمالي الصدوق ص 2 - 3، ومعاني الأخبار ص 233، والبحار 7: 228 وغيرها.

2) راجع: الذريعة 11: 305.

فأمر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من يأتيه بحسّان، فاستبان لي القول قبل مجيء حسّان، فقلت: يا رسول اللّه قد حضرني أبيات أحسبها توافق ما تريد، فقلت شعراً :

تخيّر خليطاً من فعالك إنما ***قرين الفتى في القبر ما كان يفعل

ولابد بعد الموت من أن تعدّه ***ليوم ينادى المرء فيه فيقبل

فإن تك مشغولاً بشيء فلا تكن ***بغير الذي يرضى به اللّه تشغل

فلن يصحب الإنسان من بعد موته ***ومن قبله إلا الذي كان يعمل(1)

وقد ذكرنا في بعض الأحاديث السابقة كلاماً في تجسيم الأعمال في النشأة الأخروية، ونقول هنا


قوله: «ونقول هنا».

أقول: جملة الكلام في هذا المقام: إنّ لكلّ شيء جوهراً كان أم عرضاً، فعلاً كان أم اعتقاداً، خلقاً كان أم عبادة، صورة ومعنى وجسداً، والجنة الصورية وهي الأبواب والجدران وما فيها من الأنهار والأشجار والحور والقصور وغيرها من أنواع النعم صورة الأخلاق الحميدة، والأفعال الحسنة، والعلوم والآراء المطابقة للواقع.

كما أن النار الصورية وما فيها من العقارب والحيات وغيرهما من أنواع المؤذيات صورة أضدادها من الأخلاق الذميمة، والملكات الرديئة، والأفعال القبيحة، والعلم بالأشياء على خلاف ما هي عليه.

وممّا يدلّ صريحاً على تجسيم الأعمال في النشأة الآخرة ما في أصول الكافي، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب، عن محمّد


1) معاني الأخبار ص 233.

قال بعض أصحاب القلوب: إنّ الحيّات والعقارب بل والنيران التي تظهر في القيامة هي بعينها الأعمال القبيحة، والأخلاق الذميمة، والعقائد الباطلة التي ظهرت في هذه النشأة بهذه الصورة، وتجلببت بهذه الجلابيب، كما أن الروح والريحان والحور والثمار هى الأخلاق الزكية والأعمال الصالحة، والاعتقادات الحقة التي برزت في هذا العالم بهذا الزي وتسمّت بهذا الإسم، إذ الحقيقة الواحدة تختلف صورها باختلاف المواطن، فتتجلّى في كلّ موطن بحلية، وتتزيّى في كلّ نشأة بزي على ما سبق الكلام فيه في الحديث التاسع.

وقالوا: إنّ إسم الفاعل في قوله تعالى: (يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) (1)ليس بمعنى الإستقبال، بأن يكون المراد أنها ستحبط بهم في النشأة الأخرى، كما ذكره الظاهريون من المفسّرين، بل هو على حقيقته من معنى الحال فإنّ قبائحهم الخلقية والعلمية والاعتقادية محيطة بهم في هذه النشأة، وهي بعينها جهنّم التي ستظهر عليهم في النشأة الأخروية بصورة النار وعقاربها وحياتها.


بن مسلم - فالسند صحيح على ما حققناه في بعض رسائلنا، وحسن على المشهور - عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، قال : ما في الميزان شيء أثقل من الصلاة على محمّد وآل محمّد، وان الرجل لتوضع أعماله في الميزان، فتميل به، فيخرج (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الصلاة عليه فيضعها في ميزانه فترجّح (2).

وفي نهج البلاغة ومثله في الكافي نشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله شهادتان تصعدان القول وترفعان العمل، لا يخف


1) سورة العنكبوت: 54.

2) أصول الكافي 2: 494 ح 15.

وقس على ذلك قوله عزّو علا: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) (1)وكذا قوله سبحانه: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا) (2)أليس المراد أنها تجد جزاؤه، بل تجده بعينه لكن ظاهراً في جلباب آخر.

وقوله تعالى: (فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (3)كالصريح في ذلك. ومثله في القرآن العزيز كثير.

وورد في الأحاديث النبوية منه ما لا يحصى، كقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنّما يجرجر في جوفه نار جهنّم» (4).


ميزان توضعان فيه، ولا يثقل ميزان ترفعان عنه (5).

وله نظائر من الأخبار والآثار.

قوله: «يجرجر في جوفه».

وفي رواية: في بطنه.

يقال: جرجر فلان الماء في حلقه إذا تجرعه جرعاً متتابعاً له صوت، والجرجرة حكاية ذلك الصوت، وهذا مثل قوله تعالى (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) (6)فناراً منصوبة على المفعولية بقوله «يجرجر» وفاعله الشارب.


1) سورة النساء: 10.

2) سورة آل عمران: 30.

3) سورة يس: 54.

4) سنن ابن ماجه 2: 1130.

5) نهج البلاغة ص 169 رقم الخطبة: 114.

6) سورة النساء: 10.

وقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : « الظلم ظلمات يوم القيامة» (1).

وقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «الجنّة قيعان، وان غراسها: سبحان اللّه وبحمده».

إلى غير ذلك من الأحاديث المتكثّرة، واللّه الهادي.


وقيل: يجرجر فعل لازم، ونار رفع على الفاعلية وعن الزمخشري يروى برفع النار، والأكثر النصب، قيل: وهذا الكلام على المجاز؛ لأنّ نار جهنّم على الحقيقة لا تجرجر في جوفه (2).


1) أصول الكافي 2: 332 ح 10.

2) مجمع البحرين 3: 245.

الحديث الأربعون : مصير أرواح المؤمنين بعد الموت

إشارة:

وبالسند المتّصل إلى الشيخ الجليل أمين الاسلام أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (قدس اللّه روحه)، عن الشيخ الجليل محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد عن أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه، عن الشيخ الجليل عماد الاسلام محمّد بن يعقوب الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن محمّد بن أبي عمير، عن ابن حماد، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) عن أرواح المؤمنين. فقال: في الجنّة على صور أبدانهم لو رأيته لقلت فلان(1).

بیان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا الحديث

(عن أرواح المؤمنين) أي عمّا يؤول إليه حالها بعد خراب أبدانها، وكثيراً ما تطلق الروح على الجسم البخاري المتكوّن عن لطيف الدم المتبخّر المنجذب إلى التجويف الأيسر من القلب. والمراد هنا هو ما يشير إليه الانسان بقوله «أنا» أعني:


1) تهذيب الأحكام 1: 466 ح 172.

النفس الناطقه، وهو المعني بالروح في القرآن والحديث.

وقد تحيّر العقلاء في حقيقتها، واعترف كثير منهم بالعجز عن معرفتها، حتّى قال


الحديث الأربعون

قوله: «النفس الناطقة».

والقرينة على أنّ المراد بها هنا هو النفس الناطقة دون الجسم البخاري بقاؤها بعد فناء البدن، كما يدلّ عليه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : « في الجنّة» فإنّ الروح الحيواني اللطيف الحامل لقوّة الحسّ والحركة التي تنبعث من القلب، وتنتشر في جملة البدن في تجويف العروق الضوارب تبطل بالموت؛ لأنه بخار اعتدل نضجه عند اعتدال مزاج الأخلاط، فإذا انحل المزاج بطل كما يبطل النور الفايض من السراج عند انطفاء السراج بانقطاع الدهن عنه.

وأما الروح الانساني، فهي لا تفنى ولا تموت، بل تبقى بعد الموت: إما في نعيم وسعادة، أو في جحيم وشقاوة، فدلّ الحديث على أن النفس مغايرة للبدن وأجزائه، وأنها ليست المزاج ولا القوى ولا الحواس، وأنها لا تفنى بفناء البدن، بل تنتقل منها إلى بدن آخر مماثل له حتّى لو رأيته لقلت هو هذا البدن بعينه.

قوله: «وقد تحيّر العقلاء».

اختلفوا في معرفه حقيقتها اختلافاً كثيراً لا يكاد ينضبط، لكن يرجع حاصله إلى أنها إما جوهر أو عرض، والجواهر إما جسماني أو روحاني، فالأقسام ثلاثة:

الأول: أن يكون عرضاً، فقيل : هو المزاج المعتدل، وقيل: هو الحياة، وقيل: تخاطيط الأعضاء وتشكل البدن.

الثاني: أن يكون جسمانياً، فقيل: الهيكل المحسوس، وقيل: الأخلاط الأربعة، وقيل: أحد العناصر الأربعة. وقال النظام: جسم لطيف داخل البدن.

مسألة تجرّد النفس وبقاء النفوس أبداً

بعض الأعلام: إنّ قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «من عرف نفسه فقد عرف ربه»(1)معناه انه كما لا يمكن التوصل إلى معرفة النفس لا يمكن التوصل إلى معرفة الربّ. وقوله عزّو علا: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (2)ممّا يعضد ذلك.

والأقوال في حقيقتها متكثّرة، والمشهور أربعة عشر قولاً، ذكرناها في المجلّد الرابع من المجموع الموسوم بالكشكول.

والذي عليه المحققون أنها غير داخلة في البدن بالجزئية والحلول، بل هي بريئة عن صفات الجسمية، منزّهة عن العوارض المادّية متعلقة به تعلّق التدبير والتصرف فقط، وهو مختار أعاظم الحكماء الإلهيين، وأكابر الصوفية والإشراقيين، وعليه استقر رأي أكثر متكلّمي الامامية، كالشيخ المفيد وبني نوبخت، والمحقق نصير الملة والدين الطوسي، والعلّامة جمال الدين الحلّي.


وقال الرواندي: جزء لا يتجزى في القلب. وقيل: الروح جسم مركب من نارية الأخلاط.

