ألفاظ الحیاة الاجتماعیة فی نهج البلاغة

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

جامعة الكوفة – كلية الآداب

قسم اللغة العربية

ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة

أطروحة قدمها إلى مجلس كلية الآداب في جامعة الكوفة الطالب

حسام عدنان رحيم الياسري

وهي جزء من متطلبات نيل دكتوراه فلسفة في

اللغة العربية وآدابها

بإشراف أ.د. حاكم حبيب الكريطي

1433هـ 2012م

اشارة

اعداد مكتبة الروضة الحيدرية

المكتبة الرقمية

الرسائل الجامعية

شهادة الخبير العلمي

لقد اطلعت على أطروحة الدكتوراه الموسومة (ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة)، ووجدت أنها صالحة للمناقشة.

الإمضاء :

الاسم : أ. د محمد عبد الحسين الخطيب

الدرجة :

مكان العمل :

التاريخ : / 3 / 2012

آية المبارکة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

(وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا)

صدق اللّه العلي العظيم

مريم / 50

وقال أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

((أَلَا إِنَّ اللَّسَانَ بَضْعَةٌ مِنَ الإنْسَانِ، فَلا يُسْعِدُهُ الْقَوْلُ إِذَا امْتَنَعَ، وَلَا يُمْهِلُهُ النُّطْقُ إِذَا اتَّسَعَ، وَإِنَّا لأُمَرَاءُ الْكَلَامِ، وَفِينَا تَنَشَّبَتْ عُرُوقُهُ، وَعَلَيْنَا تَهَدَّلَتْ غُصَونَهُ))

نهج البلاغة : خ / 233.

إقرار المشرف العلمي

أشهد أن هذه الأطروحة (ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة - دراسة ومعجم -) أعدت بإشرافي في كلية الآداب - جامعة الكوفة، بمراحلها كافة، وأرشحها للمناقشة، وهي جزء من متطلبات نيل درجة الدكتوراه فلسفة في اللغة العربية وآدابها.

الإمضاء :

الاسم : أ.د. حاكم حبيب الكريطي

التاريخ :

بناءً على ترشيح السيد المشرف العلمي، وتقرير الخبير العلمي، أرشح الأطروحة للمناقشة.

الإمضاء : الاسم :

رئيس قسم اللغة العربية

التاريخ : / / 2012

إقرار لجنة المناقشة

استناداً إلى قرار مجلس الكلية بجلسته ( ) المنعقدة بتاريخ ( )، بشأن تشكيل لجنة مناقشة أطروحة الدكتوراه الموسومة بـ (ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة - دراسة ومعجم) للطالب (حسام عدنان رحيم)، نقرّ نحن رئيس لجنة المناقشة وأعضاءها، أننا أطلعنا على الأطروحة وناقشنا الطالب في محتوياتها، وفيما له علاقة بها بتاريخ ( ). ووجدناها جديرة بالقبول لنيل درجة الدكتوراه في فلسفة اللغة العربية وآدابها بتقدير ( ).

الإمضاء:

الاسم :

رئيساً

التاريخ :

الإمضاء :

الاسم :

عضواً

التاريخ :

الإمضاء:

الاسم :

عضواً

التاريخ :

الإمضاء :

الاسم :

عضواً

التاريخ :

الإمضاء :

الاسم :

عضواً

التاريخ :

الإمضاء:

الاسم :

عضواً

التاريخ :

الإمضاء :

الاسم:

عضواً :

التاريخ :

الإمضاء:

الاسم:

عضواً ومشرفاً

التاريخ :

صادق مجلس كلية الآداب - جامعة الكوفة على قرار المناقشة

الإمضاء :

الاسم :

عميد الكلية

التاريخ : / / 2012

الإهداء

إليك... وقد سألتك يوماً أن تَضعَني على خُطَاك ؛ أتبصر مواضع قدميك اللتين وصلت بهما إلى عليين، فوضعتني عند (نَهج) أوله (التَّوحيد)، وأوسطه (الزُّهد)، وآخره (العدل) فطوبى لك وحسن مآب.

إشارة إلى أقواله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((أوّل الدين معرفته...)) خ/ 1. و ((طوبى للزاهدين في الدنيا...)) قصا /104. و ((العدل يضع الأمور في مواضعها (...)) قصا / 437.

الرموز الواردة في البحث

لما كان (نهج البلاغة) مقسماً على (الخطب والأوامر، والكتب والرسائل، وقصار الحكم، وغريب ألفاظه(عَلَيهِ السَّلَامُ))، فقد استعملت مجموعة من الرموز الدالة على هذه الأبواب طلباً للاختصار، وبحسب ما يأتي :

الرمز / معناه

خ / خطبة

ك / كتاب

قصا / قصار الحكم

غ / غريب كلامه

المحتويات

الآية المباركة...1

الإهداء...1

الرموز الواردة في البحث...3

المقدمة...4 - 10

الفصل الأول : ألفاظ وسائط النقل ومتعلقاتها...11 - 180

الفصل الثاني : ألفاظ طبقات المجتمع ومتعلقاتها...181 - 370

الفصل الثالث : ألفاظ الأكل والشرب ومتعلقاتها...371 - 451

الفصل الرابع : ألفاظ الزينة والجواهر ومتعلقاتها...452 - 500

الفصل الخامس : ألفاظ الألبسة ومتعلقاتها...501 - 560

الفصل السادس: ألفاظ الأمراض والعلل....561 - 603

الفصل السابع : ألفاظ العلاقات الاجتماعية...604 - 675

الفصل الثامن: ألفاظ الأدوات والآلات...676 - 689

الفصل التاسع : ألفاظ الفُرُش والأغطية والنّمارق...690 - 708

الخاتمة والتوصيات...709 - 714

المصادر والمراجع...715 - 735

ملخص البحث باللغة الانجليزية A - B

بسم اللّه الرحمن الرحيم

المقدمة

((الحمدُ للهِ الذي عَلَا بَحَوْلِهِ، وَدَنا بِطَوْلِهِ، مَانحٍ كلَّ غنيمةٍ وفَضْلٍ، وَكَاشْفِ كُلَّ عَظيمَةٍ وَأَزْلٍ أَحْمَدُهُ عَلى عَواطِفِ كرَمِه، وسَوابغ نَعمهِ. وأَوْمِنُ به أوّلاً بادياً، واسْتَهْديه قريباً هَادِياً، واسْتَعِيْنهُ قاهراً قادِراً، وأَتَوَكَّلُ عليه كافياً ناصِراً. وأَشْهَدُ أنَّ محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ لِإِنْفَاذِ أَمْرِهِ، وإِنْهاءِ عُذْرِهِ، وَتَقْدِيمِ نُذُرِهِ)) (1).

وبعد : فما زال (نهج البلاغة) نهجاً شاخصاً في التراث الأدبي العربي والإسلامي، مجيباً عما يبدر من سؤالات تخطر في الأذهان عن سبب إغفال الدارسين القدامى لهذا السَّفر الذي يمثل أنموذجاً فريداً للكلام العالي في بلاغته وفصاحة كلماته ؛ فهو نتاج صنعه أمير الكلام علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي استوقف لكثير من النقاد واللغويين القدامى، ومنهم الجاحظ (ت 255هـ) الذي ذكر جملة من خطب الإمام وكلماته في البيان والتبيين وغيره من المصنّفات، وأُثر عنه جمعه (مئة كلمة) للإمام علي. وورد عنه قوله في بيان أثر لإمام في اللغة وشرف مفرداتها : ((فعلى عليَّ رضي اللّه تعالى عنه يُعوّل في تَنْزيه اللفظ وتشريف المعنى)).

وقد احتفلت كتب (غريب الحديث) بذكر نصوص كثيرة موثقة نسبتها الى الإمام، وتكفّل مصنفوها بشرح معاني مفرداتها وبيان دلالاتها، فضلاً عما اشتملت عليه المدونات الأدبية من كلمات من قبيل كتاب (العقد الفريد)، لابن عبد ربّه الأندلسي (ت 328هـ)، وكتاب (محاضرات الأدباء)، لأبي القاسم الحسين بن محمد الأصفهاني (ت 502هـ). وعلى الرغم من ذلك، فقد انصرف الكثير عن العناية بـ (نهج البلاغة) بحجج وذرائع شتّى، لعل في صدارتها عدم التثبث من النصوص الواردة في الكتاب أو صحة صدورها عن الإمام)، حتى زُعِم أنّ (نهج البلاغة من وضع الشريف الرضي). وغاب عنهم أنّ الشريف الرضي إنّما جمع ما ورد في النهج وبَوّب كلماته مما توافر له من خطب ورسائل وحكم مأثورة عن الإمام مدوّنة في كتب التراث الأدبي و التأريخي، حتى أنّ الكثير من أقواله قد وردت في مؤلفات صُنفت قبل ولادة الشريف الرضي نفسه. ولو كان كلام أملك بالفصاحة والبلاغة، وحسن السبك وجودة التعبير غير كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ لاختاره الشريف الرضي ليكون نهجاً للبلاغة وسبيلاً للفصاحة. ولهذا وجدناه مأخوذاً بأقوال الإمام وجودتها ؛ وربّما علّق عليها متعجباً من عُلوّ كلام الإمام وفصاحته قائلاً : ((وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((امْلُكُوا عَنّي هَذَا الغُلام لا يَهْدَني)) من أعلى الكلام وأفصحه)) (2). فإنّه مُشرّع الفصاحة وموردها، ومنشأ البلاغة ومولدها، ومنه ظهر مكنونها، وعنه أُخذت


1) نهج البلاغة : خ / 83.

2) نفسه : خ / 207.

قوانينها، وعلى أمثلته حذا كل قائل خطيب، وبكلامه استعان كل واعظ بليغ، ومع ذلك فقد سبق وقصروا، وقد تقدم وتأخّروا ؛ لأنّ على كلامه مُسحة من العلم الإلهي، وعَبْقَة من الكلام النبوي، فهو البحر الذي لا يُساجَل، والجَمّ الذي لا يُحافل (1).

وقد وقف الكثيرون عند كلام الإمام معجبين من أساليبه في نظم الكلام وصناعته. وخير مثال على ذلك ما وقف عنده الشارح (ابن أبي (الحديد) الذي أنس بكلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ودافع عن حسن سبكه وجودة أسلوبه، بعدما وجده كله ماءً واحداً، ونَفساً واحداً، وأسلوباً واحداً، كالقرآن العزيز، أوّله كأوسطه، وأوسطه كآخره (2)وقال في موضع آخر متحدثاً عن كلام الإمام في وصف الخالق جل جلاله : ((لو سمع هذا الكلام أرسطو طاليس القائل بأنّه تعالى لا يعلم الجزئيات... لخشع قلبه، واضطرب فكره ؛ لما عليه من الرواء والمهابة، والعظمة والفخامة، والمتانة والجزالة، مع ما أُشْرِب من الحلاوة والطلاوة واللطف والسلاسة، فلا أرى كلاماً يشبه هذا إلا أن يكون كلام الخالق سبحانه. فمن أراد أن يتعلم الفصاحة والبلاغة، ويعرف فضل

الكلام بعضه على بعض، فليتأمل هذه الخطب ؛ فإنّ نسبتها الى كل فصيح من الكلام، عدا كلام اللّه ورسوله، نسبة الكواكب المنيرة الى الحجارة المظلمة الأرضية))(3).

وبناء على هذه المقولات التي لا ترفع من شأن كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؛ فما فيه من الرّفعة وعلو البيان ما يغني القارئ عن الاستعانة بهذه النصوص لتوكيد فصاحته وبلاغته، وإنما ذكرتها، لإظهار مواقف العلماء من أساليبه في التعبير وحسن نظمه للكلام. ومع ذلك فقد ضربت الأقلام عنه صفحاً، بحجج لا يمكن أن تصمد بوجه هذا الضّرب من البلاغة التي يصح عندها المثل الذي تقوله العرب : ((إذا جاءَ نَهْرُ اللّه بَطْلَ نَهْرٍ مَعْقِل)) (4).

ولهذا عمدت الى تتبع نصوص النهج وقراءتها للخروج بموضوع يصلح أن يكون أطروحة للدكتوراه تختص بدراسة كلام أمير المؤمنين، لبيان خصائصه اللغوية والأسلوبية. وكانت الرغبة تميل بي الى دراسة مستوى الألفاظ والمفردات في النهج ؛ لما فيها من إيحاءات وتنوع في الدلالة، فضلاً عما اشتملت عليه من فرادة الاختيار وغرابة الدلالة التي أشار إليها اللغويون والمصنّفون في غريب الحديث.وهو ما شجعني على ولوج التصنيف المعجمي لمفردات نهج البلاغة، فوقع الاختيار على موضوع كنت أعتقد أنه يحقق الهدف من الدراسة، وهو (الفاظ السلوك والعلاقات الاجتماعية في نهج البلاغة دراسة ومعجم). ولما عرضت الموضوع على الأستاذ الدكتور حاكم حبيب الكريطي أشار عليَّ بتعديله وجعله في (الفاظ الحياة الاجتماعية في نهج


1) مقدمة الشريف الرضي لنهج البلاغة.

2) نفسه.

3) شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد): 20/7.

4) مجمع الأمثال : 88/1.

البلاغة - دراسة ومعجم -)، فكان هذا الموضوع الذي بين أيديكم الذي صححت لجنة المناقشة الموقرة عنوانه وأسقطت منه عبارة (دراسة ومعجم).

وبعد إجازته في قسم اللغة العربية، شرعت بإحصاء الألفاظ التي تنتمي الى الموضوع المتقدم بعدما اطلعت على الجوانب الخاصة (بالحياة الاجتماعية) وما تشتمل عليه من مكونات معتمداً في ذلك على توظيف الإمام للمفردات في المجال الاجتماعي بكل متعلقاته، فضلاً عما تضمنته المدونات الخاصة بعلم الاجتماع والأدب التي فصلت القول بما يتضمنه مصطلح (الحياة الاجتماعية) من مكونات تتعلق بحياة الإنسان ومتعلقاتها من وسائل نقل ولوازم معيشة. ولم أعرض لهذا الأمر بالتفصيل، لكونه من الأمور التي تكفلت به دراسات سابقة في مجال الحياة الاجتماعية. وقد وجدت أن كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحتفل بالكثير منها، حتى يمكنني القول: إنّ معظم ما في النهج من مفردات هي الفاظ مخصوصة بالحياة الاجتماعية. وهو ما ضاعف من مسؤولية الباحث في ضرورة الإحاطة بها ومجانبة المفردات التي تكون بعيدة عن هذا المجال الدلالي. وبعد الفراغ من الإحصاء، عمدت الى تصنيف الألفاظ وتوزيعها معتمداً في ذلك (نظرية المجال الدلالي) التي اتخذتها منهجاً فى هذه الدراسة ؛ لما تقدّمه من تصنيف للمفردات وتوزيع لها بحسب الحقول التي تنتمي اليها كل واحدة منها، فضلاً عن كونها تمكّن الدارس من اكتشاف العلاقات الدلالية بين الألفاظ في كل حقل من حقول الدراسة، وما فيها من (ترادف وتضاد ومشترك لفظي أو تضمين)، وغير ذلك من الظواهر اللغوية التي تمثل مظهراً من مظاهر نماء اللغة وتطورها. علاوة عمّا تظهره من ملاحظات في تطوّر المفردات واتساع دلالتها أو تضييق حدودها الدلالية. وبهذا اجتمع لديّ جمهور كبير من الألفاظ، الأمر الذي شكّل صعوبة كبيرة لي في تصنيف هذه المفردات ووضعها فى مجالاتها المناسبة، ولهذا اتسعت فصول الدراسة ؛ بسبب من كثرة الألفاظ واشتقاقاتها. فانقسم البحث على فصول تسع مشفوعة بمقدمة، ومنتهية بخاتمة. وقد رَتَّبَتُ هذه الفصول بحسب شيوع الألفاظ في كل فصل من الفصول ؛ فكان الفصل الأول خاصاً بـ(الفاظ وسائط النقل)، الذي درست فيه الألفاظ الدالة على وسائط النقل، فكان جُلّها متعلقاً بـ (الدواب) التي تتخذ وسيلة للتنقل في السلم والحرب. وكان لألفاظ (الإبل ومتعلقاتها) النصيب الأوفر في هذا الفصل، تلتها (الفاظ الخيل ولوازمها)، و (الأتان والحُمُر ومتعلقاتها)، ومن ثَمّ (الفاظ السُّفن). وكل واحد من هذه الحقول يمثل مبحثاً قائماً بذاته. أما الفصل الثاني، فقد جعلته خاصاً بـ (طبقات المجتمع) التي عرض لها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في (نهج البلاغة) وصنّفها بحسب أهميتها في المجتمع. واشتمل الفصل على مباحث عدة رتبتها على النحو الآتي: (الفاظ الطبقة السفلى في المجتمع، وطبقة المهن والحرف وذوي الصناعات، والأرامل والنساء، وعامة الناس، والجند والشرطة، والسادة والأشراف، والعبيد والموالى، والعمال والإداريين والكتاب، وذوي الرقة في السن والأيتام والفقهاء والعلماء، والحمقى والمغفلين، والسّحرة والكهان، وأهل الذّمة، والأغنياء والمترفين). وقد رتبت هذه

الطبقات بحسب شيوع الفاظها وكثرتها مراعاة لمنهج الدراسة، مع الأخذ بنظر الاعتبار تقسيم الإمام لهذه الطبقات وتصنيفها مرتبة، حسبما عهد به الى عامله (مالك الأشتر).

وتناولت في الفصل الثالث (الفاظ الأكل والشرب ومتعلقاتها)، إذ انقسم هذا الفصل على مبحثين؛ الأول خاص بألفاظ الأكل وأدواته، والثاني بألفاظ الشرب وأدواته وما يتعلق بهما واشتمل كذلك على الفاظ (الآبار ولوازمها)، بوصفها من الموارد التي ينهل منها، فضلاً عن الفاظ (شُرب الخمر) التي وظفها الإمام توظيفاً أبعدها عن دلالتها المذمومة، ونقلها الى دلالة أخرى جديدة تتعلق بنهل العلوم والإقبال عليها

وأما الفصل الرابع، فقد اختصَّ بألفاظ (الزينة ومتعلقاتها)؛ متضمناً الفاظ (الجواهر والحلي) و(الزينة وما تشتمل عليه من كُحل و خضاب)، فضلاً عن ألفاظ (الطَّيب والعطر والرّياحين). في حين تضمن الفصل الخامس البحث في (الفاظ الألبسة ومتعلقاتها)، وهي ألبسة الجسم بعامة، ومنها لباس البدن ولباس الرأس ولباس الموتى، فضلاً عن ألبسة القدم وما يتعلّق بها. وتناول الفصل السادس (الفاظ الأمراض والعلل ومتعلقاتها)، وتبدأ بحسب شيوعها في النهج بـ(الفاظ الأمراض الخاصة بالنَّفس)، والفاظ (الهزال والضعف) و (الفاظ علل النطق ومتعلقاتها)، و (الفاظ أدوات العلاج)، (والفاظ أمراض البصر) و (السمع)، ومن ثَمّ (الأمراض الخاصة بالجلد). واستقلت (الفاظ العلاقات الاجتماعية) بالفصل السابع، وكان في طليعتها (الفاظ الأسرة، والقرابة القريبة ومتعلقاتها، والفاظ العقب والأولاد، والنسب والبطانة، والفاظ خو الأب والأم، فضلاً عن الألفاظ الدالة على الزوج). في حين جاء الفصل الثامن مخصوصاً بـ (الفاظ الأدوات والآلات)، وهي بحسب ترتيبها ألفاظ أدوات الضرب والقص، وألفاظ الآت الطرب واللّهو، والفاظ أدوات الكتابة). تلاه الفصل التاسع، وهو خاتمة الفصول الذي عني بـ (الفاظ الفُرُش والأغطية والنّمارق).

أمّا المنهج الداخلي الذي اتبعته في تناول المفردات في الحقول الدلالية التي تنتمي اليها الألفاظ موضوع الدراسة، فأني أصدر المادة اللغوية بذكر المفردة التي يتم بحثها، مكتفياً في العادة بذكر لفظ واحد من الألفاظ التي تتعدد اشتقاقاتها في كلام الإمام، فاقتصر - حينئذ - على ذكر لفظ واحد من هذه الاشتقاقات طلباً للاختصار، ذاكراً صور ورود المفردة في (نهج البلاغة) عند بيان استعمال الإمام لها، بعد ذكر الدلالة المعجمية لهذه الألفاظ، معرّجاً على أراء اللغويين فيها، ومن ثَمّ أتبع ذلك بالدراسة الإحصائية التي تتعلق بعدد مرات ورود اللفظ في النهج واصفاً - كما قلت الصور التي استعملها الإمام له من جهة اشتقاقاته وما يتصل به من علامات مثل (ال) التعريف، وضمائر الخطاب والغيبة، فضلاً عن حالات الإفراد والجمع. وبعد ذلك يتم تناول القضايا الدلالية، والمعاني التي أفادها اللفظ في كلام الإمام. وقد جعلت ذلك مرتباً على شكل نقاط بسبب من سعة المادة العلمية، وتعدد الدلالات التي يفيدها اللفظ الواحد وتنوع اشتقاقاته ودلالة كل واحد منها

على معنى معيّن. وقد دأبت على ذكر النص الذي وردت فيه المفردة مع بيان السياق الذي وردت فيه، ومن ثُمّ أعمد الى تحليل النص وبيان معناه، ووظيفة المفردة في السياقات العلوية.

أما في حالة وجود دلالات أخرى مشابهة للمفردة، فيتم ذكرها بحسب ورودها في خطب النهج ورسائله وحكمه في خاتمة المبحث. ولم يضرب الباحث صفحاً عما ذكرته المدونات اللغوية من كلام للإمام ؛ فقد التفت الى ذلك من خلال ذكر ما ورد من الفاظ له في المصنفات اللغوية ؛ مدوناً ذلك في هوامش الدراسة التي ضمنتها الكثير من ذلك، إشارة إلى منزلة لغة الإمام عند اللغويين الذين عنوا بكلامه وشرح مفرداته ودلالاتها التي انفرد بها. وقد تبيّن من خلال ذلك أنهم كثيراً ما أخذوا الدلالات المعجمية لهذه الألفاظ من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وفي نهاية فصول الدراسة، خرجت بخاتمة أوجزت فيها أهم النتائج التي توصل إليها البحث لطرائق الإمام في توظيف المفردات واستعمالها الدلالي وإيحاءاتها للمتلقي. ومن ثَمَّ أتيت على ذكر مصادر البحث ومراجعه التي تنقسم على أقسام متعددة في صدارتها كتب اللغة والمعاجم التي تمثل عماد البحث، بدءاً من معجم (العين)، للخليل بن أحمد الفراهيدي (ت (170هـ)، ومعجم (تهذيب اللغة) للأزهري (ت (370هـ)، و (مقاييس اللغة)، لأحمد بن فارس (ت 395هـ)، و (المحكم والمحيط الأعظم، لابن سيده (ت 458 هـ) و (لسان العرب)، لابن منظور (ت 711هـ)، و (القاموس المحيط)، للفيروز أبادي (ت 817هـ) و (تاج العروس)، للزَّبيدي (ت (1205هـ)، فضلاً عن كتب اللغة الأخرى، من قبيل معجمات المعاني كـ(فقه اللغة)، للثعالبي (ت 430هـ) وكتاب (المخصص)، لابن سيدَه، وكتب المعرّب والدخيل، وفي طليعتها كتاب (معجم ما استعجم) للبكري (ت 487هـ) و (المعرّب)، للجواليقي (ت 540 هـ)

أما القسم الثاني من المصادر، فهو كتب غريب الحديث، ومنها غريب الحديث)، لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت 224هـ)، و (غريب الحديث)، لابن الجوزي، (ت 597هـ)، والفائق في غريب الحديث للزمخشري (ت 538هـ) والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير الجزري (ت 606 هـ) أما القسم الثالث من. المصادر ؛ فهو الكتب الخاصة بنهج البلاغة وشروحه. ويتصدرها كتاب (معارج نهج البلاغة) ؛ للبيهقي الأنصاري (ت 565 هـ)، و (شرح نهج البلاغة) ؛ لابن أبي الحديد (ت656 هـ)، و (شرح نهج البلاغة) للبحراني (ت 679هـ)، و (الديباج الوضي في الكشف عن أسرار كلام الوصي)، لأبي الحسين يحيى بن حمزة الحسيني (ت 749هـ)، ومنهاج البراعة للميرزا الخوئي (ت 1324 هـ)، وكتاب (بلاغة الإمام علي) ؛ للدكتور أحمد محمد الحوفي، و (شرح نهج البلاغة) للشيخ محمد عبده، و (مصادر نهج البلاغة وأسانيده) للسيد عبد الزهراء الخطيب، و (نهج البلاغة)، شرح الدكتور صبحي الصالح الذي اعتمدته مصدراً أخذت عنه أقوال الإمام، فكان المعوّل عليه في إحالات البحث، و (نهج البلاغة) بشرح وتحقيق محمد أبو الفصل إبراهيم

فضلاً عن المدونات و المراجع التي عنيت بدراسة النهج. ومنها كتاب (مع نهج البلاغة دراسة ومعجم) للدكتور إبراهيم السامرائي الذي لم يعرض لكل المفردات الواردة في نهج البلاغة، وإنما انتخب جملة منها مقتصراً على ذكر الدلالة المعجمية لها دون دلالتها السياقية. ومنها أيضاً دراسة الدكتور عبد الكريم حسن السعداوي الموسومة (غريب نهج البلاغة) الذي تناول فيها المفردات الغريبة في النهج، وكذلك (الأثر القرآني في نهج البلاغة)، للدكتور عباس علي الفحام، و (رسائل الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في نهج البلاغة دراسة لغوية). للباحثة رملة خضير مظلوم و (المرأة في نهج البلاغة) ؛ للدكتورة نجوى صالح الجواد، وهي دراسة تعني بالجانب الفكري الإسلامي أكثر من عنايتها بالجانب اللغوي الدلالي.

وثمة طائفة من المراجع التي عنيت بالجانب الفكري والعلمي في كلام الإمام في نهج البلاغة، ومنها كتاب (الراعي والرعية)، لتوفيق الفكيكي، (والإمام علي سلطة الحق) ؛ لعزيز السيد جاسم، و (تفسيرات فسيولوجية في نهج البلاغة)، للدكتور عمار جاسم مسلم، و(أسس بناء الدولة في فكر الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ))، للباحث علي سعد تومان، و (المنهج الأمني في نهج البلاغة) ؛ للباحث محمد صادق الهاشمي. وتضمن القسم الرابع من المصادر المدونات الخاصة بالسيرة والتاريخ، ومنها (السيرة النبوية)، لابن هشام (ت 318هـ)، وكتاب (وقعة صِفِّين)، لنصر بن مزاحم المنقري (ت 212هـ)، و (تاريخ الطبري) (ت 310هـ)، والكامل في التاريخ، لابن الأثير (ت 630هـ)، و (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام)، للدكتور جواد علي للدكتور جواد علي. فضلاً عن كتب التفسير، وفي صدارتها (تفسير الطبري)، والتبيان في تفسير القرآن للشيخ الطوسي (ت 460 هـ)، و (مجمع البيان لعلوم القرآن)، للطبرسي (ت 548هـ)، و (تفسير الكشاف للزمخشري (ت 538هـ)، و (مفاتيح الغيب)، للرازي (ت 606هـ)، فضلاً عن على الرسائل والأطاريح الجامعية العلمية.

وقد واجه الباحث في إعداد هذه الأطروحة جملة من الصعوبات والمتاعب التي كان أكثرها عسراً عليه، كثرة المفردات الخاصة بموضوع البحث واتساع اشتقاقاتها ؛ وهو ما تطلب تتبع هذهِ الألفاظ موضعاً موضعا؛ كشفاً عن دلالتها التي انمازت بتعددها وعدم انتظامها في دلالة واحدة تجمعها ؛ ومما زاد الأمر صعوبة التداخل والاشتراك الحاصل بين الحقول الدلالية ؛ فإن بعض المفردات تصلح أن تكون في أكثر من حقل دلالي، فكان لزاماً على التدقيق في السياقات المتعددة للألفاظ للفصل في هذا التنازع، وذلك يتطلب مزيداً من الدقة والتبصر في معاني الألفاظ وبيان الفارق الدلالي بين دلالتها المعجمية والسياقية، فالمفردة خارج السياق لها دلالة تختلف تماماً في حال انتظامها في سياق فكيف إذا كان هذا السياق من نتاج الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؟. وهذا ما دفع الباحث الى تتبع المفردات جميعاً في شروح نهج البلاغة المتوافرة لديّ ؛ من أجل الوصول الى دلالة محددة لكل مفردة، ومن ثمّ تصنيفها في المجال الذي وضعت فيه.

وختاماً أود أن أسجل شكري وتقديري الى كل من كانت له يد على البحث والباحث، وفي طليعة هؤلاء، شيخي الفاضل الأستاذ الدكتور (حاكم حبيب الكريطي) المشرف على البحث ؛ الذي ما أدخر وسعاً في تقويم هذه الدراسة منذ أن كانت فكرة في الذهن حتى خرجت أطروحة مدونة. فقد شاطرني فيها النصب والعناء باذلاً في ذلك وسعه في تسديد ما فيها من زلل أو خلل، فكان صاحب القدح المُعلّى والسّهم الأوفر في إحكام هذا الجهد المتواضع حتى بدا بالشكل الذي هو عليه الآن، فله مني كل الإجلال والإكبار والوفاء، ورعاه اللّه لخدمة العلم وطلابه.

ويوجب عليّ الوفاء أن اشكر أساتذتي الأفاضل بقسم اللغة العربية في كلية الآداب – بجامعة الكوفة الذين لا أستثني منهم أحداً ؛ لما لقيت منهم من رعاية وعِلم وعمل، فكانوا - بحق - نعم العلماء، فلهم ولعمادة الكلية وافر التقدير والدعاء بحسن التوفيق والتقدّم. ولزملائي الذين شاركوني مرحلة الدكتوراه نصيب من الوفاء الذي أجدني عاجزاً عن أدائه، فلا أملك لهم إلا الدعاء بالتسديد والرقي العلمي.

وختاماً، فإني لم أدخر وسعاً ولم أبخل بجهد في إعداد هذه الدراسة التي لا أدعي لها الكمال والتمام، فالكمال للّه وحده. وحسبي أني اجتهدت ساعياً في خدمة لغة القرآن الكريم، راجياً اللّه تبارك وتعالى أن أكون من خلالها – عند حسن الظن، داعياً أن يغفر لي زللي وهناتي. ((اللّهمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَذْهَبَ عَن قَولِكَ، أو تُفْتَن عن دِينِكَ، أو تتابع بِنَا أَهْوَاؤنا دُونَ الهُدَى الذي جَاءَ من عِنْدك)) (1). وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربَّ العالمين.

الباحث

حسام عدنان رحيم


1) نهج البلاغة : خ / 215.

الفصل الأول: ألفاظ وسائط النقل ومتعلقاتها

إشارة:

المبحث الأول: الإبل ومتعلقاتها

1- الإبل وعللها

دبر
إشارة:

دَبَر ما يكون في ظهر الدَّابة من جروح وتقرح (1). وذلك بسبب من الأحمال والأقتاب التي تحمل عليه (2). واستعمل الإمام مفردات (دَبَر) و (دَبِرة) و (الأَدْبَر) مرة واحدة لكل منها في كلامه الوارد في نهج البلاغة (3)، للدلالة على ما يأتي :

أولاً : التقرح والجروح التي تصيب ظهر الإبل والدواب

ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق ذم أصحابه الذين دعاهم الى قتال أهل الشام. إذ يقول : ((... وتَثَاقَلْتُم تَثَاقُلَ النّضو الأدبر ...)) (4). ويشبه الإمام المتقاعسين المتخاذلين من أصحابه في الخروج الى قتال اتباع معاوية بـ (تثاقل) النضو من الإبل، وهو البعير المنهك الذي أهزلته الأسفار وأدبرته، فيكون ضعيفاً عن القعود والقيام، فضلاً عن الادراج في السفر ؛ لأنه يكون هزيلاً متعباً مما به من جروح وقروح في ظهره. ولا يكون ذلك إلا من عض القتب لغاربه، فتكثر في سنامه القروح والدبّر، وهو ما يضعفه عن الحركة. وقد أحس الإمام من أصحابه بهذا التثاقل والميل الى القعود ؛ فشبههم بهذا الضرب من الإبل بجامع الضعف والهزال وعدم المقدرة. وقد استعمل مفردة (دبرة)، للدلالة على القروح التي تصيب الأناث من الدواب، وذلك في (ك/45).

ثانياً : الدلالة على الحال التي يعيش بها البدو

واستعمل الإمام لهذه الدلالة مفردة (دَبَر)، وذلك في سياق الاعتبار بالأمم السابقة، وما فعله الملوك والقياصرة بالرعية : ((... فَتَرَكُوهُمْ عَالَةً مَسَاكِينَ إِخْوَانَ دَبَر وَوَبَر، أَذَلَّ الأمَمِ داراً، وَأَجْدَبَهُمْ قَرَاراً...)) (5). أضاف (عَلَيهِ السَّلَامُ) كلمة (إخْوان) الى (دَبَر). في إشارة إلى هذه الفئة من المجتمع التي تعيش في البوادي ؛ معتمدين على رعي الإبل وسوقها. فكنى عن مواطنهم هذه بذكر لفظتي (دَبَر) و (وَبَر) المخصوصتين بالإبل من الدواب. تذكيراً لهم بما كانوا عليه من ذل وتبع لهؤلاء. وما من اللّه عليهم من نعم. فكأنّه(عَلَيهِ السَّلَامُ) يومئ الى قوله تعالى: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) (6).


1) ينظر : العين (دبر) : 33/8، والمخصص : م / 2 : س / 7 : 168، ولسان العرب (دبر) : 273/4.

2) ينظر : لسان العرب (دبر) : 273/4.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 151، 152.

4) نهج البلاغة : خ/ 39 : 82.

5) نفسه: خ/ 192 : 375.

6) البقرة / 49.

الظَّالع
إشارة:

أصل الظُّلُع المَيْل في المشي (1)، والطَّلع الغَمْز في الرّجل. من العرج وغيره (2). والظلاع داء يأخذُ في قوائم الدواب والإبل من غير سيرٍ ولاتَعَب ؛ فَتَظُلُعُ منه (3). وقد وردت لفظة (الظَّالع) مرة واحدة في نهج البلاغة بصيغة اسم الفاعل، في حين جاءت مفردة (ظَلْعِك) بصيغة المصدر مرة واحدة أيضاً (4)، للدلالة على ما يأتي :

أولاً : الدلالة على البعير الذي يَغْمِرُ فِي مِشْيَتِه.

وجاءت هذه الدلالة في سياق نصح الإمام لبعض عماله على الصدقات، يأمره بعدة أوامر على سبيل التوجيه الارشاد في طرق جباية الحقوق الشرعية. ومنها قوله ((... ثُمَّ احْدُرْ (5)إِلَيْنَا مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ، نُصَيِّرْهُ حَيْثُ أَمَرَ اللّه بِهِ فَإِذَا أَخذَهَا أَمِينُكَ فَأُوعِزْ إِلَيْهِ : أَلَّا يَحُولَ بَيْنَ نَاقَة وَبَيْنَ فَصِيلِهَا... وَلْيَسْتَأْنِ بِالنَّقِبِ (6)وَالظَّالِع..))(7). فأمره أن يُنْزِل أو يُرسل اليه ما اجتمع عنده من الصدقات، التي ينبغي أن تكون بيد الأمين الحافظ لأمانته، الذي يُرسل بالصدقات، فطلب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)إليه أن يَتَأَنَّ. حينما يسوق الدَّواب ؛ لأنّ فيها ما نَقب خُفُه حتى لا يكاد يطأ الأرض بقدمه، ومنها ما يغمز في مِشْيَتِه (8)حتى صار يَعْرُج (9). والذي يَغْمُز من الإبل يُبْطِيء في سَيْرِه ولا يُسْرِع. وربما دَلَّت المفردة المتقدمة التي استعملها الإمام على (الظلاع) من الإبل، وهي الجِمَال التي أُصِيْبَت بداء الظُّلاعِ الذي يصيب قوائم الإبل لا من سَيْرٍ، أَو تَعَبٍ، فَتَظْلُع (10).

ثانياً : الدلالة على الغَمْز والمَيْلِ في النَّسَبِ والمكانة الاجتماعية

وقد وردت هذه الدلالة في سياق كتاب الإمام الى معاوية جواباً على كتاب وصله منه. يقول الإمام في كتابه في مقام ذَمّ معاوية وتَحْقِيره : ((أَلَا تَرْبَعُ (11)أَيُّهَا الأَنْسَانُ عَلَى ظَلْعِكَ، وَتَعْرِفُ قُصُورَ ذَرْعِكَ (12)، وَتَتَأَخَّرُ حَيْثُ أَخَّرَكَ الْقَدَرُ...))(13). وهذا المقطع من كلامه رد على قول لمعاوية في تفضيل بعض النَّاسِ على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وتقديم الفاضل منهم على المفضول، وحكمه على المهاجرين والأنصار. فخاطبه الإمام، ذاماً له لأنّ مَنْزِلَتَهُ لا تسمح له بأن يكون حكماً في تفضيل المسلمين، وبيان مكانة كل واحدٍ منهم على الآخر. فكتب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يربع عند حده، أي يقف ويَتَمَهِّل. منزلاً إيّاه مَنْزِلَةَ الإبل التي تظلع في مشيتها وتَغْمِز من العَرَج (14)


1) ينظر : مقاييس اللغة (ظلع) : 467/3.

2) ينظر : العين (ظلع) : 86/2.

3) ينظر : المحكم (ظلع) : 65/2.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 282.

5) الحَدْرُ من كل شيءٍ النزول من عُلُوّ الى سُفْلِ. ينظر : تهذيب اللغة (صدد) : 236/4.

6) النَّقِب، نَقْبٍ خُقِّ البَعِيْرِ. ينظر : لسان العرب (نقب) : 765/1.

7) نهج البلاغة : ك/25 : 483.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 119/15.

9) النهاية في غريب الحديث : 158/3.

10) ينظر : المحكم (ظلع) : 65/2، والقاموس المحيط (ظلع) : 963/1 .

11) تَرْبَع. أي تقف. ينظر : لسان العرب (ربع) : 110/8.

12) الذرع بالفتح الامتداد والوسع والطاقة. ينظر : مقاييس اللغة (ذرع) 50/2 والنهاية في غريب الحديث : 158/2.

13) نهج البلاغة : ك/ 28 : 488.

14) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 158/3.

وهو أصلاً عِلَّةٌ في في مَشْيِ الإبل، فاستعاره لوصف معاوية ؛ للدلالة على غَمْزه وسُوءِ مَنْزِلْته. وكونه ليس بالمكانة التي تُؤهّلُه الى تصنيف المسلمين وبيان منازلهم. فضلاً عن عدم لَحَاقِهِ بأهل الفضل والمكانة، وهو بهذا الوصف كالبعير الطالع الذي يقصر عن مساواة جماعة الإبل ومجاراتهم في المشي (1). وتعبير (تَرْبَع على ظَلْعِكَ) تعبیر دارج في ألسنة العرب بكثرة، حتى جرى عندهم مجرى الأمثال. فقالوا : ((أربع على ظَلْعِكَ))(2). ومعناه : أبقَ على غَمْزِكَ فَإِنَّكَ ضَعِيف، فَأَنْتَه عما لا تُطِيْقَه ولا تَتَكَلَّفَه (3). وتوحي مفردة (ظَلْعِكَ) بدلالات أخرى في السياق المتقدم) فالظُّلْع (المَيْل، و (الظَّالِعُ) المُتَّهَم. وهذه الدلالات تفيد في أنه يريد الاشارة الى مَيْلِ معاوية، واتهامه بالقصور وعدم بلوغ المنزلة التي تضعه حيث وضع الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) ؛ لأنه كما يقول الإمام مُتَّهَم بكونه من (الطَّلَقَاءِ، وأبناءِ الطَّلَقَاءِ). وهو ما ينبغي أن يوقفه عند حده. ولهذا خاطبه بقوله :((... وَتَعْرِفُ قُصُورَ ذَرْعِكَ، وَتَتَأَخَّرُ حَيْثُ أَخَّرَكَ الْقَدَر))(4). وأراد بـ (قصور ذَرْعِك) عدم استطالة يدك، وقوتك وعجزك عن تناول هذه الرتبة (5).

الأَجْرَب

الجَرَب معروف، وهو بَثَر يَنْبُت على جِلْد الإنسان والإبل (6). وقد ذُكِر أنّ الجرب يحصل من خِلط غليظ يحدث تحت الجلد من مخالَطَة البَلْغَمِ المِلْحِ للدَّم، ويكون معه بُثور (7). وجاءت لفظة (الأَجْرَب) مرة واحدة في نهج البلاغة (8)، بإزاء لفظة (الصَّحِيح) للدلالة على مَنْ أصابه مَرَض الجَرَبِ، فَيُنفَر منه، وذلك في سياق الوعظ والإرشاد إذ يقول(عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ مَنِ اسْتَنْصَحَ اللّه وُفّقَ... فَلاَ تَنْفِرُوا مِنَ الْحَقِّ نِفَارَ (9)الصَّحِيح (10)مِنَ الأجْرَبِ، وَالْبَارِي (11)مِنْ ذِي السَّقَمِ (12))) (13)ولما كان أكثر النَّاسِ يَنْفِرون من الحقِّ اللّه تبارك وتعالى يقول :((أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)) (14)؛ لهذا فإنهم لا يرتضون الأخذ بالحق والعمل به، لما له من أَثَرٍ على مصالحهم عادة، فأرشد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) النَّاسَ ألا يُجانبوه، أو يجيدوا عنه. كما يَنْفُرِ الصَّحِيح البَرِيء من المَرَضِ من الأَجْرَب الذي أصابه وَبَاء الجَرَب، لما في الحقِّ من مَرْضاة اللّه وعَدْلٍ للناس. وقد شبّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) النّفَار من الحَقِّ بالنِّفَار من المعلول بالجَرَبِ ؛ لِمَا لهذا المرض من أثر على الصَّحِيحَ مِنَ النَّاسِ أو


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 243/4.

2) المستقصى في أمثال العرب : 138/1، والقاموس المحيط (ظلع) : 962/1.

3) أنفسهما.

4) نهج البلاغة : ك / 28 : 488، 489.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 243/4.

6) ينظر : جمهرة اللغة (جرب) : 266/1، ومقاييس اللغة (جرب) : 449/1، والمحكم (جرب) : 400/7، ولسان العرب (جرب) : 259/1.

7) ينظر : المصباح المنير : 95/1، وتاج العروس (جرب) : 145/2 .

8) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 81.

9) نَفَر من الشيء، إذا جَافَّاه، والنَّفار هو الهرب والمجانبة. ينظر : لسان العرب (نفر) : 227/5.

10) الصَّحَة والصحاح خلاف السقم، وذهاب المرض، والصحيح الذي لا وباء فيه. ينظر : لسان العرب (صحح) : 508/2.

11) الباري الصحيح المعافى. ينظر : لسان العرب (برأ) : 31/1.

12) السّقم المَرَضُ. ينظر : لسان العرب (سقم) : 288/12.

13) نهج البلاغة : خ / 148 : 258، 257.

14) المؤمنون / 70.

الدَّواب. فهذا الدَّاء من الأمراض المُعدِية (1)، فإذا أصابَ الإبل وفصلانها، فلا تكاد تنجو منه، وبخاصة إذا. صاحبته القُرُوح (2)، وقد يُرافِقُه هُزَال كثير في الدواب (3)، فَيُنْهِكَ الدَّابَّة ويُهْلِسُها. ولهذا قيل في الأمثال : ((أَعْدَى من الجَرَبِ)) (4). وعدوى الجرب انتقال الداء من المريض الى السليم الصحيح البَدَنِ. ولهذا يُبْتَعَد كثيراً عَمَّنْ بِهِ جَرَبٍ، مَخَافَةَ العَدْوى. وهذهِ العِلّة تصيب الإنسان والدواب من الإبل معاً. وبهذا ؛ يحتمل النص أن يكون المراد بـ(الصحيح) و (الأَجْرَب) هما الإنسان ؛ لأنّ المخاطب في السِّياق هو (الإنسان). ولا يَبْعُد أَنْ يكون المُراد بذلك (الأَجْرَب) من الدواب، و (الصحيح) منها ؛ على سبيل تمثيل الأمر بما يفعله العرب من إبعاد للجمل الأجرب عن بقيّة الإبل وإفراده عنها، مخافة أنْ يُعْدِيها. فكأنّ هذا الإبعاد نفار للصحيحة من الإبل من الجَرَبِ. ويريد (عَلَيهِ السَّلَامُ) (القول إنّ (الحَقَّ) عند بعض النَّاسِ كالجَرَب المُعْدِي، يبتعدون منه ؛ مخافَةَ أنْ يُصيبهم شيء منه، لما في الحَقِّ من جَوْرٍ على النّاسِ في مصالحهم وأموالهم. فيعدّونه مرضاً، في حين أنّه داعية للشفاء من السَّقم. متخذاً أسلوب التشبيه، لتجسيد موقف أصحابه من الحق وابتعادهم عنه وعن أهله.

حَدَابِيْر

ناقةٌ حِدْبِيْر حَدْباء، إذا بدت حراقيفها، وعظم ظهرها (5). والحَدَابِيْر جمع (حِدْبَار)، وهي الناقة التي أنحنى ظهرها من الهزال والدبّر (6). فهي ضامرة قد ذهب لحمها من الضعف (7). وقد وردت لفظة (حَدَابير) مرة واحدة في نهج البلاغة (8)، وذلك في دعاء الإمام في (الاستسقاء) الذي يقول فيه : ((اللّهمَّ خَرَجْنَا إِلَيْكَ حِينَ اعْتَكَرَتْ (9)عَلَيْنَا حَدَابِيرُ السِّنِينَ، وَأَخْلَفَتْنَا مَخَايِلُ (10)الْجُودِ ؛ فَكُنْتَ الرَّجَاءَ لِلْمُبْتَئِسِ، وَالْبَلاغَ لِلْمُلْتَمِسِ)) (11). والنص – كما تقدم – في دعاء الاستسقاء الذي يدعو به لإنزال رحمة اللّه، واستدرار المطر، ولهذا يصف فيه حال الناس، وما جرى عليهم. فاستعمل لفظة (حَدَابِيْرُ) مضافة الى كلمة (السِّنِين)

و (الحَدَابِيْرُ) في اللغة جمع (حِدْبَار)، وهي - كما يذكر الخليل - الناقة إذا بدت حراقيفها، وعظم ظهرها (12). وهي (جدابِيْرٌ) أيضاً (13)وهذا هو الأصل فى دلالة هذه المفردة عند اللغويين (14). ويبدو أن السيد الشريف


1) ينظر : أساس البلاغة (جرب) : 87/1، وتاج العروس (جرب) : 145/2.

2) ينظر : المحكم (جرب) : 77/2.

3) ينظر : المصباح المنير : 95/1، وتاج العروس (جرب) : 145/2.

4) ينظر : مجمع الأمثال : 45/2، وجمهرة الأمثال : 32/2، وأساس البلاغة (جرب) : 87/1.

5) ينظر : العين (حدبر) : 335/3، وتهذيب اللغة (حدبر) : 215/5.

6) ينظر : تهذيب اللغة (حدبر) : 215/5.

7) ينظر : القاموس المحيط (حدبر) : 477/1، وتاج العروس حدبر) : 564/10.

8) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 103.

9) اعتكر. أي كرَّ وانصرف، واعتكر عليه. إذا حمل عليه. ينظر : لسان العرب (عكر) : 599/4.

10) المخايل جمع مخيلة، وهي السحابة التي إذا رايتها حسبتها ماطرة. ينظر : لسان العرب (خيل) : 228/11.

11) نهج البلاغة: خ/ 115 : 215.

12) ينظر : العين (حدبر) : 335/3.

13) نفسه.

14) ينظر : تهذيب اللغة (حدبر) : 215/5، ولسان العرب (حدبر) : 301/1، وتاج العروس (حدبر) : 564/10.

الرضي أفاد من الدلالة المعجمية لهذه المفردة، فشرح معناها في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلاً : ((وقَوْله (حَدَابِير السِّنِينَ) جمع حِدْبَارِ، وهي النَّاقَةَ التي أَنْصَاها السَّيْرِ. فَشَبَّهُ بها السَّنَةَ التي فَشَا بها الجَدْبُ)) (1). ثم احتج السيد الشريف لهذه الدلالة بقول ذي الرمة (2):

حَدَابِيرُ مَا تَنْفَكُ الْأَمْنَاخَةً ***على الخَسْفِ أو نَرْمِي بها بلداً قَفْرا

فالشريف الرضي يعتمد على لغة العرب في دعم رأيه، الذي وافقه فيه أعلب شراح النهج ومنهم الشارح البحراني (3)، وصاحب الديباج الوضي (4). في حين لم يعلق ابن أبي الحديد على دلالة هذه المفردة مكتفياً بالتعليق على البيت الشعري الذي احتج به السيد الشريف الرضي، مصوباً ما نقله الرضي بقوله : ((والبيت الذي ذكره الرضي رحمه اللّه لذي الرّمة، لا أعرفه إلا (حَرَاجِيْجُ)... والحُرْجُوْج النَّاقَةُ الضَّامِرَةُ فِي طُوْلٍ)) (5). والراجح ما ذهب إليه الشارح ابن أبي الحديد في قول ذي الرمة أما موقف أصحاب الغريب من الاستعمال العلوي، فقد خصوا هذا الاستعمال وتوظيف المفردة فيه بكلام الإمام (6). وأشاروا الى أنها دالة في قول الإمام على الناقة التي ((بَدا عَظْمُ ظَهْرِها، ونَشَرْت حراقِيفُها من الهُزال)) (7). وذهب ابن الأثير الجزري أنّ الإمام وظف هذه الكلمة و((شَبّه بها السِّنِينَ التي يكثر فيها الجَدْبُ والقَحْط)) (8). وهذا التفسير شبيه بما ذكره الشريف الرضي في شرحه لكلام الإمام الذي اهتدى الشراح والمصنفون في (غريب الحديث) لكلامه الى هذه الدلالة، وإضافتها الى كلمة (السنين)، أضفى ذلك عليها الدلالة على الشدة والصعوبة وقلة النماء والهزال، وهي صفات تتميز بها الناقة الجذبار التي تكون عجفاء الظهر، ضامرة السنام (9)، لم يبق فيها إلا العظم من شدة الهزال. فيؤدي ذلك الى قساوة بدنها وعدم تحملها للراكب الذي سيصعب عليه اعتلاء ظهرها أو الراحة عليه. ولهذا ورد في بعض الأحاديث: ((سَأَحْمِلُكَ على صَعْبٍ حَدَبَاءِ حِدْبَارٍ يَنجُ ظَهْرُها)) (10). أراد : بالحدباء التي التي احدودب ظهرها، أو التي صارت حدباء كالنعش الذي يحمل فيه الميت(11)، في حين أراد بالحدبار الناقة التي بدا عظم ظهرها، ونشزت حتى نجت القرحة منها، وسال منها القيح (12). وقد ضرب ذلك مثالاً للأمر الصعب (13). كأن مافي الناقة الحدبار من هزال وقيح يمثل صعوبةً وعسراً لراكبها. وهذا هو وجه الشبه بين جدب السنين وقحطها


1) نهج البلاغة : خ / 110 : 217، 218.

2) ديوانه : 86. وفيه : ((حَرَاجِيْجُ ماتنفك...)) بدلاً من (حَدَابِير).

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 548/3.

4) ينظر : الديباج الوضي : 960/2.

5) شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 207/7.

6) ينظر : الفائق في غريب الحديث : 269/1، والنهاية في غريب الحديث : 350/1، وغريب نهج البلاغة : 183.

7) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 350/1.

8) نفسه.

9) ينظر : المحكم (حدبر) : 72/4، والقاموس المحيط (حدبر) : 477/1.

10) الفائق في غريب الحديث : 26/12، والنهاية في غريب الحديث : 350/1.

11) ينظر : لسان العرب (نجج) : 374/2.

12) ينظر : أساس البلاغة (حدب) : 115/1.

13) ينظر : الفائق في غريب الحديث : 269/1، والنهاية في غريب الحديث : 350/1.

وبين ظهر الناقة (الحدبير) الذي بدا مثل الأكمة المجدبة أو النشز من الأرض (1)، الذي أقفر وخلا من العشب والرواء. ويحصل ذلك عند انقطاع المطر عنه، وعدم وصوله اليه فيؤدي ذلك الى الجدب والقحط (2).

و كلمة (حَدِابيْر) تدل على الضعف والهزال والصعوبة، والجفاف وقلة الشحم في ظهر الناقة، فكأن هذه السنين التي يصفها الإمام أشبهت الدابة الحدباء التي بدت كالنعش الذي يحمل فيه الأموات، الذين انقطع صيبهم في الحياة الدنيا (3). ومن خلال هذا العرض لأقوال اللغويين والشرّاح في مفردة (حَدَابِير)، ومكانتها في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أجد أن الخروج بدلالة محدّدة لهذه المفردة لا يمكن أن يتم، إلا من خلال فهم الألفاظ المجاورة لها في النص، وهو ما أغفله أغلب اللغويين، ومنهم دارسو الغريب الذين لم يعنوا بتركيب الإضافة في (حَدَابِيْرِ السِّنين)، وإنما وجهوا عنايتهم الى لفظة (حدابير) فقط، إلا بعض المحدثين من دارسي غريب (نهج البلاغة) الذي أشار الى أن الإمام قدم الوصف (حَدَابِير)، وأضافه الى (السِّنين) ؛ للمبالغة في الجدب والقحط لتلك السنين المترادفة بعضها على البعض الآخر (4). وهذه التفاتة جيدة، ومثرية لدلالة النص، وأزيد عليها أن لفظة (حَدَابِير) بهذا التركيب اكتسبت معنى جديداً نقلها من دلالتها الأولى الى الدلالة على القحط والجدب وصعوبة الحياة، منفصلة بذلك عن معناها الأول الذي هو الناقة المهزولة التي نشز عظم ظهرها من التعب وكثرة الأسفار. فتكون هذه الكلمة قد خضعت لقوانين التطور اللغوي واتساع الدلالة شأنها في ذلك شأن الكثير من الالفاظ التي انتقلت من دلالتها الوضعية الى دلالات أخرى. وبهذا تصبح مفردتا (حَدَابِيْر، وحِدْبَار) تدلان على جدب السنين وقحطها، وذلك على سبيل الحقيقة لا المجاز كما اختار لها بعض المعجميين أن تكون (5). ومما يعين على ذلك حروف الكلمة نفسها التي تفيد في أصلها الثلاثي الإيحاء بالعلو والارتفاع (6). ولا بأس أن يكون هذا العلو والارتفاع دالاً على ارتفاع الجدب والقحط وبلوغهما أقصى الغاية في القحط، ومن ثم باضافة الحرف الرابع للكلمة هو (الرَّاء) الذي تصير به (حَدْبَرَ) كلمة رباعية (7)توحي بالشدة والقسوة من خلال اجتماع أحرفها، وبهذه الصورة أصبحت الكلمة المتقدمة لفظة (غريبة) كما صنفها السيد الشريف الرضي عند شرحه كلام الإمام (8). وزاد بعض الباحثين المحدثين على ذلك، بأن جعلها من (الحُوْشِي، أو الوَحْشِي) من الألفاظ (9). غير أنّ ذلك لا يعني النفرة منها، أو أنها غير مناسبة لذوق السامعين، وإنما يدل ذلك على فصاحتها ومناسبتها لزمن بدت فيه دلالتها عالية مع كونها تتضمن الإيحاء بالشدّة والصعوبة والالم.


1) ينظر : القاموس المحيط (حدبر) : 477/1، وتاج العروس(حدبر) : 564/10.

2) ينظر : غريب نهج البلاغة : 184.

3) ينظر : أساس البلاغة (حدب) : 115/1.

4) ينظر : غريب نهج البلاغة : 184.

5) ينظر : تاج العروس (حدبر) : 564/10.

6) ينظر : مقاييس اللغة (حدب) : 36/2.

7) ينظر : أساس البلاغة (حدب) : 115/1.

8) ينظر : نهج البلاغة: 217.

9) الحُوْشي، أو الوَحْشِي من الألفاظ هو ضرب من الغريب الذي ينقسم على قسمين، الأول مستقبح غليظ منفور منه، والثاني حَسَنٌ لطيف رقيق اللفظ متناسق المخارج ولكنه غير مستعمل في زماننا، وقد استعمله الأولون، فهو وحشي عندنا، وغير وحشي عندهم. وقد اخذوا تسميته من النظر الى (الوحوش) التي عد منها الغزال أيضاً ناظرين في ذلك الى نفارها وعدم الفتها للبشر. وبهذا تكون اللفظة الحوشية هي اللفظة المستعملة في زمان دون زمان آخر وكلام الإمام مُبَرء من الالفاظ المستهجنة. ينظر : تفصيل ذلك في : غريب نهج البلاغة : 181 : 182.

ذات عوار

العَوَار - بالفَتْح - العَيْب (1). وقد تضم عينه، فيقال : غوار (2).

والعَوَار خَرْق أو شَقَ في الثوب، وهو عيب فيه (3). والعَور الشين والقبيح والردئ من كل شيء (4).

وقد وردت لفظة (عَوَار) في نهج البلاغة مرة واحدة (5)، للدلالة على الناقة ذات العيب والرداءة. وذلك في قول أمير المؤمنين الذي يعدد فيه الدواب المعيبة التي لا تؤخذ في الصدقات ؛ إذ يقول لعامله عليها ((وَلاَ تَأْخُذَنَّ عَوْداً، وَلاَ هَرمَةً، وَلاَ مَكْسُورَةً، وَلاَ مَهْلُوسَةً، وَلَا ذَاتَ عَوَار)) (6).

أقول : وقد ورد في الحديث النبوي النهي عن أخذ الهرمة من الإبل وذاتِ العَوَار، وذلك في الحديث ((ولا يُخرجُ في الصَّدَقَةِ هَرمةً، ولا ذاتُ عَوَارٍ...)) (7). و (ذاتُ العَوَار) في الحديث هي ذاتُ العَيْب (8). والعيوب في الدواب كثيرة، لعل منها (الخَرَقُ) في عقولها، فكأنّها كالثوب الأخرق الذي شُقَّ منه جانب، فصار عيباً فيه. ورُبَّما كان (العَوَار) في هذهِ الدّواب هو (عَوَر العَيْن)، وذهاب حِسَّ إحدى عَيْنيْها. وهو ما يُمَثَّل ضرباً من الرداءة وقَبْحِ المَنْتَظر في الدواب.

العمدة

العَمِدَة من الإبل هي التي ورم سنامها من عض القتَب والجلس (9). وقيل : هي التي انشدخ سنامها من داخله لكثرة الدبر، وثقل الحمل عليها (10). وهذهِ العلة من علل الإبل تكون في السنام خاصة، وغالبا ماتصير في الإبل ذات السنام الضخم الممتلئ بالشحم، فإذا حمل عليه تقل كسر ومات فيه شحمه (11). ولفظة (العمدة) من ألفاظ نهج البلاغة، إذ استعملت مرة واحدة (12). بصيغة الجمع للدلالة على الإبل التي انشدخ سنامها وورم. وذلك على نحو التشبيه بها في حاجتها الى المداراة والعناية. إذ يقول الإمام مشبهاً حال أصحابه في الضعف والوهن بالبكار العمدة من الإبل : (كَمْ أُدَارِيكُمْ كَمَا تُدَارَى الْبِكَارُ الْعَمِدَةُ ...)) (13). أراد : أنهم كالإبل المشقوقة السنام من كثرة ما فيها من شحم، فلما القي عليهم الأمر بالدعوة الى القتال أثقلهم ذلك واخذوا بالابتعاد والنأي من أن يصيبهم شيءٍ من هذه الأحمال (14). فوصف قعودهم وتقاعسهم عن الجهاد بلفظ (العمدة) من الإبل


1) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 318/3، ولسان العرب : 616/4.

2) أنفسهما.

3) ينظر : مقاييس اللغة (عور) : 185/4، ولسان العرب (عور) : 616/4.

4) ينظر مقاييس اللغة (عور) : 615/4.

5) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 328.

6) نهج البلاغة : ك / 25 : 482، 483.

7) صحيح البخاري : 2 / 528، والنهاية في غريب الحديث : 318/3.

8) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 318/3، ولسان العرب (عور) : 616/4.

9) ينظر : المحكم (عمد) : 37/2.

10) نفسه.

11) ينظر : العين (عمد) : 59/2، والمخصص : م / 2 : س/7 : 167، 168.

12) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 320.

13) نهج البلاغة: خ/ 69 : 107.

14) ينظر : الديباج الوضي : 526/2.

لا تطيق صبراً وتحملاً (1)، لما بها من ورم السنام وانشداخه. فكأن هؤلاء ماتت فيهم الغيرة والطاعة لإمامهم الذي الذي يأمرهم بقتال الأعداء والوقوف بوجههم. في حين أن الواجب عليهم والمفروض بهم أن يكونوا رجالاً أشداء ممتلئ القوة والعزم. وهذا هو الأصل في لفظة (عمد) في اللغة (2). ولهذا شبه مداراته لهم وحسن تعامله معهم بمداراة أصحاب الإبل للإبل المشقوقة السنام.

العشواء

العَشْواءِ النَّاقَةُ التي لا تُبْصِر ما أمامها، فَتَخْبط كل شيءٍ بيدها، أو تقع في البِئْر ؛ لأنها لا تتعاهد مَوْضِعَ أخفافها (3). وقد وردت مفردة (العشواء) مرة واحدة في نهج البلاغة (4)، وصفاً للناقة العَشْوَاء التي لا تبصر ما أمامها. وذلك في وصيّة الإمام لابنه الإمام الحسن (عليهما السلام) في مقام توجيه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) له ولبقيّة النّاس بضرورة صفاء القلب وخشوعه، وإتمام الرأي في النظر والفكر معاً في الاستعانة باللّه تبارك وتعالى. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((وَابْدَأْ قَبْلَ نَظَرِكَ فِي ذلِكَ بِالاسْتِعَانَةِ بِالهِكَ، وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ فِي تَوْفِيقِكَ... فَإِذا أَيْقَنْتَ أَنْ قَدْ صَفَا قَلْبُكَ فَخَشَعَ، وَتَمَّ رَأْيَكَ وَاجْتَمَعَ، وَكَانَ هَمُّكَ فِي ذلِكَ هَمَا وَاحِداً، فَأَنْظُرْ فِيمَا فَسَّرْتُ لَكَ، وَأَنْ أَنْتَ لَمْ يَجْتَمِعْ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ، وَفَرَاغ نَظَرِكَ وَفِكْرِكَ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا تَخْبِطُ الْعَشْوَاء وَتَتَوَرَّطُ الظُّلْمَاءَ، وَلَيْسَ طَالِبُ الدِّينِ مَنْ خَبَطَ وَلَا مَنْ خَلَّطَ...)) (5). والنّص في مقام النُّصْح والإرشاد، والتوجيه بالأخذ بأحَبّ ما يكون الى أمير المؤمنين من وصيّته، وهي تَقْوَى اللّه... وَالأخْذُ بِمَا مَضَى عَلَيْهِ الْأُولُونَ مِنْ آبَائِكَ، وَالصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ...))(6)فعدم التقوى سيؤدي بالإنسان الى التَّخَبّط کـ(تخَبْطَ العَشْوَاء). وذلك على سبيل التشبيه، مستعملاً مفردتي (تَخبط) و (العَشْوَاء)، وهما من المفردات الدالة على الدواب وأفعالها، وبخاصة (الإبل) التي تكون الضعيفة البصر متخبطة مضطربة، تضرب بأخفافها، وتخبط بها ما صادفها من أشياء. فاستعمل هذا الضرب من التعبير لتشبيه المبتعد عن تقوى اللّه بالمتخبّط تخبط الناقة العشواء لأنه مُتَخَبِّط في دينه لا محالة، كما تَخْبطُ العَشْواء من النوق، التي لا تبصر ما أمامها.

أقول : وتعبير الإمام : تَخْبِطُ العَشْواء يحتمل عدة دلالات ؛ منها أن يكون في الكلام حذف، والأصل فيه : (تَخْبِطُ خَبْطَ العَشْوَاءِ)، فحذفت مفردة (خَبْط) وهي في الأصل مفعول به للفعل (تَخْبط)، وفاعله ضمير تقديره (أنت)، وعلى هذا يكون تقدير الكلام (تَخْبِطُ خبطاً يشبه خَبْطَ العَشْوَاء). فأما إذا قَدّرنا أنّ المُشَبّه به هو (الخَبْط) ؛ بوصفه محور التعبير وغايته، فتكون مفردة (خَبْطَ) منصوبة بنزع الخَافِضِ، وهو حرف التشبيه (الكاف). على أساس أنّ المعنى هو : (تَخْبِطُ كَخَبْطِ العَشْوَاء)، فلما أُريد تقوية التشبيه بين طرفيه، حُذفت منه الأداة، وكلمة (خَبْط)، ليتحوّل الكلام من التشبيه إلى الاستعارة التي زادت من بلاغة التعبير، وجودة صياغته


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 346/2.

2) ينظر : العين (عمد) : 57/2.

3) ينظر : العين (عشو) : 188/2، وتهذيب اللغة (عشو) : 36/3، ولسان العرب (عشو) : 57/15.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 304.

5) نهج البلاغة : ك/ 31 : 500، 501.

6) نفسه.

وأضفت عليه تصويراً فنياً منحه ضرباً من الغرابة في التعبير، لِيَلْتَفت اليه السَّامع ويعني به، ويقف عند أهمية النصائح التي ذكرها (عَلَيهِ السَّلَامُ) والتي سيؤول حال المفرط بها الى التخبّط والاضطراب.

أمّا الدلالة الأخرى المحتملة من هذا التعبير، فهي موجهة نحو مفردة (العَشْوَاءَ)، التي يجوز عدّها - في هذا المقام – صفةً حذف موصوفها، وتقدير المعنى هو : (تَخْبِطُ كَالنّاقَةِ العَشْوَاءِ)، ولعل الرغبة الى الاختصار والجنوح نحو إبراز المشبه والمشبه به بهيئة واحدة من حيث قوّة التشبيه بينهما هو الذي دعا الى حذف الموصوف وأداة التشبيه ؛ ليبقى التعبير بحسب ما جاء في نص الإمام. وهذا الوجه من التأويل للكلمة المتقدمة يمكن أن يوصل الى احتمال آخر غير بعيد عن القبول، وهو أكثر اختصاراً وقبولاً من حيث مستويات الحذف والتقدير في التعبير السالف الذكر، وذلك بأن يكون قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) مقتصراً على حذف أداة التشبيه من لفظة (العَشْوَاء) والتقدير قبل ذلك : (تَخْبِطُ كالعَشْوَاءِ)، أي : تَخْبِطُ كالعَشْوَاءِ من النُّوق التي لا تتعاهد مَوْضع أخفاقها (1). وأصل (العَشْوَاء) - فيما يبدو - مأخوذ من (العشو)، وهو الذي لا يبصر بالليل، ويُبْصِر بالنهار فيكون قد ساء بَصَرُهُ من غير عَمَى (2). فكأن الإمام أراد بذكر هذه المفردة الإشارة الى دلالتين، الأولى هي التّخَبّط والاضطراب، والثانية العَمَى وسوء التَّبَّصُّر والبَصِيْرة، وعدم الفهم. كأن الذي (يَخْبِطُ العَشْواء) كَمَنْ يمشي في الظلام فلا يدري ما أمامه. ولهذا قال الإمام بعد كلمته المتقدمة : ((... وَتَتَوَرَّطُ الظُّلْمَاءَ، وَلَيْسَ طَالِبُ الدِّينِ مَنْ خَبَطَ وَلَا مَنْ خَلَّطَ...)) (3).

مكسورة

الكَسْرِ في اللغة الهَسم والهَضْم (4). والكَسْرَة القطعة المكسورة من الشيء (5). وناقة كَسِيرٍ. أي مَكْسُورة الرّجل (6). وقد وردت لفظة (مكسورة) مرة واحدة في نهج البلاغة (7)؛ للدلالة على الناقة المكسورة الرّجل، أو الظُّهْر من كَثْرَة الحَمْلِ عليها. يقول أمير المؤمنين فى إرشاد عامله على الصَّدَقات، ونَهْيه عن أخذ الصَّدَقات من الدواب المَعِيْبَات : ((... وَلاَ تَأْخُذَنَّ عَوْداً، وَلاَ هَرمَةً، وَلَا مَكْسُورَةً، وَلاَ مَهْلُوسَةً..))(8).

وأراد (بالمَكْسُوَرة) – كما تقدم – الناقة التي كُسرت إحدى أرجلها، أو ظهرها (9). ولا يكون ذلك فيها إلا اذا ضُعَفَ بَدُنُها، أو كبر سنها. ويحتمل أن يُراد بـ (المَكْسُورة) بقية الدَّواب، من قبيل الشَّاءِ والنَّعَمِ التي توصف بكسر بعض قوائمها الأربع. وأنما عَبّر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بلفظة مكسورة عن هذه الدواب في إشارة الى ما تصيبها من عِلَّةٍ تقعدها عن القيام بالتنقل وحمل أحمال.

اللاغب


1) ينظر : العين (عشو) : 188/2، ولسان العرب (عشو) : 57/15.

2) ينظر : جمهرة اللغة (عشو) : 872/2، ومقاييس اللغة (عشو) : 322/4.

3) نهج البلاغة : ك/ 31 : 501.

4) ينظر : مقاييس اللغة (كسر) : 5/ 180.

5) ينظر : لسان العرب (كسر) : 140/5، وتاج العروس (كسر) : 36/14.

6) نفسه.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 400.

8) نهج البلاغة : ك/ 25 : 483.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 118/15.

اللَّغِب شِدَّة الإعياء، والضعف والتّعب (1). ولَغبت الدَّابة، إذا أَعْيَتْ وتَعِبَتْ (2). واستعمل الإمام لفظة (اللاغِب) بصيغة اسم الفاعل مرة واحدة (3)، للدلالة على التَّعِب من الإبل. وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يُرْشِد فيه عامله على الصدقات أمْ يُريح الدواب في أثناء سَيْره، وهو يَحْدُربها الى الإمام: ((...وَلَا يَجْهَدَنَّهَا رُكُوباً، وَلْيَعْدِلْ بَيْنَ صَوَاحِبَاتِهَا فِي ذلِكَ، وبَيْنَهَا، وَلْيُرَفِّهُ عَلَى اللاغِب ...)) (4)أمره بأن لا يجهد الدواب في الركوب، ولا يختصها بالرّكوب في سيره حتّى لا يصبها التَّعَب. وإنما يجعل الركوب بينها مناوبة بالقسط والعدل.(5). وأمر أنْ يُرَفَّه عن (اللاغِب) من الدواب. والترفيه والرَّفَاهَة في اللغة رَغَد الخصب، وليْن العَيْشِ (6). أراد(عَلَيهِ السَّلَامُ) أَنْ يُرَفّه عن الإبل، والنياق بإراحتها وإيرَادِها الماء كُلما احتاجت إليه حتى لا يُصِيْبَها الإعياء وشِدَّة التَّعْبِ من السَّيْرِ وثقل أحمالها. ويلحظ في النّص علاقة بين مفردة (لِيُرَفّه) وبين لفظة (اللاغِب). فإنّ (يُرَفّه) تدل على أَقْصَر الورودِ وأَسْرَعِه بالنسبة للإبل. وذلك بأن تشرب الإبل الماء كلما أرادت (7). وهذا هو منتهى الرفه اليها ؛ لأنّ ذلك يكون مصحوباً بالإراحة، والتوقف في مواضع الماء. وبهذا تكون الدواب اللاغِبة مُهَيّأةً لأَنْ تُراح، وتتخلص من الإعياء والضَّعْف الذي يصيبها من المَسِيرِ. ومراعاة لهذا المعنى، أشار الإمام بالتَّرفيه على هذا النوع من الدواب المُتْعَبَةِ والمُصابة بعلَل في أخفافها وأَرْجُلِها، فأمره (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنْ ((يُؤردُها مَا تَمُرُّ به من الغُدُر)) (8). والغُدُر جمع (غِدير)، وهي مواضع الماء في البَيْداء. فكأنما هذهِ الغُدُر مواضع استراحة وَوِرْدٍ لهذه القوافل السَّيَّارة. وقد التفت بعض شُرَّاح النهج الى مفردة (اللاغِب)، من جهة دلالتها على الدواب، فذكر أن المراد بها الجَمَل، لهذا ذَكَّرَ صِفَتَهُ (9). وتحتمل المفردة المتقدمة الدلالة على النّاقَةِ أيضاً، وإنما حذفت التاء من الوصف ؛ لأنّه في معنى النَّسب، كما يقال : ناقة ضَامِرٍ، أي : ذاتُ ضُمور (10).

وتعليقاً على هذا الوجه أقول : إنّ استعماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمفردة (لاَغِب) بوزن الفاعل يراد به لزوم التّعب والأعياء لهذهِ الدّواب، فإنّها تلزم الدواب ولاتنفك يزول عنها إلا بالراحة والترفيه، ولهذا أورد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذهِ الصفة بوزن اسم الفاعل – كما يبدو – للدلالة على التعب في هذهِ الدّواب الملازم لها ما دام حاديها مُجْهِداً لها غير مُرَفّهٍ. وهذا المعنى تقدمه صيغة (فاعل) دون بقية المشتقات كما يذكر الدارسون (11). وأما كون هذا الوصف مجرداً من (التاء) في دلالته على جنس الدواب التي يتحدث عنها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فمجيء الوصف (لاغب) خالٍ منها ؛ فذلك لأنه أُريد – فيما يبدو – معنى الصفة في اسم الفاعل. وهي صفة اللّغُوب وشِدَّةُ


1) ينظر : العين (لغب) : 421/4، ومقاييس اللغة (لغب) : 256/5.

2) ينظر : لسان العرب (لغب) : 743/1.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 483.

4) نهج البلاغة : ك/25 : 483.

5) ينظر : الديباج الوضي : 2220/5.

6) ينظر : المحكم (رفه) : 305/4.

7) نفسه.

8) نهج البلاغة : ك/ 25 : 483.

9) ينظر : الديباج الوضي : 2220/5.

10) ينظر : الديباج الوضي : 2220/5.

11) ينظر : معاني الأبنية : 47، 48.

التّعب والإعياء. وهذه تُصيب الدواب جميعاً سواء أكانت ناقة أم جملاً، ولو قصد (عَلَيهِ السَّلَامُ) دلالة الفعل أو الحَدَث فيها. لقال (لإغبة)، وهي، وهي الناقة التي سَيُصِيبُها اللُّغَب والاعياء. كما يقال ((امرأة حائضةٌ غداً، ومُرْضِعَةٌ غداً، فلا يَنْزَعَونَ الهاء ؛ لأنه شيء لم يَثْبُت، وإنما الإخبار عنه على لفظ الفعل، وهو قولنا : تَحِيضُ غداً، وَتُرْضِع غداً)) (1). فضلاً عن ذلك، فدلالة النسب موجودة في (الاغب) التي استعملها الإمام. وقد أشار النحويون الى هذهِ الدلالة في اسم الفاعل إذا كان جارياً على الشيء وصاحبه. فإنهم يقولون لذي الدرع، دَارِعٌ، ولذي السَّيْف سائِفٌ ولذي التُّرس تارس (2). ويقولون : ناقَةٌ ضَامِرَ لوصف المؤنث، وهو في كلامهم صفة لـ (شيءٍ)، و، و (الشيءُ) مذكّر فكأنهم قالوا : هذا شيءٌ ضَامِرٌ، ثم وصفوا به المؤنث، كما أنهم يقولون : (دراع) . كأنّه قال : دِرْعِي (3)، على جهة النَّسب. والمعنى ذو دِرْع أيضاً (4).

النّقْبِ

النّقْبِ نَقْب الحائط والدخول في عُمْقه (5). ونَقِبَ خُف البَعِيْر اذا تَخَرّق، ورَقَّتْ أَخْفَافُهُ (6). والنَّقْبَةُ قُرْحَةٌ تخرج بجنب الدَّابة تهجم على الجَوْف ويكون لها رأس من الداخل (7). وهي أيضاً أُولُ الجَرَب في الدَّابَّة من الإبل. ورُبّما كانت في مِشْفَرِ البَعِير أو ذَنَبِهِ (8). ومفردة (النَّقِب) من الفاظ نهج البلاغة التي استعملها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مرة واحدة (9). للدلالة على ما يُصيب البَعِير من تَخَرّقِ في خُفِّهِ. وذلك في سياق وَصِيَّتِه لبعض عماله على الصدقات التي يأخذها من النّاس، إذ يُوْصِيْهِ بِأَنْ يَرْفق ببعض ما أعتَلَّ منها. وذلك.

في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((فَإِذَا أَخذَهَا أَمِينُكَ فَأُوعِزْ (10)إِلَيْهِ: أَلَّا يَحُولَ بَيْنَ نَاقَةٌ وَبَيْنَ فَصِيلِهَا (11)بِالنَّقِبِ وَالظَّالِعِ... (12))) (13). أراد أن عامل الصدقات لا يُوكِّل على حفظ الصدقات إلاّ مَنْ كَان أَمِيْناً يوثق بدينه ولهذا وصفه بلفظة (أَمِيْنُكَ)، ثم أمره أنْ يَطْلِب اليه أن لا يفرّق بين ناقة وولدها، وأنْ يَتَأَنَّ ولا يعْجِلَ منها ما كان نَقِبَ الخُفِّ رَقِيْقُه، بحيث تكاد الأرض أنْ تَجْرَحه إذا مشى عليها.(14). ولهذا أمر أنْ يَسْتَأن بهذا الضَّرْب. الدواب المَعْلُولة في مشيتها التي لا تستطيع السَّير، لما فيها من نَقَب، أو عَرَجٍ في أَرْجُلُها (15). والإمام يجمع


1) ينظر : كتاب سيبويه : 384/3، والمخصص لابن سيده : 121/16، ومعاني الأبنية : 55.

2) ينظر : المقتضب : 120/1، ومعاني الأبنية : 52.

3) ينظر : كتاب سيبويه : 383/3، 384.

4) ينظر : المقتضب : 120/1.

5) ينظر : تهذيب اللغة (نقب) : 159/9.

6) ينظر : العين (نقب) : 179/5، ولسان العرب (نقب) : 765/1.

7) ينظر : العين (نقب) : 109/9، وتهذيب اللغة (نقب) : 160/9.

8) ينظر : لسان العرب (نقب) : 766/1.

9) المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 455.

10) الوَعْزُ التَّقْدُمَة في الأمْرِ. ينظر : لسان العرب (وعز) : 430/5.

11) الفَصِيْل ولد النَّاقَةِ إذا فصل عن أُمّه. ينظر : لسان العرب (فصل) : 522/11.

12) يَسْتَأنِ من الأناة، وهي الحِلْمُ والوقار في اللغة، والبُطْءُ. ينظر : لسان العرب (أني) : 48/14.

13) نهج البلاغة : ك / 25 : 483.

14) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 119/15.

15) ينظر : الديباج الوضي : 2220/5.

في هذا السَّياق بين الدواب التي فيها عاهة في أَرْجُلِها وأيديها، فيمنعها ذلك من المشي المعتاد لديها. إذ يحتمل أَنْ يُراد بـ (النَّقِب) في هذا السّياق البَعِيرِ الأَجْرَب الذي أصابتَهُ عِلَّة الجرب في بدنِهِ، فَسَاءتْ مَشافِرِهِ، وَبَقِيَّة جِسْمه، وأَنْهَكَه المَرَضَ. وذلك مأخوذ من (النَّقب) وهو الجَرَب عامة (1). فهو مرض ينقب جِلْدَ البَعِيْرِ ويَخْرقه فيصاب جَنْبَه أَو وِرْكَهُ، أَو مَشَافِرَه حتى تشريه كُلّه (2)و (النُّقْبَة) عِلَّةٌ في سُرَّةِ الدَّابَّةِ أَيضاً يَسِيْلُ منها ماءً أَصْفَر يَنْقُبها البِيْطَارُ بِمِنْقَبِهِ (3)حتى تَبْراً. وبهذهِ الدلالات، يَصير المعنى : أنّ التأني يكون بِمَنْ أَصابه الجَرَبَ. من الإبل فأنهكه وبالظالع الذي يَغْمِز فى مِشْيَتِه ؛ لأنهما لا يستطيعان السَّيْرَ عند مماشاتهما بقية الدواب. ولم أجد من الشُرَّاح من أشار الى ما تقدم من دلالة لمفردة (النَّقِب) في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتفسيرها بالأجْرَب من الإبل، إلا ابن الأثير الجزري عندما نقل كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((وَلْيَسْتَأْنِ بالنَّقِبِ والظَّالِع)) ؛ إذ نقله برواية نصها : ((وَلْيَسْتَأْنِ بِذَاتِ النَّقِبِ والظّالع)) (4). وعلق عليها بقوله : ((أي : بذاتِ الجَرَب والعَرْجاء)) (5).

مَهْلُوسةً

الهُلاَسُ شدة السُّلال من الهُزَال (6). ومنه قولهم : امرأة مهلوسة. أي مَهْزُوْلَة (7). والهلاس السّل (8). ويؤدي الهلاس الى إخفاء اللحم من الجسم، ومن ثَمَّ الهُزال (9). فتضعف قوة الجسم حينئذ. ومفردة (مَهْلُوْسَة) من الفاظ نهج البلاغة، التي استعملت فيه مرة واحدة (10)، وصفاً للنّاقة التي أنهكها الهزال. حتى أنّ الإمام لم يُدْخِلْهَا في الصَدَقات من الإبل، وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((وَلاَ تَأْخُذَنَّ عَوْداً، وَلاَ هَرِمَةً، وَلَا مَكْسُورَةً، وَلَا مَهْلُوسَةً...)) ولمّا كان أمير المؤمنين يتحدث في هذا السياق من المَعِيْبَات من الدَّواب، فلهذا أورد هذا اللفظ الدال على العِلّة في الإبل دون ذكر اسم الدابة ؛ لأنه أراد صفة الدابة عند اعتلالها. فـ (المهلوسة) مفردة توحي بشدة الضعف التي تبدو عليها هذهِ النَّاقَة ؛ لأن (الهلاس) داءً يُضْعِف النِّيَاق، ويُهْزِل لَحْمَلُها، وهو في البَدَنِ أشدُّ ما يكون. وقد خَصه اللغويون بِمَرَضِ السُّلِ (11).

2 - الفاظ أجزاء جسم الإبل

السَّنَام
إشارة:


1) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 158/3.

2) نفسه.

3) ينظر : لسان العرب (نقب) : 766/1.

4) نفسه.

5) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 158/3.

6) ينظر : العين (هلس) : 7/4، وتهذيب اللغة (هلس) : 77/6.

7) ينظر : العين (هلس) : 7/4.

8) ينظر : جمهرة اللغة (هلس) : 881/2.

9) ينظر : مقاييس اللغة (هلس) : 62/6.

10) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 469.

11) ينظر : جمهرة اللغة (هلس) : 881/2، ولسان العرب (هلس) : 249/6.

السَّنام أعلى ظهر البعير والنّاقة (1). يقال : جَمَل سَنِم. أي عظيم السَّنام (2). وتَسَنَّمْت الشيء إذا عَلَوْتُهُ (3).

وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (سَنَام) أربع مرات في نهج البلاغة. في حين جاءت لفظة (تَسَنَّمْتم) مرة واحدة (4)، للدلالة على العلو والارتقاء. ويمكن تفصيل ذلك بحسب ما يأتي:

1 - الدلالة على علو الشَّأن ورفعة المنزلة.

وقد وردت هذه الدلالة في استعمالات متعددة، وظف فيها الإمام مفردة (سَنَام) لهذا المعنى، ومن ذلك قوله مخاطباً أصحابه في بعض أيام (صفّين) :، وهو يحثهم على القتال : ((وَقَدْ رَأَيْتُ جَوْلَتَكُمْ، وَانْحِيَازَكُمْ عَنْ صُفُوفِكُمْ، تَحُوزُكُمُ الْجُفَاةُ الطَّغَامُ، وَأَعْرَابُ أَهْلِ الشَّامِ، وَأَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ، وَيَآفِيحُ الشَّرَفِ، وَالْأَنْفُ الْمُقَدَّمُ، وَالسَّنَامُ الْأعْظَمُ...)) (5). والنص في مقام التعجب، ومن ثَم مدح أصحابه عندما حازهم جند الشام، ولهذا ذكر أصحابه بأنّهم أهل السَّبْق والتقدمة، والمقام والشرف والرَّفعة وعُلُوّ المكانة. جاعلاً هذه الخصال جميعاً بإزاء خصلتين من أقبح الخصال التي يتسم بها الإنسان، وهما (الجُفاة، والطَّغام)، للدلالة على أراذل الناس وأوغادهم. والملاحظ أنّه استعمل مفردات (لَهامِيْم)، و (يَآفيخ)، و (الأنف)، و (السَّنَام)، للدلالة على مَدْحِهم بذكر أشرف المواضع من الإنسان والدواب على جهة التشبيه، آخذاً من لفظة (السَّنَام) دلالتها على العُلُو والعِظَم، بوصفه أكبر أجزاء البدن في البعير وأعلاها، لهذا استعاره الإمام لتحقيق معنى عُلوَّ رُتبة هؤلاء القوم من أصحابه وسبقهم شرفاً ورفعة ومنزلة على أعراب أهل الشام أصحاب الغلظة والجفاء، فهم رؤساء الناس وكبارهم (6).

أقول : ويتكرر هذا الضَّرب من التعبير في نهج البلاغة أينما أراد الإمام بيان شجاعة أصحابه، أوعند حتّهم على القتال، فكأنّ مدحهم بهذه الصفة يحرّك فيهم الهمة والرغبة في المناجزة والسَّعي الى النَّصر، فإن قصد الدلالة على سبقهم وتقدّمهم وجُودهم، وصَفَهم بكونهم (لهاميم العرب والسَّنام الأعظم). مشيراً بتعبير (السَّنام الأعظم) الى قدم منزلتهم ومكان تدبّرهم وحكمتهم بين الناس جميعاً. وذلك أنّ (سنام البعير) كلما عَظُم وكَبُر، كان ذلك دلالة على قدم البعير وكبر عمره. وفي هذا المعنى إشارة الى معنى الحكمة وحُسْن التدبير فضلاً عن علو القَدْر. وذلك مستوحى من خيار ما في البعير من جزء، وهو السنام (7). ومما يُدلل على ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) مُستنهضاً صحبه على القتال، مُحذراً إيّاهم من الفرار في المعركة : ((... وَأَيْمُ اللّه لَئِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ سَيْفِ الْعَاجِلَةِ، لا تَسْلَمُوا مِنْ سَيْفِ الْآخِرَةِ، أَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ، وَالسَّنَامُ الأَعْظَمُ...)) (8). كأن تحذيرهم من


1) ينظر : لسان العرب (سنم) : 306/12.

2) ينظر : العين (سنم) : 273/7، وتهذيب اللغة (سنم) : 13/13.

3) ينظر : تهذيب اللغة (سنم) : 13/13.

4) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 226.

5) نهج البلاغة : خ، 107 : 194، 195.

6) ينظر : الديباج الوضي : 852/2.

7) ينظر : لسان العرب (سنم) : 302/12.

8) نهج البلاغة :خ/ 124: 288.

الفرار يمثل عاراً لهم في الدنيا والآخرة، علاوة على عدم إمكان فرارهم من عقاب اللّه تبارك وتعالى. وتبدو العلاقة بين (الفِرار) في المعركة، والتذكير بالمكانة والرفعة التي عليها القوم واضحة ؛ فكلما كان المرء كبيراً في قومه، عالي المقام عندهم، كلما كَبُرَ عليه النكوص والإفلات في الوقائع. ولهذا ذَكَّرهم الإمام بمنزلتهم هذهِ مع شِدَّة الضرب وهول المعركة مَدْحاً لهم، وحَتَّاً على بذل أقصى ما عندهم من قوّة فى سبيل النَّصر. ولما أراد الإمام الدلالة على سوء عاقبة الفرار في الدنيا، ذكر سوء عاقبته في الآخرة، وهو عدم الإفلات من (سيف الآخرة). إشارة الى عقاب اللّه تبارك وتعالى وعدله.