ومن المتكلمين من قال: إنه أجزاء أصلية في البدن باقية من أول العمر إلى آخره، لا يتطرّق إليه الزيادة والنقصان، ولكلّ منهم دليل على مذهبه، فليطلب من مظانه.

قوله: «متكلّمي الامامية».

ومن العجب أنّ الفاضل الملي محمّد باقر بن محمّد تقي (قدّس سرّهما) قال في شرحه على الكافي في كتاب العقل بأنّ تجرّد النفس لم يثبت لنا من الأخبار، بل


1) عوالي اللئالي 4: 102 ح 149.

2) سورة الإسراء: 85.

----------------------------------------------------------------------

الظاهر منها ماديتها كما بيناه في مظانّه، وقد قال قبيل ذلك بأنه لا يظهر من الأخبار وجود مجرّد سوى اللّه (1).

وهو منه (رَحمهُ اللّه) غريب؛ لأنه لما قال في بحار الأنوار في ذيل تذييل ببقائها بعد فناء البدن، وتعلّقها في عالم البرزخ بأجساد مثاليه للأخبار الدالة عليه، فلابدّ له من القول بتجردها (2).

ولذا قال الشهيد (رَحمهُ اللّه) في الذكرى: دلّ القرآن العزيز على بقاء النفس بعد الموت، وتعلّقها بأبدان مثالية بناءً على تجرّدها (3).

اللّهمّ إلا أن يقال: إنّه (قدّس سرّه) يذهب إلى أنها جسم منفصل عن البدن خارج عنه مجاور له لا تفنى بفنائه فيتعلق بعد مفارقته عنه ببدن مثله مدة البرزخ، وهو شبيه بما قال به أكثر النصارى من أنّ الروح جسم روحاني سماوي، وإليه ذهب طائفة من المسلمين.

ولكنه باطل لما تقرّر في مقره، ولما نقل عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): الروح في الجسد كالمعنى في اللفظ. قيل: وما رأيت مثالاً أحسن من هذا.

ثم إنه (قدّس سرّه) قد رجع عن قوله بمادّيتها وصرّح بتجردها وبقائها في اعتقاداته، ونحن قد فصلنا القول فيه بما لا مزيد عليه في رسالة لنا مفردة معمولة لبیان تجرّدها مسمّاة بهداية الفؤاد، فليطلب من هناك (4).


1) مرآة العقول 1: 27.

2) بحار الأنوار 61: 104 - 105.

3) ذكرى الشيعة 2: 89.

4) هداية الفؤاد المطبوع في الرسائل الاعتقادية 2: 356.

ومن الاشاعرة الراغب الاصفهاني وأبي حامد الغزالي، والفخر الرازي، وهو المذهب المنصور الذي أشارت إليه الكتب السماوية، وانطوت عليه الأنباء النبوية، وعضدته الدلائل العقلية، وأيّدته الأمارات الحدسية، والمكاشفات الذوقية.

(فقال: في الجنّة) الظرفية مجازية باعتبار الشبح الذي تعلّقت الروح به، وإلاّ فهى مجرّدة غير مكانية


قوله: «في الجنّة».

فيه نظر؛ لأنّ المراد بالجنّة في هذا الخبر الصحيح وأمثاله - وإن كان يطلق عليه الحسن في المشهور بإبراهيم بن هاشم، إلا أنه صحيح كما حققناه في بعض رسائلنا - هو الجنّة البرزخية المخلوقة في المغرب التي تخرج إليها أرواح المؤمنين من حفرهم على صور أبدانهم العنصرية، أي: الأشباح المثالية في عالم البرزخ، فإنّ صورة الشيء قد يقال لشبحه ومثاله، كصورة الفرس المنقوشة على الجدار. وقد يقال لجزئه الذي يكون به شيء هو ما هو بالفعل كالنفس الفرسية.

والمراد بها هنا هو المعنى الأوّل، لا الجنّة الخلد التي يدخلونها بعد قيام الساعة بأبدانهم العنصرية بعد جمع أجزائها المتفرّقة، وهو المتنازع فيها بين المعتزلة والأشاعرة، ولعلّ الذي أسقطه في تلك الورطة هو اشتراك لفظة الجنّة، والغفلة عن محل النزاع.

والعجب أنه قال بعيد هذا في ذيل التنبيه: إنّ الأرواح تتعلّق بعد مفارقة أبدانها العنصرية بأشباح مثالية تشابه تلك الأبدان، ثمّ قال: والذي دلّت عليه الأخبار أنّ تعلقها بها مدة البرزخ، فتتنعم أو تتألّم إلى قيام الساعة، فتعود عنده إلى أبدانها، روی روایات تدلّ على أنّ أرواح المؤمنين في صفة الأجساد في شجر أو في

----------------------------------------------------------------------

حجرات في الجنة، يتعارفون ويتساءلون ويأكلون ويشربون من طعامها وشرابها، ويقولون: ربنا أقم لنا الساعة، وأنجز لنا ما وعدتنا (1).

ومع ذلك ذهب عنه أنّ جنّة الخلد إذا استقرّ فيها أهلها للثواب لم يخرجوا منها أبداً بالاتفاق، وليست لهم حينئذ حالة منتظرة ليقولوا ربنا أقم لنا الساعة، وأنجز لنا ما وعدتنا، بل إنما يطلبون ذلك ويسألونه في الجنّة البرزخية، مع ما هم فيه من طعامها وشرابها؛ لكونه ناقصاً في جنب ما ينالونه بعد إقامة الساعة، وإنجاز الوعد الحق من التقرّب والزلفى بالدرجات العلى والعيش بالحياة الطيبة، والأنس الدائم.

ثمّ ليت شعري ما الباعث له في الاستدلال على وجودهما الآن بمثل هذا الخبر مع وجود الأخبار الكثيرة الصريحة الدلالة عليه.

منها ما في عيون الأخبار في حديث طويل، وفيه قال: قلت له: يابن رسول اللّه أخبرني عن الجنّة والنار أهما مخلوقان؟ فقال: نعم وان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد دخل الجنّة ورأى النار لما عرج به إلى السماء، قال: فقلت له: إن قوماً يقولون: إنهما اليوم مقدّرتان غير مخلوقتين، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا هم منا ولا نحن منهم، من أنكر خلق الجنّة والنار فقد كذب النبي وكذبنا، وليس من ولايتنا على شيء، ويخلد في نار جهنم، قال اللّه تعالى (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ) (2)وقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): لما عرج بي إلى السماء أخذ


1) فروع الكافي 3: 244 - 245.

2) سورة الرحمن: 43 - 44.

----------------------------------------------------------------------

بيدي جبرئيل فأدخلني الجنّة الحديث (1).

والأخبار في ذلك أكثر من أن يحصى، وقد ذكرنا طرفاً صالحاً منها في هداية الفؤاد، فليطلب من هناك، وله شواهد من القرآن، وقصة آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) تؤكده.

وحملها على بستان من بساتين الدنيا، كبستان كان بأرض فلسطين، أو بين فارس وكرمان خلقه اللّه امتحاناً لآدم، كما زعمه أبو مسلم، يردّه ظواهر الآيات والروايات.

ففي عيون الأخبار عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : وسئل عن أكرم وادٍ على وجه الأرض؟ فقال: وادٍ يقال له: سرنديب فسقط فيه آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) من السماء (2).

وفيه أيضاً عن الرضاء اللّه في جواب محمّد بن جهم بعد أن سأله عن قوله تعالى (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) (3): إنّ اللّه خلق آدم حجة في أرضه وخليفة في بلاده، لم يخلقه للجنة، وكانت المعصية من آدم في الجنّة لا في الأرض، وعصمته تجب أن يكون في الأرض لتتم مقادير أمر اللّه، فلما أهبط إلى الأرض وجعل حجة وخليفة عصم بقوله عزّوجلّ (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا) (4)الآية (5).

ونحن قد أكثرنا الآيات والروايات في هذا المعنى في الرسالة المذكور (6)،


1) عيون أخبار الرضا 1: 116 ح 3.

2) عيون أخبار الرضا 1: 244.

3) سورة طه: 121.

4) سورة آل عمران: 33.

5) عيون أخبار الرضا 1: 192 - 193.

6) أي: رس رسالة هداية الفؤاد المطبوعة في مجموعة الرسائل الاعتقادية للمؤلّف.

----------------------------------------------------------------------

فليطالع من هناك.

وأما ما ورد في بعض الأخبار أنها كانت جنّة من جنان الدنيا، فمع أنه مرفوع اللّه في تفسير القمي (رَحمهُ اللّه) (1)و مجهول في الكافي بالحسن بن بشير (2)، فإنّه غير مذكور في رجال أبي عبد اللّه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، بل هو غير مذكور في الرجال مطلقا.

يدفعه ما ذكرناه من الأخبار، فإنّ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دخل الجنة ثمّ خرج منها، ولا فرق، بل كان آدم لعصيانه أولى بالإخراج، ولذا ذهب أكثر المفسرين، والحسن البصري، وعمر بن عبيد، وواصل بن عطا، وكثير من المعتزلة كالجبائي والرماني وابن الأخشد، إلى أنه كانت جنة الخلد؛ لأنّ الألف واللام للتعريف، وصار كالعلم لها.

قالوا: وقول من يزعم أن جنة الخلد من يدخلها لا يخرج منها غير صحيح؛ لأنّ ذلك إنما يكون إذا استقرّ أهل الجنّة فيها للثواب، وأما قبل ذلك فلا.

وهذا منهم ردّ على أبي هاشم حيث زعم أنها كانت جنّة من جنان السماء غير جنة الخلد، قال: لأنّ جنّة الخلد أكلها دائم، ولا تكليف فيها.

وبالجملة ظواهر الآيات والروايات الكثيرة وما نقلناه عن أكثر المفسرين تدلّ على أنّ جنّة آدم كانت جنّة من جنان الخلد. وكذا قال شارحي المقاصد والتجريد أنّ حملها على بستان من بساتين الدنيا يجري مجرى التلاعب بالدين، والمراغمة لإجماع المسلمين. ولعلّهما أرادا بإجماعهم اتفاق أكثرهم، ولم يعتبرا خلاف الشاذ منهم لكونه خلاف ظاهر الكتاب وصريح السنة.


1) تفسير القمي 1: 43.

2) فروع الكافي 3: 247 وفيه: الحسين بن ميسر.

(على صور أبدانهم) خبر ثان للمبتدأ المحذوف، أو حال من المستكن في الظرف. والمراد أنها عاكفة ومقيمة على تلك الصور.

ويحتمل أن تكون «على» بمعنى «في» كما قالوه في قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا) (1)وقوله سبحانه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) (2)تشبيهاً للملابسة التعليقية بالملابسة الظرفية.

(لو رأيته لقلت: فلان) لمّا كانت الصورة بمعنى المثال والشبح، صح إرجاع ضمير المذكّر إليها أي : لو رأيت ذلك الشبح المثالي لقلت: هذا فلان، أو لقلت له: يا فلان. وتقدير المبتدأ أو حرف النداء؛ لأنّ المفرد لا يكون محكياً بالقول عندهم.

تبصرة

ظاهر قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «في الجنة» يعطي أنّ الجنّة مخلوقة الآن. ومن قال بخلق الجنّة قال بخلق النار. وهو قول الأكثر. وعليه المحقّق الطوسي في التجريد (3)، وله شواهد من القرآن العزير، كقوله تعالى في حق الجنّة: (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (4)وفي حق النار: (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (5)فقد أخبر سبحانه عن إعدادهما بلفظ الماضي، وهو يدلّ على وجودهما، وإلا لزم الكذب والحمل على التعبير عن المستقبل بلفظ


وأما الرواية العاضدة لخلافهم، فمع أنها غير حجّة عليهما ؛ لأنهما لم يقولا بها، معارضة بأقوى منها وأكثر، فما أورده (قدّس سرّه) عليهما فهو غير وارد.


1) سورة القصص: 15.

2) سورة البقرة: 102.

3) تجريد الاعتقاد ص 309.

4) سورة آل عمران: 133.

5) سورة البقرة: 24.

الماضي عدول عن الظاهر. هكذا استدلّ الأشاعرة على هذا المطلوب.

ولوالدي (طاب ثراه) في هذا المقام كلام حاصله إنّ هذا الإستدلال ظاهر الإنطباق على مذهب المعتزلة من حدوث القرآن وأمّا على مذهب الأشاعرة فمشكل، مع قولهم بأنّ الكلام النفسي مدلول الكلام اللفظي، إذ الجنة والنار حادثتان، فلا مندوحة لهم من الحمل على التعبير عن المستقبل بالماضي، فلا يتم إستدلالهم.

ويختلج بالبال في توجيهه أن يجعل إلزامياً لكثير من المعتزلة، كعباد، وأبي هاشم، والقاضي عبد الجبار، حيث ذهبوا إلى أنهما غير مخلوقين، وإنما يخلقان يوم القيامة.

هذا وربما يستدلّ بقصة آدم و حوّاء، وإسكانهما الجنّة، وإخراجهما منها بالأكل من الشجرة

وهو يضعف بما قاله بعض المفسّرين من أنها كانت بستاناً من بساتين الدنيا. ويؤيده ما رواه الشيخ الجليل محمّد بن يعقوب الكليني، عن الحسين بن بشير،

قال: سألت الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) عن جنة آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال : جنّة من جنان الدنيا تطلع فيها الشمس والقمر، ولو كانت من جنان الآخرة ما خرج منها أبداً (1).

وأما ما في شرح المقاصد والشرح الجديد للتجريد، من أن الحمل على بستان من بساتين الدنيا يجري مجرى التلاعب بالدين والمراغمة لإجماع المسلمين. فليس بشيء؛ إذ لا تلاعب مع النقل عن المفسّرين المعتضد بالرواية عن الأئمّة الطاهرين (عَلَيهِم السَّلَامُ).


1) فروع الكافي 3: 247 ح 2.

وأما الإجماع، فغير ثابت ولا دلالة في قوله تعالى: ﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا) (1)على أنها لم تكن في الأرض، فإنّ الإنتقال من أرض إلى أخرى يسمّى هبوطاً، كما في قوله سبحانه: (اهْبِطُوا مِصْرًا) (2).

هذا ولكن ظاهر قوله تعالى: (قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (3)ربما يعطي أنّ الهبوط كان من غير الأرض إلى الأرض، فليتأمّل

تنبیه

في هذا الحديث دلالة على أمرين :

الأوّل: بقاء النفوس بعد خراب الأبدان. وإليه ذهب أكثر العقلاء من المليين والفلاسفة، ولم ينكره إلا فرقة قليلة، كالقائلين بأن النفس هي المزاج، وأمثالهم ممّن لم يعبأ بهم ولا بكلامهم. والشواهد العقلية والنقلية على ذلك كثيرة. وقد تضمن كتاب المطالب العالية منها ما لا يوجد في غيره.

و يكفي في هذا الباب قوله جلّ وعلا: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ


قوله جل وعلا: (ولا تحسبن الذين).

هذه الآية كما تدلّ على بقائها بعد فناء البدن وقيامها بنفسها، كذلك تدلّ على تعلقها بما يصلح أن يكون آلة لها في أكلها وشربها، وسائر لذاتها الجسمانية.

فعبر عنه في الأخبار تارة بالصورة، وأخرى بالمثال، وأخرى بالشبح والقالب


1) سورة البقرة : 38.

2) سورة البقرة: 61.

3) سورة البقرة: 36، الأعراف: 24.

بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (1).

الثاني: أنها تتعلّق بعد مفارقة أبدانها العنصرية بأشباح مثالية تشابه تلك الأبدان و عليه الصوفية وحكماء الإشراق.

والذي دلّت عليه الأخبار المنقولة عن أئمّة أهل البيت الا أن تعلّق الأرواح بهذه الأشباح يكون في مدة البرزخ، فتتنعم أو تتألم بها إلى أن تقوم الساعة، فتعود عند ذلك إلى أبدانها كما كانت عليه.


وما شابه ذلك.

وبالجملة فيها دلالة على أنّ الانسان غير الهيكل المحسوس، بل هو جوهر مدرك بذاته لا يفنى بخراب البدن، ولا يتوقف عليه إدراكه وتألمه والتذاذه، ومن أنكر ذلك ولم ير الروح إلا ريحاً وعرضاً قال هم أحياء يوم القيامة، وإنما وصفوا به في الحال لتحققه ودنوه، أو أحياء بالذكر أو الايمان. وفيه من التعسف ما لا يخفى.

قوله: «إلى أن تقوم الساعة فتعود عند ذلك إلى أبدانها».

أقول: فهذه الأخبار صريحة الدلالة له على بقاء النفوس أبداً من غير أن يطرأ عليها العدم، كما هو الظاهر من الشيخ (قدّس سرّه) هنا، وسيأتي في الفصل الآتي كلام أصرح من ذلك.

ويدل عليه أيضاً صحيحة الكناسي الطويلة المذكورة في فروع الكافي، فإنّ أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد صرّح في ثلاثة مواضع منها ببقاء الأرواح إما متنعمة أو معذبة إلى يوم القيامة، وبعد أن حاسبها اللّه بحسناتها وسيئاتها، فإما إلى الجنّة أو إلى النار (2).

وصحيحة عمرو بن يزيد قال: قلت لأبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ): إني سمعتك وأنت تقول:


1) سورة آل عمران: 169 - 170.

2) فروع الكافي 3: 246 - 247 ح 1.

----------------------------------------------------------------------

كل شيعتنا في الجنّة على ما كان فيهم، قال: صدقتك كلّهم واللّه في الجنة، قال: قلت: جعلت فداك إنّ الذنوب كثيرة كبار، فقال: أما في القيامة فكلّكم في الجنّة بشفاعة النبي المطاع أو وصي النبي، ولكنّي واللّه أتخوّف عليكم في البرزخ، قلت: وما البرزخ؟ قال: القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة (1).

وصحيحة أبي بصير المذكورة في أصول الكافي عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث طويل نأخذ منه بقدر الحاجة، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): عندنا علم ما كان وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، قال: قلت: جعلت فداك هذا واللّه هو العلم، قال: إنّه لعلم وليس بذاك، قال: قلت: جعلت فداك فأيّ شيء العلم؟ قال: ما يحدث بالليل والنهار الأمر من بعد الأمر، والشيء بعد الشيء إلى يوم القيامة (2).

وهذا كما ترى صريح في أنّ هذا العلم لا ينقطع عنهم (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) بعد الموت، فيدل على بقاء النفس بعد خراب البدن إلى يوم القيامة، وعلى اكتسابها للعلوم بعد التجرّد منه، كما يدل عليه روايات كثيرة :

منها صحيحة زرارة، قال: سمعت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: لولا أنا نزداد لأنفدنا، قال: قلت: تزدادون شيئاً لا يعلمه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ؟ قال: أما انه إذا كان ذلك عرض على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ثمّ على الأئمّه، ثمّ انتهى الأمر إلينا (3).

ومنها: صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبطريق آخر عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : إنّ اللّه تبارك وتعالى علمين علم أظهر عليه ملائكته وأنبياءه


1) فروع الكافي 3: 242 ح 3.