وقد وصف الإمام (أهل الكوفة)، لما أراد استنفارهم الى جهاد العدوَّ بالبصرة في حرب الجمل بأنّهم (سَنَام العرب) وذلك في قوله : (مِنْ عَبْدِ اللّه عَلِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ، جَبْهَةِ الأَنْصَارِ وَسَنَامِ الْعَرَبِ...)) (1). فاستعار لهم لفظ (الجبهة)، و (السَّنام). والجبهة من الإنسان هي الجزء المستوي الواقع ما بين. الحاجبين الى الناصية(2). وهي محل الشَّرف والكرامة من الإنسان. ولهذا كانت الصلاة مشتملة على وضع الإنسان جبهته على الأرض ما يصح السجود عليه خضوعاً وتذللاً اللّه جل جلاله. واستعماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهذه المفردة في هذا السياق يوحي بالدلالة على أنّ المخاطبين هم وجُوه القوم وساداتهم الذين يستحقون هذا الوصف. وقد ذكر بعض الشراح أنّهم يكنون بالجبهة عن أحسن الشيء وخياره. ولهذا أوردها أمير المؤمنين في مقام المدح والثنا. على الأنصار من أهل الكوفة، فإنّهم أعظم الناصرين له، وأكثرهم جِهَاداً وأكثرهم جِهَاداً في حقه(3)، فضلا عن كونهم أعوانه(4).

وقد اتبع الإمام قوله المتقدم بتعبير (سَنام العرب)، إشارة الى رفعتهم وعُلوهم (5). فهم قمة العرب.

ثانياً : الدلالة على الإسلام.

وتبدو هذه الدلالة متفرّدة عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ، فإنّه جعل الإسلام) بمنزلة (السَّنام)، وذلك في قوله الذي يتحدث فيه عن فضل الإسلام عند اللّه تبارك اسمه. يقول الإمام : ((... جَعَلَ اللّه فِيهِ مُنْتَهَى رِضْوَانِهِ، وَذِرْوَةَ دَعَائِمِهِ، وَسَنَامَ طَاعَتِهِ)) (6). والنّص يشير الى قيمة (الإسلام) عند اللّه الذي جعل فيه غاية رضوانه، وأعلى أُسسه. فهم يشير الى أنّ الدين الإسلامي الحنيف يتضمن (غاية رضوان اللّه)، و (الأساس الذي يَسْتقيم به المَرْء وعمله). وفوق ذلك كله، فيه قمة الطاعة للحق جل جلاله. وقد استعار الإمام مفردة (سنام) من دلالتها على الجزء المعروف في الإبل للدلالة على القمة التي تتمثل بها طاعة اللّه. كأنّ الذي يريد أن يبلغ القمة والعلو في رضا اللّه تبارك وتعالى وينال الثبات في دعائمه، فينبغي عليه أن يكون مسلماً قولاً وعملاً. فالإسلام، في كلام الإمام، هو الأصل الذي يحتاجه المرء، ليبلغ به الشَّرف والرفعة عند اللّه


1) نفسه : ك / 1 : 459.

2) ينظر : العين (جبه) : 395/3.

3) ينظر : الديباج الوضي : 2102/5.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 8/14.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 8/14، والديباج الوضي : 5 / 2102.

6) نهج البلاغة : خ / 198 : 396.

ثالثاً : الدلالة على اعتلاء العلياء

واستعمل الإمام لهذه الدلالة مفردة (تَسَنَّمتُم) التي ساقها في مقام بيان فضل أهل البيت (عَلَيهِ السَّلَامُ) على النّاس، واهتدائهم بهم الى الحقَّ. يقول أمير المؤمنين : ((بنَا اهْتَدَيْتُمْ فِي الظُّلْمَاءِ، وَتَسَنَّمْتُمُ العِلْيَاءَ، وبنَا انْفَجَرْتُم عَنِ السَّرَارِ...))(1). وقد جعل (الاهتداء) مقدمة لـ (تَسَنُّمم). فالمرء يهتدي الى الشيء أولاً، ومن ثُمّ يرتقيه سواء أكان ذلك الشيء من المركوبات أم من غيرها. وقد أشار بـ (الظلماء) هنا الى ظلمات الجاهلية التي كان الناس يعمهون فيها تيهاً وضلالاً، حتّى اهتدوا بالنبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ورسالته الى طريقهم التي أنارها لهم بنور الإسلام.

أمّا مفردة (تسَنّمْتُم)، فقد استعارها الإمام في هذا السياق لارتقاء العرب المنزلة السَّامية الرفيعة بفضل النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم). وتستعمل هذه المفردة في ارتقاء ظهر الجمل، فيقال لمن اعتلى بعيراً : إنّه تسنمه. ثم اتسعت دلالة هذه الكلمة - كما يبدو - فأصبح كل ما ركبه المرء من شيء، فقد تسنمه (2).

وأما مفردة (العلياء)، فهي في اللغة اسم للمكان المرتفع كالنَّجد وغيره (3)والملاحظ أنّ أمير المؤمنين أراد تذكير هؤلاء القوم أنّ ما وَصَلوا إليه من منزلة وعَلو قدر، فإنّه بفضل النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وآله الأطهار الذين أخرجوا النّاس من الظلمات الى النور. فوظف مفردة (تسنمتُم) للدلالة على ارتقائهم ووصولهم الى ما هم عليه من الشرف والرّفعة. فناسب ذلك المعنى استعارة الإمام لمفردة (تسنمتم) لـ (ذُروة العلياء)، ملاحظة لشبهها بالنّاقة التي يُعتلى سنامها (4)في كناية عن علوم قدرهم وشرف ذكرهم (5).

الكُلكَلُ
إشارة:

الكُلكَلُ الصَّدر من كل شيء (6). وهو ما بين الترقوتين عند الإنسان (7). وفي الفرس ما بين الحزمة الى ما مس الأرض منه إذا ربض (8). وقد وردت لفظة (كَلْكَلها) مرتين في نهج البلاغة، في حين جاء ألفاظ (كَلْكَله) و (كَلاكِل) و (كَلاكِلها) مرة واحدة لكل منها (9). وذلك للدلالة على الصدر بعامة. ولكن الإمام خص تلك الألفاظ بالدلالات الآتية :

أولاً : الدلالة على أَكَابر العَرَبِ

وهم صدور الأمة الذين تكلم عنهم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق بيان شجاعته وفضله في الإسلام، إذ يقول : ((أَنَا) وَضَعْتُ فِي الصَّغَرَ بَكَلاكِلِ الْعَرَبِ، وَكَسَرْتُ نَوَاجِمَ (10)قُرُونِ (11)رَبِيعَةً وَمُضَرَ...)) (12). أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه


1) نفسه : خ / 34:4.

2) ينظر : لسان العرب (سنم) : 307/12.

3) ينظر : الفائق : 121/1.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد : 1 / 200، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 186/1.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 186/1.

6) ينظر : تهذيب اللغة (كلل) : 333/9، والمحكم (كلل) : 659/6، ولسان العرب (كلل) : 596/11.

7) نفسها.

8) ينظر : المحكم (كلل) : 660/6، ولسان العرب (کلل) : 597/11.

9) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 402.

10) نجم الشيء، إذا طلع. ينظر : لسان العرب 568/12.

11) القَرْنُ الرّوقُ، وموضعه رأس الانسان والثيران والظباء وغيرها. ينظر : لسان العرب (قرن) : 331/13.

12) نهج البلاغة : خ / 192 : 378.

وضع في صغره بقمم العرب، وعلياها من صدورهم ومقدميهم، وكسر شوكتهم، واستعار لفظة (كلاكل) للجماعة من أكابر العرب الذين قتلهم في صدر الاسلام، ووقائعه المختلفة حتى قتل من قتل من أعزّة العرب حينذاك (1). وقد دلت لفظة (كلاكل) على هذا المعنى ؛ لأن الكلكل من الانسان والحيوان، هو مقدمته ومحل قلبه، لذلك يعد موضعاً للعزة والكبرياء، فضلاً عن الصدارة. وهو ما أوحى به كلام الإمام عند استعماله هذه المفردة لتكون مناسبة للمعنى الذي قصد اليه وربما دلّت المفردة على غير الصدر المعروف في الانسان والحيوان.(2). كأنما أراد الإمام أنه أنزل هؤلاء الصدور من الأمة الى محل وضيع عندما أرغمهم على الموت قهراً في سبيل الاسلام. ومما عزز هذا المعنى قوله (وكَسَرْتُ نَوَاجِم قُروُن رَبِيْعَة ومُضَر). فعبر بـ (نواجم قرون) الى ما برز من القبائل العربية من أبطال مقدمين في الحروب. واستعمل لهم لفظ (القرون) ؛ لأنّ القرن هو سلاح الحيوان الذي يصول به ويمنع (3). فكأنهم سلاح قبائلهم التي تقابل بها، وتصول وتمنع عنها الاعداء. فضلاً عن هذا اللفظ يدل في اللغة على معان متعددة، فالقرن هو الفرد الذي لا واحد له ولا نظير (4). وهو الضد في القوة أيضاً (5).

ثانياً : الدلالة على أثقال الدنيا وما فيها من بغي وفتن.

ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق كلامه عن أذى الدنيا، وما تفعله بالناس : ((فَاللّه اللّه عِبَادَ اللّه! فَإِنَّ الدُّنْيَا مَاضِيَةٌ بِكُمْ عَلَى سَنَن، وَأَنْتُمْ وَالسَّاعَةُ فِي قَرَن، وَكَأَنَّهَا قَد جَاءَتْ بِأَشْرَاطِهَا، وَأَزفَتْ بِأَفْرَاطِهَا... وَكَأَنَّهَا قَدْ أَشْرَفَتْ بِزَلَازِلِهَا، وَأَنَاخَتْ بِكَلاكِلِها...)) (6)المراد : أن الدنيا قد قدمت بمصائبها، وحطت بصدرها مافيه من ثقل على الانسان. فاستعمل لها لفظ (الكَلاكل) ؛ للدلالة على شدة أهوالها ومصائبها، مشبهاً ذلك بالبعير الذي ينيخ كَلْكَلَه على الأرض ؛ فيحطم ما تحته. لفظة (أَنَاخَتْ)، الدالة على إبراك الإبل واستقرارها على الأرض في مناخها (7). وقد ذهب الشارح البحراني الى أن (الكلاكل) استعارة للأهوال الثقيلة، ووصفها بالإناخة إشارة الى هجومها على الناس ونزولها بهم (8).


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 235/4، والديباج الوضي : 2050/4.

2) ينظر : المحكم (كلل) :

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 183/4، والديباج الوضي : 2050/4.

4) ينظر : العين (قرن) : 143/5.

5) نفسه.

6) نهج البلاغة: خ/ 190 : 353.

7) ينظر : لسان العرب (نوخ) : 65/3.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 124/4.

ويمكن أن يكون المراد (بالكلاكل) - هنا - الدلالة على تعدد أهوال الدنيا وما ترسله على الناس من هموم ومشاكل، وإهلاك للحرث والنسل. ونظير هذا التعبير الذي وظف له الإمام لفظة (كلاكل) أو (كلكل) ما استعمله الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في (خ / 91، 151، 192، 226).

جرانه

الجِرَان مُقَدَّمِ العُنُقِ من مذبح البَعِير ومنحره (1). وقيل : الجِرَان هو باطن العنق (2). ووصفه بعض اللغويين بالجلدة تضرب على باطن العنق من ثغرة النحر الى منتهى العنق في الرأس (3). ومفردة (جرانه) من الفاظ نهج البلاغة ؛ فقد استعملت فيه أربع مرات (4)؛ للدلالة على اتساع الدين والاسلام واستقرار وامتداده. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مقام الحديث عن أثر الصدق مع اللّه تعالى في تحقيق النصر على الكافرين : ((وَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللّه (صلى اللّه عليه وآله)، نَقْتُلُ آبَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَإِخْوَانَنَا وَأَعْمَامَنَا، مَا يَزِيدُنَا ذلِكَ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً، وَمُضِيّاً عَلَى النَّقَمِ، وَصَبْراً عَلى مَضَض الألم، وَجِداً عَلى جِهَادِ الْعَدُوِّ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا وَالْآخَرُ مِنْ عَدُوّنا يَتَصَاوِلاَنِ تَصَاولَ الْفَحْلَيْنِ، يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا، أَيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأْسَ المَنُونِ، فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا، وَمَرَّةً لِعَدُوّنا مِنَّا، فَلَمَّا رَأَى اللّه صِدْقَنَا أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ (5)، وَأَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصْرَ، حَتَّى اسْتَقَرَّ الْأَسْلَامُ مُلْقِياً جِرَانَهُ وَمُتَبَوِّئاً (6)أوطانَهُ))(7). والنص وصف الحال الاسلام والمسلمين في بدء الإسلام، وكيف كان المسلمون مع النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله) يقاتلون آباءهم وأبناءهم وقراباتهم من أجل الإسلام، حتى أنزل اللّه بأعداء المسلمين الفزع والخسران، فاستقر الدين وتمكن أمره في الأرض. وقد عبر الإمام عن حال تمكن الاسلام واستقراره بما يناسب الطبيعة المألوفة للمخاطبين في ذلك الوقت، فاستعمل لفظ (جرانه)، وهو مقدم عنق البعير فإذا مد البعير عنقه قيل ألقى جرانه بالأرض (8). وتكون هذه الحالة عندما يبرك البعير على الأرض بعدما يؤتي به من سفرٍ أو غيره، فيمد البعير جرانه لأخذ الراحة والاستقرار. ويكون الجمل في هذهِ الحال ثابتاً مستقراً بالأرض ووظف الإمام هذا التعبير ؛ لاظهار دلالة استقرار الاسلام وابتعاد المناهضين له عنه، وهم المشركون الذين منعوا النبي (صلى اللّه عليه وآله) من نشر الدين في أوائل ظهور الاسلام. والملاحظ أن الاستقرار في قلوب المسلمين مقدم على استقراره في الأرض، وانتشاره في البلدان.

وثمة دلالة أخرى أراد الإمام الإشارة إليها من خلال تعبير (مُلْقِياً جِرَانَه)، وهي صلابة الاسلام وقوته على الرغم من الفتن والملاحم التي مرت به. والصلابة التي يتميز بها جران البعير، فهو من الصلابة بمكان حتى أن العرب كانت تسوي سياطها من هذا الجزء من البعير لقوته وصلابته (9). ويبدو لي أنّ هذه الدلالة أليق


1) ينظر : العين (جرن) : 104/6.

2) ينظر : تهذيب اللغة (جرن) : 27/11، ولسان العرب (جرن) : 86/13.

3) نفسه.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 83.

5) الكَبْتُ الصَّبرْ، وهو كَسر الرّجل وإخْزَاؤه. ينظر : لسان العرب (كبت) : 76/2.

6) بَوَّأهم نَزَل بهم الى سَنَدِ جَبَلٍ. ينظر : المحكم (بوع) : 561/10.

7) نهج البلاغة : قصا / 467 : 694.

8) ينظر : العين (جرن) : 104/6.

9) ينظر : تهذيب اللغة (جرن) : 27/11.

بالسياقات التي وردت فيها لفظة (جران) في نهج البلاغة فالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يستعمل المفردة المتقدمة إلا عند كلامه على الإسلام واستقراره معبراً عن ذلك بلفظة (جرانه) التي وردت بالدلالة المتقدمة نفسها في (خ/182، قصا / 17، 467).

غارب
إشارة:

الغَارِب هو أعلى الموج وأعلى الظهر (1). والغَارِب الكاهل من الخفَّ، وهو ما بين السنام والعنق من البعير (2). وقيل : بل هو أعلى مقدم السنام (3). واستعملت لفظة (غَارِب) ثلاث مرات في نهج البلاغة(4)للدلالة على ما يأتي :

أولاً : الدلالة على مقدم عنق البعير

وهو أعلى مقدم سنامه، بين السنام والعنق، وقد جاءت هذه الدلالة في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) متحدثاً عن (البَلاء): ((... ذَاكَ إِذَا عَصْكُمُ الْبَلَاءُ كَمَا يَعَضُّ الْقَتَبُ غَارِبَ الْبَعِيرِ...)) (5). والغارب كاهل البعير وأعلى مقدم سنامه من الكتف، وكثيراً ما تتآكل هذه المنطقة من البعير، وتتقرح بسبب من وضع الرحل عليها وربطه بغارب البعير، ولهذا شبه الإمام به (عَضَّ البَلاء) الذي يقرح الإنسان ويأكل عزمه وكبرياءه في إشارة الى انغماره في المعاصي والعثار والفسوق (6)

ثانياً : الدلالة على إطلاق الأمر وتركه على حاله.

وقد أورد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا المعنى مرتين في كلامه الوارد في نهج البلاغة، الأول يشير به الى الدنيا، مشبها إياها بالبعير المطلق المتروك. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذم الدنيا وعدم اغتراره بها : ((إِلَيْكَ عَنِّي يَا دُنْيَا، فَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، قَدِ أَنْسَلَلْتُ مِنْ مَخَالِبِكِ (7)، وَأَفْلَتُ مِنْ حَبَائِلِكِ، وَاجْتَنَبْتُ الذَّهَابَ فِي مَدَاحِضِكِ (8))) (9). وقد صدّر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كلامه هذا باسم الفعل (إلَيْكِ) مؤخراً المنادى – وهي الدنيا - عن الأمر بالابتعاد ؛ لغرض لفت النظر وحث السامعين على سلوك النهج الذي سار عليه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) - كما أحسب. ثم عبر عن نبذ الدنيا، وتركها دون أن يشغل نفسه بها، بقوله (فَحَبْلك على غاربك)، وهو تعبير مأخوذ من طرح حبل البعير الذي يقاد به على غاربه ومقدّم سنامه، إهمالاً له لتركه يذهب حيث يشاء. وقد أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) التنبيه الى إعراضه عن الدنيا وعدم شغله بها، فجعلها كالناقة المرسلة التي يوضع زمامها على كاهلها رغبة في إهمالها وتجنب العناية بها.


1) ينظر : العين (غرب) : 411/4.

2) ينظر : لسان العرب (غرب) : 644/1، وتاج العروس (غرب) : 479/3.

3) ينظر : تهذيب اللغة (غرب) : 119/8.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 334.

5) نهج البلاغة: خ/ 87 : 348.

6) ينظر : الديباج الوضي : 1920/4.

7) نهج البلاغة: خ/ 187 : 348.

8) الدَّحْضُ الزَّلق. ينظر : لسان العرب (دحض) : 148/7.

9) نهج البلاغة : ك/ 45 : 533.

ويومئ التعبير المتقدم بأنَّ الإمام قد سرح الدنيا وتركها، وطلقها مؤبداً ذلك بعدم إمكان الرجوع اليها. ولهذا كان يخاطبها بأن لا تعرض له أو تقترب منه، وليس العكس، وقد استعمل الإمام عبارة (حَبْلك على غَارِبِكِ) بطريقة المثل، فقد كانت البيئة الاجتماعية العربية في ذلك الوقت تستعمل هذا التعبير في تسريحها للمرأة التي يطلقها زوجها، فضلاً عما يراد تخليته من أيديهم من الأشياء. فيقولون ((حَبْلَكِ عَلى غَارِبِكِ))(1). كناية عن الطلاق، ومرادهم من ذلك : أن المرأة مسرحة الذهاب حيث شاءت (2). وقد أخذت العرب ذلك من متعلقات. الناقة ولوازمها، فإنهم إذا أرادوا تركها للرعي، ألقوا خطامها على غاربها إيذاناً لها بأن تهنأ في رعيها ؛ لأنها إذا رأت خطامها وقد أشنق لم تهنأ بشيء (3). وبالعودة الى قولة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ، فإن (غارِبَ الدُّنْيَا) في كلامه هو فتنتها وزهوها وما فيها من ملذات، متعلق بأصلها وكاهلها الذي ترتكز عليه لذاتها. فكأنّ (غارب الدُّنْيَا) قمّة لذّتها. وذلك عندي مأخوذ من أصل دلالة (الغَارِب) في اللغة، وهي أعلى الشيء وقمته (4). أما (حَبْلُ) الدنيا في كلمة الإمام (حَبْلُكِ على غَارِبِكِ)، فهو إشارة الى زمامها وقيادها الذي يراد للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يتولاه ويمسكه، لكي يكون منقاداً لها لا قائداً. وهو بهذا يكون بمنزلة خطام البعير الذي يتولاه الراكب، فمرة يشنقه وأخرى يسلسه. ولا سيما إذا كانت الناقة صعبةً عصية القياد. وهكذا هو حال الدنيا فإنها صعبة الركوب لمن ركبها وتقحمها :

أقول : وكنّى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الخلافة بالناقة، فجعلها مرسلة لا رغبة فيها، مثلما طلق الدنيا وتركها على عاربها. وذلك في (خ/3)

وَبَر

الوَبَر صوف الإبل ونحوها (5). وجمل أوبر إذا كان كثير الوبر (6). ولفظة (وَبَر) من ألفاظ نهج البلاغة التي استعملت فيه ثلاث مرات (7). دالة على صوف الإبل الذي يكون علامة من علامات البداوة ورعي الإبل ؛ فضلاً عن الدلالة على البيوت والأخبية المتخذة من صوف الإبل، وهي المسماة بـ (الخيام). وقد استعمل الإمام المفردة المتقدمة مضافة الى لفظة (بَيْت) إشارة الى نمط صنعها، من جهة اشتمالها على صوف الإبل. وذلك في سياق كلامه عن ظلم بني أمية وإباحتهم المحرمات. يقول الإمام : ((وَاللّه لاَ يَزَالُونَ حَتَّى لا يَدَعُوا اللّه مُحَرَّماً إلا اسْتَحَلُّوهُ... حَتَّى لا يَبْقَى بَيْتُ مَدَر (8)وَلا وَبَر إِلا دَخَلَهُ ظُلْمُهُمْ وَنَبَا بِهِ سُوءُ رَعْيِهِمْ))(9)أراد أن ظلم الأمويين وإباحتهم الحمى غير مقتصر على مكان حكمهم، وإنما سيعم البيوتات جميعاً من حواضر المدن وقراها


1) جمهرة الأمثال : 342/1، ومجمع الأمثال : 196/1، والمستقصى في أمثال العرب : 56/2.

2) ينظر : مجمع الأمثال : 196/1.

3) ينظر : تهذيب اللغة (غرب) : 119/8، ومجمع الأمثال : 196/1، ولسان العرب (غرب) : 644/1، وتاج العروس(غرب) : 479/3.

4) ينظر : تاج العروس (غرب) : 480/3.

5) ينظر : العين (وبر) : 26/8، وتهذيب اللغة (وبر) : 189/15.

6) ينظر : المخصص : م/ 2 : س/7 : 76.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 474.

8) المدر قطع الطين اليابس. ينظر : لسان العرب (مدر) : 162/5، والمراد البيوت المصنوعة من الطين، وهي كناية عن القرى والحواضر من المدن.

9) نهج البلاغة: خ/ 98 : 179.

، فضلاً عن المنازل الواقعة في البوادي وكنى عن ذلك بذكر لفظة (بيت) المضافة الى مفردة (وَبَر) إشارة الى مكان البادية الذين تكون فيها البيوت متخذة من صوف الأباعر.

أقول : وقد جاء التعبير نفسه في خطية أخرى للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتحدث فيها عن ظلم الامويين، وذلك في (خ/158، 192).

شقشقة

الشَّقْشِقَةُ لهاة البعير، ولا تكون إلا للعربي من الإبل كما يذكر اللغويون (1). وذكر أبو عبيد القاسم بن سلام أنها شيء شبيه بالرئة تخرج من شدق الفحل من الإبل العراب إذا هدر (2). ووصفت بانها جلدة رقيقة حمراء يخرجها البعير من جوفه، عندما ينفخ إذا هاج وهدر (3). وقد استعمل الإمام لفظة (شِقْشِقة) بصيغة المفرد والجمع على (شقاشق) مرة واحدة لكل منهما في نهج البلاغة (4)؛ للدلالة على ما يخرجه البعير العراب من جلدة من جوفه. وذلك في سياق كلامه الذي يتحدث فيه عن أمر الخلافة وصبره عما جرى فيها، ثم مبايعة الناس له. إذ يقول في بعض من هذهِ الخطبة : ((أَمَا وَاللّه لَقَدْ تَقَمَّصَها فُلانٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّيَ مِنهَا مَحَلُّ القُطْبِ مِنَ الرَّحَا، يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ، وَلا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ،... حَتَّى مَضَى الْأُولُ لِسَبِيلِهِ، فَأَدْلَى بِهَا إِلَى فلان بَعْدَهُ فَيَا عَجَباً !! بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُها (5)فِي حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لَاخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ...فَصَيَّرَهَا فِي حَوْزَةٍ (6)خَشْنَاءَ، يَغْلُظُ كَلْمُهَا (7)... فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ، وَشِدَّةِ الْمَحْنَةِ... أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَة، لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ... لاَلقَيْتُ حَبْلَهَا لالقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبَهَا وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أُولِها، وَلاَلفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ (8)عَنْزِ (9))) (10). فقام اليه رجل من أهل العراق عند بلوغه الى هذا الموضع، وناوله كتاباً فيه مسائل يريد الاجابة عنها فقرأه الإمام. فلما فرغ منه. قال له ابن عباس : يا أمير المؤمنين لو اطردت خطبتك من حيث أفضيت (11). فقال : ((هَيْهَاتَ يَابْنَ عَبَّاسِ تِلْكَ ! شقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ)) (12).

وقد عبر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ما في نفسه من كلام، واصفاً إياه بـ (شِقْشِقَة) البعير التي هدرت ثم قرت، أي رجعت الى مستقرها. فكأن كل هذه الأمور التي مر بها الإمام وتكلم عنها للناس، أخرجها بهذه الكلمات


1) ينظر : العين (شقق) : 7/5، ومقاييس اللغة (شقق) : 172/3، والمحكم (شقق) : 97/6، ولسان العرب (شقق) : 185/10.

2) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 297/3، ولسان العرب (شقق) : 185/10.

3) ينظر : تهذيب اللغة (شقق) : 204/8، وجمهرة اللغة (شقق) : 1/ 207، والنهاية في غريب الحديث : 490/2، وتاج العروس (سقف) : 521/25.

4) ينظر : المعجم المفهرس لنهج البلاغة : 242.

5) يَسْتِقْيلُها، أي يطلب الإقالة منها. ينظر : لسان العرب (قيل) : 579/11.

6) الحَوْزُ ما يَحُوْزُهُ الرّجل من موضع ويتخذه له جاعلاً حوله مُسناة. ينظر : المحكم (حوز) : 482/3.

7) الكَلَمُ الجُرْحُ. وكَلَمُها جُرْحها. ينظر : العين (كلم) : 5 :378.

8) العَفْطَةُ عَطس الماعزة. ينظر : لسان العرب (عفط) : 353/7.

9) نقلت المدونات اللغوية كلمة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعلاه ومنها لسان العرب (عفط) : 7 : 352.

10) نهج البلاغة: خ/3 : 28 – 33.

11) نهج البلاغة : خ / 3 : 33، ومصادر نهج البلاغة وأسانيده : 107/1، 308.

12) نفسه : خ/ 3 : 33.

الفصيحة البليغة. والشِقْشِقَةُ كما تقدمت أقوال اللغويين فيها جلدة، أو رئة تخرج من فم البعير حمراء اللون، ينفخ فيها البعير إذا هدر. والإمام إنما عبر عن كلمته التي ذكرها بـ (الشِقْشِقة)، لأنه أزهد من أن تأخذه الخلافة، وتستميله الدنيا اليها. ولهذا صرح في خاتمة كلامه بقول ((... وَلَاَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز)) (1)، فالدنيا عنده أشد هواناً من عطسة العنز وعطسة العنز يصحبها الكثير من القذارة التي تخرج عادة من أنفها، وهو ما قصد اليه في وصفه (دنياهم) التي عبر عنها بضمير المخاطبين؛ اشارة الى أنها لهم وليست له (عَلَيهِ السَّلَامُ). وعبر عنها بهذا التعبير للدلالة على ما يصحبها ويخرج منها من قذر تشمئز منه النفس وترغب عنه. ووصف كلامه بـ (الشَّقْشِقَة) فيه إشارة الى فصاحته وبلاغة أقواله، فضلاً عن شرفه ورفعته، وقوة بأسه مما جعله مقدماً بين أقرانه، حتى فاق العرب في ذلك. ويمكن فهم ذلك من خلال مفردة (شِقْشِقة)، فإنها لا تخرج إلا من فم البعير العراب الأصيل (2). علامة على كثرة هدره وفحولته. فبقية الإبل غير الأصلية لا تهدر، أو أنها تهدر ولا تغط في الشقْشِقَة، لأنها لا شِقشِقَة لها (3). فضلاً عن أن هدير الفحل دليل على غضبه واحتدامه، ولا يكون ذلك الا في ما يزعجه من الأحوال، فكأنه يستنكر ما يؤذيه ويمتعظ منه، فهديره كالكلام عند الانسان. ولهذا وصف الخطيب الماهر بالكلام الجهير الصوت بأنه ذو شِقْشِقَة (4)؛ لأن البعير إذا هدر، فقد بلغ أقصى غاية الفصاحة بالهدر ؛ فإنهم لا يقولون : هَدَرَ البعير إلا إذا أفصح في هدره. كما ينقل عن الأصمعي (ت 215 هـ) (5). ومن هذا المعنى - فيما يبدو - قالوا : إن فلان شقشقَةُ قَوْمه، بمعنى أنه شريفهم وفصيحهم (6). كأنه واحد قومه الذي لا قرين له ولا نظير. وهذه المعاني والدلالات كلها تفيدها لفظة (شِقْشِقة) الواردة في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) التي تحتمل هذه الإشارات الدلالية، فضلاً عما صنعه الإمام من جمع بين الأصل والفرع في قوله : ((شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ))، فقد ناسبَ في هذا التعبير بين مفردة (هَدَرَتْ)، وهي الأصل كما يفهم من كلام الدكتور إبراهيم السامرائي في فكرته هذهِ، وبين لفظة (شِقْشِقَة) وهي الفرع (7)، فكأنما الهدر هو الأصل ؛ لأن به تخرج الشِقْشِقَة من فم البعير وهذا فيما أحسب من قبيل العلاقة بين السبب والمسبب.

أقول : وثمة موضع آخر استعمل فيه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (شقَاشِق) بصيغة الجمع للدلالة من يتزعم فتنة أهل الشام الذي تهدر شَقَاشِقُهُ، دلالة على أمره بانطلاق الفتنة وإقبالها على الناس، وذلك في (خ/ 101).

آبَاطُ الإِبل


1) نفسه.

2) ينظر : العين (شقق) : 7/5، وجمهرة اللغة (ششق) : 207/1.

3) ينظر : غريب الحديث (الخطابي) : 411/1.

4) ينظر : المحكم (شقق) : 97/6، ولسان العرب (شقق) : 185/10.

5) ينظر : غريب الحديث (الخطابي) : 411/1.

6) ينظر : لسان العرب (شقق) : 186/10.

7) ينظر : مع نهج البلاغة : 244.

الإبط معروف، وهو باطن المنكب من الإنسان والدواب (1)، ويقال لما تحت جناح الطيور ابط أيضاً (2). وقد وردت لفظة (آباط) بالجمع على (أَفْعَال) مرة واحدة في نهج البلاغة (3)، للدلالة على باطن منكب الإبل. وذلك في وصية لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول فيها : ((أوصِيكُمْ بِخَمْسٍ لَوْ ضَرَبْتُمْ إِلَيْهَا آبَاطَ الإِبل لَكَانَتْ لِذلِكَ أَهْلاً لاَ يَرْجُوَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا رَبَّهُ، وَلاَ يَخَافَنَّ إِلَّا ذَنْبَهُ...)) (4). إن استعمال الإمام تعبير (آباط الإبل) فيه إشارة الى الارتحال الذي كنّى عنه الإمام، كأن الراكب إذا أراد السفر ضرب بكعبي رجليه إبط الجمل(5)وهو ما وقع تحت منكبه ملاصقاً لمرفقه (6). وهذه عادة عند العرب الرحل عندما يعتزمون السفر الشاق البعيد. ولما كانت الوصايا التي أوصى بها الإمام توجب على المرء السعي في طلبها والأخذ بها ؛ لأنها تمثل أصول الإيمان ومبادئه ؛ فلهذا جعلها الإمام بمنزلة ما يطلبه البدوي من لوازم الحياة في الصحارى. وكان مناسباً للمقام أن جعل الإمام (فَضِيْلَةِ الصَّبْرِ) خاتمة لهذه الوصايا التي تناسب حال من (ضرب الآباط)، طلباً للسفر والمشقة في تحصيل غايته، فلهذا يلزمه الصبر، ورجاء اللّه تبارك وتعالى

أعجاز الإبل

العجز مؤخر الشى، وهو ما بعد الظهر (7). وجمعه أعجاز (8). وأعجاز الإبل مآخيرها (9). واستعمل الإمام لفظة (أَعْجَاز) بصيغة الجمع على (أَفْعَال) مرة واحدة في نهج البلاغة (10). مضافة الى مفردة (الإبل) ؛ للدلالة على مآخيرها. وذلك في قوله : ((لَنَا حَقٌّ، فَأَنْ أُعْطِينَاهُ، وَإِلَّا رَكِبْنَا أَعْجَازَ الإِبل، وَأَنْ طَالَ السُّرَى (11))) (12). يتضمن قول الإمام إشارات عديدة ؛ منها أنه يومئ بـ (الحق) ؛ الى حقه وحق أهل البيت (عليهم السلام) في (الإمامة) التي أخذت منه يوم الشورى. وقد نقل المؤرخ الطبري (ت 310 هـ) قول الإمام المتقدم في (قصة


1) ينظر : مقاييس اللغة (أبط) : 37/1، والمحكم (أبط) : 209/9، ولسان العرب (أبط) : 253/7.

2) ينظر : المصباح المنير : 1/1، ولسان العرب (أبط) : 253/7.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 11.

4) نهج البلاغة: قصا / 82 : 613.

5) ينظر : معارج نهج البلاغة : 807/2، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 415/5، والديباج الوضي : 2778/6.

6) ينظر : الديباج الوضي : 2778/6.

7) ينظر : العين (عجز) : 215/1، والمحكم (عجز) : 299/1.

8) أنفسهما.

9) ينظر : تهذيب اللغة (عجز) : 220/1.

10) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 292.

11) السُّرى السير ليلاً. ينظر : مقاييس اللغة (سرو) : 154/33.

12) نهج البلاغة : قصا/ 22 : 602، وقد نقلت المدونات اللغوية قول الإمام المتقدم. ينظر : غريب الحديث ابن قتيبة : 139/2، وتهذيب اللغة (عجز) : 220/1، والفائق : 397/2، وغريب الحديث (ابن الجوزي) : 72/2، والنهاية في غريب الحديث : 180/3، ولسان العرب (عجز) : 371/5، وتاج العروس (عجز) : 212/15.

الشورى) (1)وشرح الشريف الرضي قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) ((رَكِبْنا أَعْجاز الإبل))، ذاكراً أنه ((من لطيف الكلام وفصيحه. ومعناه : أنا إنْ لم نُعْطَ حَقّنا كُنَّا أذلاء، وذلك أنّ الرديف يركب عجز البعير، كالعبد والأسير ومن يجري مجراهما)) (2). وهذه بعض الوجوه التي فسر بها كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ). وذلك أن (أعجاز الإبل)، ومآخيرها مركب شاق صعب (3). استعمله الإمام على جهة التشبيه. مستعيراً هذا الجزء من أعضاء جسم الإبل ؛ بوصفه أدنى جزء من ظهورها، في تشبيه حال الراكب عليها وبخاصة إذا كان الركوب بغير رحل أو وطاء، ما يزيد منأذى

الراكب، وعدم استقراره في مركبه ؛ فوجود الرحل والوطاء على ظهر البعير يعين في اطمئنان الراكب وثباته وهذا الوجه أبان عنه ابن قتيبة في دلالة (اعجاز الإبل) الواردة في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4). وهو من أوائل الذين اشاروا اشاروا الى هذه الدلالة، وزاد عليها بأنه يحتمل أن يراد بالتعبير المتقدم كون الراكب ردفاً تابعاً لغيره (5). وهو ما يزيد في أذاه وعدم ثباته، فيصير كأنه مظلوم في ركوبه تلواً لغيره. فأشار الإمام الى تأخيرهم له وتقديم غيره عليه بذكر (ركبنا أعجاز الإبل).(6). كأنه يومئ الى أخذ حقه في (الإمامة) من خلال تقديم غيره عليه وجعله ردفاً تابعاً لغيره، ومع ذلك كله، فإنه يعلن تحمله ذلك وصبره عليه (7).

وثمّة دلالة أخرى يحتملها النص، مؤداها أنّ الإمام يقصد بذلك : أن قدمنا للإمامة تقدمنا، وأنْ أُخَّرنا صبرنا على الأثرة، وإن طالت الأيام (8)؛ لعدم وجود الناصر والمعين وقد لمس بعض الدارسين في كلام الإمام. الإمام ضرباً من الفخر وعلو الهمة على أساس أن الراكب على عجز البعير، وكاذ الفرس ؛ تطلق يداه بالسلاح أكثر من الراكب الذي يلي عنقهما (9). وهذا وجه بعيد لا يناسب السياق الذي استعمله الإمام السياق. وهي فالراكب على عجز الإبل لا يكون مستقراً فى ركوبه فكيف يكون حال الرديف على ظهر الفرس، وذلك معروف مفهوم من هيئة ظهر (الجمل) و (الفرس). فكيف تطلق يد من اعتلى (أعجاز الإبل) بالسلاح، وهو متحير في تثبيت نفسه ومنعها من الوقوع مستعملاً في ذلك يده لغرض الثبات والاستقرار ممسكاً بظهر صاحبه ليمنع نفسه من الوقوع، وهو ما يمنعه من إطلاق يديه بالسلاح. ولو أراد الإمام هذا المعنى، لذكر (أعجاز الخيل) بدلاً من أعجاز الإبل لأنّ ظهرها وعجزها أكثر ملاءمة في الركوب والاستقرار من الإبل. ولكننا يمكن أن نتلمس دلالة الفخر في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من خلال احتمال أنه يريد : إننا إن نمنعه – أي حقه – فذلك لا يمنعنا من بذل الجهد الجهيد في طلبه. وذلك كفعل من يضرب في ابتغاء طلبته أكباد الإبل، ولا يبالي بطول السرى (10).


1) ينظر : تاريخ الطبري : 585/2، ومصادر نهج البلاغة وأسانيده : 23/4.

2) نهج البلاغة : قصا/ 22 : 602، وشرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد : 107/18.

3) ينظر : تهذيب اللغة (عجز) : 220/1.

4) ينظر : غريب الحديث ابن قتيبة : 139/2، والفائق : 397/2.

5) نفسه.

6) ينظر : تهذيب اللغة (عجز) : 220/1.

7) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 185/3، ولسان العرب (عجز) : 371/5، وتاج العروس (عجز) : 212/15.

8) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 185/3. وقد أشار الباحث د. عبد الكريم السعداوي الى أن هذه الدلالة ذكرها السيوطي في كتابه التذييل والتذنيب على نهاية الغريب) وفاته أن (ابن الأثير الجزري أسبق من السيوطي) في هذا القول ؛ لتقدم الأول زمناً. ولعله لم يطلع على رأي ابن الأثير هذا. ينظر : غريب نهج البلاغة : 304،3030.

9) ينظر : غريب نهج البلاغة : 303، 304.

10) ينظر : الفائق : 397/22، والنهاية في غريب الحديث : 185/3.

وهذه الدلالة راجحة تضاف الى الدلالات الأخرى المتقدمة التي باجتماعها يمكن الخروج بعدة إيحاءات للتعبير المتقدم الذي اتسع فيه القول، لتكون الدلالات المتقدمة جميعاً مقصودة في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1). فضلاً عن كون (عجز البعير) رمزاً للمشقة والقهر والغلبة والأذى، وتحمل المشاق، فضلاً عن الدلالة على التأخر في تولى الامور

وأود - هنا - أن أسجل تحفظاً على ما ذهب اليه أغلب المصنفين في (غريب الحديث) و (شرح نهج البلاغة) الذين رددوا عبارات يفهم منها أن الإمام أراد تشبيه حاله بحال الذليل المنكسر مثل الأسير والعبد الذين يردف بهم على أعجاز الدواب. فإنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يرد معنى الذلة والانكسار، وإنما معنى استلاب حقه والاستيلاء عليه ومنعه منه، وفي هذا اشارة إلى إيذائه واستضعافه.

3 - الفاظ عامة الإبل

إبل
إشارة:

الإبل معروفة، وهي تسمية تطلق على صغار الأباعِر ومَسَانّها (2). ولفظة (إيل) اسم جمع لا واحد له من لفظه، وهو لفظ مؤنث، لأنّ أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين، فالتأنيث لازم لها (3). وربما سكنت العرب (الباء) من (إبل) تخفيفاً، فقالت (إبل) (4). وقد وردت لفظة (الإبل) إحدى عشرة مرة في نهج البلاغة (5)، للدلالة على الإبل المعروفة، وهي إحدى الدواب التي تستعملها العرب في التنقل عبر عبر الصحارى وتحمل عليها الرّحال والأمتعة. ويلاحظ في استعمال الإمام لهذه المفردة أنه ساقها لمعان يمكن تفصيلها بالآتي :

أولاً : الدلالة على الاجتماع والكثرة والتزاحم

إذ أورد أمير المؤمنين هذا المعنى في غير موضع من كلامه من نهج البلاغة ؛ إشارة الى الاجتماع والتزاحم، ومن ذلك قوله في سياق وصف تزاحم أصحابه عليه، ومَنْعِهم له من قتال أهل الشام بصفين : ((فَتَدَاكُوا (6)عَلَيَّ تَدَاكَ الإبل الهيم تَدَاكَ الإِبل الْهِيم (7)يَوْمَ وِرْدِهَا (8)...)) (9). والدَّكِ في اللغة الدّقُ والضَّرْبِ والكَسْر حتى حتى التسوية بالأرض، ثم انتقل المعنى الى الدلالة على الأزدحام على الشخص والتجمع عليه (10). وهذا المعنى مخصوص في كلامه بازدحام الإبل وإرسالها جمعاء الى الورد (11)، فَتُلْقِي - حينذاك - بثقلها جميعاً على –


1) يمكن أن تكون الاحتمالات المتقدمة كلها مرادة كما يذكر الشارح البحراني في شرح نهج البلاغة : 397/5.

2) ينظر : مقاييس اللغة (أبل) : 40/1، والمحكم (أبل) : 409/10.

3) ينظر : مقاييس اللغة (أبل) : 40/1، ولسان العرب (أبل) : 3/11.

4) ينظر : لسان العرب (أبل) : 3/11.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 11.

6) التَّدَاكَ الاِزْدِحَام، وأصل الدّكِ هو الكسر. ينظر : لسان العرب (دكك) : 26/10.

7) الهيم العطاش، وهي الإبل التي يصيبها داء العطاش. ينظر : لسان العرب (هيم) : 627/12.

8) الورْدُ الماء الذي يُؤرد، والوِرْدُ الإبل الواردة. ينظر : لسان العرب (ورد) : 456/3.

9) نهج البلاغة : خ/ 54 : 94.

10) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 128/2، ولسان العرب (دكك) : 426/1.

11) ينظر : تاج العروس (دكك) : 154/27.

الماء، ولاسيما إذا كانت هيماً، كما يصفها الإمام في قوله المتقدم الذكر. و (الهِيمُ) هي الإبل العطاش (1)، التي التي تُسْرِع الى الوِرْدِ، وهو مؤعِد شربها للماء، فتراها تتزاحم وتزدحم يدفع بعضها بَعْضاً، وقد أخذ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا المعنى مُشَبِّهاً به أصحابه يوم طال مَنْعهم له من قتال أهل الشّامِ بِصِفِّيْنَ (2). ومن الجَدِيْر بالذِّكر أنّ هذهِ الكلمة اختلف الشُّرَّاح في مناسبة صدورها عن الإمام. فمنهم من ذهب الى أنها صدرت عنه في ذكر بيعته بالخلافة، وهو ما اختاره الشارح ابن أبي الحديد الذي عَلّق على المقولة المتقدمة بأن عَقَدَ موضوعاً تكلم فيه عن (بَيْعَةِ علي وأمر المتخلفين عنها) (3). وتابعه في ذلك السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب (4). ومن الشُّرَّاح من ذهب الى أنّ الخطبة المتقدمة هي في صفة أصحاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمّا طالَ مَنْعُهُ لهم من قِتَالِ أهل الشام بِصِفِّينَ، وقد منعهم من ذلك لأمرين ؛ الأول أنّ عادته في الحرب كانت عدم البدء بالقتال ؛ ليكون خَصمه هو البادئ فتلزمه الحُجَّة البادئ فتلزمه الحُجَّة عند ذاك. والثاني هو استخلاصه وجه المصلحة في كيفية قتالهم ومراعاته لهم لعلهم يَنْجَذِبُون الى الحق فيكون في ذلك حقن دماء المسلمين. ويمثل هذا الرأي العلامة البحراني (5). أما الفريق الثالث، فقد سكت عن ذكر مناسبة النَّص، واكتفى أصحابه أصحابه بشرح كلماته فقط. وفي طليعة هؤلاء البيهقي الأنصاري (6)، وأبو الحسين يحيى بن حمزة الحسيني (7). وما ذهب إليه ابن أبي الحديد يعني أن تدافع القوم وازدحامهم على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان رغبة في بيعته بالخلافة، هو دليل على رغبتهم فيه، وحرصهم على أن يتولى الإمام إمرتهم. ومما ينصر هذا الرأي ورود نص آخر في (نهج البلاغة) يشابه النص الذي نحن بصدده إلا في بعض الألفاظ، يصف فيه الإمام بَيْعَةَ الناس له بالخِلافَة وازدحامهم عليه، وهو قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((وَبَسَطْتُمْ يَدِي فَكَفَفْتُهَا، وَمَدَدْتُمُوهَا فَقَبَضْتُهَا، ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكَ الإِبل الْهِيمِ عَلَى حِيَاضِهَا (8)يَوْمَ وِرْدِهَا...))(9)حتى أن الشريف الرضي ذكر في صَدَارة النّص أعلاه أنه : (قد تَقَدَّم مِثْلَه بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلَفِة) (10). يقصد بذلك قول الإمام : ((فَتَدَاكُوا عَلَيَّ تَدَاكَ الإِبل الْهِيمِ يَوْمَ وِرْدِهَا...)) (11)وتشابه الفاظ هذين النَّصَيْن يقوي الحجة فى كون الأول منها هو المخصوص بمسألة البَيْعَةِ التي أَعْرض عن ذكرها كثير من شُرَّاح النهج، حتى جعلها بعضهم خاصة بمنْ منع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من قتال أهل الشام يصفّين، ولعل ما أوقعهم في ذلك هو قول الإمام في الخطبة (54) بعدما ذكر تداكهم عليه : ((...وَقَدْ قَلَّبْتُ هَذَا الْأَمْرَ بَطْنَهُ وَظَهْرَهُ حَتَّى مَنَعَنِي النَّوْمَ، فَمَا وَجَدْتُنِي يَسَعْنِي إِلَّا قِتَالُهُمْ أَوِ الْجُحُودُ بِمَا جَاءَ بِهِ


1) ينظر : تهذيب اللغة (هيم) : 246/6، ومقاييس اللغة (هيم) : 26/6.

2) ينظر : نهج البلاغة : خ/ 54 : 94.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 7/4.

4) ينظر : مصادر نهج البلاغة وأسانيده : 24،25/2.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 318/2.

6) ينظر : معارج نهج البلاغة : 338/1.

7) ينظر : الديباج الوضي : 472/1.

8) الحِيَاضُ جمع حَوْضُ، وهو مجمع الماء. ينظر : تاج العروس (حوض) : 308/18.

9) نهج البلاغة : خ/ 229 : 444.

10) نفسه.

11) نهج البلاغة : خ/ 54 : 94.

مُحَمَّدٌ (صلى اللّه عليه وآله)، فَكَانَتْ مُعَالَجَةُ الْقِتَالِ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مُعَالَجَةِ الْعِقَابِ، وَمَوْتَاتُ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مَوْتَاتِ الْآخِرَةِ)).(1). فكأنّ قوله : ((وَقَدْ قِلَّبْتُ هذَا الأمْرَ)) يشير الى قتال القوم يوم (صِفِّيْنَ)، وأَنّ هناك مَنْ يمانع من قتال أهل الشام من أصحابه. ومما زاد في ترسيخ هذه الفكرة عند شُرَّاح النهج الذين مالوا الى جعل النص المتقدم خاصاً بمنعه من قتال أهل الشام (بصفّين)، ما ذكره أمير المؤمنين في بعض خطب النهج متحدثاً عن ضَعْفِ ثُلَّةٍ من أصحابه في بعض أيام (صفَّيْنَ). إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((وَقَدْ رَأَيْتُ جَوْلَتَكُمْ، وَأَنْحِيَازَكُمْ (2)عَنْ صُفُوفِكُمْ، تَحُوزُكُمُ الْجُفَاةُ (3)الطَّغَامُ (4)وَأَعْرَابُ أَهْلِ الشَّامِ...)) (5). أما من ذهب الى أنّ النّص كان في تَهَافُت أصحابه وازدحامهم عليه لمَنْعه لهم من البَدْء بقتال أهل الشام في معركة صِفِّيْن، فَلَعَلَّهم فَهِمُوا ذلك من سياق الخطبة، فضلاً عن قول آخر للإمام تحدث فيه عن فَلَج أصحابه على أصحاب معاوية في المعركة ذاتها، بعدما حازهم أهل الشام عن مواقعهم، مُشبِّهاً تدافع الشاميين وانكسارهم بتزاحم الإبل إذ يقول : ((... وَلَقَدْ شَفَى وَحَاوِحَ (6)صَدْرِي أَنْ رَأَيْتُكُمْ بِأَخَرَة (7)، تَحُوزُونَهُمْ كَمَا حَازُوكُمْ، وَتُزِيلُونَهُمْ (8)عَنْ مَوَاقِفِهِمْ مَوَاقِفِهِمْ كَمَا أَزَالُوكُمْ... تَرْكَبُ أولاهُمْ أُخْرَاهُمْ كَالإبل الهيمِ الْمَطْرُودَةِ، تَرْمَى عَنْ حِيَاضِهَا، وَتذَادُ (9)عَنْ مَوَارِدِهَا مَوَارِدِهَا))(10)وخلاصة الأمر. أن كلام الإمام ((فَتَدَاكُوا عَلَيَّ تَدَاكَ الإبل الْهِيمِ يَوْمَ وِرْدِهَا...)) (11). يمكن أن يكون مخصوصاً بذكر البيعة له بالخلافة، ولاسيما أنّه تحدث بكلام مثله أشار له السيد الشريف في (خ/ 229)، فيكون المعنى أنهم تزاحموا وازدحموا عليه كما تزدحم الإبل عند الماء يوم وزدها المخصص لها، ووجه الشَّبَه بين ازدحامهم وازدحام الإبل، هو الكثرة والاجتماع والتدافع فضلاً عن شدة الرغبة في الورود وهذا هو حال (الإبل) عند نزولها الى الشَّرْب رغبةً في الماء. وأمّا تزاحم الناس على أمير المؤمنين فكان رغبةً فيه وعطشاً الى وِرْدِ عَدْله، والنَّهْل من سماحته وخُلُقِهِ العالي الذي هو خُلُق القرآن الكريم وخُلُق النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم).

ثانياً : الدلالة على ركوب أعجاز الإبل دلالة على الذلة والمهانة.

ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق كلامه عن حقه الذي أُخذَ منهم. يقول أمير المؤمنين : ((لَنَا حَقٌّ، فَأَنْ أُعْطِينَاهُ، وَالَّا رَكِبْنَا أَعْجَازَ الإِبل، وَأَنْ طَالَ السرى (12))) (13). وحقوقهم المسلوبة منهم كثيرة، ولعلّه يوميء هنا الى حَقَّهم في الإمامة (14). وذلك إذا كان


1) نفسه: خ/ 94:54، 95.

2) انحاز القَوْم، اذا تركوا مركزهم ومعركة قتالهم، ومالوا الى موقع آخر. ينظر : المحكم : 82/3.

3) جَفَاهُ بَعْدَ عنه، وضل به ما أساءه. ينظر : تاج العروس (جفو) : 360/37.

4) الطغام جمع طَعامَة، وهم أراذل الناس، وأضعفهم. ينظر : لسان العرب (طغم) : 368/12.

5) نهج البلاغة : خ/ 107 : 194.

6) الوَحاوح جمع وخوحة، وهي صوت مع بحح، وتردّد للنَّفْسِ في الحَلْقِ حتى يسمع له صوتاً. ينظر : لسان العرب (وحح) : 630/2.

7) الْآخَرَةُ آخر كل شيء. ينظر : لسان العرب (آخر) : 14/4.

8) الزَّوْل الحركة، والمحيص عن المكان. ينظر : لسان العرب (زول) : 313/11.

9) التذَوْدُ السَّوقُ والطَّرْدُ والمنع. ينظر : لسان العرب (ذود) : 167/3.

10) نهج البلاغة : خ / 107 : 195.

11) نفسه : خ/ 54.

12) السُّرى السَّيْرُ عامة الليل. ينظر : تاج العروس (سري) : 261/38.

13) نهج البلاغة : قصا / 22 : 602.

14) ينظر الديباج الوضي : 2738/6.

هذا الكلام قد صدر منه يوم السقيفة (1). فأما إذا كان هذا قد تكلم به يوم السُّورَى، كما يُذكر، فيكون الحق الذي يذكره الإمام هو حقه في الخلافة (2). فاختلاف المناسبة والمقام يفسّر مفردات النص، فإنَّه لما انتهت إليه أنباء السّقِيفَة (3). بعد وفاة النبي الاكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قال : ((ما قالت الانصار؟ قالوا: قالت: منا أمير ومنكم أمير قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَهَلاً احْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ: بِأَنَّ رَسُولَ اللّه (صلى اللّه عليه وآله) وَصَّى بِأَنْ يُحْسَنَ إِلَى مُحْسِنِهِمْ، وَيُتَجَاوِزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ؟ قالوا: وما في هذا من الحجّة عليهم ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَوْ كَانَتِ الامارة فِيهِمْ لَمْ تَكُنِ الْوَصِيَّةُ بِهِمْ. ثم قال: فَمَاذَا قَالَتْ قُرَيْش؟ قالوا: احتجت بأنها شجرة الرسول (صلى اللّه عليه وآله). فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): احْتَجُوا بِالشَّجَرَةِ، وَأَضَاعُوا الثَّمَرَةَ.))(4). فتراه يحتج في حادثة السقيفة (بالإمامة). ويكني نفسه وعن أهل بيته بـ (الثَّمَرةِ). وهذا يعني أنه يجعل من الإمامة منصباً أعلى وأرفع من الخلافة ؛ التي أكره عليها الإمام بعدما مُنِع حَقَّه، فبويع بالخلافة بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان. ولهذا أشار السيد عبد الزهراء الخطيب (5)الى أنّ قولَه : ((لَنَا حَقٌّ...)) جزء من كلامه الذي تكلّم به لما عزموا على بيعة الخليفة عثمان (6)، وهو قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّي أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِي، وَوَاللّه لأَسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيها جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً...)) (7). وهذه المقدمة تفيد في الإبانة عن مناسبة النص التي لم يذكر الشريف الرضي شيئاً عنها، مكتفياً بشرحها

البهائم
إشارة:

البهيمة اسم للذكر والأنثى من أولاد بَقَر الوَحْشِ، وضروب الغنم (8). والبَهِيْمَةُ كل ذات أربع قوائم من دواب البَرِّ والبَحْر. والجمع بَهَائم (9). وقد وردت لفظة (البَهَائم) بصيغة الجمع على (فَعَائِل) سبع مرات في نهج البلاغة، في حين جاءت لفظة (البهيمة) أربع مرات فقط (10). وذلك للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على (الجَمَل) الذي صار الواسطة التي أقلت السيّدة (عائشة) في معركة الجَمَل.

ووصفه الإمام في قوله الآتي بـ (البَهِيْمَة) وذلك في سياق ذمّ أهل البصرة بعد وَقْعَة (الجَمَل)، إذ يقول أمير المؤمنين : ((كُنْتُمْ جُنْدَ الْمَرْأَةِ، وَأَتْبَاعَ البَهِيمَةِ، رَغَا فَأَجَبْتُم، وَعُقِرَ فَهَرَبْتُمْ...)) (11)وذم الإمام هذا من أشدّ الذم على أهل البصرة


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 107/18.

2) نفسه.

3) هي سَقِيْفَةُ بني ساعدة التي اجتمع عندها المهاجرون والأنصار بعد وفاة النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) لاختيار من خليفة وكان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومعه جماعة من المسلمين قد اعتزلوا هذا الاجتماع، ومنهم الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد اللّه. ينظر : السيرة النبوية ابن هشام) : 77/6.

4) نهج البلاغة : خ / 67 : 105، 106.

5) قال السيد عبد الزهراء الخطيب إنّ ((هذه الكلمة وما رواه الرضي في الخطبة (72) كلام واحد، وأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قاله يوم الشورى)). مصادر نهج البلاغة وأسانيده : 23/4. وقد قصد السيد عبد الزهراء بخطبة (72) ما قاله الإمام لما عزموا على بيعة الخليفة عثمان، وهي خ (74).

6) ينظر : مصادر نهج البلاغة وأسانيده : 23/4.

7) نهج البلاغة : خ/ 74 : 113، 114

8) ينظر : العين (بهم) : 62/4، وتهذيب اللغة (بهم) : 178/6.

9) ينظر : العين (بهم) : 62/4.

10) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 66.

11) نهج البلاغة : خ/ 13 : 41.

؛ لأنّه جعلهم يأتمرون بأمر المرأة، ويكونون جُنْداً لها، وهي قائد لهم في هذه المعركة، وهذا من أشدَّ التقريع ؛ لأنّ العربي يأنف بطبيعته أنْ تقوده المرأة. فكأنَّ الإمام يقول لهم : إنكم لوكُنتُم بدرجة عالية من رجاحة العقل، وحُسْن التفكير والتدبير ما تَوَلَّت أمركم امرأة، ولا قادتكم الى الخروج على إمام الأمة وقائدها. ثُمَّ رفع (عَلَيهِ السَّلَامُ) من مستوى ذَمِّهِم، بِأنْ جعلهم اتباعاً (للبَهِيْمَة)، وهي (جَمَل) السيدة (عائشة) الذي يعد راية عَسْكَرِ البَصرة (1)فقتلوا دُوْنَه كما تقتل الرجال تحت رايتها (2). ووَصَفَهم بـ (الأتباع) ؛ والتّابع هو التالي والقائم على هوى غيره (3). وهذا المعنى يدلنا على شِدّة اللوم والتعنيف الذي وَصَفَهم الإمام به، لاتباعهم (بهيمة) عجماء، لا تمييز لها (4). أما إيثاره مفردة (بهيمة) على ما سواها من الألفاظ الدالة على الدواب، فلدلالتها على الإبهام وعدم التمييز. وهو يناسب حال المخصوص بالخطاب المخاطبين الذين اتبعوا بهيمة لا تمييز لها. وهذا دليل على أنهم هم أدنى من البَهِيْمة في عدم التَّمْيِيزِ، ومما يؤكد حالهم هذهِ إجابتِهِم لُرِغَائه، وهو صوْته (5). اشارة الى طاعتهم العمياء له. وهو من أشْنَع اللوم وأَدْخَل الذُّم (6). وقد جعل (رغاء البهيمة)، كناية عن دعوتها لهم الى القتالِ لأنها جاءتهم راكبة عليه (7)فعد علامة لدعوتهم وراية لحربهم. ويبدو أن الإمام افاد من التوظيف القرآني لمفردة (بَهِيْمَة) الواردة في قوله تعالى الذي يفتتح به سورة (المائدة) إيذاناً بإباحة هذهِ البَهَائم للإنسان، وذلك قوله عز وجل : (8)وقد ذكر المفسرون أنه إنما قيل : بَهِيْمَة، لأنّ ُكلَّ حَيٍّ لا يُمَيِّز، فهو بَهِيْمَة، لأَنَّهُ أَبْهَم عن أَنْ التمييز (9). وقيل: أن المراد بـ (بهيمة الأنْعَام) كل ذاتِ أربع في البَرِّ والبَحرِ، ومنها الإبل والبقر والغنم (10). وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (بَهَائم) و (بَهِيَمة) للدلالة على الإبل، وذلك في : (خ /143).

ثانياً : الدلالة على البهائم من دواب الأرض

وقد شاعت هذه الدلالة في نهج البلاغة، إذ أطلق مفردة (بَهِيْمة) دون أن يخصصها بالدلالة على نوعِ مُعَيِّن من هذهِ البهائم، وذلك مناسبة للسياقات التي وردت فيها هذه اللفظة مفرداً كانت أو جمعاً. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق الوصيّة بالعِبَادِ والبلاد : ((اتَّقُوا اللّه فِي عِبَادِهِ وَبِلاَدِهِ، فَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ حَتَّى عَن الْبِقَاعِ (11)وَالْبَهَائِمِ...)) (12). أراد وصيّة أصحابه بكل ما في الأرض من عباد وبلاد، عاقل أو غير عاقل،


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 235/1.

2) نفسه.

3) ينظر : العين (تبع) : 78/2.

4) ينظر : لسان العرب (بهم) : 56/12.

5) نفسه (رغا) : 329/14.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 198/1.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 198/1.

8) المائدة / 1.

9) ينظر : التفسير الكبير : 97/11.

10) ينظر : الكشاف : 635/1.

11) البقاع جمع بُقْعَة - بالصّم - وهي القطعة من الأرض التي تختلف عن هيئة ما بِجَنْبِهَا من الأرض. ينظر : لسان العرب (بقع) : 18/8.

12) نهج البلاغة: خ / 167 : 304.

حتى شملت وصيته البقاع من الأرض، وهي الأماكن المميزة عن غيرها من الأراضي، كأن تكون مشتملة على الزرع أو غيرها، والمراد باللفظ عامة البقاع لا خصوصها، مع العناية بالبُقْعَة المميزة من الأرض لاشتمالها على النبات. ولم تقتصر وَصِيَّته (بالبقاع)، وإنما قَرَنَها بالمسؤولية الخاصة بـ (البهائم) أيضاً. وهي دواب الأرض من الأنعام ذوات الأربع. ومسؤولية المخاطبين تجاهها، تظهر في ضرورة توفير العيش لها ورعايتها وخَصها بذلك ؛ لكونها من الأحياء التي خلقها اللّه تبارك وتعالى لخدمة الإنسان وإطعامه. ومن نظير تلك الدلالة المتقدمة ما ورد في : (خ / 153، 160، 186، ك / 25، 31، 45، قصا/ 414).

الجَمَل

الجَمَل البَازِل من الإبل كما يقول الخليل (1). وقيل : إنه يكون جَمَلاً إذا أربع (2)أي: طلعت رباعيته. وقيل : بل إذا أجْذَع (3). وذلك إذا طَعَن وكبر في السَّنَة الخامسة من عُمْره (4). وقد وردت لفظة (الجَمَل) أربع أربع مرات في نهج البلاغة، في الفاظ (جَمَلاً) و (جَمَلها) و (الجِمال) بصيغة الجمع على (فعال) مرة واحدة لكل منها (5). وقد وطَّفَ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المفردات المتقدمة التي تدل عند اللغويين على الذَّكَر من الإبل، أو على زَوْج الناقة (6)، للدلالة على ما يأتي :

أولاً : الدلالة على الجَمَلِ المعروف الذي هزّل، وصار ضَعِيفاً مُنْهكاً من كثرة ما حُمِل عليه، حتى ضجّ مما يُثْقَله. ومن ذلك قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق ردّه على كتاب لمعاوية ؛ إذ يقول له الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((وَزَعَمْتَ أَنَّكَ جِئْتَ ثَائراً بِدَمٍ عُثْمانَ، وَلَقَدْ عَلِمْتَ حَيْثُ وَقَعَ دَمُ عُثْمَانَ فَاطْلُبْهُ مِنْ هُنَاكَ أَنْ كُنتَ طَالباً، فَكَأَنِّى قدْ رَأَيْتُكَ تَضِجُ مِنَ الْحَرْبِ إِذَا عَضَتُكَ صَجِيجَ الْجِمَالِ بِالْأَثْقَالِ...)) (7). وخِطَاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمعاوية، خطاب تهديد ووعيد، ينفي فيه الإمام عن معاوية صدقه في الطلب بدم الخليفة عثمان، ثُمَّ يصف حال معاوية، وهو يضج من الحرب التي صوّرها الإمام بأنها تَعَض، إشارة الى أذاها وألمها. وأمّا وَصْفُه بالضجيج فالصّج والضُّجِيج الصياح عند المكروه والمشَقَّة والجزع (8). كأنه يصيح من ألم الحرب التي عَضَّتْهُ كَصِيَاحٍ الجمل من حَمْلِ الأثقال. وضجيج الجِمَال جَلَبَتُهَا وفَزَعُها من ثَقُلِ الحَمْل عليها (9)، والتشبيه هنا قائم على ما يصدر من معاوية من ضجيج وتَبَرُّمٍ من ثقل الحرب وعدم قدرته عليها، وعلى منازلة الإمام كما يَضجّ الجَمَل أثقاله (10)من ولا يكون ذلك في (الجِمَال) الاّ إذا كانت واهنة لا تستطيع أن تقوم بما عليها. ولهذا استعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (الجِمَال) ؛ لمناسبتها حال معاوية في ضجيجة من الحرب التي صوّرها له بهيئة السَّبْعِ العَقُور في


1) ينظر : العين (جمل) : 141/6، وتهذيب اللغة (جمل) : 74/11.

2) ينظر : المحكم (جمل) : 447/7.

3) نفسه.

4) ينظر : لسان العرب (ربع) : 108/8.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 90.

6) ينظر : تهذيب اللغة (جمل) : 74/11، ولسان العرب (جمل) : 123/11.

7) نهج البلاغة : ك / 10 : 469.

8) ينظر : لسان العرب (ضجيج) : 312/2.

9) ينظر : أساس البلاغة (ضجيج) : 371/1، وتاج العروس (ضجيج) : 75/6.

10) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 208/4.

عَضَّته وإيلامهِ (1)حينما يهاجم الجِمَالِ المُثْقَلَةِ بأحمالها، وهو مايزيدها ثقلاً وإبطاء، فضلاً عما بها من كبر. سِنٌ وبزل إلا إذا بَزُلَ كما يذكر أهل اللغة (2). والبَزْل في البَعِير انفطار نَابِه، وذلك إذا بَلَغَ الثامِنَة من عمره أو التاسعة (3). فيكون حينذاك من الإبل الطاعنة التي لا فائدة منها. فشبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) حال معاوية في في ضعفه وعجزه عن مقاتلته الإمام ومواجهته في الحرب بحال الجمل البازل الضعيف الذي طعنه كبر سنّه.

أقول : ونظير دلالة لفظة (جمال) على الضجيج والوهن وعدم الفائدة والجزع فضلاً عن الضعف والاعتلال. ما ورد في : (خ / 39، 240، ك / 28، 71).

ثانياً : الدلالة على الجَمَل (4)الذي اتخذته السيدة عائشة) واسطة لها في حربها على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وقد ذكر الإمام هذا (الجَمَلَ) الذي صار رمزاً لَحْرِب ناكثي بيعته. حتّى صار (يوم الجمل) علامة على تلك الوَقْعَةِ التي انتصر فيها الإمام عليهم بالبصرة. ولما حصل في هذا اليوم من انهزام وانكسار لهؤلاء، فقد استعمل الإمام تعبير (يَوْم (الجَمَل)، في مقام التهديد والوعيد بأن يصير حال أهل البَصْرَة) من أصحاب الآراء الجائرة المنابذين للإمام، كحال أصحاب الجَمَل الذين انتهى أمرهم بأسرع ما يكون. يقول أمير المؤمنين : ((... وَلَئِنْ أَلْجَأْتُمُونِي إِلَى الْمَسِيرِ إِلَيْكُمْ، لا وقِعَنَّ بِكُمْ وَقْعَةً لا يَكُونُ يَوْمُ الْجَمَلِ إِلَيْهَا إِلَّا كَلَعْقَةٍ (5)لَاعِقِ، مَعَ أَنِّي عَارِفٌ لِذِي الطَّاعَةِ مِنْكُمْ فَضْلَهُ، وَلِذِي النَّصِيحَةِ حَقَّهُ...)) (6)والنص ذِكْر لحال أهل البصرة ومواقف الإمام معهم، على الرغم مما فعلوه معه منابذة ومخالفة وشقاق، حتى ألجؤوه الى حربهم، فذكّرهم بما صَنَعَهُ (يَوْمَ الجَمَلِ) محاولة لإرجاعهم الى الحق، والتوبة عند علمهم ببقائه مستعداً لقتالهم (7)مع كون ذلك ليس هيناً عليه، وذِكْرهُ (يَوْمَ الجَمَلِ) إشارة الى ما فعله بالناكثين الذين شَتَّت شَمْلَهُم ولم يَسْلَمُ منهم الا مَنْ فَرَّ منهم. فكأنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعمل لفظة (الجمل) ؛ إشارة الى ما سيجري عليهم من أذى لَحِقَ الجَمَل وأصحابه وقد عبّر عن ذلك بلفظة (لَعْقَةِ) للدلالة على سُهُولة الإيقاع بهم (8). يلبَث فيها الإمام وجنده كلعقة طعام، فكيف يكون حال. أهل البصرة الذين هم أقل شأناً وعدداً. ونظير توظيف مفردة (الجَمَل) في الدلالة على الدَّابة التي اتخذت واسطة في السَّيْر إلى نَكْث بيعة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ، ورمزاً في التأليب عليه حتى سميت المعركة باسمه ما أورده الإمام في مقام الأذكار والتحذير لمَنْ ثَبَّطَ الناس عن الخروج معه الى معركة الجمل. وذلك في (ك/63).

دابّة
إشارة:


1) نفسه.

2) ينظر : العين (جمل) : 141/6، والمُغْرب في ترتيب المغرب : 160/1.

3) ينظر : لسان العرب (بزل) : 52/11)، و (ربع) : 108/8)، و(جمل) : 123/11.

4) ومن ناقلة القول الإشارة الى أنّ اسم الجَمَل الذي كانت عليه السيدة عائشة) هو (عَسْكَر). ينظر : المغرب في ترتيب المغرب : 160/1. ولكن غلب لفظ (الجَمَل) على على هذا الاسم حتى صار معهوداً عند السامعين عند ذكر كلمة (الجمل).

5) اللعقة – بالفتح – المرة الواحدة من اللخس. وهو لفظ يدل على كل ما يلعق من دواء أو عسل. ينظر : لسان العرب (لعق) : 330/10.

6) نهج البلاغة : ك / 29 : 494.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 249/4.

8) ينظر : الديباج الوضي : 2265/6.

قال الخليل : ((كل شيءٍ مما خلق اللّه يسمّى دَابّة)) (1). وهي اسم لما يركب (2). وقيل : ويدبّ من الحيوان تمييزاً عن غَيْره من المخلوقات (3)واستعمل الإمام مفردة (دَابَّة) مرتين في نهج البلاغة، في حين جاءت جاءت لفظة (دَابّتهُ)، و (دَوَابنا) بصيغة الجمع على (فَعَال) مرة واحدة لكل منهما (4). للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدَّابّة المعروفة التي يُركب عليها

ومن ذلك قوله في وصيَّته لعماله على الخِرَاج : ((وَلَا تَبِيعُنَّ لِلنَّاسِ فِي الْخَرَاجِ كِسْوَةَ شِتَاءِ وَلَا صَيْفِ، وَلَا دَابَّةَ يَعْتَمِلُونَ (5)عَلَيْهَا)) (6). والدَّابَّة هي التي تستخدم في أعمال النّاس، سواء في الزّراعة أو حَمْل أمتعتهم أمتعتهم، وغيرها، كالحِمار و البغال. وجاءت هذه اللفظة مفرداً نكرة في هذا السياق ؛ للدلالة على مطلق الدواب التي تستعمل في أمور الخِدْمَة. ولهذا نهى الإمام عماله من إحواج الناس الى بيع ما يلزمهم من كسوة أو دابَّة يحتاجونها في العمل. ومن ذلك لفظة (دَوَابنا) التي استعملها الإمام في دعاء الاستسقاء للدلالة على عامة الدواب التي أصابها الهيام والعطش في (خ/ 115) واستعملها بصيغة الجمع لبيان الكثرة والتنوع كما يبدو، وذلك لمكان السياق الذي يتحدث فيه الإمام.

ثانياً : الدلالة على الرّجْلَيْن من الإنسان.

وقد استعار الإمام لفظة (دابَّة) لِرِجلَي النبي عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في إشارة إلى الاستغناء عن الدواب في تَنَقُله زهداً ورغبة عن ذلك ؛ إذ يقول في وصف حال النبي عيسى: ((... دَابَّتُهُ رِجْلاَهُ، وَخَادِمُهُ يَدَاهُ)) (7). فَرِجْلاه ويداه هي ما يَعْتَمِل به النبي (عيسى) في أعماله، كأنه رغب عن الإفادة من (الدَّابَّة) و(الخادم) تركاً للدنيا، وإعراضاً عنها. ويبدو أنّ استعمال لفظ (دابّة) والتعبير بها عن رِجْلَي النبي في هذا المقام جاء للمناسبة بين (الدابة) و (الرجل)، من جهة الدلالة على المشي ؛ فلفظ (دَابَّة) مأخوذ من (الدَّبِيب)، وهو في اللغة المَشْي على هيئة مُعَيّنة (8). والدَّبُّ الضَّرْب (9). كأَنّ الدَّابّة اذا مشت تَضرب برجليها الأرضَ بهيئة معينة معروفة ومن هنا جاءت المناسبة فى وصف الرجلين بالدابة .

ثالثاً : الدلالة على الدواب عامة.


1) العين (ديب) : 13/8.

2) نفسه.

3) ينظر : لسان العرب (ديب) : 369/1، وتاج العروس (دبب) : 392/2.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 151.

5) يَعْتَمِلُون عليها، أي يتخذونها وسيلة في العمل التقوم بما يحتاجون اليه من أعمال. ينظر : لسان العرب (عمل) : 475/11.

6) نهج البلاغة : ك/ 51.

7) نهج البلاغة : خ / 160 : 283.

8) ينظر : لسان العرب (دبب) : 369/1.

9) نفسه.

وهي كل ما دَبَّ على الأرض سواء أكان عاقلاً أم غير عاقل. وجاءت هذه الدلالة في سياق كلامه عن قدرة اللّه تبارك وتعالى، وانفراده بالعظمة، وأنّ مصير الخلائق كلها اليه. يقول : ((بِيَدِكَ نَاصِيَةُ (1)كُلِّ دَابَّة، وَإِلَيْكَ مَصِيرُ كُلِّ نَسمَة))(2). أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أنّ اللّه جل جلاله بيده قَبْضَته - وهو مَنّزه عن الجوارح - ماشاء من من مصائر الخَلْق جميعاً، فذكر لفظ (ناصية) وأضافها الى (كُلِّ دَابَّة) لإرادة العموم، وتحقيق القدرة على إذلال هذهِ الدَّواب عند انتهاء مصائرها اليه. واستعماله مفردة (ناصِيَة) تفيد الدلالة على هذا المعنى، فهذا الموضع من الإنسان وبقيّة الدواب، يمثل محل العُلُو والكبرياء والشَّرف فيهما. فقصد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الدلالة على أنّ سلطان اللّه تبارك وتعالى فوق كلِّ شيء، فيكون سلطانه تعالى على أشرف محل في هذه الدواب دليلاً على القَهْرِ والغَلَبة وتمام القدرة (3). ويبدو أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد أخذ هذا التعبير من القرآن الكريم الذي يقول فيه اللّه تبارك وتعالى : (4). وقد ذكر المفسرون أنّ أخذ الدواب (بالنّاصِية) في الآية المباركة علامة على قبض القادر المالك على من يقدر عليه. كما يقاد الأسير والفَرَس، حتى صار الأخذ بالنّاصية عُرفاً في القذرة على الحيوان وغيره (5). وكانت العرب تَجِز ناصية الأسير المَمْنُون عليه ؛ لتكون علامة أنّه قُدر عليه، وقبض على ناصيته(6)

ناقة

النَّاقَة الأنثى من الإبل (7). وتسمّى النّاقة ناقةً إذا جُذعت (8).

وقد وردت لفظة (ناقة) مرتين في نهج البلاغة (9)، للدلالة على الناقة المعروفة، وهي أنثى الإبل، وذلك وذلك في سياقين منفصلين ؛ الأول يتحدث فيه الإمام عن (ناقة ثمود) كما يُسميها، أو ناقة النبي صالح (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما تُ يُسمّى في المدونات الإسلامية (10).يقول الإمام علي في سياق النُّصح والإرشاد والتحذير من الرضا بالظلم والطغيان والسكوت عليهما ((...إِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَعَمَّهُمُ اللّه تَعَالَى بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُوهُ بالرّضا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ) (11)...)) (12). يوظف الإمام القصة القرآنية المتعلقة بناقة نبي اللّه صالح (عَلَيهِ السَّلَامُ) مثلاً في النهي والتحذير من السكوت عن أعمال الباطل والقبول بها. لأن الساكت عن الظلم


1) النّاصِيَة مَنْبَتُ الشعر في مقدّم الرأس. وقيل : بل هو قصاص الشعر في هذا الموضع. وسُمّي ناصية) لنباته في مقدم الرأس. ينظر : تهذيب اللغة (عضو) : 171/12، 171/12، ولسان العرب (نصو) : 327/15.

2) نهج البلاغة: خ/ 109 : 199.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 519/3.

4) هود / 56.

5) ينظر : المحرر الوجيز : 181/3.

6) نفسه.

7) ينظر : لسان العرب (نوق) : 362/10، وتاج العروس (نوق) : 440/26.

8) أنفسهما.

9) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 464.

10) ينظر : الكشاف : 113/2، والمحرر الوجيز 420/2.

11) الشعراء / 157.

12) نهج البلاغة : خ/ 201 : 402.

راض به بحسب نظر الإسلام. وهو ما يؤكده الإمام في كلامه. واستعماله لمفردة (ناقة) دون غيرها من الألفاظ الخاصة بالإبل في هذا السياق جاء لأنه يتحدث عن القضية المرتبطة بالناقة في القرآن الكريم، مع ملاحظة ما توحيه لفظة (ناقة) من التَّرويض والتذليل. فالمُنوّق هو المُروّض المذلل من الجمال (1). فكأنّه قد أُحْسِنَت رياضته فصار كالنّاقة (2). ولهذا يقال في الأمثال : ((اسْتَنوَقَ الجَمُل)) (3)، إذا أريد التعبير عن ذل البعير وسهولة ركوبه. فكأنه صار كالناقة في ذُلُّها وسهولة مركبها (4). كأنّ أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من خلال سرد هذه القصة القرآنية يُوميءُ إلى أنّ الثموديين قد أظهروا جبروتهم وطغيانهم وسلّطوها على (الناقة)، وهي من أضعف الدواب وأذلّها التي أخرجها اللّه لهم، وقد عاقبهم اللّه تبارك وتعالى وأر كَسَهم بسببها. يقول جل جلاله في قصة النبي (صالح) التي حكاها الذكر الحكيم في قوله ((وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) (5). وقد أتى النبي (صالح) (ثمود) يدعوهم الى اللّه تبارك وتعالى، فلم يَتَّبعه إلا قليل منهم، فحذر الباقين وأنذرهم، فَسَألوه آية ناقةً تَخْرج من صخرة في الجبل، فإن فَعَلَ لهم ذلك صدّقوه وأجابوه، فَصَلَّى ودعا ربّه، فَتَمَخَّضت الصَّخرة تمخّض النّتاج بولدها، فانصدعت عن ناقة كما أرادوا (6). ثم قَسّم لهم النبي بأمر اللّه شرب أنعامهم وشرب الناقة. ولكنهم ما لبثوا أن عقروها، واقتسموا لحمها (7).

وإنما أضيفت مفردة (الناقة) الى (اسم الجلالة) في القرآن الكريم تشريفاً لها وتخصيصاً من إضافة الخلق الى الخالق حسبما يذكر المفسرون (8). فإنها آية من اللّه تبارك وتعالى، ولهذا غَضَب اللّه على (ثمود) لماً عقروها (9). قال تعالى: (10)وكان عاقر عاقر الناقة رَجُل واحد من ثمود كما يُروى (11)، ولكن اللّه تبارك وتعالى نسب (العَقْرَ) اليهم جميعاً ؛ فقال (فَعَقَرُوها) بالإسْنَاد الى الجمع، في إشارة الى رضاهم، وقبولهم بهذهِ الفِعْلة. وهو ما ذكره الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كلامه مُسْتعيناً بالوصف القرآني للقصة، في مقام النهي عن القبول بالظلم والبغي والسكوت عنهما ؛ لأنّ ذلك يدل على إقرار الناس الظالمين على ظلمهم، فلا يكون للنَّدم - عند ذاك - فائدة ترجى. ولهذا احتج (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ثنايا كلامه بقوله تعالى في وصف ندم ثمود. (فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ) (12). ولكن اللّه تعالى خَسف بهم


1) ينظر : تهذيب اللغة (نوق) : 243/9، ولسان العرب (نوق) : 362/10.

2) ينظر : تاج العروس (نوق) : 26 / 442.

3) مجمع الأمثال : 94/2، وجمهرة الأمثال : 8/1، والمستقصى في أمثال العرب : 158/1.

4) ينظر : مجمع الأمثال : 94/2، ولسان العرب (نوق) : 362/10.

5) الاعراف / 73، وينظر : هود 61.

6) ينظر : الكشاف : 113/2، والمحرر الوجيز : 420/2.

7) أنفسهما.

8) ينظر : المحرر الوجيز : 420/2.

9) نفسه.

10) الشمس / 14، 15.

11) ينظر : المحرر الوجيز : 420/2.

12) الشعراء / 157.

الأرض عقاباً لهم على عدم طاعة اللّه ورسوله، فقال الإمام مُعلقاً على عذاب ثمود : ((فَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ خَارَتْ (1)أَرْضُهُمْ بِالْخَسْفَة (2)...)) (3). وهذا الكلام هو تفسير و بيان لقوله تعالى في شأن عذاب اللّه لثمود : (فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ) (4)وقد وردت لفظة (ناقة) بالدلالة المتقدمة نفسها، أعني كونها انثى الإبل، بوصفها إحدى وسائط النقل في ذلك الوقت في (ك/ 25).

البَعِير

البَعِيْر لفظ يقع على الجمل والنّاقَةِ معاً (5). والعرب تقول : هذا بَعِير، ما لم يَعْرِفُوا جِئْسه، فإذا عرفوا. قالوا للذكر جَمَلٌ، وللأنْثَى نَاقَة (6). مثلما يقولون (إنسان) إذا لم يَعْرِفُوا جِئْس القادم، فإذا عُرِف، قيل للذكر رَجُل، وللأنثى امرأة (7). والبَعِير هو الجَمَلُ البازل (8)، وهو الذي كبر سنه حتى انفطر نابه، وبَزُل. ويكون ذلك إذا استكمل البعير السنة الثامنة من عمره، وطعن في التاسعة (9). وقد وردت لفظة (البعير) في نهج البلاغة مرة واحدة (10). دالة على البعير المعروف، وهو الجَمَل الذي استعمل واسطة للنقل والترحال. وجاءت المفردة المتقدمة في سياق حديث الإمام عن الملاحم وما ينتج عنها من (بَلاء)؛ إذ يقول : ((... ذَاكَ إِذَا عَضَّكُمُ الْبَلَاءُ كَمَا يَعَضُّ الْقَتَبُ غَارِبَ (11)الْبَعير ...)) (12). وقد جعل البلاء يعضُّ الإنسانَ، آخذاً مفردة (عَضَّكم) التي تعد من لوازم الحيوانات الجارحة المسببة للاذى كالأسد، وغيره، فاستعملها (اللبلاء)؛ لاظهار تمكَّنه من الناس لبيان شِدّة الألم الذي يُضْفِيه هذا البلاء على الناس (13). واللافت للنظر أنّ أمير المؤمنين جعل (عَضَّ البلاء) في هذا السياق مُشْبِها لِعَضِ (القَتَبِ)، وهو إكاف البَعِير الذي يوضع على قدر سنامه (14). إشارة إلى أن الرّحل عند وضعه على السَّنَام يعض كاهل البعير، لشدَّه ما يُعْقَد عليه اتقاء لسقوط الراكب.

أمّا أنه استعمل مفردة (البَعِير) في هذا النّص دون أن يستعمل مفردة أخرى دالة على هذا النوع من الدواب، فيبدو أن كلامه عن البلاء الذي يعد من لوازمهِ إنهاك النَّاس والتشديد عليهم، مما يزيد في عنائهم، ويضعف قولهم حتّى يصير الشَّاب منهم بمنزلة الكَهْلِ من الضَّعْف وقِلَّة الجِيْلَة فِي تَحَمَّلِ مَشَاقِ هذهِ


1) أصل الخوار صوتُ الثّور، والخوار الصياح. ينظر : لسان العرب (خور) : 261/4.

2) الخسف سؤوخ الأرض بما عليها. ينظر : لسان العرب (خسف) : 67/9.

3) نهج البلاغة : خ / 201 : 402.

4) الشعراء / 157.

5) ينظر : تهذيب اللغة (بعر) : 229/2.

6) ينظر : العين (بعر) : 132/2.

7) نفسه.

8) ينظر : لسان العرب (بعر) : 71/4.

9) نفسه (بزل) : 52/11.

10) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 57.

11) الغارب الكاهل، وهو ما بين السَّنام والعُنُق مِن البعير. ينظر : تاج العروس (غرب) : 479/3.

12) نهج البلاغة : خ / 187 : 348.

13) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 111/4.

14) ينظر : لسان العرب (قتب) : 661/1.

البلايا. وهذا الحال تبدو مشابهة ومناسبة لحال (البَعِير) الذي عَضَه الرَّحْل وأكل من سَنَامه، فزادَه ضَعْفاً إلى ضَعْفه فالبعير فى اللغة هو ما كبر سنّه وأنْفَطَر نابه من الهرم، وذلك إذا صار في التَّاسِعَةِ من عُمْرِه (1). وثَمَّةً وجه آخر محتمل عندي في إيثار الإمام لفظة (البَعِير) في هذا النص، وهو أنّ البعير غالباً ما يكون صعباً غير هادئ الطَّبع، فلهذا يحاول صاحبه أنْ يَتَلَطَّفَ معه بأنْ يؤنسه بِإمْرار يده عليه وبمسح غاربه حتى يَسْتَأْنِسَ كما يذكر اللغويون (2). فكأنّ (البلاء) الذي يذكره الإمام في هذا النص هو مما يَتَلَطَّف به اللّه تعالى على العباد، ومما يُؤْنِسُهُم به تَخْفِيفاً عما يصيبهم في الآخرة. مع أنّ جُلَّ الناس لا يفهمون هذا الضَّرب من التَّلَطَّف و الإيناس، إلاّ الخاصة منهم.

العَجْمَاء

العَجْمَاء كُل دَابَّة أو بَهِيْمَة (3). قيل لها عَجْمَاء ؛ لأنَّها لا تتكلم (4). وقد استعمل أمير المؤمنين لفظة لفظة (العَجْمَاء) مرة واحدة في كلامه الوارد في نهج البلاغة (5)، للدلالة على البهيمة أو الدَّابة التي لا تنطق ولا ولا تتكلّم. وذلك في سياق كلامه عن فضل أهل البيت (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعن منزلته بين القوم. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((بِنَا اهْتَدَيْتُمْ فِي الظُّلْمَاءِ، وَتَسَنَّمْتُمُ (6)ذُرْوَةَ (7)العلْيَاءَ (8)، وبِنَا أَنْفَجَرْتُم (9)عَنِ السَّرَارِ (10)، وُقِرَ سَمْعٌ لَمْ يَفْقَهِ الوَاعِيَة (11)... الْيَوْمَ أَنْطِقُ لَكُمُ العَجْمَاءَ ذاتَ البَيَانِ عَزَبَ (12)رَأْيُ امْرِى تَخَلَّفَ عَنِّي...)) (13). وهذه الخُطْبة من أفصح كلام الإمام كما يقول السيد الشريف الرضي (14). وقد أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بـ (العَجْمَاء) – هنا - - الحُجَّة البَيِّنَه التي لم يفهموها أو يعوها، لأنهم لم يسمعوا نداءه لهم، ولم يَمْتَتلُوا لأَمْرِه، ولهذا عَبْر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ندائه ودعوته لهم بالصراخ على الميت الذي لا يسمع واعيته والندبة عليه ؛ فليس لهؤلاء سمع ولا فَهم. وقد كنى بـ(الواعية) عن نفسه، لأنّه صاحَ فيهم بالمواعظ الحسنة فلم يقبلوا. ولم يفهموا لها بيان (15). أما قوله ((اليوم أَنْطِقُ لكم العَجْمَاءَ ذاتَ البَيانِ)). (فالعَجْمَاء) في اللغة البَهِيْمَة والدَّابَّةُ. وإنما سُمِّيَت بذلك لأنها لا تتكلم. كما يذكر اللغويون (16). ويبدو أنّ المعنى بهذهِ الدلالة لا يناسب سياق النص، فيمكن أن تكون مفردة


1) ينظر : نفسه (بزل) : 2/11.

2) ينظر : تاج العروس (غرب) : 479/3.

3) ينظر : العين (عجم) : 237/1.

4) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد): 281/1، وتهذيب اللغة (عجم) : 249/1.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 293.

6) تَسَلَّمَ الشيء علاه. ينظر : لسان العرب (سنم) : 307/12.

7) ذُرَى الشئ أعلاه. ومنه تَذرّى السَّنام، إذا شرف وعلا. ينظر : أساس البلاغة (ذرى) : 204/1.

8) العَلْيَاءُ رأسُ الجَبَل. ومن ثَم قيل لكل ما علا علياء. ينظر : المحكم (علو) : 353/2.

9) انفَجَرِ الَّبْحُ، إذا طلع، وأَفْجَرُوا، إذا دخلوا في الفجر. ينظر : المحكم (فجر) : 395/7.

10) لبسرار الليلة التي يَسْتسِرُّ فيها القَمَرَ. ينظر : المحكم (سرر) : 406/8.

11) أصل الواعية من الوعى، وهو الجَلَبَةَ، ثم دَلّت على الصُّرَا على الميّت. ينظر : المحكم (وعي) : 385/2.

12) عَزَبَ يَعْزُبُ، إذا ذهب، وغاب. ينظر : لسان العرب (عزب) : 596/1.

13) نهج البلاغة: خ/ 4 : 34، 35.

14) نفسه : 34.

15) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 186/1.

16) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 281/1، وتهذيب اللغة (عجم) : 249/1.

(العَجْمَاء) دالة على الحُجَّة والبَيَان الذي أراد الإمام إظهاره لهؤلاء القوم الذين يخاطبهم، فكأنّ الحُجّة بمنزلة الدَّابة العَجْمَاء لدى المخاطبين الذين لا يَفْقَهُونَ من كلامه شيئاً. فلهذا يُحتمل أنه استعار مفردة (العَجْمَاء) التي تدل على الدابة أو البهيمة التي لا تتكلّم في هذا المقام؛ ليظهر أنّه سَيَفْتَحَ لهم مغاليق البراهين والحجج الدامغة، ويضع أمامهم الأدلة غابت عن فَهْمهم وإدراكهم ؛ فَتَصَوَّروهم عَجْمَاء لا سبيل الى فَهْمِ معاني رغائها وهَدْرِها ولهذا وَصَفَ(عَلَيهِ السَّلَامُ) هذهِ العَجْمَاء بأنها (ذات البَيَان). كأنه أراد القول إنها بَيِّنَة واضحة، ولكنهم صُمّوا وعُمّوا عن فهمها وتدبرها.

علاوة على أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد استعمل الفعل (أنْطِق) مبنيّاً للمجهول، إشارة الى أنّه سيجعلها تنبئ عما لم يفهموه، ويفتح ما فيها معاني، لأنها ليست مُبْهَمة إلا عليهم. وقد ذهب شُرّاح نهج البلاغة في بيان كلامه سالف الذكر ؛ مذهبين يختلفان في التعبير ويتفقان المضمون ؛ فالأول يرى أنّ المراد بـ (العَجْمَاء)، هي الرموز التي تضَمَّنتها هذهِ الخطبة، فإنها خفيّة غامضة، وهي مع غموضها جَلِيّة لأولي الألباب، وتنطق كما الألسنة عِبَر ومواعظ تُخبر عن نفسها (1). أما المذهب الثاني، فيرى أن (العجماء) كناية عن الحال التي يُشاهدها المخاطبون من العِبَرِ الواضحة، والمثلات التي حَلَّت بِقَومٍ فَسَقُوا عن أمرِ ربِّهم، ونواهيه التي أمرهم بها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مشبهاً إياها (بالعَجْمَاء) من الحيوان، على سبيل الاستعارة، ووصفها بـ (ذات البيان) ؛ لأنه أنطقها معبراً بلسانه عما تقتضيه من مقال (2). وبهذا تكون مفردة (العَجْمَاء) مُتَّسعَة الدلالة ؛ إذ انتقلت من الدلالة على الدابة أو البهيمة غير الناطقة، الى الدلالة على الحجج والبراهين والدلائل. وثَمة احتمال آخر تحتمله لفظة (العَجْمَاء)، فيمكن أن تكون صفَةً لموصوف محذوف تقديره ((الكلمات العَجْمَاء))، إشارة الى ما تضمنه كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الخطبة. وقد شبه هذه الكلمات العجماء بالبهائم التي لا نُطْقَ لها (3). وهذا الوجه قريب من المذهب الذي يرى أن العَجْماء) هي الرموز والاشارات التي تضمنها كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطبة المتقدمة.

4 - الفاظ قيود الإبل وأزمتها

زمام

الزّمام الخيط أو الحَبْل الذي يوضع في أنف النّاقة (4). وهو الذي يجعل في بُرَّة الناقة أو البعير، أو في خِشَاشتهما، ثم يُشَدُّ في طرفه المقود (5). وربما سُمِّي المقودُ زماماً (6). وقد شاع استعمال مفردة (زمام) باشتقاقات متعددة في نهج البلاغة، فقد استعملت لفظة (أزمّة) بصيغة الجمع على (أَفْعِلَة) ثمان مرات؛ اثنتان منها أضيفت فيها المفردة الى ضمير الغائبة وواحدة الى ضمير المخاطب. في حين جاءت لفظة (زمام) بصيغة المفرد سبع مرات ثنتان منها مضافة الى ضمير الغائبة، وواحدة مضافة الى ضمير الغائب (7)، وذلك


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 202/1.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 188/1، والديباج الوضي : 232/1.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 188/1.

4) ينظر : العين (زم) : 354/72، وتهذيب اللغة (زم) : 121/13.

5) ينظر : جمهرة اللغة (زمم) : 131/1، ولسان العرب (زمم) : 272/12، وتاج العروس (زمم) : 328/32.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 202.

7) نفسه : 202.

للدلالة على (زمام) الدّواب التي تقاد بها، ولكنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخذه من هذا المجال الدلالي الى مجالات أخرى، على سبيل تشبيهها بالإبل التي تُقاد بأزمتها. ومن ذلك قوله في سياق حديثه عن شجاعته وعدم وهنه مخاطباً أخاه (عقيلاً) : ((... وَلَا تَحْسَبَنَّ ابْنَ أَبِيكَ. وَلَوْ أَسْلَمَهُ النَّاسُ. مُتَضَرِّعاً مُتَخَشِّعاً، وَلاَ مُقِرّاً لِلصَّيْمِ (1)وَاهِناً (2)، وَلَا سَئِسَ الزِّمَامِ لِلْقَائِدِ...))(3). يريد أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليس بالسهولة التي يتصورها الاعداء حتى وأنْ أسلمه الناس وتخلّوا عنه، فإنّه لا يُقِرّ للظلم ولا للضَّعْف يكون سهل القياد. فاستعمل لفظ (الزّمام) ؛ من باب نفي التَّشَبِّه بالبَعِيْر الذُّلُول الذي يَسْهُلُ قياده، ولهذا قال: ((وَلاَ سَلِسَ الزِّمَام...)). أي ليس من الهين قيادة وتَوْجِيهه حسبما يريد الآخرون. وقد أشار الشُّرَّاح الى نظير هذا المعنى في كلامه(عَلَيهِ السَّلَامُ) المتقدم (4).

وقد أورد الإمام مفردات (أزمّتها، وأزِمَّة، وأزمتكم، وزمام) للدلالة على ما تقاد به الأمور وذلك كله على سبيل الاستعارة التي جاءت في (خ / 16، 87، 96، 106، 133، 165، 191، 195، 227، 237، وقصا/ 378).

خطامها

الخَطْم مُقَدَّم أنْف البعير وفَمه (5). وهو ما يوضع فيه (الخِطَامُ)، وهو حبل يُجْعَل في شفَار من حَدِيْد يُجعل فِي خَطْمِ البَعِيْرِ (6). وقيل : هو كل ما وُضع في أنف البَعِير ليُقاد به (7). وقد وصف ابن الأثير (الخِطَامَ) (الخِطَامَ) بتفصيل دقيق، فذكر أنّ الخِطام حَبْل من ليف أو شعر، أو كِتَانٍ يُجْعَل في أحد طرفيه حَلْقَة، ثم يشَد فيه الطرف الآخر من الحَبلِ حتى يَصِيرَ كالحَلْقَة فيُقلّد به البَعِير، ثُمّ يُثْنَى على مَخْطَمه (8). وقد تكررت لفظة (خِطَامها) ثلاث مرات في نهج البلاغة (9). للدلالة على خطام النّاقَة الذي يُشَدُّ على خِطْمها. وقد وظف الإمام هذه المفردة في سياقات ناقلاً إياها من مجالها الدلالي الذي تشتغل فيه بوصفها من لوازم قياد الدّابة. موظفاً إياها في الدلالة على البَلِيَّة والفِتْنَة التي تنمو مضطربة هَوْجَاءَ، يريد بذلك فِتَن بني أُمّية، وبقية الفتن التي تعثر بخطامها. ومن ذلك قوله في سياق التحذير : ((وَلَقَدْ نَزَلَتْ بِكُمُ الْبَلِيَّةُ جَائِلاً (10)خِطَامُهَا، رِخْواً بِطَانُهَا (11)، فَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ مَا أَصْبَحَ فِيهِ أَهْلُ الْغُرُورِ...))(12). والإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يُجَرِّد البَلِيَّة، ويجعلها كالبَعِير الهائج الذي يكون خِطَامه رخواً غير مُسْتَقِر، وهو ما يزيد من صعوبة السيطرة على هذهِ الدَّابة حينذاك


1) الصّيم الظُّلْم. ينظر : لسان العرب (ضيم) : 359/12.

2) الوَهْن الضَّعْفُ. ينظر : لسان العرب (وهن) : 453/13.

3) نهج البلاغة : ك/ 36.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 118/16، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 5/ 300، والديباج الوضي : 2407/5.

5) ينظر : العين (خطم) : 226/4، والمصباح المنير : 174/1.

6) ينظر : العين (خطم) : 226/4.

7) ينظر : المحكم (خطم) : 128/5، ولسان العرب (خطم) : 187/12.

8) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 50/2، وتاج العروس (خطم) : 114/32.

9) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 136.

10) الجائِلُ السَّلِسُ الزَّائل عن مكانه. ينظر : لسان العرب (جول) : 132/11.

11) البطَانُ الحِزام الذي يُشَدُّ به القتبُ على ظهر البعير، ويُشدّ في اسفل بطن البعير. ينظر : لسان العرب (بطن) : 113.

12) نهج البلاغة : خ / 89 : 146.

وكذلك (البَليَّة) التي يتحدث عنها الإمام مكنياً بها عن فِتْنَةُ معاوية وبني أمية (1)التي تبدو هائجة ثائرة لا يمكن المَسْك بزمامها ؛ لأنه جائل رَخْو كخطام البَعِيرِ الهائج الذي يمكن لا الإمساك به ومما عَزّز خطر هذهِ (البَلِيَّة)، وَصف (بِطَائِها)، (بالرَّخْو)، والبِطَان هو الحزام الذي يُشَدُّ به القَتَب، ويكون تحت بطن البَعِير (2)فإن أُرِخِي تَقَلَّقَلَ القَتَب وأوشك الراكب أنْ يَقَعَ. وبهذا يُفِلت الزِّمَام ويَعْرِض الراكب للأذى وأما استعمال مفردة (خِطَام) بدلاً من (زمام) في هذا السياق ؛ فيبدو لي أنّ (الخِطَام) أوثق ارتباطاً بالناقة، وأكثر فائدة في جَذْبِها والسيطرة عليها به، ولا سيما عند نفارها وصعوبة قيادتها. (فالخِطَام) يُدار على فم الدَّابة وأَنْفِهَا فيكون أشبه بلجام الفرس، فضلاً عن قوة مَنَعَتِه من الإفلات. في حين أنّ (الزّمامَ) خَيْط، أو حَبْل يُشَدُّ فِي خِشَاشَ الناقة، ثم يُشَد في طَرَفِهِ المِقْوَد الذي تقاد به الدَّابَّة (3)وهو – كما يبدو من وصف اللغويين له – أَقَلُّ منعة في كَبْحٍ جِمَاحٍ البَعِير المَشْدُود بِزِمَامِهِ من الخِطَام. ولمّا كان السّياق الذي يتحدث فيه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) سياق وصف فِتْنَة هوجاء لا تُبْقِي ولاتذر كما يقال. لهذا وظف هذه المفردة مع مفردة (رخَوْاً) و (بِطَانُهَا)؛ للدلالة على صعوبة الوقوف بوجه هذه البَليّة مع كل ما يملكه المرء المسلم من وسائل كبحها والوقوف بوجهها من قيم خلقية واسلامية، فضلاً عن العقيدة الراسخة. وهذه القيم هي أشبه ما تكون بـ (خِطَام النَّاقَةِ) و (بطانها) الذين يكون بها السَّبِيل لكبح جماح البَعِير الهائج.

وقد أشار غير واحد من شُرَّاح النهج الى هذا المعنى أيضاً (4). ولكن صاحب (الدِّيْبَاج الوضي) اختار أن يكون الإمام قد كنّى بلفظ (الخِطَام) عن تلاشي الأمر وفساده في دولة بني أمية، وأنّه ليس مُسْتَوثقاً جارياً على حدوده وقوانينه (5). وهذا الوجه ليس ببعيد عما ينطوي عليه كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من إشارة الى هذه الفتنة. ومما تجدر الاشارة إليه أنّ الإمام كرَّر التَّعبير المتقدم نفسه في سياق كلامه عن (الدُّنْيَا عند بَنِي أُمَيَّة) وذلك في (خ / 105). و (خ / 189).

خزامته

الخَزْمِ في اللغة الشد والثقب.(6). والخُزَامَة بُرّة أو حلقة تجعل في وترة أنف البعير ليشد بها الزمام (7). وبعض اللغويين يخصص ذلك بأنها اذا كانت من شعر، فإنها خُزَامة، وإنْ كانت من ضفر، فهي برة (8). و (الخُزامة) لفظ عام، فكل شيء ثقبته، فقد خَزَمْتَه. واستعملت لفظة (خُزامتُه) في نهج البلاغة بصيغة المفرد مرة واحدة، وبصيغة الجمع على (فَعَائل) مرة واحدة أيضاً (9)، للدلالة على الإذلال والتنكيل عند السوق والقيادة.. ومن ذلك قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مقام الحديث عن بيعته بالخلافة : ((... أَيُّهَا النَّاسُ، أَعِينُونِي عَلى


1) ينظر : شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد : 303/6.

2) ينظر : لسان العرب (بطن) : 07/13.

3) ينظر : لسان العرب (زمم) : 272/12، وتاج العروس (زمم) : 328/32.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 303/6، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 424/2، ومع نهج البلاغة : 151.

5) ينظر : الديباج الوضي : 670/2.

6) ينظر : العين (خزم) : 212/1، والمغرب في ترتيب المغرب : 253/1. لسان العرب (خزم) : 174/12.

7) ينظر : تهذيب اللغة (خزم) : 99/7.

8) ينظر : تهذيب اللغة (خزم) : 99/7.

9) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 135.

أَنْفُسِكُمْ، وَايْمُ اللّه لأَنْصِفَنَّ الْمَظْلُومَ من ظَالِمِهِ، وَلَاقُودَنَّ الظَّالِمَ بِخِزَامَتِه، حَتَّى أوردَهُ مَنْهَلَ الْحَقِّ وَأَنْ كَانَ كَارِها))(1). يصور الظالم بأنه كالدابة التي تجرّ بخزامتها المربوطة في وتر أنفها، كأن ذلك علامة على انها مقهورة صاغرة، وكذلك الظالم الذي يركبه الغرور والخيلاء والتسلط، فاستعمل الإمام مفردة (خُزامته) للدلالة على إخضاع هذا النوع من الناس، وإنزالهم عند سلطة الحق. فيكونوا بذلك أذلاء مقهورين (2)، كالدابة التي تساق الى موردها سوقاً، سواء رضيت أو لم ترض. واستعمل الإمام لفظة، (خَزَائِم) بصيغة الجمع على (فَعَائِل) للدلالة على القهر والإذلال أيضاً، موظفاً هذه اللفظة في سياق كلامه عن (إبليس) وجنوده الذين يسوقون أتباعه الى النار. وذلك في قوله : ((حَتَّى إِذَا أَنْقَادَتْ لَهُ الْجَامِحَةُ (3)مِنْكُمْ، وَاسْتَحْكَمَتِ الطَّمَاعِيَّةُ (4)مِنْهُ فِيكُمْ، اسْتَفْحَلَ (5)سُلْطَاتُهُ عَلَيْكُمْ، وَدَلَفَ (6)بِجُنُودِهِ نَحْوَ كُمْ، فَأَقْحَمُوكُمْ (7)وَلَجَاتِ (8)الذُّلّ... وَقَصْداً لِمَقَاتِلِكُمْ، وَسوقاً وَسوقاً بخَزَائِمِ الْقَهْرِ إِلَى النَّارِ المُعَدَّةِ لَكُمْ...)) (9). يصور انقياد أتباع (إبليس) وجنوده، وقيادهم له الى الذل، ويسوقهم الى النار المعدة لهم برضاهم ؛ لأنهم إنما أطاعوه واتبعوه ليكون إمامهم الى العذاب وقائدهم. والإمام - هنا - يومئ الى أصحابه الذين افترقوا عنه، وأطاعوا غيره - كما يبدو - فتركوا الحق، وظعنوا مع الباطل الذي ينتهي بهم النار.

ولما كان السياق الذي يتكلم به أمير المؤمنين محتفلاً بالمفردات الدالة على التسرع، والطمع والحرص على طاعة (إبليس)، لهذا ذكر نتائج هذا الأمر، وذلك بإذلال هؤلاء، وإرغامهم على الخضوع والقهر. مستعملاً مفردة (سَوْقا)، و (خَزَائِم)، و (القَهْرِ) ؛ للدلالة على طبيعة هذا الضرب من القياد الى النار الذي يتزعمه (إبليس) وجنوده. فالسوق هو التقاود والتتابع في السير (10)، وأكثر ما تستعمل هذه المفردة في سوق الإبل، والغنم كما يشير اللغويون (11). ولهذا جعل الإمام لهذا (السَّوْق) قائداً يقود هذه الجماعة التي شبهها بجماعة الإبل التي تساق بخزائمها التي في وتر أنفها، والتي يربط بها الزمام ووصف سوق الخزائم هذا بـ (القَهْرِ) ؛ إشارة الى الذل الذي يعاني منه هؤلاء عند قيادهم الى النار. كما الإبل التي يجد في إذلالها ويشدد عليها. وتبدو إيحاءات لفظة (خزائم) ظاهرة، من خلال ارتباطها بـ (الأنْفِ) الذي يعد محل الكبر والخيلاء والعزة في الإنسان، والعرب تضرب الأنف مثلاً في الإمتناع عن الضيم، فيقال : هو حَمِي الأَنْف (12)، إذا كان صاحبه أنفاً من أن يُضام


1) نهج البلاغة: خ/ 136 : 244.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 583/3.

3) الجامحة المُسرعة مأخوذة من جموح الفرس وهي اسراعه. ينظر لسان العرب. (جمع) : 6/2.

4) الطماعيّة مصدر صناعي يدل على (الطَّمِع) من الناس. ينظر لسان العرب (طمع) : 239/8، 240.

5) استَفْحَلَ الأمرُ، أي تَفَاقَمَ وأشتَدَّ. ينظر : تاج العروس (فحل) : 2/30.

6) الدَّلف المشي الرُّوَيْدُ المقارب في الخَطَّوِ. ينظر : لسان العرب (دلف) : 106/9.

7) أَقْحمَ الشيءَ، أَدْخَلَهُ مِن غَيْرِ رَوِيَةٍ. ينظر : لسان العرب (قحم) : 62/12.

8) الوُلُوج و الدخول. ينظر : لسان العرب (ولج) : 400/2.

9) نهج البلاغة : خ / 192 : 362، 263.

10) ينظر : لسان العرب (سوق) : 166/10.

11) نفسه.

12) ينظر : تهذيب اللغة (أنف) : 345/15.

(1). ويقولون : شُمُّ الأُنوف (2). أي أعزّها، وأكرمها وأعلاها منزلة ومكانة. ولهذا يساق البعير بجعل الخطام في وتر أنفهِ، سواء أكان من خشاش أو خزامةٍ ؛ ترويضاً له وإرغاماً ؛ َلئِلاً يمتنع على قائده في شيء (3)، لما يصيبه من الوجع في أنفه الذي كثيراً ما يصيبه العقر في هذا الموضع. فيقال : (جَمَلٌ أَنف). أي معقود الأنف من الخطام (4)وذكر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (خزائم) إنما هو على وجه الاستعارة ؛ لأنّ الإنسان أمنع ما يكون بخزائمه، فإذا أخذت خزائمه قهراً، فلا خير له بعد ذلك (5). ويبدو أنّ هذا المعنى هو الذي سوغ استعمال لفظة (خَزَائِم) بالجمع على وزن (فَعَائل) (6). وهذا الوزن يدل على أمرين : الأول : الدلالة على الكثرة، فهذه الصيغة تناسب الدلالة على الكثرة في بيان اتباع (إبليس) وأصحابه، وكثرتهم هذه تستلزم تعدد (الخزائم) التي يحتاجها هؤلاء لسوقهم.

ثانياً : أنّ صيغة (فَعَائِل) التي جاءت عليها لفظة (خزائِم) تدل على أنّ ما جمع عليها قد انتقل من (الوصفية) الى (الإسْمِيَّة) كما يذكر الدارسون (7). والمراد (بالإسْمِيّة) ابتعاد هذا الجمع من الحدث الذي هو معنى (الفعل)، وقُربه من الثبات والدّوام. وبحسب هذا التوصيف، فليس المراد بلفظة (خَزَائِم) في كلام الإمام معنى (يَخْزِم) وإنما معنى (الخَزْم). وتعليقاً على هذا الكلام، أرى أنّ اتساق كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع هذه المسألة فيه نظر ؛ لأنّ (خزائم) باقية على الوصفية، وجمعها على (فَعَائِل) يمكن أنْ ينزع الجمع الى معنى الفعلية، وهي دلالة الحدث المستمر الدائم. فلا شك أن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((وَسَوْقاً بِخَزَائِمِ الْقَهْرِ)) لا يكون مقتصراً على هذا الموقف فحسب، بل أنّ الوصف مستمر دائم.

كعمته
إشارة:

الكعام شيء يجعل في فم البعير يشد به إذا هاج، فيمنعه من أن يرغو، أو يعض ويأكل (8). وقد استعمل الإمام لفظة (كَعَمْته) و (مَكْعُوم مرة واحدة لكل منهما في كلامه الوارد في نهج البلاغة (9). للدلالة على على ما يأتي :

أولاً : منع الناس الراغبين في اللّه من الكلام.

وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق وصف الراغبين في اللّه تبارك وتعالى، الذين شدد عليهم الظالمون الخناق فهم : رِجَالٌ غَضَّ (10)أَبْصَارَهُمْ ذِكْرُ الْمَرْجِعِ، وَأَرَاقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ الْمَحْشَرِ، فَهُمْ بَيْنَ شَرِيد نَادٌ (11)


1) نفسه.

2) ينظر : لسان العرب (أنف) : 12/9.

3) ينظر : تهذيب اللغة (أنف) : 345/15.

4) نفسه.

5) ينظر : الديباج الوضي : 1986/4.

6) وبجمع على هذا الوزن كل اسم رباعي، مؤنَّثِ، قبل آخره مَدَ، مَخْتُوماً بالتاء، أو مجرداً منها. نحو : صَحِيفَةٌ، وصَحَائِفَ، وعَجُوْزٌ، وعَجَائِز. ينظر : شرح ابن عقيل : 132/4، ومعاني الأبنية : 170.

7) ينظر : معاني الأبنية : 190.

8) ينظر : العين (كعم) : 209/1، وتهذيب اللغة (كعم) : 213/1، ومقاييس اللغة (كعم) : 185/5، ولسان العرب (كعم) : 522/12.

9) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 400.

10) غَضّ بَصَرَهُ كَفَّهُ وكَسَرَهُ، مُرْخياً إيّاه. فتصير جفونه دانية. ينظر : لسان العرب (غضض) : 197/7.

11) النّاد الشارد المُنْزَعج. ينظر : لسان العرب (ندد) : 419/3، 420.

وَخَائِف مَقْمُوع (1)، وَسَاكِت مَكْعُوم...))(2). وهذا النص من سياق يتحدث فيه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أصناف الناس، وهم أربعة عنده، منهم هذا الصنف الأخير الذين وصفهم بأنهم غضّ أبصارهم ذكر المعاد الى اللّه تبارك وتعالى، وأسبل دموعهم خوف المحشر والقيامة. دلالة على خشيتهم من الباريء جل جلاله، ورغبتهم في لقائه. ثم شرع (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصف حالهم في الدنيا مع الظالمين، فمنهم الشريد الهارب الذي شرد في البلاد مطروداً كالبعير الناد، لكثرة إنكاره ألمنكر، ولقلة صبره على مشاهدة الأذى في الناس (3)،. ومنهم الخائن المقموع من الذل. والصنف الثالث هو الساكت المَكْعوم. وهو الذي سكت مخافة من بطش الظالمين وسطوتهم، فكأنه أسكت عنوةً. ولهذا استعمل أمير المؤمنين مفردة (مَكْعُوم) التي تستعمل في مجال دلالي مخصوص بالإبل من الدواب، موظفاً إياها في هذا السياق للدلالة على معنى الإسكات والمنع من الكلام. جاعلاً هذا الصنف من الناس شبيهاً بالبعير الذي يُكْعَم فمه مخافة أن يرغو أو يعض و يأكل (4). فكأن هذه الطائفة من الناس قد أكْعمت أفواهها خشية من أن تتكلم بالحقِّ، وتشهد على الظالمين ما فعلوه من ظلم وقهر، أو أن تهيج هذه الفئة على السلطة الحاكمة، فتحدث تغييراً في أفكار الناس، ورؤاهم فتميلهم الى جانب الحق، مما يؤدي الى إثارة التغيير، واندفاع الناس نحو إسقاط الظالمين من عروشهم.

ولا يكون الكَعْم إلا عند هياج البعير وانزعاجه، وهذا الملمح يسوغ فكرة توظيف مفردة (كعم) بصيغة (مَفْعُول) الدالة على كبت فم الإنسان، ومنعه من الكلام كأنّ الخوف قد كعمهم وأسكتهم فلم يتكلموا بكلمة. أو أنهم غير راضين عما يرون ويسمعون من ظلم للناس وقهر، فليس لهم - حينئذٍ - أن يتحدثوا أو أن يثوروا ضد هذه الأمور، فتعمد السلطة في هذا الحال الى كَعْمِهم وإسكاتهم إما بالترهيب أو بالترغيب، وغير ذلك من الوسائل التي يستعملها الظالمون في إيذاء الناس وإسكاتهم.

وربما يكون هذا الضرب من الناس من القادرين على ضبط أنفسهم، وكبح جماحها، مستعملين في ذلك مبدأ (التَّقِيّة) (5)الذي يعد سبيلاً الى منع هياجهم وثورتهم في نحو التصدي للظالمين

ثانياً : الدلالة على منع الموج من التقاذف والهياج

وأتى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذهِ الدلالة في مقام حديثه عن دحو الأرض، وكبسها على مور أمواج البحر المُسْتَفْحِلَةِ. وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((كَبَسَ الْأَرْضَ عَلَى مَوْرِ أَمْوَاجِ مُسْتَفْحِلَةٍ، وَلُجَجِ بِحَارٍ زَاخِرَةٍ... فَخَضَعَ جِمَاحُ الْمَاءِ الْمُتَلاَطِمِ لِثِقَلِ حَمْلِهَا، وَسَكَنَ هَيْجُ ارْتِمَائِهِ إِذْ وَطِئَتْهُ بِكَلْكَلِهَا... وَسَكَنَتِ الْأَرْضُ مَدْحُوَّةً (6)في لجّة تَيَّارِهِ، وَرَدَّتْ مِنْ نَخْوَةِ بَأَوهِ (7)اعْتِلَائِهِ... وَكَعَمَتْهُ عَلَى كِظَّةِ (8)جَرْيَتِهِ، فَهَمَدَ (9)بَعْدَ نَزَقَاتِهِ (10)...))


1) القمْعُ القَهْرُ والذُّلُ. ينظر : لسان العرب (قمع) : 294/8.

2) نهج البلاغة: خ/ 32 : 71.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 273/2.

4) ينظر : لسان العرب (كعم) : 522/12.

5) التقيّة مأخوذة من (الوقاية)، وهي الحفظ مما يؤذي ويَصْرَ. ينظر : مفردات الفاظ القرآن (وقي) : 881.

6) الدّحْوُ البَسْطُ. ودحو الأرض بسطها. ينظر : تاج العروس (دحو) : 38/

7) البأو الفخر والكبر. ينظر : تاج العروس (بأو) : 139/37.

8) الكِظَةُ البِطْنَة وامتلاء البطن بالطعام والشراب. وتدل على امتلاء السِّقاء بالماء. ينظر : لسان العرب (كظظ) : 457/7. والمراد امتلاء البحار وارتفاع موجه.

9) الهَمْدُ السكوت والسكون. ينظر : لسان العرب (همد) : 436/3.

10) النزق الخِفَّة والعجلة والطيش في كل أمر. ينظر : لسان العرب (نزق) : 352/10.

(1). فكأن الأرض أشبه بالسد الذي يكبح جماح الموج المتلاطم الذي يصطخب متقاذفاً، كالفحل الهائج وتشبيه الإمام له بالفحل من الإبل عند هياجه وإرغائه. سوغ – حينئذ - استعمال مفردة (كَعَمَتْهُ) ؛ للدلالة على منع هذا (البعير) الهائج من أن يصطخب ويرغو، فأضحت الارض بمنزلة الحبل الذي يكعم به فم البعير، لمنعه من الرغاء والطغيان.

أوهاق

الوَهَق الحبل المغار الذي يرمى في أنشوطة فتؤخذ به الدابة والإنسان (2). وقد خص بعض اللغويين هذا النوع من الحبال بالإبل والخيل ؛ لاستعماله في ربطهما (3). ولفظتا (أوهَقَتُهم) و (أوهَاق) من الفاظ نهج البلاغة، إذا استعملت كل لفظة مرة واحدة فيه (4)، للدلالة على الحبال التي يجر به الانسان الى المحن والقوارع والمنايا ومن ذلك قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) متحدثاً عن الدنيا، منفراً منها : ((... وَأَعْلَقَتِ (5)الْمَرْعَ أَوهَاقَ الْمَنِيَّةِ قَائِدَةً لَهُ إِلَى ضَنْكِ (6)الْمَصْجَعِ، وَوَحْشَةِ الْمَرْجِعِ...))(7). يريد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ الدنيا ما تلبث أن تزول، وهي خادعة غادرة، مازالت تخدع الإنسان وتعلق به حبال المنيه، وهي تقوده الى ضيق مرقده وقبره. فتجرّه اليه كما تجر الدابة الى مذبحها. ولما كان النص في مقام ذم الدنيا ؛ لهذا استعار لها الإمام أوصاف الدواب ؛ للدلالة على شدة ضربها وأذاها، فذكر مفردة (قَمَصَتْ بأرْجُلها) ؛ لبيان هذا المعنى، ومن ثم استعار لها أيضاً مفردة (قَنَصَ)، وهي من الألفاظ الخاصة بالصيد - للدلالة على خداعها الإنسان واصطياده، والايقاع به في شباكها ؛ كأنه طير علق بشبكة الصياد (بأوهَاق المنيّة) كالدَّابة التي تجرّ الى مصرعها.

والاستعمالات التي أوردها الإمام للدنيا كلها تمثل اشارات الى امتناع الدنيا وإبائها على الإنسان عند اقتراب أجله متخليّة عنه، كأنها تضربه بأرجلها كما تفعل الدابة عند نفارها وجزعها، بعدما قنصته بأحبلها التي كنى بها الإمام عن الصفات المذمومة التي منحتها للإنسان (8)، فأصابته بها وأردته. وقد جعل هذه الأمور كناية عن العلل والامراض البدنية وغير البدنية التي يُصاب بها المرء في الدنيا بسبب منها. حتى أوهقته المنايا وجرّته الى مضجعه (9). وقد جاءت لفظة (أوهَقَتْهُم) بالدلالة المتقدمة نفسها في (خ/111).

مَثَانِيْهَا


1) ينظر : نهج البلاغة : خ / 91 : 161.

2) ينظر : العين (وهق) : 64/4، وتهذيب اللغة (وهق) : 182/6.

3) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 232/5، ولسان العرب (وهق) : 386/10.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 496.

5) أعلق الشيء، إذا وقع في الحبل. ينظر : لسان العرب (علق) : 261/10.

6) الضنك الضيق من كل شيء. ينظر : لسان العرب (ضنك) : 462/10.

7) نهج البلاغة : خ/ 83 : 122.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 377/2.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 377/2.

الثَّنَاءِ ثَنْيُ عقال البعير، إذا عقل بحبل مثني (1). وتعقل يدا البعير جميعاً بحبل يسمى الثناية (2)وهو حبل تشد بأحد طرفيه يد البعير، وبطرفه الآخر اليد الأخرى للبعير، فيقال ثَنَيْت البَعِيْرِ بَثْنايَيْنِ. فهو حبل واحد جاء بلفظ التثنية (3). ويصنع هذا الحبل من الصوف أو الشعر (4)، ويكون هذا الحبل طويلاً وربما استعمل استعمل في شد قتب السانية، وطرف الرشاء في مِثْنَاتِه (5). وقد وردت لفظة (مَثَانِيْها) مرة واحدة في نهج البلاغة (6)؛ للدلالة على الحبل الذي يعقل به البعير. وذلك في قوله أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مشبها تزاحم الناس وتداكهم عليه بالإبل العطشى التي أرسلها رعاتها مخلوعة مثانيها. يقول الإمام : ((فَتَدَاكُوا عَلَيَّ تَدَاكَ الإِبل الْهِيمِ يَوْمَ وِرْدِهَا، قَدْ أَرْسَلَها رَاعِيهَا، وَخُلِعَتْ مَثَانِيهَا...)) (7). يشبه الإمام ازدحام الناس عليه بتدافع الإبل العظشى العظشى المرسلة نحو الماء، وقد خلعت حبال عقالها، وهو ما زاد في إسراعها وهياجها، وعدم السيطرة عليها، فكأن خلع هذه المثاني زاد من قوة هذهِ الإبل وطاقتها في التزاحم والتدافع، ولعله أشار بقوله (خُلِعَتْ مثانيها) الى هذا المعنى. فـ (مَثَاني) الشيء في اللغة هي قواه وطاقاته (8). فكأنه أراد بالتعبير المتقدم أنّ خلع المثاني من الإبل، هو علامة على اطلاق قوتها، ولنيل غايتها من الماء، وكذلك الذين تداكوا عليه. وهذا قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) مبيناً شِدّة تدافع هؤلاء : ((حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ قَاتِليَّ، أَو بَعْضُهُمْ قَاتِلُ بَعْضٍ لَدَيَّ)) لشدة بأسهم وقوتهم في التدافع، حتى أنّ بعضهم يضرب بعضاً كما تتضارب الإبل العطاش، ولهذا استكمل الإمام السياق الذي وردت فيه لفظة (تَدَاكَّوا) لبيان التجمع والتدافع والضرب، بأن قال (خُلِعَتْ مَثَانِيها) تشبيهاً لهم بالإبل من هذا الوجه (9).

المَخْشُوشُ

الخَشُ جعل الخِشَاشِ في أَنف البعير (10). وهو ضرب من العود يجعل في عظم أنف البعير (11).والمَخْشوش هو البعير الذي وضع في أنفه ذلك العود (12)الذي يشد به الزمام ؛ ليكون أسرع لانقياده (13). وقد وردت لفظة (المَخْشُوش) مرة واحدة في نهج البلاغة (14)وصفاً (للجَمَلِ) في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يردّ فيه على كتاب ورده من معاوية، يذكر فيه أنّ الإمام كان يقاد كما يقاد الجمل المَخْشُوش حتى يبايع. فردّ عليه الإمام قائلاً : ((... وَقُلْتَ: إِنِّي كُنْتُ أَقَادُ كَمَا يُقَادُ الْجَمَلُ الْمَخْشُوشُ حَتَّى أَبَايِعَ، وَلَعَمْرُ اللّه لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تَثُمَّ


1) ينظر : العين (ثني) : 244/8 .

2) ينظر : تهذيب اللغة (ثني) : 97/15.

3) نفسه.

4) ينظر : المحكم (ثني) : 198/10.

5) ينظر : تاج العروس (ثني) : 292/37.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 77.

7) نهج البلاغة: خ/ 54 : 94، 95.

8) ينظر : لسان العرب (ثني) : 115/14.

9) ينظر : مع نهج البلاغة : 100، 101.

10) ينظر : العين (خش) : 132/4، وتهذيب اللغة (خش) : 289/6.

11) ينظر : المحكم (خش) : 495/4، 496، ولسان العرب (خش) : 296/6.

12) ينظر : مقاييس اللغة (خش) : 101/22، ولسان العرب (خش) : 296/6.

13) ينظر : لسان العرب (خش) : 296/6.

14) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 136.

فَمَدَحْتَ، وَأَنْ تَفْضَحَ فَافْتَضَحْتَ وَمَا عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْ غَضَاضَة (1)فِي أَنْ يَكُونَ مَظْلُوماً مَا لَمْ يَكُنْ شَاكَاً فِي دِينِهِ...)) (2). والكلمة التي يرد عليها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمعاوية يشبه فيها الإمام في اكراهه على البيعة بقياد الجمل المَخْشُوش و(الجَمْلُ المَخْشُوشُ) هو الذي يُخَشُ في أنفه عودة من الخشب ليشد به الزمام؛ حتى يسهل قياده (3). وهذه كانت - كما يذكر الإمام - على معاوية لاله، لأنه أراد أن يذم بها، فمدح من حيث لا يشعر.. فإنّ الذي يراد منه أنْ يبايع لا يكره عليها، وإنما له حق الاختيار، فأما إذا أكره على البيعة ؛ فإنّه لا محالة مظلوم مجبر على ما أُخذ اليه. ولاشك أن إكراه شخص مثل الإمام على أداء البيعة لأي خليفة، يمثل مخالفةً لمبدأ البيعة أصلاً. فضلاً عما يمثله موقفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الرافض لتلك البيعة من دلالات على بطلانها. ومن خلال بيان مفرداة (المَخْشُوش) والعلة في وضع عود الخشب في أنف الجمل، نفهم أن هذا النوع من الجمال لا تخش في أنفه هذه العويدة إلا إذا كان نفاراً صعب المراس ؛ لأنهم إنّما يخشون أنفه ليسهل قياده (4)، لما يشعر به من من الم عند شد زمامه ؛ فضلاً عن لفظة (البَعِيْرِ) في هذا السياق توحي بالصبر وشدة التحمل أيضاً، وهذهِ أوصاف معروفه في الأبَاعِر في التراث العربي، وهذا التشبيه ربما يصل الى قدر بسيط من خصال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الصبر وتحمل الأذى الذي أصابه بعد وفاة النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله) مع جلالة قدر الإمام وعظيم منزلته ؛ ولهذا قلب أمير المؤمنين ما ورده من كلام معاوية رأساً على عقب - كما يقال – موجّهاً ملام معاوية من الذَّمَّ كما كان يعتقد الى المدح، فضلاً عن الدلالة على بطلان البيعة التي أخذ الإمام اليها مكرهاً لا طائعاً.

5- علف الإبل واجترارها وعطشها

عَلَفها

العَلَف طعام الدابة، وقضيمها (5). واعتلفت الدابة إذا أكلت (6). والعَلِيْفَةُ والمعْلَفَة، النّاقَةُ التي يُجمع لها لها العلف، فتعلف للسمن، دون أن تسرح، أو ترسل للرعي (7). وقد استعملت مفردات (عَلَفها)، و (أغلافها) و (المَعْلُوفة) و (مُعْتَلفه) مرة واحدة لكل واحدة منها في نهج البلاغة (8). للدلالة على طعام الدواب من الإبل وغيرها. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مقام الذم، وتشبيه الناس بالنعم : ((أَيُّهَا الغَافِلُونَ غَيْرُ الْمَغْفُولِ عَنْهُمْ، وَالتَّارِكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ، مَالي أَرَاكُمْ عَنِ اللّه ذَاهِبِينَ، وَإِلَى غَيْرِهِ رَاغِبِينَ كَأَنَّكُمْ نَعَمْ أَرَاحَ (9)بِهَا سَائِمٌ إِلَى مَرْعِيَّ وبيّ (10)، وَمَشْرَب دَوِيّ (11)، وَإِنَّمَا هِيَ كَالْمَعْلُوفَةِ لِلْمُدَى لَا تَعْرِفُ مَاذَا يُرَادُ بِهَا...)) (12). ويذكر الإمام


1) الغَضاضة الإذلال. ينظر : لسان العرب (غضض) : 198/7.

2) نهج البلاغة : ك/28 : 491.

3) ينظر : لسان العرب (خش) : 296/6.

4) نفسه.

5) ينظر : العين (علف) : 144/2، والمحكم (علف) : 161/2، ولسان العرب (علف) : 255/9.

6) ينظر : المحكم (علف) : 161/2.

7) نفسه.

8) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 162/2.

9) أرَاحَ إذا أراحها لتستريح بعد الإعياء. ينظر : لسان العرب (روح) : 462/2.

10) الوَبيء المرعى الكثير الوباء غير جيد الرعي. ينظر : لسان العرب (وبأ) : 89/1.

11) الدَّوِيُّ الذي فيه داء وَدِيءُ. ينظر : العين (دوي) : 93/8.

12) نهج البلاغة: خ/ 175 : 314.

على الناس ذهابهم عن اللّه جل جلاله، ورغبتهم بغيره من لهو الدنيا ولعبها، وسلطانها الذي صار كأنه قبلتهم وسيدهم دون اللّه. وقد استهل أمير المؤمنين كلامه هذا بتذكير الناس أنهم غير مغفول عنهم.

يريد بذلك: أنّ اللّه جل وعلاه لا يغادر لهم صغيرة أو كبيرة إلاّ أحصاها وشبه الناس الذين اتصفوا بهذهِ الأوصاف بالنّعم التي أراحها راعيها الى مرعى كثير الداء، رديء العشب دوي المشرب، كأن في شربه الداء الذي يشتت شملها، وما علم أنها في نهاية أمرها ستكون للذبح والفناء. فقد أخذت الى غير ما أعدت له وذلك أنّ المعلوفة من الدواب والنعم، لا تخرج الى المرعى، لأنها يجمع لها العَلَفُ لتسمن، فلهذا لا تعد للسرح. لأن الغرض من إعلافها هو تهيئتها للذبح كما يظهر. ويطلق على هذا الضرب من الإبل (العِلَيْقَة) أو (المُعْلَقَةَ)(1)وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (المَعْلُوفَة) بصيغة (مفْعُول) في سياق التهكّم والذّم، كأنه يشير الى كونها مُنَعّمة في أكلها وشربها دون أن تعلم خاتمتها ومصيرها، معدة للذبح بالمدى. وقد وردت الفاظ (عَلَفها) و (أعلافها) للدلالة على طعام الدواب الذي تأكله، وذلك في (ك/45) في حين جاءت مفردة (مُعْتَلَفِه) للدلالة على موضع الإعلاف، ومكانه على سبيل التشبيه بالدابة التي تعلف في مواضعها المخصصة لذلك. في (خ/3) من نهج البلاغة.

الهيم

الهَيْمَانِ العَطْشَان (2). والهِيْم الإبل العطاش التي يصيبها الدَّاء، وهو مرض يكسبها العطش، فتمص الماء مصاً، ولاتروى. واحدها أَهْيَم (3). يقال : هامَتْ دوابنا، إذا عَطِشَتْ (4). ومن ذلك أيضاً الهُيَامُ، وهو داءً يصيب الإبل من ماءٍ تشربه مستنقعاً، فيصيبها الجنون والدوار حتى تهلك (5). وقد وردت لفظة (الهيم) أربع مرات في نهج البلاغة (6)؛ للدلالة على الإبل العطشى التي ترسل الى وردها لتشرب. وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه المفردة في مقام التشبيه. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مدح عترة النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله) الذين هم منار الهدى، وأعلامه القائمة. كما في قوله الذي يعجب فيه من تيه الناس وحيرتهم، وفيهم عترة النبي الأكرم: ((... فَأَيْنَ يُتَاهُ (7)بِكُمْ ؟ أَوكَيْفَ تَعْمَهُونَ (8)وَبَيْنَكُمْ عِتْرَةُ نَبِيِّكُمْ؟ وَهُمْ أَزمَّةُ (9)الْحَقِّ، وأَعْلامُ (10)وَأَلْسِنَةُ الصِّدْقِ فَأَنْزِلُوهُمْ بأَحْسَن مَنَازِلِ القُرْآنِ، وَردُوهُمْ وُرُودَ الهيمِ الْعِطَاش)) (11)والنص مبدوء بالاستفهام


1) ينظر : المحكم (علف) : 161/2.

2) ينظر : العين (هيم) : 101/4.

3) ينظر : تهذيب اللغة (هيم) : 246/6، 247، والنهاية في غريب الحديث : 288/5.

4) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 288/5.

5) ينظر : لسان العرب (هيم) : 626/12.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 471.

7) التَّيْهُ الحَيْرَة والصَّلال. ينظر : النهاية في غريب الحديث : 203/1.

8) عَمَةَ يَعْمَهُ، إِذا تَرَدّى في الضلالة. ينظر : العين (عمه) : 101/1.

9) الزَّمُّ الشدُّ، والأزِمَةُ جمع (زمام)، وهو الحَبْل الذي يجعل في الخشبة التي توضع في أنف البعير ليقاد. ينظر : المحكم (زمم) : 16/9.

10) العَلَمُ شيء يُنْصَب في الفلوات لتهتدي به الضالة. ينظر : المحكم (علم) : 176/2.

11) نهج البلاغة : خ/ 87 : 143.

الذي أخرجه الإمام للعجب والانكار على الناس الذين يتيهون في حيرة، ويتردون في الضلالة، وبينهم عترة النبي ونسله وأخص أهل بيته، وهم أولاد علي وفاطمة (عليهما السلام).(1). وهؤلاء هم أزمة الحق الذين يقاد بهم بهم الدين ويوجه، وهم الأعلام التي يهتدي بها الضلال في دينهم، وألسنة الصدق. ولما كانت هذه الخصال والصفات لا تتوافر إلا فيهم، لهذا أرشد (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى إنزالهم في أحسن منازل القرآن الكريم، ودعا الى الورود من علومهم وأخلاقهم كما ترد الإبل العطشى التي أصابها داء العطاش. وهذا الضرب من الإبل يُسرع الى الماء وهي متهالكة يدك بعضها بعضاً مما بها من العطش.

أقول : يريد بهذا التعبير حث الناس على الرجوع الى أهل البيت (عليهم السلام)، والنهل من علومهم مشبها هذا الرجوع بورود الأباعر الهيام الماء، فحذف أداة التشبيه لجعل التشبيه أقوى وأمكن بين الطرفين المشبه، والمشبه به. ووجه الشبه هو الرّي والورد، والإفادة من أتباع الأئمة (عليهم السلام). ويبدو أن توظيف مفردة (الهيم) في هذا السياق جاء لأمرين ؛ الأول محاكاة الناس بما يعتادون عليه في حياتهم الاجتماعية اليومية من خلال ملازمتهم للإبل، ومعرفتهم بأحوالها وطبائعها وما يجري عليها عند عطشها، ولهذا أتبع الإمام المفردة المتقدمة بلفظة (العِطاش)، - بالكسر - وهي شدة عطش الإبل(2).

كأنّه يريد القول. إن هيامكم وشدة عطشكم الى علومهم ومعارفهم ينبغي أن يكون في أقصى غاياته، حتى كأنكم مصابون بداء العُطَاش الذي لا يروى من الماء من أُصيب به والأمر الثاني - ولعله مقدم على سابقه – إفادته (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الاستعمال القرآني الذي وردت فيه لفظة (الهيم)، وذلك في قوله تعالى شأنه :(فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ) (3)وهذه المفردة انتضمت في سياق يتحدث فيه الذكر الكريم عن كُفَّار قريش، ومن هم في حالهم (4)، واصفاً واصفاً إياهم (بالضالين المكذبين) ؛ إذ يقول تعالى والنص يشير الى عقاب أولئك الضالين عن طريق اللّه تبارك وتعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ* (5)، والبعيدون عن النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله) المكذبون بنبوته ورسالة السماء، ولهذا ذكر القرآن الكريم عقابهم بأنهم لأكلون من شجرٍ من زقوم الذي هو طعام الأثيم، وشاربون عليه من الحميم، وهو الماء الحار كما يرى المفسرون (6)، وهو حميم نار جهنم. أما (شرب الهيم)، فقد أجمع المفسرون على أن المراد به هو شرب الإبل الهيام التي بها داء الاستسقاء، فلا تكاد تروى ؛ لأنه مرضٌ معطش للإبل فإما أن يميتها، أو تسقم به سقماً شديداً (7).


1) ينظر : المحكم (عتر) : 44/2، والنهاية في غريب الحديث : 177/3.

2) ينظر : تاج العروس (عطش) : 268/17.

3) الواقعة / 55.

4) ينظر : المحرر الوجيز : 247/5.

5) الواقعة / 51 – 55.

6) ينظر : تنوير المقباس : 454/1، وروح المعاني : 547/27.

7) ينظر : الكشاف : 462/4، والمحرر الوجيز : 547/5.

ومن خلال الموازنة بين السياق القرآني وسياق كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) نلحظ التقارب بينهما في بعض المفردات، وفي صورة (شرب الإبل الهيم للماء)، فكلا النصين يصوران حالة الورد التي عليها الإبل العَطْشَى، ولكن القرآن يجعل من هذه الصورة إشارة الى تشبيه شرب الضالين للحميم عقاباً لهم على تمرّدهم وخروجهم عن طاعة اللّه تبارك وتعالى والنص. العلوي يصور الدعوة الى الورد من علوم أهل البيت وأخلاقهم، كما ترد الإبل العطشى ذوات داء العطاش كأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوصي هؤلاء أن يحرصوا على اتباع عترة النبي الاكرم (صلى اللّه عليه وآله) ؛ والسير على خطاهم، لئلا يصيبهم ما أصاب (الضالين المكذبين) الذين ذكرهم اللّه تبارك ووتعالى في سورة الواقعة. وثمة مواضع أخرى وردت فيها لفظة (الهيم) للدلالة على العطاش من الإبل، وذلك في (خ/54، 107، 229) من نهج البلاغة.

يَخْضِمُون

الخَصْم الأكل والمضغ بأقصى الأضراس (1). وهو مَلء الفم بالمأكول (2). والخَضْم للإنسان بمنزلة القَضْمِ من الدابة (3). واستعمل الإمام لفظة (يَخْضِمون) و (خَضْمَ) مرة واحدة لكل منهما ؛ للدلالة على أكل أموال المسلمين مشبهاً ذلك بخضم الإبل نبت الربيع. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق وصف الخليفة الثالث (عثمان بن عفان) : ((.. إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ، نَافِجَأَ حِصْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ وَمُعْتَلَفِهِ، وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اللّه خَصْمَ الإِبل نِبْتَةَ الرَّبِيع...)) (4). والنص يشير الى نهوض الخليفة (عثمان بن عفان) بأمر الخلافة ؛ ليكون ثالث الخلفاء الذين أطلق عليهم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظ (القَوْم، للدلالة على معنى الجماعة (5)التي اجتمعت لاختيار الخلفاء، ومنهم الخليفتان (أبو بكر وعمر). وقد أشار الإمام بلفظ (القيام) الى نهوض الخليفة (عثمان بن عفان) بأمر الخلافة وتقلدها. في حين أنه استعمل لفظة (قَامَ) الثانية ؛ للدلالة على تزعم أقرباء الخليفة من بني أمية الأمر معه، وتقلدهم المناصب الرفيعة في الدولة الاسلامية آنذاك تسلطاً وغصباً. ولهذا استعمل الإمام مفردة (يَخْضِمون) التي تدل على الأكل عامة، بل الأكل بملء الفم كما تذكر المدونات اللغوية (6). كأته كأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يشبههم بالإبل التي تخضم نبت الربيع بملء فمها، أو بأقصى أضراسها. واللافت للنظر أنّ الإمام يجعل هؤلاء الناس يخضمون كخضم الإبل للنبت مستعملاً لفظ (الخَضْمَ) للأبل، في حين أن اللغويين يذكرون أن الخَضم للإنسان، والقَضْمَ للدابة (7). وقد سوغ أصحاب غريب الحديث والمعجميون هذا الأمر في كلامه الذي ذكروه في مصنفاتهم، ذاكرين أن لفظة (يَخْضِمُون، وخَضْم) في حديث عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اللّه خَضْمَ الإِبل نِبْتَةَ الرَّبِيع)) (8)تدل على الأكل بأقصى الأضراس (9).


1) ينظر : العين (خضم) : 179/4، وتهذيب اللغة (خضم) : 56/7.

2) ينظر : المحكم (خضم) : 47/5.

3) نفسه.

4) نهج البلاغة : خ/3 : 30.

5) ينظر : لسان العرب (قوم) : 505/12.

6) ينظر : لسان العرب (خضم) : 182/12، 183.

7) نفسه : 183/12.

8) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 44/2، ولسان العرب (خضم) : 183/12.

9) نفسه.

وتبدو مفردتا (يَخْضِمُون) و (خَضْم) أشد دلالة في الأكل واستهلاك الطعام، وفي مجال المفاضلة بين مفردتي (خَضم) و (قضم)، تبدو الأولى أكثر إيحاء في الانيان على ما يؤكل. وقد ذكر أبو عبيد القاسم بن سلام أن (الخَضْمَ) أشد في المَضْغ وأَبْلَغ من القَضم (1). فالقَضم يكون بأدنى الأضراس، والخَضْم بأقصاها (2). ولما كان السياق يتحدث عن حال التسلط الذي عم في أيام الخليفة عثمان بن عفان، من خلال سيطرة أقربائه وولائجه على أجزاء الدولة الاسلامية، واستئثارهم بالحقوق والضياع والأراضي، لهذا شبههم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) - كما ذكرت سلفاً - بالإبل التي تخضم نبت الربيع من جهة إتيانها على كل شيءٍ من النبت، فكما تستطيب هذه الدواب نبت الربيع لغضاضته ورطوبته واخضراره. فإن هؤلاء جعلوا مال اللّه خَضِيْمَةً (3)مستطابة لهم. يتناولونها متى شاؤوا. وهم في سعة ورغد من العيش. كأن رغدهم هذا متأتّ من كثرة ما حازوه من أموال، وأراض لم تكن من حقهم أو من أموالهم. وتوحي مفردة (خَضْم) دلالات بشدة النهم، والرغبة في الامتلاء كأنهم اجتمعت فيهم الصفتان ؛ صفة النهم وكثرة الأكل، والسعي الى ملء أفواههم من الطعام مع ملاحظة أن طعامهم كان من أطيب الطعام وأشده غضارة، والصفة الثانية وهي المتقدمة عندي على سالفتها، هي أخذ مال اللّه وأموال المسلمين، والسيطرة عليها بشدة لا تختلف عن شدة رغبتهم في الأكل عندهم وعدم الشبع.

وقد إشار شارحو النهج الى هذه الخصال عند بني أمية المقرّبين من الخليفة (عثمان بن عفان)، فذكر ابن أبي الحديد جمهرة من الأخبار عن تسلط الأمويين على الناس، وتوليهم الولايات، وحصولهم على القطائع في زمنه(4).

حَسَكَ السَّعْدَانِ

الحَسَك نبات له ثمرة خشنة تتعلق بأصواف الغنم، واحدته (حَسَكة) (5). وتضرب هذه العشبة الى الصفرة الصفرة، ويكون لها شوك مدحرج لا يكاد يمشي عليه أحد إلا من كان في رجليه خف أو نعل(6). والسعدان نبات له شوك، غير أنه غليظ مفرطح كالفلكة، ونباته يسمى الحلمة (7). وهو من أحرار البقول، وأفضل المراعي (8). وقد وصف اللغويون هذا النوع من النبات بأنه بقلة ذات شوك غبراء اللون حلوة، ولها إذا يبست شوكة مفلطحة كأنها درهم (9). ويعد المرعى الذي ينبت فيه هذا البقل من أنجح المراعي عند العرب، وأفضل. مراعيهم أيام الربيع، حتى أن الإبل تسمن إذا رعت فيه وتحلو ألبانها (10). واستعمل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تعبير


1) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 187/4.

2) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 187/4.

3) الخضيمة النَّبْتُ إذا كان رطباً أخضر. ينظر : العين (خضم) : 179/4، والمحكم (خضم) : 47/5.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 192/1، 193، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 1/ 180، 181، والديباج الوضي : 218/1.

5) ينظر : العين (حسك) : 59/3، والمحكم (حسك) : 34/3.

6) ينظر : المحكم (حسك) : 34/3 .

7) ينظر : العين (سعد) : 323/1.

8) نفسه.

9) ينظر : المحكم (سعد) : 469/1.

10) ينظر : غريب الحديث (الخطابي) : 480/1، ولسان العرب (سعد) : 15/3.

(حَسَكِ) (السَّعْدَان) مرة واحدة في كلامه الوارد في نهج البلاغة (1). وذلك في تعبير واحد مضافاً فيه لفظ (السَّعْدَان) الى (حَسَكِ) ؛ للدلالة على الأذى والألم الذي يصيبه من شوك هذين النبتين. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق تبرئه من الظلم : ((وَاللّه لأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهَّداً، أو أَجَرَّ فِي الاغْلالِ (2)مُصَفًّداً (3)، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللّه وَرَسُولَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ الْعِبَادِ، وَغَاصِباً لِشَيْء مِنَ الْحُطَامِ ...)) (4)وقد وظف الإمام الإمام لفظة (حَسَكِ) (السَّعْدَان)، بإضافة (الحسك) الى (السعدان) وهذان النبتان من البقول التي ترعاها الإبل وتسمن عليها. وتضرب مثلاً في الأذى والإيلام بسبب من احتوائها على الاشواك المؤذية التي لا يمكن أن يمشي المرء عليها إلا وهو ينتعل خفاً أو نعالاً كما يذكر اللغويون (5). ويمتاز (السَّعْدَان) بشوكه المؤلم الذي لا يقل أذى عن (الحَسَك)، وبهذا تكون إضافة (الحَسَكِ) الى (السَّعْدَان) في كلام الإمام يوحي بالمبالغة في الأذى الذي يسببه هذا النبت بما فيه من شوك يؤذي من اضطجع عليه، فيبيت مسهداً أرقاً من شدة الألم. ولهذا استحب الإمام هذا النوع من الوصف، وارتضاه لنفسه بديلاً عن ظلم بعض الناس، فهان عليه أذى نفسه، ولم يهن عليه لقاء اللّه تبارك وتعالى ورسوله، وهو ظالم لبعض عباده، وهو ظالم لبعض العباد. فقد اتخذ (عَلَيهِ السَّلَامُ) من بعض لوازم الحياة البدوية وهي النباتات المتعلقة بمراعي الإبل في سياق التبرؤ من الظلم وإيذاء الناس، مؤثراً أذى نفسه على إيذاء غيره. ويمكن أن نفهم دلالة أخرى من التعبير المتقدم، وذلك بجعل هذا النوع من الإضافة من باب إضافة (الجزء الى الكل)، فيكون (الحَسَك) هو النبت، والسعدان شوكة و إبره التي تؤلم من يطأ عليها. ويبدو أن بعض شراح النهج استحب هذه الدلالة، فصرح أنّ (السَّعْدَان) هو نبت شوكي ذو حَسَك له رؤوس محددة (6). ومهما يكن من شيءٍ فإنّ هذا النوع من النبت يدل على الإيلام والأذى بالنسبة للإنسان، ولكنه مفيد ومغدٍّ بالنسبة للإبل والدواب، فآثر الإمام الجانب المؤلم على المفيد ليدلل على رغبته في أذى الدنيا على أذى الآخرة.

العطاش

العَطَش ضد الري (7). والعُطَاش - بالضم - شدة العطش (8). وإبِلٌ عِطاش – بالكسر - شديدة العطش (9). وعَطّشت الإبل تَعطيشاً، إذا ازدادت على ظمئها في حبسها عن الماء، وذلك إذا كانت نوبتها في اليوم الثالث أو الرابع، فتسقيها فوق ذلك اليوم (10). ولفظة (العِطَاش) من الفاظ نهج البلاغة ؛ فقد استعملها


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 110، 215.

2) الأغلال الجوامع التي تجمع الأيدي الى الأعناق. ينظر : لسان العرب (غلل) : 504/11.

3) الأصفاد هي القيود والأغلال الحديدية التي يوثق بها. ينظر : لسان العرب (صفد) : 256/3.

4) نهج البلاغة : خ/ 224 : 437.

5) ينظر : المحكم (حسك) : 34/3.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 53/4.

7) ينظر : لسان العرب (عطش) : 318/6، وتاج العروس (عطش) : 267/17.

8) ينظر : تاج العروس (عطش) : 267/17.

9) نفسه.

10) ينظر : العين (عطش) : 243/1، وتهذيب اللغة (عطش) : 158/1.

الإمام مرة واحدة في كلامه (1)؛ للدلالة على داء العطاش الذي يصيب الإبل، فيبلغ شدته ؛ فما تروى حتى إذا وردت الماء. وجاء ذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي ينصح فيه الناس بالرجوع الى أهل البيت (عليهم السلام)، وإعطائهم حقهم الذي وضعهم فيه اللّه تبارك وتعالى يقول الإمام : ((... وَبَيْنَكُمْ عِتْرَةُ (2)نَبِيِّكُمْ؟ وَهُمْ أَزِمَّةُ الْحَقِّ، وَأَعْلامُ الدِّينِ، وَأَلْسِنَةُ الصَّدْق : فَأَنْزِلُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَنَازِلِ القُرْآنِ، وَرِدُوهُمْ وُرُودَ الْهِيمِ الْعِطَاشِ)) (3).يبين الإمام منزلة عترة النبي الأكرم، بوصفهم قادة الحق، وأعلام الدين، وألسنة الصدق، ولهذا أمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) الناس، وأرشدهم الى إنزالهم (بأحسن منازل القرآن). فوظف الإمام لفظة (أزِمَّة) ؛ للدلالة على كونهم القادة الذين يتبعهم الخلق الى طريق الحق مثلما تقاد الناقة بالزمام ؛ فهم الحبل الذي يتمسك به الخلق جميعاً في النجاة بإمساكه (4)، وذلك على سبيل التشبيه البليغ الذي تحصل من تعبير (أزمة الحق)، جاعلاً (الحق)بهيأة جمل ذي زمام، في تصوير فني أخرج باستعارة مكنية. كما استعمل لهم لفظ (الأعلام) و (أَلْسِنَة). فالاعلام باعتبار كونهم هداة الأمة، وأعلام الدين في الظهور والوضوح (5). وأما وصفهم بـ (الألسنة) ؛ فذلك لكونهم تراجمة الوحي الصادق مثلما يكون اللسان ترجماناً للنفس، فضلاً عن أنهم لا يقولون إلا صدقاً (6). وأشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله (أحسن منازل القرآن) الى منزلة الاكرام والتعظيم التي ينالها الذكر الحكيم في القلوب. فالمراد الوصية بإكرامهم ومحبتهم وتعظيمهم كما يكرم القرآن. ويبدو أن الإمام يومئ بقوله المتقدم الى إنزال أهل البيت (عليهم السلام) المنزلة التي أحلهم فيها القرآن، وهي أحسن المحال، وذلك قوله تعالى :(تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) (7)أما الأمر بـ (وزدهم) وتشبيه ذلك بورود الإبل الهيم العطاش، فهو دعوة الى التعلم منهم، والنهل من علومهم كما ترد الإبل العطشى الماء. وذلك أن هذا الضرب من الإبل تسعى الى الماء عجلى بسبب ما يعتريها من الهيام حتى يدك بعضها البعض الآخر.

ويذكر اللغويون أن حالة (العُطاش) بالكسر والضم هي أشد حالات عطش الإبل وأشدها (8). وغالباً ما تكون تكون هذه (العطاش) مما يرد الماء ويشربه ولكنه لا يروى منه. وجاء توظيف الإمام لهذه المفردة مناسباً للسياق الذي دعا فيه الناس الى الورد من أهل البيت وعلومهم كما ترد الإبل العطاش وتقبل على الماء. فشبههم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بينابيع الماء العذب التي تروي العطاش من الناس، في حين شبه الناس بعطاش الإبل التي لاترتوي من الماء مهما شربت، كناية عن عدم تحقق الاكتفاء بعلومهم مهما نُهل منهم.


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 306.

2) العترة الاسرة، والرهط الأدنون، وأخص الأقارب. وهذه المفردة مخصوصة بالنبي الاكرم (صلى اللّه عليه وآله)، فعترته هم ولد فاطمة البتول (عليها السلام). ينظر : لسان العرب (عتر) : 538/4.

3) نهج البلاغة : خ/ 87 : 143.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 416/2، والديباج الوضي : 653/2.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2/ 416.

6) نفسه.

7) الشورى / 23.

8) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 57/3، وتاج العروس (عطش) : 267/17، وتنظر مفردة (الهيم) في البحث.

اعْذِبُوا

العذَّب المُمْتَنِع، وعَذَبَه إعْذَاباً وعَذَّبَهُ تَعْذِيباً اذا منعه وفطمه عن الامر، وكل من منعته شيئاً، فقد اعْذَبَتهُ (1). والعَذُوْب من الدواب هو المتنع الذي بات لا يأكل ولا يشرب (2). وعَذَّب الرجل فهو عَاذِب عن الأكل والشرب، فلا هو صائم ولا مفطر (3). وقد وردت لفظة (أعْذِبُوا) بصيغة الأمر مرة واحدة في نهج البلاغة (4)؛ للدلالة على الكف وترك شغل القلب بذكر النساء، وذلك في سياق مخاطبته سريةً شيعها (عَلَيهِ السَّلَامُ) للغزو، فقال لهم : ((أَعْذِبُوا عَنِ النِّسَاءِ مَا اسْتَطَعْتُم)) (5). ومعنى (أَعْذِبُوا)، امنعوا أنفسكم عن ذكر النساء وشغل القلوب بهن، فأمرهم أن يصدفوا عن النساء، وأن يمتنعوا عن مقاربتهن ؛ لأن ذلك يفت في عضد الحمية ويقدح في معاقد العزيمة، ويكسر عن العدو (6). وقد نقل اللغويون هذا الحديث عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأشاروا الى الى دلالة هذه اللفظة على المنع والترك (7). وتعد لفظة (أَعْذِبُوا) من الالفاظ الغريبة في كلام أمير المؤمنين، فقد وضعها الشريف الرضي في باب غريب كلامه المحتاج الى تفسير (8). أرجع الدكتور عبد الكريم السعداوي غرابة هذه المفردة في كلام الإمام إلى الإبهام الحاصل في ذهن السامع بين (عَذَب) و (أَعْذِب)، من حيث الصيغة، وبين (السَّائِغِ) و الممتنع في (عَذَب) من حيث الحلاوة، و (عَذَب) الدالة على المنع في كلامه (9)والمقصود بهذا الكلام أن اختلاف الصيغة الصرفية لكل من (عَذَّب) و (أَعْذِب) يمنحها دلالة التضاد الذي أحسبه السبب الرئيس في غرابة هذه المفردة التي تدل على الترك والمنع، كما أن لفظة (عَذْب) تدل على الترك والمنع في مضمونها، على الرغم من دلالتها على الماء العذب الطيب اصلاً، ذكر الزبيدي العلة في تسمية الماء الحلو عذباً والعذاب عذاباً، فقال : ((وسُمّي الماء الحُلْوُ عَذْباً لِمَنْعِهِ العَطَشَ، والعَذَابُ عَذَاباً لِمَنْعِهِ المُعَاقَبَ من عَوْدِهِ لِمْثِلِ جُرْمِهِ، وَمَنْعِهِ غَيْرَهُ مِن مِثْلِ مَا فَعَلَ...)) (10). ويفهم من هذا الكلام أن دلالة (العَذْب) على المنع موجودة حتى في أثناء استعمال المفردة للدلالة على الطيب من المأكول والمشروب، فضلاً عن أنّ الصياغة التي استعملها فإن الصياغة التي استعملها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهذه المفردة منحها ضرباً من الغرابة ؛ فمجيء الكلمة بصيغة الأمر يلفت النظر ويهيئ السمع الى ترقب المنهي عنه لأجل تجنبه ومنع النفس عنه


1) ينظر : لسان العرب (عذب) : 583/1.

2) ينظر : العين (عذب) : 102/2.

3) نفسه.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 296.

5) نهج البلاغة : غ/7 : 653.

6) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 467/3، ونهج البلاغة : غ / 7 : 653، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 514/5.

7) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 467/3، وتهذيب اللغة (عذب) : 193/2، والنهاية في غريب الحديث : 195/3، ولسان العرب (عذب) : 584/1.

8) ينظر : نهج البلاغة : 549.

9) ينظر : غريب نهج البلاغة : 215، 216.

10) تاج العروس (عذب) : 330/3.

المَعَاطِش

المَعَاطِش هي مواقيت الإضماء (1). وتطلق هذه الكلمة على الأرض التي لا ماء بها (2).

وقد وردت المفردة المتقدمة في نهج البلاغة مرة واحدة (3)، للدلالة على الأرض التي لا ماء فيها. وأورد الإمام هذه الدلالة في سياق التمثيل الذي ضَرَبه لبعض أهل البصرة الذي أرسله قومه الى أمير المؤمنين لما قَرُب منها ؛ ليعلم حالهم مع (أصحاب الجَمَل). فَبيّن له الإمام أمرهم مع هؤلاء، ثم قال له : بايع. فقال الرَّجُل : إني رَسَوْل قَومٍ ولا أحدِثُ حَدثاً حتى أرجع إليهم (4). فقال له (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الَّذِينَ وَرَاءَكَ بَعَثُوكَ رَائِداً تَبْتَغِي لَهُمْ مَسَاقِطَ الْغَيْثِ، فَرَجَعْتَ إِلَيْهِمْ وَأَخْبَرْتَهُمْ عَنِ الْكَلأَ وَالْمَاءِ، فَخَالَفُوا إلى الْمَعَاطِشِ وَالْمَجَادِبِ (5)، مَا كُنْتَ صَانِعاً؟ قال : كُنْتُ تَارِكَهُمْ وَمُخَالِفَهُمْ إِلَى الْكَلأَ وَالْمَاءِ. فَقَالَ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ): فَامْدُدْ إِذا يَدَكَ)) (6)فقال الرَّجُل : ((فو اللّه ما استَطَعْتُ أَنْ امْتنَع عند قيام الحجة عليَّ، فبايعْتُهُ) (عَلَيهِ السَّلَامُ)))) (7). وقد أجمع الشراح على لطف هذا هذا التمثيل الذي تمثل به أمير المؤمنين، فإنّه أوقَعُ في النَّفس وأوضح في الحُجّة (8). فقد جعل المخاطب رائداً رائداً لأهله، والرَّائد هو الذي يبعثه قومه ليرودَ لهم مواضع الكلأ والمنازل ومساقط الغيث فينظر، ليختار لهم أفضلها (9). فلا يكون إلا صادقاً في إرشادهم، ووجب عند ذلك أن يصدّقوه. ولهذا مثل الإمام حال الرّجل بذلك ؛ لأنّ قومه أرسلوه ليستطلع لهم خبر طرفي القتال في معركة (الجمل)، لما وقع في حالهم من الاشتباه والشك. وقد أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) استمالة الرّجل واقناعه بالحجة الغالبة، فصور له المسألة بهذه الصورة المشتملة على صدق (الرَّائد) مع ملاحظة أنّ هذا الشخص هو (رائد) أيضاً في موقفه مع الإمام ؛ لأنه مبعوث قومه، ولكن الى تتبع مواطن الخير والحق، ومعرفة مساقط الفضائل والهداية، فإنْ ظهرت له، عَلَم – عند ذاك – مواضع العطش والجذب. وقد أبان له الإمام بكلامه الفارق بين الأمرين اللذين مثل لهما بـ (مَساقِطِ الغَيْث)، في إشارة الى نفسه ومعسكره، وبـ (المعاطش والمَجَادَب)، إشارة الى أصحاب الجَمَل. فكأنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) تلمس الخَير كَلّه بالغيث الذي يُغيث الناس، ويملأ الأرض بالعشب والكلأ والنّعم، و تحيا به النّاس والنَّعم، بخلاف المعاطش من الأراضي الخالية التي لا ماءً فيها فيكون صاحبها عطشان أبداً (10)، فإنها تمنع من الرّحمة والخير عن الناس،


1) ينظر : العين (عطش) : 243/1/1، وتهذيب اللغة (عطش) : 1/ 58.

2) أنفسهما.

3) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 306.

4) ينظر : نهج البلاغة : خ / 170 : 307، 308.

5) الجَذب نقيض الخصب. ينظر : لسان العرب (جدب) : 254/1.

6) نهج البلاغة : خ / 170 : 308.

7) نفسه.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 229/9، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 677/3.

9) ينظر : العين (رأد) : 62/8.

10) ينظر : مع نهج البلاغة : 263.

فتضطرهم الى مجانبتها، ولاسيما إذا اقترنت بالجدب والقحط ومواضع المَحْل والعَيْب والتنقُصَّ الى لا تكاد تخصب، فيلزمها القحط (1).

و خيّر الإمام الرجل بين هذين الأمرين، فإذا صدق أهله بذكر لهم مواضع الماء والكلأ، فخالفوه الى غيرها، فإنهم هلكوا بذلك، لما تقدم من انعدام الماء والخصب في غير ذلك المواضع، ولهذا سأله الإمام عن موقفه في ذلك، فذكر أنه تاركهم ومخالفهم الى الكلأ والماء. وبهذا ألزمه الإمام الحجّة.

6 - سير الإبل وحداؤها ودعقها وتمعكها

الوَجِيْف
إشارة:

الوَجْف سرعة السير(2). وهو ضرب من سير الخيل والإبل (3)، فهو يصلح للبعير والفرس (4). وناقة ميجاف، أي كثيرة الوَجِيف (5). وتردد استعمال الجذر اللغوي (وجف) في نهج البلاغة، فقد جاءت الفاظ (أوجَف) و (أوجَفُوا) و (تُوْجِفُ) و (الوَجِيْف) مرة واحدة لكل مفردة من المفردات المتقدمة في نهج البلاغة(6)وقد دلت هذه المفردات جميعاً على (الإسراع) ولكن هذهِ الدلالة تختلف باختلاف السياقات التي صنعها (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومن ذلك :

أولاً : إسراع الذِّكر باللسان

وجاءت هذه الدلالة في سياق كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن التقوى التي تمكن العبد من اجتياز الصراط يوم القيامة ؛ إذ يقول : ((فَاتَّقُوا اللّه عِبَادَ اللّه تَقِيَّةَ (7)ذِي لُبِّ شَغَلَ التَّفَكُرُ قَلْبَهُ، وَأَنْصَبَ (8)الْخَوْفُ بَدَنَهُ... وَأَوجَفَ الذِّكْرُ بِلِسَانِهِ (9)...))(10). أراد بهذه الوصية : أن تكون التقوى محفوفة بحذر صاحب العقل، الذي شغل التفكر باللّه باللّه وبطاعته قلبه وولاه، حتى أنصيه الخوف من الباري جل جلاله. فكأنما أمرضه وأجهده خوف اللّه جل جلاله، حتى أوقف نفسه لطاعة اللّه واكتساب رضاه مسرعاً بالذكر لسانه، لشدة ما به من خوف وتقىً، فعبر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن اعتياد هذا النوع من الأتقياء وإدمانهم للذكر (11)بلفظة (أوجَفَ) آخذاً من هذه المفردة من دلالتها على السير السريع للإبل والخيل، وإعمالها في مجال سرعة اللّهج بذكر اللّه بواسطة اللسان. فكأن اللسان مطية أوجفت براكبها نحو أمان اللّه (12). وهذا وجه من وجوه المعنى. اما الوجه الثاني وهو الأكثر مناسبة للسياق، فهو


1) ينظر : لسان العرب (جدب) : 256/1، والقاموس المحيط (جدب) : 1/ 84.

2) ينظر : العين (وجف) : 190/6.

3) ينظر : المحكم (وجف) : 565/7، ولسان العرب (وجف) : 352/9، وتاج العروس (وجف) : 446/24.

4) ينظر : تهذيب اللغة (وجف) : 145/11، والمحكم (وجف) : 565/7.

5) ينظر : المحكم (وجف) : 565/7.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 476.

7) التَّقِيَّة الحَذَر، والاسم منها التقوى. ينظر : المحكم (وقي) : 9/6.

8) النَّصَبُ المَرَضُ والدّاء والبلاء والكَدّ والجهد والنَّصْبُ المثول. ينظر : المحكم (نصب) : 344/8.

9) أوردت المدونات اللغوية كلمة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المتقدمة. ينظر : النهاية في غريب الحديث : 156/5، ولسان العرب (وجف) : 352/9.

10) نهج البلاغة : خ/83 : 130.

11) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 389/2.

12) وقد أشار الى هذا المعنى ابن متطور في تعليقه على قول أمير المؤمنين : ((... وأوجف بالذكر لسانه)). ينظر : لسان العرب (وجف) : 352/9.

(الإيجاف والإسراع). وهذا أحد المعاني الأساسية في مادة (وجف) التي تدل على الاضطراب أيضاً. يقال : قَلْبٌ وَاجِف. أي مضطرب (1)وهذه الدلالة مناسبة لحال من يصفه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإنه فضلاً عن إسراعه في تحريك لسانه بالذكر، فإنه يدل على اضطراب ذلك الانسان خشية من اللّه تبارك وتعالى

ثانياً : الدلالة على إسراع (مَطَايا الطَّمَع)

وهو من التعابير البليغة عنده (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد جعل (للطَّمَع) (مَطَايا) يركبها الإنسان، فتوجف به موردة إياه مناهل الهلكة. يقول الإمام في السياق وصيته لولده (الحسن) (عَلَيهِ السَّلَامُ) ناهياً عن الطمع : ((وَإِيَّاكَ أَنْ تُوجِفَ بِكَ مَطَايَا (2)الطَّمَعِ، فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ (3)الْهَلَكَةِ...)) (4). وقد جعل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (تؤجف) دليلاً على سرعة سرعة سير هذه المطايا، فكأنما يؤكد أن الطمع يمثل مطية للانسان الذي تغلبه نفسه، فتجعل منه طمعاً يحأول الحصول على أي شيء لم يقسم له. وذهب الشارح البحراني الى أن الإمام استعار لفظة (مَطَايا)، للقوى الأمارة بالسوء في نفس الانسان، ومنها القوى (الوهمية، والخيالية، والشهوية.). ووجه المشابهة بينما هو كونها حاملة (للنفس العاملة) وموصلة لها الى ما يطمع به الانسان، فهي كالمطايا لراكبها. ثم استعار لها لفظة (تُؤجِف) ؛ للدلالة على سرعة انقياده مع هذه المطايا الى المطامع الرديئة التي تورد مناهل الهلكة (5). ويفهم من هذا الكلام أن النفس الأمارة بالسوء، هي التي يركبها الانسان، فتسرع به نحو الهلاك. في حين أنّ النفس التي يَعبّر عنها بـ (العَاقِلة)، وهي - هنا - ضمير الإنسان وعقله، لا يمكن أن تمتطي شهواتها وهي موجفة بها نحو الهلاك، ولكن غلبة الهوى والشيطان على النفس، هو الذي يدفعها الى أن (تُوْجِفَ) بها مطايا الطمع. ومن المسألة نفسها، استعمال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمفردة (الوِجَيْف) بصيغة (فَعِيْل) وصفاً لسير كل من (طلحة و الزبير) في كتابه الذي بعثه الى (أهل الكوفة) عند مسيره من المدينة الى البصرة (6): ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُخْبِرُكُمْ عَنْ أَمْرِ عُثْمَانَ حَتَّى يَكُونَ سَمْعُهُ كَعِيَانِهِ (7): إِنَّ النَّاسَ طَعَنُوا عَلَيْهِ، فَكُنْتُ رَجُلاً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أُكْثِرُ اسْتِعْتَابَه (8)، وَأُقِلُّ وَأُقِلُّ عِتَابَهُ، وَكَانَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ أَهْوَنُ سَيْرِهِمَا فِيهِ الْوَجِيفُ، وَأَرْفَقُ حِدَائِهِمَا (9)الْعَنِيفُ...)) (10). والنص يوضح فيه الإمام موقفه من الخليفة (عثمان)، مشيراً الى انه كان يكثر من (استعتابه) على ما صدر منه من أمور رفضها المسلمون والصحابة. والاستعتاب في اللغة هو طلبك الى المسيء الرجوع عن إساءته كما يذكر اللغويون (11). وهذا يدل على محاولة الإمام إرجاع الخليفة الى الصواب، وطلب الرضا له(12). ولهذا استعمل


1) ينظر : تاج العروس (وجف) : 446/24.

2) المَطِيّة من الدواب هي التي تَمْطُو في سَيْرها. ينظر : المحكم (مطو) : 48/9.

3) المتاهل جمع مَنْهَل، وهو عين الماء الذي ترده الإبل. ينظر : لسان العرب (نهل) : 681/11.

4) نهج البلاغة : ك / 31 : 508.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 280/5.

6) ينظر : الديباج الوضي : 2101/5.

7) اعَايَنَهُ مُعَاينة، أي : رَآهُ دون أن يشك في رؤيته. ينظر : لسان العرب (عين) : 302/13.

8) الاستعتاب هو طَلَبُك الى المسيء الرجوع عن إساءته، والعتاب هو اللوم على الإساءة. ينظر : لسان العرب (عتب) : 577/1.

9) الحَداءُ هو زَجْرُ الإبل وسَوْقها. ينظر : لسان العرب (حدا) : 68/14.

10) نهج البلاغة : ك/ 1 : 459.

11) ينظر : لسان العرب (عتب) : 77/1.

12) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 8/14، والديباج الوضي : 120/5.

تعبيراً قابل فيه بين (أُكْثِر) و (أُقل)، مستعملاً المفردة الأخيرة ؛ للدلالة على قلة لومه للخليفة (عثمان) وقلة تعنيفه على الاساءة (1). لأن غرضه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إصلاح وضع الخلافة، وإخراج الخليفة (عثمان بن عفان) من المأزق الذي وقع فيه، في حين أن الطرف الآخر الذي يتمثل بـ (طَلَحَةَ و الزُّبَيْر) والسيدة (عائشة) كان يؤلب على الخليفة (عثمان)، ويسعى الى النيل منه، وقد عبر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن موقف طَلْحَة والزِّبَيْرِ) بقوله : ((أَهْوَنُ سَيْرِهما فيه الوَجِيْف)) (2). موظفاً لفظة (الوِجَيْف) في هذا السياق؛ للدلالة على سعيهما للاطاحة بالخليفة و الطعن عليه، حتى أن سعيهما هذا هو من البطء بمكان (3). و (الوجَيْف) هو ضرب من السير السريع للإبل(4). وهو مما يصلح أن توصف به الخيل والإبل (5). وقد استعار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه المفردة من مجالها الدلالي، وهو اختصاصها بسير الدواب السريعة، الى وصف إجلاب (طَلْحَة و الزَّبَيْر) وسعيهما في النيل منه سعياً سريعاً كـ(وَجِيْفِ) الإبل حينما تسرع في سيرها. ومع تسرعهما في هذا لامر، فهما أبطأ بما يخفّان إليه من أمر (6). وفي ذلك إشارة الى كونهما على الباطل ولم يكتف الإمام بهذا التعبير، وإنما استعمل مفردة (حَدَائِهما) في قوله : ((وَأَرْفَقُ حَدَائِهما العَنِيْفُ)) (7)في استعارة لهذه المفردة التي تدل على سوق الإبل وزجرها (8). في محاولة لتوجيهها الى ما يريده حاديها الذي يحاول حثها على السرعة في السير. جعل الإمام ذلك كناية عن مبالغتهما في القضاء على الخليفة (عثمان) (9).

تَخْبِط

الخَبْطُ شدة الوطءِ بأيدي الدواب (10). وقيل : هو ضرب البعير الشيء بخف يده (11). أو بيديه ورجليه معاً (12).

وقد وردت لفظة (تَخْبِط) بصيغة الفعل المضارع مرتين في نهج البلاغة، في حين استعملت اللفظة نفسها متصلة بضمير الخطاب الخاص بالجمع (تَخْبِطكُم) مرة واحدة فحسب (13)للدلالة على الخبط والاضطراب الذي يصاب به الناس أيام الفتن والمحن. ومن ذلك قول أمير المؤمنين في وصف فتنة بني أمية


1) ينظر : لسان العرب (عتب) : 77/1.

2) نهج البلاغة : ك / 1 : 459، وقد نقلت المدونات اللغوية كلمة الإمام المتقدمة. ينظر : النهاية في غريب الحديث : 156/5، ولسان العرب (وجف) : 352/9.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 8/14.

4) ينظر: لسان العرب (وجف) : 352/9.

5) ينظر : المحكم (وجف) : 565/7.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 168/14.

7) نهج البلاغة : ك / 1 : 459.

8) ينظر : لسان العرب (حدا) : 168/14.

9) ينظر : الديباج الوضي : 2103/5.

10) ينظر : العين (خبط) : 223/4، ومقاييس اللغة (خبط) : 214/2، ولسان العرب (خبط) : 281/7.

11) ينظر : تهذيب اللغة (خبط) : 113/7، ولسان العرب (خبط) : 280/7.

12) ينظر : لسان العرب (خبط) : 281/7.

13) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 133.