2) أصول الكافي 1: 240 ح 1.

3) أُصول الكافي 1: 255 ح 3.

----------------------------------------------------------------------

ورسله، فما أظهر عليه ملائكته ورسله وأنبياءه فقد علمناه، وعلماً استأثر به، فإذا بدا اللّه في شيء ء منه علمنا ذلك، وعرض على الأئمّة الذين كانوا من قبلنا (1).

إلى غير ذلك من الروايات، فالقول بأن اللّه تعالى يفني الأشياء جميعاً ثمّ يوجدها - كما اختاره الفاضل الملي محمّد باقر بن محمّدتقي (قدس سرهما) في الفرائد الطريفة مستدلاً عليه بخطبة مذكورة في نهج البلاغة (2)غير معلومة السند والصحة، ثمّ فرّع عليه قوله : فلا عبرة بما يقال من امتناع إعادة المعدوم، فإنّ دلائلهم مدخولة ضعيفة، لا تعارض النصوص الجليلة الواضحة (3).

مما لا عبرة به، ولا يدلّ عليه الأظاهر هذه الخطبة، وهي معارضة بأخبار كثيرة صحيحة صريحة في بقاء النفس وأبديّتها، وكذلك الجنة والنار وأهاليهما من غير أن يطرأ عليه العدم، كما بينا في هداية الفؤاد المعمولة لبيان أحوال المعاد، وقد عمل بهذه الأخبار جم غفير من علمائنا كالصدوق في اعتقاداته، والشهيد في الذكرى، وغيرهما حيث صرّحوا ببقاء النفس وأبديّتها، وذكروا لإثباته ما يشاكل هذه الأخبار.

والعجب أنه (قدّس سرّه) لإثباته ما يشاكل هذه الأخبار، والعجب أنه (قدّس سرّه) صرّح في كلام له مذكور في بحار الأنوار (4)بأن الأراوح في البرزخ تتعلق بالأجساد المثالية، وأسنده إلى الأخبار، وفي غير واحد منها أن البرزخ عبارة عن


1) أصول الكافي 1: 255 ح 1.

2) نهج البلاغة ص 275 - 276 برقم: 186.

3) الفرائد الطريفة ص 109 - 110.

4) بحار الأنوار 6: 201.

----------------------------------------------------------------------

القبر منذ حين الموت إلى يوم القيامة وهو يوم البعث؛ لقوله تعالى (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (1)وبعده لا موت ولا فناء لشيء من الأرواح من غير خلاف، فكيف يسوغ له القول بأنه تعالى يفني الأشياء جميعاً ثمّ يوجدها.

وبالجملة أخبار أبديّة النفوس مع أنها مؤيّدة بأدلّة عقلية قطعية دالة على امتناع إعادة المعدوم حتّى كاد الأمر أن يكون بديهياً، ولهذا قال كثير منهم ابن سينا في التعليقات وغيره أنّ هذه الدلالة تنبيهات على ذلك المطلب، وإلا فأصله بديهى وإنكاره يوجب رفع الاعتماد عن حكم العقل رأساً.

قال المحقّق الدواني جلال الدين محمّد خلّدت إفاداته في القديمة بعد نقل كلامه ولما كان الشيخ يدّعي بداهة المدّعى، لم يبال بذكر بعض المقدّمات التنبيهية في صورة المنع.

وقال ملاً ميرزا جان بعد ذكر التنبيهات فعلم أنّ امتناع إعادة المعدوم مركوز في جميع الطباع، وقد ذكره صاحب التجريد تلميذه الفاضل الحلّي آية اللّه العلّامة وغيرهما أدلّة عديدة على امتناعها غير قابلة للتأويل؛ لكونها ناصة بالباب هادية إلى الصواب، بخلاف النادرة الدالّة إمّا بعمومها أو بإطلاقها على خلافها، فوجب إما التخصيص أو التقييد.

ونحن ذكرنا طريق تخصيصها في الهداية، وفصلنا القول في هذه المسألة فيها، وأجملناه في جامع الشتات، فليطلب من هناك، وبالله التوفيق.


1) سورة المؤمنون: 100.

وروى الشيخ الجليل عماد الاسلام محمّد بن يعقوب الكليني في أواخر كتاب الجنائز من الكافي، عن الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : إن الأرواح في صفة الأجساد في شجر في الجنّة تتعارف وتتساءل، فإذا قدمت الروح على تلك الأرواح تقول: دعوها، فإنّها قد أقبلت من هول عظيم، ثمّ يسألونها ما فعل فلان وما فعل فلان ؟ فان قالت لهم : تركته حيا، إرتجوه، وإن قالت لهم : قد هلك، قالوا: قد هوى (1).

وفي الكافي أيضاً عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن أرواح المؤمنين في حجرات في الجنة، يأكلون من طعامها، ويشربون من شرابها، ويقولون: ربنا أقم لنا الساعة، وأنجز لنا ما وعدتنا، وألحق آخرنا بأوّلنا (2).

وروي في أرواح الكفّار بضد ذلك.

وروى الشيخ الجليل أمين الاسلام محمّد بن الحسن الطوسي في كتاب تهذيب الأخبار، عن الامام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال ليونس بن ظبيان ما يقول الناس في أرواح المؤمنين؟ فقال يونس: يقولون:


قوله: «قد هوى».

هوي كناية عن دخول النار، من قولهم هوي هو أي: هلك، ومنه «كم من دنف نجا، وصحيح قد هوى» أي مات وهلك (3).

والمراد أنه سقط في الهاوية إسم من أسماء جهنّم، وكأنها النار العميقة يهوي أهل النار فيها مهوى بعيداً.


1) فروع الكافي 3: 244 ح 2.

2) فروع الكافي 3: 244 ح 4.

3) مجمع البحرين 1: 483.

في حواصل طير خضر في قناديل تحت العرش. فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): سبحان اللّه، المؤمن أكرم على اللّه من ذلك، أن يجعل روحه في حوصلة طائر أخضر. يا يونس المؤمن إذا قبضة اللّه تعالى صيّر روحه في قالب كقالبه في الدنيا(1).

وأمثال هذه الأحاديث من طرق الخاصّة كثيرة. وروى العامّة أيضاً ما يقرب منها.


قوله: «في حواصل طير».

هذا ما رواه العامّة عن ابن عباس أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : أرواح الشهداء في أجواف طير أخضر يرد أنهار الجنّة ويأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل متعلّقة في ظل العرش (2).

وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً بيونس بن ظبيان؛ لأنه غال وضاع للحديث، لا يلتفت إلى حديثه، إلا أنه يدلّ على أنّ العامّة يكذبون على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وله مؤيدات الأخبار، كقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «أيها الناس قد كثرت على الكذابة»(3)وأمثاله، والعقل أيضاً يدلّ على كذبه ووضعه؛ لأنّ الروح أعني النفس الناطقة جوهر مجرّد قائم بنفسه لا يحل في محلّ ولا مكان، فكيف يكون في جوف طير أو حوصلة.

اللّهمّ إلا أن يجعل ذلك كناية عن تعلّقها بجسم لطيف يتشكل أحياناً بهذا الشكل، كما ورد نظيره في طرق الخاصّة أيضاً.

ففي فروع الكافي في رواية إسحاق بن عمّار، عن أبي الحسن الأول (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : سألته عن الميت يزور أهله؟ قال: نعم، فقلت في كم يزور؟ قال: في الجمعة، وفي


1) تهذيب الأحكام 1: 466 ح 17.

2) كنز العمّال 413:4 - 414.

3) أصول الكافي 1: 62 ح 1.

وهم وتنبيه

قد يتوهم أن القول بتعلّق الأرواح بعد مفارقة أبدانها العنصرية بأشباح أخر، كما دلّت عليه تلك الأحاديث، قول بالتناسخ.

وهذا توهّم سخيف؛ لأنّ التناسخ الذي أطبق المسلمون على بطلانه هو تعلّق الأرواح بعد خراب أجسامها بأجسام أخرى في هذا العالم: إما عنصرية كما يزعم بعضهم ويقسمه إلى النسخ والمسخ والفسخ والرسخ (1)، أو فلكية إبتداءً، أو بعد تردّدها في الأبدان العنصرية على اختلاف آرائهم الواهية المفصلة في محلّها.


الشهر، وفي السنة، على قدر منزلته، فقلت: في أي صورة يأتيهم؟ قال: في صورة طائر لطيف يسقط عن جدرهم ويشرف عليهم الحديث (2).

وفي رواية أخرى: يأتيهم في بعض صور الطير يقع في دارهم ينظر إليهم ويسمع كلامهم (3).

وأخرى في صورة عصفور أو أصغر من ذلك (4).

ولكن رده (عَلَيهِ السَّلَامُ) و تعجبه منهم بقوله «سبحان الله» ينافي هذا التأويل، فتأمّل.

قوله: «ويقسمه إلى النسخ».

إن تعلّقت بأبدان إنسانية فهذا النسخ وإن كان تعلّقها بأبدان حيوانية من البهائم


1) بأنّ الجسم المنتقل إليه: إما بدن إنساني، أو بدن آخر من البهائم والسباع وغيرها، أو نبات، أو جماد، فالأول هو النسخ، والثاني هو المسخ، والثالث هو الفسخ، والرابع هو الرسخ (منه).

2) فروع الكافي 3: 230 ح 3.

3) فروع الكافي 3: 231 ح 4.

4) فروع الكافي : 231 ح 5.

----------------------------------------------------------------------

والسباع فهو المسخ وإن كانت في قوالب النباتات كالرياحين ونحوها فهو الفسخ، وإن كانت في صور الجمادات مثل الزخارف والأحجار فهو الرسخ، كذا يفهم من الشرح الجديد للتجريد.