التي يحمل رايتها أهل الضلال منهم. يقول الإمام : ((رَايَةُ ضَلالة قَدْ قَامَتْ عَلَى قُطْبِهَا (1)... تَكِيلُكُمْ (2)بصَاعِهَا (3)، وَتَخْبِطُكُمْ بِبَاعِهَا (4). قَائِدُهَا خَارِجٌ مِنْ الْمِلَّةِ (5)...)) (6). يصف الإمام قيام الفتنة التي يقودها أهل أهل الضلال من بني أمية الذين يحملون رايتها. وعبر الإمام عن ذلك بقيامها على قطبها، إشارة انتظام أمرها واستحكام قوتها. ثم يبين خطرها على الناس، الذين يحذرهم من طغيانها. مشيراً الى كونها تكيل الناس كما يُكال البر وغيره عندما يراد وزنه وتقديره بالصاع. ويومئ بذلك الى إحراز الأمويين الناس ومحاولة القضاء عليهم جميعاً. ثم استعار لهذه الفتنة لفظة (تَخْبكُم) مصوراً إياها بصورة البعير الذي يضرب بخفيه الأرض بشدة. و(الخَبط) نوع من الضرب الذي تمتاز به الإبل على ما سواها من الدواب عندما تطأ الأرض بأخفافها. ويحتمل أن يراد باللفظة المتقدمة الدلالة على الضرب بعامة، وذلك كخبط القوم إذا ضربهم بالعصا (7). ومنه أيضاً خبط الشجر بالعصا، إذا أريد نفض ورقها لتعلفها الإبل والدواب (8). وبهذا تكون مفردة (تخبطكُم) ذات. دلالة عامة غير مخصوصة بخبط الإبل. ولعل خبط الإبل أليق بالسياق ؛ لارتباط (خبط الإبل) بالخوض والهدم وعدم التمييز بين شيءٍ وآخر، ولاسيما إذا كانت الإبل عشواء غير مبصرة. فضلاً عن كون خبطها مصحوب بالأذى والوطئ الشديد (9). وقد أسهم استعمال الإمام لصيغة الفعل المضارع لهذه المفردة في تعضيد الدلالة ومنحها ضرباً من الإيحاء بما سيقع مستقبلاً ؛ مناسبة لمقام التكلم الذي كان الإمام يتحدث فيه. أما استعماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (باعها)، ففيه دلالة على كثرة واتساع الأذى (الخبط) ؛ كأن خابط الفتنة سيكون واسع من هذهِ الجهة لا اليد بأذاه وقهره وغلبته على الناس. وهذا التعبير أبلغ من استعمال مفردة (اليد) في الضرب ؛ لأن (الباع) أدل في الافادة على قوة الضرب(10). هذا من جهة. ومن جهة أخرى فاستعمال المفردة المتقدمة يمنحها مزية الإيحاء بالكرام والبسطة في العطاء. وقد أشار الخليل أن (الباع) لا يستعمل إلا في الكرم ؛ فلا يقال إلا كريم الباع (11). وبهذا يكون في استعمال الإمام تعبير (تخبطكم بباعها) علامة على سعة يد قادة الفتنة في إيذاء الناس، والتضييق عليهم باسطين لذلك أيديهم خبطاً وضرباً وأذى لهم. أما إذا أريد بالقول المتقدم الدلالة على ضرب الشجر باليد لإسقاط ورقه وثماره واستعماله علفاً للدواب، فذلك ليس ببعيد عما قدمته من كون أصحاب هذهِ الفتنة وقادتها يسعون الى استئصال المؤمنين من الناس وقطع دابرهم، ليكونوا بمنزلة الثمار


1) القُطب الحديدة التي تكون وسط حجر الرحى السفلى. ينظر : لسان العرب (قطب) : 682/1.

2) الكيل ضرب من الوزن الذي تكال به الأشياء لمعرفة مقدارها. ينظر : لسان العرب (كيل) : 605/11.

3) الصاع نوع من المقادير التي توزن بها الأشياء. وهو أربعة أمداد. وقيل : أربعة أمناء. ينظر : تهذيب اللغة (صوغ) : 53/3.

4) الباع مسافة مابين الكفين إذا بسطا. ينظر : المحكم (بوغ) : 368/2.

5) الملة الشريعة. ينظر : المحكم (ملل) : 379/10.

6) نهج البلاغة: خ/ 108 : 197.

7) ينظر : لسان العرب (خبط) : 281/7.

8) نفسه.

9) ينظر : لسان العرب (خبط) : 281/7.

10) ينظر : منهاج البراعة : 244/7.

11) ينظر : العين (بوع) : 264/2.

التي يجتنيها الرعاة لدوابهم وبهذا ينطبق المصداق في أن بني أمية أشبه ما يكون بالإبل التي تخبط الأرض بقدميها خبطاً وضرباً وعجناً ؛ ليحصلوا على ما يقتاتون عليه من الثمار. والمراد بالثمار - هنا - علية المؤمنين وقادتهم وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المفردة المتقدمة نفسها مجردة من (كاف) الخطاب (تَخْبِط) بالدلالة المتقدمة نفسها في (خ / 93، ك / 31).

استَوسقت

وسق الإبل، فاستوسقت. أي طردها فاطاعت (1). واستوسقتِ الإبل، اجتمعت وانضمت (2). والوَسِيقَة والوَسِيقَة من الإبل كالرفقة من الناس (3). وتساوقت الإبل، تتابعت (4)، و(اسْتَوْسَقَت)، و (تَسْتَوسِقوا) من. مفردات نهج البلاغة ؛ إذ وردتا مرة واحدة (5). للدلالة على الطاعة والاجتماع وعدم التفرق عن الأمر. ومن. ذلك ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) مخاطباً الناس في سياق الذم والتقريع : ((أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ الْمَوَاعِظَ الَّتِي وَعَظَ بِهَا الأَنْبِيَاءُ أُمَمَهُمْ، وَأَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ مَا أَدَّتِ الأوصِيَاءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، وَأَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِي فَلَمْ تَسْتَقِيمُوا، وَحَدَوْتُكُمْ بالزَّوَاجِر فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا. لله أنْتُمْ أَتَتَوَكَّعُونَ إِمَاماً غَيْرِي يَطَأُ بِكُمُ الطَّرِيقَ، وَيُرْشِدُكُمُ السَّبِيلَ؟...)) (6). يتضمن كلام الإمام الإشارة الى أمرين ؛ الأول منهما مقدمة للثاني. ويذكر (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما أداه من حق للناس ؛ من قبيل بثّ المواعظ والارشادات التي تتضمن الأمر بالمعروف و النهي عن ارتكاب المعاصي، وضرورة انتهاج الطريق المستقيم، حتى أدى اليهم ما أدته الأوصياء الى من بعدهم. فعلى هؤلاء الناس السمع والاهتداء بما يسمعونه من مواعظ وإرشادات. وإلا فالتأديب شأنهم. فاستعمل الإمام لفظة (أَدَّبْتُكم) ؛ لأن الغاية من العقاب ليس الانتقام، وإنما التأديب والهداية الى الطريق المستقيم، فضلاً عن أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعمل مفردة (سَوْطي) في إشارة الى عقابه لهم، واقامته حدود اللّه تبارك وتعالى. وربما احتمل المعنى أن تكون المفردة دالة على ما قدمه لهم من آداب ومواعظ وزجرٍ (7). غير أنّ ذلك لم يدفعهم الى الاستقامة والعدول الى الحق. ثم أشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى قياده للناس، وسوقه لهم كما تساق الدواب بالزجر، ولكن ذلك لم يجمعهم أو يؤلف قلوبهم. موظفاً لذلك مفردات (حَدَوْتُكم) و (الزَّوَاجِر) للدلالة على قيادته لهم جاعلاً منهم كالإبل التي يحدوها حاديها في رعيها و انتقالها من مكان الى آخر، وأشار بلفظ (الزَّواجر) الى نهيه لهم، وزجره عما لا يجوز لهم فعله. ولكن هؤلاء القوم لم يجتمع لهم أمر أو شأن فعبر عن هذا المعنى بلفظة (لم تَسْتَوْ سِقُوا) ؛ للدلالة على عدم تألفهم واجتماعهم على أمرهم الذي يدعوهم الإمام اليه في سرائهم وضرائهم، وفي الاتفاق على رأي واحد ؛ كأنهم في


1) ينظر : لسان العرب وسق) : 380/10.

2) ينظر : العين (وسق) : 191/5، ولسان العرب (وسق) : 380/10.

3) نفسه.

4) ينظر : تهذيب اللغة (وسق) : 185/9.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 483.

6) نهج البلاغة : خ/ 182 : 332.

7) ينظر : الديباج الوضي : 1545/4.

ذلك كالإبل التي يحدوها زاجرها ولكنها تظل متفرقة تذهب يميناً وشمالاً (1). وقد وردت لفظة (استوسقت) بالدلالة المتقدمة نفسها في (خ/104).

حَدَائِهما

الحَدْو هو سَوْقُ الإبل (2)، وحدا الإبل يحدوها أي زجرها وساقها من خلفها (3)، وأصل الحدو لاتباع،. واحتداه، إذا تبعه (4). ومنه قيل الأيدي (الحَوَادِي) ؛ لأنها تتلو الأرجل وتتبعها (5). وجاءت لفظة (حَدَائِهما) مرة مرة واحدة في نهج البلاغة (6)، للدلالة على سوق الإبل وزجرها ؛ فقد وظف الإمام هذه المفردة في سياق كلامه عن موقف (طَلْحَة و الزُّبَيْر) من الخليفة (عثمان بن عفان). يقول فيه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُخْبِرُكُمْ عَنْ أَمْرِ عُثْمَانَ حَتَّى يَكُونَ سَمْعُهُ كَعِيَانِهِ: إِنَّ النَّاسَ طَعَنُوا عَلَيْهِ، فَكُنْتُ رَجُلاً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أُكْثِرُ اسْتِعْتَابَه، وَأُقِلُّ عِتَابَهُ، وَكَانَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ أَهْوَنُ سَيْرِهِمَا فِيهِ الْوَجيفُ، وَأَرْفَقُ حِدَائِهِمَا الْعَنيفُ...))(7). وأراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأن أهوان ما كان يقوم به (طلحة والزبير) من سقي للنيل من (عثمان بن عفان) هو سرعة سيرهما في الاطاحة به، وأن أرفق ما كانا يقومان به هو تأليب الناس عليه وتحريضهم عليه، زجراً وسوقاً كما تزجر الإبل وتساق ممن يحدوها.

أقول : وليس المراد بقول أمير المؤمنين ((أَرْفَقُ حدائهما العَنِيْفُ)) أن المراد رفقهما المختص بحث أنفسهم عليه فقط، وإنما يتعدى ذلك الى تأليب الناس عليه ؛ لأن (الحَدَاء) يعني سوق الحادي للإبل زجراً حتى تتبع بعضها بعضاً (8). ولا يكون ذلك إلا من خلف الإبل (9). فكأن ما يقوم به (طلحة والزبير) مشابه لما. لما يقوم به الحادي عند سوقه الإبل، ولهذا استعار الإمام مفردة (حدائهما) ؛ للدلالة على هذا الحث والاكراه على التقدم، أما ما يذكر على الحداء هو غناء الراعي للابل (10). فلا بد صرفه الى ما كان يقوم به (طلحة والزبير) من إغراء للناس بخلع الخليفة (عثمان) والإطاحة به كأن هذا الإغراء بمنزلة (الحداء) الذي يترنم به الحادي حينما يسوق إبله. فإنّ الإبل إذا سمعت (الحداء)، أسرعت وجدت في المشي، واشتدت حتى أزعجت راكبها وأتعبته (11). وليس ببعيد أن يكون موقف (طلحة والزبير) من هذا القبيل فاتخذ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا النوع من التعبير، سبيلاً لبيان شدتها على الناس، وتشددهما في إسقاط الخليفة (عثمان) أقول : وكأن وصف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهما بعنف (سوقهما وزجرهما) يوحي بتزعمهما لهذا الأمر، وكونهما رأسه ؛ فأن الذي يقوم (بحَدْوِ) الإبل


1) نفسه : 1546/4.

2) ينظر : لسان العرب (حدا) : 168/14، والقاموس المحيط (حدا) : 1643/1.

3) ينظر : المحكم (حدو) : 487/3.

4) ينظر : المحكم (حدو) : 487/3، وتاج العروس (حدو) : 408/37.

5) أنفسهما.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 104.

7) ينظر : لسان العرب (حدا) : 14 / 168.

8) ينظر : لسان العرب (حدا) : 14 / 168.

9) ينظر : لسان العرب (حدا) : 14 / 168، وتاج العروس (حدا) : 408/37.

10) نفسه.

11) ينظر : لسان العرب (قرر) : 87/5.

وسوقها، يكون هو الراعي والموجه لها. وكلما زاد تشدده عليها زاد انصياعها لأمره. وكذلك حال هذين الرجلين اللذين كان أرفق حدائهما العنف وعدم اللين في التحريض على الخليفة عثمان بن عفان، وتأليب الناس عليه(1).

تَدْعَقِ

الدَّعَق شدة وطء الدواب الأرض حتى تصير فيها أثار من دعقها (2). ودعقت الإبل الحوض، إذا وردته وردته وازْدَحَمَتْ عليهِ، فَخَبَطَتْه حتى تَثْلِمُهُ(3). وطريق مَدْعُوق، أي مَوْطُوءٍ (4). ولفظة (تَدْعَق) من الفاظ نهج نهج البلاغة التي وردت فيه مرة واحدة (5)؛ للدلالة على وطء الخيل الأرض في الحرب، يقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق الحث على قتال العدو، وإنزال الهزيمة به : ((... إِنَّهُمْ لَنْ يَزُولُوا عَنْ مَوَاقِفِهِمْ دُونَ طَعْن دِرَاكَ يَخْرُجُ مِنْهُ النَّسِيمُ، وَضَرْب يَفْلِقُ الْهَامَ... وَحَتَّى تَدْعَقَ الْخُيُولُ فِي نَوَاحِر (6)أَرْضِهِمْ...)) (7)ومفردة (تَدْعَق) تحتمل تحتمل دلالات متعددة، فقد ذكر الشريف الرضي أنها تدل على (الدَّقِّ). والمعنى : حتى تَدَق الخيول بحوافرها أرضهم (8)، والمراد بنواحر أرضهم. متقابلاتها يقال : منازل بني فلان تتناحر، أي : تتقابل (9). وقد أخذ اللغويون هذه الدلالة عن الشريف الرضي - فيما يبدو - عند بيانهم معنى مفردة (نَواحِر) في كلام أمير المؤمنين سالف الذكر. فذكروا القول نفسه الذي نص عليه السيد الشريف (10). أما مفردة (تَدْعَق)، فأصلها في اللغة الدفع الكثير كما يفهم من كلام الخليل (11). ويبدو أنهم اخذوا دلالة (الدَّق) في هذه المفردة من معنى الدفع ؛ لأن الدق في أصله ناشئ من الدفع. وقد خطأ ابن سيده اللغويين الذين ذهبوا الى أن (دَعَقَ) أصله من (دَقَّ) المضعف كأن (العين) فيه زائدة في أصل المفردة، أو انها بدل من (القاف) الأولى في (دَقَق)(12). ووصف ذلك الرأي بأنه من ضَعَفَةِ أهل اللغة (13). والدَّعْقُ إذا كان منسوباً الى حوافر الخيل، فهو الوطء المصحوب بمواضع الأرجل التي تدل على انغراس أقدام الخيل في الأرض مخلفة تلك الآثار التي تكون أشبه بالحفر الصغيرة ويقال للطريق التي وطأته الدواب بأرجلها طريق مدعوق (14). أما إذا وطأت الإبل الأرض بأخفافها


1) نفسه : (عنق) : 257/9.

2) ينظر: العين (دعق) : 145/1، والمحكم (دعق) : 174/1، ولسان العرب (دعق) : 97/10.

3) ينظر : تهذيب اللغة (دعق) : 140/1.

4) نفسه.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 152.

6) النواحر من الأرض مقابلاتها. ينظر : لسان العرب (نحر) : 197/5.

7) نهج البلاغة : خ / 124 : 229، وقد نقلت المدونات اللغوية قول الإمام : (حَتَّى تَدُعَقَ الخيول في نواحر أرْضهم). ينظر : النهاية في غريب الحديث : 26/5، ولسان العرب (نحر) : 197/5.، و (دعق): 97/10. برواية أخرى هي ((حتى تدعق الخيل في الدماء)).

8) ينظر : نهج البلاغة: خ / 124 : 229.

9) نفسه.

10) ينظر: النهاية في غريب الحديث : 26/5، ولسان العرب (نحر) : 97/5.

11) ينظر : العين (دعق) : 145/1.

12) ينظر : المحكم (دعق) : 174/1.

13) نفسه.

14) ينظر : لسان العرب (دعق) : 97/10، وتاج العروس (دعق) : 290/25.

فيسمى وطؤها خبطاً (1)ويمكن أن نفهم من دلالات مفردة (تَدْعَق) التي ذكرها اللغويون معانٍ أخرى غير الدلالة الدلالة على ذكر، الشريف الرضي فتتسع دلالة المفردة لتكون دالة على الوطئ والتأثير في أرض الاعداء، كناية عن التأثير وإشاعة القتل بهم، والسيطرة على مواضعهم التي كانوا يحوزونها. كأن دَعْقَ الخيول لأراضيهم يمثل علامة على النصر والفلج وإذلال الاعداء بعد أن وصلت الخيل الى أقاصي أراضيهم.

وقد أشار اللغويون من الذين ذكروا قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى هذا المعنى، على الرغم من أنهم أوردوا رواية مختلفة عما موجود في نهج البلاغة، فقد نقل ابن الأثير الجزري وابن منظور قول الإمام بالنص الآتي : ((وفي حديث علي، وذكر الفِتْنَة، فقال حَتَّى تَدْعَقِ الخَيْل في الدّماء)) (2). وفسرا مفردة (تَدْعَق) بأنها تعني (طَأ)، من قولهم : دعقت الدواب الطريق، إذا أثرت فيه (3). ومما يعضد هذا المعنى دلالة مفردة (نواحر) التي يمكن أن تدل على أقاصي الأرض وأطرافها، فضلاً عن الدلالة التي ذكرها السيد الشريف. وذلك من قولهم لآخر ليلة من الشهر إنها (نحيرة) بمعنى (نَاحِرَة). كأنها تصير في نحر الشهر، فتنحر الهلال ؛ ليستقبل بها أول الشهر (4). وتحتمل مفردة (تَدْعق) دلالة أخرى، وهي الدلالة على الهياج والنفير، من قولهم : دعق القوم، إذا هاج منهم ونفرهم (5). أي شد عليهم وحمل. وأزيد على هذا الوجه أن (الدَّعق) يمكن يكون إشارة – أيضاً - الى تقدم الخيل في الغارة على الأعداء، كأنها طلائع الجيش التي تدخل أراضي العدو وذلك من قولهم : خَيْل مَدَاعِيق، وهي المتقدمة في الغارة (6).

قَمَصَت

القَمْص قَمْصُ البَعِيْرِ، وذلك إذا رفع يديه ثُمَّ طَرَحهما معاً، كأنه يَعْجِن برجليه (7). واستعملت لفظة (قَمَصَت) مرة واحدة في نهج البلاغة (8)؛ للدلالة على عدم استقرار الدنيا ودوامها على حال. وجاء هذا المعنى في قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يتحدث فيه عن ذم الدنيا، والتَّنْفِير منها. إذ يقول: ((فَإِنَّ الدُّنْيَا رَنِقٌ مَشْرَبُهَا، رَدِغْ مَشْرَعُهَا، يُونِقُ مَنْظُرُهَا... حَتَّى إِذَا أَنِسَ نَافِرُهَا (9)، وَاطْمَأَنَّ نَاكِرُهَا، قَمَصَتْ بِأَرْجُلِهَا وَقَنَصَتْ (10)بِأَحْبُلِهَا)) (11). يشبه الإمام الدنيا في كلامه هذا بالدَّابة غير الذُّلول، وهي الدابة الصَّعْبَة التي لا يَأْمَن راكبها على نفسه منها، لعدم استقرارها، فما إن يقترب منها حتى تنفر منه، وتعلوه بأيديها ثم ضاربة بهما


1) المحكم (دعق) : 174/1، وينظر : لسان العرب (دعق) : 97/10.

2) النهاية في غريب الحديث : 119/2، ولسان العرب (دعق) : 97/10.

3) نفسه.

4) ينظر : تهذيب اللغة (نحر) : 10/5، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 9/8، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 558/3.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 9/8.

6) ينظر : المحكم (دعق) : 174/1.

7) ينظر : جمهرة اللغة (قمص) : 2 / 894، مقاييس اللغة (قمص) : 5 / 27.

8) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 381.

9) النفر التفرق والابتعاد. ينظر : العين (نفر) : 8/ 267.

10) القنص الصيد. ينظر : لسان العرب (قنص) : 83/7.

11) نهج البلاغة : خ / 83 : 122. وقد أود اللغويون كلمة الإمام المتقدمة. ينظر : النهاية في غريب الحديث : 4/ 108 و 4/ 112، ولسان العرب (قمص) : 83/7، و (قنص) : 83/7.

الأرض. وهذا دليل على عدم ثبات أحوال الدنيا، ودوامها على حال. فما تَلْبَث أن تُوقع راكبها، وتَقْمُص بوجهه. فاختار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا الوصف من أوصاف البعير لتشبيه الدنيا به من هذا الوجه، فحذف المشبه به، وهو الدنيا، وأبقى لازماً من لوازمه، وهو القَمْص، من باب الاستعارة المكنية. كأن الدنيا تَقْمُص بوجه الانسان كما يقمص البعير بيديه عندما يضرب بهما الارض. وأصل (القَمْص) فى اللغة هو الوَثْب وعدم القرار في مكان واحد (1).ثم غلب هذا الوصف - فيما يبدو - على الدواب التي لايقر لها قرار، والتي تمتاز بكثرة حركة أيديها.. وينطبق ذلك على الإبل والخيل فيقال (القَامِصَةُ) الدّابَّة النَّافرَة التي تضرب برجليها (2). وقمصت الناقة، إذا نشطت (3). وهذه من صفات الناقة النفور. ويقال : ((قمص الفَرَسُ قَمْصاً وقماصاً، وهو أَن يَنْفَر ويَرْفع يديه ويَطْرحها)) (4). والقَمِيْصُ البِرْذَون من الخَيْل الكثير القُماص والوثوب (5). والمُشبّه به في كلام الإمام هو (البَعِيْر)، أو (الفَرَس)، لأنهما يمتازان بهذه الصفة، وهي الوثوب وعدم الثبات، ولاسيما إذا كانا من الدواب النّفار، وهذا المعنى يقرب من علاقة المُشابهة بين (الدُّنيا)، وهي (المُشَبَّه)، وبين (البعير والفَرَس)، وهما المُشَبِّه به - كما يبدو - من سياق الاستعارة الذي صوّر فيه أمير المؤمنين الدنيا بهيئة بَعِير نفور، أو فَرس صَعب كثير الوُتُوب، ما يلبث راكبه أنْ يسقط ما أن يعتلي صهوته. ويحتمل تعبير الإمام معنى آخر يمكن الوصول اليه من مفردة (قَمَصَتْ بِأَرْجُلِهَا)، كأن الدنيا تَمْتَنِع عن الانسان، وتَتَخَلّى عنه عند حضور أجله كأنها تدفعه برجلها مولية عنه مثلما تفعل الدَّابة ذلك (6). وهذا المعنى يعزز الدلالة التي أضفتها مفردة (قَمَصَت) على تغيّر الدنيا وزوالها عن الإنسان وعدم دوامها له (7). ويلحظ في تعبير الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((قَمَصَتْ بِأَرْجُلِهَا ..)) أنّه جمع مفردة (أَرْجُل)، في حين أنّ (قَمْص الدَّابَّة) لا يكون إلَّا بِيَدَيْها دون رِجْلَيْهَا، لأَنها تَعْجِن بِالرِّجْلَينِ حينما تضرب بهما الأرْض وتقمص باليدين معاً (8). وكان المناسب لهذا الحال أن يقال : (وَقَمَصَت بِيَدَيْهَا) غير أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) جمع - مُغَلّباً - الأرجل على الايدي. وقد تَنَبّه الشُّرَّاح الى هذا التعبير، فذكروا أنه إما أنْ يكون قد عبّر عن المُثَنّى بلفظ الجمع (9)، أو لأنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) غَلَبَ الأَرْجل على اليَدَيْن، فَعَبّر بالجمع عنهما من (عَلَيهِ السَّلَامُ) جهة غَلَبَة الأرجل على الايدي، فَسَمّاها كلها أرجلاً (10). كأنه اعتبر الرّجْلَيْن أعم من الأيدي وهما فرع عنهما (11). وذهب بعض الشُّرَّاح الى أنّ استعمال لفظ (الأَرْجل) في هذا السياق جاء لاعتبار لفظ (القنص) ؛ لأن القَمْص بالرّجلين أنْسَب (12). ويُفهم من هذا الكلام أنّ القمْص لا يكون إلا برِجلَي الدَّابَّة. وهذا خلاف ماذكره


1) ينظر : لسان العرب (قمص) : 83/7.

2) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 108/4، ولسان العرب (قمص) : 83/7.

3) ينظر : اساس البلاغة (قمص) : 1/ 522.

4) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 4/ 108، ولسان العرب (قمص) : 83/7.

5) ينظر : لسان العرب (قمص) : 83/7.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2/ 377.

7) ينظر : الديباج الوضي : 2 / 572.

8) ينظر : جمهرة اللغة (قمص) : 2 / 894، مقاييس اللغة (قمص) : 5 / 27.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 6/ 195، 196.

10) نفسه : 6 / 196.

11) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2/ 377.

12) نفسه.

اللغويون من أنّ قَمْص البَعِير، والفَرسِ يكون باليَدَيْنِ (1). ويبدو أنّ التعبير بلفظ الجمع عن (الأَرْجل) وتغليبها على الايدي، أمر مرتبط بالمعنى الذي يقصد اليه الإمام، كأنه يريد أنّ الدُّنيا ضَرَّاء مؤذية، لا يستقيم لها حال مع الانسان، وإنها تستعمل جميع قواها في اسقاطه وأذاه، فاستعمل (الأرجل) بصيغة الجمع بوصفها الواسطة للسعي والتوجه الى مرادها، وهي - هنا - السبيل الذي يقود الدنيا الى الايقاع بالإنسان. وأيذائه كأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أراد الاشارة الى أنّ المغتر بالدنيا، الذي يقبل عليها بِقَدَميه، لابُدَّ أن تصيبه الدنيا بأرجلها وتؤذيه. وهناك أمر آخر يبدو في هذا التعبير، فإن الأرْجل في الدَّابة من أهم وسائل الضرب عندها، فبها تَضْرِب من تَنْفُر منه، وبها تُسرع أيضاً. وهذا الامر بيَّن في الإنسان أيضاً، الذي يستعمل رِجْلَيْه في الدفاع عن نفسه، وربما يضرب مَنْ يريد أن يدفعه عنه بهما، كأنّه يمنعه من ملازمته له. ولهذا استعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) تعبير (قَمَصَتْ بِأَرْجُلِهَا) لتحقيق هذه المعاني التي يوحيها قوله المتقدم في النص من الاشارة الى ترك الدنيا الناس، والتَّخَلّي عنهم بسرعة كأنهم تضربهم بأرجُلِها.

تَمَعِّكَتْ

التمعك الدلك والتقلب والتمرغ في التراب (2). وتمعكت الدابة، إذا تقلبت في التراب (3). ولفظة (تَمعَكَتْ)من الفاظ نهج البلاغة، التي وردت فيه مرة واحدة (4)؛ للدلالة على تمعك الأرض على الماء، ومنعها ومنعها له من التلاطم والهياج. وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) واصفاً القاء الارض بثقلها على الماء : ((... فَخَضَعَ جِمَاحُ الْمَاءِ الْمُتَلاَطِمِ لِثِقَلِ حَمْلِهَا، وَسَكَنَ هَيْجُ ارْتِمَائِهِ إِذْ وَطِئَتْهُ بِكَلْكَلِهَا، وَذَلَّ مُسْتَخْذِياً (5)إِذْ تَمَعَكَتْ عَلَيْهِ كَوَاهِلِهَا (6)...)) (7). وقد تقدم أن الإمام صور اصطخاب أمواج الماء وتلاطمها بالجمل الهائج، وكان دحو الأرض علامة على كعم هذه الأمواج، وكبح جماحها، وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) صورة أخرى جعلها بإزاء (الجَمَل الهائج)، وهي صورة الدابة التي تلقي بِكَلْكَلِها على الأرض، متمرّغة عليها بكواهلها، كما تتمرغ الدابة في تراب، موظفاً مفردة (تَمَعَكَتْ)، لبيان إذلال الأرضَ للماء، ومنعه من تقاذف أمواجه، فهي كمن تكبح جماحه وتذلّه أذلته بِتَمُّعِكها عليه. وهذا المعنى مأخوذ من دلالة (المَعْك) على الإذلال والإهانة(8).


1) ينظر : المصباح المنير (قمص) : 516/2، ولسان العرب (قمص) : 82/7.

2) ينظر : العين (معك) : 210/1، ولسان العرب (معك) : 490/10.

3) ينظر : العين (معك) : 210/1.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 423.

5) استخذى، انكسر، واسترض. ينظر : تاج العروس (خذي) : 37 / 41.

6) الكاهل ما بين الكتفين. ينظر : لسان العرب (كهل) : 602/11.

7) نهج البلاغة: خ/91 : 161.

8) لسان العرب (معك) : 490/10.

7- الرّحل والظعن وأدواتها

الرّحل
إشارة:

ارْتَحَل البَعِيْر رحلةً، إذا سار ومضى (1). والرَّحِيْل اسم الارتحال للمسير (2). والرَّحْل والرَّاحلة المركب من الإبل. وهو أداة توضع مركباً للبعير تركب عليه النساء فوق البعير (3). استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الفاظ (ارحل) و (رَحَلْتُ) و (آرْتحل) و (ارتحلتُم) و (الرّحال) و (رِحَالهم) و (رِحَالها) (الرِّحال) و (رِحَالهم) و (رِحَالها) و (رَوَاحِلها) و (الارْتِحال) و (مَرْحُوْلَة) مرة واحدة لكل مفردة من هذه المفرداتفي نهج البلاغة (4)؛للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على الرَّحْلِ الذي يوضع على الإبل

وقد وردت هذه الدلالة في قول أمير المؤمنين الذي يتحدث فيه (الفِتَن)، وذلك في قوله : ((فِتَنَّ كَقِطَع اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، لَا تَقُومُ لَهَا قَائِمَةً، وَلاَ تُرَدُّ لَهَا رَايَةٌ، تَأْتِيكُمْ مَزْمُومَةً مَرْحُولَةً : يَحْفِزُهَا (5)قَائِدُهَا، وَيَجْهَدُهَا (6)رَاكِبُهَا...)) (7). ويشبّه الإمام (الفِتَن) بالناقة التي تجهز معدة للسفر، فيهيئ أصحابها زمامها ورحالها. وَرِحَالُ وَرِحَالُ الناقَةِ ورحلها مركبها، وهو أصغر من (القتب). ويوضع على الإبل للركوب عليها (8)ويخصص لركوب النساء على البعير (9). وجعله بعض اللغويين من مراكب الرجال دون النساء معاً (10). ويشتمل (الرَّحْل) الذي يوضع على الإبل على عدة أجزاء، منها (الرَّبَض)، وهي الحبال التي يشدّ بها الرَّحْل (11). والحِلْس، وهو الكساء الذي يوضع على ظهر البعير تحت الرحل (12)، وهذه هي أجزاء الرَّحْلُ (13). أو (الكُوْر) كما أسماه بعض اللغويين (14). وبالرجوع الى نص كلام الإمام نجده قد استعمل منه لفظة (مَزْمُوْمة، ومَرْحُوْلة) اشارة الى الفتن - كما قلنا - والتي شبهها بالناقة أو الإبل التي أُعدت للرحيل (15)، فجهز زمامها وهو ما يشد في أنف البعير والناقة من حبل يجعل في خشبة توضع في أنفهما ليقادا به (16). وبعد ذلك يهيأ الرحل ليوضع على ظهر الدابة، وتشد أرباضه إيذاناً بالارتقاء عليه للرحيل. أقول : وساق الإمام المفردتين المتقدمتين بصيغة اسم المفعول ؛ للدلالة على من هيأه لهذه الفتن، ووفرة أسبابها، ليرتقيها قائد يحثها على الانتشار والبث في أرجاء الأرض لتعم


1) ينظر : العين (رحل) : 207/3.

2) نفسه.

3) ينظر : العين (رحل) : 207/3، وتهذيب اللغة (رحل) : 5/5.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 182، 183.

5) الحَفْزُ حَثَّ الشيء وإعجاله من خَلْفِه سوقاً وغير سَوْق. ينظر : لسان العرب (حفز) : 337/5.

6) الجَهْدُ الغاية، وأجْهَدَهُ المرض والتعب أهزله. ينظر : لسان العرب (جهد) : 133/3.

7) نهج البلاغة: خ/ 102 : 185.

8) ينظر : مفردات الفاظ القرآن (رحل) : 347.

9) ينظر : العين (رحل) : 207/7.

10) ينظر : تاج العروس (رحل) : 54/29.

11) ينظر : لسان العرب (ربض) : 151/7.

12) نفسه : (حلس) : 54/6.

13) ينظر : تاج العروس (رحل) : 54/29.

14) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 209/22، وتاج العروس (رحل) : 55/29.

15) ينظر : شرح نهج البلاغة ابن (أبي الحديد) : 81/7.

16) ينظر : لسان العرب (زمم) : 272/12.

أكبر قدر من الناس. وربما كان لفظ (القائد) رمزاً للدلالة على الأعوان الذين يساعدون في تأجيج الفتنة وتأليبها (1).وقد استعار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردات (الزمام، والرَّحل) من الأدوات الخاصة بالإبل، ليكنى بها عن تمام الإعداد للفتنة و التعبئة لها. مثلما تهيأ الناقة للركوب (2). واختار الدكتور إبراهيم السامرائي أن تكون مفردة (3)مفردة (مَرْحُوْلَة) في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) دالة على تمام آلة الراكب على فرسه من السرج واللجام وغير ذلك(4)، كأنه يجعل من المشبه به (فرساً) وليس (ناقَةً)، فإنه جعل - برأيه هذا - الزمام، والرحل من لوازم (الخَيْل)، وليست من لوازم الإبل. مخالفاً بذلك اللغويين الذين جعلوا (الرَّحْل) خاصاً بالبعير، ثم جعلوه بمنزلة السرج للفرس (5).

وقد استدرك الدكتور ابراهيم السامرائي ما وقع فيه من وهم، فعاد في موضع آخر من كلامه ليقول إن الرحل ((هو آلة النَّاقَة تُوْضَعُ عليها في السفر))(6). وقد استعمل الإمام ألفاظ (أرْحَل)، و (رَحَلْتُ) و (تَرَكَّلُوا) و (الرّحال) و (رِحَالهم) و (رِحَالها) و (رَوَاحِلها)، في المواضع الآتية : (خ/64 خ / 64، 91، 93، 192 (6)، 223 ك / 29، قصا / 466).

ثانياً : الدلالة على السفر الى الآخرة (الموت).

والرَّحِيل هو السفر والانتقال، وهو على ضربين ؛ الأول سَفَر وانتقال في الدنيا، والثاني السفر الى الآخرة، وهو سفر الموت. وهو أكثر المعاني شيوعاً في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، حتى يمكنني القول أن أمير المؤمنين لم يستعمل الدلالة الأولى الأقليلاً في حين أنه استعمل الفاظ (الرَّحِيل) و (الارتحال) وغيرها من هذه الاشتقاق ؛ للتعبير عن الانتقال من الحياة الدنيا الى الآخرة. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق ((تَجَهَّزُوا رَحِمَكُمُ اللّه فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحِيلِ، وَأَقِلُوا الْعُرْجَةَ عَلَى الدُّنْيَا فإِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَؤُوداً (7)، وَمَنَازِلَ مَخُوفَةً مَهُولَةً، لاَبُدَّ مِنَ الْوُرُودِ عَلَيْهَا، وَالْوُقُوفِ عِنْدَهَا)) (8)والنص تذكير من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) للناس بضرورة الاستعداد الدائم والتأهب للرحيل الى اللّه تعالى. وقد استعمل لهذا المعنى لفظة (تَجَهَّزوا)، والتجهيز يكون إما للعرس أو للموت أو للسفر (9). والسياق - هنا - يتحدث عن التجهيز للسفر، وهو الموت، الذي يعد سفراً بحد ذاته الى عالم جديد يلقى فيه الإنسان جزاءه، وأمر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الناس بالتجهز يعد مقدمة للرحيل الى الموت، الذي ينبغي على الإنسان إعداد نفسه كما يستعد المسافر الى سفره، بأن يتجهز ليفد في نهاية أمره على اللّه بكل الطاعات التي أمر اللّه تعالى بها، وفي مقدمتها التقوى (10). وبهذا المعنى يكون المراد بـ (الرَّحِيلِ)


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 494/3.

2) نفسه.

3) ينظر : مع نهج البلاغة : 174.

4) نفسه.

5) نفسه: 175.

6) عَرَجَ بالمكان، إذا أقام فيه، والتعرج على الشيء الاقامة عليه. ينظر : لسان العرب (عرج) : 21/2.

7) التكاد التكلف والمكابدة، وعقبة كؤود شاقة المصعد، صعبة المرتقى. ينظر : لسان العرب (كأد) : 374/3.

8) نهج البلاغة: خ / 204 : 404.

9) ينظر : لسان العرب (جهز) : 325/5.

10) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 10/4.

سفر الموت (1). فكأن المنادي هي عشرات الدنيا وحوادثها التي يصاب بها الناس. ويحتمل أن يراد (بالرحيل) - هنا - السفر الى اللّه بالطاعات، ورياضة النفس وتهذيبها مثلما أشار الى ذلك البحراني (2).

ومع أحتمال المعنى أعلاه، فإن السياق يدفع الى تقديم المعنى الأول على المعنى المحتمل، مع عدم المانع من الجمع بينهما ومما يؤيد أن الإمام يأمر بـ (إقْلال العُرْجَة) على الدنيا، وهي عدم، وهي عدم الاطالة في المكث واللبث فيها، وهذا الأمر يؤكد أن الدنيا ممر الى الآخرة، وأن من يتخذها مقراً فقد آمن بها. وأنكر الآخرة. والإقلال من المكث في الدنيا يدعم ترجيح دلالة لغظة (الرَّحيل) على سفر الموت. ومن الجدير بالذكر أن اختصاص مفردة (الرَّحِيْل) وبقية اشتقاقاتها بالدلالة على الرحيل الى الآخرة في كلام الإمام. راجع الى تركيزه على جعل الدنيا داراً مؤقتةً لا دار إقامة واستقرار ؛ لإيمانه المطلق بأن الدار الآخرة هي (الحَيَوان)(3)ولهذا يكرر دائماً في كلامه الوارد في نهج البلاغة أن : ((وَالدُّنْيَا دَارٌ مُنِي لَهَا الْفَنَاءُ (4)، وَلاِهْلِهَا مِنْهَا الْجَلاءُ (5)، وَهِيَ حَلْوَةٌ خَضِرَةٌ... فَارْتَحِلُوا مِنْهَا بِأَحْسَنِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ...))(6).

أقول : وقد وردت الفاظ أخرى كثيرة من اشتقاق مادة (رحل) دالة على سفر الموت، وذلك في (خ/45، 52، 64، 83، 176، 182، 184، ك / 3، قصا / 187، 415)

ثالثاً : الدلالة على الانتقال والتحرك

ومنه قول الإمام مخاطباً جيشه، في سياق النصح والإرشاد في اختيار مواضعهم، وكيفية انتقالهم من مكان الى آخر : ((... فَإِذَا نَزَلْتُمْ فَأُنْزِلُوا جَمِيعاً، وَإِذا ارْتحَلْتُمْ فَارْتَحِلُوا جَمِيعاً...)) (7)يريد (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أن التفرق في الحرب، أو عند التجمع بالجيش للقتال، مدعاة الى عدم التحصين من العدو، فيسهل القضاء على الجند عند تفرقهم، فضلاً عن أنه يورث الذلة، ويكثر الفشل عند الملمات (8). ولهذا أمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يكون نزولهم في مكان واحداً، وارتحالهم عنه مجتمعين على غير تفرق. والمراد بـ (الارتحال) - هنا هنا – الانتقال من توضع الى موضع في أثناء توجههم لقتال العدو، فإن عادة الجيش الكر والفر في الحروب، وتخير المواضع المناسبة للقتال، فلهذا تجد الجيوش لا تستقر في موضع واحد، إلا فارقته بعد بضعة أيام، ولهذا فالارتحال في أيام المعركة أو قبلها لا يعني السفر بل، التحول من موضع الى آخر. وربما أراد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بتحذيره من التفرق عند النزول، ووجوب الارتحال جميعاً، الإشارة الى وحدة الرأي والكلمة بين قادة الجيش، فهو نهى عن


1) نفسه.

2) نفسه.

3) إشارة الى قوله تعالى: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) العنكبوت / 64. و(الحيوان) مصدر (حي) والمراد به في الآية : حياة مُسْتَمِرَّة دائمة، خالدة لأموت فيها، كأنها في ذاتها حياة. ينظر : الكشاف : 467/3.

4) الفناء نقيض البقاء. ينظر : لسان العرب (فني) : 164/15.

5) الجَلاءُ هو الخروج من البلد، والتفرّق. ينظر : تاج العروس (جلو) : 61/37.

6) نهج البلاغة: خ/ 45 : 86.

7) نهج البلاغة: ك / 11 : 470.

8) ينظر : الديباج الوضي : 2158/5.

اختلافهم فى المواقف واستئثار كل واحد منهم برأي، وبخاصة فى مسألة التحرك والانتقال من مكان إلى آخر ؛ لأن التوجيهات التي يخاطب الإمام بها الجيش توجيهات تشمل المسائل العامة دون قرار البدء بالمعركة ؛ الذي يعد رهناً بالإمام، فهو الذي يأمر به. في حين أن التحرك والانتقال في أرض المعركة. رهن بقائد الجيش ومساعديه الذين ينبغي عليهم الاجتماع في مواقفهم وعدم تفرق آرائهم.

رابعاً : الدلالة على السَّلْب

وأُريد بذلك سلب الشيء من الإنسان، مثل نعمة العلم - مثلاً - التي ينعمها اللّه تبارك وتعالى على بعض عباده، ويسلبها منهم عند عدم العمل بما يعلم. ولهذا قال أمير المؤمنين في سياق بيان الاقتران والملازمة بين (العِلْم والعمل) : ((الْعِلْمُ مَقْرُونَ (1)بِالْعَمَلِ فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ، وَالْعِلْمُ يَهْتِفُ (2)بِالْعَمَلِ فَأَنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا ارْتَحَلَ)) (3)يقصد (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أن (العِلْمَ) قرين (للعَمَلِ)، وأنهما كالشيء الواحد أحدهما متصل بصاحبه ومكمل ومكمل له. ولهذا أكد الإمام أن صاحب العلم لابد من أن يعمل بعلمه. فأستعار (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظتي (يَهْتِف). و (ارْتَحَل) للدلالة على معنيين :

الأول : جعل العلم بمنزلة الكائن الحي، فأضفى عليه بعض أوصافه، وهو (الهتاف)، أو النداء، والدعوة الى تلبية أمرٍ معين وهو – هنا - الأداء، وتنفيذ مضمون (العِلْم). فكأن العلم يصيح بالعمل، ويدعوه لإتمام لوازمه، حتى يخرج العلم ويبرز الى مجال التطبيق (4). أما لفظة (ارْتَحَل)، اخذها الإمام من مجالها الدلالي الدال على السفر والانتقال، وتهيئة الدابة بوضع الرحل عليها لغرض الرحيل الى سلب نعمة (العلم) (5)من وطن لا يصلح للاستيطان وذلك إشارة الى عدم منفعة العلم بلا عمل (6). وقد زاد الشارح ابن أبي الحديد معنى آخر افادته لفظة (ارتحل) في السياق، وهو الاشارة الى ارتحال ثمرة العمل ونتيجته ثوابه ؛ فإن اللّه تبارك وتعالى لا يثيب الإنسان العالم بالشرائع إذا لم يعمل بها (7). وينطلق الشارح في رأيه هذا من أن (العلم) المذكور في كلام الإمام مخصوص بالعلم الديني، أو بـ (العِرْفان) كما حدده ابن أبي الحديد (8). والحال أنّ العلم الذي يثاب عليه الإنسان يشمل بقية العلوم التي لا تخالف الشريعة الإسلامية، وتتفق مع قوانينها وأحكامها، وتنسجم مع ما يريده اللّه تبارك وتعالى، وتخدم الانسان والخليفة بصورة عامة، فإنها لا تخلو من ثواب اللّه تبارك وتعالى. خامساً : الدلالة على الإبل

ويطلق عليها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) تسمية (الرَّواحل)، وذلك في قوله الذي يصف فيه أفعال المنافقين مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) : ((...وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ خَاصَ إِلَى رِضْوَانِ اللّه كُلَّ غَمْرَة (9)، وَتَجَرَّعَ


1) قرنْتُ الشيء، إذا جمعته الى شيءٍ آخر، والمقرون هو المتصل بصاحبه الملازم له. ينظر : مقاييس اللغة (قرن) : 76/5، والمحكم (قرن) : 365/6.

2) الهنافِ الصَّوْتُ العالي، وَهَتَفَ به. أي صاح به ودعاه. ينظر : لسان العرب (هتف) : 344/9.

3) نهج البلاغة: قصا/ 366 : 674.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 487/5.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 230/19، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 487/5.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 487/5.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي حديد) : 230/19.

8) نفسه.

9) الغمرة الماء الكثير، ثم استعملت للدلالة على الشدَّةِ والهم. ينظر : لسان العرب (غمر) : 29/5.

وَتَجَرَّعَ فِيهِ كُلَّ غُصَّة (1)، وَقَدْ تَلَوَّنَ لَه الأَدْنَوْنَ (2)، وَتَأَلَّبَ (3)عَلَيْهِ الأقْصَوْن (4)، وَخَلَعَتْ إِلَيْهِ الْعَرَبُ أَعِنَّتَهَا، أَعِنَّتَهَا، وَضَرَبَتْ إِلَى مُحَارَبَتِهِ بُطُونَ رَوَاحِلِهَا، حَتَّى أَنْزَلَتْ بِسَاحَتِهِ عَدَاوتَهَا...)) (5).

والنص يوضح معاناة رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) من الشدائد في سبيل رضوان اللّه تبارك وتعالى حتى تقلب له الأقربون من قريش، واجتمع عليه الأبعدون محاولين أن يؤذوه. فلما أسقط في أيديهم حاربوه. وقد عبر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن حربهم له بـ (خَلْع الأعِنَّة)، و (ضَرْب بُطُوْنِ الرَّواحل) وخلع الأعنة والرسن من الفرس دلالة على الإعلان بالشر، إذ يكون الفرس – حينذاك - مسرعاً لا قياد له، لأنه مخلوع الرسن، وأسرعُ الخيل ما خلع عنانه (6). فاستعمل الإمام هذا التعبير للدلالة على إجلاب العرب على رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) ومحاربته، وأما ((وَضَرَبَتْ إِلَى مُحَارَبَتِهِ بُطُونَ رَوَاحِلِهَا)) فالضرب لفظ يقع على جميع الأعمال، ومنه الضرب بمعنى الإسراع (7)، وضرب بطون الرواحل كناية عن ارتحالها، والإسراع بها في السير الى الحرب، أو أو كناية بها عن إسراف العرب نحو محاربة النبي (صلى اللّه عليه وآله) (8). ويستفاد هذا المعنى من الدلالات المعجمية لمفردة (ضَرَبَ)، إذ يقال : ضربت في الأرض بمعنى سافرت (9). وضربت أكباد الإبل إذا سير عليها في السفر (10). أقول : وبدلاً من : (ضرِبَتْ أَكْبَادُ الإبل) ؛ استعمل الإمام تعبير (ضربتْ بُطُونُ الرَّواحل) ؛ للدلالة على الإسراع في السير الى محاربة الرسول (صلى اللّه عليه وآله). وإنما استعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (رَوَاحِل في هذا السياق دون غيرها من الألفاظ الأخرى ؛ لأنها لا تستعمل في الإغارة على العدو في الحرب، وإنما الذي يغار عليها هي الخيل، فإن الإبل تركب في الحج وأشباهه، في حين أن (الخيل) تركب في الجهاد في سبيل اللّه وغيرها من المعارك بحسب ما يذكر اللغويون (11). وهذا يعني أن الإبل مخصوصة عند العرب بالأمور السلمية، و في الأسفار البعيدة ؛ لأنها قوية تحتمل مشاق السفر ومتاعبه، فضلاً عن قدرتها على حمل الأمتعة والهوادج. وبهذا المعنى يمكن أن يكون قصد الإمام من ذلك أن هؤلاء العرب الذين تألبوا على النبي (صلى اللّه عليه وآله)، استعملوا كل ما يمكنهم استعماله من وسائل في محاربته والايجاف عليه، بما يملكونه من عدد وعدة - كما يقال - فاستعملوا خيلهم ورواحلهم، وجاؤوه فرساناً ورَكْبَاناً (12)متخذين (رَوَاحِلَهُم) واسطة للإجلاب على الرسول الأكرم بعد أن كانت مخصوصة بالسفر والارتحال والتجارة، فجعلوها في ميدان القتال


1) الغُصَةَ الشَّجَا الذي يُغضُّ به. ينظر : لسان العرب (غضض) : 60/7.

2) دَنَا الشيء، إذا قرب، والدناوة القرابة و القُرْبى، والأذنون الأقربون. ينظر : لسان العرب (دنو) : 14 / 271.

3) ألب اليك القوم أتوك من كل جانب، والتّالبُ التَّجَمُّعُ. ينظر : لسان العرب (ألب) : 6/1.

4) القصا النَّسَبُ البعيد، والأقصون الأبْعَدُون. ينظر : تاج العروس (ألب) : 5/39.

5) نهج البلاغة : خ / 194 : 385.

6) ينظر : لسان العرب (خلع) : 180/13، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 129/10.

7) ينظر : لسان العرب (ضرب) : 545/1.

8) نفسه.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 129/10.

10) ينظر : لسان العرب (ضرب) : 545/1.

11) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 209/2.

12) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 737/3.

خلافاً لعاداتهم التي هجروها لأجل القضاء على الإسلام. فالمعروف عندهم أن الخيل للحرب والقتال، و (الرواحل) للأسفار (1)؛ حتى شاع لديهم القول بعد الإسلام إن الإبل للحج، والخيل للجهاد (2). وهذا موروث من من حياتهم التي سادت قبل الإسلام ؛ لأن الإبل لا تسمى (رَوَاحِل) إلا إذا ارتحل عليها في الأسفار، وحملت عليها الأحمال ؛ إذ يختارون منها البعير أو الناقة القويين النجيبين مع تمام الخلق وحسن المنظر، حتى يكاد الراحلة تعرف من بين جماعة الإبل اذا أقبلت (3). وقد خص بعض اللغويين (الرَّاحِلَة) بالبعير القوي، الذي يسمى عندهم (راحلة) بالتأنيث. والهاء فيه للمبالغة في الصفة أو على النسب، كأنهم قالوا : إنها ذات رحل (4).

أقول : ومن هذا المعنى الذي ذكره اللغويون يمكن تعزيز فكرة تسخير العرب لكل إمكاناتهم في القضاء على النبي الأكرم، ومن ثم القضاء على الإسلام، كأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يريد القول : إنّهم أَطْلَقُوا العِنَان لخيولهم وفرسانهم في الإجلاب على النبي (صلى اللّه عليه وآله)، وضربوا بطون رواحلهم سراعاً في التهيئ والاستعداد للنزول بساحته. وقد أفادت مفردة (رَوَاحل) في هذا النص الدلالة على جمعهم لكل قوتهم، وطاقاتهم في قتال النبي، وذلك من خلال دلالة المفردة نفسها على البعير القوي الشديد التحمل، فضلاً عن استعمال المفردة بصيغة الجمع على (فَواعِل)، فيه إشارة الى كثرة من هجم على النبي منهم من الركبان والرجالة، وهذه الدلالة العددية مستفادة من دلالة هذا الجمع على الكثرة أولاً (5)، فضلاً عن دلالته على معنى الاسمية، فكأنه وصف تحول الى اسم (6)؛ لأن بناء (فَوَاعِل) مخصوص بجمع الأسماء أكثر مما هو لجمع الصفات (7). والقياس في جمع (راحِلَة) هو (رُحْل) علي وزن (فَعَلَ) ؛ لأن (رَاحِلَة) وصف مفرد على وزن فاعلة صحيحة اللام، وهذهِ الشروط توجب جمعها على (فعل). ولكن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعملها مجموعة على (فَوَاعِل) الذي أضفى عليه الإمام في هذا السياق دلالة الحركة والتكثير وهي دلالات اختص بها بناء (فعل) كما يذكر الدارسون (8). الذين قطعوا عند تفريقهم بين بناء (فَوَاعِل) و (فعل) أن الأول خاص بجمع الصفات التي تقترب من معنى الإسمية والثبوت. فضلاً عن خلوه من معنى الحركة الظاهرة (9). في حين أن (فعلاً) يتضمن الحركة الظاهرة والمبالغة في الكثرة.(10). وتعليقاً على ذلك. أقول : إن ما ذهب اليه الدكتور فاضل السامرائي صحيح، غير أن السياق هو الفيصل في تحديد الدلالات الصرفية للبناء، فدلالة - الحركة الظاهرة - كما يسميها الدكتور فاضل السامرائي - واضحة في قول الإمام (وَضَرَبَتْ إِلَى مُحَارَبَتِهِ بُطُونَ رَوَاحِلِهَا))، إذا كان المراد بالحركة الظاهرة حركة الإبل الروَاحِل


1) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 209/2 و 2 / 259.

2) نفسه : 2/ 209.

3) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 209/2، وتاج العروس(رحل) : 58/29.

4) ينظر : تهذيب اللغة (رحل) : 6/5، وتاج العروس (رحل) : 8/29.

5) أقصد الكثرة في العدد، وهو ما يفيده هذا البناء من أبنية جمع التكثير. ينظر : معاني الابنية : 156.

6) ينظر : معاني الأبنية : 156.

7) نفسه.

8) نفسه: 153.

9) نفسه : 155.

10) ينظر : معاني الأبنية : 153، 154.

عند إسراعها نحو غايتها كما كانت الحركة ظاهرة في المثال القرآني الذي احتج به الدكتور السامرائي لبيان هذهِ

الدلالة، وهو قوله تعالى : ((وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)) (1). فقد أيد الدكتور السامرائي ما ذهب إليه الزركشي (ت 794هـ) في تعليقة على استعمال مفردة (سُجُود) بدلاً من (سُجَّد). إذ يقول : ((هلا قيل (السُّجَّد) كما قيل (الرُّكَّع) وكما جاء في آية: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (2)، والركوع قبل السجود... والجواب : أن السجود يطلق على وضع الجبهة بالأرض، وعلى الخشوع، فلو قال: (السُّجَّد) لم يتناول إلا المعنى الظاهر ومنه: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (3)))(4).

أقول : وأما دلالة المبالغة فى بناء (فَوَاعِل)، فظاهرة في السياق من خلال تكالبهم على النبي وسعيهم الى القضاء عليه.

ظعن
إشارة:

الظَّعْن الشخوص من مكان الى مكان لسفر أو غيره (5). والظعينة المرأة، وسميت بذلك لأنها تظعن إذا ظعن زوجها، وتقيم إذا أقام (6). والظعائن النساء في الهوادج (7). والظعينة الجمل الذي يُعمل عليه ويركب (8).. وتسمى المرأة ظعينة ؛ لأنها تركبه، وأكثر ما يُقال الطَّعينَة للمرأة الراكبة (9). يقصدون الراكبة في (الهَوْدَج) وربما قيل للهودج ظعينة سواء أكان فيها نساء أم لا (10). والظَّعْنُ سير البادية لنجعة أو حضور ماء أو طلبه، من مرتع الى مرتع (11). ولهذا يقال لكل من شخص في سفر حج، أو غزو أو مسير من مدينة الى أخرى ظاعن (12). وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (يظعن) ثلاث مرات و (ظَعَنُوا) خمس مرات هي و (ظاعن) بصيغة اسم الفاعل، و (ظَعْناً) و (الظعن)، و (ظعنة)، و (والاظعان) جمعاً على (أفْعَال) مرة واحدة لكل منهما في نهج البلاغة(13).

أولاً : الدلالة على السفر والارتحال


1) البقرة / 125.

2) الفتح / 29.

3) الفتح /29.

4) البرهان في علوم القرآن، للزركشي : 250/3، 251، ومعاني الأبنية : 152، 153.

5) ينظر : العين (ظعن) : 88/2، ومقاييس اللغة (ظعن) : 465/3، ولسان العرب (ظعن) : 13 / 271.

6) ينظر : العين (ظعن) : 88/2، ولسان العرب (ظعن) : 271/13.

7) ينظر : العين (ظعن) : 88/2، وتهذيب اللغة (ظعن) : 180/2.

8) ينظر : العين (ظعن) : 88/2.

9) ينظر : تهذيب اللغة (ظعن) : 108/2.

10) ينظر : تهذيب اللغة (ظعن) : 108/22، ولسان العرب (ظعن) : 270/13.

11) نفسه.

12) نفسه.

13) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 272.

وهو أكثر الدلالات شيوعاً في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ، ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصيته وصى بها بعض قواده حينما أنفذه الى قتال أهل الشام : ((... وَلاَ تَسِرْ أولَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ اللّه جَعَلَهُ سَكَناً، وَقَدَّرَهُ مُقَاماً لا ظَعْناً، فَأَرِحْ فِيهِ بَدَنَكَ...))(1)ويوصي الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائد جيشه في هذا النص بأن يكمن في الليل ؛ لأن اللّه تبارك وتعالى جعله سكناً يرتاح فيه العباد، مشيراً بكلامه هذا الى قول اللّه جل جلاله : (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (2)والسكن ما يسكن فيه عن الحركات ويستراح (3). ولهذا المعنى استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) تعبير ((وَقَدَّرَهُ مُقَاماً لا ظَعْناً))، وأراد بـ (ضَعْناً) الدلالة على الارتحال، والسفر (4). كأن هذا المقام يمثل حالة الاستقرار واللبث بالمكان، وهو معنى (السكن) الذي دلت عليه الآية المباركة، في حين أن مفردة (ظَعْناً) تقابل الدلالة المتقدمة وتشير الى الارتحال والانتقال.(5). أو كما يذكر اللغويون أنها تدل على الشخوص من مكان لآخر (6).

ونظير الدلالة المتقدمة لمفردة (ظَعَن)، وباشتقاقات مختلفة لهذه المفردة ما استعمله الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في غير موضع الدلالة على الارتحال والسفر أو الانتقال من موضع الى آخر. وذلك في (خ/26، 28، 85، 86، 109 (7)، 111 (8)،150، 151، 157، 186، 221، ك / 31، 38).

ثانياً : الدلالة على الهوادج التي تحملها الإبل :

وقد استعمل الإمام هذه الدلالة في وصيته للإمام الحسن (عليهما السلام) في سياق الحديث عن سفر الناس الى الآخرة، إذ يقول: ((رُوَيْداً يُسفِرُ (7)الظُّلَامُ، كَأَنْ قَدْ وَرَدَتِ الأطْعَانُ، يُوشِكُ مَنْ أَسْرَعَ أَنْ يَلْحَقَ...)) (8)يذكر الإمام - في قوله هذا - أن الناس في سفر الى الآخرة، وأنهم في طريق مظلمة يسيرون الليل والنهار الى مستقرهم، حتى ترد أظعانهم الى مواطنها. هذه إشارة منه الى أن الحياة الدنيا ما هي إلا طريق الحياة الآخر الدائمة. ولهذا وظف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (الأَظْعَان) التي تدل على الإبل التي تحمل عليها الهوادج التي تكو فيها النساء في هذا السياق للدلالة على المعنى المتقدم فإن لفضة (أَظْعَان) تمثل علامة ورمزاً لهذا السفر، فكأن أهل الدنيا كالركب المرتحل من ظعنه الى مقامه ومستقره. وفي كلامه مجاز مرسل علاقته المحلية، فإنّه ذكر المحل وأراد به الحال والمعنى: أنا مسافرون وكأن قد وردت الأظعان الى مناهلها، وقدمت الى منازلها وانقطعت أسفارها بعد وصولها (9). ولهذا ذكر الإمام بعد قوله المتقدم أنه : ((يُوْشِكُ مِن أَسْرَعَ أَنْ يَلْحَقَ...)).)) كأنه يشير الى أننا لاحقون بمن سبقنا الى الموت، والى الوفود على اللّه تبارك وتعالى.

أخلاس


1) نهج البلاغة : ك / 12 : 471.

2) الأنعام / 96.

3) ينظر : التسهيل لعلوم التنزيل، لابن عطية الغرناطي : 16/2.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 211/4.

5) ينظر : مع نهج البلاغة : 250.

6) ينظر : العين (ظعن) : 88/2.

7) السفر الكشف. ينظر : تهذيب اللغة (سفر) : 278/12.

8) نهج البلاغة : ك/ 31 : 507.

9) ينظر : الديباج الوضي : 2329/5.

الحِلْس ما ولي البعير تحت الرحل (1). وهو ضرب من الأكسية الرقيقة التي توضع على ظهر البعير تحت البرذعة (2). وقد استعملت الفاظ (أَخْلَسُوْنَا) و (يُخْلِسُهُم) و (أخلاس) مرة واحدة لكل منها في نهج البلاغة(3). دلت جميعاً على الملازمة وإلباس الشيء للشيء. وقد غلب على هذه المفردات المتقدمة استعمالها في سياقات بيان الإخافة وملازمة الأدعياء من الناس القيم الخلقية السيئة، ومن ذلك قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق ذم الأدعياء الذين الإمام عن طاعتهم. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((خَلَطْتُمْ بِصِحَّتِكُمْ مَرَضَهُمْ، وَأَدْخَلْتُمْ فِي حَقَّكُمْ بَاطِلَهُمْ، وَهُمْ أَسَاسُ الْفُسُوق (4)، وَأَحْلاَسُ الْعُقُوق (5)...)) (6). والنص نهى عن طاعة الأدعياء، وهم الذين المتهمون في أنسابهم، والمنسوبون لغير آبائهم، والمنسوبون لغير آبائهم (7)، وهؤلاء في نظره (عَلَيهِ السَّلَامُ) مسلوبو الطاعة ؛ لأنهم مرضى النفوس والأخلاق، وأصحاب باطل. ومن ثَمّ هم أساس الخروج و العصيان وعدم الطاعة اللّه تبارك وتعالى، فضلاً عن أنهم ملازمو العقوق وعدم البر بالمؤمنين والناس جميعاً. فهم كما (الحِلْس) الذي يلازم ظهر البعير لكي توضع عليه البرذعة التي يوضع فوقها الرحل. والأصل في الجذر اللغوي (حَلَسَ) هو ملازمة الشيء للشيء كما يذكر ابن فارس (8). ومن ثم استعمل - فيما أحسب - الدلالة على هذا النوع من الأكسية التي توضع على الدواب والرواحل وقاية لها من أثر القتب أو السرج. وبهذا يكون (أحلاس العقوق) كمن يغطون عقولهم ويمنعونها من أن تسلك في الطريق القويم، ومجانبة الخصال الذميمة التي باتوا حلساً لها. فجعلهم الإمام ملازمين للعقوق الذي تمكن منهم حتى صار بمنزلة حلس البعير الذي يلازمهم ظهره لما فيهم من الرغبة في ملازمة العوق وسوء الخلق الذي يرتقي ظهورهم ليحجب عنهم الاخلاق الحميدة من البر والتقوى وغير ذلك كما يلازم (الحِلْسُ) ظهر البعير (9). وقد استعمل الإمام لفظتا (أَخْلَسُونا، ويُخْلِسُهم) للدلالة على معنى الملازمة والتلبّس بالأمر في (خ/93، ك/9).

في حين أشار بعض من المحدثين أن لغتنا المعاصرة تستعمل مفردة (حِلْس) للدلالة على الملازمة أيضاً فيقولون : (هو حِلْسُ الدَّارِ) أي ملازم لها. وفي هذا نقل من التوظيف البدوي القديم للألفاظ الى جانب آخر متصل بالحضارة (10)كما يبدو.

الوَضِيْن

((الوَضِيْنُ بِطَانُ البَعِيرِ، إذا كان مَنْسوجاً بعضه في بَعْضٍ)) (11). ويصف اللغويون هذا البطان بأنه عريض ولا يكون الا من الجلد أو الشعر (12). وإنما سمت العرب هذا البطان بـ (الوَضِيْن) ؛ لأنه منسوج (13).


1) ينظر : العين (حلس) : 142/3، ومقاييس اللغة (حلس) : 97/2.

2) ينظر : لسان العرب (حلس) : 54/6، والقاموس المحيط (حلس) : 694/12، وتاج العروس (حلس) : 546/15.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 121.

4) الفِسْقُ العِصْيَانُ والتَّرْكُ لأمر اللّه عز وجل والخروج عن طريق لحق. ينظر : لسان العرب (فسق) : 308/10.

5) أصل العقوق مأخوذ من العَقِّ، وهو الشَّقُ والقَطْعُ، وهو ضدُّ البِرِّ. ينظر : لسان العرب (عقق) : 10 / 257.

6) نهج البلاغة: خ/ 192 : 365.

7) ينظر : العين (دعي) : 221/2.

8) ينظر : مقاييس اللغة (حلس) : 97/2.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 156/4.

10) ينظر : مع نهج البلاغة : 135.

11) العين (وضن) : 61/7.

12) ينظر : العين (وضن) : 61/7، ولسان العرب (وضن) : 450/13.

13) ينظر : لسان العرب (وضن) : 450/13.

والوَضْن في اللغة النسيج ووضع الشيء بعضه على بعض في النسيج. وهو مخصوص بنسج الدروع المحكمة، ومن ثم استعير لكل نسيج محكم مثل نسيج السرير وأشباهه بالجواهر (1). ومن ذلك قوله تعالى شأنه (عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَبِلِينَ) (2). و (المَوْضُوْنَة) في الآية المباركة المنسوجة القوية اللحمة والسّدى(3)وهذهِ الدلالة مأخوذة من (الوَضِيْن)، وهو الحبل العريض الذي يصنع منه الحزام؛ لقوة لحمته، فمنه تصنع و تنسج سُرُر الملوك المرصعة بالجواهر (4). وقد استعمل الذكر الحكيم هذه المفردات للدلالة على الاستقرار حين الاتكاء (5). لمن يكون في الجنة. وقد وردت لفظة (الوَضِيْن) مرتين في نهج البلاغة (6)؛ فقد استعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه المفردة في الاشارة الى اضطراب الفكر والعقل والتسرّع في الكلام. وذلك في مقام الإجابة على سؤال بعض أصحابه الذي سأله : ((كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به؟)) (7). فقال له الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((يَا أَخَا بَنِي أَسَد، إِنَّكَ لَقَلِقُ الْوَضِينِ، تُرْسِلُ (8)فِي غَيْرِ سَدَد (9)...)) (10). وإجابة الإمام تحتمل أمرين ؛ الأول إرشاد الرجل الأسدي الى غلط تفكيره، وانحراف رؤيته للأحداث، بحيث أنها أبهمت عليه فاحتار فيها. والثاني أن الإمام جعل من عقل هذا الرجل وأفكاره وفهمه لهذه القضية أشبه بـ (البطان) الذي يربط به الرحل الموضوع على ظهر البعير. وهذا الحزم المنسوج من السيور يتميز يكونه الأس الذي يحكم به الهودج أو الرحل. فإذا اضطرب أو ضعف، اضطراب المحمل وازداد قلقه، حتى يميل الى السقوط. وكثيراً ما يكون ذلك من ضعف ضبط هذا الحزام. على الرغم من دقة نسجه وإحكام لحمته. ومن نتائج هذا الخلل في ربطه اضطراب سير البعير نفسه، وتمايله بسبب من قلق محمله من القتب أو غيره.

فجعل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكر هذا الرجل واضطرابه فى السؤال وفهمه لهذه المسألة، كالوَضِين القَلَقِ المضطرب، الذي لا يثبت له قرار. فقد ارسل هذا الرّجل كلامه دون تبصرّ، أو ادراك للسؤال والمقام الذي سأله فيه. فجاء قول الإمام متضمناً الدلالة على الأنكار والتعريض بهذا الشخص لما فيه من سرعة الحركة والخفة، وقلة الثبات، فهو في ذلك كالحزام الذي يشد به الرحل إذا كان رخواً (11). ورأى أغلب الشراح أن معنى


1) ينظر : مفردات الفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني : 526/1، ولسان العرب (وضن) : 450/13.

2) الواقعة / 15، 16.

3) ينظر : التفسير الكبير : 130/29.

4) نفسه.

5) نفسه.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 487.

7) نهج البلاغة : خ / 22 : 288، ومصادر نهج البلاغة وأسانيده : 5/2 .

8) الرَّسل القطيع من الإبل والغنم والإرسال التوجيه. ينظر : لسان العرب (رسل) : 281/11، 283.

9) السدد، والسَّد إغلاق الخلل ورَدْم التَّلم. ينظر : لسان العرب (سدد) : 7/3.

10) نهج البلاغة : خ / 162 : 228، وقد نقلت كتب الغريب والمعاجم مقولة الإمام المتقدمة. ينظر : النهاية في غريب الحديث : 303/2، ولسان العرب (وضن) :

11) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 303/2، ولسان العرب (وضن) : 450/13.

كلمة الإمام السالفة الذكر هو الدلالة على القلق والاضطراب، والتكلم في غير قصد وصواب (1). وذلك أن الرجل لم يكن ثابتاً في عقله وأموره، حتى أنه يضع سؤاله في غير موضعه استعجالاً منه وتسرعاً.

أقول : ويحتمل أن يكون المراد من هذا الكلام أن نسج فكر هذا الرجل الذي يخاطبه الإمام على غير إحكام وتثبت، وكأنه منسوج بالتسرع والاضطراب والقلق، بدلاً من الحكمة والروية والتعقل. ويعين على ذلك على هذا المعنى الأصل المعجمي المفردة (وَضِيْن). (فالوضن) في اللغة النسج (2)، ويخصصه اللغويون بنسج. السرير وأشباهه بالجوهر والثياب (3). ويقال للدرع موضونه إذا كان نسجها مقارباً محكماً (4). ومن هنا قيل لبطان الرحل (وَضين) ؛ لأنه منسوج بعضه على البعض من السيور (5). وقد وردت لفظة (وَضِيْن) موصوفه بالقلق والاضطراب إشار الى الدنيا المضطربة المتقلقلة في حكم بني أمية، وذلك في (خ/105).

قتب

قال الخليل ((القَتَبُ إِكَافُ (6)الجَمَلِ)) (7). وهو أحد آلآت الرحال التي توضع على البعير إذا كان مما مما يحمل عليه (8). ويفرق اللغويون بين (القَتَب) بالفتح و (القِتْبِ) بالكسر، فالأول البعير الحَمْل، والثاني البعير السانية(9). و (القتَب) يعد من الأكف الصغيرة الحجم التي تكون مناسبة لقدر السنام(10). وجاءت لفظة (قَتَب) في نهج البلاغة مرة واحدة (11). دالة على الإكاف الذي يوضع على البعير فيمسك به. وذلك في قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((... ذَاكَ إِذَا عَضْكُمُ الْبَلاءُ كَمَا يَعَضُّ الْقَتَبُ غَارِبَ (12)الْبَعِيرِ...)) (13). والإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتحدث عن (البلاء) الذي يتمكن من الناس، ويلقي ثقله عليهم، حتى يتمكن منهم ويصبح هماً عليهم ؛ فشبه البلاء بالقتب الذي يوضع عليه (الإكاف) حتى يستقر ويثبت على سنامه فينطبع الأثر في ظهره، فيكون أشد ما يؤذي منه غاربه ومقدم ظهره وعنقه الذي يشتمل عليه (القَتَب) كأنه عاض له. ومما يزيد من ذلك الأثر. ثقل الرّحل الذي يزداد بازدياد الاغراض التي توضع فيه. وشبيه بهذا ما يفعله البلاء بالناس بحسب ما يحذر الإمام منه. فاستعار (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظ (العَضَّ) لإيلام البلاء الذي ينزل بقلوب الناس، وشبهه بعض القتَب لغارب البعير، للدلالة على التّمكّن والاستيلاء وشدة الألم. وذلك كله على سبيل الاستعارة التي نتجت من وجه الشبه بين طرفي


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 186/9، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 658/3، ومع نهج البلاغة : 362.

2) ينظر : لسان العرب (وضن) : 450/13.

3) نفسه.

4) نفسه.

5) نفسه.

6) الإكافُ الرَّحل. ينظر : لسان العرب (أكف) : 8/9.

7) العين (قتب) : 131/5، ينظر : لسان العرب (قتب) : 660/1.

8) ينظر : مقاييس اللغة (قتب) : 59/5.

9) ينظر : المخصص : م/2 : س/7 : 145.

10) ينظر : المخصص : م/2 : س / 145، ولسان العرب (قتب) : 661/1.

11) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 362.

12) الغارب مقدم ظهر البعير. ينظر : لسان العرب (غرب) : 466/1.

13) نهج البلاغة: خ/ 187 : 348.

التشبيه (1). ويبدو من كلام الإمام أنه يشبه (البلاء) أيضاً (بالجمل الصعب) على سبيل الاستعارة المكنية (2)، ثم ثم ذكر (العَضَ) من جهة تشبيه المعقول بالمعقول (3).

العكم

عَكَمْتُ المتاع أعكمه عَكْماً، وذلك إذا بسطت ثوباً وجمعت فيه متاعاً فشددته ويسمى هذا البسط عِكمةً (4). والعكمان، عدلان يشدان من جانبي الهودج (5)، وهما شبه الحقيبتين تكون فيهما ثياب النساء، وتكون وتكون على البعير والهودج فوقهما (6). والعكم أيضاً نمط المرأة الذي تدخر فيه متاعها وذخيرتها (7).

والعُكُوم الأحمال والأعدال التي فيها الأوعية من صنوف الأطعمة والمتاع (8). والعرب تقول يوم الظعن لخدمهم : أَعْتَكِموا. أي سووا الأعدال وشدوها على الحمولة (9). و (العِكْم) من الألفاظ التي استعملها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مرة واحدة في نهج البلاغة (10)، وذلك بدلالة النمط الذي تجعل فيه الذخيرة والمتاع. وهو المسمى عند اللغويين بـ (العِدْل). وأراد من ذكره الإبانة عن ما يبقى فيه من (نُفَاضَةٍ) من بقايا الأوساخ أو التراب يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خطبة له يتحدث فيها عن الضلال وفتنة بني أمية، وما ستنتجه من تفرق الأمة : ((رَايَةُ ضَلَالَة قَدْ قَامَتْ عَلَى قُطْبِهَا، وَتَفَرَّقَتْ بِشُعَبِهَا، تَكِيلُكُمْ بِصَاعِهَا، وَتَخْبِطُكُمْ بِبَاعِهَا. قَائِدُهَا خَارِجَ مِنْ الْمِلَّةِ، قَائِمٌ عَلَى الصِّلَةِ؛ فَلَا يَبْقَى يَوْمَئِذٍ مِنْكُمْ إِلَّا ثُفَالَةً كَثُفَالَةِ الْقِدْرِ، أو نُفَاضَةً كَنُفَاضَةِ الْعِكْمِ رَايَةُ صَلالة قَدْ قَامَتْ عَلَى قُطْبِهَا، وَتَفَرَّقَتْ بِشُعَبِهَا، تَكِيلُكُمْ بِصَاعِهَا، وَتَخْبِطُكُمْ بِبَاعِهَا قَائِدُهَا خَارِجٌ مِنْ الْمِلَّةِ، قَائِمٌ عَلَى الظُّلَّةِ ؛ فَلاَ يَبْقَى يَوْمَئِذٍ مِنْكُمْ إِلَّا ثُفَالَةٌ كَثُفَالَةِ الْقِدْر، أو نُفَاضَةٌ كَنُفَاضَةِ الْعِلْمِ...)) (11). والسياق إيضاح لما سيكون من هذه الفتنة، فقد عبر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمن بقى من هذه الفتنة بـ (ثفالة القِدْر) والثقل ما استقر تحت القدر من كدره (12)، أو ما بقى في قعر القدر من ردئ الطعام. ونفاضة العكم - وهو ما يسقط من الثوب الذي يجمع فيه المتاع والذخيرة من تراب أو بقايا أوساخ. وفي هذين الضربين من الاستعمال كناية عن أراذل الناس ممن لاخير فيه ولا ذكر ؛ فهم كثفالة القدر غير معتبرين ولا ملتفت إليهم، لعدم فائدتهم وقلة شأنهم بين الناس. فلا ريب أنهم ينْفَضُون كما تُنْفَض العكم التي يراد تخليصها من الغبار وبقايا الزاد الذي يعلف بها مما لا خير فيه(13).


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 111/4.

2) ينظر : منهاج البراعة : 122/11.

3) نفسه.

4) ينظر : العين (عكم) : 208/1، وتهذيب اللغة (عكم) : 213/1، المحكم (عكم) : 287/1.

5) نفسه.

6) ينظر : العين (عكم) : 208/1، وتهذيب اللغة (عكم) : 287/1.

7) ينظر : لسان العرب (عكم) : 415/12.

8) ينظر : غريب الحديث (ابو عبيد) 304/2، ولسان العرب (عكم) : 415/12.

9) ينظر : لسان العرب (عكم) : 415/12.

10) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 313.

11) نهج البلاغة خ / 108 : 197، وقد نقلت المدونات اللغوية قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((نفاضة كثفاضة العكم...)) واحتجوا به على دلالة مفردة (العكم). ينظر : النهاية في غريب الحديث : 285/3، ولسان العرب (عكم) : 415/12.

12) ينظر : لسان العرب (ثقل) : 84/11.

13) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 513/3، ومنهاج البراعة : 244/7.

8 -الهوامل والسروح من الإبل

السائمة

السائمة والسوام النعم التي تسوم الكلأ اذا داومت رعيه (1). وأكثر ما يقال ذلك في الإبل الراعية خاصة (2). وقيل : السَّوَام كل ما رعى من المال في القلدات، إذا خلي (3). وَسَوْمُهُ رعيه حيث شاء (4). والسَّائم الذاهب على وجهه أني شاء (5). وقد وردت لفظة (السائمة) خمس مرات في نهج البلاغة، منها مرة واحدة متصلة بـ (كاف المخاطب المذكر). في حين جاءت لفظة (السَّوام) بصيغة الجمع على (فَعال) مرة واحدة فقط (6). وذلك للدلالة على الأنعام السَّائمة المَرْعِيّة. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مقام تشبيه الناس من أصحاب القلوب العمي، الذين لم يستضيئوا بالحكمة بالأنعام ؛ إذ يقول : ((لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِأَصْوَاءِ الْحِكْمَةِ، وَلَمْ يَقْدَحُوا (7)بِزِنَادِ (8)الْعُلُومِ الثَّاقِبَةِ وَفَهُمْ فِي ذلِكَ كَالْأَنْعَامِ السَّائِمَةِ...)) (9)يريد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن الذين أبعدوا أنفسهم أنفسهم عن أن يستنيروا بالحكمة والعلوم الثاقبة، أشبه بالأنعام التي تسوم في مرعاها هائمة على وجوهها أنى شاءت. ووجه الشبه بين الطرفين هو الضلال والتيه، وعدم الوعي وإدراك الأمور. ونظير دلالة مفردة (السَّائمة) على الدواب أو الإبل السائمة في الرعي ؛ ما جاء في (ك/64،45، وقصا : 147)

وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (السَّوام) بصيغة الجمع للدلالة على الإبل الراعية، وغيرها من الدواب وذلك في سياق دعاء الإمام بالاستسقاء ؛ استدراراً لرحمة اللّه تبارك وتعالى ؛ إذ يقول : ((...نَدْعُوكَ حِينَ قَنَطَ (10)الأنَامُ، وَمُنِعَ الْغَمَامُ، وَهَلَكَ الْسَّوَامُ، أَلَّا تُؤَاخِذَنَا بَأَعْمَالِنَا، وَلَا تَأْخُذَنَا بِذُنُوبِنَا...))(11). الدعاء – هنا – بذكر قنوط الناس وشدة يأسهم من نزول الغيث، وورود الغمام عليهم وهلاك السوام، يمثل استعطافاً اللّه تبارك وتعالى. والمراد بـ (السَّوام) جمع (سَائِمة)، وهو ما رعى من المال، سواء أكان من الماشية والغنم، أو الدواب من الإبل وغيرها (12). وخص بعض اللغويين (السَّوام) بالإبل التي ترسل للرعي، وهي الإبل التي لاتعلف (13). فيترك على وجهه حيث شاء رعيه على وجهه حيث شاء.

سائم


1) ينظر : العين (سوم) : 320/7.

2) ينظر: العين (سوم) : 320/7، ولسان العرب (سوم) : 311/12.

3) ينظر : تهذيب اللغة (سوم) : 70/13، ولسان العرب (سوم) : 311/12.

4) نفسه.

5) نفسه.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 230.

7) الإقداح الإبراء. ينظر : لسان العرب (قدح) : 554/2.

8) الزناد هو العود الذي يُقدح به النار. ينظر : تاج العروس (زند) : 146/8.

9) نهج البلاغة: خ / 108، 196.

10) القُنُوط اليأس. وقيل : هو أشدُّ اليأس. ينظر : لسان العرب (قنط) : 386/7.

11) نهج البلاغة: خ/ 115 : 216.

12) ينظر : لسان العرب (سوم) : 311/12.

13) ينظر : تهذيب اللغة (سوم) : 76/13، ولسان العرب (سوم) : 311/12، وتاج العروس (سوم) : 431/32.

السَّائم في اللغة المال الراعي (1)من إبل وغنم ونحوها. وأسامها أرعاها سَوْمَها (2). وأَسَمْتُها إذا أخرجتها

الى الراعي (3). والمُسِيم الراعي الذي يقوم بإسامة الدواب ورعيها (4). وقد جاءت مفردة (سَائم) و (مِسَيْم) مرة مرة واحدة لكل منهما في نهج البلاغة (5)، للدلالة على الذي يقوم برعي الدواب عند سومها. إذ استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (سَائِم) بصيغة (فَاعِل) بالدلالة المتقدمة، وذلك في سياق الوعظ والارشاد ؛ إذ يقول : ((أَيُّهَا الغَافِلُونَ غَيْرُ الْمَغْفُولِ عَنْهُمْ، وَالتَّارِكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ، مَالِي أَرَاكُمْ عَنِ اللّه ذَاهِبِينَ، وَإِلَى غَيْرِهِ رَاغِبِينَ كَأَنَّكُمْ نَعَمْ أَرَاحَ بِهَا سَائِمٌ إِلَى مَرْعَى وَبَيِّءٍ...)) (6). شبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) حال تيه الناس، وانشغالهم بدنياهم عن دينهم، وانصرافهم عن اللّه تبارك وتعالى الى زعماء دنياهم وأمرائهم، بالنعم من الدواب، وهي الإبل والماشية التي ذهب بها راعيها الى مرعى رديء يجلب لها الوباء، ولا ينفعها بشيء. فاستعمل لفظة (سائمِ) كناية عن الشيطان الذي يزين المنكر للناس، ويسيمهم الى التيه والغواية. كما يرسل السَّائم الإبل الى المرعى لترعى. ويمكن أن تتسع هذه المفردة لتكون دالة على كل مضلَّ يزين للناس سوء أعمالهم وأفعالهم. أما وجه الشبه بين هؤلاء الناس والنعم التي أراح بها سائمها، فهو غفلتهم وسيطرة النفس الأمارة بالسوء عليهم (7). وقد جعل الشارح البحراني هذهِ (النَّفس الأمارة بالسوء) المصداق لمفردة.(سَائِم). كأنها هي التي ترعى هذه الفئة من الناس، وتقودهم الى المعاصي والآثام في الحياة الدنيا، والنيل من لذاتها ومشتهياتها، جاعلاً هذهِ اللذات بمنزلة المرعى الوبيء (8).

لقد استعمل الإمام مفردة (سَائِم) دالة على (الرَّاعي) الذي يَسْرح بنعمه في هذا السياق في حين أنّ اللغويين يرون أنّ هذه اللفظة لا تستعمل في الدلالة المتقدمة ؛ إذ لا يقال للراعي (سَائِم)، وإنما يقال له : (مُسِيْم) (9). غير أنّ الناظر في توظيف هذه المفردة عند الإمام يجدها تستعمل في الدلالة على (الراعي) الذي يرعى الإبل وغيرها من الدواب، مثلما يجدها تدل على (الإبل) التي ترسل الى الرعي ولا تعلف. وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) متحدثاً عن فناء الدنيا وابتداعها من اللّه تبارك وتعالى وعدم قدرة الخلق على ابتداع بعوضة إذ يقول: ((وَلَيْسَ فَنَاءُ (10)الدُّنْيَا بَعْدَ ابْتِدَاعِهَا (11)بِأَعْجَبَ مِنْ أَنْشَائِهَا وَاخْتِرَاعِهَا، وَكَيفَ وَلَوْ اجْتَمَعَ جَمِيعُ حَيَوانِهَا مِنْ طَيْرِهَا وَبَهَائِمِهَا، وَمَا كَانَ مِنْ مُرَاحِهَا وَسَائِمِهَا، وَأَصْنَافِ أَسْنَاخِهَا (12)... عَلَى إِحْدَاثِ بَعُوضَةٌ، مَا قَدَرَتْ عَلَى


1) ينظر : لسان العرب (سوم) : 311/12.

2) نفسه.

3) نفسه.

4) ينظر : العين (سوم) : 320/7، وجمهرة اللغة (سوم) : 862/2، والفائق : 207/2.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 230.

6) نهج البلاغة: خ / 175 : 314.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 688/3.

8) نفسه.

9) ينظر : جمهرة اللغة (سوم) : 862/2، والفائق : 207/2.

10) الفناء نقيض البقاء. ينظر : لسان العرب (فني) : 164/15.

11) ابتداعها انشائها. ينظر : لسان العرب (بدع) : 6/8.

12) السنخ الأصل من كل شيء. ينظر : لسان العرب (سنخ) : 26/3.

إِحْدَاثِهَا...)) (1).. يريد (عَلَيهِ السَّلَامُ)أنّ قدرة اللّه تبارك وتعالى على الخلق والافناء، عجيبة، وهي ليست بأعجب من

انشاء الدنيا واخترعها. وأنه لو اجتمعت جميع أحيائها من الطير والهائم المراح الموجود في مواطن إراحتها ومناخها، وما كان منها في مرعاه، فضلاً عن بقية أضاف الخلق، على أن يبتدعوا بعوضة ما استطاعوا إحداثها. ولهذا أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ)، عما تبكيت الخلق وبيان عجزهم عن القدرة على الخلق والابتداع، فكنّى بمفردات (مُرَاحها) و (سَائِمها) عما حل من النعم وأُريح، وما كان سروحاً منها. أمّا مفردة (سائمها) – هنها – فتشير الى الراعي الشارح من الدواب، وليس المراد (راعيها) الذي يقوم بإسامتها ورعيها فكأن هذه الصيغة تدل على معنيين ؛ الأول النَّعم السائمة الراعية بنفسها في المرعى، والثاني هو الدلالة على الراعي الذي يقودها ويراعيها في مرعاها. وهذا الأمر يضيف على هذه المفردة الدلالة على (التّضاد) من حيث دلالتها على المعنى وضده وهو ما لم يلتفت اليه اللغويون، ولا سيما في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي انفرد باستعمال اللفظة المتقدمة دالة على (عَلَيهِ السَّلَامُ) الراعي الذي يرعى الدواب والنعم.

أما لفظة (مُسِيم) ؛ فقد وردت في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يتحدث فيه عن أهل الدنيا في مقام ذمهم ؛ إذ يقول في وصفهم لولده الإمام الحسن (عليهما السلام) : ((فَإِنَّمَا أَهْلُهَا كِلاَبٌ عَاوِيَةً (2)، وَسِبَاعٌ ضَارِيَةً (3)، يَهِرُ (4)بَعْضُهَا بَعْضاً... سُرُوحُ عَاهَةٌ بِوَادٍ وَعْتْ، لَيْسَ لَهَا رَاعٍ يُقيمُهَا، وَلَا مُسِيمٌ يُسِيمُهَا، سَلَكَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا طَرِيقَ الْعَمَى..)) (5). والنص في ذم أصحاب الدنيا الذين يصفهم الإمام بـ (الكلاب العاوية) و (السباع الضارية). إشارة إلى شدة افتراسهم وضراوتهم، إذ ينبح بعضهم على بعض. وقد أراد الإمام من هذه الأوصاف المتقدمة الدلالة على قهر الناس بعضهم بعضاً وأخذ القوي للضعيف. ثم وصفهم – بعد ذلك – بعد ذلك - بالنعم السّروح التي تسرح في الآفات في واد وعث، لا يمكن السير فيه. علاوة على افتقارها الراعي الذي يقيمها ويراقبها والميسم الذي يتولى اسامتها، ولا مسيح يسيمها. وقد أخذ الإمام مفردتي (راعٍ) و (مُسِيم)، وهما بحسب الدلالة العامة – إحداهما تفسر الأخرى، فالمُسِيم هو الراعي كما تذكر كتب اللغة (6). بيد أنّ استعمل الإمام استعمل مفردة (راعٍ) ووصفه عمله بـ(إقامة النَّعَم)، في حين أن لفظة (مسيم). بحسب استعماله توحي بالدلالة على تسريح الدواب وسوقها إلى المرعى. كأنه يستعرض هذه الإبل حينما يسترح بها ويسوقها الى مرعاها سراعاً فهي صارة مسرعة. ولهذا قيل : سامَت النَّاقَة تَسوم سَوْماً، إذا أسرعت المرّ مع قصد الصوب في سير (7). كأن كأن (المُسِيم) هو الذي يمر بالإبل والدواب ويخرجها الى مرعاها. وذلك إذا جعلها تذهب على وجهها حيث تشاء (8)، في حين أن (الرَّاعي) هو الذي يرعى الماشية ويحوطها ويحفظها. فالراعي هو الحافظ (9). وتختص


1) نهج البلاغة: خ/ 186 : 346.

2) العواء صوت الذئب والكلب، وهو غير النَّبَاح. ينظر : لسان العرب (عوي) : 107/15.

3) الضاري هو من أولاد الكلاب السلوقية التي تصيد. ينظر : العين (ضرو) : 56/7.

4) هَرَّ الكَلْبُ يَهِرَ، إِذا صَوّت، وهو صَوْته الذي دون النباح من قلة صَبْرهِ على البَرْدِ. ينظر : لسان العرب (هرر) : 260/5.

5) نهج البلاغة : ك/31 : 506.

6) ينظر : العين (سوم) : 320/7، وجمهرة اللغة (سوم) : 862/2، والفائق : 207/2.

7) ينظر : لسان العرب (سوم) : 311/12.

8) نفسه.

9) ينظر : لسان العرب (رعي) : 325/14.

وتختص هذه المفردة – بحسب ما يفهم من المعاجم - بالغنم والشاء، في حين أن (المُسِيم) هو راعي الإبل فحسب ؛ فلا يقال لراعي الماشية أنه (مُسِيم). ولهذا قيل في المعجم أن الرعية هي الماشية المرعية (1). ومن هذا الفارق نفهم أنّ استعمال مفردة (راع) يراد منه الدلالة على حفظ النعم واحاطتها، مشير بذلك الى أنّ بعض الناس من أهل الدنيا هم أشبه بالماشية المرعية التي تحتاج الى راعٍ يقيمها ويحفضها عند سروحها ؛ لأنها لا تقوم بنفسها، في حين أن الصنف الآخر منهم هم أشبه بالإبل السَّرُوح التي تخرج على وجهها ترعى، فتذهب حيث شاءت بلا مُسِيم يقودها ويوجهها.

الهاملة
إشارة:

إِبل هَوَامِل مُسَيِّبة لا تُرْعى (2). وهي المهملة السدى المتروكة ليلاً أو نهاراً بلا راع (3).

وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (هملاً) مرتين في نهج البلاغة، ولفظة (الهاملة) مرة واحدة، للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على الهمل من الناس

وذلك تشبيهاً لهم بالمهملة الضالة من الإبل، وغيرها من الدواب. ومن ذلك قوله (4)في سياق كلامه عن الفائدة من خلق الناس : ((وَاعْلَمُوا - عِبَادَ اللّه أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً، وَلَمْ يُرْسِلْكُمْ هَمَلاً...)) (5). يريد أنّ اللّه تبارك وتعالى لم يخلق الناس عبثاً دون غاية، ولم يكن خلقهم لأجل إرسالهم في هذه الدنيا هملاً، مثلما تهمل البهيمة من الإبل (6). مستعملاً لذلك مفردة (هملاً) التي تدل على السدى من الإبل التي تترك ليلاً أو نهاراً دونما راع لها يقودها وهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) ينفي هذه الفكرة التي ربما تخطر في بال البعض من الناس، من خلال بيان الفائدة التي خلق الانسان لأجلها، وهي عبادة اللّه وطاعته، فليس المراد بـ (الهمْل) الدلالة على الضَوَال من الناس الذي يشبهون خوال الإبل في انتشارهم في الآفاق. وتيههم في الضلال دون راع يرعاهم ويصلح شؤونهم وإنما هم مسؤولون عن ما يقومون به من تصرفات أو أفعال ؛ لتميزهم بالعقل والادراك بخلاف الدواب التي لا عقل لها. وقد ذكر الإمام هذه المفردة في موضع آخر بالدلالة نفسها في سياق نفي أنّ اللّه تبارك وتعالى قد ترك الناس بعد وفاة النبي (صلى اللّه عليه وآله) هَمْلاً بلا إمام يقودهم الى الطريق الواضح. وذلك في (خ/ 1).

ثانياً : الدلالة على الهَامِلَةِ من البهائم

واستعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الدلالة في سياق التعجب، ونفي الاقتداء بالبهيمة الهاملة، والسائمة المرعية. يقول الإمام متحدثاً عن نفسه، منكراً أن تكون بهذا الوصف : ((... قَرَّتْ إِذا عَيْتُهُ إِذَا اقْتَدَى بَعْدَ السِّنِينَ


1) نفسه.

2) ينظر : العين (همل) : 56/4.

3) ينظر : المحكم (همل) : 167/6، ولسان العرب (همل) : 710/11.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 470.

5) نهج البلاغة: خ/ 195 : 388.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 741/3.

الْمُتَطَأُولَةِ بِالْبَهِيمَةِ الْهَامِلَةِ، وَالسَّائِمَةِ الْمَرْعِيَّةِ)) (1). وإنما أنكر وإنما أنكر (عَلَيهِ السَّلَامُ) الاقتداء بهذا الضرب من الدواب ؛ لأنّ البهيمة الهاملة، لا يسوقها راعٍ، أو يوجهها أحد : فتكون سدىً، ترسل ليلاً أو نهاراً مثل ضوال الإبل التي تترك مسببةً.

مَسَارِب
إشارة:

المَسْرَب المَوْضع الذي يسرب فيه الظباء والوحش المراعيها (2). والمَسَارِب جمع مسربة، وهي المراعي التي تَسْرَب فيها الدواب (3). وقد وردت لفظتا (مَسَارِب) و (مَسَاربهم) مرة واحدة لكل منها في نهج البلاغة (4)للدلالة على ما يأتي :

أولاً : الدلالة على المراعي.

وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) متحدثاً عن التشديد في ضرب العدو وقتالتهم : ((وَحَتَّى تَدْعَقَ الْخُيُولُ فِي نَوَاحِرٍ أَرْضِهِمْ، وَبِأَعْنَانِ مَسَارِبِهِمْ وَمَسَارِحِهِمْ)) (5). والمراد : أنّ العدو لا يزول عن مواقفه دون أن يشدد عليه الضرب الضرب والطعن، وتدق أراضيه بحوافر الخيول في أقاصي أرضه، وأطراف مذاهب الرعي عندهم، كناية عن وصول الجيش الى جميع مواطن أرض العدو بما في ذلك (المراعي، والمَسَارح) التي يرعى فيها، وتسرح عندها دوابهم ومواشيهم ولفظة (مساربهم) مأخوذة في الأصل من (الإرسال). إذ يقال : (سَرَّب عليَّ الإبل)، اذا أرسلها قطعة (6). والسَّربة القطيع من الدواب (7)، أو القطعة من الخيل أو الإبل (8)التي تسرب في الأرض حيث. حيث شاءت (9). ومنه صارت مفردة (مَسَارب) دالة على الذهاب والاتساع في الأرض بالنسبة الى الدواب ورعاتها كما يبدو (10).

ثانياً : الدلالة على تسرب المنىّ من الإنسان ونزوله الى صلبه عند تكونه.

وجاءت هذه الدلالة في سياق كلام الإمام عن علم اللّه تبارك وتعالى بكل شيء ؛ إذ يقول ((مَحَطَّ الأَمْشَاجِ (11)من مَسَارِبِ الْأَصْلابِ)) (12).يريد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ اللّه جل جلاله هو العالم بمحط الأمشاج وهي محل نزول النطف من الأصلاب. ومساربها، هي الأوعية التي يسرب فيها المني وما يتولد عنه من أخلاط (13).


1) نهج البلاغة : ك/45 : 535.

2) ينظر : العين (سرب) : 249/7، والمحكم (سرب) : 484/8.

3) ينظر : أساس البلاغة (سرب) : 291/1، ولسان العرب (سرب) : 465/1.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 213.

5) نهج البلاغة : خ/ 124 : 229.

6) ينظر : غريب الحديث (ابن قتيبة) : 131/2.

7) ينظر : تاج العروس (سرب) : 52/3.

8) نفسه.

9) ينظر : تهذيب اللغة (سرب) : 287/12، ومقاييس اللغة (سرب) : 105/3.

10) ينظر : مقاييس اللغة (سرب) : 105/3.

11) الأمشاج الأخلاط من ماء الرجل والمرأة. وقيل : بل هو ماء الرجل يختلط بماء المرأة. ينظر : لسان العرب (مشبح) : 367/2.

12) نهج البلاغة: خ/ 91 : 167.

13) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 467/2.

سَرُوح
إشارة:

السَّرح المال السَّائم (1). وهو مخصوص - فيما يبدو بالإبل إذ يقال : سرّحنَا الإِبل، وسَرَحَت الإبل سَرْحاً (2). والسَّرْحُ من المال ما يغذى به أو يسام ويراح في المرعى. والجمع سرُوح (3). والدواب تسرح بالغداة، وتُرَاح بالعَشِيِّ (4). والسَّارِحَة الإبل والغنم (5). ويسمى الراعي الذي يرعاها عند سروحها سارِحٌ (6). والمَسْرَح - بفتح الميم – مرعى الشرح. وجمعه مَسارح (7). وجاءت لفظتا (سرُوح) و (مَسَارِح) مرة واحدة لكل منهما في نهج البلاغة (8)للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على رغي الإبل.

واستعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الدلالة مفردة (سُرُوح)، وذلك في سياق وصفه أهل الدنيا، والطامعين فيها بأنهم : ((نَعَمْ (9)مُعَقَّلَةٌ (10)، وأخرى مُهْمَلَةٌ، قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَهَا، رَكِبَتْ مَجْهُولُهَا، سَرُوحُ عَاهَةٍ بِوَادٍ وَعْثِ (11)، لَيْسَ لَهَا رَاعٍ يُقِيمُهَا...)) (12). يشبه الإمام أهل الدنيا بالإبل المعقلة المربوطة بعقال، أو المهملة التي لا راعي لها. التي قد فقدت عقولها، وركبت المجهول الذي لا تعرف غايته، كأنها مال سرُوح. والمراد بـ (السُّرُوح) الإبل، والماشية من غنم وغيرها، لأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد خص الإبل بمفردة (نَعَم)، وهي لفظة لا تطلق الاّ على الإبل. ومن ثمّ صور الناس من مُريدي الدنيا بـ (السرُوح،) وهي لفظة عامة توحي بالدلالة على كل ما يسرح أو يسام به من الإبل والماشية. ولعل هذا المعنى هو الذي سوغ استعمالها بصيغة الجمع على (فُعُول). كأنما أريد به تنوّع هذه الدواب وتعددها، فضلاً عن كثرتها. في إشارة الى تنوع الناس وتعدد أفكارهم وعقائدهم مستويات ادراكهم. وهذا يكون المعنى. أنّ أصحاب الدنيا كالنعم المعقلة المربوطة، أو المهملة التي لا حافظ لها ولا راع، وكالسُّرُوح من الدواب التي ترعى الآفات من الراعي دون الطيب من المرعى براد موظفاً مفردات (مُعَقِّلَة) و (سْرُوح) و (عاهة) و (وَعْث) برادٍ وَعْثٍ - في كناية عن الدنيا -، ومواضع سَرْحِها، لوصف الإنسان الذي تتحكم به الدنيا، كأنه رهن لها وتبع وقد أومأ الإمام بلفظة (عاهة) و (وَعْث) الى ما يتناوله الناس من حرام


1) ينظر : مقاييس اللغة (سرح) : 157/3، ولسان العرب (سرح) : 478/2.

2) ينظر : العين (سرح) : 137/3.

3) ينظر : العين (سرح) : 37/3، ولسان العرب (سرح) : 478/2.

4) ينظر : لسان العرب (سرح) : 478/2.

5) نفسه.

6) ينظر : العين (سرح) : 137/3.

7) ينظر : العين (سرح) : 137/3، ولسان العرب (سرح) : 478/2.

8) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 213.

9) النَّعَم الإبل. ينظر : تهذيب اللغة (نعم) : 11/3.

10) المُعَقِّلَةُ الإبل التي تُعْقَل. يقال : عَقَلْتُ البَعِيْرَ، إذا شددت يده بِعِقَاله، والعقال الرباط. ينظر : تهذيب اللغة (عقل) : 72/4.

11) الوَعْثُ من الرّمل ما غابت فيه الأرجُل والأخفاف. ينظر : لسان العرب (وعث) : 202/2.

12) نهج البلاغة : ك/ 31 : 507.

، وطعام ذي شبهة. وغير ذلك من آفات الزاد الذي تشوبه الشبهات، فضلاً عن الاشارة الى سوء ما يسير فيه من طريق لا يؤدي الى اللّه تبارك وتعالى.

ثانياً : الدلالة مَوَاضِع الشرح

وهي المراعي التي ترعى فيها الإبل والمواشي. وقد وردت هذه الدلالة في سياق دعائه على الأعداء الذين يحث أصحابه على قتالهم. وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((اللّهمَّ فَأَنْ رَدُّوا الْحَقَّ فَافْضَضْ (1)جَمَاعَتَهُمْ، وَشَتَّتْ (2)كَلِمَتَهُمْ... إِنَّهُمْ لَنْ يَزُولُوا عَنْ مَوَاقِفِهِمْ دُونَ طَعْنِ دِرَاكٍ (3)... وَحَتَّى تَدْعَقَ(4)الْخُيُولُ فِي نَوَاحِرٍ أَرْضِهِمْ، وَبِأَعْنَانِ (5)مَسَارِبِهِمْ (6)وَمَسَارِحِهِمْ)) (7). يريد الإمام من قوله : أنّ هؤلاء لن يتراجعوا عن مواقفهم الاّ الا بعدما يذوقوا مرارة الهزيمة، بالطعن النافذ المتتابع في أجسادهم، وحتى تسحق الفرسان نواصر أرضهم ونواحي مراعيهم ومواضع السرح التي ترعى فيها بهائمهم، وتطلق فيها للترويج. فكأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أراد - بهذهِ المفردات - الاشارة الى غزو جنده للاعداء ودخول أراضيهم، ومواضع رعيهم ومواطن دوابهم.

أَرْسَالَاً

الرَّسَلُ القُطِيْع من كلِّ شيء (8). وقيل هو القطيع من الإبل (9)، وهو بين العشر والخمس والعشرين بين العشر الى خمس وعشرين كما يذكر اللغويون (10). وربما أُدخلت مع الإبل في هذه المفردة الغنم أيضاً، إذ يسميها بعض اللغويين أرسالاً (11). واستعمل الإمام لفظة (أرْسَالاً) بصيغة الجمع على (أفعال) مرة واحدة في كلامه الوارد في نهج البلاغة (12)، للدلالة على مضي الناس ووفودهم على اللّه تبارك وتعالى بعد الحياة الدنيا. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق التحذير من الدنيا والتنفير منها ؛ بأنها : ((وَأَعْلَقَتِ (13)الْمَرْءَ أَوهَاقَ (14)الْمَنِيَّةِ قَائِدَةَ لَهُ إِلَى صَنْكَ الْمَضْجَعِ، وَوَحْشَةِ الْمَرْجِعِ...وَيَمْضُونَ أَرْسَالاً، إِلَى غَايَةِ الأَنْتِهَاءِ، وَصَيُّور (15)الْفَنَاءِ)) (16). والنص يوضح كيف تعلق المنية حبالها في رقبة المرء، وتقوده الى ضنك القبر، ووحشة مرجعه في لحده.


1) الفصّ الكَسْرُ والتفريق. ينظر : لسان العرب (فضض) : 206/7.

2) الشتُ الافتراق والتفريق، وشتت جَمْعُهم اذا افتراق. ينظر : لسان العرب (شتت) : 2/ 48.

3) الدَّرْكَ اللَّحَاقُ والدّراك اتباع الشيء بَعْضُهُ على بَعْضٍ في الاشياء كلها. ينظر : لسان العرب (درك) : 10 /420.

4) الدّعْقُ شِدّة وطيء الدّابة ما تحت أرجالها. ينظر : لسان العرب (دعق) : 97/10.

5) أعْنَان كل شيء نواحيه وأطرافه. ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 157/3.

6) المَسَارِبُ المراعي التي تسرب فيها الدواب. ينظر : لسان العرب (سرب) : 65/1.

7) نهج البلاغة : خ / 124 : 299.

8) ينظر : العين (رسل) : 241/7، والقاموس المحيط (رسل) : 1300/1.

9) ينظر : تهذيب اللغة (رسل) : 272/12، والمحكم (رسل) : 472/8.

10) ينظر : تهذيب اللغة (رسل) : 27/12، والنهاية في غريب الحديث : 222/2.

11) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 222/2.

12) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 188.

13) أَعْلَقَ أظفاره في الشيء أنشها فيه، وعلّق الشيء ناطه به. ينظر : تاج العروس (علق) : 28/26.

14) الوَهَق الحَبْل الذي تؤخذ فيه الدَّابَة، وفي انشوطة. ينظر : لسان العرب (وهق) : 10/ 5.

15) صَيُّور الشيء آخره ومنتهاه، ينظر : المحكم (صير) : 360/8.

16) نهج البلاغة : خ/ 83 : 122، 123.

ويصف الإمام مسير الإنسان الى أجله بـ (مُضِيّ الأَرْسَال)، والأرسال جمع (رَسَل)، وهو القطيع من الإبل(1)وقد استعار الإمام هذه المفردة لمضى الناس وتوجههم نحو مماتهم، كأنهم قطعان الإبل التي يتبع بعضها بعضاً. واستعماله لهذه المفردة متأتّ من دلالتها على الهيأة التي يكون عليها الناس عند مماتهم، أو عند القيامة. فهم يمضون الى مصائرهم مستسلمون، لا يعترضون على شيء البتة. كما الإبل التي يسوقها صاحبها جملة وأرسالاً قطيعاً أثر قطيع (2). ولفظة (أَرْسَال) لا تستعمل في اللغة إلا عند الدلالة على تقسيم قطعان الإبل على مجموعات مجموعات عند ورودها الماء. فيسمون كل مجموعة منها (أرسالاً). كما يفهم من أقوال اللغويين(3)؛ فتكون كل مجموعة منها بعشرة من الإبل (4). ترسل الواحدة تلو الأخرى. ويمكن أن يراد بـ (الأَرْسَال) جمع (رَسِيْل)، وهو الفحل من الإبل الذي ترسله العرب فى الشول من النوق ليضربها. فيقال هذا رَسِيْل آل فلان. أي فحل إبلهم (5). فكأنما هؤلاء الناس الذين يمضون الى (غاية الإنتهاء) تختلف شؤونهم وأحوالهم، فمنهم من هو فحل قومه وسيدهم المطاع، ومنهم من هو زعيم قومه ورئيسهم، وكل هؤلاء مصيرهم كمصير الأرسال من الإبل التي تُرْسَل الى مواضعها بزجر وحداء.

9 - قياد الإبل وسوقها وصعابها وذللها

أسلس

السَّلِسَ – في اللغة - اللين السهل (6). ورجلٌ سَلس، منقاد لين (7). ومهر سَلس منقاد (8). وقد وردت لفظة (أَسْلَسَ) و (سَلِس) و (سلسلاً) مرتين لكل لفظة منهما ؛ للدلالة على سهولة القياد وسرعته ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق الحديث عن الخلافة، وذكر صعوبة مركبها : ((... فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ، أَنْ أَشْنَق (9)لَهَا خَرَمَ (10)، وَأَنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَحمَ (11)...)) (12). يتحدث الإمام عن خلافة (عمر بن الخطاب) التي عقدت له من الخليفة (أبي بكر) الذي صيّرها : ((في حَوْزَةٍ خَشْنَاءَ، يَغْلُظُ كَلَّمُهَا، وَيَخْشُنُ مَهَا، وَيَكْثُرُ العِثَارُ فِيهَا)) (13). فيشبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من متقلد الخلافة بـ (راكب الصعبة)، وهي الناقة غير الذلول التي يصعب قيادها، لأنها غير مروضة. وراكب هذا النوع من النوق يكون بإزاء أمرين ؛ فإما أن يكبح جماحها بشد زمامها وهو ما يؤدي وأذاها، أو أن يطلق العنان لها، بإسلاس زمامها، وإرخائه، فتطير به نحو الهلاك ؛ لأنه تركها


1) ينظر : المحكم : 472/8، والمصباح المنير : 226/1.

2) ينظر : الفائق : 00/2، وغريب الحديث (الخطابي) : 169/1.

3) ينظر : تهذيب اللغة (رسل) : 272/12، والفائق : 55/22، وغريب الحديث (الخطابي) : 169/1.

4) ينظر : تهذيب اللغة (رسل) : 272/12.

5) نفسه.

6) ينظر : لسان العرب (سلس) : 106/6.

7) نفسه.

8) ينظر : تهذيب اللغة (سلس) : 209/12.

9) أشنق البعير، إذا جذب خطامه. ينظر : لسان العرب (شنق) : 187/10.

10) الخَزَمُ الشَّقُ، وخَزَم أنفه، إذا قطع وتره. ينظر : لسان العرب (خرم) : 12 / 70.

11) تقحم الشيء. دخل فيه. ينظر : لسان العرب (قحم) : 462/12.

12) نهج البلاغة: خ/3 : 29.

13) نهج البلاغة: خ/3 : 29.

منقادة لا موجه لها، فتسحق كل ما وطأته أرجلها، وتدمّر كل ما أتت عليه. كأنها فاقدة عقلها من شدة سلسها. والسلس ذهاب العقل (1). كأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يشير الى أن (عمر بن الخطاب) قد ركب الخلافة التي شبهها (بالصَّعْبَة) من النوق التي يعجز صاحبها عن مداراتها وقيادتها ؛ بسبب من عدم قدرته على ركوبها وتمرسه بهذا النوع من القياد، ولهذا كان بإزاء أمرين، فإما الشدة والأخذ بالقوة، أو الإرسال، وترك الأمر على ما يراد، وذلك باستعمال اللين والركون الى عدم الشدة في إدارة الأمور، وهو ما يؤدي الى عدم إحكام إدارة الدولة، فيكون ذلك مدعاة الى ورود المهالك والوقوع في التخبط. وقد أشار الشارح البحراني الى أن هذا التشبيه من التشبيهات اللطيفة التي عقدها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2). فإنه عقد التشبيه بين راكب الناقة الصعبة وبين المتسنم كرسي الخلافة ووجه الشبه بينهما الاضطراب وعدم الثبات والسيطرة على هذه الصعاب التي تعرض لهما فلاريب ان يؤدي ذلك الى سقوط الراكب وانكفائه ونظير. دلالة (أَسْلَسَ) على إرخاء القياد، وعدم كبح الجماح ما ورد في (خ / 83)، 192، ك / 45،36، قصا / 147).

الصَّعب

الصَّعْب نقيض الذلول من الدواب، والأنثى منه صَعْبَة (3). وأصعب الجمل الفحل، فهو مُصْعَب، وإصْعَابه أنه لم يركب ولم يمسه حبل (4). وأصعبت الناقة، إذا تركت فلم يحمل عليها شيء (5). وجاءت لفظة (الصعب) مرتين في نهج البلاغة، في حين استعملت مفردة (الصَّعْبَة) و (صَعْبها مرة واحدة لكل منهما (6)، للدلالة على الصعب غير الذلول من الإبل. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعبد اللّه بن عباس يصف فيه طلحة : (لا تَلْقَيَنَّ طَلْحَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ تَلْقَهُ تَجِدْهُ كَالثَّوْرِ عَاقِصاً قَرْنَهُ، يَرْكَبُ الصَّعْبَ وَيَقُولُ: هُوَ الذُّلُولُ)) (7). أراد الإمام أن في (طَلْحَة) ضرب من الكبر والخيلاء والعنت حتى أنه يستهين بالصعب مهما كان شديداً أمره. فإذا ركب الجمل الصعب الجموح غير المنوق الذي يعسر ركوبه. قال : هو ذلول هين. فأخذ الإمام لفظ (الصَّعْب). هنا – للدلالة على صعاب الأمور الذي لا تعرف عواقبها مشبهاً إياها (بالصَّعب من الجمال الذي يجمح بصاحبه ويرديه. وقد أشار شراح النهج الى أن المراد من تعبير الإمام بلفظ (يَرْكب الصَّعْب) الدلالة على شراسة خلقه وشكاسة طبعه، وفخره بركوب الصعاب (8). ويبدو من وصف الإمام لطلحة بهذا الوصف أنه لا يعبأ بشدة بشدة الأمور ونتائجها، ولهذا فإنه يمتطي الإبل الصعاب حتى مع هياجها فخراً بقوته، مثلما يعتلي صعاب الأمور، استهانة منه بنتائجها.


1) ينظر : لسان العرب (سلس) : 107/6.

2) شرح نهج البلاغة (البحراني) : 178/1.

3) ينظر : العين (صعب) : 311/1، ومقاييس اللغة (صعب) : 286/3.

4) ينظر : العين (صعب) : 311/1، ولسان العرب (صعب) : 524/1.

5) ينظر : مقاييس اللغة (صعب) : 287/3، وأساس البلاغة (صعب) : 354/1.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 257.

7) نهج البلاغة: خ/31 : 67، 68.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 129/2، والديباج الوضي : 377/1.

أقول : وكأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يومئ الى أن هذا الضرب من الناس لا يحتاج الى نصح وأرشاد وتوجيه، لأنه غلبت عليه شقاوته، وعلاه الكبر والمنع. فكأنه كالجمل الصعب غير المذلل لا تنفعه المعاملة بالرقة وقد وردت ألفاظ (الصَّعْبَة) و (الصَّعْب) و (صَعْبها) بالدلالة المتقدمة نفسها وذلك في (خ / 3، ك / 31، 63).

التّفُور

النّفُور من الدواب هو المتجافي المتباعد. الذي تفرق عن غيره (1). وقد وردت هذه المفردة مرة واحدة في نهج البلاغة (2)، للدلالة على المبتعد المتجافي من الإبل. وذلك في وصيته للإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مقام التشبيه بالصعب النفور من الدواب. إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((أَيْ بُنَيَّ، إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُنِي قَدْ بَلَغْتُ سِنَا، وَرَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهْناً (3)، بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِلَيْكَ، وَأُورَدْتُ خِصَالاً مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَعْجَلَ بِي أَجَلِي دُونَ أَنْ أُفْضِي(4)إِلَيْكَ بِمَا فِي نَفْسِي... أَو يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الْهَوَى وَفِتَنِ الدُّنْيَا، فَتَكُونَ كَالصَّعْبِ النَّفُورِ...))(5). أراد أنه بادر الى الى ولده الإمام الحسن (عليهما السلام) بالوصية قبل أن يدنو أجله، فألقى اليه ما في نفسه من حكم وأقوال وقبل أن تقرب غلبات الهوى وفتن الدنيا. فيقسو - عند ذاك - القلب، ويصير الإنسان كأنه جمل صعب القياد. نفور غير آنس بصاحبه، يستوحش من كل ما يلقاه. واستعماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردتي (الصَّعْب) و (النّفُور) يظهران وجه الشبه بين طرفي التشبيه الذي أسقط منه الإمام الموصوف وأبقى صفاته الدالة عليه، فكأنه قال : ((فَتَكُونَ كالجَمَلِ الصَّعْبِ النَّفُورِ)) الذي لا يمكن ترويضه وإيناسه، ليكون ذلولاً آنساً بالناس لا يتجافى عنهم. وتشبيه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لقلب الإنسان الذي يقسو وينمو على عدم النصح والإرشاد والهداية (بالصَّعْب النفور) من الدواب، تشبيه لطيف أراد به الإمام إثبات مسألتين ؛ الأولى عدم القدرة على تأديب الأحداث من الأولاد بعدما يشبّون ويكبرون على المعاصي والآثام، فضلاً عن عدم القدرة على ترويضهم وإعادتهم الى الطريق المستقيم ؛ لأنهم ينفرون من النصح والإرشاد، ويتفرقون عمّن يرشدهم ويوجههم كما ينفر الجمل النفور عن صاحبه، كأنهم يخشون غلبة الناصح عليهم، وتمكنه من إقناعهم بالهداية الى الإيمان. ولهذا ذكر أمير المؤمنين مبادرته بالوصية الى ولده الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهذا الخطاب عام لا يخصصه المورد - كما يقال – فالحديث موجه الى كل أبٍ عليه أن يسبق أيامه الارشاد أولاده وتوجيههم قبل أن يبلغوا أشدهم، فيبادرهم بالأدب وهم فتية أحداث لما تقسوا قلوبهم بعد : فـ((قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرْضِ الْخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ قَبِلَتْهُ)) (6). كما يقول الإمام

ذلل
إشارة:


1) ينظر : مقاييس اللغة (نفر) : 459/5، ولسان العرب (نفر) : 224/5.

2) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 449.

3) الوَهْن الصّعْف. ينظر : لسان العرب (وهن) : 453/13.

4) الإفضاء في الأصل الإنتهاء. ينظر : لسان العرب (فضا) : 107/15، وهو هنا يعني القاء ما في نفس الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من كلام الى ولده الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ).

5) نهج البلاغة ك 31 498، 499.

6) نهج البلاغة : ك/31 : 499.

الذُّلُول هو المنقاد من الدواب (1)، ودابة ذَلُول بينة الذل (2). وقد وردت لفظة (ذُلُل) بصيغة الجمع على (فعل) مرتين في نهج البلاغة، في حين جاءت مفردة (الذُّلُول) مرة واحدة فيه (3). للدلالة على ما يأتي :

أولاً: الدلالة على الدواب الذُّلُل التي تنقاد بسهولة.

ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق كلامه عن (طَلْحَة) وكبريائه، في خطاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعبد اللّه من عباس إذ يقول : ((لا تَلْقَيَنَّ طَلْحَةَ، فَإِنَّكَ أَنْ تَلْقَهُ تَجِدْهُ كَالثَّوْرِ عَاقِصاً قَرْنَهُ، يَرْكَبُ الصَّعْبَ وَيَقُولُ: هُوَ الذُّلُولُ..)) (4). يريد أن في طلحة من الكبر والتعالي، ما جعله يهون الصعاب كلها، ولو كان يركب الصعب من الدواب، فإنه يقول : إنه ذلول منقاد مبالغة في التكبر والخيلاء.

ثانياً : الدلالة على التقوى وسهولتها

وذلك أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعار لفظ (المطايا) للتقوى، جاعلاً منها أشبه بالدابة التي يمتطي ظهرها لتوصل الى المكان الذي يريده الإنسان، وقد وصف الإمام هذه (المطايا = التقوى) بـ (الذُّلُل) إشارة الى أنها غير صعبة القياد، وسهلة الامتطاء وذلك كله كناية عن يسر التقوى وسهولتها، إذا ما أراد الإنسان أن يكون تقياً. وبهذا تصير التقوى (مطايا ذُلُل) توصل الانسان الى اللّه جل جلاله ورضاه. يقول الإمام : ((أَلَا وَإِنَّ التَّقْوَى مَطَايَا ذُلُلٌ، حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، وَأُعْطُوا أَزمَّتَها، فَأُورَدَتْهُمُ الجَنَّةَ)) (5).

ثالثاً : الدلالة على السحاب الخالي من البروق والصواعق

وهذهِ من الدلالات المميزة عند الإمام، وقد ورد في سياق دعاء له استسقى به قائلاً : (اللّهمَّ اسْقِنَا ذُلُل السَّحَابِ دُونَ صِعَابِهَا)) (6)يريد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بـ(ذُلُل السَّحاب) المطر الذي لا رعد فيه ولا برق (7). وقد أخذ شراح نهج البلاغة تفسير هذه الكلمة من كلام الإمام من السيد الشريف الرضيي الذي فسر مفرداتها، والصورة الفنية فيها وهو متعجب من فصاحتها وبلاغتها بقوله : ((وهذا من الكلام العجيب الفصاحة، وذلك أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) شبّه السحاب ذوات الرعود والبوارق والرياح والصواعق بالإبل الصعاب التي تَقْمُصُ برحالها وتقصُّ بركبانها، وشبّه السحاب خاليةً من تلك الروائع (8)بالإبل الذُّلُلِ التي تُخْتَلَبُ طَيِّعَةً وتُقْتَعَدُ مُسْمِحَةٌ (9))) (10).

وقد وقف الشارحون عند هذا النص من كلام الإمام بإجلال، وبهرتهم مفرداته، حتى أنهم ما استطاعوا أن يأتوا بشيءٍ جديد في بيان دلالات مفرداتها غير ما ذكره السيد الشريف الرضي الذي قال فيه الشارح ابن أبي


1) ينظر : العين (ذلل) : 176/8.

2) ينظر : العين (ذلل) : 176/8، والمحكم (ذلل) : 49/10.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 171.

4) نهج البلاغة: خ/ 31 : 68.

5) نفسه : خ/ 16 : 44.

6) نفسه: قصا / 472 : 695.

7) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 166/2، ولسان العرب (ذلل) : 257/11.

8) الرَّوائع من الرَّوْع، وهو الفزع. ينظر : لسان العرب (روع) : 130/8.

9) مُسْمِحَة اسم فاعل من (سَمَحَ). والسماح الجود، وعدم الضيق والشدة، ومنه (أسْمَحَت الدابة) إذا لانت بعد استصعاب. ينظر : لسان العرب (سمح) : 89/2.

10) نهج البلاغة : قصا/ 472 : 695.

الحديد : ((قد كفانا الرَّضِيّ - رحمه اللّه – بِشَرْحه هذه الكلمة مؤونة الخَوْض في تفسيرها))(1). في حين أعاد بعض الشراح كلام السيد الشريف نفسه بصياغة أخرى (2). ويبدو أنّ إعجاب الشراح بكلمة الإمام هذه ليس براجع الى مواطن الشبه بين (ذُلُل السَّحاب وصعابها) وبين الدواب الذلول وصعابها أيضاً، وإنما لمكان الاستعارة التي أنشأها الإمام بأخذ هذه المفردات من مجالاتها الدلالية التي تستعمل فيها الى سياق الدعاء بالاستسقاء، وطلب نزول الغيث غير المشتمل على العواصف والصواعق، لأن نزول المطر يمثل رحمة من اللّه تبارك وتعالى، فلهذا طلب (عَلَيهِ السَّلَامُ) في دعائه أن تكون هذه الرحمة غير مشوبة بالبرق والرعد، وهي من الظواهر المخيفة التي يهيج لها الإنسان ويروع.

أَشْنَق

الشنق طول الرأس كأنما يمد صعداً (3). ويقال للفرس طويل الرأس شِئَاق ومَشْنُوق (4). ومنه أيضاً : شنقت رأس الدابة، إذا شددته الى أعلى شجرة، أو وقد مرتفع(5).

وجاءت لفظة (أَشْنَق) مرة واحدة في نهج البلاغة (6)؛ للدلالة على شَنْقِ خطام الناقة الصعبة. وذلك في قول أمير المؤمنين الذي يتحدث فيه عن خلافة (عمر بن الخطاب)، مشبهاً الخلافة بـ (بالنّاقة الصَّعْبَةِ) غير المروّضة إذ يقول : ((فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ، أَنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ، وَأَنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَدَّمَ...)) (7). والضمير في قوله (فَصَاحبها) يعود الى (الخِلافَة)، إذ يشبه الإمام تسلم الخليفة عمر بن الخطاب الخلافة من (أبي بكر) بركوب (الصَّعْبَة)، وهي الناقة غير المروضة العسيرة القياد، ويبدو من كلامه وجود حذف في النص، فلم يذكر الموصوف فيه، وهو كلمة (الناقة)، واكتفي بذكر الصفة بدلاً عنه وهو لفظ (الصعبة) الموصوف في هذا النص، وهو لفظة (الناقة)، وأبقى صفتها محلها، وهي مفردة (الصَّعْبَة)، لعنايته بأمر الصعوبة التي تبدوا من ركوب هذا النوع من النوق، والتي تمثل في هذا النص (الخلافة)، وهي المشبه. إذ ليس المراد جنس المركوب كما يذكر بعض الدارسين (8)، الذي التفت الى هذا النوع من الدلالة التي أنتجها الحذف في هذا السياق. ولعل الحذف - هنا - كان بسبب من سكوت الإمام عن ذكر لفظة (الخلافة) ؛ لأنها هي المقصودة بالتشبيه، فكأن الإمام يريد القول إن (المُتسَنّم) للخلافة كراكب الناقة الصعبة، فحذف لفظة.

(الخلافة)، وأبقى الضمير دالاً عليها، ولما كان هذا دَأْبُ الإمام في الخطبة كلها فإنه أعرض عن ذكر هذهِ المفردة، واكتفى بذكر أوصافها، ولهذا عمد (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى الاستغناء عن ذكر مفردة (الناقة) وأبقى صفتها بدلاً


1) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد : 191/20.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 5/ 510، والديباج الوضي : 3081/6، 3082.

3) ينظر : العين (شنق) : 42/5، وتهذيب اللغة (شنق) : 257/8.

4) نفسه.

5) ينظر : العين (شنق) : 42/5، وأساس البلاغة (شنق) : 339/1.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 245.

7) نهج البلاغة خ /3 : 29. وقد نقل اللغويون قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المتقدم. ينظر : النهاية في غريب الحديث : 506/2، ولسان العرب (شنق) : 187/10.

8) ينظر : غريب نهج البلاغة : 333.

عنها ليحقق نوعاً من التناسب بين المشبه والمشبه به. حتى اننا نجد الخطية (الشَّقشِقيّة) التي ورد فيها هذا النص المتقدم محتفلة بضمائر الشأن المتصل بالفاظها مثل (تَقَمَّصَها، دُوْنَها، أَدْلَى بها، يَسْتَقِيْلُهَا، صَيَّرَها، فَصَاحِبُها). وبالعودة الى مفردة (أشْنَقَ)، فهذه اللفظة تعد من المفردات الدالة على قياد (الناقة) والتحكم بها، ولاسيما في إسراعها وإبطائها، وتوجيهها الوجهة التي يريد راكبها لأنه الأساس في هذا التوجيه. والظاهر من كلام الإمام أن العكس هو الحاصل في (القياد) هنا (فالناقة الصَّعْبة) وهي (الخلافة) هي التي تقود صاحبها، وتعجل به بحيث يظهر أن سيطرته عليها غير بينة، فـ (الصَّعْبة = الخلافة) جموح بصاحبها، ولهذا كان (راكبها) بإزاء أمرين ؛ فإما أن يشنق زمامها ويكتفه، وتكون نتيجة ذلك خرم أنفها ؛ لأن زمام الناقة موضوع بخشاش أنفها أو طرف أرنبته مما لا يبلغ الجدع. وهو ما يعبر عنه بـ (الحَزْم) (1). كأن راكب الناقة يحأول كبح جماحها، فيجذب خطامها، فترفع الدابة رأسها بسبب من سحب مقودها فينخرم أنفها عند ذاك. وقد علق السيد الشريف الرضي شارحاً قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ((أَنْ أَشْنَقَ لها خَرَم)) بقوله : ((يريد : أنّه إِذا شَدِّدَ عليها في جَذَّب الزَّمَام، وهي تنازعه رأسها خَرَم أنفها...))(2).

ويعتمد الشارح السيد الشريف على الدلالة المعجمية لمفردة (أشنَق) التي يذكرها المعجميون، ومن ثم تبعه اللغويون والمصنفون في الغريب في ذكر المعنى نفسه (3). في حين اتفق شراح النهج على ذكر الدلالات المتقدمة نفسها أيضاً (4). وأما المعنى الذي قصد اليه الإمام في توظيف مفردة (أشنَق) التي ذكر السيد الشريف أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد استعملها متعدية بحرف الجر (لها)، ولم يقل (أشنَقها) لأنه جعلها في مقابل (أسْلَسَ لها)(5). فقد ذكر بعض الشراح عدة معانٍ لكلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ، فمنها أن يكون الضمير في (صَاحِبَها) عائد الى مفردة (حَوْزَةٍ خَشْناء) (6)لأنها متقدمة الذكر (7)، التي أشار بها الإمام الى طبيعة الخليفة (عمر بن الخطاب) الصعبة التي لا يحتمل للناس التعامل معه، فكأن أصحابه بحاجة الى مداراته لأنهم كمن يركب الصعبة إذا أشنق لها خرم، وإن منحها زمامها تقحمت به المهالك (8). والشناق – هنا – يخص طريقة التعامل مع الخليفة وبهذا يكون يكون المشبه في النص – بناءً على هذا الوجه - هي (الحوزة الخَشْنَاء) والمراد بها الخليفة عمر بن الخطاب كما ذكر بعض الشارحين (9). شبهت بالناقة الصعبة، ووجه الشبه هو الصعوبة وشدة الطبع وغلظة التعامل مع الآخرين. وقد رأى بعض الشراح أن يكون الضمير في (صاحبها) عائداً على (الخلافة) التي شبهها (عَلَيهِ السَّلَامُ) (بالناقة الصعبة) فلو فرط الذي يقود الناقة بزمامها، وتركها هملاً لألقته في التهلكة، وكذلك لو فرط الخليفة


1) ينظر : لسان العرب (خرم): 170/12.

2) نهج البلاغة: خ/3 : 33.

3) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 506/5، ولسان العرب (شنق) : 187/10.

4) ينظر : معارج نهج البلاغة : 232، 233، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 170/12، 171، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 178/1.

5) ينظر : نهج البلاغة: خ/3 : 33.

6) يقصد قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((فيَا عَجَباً بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُها في حَيَاتِهِ إِذْ عَقدَهَا لاخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ... فَصَيَّرَهَا في حَوْزَة خَشنَاء، يَعْلَظُ كَلَّمُهَا...)) نهج البلاغة: خ/3 : 29.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 177/1، 178، والديباج الوضي : 212/1.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 177/12، 178.

9) ينظر : الديباج الوضي : 213/1.

بخلافته وتخلى عن أحكامها وشرائطها ومراعاة شؤون الرعية وجانب في الحق والمحافظة عليها، وأهمل أمرها، فلا بد أن تُلقيه فى موارد الهلكة (1). وقد عبّر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن عدم تدبر القيادة واحكام أمرها بلفظ (أسلس) الدال على بلفظ (أَسْلَسَ)، إرخاء القياد، وأما إذا (أشْنَقَ) أمرها وشدد في تطبيق لوازمها، كان في ذلك مشقة وكلفة مثلما يصاب صاحب الناقة الصعبة التي إن زمها وكبحها ادى ذلك الى خرم أنفها وإيذائها. كأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يشير بهذا الوجه الى أن أحداً لا يمكنه الموازنة وإحكام العدل عند توليه (الخلافة)، لأنه سيلزم نفسه الإفراط أو التفريط. ولاسيما في أيام (السَّقِيقَةِ) وما جرى بعدها، ولهذا احتمل كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحتمل معنى آخر أشار اليه الشارح البحراني، ملخصه أن المراد بقول الإمام (صَاحِبُها) هو نفسه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد تشبه براكب الصعبة ؛ لأنه كان أيضاً بين أمرين ؛ فإما أن يشنق فينحرم. أي أن يتشدد ويسعى الى طلب حقه، فينشعب أمر المسلمين وتنشق عصاهم كما ينشق أو ينخرم أنف الناقة من جرّاء كبحها. أو أن يُسْلِس لها ويترك الأمر على حاله، وذلك بأن يسكت فيؤدي ذلك الى تقحم الهلاك والأذى (2). بما سيواجهه من الخلفاء وغيرهم. ويبدو هذا المعنى المعنى راجحا مقبولا على الرغم من أن البحراني قد جعله محتملاً فحسب

10 - لقاح الإبل ونتاجها

اللقاح
إشارة:

التِّقْحَة، وهي الناقة التي استبان لقاحها وهي حملها. أي أنها أُلْقِحَت من الفحل (3). ويقال اللقاح جمع للناقة لَقُوحٍ أول نتاجها لشهرين أو ثلاثة، ثم يقع عنها اسم اللوح. والتَّقوُح الحَلُوبَةُ من الإبل (4).

واستعملت لفظة (القاح) ثلاث مرات في نهج البلاغة مرة محلاة بـ (ال) التعريف ومرتين مجردة منها (5)وذلك للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على الإبل الحَلُوب النُّقْحَة.

وهي الإبل النتاج القريبة العهد بالولادة، التي تكون ذات لبن. وذلك إمارة على وجود أولاد لها. واستعمل الإمام هذه المفردة بصيغة الجمع على (فعال)، في سياق وصف أصحابه الذين لم يتخلفوا عن دعوة الاسلام وذابوا فيه، وأحكموا القرآن الكريم، وهرعوا الى الجهاد كما تهرع النوق الى أولادها. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((أَيْنَ الْقَوْمُ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى الإِسْلَامِ فَقَبِلُوهُ؟ وَقَرَأوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ؟ وَهِيجُوا إِلَى الْجِهَادِ فَوَلَّهُوا الشَّقَاحَ أَولَادَهَا...))(6). فشبه الإمام حال هؤلاء القوم وولههم حينما هيجوا الى الجهاد، بحال اللقاح من النوق، وهي التي ولدت للتو، وما زالت قريبة عهد بالنتاج ؛ فإذا فارقت وليدها، ذهلت، وطار صوابها وهاجت اليه شوقاً. وهذهِ


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 178/1.

2) نفسه.

3) ينظر : العين (لقح) : 47/3، وتهذيب اللغة (لقح) : 33/4.

4) ينظر : المحكم (لقح) : 12/3.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 411.

6) نهج البلاغة: خ/ 121 : 224.

الحال شائعة في الإبل اللقحة، فإنها ما تزال تحن الى ولدها حتى يسمن سنامه، وذلك لسبعة أشهر، فيفصل عنها عند طلوع سهيل (1). فتكون بعد هذه المدة أهون حنيناً الى فصيلها.

أقول : وقد أخذ الإمام هذه الفكرة المتعلقة بعطف هذه الدواب على أولادها وولهها عليهم، جاعلاً منها صورة وشبه بها أصحابه الذين هيجوا الى الجهاد كما تهيج الإبل وتحن منبعثةً الى أوطانها (2). فصار – في هذا السياق - ضربان من الحنين والوله الذي تمتاز به النوق، الأول وظف له مفردة (هيجوا)، وهو مأخوذ - كما سلف - من هياج الناقة وانبعاثها الى وطنها، والثاني وله اللقاح من الإبل الى أولادها. وإنما خص اللقاح دون غيرها من النوق ؛ لأنها أشد ما تكون ولها الى فصلانها من غيرها، حتى كأنها قد ذهب عقلها من شدة الوجد والحيرة عليهم. وثمة إشارة تتعلق بالفعل (وَلِهُوا)، فقد رَوَت بعض شروح النهج البلاغة رواية أخرى فيه (وَلَّهُوا) بوزن (فَعَّل) بالمبالغة، كأن هؤلاء أرغموا اللقاح من الإبل على فراق أولادها، بأن ركبوا هذه النوق، أو استعملوها في الجهاد، وذلك كله رغبة في طاعة اللّه تبارك وتعالى وإجابةً لداعي الجهاد. ومع ضعف هذهِ الرواية ؛ لأنها تخالف النهي عن تفريق الأمهات عن أولادهن في البيع كما ورد في الحديث الشريف(3). لكن ذلك يظهر الصورة التي كان عليها هذا النوع من المسلمين الأوائل. وثمة موضع آخر استعمل فيه الإمام مفردة (لقاح) ؛ للدلالة على إلقاح الحرب وتهيئة أسبابها، وذلك في (خ/150).

ثانياً : الدلالة على مَاءِ الفَحْلِ

وجاءت هذه الدلالة في سياق كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن (الطاووس) وعجيب خلقته ؛ إذ يقول نفي لقاح الفحل من هذه الطيور لأنثاه من دمعة تسفحها مدامعه : (وَلَوْ كَانَ كَزَعْمِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُلْقِحُ بِدَمْعَةٌ تَسْفَحُهَا (4)مَدَامِعُهُ، فَتَقِفُ فِي صَفَّتَي جُفُونِهِ، وَأَنَّ أَنْثَاهُ تَطْعَمُ ذلِكَ، ثُمَّ تَبِيضُ لَا مِنْ لِقَاحٍ فَحْل سِوَى الدَّمْعِ الْمُنبَجِسِ (5)، لَمَا كَانَ ذلِكَ بَأَعْجَبَ مِنْ مُطَاعَمَةِ (6)الْغُرَابِ...))(7)ويذكر الإمام زعم من زعم أن الطاووس الذكر يلقح أنثاه من دمعة تسفحها مدامعه، فتطعم أنثاه ذلك، ثم تبيض دونما لقاح الا الدمع الذي ينفجر عن عيونه. وإنما يشير الإمام إلى هذه الحال في الطاووس ليس على نحو صدق ذلك، وأنما على نحو ما يذكر في شأن هذا الطير العجيب، ولهذا قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((ولو كان كَزَعْمِ مَنْ يَزْعُم...))، ولا يعني هذا تصديقه لهذا الزعم ولكنه لوصح، فلا يكون أعجب من قولهم في مطاعمة الغراب عند اللقاح. فالعرب تزعم أن الغراب لا يسفد، وأنّ لقاحه يكون من مطاعمة الذكر والأنثى، وذلك بإيصال جزء من الماء الذي


1) ينظر المحكم (لقح) : 13/3.

2) ينظر : لسان العرب (هيج) : 395/2.

3) ونَصّ الحديث أنّه (صلى اللّه عليه وآله) قال : ((لا تُوَلَّهُ وَالدَةٌ عَنْ وَلَدِهَا)). كنز العُمّال للمتقي الهندي : 577/5، 70/9. وقد ورد الحديث في : العين (وله) : 89/4، والنهاية في غريب الحديث : 226/5.

4) تَسفَحها تُرسلها. ينظر : لسان العرب (سفح) : 485/2.

5) البَجْس انشقاق في قِرْبة أو حَجَرٍ، أو أرض ينبع منها ماء، وهو عام لكل انفجار ماء أو غيره. ينظر : لسان العرب (بجس) : 24/6.

6) المُطَاعَمَةُ التّطَاعُم، وهو إدخال الفم في الفم، وهو في الحمام التقبيل. ينظر : تهذيب اللغة (طعم) : 14/2.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 207/9، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 667/3.

في قانصته اليها، بعدما يضع منقاره في منقار صاحبه، ويتزاقا (1). ولهذا عبر (عَلَيهِ السَّلَامُ)عن سفاد الغراب بمفردة (مطاعمة)، للدلالة على تزاوجه وسفاده (2)على نحو يشبه المطاعمة.

أقول : وقد ذكر الجاحظ (ت 255 هـ) ما تزعمه العوام من أن تسافد الغربان يكون من تطاعمها بالمناقير، وأن لقاحها يكون من هذا الوجه (3)وقد ردّ الجاحظ هذا الزعم، وذكر أنه لم ير العلماء يقولون أن إناث الحمام، إذا تسافدت قبل بعضها بعضاً، وأنها تبيض عن ذلك، ولكن لا يكون من ذلك البيض فراخ، وإنه في سبيل بيض الريح (4). وبالعودة الى لقاح ذكر الطاووس لأنثاه، فالذي ذكره الإمام هو زعم من ذهب الى أن ذلك لا يحصل من لقاح فحل، فإنها لا تبيض منه والمراد من مفردة (لقاح) هو ماء الفحل، وهذا أصل دلالة هذه اللفظة عند اللغويين (5). ووظف الإمام التعبير عن هذه المفردة في سياق كلامه عن سفاد الطواويس لإناثها، موسعاً من دلالة هذه الكلمة، وأخذاً إياها من لقاح الإبل الى لقاح الطاووس. فاللفظة المتقدمة مخصوصة أصلاً بلقاح الإبل كما يذكر أهل اللغة (6). واستعمالها في غير ذلك المجال، مثل التعبير بها عن لقاح النساء وغيرها من اللقاح، دليل على اتساع معناها، ولعل ذلك يؤدي الى تغيير دلالتها. فإنها إذا استعملت في الدلالة على لقاح النساء، فذلك يدل على حملها ولقحت إذا حملت (7). ومهما يكن من شيء فإنه لو كان سفاد الطواويس بالطريقة التي ذكرها الإمام على سبيل الزعم، فذلك من عجائب هذا الطائر التي أبدع اللّه تبارك وتعالى في صنعه.

شوْله
إشارة:

شَالَتْ الناقَةُ بذنَبِهَا، إذا رَفَعَته (8)، والشَّؤل من النوق اللواقح، الواحدة شائِل، وهي التي ضربها الفحل ؛ فشالت بذنبها، أي رفعته، لتري الفحل أنها لافح، وهذه علامة للقاحها (9). والشَّوْل من النوق واحدتها شائلة. هي التي نقصت ألبانها، أو جفت (10). وتنقص ألبان الإبل، إذا أتى عليها سبعة أشهر من يوم نتاجها، فلا يبقى في ضروعها إلا شول من اللبن، أي بقية مقدار ثلث ما كانت عليه في حدثان نتاجها (11). وقد استعملت لفظتا (أَشَالوا) و (شؤله) مرة واحدة لكل منهما في نهج البلاغة (12)؛ للدلالة على ما يأتي :


1) ينظر : معارج نهج البلاغة : 581/1.

2) ينظر : الحَيوان، للجاحظ : 177/3.

3) نفسه.

4) نفسه.

5) ينظر : العين (لقح) : 47/3، وتهذيب اللغة (لقح) : 33/4، والمحكم (لقح) : 12/3.

6) ينظر : تهذيب اللغة (لقح) : 34/4، والمحكم (لقح) : 13/3، والنهاية في غريب الحديث : 262/4.

7) ينظر : تهذيب اللغة (لقح) : 34/4، والمحكم (لقح) : 3/13.

8) ينظر : العين (شول) : 285/6.

9) ينظر : العين (شول) : 285/6، وتهذيب اللغة (شول) : 282/11، ولسان العرب (شول) : 374/11.

10) ينظر : العين (شول) : 285/6.

11) ينظر : تهذيب اللغة (شول) : 282/11، ولسان العرب (شول) : 374/11.

12) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 247.

أولاً : الدلالة على رفع الأيدي للقِتال

وقد استعمل الإمام هذه الدلالة لمفردة (أَشَالُوا) في قوله الذي يتحدث فيه على الفتن والضلال : ((... وَاسْتَرَاحَ قَوْمَ إِلَى الْفِتَنِ، وَأَشَالُوا عَنْ لَقَاحٍ حَرْبِهِمْ، لَمْ يَمُنُّوا عَلَى اللّه بِالصَّبْرِ، وَلَمْ يَسْتَعْظِمُوا بَثْلَ أَنْفُسِهِمْ فِي الْحَقِّ...)) (1). والنص في صفة قومٍ من أهل الضلال الذين استراحوا الى الفتن، ومالوا الى ضلالها واتباعها، فأشالوا أيديهم وسيوفهم الى لقاح حربهم مع أهل الفتنة والضلال. وقد أخذ الإمام لفظة (أَشَالُوا) أو (آشتالوا) في بعض الروايات، للدلالة على تعزيز الحرب والفتن والقاحها كما تلقح الإبل الشوال(2). وهذا المفردة المفردة مأخوذة من قولهم (ناقة شائل) أو (شؤل)، وهي التي ترفع ذنبها علامة على أنها لاقح (3). أو كأنها تستعد للقاح، فتشول بذنبها للفحل (4). فعبّر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه المفردة عن رفع أيديهم وسيوفهم عن أن يلقحوا الحرب على هذه المفردة عن رفع أيديهم وسيوفهم عن أن يلقحوا الحرب على هذه الفئة التي جنحت الى الفتنة. وقد ناسب (عَلَيهِ السَّلَامُ) بين مفردة (أُشَالُوا) ومفردة (لَقَاح) التي تدل على الناقة اللافح التي يلقحها الفحل. فكأن هؤلاء الذين يتحدث عنهم قد رفعوا أذنابهم عن لقاح الحرب وإشعال نارها مع فئة الضلال ؛ لأنهم – فيما يبدو – قد وقعوا في شبهةٍ جعلتهم يميلون الى تلك الفئة، فاستراحوا عن منابذتهم، ودخلوا معهم في ضلالهم وفتنهم (5). فهم - بهذهِ الحال - كاللقاح التي رفعت شولها للفحل علامة منها على استعدادها للقاح، وكانت علامة هذهِ الجماعة التي شبهها الإمام بالشول من الإبل، أن رفعوا شول أيديهم وسيوفهم للناس ايماء منهم الى عدم رغبتهم بالقتال وإعلان الحرب. وثمة وجه آخر من المعنى يحتمله النص وهو أنّ هذه الجماعة من الذين ((أشالُوا عن لِقَاحٍ حَرْبهم)) إنما لم يفعلوا ذلك - أي لم يعلنوا الحرب ضد فئة الضلال - لأنهم كانوا صابرين على مضض من ألم المنكر الذي يشاهدونه من هذه الجماعة حتى يقوم من ينصر الحق، ويقود حركة القضاء على أهل الضلال والفتن، فيدعوهم الى نصرة اللّه، فينهضون وقد حملوا بصائرهم على أسيافهم (6).

ثانياً : الدلالة على الشائلة من الإبل

وهي التي أتى عليها من يوم حَمْلها سبعة أشهرٍ، فيخف لبنها وينقص. وقد شبه الإمام الناس يوم القيامة بهذا النوع من النوق، وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((... فَكَأَنَّكُمْ بَالسَّاعَةِ (7)تَحْدُوكُمْ حَدْوَالزَّاجِر (8)بِشَوْلِهِ فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَفْسِهِ تَحَيَّرَ فِي الظُّلُمَات...)) (9). يريد أن الساعة، وهي وقت القيامة تأتيكم بغتة فتسوق الناس زجراً، دفعاً لهم الى مواضعهم فيها. فاستعار الإمام لفظة (شَوْله) للناس، مشبهاً إياهم بالشَّوْلِ


1) نهج البلاغة: خ/ 150 : 262.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 99/9.

3) ينظر : تهذيب اللغة (شول) : 370/11.

4) ينظر : لسان العرب (شول) : 370/11.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 100/9.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 614/3.

7) الساعة في اللغة جزء من أجزاء الليل والنهار. ينظر : لسان العرب (سوع) : 169/8، والمراد بها في النص الوقت الذي تقوم فيه القيامة، والساعة القيامة. ينظر : لسان العرب (سوع) : 169/8.

8) الزَّاجر. أصل الزجر المنع والنهي. والزجر للبعير كالحَقِّ له. ينظر : لسان العرب (زجر) : 4 / 318، 319.

9) نهج البلاغة: خ / 157 : 276. وقد نقلت المدونات اللغوية قول الإمام أعلاه، ومنها. النهاية في غريب الحديث : 510/2، ولسان العرب (شول) : 375/11.

من النوق التي جف لبنها وانقطع، وجفاف ألبان النوق لا يكون إلا بعد حَمْلها الذي وقت له اللغويون مدة سبعة أشهر من يوم الحَمْل. وقد صحح الأزهري هذه الفكرة التي تداولها اللغويون من أنّ الناقة الشؤل هي التي مضى على حملها سبعة أشهر، فذكر أن الشؤل من النوق هي التي أتى عليها من يوم نتاجها سبعة أشهر، وليس ذلك الحساب من يوم حملها، ولا يكون ذلك إلا اذا كانت الناقة كشافاً، وهو أن يضربها الفحل بعد نتاجها بأيامٍ قلائل، فهي كَشُوف - حينئذ - وهذا من أردا النتاج عند العرب (1).

أقول : والشول من النوق تحتاج الى رقة في الزجر، ومراعاة في السوق، لكونها قريبة عهد بالولادة، وتسميتها وهذهِ مأخوذة من قلة لبنها أو جفافه في ضرعها و أخلافها وهذهِ الصفة مأخوذة من قولهم لبقية الماء في المزادة أو القربة : شَوْل. كأن الشّؤل من النوق هي التي لم يبق فيها من اللبن إلا مقدار ثلث، لأنها كانت تحلب في حدثان نتاجها (2). ويمكن تطلق كلمة (شَوْل) أيضاً على الإبل التي ضعفت، فلزقت بطونها بظهورها (3). فكأن الناس الذين تحدوهم الساعة زجراً كالشول من النوق، لم يبق فيهم بقية من خير أو قوة ؛ لأنهم استنزفوها في حياتهم الدنيا، وبذلوا كل ما يملكونه من نعم على ملذاتهم الدنيوية، فلما جاءتهم حدوة الآخرة بغتة، وساقتهم سوقاً عنيفاً، لم يسعهم ذلك الوقت أن يحرزوا الرفق الذي كانوا عليه في دنياهم. وقد استعار (عَلَيهِ السَّلَامُ) للساعة لفظة (الحَدْو) و (الزَّجر) تشبيهاً بالزَّاجر الذي يسوق الشول زجراً عنيفاً، فيعسف بها، فهي ليست كالنوق العشار التي أتى عليها عشرة أشهر (4). ووجه الشبه بين حدو الساعة وزجرها، وحدو زاجر الإبل وسوقه لها هو السرعة والحث (5). وأشار بعض الشراح الى أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنما خص (الشول) دون بقية النوق في هذا السياق ؛ لأنها أخفُ النوق في السوق فضلاً عن خلوها من العِثار في الحدو (6). وهذا المعنى المعنى مقبول، إذا كانت (الشَّوْل) هي الخفيفة من النوق بسبب من ضعفها ولزوق بطونها بظهورها، فكأنها - بهذا الوصف - أخف الدواب سيراً من غيرها. وهذهِ الدلالة تقوي المعنى الذي يشير اليه الإمام في أن الساعة تحدو بالناس وتزجرهم بالسوق العنيف الذي لا يدع لهم بقية متلكئة تعثر في طريقها الى موقفها يوم القيامة.

المَطَافِيل

المطافيل الإبل الحديثة العهد بالنتاج (7). هي التي معها أولادها (8). وقد وردت اللفظة المتقدمة مرة واحدة في نهج البلاغة (9)جمعاً على (مَفَاعِيْل) للدلالة على الإبل المطفلة التي معها أولادها. وذلك في مقام تشبيه إقبال الناس ومنهم طلحة والزبير على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم بيعتهم له بالخلافة. يقول أمير المؤمنين :


1) ينظر : تهذيب اللغة (شول) : 282/11.

2) ينظر : تهذيب اللغة (شول) : 282/11، ولسان العرب (شول) : 374/11.

3) ينظر : العين (شول) : 285/6.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 163/9.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 644/3.

6) نفسه.

7) ينظر : العين (عشر) : 248/1، وتهذيب اللغة (طفل) : 236/13.

8) ينظر : تهذيب اللغة (طفل) : 236/13، وجمهرة اللغة (طفل) : 920/2.

9) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 274.

((فَأَقْبَلْتُمْ إِلَيَّ إِقْبَالَ الْعُوذِ الْمَطَافِيلِ عَلَى أولادِهَا تَقُولُونَ الْبَيْعَةَ الْبَيْعَةَ...))(1). وقد أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) التعبير عن شدة إقبال طلحة والزبير الى بيعته، واندفاعهما إليه، فشبه ذلك ونحوه بإقبال العوذ من الإبل على أطفالها وهذا الضرب من التشبيه من تشبيه التمثيل (2)الذي يصور فيه الإمام حالهم لما امتنع (عَلَيهِ السَّلَامُ)عن قبول البيعة بالخلافة، فأصروا على مبايعته مشبَّهاً لهفهم عليه واقبالهم بالنوق الحديثة العهد بالنتاج وما سواها من الأمهات، وهي تقبل في شوق وحنان وسرعة على أولادها ؛ لترمها وترضعها وتحميها (3)؛ لأنها أكثر إقبالاً وأشد عطفاً وحناناً على أولادها (4). وقد كان اختيار الإمام لمفردة (المطافيل) في هذا السياق دقيقاً ؛ لأنه تضمن تشبيه هؤلاء القوم المقبلين عليه بحال (المطافيل) من أولاد الإبل وبقية الدواب التي تكون بحاجة الى رعاية وتغذية وحماية، حتى تقوى على النهوض وتحصيل حاجاتها بنفسها. وهؤلاء الناس، ومنهم (طلحة والزبير)، بحاجة ماسة الى عدل الإمام ورعايته لهم، ولهذا تدافعوا وأقبلوا ولهين فزعين طلباً له، مع انهما نكثا بيعته بعد ذلك فراراً من عدله الذي طلبوه سلفاً.

العشار

العِشَارُ جمع (عَشْرَاء)، وهي الناقة التي أَقْربَت ؛ لتمامها عشرة أشهر من حملها (5). وسميت بذلك ؛ لأنها حديثة عهد بالتَّعْشير، وهو حمل الولد في البَطْنِ (6). وقيل : بل العِشَارُ اسم للنوق التي قد نَتَج بعضها وبعضها قد قَرُب ويُنتظر نتاجها (7). وقيل : العِشار هي النوق الحديثة عهد بالنتاج، وقد وضعت أولادها (8). والعُشَراء من الإبل كالنّفساء من النساء (9).

ولفظة (العِشار) من ألفاظ نهج البلاغة. إذ استعملها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مرة واحدة (10)، للدلالة على النوق العِشار التي أتى على حملها عشرة أشهرٍ. وذلك في سياق كلام أمير المؤمنين عن التقوى، وأثرها في النجاة من النار يوم القيامة. ((أوصِيكُمْ عِبَادَ اللّه، بِتَقْوَى اللّه، فَإِنَّهَا الزَّمَامُ وَالْقِوامُ، فَتَمَسَّكُوا بِوَثَائِقِهَا، وَاعْتَصِمُوا بِحَقَائِقِهَا، تَقُلْ بِكُمْ إِلَى أَكْنَانِ الدَعَةِ في يَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ) (11)... وَتُعَطَّلُ فِيهِ صُرُومُ الْعِشَارِ...)) (12)والإمام يريد بقوله ((تُعَطّل فيه صُرُوم العشار)) ما يحصل يوم القيامة عندما يُنْفَخ في الصور، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت. وأراد بـ (صُرُوم العِشار) القطعة من الإبل التي تبلغ نحواً من الثلاثين (13)،


1) نهج البلاغة: خ/ 137 : 245.

2) ينظر : بلاغة الإمام علي، د. أحمد محمد الحوفي : 109.

3) نفسه.

4) ينظر : منهاج البراعة : 302/8.

5) ينظر : العين (عشر) : 247/1.

6) نفسه.

7) ينظر : العين (عشر) : 247/1، والمحكم (عشر) : 359/1.

8) ينظر : المحكم (عشر) : 359/1.

9) نفسه.

10) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 303.

11) إبراهيم /42.

12) نهج البلاغة : خ/ 195 : 389، 390.

13) ينظر : العين (حرم) : 131/12.

أو هي من العشرة الى الأربعين (1). فكأنها بلغت النصاب لتكون قطيعاً مستقلاً يقطعه صاحبه عن بقية إبله. والاضطراب في العدد لا يلغي صَرْمها وقطعها عن بقية النّوق، فأنها في كل ذلك مستقلة عن أخواتها، وأمّا لفظة (العِشَار) فهي جمع (عُشَراء) ك- (نَفَسَاء) (2)، وهي النوق التي مضى على حملها عشرة أشهر، فإذا وضعت لتمامها فهي عُشَراء(3). وإنما قيل للواحدة منها (عُشَراء) ؛ لأنها حديثة العهد بالتعشير، وهو حمل الولد في بطنها. وأكثر ما يطلق هذا الوصف عند اللغويين على الإبل والخيل (4)ويبدو الأثر القراني واضحاً في تعبير الإمام علي في قوله الذي ضمن فيه مفردة (عِشار)، ومن قبلها لفظة (عُطَّلَتْ). فإنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخذه من القرآن الكريم الذي يقول في مقام الحديث عن يوم القيامة : (وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ) (5)وسياق الآية سياق حديث عن القيامة وما يجري قبلها وبعدها من أحداث سماوية.

وقد نظم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما يقرب من هذا السياق في قوله السالف الذكر. أما الآية المباركة، فقد تكلم أصحاب (معاني (القرآن) و (المفسرون) عن مفردة (العِشَارُ)، وكيفية (تَعِطيلها) في القرآن الكريم، فذهب الفرّاء (ت 208 هـ) الى أنها لقح الإبل (6)وقريب من ذلك ما ذهب الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) الذي ذكر أن (العِشار)، هي النوق التي في بطونها أولادها، إذا أتت عليها عشرة أشهر (7)وأما تعطيل (العِشار) الذي ذكره القرآن الكريم، ونسج عليه الإمام كلامه فهو في اللغة الخلو والفراغ (8)، ومنه قولهم دار معطلة، إذا كانت فارغة. وبئر معطلة، إذا لم يورد منها ولم يستق (9). ومنه أيضاً تعطيل الإبل، وهو تركها خالية بلا راع(10). وأما (تَعْطِيل العِشار)، فهو بحسب الدلالة اللغوية للمفردة، يعني تركها وإهمالها، لانشغال الناس يومئذ بأنفسهم. ولا يكون ذلك إلا في يوم عظيم، كيوم القيامة (11).

أقول : ولهول يوم القيامة وشدته، ضرب اللّه تعالى (تَعْطِيل العِشَار) مثلاً في إظهار ذهول الناس عن هذه الإبل وتركها سائبة مهملة لا راعي لها يرعاها في أيامها هذه مع كونها على وشك أن تضع أحمالها، فهي أشد ما تكون حاجة الى من يعينها في ذلك. وهذا الأمر هام عند البدوي ؛ لأن أنفس ما يملكه هو هذه النوق، ومما يزيد من نفاستها، هو كونها عشاراً قد بلغت ساعة وضعها (12). وذلك بسبب من أهمية ذلك اليوم الذي يمرون به، الذي ينشغل فيه الناس بأنفسهم، ففيه: (وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ) (13). لعظم ذلك اليوم. ومن خلال


1) ينظر : تاج العروس (حرم) : ج 51/13.

2) ينظر : لسان العرب (عشر) : 572/4.

3) ينظر : العين (عشر) : 247/1.

4) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 572/3.

5) التكوير / 4.

6) ينظر : معاني القرآن (الفراء) : 187/5، وتهذيب اللغة (عشر) : 261/1، والتبيان في تفسير القرآن (الطوسي) : 279/10، ومجمع البيان : 276/10.

7) ينظر : التبيان في تفسير القرآن (الطوسي) : 10/ 279.

8) ينظر : مقاييس اللغة (عطل) : 351/4.

9) نفسه.

10) ينظر : معاني القرآن (الفرّاء) : 187/5.

11) نفسه.

12) ينظر : تهذيب اللغة (عشر) : 261/1.

13) التكوير / 4.

هذه الرؤية القرآنية، يمكن أن نفهم دلالات التعبير في قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ((عُطَّلَتْ صُرُومِ العِشَارِ))، فالتعطيل – هنا – هو نفسه الذي بينه المفسرون فى النص القرآني المبارك ؛ وعُطّلتْ صُرَّوم العشار) هو إهمالها وتركها دون رعاية، لا حافظ عليها يحفظها ويقوم بأمرها. ويمكن أن تتوسع في دلالات هذه المفردات ؛ لاظهار معان يمكن أن تدخل تحت هذه الدلالات : فـ (العِشار) وإن كانت لفظة مخصوصة أصلاً بالنوق التي بلغت عشرة أشهر من حملها، لكن ذلك لا يمنع التوسع في دلالتها، فتصبح دالة على كل حامل، أو مُرضع من النساء أو الحيوان. قد اتسع هذا اللفظ، حتى قيل لكل حامل عشراء (1). وهذا الاتساع يمنحنا مرونة في أن تكون المفردة المفردة دالة على المرأة (النُّفَساء) التي جاوزت مرحلة الحمل، فصارت مرضعاً في شهرها العاشر، وهو الشهر الذي يلي اخر شهور الحمل عند الناس. ويمكن أن يكون ذلك على سبيل تشبه بحمل النساء ونفاسها. أما فارق المدة الزمنية بين أشهر الحمل في الإبل وأشهره في النساء، فقد جوز اللغويون أن تكون مفردة (عشار) دالة على النوق التي أتى عليها عشرة أشهر حتى تضع، فما زال ذلك أسمها حتى إن وضعت ما في بطونها ؛ لأن الاسم المتقدم يلزمها بعد الوضع (2). ولهذا جوزوا أن تكون المفردة المتقدمة دالة على النوق التي معها أولادها (3). وهذا الأمر لازم في النساء أيضاً كما في النوق وغيرها من الدواب، وذلك لكي يتحقق معنى (التَّعْطِيل) الذي ذكره القرآن الكريم، فضلاً عن معنى (الذهول) وحقيقته الذي أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى : (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) (4)وليس من الهين على الأم أن تذهل عن رضاع ولدها لولا أن هذا اليوم الذي يمر بها، هو من أعظم الايام وأكثرها هولاً كما أنه ليس من السهل على الناس أن يعطّلوا النساء الحوامل اللواتي بلغن أيام وضعهن، وهن بحاجة الى رعاية وعناية، فإنه أنفس ماتكون المرأة أكرامة على أهلها هي أيام حملها وإرضاعها. فلا يمكن عند ذاك ترك هذه العشار من النساء في تلك الأيام. ويمكن أن تتسع مفردة (العِشار) لتحتمل دلالات أخرى أكثر مما اقتصر عليه شراح نهج البلاغة من كونها الناقة التي بلغت عشرة أشهر (5). فيمكن أن يشمل ذلك عشر القلوب وهو كسرها وصدعها فيكون ذلك مناسباً لتعطيلها وتركها تتصدع من هول القيامة، والخشية من عقاب اللّه تبارك وتعالى. وبهذه المرونة في انفتاح دلالة اللفظة في النص يمكن - أيضاً - حمل مفردة (تعطيل) على إيقاف كل شعور للإنسان تجاه كل ما كان يحرص عليه من نفائس، وأموال وغيرها مما تنافس فيه الناس في الحياة الدنيا ؛ لانشغالهم بأنفسهم، واهمالهم لكل شؤون الدنيا (6).

العُوذ


1) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 240/3، ولسان العرب (عشر) : 572/4.

2) ينظر : تهذيب اللغة (عشر) : 262/1، ولسان العرب (عشر) : 572/4 .

3) ينظر : غريب القرآن (السجستاني) : 347/1، والتبيان في غريب القرآن (شهاب الدين المصري) : 451/1.

4) الحج / 2.

5) ينظر : معارج نهج البلاغة : 128/2، 629، والديباج الوضي : 1617/4.

6) ينظر : الميزان في تفسير القرآن للعلامة الطباطبائي : 213/20، ومع نهج البلاغة : 233.

العُوْذ جمع عائذ، وهي الناقة إذا وضعت ولدها أياماً يقوى عنها وذلك لسبعة أيام، كما وقت لها (1)وهي بمنزلة النفساء من النساء (2). والعُوْذُ لفظ يشمل الحديثات النتاج من الدواب، وهي الإبل والظباء والخيل (3). وقد وردت لفظة (العُوذ) مرة واحدة في كلام أمير المؤمنين في نهج البلاغة (4)؛ للدلالة على النوق الحديثة النتاج التي يعوذ بها فصيلها. وذلك في سياق كلامه عن بيعته بالخلافة الذي يصف فيه أمر الناس وحالهم عندها قائلاً : ((فَأَقْبَلْتُمْ إِلَيَّ إِقْبَالَ الْعُونِ الْمَطَافِيلِ عَلَى أولادِهَا، تَقُولُونَ : الْبَيْعَةَ الْبَيْعَةَ ...)) (5). ويذكر الإمام الناس في هذا النص بتهافتهم عليه يوم بيعته، مشبهاً إقبالهم إليه بـ ((إِقْبَالَ الْعُوْذِ المَطَافِيل)) و (الإِقْبَالُ) هو المجيءُ (6). وهو ضرب من استقبال الإبل عند سوقها (7). ومشيها نحو غايتها التي تساق إليها وإما (العُوْذ) فهي النوق التي وضعت أولادها لسبعة أيام (8)، وهي بمنزلة النفساء من النساء. كأنها تبقى ترعى ولدها وتقوم بأمره، فهي فهي عائد له ؛ وهو يَعُوذ بها، ولهذا سميت (عُوذاً) ؛ لأنها يُعاذ بها (9). كأن حداثة عهدها بالنتاج يتطلب منها أن تحنو على ولدها ؛ لأنه حديث العهد بالولادة أيضاً، وهو أشد ما يكون حاجة الى الرعاية والعناية. فيعوذ بأُمه، ويرقى بها كل شيء، سواء أكان جوعاً أم عاطفة أم حناناً تضفيها الأم عليه. وأما لفظة (المَطَافيل)، فقد عزز بها الإمام المفردة الأولى كأنه يشير الى أن (العُوْذ) ؛ من النياق حينما تقبل، تجيء معها أطفالها الصغار، وهي فصلانها (10). وقد افترق شراح نهج البلاغة فريقين في دلالة لفظة (العُوذ) فمنهم من وافق اللغويين في دلالتها، وأشار الى أنها تدل على النوق الحديثة العهد بالنتاج والولادة. ومن هؤلاء ابن أبي الحديد (11)، أبو الحسين يحيى بن حمزة الحسيني (12). في حين انفرد الشارح البحراني بتفسير مفردة (العُوذ) بـ (الناقة المُسِنَّة) (13). ويبدو أنه استند في رأيه هذا على وجود لفظة (المطافيل) في السياق نفسه الذي جاءت فيه لفظة (العُوذ)، التي جعلها دالة على النوق القريبة العهد بالولادة، كأن المعنى عنده إقبال النوق، كبيرها مع فصلانها التي ترعاها.

لقد استعمل الإمام التعبير السالف الذكر على سبيل تشبيه إقبال الناس وورودهم عليه، بإقبال الإبل التي ترعى أولادها الصغار، والإبل المطفلة التي لما تزل تصحبها صغارها، وقد زال عنها اسم (العُوذ). إشارة


1) ينظر : تهذيب اللغة (عوذ) : 439/9.

2) ينظر : تهذيب اللغة (عوذ) : 94/3.

3) ينظر : لسان العرب (عوذ) : 500/3، وتاج العروس (عوذ) : 439/9.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 327.

5) نهج البلاغة : خ / 137 : 245، وقد نقلت المدونات اللغوية قول الإمام المتقدم، ينظر: النهاية في غريب الحديث : 130/3، ولسان العرب (عوذ) : 500/3، وتاج العروس (عوذ) : 439/9، و(طفل) 29 / 372.

6) ينظر : المحكم (قبل) : 427/6.

7) ينظر : العين (قبل) : 169/5.

8) ينظر : تهذيب اللغة (عوذ) : 94/3، وتاج العروس (عوذ) : 439.

9) ينظر : لسان العرب (عوذ) : 499/3.

10) ينظر : غريب الحديث (ابن الجوزي) : 174/2.

11) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 31/9.

12) ينظر : اليباج الوضي : 1116/3.

13) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 584/3.

الى خروج الناس الى بيعته، كباراً وصغاراً رجالاً ونساء، تُفَساء وأُمهات. والمفردة المتقدمة يمكن أن تستعمل للدلالة على كل أنثى عائذ، مرّت بضعة أيام على ولادتها، فيعوذ بها ولدها خلال هذه الفترة.. وبهذا يكون الإمام قد شبه النساء اللواتي أقبلن الى بيعته (بالعُوْذ) من الإبل، التي عاذ بها أولادها، وبالمطافيل وهن ذوات الاطفال من النوق. كأن هذه الطائفة من النسوة والرجال قد عاذوا بالإمام ولجأوا اليه ؛ لأجل حمايته لهم وللناس جميعاً، فهو الأولى بحفظ الناس صغيرهم وكبيرهم من بطش الجبارين. ويمكن بيان هذا المعنى من كلام آخر للإمام يصف فيه بيعته بالخلافة، وهو قوله : ((... ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكَ الإِبل الْهِيمِ عَلَى حِيَاضِهَا يَوْمَ ورْدِهَا، حَتَّى أَنْقَطَعَتِ النَّعْلُ، وَسَقَطَ الرِّدَاءُ، وَوُطِيءَ الضَّعِيفُ، وَبَلَغَ مِنْ سُرُورِ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنِ ابْتَهَجَ بِهَا الصَّغِيرُ، وَهَدَجَ إِلَيْهَا الْكَبِيرُ، وَتَحَامَلَ نَحْوَهَا الْعَلِيلُ، وَحَسَرَتْ إِلَيْهَا الْكِعَابُ)) (1). وهذا النص يفسر ما أورده الإمام في كلامه ((فأَقْبَلتُم الي إِقْبَالَ العُوْذ المطافيل))، فإنه يذكر فيه حال الناس يوم البيعة، وأصناف من خرج اليها وابتهج، مشبهاً ذلك بإقْبَالِ العُوْذ المطافيل (ومشيها الى غايتها ووجه الشبه شدة الإقبال والحرص على بيعة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2). وقد تمثل هذا الحرص بقوله لهم (البَيْعَةَ البَيْعَة). وأما إجمال في هذا النص واقتصاره على تشبيه الذين هبوا لبيعته باقبال النوق العائدة لفصلانها والمطفلة منها ؛ لأن المقام الذي يتحدث فيه هو مقام تذكير ولوم وعتاب بما أقدموا عليه يوم بيعته، وإنهم إنّما فعلوا ذلك طائعين غير مكرهين فلم تكن بيعتهم له فلتة (3)ولهذا ذكرهم غير مرة بقوله : ((قَبَضْتُ كَفِّي فَبَسَطْتُمُوهَا، وَنَازَعَتْكُمْ يَدِي فَجَاذَبْتُمُوهَا)) (4). و يفهم من ذلك أن المخصوصين بالخطاب هم طلحة، والزُّبَير)، فإنهما بايعا أمير المؤمنين، ومن ثم ثم نكثا البيعة وخرجا من الكوفة الى البصرة للتأليب عليه مع بعض الناس اللذين لا موقف لهم يقوي ذلك أن الخطبة التي يذكر فيها قول الإمام : ((فَأَقْبَلْتُم الي إقبال العُوْذِ المطافيل)) يتصدرها لوم وتقريح (لطلحة والزبير)، ومن ثم حديث عن طلبهم بثأر الخليفة (عثمان)، وقيامهم بأمر بالبغي على الإمام.

11 - ضرع الناقة وحلبها

أخلافها

الخِلْف الضَّرْع من الدواب (5). كما يفهم من كلام الخليل. وقيل بل هو واحِد أَخْلَافِ الضَّرْعِ من الناقة، وهو طرفه الذي يقبض عليه الحالب من ضَرعِها (6). وقد وردت لفظة (أخْلافها) بصيغة الجمع على (أَفْعَال) مرتين في نهج البلاغة (7)؛ للدلالة على حلم الضرع، ولكنه ليس ضَرع الناقة، فقد جعل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه (الأخلاف جزءاً من ضَرْع الدُّنْيَا)، وضَرْع (الحَرْب)، فمن الأول قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق كلامه عن بني أمية واستئثارهم بالدنيا التي صورها الإمام بهيئة الناقة التي ترضع أخلافها. يقول الإمام : ((فَمَا احْلُوْلَتْ الدُّنْيَا لَكُمْ


1) نهج البلاغة : خ / 229 : 443، 444.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 584/3. والديباج الوضي : 1116/3.

3) إشارة الى خطابة (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شأن بعضهم - وهم فيما أحسب طلحة والزبير - إذ يقول : ((لَمْ تَكُنْ بَيْعَتَكُم إِيَّايَ فَلْتَه...)) نهج البلاغة : خ/ 136 : 244.

4) نهج البلاغة : خ/ 137 : 245.

5) ينظر : العين (خلف) : 265/4، والمحكم (خلف) : 202/5.

6) ينظر : تهذيب اللغة (خلف) : 19/7، وجمهرة اللغة (خلف) : 616/1، ولسان العرب (خلف) : 92/9، وتاج العروس (خلف) : 243/23.

7) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 142.

ولذاتها (1).

فِي لَذَّتِهَا، وَلَا تَمَكَّنْتُمْ مِنْ رَضَاعِ أَخْلَافِهَا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا صَادَفْتُمُوهَا جَائِلاً خِطَامُهَا، قَلِقاً وَضِينُهَا...))(2)يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إنّ الأمويين ما تمكنوا من الدنيا، وما زهت لهم فى لذتها، إلا بعدما وجدوها عاثرةً بخطامها، ومضطرباً مركبها. فهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) يجعل الدنيا عند الأمويين بمنزلة الناقة التي يطؤون ركابها، ويرتضعون أخلافها، من أطراف حلمات ثديها، إشارة الى استئثارهم بممتلكات الأمة وسيطرتهم على خيراتها، ومنعهم الناس من حقوقهم. فإن الفصيل إذا رضع أمه استأثر بها ونال درها. ولبيان هذا المعنى وظف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (أخلافها) من مجالها الدلالي الذي تختص به، وهو حلمة ضَرْع الناقة الى الدلالة على مواضع مكاسب الدنيا التي يحتلبونها منها، كما يحتلب الدر من حلمات ضَرع الناقة. ومن نظير هذا الاستعمال - وتوظيف لفظة (أَخْلاف) في غير مجالها - ما صنعه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق كلامه عن الحرب) جاعلاً منها كالناقة التي تدر الموت إذ يقول: ((حَتَّى تَقُومَ الْحَرْبُ بِكُمْ عَلَى سَاقٍ، بَادِياً نَوَاجِذُهَا (3)، مَمْلُوءَةَ أَخْلافُهَا، حُلُواً رَضَاعَهَا، عَلْقَماً عَاقِبَتُهَا...)) (4)والإمام يشبه الحرب عند بدئها، بالناقة التي بدت نواجذها من أقصى فمها. كما عن بلوغها فيما تبدو نواجذ الانسان عند ضحكه (5). كأنه يومئ الى ضحك هذه الدواب على هذا الصنف من من الناس حتى تبدو نواجذها. ثم ينتقل (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى تشبيه الحزب بالناقة التي امتلأت حلمات ضرعها بالدر تهيئة لاستدرار حلبها. كأن (الحرب) مهيأة لأن تدر القتل والهلاك من خلال إرضاع الناس سمومها المختلطة بالدّر والذي يبدو لأول وهلة لبناً خالصاً حلواً ما يلبث أن تبدو عاقبته السيئة بالموت والدمار. فاستعمل الإمام لفظة (أخْلافها) للحرب على سبيك مقاربتها الناقة في الاستعداد والتأهب عند حلبها، أو إرضاع فصيلها (6). وكنى بحلاوة (الرّضاع) الى ما يحسّه طلاب الحرب ودعاتها من حلاوة في إبراز مآثرهم، وقوة أفعالهم في الحروب عند مناجزتهم لأقرانهم، كما يستحلى اللبن في أول رضاعه (7).

أقول : فالمعنى أنّ دعاة الحرب كأنما يسقون الناس لبنها الذي يهرقه المتعطشون للدماء والارتواء منها ويعين على هذا المعنى دلالة مفردة (أخْلاف) نفسها، فمن دلالاتها المعجمية (الإسقاء)، و(الإسْتِقَاء) (8). طلب السقاية. فكأن هؤلاء الذين يحلو لهم رضاع الحرب، يستقون أوارها، ويطلبون إثارتها كالمستقى الذي يريد السقاية. فيجيبه الساقي بالماء أو اللبن. هذا المعنى صنعه أمير المؤمنين بضرب من التصوير الفني من خلال توظيف المفردات الدالة على الناقة وذكر أهم عضو من أعضائها، وهو الضَّرْع، وأطراف حلماته التي تُمْسك عند الحلب ليتحكم بها الحالب، أو يلقمها الفصيل عند رضاعه، فضلاً عن ذلك (فالحَالِبُ) هو الذي يقوم


1) نهج البلاغة: خ/ 150 : 190.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 501/3.

3) النواجذ أقصى الأخراس، وهي أربعة بعد الارحاء، وتسمى خِرْس الحُلَم. ينظر : لسان العرب (نجد) : 513/3.

4) نهج البلاغة: خ / 138 : 246.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 33/9.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 586/3.

7) نفسه.

8) ينظر : المحكم (خلف) : 199/5.

باستدرار الحليب منها، والراضع هو الذي يَنْهَلُ الدر ويستحلي به. والأول هو الداعي للحرب، والثاني هو الرّاغب الناهل من مآسيها. و (الأخْلاف) هي موضع نشوء الحرب وفتنها كما يبدو لي.