والفلاسفة لما لم يقولوا بوجود النشأة الآخرة، جعلوا الأجرام السماوية ممّا يتعلق به النفس بعد مفارقتها أبدانها العنصرية، وجعلوها آلة لتخيلها جميع ما كانت اعتقدته في دار الدنيا من أحوال القبر والبعث والخيرات والشرور، وغيرها من الأحوال الأخروية، كما نص به ابن سينا في فصل المعاد من الشفاء (1).

وتفصيل الكلام في هذا المقام على ما ذكره بعض الأعلام: إن أحوال النفس الإنسانية بعد المفارقة لا تخلو عن خمسة أقسام؛ لأنها: إما أن تكون كاملة في القوة العلمية والعملية ومتوسطة فيهما، أو كاملة في العلمية دون العلمية دون العملية، أو في العملية دون العلمية، أو ناقصة فيهما، والأوّل هو الكامل في السعادة من السابقين المقربين، والثاني والثالث والرابع من المتوسطين في السعادة الأربعة من أصحاب اليمين، والخامس كامل في الشقاوة من أصحاب الشمال المقيمين في الهاوية.

أما الأوّل، فلأن النفس إذا تحلّت بالتطلّع على حقائق الموجودات الحكمية النظرية، وتخلّت عن رذائل الملكات العملية، عشقت بنوع النوراني أكثر منه إلى الظلماني؛ لزوال المانع بالتخلية عن الجهل والرذائل المشوقين إلى الظلماني المعوقين عن النوراني، ووجود المقتضي بالتحلية بالعلم والفضائل، مع أن النور بطبعه مشتاق إلى سنخه، فإذا شاهدت العالم النور المحض بعد موت البدن تخلّصت


1) الشفاء، الإلهيات ص 432.

----------------------------------------------------------------------

عن البدن بالكلية إلى ذلك العالم لكمال موتها وشدّة انجذابها إليه؛ إذ لا نزوع لها إلى العالم الظلماني؛ لأنها قهرت الظلمات لا الظلمات قهرتها، وإذا اتصلت بذلك العالم رأت ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

وأما الثلاثة التالية له المتوسطون فى السعادة، فقد يتخلصون إلى عالم المثل المعلّقة التي مظهرها بعض الأجرام الفلكية، لكن يختلف مظاهرها بحسب اختلاف هيئات نفوسهم، فإنّ النفس كلّما كانت أشرف وأسنى كان مظهرها أصفى، وفي معراج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إشارة إلى هذا، حيث شاهد الصور المثالية للأنبياء في السماوات وشافههم، وفيه سرّ ورمز حلّه إن أطقت واستطعت.

وللثاني والثالث أعني المتوسطين في العمل والعلم والكامل في العمل ايجاد المثل الروحانية المعلّقة لا في محلّ والقوة على إيجادها، فيستحضران من الأطعمة اللذيذة والصور المليحة والسماع الطيب وغير ذلك على ما تشتهي الأنفس وتلد الأعين، وتلك الصور أتمّ ممّا عندنا من صور هذا العالم، فإنّ مظاهرها وقوابلها ناقصة؛ لأنها هيولى عالم الكون والفساد المشترك، وهي متبدلة دائماً، تخلع صورة وتلبس أخرى، ومظاهر تلك الصور أي الأجرام الفلكية كاملة لا تتكوّن ولا تفسد.

ثم اختلف الأقدمون في أنهم يخلدون في تلك الأجرام أبداً، أو زماناً طويلاً، ثمّ يتخلصون إلى عالم النور، فذهب الأوّلون إلى أنّ المتوسطين في العلم والعمل والكامل في العمل يخلدان في بعض الأفلاك إذا لم يكن لهما استعداد الخلاص إلى عالم النور المحض، ولا للترقي إلى فلك أعلى سماً تعلقاً به، وان الكامل في العلم دون العمل لا يخلد فيه، بل يترقي من الأدنى إلى الأعلى، إلى أن يصل إلى المجرّد،

----------------------------------------------------------------------

ثمّ يتخلّص إلى عالم النور إن كان لها استعداد ذلك.

وذهب أفلاطون إلى أنهم لا يخلدون في الأجرام السماوية التي دون المجرّد، بل ينتقلون من البعض إلى البعض، فإنّ النفوس التي مظاهرها فلك القمر كإسماعيل، كما أخبر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه رآه ليلة الأسرى هنالك، يمكث فيه زماناً قصيراً أو طويلاً حتّى يزول عنه بعض الهيئات، ثمّ يرتقي إلى ملك عطارد، وهكذا حتّى يصل إلى المحدّد، فإن استعدّ إلى الارتقاء إلى عالم العقل المحض فعل، ولم يخلد في المحدود.

وذهب بعضهم إلى أنه لابد من المرور على الأفلاك والخلاص منها إلى عالم النور، وإليه مال صاحب إخوان الصفا، قال: والحق أنّ النفوس المرتقية إلى الفلك الأعلى إذا مكتت فيه المكث اللايق بها، ينتقل علاقتها من هذا العالم إلى عالم المثل النورانية؛ لأنه المصاحب له وترتقي فيه من مرتبة إلى أخرى حتّى تصل إلى الملك الأعلى من عالم المثال، ثمّ ينتقل منه إلى عالم النور المحض لمجاورته إياه، مع أنّ أكثر النفوس المستعدة للوصول إلى عالم العقل ترتقي من العالم الحسّي والمثالي على الترتيب من مرتبة إلى أعلى منها حتّى يصل إلى عالم العقل، ثمّ يدوم فيه أبداً؛ لأنّ هذه العوالم منازل ومراحل إلى اللّه تعالى، ويستحيل الوصول إليه دون قطع الجميع، كما هو سنة اللّه في الأرض والسماء، ولن تجد لسنة اللّه تحويلا.

وأما القسم الخامس، فكانوا لجهنّم حطباً، وقد أصبحوا في دارهم جاثمين، أي: مائلين إلى الجسمانيات إذا تخلّصوا عن أبدان الحيوانات إن كان التناسخ حقاً، وعن أبدان الانسانية إن كان باطلاً، فإنّ حجج الطرفين ضعيفة يكون لها ظلال

----------------------------------------------------------------------

مثالية، هي صور خيالية معلقة لا في محلّ حسب هيئآتها المناسبة لها؛ إذ ليس ما للكاملين ليتخلّصوا عن الصياصي إلى عالم النور، ولا ما للمتوسطين ليصير الأفلاك مظاهر لنفوسهم، وما فيهم من الهيئات الرديئة تلجئهم إلى التعلّق، فيتعلّقون بالصور المثالية اللايقة بها؛ إذ لكلّ خلق من الأخلاق المذمومة والهيئات الرديئة المتمكنة في النفس أبدان تختص به، كالكبر والشجاعة المناسبة للأسد ونحوها، والخبث والروغان لأبدان الثعالب، وأمثال المحاكا والسخرية لأبدان القرد وأشباهها، والسلب واللصوصية لأبدان الذئاب وأشكالها، والعجب للطاووس والحرص للخنزير، إلى غير ذلك

ولكل بدن جزء من الخلق الذي به وعلى قدره، مثلاً للحرص أبدان كالخنزير والنمل، فليس حرص النمل كحرص الخنزير، بل لكل منهما جزء مقسوم، والحرص بعض أفرادهما كحرص الباقي، بل لكلّ منهما مرتبة مخصوصة، فبحسب شدة كل خلق وضعفه وما ينقسم إليه من باقي الأخلاق المحمودة أو المذمومة القوية أو الضعيفة، واختلاف تراكيبها الكثيرة يختلف تعلّق النفوس الموصوفة بها بالأبدان المناسبة لها، كالشره في الكلب يختلف باختلاف الأشخاص والأصناف، ككلب السوق والمسلخ والصيد والهراش.

ولاختلاف النفس في الأخلاق المحمودة والمذمومة وشدتها وضعفها واختلاف تراكيبها تختلف أظلالهم المثالية، فمن فيه هيئة رديئة شديدة يتعلّق بعد المفارقة بأعظم بدن حيوان يناسب أقوى تلك الهيئات، ثمّ ينزل على الترتيب من الأكبر إلى الأوسط، ثمّ إلى الأصغر، إلى أن تزول تلك الهيئة الرديئة، ثمّ يتعلّق بأعظم بدن يناسب الهيئة التي تلى الهيئة الأولى فى القوة، متدرّجاً في النزول إلى

----------------------------------------------------------------------

أن تفنى كلِّ تلك الهيئات الرديئة تتصل بعالم العقول.

وقوله (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا) إشارة إلى تبديل جلودهم بالوجه المذكور.

وأما قوله (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا) (1)أي: في النيران المختلفة التي هي دركات جهنّم يعني الأبدان المثالية للحيوانات المثالية «أعيدوا فيها أي في تلك النيران التي هي الأبدان أيضاً.

وكذا قوله (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ) (2)وكذا قوله (رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ) (3)يعني من أبدان الحيوانات من سبيل، حتّى لا نموت مرّة أخرى أو مرّات.

وقال في السعداء: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) (4)لاستحالة انتقالهم إلى المثل الحيوانية لغلبة الأخلاق الفاضلة، وإذا لم تنتقل إليها لم يذوقوا إلا الموتة الأولى.

وكذا قوله (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ) (5)أي: على صورة الحيوانات التي انتكست رؤوسهم. إلى هنا كلامه.

ولا يخفى ما فيه من المخالفة للشرع الأنور على من تبصر ثمّ تدبّر.


1) سورة السجدة: 20.

2) سورة المؤمنون: 107.

3) سورة غافر: 11.

4) سورة الدخان: 56.

5) سورة الإسراء: 97.

وأما القول بتعلّقها في عالم آخر بأبدان مثالية مدة البرزخ إلى أن تقوم قيامتها الكبرى، فتعود إلى أبدانها الأولية بإذن مبدعها إمّا بجمع أجزائها المتشتة، أو بايجادها من كتم العدم كما أنشأها أوّل مرّة، فليس من التناسخ في شيء. وإن سمّيته تناسخاً، فلا مشاحة في التسمية إذا اختلف المسمّى.


قوله: «إما بجمع أجزائها المتشتة».

إشارة إلى منكري إعادة المعدوم بعينه، فإنّهم لا يقولون بانعدام الأجسام، بل بتفرّق أجزائها، وخروجها عن حيّز الانتفاع فالمعاد الجسماني عندهم عبارة عن جمع تلك الأجزاء المتفرّقة، وعود الروح من البدن المثالي بعد انقضاء مدة البرزخ إليه، وتعلقها به كما كانت متعلقة به قبل تلك المدّة.

فإن قيل: فيكون تناسخاً لانتقالها منه إليه منه إليه.

قلنا: امتناع التناسخ عندنا إنما يتمّ بالدليل النقلي، والدليل العقلي الذي ذكروه لا يتم، والدليل النقلي لا يشمل تلك الصورة فإن سمّيت ذلك تناسخاً، فلابدّ من البرهان على امتناعه؛ إذ النزاع إنّما هو في المعنى لا في اللفظ، بل نقول: هذا عين الحشر الجسماني.

وأما قوله «أو بايجادها من كتم العدم» فإشارة إلى مذهب مجوزي الإعادة وأنت خبير بأنّ على هذا المذهب لا معنى لتوهّم التناسخ؛ إذ عبارة عن انتقال النفس من بدن إلى بدن هو مغاير له في هذا العالم، أو مطلقا على ما توهم، ومن جوز إعادة المعدوم جوّز فنائها بفنائه، فهو لا يقول ببقائها مدة البرزخ، وتعلّقها بأجساد مثالية حتّى يتوهم منه التناسخ.

والقول بأن صاحب هذا المذهب لعلّه يقول ببقائها مدة البرزخ، أو بعد مدة من فناء البدن، لكنّه يقول بفنائها عند النفخة الأولى أو بعدها.

وليس إنكارنا على التناسخية، وحكمنا بتكفيرهم، لمجرد قولهم بانتقال الروح من بدن إلى آخر، فإنّ المعاد الجسماني كذلك عند كثير من أهل الاسلام، بل لقولهم بقدم النفوس وتردّدها في أجسام هذا العالم، وإنكارهم المعاد الجسماني في النشأة الأخروية.

قال الفخر الرازي في نهاية العقول: إنّ المسلمين يقولون بحدوث الأرواح وردّها إلى الأبدان لا فى هذا العالم. والتناسخية يقولون بقدمها وردّها إليها في هذا العالم، وينكرون الآخرة والجنّة والنار، وإنما كفروا من أجل هذا الإنكار. إنتهى كلامه ملخّصاً. فقد ظهر البون البعيد بين القولين، واللّه الهادي.


ممّا لا يخفى ما فيه من التعسّف؛ إذ البرزخ عبارة عمّا بين الموت والبعث (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (1)واحتمال بقائها بعد مدة فنائه ثمّ فناؤها، ممّا يدفعه الأخبار الدالّة على أنها إذا فارقت البدن، فهي باقية إما منعمة أو معذبة، إلى أن يردّها اللّه إلى بدنها العنصرية، فتأمّل.

قوله: «لا في هذا العالم».

هذا على مذهبه، وأما على مذهبنا فيرد أرواح قوم ممّن محض الايمان محضاً، أو محض الكفر محضاً، إلى أبدانها في هذا العالم قبل أن يحشر الناس جميعاً في النشأة الأخرى، وذلك في الرجعة إلى النشأة الأولى قبل القيامة الكبرى من غير تناسخ مستحيل، كما يقوله من ضل عن سواء السبيل.

وذلك لأنه قد تظاهرت الأخبار عن النبي والأئمّة الأطهار صلوات اللّه عليه وآله الأخيار أنّ اللّه عزّ وجلّ سيعيد عند قيام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قوماً ممّن تقدّم موتهم


1) سورة المومنون: 100.

ختام

ما ورد في بعض أحاديث أصحابنا (رضي اللّه عنهم) من أنّ الأشباح التي تتعلّق بها النفوس ما دامت في عالم البرزخ ليست بأجسام، وأنهم يجلسون حلقاً حلقاً على صور أجسادهم العنصرية يتحدّثون ويتنعمون بالأكل والشرب، وأنهم ربما


من أوليائه ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ويبتهجوا بظهور دولته، ويعيد أيضاً قوماً من أعدائه لينتقم منهم ولينالوا بعض ما يستحقونه من العقاب والقتل على أيدي شيعته، أو الذل والخزي ممّا يشاهدونه من علوّ كلمته (1).

ولا شكّ أنّ هذا من مقدور اللّه تعالى؛ لأنه غير مستحيل في نفسه وقد أخبر به الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فوجب تصديقه، وقد فعل اللّه مثله في الأمم الماضية، كما أخبر به في كتابه العزيز، كقصة عزير (الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ) (2)وغير ذلك، ونحن قد فصلناه في أوائل جامع الشتات(3)، فليطلب من هناك

قوله: «يتحدّثون ويتنعمون».

في فروع الكافي في حديث ضريس الكناسي، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إن لله جنّة خلقها في المغرب، وماء فراتكم يخرج منها، وإليها تخرج أرواح المؤمنين من حفرهم عند كل مساء، فتسقط على ثمارها، وتأكل منها، وتتنعم فيها، وتتلاقي وتتعارف، فإذا طلع الفجر هاجت من الجنّة، فكانت في الهواء فيما بین السماء والأرض، تطير ذاهبة وجائية، وتعهد حفرها إذا طلعت الشمس، وتتلاقي في الهواء وتتعارف.


1) راجع: بحار الأنوار 53: 39 - 144.

2) سورة البقرة: 243.

3) جامع الشتات ص 26 - 30.

يكونون في الهواء بين الأرض والسماء، يتعارفون في الجو ويتلاقون، وأمثال ذلك ممّا يدلّ على نفي الجسمية وإثبات بعض لوازمها على ما هو منقول في الكافي وغيره عن أمير المؤمنين والأئمّة من أولاده (عَلَيهِم السَّلَامُ)، يعطي أن تلك الأشباح ليست في كثافة الماديات، ولا في لطافة المجرّدات، بل هي ذوات جهتين وواسطة بين العالمين.

وهذا يؤيد ما قاله طائفة من أساطين الحكماء من أنّ في الوجود عالماً مقدارياً


قال: وإن لله ناراً في المشرق خلقها ليسكنها أرواح الكفار، ويأكلون من زقومها، ويشربون من حميمها ليلهم، فإذا طلع الفجر هاجت إلى واد باليمن يقال له برهوت، أشدّ من نيران الدنيا، كانوا فيها يتلاقون ويتعارفون، فإذا كان المساء عادوا إلى النار، فهم كذلك إلى يوم القيامة (1). والحديث طويل أخذنا منه قدر الحاجة.

قوله: «ما قاله بعض أساطين الحكماء».

لعله إشارة إلى ما نقل عن أفلاطون الإلهى ومن يحذو حذوه، من أنّ في العالم الإلهي وهو عالم الحياة والإدراك بإزاء كلّ ما وجد في عالم الشهادة مثال مجرّد موجود قائم بذاته لا يفنى ولا يفسد ولا يتغيّر، فسموها بالمثل، وقد صرّح به المعلم الثاني، حيث قال: إن أفلاطون قد أومأ في كثير من أقاويله أن للموجودات صوراً مجرّدة في العالم الإله المقدّس، وربما يسمّيها المُثل الإلهية، وأنها لا تدثر ولا تفسد، بل هي باقية أبداً، وقد أبطلها المعلّم الأول ومن تبعه من الشيخين أبي نصر الفارابي وأبي على سينا.


1) فروع الكافي 3: 247 ح 1.

غير العالم الحسّي، وهو واسطة بين عالم المجرّدات وعالم الماديات، ليس في تلك اللطافة، ولا في هذه الكثافة، فيه للأجسام والأعراض من الحركات والسكنات والأصوات والطعوم والروائح وغيرها مثل قائمة بذواتها معلقة لا في مادة، وهو عالم عظيم الفسحة، وسكانها على طبقات متفاوتة في اللطافة والكثافة، وقبح الصورة وحسنها، ولأبدانهم المثالية جميع الحواس الظاهرية والباطنية، فيتنعمون ويتألمون باللذات والآلام النفسانية والجسمانية.

وقد نسب العلّامة في شرح حكمة الإشراق القول بوجود هذا العالم إلى


وإن كلامه فيه كلام، كيف لا ؟ وقد جاء في الأخبار ما يؤيده، حيث نقلوا عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه قال: إنّ لكلّ شيء ملكاً، حتّى ان لكل قطرة من المطر ملكاً ينزل معها.

وفي خبر آخر : لكل أحد مثال، كلّما فعله فعل ذلك المثال، فإذا فعل حسناً اطلع اللّه عليه الملكوت، وإذا صنع سوء ضرب اللّه بينه وبين الملكوت حجاباً، فلا يطلعون عليه، وعليه أنزل يا من أظهر الجميل، وستر القبيح. وغير ذلك من الأخبار والآثار، وله شواهد حكمية، وتوجيهات وجيهة لا يخفى.

قوله: «وقد نسب العلّامة».