ضَرْع

الضَّرْع للشاة والناقة ولكل ذات ظلف وخفٌ، وهو مدر لبنها (1). وجعله الخليل مخصوصاً بالشاء والبقر. وأما الناقة، فَضَرْعها هو الخلف، ولكنه أشار الى أن من اللغويين من يسميها جميعاً الضرع (2). والأخْلاف هي هي حلم الضَّرْع، والضَّرع جماع يضم الأطباء التي هي الأحاليل التي تمثل خروق اللبن، وهي التي تسمى الأَخْلاف (3). واستعملت مفردتا (ضَرْع) و (ضَرْعَيْهَا) بصيغة التثنية مرة واحدة لكل منها في نهج البلاغة (4). وذلك للدلالة على ضَرْع الدواب من ذوات الظلف والخف الذي يكون موضع درّ اللبن، وهو كالثدي عند المرأة. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) متحدثاً عن عقد الخلافة من الخليفة (أبي بكر) الى (عمر بن الخطاب) ؛ في سياق تعجبه من هذا الموقف، قائلاً : ((... فَيَا عَجَباً بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُها في حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لاخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ. لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا !...)) (5). يُريد : أنه اقتسم الخلافة بينه وبين الخليفة (عمر بن الخطاب)، كأنها ضَرْع أخذ كل واحد منهما شطراً منه أو جهةً من أَخْلافه الأربعة مشبَّهاً - بذلك - الخلافة بالناقة الحلوب التي تدّر لبنا غزيراً على حالبها. مكنياً عنها بلفظ (ضرعيها)، في أشارة الى ما يناله هؤلاء من هيبة الحكم وسطوة المنصب. ولهذا استعار أمير المؤمنين لها ضرع الناقة التي أَضْرَعت قبيل النتاج في استعارة ينتج منها وجه المشاركة في الانتفاع واقتسام الدَّرِّ (6). و يكون المعنى أنّ الخليفة (أبا بكر)، قد َأخَذَ القِسْم من الضَرْعِ واحتلبه، في إشارة الى أخذ نصيبه في الخلافة، ومن ثَمّ أعطى القسم الآخر من الضرع بأخلافه الباقية الى الذي نصبه من بعده، وهو الخليفة عمر بن الخطاب (7).

أقول : ويفهم من النص أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يشير الى عدم دوام الخلافة بهذا الشكل، فلابد من أن ينقطع درها مثلما ينقطع الدر من ضَرْع الناقة (8). وقد وردت لفظة (ضَرْع) للدلالة على صَرْع الناقة اللبون في مقام التشبيه في (قصا/1).

يُفَوَقُونَّنِي

الفَوَاقُ تَرْجِيْعِ الشَّهْقَة الغالبة، ويقال للذي يصيبه البهر إنه يفوق فوقاً (9). وفواقُ الناقة. وفواقُ الناقة رجوع اللبن في ضَرْعها بعد حلبها (10). وأفاقت الناقة، واستفاقها أَهْلُها، إذا نَفَّسُوا حلبها حتى تجتمع درتها (11). وفواق الناقة


1) ينظر : تهذيب اللغة (ضرع) : 297/1، ولسان العرب (ضرع) : 222/8.

2) ينظر : العين (ضرع) : 270/1.

3) ينظر : تهذيب اللغة (ضرع) : 298/1.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 267.

5) نهج البلاغة : خ/ 3 : 29.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 177/1.

7) ينظر : الديباج الوضي : 210/1.

8) نفسه.

9) ينظر : العين (فوق) : 224/5، وتهذيب اللغة (فوق) : 253/9.

10) ينظر : العين (فوق) : 224/5 .

11) نفسه.

إفاقتها (1). وذلك مخصوص بالرضاع، فإذا أرضعت البهيمة أمها، ثم تركتها حتى تنزل شيئاً من اللبن، فهذه هي الإفاقة والفواق (2). واستعمل الإمام مفردة (يُفَوقُوْنَنِي) مرة واحدة في نهج البلاغة (3). للدلالة على تفويق حق الإمام، ومنعه منه يقول في سياق حديثة عن ذلك: ((إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَيُفَوْقُونَني تُرَاثَ (4)مُحَمَّد تَفْوِيقاً...)) (5). يريد أن بني أمية يعطوننى من المال قليلا (6). أو أنهم يعطونني من ميراثي الذي ورثته من النبي (صلى اللّه عليه واله وسلم) النزر القليل، فعبر عن هذا المنع والقلة بلفظة (يُفَوْقُوْنَّنِي) آخذاً إيّاها من (فَوَاقِ النّاقة)، وهي الحلبة الواحدة من لبنها (7). والتفسير المتقدم هو تفسير الشريف الرضي لمفردة (يُفَوْقُوْنَّنِي). وقد تبعه في ذلك أغلب شُرَّاح النهج ويبدو أنّ هذه المفردة تحمل من الدلالة القلة ما منحها إيحاء في هذا السياق على ندرة ما يعطاه الإمام من حقه، كما يقل ما تعطيه الناقة من لبن بعد حلبها، فما اجتمع فيها من ثائب اللبن بعد رضاع أو حلب، فهو الفواق (8)، وهو نزر قليل لايكاد يفي بحقه وحق أهل البيت الذي أخذ منهم، ولهذا استعار الإمام هذه الكلمة للإبانة عن قلة ما يعطى له من حق، في حين أن غيره يحظى بأكثر من ذلك. وإنما ذكر الإمام مفردة (تُراثَ)، مضافة الى (محمد) (صلى اللّه عليه آله) إشارة الى استئثار بني أمية بفيئ رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله)، وصاروا يقترون على أهل البيت تقتيراً. وذكر بعض الشُّرَّاح أن المراد بـ تُراث محمد (صلى اللّه عليه وآله) ما كان له من الولاية في أخذه وصرفه من جميع الأموال والحقوق. وهذا وجه مقبول يناسب السياق اليه (9). ويحتمل كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) معنى آخر، وهو تشبيهه لتراث (محمد) بـ (دَرّ النّاقة) التي استنزف لبنها، حتى صارت لا تدر إلا فواقاً فواقاً. وهذا الوجه المحتمل يتضمن الاشارة الى عدم شرعية حكم هؤلاء الأمويين، وعدم صحة تصرفهم بأموال النبي (صلى اللّه عليه وآله)، فضلاً عن الفساد المالي الذي كانوا يمارسونه من خلال استئثارهم بهذه الحقوق، وعدم توزيعها بشكل عادل.

يَمْصُر

المَصْرِ الحَلْب بأطراف أصابع السبابة والوسطى والإبهام، كما يقول الخليل(10)، وكيفيته أن يؤخذ الضَّرْعُ بالكف، ويصير الإبهام من الأصابع فوقها (11). وذهب بعض اللغويين الى أن (المَصْرَ) مخصوص


1) ينظر : العين (فوق) : 224/5.

2) ينظر : تهذيب اللغة (فوق) : 254/9.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 358.

4) التُّراث الميراثُ، وهو ما وُرِثَ. ينظر : المحكم (ورث) : 10 / 210. وذكر اللغويون أنّ (الإرث) أمله في الحَسب، و (الوزث) في المال. ينظر : لسان العرب (أرث) : 111/2.

5) نهج البلاغة: خ/ 77 : 116.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 139/2، والديباج الوضي : 553/2، ومع نهج البلاغة : 290.

7) ينظر : نهج البلاغة: خ/ 77 : 116.

8) ينظر : تهذيب اللغة (فوق) : 552/9.

9) ينظر : الديباج الوضي : 553/2.

10) ينظر : العين (مصر) : 122/7، ولسان العرب (مصر) : 175/5.

11) ينظر : المحكم (مصر) : 323/8، ولسان العرب (مصر) : 175/5، وتاج العروس (مصر) : 124/14.

بطريقة الحلب بإصبعين فقط من الكفّ، وهما الإبهام، والسبابة (1). وقد وردت لفظة (يَمْصُر) مرة واحدة في نهج البلاغة (2). للدلالة على حَلْبِ صَرْع الناقة، واستدرار حليبها على بشكل لا يؤدي الى تقليله في الضرع وإفراغه منه. وذلك في قول (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي ينهى منه عامله على الصدقات من ذلك قائلاً : ((... فَإِذَا أَخذَهَا أَمِينُكَ فَأُوعِزْ إِلَيْهِ : أَلَّا يَحُولَ بَيْنَ نَاقَة وَبَيْنَ فَصِيلِهَا، وَلَا يَمْصُرَ لَبَنَهَا فَيَضُرَّ ذلِكَ بِوَلَدِهَا...))(3).

أقول : والإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ينهى عن إنهاك الناقة، إيذاء فصيلها، من خلال النهي عن مصر لبنها، وحلب ما في ضَرْعها من لبن، فيبقي الفصيل جائعاً (4). وقد أخذ) دلالة القلة في لفظة (مضر) دون كيفية الحلب التي وصفها اللغويون في دلالة هذه الكلمة، من أنها تعني الحلب بثلاثة أصابع، وهي السبابة والإبهام والوسطى (5). ولهذا فسر ابن الأثير الجزري لفظة (يَمْصُر) في كلام الإمام بعدم الإكثار من أخذ لبن الناقة مما مما يؤدي الى إقلاله في خزعها (6). وهذا المعنى أليق بالسياق ؛ لأنه يناسب النّهي عن مضرة الفصيل الذي يأخذه الجوع والضعف اذا ما انهك ضرع أمه.

12 - فحول الإبل وكرامها

الفحول
إشارة:

الفَحْلُ من الإبل وغيره. هو الذكر المستفحل (7). وقيل : الفَحْلُ هو الذكر من كل حيوان، وجمعه الفحل والفحول (8). والفحل هو الكريم المستجب في ضرابه من الإبل (9). ولفظة (الفُحُول) و (فَحْل) و (الفَحْلَيْن) من الفاظ نهج البلاغة، فقد استعملت المفردة الأولى ثلاث مرات، في حين وردت اللفظتين الاخريين مرة واحدة لكل منهما (10). للدلالة على ما يأتي :

أولاً : الدلالة على الفحل من الإبل

وهذهِ أكثر الدلالات شيوعاً لمفردة (فَحْل)، ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق تشبيه ترقب الرجل من المسلمين بالآخر من جيش الكافرين قبيل الحرب بتصأول الفحل للفحل : ((... وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا وَالْآخَرُ


1) نفسه.

2) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 422.

3) نهج البلاغة : ك / 25 : 482، وقد نقلت المدونات اللغوية قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((ولا يمَصْرُ لَبَنَها...)). ينظر : النهاية في غريب الحديث : 336/4، ولسان العرب (مصر) : 175/5.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 119/9.

5) ينظر : المحكم (مصر) : 323/8.

6) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 336/4، ومع نهج البلاغة : 326.

7) ينظر : جمهرة اللغة (فحل) : 555/1.

8) ينظر : المحكم (فحل) : 349/3، ولسان العرب (فحل) :

9) ينظر : تهذيب اللغة (فحل) : 48/5، والمحكم (فحل) : 349/3.

10) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 346.

مِنْ عَدُوّنا يَتَصَأُولَاَنِ (1)تَصَلُّولَ الْفَحْلَيْنِ، يَتَخَالَسَانِ (2)أَنْفُسَهُمَا، أَيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأْسَ الْمَنُونِ ..))(3)أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنهم كانوا مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) يقاتلون أعداء الاسلام، ويضربونهم مستطيلين عليهم متواثبين تواثب الفحلين من الإبل عندما يصول أحدهما على الآخر ليضرب أحدهما الآخر. واستعار الإمام لفظة (الفَحْلَيْن) للطرفين، ووجه الاستعارة شدة النزاع والقوة في الصولة بين المسلمين والكافرين وإنما خص هذهِ الكلمة بالاستعمال دون غيرها من الألفاظ ؛ لأن ما ليس في غيرها من الألفاظ الدالة على الإبل. وإذا أُطلقت هذه الكلمة فالمراد منها الدلالة على القوة والفحولة ونجابة الضراب. كأن فيها معنى الاستيلاء، والانقضاض على الآخر مثلما ينقض الفحل من الإبل على بقية النوق لضربها. ولهذا غلبت على هذه المفردة – فيما يبدو من استعمالها - الدلالة على فحل الإبل، حتى صارت مخصوصة به، ولو أنها أطلقت على أي فحل آخر ؛ لكان ذلك على سبيل التشبيه بالفحل من الإبل. حتى أن العرب تشبه (الكَبْشَ) من الغنم، والذكر من النخل بفحل الإبل بجامع القوة والعظمة (4)بل أنهم تجاوزوا هذه المسألة الى أبعد من ذلك، فسموا (سُهَيْلاً) النجم (الفَحْلُ) تشبيهاً له بفحل الإبل ؛ لاعتزاله عن النجوم وعظمته (5). أقول : ومما عزّز هذه الدلالة في كلام الإمام - سالف الذكر - استعمال لفظة (يتصاول)، وهي لفظة كثيراً ما تطلق على صولة فحل الإبل على بقية الإبل لقتالها وقهرها (6). وجَمَلٌ صؤول. أي يأكل راعية، ويوثب الناس فيأكلهم ويقهرهم (7). وقد استعملت ألفاظ (فُحُول) للدلالة على فحول الإبل الهائجة للقراب، ومفردة (فَحْل) للدلالة على الفحل من الطاووس تشبيهاً له يفحل الإبل في (خ / 91، 165) و (خ / 165).

ثانياً : الدلالة على الفُحول من الرّجال.

وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) متحدثاً عن فُحُوْله بعض الرجال، وهَيَاجهم فقد روي أنه ((كان جالساً في أصحابه، فمرت بهم امرأة جميلة، فرمقها القوم بأبصارهم (8)، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((إِنَّ أَبْصَارِ هَذِهِ الْفُحُولِ طَوَامِحُ (9)، وَإِنَّ ذلِكَ سَبَبُ هَبَابِهَ (10)، فَإِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى امْرَأَة تُعْجِبُهُ فَلْيُلامِس أَهْلَهُ، فَإِنَّمَا هِيَ امْرَأَةٌ كَامْرَأَته))(11). وفي النص اشارة الى أن البصر هو أساس هياج الشهوة في الإنسان، ولاسيما في الإنسان غير الحصور. ولهذا جعله الإمام سبباً لهباب الشهوة. وإنما استعمل لفظة (فُحُول) بصيغة الجمع على (فَعُول)، للدلالة على هيجان هؤلاء الرجال، واستعدادهم للضراب مثل فحول الإبل. كأن هؤلاء لشدة مابهم من هياج، أشبهوا فحول الإبل


1) التصأول الاستطالة والوثوب. وصال الفحل من الإبل، فهو صؤول اذا صار يعدو ويشل الناس بركضة. ينظر : لسان العرب (صول) : 387/11.

2) التخالس : التسالب والتصارع والقتال. ينظر : لسان العرب (خلس) 65/6.

3) نهج البلاغة : خ/ 56.

4) ينظر : المحكم (فحل) : 349/3، 350.

5) نفسه.

6) ينظر : لسان العرب (صول) : 287/11.

7) نفسه.

8) نهج البلاغة: قصا / 420 : 686.

9) أصل (الطماح) العُلو، وطمح ببصره الى الشيء إذا علاه. ينظر : مقاييس اللغة (طمح) : 423/3.

10) الهَبَابُ مأخوذ من هَب الريح، وهو ثورانها وهياجها. ينظر : لسان العرب (هيب) : 78/1.

11) نهج البلاغة : قصا / 686:420.

التي تكون توصف بشدة الهياج والطماح للضراب. ولهذا المعنى قرائن استعملها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق المتقدم، منها لفظة (طوامح) التي وصف بها أبصار هؤلاء الرجال. والطماح في الأصل رفع الرأس عالياً (1). وطمح الفرس رأسه، إذا رفعه (2). ثم قيل لمن رمى ببصره الى شيء ما، إنه طامح. وتستعمل هذه المفردة أيضا في الدلالة على جماح المرأة نحو الرجال، كأنها تطمح اليهم دون زوجها (3). وهذه الدلالة تناسب حال هؤلاء الرجال الذين رغبوا عن نسائهم، فطمحوا بابصارهم نحو امرأة أخرى. أما اللفظة الثانية التي أوردها الإمام قرينة على استعارة مفردة (الفُحُول) للرجال، فهي مفردة (هَبَابها) وهي كلمة مخصوصة بالهياج والثوران، وكثيراً ما تستعمل في هياج الدواب ورغبتها في الضراب والسفاد. ومنه هب الفحل من الإبل إذا هاج(4)، وهب التيس يهب إذا نشط وطلّ السفاد (5). فجعل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الهَبَاب) سبباً لطماح الأبصار. ويجوز أن تكون لفظة (الفحول) دالة على الرجال، فاستعملها الإمام بدلاً من كلمة (رجال)، كأنه استغنى بالصفة عن الموصوف، وذلك إشارة الى قوّة غريزتهم وشدة سبقهم، ولهذا أرشدهم الى حل هذه القضية التي تخالف تعاليم الإسلام، بقوله (فَلْيُلامس أَهْله)، فكنى عن الجماع مع الزوجة بـ (المُلامسة)، متخذاً الاستعمال القرآني(6)سبيلاً له في هذا هذا التعبير، وذلك لدفع الشهوة عن هؤلاء القوم، والخلاص منها بطريق شرعي لا يغضب اللّه تبارك وتعالى. ولهذا علق بعض شراح النهج على هذا الضرب من الكناية القرآنية التي استعملها الإمام في كلامه بأنها ((من الآداب العجيبة، والكنايات الرشيقة التي استعملها اللّه تعالى في كتابه الكريم تأديباً للخلق وحملاً لهم على أَحْمَدِ الشَّيَم وأعلاها)) (7).

بُدُّناً

البَدَنَةُ ناقة أو بقرة تهدى الى مكة، فهي كالأضحية من الغنم (8). وسميت بدناً ؛ لأنهم كانوا يسمنونها لأجل ذلك(9). وقد وردت لفظة (بُدّنا) مرة واحدة في كلام أمير المؤمنين الوارد في نهج البلاغة (10)، للدلالة على النياق السمينة التي تساق الى بيت المال بقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) مرشداً عامله على الصدقات وأمينه الذي يسوقها: ((... وَلْيُرَوِّحْهَا (11)فِي السَّاعَاتِ، وَلْيُمْهِلْهَا عِنْدَ النِّطَافِ (12)وَالْأعْشَابِ، حَتَّى تَأْتِيَنَا بِإِذْنِ اللّه بُدَّنا مُنْقِيَاتٍ، غَيْرَ


1) ينظر : العين (طمح) : 176/3.

2) نفسه.

3) ينظر : لسان العرب (طمح) : 534/2.

4) نفسه.

5) نفسه.

6) وذلك في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) النساء / 43.

7) الديباج الوضي : 3039/6.

8) ينظر : العين (بدن) : 52/8، والمحكم (بدن) : 356/9.

9) ينظر : لسان العرب (بدن) : 48/13.

10) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 49.

11) الرّواح في السَّيْرِ، هو إيواء الإبل بعد غروب الشمس الى مَرَاحها الذي تبيتُ فيه. ينظر : لسان العرب (روح) : 465/2.

12) النُّطْفَةُ هي الماء القليل الصافي. ينظر : لسان العرب (نطف) : 335/9.

مُتْعَبَات وَلاَ مَجْهُودَات...))(1). يوجه الإمام في هذا النص الى أمرين ؛ الأول إراحة النوق عند وقت إرواحها، وهو وقت غروب الشمس ؛ إذ يعد هذا الوقت إيذاناً لإعادة الإبل وبقية الدواب الى مكانها الذي تبيت فيه وتستريح. ولهذا ذكر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (السَّاعات) في إشارة الى هذه الأوقات المخصصة لأرواح الإبل. ثم أمر بإمهالها عند نطف الماء النقي التي تكثر عنده الأعشاب. وأراد بالإمهال الرفق والتؤدة بها (2)، وذلك بأن لا لا يعجلها عند هذه الواحات، وأن يرفق بها عند وصولها هذه الأماكن ؛ حتى تنال من السقي والأكل ما يمكنها من مواصلة رحلتها الى بيت المال. والغاية من ذلك أن تصل هذه النوق بدناً سمان مكتنزات نقيات العظام، من كثرة المخ في عظامهن. فكأنهن بُدَّنا) قد هيئن للنحر بمكة. على سبيل التشبيه بـ (البُدْن) التي تؤخذ الى النحر في مكة، وهو ما أومأ إليه الإمام باستعماله مفردة (بُدَّنا) إشارة الى كون هذه (الأموال المنقولة) التي تعد أحد مصادر تمويل بيت المال هي من الأموال التي تكسب درجة من الحرمة والمنعة ؛ لأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يخصصها لإعالة الناس المحتاجين والفقراء، ودفع حقوق الموظفين في الدولة الاسلامية، فكما أن (البُدْنَ) من شعائر اللّه ويطعم منها القانع والمعتر (3). فكذلك (البُدَّن) التي يسوقها عمال الصدقات الى بيت المال ؛ لتصرف في مواردها المخصصة لها. وكما أن اللّه تبارك وتعالى لا يناله من هذه (البُدْن) أي شيء إلا التقوى من أصحابها، فكذلك أمير المؤمنين الذي لا يناله من هذه الدواب شيئاً، إلا رغبته في رضا اللّه تبارك وتعالى ولهذا تلحظ شدة حرصه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على رعاية هذه الدواب، وتوكيده على عماله أن يحرصوا عليها، وأن لايقصروا في حقها ولاسيما في (ك/25) الذي اختص بهذه المسألة الاقتصادية المهمة.

صِرُوم

الصِّرْمة طائفة من الإبل نحو ثلاثين (4). وقيل : بل هي ما بين العشرين الى الثلاثين، أو ما بين العشرة الى الأربعين (5). وأصل الصّرم في اللغة القَطْعُ البَائِن عن بعضه من أي نوع كان(6). وقد وردت مفردة (صِرُوم) مرة واحدة في نهج البلاغة (7)بصيغة الجمع على (فِعُول) للدلالة على القطعة من الإبل التي تبلغ نحواً من الثلاثين. وذلك في قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يتحدث فيه عن (التقوى) وأثرها في يوم القيامة : أوصِيكُمْ عِبَادَ اللّه، بِتَقْوَى اللّه، فَإِنَّهَا الزِّمَامُ وَالْقِوامُ (8)، فَتَمَسَّكُوا بِوَثَائِقِهَا (9)، وَاعْتَصِمُوا بِحَقَائِقِهَا، تَؤُلْ (10)


1) نهج البلاغة : ك / 25 : 483، 484.

2) ينظر : لسان العرب (مصل) : 633/11.

3) إشارة الى قوله تعالى شأنه : ((فَاذْكُرُوا اسْمَ اللّه عَلَيْهَا صَوَافَ فَإِذَا وَجَتْ جُنُوبُها * منها وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْترّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ اللّه لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِرُوا اللّه عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ)) الحج: 36 - 37.

4) ينظر : العين (صرم) : 121/7، والمحكم (حرم) : 121/8.

5) ينظر : المحكم (صرم) : 321/8، وتاج العروس (حرم) : 32 / 501.

6) ينظر : مقاييس اللغة (صرم) : 344/3، ولسان العرب (صرم) : 334/12.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 257.

8) القوام الثبات. ينظر : لسان العرب (قوم) : 497/12.

9) الوثائق جمع وثيقة، وهي في الأمر إحكامه والأخذ بالثقة. ينظر : لسان العرب (وثق) : 371/10.

10) تؤُل من الأول، وهو الرجوع. ينظر : لسان العرب (أول) : 33/11.

بِكُمْ إِلَى أَكْنَانِ (1)الدَعَةِ... (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللّه غَافلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ)(2)... وَتُعَطِّلُ فِيهِ صُرُومُ الْعِشَار...))(3). يتحدث الإمام - في هذا النص عن (التقوى) وأثرها في. - النجاة يوم القيامة الذي تعطل فيه صروم العشار. و (الصُّرُوم) جماعة الإبل (4)، أو القطعة منها. ويطلق عليها عليها في اللغة (الصِّرْمة) أيضاً، وهي القطعة من الإبل تبلغ نحو الثلاثين (5). وقد اختلف اللغويون في تحديد عددها، فثمة من يقول : إنها ما بين العشرين الى الثلاثين (6). وآخر يذهب الى أنها ما بين الثلاثين الى الخمس والأربعين (7)، وبعض يعدها من العشرة الى الأربعين (8). وذهب آخرون الى أنها تعد فوق العشرة الى تسعة عشر (9). أما سبب تسمية هذه الجماعة من الإبل من الأعداد المتقدمة بـ (الصُرُوم) أو (الصِّرُوم) بالضم أو الكسر، فذلك راجع الى أن بلوغها هذا القدر من العدد يؤهلها أن تصير مستقلةً بنفسها، فيقطعها صاحبها عن معظم إبله (10)فكأن عددها الذي وصلته - مهما بلغ، أو اختلف - يؤهلها لتكون قطيعاً منفصلاً عن بقية الإبل. ولعل ذلك يكون بسبب من رابط مشترك بينها كأن تكون هذهِ القطعة من الإبل أو (القَطْعَةُ) بالفتح صَرُوماً لا ترد النضيح حتى يخلو لها من بقية الإبل، فتنصرم عن بقية الإبل(11). وقيد الإمام هذهِ القطعة من الإبل في النص بـ (العِشار)، وهي النوق الحوامل التي أتى عليها في الحمل عشرة أشهر، فلا يزال ذلك أسمها حتى تضع حملها، فإذا وضعت فهي عشراء (12). وقيل : بل هي النوق التي ينتج بهضها، وبعضها ينظر نتاجها (13)ولعل هذه الصفة تجعل من (الصّروم) قطعة من الإبل مخصوصة اقتطعت لأنها عشار قد قرب عهدها بالنتاج، وبهذا تميزت عن بقية الإبل. أقول : والإمام يصف - بهذا التعبير - الحال الذي يكون يوم القيامة الذي تهمل فيه جميع شؤون الدنيا، حتى تذهل كل مرضعة عما أرضعت، ولا يلتفت الناس في ذلك اليوم لأي شأن الا لأنفسهم

فنيق

الفَيْنق الفَحْل المقرم الذي لا يؤذى ولا يركب لكرامته على أهله (14). والفنيق الجمل الفحل الذي يودع للفَحَلَة (15). وقد وردت لفظة (فَينْق) مرة واحدة في نهج البلاغة (16)، للدلالة على هياج الفتنة كما يهيج الفحل


1) الكِنُّ البيت، والجمع أكْنَان، وأكِنَّة. ينظر : لسان العرب (كنن) : 360/13.

2) إبراهيم /42.

3) نهج البلاغة : خ / 190 : 389، 390.

4) ينظر : معارج نهج البلاغة : 628/1.

5) ينظر : العين (صرم) : 121/7.

6) ينظر : المحكم (صرم) : 32/8.

7) ينظر : تاج العروس (صرم) : 501/32.

8) ينظر : تهذيب اللغة (حرم) : 131/12، وتاج العروس (حرم) : 501/32.

9) ينظر : مع نهج البلاغة : 233.

10) ينظر : تاج العروس (صرم) : 32 / 501.

11) نفسه : 499/32.

12) ينظر : المحكم (عشر) : 359/1.

13) نفسه.

14) ينظر : العين (فنق) : 177/5، وتهذيب اللغة (فنق) : 154/9، ولسان العرب (فنق) : 313/10.

15) ينظر : تهذيب اللغة (فنق) : 154/9، ولسان العرب (فنق) : 313/10، وتاج العروس (فنق) : 318/26.

16) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 356.

من الإبل، وذلك في إشارة الى هياج الفتنة وقيامها. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذلك ((... فَعِنْدَ ذلِكَ... فَعِنْدَ ذلِكَ أَخَذَ الْبَاطِلُ مَآخِذَهُ، وَرَكِبَ الْجَهْلُ مَرَاكِبَهُ، وَعَظُمَتِ الطَّاغِيَةُ وَهَدَرَ (1)فَنِيقُ الْبَاطِلِ بَعْدَ كُظُوم (2)، وَتَوَاخَى (3)النَّاسُ عَلَى الْفُجُورِ (4)...)) (5). يتحدث الإمام في هذا المقطع من خطبته عن الفتنة وراية الضلال، وما تفعله. مشبهاً هذه الفتنة (بالفَنِيقِ) من الإبل، وهو الجمل الفحل (6)، الذي يحبس عن مخالطة الإبل، ليكون مهيأ للضراب. فما زال يهدر حتى يخلى عنه. فاستعمل الإمام هذا اللفظ للدلالة على الباطل بعد كمينه (7)، كأنه لشدة سطوته واهلاكه وقوة ضرابه في إلقامه فتناً أخرى، فنيقاً هادراً مستعداً لإهلاك أي شيء في طريقه عند خروجه ؛ رغبةً في الإلقاح والضراب. بعدما كان منعماً في عيشه فلا يركب ولا يؤذى لكرامته على أهله(8)فكيف به إذا أطلق ؟ وقد عزز الإمام من أوصاف هذا الفحل بذكر بعض لوازمه وخصاله، ومنها (الهَدِير، والكُظُوم)، وهما من أوصاف الإبل، فالهدير صوت يطلقه البعير الفنيق الهائج المحبوس في الحظيرة الممنوع من الضراب (9). وقد وظف الإمام هذه المفردة ؛ للإشارة الى بدء ظهور الفتنة والدعوة اليها، في حين أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعمل لفظة (كُظُوم) للدلالة على عدم قيام الفتنة وشيوع الباطل الذي وصفه بـ (الكظوم) دلالة على عدم هياجه وظهوره فكأنه - أي الباطل - كالفحل من الإبل المتنع من الاجترار (10). الممسك عن الشرب. كأنّ الباطل هاج بعد سكون وهجوع، فهاج وهدر كفحل الإبل. أقول : ولم يرد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تعبيره المتقدم أن الباطل يهدر دونما أثرٍ كما يعبر في الأمثال : ((كالمُهْدِر في العُنَّةِ)) (11). والمهدر هو الجمل الذي يجعل في الحظيرة التي يحبس فيها الفحل عند الضراب (12). فكأنما هو كالمعن الذي لا يلقح لضعفه وعجزه. وهو ما يضرب به المثل المتقدم الذي يقال للرجل الذي يصيح ويجلب، وليس وراءه شيء فهو كالبعير المحبوس في العنة، يهدر دونما أثر (13)وإنما قصد (عَلَيهِ السَّلَامُ) شدة هذا النوع من الفتن واذها بحيث أن سوطتها هياجها لا تبقي ولا تذر.

مُنْقِيَات


1) هَدَرَ البعير يهدر إذا صاح. ينظر : تهذيب اللغة (هدر) : 107/6.

2) الكظم تجرع الغيظ، وأصله الإمساك عن الشيء. والكظوم الإبل التي لا تَجْتَر. ينظر : لسان العرب (كظم) : 520/12.

3) الوخي الطريق المُعْتَمَد. وتَوَاخْيت الأمرَ، أي تيممْتُه.. ينظر : لسان العرب (وخي) : 382/15.

4) الفُجُور الانبعاث في المعاصي، وأصله من كثرة المال، والفَاجِرُ الكثير المال. ينظر : لسان العرب (فججر) : 46/5.

5) نهج البلاغة : خ / 108 : 197، 198.

6) ينظر : تهذيب اللغة (فنق) : 154/9، وتاج العروس (فنق) : 318/26، ومع نهج البلاغة : 288.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 514/36.

8) ينظر : تهذيب اللغة (فنق) : 154/9.

9) نفسه : (هدر) : 107/6.

10) ينظر : لسان العرب (كظم) : 520/12.

11) مجمع الأمثال : 141/2، وجمهرة الأمثال : 136/2.

12) ينظر : مجمع الأمثال : 141/2.

13) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 150/7.

النّقا في اللغة عظم العضد (1). والأنْقَاء كل عظم ذي مخّ، واحده نفى، ونِقْو (2). والمُنْقِيَة هي الناقة إذا كانت ذات نقي، ومخّ في عظمها (3). و (مُنْقِيَات) من ألفاظ نهج البلاغة، فقد استعملها أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مرة واحدة (4)؛ للدلالة على الإبل السمان ذوات النقى. وذلك في قوله الذي يخاطب فيه بعض عماله على الصدقات : ((وَلْيُمْهِلْهَا عِنْدَ النَّطَافِ وَالأعْشَابِ، حَتَّى تَأْتِيَنَا بِإِذْنِ اللّه بُدَّناً مُنْقِيَاتٍ، غَيْرَ مُتْعَبَات وَلَا مَجْهُودَات...)) (5). أراد إراحة هذه الدواب، وإمهالها عند نطاف الماء النقي في الواحات المعشبة ؛ لكي ترد من الماء، وتتغذى على الأعشاب، فذلك أوعى الى أن تسمن وتكتنز من اللحم. فعبر بلفظة (بُدَّنا) عن سمنها وكبر حجمها وارتباطها بالحصانة المتعلقة بأموال الدولة الاسلامية، وهو ما يمثل تشريعاً لها، لأنها أشبه (بالبُدْن) التي تنحر في مكة التي يراد لها أن تكون سمينة مكتنزة اللحم. في حين أنه استعمل لفظة (مُنْقِيَات) بصيغة الجمع ؛ للدلالة على مظهر هذا الاكتناز في النوق، من شدة عظمها لما يتجمع عليه من اللحم والشحم وما يتكون فيه من المخ ؛ إذ توصف النوق بأنها (مُنْقِيَة)، إذا كانت ذات نقى في عظامها دلالة على أنها سمينة وقويّة البدن والتحمّل، قد علا عظامها وعيونها الشحم (6). وهذا التراكم في شحمة العين علامة على صحة الناقة وسمنها. في حين أن التي لا تبدو في عينها الشحوم، تكون ناقة مهزولة ليس فيها نقى في عظامها (7)، وذلك علامة على اعتلالها وعدم صحة بدنها ويبدو ذلك في نحافة جسمها وقلة لحمها. ولهذا استعمل أمير المؤمنين لفظة (مُنْقِيات) إشارة الى سمن هذه الدواب واكتنازها (8).

13 - الهرم من الإبل

عَوْداً

العَوْدِ الجمل المُسن الذي فيه بقية قوة (9). وقد عود البَعِير، إذا قضت له ثلاث سنين بعد بزوله أو أربع (10). وجاءت هذه المفردة في نهج البلاغة مرة واحدة (11)؛ للدلالة على المسن من الإبل الذي فيه بقية قوة. وذلك في سياق نصح الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبعض عماله على الصدقات، يعلمه فيه طرائق جباية الصدقات وأخلاقها ومن ذلك قوله: ((وَلَا تَأْخُذَنَ عَوْداً، وَلاَ هَرِمَةً (12)، وَلَا مَكْسُورَةَ...)) (13). وقد ذكر الشراح أن (العَوْدَ) من


1) ينظر : المحكم (نقي) : 570/6، والقاموس المحيط (نقي) : 1727/1.

2) ينظر : تهذيب اللغة (نقا) : 241/9.

3) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 209/2، والنهاية في غريب الحديث : 5/ 110.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 456.

5) نهج البلاغة : ك/ 5 : 483، 484.

6) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 209/22، وتهذيب اللغة (نقا) : 41/9.

7) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 209/2، والنهاية في غريب الحديث : 110/5.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 119/15، والديباج الوضي : 1/5.

9) ينظر : العين (عود) : 219/2، وتهذيب اللغة (عود) : 80/3.

10) ينظر : تهذيب اللغة (عود) : 80/3، ولسان العرب (عود) : 321/3.

11) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 327.

12) الهرمة من الإبل هي الكبيرة القَحْدَةُ. ينظر : تهذيب اللغة (هرم) : 158/6.

13) نهج البلاغة : ك/ 25 : 482.

الإبل هو الجمل المسن الذي قد أعيا، وهو ما جاوز سنه سن البازل (1). ويعد هذا النوع من الإبل من المعيبات المعيبات التي تخرج من أصل المال قبل التصدق به (2).

النَّابِ

النَّابُ النّاقَةُ المُسنَّة (3). وقد سموها بذلك حين طال نابها وعظم (4). واستعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المفردة المتقدمة مرة واحدة ؛ للدلالة على الناقة المُسنَّة. في سياق كلامه عن فتنة بني أمية ؛ التي يقول فيها : ((أَلا وَإِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فَتْنَةُ بَنِي أُمَيَّةَ، فَإِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ... وَايْمُ اللّه لَتَجِدُنَّ... وَايْمُ اللّه لَتَجِدُنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَكُمْ أَرْبَابَ سُوْءٍ بَعْدِي، كَالنَّابِ الضَّرُوسِ (5)تَعْذِمُ (6)بِفِيهَا، وَتَخْبِطُ (7)بِيَدِهَا، وتَزْبِنُ (8)بِرِجْلِهَا، وَتَمْنَعُ دَرَّهَا...)) (9). أقول : وتشبيه الإمام لبني أمية بـ (النّاب الضَّرُوس) يدل على أنهم كالناقة المسنة التي بلغت من الكبر حتى عظم سنها وأزف عمرها والعرب تسمى الناقة (ناباً) إذا أسنت. وذلك أن الأصل في (النّاب) هو السن التي تقع خلف الأسنان الرباعية في فمها (10). فإذا كبرت الناقة انفطر سنها علامة على كهولتها. فلهذا أطلقوا عليها (ناباً) من باب تسمية الكل باسم الجزء (11). فكأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يشبه الامويين بهذهِ (النَّاب) التي عظم سنها، ولكنها لما تزل عضوضةً مؤذية فلهذا وصفها بـ (الضَّرُوس)، وأصل (الضَّرُوْس) مأخوذ من (الضَّرْس) وهو العض الشديد بالضّرس (12). وإذا وصفت الناقة بأنها (ضَرُوْسٌ)، فذلك يدل على أنها عضوضّ سيئة الخلق، تعض حالبها وتمنعه عند الحلب (13). ولعل هذه الدلالات تناسب حال بني أمية الذين انمازوا بسوء الخلق مع الناس، فساموهم الخسف وسوء العذاب قتلاً وصلباً، وحبساً وتشريداً كما يذكر الشارح ابن أبي الحديد في ثنايا تعليقه على تشبيه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبني أمية بالناب (الضّروس) (14). ولم يقتصر أمير المؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ) على التشبيه المتقدم، فقد ذكر أوصافاً أخرى تدل على سوء الخلق في الامويين، إذ وصفهم بالناقة التي (تعْذِمُ بِفِيْهَا)، والعذم في اللغة العض (15)والأكل بجفاء (16)، وهذه الخصلة اذا كانت في الدابة، فإنها تدل على


1) ينظر : شرح نهج البلاغة ابن (أبي الحديد) : 118/10، والديباج الوضي : 2217/5.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 118/10، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 230/4.

3) ينظر : العين (نيب) : 381/8، والمحكم (نيب) : 502/10.

4) ينظر : المحكم (نيب) : 502/10.

5) الضّرْسُ العضُّ الشَّديدُ بالأضراس. ينظر : تاج العروس (ضرس) : 181/16.

6) العَزْمِ العَضُ. ينظر : لسان العرب (عدم) : 394/12.

7) الخَبْط الضرب الشديد، وخبط البعير، ضرب بخف يده. ينظر : لسان العرب (خبط) : 7 /.

8) الزَّبْن الدفع. وَزَبَنَتِ الناقة، ضربت رجليها عند الحلب. ينظر : لسان العرب (زبن) : 194/13.

9) نهج البلاغة : خ/93 : 170، وقد نقلت المدونات اللغوية تشبيه الإمام (لبني أمية بالناب الضروس)، وذلك في : النهاية في غريب الحديث : 200/3، ولسان العرب العرب (ضرس) : 119/2)، و(زبن) : 194/13.

10) ينظر : المحكم (نيب) : 502/10.

11) ينظر : المحكم (نيب) : 502/10، ولسان العرب (نيب) : 776/1.

12) ينظر : لسان العرب (ضرس) : 117/6.

13) ينظر : غريب الحديث (الخطابي) : 162/2، ولسان العرب (ضرس) : 118/6.

14) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 43/7.

15) ينظر : لسان العرب (عدم) : 394/12.

16) نفسه.

سوئها، وعدم اتزانها ؛ لأنها تجفو في أكلها وتأخذ بلسانها وشفاهها (1). وهذهِ من الخصال غير المحمودة في النياق. فأخذ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الأوصاف ونظمها في سياق الذم ؛ مشبّهاً بني أمية بها ذماً لهم. فكأنهم يأخذون بألسنتهم وشفاههم عضاً في الناس دلالة على حنقهم وغضبهم عليهم. فهم في ذلك كالناقة اذا غضبت وكدمت لسانها كأنها تسب الذي يقترب منها. ولهذا قيل في الفصيح : (المرأةُ تَعْدِمُ الرَّجُلَ). أي : تشتمه وتسبّه وأما قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((تَخْبِطُ بِيَدِهَا))، فالخبط الضرب وخبط البعير، إذا ضرب بخف يده (2). وربما كانت الإبل تخبط خبط العشواء، إذا كانت لا تبصر (3). فتضرب ما تصادفه بيدها خبطاً وهذا الوجه من التشبيه يدل على الاذى الذي يسببه الامويون للناس خبطاً بأيديهم بحيث لا ينجو منه حتى المسالم من الناس، فهم كالناقة العمياء التي تخبط ما يلاقيها. وهذا التشبيه يوميء به الإمام إلى أن كل ما يقوم هؤلاء الطغاة، فإنه يكون بأمر منهم، سواء اشتركوا فيه بالفعل، أو أمروا زبانيتهم بتنفيذه. ولإتمام خصال السوء في النّابِ الضَّرُوس) وصفها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنها ((تَزْبُنِ بِرِجْلُها وتَمْنَعُ دَرَّها))، إشارة الى أن الأمويين لا يرغبون أن ينال الناس الخير والنعمة، وإنما يحاولون الاستئثار بها. وكذلك حال الناقة التي (تَزُبُن) برجلها، فإنها تدفع حالبها، وتضربه بثفنات رجلها عند الحلب (4). والعرب تسمي الناقة التي من عادتها أن تدفع حالبها عن حلبها زبون (5). أقول أقول : كأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يشير بتوظيفه لهذه المفردة مشبها بها بني أمية، الى أنهم (كالزَّبَانِية) الذين يوكلون بتعذيب أهل النار، ويدفعونهم الى جهنم (6). حقهم، ويدفعون أهل الباطل الى باطلهم كأنهم (زَبَانِي) العقرب وهي أبرتها التي تلدغ بها (7). فتؤذي من يقف في دربها. إن دفع هؤلاء الأمويين الناس عن أخذ حقهم يناسب التشبيه الذي صنعه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهم، بقوله : (وتَمْنَعُ درّها) أراد : أنهم كالناقة التي تمنع درها عن حالبها، لأن خير ما في الناقة هو لبنها الذي تدره على الناس.

هَرِمَةٌ

الهَرَمِ أقصى الكبر (8). والهرم البعير القَحْد (9). والأنثى. والهرم البعير القَحْد (10). والأنثى هَرمَة (11). ولفظة (هَرِمَة) من مفردات نهج البلاغة، فقد استعملها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مرة واحدة (12)، للدلالة على الناقة المسنة التي بلغت من الكبر أقصاه. وذلك


1) ينظر : العين (عدم) : 104/2، ولسان العرب (عدم) : 394/12.

2) ينظر : لسان العرب (عدم) : 394/12.

3) نفسه: (خبط) : 280/7 .

4) نفسه.

5) نفسه : (زبن) : 194/13.

6) نفسه.

7) ينظر : العين (زبن) : 374/7، ومقاييس اللغة (زبن) : 46/3.

8) أنفسهما.

9) ينظر : لسان العرب (هرم) : 607/12.

10) القَحْدُ القحم السَّنَام من الإبل، والأنثى قَحِدَة. ينظر : تاج العروس (قحد) : 11/9.

11) ينظر : تهذيب اللغة (هرم) : 158/2، ولسان العرب (هرم) : 607/12.

12) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 468.

وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : (وَلاَ تَأْخُذَنَّ عَوْداً، وَلاَ هَرِمَةً، وَلَا مَكْسُورَةً...)) (1). والهرمة من الإبل هي من كبر سنامها فصارت قحداً، وهي أكبر من العود سناً. ولهذا فرق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بينها (العَوْدِ) من الإبل. في حين خلط بعض شراح النهج أنواع بين الضربين المتقدمين من كبار الإبل فجعل (العَوْد) و (الهَرِمَة) المسن من الإبل على حد سواء (2). وتعد (الهَرِمَةُ). من الإبل إحدى المعيبات من الدواب التي تخرج عند قسمة الصدقات قبل إخراجها.

النّضو

النّضو من الإبل الذي أَنْضَتْهُ الأَسْفَارَ، وهَزَلَتْهُ، والأُنثى نَضْوَة (3). واستعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (النّضو) مرتين في كلامه الوارد في نهج البلاغة (4)، للدلالة على الهزال والمرض الذي يصيب البعير. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مقام ذم أصحابه بعد غزو أصحاب معاوية لبعض المدن : ((... أَقُومُ فِيكُمْ مُسْتَصْرِخا... فَلَا تَسْمَعُونَ لي قَوْلاً، وَلاَ تُطِيعُون لِي أَمْراً دَعَوْتُكُمْ إِلَى نَصْرِ إِخْوَانِكُمْ فَجَرْجَرْتُمْ جَرْجَرَةَ الْجَمَلِ الْأَسَرٌ (5)، وَتَثَاقَلْتُمْ تَثَاقُلَ النَّصْو الْأَدْبَرِ الأدْبَرِ...)) (6). ولما كانت الجماعة التي يخاطبها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا تطيع أمره في رد إرهاب معاوية وجماعته على أرض العراق، لهذا خاطبهم مشبهاً إياهم بما تمتاز به الجمال الصعبة التي تصدر أصواتاً عند ضجرها. وهذه هي الصفة الأولى التي وصفهم بها الإمام، فهم في ذلك كالجمل الذي يتحافى جمل من الم السرر والورم الذي أصابه بطنه من كثرة التقرح. وفي هذا الحال تكون الجمال عصيةً عند جذبها فتعمد في ذلك الى الصياح والهياج يصبح من منعتها. وتشبيههم بهذا الأمر إشارة الى تمنعهم وتضجرهم من دعوة الإمام لهم برد الاعتداء على مدنهم. وأما تشبيهه لهم بـ النّضو (الأَدْبَر)، فالنضو البعير الذي أنضته كثرة الأسفار حتى هزل. زاد على هذه الحالة في البعير، فجعله (أدْبَراً) فضلاً عن هزالة، والأدبر هو البعير المجروح في ظهره (7)، بسبب من القتب وما يحمل عليه (8). فصار وجه الشبه بين أولئك القوم و (النَّضْو الأَدْبَر) هو الضعف والتثاقل وشدة الخوف والألم، فكأنهم - في قعودهم وامتناعهم عن الإمام لهم - كالبعير المهزول الذي أصابته القروح في ظهره، فضعف وتثاقل عن الحركة الى ما يساقاليه (9). وكل هذا الوصف ذم وتوبيخ لهم لما في هؤلاء من امتناع ونفار وتقصير عن إجابته (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى ما دعاهم اليه(10).


1) نهج البلاغة : ك/25 : 482.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة ابن (أبي الحديد) : 118/15.

3) العين (نضو) : 59/7، المحكم (نضو) : 247/8، ولسان العرب (نضو) : 330/15.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 444.

5) السرر داء يأخُذُ في السُّرَّةِ، وبعير أسر، إذا تجافى في بُرُؤكه عن الأرض من السَّرَر. ينظر : العين (سرر) : 188/7.

6) نهج البلاغة : خ/ 39 : 82.

7) ينظر : لسان العرب (دبر) : 274/4.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 236/2.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 292/2.

10) نفسه.

14 - ألفاظ أسماء ولد الإبل وفصلانها

الفصيل

الفَصِيل ولد الناقة، إذا فصل عن أمه (1). وقد ذكر اللغويون أن أصل هذا الوصف مأخوذ من الفصل، وهو الفطام (2).

واستعملت لفظة (الفَصِيل) و (فَصِيلها) مرة واحدة لكل منهما في نهج البلاغة (3)، للدلالة على ولد الناقة الذي فصل عن أمه، وذلك في موضعين

الأول : أورده الإمام في سياق تشبيه أتباعه لرسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) باتباع (الفَصِيْل أَثَرَ أُمّه)، وذلك في قوله الذي يبين فيه علاقته بالرسول الأكرم (صلى اللّه عليه وآله)، وعناية النبي به مخاطباً الناس بقوله : ((وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللّه (صلى اللّه عليه وآله) بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ، وَالْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ : وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ(4)وَأَنَا وليدٌ يَضْمُنِي إِلَى صَدْرِهِ، وَيَكْنُفُنِي (5)فِي فِرَاشِهِ... وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتَّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ....)) (6). يشبه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) اتباعه لرسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) باتباع الفصيل أثر أمه والفصيل ولد الناقة الذي افتصل عنها تواً. والوجه في ذلك شدة الملاصقة والمتابعة للفصيل ملاحظة لحاجته لأمه التي لما يزل حديث عهد بالفصال عنها ولهذا يكون حريصاً على مقاربتها فى الخطو واللبث بكنفها. وذلك أنه يبقى بحاجة الى أمه حتى يشب ويكبر، وقد أفاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) من هذا المعنى الذي يمثل الحياة البدوية المعتادة عند العرب فوظفه في المشابهة بين اتباعه للنبي الأكرم، وبين هذا المعنى الراسخ في أذهان العقلية البدوية التي لا تفارق الإبل وأطوارها في العيش. وقد عزز الإمام هذا النوع من الثقافة في أفكار المخاطبين باستعمال مفردة (الفَصِيلِ)، وهي لفظة ذات إيحاء عند السامعين بالفَصال (7). وهو الفِطَام عن رضاع الأم، سواء أكان في الإنسان أم في في الدواب، فإنه غير مخصوص بنوع معين بها (8). وبهذا استطاع التعبير أن يشعر المتلقين بشدة الرابطة بين (النبي، والإمام)، وهما (المَتْبُوع والتّابع)، ولاسيما أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) حرص على إظهار الدلالة النفسية لمفردة (فصيل) من خلال ذكر لفظة (أُمّه). بحيث يشعر السامع بحالة (القَطِيم) الذي فصل للتو عن أمه وأبعد عنها، ولا يخفى على اللبيب – آنذاك - الحالة التي تمر بها الأم من أثر هذا (الفِصَال)، وإبعاد ولدها من رضاعها فضلا عن حالة الفَصِيل نفسه التي تجعله مضطرباً ساعياً الى تتبع أمه اللبث في حجرها. ومراعاة لهذه الحالة التي يكون عليها الابن وأمه عند الفطام حرص القرآن الكريم على تحديد المدة الزمنية التي يستمر فيها الطفل في رضاع أمه، وهي حولين كاملين. يقول تعالى شأنه : ((لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتم


1) ينظر : مقاييس اللغة (فصل) : 505/4، ه، والمحكم (فصل) : 329/8.

2) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 251/3.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 351.

4) حجْرُ الإنسان - بالفتح والكسر - حضنه. ينظر : لسان العرب (حجر) : 167/4.

5) كَنَفُ الشيء ناحِيَتُه، وأكْنَفَهُ إذا أحاطة وصانه. ينظر : لسان العرب (كنف) : 308/9.

6) نهج البلاغة : خ/ 192 : 378.

7) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 251/3.

8) ينظر : المحكم (فصل) : 329/8.

الرَّضَاعَةً وَعَلَى الْمَوْلُودِ * رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَا *بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ، وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَنَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا ءَاتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَالقُوا اللّه وَاعْلَمُوا اللّه تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (1). وبالرجوع الى النص نجده يحتفل بالكثير من المفردات التي تدل على تربية النبي الخاتم (صلى اللّه عليه وآله) للإمام علي، ورعايته له كرعاية الأم لولدها، بما فيها قضية (التغذية) التي يذكرها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله : ((وكَانَ يَمْضَعُ الشيءِ ثُمَّ يُلْقِمْنِيْهِ)) (2)، وهي مسألة مرتبطة بسياق التشبيه الذي عقده الإمام بين اتباعه لرسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) و ((اتباع الفَصِيْلِ أَثر أمّه)). فإن كلا الاتباعين يكون لغاية الإطعام والرعاية مع الفارق في أن الإمام لم يكن شغله البحث عن الغذاء المادي في اتباعه للرسول، وإنما كان يجد ويجتهد في الحصول على الغذاء الروحي المعنوي الذي كان يفيضه عليه الرسول من وحي الرسالة النبوية.

ثانياً : أما الموضع الثاني، فقد استعمل فيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (فَصِيلها) في موضعها الحقيقي، دالة على ولد الناقة الذي لما يزل متعلقاً بأمه في الرضاع بعد فِصَالِه عنها، وذلك في سياق وصيته الى بعض عماله على الصدقات، يأمره فيها بإرسال ما اجتمع عنده من الحقوق الشرعية من دواب مع مراعاتها عند جلبها من المؤتمن عليها. إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((... فَإِذَا أَخذَهَا أَمِينُكَ فَأُوعِزْ إِلَيْهِ: أَلَّا يَحُولَ بَيْنَ نَاقَة وَبَيْنَ فَصِيلِهَا، وَلَا يَمْصُرَ (3)لَبَنَهَا فَيَضُرَّ ذلِكَ بِوَلَدِهَا...)) (4). أمره (عَلَيهِ السَّلَامُ) ألا يمنع الناقة عن ولدها ؛ لأن الناقة تحتاج الى فصيلها، وهو بحاجة أليها على الرغم من فصاله عنها، ولهذا عبر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن هذه الفكرة بأن جعل الصياغة اللغوية قائمة على أساس أن الناقة هي التي ترغب بولدها، كأنها ترغب بالحنو عليه ومراجعته، وليس العكس، أي أن يكون الفصيل هو الذي يريد أُمه. فيقال على سبيل الفرض (ألا يحُوْلَ بين الفَصِيلِ وأُمِّه). وأما كيفية (ألا يَحُوْل بين الناقَةِ وفَصِيلها) فالنهي – هنا - هو عن أخذ الناقة من المتصدق وترك فصيلها، وإنما يأخذ الناقة عن فرض الصدقة، ويأخذ ولدها بالقيمة التي يدفعها له، هذا وجه (5)، ووجه آخر الكلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو أنه إذا صارت الناقة وولدها ضمن النصاب عند صاحب الزكاة، فلا يفصل بينهما في هذا الحال وهذا الوجه هو أرجح عندي من الوجه الأول ؛ لأن بلوغ الناقة وأبنها نصاب الزكاة يرجح أن توجمع الناقة وولدها. وتأكيد الإمام على ذلك راجع الى هذه الفكرة.

ابن اللُّبُون

اللُّبُوْن - بفتح اللام - الناقة والشاة ذات اللبن غزيزةً كانت أولا (6). وابن اللُّبُونُ من الإبل، هو ما أتى عليه سنتان، ودخل في السنة الثالثة، فصارت أمه لبوناً. ذات لبن ؛ لأنها تكون قد حملت حملاً آخر


1) البقرة /233.

2) نهج البلاغة :خ/ 192 : 378.

3) المصر الحَلْب. ينظر : لسان العرب (مصر) : 175/5.

4) نهج البلاغة : ك / 25 : 483.

5) ينظر : الديباج الوضي : 2219/5.

6) ينظر : تهذيب اللغة (لبن) : 261/15، والمصباح المنير : 548/2.

وأرضعته (1)، وقد جاء تعبير (ابن اللُّبُون) مرة واحدة في نهج البلاغة (2)؛ للدلالة على ولد الناقة الذي دخل في الثالثة من عمره. وذلك في سياق كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يبين فيه طريقة الخلاص من الفتن قائلاً : ((كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ، لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلَا ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ))(3). والخِطَابُ أمر من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى أصحابه وبقية الناس أن يكونوا متشبهين بابن اللُّبُون، وهو ولد الناقة الملبنة التي بلغ ابنها الثالثة من عمره، فحملت بغيره ووضعت، فصار عندها لبن. وهذا ما ذكره اللغويون، واتفق معهم شراح النهج في ذلك(4). كأن الإمام يطلب منهم ذلك ؛ لأجل أن لايكون فيهم مطمع لأحد من طرفي الفتنة، فيتخذونهم مركباً، ومرضعاً. فعبر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن تسلط أهل الفتنة عليهم بالركوب، وعن اتخاذهم سبيلا للابتزاز وسلب أموالهم بالحلب (5). أقول : وإنما استعمل الإمام تعبير (ابن اللُّبُون) ودعا الناس الى التشبيه به ؛ لأن هذا الضرب من الدواب لا يكون قد كمل عمره وقوي ظهره للركوب، فضلاً عن أنه ليس مما يحلب (6)، لأنه ذكر لاضرع له، فكأن الإمام يريدهم ان يكونوا متسترين عن أهل الفتن، ضعفاء أو كالضعفاء المغمورين بين الناس، لا يصلحون أن يستعين بهم الظالمون في الفتنة من خلال توظيفهم في القتل أو الأذى، ولو كان ذلك بأموالهم فضلاً عن أنفسهم. كـ(ابن البون) الذي لا ينتفع بظهره للركوب، ولا بلبنه (7)فإنه ليس مما يحلب. أقول : وفي الكلام نهي عن أن يكون الانسان منقاداً لصاحب الفتنة موطئاً له ظهره وإمكاناته المادية ليكون دابة له تحمل أوزاره وتمده بالأموال كما يستمد الحليب من ذات اللبن من الإبل (8).

البكار

البِكْر من الإبل مالم يبزل بعد. فإذا بُزل فهو جمل أو ناقة (9). والبِكْر من الإبل أيضا هي التي ولدت بطناً واحداً بكراً بولدها الذي تبتكر به (10). والبكر هو أول ولد الناقة (11). واستعملت لفظة (البكار) بالجمع على


1) ينظر : تهذيب اللغة (لبن) : 261/5، والنهاية في غريب الحديث : 228/4، ولسان العرب (لبن) : 373/13.

2) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 407.

3) نهج البلاغة : قصا / 1 : 599.

4) ينظر : معارج نهج البلاغة : 287/2، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 66/18، وشرح نهج البلاغة (البحراني): 391/5، والديباج الوضي : 2726/6.

5) ينظر : معارج نهج البلاغة : 287/2.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 66/18، والديباج الوضي : 2726/6.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 66/18، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 391/5، والديباج الوضي : 2726/6، وشرح نهج البلاغة : 114.

8) ينظر : معارج نهج البلاغة : 287/2، 288.

9) ينظر : العين (بكر) : 364/5.

10) ينظر : لسان العرب (بكر) : 78/4.

11) نفسه.

(فِعَال) مرة واحدة في نهج البلاغة (1). للدلالة على البِكْرُ من الإبل. وذلك في قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مقام توبيخ بعض أصحابه : ((كَمْ أُدَارِيكُمْ كَمَا تُدَارَى الْبِكَارُ الْعَمِدَةُ...)) (2)والنص خطاب لأصحابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذين تقاعسوا عن النهوض لحرب أهل الشام (3). وقد استهل الإمام توبيخه لهم بذكر تفضّله عليهم ؛ لأنهم في نظره (كالبِكَار العَمِدَة). و (البكار) جمع (بِكْر)، وهو الفتي من الإبل (4). و (العَمِدَة) من الإبل الفتية، وهي التي ورم سنامها من عض القتب والحِلس (5). وكثرة الدبر وثقل الحمل عليها (6). حتى انشدخت أسنمتها من الداخل (7). لقد وظف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه المفردات (البكار)، والعَمِدَة) في سياق يناسب المقام الذي يتحدث فيه، وذلك أن هؤلاء القوم الذين يخاطبهم الإمام، من الفتوة بمكان، ويفترض أن تكون فيهم المنعة والقوة وحصانة الرأي، فضلاً عن شدة التحمّل، ولكن ما أن وصفت هذهِ البكار بلفظ (العَمِدَة) حتى تحولت الدلالة الى الضعف والهزال وعدم الاحتمال. وهو ما وطأ له الإمام بقوله (كم أُدَارِيكم ...) ؛ لأن الذي يدارى، أو الذي يكون بحاجة الى ذلك، ليس إلا الضعيف المنهك الذي لا فائدة ترجى منه، فلا يكون له طاقة أو صبر على تحمل الصعاب. فكأن أصحابه الذين وبخهم، في هذا الحال كالإبل الفتية التي أنهكها كثرة الركوب، والأحمال فتشفق وتحاذر من أن ينالها شيء من الأحمال (8). في تقاعسهم عن الجهاد (بكاراً عَمِدة) في قلة الصبر والتحمل (9).

سَقْباً

قال الخليل : ((السقب ولد الناقة، وأسْقَيَتِ الناقة أي : أكثرت وضعها الذكر، وهي مستقاب))(10)ويفصل اللغويون في ذكر هذه المفردة، فقد ورد في ترتيب حَمْل النياق، وإنجابها، وإجناس أولادها، أن الناقة إذا وضعت ولدها، فهو (سليل)، وذلك قبل أن يعرف ذكر هو أم أنثى، فإن كان ذكراً، فهو (سَقْب) وأُمه تسمى مسقباً (11). وقد وردت لفظة (سَقْباً) مرة واحدة في نهج البلاغة (12)؛ للدلالة على ولد الناقة الذكر الذي وضعته تواً، وذلك في مقام التحقير عند رده (عَلَيهِ السَّلَامُ) على بعض من خاطبه بكلمة يستصغر من مثله قولها. فقاله الإمام : ((لَقَد طِرْتَ شَكِيْراً (13)، وَهَدَرْتَ سَقْباً)) (14). ومراد الإمام من الرد أن المتكلم قد طار وعلا، وهو لم.


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 60.

2) نهج البلاغة : خ / 29 : 107، وقد وردت كلمة الإمام هذه في النهاية في غريب الحديث : 297/3، ولسان العرب (عمد) : 305/3.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 346/2.

4) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 297/3، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 81/6، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 346/2.

5) ينظر : المحكم (عمد) : 37/2، والمخصص : م/2 : س/7 : 166، 167.

6) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 297/3.

7) شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 81/6.

8) ينظر : الديباج الوضي : 526/2.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 346/2.

10) العين (سقب) : 84/5، وينظر : المحكم (سقب) : 644/6.

11) ينظر : كفاية المتحفظ في اللغة للطرابلسي : 84/1، ولسان العرب (سقب) : 468/1.

12) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 216.

13) الشكير ما اسْتَطَرَّ من الشَّعْر ونَبَتَ صغيراً. ينظر : تهذيب اللغة (شكر) : 11/10.

14) نهج البلاغة : قصا / 402 : 683.

يبلغ بعد ويستحصف، مثله في ذلك مثل الطائر الذي نبت أول ريشه، ولكنه لم يقو بعد على الطيران (1)، ثم شبه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في القسم الثاني من النص ذلك المخاطب بذكر الإبل، وهو ولد الناقة الصغير الذي ولد لتوه. وهو المسمى بـ (السَّقْب) الذي لما يبلغ بعد، لكي يهدر هدير الفحول. فإن الصغير من الإبل لا يهدر إلا بعد أن يستفحل كما يذكر السيد الشريف الرضي في شرحه كلمة الإمام السالفة الذكر (2).

أقول : إن استعمال الإمام مفردة (سَقْب) جاء مناسباً لحال المخاطب الذي هو من الذكور، فكأنه في كلمته هذه كفرخ الطير، وولد الناقة الصغير، فالأول لا يرجى منه الطير، فلما يزل ريشه زغباً من صغار الريش الذي لا يتمكن به الطير فيه من الطيران، فضلاً عن أنه في بدء حياته وأولها. والثاني يمثل علامة على أول سنه الذي لا يكون فيه الجمل في مرحلة الفحولة. فكما أن الطيران ليس من شأن الشكير، فكذلك الهدير، ليس من شأن السقب (3).

15 - ألفاظ أصوات الإبل ورغائها

جَرْجَرة

أصل الجرجرة الصوت (4)، ومنه قيل للبعير إذا صوّت إنه يجرجر (5). وجَرْجَرَةُ البعير تردد هدير الفحل الفحل في حِنْجَرَتِه (6). وقد وردت لفظتا (جَرْجَرَة) و ((جَرْجَرْتُم) مرة واحدة في نهج البلاغة (7)، للدلالة على صوت البعير الذي يردده في حنجرته عند عَسفه، وذلك في سياق الذم. الذي يقول فيه ((فَمَا يُدْرَكُ بِكُمْ ثَارٌ، وَلَا يُبْلَغُ بِكُمْ مَرَامٌ (8)، دَعَوْتُكُمْ إِلَى نَصْرِ إِخْوَانِكُمْ فَجَرْجَرْتُمْ جَرْجَرَةَ الْجَمَلِ الأَسَرّ...)) (9). والمقام - هنا مقام ذم وتوبيخ لمن دعاهم الإمام لنصرة إخوانهم الذين أغار عليهم أصحاب معاوية، ولكنهم تثاقلوا عن دعوته (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وامتنعوا من أعانة إخوانهم، ولهذا شبههم بـ (الجَمَلِ الأَسَرّ) الذي أصابته علة السّرر، وهي القرحة التي تبدوا في كركرته، فأخذ يصوت من ذلك هديراً في حنجرته أو شِقْشِقَتِه. وأصل الجَرْرَة – كما ذكر اللغويون -الصوت، ثم انحصرت هذه الدلالة في صوت الماء الذي يصب في الحلق، كأنها تعالج في أقصاه (10)–. ومن ثم اقترنت - فيما يبدو - بصوت حدير الفحل الذين يكون في حنجرته. كأنها علامة على ضجره وملله. ولهذا المعنى استعار الإمام هذه المفردة التي تبدو فيها الإيحاء الصوتي واضحاً من الضجر والاضطراب وعدم الرضا، لوصف من دعاهم الى الخروج لقتال أصحاب معاوية والدفاع عن ثغور المسلمين من


1) الرأي للسيد الشريف الرضي. وهو في : نهج البلاغة: قصا / 402 : 683.

2) ينظر : نهج البلاغة : قصا / 402 : 683، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 20 /6.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 497/5.

4) ينظر : تهذيب اللغة (جرر) : 207/10، ولسان العرب (جرر) : 132/4.

5) نفسه.

6) ينظر : المحكم (جرر) :7 / 200.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 81.

8) المرامُ المُطلب. ينظر : مقاييس اللغة (روم) : 462/2.

9) نهج البلاغة : خ/ 39 : 82.

10) ينظر : لسان العرب (جرر) : 132/4.

هجمات أهل الشام فكأنما أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) الإبانة عن كثرة مللهم وقوة تضجرهم من ثقل ما دعاهم الإمام اليه(1)وتبدو فضيلة مفردة (جَرْجرتم) في هذا السياق من خلال الشدة التي تدل عليها في علو الصوت وارتفاعه، ولاسيما في (الجَمَل) من الإبل ؛ ولهذا وصفهم الإمام (بالجَمَلَ) من هذهِ الجهة. فكأنهم كالجمل الكثير الاعياء والتعب كلما حمل عليه جَرْجَرَ واضطرب. ويلحظ في المفردة المتقدمة الدلالة على الضعف والوهن، والخوف الذي اتسم به هؤلاء الناس. ولهذا وصفهم الإمام في القسم الثاني من كلامه بالتثاقل، وعدم النهوض لقتال العدو، قائلاً : ((وَتَثَاقَلْتُمْ تَثَاقُلَ النّضو الأدْبَر)) (2). وتثاقلهم هو قعودهم وتململهم من النهوض لقتال الأعداء

رَغَا

رَغَاءِ البَعِير والناقة أصواتها (3). ورغا البعير إذا صوت وضج بصوته (4). والرُّغاء صوت لذوات الخُفَّ من الدواب (5). واستعمل الإمام لفظة (رَغَا) و (تَرْغو) مرة واحدة لكل منهما (6)؛ للدلالة على الصوت الذي تصدره الجمال. وقد استعمل الإمام هذه الدلالة في مقامين ؛ الأول : دل به على صوت الجمل الذي اتخذته السيدة عائشة (أم المؤمنين) واسطة لها في الحرب التي خرجت بها على أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، التي سميت بـ (حَرْبِ الجَمَل). التي يقول فيها الإمام ذاماً أهل البصرة : ((كُنْتُمْ جُنْدَ الْمَرْأَةِ، وَأَتْبَاعَ الْبَهِيمَةِ (7)، رَغَا فَأَجَبْتُم، وَعُقِرَ (8)فَهَرَبْتُمْ)) (9). وقد صدر الإمام ذمه لهم بأن وصفهم بـ (جُنْدِ المرأة) ووصف الرجل بأنه بإطاعة المرأة والعمل بإمرتها لا تقبله الحالة الاجتماعية العربية، ففي ذلك إرغام للرجولة وإذلال للهيبة، فالرجل مقدم عندهم، وهو القائد للمرأة وزاد الإمام في ذمَّهم بجعلهم اتباعاً (للبهيمة) التي كنّى بها عن (الجمل) الذي اتبعه هؤلاء، واستعماله مفردة (البهيمة) مقصود هنا - تعريضاً بهذه الفئة الت اتبعت هذه الدابة، فصارت مثلها في عدم التمييز والتبصر ؛ فأشبهوا هذه (البهيمة) في عدم التفكر في الامور ومعرفة طريق الحق، وفريق الباطل الذي سلكوا طريقه، حتى صارت هذه الجماعة تابعة لتلك الدابة التي كانت تسوقها وتقودها. وأما المراد بـ (المرأة) فهي (عائشة). ثم يوازن الإمام في كلامه بين حالتين ؛ الأولى إجابتهم لصياح البعير، وضَجِيجه الذي يصدر عنه. وبهذا صار هؤلاء بمنزلة غير العقلاء لاتباعهم واستجابتهم لرغاء البهيمة التي تناديهم الى الهلاك، والخروج على إمامهم الذي بايعوه. فأجابوها، ولم يستجيبوا لعقولهم. وهو ما يخالف عاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية المعروفة، فالمعروف عند العرب أنهم يُرْغُون إبلهم ونياقهم، أي يحثونها على الرُّغاء ؛ ليسمع ابن السبيل رغاءها فيميل اليها (10)، رغبة في الاهتداء وطلباً للراحة من السفر. وقد يكون أكثر ذلك لأجل توطين


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 292/2.

2) نهج البلاغة : خ/ 39 : 82.

3) ينظر : العين (رغو) : 444/8.

4) ينظر : المحكم (رغو) : 55/6، لسان العرب (رغا) : 329/14.

5) ينظر : لسان العرب (رغا) : 329/14.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 191.

7) البهيمة كل ذات أربع قوائم من دواب البر. ينظر : لسان العرب (بهم) : 56/12.

8) العَقْرُ في اللغة العُقْمُ، وعدم الانجاب، وفرس معقور أي : قطعت قوائمه بالسيف. ينظر : لسان العرب (عقر) : 591/4، 592.

9) نهج البلاغة: خ/13 : 41.

10) ينظر : العين (رغو) : 444/8.

الضيف للقرى والإكرام(1). في حين أنهم خالفوا عاداتهم هذه ؛ فجعلوا يُرْغُون جمالهم ؛ للدلالة على إعلان الحرب والخروج على إمامهم ؛ لأنهم أرغوا جملهم وجعلوه ينادي للقتل والقتال، ولم يرغوه للوحدة ونبذ التفرقة. هذا من جهة أصحاب الجمل المتزعمين للأمر. أما من جهة الذين اتبعوا (البهيمة)، فهؤلاء اختلفت عليهم الأصوات، وجنحوا الى ما مال منها الى الحرب فصار اهتداؤهم للشر لا للخير. وثمة فهم آخر تشير إليه لفظة (رَغَا) في النص، يقوي الدلالة على الذم التي قصدها الذم للإمام. فإن (الرُّغاء) الذي يصدره البعير يحمل في دلالته ضرباً من القهر والذل للدابة، فالمعروف أن البعير لا يصدر مثل هذه الأصوات إلا عند إرغامه وإذلاله واستكانته أو عندما يحمل عليها (2). وإكراه البهائم على ذلك يمثل نوعاً من العسف بها، وقهرها، وفي هذا دليل دليل على عنت صاحبها وظلمه لها وبهذا يكون (رغاء) البعير علامة على إذلال اتباعه وعسفهم وهو ما يوحي به النص.

ثانياً : أما المقام الثاني، فهو استعمال مفردة (تَزغو) ؛ للدلالة على أصوات الأمواج في البحار. وقد شبه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) تلك الأمواج المتلاطمة بِرُغَاءِ الفحول عند هياجها، وذلك في سياق وصف الأرض ودحوها على الماء : ((كَبَسَ (3)الْأَرْضَ عَلَى مَوْر (4)أَمْوَاج مُسْتَفْحِلَة (5)، وَلَجَجِ (6)بِحَار زَاخِرَةِ (7)، تَلْتَطِمُ (8)أَواذِي (9)أمْواجها.. وَتَرْغُو زَبَداً كَالْفُحُولِ عِنْدَ هِيَاجِهَا...))(10). والإمام يصور حال الأرض عند دحوها، وامتلاء أرضها بالمياه، التي عبر عنها (بالبِحَار الدّاخرة) التي تتلاطم أعالي أمواجها بعضها بالبعض الآخر، فكأنها ترغو وتصيح كفحول الإبل عند هياجها للضراب. وقد جسد الإمام صورة هذهِ الأمواج بهيئة البعير الهائج موظفاً لها بعض لوازمه، وهو (الرُّغاء) في إشارة الى الصوت الهادر من هذه الأمواج الذي صحبها (الزَّبَدُ) وهو رغوة البحر المتلاطم، إذا ثار موجه (11)بسبب من ارتفاع الموج وشدته هياجه، فجعله الإمام بمنزلة الزبد الذي يظهر على شدقي الجمل عند رُغَائه (12)وزيد الجمال لعابها الأبيض الذي يظهر على مشافرها عند هياجها (13). ولما كان الإمام يشبه أمواج البحار وتلاطمها بالفحول الهائجة من الإبل، فلهذا استعمل مفردة (زَبَداً)، بوصفها لازمة من لوازم هذه الدواب، مما قوى العلاقة بين طرفي التشبيه، فإن (الزبد) علامة مشتركة ينتج من رغاء


1) ينظر : لسان العرب (رغا) : 329/14.

2) نفسه.

3) الكَبْسُ هو طَمُكَ حُفْرَة بالتُّراب، وكبست النهر والبئر اذا طممتها. ينظر : لسان العرب (كبس) : 190/6.

4) المَوْرُ الطريق، والمَوْجُ والسرعة. ينظر : لسان العرب (مور) : 186/5.

5) الفَحْل الذكر من كل حيوان، واتفحل الأمر، إذا قوي واشتد. ينظر : لسان العرب (فحل) : 517/11.

6) اللجاج التّمَادِي. ينظر : تاج العروس (لجج) : 179/6.

7) زَخَرَ البَحْرُ طما وعلا. ينظر : لسان العرب (زخر) : 320/4.

8) التطْمَتِ الأمواج ضرب بعضها بعضاً. ينظر : لسان العرب (لطم) : 12 / 544.

9) الآنّي - بالمد والتشديد - الموج الشديد. ينظر : لسان العرب (أذي) : 28/14، وقد نقل اللغويون هذه الكلمة عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ينظر : لسان العرب (أذي) : 28/14.

10) نهج البلاغة : خ / 91 : 160، 161.

11) ينظر : تهذيب اللغة (زبد) : 127/13.

12) ينظر : لسان العرب (را) : 329/14.

13) ينظر: العين (زبد) : 307/7، وتهذيب اللغة (زبد) : 127/13.

فحول الإبل، وتلاطم امواج البحار وارتفاع أواذيها. وقد أضافت هذه المفردة ضرباً من توكيد الشبه بين الأمواج وفحول الإبل الهائجة، فإن كلاً منها ينتج (زبداً) في هذا الحال، وبخاصة الإبل التي يكثر (الزَّبَدُ) في مشافرها عند اغتلامها وهياجها (1). وهذا ما يفسر لنا إيثاره (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (الفُحُول) على غيرها من المفردات الدالة على الأباعر. وذلك إشارة الى قوة غريزتها وشهوتها للضراب. فإنّه شبه الأمواج بالفحول ؛ بجامع الاصطراب والغليان و رغوة الزبد الذي يظهر في فم الفحل من الإبل عند هياجه. ووظف مفردة (ترغو)، وهي من أصوات ذات الخف اشارة الى تقاذف الزبد منها (2).

هياجها

هَاجَ الفحل هَياجاً، هدر وأراد الضراب (3). وجاءت لفظة (هياجها) مرة واحدة في نهج. البلاغة (4)للدلالة على هَيَاج الفحول من الإبل التي تطلب الضراب. وذلك في سياق تشبيه هياج أمواج البحار بهياج فحول الإبل. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((كَبَسَ الأَرْضَ عَلى مَوْرِ أَمْوَاج مُسْتَفْحِلَةٌ، وَلُجَجِ بِحَار زَاخِرَةِ، تَلْتَطِمُ أَواذِيُّ أَمْواجِهَا، وَتَصْطَفِقُ مُتَقَاذِفَاتُ أَثْبَاجِهَا، وَتَرْغُو زَبَدأَ كَالْفُحُولِ عِنْدَ هِيَاجِهَا...)) (5). كأَنّ هذه الأمواج المتلاطمة فحول من الإبل ترغو هياجاً طالبة الضراب.

16 - حنين الإبل وولهها

الحانة

حَنِين الناقة صوتها إذا اشتاقت الى ولدها (6). وقيل : حنينها نزاعها فى إثر ولدها حنيناً تطرب فيه بصوت أو بغير صوت (7). وأكثر الحنين بالصوت (8). فهو الأصل البكاء بالصوت، أو الطرب سواء أكان في. في حزن أم فرح (9). واستعمل الإمام لفظتي (الحَنِين) و (الحَانَّة). فقد وردت المفردة الأولى أربع مرات، في حين جاءت الثانية في موضع واحد من نهج البلاغة (10)؛ للدلالة على صوت حنين الناقة، وشدة نزاعها على أولادها وأوطانها. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في دعائه بالاستسقاء مصوراً حال النعم في عطشها ولهفتها على أولادها : ((اللّهمَّ قَدِ أَنْصَاحَتْ جِبَالُنَا، وَاغْبَرَّتْ أَرْضُنَا، وَهَامَتْ دَوَابُّنَا، وَتَحَيَّرَتْ في مَرَابِضِهَا، وَعَجَّتْ (11)عَجِيجَ الثَّكَالَى(12)عَلَى أَولادِهَا، وَمَلَّتِ التَّرَدُّدَ في مَرَاتِعِهَا (13)، وَالحَنِينَ إِلَى مَوَارِدِهَا اللّهمَّ فَارْحَمْ أَنِينَ الْأنَّةِ(14)، وَحَنِينَ


1) نفسه.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 339/6، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 459/2، والديباج الوضي : 730/2.

3) ينظر : المحكم (هيج) : 367/4، ولسان العرب (هيج) : 295/2، وتاج العروس (هيج) : 287/6.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 473.

5) نهج البلاغة : خ/ 91 : 120، 161.

6) ينظر : العين (حنن) : 29/3.

7) ينظر : المحكم (حنن) : 534/2، ولسان العرب (حنن) : 129/13.

8) نفسه.

9) ينظر : المحكم (حنن) : 33/2ه، ولسان العرب (حنن) : 129/13.

10) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 126، 127.

11) العجيج الصياح والجلبة والضجيج. ينظر : لسان العرب (عجيج) : 318/2.

12) الثكالى جمع ثكلى وهي المرأة التي فقدت ولدها. ينظر : لسان العرب (شكل) : 813/11.

13) المرتع هي المراعي المخصبة. ينظر : لسان العرب (رتع) : 113/8.

14) الآنّةَ الأمة التي تننُّ من التعب. ينظر : لسان العرب (أنن) : 28/13.

الْحَانَّةِ اللّهمَّ فَارْحَمْ حَيْرَتَهَا فِي مَذَاهِبِهَا، وَأَنِينَهَا فِي مَوَالِجِهَا)) (1). يصف الإمام حال الناس وما أصابهم من محل وجفاف؛ بسبب من انقطاع الأمطار، ذاكراً انصياخ الجبال، وإغبرار الأرض وهيام الدواب لانقطاع المطر. ثم استهلّ دعاءه بطلب الرحمة من اللّه تبارك وتعالى ؛ لأنين الآنة وحنين الحانة، جامعاً بين مفردتي (الآنةِ) و (الحَانَّةِ) في سياق واحد. فأما (الحانّة)، فهي (النّاقَة). وقيل : هي أحد أسمائها (2). وإنما قيل لها (حَانّة) ؛ لأنها تحن عند نزوعها الى أوطانها، أو عند حنينها الى ولدها، ويكون حنينها مصحوباً بصوت يظهر شجونها. وألمها من شدة الفراق. وقد وظف الإمام هذه المفردة في هذا السياق ؛ لمناسبتها حال الناقة وبقية الدواب التى جرى على أولادها وأوطنها شدة المحل والقحط حتى فزعت وحنت لما فيهم من عطش وقلة غذاء. وهذا الوصف الذي صنعه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوحي بانزل الناقة الحانّة منزلة الأم التي تحنو على أولادها وأهلها. لقد استعمل الإمام التعيين المتقدم بهذه المفردات التي تناسب الحياة السائدة في ذلك العصر وما قبله، إذ ارتبطت صورة (الناقة) عند العرب بالأمومة التي وصفها بعض الباحثين بأنها تمثل الأمومة الصابرة القادرة على الرغبة في استمرار الحياة (3). فكأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يريد بهذا التوظيف استدرار نعمة اللّه تعالى واستنزال قطره بوصف هذهِ (الحانّة) وحالتها على أولادها الجياع. ومما يعضد ذلك استعمال لفظة (الآنه) التي ذكر اللغويون عدة دلالات لها ؛ منها أن (الآنة) هى الشاة (4)، وقيل : بل الآنة هى الأمة التي تئن من التعب (5). فكأنها تصوّت من وجعها ؛ بسبب من كثرة ما تؤديه من عمل. والأنانَةُ - أيضاً - المرأة التي مات زوجها فتزوجت غيره. فإذا تذكرت الأول أنّت لمفارقته (6). وذكره (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهاتين المفردتين بكل ما تحملانه من دلالات واستعطافه اللّه تعالى بهذا الضرب من الدواب، يتناسب مع المعنى الذي قصد اليه كأنه يريد القول : إنك - باللّه – إن كنت حرمتنا رحمتك وغيتك ؛ لسوء أعمال الناس وأفعالهم، فارحم هذه الدواب التي لا ذنب لها (7)، والتي ضجّت وعجّت من شدة المحل والعطش، حتى أنت على أولادها وحنّت وهذا التوجيه يسوغ لنا ابتداء الإمام واستهلال كلامه في هذه الخطبة بذكر حال الأنعام ووصف ماجرى عليها من الجدب. ولهذا ورد في الفقه استحباب إخراج البهائم في صلاة الاستسقاء (8). وقد أخذ الفقهاء هذا الأمر - كما يبدو – من قول النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله) : ((لَوْلا بَهَائِمُ رُبَّعٌ، وَصِبْيةً رُضَعَ، وَشْيُوخٌ رُتّعٌ ؛ لَصَبَ عليكم العَذَابَ صَبَاً)) (9). علاوة على هذه الفكرة الاسلامية ؛ فقد كان من عادة العرب إخراج البهائم والاستسقاء بها في المحل. فكانوا يجتمعون ويجمعون ما


1) نهج البلاغة: خ/ 115.

2) ينظر : اللطائف في اللغة (معجم أسماء الأشياء)، لأحمد بن مصطفى الدمشقي : 84/1.

3) ينظر : قراءة ثانية لشعرنا القديم، للدكتور مصطفى ناصف : 99، وأنثر بولوجيه الأدب، دراسه الآثار الجانبية على ضوء علم الانسان، د. قصي الحسين : 210.

4) ينظر : أساس البلاغة (أنن) : 23/1، ولسان العرب (أنن) : 28/13.

5) ينظر : لسان العرب (أنن) : 28/13.

6) ينظر : تاج العروس (أنن) : 196/34.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 207/7.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 207/7.

9) وسائل الشيعة : 211/10، 312، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 207/7، بالنص نفسه. وقد ورد الحديث في المدونات الحديثية برواية معكوسة، وهي قوله (صلى اللّه عليه وآله) (لولا شبابٌ خُشَّع، وبَهَائِمُ رُتَّعٌ، وَشْيُوخٌ رُكَعٌ، واطفال رُضّع، لَصَبَ عليكم العَذَابُ صَبَاً)). السنن الكبرى (البيهقي) : 345/3، ومسند أبي يعلى : 287/11، والمعجم الأوسط : 134/7.

يقدمون عليه من بقر ودواب، ويصعدون بها الجبال، ثم يعقدون في أذنابها أغصان الشجر، ويشعلون فيها النار، ويضجون بالدعاء والتضرع ليسقط المطر، ومن ثم يتركون قطيعهم يهبط الى السفوح. كأنهم يتفاءلون - بهبوطها - بالسقيا والاستمطار (1). أقول وقد وردت لفظة (الحنين) بالدلالة المتقدمة نفسها في (خ/ 52، 91) من النهج.

الوَلَهُ

الوَلَهُ الحنين الى الشيء، وهو يكون من الحزن والسرور (2). والوَلَهُ الحزن أو ذهاب العقل من الحزن، والحيرة والخوف. من فقد الحبيب (3). وناقة ميلاه، وهي التي فقدت ولدها، فهي تله إليه. أي تحن(4). وقيل : هي التي تربّ بالفحل، فإذا فقدته ولهت اليه (5). وكل أنثى فقدت ولدها أو فارقته، فهي واله(6).

ولفظتا (وَلَهُ) و (الوُلّه) من الفاظ نهج البلاغة، فقد استعملتها مرة واحدة لكل منهما (7)؛ للدلالة على النوق التي تحن الى أولادها وتفزع من فقدهم إذا فارقوها. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق الحديث عن استنهاض همم أصحابه بعد ليلة الهرير (8)في (صِفِّين) : ((أَيْنَ الْقَوْمُ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَبِلُوهُ؟ وَقَرَوْوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ؟ وَهِيجُوا (9)إِلى الْجِهَادِ فَوَلَّهُوا اللَّقَاحَ (10)أولادَهَا، وَسَلَبُوا السُّيُوفَ أَغْمَادَهَا...)) (11). والنص تفصيل لوصف أصحابه الذين ما خالفوا أمر الإسلام وقبلوه بإحكام الرأي، والالتزام بأوامره ونواهيه. بعدما قرأوا القرآن وأحكموا شرائعه، واحلّوا حلاله، وحرموا حرامه. ثم هيجوا وثاروا للجهاد ؛ دفاعاً عن الاسلام فولهوا إليه وَلَة الناقة الحلوب الى أولادها وفزعوا اليه فزعها اليهم (12)، والوَلَه - كما تقدم – الحنين والحزن لفقد حبيبٍ، فكأن وَلَه هؤلاء الذين يذكرهم الإمام الى الحرب كـ (وَلَه) الناقة اللقاح، وهي الناقة الحلوب القريبة العهد بالنتاج (13). وقد استعمل الإمام مفردة (وَلَه) في هذا السياق للدلالة على عدم قدرة الناقة على فراق أولادها ولاسيما إذا كانت لقاحاً قريبة العهد بالنتاج ؛ فيكون حنينها شديداً الى ولدها. وقد جاء هذا المعنى على جهة تشبيه أصحابه بهذا النوع من الإبل. ووجه الشبه شدة الشوق، والرغبة في الجهاد، وسرعة إجابتهم لدعوته (عَلَيهِ السَّلَامُ). وثمة وجه آخر لكلامه الإمام أعلاه ؛ فذكرا أن أصحاب الإمام الذين يتحدث عنهم، قد ولهوا وله اللقاح من الإبل على أولادها، وذلك بأن فرقوا بينها وبين فصيلها لأنهم اتخذوها سبيلاً وواسطة في الحرب


1) ينظر : الحيوان : 466/4، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 207/7، وأنثر بولوجيه الأدب : 316.

2) ينظر : تهذيب اللغة (وله) : 222/6.

3) ينظر : المحكم (وله) : 425/4، ولسان العرب (وله) : 561/13، والقاموس المحيط (وله) : 1621/1.

4) ينظر : لسان العرب (وله) : 561/13.

5) ينظر : تهذيب اللغة (وله) : 222/6، ولسان العرب (وله) : 561/13.

6) ينظر : لسان العرب (وله) : 561/13.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 496.

8) ليلة الهرير هي إحدى ليالي وقعة صفين.

9) هاج الشيء ثار لمشقة أو ضرر. وهاجت الناقة انبعثت الى وطنها. ينظر : لسان العرب (هيج) : 395/2.

10) اللقاح الإبل التي استبان لقاحُها، وهو حَمْلُها. ينظر : العين (لقح) : 47/3.

11) نهج البلاغة : خ / 121 : 224.

12) ينظر : مع نهج البلاغة : 319.

13) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 262/4، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 8/7.

والجهاد، ففصلوها عن أولادها على الرغم من كراهة ذلك ؛ فليس من عادة العرب ركوب اللقاح أو تفريقها عن أولادها (1)، ولكنهم خالفوا ذلك لما فيهم من رغبة في الجهاد، ونزوع الى مجالدة الاعداء. فأجابوا دعوة الإمام اليه (2). إن الشرّاح الذين ذكروا هذا المعنى، اعتمدوا على رواية أخرى للنص غير الرواية التي وردت في ما جمعه، والرواية هي : ((...فَوَلَّهُوا اللقَاحَ أولاَدَهَا)) (3). وبها يكون المعنى أنهم عمدوا الى توليه الإبل الحلوب، وتفريقها عن أولادها، لأنهم جعلوها واسطة لهم يرتقونها في الحرب. وثمة موضع آخر استعمل فيه الإمام لفظة (الوُلَّه) بصيغة الجمع على (فعل) للمبالغة في الحنين الإبل العجال على أولادها وذلك في سياق تشبيه حنين الزهاد، وَوَلَعِهِم باللّه تبارك تعالى طلباً لثوابه وخشية من عقابه وذلك في (خ/52)

العِجَال

العجول من الإبل الوالهة التي فقدت ولدها (4). ويقال - على التوسع - أنّ العجول هي الوالهة من النساء أيضاً، وذلك لعجلتها في جيئها وذهابها من الجزع (5). واستعملت لفظة (العِجَال) مرة واحدة في نهج البلاغة (6)، للدلالة على الإبل التي فقدت فصلانها، وقد ساق الإمام هذه اللفظة في كلامه عن ثواب الزُّهاد وما يفعلونه من طاعات تقريباً الى اللّه تعالى. يقول أمير المؤمنين : ((فَوَاللّه لَوْ حَنَنْتُمْ حَنِينَ الْوُلَّهِ الْعِجَالِ وَدَعَوْتُمْ بِهَدِيلِ (7)الْحَمَامِ، وَجَأَرْتُمْ (8)جُؤَارَ مُتَبَتِّلِي (9)الرُّهْبَانِ (10)، وَخَرَجْتُمْ إِلَى اللّه مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأُولَادِ، الْتمَاسَ الْقُرْيَةِ إِلَيْهِ فِي ارْتِفَاعِ دَرَجَة عِنْدَهُ، أوغُفْرَانِ سِيِّئَة أَحْصَتْهَا كُتُبُهُ، وَحَفِظَتْهَا رُسُلُهُ، لَكَانَ قَلِيلاً فَيَمَا أَرْجُو لَكُم مِنْ ثَوَابِهِ، وَأَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ عِقَابِه)) (11). بعدما فرغ الإمام من ذكر تصرم الدنيا. وتنكر معروفها للناس والنهي الناس من الانغماس فيها. شرع بتذكير الناس أنهم لو قاموا بكل ما يستطيعون في طاعة اللّه تبارك وتعالى، والانقطاع الى عبادته، لما كان ذلك قليلاً في كسب ثوابه جل جلاله. وقد أورد (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهذا المعنى مفردة (العِجَال) التي تستعمل في الدلالة على النوق العجل التي تفزع بعجالة الى لقاء أولادها إذا فقدتهم. فكأن الناس مهما فعلوا أو عملوا في طاعة اللّه من حنين مثل حنين الوَالِهَةِ َوعِجَالِ كعجال الإبل التي يضرب بها المثل في شدة اللّهفة على فصلانها إذا فقدتهم، فلا تهدأ حينئذٍ، وتبقى عجولة تجيء وتروح من جزعها (12).


1) ينظر : الديباج الوضي : 999/2.

2) ينظر : معارج نهج البلاغة : 476/1، والديباج الوضي : 999/2.

3) نفسه.

4) ينظر : العين (عجل) : 228/1، ومقاييس اللغة (عجل) : 239/4.

5) ينظر : المحكم (عجل) : 324/1، وتاج العروس (عجل) : 238/29.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 293.

7) الهَدِيْلُ صوت الحمام. ينظر : لسان العرب (هدل) : 691/11.

8) الجُؤَار هو رفع الصوت مع تَضَرُّع واستغاثة. ينظر : لسان العرب (جار) : 12/4.

9) التَّبَتِّلِ الانقطاع عن الدنيا الى اللّه تعالى، والمُتَبَتّل العَابِدُ التبارك لكل شيءٍ، لإقباله على العبادة. ينظر : لسان العرب (بتل) : 42/11.

10) الرُّهْبَان جمع راهب، وهو المتعبد في الصومعة، وهو من النصارى. ينظر : لسان العرب (رهب) : 437/1.

11) نهج البلاغة : خ/ 52 : 93.

12) ينظر : المحكم (عجل) : 324/1.

فاستعار الإمام هذه المفردة، لما يفعله هؤلاء الناس من وله وعجالٍ الى ذكر اللّه تبارك وتعالى، والدعاء اليه بلتضرع والتبتل الذي شبهه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بصياح متبتلي الرهبان الذين يشتهرون بشدة تضرعهم ودعائهم (1).

أقول : إن استعمال الإمام لمفردات دالة على صفات في بعض الحيوانات، من الإبل، والحمام، يراد منه ضرب المثل في شدة الحنين والشوق وعدم الاستقرار في الناقة التي تفقد ولدها، فضلاً عن ضرب المثل برقة الصوت وحزنه في الحمام. فكأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يبلغهم أنهم لو حنوا كما تحن العِجالُ الى أولادها وأخرجتم أنفسكم وجردتموها من حبّ الأموال والأولاد، وعدلتم بها الى طاعة اللّه وحبه لما جازيتم اللّه تبارك وتعالى على ما يرجى من ثوابه.

17 - مناخ الإبل وعرجها

أَنَاخَتْ
إشارة:

النَّوْخُ إِنَاخَة الإبل وبروكها (2). وأناخ الإبل إذا أَبْرَكها (3). وأَنَخْت الدابة، أبْركتُها لركوبها (4). وتَنَوَّخ الفحل الناقة، إذا أبركها للسفاد و الضراب (5)، واستناخها أبركها، ثم ضربها (6). والمُناخ – بالضم - - الموضع الموضع الذي تناخ فيه الإبل، وهو مبركها الذي تقيم فيه (7). وقد تضمن كلام الإمام علي في نهج البلاغة ورود الفاظ (أناخَتْ) و (مُنَاخ) و (مُنَاخه) و (مِنيُخُون)، فقد استعملت جميعاً مرة واحدة في نهج البلاغة (8)للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على الإقامة ومَقَرّها

ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) متحدثاً عن حال العرب قبل بعثه النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله) : ((إِنَّ اللّه سُبحانَه بَعَثَ مُحَمَّداً (صلى اللّه عليه وآله) نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ، وَأَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلَى شَرِّ دِين، وَفِي شَرِّ دَارٍ، مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَةٍ خُشن (9)، وَحَيَّات صُمّ (10)...)) (11). والنص في وصف العرب قبل بعثة النبى الخاتم (صلى اللّه عليه وآله)، ولهذا أراد أن يوازن للمخاطبين بين حالهم قبل البعثة، وبعدها فجعل دارهم (شرّ دارٍ)، إشارة الى أن إقامتهم في ذلك الوقت ما كانت إلا بين الأرض الخشنة الغليظة، وبين الأمم من الحيات الشديدة اللدغ، التي لا تعاذ بشيء من الرقي والتعاويذ. واستعماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (مُنِيْخُوْن) ؛ للدلالة على مكان إقامتهم واستقرارهم في تلك الدور فيها إشارة على أنهم لم يفارقوا هذه الأماكن، وما تعلموه فيها من عادات


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 316/2.

2) ينظر : مقاييس اللغة (نوخ) : 368/5.

3) ينظر : لسان العرب (نوخ) : 65/3.

4) ينظر : تاج العروس (نوخ) : 362/7.

5) ينظر : تهذيب اللغة (نوخ) : 239/7، ولسان العرب (نوخ) : 65/3.

6) نفسه.

7) ينظر : تهذيب اللغة (نوخ) : 239/7، ولسان العرب (نوخ) : 65/3.

8) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 460.

9) الخُشن الحجارة الغليظة. ينظر : لسان العرب (خشن) : 140/13.

10) أصل الصمم اشداد الأذُنِ، ومن الحيات ما لا يقبل الرُّقْيَة، كأنه قد صُمّ عن سماعها. ينظر : لسان العرب (صمم) : 342/12، 344.

11) نهج البلاغة : خ/ 26 : 59.

وتقاليد منكرة لا يرتضيها الاسلام، وقد ذكر الإمام منها سفك الدماء، وقطع الأرحام، وعبادة الأصنام المنصوبة بينهم، حتى صارت الآثام جزءاً من حياتهم يعتصيون بها. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((... وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ، الأصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ، وَالأثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ))(1). فكأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوميء بكلامه المتقدم أنهم أقاموا هذه العادات والأفعال المشينة، كما تقيم الإبل في مناخها الذي تبرك فيه. وتتخذه مقراً لها يشتمل على كل ما يصدر عنها من فضلاتٍ وبعر وأبوال. فكأنما العرب قبل البعثة كانوا كالإبل المقيمة في مباركها، تحيط بها الأبعار والأبوال، في الإشارة الى قدر ما يحط بهم من سيئ الأفكار والتقاليد غير المناسبة للقيم الإسلامية وقد أشار ابن أبي الحديد الى أن قول الإمام : ((مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَة خُشن، وَحَيَّات صُمّ) يحتمل الحقيقة. فإن البوادي التي كان يقيم فيها العرب في الحجاز ونجد وتهامة ذات حيات وحجارة خشن من جبال أو أصنام وغيرها، ووصف الإمام لذلك يظهر ما كان عليه العرب من بؤس وشظف وسوء عبادة فأبدلهم اللّه تعالى ريف الأرض ولين المهاد، فضلاً عن عبادته جل جلاله بدلاً من عبادة الاصنام (2). ويجوز أن يكون المعنى على المجاز، فَإِنَاخَتِهِم بين الحيات الصم يتضمن إشارة الى إقامتهم بين الأعداء ؛ لأن العرب كانوا يتقاتلون بعضهم مع البعض الآخر يضمر بعضهم للبعض الآخر الخصام (3)، وقد أختار ابن أبي الحديد المعنى المعنى المجازي، جاعلاً منه المعنى الأحسن (4). وعندي أن الجمع بين الاحتمالين للنص أولى من التفريط بينهما وتغليب المجاز على الحقيقة، فليس ببعيد أن يكون الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد أشار الى واقع حال العرب على نحو الحقيقة، ومن ثم رمز به الى سوء هذا الموقع من خلال ذكر مفردات تدل في حقيقتها على قساوة عيشهم، ومن بعد ذلك تجوّز بها الى معنى الإقامة على العداوة والبغضاء فيما بينهم. فجاء السياق – حينذاك – دالاً على الذم والتوبيخ من قسوتهم وغلظتهم (5). وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (مُنَاخ) بالدلالة المتقدمة نفسها – أعني الاقامة والمكث في المكان - وذلك في إشارة الى مستقر الفتنة في (خ / 93)، والى المقيم في الدنيا وهو زاهد فيها، وراغب عنها إسارة الى مكان اقامته واستقراره في (ك/45).

ثانياً : الدلالة على وضع الأحمال والأثقال

وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهذه الدلالة مفردة (أَنَاخَتْ)، في وصف حال الدنيا وما تلقيه من أثقال على الناس. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق التحذير منها : ((فَاللّه اللّه عِبَادَ اللّه! فَإِنَّ الدُّنْيَا مَاضِيَةٌ بِكُمْ عَلَى سَنَن (6)وَكَأَنَّهَا قَدْ أَشْرَفَتْ بِزَلَازِلِهَا، وَأَنَاخَتْ بِكَلاكِلِهَا، وَانْصَرَمَتِ الدُّنْيَا بِأَهْلِهَا...))(7). يريد التحذير من الدنيا وإهلاكها للناس، من خلال سوقها لهم على جهة ومحجة تشابه محجة من سبق. منهم وذلك بأن تلقى عليهم الثقال والأهوال والمتاعب. وهو ما عبر عنه أمير المؤمنين بـ (أَنَاخَتْ بكلاكلها) مستعملاً لها مفردات خاصة


1) نفسه.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 18/2.

3) نفسه.

4) نفسه.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 245/2.

6) سنن الطريق جِهَتُه ومَحَجَّتُه. ينظر : تاج العروس (سنن) : 232/35.

7) نهج البلاغة : خ / 190 : 353.

بالإبل، فالنوخ هو إبراك الجمل (1). واقعاده على الأرض والعرب تنيخ الإبل لأغراض ثلاثة: فإما أن تناخ لغرض إراحتها من التعب بعد طول السفر وثقل الأحمال، أو أن تناخ لغرض ركوبها فتبرك لذلك الغرض، أو أن تُسْتَنَاخَ للفحل من الإبل للسفاد والضراب، ويكون ذلك بإبراكها ثم ضرابها. قد صور الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الدنيا بهيئة الجمل الذي أنَاخَ نفسه ليريحها بعد ثقل أحماله ؛ فأوطأ كلكله الأرض ليسحق ما وطأه بصدره. جاعلاً الدنيا شبيهه – في هذا الوجه - بالجمل البارك بصدره في الأرض ساحقاً ما تحته، وهكذا حال الدنيا التي تبرك على الإنسان لتريح نفسها، وتنقل البشر بالهموم والمتاعب والآلام.

تَبْرك

بَرَكَ البعير يَبْرك بروكاً، إذا استناخ (2)وبَرَكَ البعير بالأرض، ألقى صدره علها (3). وهو كلكله الذي. يدوك به الشيء تحته (4). والبَرْك الإبل البروك الباركة الكثيرة التي تشرب الماء، ثم تبرك في المعاطن، أو بالفلاة من حر الشمس أو من الشبع (5). ويقال لهذه المعاطن التي تنيخ فيها الإبل المبارك (6).

وجاءت لفظة (تبرك) مرة واحدة في نهج البلاغة (7)؛ للدلالة على ما شبع من الأنعام التي تسرح وترد ثم تَبْرُك في المعاطن طلباً للراحة، وذلك في سياق التعجب والانكار الذي ساقه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبيان زهده وتقوته وورعه عما لا تستطيبه نفسه من الملذات الدنيوية : ((أَتَمْتَلِيءُ السَّائِمَةُ مِنْ رِعْيِهَا (8)فَتَبْرُكَ؟ وَتَشْبَعُ الرَّبِيضَةُ (9)مِنْ عُشْبِهَا فَتَرْبِضَ؟ وَيَأْكُلُ عَلِيٌّ مِنْ زَادِهِ فَيَهْجَعَ(10)؟ قَرَّتْ إِذا عَيْنُهُ إِذَا اقْتَدَى بَعْدَ السِّنِينَ الْمُتَطَأُولَةِ بالبَهِيمَةِ الْهَامِلَةِ، وَالسَّائِمَةِ الْمَرْعِيَّةِ))(11). فلما كان الإمام يتحدث فيه عن زهده وتقواه وورعه، لهذا نفي أن يكون الإنسان مثل الأنعام السائمة التي تملأ بطونها من الكلإ والعشب والماء فتبرك وتربض في الأرض، لا هم لها سوى إشباع بطنها، فإن الإنسان لم يخلق لهذا الأمر، وغاية خلقه ليس كغاية خلق البهائم المرسلة. وإنما أجرى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحديث على نفسه ؛ لأنه لا يطيب له أن يكون كغيره من الناس الذين لا يهمهم شيء في الدنيا سوى الأكل والشراب، والهجوع والسكون. فيكون هذا جل شغلهم وغايتهم في الحياة الدنيا. وبهذا يكون مثلهم وقدوتهم في ذلك البهائم المرسلة التي لا راعي لها.

أقول : وفي استعماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (تَبْرُك) إشارة الى ما تصنعه الإبل عند امتلاء بطونها وشبعها من الكلإ والماء، فتسارع - عند ذلك - عند ذلك - الى البُرُؤك والاستناخة ملقية كلكلها على الأرض في معاطنها، قريبة من


1) ينظر : تاج العروس (نوخ) : 362/7.

2) ينظر : لسان العرب (برك) : 396/10، وتاج العروس (برك) : 27 / 59.

3) أنفسهما.

4) ينظر : العين (برك) : 367/5، وتهذيب اللغة (برك) : 129/10.

5) ينظر : مقاييس اللغة (برك) : 228/1، والمحكم (برك) : 24/7.

6) ينظر : لسان العرب (برك) : 397/10.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 51.

8) الرّغي - بكسر الراء - الكَلاً. ينظر : تهذيب اللغة (رعي) : 103/3.

9) الرَّبيْضَةُ هي الغَنَمُ التي تَرْيُض في مَوْضع إيوائها. ينظر : لسان العرب (ربض) : 149/7.

10) الهُجُوع النَّوْم، وقيل : هو النوم بالليل خاصة. ينظر : لسان العرب (هجع) : 367/8.

11) نهج البلاغة : ك/ 45 : 535.

حياض الماء، أو في مَبَاركَها المخصصة لها (1). رغبةً في الراحة وفراراً من حر الشمس. فكأنها ثبتت وأقامت في هذه المواضع. وذلك مأخوذ من معنى (البَرْك) وهو الثبوت في الموضع والإقامة فيه(2).وهذه الصفة إذا كانت محمودة في الإبل وغيرها من الدواب، فإنها غير مقبولة في الإنسان ألبتة، وروت من الماء، وذلك أنّ الإبل السائمة إذا رعت ورويت من الماء، فإنها تناخ لتراح لغرض إسمانها والإفادة من درها، فتصير من الإبل (البَارِكَة) أو (البَرْكة) - كما يُسَمُّونها - وهي التي تدر لبنها عند وهي التي تدر لبنها عند بَارِكَةٌ ؛ بسبب من شبعها وامتلائها ؛ فيضطر صاحبها الى أن يقيمها ويحلبها (3). دلالة على بَرَكَتِها ونهاء درها. فضلاً عما تفيده هذه الإبل في السير الطويل، وتحمل المشاق. في حين أن الإنسان الذي يكون بهذه الحالة يعد مذموماً لا قيمة له. ولهذا استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) صيغة الدعاء بـ (قَرّ العَيْن)، تحسراً واستهزاء على الحال التي يكون عليها الانسان في حياته. و (قرّت العَيْن) (4)هو دعاء ببرود العين وانقطاع بكائها ودمعها. كأن الذي يصبح حاله مثل حال تلك البهائم، يكون خالياً من الشعور والاحساس الذي يمتاز به الانسان عن الدواب، فلا يتحسر - حينذاك - على حاله، وينقطع بكاؤه مما صار إليه.

العُرْجَة

التَّعْرِيج حبس المطية في موضع أو مُناخ يميلها اليه (5). وعرجت عليه حبست مطيتي عليه(6). وقد وردت لفظة (العُرْجَة) مرة واحدة في نهج البلاغة (7)، للدلالة على حبس الانسان نفسه والقائها على الدنيا. وذلك وذلك في سياق نصحه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأصحابه إذ يقول : ((تَجَهَّزُوا رَحِمَكُمُ اللّه فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحِيلِ، وَأَقِلُوا الْعُرْجَةَ عَلَى الدُّنْيَا...)) (8). والخطاب تذكير لهم بأنهم على وشك الرحيل الى اللّه جل جلاله، فلابد لهم من التجهز والاستعداد والتزود لهذا اليوم بالأعمال الصالحة وعدم الركون الى الدنيا والانخداع بها ؛ لأنّها فانية زائلة. فاستعمل الإمام مفردة (العُرْجة) للاشارة الى حبس الإنسان نفسه، وتعرجه على الدنيا الفانية من خلال ولعه بها وبلذاتها، تشبيهاً لها بالمطية التي يعرج بها في موضع ما، إذ يحبسها صاحبها عنده، ويميلها اليه طلباً للراحة وغيرها، في حين أن هذا التعريج لا يكون مقراً دائماً لها. وكذلك الإنسان الذي أمره الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالإقلال من العُرْجَة على الدنيا ؛ لأنها ليست مقره الأصيل الدائم.

18 - أخفاف الإبل ومناسمها

خفّ


1) ينظر : لسان العرب (برك) : 397/10.

2) نفسه.

3) ينظر : المحكم (برك) : 24/7.

4) نفسه: (قرر) : 122/6.

5) ينظر : العين (عرج) : 223/1، ومقاييس اللغة (عرج) : 302/4.

6) ينظر : مقاييس اللغة (عرج) : 302/4.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 298.

8) نهج البلاغة : خ / 4 20 : 404.

الخُف هو مجمع فرسَن البعير والناقة (1). وهو مخصوص بالإبل والنعامة ؛ فليس في الحيوان شيء له. خف إلا البعير والنعامة (2). وإنما ساووا بين خُفَّ النعامة والبعير ؛ للتشابه بينهما (3). وقد وردت لفظة (خُفٌ) بصيغة المفرد والجمع (أخفافها) مرة واحدة في نهج البلاغة (4)، للدلالة على الأذى الذي يصيب الناس من الفتن. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق كلامه على الفتن الذي انجذم فيها حبل الدين : ((... وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالدِّينِ المُشْهُورِ... وَالنَّاسُ في فِتَن أَنْجَذَمَ (5)فِيها حَبْلُ الدِّينِ أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ، وَوَرَدُوا مَنَاهِلَهُ، بِهِمْ سَارَتْ أَعْلامُهُ، وَقَامَ لِوَاؤُهُ، في فِتَن دَاسَتْهُمْ (6)بِأَخْفَافِهَا، وَوَطِئَتْهُمْ (7)بأَظْلَافِهَا(8)...)) (9). والسياق هنا - سياق حديث عن الفتن وأذاها للناس وقطعها لحبائل الدين والعلاقات الانسانية بين بني البشر. فاستعار (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهذه الفتن مفردة (أخْفَاف) في تركيب الاستعارة المكنية، للدلالة على أدق هذه الفتن للناس وايذائهم بغرز اقدامها الدقيقة فيهم هي فراسن البعير، جاعلاً هذه الفتن بمنزلة الدواب، التي تسحق الناس بأقدامها، وقد نوع (عَلَيهِ السَّلَامُ) بين هذه الدواب، فاستعمل لدوس الإبل لفظ (أَخْفَافها)، جاعلاً منها بهيئة البعير الذي يدوس الاشياء التي يمر بها مسرعاً باخفافه، مثلما وظف لفظ (الأظلاف)، وهي أظافر البقر وغيرها من الشاء التي تطأ الأرض وما عليها بأقدامها فتحدث الخراب في ما تطؤوه. إن هذا التنوع في الاستعارة من تشبيه الفتن بأنواع مختلفة من أرجل الدواب وأقدامها، يشير الى تنوع هذه الفتن وتنوع أصحابها وحملة راياتها ؛ فمنهم من هو بغلظة خُفَّ البعير، وبضخامة جسده إذا هاج وأسرع، فيسحق ما يلاقيه ومن يلاقيه مهما كان، ومنهم من هو بمنزلة الشاء وغيرها التي إذا وطأت الأرض، أغرزت أقدامها الرفيعة الأظلاف فيها. ولو وازنا بين خُف البعير، وظلف الشاء والمعزى، لوجدنا فارقاً كبيراً في الحجم بينهما. والغاية في ذلك التعبير إظهار شدة الأذى الذي تسبيه هذه الفتن فأخفاف البعير تفيد في الدلالة على انطباع الناس بها وجعلهم بهيئتها، في حين أنّ (الأضلاف) توحي في الدلالة على دقة الأذى وشدّته. وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (خُفٌ) ؛ للدلالة على قدم البعير بل الدلالة على الدابة من الإبل التي لا تعيش أو تنمو في أرض بيت اللّه الحرام ، وذلك في (خ/ 192)

المَنَاسِم

المَنْسِم طرف خُفٌ البعير (10). ومَنْسَما البعير، كالظفرين يقعان في مقدم خُفه، يستبان بهما أثر البعير الضال (11). ولكل خُفَّ من البعير مَنسِمَانِ (12). ولفظة (المَنَاسِم) من مفردات نهج البلاغة التي استعملت فيه مرة


1) ينظر : لسان العرب (خفف) : 81/9.

2) ينظر : جمهرة اللغة (خفف) : 106/1.

3) ينظر : لسان العرب (خفف) : 81/9.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 140.

5) الجَذْمِ القَطع. ينظر : لسان العرب (جذم) : 86/12.

6) الدَّوْسُ شِدَّةُ وَطئِ الشيء بالأقدام والحوافر. ينظر : لسان العرب (دوس) : 16/.

7) وَطَأ الشيء يطوه إذا داسَهُ. ينظر : لسان العرب (وطأ) : 195/1.

8) الأظلاف جمع ظلف، وهو ظفر كل ما اجتر من البقر والشاء والظبي. ينظر : لسان العرب (ظلف) : 229/9.

9) نهج البلاغة : خ/ 2 : 26.

10) ينظر : العين (نسم) : 275/7، وتهذيب اللغة (نسم) : 16/13، ولسان العرب (نسم) : 74/12.

11) ينظر : العين (نسم) : 270/7، وتهذيب اللغة (نسم) : 16/13.

12) تهذيب اللغة (نسم) : 16/13.

مرة واحدة (1)؛ للدلالة على مقدم خُفِّ البعير، الذي وظفه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لتشبيه الدنيا، وذلك في سياق كلامه عنها وما تفعله بالناس ؛ إذ يقول الإمام : ((فَهَلْ بَلَغَكُمْ أَنَّ الدُّنْيَا سَخَتْ لَهُمْ نَفْساً بِفِدْيَة (2)؟ أو أَعَانَتْهُمْ بِمَعُونَة؟ أو أَحْسَنَتْ لَهُمْ صُحْبَةً؟ بَلْ أَرْهَقَتْهُمْ (3)بِالْفَوَادِح (4)... وَعَفَرَتْهُمْ لِلْمَنَاخِرَ، وَوَطِئَتْهُمْ بَالْمَنَاسِمِ...)) (5). والنص في ذم الدنيا والتنفير منها، ولهذا استهله الإمام بالاستفهام الذي أخرج لغرض التهكم والاستهزاء، للدلالة على عدم سخاء الدنيا للناس، وإعانتهم بأية معونة أو إحسان، فكل همها ايذاؤهم الذي عبر عنه الإمام بـ (عفرتهم للمناخر)، فكأنها أذلتهم بإرغام أنوفهم بالتراب. واستعار لها الإمام لفظ (المَنَاسم) تشبيهاً لها بالبعير الذي يطأ ما يلاقيه بأخفافه، أو بمقدم خُفّه، كأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أراد بهذا التعبير إظهار الشدة في إذلال الدنيا للناس وإيذائهم ؛ لأن منسم البعير إما أن يدل على خُفّه، فيكون المراد السحق بالخُفَّ، أو أن يكون المعنى أن الدنيا طبعت إهانتها ووطئها لبني البشر المخدوعين بها على وجوههم حتى بدت آثار مناسمها عليهم، وخلفت ذلك في أشكالهم. مثلما تطبع مناسم البعير على وجه الصحراء الآثار فيعرف منها الجمل الضال. فإن قيل من فعل بالناس هذاه الأفعال من إذلال ومرض ومحنٍ. قيل : الدنيا، وذلك من خلال آثار وطئها وعلامات إذلالها.

19 - ما يُعتمل عليه من الإبل

مطايا

المَطِيّة الدابة التي تنطو في سيرها. وتمد (6). وقد خص اللغويون المَطِيّة بـ (النَّاقة) التي يركب ظهرها (7). أو البعير الذي يُمْتَطَى ظهره (8). وقد شاع استعمال لفظة (مَطِي) في نهج البلاغة بصيغة الجمع والمفرد ؛ فقد استعملت لفظة (مَطَايا) بصيغة اسم الجنس الجمعي خمس مرات. ولفظة (المَطِيَّة) بصيغة المفرد أربع مرات مجردة من الضمير، ومرة واحدة مضافة الى ضمير الغائب (9). ولم يستعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الألفاظ المتقدمة بدلالتها على الدابة حقيقة، وإنما استعملها بدلالات أخرى. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق الحديث عن (التَّقْوَى) : ((أَلَا وَإِنَّ التَّقْوَى مَطَايَا ذُلُلٌ، حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، وَأُعْطُوا أَزِمَّتَها، فَأُورَدَتْهُمُ الجَنَّةَ...)) (10). فشبه التقوى بـ (المطايا) باعتبار كونها مما يتيسر امتطاؤه، ويسهل ركوبه لأصحابه وقادتها من الذين يعرفون (التقوى) وتعرفهم، فليس لأحد أن يكون تقياً إلا إذا كان لديه استعداد ومقدرة لأن تتمكن منه (التقوى)، ويكون


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : خ/ 111 : 208.

2) الفِدْيَة، الفِدَاءِ بالنفس أو بالمالِ وغيره. ينظر : تاج العروس (فدي) : 320/39.

3) الرَّهق غِشيانُ الشيء، وارهقتهم الطغيان إذا غشيتم. ينظر : لسان العرب (رهق) : 129/10.

4) القَوَادِحُ جمع قَدْح - بفتح فسكون - وهو إكمال وعَفَنْ في الشجر والأسنان. ينظر : تاج العروس (قدح) : 40/7.

5) نهج البلاغة خ/ 111 : 208.

6) ينظر : المحكم (مطو) : 248/9، ولسان العرب (مطا) : 285/15، وتاج العروس (مطو) : 541/39.

7) ينظر : تهذيب اللغة (مطي) : 32/14، والنهاية في غريب الحديث : 430/4، وتاج العروس (مطو) : 541/39.

8) ينظر : تاج العروس (مطو) : 541/39.

9) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 423.

10) نهج البلاغة : خ / 16 : 44.

فارسها ومن يمتلك زمام قيادها، فتسير بهم الى الجنة. وذلك كله أشبه بحال من يركب المطية، فتحمله وتنتهي به الى حيث يريد. ولهذا شبه الإمام التقوى بـ (المطايا) بجامع السهولة والامتداد في السير. أضاف هذه الفكرة الدلالة على الخضوع وعدم الصعوبة، بقرينة لفظة (ذُلُل) التي تدل على تلك المعاني (1). ساق (عَلَيهِ السَّلَامُ) التعبير المتقدم في سياق الحث على التقوى وكونها مما يسهل اعتناقه على الناس، وإنها التي تقود الى الجنة، في قبالة (الخطايا) التي شبهها بـ (الخَيْل السُّمُس) في قوله : ((أَلَا وَإِنَّ الخَطَايَا خَيْلٌ شُمُسٌ حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُها، وَخُلِعَتْ لُجُمُهَا فَتَقَدَّمَتْ بِهِمْ في النَّارِ)) (2). فجعل مفردة (المطايا) بإزاء (الخَيْل)، كأنهما ضدان أحدهما نقيض الآخر ؛ فضلاً عن استعماله المفردتين بصيغة الجمع في إشارة الى تعدد أسباب كل منهما وسبله التي تقود اليهما، (فالتقوى) لفظ مفرد أخبر عنه الإمام بلفظ الجمع (مطايا)، وهو اسم جنس خاص بالجمع في إشارة منه(عَلَيهِ السَّلَامُ) - فيما يبدو - الى تعدد هذه المطايا التي تمثل وسائط توصل المتقين الى اللّه تبارك وتعالى. ومصاديق ذلك متعددة، فمثلما جعل (الخَيْل) الصعاب الجموح وسائط الى النار. فكذلك (المطايا) التي كنّى بها عن سبل الخير والتقى، بإزاء (الخَيْل) التي دلّت على وسائل الشر المهلكة. أقول : ونظير هذا الاستعمال ما ورد في (ك/31) الذي استعمل فيه الإمام لفظة (مطيّته) و (المطيّة) بصيغة المفرد في (خ/76، 198، ك / 31، قصا / 371)، في حين وردت لفظة (مطايا) بلفظ الجمع بالدلالة على الواسطة التي تتخذ سبيلاً الى القرب من الحق جل جلاله، وذلك في (خ / 180، 192، 223، ك / 31).

زَوَامل

الزَّاملة البعير الذي يحمل عليه الطعام والمتاع (3). وزَمَلت الدابة في عدوها، إذا تحاملت على يديها بغياً ونشاطاً (4). والزَّامِل من الدواب الذي يَظُلُع في سيره (5). وجاءت لفظة (زَوَامل) بصيغة الجمع مرة واحدة. في نهج البلاغة(6)؛ للدلالة على الإبل التي يحمل عليها الطعام والمتاع وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يتحدث فيه عن انتقام اللّه تبارك وتعالى من الأمويين، الذين يصفهم بـ ((مَطَايَا الخَطِيئَاتِ، وَزَوَامِلُ الآثام)) (7). ولفظتا (مَطَايا)، و (زَوَامل)، تدلان على تشبيههم بالإبل التي يحمل عليها (8)، فهم مطايا للخطيئات فهم كمن يستمد منهم الذنوب والمعاصي فهم مصدرها وموردها. وقد وظف (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (زوامل)؛ لاظهار معنى انتقال هذه الآثام من موضع الى آخر. كما تنتقل الدابة في ارتحالها من مكان لآخر في إشارة انتقال مضرتها وأذاها من محل الى آخر مع السرعة في هذا الانتقال، ويستفاد ذلك من دلالة مفردة (زَمَلَ) على العدو السريع الذي تتحامل على يديها في دلالة على نشاطها كما يذكر اللغويون (9). ولم تخل هذه المفردة من معنى الانحطاط


1) ينظر : لسان العرب (ذلل) : 257/11.

2) نهج البلاغة: خ/ 16 : 44.

3) ينظر : العين (زمل): 371/7، وتهذيب اللغة (زمل) : 152/13.

4) نفسه.

5) ينظر : المحكم (زمل) : 55/9، ولسان العرب (زمل) : 309/11.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 202.

7) نهج البلاغة: 108 : 279.

8) ينظر : مع نهج البلاغة : 195.

9) ينظر : العين (زمل): 371/7، وتهذيب اللغة (زمل) : 152/13.

الذي أكسبها إياه السياق، ففي اللغة أن الزَّامل من الإبل هو البعير الذي في مشيته غمز، كأنه يظلع في سيره (1). ويفهم من هذا أن مسيرة الأمويين عرجاء طالعة ؛ لا استقامة فيها فكأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يومئ - بهذا - الى عدم عدلهم و (شرعية) دولتهم التي أقاموها على الظلم والقتل والإرهاب ولهذا وصفهم بـ (زَوامل الآثام) إشارة الى حملهم الذنوب من ظلم الرعية ونهب أموالهم وتشريدهم وتستعمل لفظة (زُمَال) في لهجة جنوب العراق ووسطه للدلالة على (الحِمار الأهلي)، وهو المسمى بـ (المُطِيّ) أيضاً. وهو من أرذل الدواب صوتاً وخلقاً حتى أنهم إذا أرادوا أن يذموا شخصاً شبهوه بـ (الزّمال) : من جهة سوء الخلق وعدم الفهم. وهذه المفردة - أعني - زوامل من اشتقاقات مادة (زَمَل). ويذكر المعجميون أن مفردة (زَمَال) تدل على الضعيف الجبان والرذل من الناس (2). وهذه الدلالات تعزز - عندي - معنى الذم، واجتماع الخصال السيئة في الأمويين، الذي يتضمنه يتضمنه كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) .


1) ينظر : المحكم (زمل) : 55/9، ولسان العرب (زمل) : 309/11.

2) ينظر : لسان العرب (زمل) : 311/11.

المبحث الثاني: ألفاظ الخيل ومتعلقاتها

1 - اللجام وأدواته

لُجَم

اللجام للدَّابَّة معروف، وهو حَبْل أو عصا يدخل في فمها، ويُلْزَق الى قفاها (1). وذُكِر في وصف (اللُّجَامِ) : أنّه الحديدة التي توضع في فم الفرس فحسب، ولكن لما كثر في كلامهم، سموا اللجام بِسَيُوْره وآلَته لجاماً. ومنه (الشَّكِيْمَة)، وهي الحديدة المعترضة في الفم، و (الفأس) وهي الحديدة القائمة في الفم، والمُسْحَلُ، وهي حديدة توضع تحت الحَنَك، و (الخُطَّافانِ)، وهما حديدتان مُعْوَّجَتانِ في (المِسْحَل والشَّكيمة) من عن يمين وشمال، والفَرَاشتان، وهما حَدِيدتان تُشد بهما أطراف (العِذارين) و (الحَكَمَة)، وهي تحيط بالمِرْسَن والحَنَكِ من فِضَّةٍ أو حَديد. فهذه هي حَلَقَةٌ صورة اللجام عندهم (2).

وللغويين موقف من عروبة هذه الكلمة، فقد ذهب بعضهم الى أنها غير عربية، وأنها من الألفاظ الأعجمية الفارسية المعرّبة وفي رأس هؤلاء سيبويه (3)الذي نفهم من ذكره هذه المفردة في كتابه القول بِعُجْمتِها (4). والزبيدي.(5). في حين اكتفى كل من ابن دريد والجواليقي، والفيومي (ت 770 هـ) بالإشارة إلى مواقف اللغويين منها، ذاكرين أنّ منهم مَنْ يقول أنها عربية، وآخرون يرون أنها معرّبة (6). وأشار صاحب (المعرَّب) أنها بالفارسية (لِغَام) (7).

أقول : ويبدو من اشتقاقات هذا اللفظ واستعمالاته في اللغة العربية أنه لفظ عربي، وقد رجح هذا الرأي الأستاذ أحمد محمد شاكر معتمداً على تصاريف هذه الكلمة أيضاً (8). واستعملت لفظة (ألْجَم) مرتين في نهج البلاغة. في حين جاءت ألفاظ (أَلْجَمَهُم) و (لِجَامُها) و (لُجَم) و (لُجُمُهَا) و (مُلْجَم) مرة واحدة في النهج.(9). للدلالة على اللجام الذي يستعمل في الخَيْل ليربط به العِنَان، لتكون سهلة القياد، فضلاً عن منعها من الانشغال بالأكل والعَزّ وغيرها مما يُشغل الدّابة عن السَّيْر. وقد استعار الإمام هذه المفردة، ووظفها في سياقات لتشبيه من وُصِف بها بالدَّابَّة المُلْجمة. ومن ذلك قوله في بيان حال النّاس قبل بعثة النبي من الذين أطاعوا الشيطان في الفتن، إذ يقول : ((أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ، فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ، وَوَرَدُوا مَنَاهِلَهُ... فِي فِتَنِ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِهَا، وَوَطِئَتْهُمْ بِأَطْلَافِهَا، وَقَامَتْ عَلَى سَنَابِكِهَا، فَهُمْ فِيهَا تَائِهُونَ حَائِرُونَ جَاهِلُونَ مَفْتُونُونَ


1) ينظر : العين (لجم) : 6 / 138، والمحكم (لجم) : 452/7.

2) ينظر : تاج العروس (لجم) : 33 / 399.

3) ينظر : كتاب سيبويه : 234/3، ولسان العرب (لجم) : 534/12.

4) ينظر : المعرب : 242/2.

5) ينظر : تاج العروس (لجم) : 33 / 399.

6) ينظر : جمهرة اللغة (لجم) : 491/1، والمعرب : 348، والمصباح المنير : 549/2.

7) ينظر : المعرّب : 348.

8) نفسه. هامش (3).

9) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 407.

بِأَرْضِ عَالِمُهَا مُلْجَمٌ وَجَاهِلُهَا مُكْرَمٌ)) (1). يشير (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى أنّ عَالِم هذا الزمن مُلْجَم، قد أُسْكت مُرْغماً كَمَن قد وُضع في فمه اللجام ؛ لمنعه من قول الحقِّ. ولمّا كان سياق النص يتحدث عن حال الناس في الجاهلية قبل بعثة النبي الأكرم، فلهذا ناسب أن يكون إلجام العالم مراداً به عدم مقدرة مَنْ عَرَف صدق النبي الأكرم وصدق نبوّته وبعثته والإيمان به التصريح بذلك (2)، كأنه مُلْجم كالجواد الذي يمنع من الحراك والقياد إلا بإلجامه. ونظير هذا الاستعمال ما نظمه الإمام في مقام كبح النَّفْس ومنعها من ارتكاب المعاصي. في تصوير استعار به مفردة (لِجَام (مُشَبِّها النّفس بالفرس التي يُلْجِمها صاحبها منعاً لها من النّفار، والتحكم بها بعنان اللجام. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((... امْرُؤٌ أَلْجَمَ نَفْسَهُ بِلِجَامِهَا، وَزَمَّهَا بِرْمَامِهَا فَأَمْسَكَهَا بِلِجَامِهَا عَنْ مَعَاصِي اللّه، وَقَادَهَا بِزِمَامِهَا إِلَى طَاعَةِ اللّه)) (3). ويلحظ أنّه استعمل مفردتي (لجام) و (زمام)، مفرقاً بينهما، جاعلاً الأولى وسيلة لمنع النّفس وكبح جماحها، والثانية وسيلة لقيادها والسير بها الى الصراط المستقيم. ثُم فَسّر هذا التعبير، ذاكراً العِلَّة من إلْجامِ النَّفْس وَزَمِّهَا. فقال : ((فَأَمْسَكَهَا بِلِجَامِهَا عَنْ مَعَاصِي اللّه، وَقَادَهَا بِرْمَامِهَا إِلَى طَاعَةِ اللّه)) (4).

وقد علّق شُرَّاح النّهج على استعمال الإمام لمفردتي (لجام و زمام)، فذكروا أنه استعار الأولى للزّهد الحقيقي والعِفّة، ووجه المشابهة بينهما كونهما مانعين للنّفس الأمارة من جماحها في تيه الهوى ومعاصي اللّه كما يمنع اللجام الدَّابة عن الجماح، لأنّ اللّجام أَمْلَكُ لرأس الفرس، فلهذا خص (عَلَيهِ السَّلَامُ) المعاصي باللجام ؛ لما في مَكَّبتها النفوس من محبتها والتَّقَحُم فيها، وإيثار الشهوات من أجلها، فلابد أن يكون لها زاجر قوي يمنعها، فاستعمل لها لفظ اللجام في حين أنّه استعار لفظ (الزّمام)، لطاعة اللّه وعبادته بوصفها هي قائدة للنفس الأمارة بالسوء الى الطاعة والتذليل ؛ لأنّ انجذاب النّفس لها يكون بالترغيب، فلهذا خَصها بالزّمام، فيكون قيادها بذلك أنسب لِكَفِّها عن التَّوَتُبِ الى المعاصي ومنعها من ارتكابها (5).

أقول : وقد وردت ألفاظ (أَلْجَم)، و (أَلْجَمَهم) استعارة لحال الناس يوم القيامة من السكوت ونزول العَرَقِ على وجوههم، فصار كاللجام الذي يمنعهم من الكلام. وذلك في (خ / 83، 102). في حين استعملت مفردة (لُجُم) بصيغة الجمع على (فُعُل (للدلالة على أصوات لُجُم الخَيْلُ وقَعقعتها كناية عن الاستعداد للحرب، في (خ / 128)، وجاءت لفظة (لجمها) في استعارة للجام (الخطايا) التي يرتكبها المرء، فكأنما أطلق لها العِنَان بخلع لُجُمها. وجاء ذلك في (خ / 128) أيضاً


1) نهج البلاغة: خ / 2 : 26، 27.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 1/ 143. ينظر و شرح نهج البلاغة (البحراني) : 1/ 8 والديباج الوضي : 194/1.

3) نهج البلاغة : خ / 452:237، 453.

4) نفسه. 453.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 4 / 192 والديباج الوضي : 2081/4، 2082.

عنان
إشارة:

العِنَان من اللجام، وهو السَّيْر الذي بيد الفارس، الذي يقوم به رأسُ الفَرَس (1)، وتمسك به الدَّابَّة (2). واستعملت الفاظ (عِنَان)، و (عِنَانِها)، و (أَعْنَان)، و (أعِنّتها مرة واحدة لكل منها في نهج البلاغة(3)، للدلالة على ما يأتي :

أولاً : الدلالة على سَيْر الفَرَس الذي تُمْسَكُ به، وتقاد

وقد استعمل الإمام مفردة (عنانها) للإسراع والتقدم في الفضل والفضيلة على غيره من الصحابة. وذلك في سياق كلامه عن فضائله وتميّزه على غيره ؛ إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((فَقُمْتُ بِالْأَمْرِ حِينَ فَشِلُوا، وَ تَطَلَّعْتُ حِينَ تَقَبَّعُوا وَ نَطَقْتُ حِينَ تَعْتَعُوا (4)، وَ مَضَيْتُ بِنُورِ اللّه حِينَ وَقَفُوا وَ كُنْتُ أَخْفَضَهُمْ صَوْتا، وَ أَعْلَاهُمْ فَوْتا (5)، فَطِرْتُ بِعِنانِها...)) (6). يشير إلى منزلته بين بقية أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وذلك إشارة إلى الشجاعة والسبق التي يتحلّى بها، يريد أنه قام بأمر اللّه تبارك وتعالى بين يدي رسوله الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في الحروب والوقائع الصعبة التي ضعف عنها غيرة وفشل (7). والمح بقوله (وَ مَضَيْتُ بِنُورِ اللّه)، إلى فضيلة العلم التي سار بها على نور اللّه تبارك وتعالى. وقصد بقوله (أَخْفَضَهُمْ صَوْتا، وَ أَعْلَاهُمْ فَوْتا) الكناية عن رباط جأشه، وثباته في الأمور التي عزم على فعلها دون التفات إلى كثرة الأصوات التي تعد من علامات الفشل والخوف (8)، فكان في ذلك أخفضهم صوتاً، وأعلاهم سبقاً. كأنه يشير إلى كثرة أفعاله وعُلُوّ همَّته، وقلّة كلامه؛ لأنّ أفعاله هي التي تتكلم، وذلك بحسب مفهوم (اعْمَل بِصمت ودَعْ عملك يتكلم). قد استعار (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (عِنَانِها) التي تعد من لوازم قياد الدَّواب، بوصفه جزءاً من لجام الخَيْل الذي يُمْسَك به الفارس ليقود به فَرَسَه فشبّه فضیلته على غيره بالفرس السَّابِق الذي لا يُشَقُّ له غبار. كناية عن سبقه وعدم بلوغ غيره منزلته تلك، فكأنما قوله (طِرْتُ بِعِنانِها) كناية عن تلك الغَلَبَة التي لا يُقارعه فيها أحد، ففضله كالجواد السابق الذي طار صاحبه بعِنانه. فإرخاء (العِنَان) دليل على إرادة السرعة، والسبق مع حسن القياد والتحكم بالفرس. ووجه المشابهة بين قوله (طِرْتُ بِعِنانِها)، وبين فَضل الإمام هو السرعة والثبات في الاستباق نحو مرضاة اللّه تبارك وتعالى، ولهذا كانت الفضائل كـ(خيل الرّهان) التي يُطار بها مع إرخاء عنانها إشارة الى منحها قدراً من السرعة والسبق مع التأكيد على مهارة الفارس في الثبات على ظهرها وإمكان السيطرة عليها ورعايتها من الزلل. ولمّا كانت فضائل الإمام أكمل من فضائل غيره وأتم، جعلها، كالفَرَسِ التي لا يُشَقُّ لها غبار دلالة على سرعة تحصيله لها. فحسُنَ أنْ يستعير لذلك (الطيران بعنانها) (9). الذي يحتمل الإشارة الى


1) ينظر : العين (عنن) : 1/ 90، و المحكم (عنن) : 99/1.

2) ينظر : المحكم (عنن) : 99/1.

3) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 325.

4) التَّعْتَعَةُ العِيُّ بالكلام والتردد. ينظر : لسان العرب (تعع) : 35/8.

5) الفوت السبق. ينظر : لسان العرب (فوت) : 69/2.

6) نهج البلاغة : خ / 37 : 80.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 287/2.

8) نفسه.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 287/2.

الحَزْمِ والقوّة في المغالَبَةِ، وإدارة الامور التي يوكلها النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) إليه من قبيل قيادة المعارك، وغير ذلك مما خصه النبي الأكرم به. فيكون قوله (طِرْتُ بِعِنانِها) نص في تقدّمه عليهم.

ومن نظائر هذا الاستعمال، استعارته (عَلَيهِ السَّلَامُ) التعبير (خلعت أعِنَّتها) للدلالة على الاسراع في الحرب والقتال. وذلك في سياق حديث الإمام عن المنافقين الذين ناوؤا النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وآذوه وكيف وقفت العرب منه موقفها في حربه وقتاله. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ):... وَ نَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خاضَ إِلى رِضْوانِ اللّه كُلَّ غَمْرَةٍ، وَ تَجَرَّعَ فِيهِ كُلَّ غُصَّةٍ، وَ قَدْ تَلَوَّنَ لَهُ الْأَدْنَوْنَ، وَ تَأَلَّبَ عَلَيْهِ الْأَقْصَوْنَ، وَ خَلَعَتْ إِلَيْهِ الْعَرَبُ أَعِنَّتَها، وَ ضَرَبَتْ إِلى مُحارَبَتِهِ بُطُونَ رَواحِلِها...)) (1). والمراد (بخَلْع الأعِنَّة). الإسراع إلى حرب النبي ؛ لأن المراد بـ (خلع العِنَان)، اطلاق الخيل وعدم صَدِّها عن الجَزي، فالذي يريد أن تطير دابته، يَخْلَع عنانها، سَيْرها الذي يتحكم به الفارس، فلا يكون ثَمّة مانع لها حينذاك من الاسراع ؛ لأن العِنان هو الذي يمنع الفَرَس من التوجّه أينما تريد وهو الذي يَعْتَرِضُ صفحتي عنقها (2). وبه يُكْبَحُ جماح الدَّابَّة. وذلك كله يكون بيد الفارس الذي يمتطي صَهْوَة الفرس، ولهذا أسند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (خَلْع الأعِنَّة) إلى (العَرب) ؛ وكنّى بذلك عن مسارعتهم إلى حرب النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم)؛ لأن أقوى عدو الخيل إذا خلعت أعنتها (3). فجاء هذا التعبير مناسباً لحال إسراع العرب الى قتال النبي والتضييق عليه.

ويلحظ أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعمل لفظة (أعِنَّة) في هذا السياق بصيغة الجمع على (أَفْعِلَة)، وهو من أبنية القِلّة الذي يُراد به معنى الكثرة في هذا المقام بحسب ما يبدو، فليس المقصود أن العرب خلعت أقل ما عندها من أعنَّة أفراسها لحرب النبي، فالأمر خلاف ذلك ؛ لأنهم استعملوا كل إمكاناتهم في صَدِّه عن الإسلام. وجمعوا القبائل لقتاله، ولهذا أفهم من لفظة (أعِنَّة) إمّا الدلالة على الكثرة، وذلك بنقل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا البناء من تلك الدلالة إلى الكثرة على سبيل التوسع في أو. أنه أراد به معنى الضَّعْف وعدم قُوَّة هؤلاء العرب الذين وقفوا بوجه النبي، فكأن وقوفهم وإمكاناتهم المادية والعددية التي أعدوها لحربه، ماكانت بقوة الإيمان والحق الذي كان عند الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، فاستعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا البناء من الجمع لأنه يمثل أدنى العدد (4)، للدلالة على أدنى الضعف الذي بَلَغَتْهُ العرب عند وقوفها بوجه الرسالة المحمدية المُسَدَّدَة من اللّه تبارك وتعالى.

وثمة مسألة أخرى أشار اليها اللغويون في جمع (أعِنَّة)، فقد ذكروا أنّ جمع (عِنَان) على (أعِنَّة) جمع

مستعمل كثير.(5). وأما غير هذا الجمع، فقد أوضح سيبويه أن (عِنَان) لم يُكَسَّر على غير (أعِنَّة)؛ لأنهم لم يجمعوه على بناء للكثرة كراهية التَّضعيف الذي فيه ؛ إذ كان من كلامهم أن لا يُجَاوزُوا بناء أدنى العدد فيما هو غير معتل (6). وسيبويه هنا لا ينفي أن يكون هناك جمع آخر لمفردة (عِنان) آخر لمفردة (عِنَان)، وإنما يريد القول أن بناء (أعِنَّة)


1) نهج البلاغة : خ/ 194 : 385.

2) ينظر : تهذيب اللغة (عنن) : 81/1، و لسان العرب (عنن) : 292/13.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 737/3.

4) ينظر : كتاب سيبويه : 601/3.

5) ينظر : المحكم (عنن) : 99/1، و لسان العرب (عنن) : 291/13.

6) ينظر : كتاب سيبويه : 601/3، و لسان العرب (عنن) : 291/13.

أشهر جموع هذا اللفظ مع كونه للقلّة، وأن بناء (عُنُن) على (فعل) الذي للكثرة أقل استعمالاً منه، أو هو بناء نادِرٌ كما ذكر اللغويون.(1). ولعل ذلك راجع عنده إلى أن استعمال بناء الكثرة يلزم التضعيف في غير المعتل. ويريد بالمُعْتَل (المُدْعْم) كما يذكر (2). فإن كسروه على (فعل) لزمهم التضعيف. وكان ذلك أحرى بالادغام في. (عُنُن)، مثلما حكى هو عن بعض العرب الذين يقولون في جمع (ذُبَاب) (ذُبّ) (3)، وبناء على ذلك فالقياس أنْ يكون جمع (عُنُن) على (عُنّ) بالإدغام بحسب نظر سيبويه.

ويبدو أن هذه المسألة بحاجة إلى توجيه آخر، خلاصته أن بناء (أَعِنْة) على الرغم من دلالته على القِلَّة، فإنه أكثر شيوعاً واستعمالاً من بناء (عُنُن)، الذي يعد نادر الاستعمال كما ذكر ابن سيده (4). و الحكم قد جاء من تتبع للكلام الذي وردت فيه لفظة (أعِنّة) مقارنة بـ (عُنُن)، فضلاً عما يلحظ من إيثاره (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهذا البناء على البناء الخاص بالكثرة لأفادته. معنى القلة والضعف فى العرب عندما قاتلوا النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وهذا الأمر يخلصنا من الإشكال الذي عمد إليه الصرفيون.

وقد وردت مفردة (عِنَان) في استعارة صنعها الإمام (للأمل)، الذي جعله كالفرس الجموح بصاحبه، فيقوده هو وليس راكبه. وذلك على سبيل النصح الذي وجهه للانسان ؛ لئلا يتخذ من هواه وآماله مطية تسير به أنّى تريد. بل عليه العمل والجد لتحقيق مطامحه. وقد جاء ذلك في (قصا /19).

ثانيا : الدلالة على اطراف المراعي

أذ ورد لفظة (أعْنَان) بصيغة الجمع على (أفْعَال) للدلالة على أطراف المراعي التي يرعى بها الناس نَعَمهم ودوابهم وذلك في مقام الحديث عن مقاتله العَدُوِّ، وَوَطْءِ أرضه. فيقول ((إِنَّهُمْ لَنْ يَزُولُوا عَنْ مَوَاقِفِهِمْ دُونَ طَعْنِ دِرَاكِ. وَحَتَّى يُرْمَوْا بِالْمَنَاسِ تَتْبَعُهَا الْمَنَاسِرُ... وَحَتَّى تَدْعَقَ الْخُيُولُ فِي نَوَاحِرِ أَرْضِهِمْ وَبِأَعْنَانِ مَسَارِيهِمْ وَمَسارِحِهِمْ....)) (5). والمراد بـ (أَعْنَانِ مَساربهمْ) أي أطرافها واقاصيها. ونواحيها (6).وأعِنَان الشي مابدا لك منه (7).

شكِيْمَته
إشارة:


1) ينظر : المحكم (عنن) : 99/1، و لسان العرب (عنن) :291/13.

2) أنفسهما.

3) أنفسهما.

4) ينظر : المحكم (عنن) : 99/1.

5) نهج البلاغة: خ / 124 : 229.

6) ينظر : العين (عنن) : 1/ 90.

7) نفسه.

الشَّكِيْمَة هي حديدة اللجام التي توضع في فم الفَرَس (1). وقد أَشْكم الفرس يَشْكُمه ؛ إذا أدخل الشَّكَيْمَة في فمه (2).

واستعملت هذه المفردة مرتين في نهج البلاغة (3)، للدلالة على معنيين متضادين ؛

الأول : الدلالة على شدّة الضلال، وقوة الأذى

وجاءت هذه الدلالة في سياق حديث الإمام عن ملاحم تتطلق من الشام لتصير في الكوفة واصفاً ذلك بقوله : ((... لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ضِلَّيلِ (4)قَدْ نَعَقَ (5)بِالشَّامِ وَفَحَصَ (6)بِرَايَاتِهِ فِي صَوَاحِي كُوفَانَ (7). فَإِذَا فَغَرَتْ (8)فَاغِرَتُهُ وَاشْتَدَّتْ شَكِيمَتُهُ، وَثَقُلَتْ فِي الْأَرْضِ وَطَأْتُهُ، عَضَتِ (9)الْفِتْنَةُ أَبْنَاءَهَا بِأَنْيَابِهَا (10)...)) (11). أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) باشتداد الشكيمة الدلالة على شدّة الضَّلال، وقوّة الأذى الذي سَيُسَبِّبه هذا (الضَّلِّيل) الذي يَنْهَض بالشام، داعياً أعوانه، ومن هم في رَكْبِهِ ناعقاً كما يَنْعَق الراعي على شائه ونَعَمه، بالزَّجر لقيادها، والسَّيْر بها نحو غايتها، فاستعار الإمام لفظة (نَعق) ؛ للدلالة على قائد الفتنة وراعيها، وأشار بقوله (فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ) الى شدّة نَهمه، ونزوعه الى القتل والدمار، وهذه المفردة تحمل الدلالة على الشؤم وما يرافق ذلك من قتل وتدمير. في حين أنّه أومأ بمفردة (شكيمته) الى معنيين : الأول. هو الشكيمة التي توضع في فم الفَرَس وهي حديدة يطبق الفَرَس بأسنانه عليها، وقوّتها تدل على قوّة الفَرَس ؛ وذلك أن الشكيمة توضع في فَم الفَرَسِ الجموح الذي يتصف بقوة الرأس، فلهذا يحتاج الى شكيمة قويّة شديدة (12). فلهذا تُشَدُّ الشَّكِيْمة في فَمِ الخَيْل لغرض السيطرة عليه، وكبح جماحه، وتكون من حديد حتى لا تنفلت عند جذبها، أما الدلالة الثانية ؛ فهي مأخوذة من المعنى المتقدم، فإن الاشارة الى قوة الشكيمة أصبح مقترناً بقوة صاحبها، وشِدّته، وما دام السّياق يتحدث عن (الفِتَن)، و (الضَّلِّيل) الذي يدعو لها، فلهذا جاءت مفردة (شكيمة) بدلالة على شِدَّة الضلال والأذى الذي يُسَبِّبُهُ هذا (الضّلِّيل)، علاوة على شِدَّةِ مِرَاسِه وعُسْر انقياده (13).

ثانياً : الدلالة على شدّة البأس والقوة والحَزْم على العَدُوِّ


1) ينظر : العين (شكم) : 5/ 300، وتهذيب اللغة (شكم) : 22/10.

2) ينظر : تهذيب اللغة (شكم) : 22/10، ولسان العرب (شكم) : 12 / 323.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 244.

4) الضّليل بناء على (فعيل)، أو على (سكّير) : يدل على من لا يقلع عن الصّلالة. ينظر : العين (ضلل) 9/7.

5) النعيق دعاء الراعي الشاء، وزجره لها. ينظر : لسان العرب (نعق) : 10 / 356

6) الفحص شدة الطلب، وهي أيضاً الحفرة التي هي مجثم القطا. ينظر : لسان العرب (فحص) : 63/7.

7) الكوفان في اللغة الدغل من القصب والخشب، والكوفان الأستدارة. وهو اسم أرض سميت بها الكوفة، وذكر (ياقوت الحموي) أن (كوفان) و (الكوفة) واحد. ينظر : معجم البلدان : 490/4.

8) فغر فاه فتحه. ينظر : لسان العرب (فغر) : 59/5.

9) العض الشد بالأسنان. ينظر : لسان العرب (عضض) : 188/7.

10) الناب السن التي خلف الرباعية. ينظر : لسان العرب (نيب) : 1/ 776.

11) نهج البلاغة : خ / 101 : 183، 184.

12) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 492/3.

13) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 78/7.

وهذه الدلالة هي الضدّ من الدلالة الأولى، ونقيضُها وقد وصى بها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مالكاً الأشتَر لما ولاّه مِصْرَ ؛ إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مقام المَدْح مُؤمياً الى أهل مصر بطاعة عامله عليهم : ((... وَ قَدْ آثَرْتُكُمْ (1)بِهِ عَلَى نَفْسِي لِنَصِيحَتِهِ لَكُمْ، وَ شِدَّةِ شَكِيمَتِهِ عَلَى عَدُوِّكُمْ)) (2). يريد (عَلَيهِ السَّلَامُ) الدلالة على شدّة بأس عامله وقوته على عدوه، فضلاً عن عِزة نفسه وأنفته، وحِدّته وقوّة قَلْبِه في ذات اللّه تبارك وتعالى. مع حزمه في إدارة الأمور والانتصار من الظلم. وهذه الدلالات جميعاً يُوفّرها المعجم الذي استقاها من مفردة (شكيمة) التي أشرت الى أنها في الأصل إحدى أدوات لجام الفرس. ولكنها اتسعت بعد ذلك لتصير دالة على الشدّة في الخير والشَرّ. معاً على سبيل التضاد.

حَكَمةٌ

الحَكَمَةُ أداة من أدوات لجام الفَرَس. وهي - كما يذكر اللغويون - تحيط بحَنَكيه، وفيها العِذاران، فَتَمْنَعه من الجَري الشديد (3). والحَكَمَة جزء من اللجام. وحَكَم الفرس، إذا جعل للجامة حَكَمه (4). وتسمية. هذه الأداة مأخوذة من (الحَكَم)، وهو في اللغة المَنْع من الظلم (5).

واستعملت مفردة (حَكَمَة) مرة واحدة في نهج البلاغة (6)للدلالة على إحكام مَوْجِ المَاءِ، ومَنْعِهِ من الأصطخاب. وذلك في قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق كلامه عن دَحْوِ الأرض وإسكانها هياج الماء :((.. وَسَكَنَ هَيْجُ ارْتِمَائِهِ ؛ إِذْ وَطِئَتْهُ بِكَلْكَلِهَا... فَأَصْبَحَ - بَعْدَ اصْطِخَابِ أَمْوَاجِهِ - سَاجِياً مَقْهُوراً، وَفِي حَكَمَةٍ الذُّلّ مُنْقَاداً أَسِيراً)) (7). فكأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يُشبه تلاطم البحار وأمواجها، بالدابة الهائجة التي لا يوقف هياجها إلا إحْكَامها باللجام وحَكَمَتِهِ التي تقيّد فمه وتحيط بحنَكَيْه، فتمنعه وتقيده من الجري الشديد السريع الذي تكون عاقبته الهلاك. فكأنما أحكم اللّه تبارك وتعالى الماء المتلاطم، بأمواجه المُصْطَخبة، أحكم ذلك بدَحْو الأرْض التي تَصَدّت لذلك الهياج، وكَعَمَتْه مانعة إيَّاه من التقاذف والاصطخاب. فهي بمنزلة (الحكمة) في الفَرَس تمنعها من النّفار والانطلاق بحُرّية. ولهذا عبر الإمام عن سكوت ذلك الهياج بصيرورة الماء (ذليلاً منقاداً أسيراً) في إشارة الى ذُلِّ الدَّابّة عند وضع حَكَمة اللُّجَامِ في فَمها، ومن ثَمّ تسحبها بالعذار كالأسير.

ولفظة (حَكَمَة) في النص مستعارة من مجالها الدلالي، بوصفها من أدوات لجام الفرس من الدواب ولهذا لما صوّر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الماء وأمواجه بهيأة الدّابة، اختار لاسكان هذه الدّابة من هياجها بعض أدوات منعها من ذلك الهياج، جاعلاً للذل (حَكَمَةً) ينقاد بها الماء ذليلاً من باب إضافة السبب الى المسبب. كما يذكر الشُرَّاح (8).

مِسْحَلِها


1) الأثير الرجل المكين المكرم، وآثره أكرمه. ينظر : تاج العروس (أثر) : 10 / 19.

2) ينظر : تهذيب اللغة (شكم) : 10 / 22، والنهاية في غريب الحديث : 2 / 497، ولسان العرب (شكم) : 12 / 324.

3) ينظر : العين (حنك) : 671/3، وتهذيب اللغة (حكم) : 71/4، والمحكم (حكم) : 51/3.

4) ينظر : المحكم (حكم) : 51/3.

5) ينظر : جمهرة اللغة (حكم) : 1 / 564، ومقاييس اللغة (حكم) : 2/ 91.

6) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 121.

7) نهج البلاغة: خ / 91 : 161.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 6 / 340، و شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2/ 459.

المِسْحَل اللُّجَامِ (1). وقيل فَأسُه (2). والمِسْحَلَان حلقتانِ إحداهما مُدْخَلَةٌ في الأخرى على طرفي شكيم الدَّابَّةِ (3)، وهي الحديدة التي تحت الجَحْفَلَة السُّفْلَى (4).

ولفظة (مِسْحلها) من الفاظ نهج البلاغة، فقد وردت فيه مرة واحدة (5)، للدلالة على اللجام، أو حَلْقَتِي

شكيم الدَّابَّة، جاعلاً من هذه المفردة ودلالتها وصفاً للفِتْنَةِ. التي يقول عنها أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ):((تَدُقُّ أَهْلَ البَدْوِ بِمِسْحَلِهَا وَتَرُضُهُمْ بِكَلْكَلِهَا (6)...)) (7).

والنصُّ في مقام بيان خطر الفتنة التي ستصيب العرب، فأشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى خطرها بذكر الآلات التي تكون وسائل لهذه الفتنة في الأذى، ومنها (المِسْحَل)، وهي حَلْقَة شكيمة الدَّابَّة التي تُقاد بها، وتكون - عادة - وسيلة لِدَقُ الرَّاجِلِ الذي يَسْتَقَبل الفارس في الحرب، فَتَصْدِمه الدَّابة بفأس لجامها أو حَلْقتي الشَّكِيْمَة (8). وهذا الوجه من الدلالة يتناسب مع شدّة الأذى الذي يُخِيْف الناس. ولهذا جعل الإمام تعبيره بـ (الدَّقِّ) لهذا (المِسْحَل) مخصوصاً بـ (أَهْلَ البَدْو)، والدَّقَ الرَّضُ والكَسْرِ والتَّهْشيم (9). وإنما جعل ذلك لأهل البذو، إِيمَاءً بما كانت العرب تخافه، وتَخْشَاه وتؤذى به. أو لأنّ هذه الفئة من الناس تمتاز بالشَّدَّة والقوة والصلابة، فضلاً عن الشجاعة والبأس فإن كانت الفتن تفعل بهم هذا الأمر، فكيف بغيرهم من أهل الحضر والمدن (10). والإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ههنا يُجسد الفتنة، ويجعل منها دابَّة يقودها راكبها - الذي هو صاحب الفتنة وقائدها ههنا – فَيَدُق أَهْلَ البَدْوِ خاصة ويَسْحَقَهُم بِمِسْحَلِ الشكيمة. أما دلالة هذا الجزء من الشَّكيْمَة، فلاستعماله من (الفارس) في قيادة دابَّته، والتَّصَرِّفِ بها، وبه توجّه الدَّابّة أينما يريد راكبها. علاوة على أنّ هذا (المِسْحَل) يعد وسيلة للأذى أيضاً عند الاصطدام به. ولهذا استعاره الإمام - كما يبدو - ونقله من هذا الاستعمال الى جعله جزءاً مهماً من أجزاء التّحكم (بالفِتْنَةِ)، وواحداً من طرائق الأذى.

ومن الجدير بالذكر أيضاً أنّ من الدلالات الأخرى لمفردة (مِسْحَل)، هي الدلالة على (المِبْرَد)، وهو المِنْحَت الذي يُنْحَت به.(11). فكأن (الفِتْنَة) بحسب الدلالة كالمبرد الذي يَنْحَت الناس من أهلِ البَدْو، ويَكْشُطهم


1) ينظر : المحكم (سحل) : 192/3.

2) نفسه.

3) ينظر : العين (سحل) : 140/3، والمحكم (سحل) : 192/3.

4) ينظر : المحكم (سحل) : 192/3، ولسان العرب (سحل) : 11 / 329.

5) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 212.

6) الكلكل من الفرس ما بين محزمه الى ما مس الأرض منه إذا ربض وربما استعير لما ليس بجسم. ينظر : لسان العرب (سحل) : 11 / 329.

7) نهج البلاغة : خ / 151 :264.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 9/ 110.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 619/3.

10) ينظر : الديباج الوضي : 1208/3.

11) ينظر : لسان العرب (سحل) : 11 / 329.

بحيث يجعلهم في تَيْهِ وضَلال. ويطبعهم على حال يناسب ما يريده صاحبها. فمثلما يَصْنَع المِبْرد بالحديد أو الخَشَبِ (1)حينما يُنْحَتُ به. فكذلك تنحت الفتْئة الناس وتجعلهم دقاقاً كَدِقَاقِ الخَشَبِ والحديد (2).

ويبدو لي أن هذه الدلالة مقدمة على الدلالة السابقة. ومما يعزز ذلك أن وصف الفِتْنَةِ بالإِبْرَادِ والنحت يُقَابل حال (الرَّضٌ) الذي جعله الإمام (بالكَلْكَل)، وهو صَدْر الدَّابة أو البَعِير. فكأنها تكشط الناس وتَقْشرهم، ومن ثَمْ تَرُضُهُم وتسحقهم كما يَسْحق البعير الأرض بكَلْكَلِهِ. وفي هذا التعبير ضَرْب من التَّنوّع الدلالي في استعمال المفردات بين التي تُعبّر عن التصيير والنَّحت، والتي تعبّر عن الطَّحْنِ والسَّحْقِ.

قعْقَعَة

القَعْقَعَة حكاية صوت السّلاح والتُّرسَة (3). وهي صوت الجلد اليابس أيضاً إذا تَخَشْخَشَت (4).

وجاءت مفردة (قَعْقَعَة) مرة واحدة في نهج البلاغة (5)، للدلالة على صوت (لُجُم) الخَيْل عند تحرّكها. وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يُنبِئ فيه عن ملحمة صاحب الزّنْج بالبَصْرة، إذ يقول : ((... كَأَنِّي بِهِ، وَقَدْ سَارَ بِالْجَيْشِ الَّذِي لَا يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ وَلَا لَجَبٌ، وَلَا قَعْقَعَةُ لُجُمٍ، وَلَا حَمْحَمَةُ خَيْلِ ...)) (6). يشير الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا النص الى أنّ خلق هذا الجيش من (الخَيْل) التي تعد وسيلة من وسائل الحرب فجاء الإمام بلفظة (قَعْقَعَة) الدالة على صوت (لْجُم) الخَيْل التي تصدر أصواتاً عند اصطكاك الاسنان بها وبنفيه (قَعْقَعَةُ اللُّجُم) وهي من لوازم الخيل، فأنه ينفي وجود الخَيْل أيضاً، فنفي اللازم قرينة على نفي المَلْزُوم أيضاً. وذلك دليل على انعدام الخُيُول في هذا الجيش أيضاً. وقد أشار بعض الشَّرَّاح الى أنّ المفردة المتقدمة تتضمن حركة الأسلحة وقعقعتها أيضاً (7). وكأنه يريد القول : إن الزنج لايملكون الاسلحة كذلك ؛ لأن المقام الذي يتحدث فيه الإمام مقام نفي. والشارح لم يخرج عن المدلول العام لمفردة (قَعْقَعَة) التي تدل في اللغة على أصوات السّلاح والتّروس أيضاً.(8). ولكن يمكن لنا أن نفهم من هذا التعبير أن هؤلاء الزّنج استتروا في حركتهم هذه، وحاولوا أن تكون خفية لا تظهر أخبارهم قبل أن يقوموا بها ؛ خشية من إجهاضها، والقضاء عليها وهذا المعنى يناسب النفي من وجود (قَعْقَعَة لُجُم) في جيشهم، وكأن التعبير يراد به معنى الكتمان، والمفاجأة في هذه الحركة على أنّ هذا المعنى لا ينافي المعنى الأول المذكور سلفاً، بل يمكن أن يكون محتملاً الى جانبه.

2 - شماس الخيل

جموح


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 9/ 110.

2) ينظر : الديباج الوضي : 1208/3.

3) ينظر : العين (قعع) : 1/ 64، والمحكم (قعع) : 58/1.

4) ينظر : تهذيب اللغة (قعع) : 1/ 52.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 377.

6) نهج البلاغة : خ / 128 : 233، 235.

7) ينظر : الديباج الوضي : 1053/3.

8) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 5/3.

جَمَح الفرس بصاحبه، إذا ذهب جرياً غالباً، فمضى لوجهه على الامر (1). والفَرَس الجموح هو الذي لا يردّه اللّجام إذا حمل (2).

وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) اشتقاقات متعددة لمفردة (جمح) وهي بحسب كثرها على النحو الآتي، لفظة (جمُوحٍ، والجَامِحَة) و (جِمَاحُهم) جاءت في موضعين لكل منها، في حين وردت الفاظ (تَجْمَح)، و (جماح) و (جِماحه)، و (الجماحَات) مرة واحدة لكل مفردة (3). ولم ترد هذه المفردات للدلالة على الخَيْلِ الجَمُوح التي تَجْمح بصاحبها وإنما استعارها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الدلالة المتقدمة الى معان أخرى ناسب بينها وبين جماح الدَّابة التي تجري سراعاً دون أن يوقفها اللجام كما يذكر اللغويون. ومن ذلك ما وصى به الإمام ولده الإمام الحسن (عليهم السلام) في قوله : ((وَإِيَّاكَ أَنْ تَجْمَحَ بِكَ مَطِيَّةُ النَّجَاج (4))). (5)كأنه يجعل من (اللُّجَاج) مطية تجمح بصاحبها، يريد بذلك الخصومة واختلاط الأصوات وضجيجها، فصورها بهيئة المطيّة التي تجمح بركابها لتورده المهالك، حتى يصعب عليه السيطرة عليها بعد جماحها.

ومن ذلك أيضاً استعارة مفردة (جِمَاحَهم) لضلال النفس وإيرادها المهالك المُرديَة ؛ إذ يقول في وصف قوم من جند الكوفة همّوا باللحاق بالخوارج، وكانوا على خوف منه (6). فلما ظعنوا قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذَمِّهم : ((...فَحَسْبُهُمْ بِخُرُوجِهِمْ مِنَ الْهُدَى، وارْتِكَاسِهِمْ (7)فِي الصَّلاَلِ وَالعَمَى وَ صَدِّهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَجِمَاحِهِم فِي التِّيهِ)) (8). أراد يكفيهم خروجهم من جماعته ضلالاً، وعمى وانقلاب على الاعقاب وصداً عن الحقِّ. وجماحٍ في التَّيهِ. ولفظة (جِمَاحِهِم) تدل على (جماح) الفَرَس المُسرع الذي يغلب راكبه، فلا يستطيع كبحه. فاستعارها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا السياق، للدلالة على انحراف هذه المجموعة عنه. وإسراعها الى الضَّلال بتركه والانصراف عنه. فكأنهم في هذا الموقف أشبه بالخَيْل الجامحة التي لا سلطان عليها. في كلامه دلالة على نبذ الغلو والافراط في الخروج على الغُلُوّ والإفراط من فضيلة العدل إلى رذيلة الإفراط والمغالاة في الجور. والانحراف عن الصراط المستقيم (9).

وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) التعبير المتقدم نفسه في وصف إنحراف (قريش)، وذلك في ك /36)، في حين أنه أورد مفردات (جِماحه، جِمَاحٍ، الجَامِحَة، الجماحات) للدلالة على الاسراع نحو الانحراف والتعنّت


1) ينظر : العين (جمح) : 88/3، وتهذيب اللغة (جمع) : 100/4.

2) ينظر : تهذيب اللغة (جمح) : 100/4، ولسان العرب (جمح) : 426/2.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 88.

4) النَّجَاج واللَّجْلَجَة اختلاط الاصوات والضجيج. ينظر تاج العروس (لجج) : 182/6.

5) نهج البلاغة : خ/ 32 : 70.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 60/10.

7) نهج البلاغة : خ / 181 : 326، 327.

8) الرّكس قلب الشيء على رأسه، وردُّ أوله على آخره والارتكاس الارتداد. ينظر : لسان العرب (ركس) : 100/6.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 6/10، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 709/3.

والتغلّب والمنازعة، وذلك في (خ / 83، 91، 191، 192، ك / 31، ك / 53) وذلك كله على سبيل الاستعارة تشبيهاً بالخيل الجامحة عن قيادها.

شماس

والشَّمُوس من الدَّواب، هو الذي اذا نُخِسَ (1)لم يَسْتَقِر (2). وشمس الفَرَس شِماساً، وذلك إذا شرد وجمح ومنع ظهره نافراً (3).

وقد جاءت الفاظ (شماس)، و (شِمَاسِها)، و (شُمُس) مرة واحدة لكل منها في نهج البلاغة (4)، للدلالة على شراد الدنيا وعُسْرِها وجماحها على أهل البيت (عليهم السلام). ومن ذلك قوله متحدثاً عن مَنّ اللّه تعالى على أهل البيت (عليهم السلام) بعد استضعافهم، لهم بعد إبائهما وانحرافها عنهم. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): (لَتَعْطِفَنَّ) الدُّنْيَا عَلَيْنَا بَعْدَ شِمَاسِهَا عَطَّفَ الضَّرُوسِ عَلَى وَلَدِهَا)) (5). يريد : أنّ الآخرة للمتقين، فمهما كانت الدنيا منحرفة عنهم، ومتجافية، فإنها بالآخرة - ستؤول اليهم، لتعطف عليهم بعد ذلك، وقد شَبّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) تجافيها عنهم وتنكرّها لهم بالدَّابَّة الشَّمُوس التي تَمْنَع أنْ يركبها أحد، فتكون نفوره صعبة عصيّة غير ذلول، كأنها أبدت عداوتها لهم، فما استقرت لهم على حال. ولهذا جعلها الإمام في هذا النص هي التي (تَعْطِف عليهم) وليسوا هم الذين يميلون اليها، ويطلبون استقامتها ؛ لأنهم نبذوا الدنيا، وأبعدوها عن حاجتهم، وطلبوا الآخرة، وانكبّوا على العبادة والتقوى. ثم شَبّه عطفها بـ (عَطَّفَ الضَّرُوسِ)، وهي الناقة السيئة الخُلُق التي تَعَضّ حالبها، ولكنها مع ذلك تعطف على ولدها، وتميل اليه عطفاً وحُنُوّاً. وقد استعار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظ (الشماس) للدنيا ؛ لمنعها حقهم عنهم (6)، فكأنها في ذلك كالفَرَس التي يمتنع أن تركب.

أقول : وفي كلامه إشارة إلى وعد اللّه تبارك وتعالى بأنّه سيورث الأرض الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولهذا احتج الإمام بعد قوله المتقدم بقول اللّه تبارك وتعالى : ((عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)) (7). وقد وردت ألفاظ (شماس) للدلالة على اضطراب أحوال الناس وتخبطهم وذلك في (خ (خ /3)، في حين جاءت مفردة (شُمُس) بصيغة الجمع على (فعل) للدلالة على تشبيه (الخطايا) بالخيل الصعبة الركوب على صاحبها في (خ/ 16)

الحَرُون


1) النخس تغريز مؤخرة الدابة بعود أو غيره. ينظر : العين (نخس) : 200/4.

2) ينظر : العين (شمس) : 230/6، وتهذيب اللغة (شمس) : 206/11.

3) ينظر : جمهرة اللغة (شمس) : 833/2، والمحكم (شمس) : 5/8، ولسان العرب (شمس) : 113/6.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 244.

5) نهج البلاغة : قصا / 209 : 640.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 709/3.

7) القصص / 5. ومما تجدر الاشارة اليه أنّ الآية دليل يحتج به الشيعة الإمامية على ظهور الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، في حين أنّ المعتزلة يتخذونها دليلاً على وجود إمام يملك الأرض ويستولي على الممالك، يخلق في آخر الزمان، كما يذكر ابن أبي الحديد وهم يختلفون مع الإمامية في هذه المسألة. ينظر : شرح نهج البلاغة: (ابن ابي الحديد) : 24/19.

فَرَسٌ حَرُون،. إذا لزم المكان فلم يفارقه (1). وحرنت الدَّابّة، بعد أن وقفت إذا استَدَرَّ جَرْيُها (2). وتكون هذه الصفة في الدواب من ذات الحوافر خاصة، وهي الفرسُ والحمار والبَغْل. إذ يقال في الفَرَس إنّه حرون إذا وقف بعد اشتداد جزيه، فلا يكاد ينقاد بعد ذلك وجاءت مفردة (الحَرُون) مرة واحدة في نهج البلاغة (3)وصفاً للدنيا، وذلك في مقام ذَمّ الإمام لها في قوله : ((أَلاَ وَهِيَ المُتَصَدِّيَةُ (4)العَنُونُ، وَالجَامِحَةُ الحَرُونُ)) (5). وقد استعمل الإمام هذه الأوصاف للدنيا آخذاً إيَّاها من أوصاف الدواب التي يذكر فيها التَّصَدِّي والتقدّم في السَّيْر، والجموح بصاحبها نحو المهالك. الى صفة (الحران) التي ذكر اللغويون أنها توصف بها الخَيْل من ذوات الحوافر التي ما تلبث أن تقف فلا تتحرك من مكانها ولا تَبْرَحُه (6). فاستعار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الصفة من الخيل لوصف الدنيا التي تقف بأصحابها المخدوعين بها، إشارة الى عدم انقيادها وطاعتها لهم، فإنّهم متى ما أرادوا أن تسير بهم، وقفت وحرنت في مكانها مثل الدَّابة التي لاتكاد تتحرك حتى وأنْ ضُربَت وهذه من الأوصاف الذميمة في الخَيْل التى يُراد لها إطاعة راكبها والأخذ بأمره، لا أن تقف دون حراك. إنّ اجتماع مفردتي (الجَامِحَة) و (الحَرُون) في سياق واحد يُفهم منه أنّ الدنيا ليست مستقرة دائمة على حال واحد فمرّة تجمح بأصحابها، ومرة تحرن. وقد التفت شُرَّاح النّهج الى هذا المعنى، فذكر ابن أبي الحديد وغيره أن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (الجَامِحَةُ الحَرُون) تشبيه للدنيا بالدَّابة ذات الجماح، وهي التي لايستطاع ركوبها ؛ لأنها تَعْثَر بفارسها وتغلبه، وجعلها مع ذلك حَرُوْناً، لاتَنْقاد (7).

العنون

العَنُونُ من الدَّوَاب هي التي تُبَاري في سَيْرها الدَّوَاب، فتقدمها (8).

وقد وردت لفظة (العنُون) مرة واحدة في نهج البلاغة (9)، وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق الحديث عن ذم الدنيا ((... أَلاَ وَهِيَ الْمُتَصَدِّيَةُ الْعَنُونُ، وَالْجَامِحَةُ الْحَرُونُ...)) ؛ للدلالة على معنيين : الأول منهما ناشئة من استعارة هذا الوصف للدنيا، تشبيهاً لها بالعنون من الدواب، وهي التي تقدم صاحباتها في سَيْرها، فكأَنَّ الدنيا - بهذه الدلالة - تُبَاري أصحابها الذين تمسكوا بها، فتغالبهم وتقدمهم ولا تثبت لهم على حال، فَبَعْدَما عرفوا منها الاستقرار لهم، فاذا بها تَنْقَلِبُ عليهم، وتَعْسُفُ حتى تقدمهم فلا يَلْحَقُ بها لاحق وقد أشار الشارح البحراني الى ما يقرب من هذا المعنى، ذاكراً أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعار مفردة (العنُون) وصفاً للدابة المتقدمة في السَّيْر، وكنّى بها عن لحوق الدنيا، ووجه المشابهة أنّ مُدَّة الحياة الدنيا في غاية الاسراع، وشدّة السَّيْر بأهلها


1) ينظر : العين (حرن) : 209/3، وتهذيب اللغة (حرن) : 8/5.

2) ينظر : لسان العرب (حرن) : 110/13.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 108.

4) المتصدية هي المتعرضة التي تستشرف القادم ناظرة اليه. ينظر : المحكم (صدي) : 8 / 356، ولسان العرب (صدي) : 457/4.

5) نهج البلاغة : قصا / 209 : 640.

6) ينظر : غريب الحديث (الحربي) : 446/2.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن ابي الحديد) : 93/14، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 135/4.

8) ينظر : العين (عنن) : 1/ 90، وتهذيب اللغة (عنن) : 82/1، والمحكم (عنن) : 1 / 98، لسان العرب (عنن) : 2/13، وتاج العروس (عنن) : 413/35.

9) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 325.

الى الاخرة، فأشْبَهَت بذلك السريعة من الدواب المتقدّمة في سَيْرها.(1). وثَمة دلالة أخرى تحتملها مفردة (العنُون) في هذا السياق، وهي الدلالة على الاعتراض، من قولهم : عَنَّ لي الرَّجُل، اذا اعترض من أحد الجانِبَيْنِ اليمين أو الشمال (2)، فكأنما الدنيا في وصف الإمام لها (بالعنُون) تعْرضُ للإنسان، وتَعنّ له عنوناً، كأنها تُفَاجِئه بظهورها لتخدعه وتَسْتَميْله. وتبدو هذهِ الدلالة ألْيَق بالسِّيَاقِ من الدلالة الأولى المتقدمة، وما يؤيد ذلك عندي مفردة (المُتَصَدِّيَة) التي تدل على معنى الاعتراض والظهور أيضاً، فكأنما (التَّصَدِّي، والعَنُون) يلتقيان في جهة الظهور والاعتراض للإنسان. ولهذا اختار بعض الشُّرَّاح أن تكون مفردة (العنُون) بمعنى الاعتراض، آخذين هذه الدلالة فيما يبدو من ابن الاثير الجزري الذي فَسّر هذه المفردة في قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالاعتراض من أحد الجانبين للإنسان وأشار الى أنّ مجيئها بوزن (فَعُول) كان للمبالغة في ذلك (3). ونقل عنه الشُّرَّاح هذا المعنى فيما يبدو (4). وتنفتح هذه الدلالة لتشير الى أنّ اعتراض الدنيا يكون بمعنى فِعْلِها كل شيءٍ مكروه خادع للانسان (5)، وربما يكون اعتراضها يعني زوالها وزوال ما فيها من الملذات التي لا تدوم لأحد.(6). ويمكن أن أزيد على ما تقدم باحتمال أن تكون مفردة (العنُون) مأخوذة من (العَنَن)، وهو اعتراض الموت للإنسان (7)، في ذلك إشارة الى فناء الدنيا، وانقضائها دون أن يأخذ منها المرء شيئاً. بل ربما يكون المعنى الذي في ثنايا هذه المفردة دالاً على عدم القدرة والفائدة من طرفي الحياة، وهما الانسان الذي اغْتَر بالدنيا، والدنيا نفسها، فكأن صاحبها أشبه بالعِنّين من الرجال، وهو الذي لا يستطيع إتيان النساء (8). وفي ذلك إشارة الى عدم الفائدة التي يريد الناس الحصول عليها من الدنيا، مثلما يمكن أن تكون الدنيا كالمرأة العنينة، وهي التي لا تشتهي الرّجال ولا تريدهم(9).

3 - جماعة الخيل

المَناسِر

المَنْسِر - بالفتح - مابين الثلاثين فرساً الى الاربعين (10). وقيل : ما بين المئة الى المائتين (11). أبو زيد الانصاري (ت 215 هـ) - فيما نقل عنه – الى أنها مابين الثلاثة الى العشرة (12).


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 134/4، 135.

2) ينظر : لسان العرب (عنن) : 290/13.

3) النهاية في غريب الحديث : 313/13، ولسان العرب (عنن) :290/13.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن ابي الحديد :(: 2/21، والديباج الوضي : 1966/4.

5) ينظر : الديباج الوضي : 1966/4.

6) نفسه.

7) ينظر : لسان العرب (عنن) :290/13.

8) نفسه.

9) نفسه.

10) غريب الحديث (أبو عبيد) : 335/3، و لسان العرب (قنب) : 1 / 691.