أي: الشيرازي في شرح حكمة الإشراق، وكذا في رسالة له في تجسّد الأعمال وعالم المثال، حيث قال: إن العوالم أربعة عالم العقول التي لا تعلّق لها بالأجسام ألبتة، وعالم النفوس المتعلّقة بالأجسام الانسانية والفلكية، وعالم الأجسام التي هي الأفلاك والعناصر وما فيهما، وعالم المثال والخيال الذي سمّاه المتشرعون برزخاً، وأهل العقول عالم الأشباح المجردة، وهو الذي أشار إليه الأقدمون أنّ في الوجود عالماً مقدارياً غير عالم الحسّي يحذو حذو العالم في الأفلاك و العناصر

----------------------------------------------------------------------

بجميع ما فيهما من الكواكب والمعادن والنباتات والحيوان والانسان.

وفي دوام حركة أفلاكه المثالية، وقبول عناصره ومركباته آثار حركة أفلاكه، وإشراقات العوالم العقلية، وتحصل فيه أنواع الصور المعلقة المختلفة إلى غير نهاية على طبقات مختلفة لطافة وكثافة، كلّ طبقة لا يتناهي أشخاصها، وإن تناهت الطبقات.

وذلك أن العالم المثالي وإن تناهت من جهة فيض الأول الإبداعي من الكواكب والأفلاك ونفوسها والعناصر ومركباتها المثالية من المعادن والنبات والحيوان لحاجتها إلى العلل وجهات عقلية، ولبيان تلك الجهات للبرهان على نهاية الترتبات العقلية يتناهي معلولاتها المثالية، إلا أنّ الحاصل من أشباح المجرّدة بالفيض الثاني على حسب الاستعداد الحاصل من الأدوار الغير المتناهية لا يتناهي، لكن لعدم ترتب تلك الأشباح وعدم تركب بعد متناه منها، جاز كونها غير متناهية.

وهذا العالم على طبقات كلّ طبقة منها أنواع ممّا في عالمنا هذا، لكنّها لا يتناهي، وبعضها يسكنها قوم من الملائكة والجن والشياطين، ولا يحصى عدد الطبقات ولا ما فيها إلا البارى تعالى.

وكل من وصل إلى طبقة أعلى وجدها ألطف مرأى، وأبهى منظراً، وأشد روحانية، وأعظم لذة ممّا قبلها وآخر الطبقات وهو أعلاها يتآخم الأنوار العقلية، وهي قريبة الشبه بها، وعجائب هذا العالم لا يعلمها إلا اللّه، وللساكين فيها مآرب وأغراض من إظهار العجائب وخوارق العادات، كإظهار أبدانهم المثالية في مواضع شتى في وقت واحد أو أوقات تترى، و إحضار ما يريدون من المطعم

----------------------------------------------------------------------

الشهي والمشرب النهى والملبس البهي إلى غير ذلك، وكذا المبرزون من السحرة والكهنة يشاهدونه ويظهرون منه العجائب، وبهذا العالم يتحقق بعث الأجساد على ما ورد في الناموس الإلهي.

وكذا الأشباح الربانية أعني الأشباح المليحة الفاضلة والعظيمة الهائلة التي يظهر فيها العلة الأولى، والأشباح التي يليق بظهور العقل الأول وأشباهه فيها؛ إذ لكل من العقول أشباح كثيرة على صور مختلفة تليق بظهورها، وقد تكون للأشباح الربانية مظاهر في هذا العالم إذا ظهرت فيها أمكن إدراكها بالبصر، كما أدرك موسى بن عمران علا البارى تعالى لما ظهر في الطور، وغيره على ما هو مذكور في التوراة، وكما أدرك النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و الصحابة جبرئيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صورة الدحية الكلبي.

ويجوز أن يكون جميع عالم المثال مظاهر لنور الأنوار ولغيره من الأنوار المجرّدة، يظهر كلّ منها في صورة معيّنة في زمان معيّن بحسب استعداد القابل والفاعل، فنور الأنوار والعقول والنفوس الفلكية والانسانية المفارقة وغير المفارقة من الكاملين ربما ظهروا في صور مختلفة بالحسن و القبح واللطافة والكثافة، إلى غير ذلك الصفات من بحسب القابل والفاعل.

وبهذا العالم يتحقق أيضاً جميع مواعيد النبوّة من تنعم أهل الجنان وتعذب أهل النيران بجميع أنواع اللذات وأصناف الآلام الجسمانية؛ إذ البدن المثالي الذي يتصرّف فيه النفس فيه حكمه حكم البدن الحسّي في أنّ له جميع الحواس الظاهرة والباطنة، فإنّ المدرك فيهما هو النفس الناطقة، إلا أنها تدرك في هذا العالم بآلات جسمانية، وفي عالم المثال بآلات شبحانية.

----------------------------------------------------------------------

وممّا يدل على وجود هذا العالم إعتراف الأنبياء والأولياء والمتألهين من الحكماء.

أما الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فلاخبار النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مثلاً عن البرزخ وتجسّد الأعمال فيه. وأما الأولياء، فيظهر من كلام الشيخ المكاشف محيي الدين الأعرابي في الباب الثالث والستين من الفتوحات فليراجع ثمة.

وأما الحكماء، فلأن أفلاطون وسقراط وفيثاغورث وانباز قلس وغيرهم كانوا يقولون بالمثل الخيالية المعلّقة لا في محلّ المستنيرة والمظلمة، ويذهبون إلى أنها جواهر مجرّدة مفارقة للمواد، ثابتة في الفكر والتخيّل النفسي، بمعنى أنها مظاهر لهذه المثل المعلّقة الموجودة في الأعيان لا في محلّ، وان العالم عالمان عالم العقل المنقسم إلى عالم الربوبية، وإلى عالم العقول والنفوس، وعالم الصور المنقسمة إلى الصور الحسّية، وهي عالم الأفلاك والعناصر بما فيهما، وإلى الصور الشبحية وهي عالم المثال المعلق.

ومن هنا مسلّم أنّ الصور المعلّقة ليست مثل الأفلاطونية؛ لأن هؤلاء العظماء من الحكماء كما يقولون بهذه، يقولون بالمثل الأفلاطونية، والفرق بينهما أن المثل الأفلاطونية نورية عقلية ثابتة في عالم النور العقلي، وهذه مثل معلّقة في عالم الأشباح المجرّدة منها ظلمانية يتعذب بها الأشقياء، و هي صور زرق سود بشعة مكروهة، تتألم كلّ نفس بمشاهدتها، ومنها مستنيرة يتنعم به السعداء، وهي صور حسنة بهية بيض كأمثال اللؤلؤ المكنون، وكذا جميع السلاك من الأمم المختلفة قالوا بثبوت هذا العالم.

الأنبياء والأولياء والمتالهين. وهو وإن لم تقم على وجوده شيء من البراهين العقلية، لكنّه قد تأيّد بالظواهر النقلية، وعرّفه المتألهون بمجاهداتهم الذوقية، و تحققوه بمشاهداتهم الكشفية.

وأنت تعلم أنّ أرباب الأرصاد الروحانية أعلى قدراً، وأرفع شأناً من أصحاب الأرصاد الجسمانية، فكما أنك تصدّق هؤلاء فيما يلقونه إليك من خفايا الهيئات الفلكية، فحقيق أن تصدّق أولئك أيضاً فيما يتلونه عليك من خبايا العوالم المقدّسة الملكية.

وهاهنا أقطع الكلام شاكراً لله على توفيقه للإتمام، مصلياً على أشرف الأنام وآله الهادين إلى دار السلام.


فقد تحقق بما ذكرنا إجماع المحققين والمكاشفين على وجود هذا العالم والخبير البصير العارف بأنّ هذا الكلام الذي ذكره ذلك العلام في إثبات هذا العالم ضعت منه حق مطابق للشريعة الغرّاء، وضعت منه باطل مخالف لها، فليتدبّر فيه من له التدبّر.

قوله «فحقیق».

فإن قلت: هنا مانع من تصديقهم دون هناك، وهو أنه يلزم ايصال الثواب والعقاب إلى ما يماثل من يستحقهما.

قلت: المستحق للثواب هو النفس المجرّدة، وهي باقية بعد خراب البدن، والمدرك للذات والآلام وإن كانت جسمانية إنّما هو النفس، والبدن آلة لها في الأفعال التي تستحق بها النفس للثواب والعقاب، وكذا بعض اللذات والآلام، ولا محذور في أن يكون استحقاق النفس لهما عند تعلّقها بآلة وايصال أحدهما عند تعلقها بآلة أخرى.

اتفق الفراغ من تأليفه ضحى يوم الاثنين الثالث عشر من ثاني شهور السنة الخامسة من العشر العاشر من المائة العاشرة من هجرة سيّد المرسلين عليه وآله أفضل صلوات المصلين على يد مؤلّفه الفقير إلى اللّه الغني محمّد المشتهر ببهاءالدين العاملي وفقه اللّه تعالى للعمل في يومه لغده قبل أن يخرج الأمر من يده بمحروسة اصفهان، حرست عن بوائق الزمان وطوارق الحدثان، والحمد لله أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً.

وجاء في آخر النسخة المخطوطة المصححة وفرغ من تسويد بياض أوراقه صبيحة يوم الثلثاء من السادس عشر شهر ربيع الثاني سنة اثنان وستين بعد ألف


تمت النسخة الشريفة. وصورة خطّ الشريف المبارك المحشي (رَحمهُ اللّه) هذه: كتبه بیمناه الجانية الفانية العبد الراجي إلى رحمة ربّه الجليل، محمّد بن الحسين بن محمّدرضا المازندراني المدعو بإسماعيل، عفى اللّه عن جرائمهم بمحمّد وآله وقائمهم (صلّى اللّه عليه و آله). انتهى صورة خطّ المحسّي.

وقد دوّنت هذه النسخة الشريفة المباركة خوفاً من التلف والإندراس، ورقمت النسخة المذكورة عن وجه نسخة الأصل، وقابلت مع النسخة المذكورة في غداة يوم الخميس في سادس عشر شهر جمادي الثاني سنة ثمانية وأربعين ومائتين بعد الألف (1248) من الهجرة النبوية عليه آلاف التحية، أنا الغريق في بحار الخطيئة محمّد حسين بن محمّد علي، اللّهمّ اغفر لي ولوالدي ولجميع المؤمنين بحق محمّد وآله الطاهرين. وفي الحقيقة نسخة الأصل هي هذه النسخة المدوّنة المجموعة.

وتم تحقيق التعليقة وتصحيحها والتعليق عليها وتخريج مصادرها في يوم عيد الفطر سنة (1425) ه- ق على يد العبد الفقير السيّد مهدي الرجائي عفي عنه في بلدة قم المقدّسة حرم أهل البيت وعش آل محمّد (عَلَيهِم السَّلَامُ).

في تاريخ تمام الكتاب.

وجاء أيضاً في آخر النسخة المخطوطة المصححه(1): وقد حصل الفراغ من مطالعته لمباحثه على بعض إخواني في ليلة الجمعة الثاني من العشر الأوّل من الشهر العاشر من السنة التاسعة من العشر السادس من المائة الثالثة من الألف الثاني من الهجرة النبوية (1259).

وتم تحقيق كتاب الأربعين وتصحيحه والتعليق عليه وتخريج مصادره في يوم يد الأضحى سنة (1425) ه- ق على يد العبد الفقير السيّد مهدي الرجائي عفي عنه في بلدة قم المقدّسة حرم أهل البيت وعش آل محمّد (عَلَيهِم السَّلَامُ).


1) وكان المصحح من أعلام وقته حيث درّس هذا الكتاب من أوله إلى نهايته لجمع من تلامذته، وله تعليقات علمية هامة على هامش الكتاب تدلّ على كمال اطلاعه وتضلّعه في العلوم، ولم أظفر باسمه ولقبه مع الرغم من مقابلتي للكتاب من أوله إلى نهايته، غير أنه جاء في الصفحة الأخيرة من الأربعين: هذا الكتاب منّي وأنا العبد المذنب العاصي ابن آقا جان «علي آقا» الشهير بفاضل الشيرازي انتهى. وختمه «علي آقا» هل هو المصحح للكتاب أم لا؟ واللّه العالم.

فهرس الكتاب

ترجمة الشيخ البهائي، اسمه ونسبه الإطراء عليه... 3

مشایخه ...4

تلامذته ...5

تالیفه ...6

ولادته ونشأته ووفاته ...9

ترجمة العلّامة الخواجوئي ...10

اسمه ونسبه الاطراء عليه... 11

مشایخه ...14

تأليفه القيمة ...15

ولادته ووفاته حول الكتاب... 25

مقدمة الكتاب ...29

الحديث الأول، ثواب حفظ أربعين حديثاً... 46

المراد من الحفظ في الحديث ...57

المراد من قوله «على أُمتي» ...59

استفاضة حديث من حفظ ...63

المراد من الفقه في الحديث... 68

الحديث الثاني، صفات أولياء اللّه ...75

كيفية معرفة اللّه تعالى ...86

طریق معرفته سبحانه ...91

أحسن أفراد الذكر ...102

• الحديث الثالث أهمية الوقت الأوّل للصلاة ...107

اجتناب الكبائر مكفّر للصغائر ...117

• الحديث الرابع، وضوء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)... 118

الاحتجاج بالحديث على وجوب الابتداء في غسل الوجه بالأعلى... 125

تحديد الوجه ...129

المعتبر في غسل الوجه ...141

ما لو غمس المتوضّىء وجهه في الماء ...143

تقديم غسل اليمني على اليسرى... 144

وجوب المسح ببلل اليدين ...154

وجوب مسح الرجلين ...158

مناظرة بين الغاسلين والماسحين ...161

محاكمة بين المتأخرين والعلّامة في مسألة الكعب ...172

الحديث الخامس، وضوء أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...195

المراد من طلب العباد تلقين الحجّة... 207

معنی الخلد في الجنان بيساري ...212

وجوب غسل الوجه واليدين مرّة واحدة ...213

المراد من المد الذي يستحبّ ...214

الحديث السادس، كيفية التيمّم... 220

المراد من الاستهزاء في حديث عمّار ...228

ما تضمنه الحديث من التعبير بوضع اليدين على الأرض ...231

الاكتفاء بالضربة الواحدة... 235

عدم اشتراط علوق التراب بشيء من الكفّين...240

• الحديث السابع، صلاة حمّاد بن عيسى ...245

ما لا يشترك الرجل والمرأة في أفعال الصلاة ...261

معنى الارغام والسجود على الأنف ...263

•

الحديث الثامن، زكاة الأموال وزكاة الأجساد ...275

•

الحديث التاسع، خطبة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في شهر رمضان... 287

الفقير والمسكين أيهما أسوأ حالاً... 271

ما المراد من وزن الأعمال... 297

الموزون في النشأة الأخرى هو نفس الأعمال لا صحائفها... 300

•

الحديث العاشر، أهمية الحج... 305

•

الحديث الحادي عشر، جهاد النفس ...312

جهاد النفس أفضل الجهاد ...315

المراد من محاسبة النفس... 316

النفس الانسانية واقعة بين القوّة الشهوانية والعاقلة...320

• الحديث الثاني عشر، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... 327

تفسير آية «ولتكن منكم أمة»... 328

وجوب الحسبة ...321

شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ...334

• الحديث الثالث عشر، الاجمال في طلب الرزق ...338

المراد من نزول الملك بالوحي ...339

المراد من الرزق... 342

• الحديث الرابع عشر كتاب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى شريح القاضي... 348

المراد من الدار المشترى في الحديث... 357

• الحديث الخامس عشر، توبة عامل بني أمية وأداء حقوق الناس ...362

المراد من معونة الظالمين ...371

الحديث السادس عشر، دعاء أداء القرض ...378

• الحديث السابع عشر، عصمة الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ) ...380

تفسير آية «وذا النون» ...384

مسألة الرؤية ...392

عدم تقدّم الجزاء على الشرط... 397

المراد ببرهان ربه... 399

مسألة صدور الذنب عن الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ) ... 406

• الحديث الثامن عشر، صفات الجليس ...410

من يجوز مجالسته... 412

فوائد الاعتزال ...413

•

الحديث التاسع عشر، أوصاف رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في التوراة... 416

•

الحديث العشرون، ذمّ عبادة الطاغوت وحبّ الدنيا ...425

وقوع العذاب في مدة البرزخ... 437

الحديث الحادي والعشرون علة اختلاف الأحاديث... 442

المراد من المحكم والمتشابه ...449

المراد من التأويل والتفسير ...452

الواضعون للحديث أصناف... 455

إخبار علي الا بالمغيبات... 461

• الحديث الثاني والعشرون، وصايا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين شهادته ...467

استحباب إكرام الضيف ...472

المراد من الخشية... 478

•

الحديث الثالث والعشرون وجوب الحذر من الذنوب ...490

•

الحديث الرابع والعشرون، ذمّ الفحاش وقليل الحياء ...492

تفسير آية «وشاركهم في الأموال والأولاد» ...496

• الحديث الخامس والعشرون، حديث عتق بريرة ...499

تحریم الصدقة مطلقا على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ...505

تحقيق معنى الآل ...508

•

الحديث السادس والعشرون، صلاح تقدير اللّه للعباد وذم العجب...510

•

الحديث السابع والعشرون، أحكام النذور والقسم ...526

المراد من قوله « لا نذر في معصية... 532

•

الحديث الثامن والعشرون، أنموذج من قضاء أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...541

•

الحديث التاسع والعشرون الآثار السيّئة للثروة... 545

•

الحديث الثلاثون، شرح مناهي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...549

المراد من عدم قبول صلاة شارب الخمر ...562

المبالغة في حرمة الغيبة ...566

المراد من نفي الصغيرة مع الاصرار... 569

•

الحديث الحادي والثلاثون، التسامح في أدلّة السنن... 579

•

الحديث الثاني والثلاثون، دعاء شيبة الهذلي في أمور الدنيا والآخرة ...590

•

الحديث الثالث والثلاون، ثواب إدخال السرور على المؤمنين ...595

•

الحديث الرابع والثلاثون، ثلة من الحقوق الاجتماعية ...598

• الحديث الخامس والثلاثون كرامة المؤمن عند اللّه تعالى ...605

معنى محبة اللّه سبحانه ...612

المراد من تردّد اللّه سبحانه قبض روح المؤمن...615

• الحديث السادس والثلاثون، أقسام طلاب العلم... 622

المراد من حديث من مات ولم يعرف إمام زمانه ...639

• الحديث السابع والثلاثون، الخشية من اللّه والنية الصادقة ...651

اشتراط القربة في العبادة ...657

المراد من النية المعتبرة في العبادة ...677

المراد من نية المؤمن خير من عمله ...676

• الحديث الثامن والثلاثون، التوبة وشرائطها... 688

وجوب التوبة على الفور ...695

المراد من القلب في الحديث... 698

المراد من الاستغفار... 709

استحباب غسل التوبة ...713

• الحديث التاسع والثلاثون، تجسّم المال والأولاد والأعمال عند الموت... 724

المراد من حديث من محض الايمان محضاً... 734

المراد من عذاب القبر... 748

تجسّم الأعمال في النشأة الأخروية... 763

الحديث الأربعون مصير أرواح المؤمنين بعد الموت... 768

مسألة تجرّد النفس وبقاء النفوس أبداً... 770

فهرس الكتاب... 803