11) ينظر : العين (نسر) : 243/7، و لسان العرب (نسر) : 5 / 205.

12) ينظر : تهذيب اللغة (نسر) : 276/12، و لسان العرب (نسر) : 5 / 205.

وجاء مفردة (المَنَاسِر) بصيغة الجمع على (مَفَاعِل) ثلاث مرات في نهج البلاغة، في حين وردت لفظة (مَنْسَر) مرة واحدة في النهج (1). للدلالة على القطع من الجيش. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق ذمّ أصحابه وتوبيخهم : ((... كُلَّمَا أَضَلَّ عَلَيْكُمْ مَنْسِرٌ مِنْ مَنَاسِرِ أَهْلِ الشَّامِ أَغْلَقَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بَابَهُ...)) (2).

أراد : أنه كلما هجم عليكم جمع من أهل الشَّام تراجعتم، وتوكلتم. فاستعمل مفردة (مَنْسِر) وجمعها (مَنَاسر) ؛ للدلالة على القطع من جيش الشاميين التي تُطِلُّ على أصحاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتهجم على مواضعهم ومَسَالِحهم. فيذعر هؤلاء الذين ذَمّهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) منها، ويتراجعون ليغلق كل واحدٍ منهم بابه. فَعَبّر عن ضعف هذه الجماعة من أصحابه وتراجعهم عن نُصْرَة الحَقِّ بـ (غَلْق أبوابهم) كناية عن انصرافهم عن مواجهة العدو.

أما استعماله مفردة (مِنْسَر) ففيها إشارة الى الغطرسة والظلم الذي توحي به هذه الكلمة المأخوذة من قولهم (مِنْسَر الطَّيْر)، وهو مِنْقَارُه (3). أو هو ماتَسْتَنسِر به سِبَاع الطَّيْر. وهو في الجوارح بمنزل المنقار في الطَّيْر (4).

ومن دلالات هذه المفردة أفادتها معنى (النتف) وبخاصة نَتْف اللحم. وهو ماتقوم به الجوارح من الطيور التي تتغذى على اللحم، فإنها تنزل على فرائسها وتنتف لحمها بمناقيرها، فأمّا المِنْسَر من الجيش، فكأنّه يَصْنَع بما يَمُرّ به كما تصنع الجوارح بفرائسها. ولهذا قيل : إن المِنْسَر من الجيش هو الذي ما مرّ بشيءٍ إِلا اقْتَلَعَه ونَسَرَهُ (5). وهذا المعنى يَنْطَبِقُ على جيش أهل الشام الذي ما هجم عليمدينة من مدن الإسلام والأمصار التي تحت إمرة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلا خربها وقتل أهلها، فضلاً عن سَرقَةِ ما فيها من أموال أهلها، وتبدو هذه المسألة واضحة فيما ذكره الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من هجوم أهل الشام على (الأنبار) بقوله : ((أَلّا وإنّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَيْلًا وَنَهَاراً، وَسِرّاً وَإِعْلاناً، وَقُلْتُ : اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ، فَوَاللّه مَا غُزِيَ قَوْمَ مٌ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا... وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ المُسْلِمَةِ وَالأخرى المُعَاهِدَةِ فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا، وَقُلُبَهَا وَقَلَائِدَهَا مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلَّا بِالِاسْتِرْجَاعِ وَالِاسْتِرْحَامِ)) (6).

أقول : ولعل هذا المعنى يُفَسِّر لنا عِلّة استعمال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (مِنْسَر)، لما فيها من دلالة على السَّرِقة والسَّلْب أيضاً، وهو ما دفع اللغويين – فيما أحسب – الى تفسير لفظة منسر باللّص (7).

وقد اقتصر شُرّاح النهج على بيان المعنى اللغوي لمفردة (منسر) ودلالتها على القطعة الجيش (8). وفَسّرها

بعضهم بـ (الخَيْل) (9). وقد وردت لفظة (المَنَاسِر) بالدلالة المتقدمة نفسها أيضاً، وذلك في خ / 124.


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 440.

2) نهج البلاغة : خ / 71 : 109. وقد نقلت المدونات اللغوية قول الإمام المتقدم. واحتجوا باستعماله مفردة (منسر ومناسر). ينظر النهاية في غريب الحديث : 46/5. ولسان العرب (نسر) : 205/5.

3) ينظر : لسان العرب (نسر) : 5 / 205.

4) نفسه.

5) ينظر : العين (نسر) : 243/7.

6) نهج البلاغة : خ/ 27 : 62،61.

7) ينظر : العين (نسر) : 243/7.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 6 / 81، والديباج الوضي : 527/2، ومع نهج البلاغة : 336.

9) ينظر : معارج نهج البلاغة : 1 / 351.

كتيبة

الكتيبة جماعة الخَيْل (1). أو هي جماعة الخيل إذا أغارت في الحرب، وهي من المائة الى الألف (2). وقيل : هي الجماعة المُسْتَحِيزة من الخَيْل في حَيِّز على حِدَة (3).

وجاءت لفظة (كَتِيْبَة)، وجمعها (كَتَائِب) بصيغة (فَعَائِل) مرة واحدة لكل منهما في نهج البلاغة (4). للدلالة على جماعة الخيل التي ترتقيها الجنود، لتكون جيشاً من الخيالة. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق ذمّ المتقاعسين عن الجهاد من الذين أجابوه بقولهم : ((يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ سِرْتَ سِرْنَا مَعَكَ)) (5). فقال لهم : ((مَا بَالْكُمْ لَا سُدّدْتُمْ لِرُشْدٍ، وَلَا هُدِيتُمْ لِقَصْدٍ : أَفِي مِثْلِ هَذَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَخْرُجَ ؟ وَإِنَّمَا يَخْرُجُ فِي مِثْلِ هَذَا رَجُلٌ مِمَّنْ أَرْضَاهُ مِنْ شُجْعَانِكُمْ وَذَوِي بَأْسِكُمْ، وَلَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَدَعَ الْجُنْدَ وَالْمِصْرَ، وَبَيْتَ الْمَالِ وَجِبَايَةَ الْأَرْضِ... ثُمَّ أَخْرُجَ فِي كَتِيبَةٍ أَتْبَعُ أُخْرَى)) (6). أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه في مثل هذا الموقف لا ينبغي له الخروج الى الحرب والجهاد ؛ لأنّ الأمر لا يستدعي خروجه، وإنما يخرج بالجيش رجل ممن يرتضيه هو من الشجعان وذوي البأس. ودَلّت لفظة (كتيبة) في النّص على القطعة العظيمة من الجيش التي اجمعت للحرب، وفيها الخيّالة والرَّجَالة. والأصل في (الكتيبة)، كما ظهر من أقوال أهل اللغة، اجتماع الخَيْل قطعاً قطعاً في حيّز معزول، ثُمّ صارت هذه الجماعة عبارة عن الخَيْل التي تستعد للإغارة في الحرب. وقد عدَّها اللغويون من المائة الى الألف (7). واللفظة المتقدمة مأخوذة في اشتقاقها من (الكتب)، وهو الاجتماع. يقال : تَكَذَّبَتِ الخَيْل إذا اجتمعت (8). ويُلْمَسُ في هذه المفردة أيضاً الدلالة على التأهب والاستعداد للأمر الكبير العظيم. فيقال : تَكَتَّب الجيش، إذا استعدَّ، وتَحَزَّمَ وجمع عليه ثيابه (9). فكأن الإمام يشير الى أنه من السهل أنْ يخرج في كتيبة من الجيش الى الجهاد، ولكن ما قيمة هذا الجيش إذا كان كثير العدد متفرّق القلوب ؛ فإنّه : ((لَا غَنَاءَ فِي كَثْرَةِ عَدَدِكُمْ مَعَ قِلَّةِ اجْتِمَاعِ قُلُوبِكُمْ)) (10). كما يقول الإمام، فضلاً عن أنه يلمح الى أنّ خروجه في هذهِ الكتيبة مع هؤلاء القوم المتفرقي القلوب يُشبه وجود القِدْح من السِّهام في الكنانة الفارغة، فإنّ حاله حينذاك حال المنفرد الذي لم يَبْق معه أحد ؛ لأنه حسبما يذكر بعض الشراح، كان قد أنقذ جيشاً من كبار أصحابه لهذه الوقعة، وجَهَّز كتيبة اخرى لتعزيزها ورِفْدَها، فناسب قوله هذا الحال التي هو عليها (11).

واستعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (كَتَائب) بصيغة الجمع على (فَعَائِل) للدلالة على الكتائب المكونة من الخيالة وهي القطع الكبيرة من الجيش التي يتلو بعضها بعضاً في المعركة، وذلك في (خ / 124).


1) ينظر : العين (كتب) : 342/5.

2) ينظر : لسان العرب (كتب) : 701/1.

3) ينظر : تهذيب اللغة (كتب) : 88/1)، والمحكم (كتب) : 6 / 778.

4) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 394.

5) نهج البلاغة: خ / 119 : 221.

6) ينظر : لسان العرب (كتب) : 1/ 701.

7) نفسه.

8) ينظر : لسان العرب (كتب) : 1/ 701.

9) ينظر : أساس البلاغة (كتب) : 1 / 535

10) نهج البلاغة: خ / 119 : 221.

11) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 551/3، 552.

رَعِيلاً

الرعيل، والرّغلَة القطعة المتقدمة من جماعة الخَيْل (1).

واستعمل أمير المؤمنين مفردة (رَعِيْلاً) مرة واحدة في كلامه الوارد في نهج البلاغة (2)، للدلالة على القطع من الناس الذين يبعثهم اللّه تبارك وتعالى بعد الموت الى القيامة للجزاء. وذلك في قوله ((حَتَّى إِذَا تَصَرَّمَتِ الْأُمُورُ وَتَقَصَّتِ الدُّهُورُ وَأَزِفَ النُّشُورُ (3)أَخْرَجَهُمْ مِنْ ضَرَائِح(4)الْقُبُورِ ... سِرَاعاً إِلَى أَمْرِهِ مُهْطِعِينَ (5)إِلَى مَعَادِهِ رَعِيلًا صُمُوتاً (6)قِيَاماً صُفُوفاً...)) (7)يتحدث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا النّص عن البَعْث بعد الموت، وهي المرحلة التي يُساق الناس فيها من قبورهم وأضرحتهم الى القيامة، للحساب والجزاء، ويصوّر إخراجهم من ضرائحهم الى يوم حِسابهم بهيئة الإسراع، والإهطاع وهي حالة الذِّلَّةِ والمَسْكَنة التي يكون عليها البشر في سَيْرَهِم ليوم حِسَابِهم ويشبّه الإمام مَسِيرهم هذا بِسَيْرِ القِطْعَة من (الخَيْل) التي تتقدم جماعتها عند سيرها مُجْتَمِعَةً، وهي التي يُطلق عليها (الرَّعِيْل)، كأَنّ الناس يَسِيرُون الى جزائهم متقدمين بعضهم البعض الآخر قطعة قطعة، أو جماعة جماعة يتلو بعضهم بعضاً وقد سكتت أَلْسِنَتُهُم. ولهذا وصفهم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بـ (صُمُوتاً) إشارة الى ذلك الصمت الذي يطغى عليهم من هؤل الموقف. وهو مضمون قوله تبارك وتعالى : (8).وإِنما شَبّه الإمام بَعْث الناس وإهطاعهم يوم الحساب بـ (الرَّعِيْل) من الخَيْل ؛ إشارة الى سرعة قدومهم على اللّه جل جلاله فكما يتقدم (الرَّعِيْل)، جماعة الخَيْل كأنه قائدهم الذي يَحِثّهم على السَّير والتقدّم (9)، فكذلك هم النُّخْبَةَ الذين يبدون في إسراعهم الى الحساب كالنخبة المسرعة من الخيل الى تتقدم أخواتها. وإذا أخذنا بالتوجيه الذي يرى أنّ (الرعل) هو الكريم المقدم من فحول النخل (10). المعنى انهم يقدمون نحو الحساب شاخصين قائمين صفوفاً كصفوف النخيل التي تصطف في الأرض. وبهذا يكون (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد اخذ من (الخيل) صفة الأسراع والاقدام دون معرفة ما سيجري لها عند وصولها ومن صفة (الرعل) الخاصة بالنخل حال الوقوف والبروز ولزوم المكان، و (الرَّعل) هو الكريم المُقَدِّم من فحول النَّخْل ايضاً. فاختياره هذه المفردة أراد به التتابع في السير والحاق بعض قطع الخَيْل بعضها البعض الآخر، فضلاً عن سُرعتها في الوفود. ولعل هذا هو وجه الشبه الذي يمكن استخلاصه من التشبيه الذي عقده الإمام بين (رَعِيل الخَيْل) و (الرَّعيل من الناس) الذين يتقدمون جماعة جماعة، وربما كان بين كل جماعة منهم مَنْ هو


1) ينظر : العين (رعل) : 115/2، وتهذيب اللغة (رعل) : 203/2، و لسان العرب (رعل) : 11/ 287.

2) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 190.

3) النشر البعث والإحياء بعد الموت. ينظر : لسان العرب (نشر) : 5/ 207.

4) الضريح القبر، وإنما سمي ضريحاً لأنه يشق في الأرض. ينظر : لسان العرب (ضرح) : 2/ 526.

5) المهطع الذي ينظر بذل وخشوع، والإهطاع الإسراع. ينظر : لسان العرب (هطع) : 372/8.

6) الصموت إطالة السكوت. ينظر : لسان العرب (صمت) : 54/2.

7) نهج البلاغة : خ / 83 : 123. وقد أوردت المدونات اللغوية كلمة الإمام التي استعمل فيها مفردة (رعيلاً). ولكن برواية اخرى، نصها : كما نقله ابن الأثير الجذري :((وفي حديث علي : سراعاً الى أمره رعيلاً)). بإسقاط قوله : ((مُهْطِعِينَ الى معاده)). ينظر : النهاية في غريب الحديث : 2/ 230، ولسان العرب (رعل) : 11 / 289.

8) المرسلات / 35.

9) ينظر : تاج العروس (رعل) : 29 / 83.

10) ينظر : لسان العرب (رعل) : 11 / 287.

كريم مقدم بينهم في الغنى والشجاعة، ولكنه يُسَاق معهم شأنه شأن غيره من الناس في الإقدام على اللّه، إذ يتساوى الجميع في هذا الموقف.

أقول : ويُلمس في التعبير المتقدم الدلالة على الذَّم والتّهكُم بهؤلاء الذين يَفِدُوْن على اللّه تبارك وتعالى. كأنهم قطع من الدَّواب التي لا تمتنع من القياد. فتجيء صامتة بكماء. لعلمه (جل جلاله) بأعمالهم وأفعالهم التي ارتكبوها في الحياة الدنيا جمعاً. ومن نافلة القول الإشارة الى ما ذهب اليه اللغويون من تفسير لمفردة (رَعِيْلاً) في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ). فقد ذكر ابن الأثير الجزري أنّ المراد بها : ((ركاباً على الخيل)) (1). وهذه دلالة بعيدة عمّا أراده الإمام ؛ لأنّ المفردة المتقدمة أدّت - من خلال مقام التشبيه - الدلالة على السرعة والمتابعة بين القطع المتتابعة من الناس التي شبّهها الإمام يوم وفودها على اللّه جل جلاله برعيل الخَيْل. ولم يُرد (عَلَيهِ السَّلَامُ) معنى الركوب والامتطاء باتخاذ الخَيْل دواباً لهم كما فهم أصحاب الغريب

مقنب

المِقْنَب زهاء ثلاث مائة من الخَيْل (2). وقيل : هي الجماعة من الخَيْل مابين الثلاثين الى الأربعين (3). وقد وردت هذه اللفظة في نهج البلاغة مرة واحدة (4). دالة على جماعة الخيل والفرسان. وذلك في سياق كلام أمير المؤمنين الذي يتحدث فيه عن أصنافِ النّاس. إذ يقول : ((وَمِنْهُمُ الْمُصْلِتُ لِسَيْفِهِ، وَالْمُعْلِنُ بِشَرِّهِ، وَالْمُجْلِبُ بِخَيْلِهِ، وَرَجِلِهِ (5)، قَدْ أَشْرَطَ نَفْسَهُ، وَأُوبَقَ دِينَهُ، لِحُطَامٍ يَنْتَهِزُهُ (6)، أو مِقْتَبٍ (7)يَقُودُهُ...)). (8)وهذا الكلام الذي يتحدث به الإمام هو عن الصِّنْفِ الثاني من النّاس، وهو لَرجُلُ الشَّرِّ الذي ما يزال قابضا على سَيْفِهِ، مُعْلِنا بِشَرِّه، ومُجْلِباً بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ. والمُجْلِبُ هو المُتَوَكِّدُ بالشَّرِّ (9)سواء أكان مُجْلبا بالفرسان، أم بالرَّجالة الذين هم بمنزلة المُشاة في الجيش. وهو الذي يعين على الناس بإجْلَابَه(10). وهذه المفردة التي ذكرها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الفاظ القرآن الكريم، فقد وردت في قوله تعالى : ((... وَأَجَلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكَهُمْ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَدِ...))(11). وهذا المُجْلب هو الذي هَيّأ نفسه وأعدّها الى الفساد والإفساد في الأرض (12). وأهلك دينه من أجل (حُطَام الدنيا)، وهو المال والمنصب الذي يُمني نفسه به. وإنما عبّر الإمام عن (المال) بـ (الحُطَام) ؛ لأن (الحُطَام) في الاصل هو ما تكسَّر من كل شيءٍ يَابِسٍ خاصة (13). فجعله عليه


1) النهاية في غريب الحديث : 235/2، و ينظر : لسان العرب (رعل) : 11 / 287.

2) ينظر : العين (قنب) : 178/5.

3) ينظر : المحكم (قنب) : 6 / 449.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 381.

5) الرجل هو الراجل، أو الجماعة الراجل. ينظر : العين (قنب) : 178/5.

6) وبق الرجل أي هلك ينظر : لسان العرب (وبق) : 370/10.

7) الحطم الكسر، وهو كسر الشيء اليابس خاصة. ينظر : لسان العرب (حطم) : 137/12 ويريد بالحطام - ههنا - المال والجاه كما يبدو.

8) نهج البلاغة : خ / / 32 : 70.

9) ينظر : تاج العروس (جلب) : 11 / 63.

10) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 2/ 140.

11) الإسراء / 64.

12) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 2/ 140.

13) ينظر : لسان العرب (حطم) : 137/12.

كالحطام الذي إذا تكسر ولا يُرْجى منه شيء (1)وكذلك المال المجموع من القتل والقتال والسلب والطرائق غير المشروعة ؛ فإنّه حُطَام لا فائدة منه، سرعان ما يُخرق صاحبه ويورده النَّار، كما يكون الحُطَامَ من اليَيس سبباً للإحراق والإهلاكِ. وجعل الإمام الأوصاف المتقدمة توطئة لاستعمال (الحطام) الذي يَنْتَهزه الصِّنْف الأول من الناس، وهو (المُصْلِتُ لِسَيْفِهِ). فإنَّ خصاله المتقدمة لا تكون إلا لطلب رئاسة أو قيادة يسوم بها الناس خَسْفاً، وسبيله الى ذلك: (المال = الحُطام)، و (المِقْنَب)، وهي - كما ذُكر في دلالتها اللغوية - الجماعة من الخَيْل، والفرسان التي تزيد على الثلاث مئة كما ذكر الخليل(2). أو التي تقل عن المِثْة فهي بين الثلاثين والاربعين كما يذكر ابن سيده (3).

وذكر أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه اللفظة - كما يبدو - للدلالة على طلب هذا الصنف من الناس السلطة والزعامة، ولو كان ذلك زعامة جماعة من أهل السَّلْب والنَّهْبِ والغَزو. وأجد في الدلالة اللغوية لهذه المفردة ما يسعفني لإثبات هذا المعنى. وذلك أنّ اللغويين لما ذكروا أن هذه المفردة تدل على جماعة الخَيْل التي فوق المئة أو تحتها، فإنهم أرادوا بذلك الخَيْل وفُرْسانها، ولايكون هذا الجمع إلّا متجهزاً لقتال أو حَرْب، ولهذا زاد بعض اللغويين على دلالة لفظة (مِقْنَب). بأنهم الجماعة من الفرسان الذين يجتمعون للغارة (4)، وبهذه الدلالة يصير المعنى: أن (المُصْلِت لسَيْفه) قد هَيّأ نفسه وأهلك دينه، للهَيْمَنَة على المال أو الجاه، ليَقُود مجتمعاً من الفرسان الغُزَاة ؛ ليصول بهم ويَجُوْل في الخراب والقتل والإرهاب. وقد تَنَبَّه بعض الشُرَّاح لهذا المعنى، فذكر أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنما خَصّ هذه الأمور التي يمتاز بها (المُصْلِتُ لِسَيْفِهِ) ؛ لأنها الأَغْلَب فيما يسعى له أهل الدنيا. وهي المال، أو الرئاسة الدنيوية باقتناء الخَيْل والنَّعم (5).

4 - جياد الخيل وعتاقها.

جياد

الجَوَادُ في اللغة وَصْفٌ للفرس الجَيّد الكريم العدو كما يذكر الخليل (6)، وجَادَ الفَرَسُ يَجُود جودة، فهو جوادٌ (7). والجَوَاد الفرس الذريع والسَّرِيع البَيِّن الجودة (8). والجَمْعُ (جِيَاد) (9).


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2/ 271.

2) ينظر : العين (قنب) : 178/5.

3) المحكم (قنب) : 449/6.

4) ينظر : تاج العروس (قنب) : 4 / 82.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2/ 271.

6) ينظر : العين (جيد) : 169/6.

7) نفسه.

8) ينظر : مقاييس اللغة (جود) : 1/ 493.

9) نفسه.

وقد جاءت لفظة (جِيَاد) مرتين في نهج البلاغة (1)، للدلالة على الخَيْل الجياد. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كتاب أرسله الى أهل البصرة مُحَذِّرا اياهم من اتباع الأمور المُرْدِيَة، وسفه الآراء الجائرة، ومنابذته (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومخالفته بعدما مَنَّ عليهم بالعفو عن مُجْرِمهم، وترك مُدْبِرهم. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((فَإِنْ خَطَتْ بِكُمُ الْأُمُورُ المُرْدِيَةُ، وَسَفَهُ الْآرَاءِ الْجَائِرَةِ إِلَى مُنَابَذَتِي وَخِلَافِي، فَهَا أَنَا ذَا قَدْ قَرَّبْتُ جِيَادِي، وَرَحَلْتُ رِكَابِي)) (2). ويحذر الإمام أهل البصرة من الدخول في الفاسد من الآراء التي تؤدي بهم الى مخالفته ومنابذته، ولهذا ذكر لهم مسألة (تقريب الجياد)، و إرْحَالَ الرِّكاب، كناية عن استعداده الخروج اليهم وقتالهم (3)، فجعل تقريب (الجياد)، وهي كرام الخَيْل سبيلاً الى التأهب والاستعداد في ركوبها بوصفها من لوازم القِتال، وخصَّ هذه المفردة بالاستعمال ؛ لأنّه أراد تهديدهم بالقوة التي يستشعرونها في أذهانهم، فوظف مفردة (هذه المفردة) التي توحي بقوّة عَدْو خَيْله، وسرعة وصولها اليهم ؛ لأنها بَيِّنة الجَوْدَة، سريعة العَدْوِ، لاتكاد تخذل راكبها. فكأنها – لِجَوْدها وجَوْدَتها تُعطي فارسها الذي يمتطيها مزيداً من العزم والقوة. وهذا هو جُوْدُها : فالجَوَادُ من الخَيْل هو الرائع في عَدْوه (4).

وقد وردت لفظة (الجِياد) في موضع آخر من نهج البلاغة بالدلالة المتقدمة نفسها، على سبيل تشبيه النَّاسِ بِجِيَادِ الخَيْل التي تُضَمّر في الميدان لأجل التسابق في الأفعال، والفائز مَنْ سبق إلى الخَيْر منهم وذلك في (خ / 83).

العتاق
إشارة:

العِتَاقِ الخَيْل الكريمة (5). وفَرَسٌ عاتق. أي سابق ناهِض. (6)

واستعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كلمة (عِتَاق) مرتين في كلامه الوارد في نهج البلاغة (7). وصفاً لما يأتي:

أولاً : وصف الخيل الكريمة.

وذلك في سياق كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الاتراك وفتنتهم. إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((... يَلْبَسُونَ السَّرَقَ وَالدِّيبَاجَ وَيَعْتَقِبُونَ الْخَيْلَ الْعِتَاقَ)) (8). أراد : أَنهم يَحْبِسُونَ الخَيْل الكريمة ووصَفَها بـ (العِتَاق) جمع (عَتيق)، وهو في اللغة الكريم الرائع من كل شيءٍ (9). كأنّه يومئ بهذه الصِّفَة الى جودة هذهِ الخَيْل وأصالتها. آخذاً ذلك معنى مفردة (عَتِيْق) التي تدل على القديم المُعْتِق، أو من قولهم لِفَحْلُ النَّخْل إنّه عَتِيْق (10). إشارة الى جودته وهيبته. وفي المفردة الماح الى نجابَة هذه الخيول. تشبيهاً لها بالنَّجِيبَة من الإبل. وقد ذكر الخليل أنّ الوَصْفَ


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 96.

2) نهج البلاغة : ك / 29 : 494.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 4/ 249.

4) ينظر : تاج العروس (جود) : 7 / 528.

5) ينظر: المصباح المنير (عتق) : 392/2.

6) ينظر : لسان العرب (عتق) : 235/1، والمغرب : 41/2.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 291.

8) نهج البلاغة : خ / 128 : 234.

9) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 179/3.

10) ينظر : المحكم (عتق) : 178/11.

بـ (العَتِيْقَة) يُراد منه النَّجِيْبَة من النّوق (1). فكأن هذا الوصف ينطبق أيضاً في استعمال الإمام له على الخَيْل التي يعتقها الأتراك. وقد ذكر الشارح أبو الحسين يحيى بن حمزة الحسيني أنّ المراد بالعتاق هي الفرس الناعمة الخلق، الكثيرة السبق (2). وهذا المعنى لا يبتعد كثيراً عن دلالة مفردة (عتاق) الدالة على كرام الخَيْل.

ثانياً : الدلالة على الوجوه الكريمة.

إذ وصف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجوه المؤمنين بـ (العِتَاق) إشارة الى كرمها، وعلو شأنها، ولكنها مع ذلك خَضَعَت اللّه تبارك وتعالى. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((وَعَنْ ذَلِكَ مَا حَرَسَ اللّه عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَوَاتِ وَ الزَّكَوَاتِ، وَ مُجَاهَدَةِ الصِّيَامِ فِي الأَيَّامِ المَفْرُوضَاتِ، تَسْكِينا لِأَطْرَافِهِمْ، وَ تَخْشِيعاً لِأَبْصَارِهِمْ، وَ تَذْلِيلاً لِنُفُوسِهِمْ، وَ تَخْفِيضا لِقُلُوبهمْ، وَ إِذْهَابا لِلْخُيَلاَءِ عَنْهُما لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْفِيرِ عِتَاقِ الْوُجُوهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعاً، وَالْتِصَاقِ كَرَائِمِ الْجَوَارِحِ بِالْأَرْضِ تَصَاغُراً)) (3). يجعل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) العبادات التي فرضها اللّه تبارك وتعالى على الانسان حارساً له، كأنها تقيه من الزيغ والإنجراف عن الصَّراط المستقيم، فـ (الصلاة والزكاة والصيام) سبيل لِتَسْكِين الاطراف، وجعلها ساكنة هادئة غير مائلة الى ارتكاب المعاصي، فضلاً عن عدها سبباً في خشوع الابصار، وتذليل النفوس، وإذهاب الخيلاء والكبر عنهم. وكانت سبيل الإمام الى إظهار معنى التواضع. استعمال لفظ (تعفير) التي تدل في اللغة على (العَفْر)، ظاهر التّراب. وهو كناية عن الإذلال والإرغام (4).

فلمّا أراد الإشارة الى تواضع عباد اللّه المؤمنين وتذللهم اللّه جل جلاله، استعمل تعفير الوجوه التي وصفها بـ (العِتَاق) علامة على الخضوع وترك الخيلاء تواضعاً لله تعالى. وقد جاءت المفردة المتقدمة لمدح المؤمنين الذين ينهجون هذا النهج في التواضع والتصاغر اللّه تبارك وتعالى، فوصف وجوههم بـ (العتاق) كناية عن رفعة شأنهم، وعلو منزلتهم وطيب وجوههم وكرامتها عليه. ولكنهم مع ذلك أطاعوا اللّه وعَفّروا تلك (العِتاق) بالتراب إذلالاً لها وإعزازاً للحق تبارك وتعالى. وهذا المعنى مناسب لسياق الخطبة التي يتحدث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في موضوعها الرئيس عن (ذَمّ التَكَبَّر والخُيَلاء) مُتَّخِذاً من (إبْلِيسَ) أنموذجاً للكبر والاستعلاء، بوصفه إماما للمستكبرين، قد ورد في هذه الخطبة نص آخر يُشبه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((تَعْفِيرِ عِتَاقِ الوُجُوهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعاً)) (5). إلّا في بعض الفاظه ؛ إذ يقول في الخطبة، وفي مقام نفي التكبر عن الأنبياء والأولياء) وبيان تواضعهم : ((فَأَنصَقُوا بِالْأَرْضِ خُدُودَهُمْ، وَ عَفَّرُوا فِي التَّرابِ وُجُوهَهُمْ...)). ولمّا كان المقام في النّص الأول مقام مدح للمؤمنين، لهذا وصف وجوههم بـ (العِتَاق) إشارة الى كرامتها ومنزلتها. في حين أنه لما تحدث عن الأنبياء والأولياء وتواضعهم، لم يصف وجوههم بـ (العِتَاق) ؛ لأنّه أراد بيان شدّة ملازمتهم اللّه تبارك وتعالى، فكأنهم ملتصقون به من خلال طاعاتهم وعباداتهم التي لا تشبهها عبادة. وهذا المعنى تدل عليه مفردة (ألْصَقُوا) التي تدل في اللغة على الملازمة بين شيئين (6). في حين أنه وصف عباد اللّه المؤمنين بـ (تغفير) الوجوه، وهو


1) ينظر : العين (عتق) : 146/1.

2) ينظر : الديباج الوضي : 1057/3.

3) نهج البلاغة: خ / 192 : 371.

4) ينظر : لسان العرب (عفر) : 583/4.

5) نهج البلاغة : خ / 192 : 366.

6) ينظر : مقاييس اللغة (لصق) : 5 / 249.

وضعها على التُّراب، إشارة الى شدّة وَلَعِهم وعبادتهم اللّه جل جلاله، من خلال تعفير وجوههم وإلقائها في التراب حقيقة، وذلك فى حال الصلاة وبقية العبادات، ويحتمل أن يكون التَّعْفِير للوجوه العتاق يدل على كونهم إذَلة خاشعين لاتستَعلي وجوههم على الناس، لأيمانهم أنهم من تراب والى التراب. والدلالة الأولى ألْيَقُ بالسياق وأدل.

أما السياق الذي يتحدث فيه الإمام عن تواضع الأنبياء والأولياء، فإنه ذكر فيه (خُدُوْدَهم) دون وجوههم جميعاً، ولهذا جعل (الإلصاق) مخصوصاً بها. وهو ما يدفع الى القول إن التَّغْفير يخص الوجه جميعاً بحسب قول الإمام، في حين أنّ الإلصاق يختص بالخدود من الوجه، كأنه يومئ الى تقليبهم للوجه على الأرض جهة كل خَدٍّ من خدودهم، ومن ثمّ - يعفرون - وجوههم بالتراب. وقد كانت العناية في هذا النص مخصوصة بمسألة التَّعْفِير، لأنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصف الأنبياء والأولياء بأنهم خاصة اللّه، وهذه المنزلة لا يبلغها عند اللّه تعالى احد غيرهم، ولهذا استغنى الإمام عن وصف وجوههم بـ (العتاق)، لتقدم مَدْحهم. فضلاً عن أن المراد بلفظة (عِتَاق) ليس الكرامة والنجابة فحسب، وإنما المراد بها (رقة الوجه ونعومته) أيضاً، وعلى هذا المعنى، فإن وجوه (الأنبياء والأولياء) لا تمتاز برقَةِ البَشرة ؛ لأنّهم اصحاب كَلٌّ وعَمَلٍ وعبادة، وهم يَتَمَيَّزون بخشونة الجلد وغِلْظَته ولعل هذا هو السبب الذي دعا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى الاستغناء عن مفردة (عِتَاق) في هذا السياق.

5 - أجزاء جسم الخيل

الحَافِرِ

الحافِر في الدواب بمنزلة القَدَم. ويكون في الخَيْل والبِغَال والحَميْر (1). فكما أنّ الكاهل والغَارِب من أجزاء البعير المشهورة، فكذلك الحَافِر من أجزاء الدواب المتقدمة التي تُعدّ علامة عليها عند اللغويين (2).

واستعملت لفظة (الحَافِر) مرتين في نهج البلاغة (3)للدلالة على حافر الفَرَس، وحَافِر بَقيّة الدّواب ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيان علَّة وَضع الكَعْبَة المُقَدَّسة بأوعر بقاع الأرض: ((... فَجَعَلَهَا بَيْتَهُ الْحَرَامَ الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً (4)، ثُمَّ وَضَعَهُ بِأُوعَرِ بِقَاعِ الْأَرْضِ حَجَراً بَيْنَ جِبَالٍ خَشِنَةٍ وَرِمَالٍ دَمِثَةٍ (5)وَعُيُونٍ وَشِلَةٍ (6)، وَقُرًى مُنْقَطِعَةٍ لَا يَزْكُو بِهَا خُفَّ وَلَا حَافِرٌ وَلَا ظِلْفٌ)) (7). وقد أراد(عَلَيهِ السَّلَامُ) من استعمال مفردات (خُفٌ)، و (حَافِر)، و (ظِلْف) الدلالة على عدم نماء التواب التي تختص بتلك الأجزاء، وإنما عبّر عنها بمسميات أقدامها ؛ من باب التعبير بالجُزْء عن الكُلِّ (8). فاستغنى عن ذكر الدواب بذكر أسماء أقدامها.وهذا الوجه من وجوه البلاغة مجاز مرسل علاقته الجزئية، فإنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذكر الجزء و أراد به الكل، ذاكراً لفظ (الخُفَّ)


1) ينظر : لسان العرب (حفر) : 206/4.

2) نفسه.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 114.

4) اشارة الى قوله تعالى : (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) المائدة / 97.

5) الدمث السهل اللين الموطئ من الرمل الذي ليس بمتبلد. ينظر : لسان العرب (دمث) : 149/2.

6) العيون جمع عين، وهي ينابيع الماء التي تجري من الارض، والوشلة القليلة الماء. ينظر : لسان العرب (عين) : 303/13، و (وشل) : 11/ 725. وقد احتج اللغويون بقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المتقدم في مدوناتهم. ينظر : النهاية في غريب الحديث : 188/5، ولسان العرب (وشل) : 725/11.

7) نهج البلاغة : خ / 192 : 368.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) :164/4.

الدلالة على (الإبل) التي تختص بهذه التسمية. في حين دلَّ بـ (الحَافِر) على الخَيْل وما يلحق بها من بقيّة الدواب من ذوات الحافر كالبغال والحمير.(1). ويُلْحَظ أنه قد انتقل من تخصيص مفردة (حَافِر) بالخَيْل الى تعميمها ؛ مناسبة للسياق فإن (الحَافِر) أينما أُطلِق فقد أريد به الفَرَس كما يذكر اللغويون (2). وإنما سُمِّيت قدم الفَرَس بذلك، لأنّها كمن تُحْفَر بها الأرض (3)، فقيل لها حَافِر على التشبيه بالأداة التي تُحْفَرُ بها الارض، أو بالحَافِر الذي هو الإنسان القائم بَحَفْر الأَرْض.

أقول : وتعميم دلالة هذه المفردة واضح كلامه الذي يُراد به أنّ موقع (الكَعْبَة المُقَدَّسة) واقع بأرض وَعِرَة تكتنفها الجبال من كل جانب، وتحتفل أرضها بالرّمال الليئَة التي يكثر انغماس الأَرْجُل فيها. فضلاً عن عدم صلاحها للنبات، وقلّة ماء عيونها. فلا تنمو فيها الدواب عامة سواء أكانت خَيْلاً، أم غيرها. من الدواب التي تختص أرجلها بالحوافر، وبقية الشّاء من ذواتِ الأَظْلَافِ.

خصها بعدم النّماء ؛ لأنّ أسْبَابه مفقودة في هذه المنطقة من عُشْبٍ وماء ومزعى (4). تعتاش عليها تلك الدواب. وربما أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذكر لفظة (حَافِر) وما شاكله الدلالة على أهمية هذهِ الدواب ومنزلتها عند العرب ؛ بوصفها ذات قيمة عندهم، ويتضح ذلك في اعتمادهم على الابل في الترحال والتنقُل، فضلاً عن الافادة من لبنها، وحاجتهم الى الخَيْل في الحرب وما شابهها ؛ فهي وسيلتهم في القتال وغيره، ولهذا كانت (الفَرَس) نَفيسة عندهم لايمكنهم التفريط بها إلّا عند الحاجة القصوى، فإنهم لا يبيعونها إلا بالنَّقْد (5). علاوة على أن حاجتهم للشاء والنَّعَم من غنم وغيرها واضحة في الغذاء وصُنع النَّسج. فلهذا أراد اللّه تبارك وتعالى اختبار قدرتهم في السَّعى اليه بأوعر بُقعة من الأرض مُضحين بكل ما يملكونه من قُوّة بَدَنهم، ونفائس رواحلهم وخيولهم التي أنفقوا عليها الكثير من الجهد والمال، ليبذلوها في سبيل اللّه منتقلين بها من مواضع سُهُول الأرض إلى وَعْرها ؛ طلباً لرضا اللّه تبارك وتعالى.

سَنَابِكَ

السُّنْبُكَ طرف الحافر، وجانباه من قدم (6). وهذا اللفظ من الألفاظ المعربة عن الفارسية كما يذكر الجواليقي والفيومي (7).

واستعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (سَنَابك) مرتين في كلامه الوارد في نهج البلاغة (8)، للدلالة على طرف الحَافِر الخاص بالخَيْل. وقد استعاره الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) للفِتَنِ التي يقول فيها في مقام ذَمِّ مَن أطاع الشيطان من


1) ينظر : لسان العرب (حفر) : 206/4.

2) ينظر تهذيب اللغة (حفر) : 14/5، ومقاييس اللغة (حفر) : 85/2.

3) ينظر : مقاييس اللغة (حفر) : 2/ 85.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 13/ 120.

5) ينظر : لسان العرب (حفر) : 206/4.

6) ينظر : العين (سنبك) : 427/5، وتهذيب اللغة (سنبك) : 10/ 231، و لسان العرب (سنبك) : 444/10.

7) ينظر : المعرب : 225، والمصباح المنير : 1/ 265.

8) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 226.

النَّاسِ ((... أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ، فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ، وَوَرَدُوا مَنَاهِلَهُ، بِهِمْ سَارَتْ أَعْلَامُهُ، وَقَامَ لِوَاؤُهُ فِي فِتَنِ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِهَا، وَوَطِئَتْهُمْ بِأَظْلَافِهَا، وَقَامَتْ عَلَى سَنَابِكِهَا، فَهُمْ فِيهَا تَائِهُونَ حَائِرُونَ جَاهِلُونَ...)) (1).

أقول : استعار الإمام لفظة (سَنَابكها) للفِتَن جاعلاً منها كالدَّابة التي تسحق مَنْ تلاقيه، وسَحْقها هذا يكون (بالأخْفَاف) و (الأظلاف)، وإنما جعل دَوْسَها بالأخفاف، وهي أقدام الإبل، لأنها أشَدُّ في طبعهم وصيرورتهم بشكل يناسب خُف البعير، مع ما في البعير من ثقل وحجم عظيم، بحيث يؤدي الى تسوية ما يدوسه بالأرض. فكأن الفتنة قد سَوّتهم وصقلتهم على وفق ما يُريده أصحاب الفتن منها، فضلاً عن إذلالهم والاستهانة بهم. ثم استعار الإمام مفردة (أظلاف)، وهي أقدام الشاء والبقر التي تمتاز بدقتها وشدّة أذاها عندما تطأ ما تسحقه. في حين أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعار لفظ (سَنَابِكِهَا) ؛ للدلالة على قيام الفتن وارتكازها على هذا الضَّرب من الاقدام الخاصة بالخَيْل من الدواب. وجعلها مخصوصة في هذا النص لقيام الفتن ؛ من باب دلالة الجزء على الكل، فإن (السَّنَابك) هي جُزْء من أقدام الفَرَس، وهي واسطتها للارتكاز والسَّيْر، عن فضلاً اتصافها بالغلظ والحِدَّة، فكأن الفرس حين تسير تقطع كل ما يلاقيها لحدة أطراف حوافرها. وخص القيام (بالسَّنَابك) إشارة إلى سُرعة نهوض الفتن قوتها، فهي كالفرس الذي ينهض سريعا من بروكه، وهو في ذلك أسرع من نهوض البَعِير. علاوة على الفارق بينهما في سرعة العدو وخفّة الحركة. وربما أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذكر (السَّنَابك)، الإشارة الى ركوب الداعين الى الفتن والمُؤَججين لها. إيماء الى افكارهم الفاسدة التي يسحقون بها كلَّ شيءٍ يلاقونه في جولاتهم في الأراضي والبقاع لإثارة الاضطراب بين الناس. هو ما توحيه لفظة (سَنَابك) المضافة الى ضمير الغائبة المؤنثة، تومئ هذه المفردات إلى التَّنوّع في الافكار والعقائد الفاسدة التي يحملها أهل الفتن، فضلاً عن تنوّع أذها وتعدده، ولهذا استعملها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبيان هذا التعدد في المضار التي تسببها الفتن وقادتها.

وقد استعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) اللفظة نفسها - أعني (سنابك) - في موضع آخر من كلامه في استعارة لطيفة جاعلاً منها أقداما للشياطين التي تَطَأُ المُتَرَدِّد في ظَنّه الذي لا يعقد العزم في ما يراه من الأمور. وذلك إشارة الى السُّرْعَة في الأذى والوقوع في المهالك. وجاءت هذه الدلالة في (قصا / 31).

6 - عامة الخيل

خَيْلٍ
إشارة:

الخَيْل جماعة الفَرَس (2). الخَيْل – كما يذكر اللغويون - معروفة (3). وإنما سميت (خَيْلاً) لاختيالها في المشي (4).

وقد استعملت لفظة (خَيْل) في نهج البلاغة غير مرة، وكان أكثرها استعمالاً ماجمع على (فعل)، إذ وردت لفظة (خَيْل) مع ضمير الغائب خمسة مرات، ومجردة منه ثلاث مرات ومضافة الى ضمير الخطاب مرة


1) نهج البلاغة: خ / 2 : 26، 27.

2) ينظر : العين (خيل) : 4 / 306، ولسان العرب (خيل) : 11 / 231.

3) ينظر : مقاييس اللغة (خيل) : 2/ 235.

4) ينظر : مقاييس اللغة (خيل) : 2/ 235، ولسان العرب (خيل) : 11 / 231.

واحدة، بمجموع بلغ أربع مرات. في حين جاءت لفظة (الخُيُول) جمعاً على صيغة (فُعُول) مرة واحدة مجردة من أي ضمير، ومرة مضافة الى ضمير الغائبين (1). وقد أمكن حصر الدلالات التي وردت بها الألفاظ المتقدمة في ما يأتي :

أولاً : الدلالة على الخَيْل التي يُجْلَبُ بها الشيطان على الناس.

وذلك بوصفها واسطة من وسائط الهجوم في المعارك وغيرها وقد خص الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا المعنى بمفردة (خَيْل) المجموعة على (فَعل)، وكانت (خَيْل) الشيطان لها الحظ الأوفر في هذا الاستعمال في تعبيرات الإمام. ومنها قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق التحذي من الشيطان واستيلائه على الناس : ((فَاحْذَرُوا - عِبادَ اللّه عَدُوَّ اللّه أَنْ يُعْدِيَكُمْ بِدائِهِ، وَ أَنْ يَسْتَفِزَّكُمْ (2)بِنِدَانِهِ، وَ أَنْ يُجْلِبَ (3)عَلَيْكُمْ بِخَيْلِهِ وَرَجِلِهِ)) (4).

والتحذير في هذا السياق شديد، لما يملكه الشيطان من مقدرة في إصابة (عِبادَ اللّه) بدائه الذي أراد به الإمام الإشارة إلى تأثير ابليس في الناس. ويجعلهم مثله في الحقد والنميمة وغيرها من الخِصَال التي يمتلكها الشيطان فيورثها اتباعه. وإنما استعمل الإمام لفظة (يَسْتَفِزَّكُمْ) ؛ للدلالة على تمكَّنه من السيطرة على الناس ذوي الإيمان الضعيف، فإنّه ما إن يستميلهم بالشهوات الملذات حتى يقوموا اليه سراعاً. وربما كان المعنى أنّه يخرجهم خائفين مذعورين ثُمَّ يُجْلِبَ عَلَيْكُم بخيله ورَجِلِهِ والمراد بلفظ (خَيْلِهِ)، الاشارة الى وسائله التي يستعملها في الوصول الى الناس وخداعهم ليكونوا عبيداً له. في حين أن مفردة (رجله) تفيد الدلالة على الأعوان الذين يُزيّنون السُّوْء للناس. ويحتمل أن تكون المفردة دالة على الأَعْوَان) أيضاً ؛ لأنّهم بمنزلة الخيل التي يركبها الشيطان ويتخذها واسطة للوصول الى الناس واستفزازهم. وفي كلا المعنيين، فاللفظة مستعارة من مجالها الدلالي الى مجال آخر كنى فيه الإمام عن أعوان الشيطان أعوانه الضالين المضلين (5). كأنما الشيطان يقود جيشاً مؤلفاً من الخَيَّالة والرجالة، وهم المُشاة الذين يهجم بهم على العِباد الذين اتخذهم مطايا يصول بهم صولاته على الناس، ومما يدعم ذلك المعنى قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق آخر من الخطبة نفسها متحدثاً عن (الأَدْعِيَاءَ) من اتباع ابليس : ((وَلَا تُطِيعُوا الأَدْعِيَاءَ الَّذِينَ شَرِبْتُمْ بِصَفْوِكُمْ كَدَرَهُم، وَخَلَطْتُم بِصِحَّتِكُم مَرَضَهُم اتَّخَذَهُم إِبْلِيسُ مَطَايَا ضَلَالٍ، وَجُنْداً بِهِمْ يَصُولُ عَلَى النَّاسِ، وتَرَاجِمَةً يَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَتِهم ..)) (6). ويؤيد هذا أيضاً قوله تعالى : (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) (7).

أقول : لقد وظف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردتي (خَيْلِهِ)، و (رَجِلِهِ) توظيفاً لا يَبْتَعِد عن الاستعمال القرآني لهاتين اللفظتين، بل يمكن القول إنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعمل النّص القرآني بطريقة تتناسب مع الفكرة التي يريد الاشارة اليها في


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 150.

2) استفزه. أي : أخرجه من داره وأزعجه. ينظر : تاج العروس (فزز) : 271/10.

3) الجلب سوق الشيء من موضع الى موضع آخر. ينظر : لسان العرب (جلب): 268/1.

4) نهج البلاغة : خ/ 192 : 361.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 4 / 148.

6) نهج البلاغة : خ / 192 : 365.

7) الحجر / 39-42.

التحذير من غَلَبة الشيطان على عِبادَ اللّه، وضرورة منع الانسان لنفسه من اتباعه. يقول اللّه تبارك وتعالى في مقام التحدي : ((مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكَهُمْ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدُهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا)) (1). وقد ذكر المفسرون أنّ المراد باستفزاز الشيطان خداعه للناس، وايقاعهم في إرادته وطاعته، مع استعارة في قوله تعالى (خَيْلِكَ وَرَجِلِكَ)، كأنما المراد هم فُرْسَانّ الناس ورجالاتهم المُتَصَرِّفون في الباطل، فإنهم أعوان إبليس (2). ويحتمل كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الدلالة على الحقيقة والمجاز وأشار الى ذلك شُرَّاح النهج ومنهم ابن ابي الحديد الذي يقول : ((فإن قلت فهل لإبليس خَيْل تركبها جنده. قلت : يجوز أن يكون ذلك وقد فسره قوم بهذا. والصحيح أنه كلام خرج مخرج المثل شبهت حاله في تسلطه على بني آدم بمن يُغير على قوم بخيله فيستأصلهم...))(3).

وثَمة مواضع أُخرى وردت فيها مفردة (خَيْل) للدلالة على إجلاب الشيطان على الناس، وذلك في (خ / 10، 192)، في حين ساق الإمام لفظة (خَيْل) للدلالة على الخَيْل التي يغار بها في الحرب وذلك في (خ/ 27، 32، 124).

ثانياً : الخَيْل الشمس بدلالة الخطايا.

فشبّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا السياق الخطايا بالخيل الصَّعْبَة المَرْكب. إذ يقول في مقام التحذير من ارتكاب الخَطَايا مشيراً الى سوء عاقبتها : ((أَلَا وَ إِنَّ الخَطَايَا (4)خَيْلٌ شُمُسٌ (5)حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا وَ خُلِعَتْ، لُجُمُها (6)، فَتَقَدَّمَتْ بِهِمْ فِي النَّارِ)) (7)وهو يُنبه الناس الى أنّ (الخَطَايَا) والذنوب ليست سَهْلة الارتكاب، فيمكن للمرء الاتيان بالمعصية، ولكنها ستكون كالخَيْل العصيّة الركوب على مُرْتقيها ؛ لاتُمَكِّنَه من ركوبها إلّا بعد جهد جهيد. فَإن رُكِبَت وحُمِلَ عليها فما يلبث راكبها أنْ يُردى في المهالك، لأنها مخلوعة القياد، فلا يمكن المسك بعنانها وتشبيه الإمام (الخطايا) بـ(الخَيْل الشُّمُس) راجع - فيما يبدو - الى أن (الخَيْل) الصَّعْبَة الركوب ليست مما يمكن ترويضها أو الاستهانة بركوبها، وهذا ضرب من لطيف الاستعارة (8). لأنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعار لفظة (الخَيْل). للخطايا، جاعلاً منها صورة لما يُرْكب من الدواب، فكأنما الذُّنوب والمعاصي بمنزلة الخَيْلُ الصَّعْبَة التي حملت


1) الاسراء / 64.

2) ينظر : التفسير الكبير : 21/ 5، و المحرر والوجيز : 30 / 470.

3) شرح نهج البلاغة (ابن ابي الحديد) : 14 / 106.

4) الخطايا جمع خطيئة، وهي الذنب. ينظر : لسان العرب (خطأ) : 1/ 67.

5) الشموس من الدواب هي الجموع الممانعة ظهرها من الركوب. ينظر : لسان العرب (شمس) : 6 / 113.

6) اللجم جمع لجام، وهو ما يوضع في فم الدابة من عنان. ينظر : لسان العرب (لجم): 12 / 534.

7) نهج البلاغة : 16/ 44.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 1/ 205.

عليها الأَحْمَال، وهي مخلوعة اللجام. فكما تتقحم الخيل الصعبة الشموس براكبها المهالك. فكذلك راكب الخطيئة الذي ركبها على غير هدى بعدما خلع منها لجام أحكام الدين وحدوده فيكون - بركوبها - قاصداً تَقَحُم أوديّة الهلاكِ.(1). إن راكب الفَرَسِ الشَّمُوس ؛ لاشَكٍّ أنّه يريد من ركوبها الظهور بصورة البَطَّل القوي الذي لا يمنعه الخوف من ركوب المُرْدِيَات من الخَيْل، كأنه يريد إظهار براعته وشجاعته للناس، فضلاً عن قدرته على ترويض هذا الضَّرْب من (الخَيْل) وإرغامها على طاعته. وزيادة في البراعة والشجاعة، فالبعض من الناس يحاولون خَلْع لجام الفرس ليزيد ذلك في خطورة المُرْتَقِي في الهلاك. من هنا يمكن تصوّر حالة التكبّر والخُيَلَاء التي يكون عليها هذا النمط من الناس. فكأنه أخذ كِبْرَه وخُيلاءه من (الخَيْل) التي تتمايل في مشيتها وتَزْهو في اختيالها. وهذا الوجه سوّغ لنا اختيار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (خَيْل) في هذا السياق دون غيرها من الألفاظ الدالة على بقيّة الدّواب. فكان يمكن أن يستعمل لفظة (الصَّعْبَة) مثلاً الدالة على الناقة النفور بدلاً المفردة المتقدمة. غيرأنّ السِّيَاق الذي صنعه أمير المؤمنين كان بحاجة الى مفردة (خَيْل) أكثر من غيرها ؛ لأنها أمْلَك به ؛ لتَّضَمُّنها دلالة الخُيَلاء والتكبّر، وهو ما يناسب المعنى الذي تتضمنه لفظة (خطايا)، فكما أن لفظ (الخَيْل) مأخوذ من الاختيال كما يذكر اللغويون (2)والإختيال هو التَّلَوّنُ والتغيّر والعُجْب في المَشي والأفعال (3). فكذلك (الخطايا)، فإنها ذنوب متغيرة ومتلوّنة في أنواعها وأشكالها، فإن كانت بمنزلة (الخَيْل الشُّمُس)، المخلوعة اللُّجُم، فإنها (خطايا) عِظام لا يكبح جماحها إلا النار.

فَرَساً

الفَرَسُ واحد الخَيْل، والذكر والأنثى فيه سواء (4). و سمّي الفرس (فرساً) ؛ لأنّه مأخوذ من (الفَرْس)؛ وهو دَقّ العُنُق في الأصل (5). فكأن الفَرَس حين ركضه يَدُق الأرض ويَرْكلها بقوائمه (6).

ومفردة (فَرَساً) من الفاظ نهج البلاغة، التي وردت مرة واحدة (7). للدلالة على الفرس من الخَيْل التي تُستعمل واسطة في الركوب والعدو على أهل الإسلام. وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصيته الى عماله على الخراج: وَلَا تَمَسُّنَّ (8)مَالَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، مُصَلِّ وَلَا مُعَاهَدٍ (9)، إِلَّا أَنْ تَجِدُوا فَرَساً أَو سِلَاحاً يُعْدَى بِهِ عَلَى أَهْلِ الإسلام...)) (10). ينهي الإمام في هذا النّص عن أخذ مال أي أحد من الناس، سواء أكان مسلماً أم مُعَاهداً من أهل الذِّمَّة، فَعَبّر عن المسلم بلفظ (مُصَلِّ) إشارة الى هذا الركن المهم من أركان الإسلام الذي يعدُّ من علامات المسلم وخصائصه، وأشار بلفظة (مُعَاهَد) الى غير المسلمين من الذين يسكنون مع المسلمين


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 1/ 205، وغريب نهج البلاغة: 395. ويلحظ أن صاحب (غريب نهج البلاغة) قد استعان برأي الشيخ البحراني في تحليل كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ، ولكنه لم يخرجه من شرحه.

2) ينظر : مقاييس اللغة (خيل) : 2/ 235.

3) ينظر : مقاييس اللغة (خيل) : 2/ 230، والنهاية في غريب الحديث : 93/2.

4) ينظر : المحكم (فرس) : 481/8، ولسان العرب (فرس) : 6 / 159.

5) ينظر : تهذيب اللغة (فرس) : 12 / 280، ومقاييس اللغة (فرس) : 4 / 485.

6) ينظر : مقاييس اللغة (فرس) : 4 / 485، واساس البلاغة (فرس) : 1/ 469.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 347.

8) المس اللمس بالأيدي. ينظر : العين (مس) : 208/7. وهو في النص بمعنى الأخذ. والاستيلاء على الشيء.

9) يريد بالمصل المسلم من الناس، وبالمعاهد غير المسلم من أهل الذمة.

10) نهج البلاغة : ك/ 542:51.

ولهم الحقوق وعليهم واجبات يؤدونها الى المسلمين ثم أشار الإمام الى استثناء النَّهْي الموجّه إلى عمّال الخراج، إلا ما كان يتخذ وسيلة للتعدي على المسلمين، فذكر من ذلك (الفَرَس)، و (السلاح) وهما من وسائل الإِجْلَاب والقتل التي يخشى الإمام من توظيفها في العدو على أهل الإسلام فذكر لفظة (فَرَساً) في هذا السياق إشارة الى الدَّابة التي يجلب بها على المسلمين، فكأنه يومئ بهذه المفردة الى استعمال هذه الدَّابة أو غيرها في التهيئة لقتال المسلمين. جاعلاً من (الفرس) و (السلاح) رمزاً للدلالة على وسائل الاجلاب وأدوات الحرب التي تستعمل في المعارك، ولهذا أمر عمّاله بأن يأخذوا هذهِ الدواب والسلاح من أيدي الأعداء، إذا تَيَقَّن أصحاب الخراج من استعمالها في هذا المجال.

7- مضمار الخيل

المضمار

المِضْمَار الموضع الذي تُضْمَر فيه الخَيْل (1). وتَضْمِيرها هو أنْ تُعْلَف قُوْتاً بعد السّمن (2).

والمِضْمَار هو الوقت الذي تُضْمَر فيه الخيل للسِّباق أو للرّكض الى العدو وجمعه مَصَامِيرٍ (3). وتضميرها في هذا الحال، هو أنْ تُشَدّ عليها سُرُوجُها وتُجَلَّل بالأجِلَّة حتى تَعْرَقَ تَحْتَهَا، فيذهب رهَلُهَا، ويشتدّ لحمها، ويحمل عليها غِلْمَان خِفاف يُجرونها البَرْدين ولا يُعنّفون بها، فإذا ضَمَّرَت، واشتدَّت لحومها وأُمِنَ عليها القطع عند حضرها ولم يَقْطَعها الشدّ وذلك في أربعين يوماً، فهذا هو التَّضْمِيرِ الذي تعرفه العرب ويسمونه مضماراً. وتضميراً (4).

وجاءت لفظة (المِضْمَار) أربع مرات في نهج البلاغة، في حين وردت مفردة (مضمارها) مرتين، و (مِضْمَاره) مرة واحدة واقتصرت لفظة (مَصَامِير) بصيغة الجمع على موضع واحد فحسب (5).

وقد استعملت هذه المفردات باشتقاقاتها المتقدمة، للدلالة على الموضع الذي تُضمر فيه الخيل تهيئة للسباق، على سبيل الاستعارة. فمن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مقام الحثّ على التّوبَة، والعمل للآخرة : ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا أَدْبَرَتْ وَآذَنَتْ بِوَدَاعٍ، وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ، وَأَشْرَفَتْ بِاطْلَاعِ (6)أَلَا وَإِنَّ الْيَوْمَ الْمِصْمَارَ، وَغَداً السَّبَاقَ، وَالسَّبَقَةُ الجَنَّةُ، وَالغَايَةُ النَّارُ، أَ فَلَا تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ...)) (7). وكلام الإمام - أعلاهـ مما يقدح زناد الاتعاظ والازدجار كما يقول السيد الشريف الرضي (8). وقد استعار (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (المِضْمَا)ر من مجالها الدلالي، وهو الدلالة على الموضع الذي تُضمر فيه الجِياد، إعداداً للسباق، واستعملها في مجال إعداد الانسان لنفسه، واختبارها للفوز بالجنّة. وقد شرح الشريف الرضي قول الإمام قائلاً : ((إنه لو كان كلام يأخذ


1) ينظر : العين (ضمر) : 41/7، وتهذيب اللغة (ضمر) : 28/12.

2) ينظر : العين (ضمر) : 41/7، وتهذيب اللغة (ضمر) : 28/12، ولسان العرب (ضمر) : 491/4.

3) ينظر : تهذيب اللغة (ضمر) : 28/12، ولسان العرب (ضمر) : 491/4.

4) ينظر : تهذيب اللغة (ضمر) : 28/12، ولسان العرب (ضمر) : 491/4، وتاج العروس (ضمر) : 402/12.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 269، 270.

6) الاطلاع الظهور. ينظر : لسان العرب (طلع) : 235/8.

7) نهج البلاغة : خ / 28 : 64. وقد نقلت المدونات اللغوية المعاجم قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المتقدم. ينظر : لسان العرب (ضمر) : 492/4، وتاج العروس (ضمر) : 12 / 403.

8) نهج البلاغة : خ / 28 : 64.

بالأعناق إلى الزهد في الدنيا، و يضطر إلى عمل الآخرة لكان هذا الكلام، و كفى به قاطعا لعلائق الآمال، و قادحا زناد الاتعاظ و الازدجار، و من أعجبه قوله : ((أَلَا وَإِنَّ اليَوْمَ المِضْمَارَ وَغَداً السَّبَاقَ وَالسَّبَقَةُ الجَنَّةُ وَالغَايَةُ النَّارُ)) فإنَّ فيه، مع فخامة اللفظ، و عظم قدر المعنى، وصادق التمثيل، وواقع التشبيه سراً عجيباً، ومعنى لطيفاً لاختلاف المعنيين و لم يقل (السَّبَقَةُ النار) كما قال : (السَّبَقَةُ الجَنَّةُ)؛ لأنّ الاستباق إنما يكون إلى أمر محبوب و غرض مطلوب و هذه صفة الجنّة، و ليس هذا المعنى موجوداً في النار. نعوذ باللّه منها - فلم يجز أنْ يقول : (السَّبَقَة) النار) بل قال : (وَالغَايَةُ النَّارُ) ؛ لأن الغاية قد ينتهي إليها من لا يسرّه الانتهاء إليها، ومَنْ يسرّه ذلك، فَصَلُحَ أَنْ يُعَبر بها عن الأمرين معاً...)) (1). وقد نقل شُرَّاح النهج هذا التعليل عن الشريف الرضي، ولا سيما في تقييد (السَّبَقَةُ) بـ (الجَنَّةُ)، و (الغَايَةُ) بـ (النَّارُ) (2).

أقول : ومفردة (مضمار)، في الأصل، مأخوذة من الضمور وهو الهزال والضعف (3). فكأن الذي يُعدّ خيْلَه للسِّباق يُضمرها ويُجللها بالأجلّة حتى تغرق تحتها، فيذهب رهلها ويشتد لحمها ليكون ذلك أنجى لها وأخفّ ثم يُغلف من أجل قُوْته (4).فأنهم يُسمنونه بالعلف، ثُمَّ يُرَدُّ الى القوت في أربعين يوماً، وتسمى هذه المدة بـ (المِضْمَار). (5)وبحسب هذا الوصف، فإنّ الذي يُعد نفسه لملاقاة اللّه تبارك وتعالى ينبغي عليه ان يُعِد نفسه للقاء اللّه بأنْ يَرُوضها بالتقوى والطاعة، والاعمال الصالحة. وقد ناسب هذا المعنى استعمال مفردة (مِضْمَار) و (السَّبَقَةُ)، وهما من المفردات الخاصة بالسباق الخاص بالخيل، إذ شَبّه الإمام بهما حال الانسان الذي يُراد له السَّبْق الى الجَنَّة التي خَصّها بالسَّبق دون النّار التي جعل الغاية لها.، مثلما جعل (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك مَنْتَهَى لمن لا يرجع عن ذنوبه بالتّوبة والاستغفار، قائلاً : ((أَفَلَا تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ، أَلَا عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمٍ بُؤْسِهِ...)) (6). فالذي ينصرف عن التوبة، ولا يعمد اليها قبل حلول أجله تكون غايته النار، في حين أن الذي لاذنب له، أمّا الذي يتوب عن ذنوبه، ويُضّمِر نفسه ويروضها للقاء اللّه، فإنّ الجَنّة مقرّه ومأواه. وقد عَبّر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن هذا الامر بـ (السَّبَقَة)، إشارة الى الفوز الناتج عن جودة الاستعداد والتأهب، كما يفوز الجواد من الخيل في السِّباق.

ومن نافلة القول الإشارة الى احتمال مفردة (المضمار) الرفع، والنَّصب، فأمّا رفعها فعلى أساس أنها خبر (إنَّ) وتكون كلمة (اليوم أسمها، وأما نصب (المضمار)، فعلى كونه اسماً لإنَّ (7). وقد وقع الخلاف في جواز الاخبار بالزمان عن الزّمان، لأن مفردة (المضمار) و (اليوم) كلاهما من الفاظ الزّمان، فكلمة (مِضْمَار) تمثل زمناً أو وقتاً، يحدّده اللغويون بالوقت المخصص لتضمير الخَيْل (8). ويكون ذلك إخبار الزمان بالزمان،.


1) نهج البلاغة : خ / 28 : 65،64.

2) ينظر : معارج نهج البلاغة : 301، والديباج الوضي : 1/ 361.

3) ينظر : لسان العرب (ضمر) : 491/4.

4) نفسه.

5) ينظر : لسان العرب (ضمر) : 491/4.

6) نهج البلاغة : خ / 28 : 64.

7) شرح نهج البلاغة (البحراني) : 257/2.

8) ينظر : تاج العروس (ضمر) :12 /403.

وهذا من المحال كما يذكر الشُّرَّاح (1). وقد أشير الى أنّ هذا المشكل يمكن أن يُحلّ إذا كانت دلالة الزمان في مفردة (المضمار) دلالة جزئية مشتملة على حدث، فكأنما الزمان فيه مرتفق بالحَدَتْ. وهو فِعل التضمير والاعداد، وهذا يجوز الإخبار بالزمان عن الزمان (2). وأزيد على ذلك بأنّ لفظة المِضْمَار) في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا تتضمن الدلالة على الزمان فحسب، وإنما تشتمل أيضاً على معنى الغاية التي يُعدّ من أجلها (الفَرَس)، أو (الانسان) الى السِّباق، وهي (الفوز)، وقد أشار اللغويون الى هذه الدلالة في المفردة مع اشتمالها على (الوقت) (3). وأمّا إذا فَهِمْنَا من مفردة (مِضْمَار) الدلالة على إهزال الخَيْل، واشتداد لحومها، لتقويتها على السِّباق، فكأنها تُضمرُ السُّرعة والخفّة في العدو. فذلك الأمر أبعد من الدلالة على الزمان في المفردة، وأقرب الى الدلالة على الخفّة والاسراع في الجري، وبهذا يصح الاخبار عن (المِضْمَار) بـ (اليَوم).

وقد استعمل الإمام لفظة (مضامير) بصيغة الجمع على (مَفَاعِيْل) في قوله الذي يتحدث فيه عن مواضع اختبار الرّجال، وإمكانتهم في الإدارة والحكم، إذ يقول : ((الوِلايَاتُ مَصَامِيْرُ الرِّجَالِ)) (4). أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) (بالولايات) الخُطط والإمارات، وهي مأخوذة من التّولّي (5)، وهي أيضاً السلطان (6).

وقد جعل الإمام هذه (الولايات) وما تشتمل عليه من الإمرة، والسلطان على النّاس بمنزلة (مَصَامِير) الخَيْل التي تُعَدّ في الأفْراس للفوز في السباق. فاستعار (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (مَضامير) للولايات بوصفها مظان امتحان الولاة وظهور جودتهم في الإدارة أو ضَعْفِهم، وتَسَلّطهم على الرعيّة، مثلما يعرف الفرس في المضمار (7). وقد استعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (مضمار) للدلالة على موضع الاعداد والاختبار للناس والإسلام، وذلك في (خ / 83 (2)، 106، 156). في حين أنه استعملها للدلالة على مدة عمر الانسان، وذلك في (خ / 241).

الحَلْبَة
إشارة:

الحَلْبَة خَيْل تجتمع للسباق من كل أوب، ولا تحرج من موضع واحد، ولكن من كلِّ حي (8). وقيل : بل هي الدّفْعَة من الخَيْل فى الرّهان خاصة (9).

وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (الحَلْبَة) ثلاث مرات في نهج البلاغة ؛ منها واحدة مضافة الى ضمير الغائب. في حين استعملت لفظتا (حَلَبات) بصيغة الجمع المؤنث السالم، ومفردة (حَلَائِب) جمعاً بصيغة الجمع على (فَعَائِل) مرة واحدة (10). وذلك للدلالة على مواضع اجتماع الخَيْل للتنافس. وقد أزاح


1) شرح نهج البلاغة (البحراني) : 257/2.

2) نفسه.

3) ينظر : لسان العرب (ضمر) : 492/4، وتاج العروس (ضمر) :403/12.

4) نهج البلاغة : قصا / 441 : 690.

5) ينظر : المحكم (ولي) : 10 / 458.

6) ينظر : لسان العرب (ولي) : 407/15.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 30/4، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 504/5، والديباج الوضي : 3054/6.

8) ينظر : العين (حلب) : 3 / 238، وتهذيب اللغة (حلب) : 5/ 55، والمحكم (حلب) : 3/ 355.

9) نفسها.

10) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 121.

الإمام هذه الدلالة، مستعملاً المفردات المتقدمة في دلالات اخرى أخذاً منها دلالتها على الاجتماع ويمكن بيان ذلك فيما يأتى :

أولاً : الدلالة على الاجتماع للمنافسة في الفوز بالجنة

وقد استعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهذه الدلالة مفردة (حَلْبَة)، في سياق كلامه عن الإسلام في مقام المدح والثناء على اللّه تبارك وتعالى الذي شرع الإسلام للناس، إذ يقول : ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَعَ الإِسلام، فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ، وَأَعَزَّ أَرْكَانَهُ عَلَى مَنْ غَالَبَهُ... فَهُوَ أَبْلَجُ (1)المَنَاهِجِ وَأوضح... كَرِيمُ المِضْمَارِ، رَفِيعُ الْغَايَةِ جَامِعُ الحَلْبَةِ، مُتَنَافِسُ السُّبْقَةِ، شَرِيفُ الفُرْسَانِ التَّصْدِيقُ مِنْهَاجُهُ، وَالصَّالِحَاتُ مَنَارُهُ، وَالْمَوْتُ غَايَتُهُ وَالدُّنْيَا مِضْمَارُهُ، وَالْقِيَامَةُ حَلْبَتُهُ، وَالجَنَّةُ سُبْقَتُهُ)) (2). والنص - كما تقدم - في مدح دين الإسلام، وحُسن مبادئه وسعة أركانه وشموليته لجميع جوانب الحياة، وقد عبر الإمام عن ذلك بمفردة (أَبْلَجُ المَنَاهِج)، إشارة الى المعاني المتقدمة ويمكن أن تكون مفردة (أبْلَج) دالة على أركان الإسلام وأصوله التي يسمّى بها الانسان مسلماً ومنها الإقرار والتسليم باللّه تعالى والتصديق بشريعته (3). وقد صوّر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهيئة المَوْضع الذي يُضْمَرُ فيه ويُسْتَعَدّ للسباق وغيره، بخَيْل السباق الكريمة المضمارة (4)، فاستعار له مفردات (المِضْمَار)، و (الحَلْبَة)، و (السُّبْقَة)، و (الفُرْسَان) وهي مفردات تدل على التأهب والإعداد للمنافسة. و (المضمار) هو الموضع الذي تُضَمّر فيه الخيل لغرض السباق، وقد أشار بها (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى زمان الاعداد والتهيئة، وهي الحياة الدنيا التي جعلها (المِضْمَار) الذي يعد فيها الإنسان نفسه للآخرة، بالتقوى والعمل الصالح، وأما مفردة (الحَلْبَة)، فقد استعارها للاجتماع واللقاء في المنافسة. ناقلاً إياها من دلالتها على جماعة الخيل التي تجتمع للسَّبْق الى دلالة أخرى جديدة، هي اجتماع الناس في موقف القيامة الذي جعله (حَلْبَة الإسلام) ؛ لكونه محل الاجتماع الى حضرة اللّه تبارك وتعالى (5). وأما مفردة (السُّبْقَة)، فقد جعلها غاية الاجتماع ونتيجته، وهي الفوز بالجَنّة. وذلك أنه استعمل المفردات المتقدمة بحسب أسبقية كل واحدة منهما، جاعلاً كل واحدة منهما نتيجة للأخرى، فإنّ الذي يريد الفوز والسُّبْقَة في (الحَلْبَة)، فعليه أنْ يَجِدٌ ويجتهد في إعداد خَيْلِهِ وتَضْمِيْرها وكذلك من يريد (الجَنَّة) ويرغب اليها، فعليه أنْ يروّض نفسه وَيُرَبِّيها على الطاعة اللّه والتقوى له، ومن ثَمّ يَدْخل في حَلْبَة المنافسة من أجل الفوز بالجَنَّةِ. وكلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يُفسر بعضه بعضاً - كما يقال -، فإنه لما قال. إن الإسلام كَرِيمُ الْمِصْمَارِ جَامِعُ الحَلْبَةِ، مُتَنَافِسُ السُّبْقَةِ...)) (6). أبان عن دلالة هذه المفردات بقوله : ((... الدُّنْيَا مِضْمَارُهُ، وَالقِيَامَةُ حَلْبَتُهُ، وَالجَنَّةُ سُبْقَتُهُ)) (7). فالدنيا هي مكان الاستعداد


1) الابلج في اللغة الحسن الواسع الوجه. ينظر : لسان العرب (بلج) : 2/ 215.

2) نهج البلاغة : خ / 10 / 192، 193.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 3/ 505.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 1367.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 3/ 505.

6) نهج البلاغة : خ / 106 / 192، 193.

7) نفسه.

وزمانه، والقيامة هي الحَلْبَة التي يُسارع إليها لإنسان، والجَنّة هي الفوز الذي يناله الخائضون في هذه الحَلْبَات.

وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (حَلْبَات) بجمع التصحيح، للدلالة على (الدنيا) التي كأن الموتى يتفاخرون فيها، وقبل مماتهم، وقد أسماها (عَلَيهِ السَّلَامُ) ((حَلْبَات الفَخْر))، بوصفها المجتمع الذي يعيش الناس فيه، ويتنافس، فمنهم من يشمخ ويعلوه الكبر، ومنهم مَنْ يتخذ التواضع وطاعة اللّه تبارك وتعالى سبيلاً له. وقد جاءت هذه الدلالة في (خ / 221).

ثانياً : الدلالة على جماعة الخيل المجتمعة للحرب

وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يحثّ فيه على قتال العَدُوّ إذ يقول : ((إِنَّهُمْ لَنْ يَزُولُوا عَنْ مَوَاقِفِهِمْ دُونَ طَعْن دِرَاكِ وَحَتَّى يُرْمَوْا بِالْمَنَاسِرِ (1)تَتْبَعُهَا الْمَنَاسِرُ وَيُرْجَمُوا تتبعها المناسر، ويُرْجَمُوا بِالكَتَائِبِ (2)، تَقْفُوهَا الحَلَائِبُ))(3). والنص يُبَيِّنُ أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مؤمن بعدم تراجع الطّرف الآخر عن موقفه إلّا بالقتال المتتابع المستمر، فذلك هو الذي يفت جماعتهم، وعَضُدهم. ولأجل تحقيق النصر على هؤلاء سعى (عَلَيهِ السَّلَامُ) - فى خطابه لأصحابه - إلى استعمال المفردات الدالة على القوة والاجتماع، من قبيل مفردة (مِنْسَر)، و (كتائب)، و (حَلائب)، وهي ألفاظ موحية بالشدّة وقُوّة العزيمة في القتال، وقد أشار بلفظة (الكتائب) الى القطع العظيمة من الجيش (4)التي اجتمعت اصولها بعضها الى البعض الآخر حتى بَدَت عظمتها. ولما أراد التعبير عن معنى الاجتماع وعدم الانفراد والقلّة في أصحابه، ذكر أن هذه الكتائب ((تقْفُوهَا الْحَلَائِبُ))، أي تتلوها (الحَلَائِب) من الخَيْل التي تجتمع من كل أوبِ للسِّباق كما يذكر المعجميون (5). غير أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أزاح هذه الدلالة وأستبدلها بدلالة أخرى هي الاجتماع والاستعداد للحرب. فكأن الحلائب جماعة الجيش التي قدمت من كل صَوْبٍ للإغاثة والنُّصْرَة في الحرب وغيرها. واختصت - ههنا - بالحرب. والعرب تسمي القوم القادمين من كل وجه للحرب وغيرها بـ (الأَحْلَاب) (6). يريدون أنهم جاؤوا للإغاثةِ والنُّصْرَةِ. فكأنما (الحَلَائِب) في نص الإمام مفردة تدل على (الكتائب) التي تتقدم لقتال الأعداء، المُغَاثة بالأنصار الذين يؤازرونهم ويدعمونهم في هُجُومهم. ويلحظ أنّه قد وسّع من دلالة مفردة (حَلَائب)، فجعلها دالة على المعونة والنُّصْرَة بعدما كانت تدل أصلا على الخَيْل المجتمعة للسباق.

وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردات (الحَلْبَة)، و (حلبته)، و (حلبات) للدلالة على مواضع الاعداد والفخر في (خ / 104، 106، 221، قصا / 455)

8- أصوات الخيل

حَمْحَمَةٌ


1) المنسر - بكسر الميم - قطعة من الجيش تَمُرُّ قدام الجيش الكبير. ينظر : لسان العرب (نسر) : 5 / 205.

2) الكتائب جمع كتيبة، وهي القطعة العظيمة من الجيش. ينظر : لسان العرب (كتب) : 701/1.

3) نهج البلاغة: خ / 124 : 229.

4) ينظر : لسان العرب (كتب) : 701/1.

5) ينظر : العين (حلب) : 238/3 وتهذيب اللغة (حلب) : 55/5 .

6) ينظر : العين (حلب) : 13 / 238، وتهذيب اللغة (حلب) : 5/ 55.

الحَمْحَمَةُ صَوْت البرْذَوْن (1). وهو دون الصوت العالي (2). وهو للفَرَس دون الصَّهيل (3). وقيل : الحَمْحَمَةُ عزَّ الفَرَسِ حين يقصر في الصَّهِيْل، فَيَسْتَعين بنفسه (4). وأكثر ما تكون هذه الحَمْحَمَة فِي الخَيْل عند طلب العَلَف أو الشَّعير كما يذكر اللغويون، فكأنها حكاية صَوْته إذا طلب العَلَف (5).

ووردت لفظة (حَمْحَمَة) مرة واحدة في نهج البلاغة (6)، للدلالة على صوت الخَيْل. وذلك في سياق حديثه عن مَلْحَمة صاحب الزّنج بالبصرة التي يومىء إليها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله (7): ((كَأَنِّي بِهِ وَقَدْ سَارَ بِالْجَيْشِ الَّذِي لَا يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ وَلَا لَجَبْ (8)وَلَا قَعْقَعَةُ (9)لْجُم (10)وَلَا حَمْحَمَةُ خَيْل...)) (11). يريد (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أن انطلاق جيش صاحب الزّنج الى البصرة سيكون خالياً من (الخَيْل) التي تتخذ سبيلاً للإغارة ؛ لأن الزّنج لم يكونوا أصْحَاب خَيْل (12)، ولهذا كنّى عن ذلك بنفي وجود (قَعْقَعَةُ اللُّجُم)، و (حَمْحَمَةُ الخَيْل)، وهو نفي للأصوات التي تصحب حركة الجيش الذي يشتمل على (الخَيّالة)، و (الرَّجّالة). فكأن عدم (الحَمْحمة)، إشارة الى افتقار الجيش الى الخَيْل مناسبة لحالهم في عدم الاعتياد عليها. و (الحَمْحَمَةُ) من لوازم الخَيْل، فهي أصواتها التي تصدرها عند جوعها وحاجتها الى الأعلاف والشعير. وتَسْمَع حَمْحَمَةُ الخَيْلُ أَيضاً عند رؤيتها مَنْ تألفه من النّاس كأصحابها الذين تَسْتَأنِس بهم.(13). فلما كان هؤلاء الزّنج ممن لا عَهْدَ لهم بالخَيْل ولا اعتياد عليها، فناسب ذلك عدم وجود صوت لها في جيشهم، فضلاً عن عدم قعقعة اللجم. وقد أشار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى أنّ جيش الزّنج هذا يثير الغبار بأقدامه بدلاً من حوافر الخَيْل. دلالة على كونهم رَجَّالَة مَشَاةَ، وَلَيْسُوا خيّالة.

9 - صغار الخيل

الفلو

الفِلْوُ الجَحْشُ والمُهْر، إذا فُطِمَ (14)، وهو مأخوذ من الاقتلاء. أي الفَطْم (15).

واستعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (الفلو) مرة واحدة في كلامه الوارد في نهج البلاغة.(16)للدلالة على المُهرِ الصَّغِير الذي يَرْبو ويَكْبُر مع شدة العناية به. وذلك في مقام مدحه (الأنصار) الذين وصفهم بأنهم : ((رَبَّوُا الإسلام كَمَا


1) البرذون الدابة من الخيل التي تكون من غير نتاج الخيل العراب. ينظر : لسان العرب (برذن) : 13 / 1.

2) ينظر : العين (حمم) : 3/ 35، وتهذيب اللغة (حمم) : 4 / 15.

3) ينظر : تهذيب اللغة (حمم) : 4/ 10، والنهاية في غريب الحديث : 1/ 436.

4) ينظر : المحكم (حمم) : 2/ 557.

5) ينظر : تهذيب اللغة (حمم) : 4 / 15، ومقاييس اللغة (حمم) : 2/ 24، والمحكم (حمم) : 557/2.

6) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 123.

7) أشار الى هذا الوجه السيد الشريف الرضي. ينظر : نهج البلاغة : خ / 128 : 234.

8) اللجب الجلبة والصياح. ينظر : لسان العرب (لجب) : 735/1.

9) القعقعة صوت الشيء عند التحريك. ينظر : لسان العرب (قعع) : 286/8.

10) اللجم جمع لجام، وهو ما تلجم به الدابة. ينظر : لسان العرب (لجم) :534/12.

11) نهج البلاغة : خ / 128 : 234.

12) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 566/3.

13) ينظر : تهذيب اللغة (حمم) : 4 / 15.

14) ينظر : العين (فلو) : 333/8، وتهذيب اللغة (فلو) : 268/15، و لسان العرب (فلو) : 162/15.

15) ينظر : العين (فلو) : 333/8، ولسان العرب (فلو) : 162/15، و تاج العروس (فلو) : 250/39.

16) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 356.

يُرَبَّى الفِلْوُ مَعَ غَنَائِهِمْ (1)...)) (2). شَبّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) نُمُو الإسلام واتساع شأنه، بتربية (المُهْر) الذي ينمو صغيراً حتى يكبر ويُفْطم عن الارضاع. وسمّي المهر (فلوا) - بكسر الفاء أو بفتحها مع تشديد الواو -(3). باعتبار ما سيكون من القطم، وذلك إذا بلغ السَّنَة من عمره (4).

ولعله أراد بهذا التشبيه الإشارة الى بلوغ الإسلام أشُدَّه، وقَطْعِه شَوْطاً من الثبات والقرار في مكّة. مثلما

يَبْلَغَ المُهر أشُدّه عند تربيته والعناية به. ووجه الشبه من ذلك هو شِدّة عناية الانصار بالإسلام وحسن رعايتهم له، يُعْنَى الناس بتربية المُهْر الصغير (5).


1) الغناء - بفتح العين والمد - ارتفاع الحاجات. ينظر : تاج العروس (غني) : 188/39.

2) نهج البلاغة : قصا / 693/465.

3) ينظر : تاج العروس (غني) : 188/39.

4) نفسه.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2/ 377.

المبحث الثالث: ألفاظ الأتان والحمر

الحمار

الحِمار العير الأهْلِي، والوَحْشِى (1)، وهو النَّهَاق من الدواب ذات الأَرْبَع كما يقول ابن منظور (2). وجاءت لفظة (الحِمار) مفردة، ومجموعة على (حُمُر) بوزن (فعل) مرة واحدة في نهج البلاغة (3)، للدلالة على الدَّابّة المعروفة المستخدمة في التَّنَقُلِ ومن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وَصْفِ زُهْدِ النبي الاكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم): وَلَقَدْ كَانَ (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ وَيَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ وَيَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ وَيَرْكَبُ الحِمَارَ العَارِي...)) (4)والمقصود بـ (الحِمَارَ العَارِي) أنّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) كان يستعمل في ركوبه الحِمار الذي لا غِطَاءَ عليه من الأغطية التي توضع على ظهر الدواب إتقاء لشدَّة ظهرها، وقساوته. فكأنّ النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) لتواضعه وزهده ماكان يستعمل في تنقله من الدواب الاهذا الضَّرْب من الدواب، على حين كان غيره يمتلك الخَيْلَ والبِغَالَ التي توضع على ظهرها أغلى الأغطية والسروج.

وقد استعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (حُمُر) جمع (حَمِار) أيضاً، وذلك في قوله الذي يتحدث فيه عن الفِتَنِ وما تصنعه بالنّاس : ((مَنْ أَشْرَفَ لَهَا قَصَمَتْهُ، وَمَنْ سَعَى فِيهَا حَطَمَتْهُ. يَتَكَادَمُونَ (5)فِيهَا تَكَادُمَ الْحُمُرِ فِي الْعَانَةِ (6)...)) (7). يُحَذِّر الإمام من الفِتَن التي لا تُبقي ولا تذر، فمن حاول الإشراف لها، والنظر الى دُنّوها قَصَمَتْهُ، وكسرتهريال ذلك سعى فيها وكان أحد أركانها وأعمدتها، حَطَمَتْهُ في نارها. ويُشبّه صراع الفِتَن مع النَّاس بتكَادُمِ الحُمُر الوحشية فيما بينها عند اجتماعها والتَّكَادُمِ عض الحَمِير بعضها بعضاً. وحمار كَدُوم، أي عضُوض (8). فكأن اضطراب الناس واختلافهم بسبب الفِتَن، كاضطراب الحُمُر الوحشية في قطيعها وجماعتها ، يعض بعضها البعض الآخر. وقد استعار (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (التكادم) بدلالتها المتقدمة، وألبستها دلالة أخرى هي الدلالة على الشغب والمغالبة وإثارة الفتنة (9)، وهذا الوجه من التصوير يعزز الشَّبه بين الناس و(الحُمُر) المتصارعة فيما بينها، كأن هؤلاء الناس وبسبب من الفتن، لا يَأْلف بعضهم بعضاً، ولا يأنسون الى غيرهم، فصاروا حُمُراً وحشيّة، لا تكاد تتألف فيما بينها، فضلاً عن عدم أُلْفَتِها مع غيرها.


1) ينظر : العين (حمر) : 227/3، وتهذيب اللغة (حمر) : 36/5.

2) ينظر : لسان العرب (حرن) : 212/4.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 125.

4) نهج البلاغة :خ / 160 : 284.

5) التكادم العض، وتكادم الفرسان، إذا تعاضضا. ينظر : لسان العرب (كدم) : 509/12.

6) العانة قطيع حمر الوحش. ينظر : المحكم (عون) : 2 / 369.

7) نهج البلاغة :خ / 151 : 264.

8) ينظر : لسان العرب (كدم) : 509/12.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 3/ 618.

وقد أعان هذا المعنى مفردة (حُمُر)، وهي جمع على زِنَة (فعل) للدلالة على الحُمُر الوحْشِيّة، وقد وردت هذه المفردة في القرآن الكريم، وذلك في قوله تعالى : (1). والمراد بـ (الحُمُر) الحمير الوحشية غير الأهلية (2). في حين أنّ القرآن الكريم إذا أراد التعبير عن الحُمُر الأهلية، استعمل لفظة (حَمِيْر) على زِنَة (فَعِيل)، للدلالة على الحمير الأهلية المألوفة في قوله تعالى : ((... أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)) (3).

Lوقد نهج الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) نهج القرآن الكريم، مستعملاً المفردة المتقدمة لتشبيه حال الناس أيّام الفِتَن بالحُمُر الوحشية كأنهم يُشْبِهونها في عِضاضها ونفارها وفي ذلك ذم لهم واستهانة بحالهم، وشهادة عليهم بقلّة العَقْل الذي لم ينتفعوا به في الخلاص من هذه الفتن.

أتان

الأَتَان العانة (4)، وهي الحِمارة الأُنثى (5).

وقد وردت لفظة (أتان) مرة واحدة في نهج البلاغة (6)، للدلالة على أنثى الحِمار التي قَلَّ أكلها. وذلك في سياق كلامه عن زهده وتقواه، ورغبته عن الدنيا. إذ يقول : ((فَوَاللّه مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً، وَلَا ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً (7)، وَلَا أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً، وَلَا حُزْتُ مِنْ أَرْضِهَا شِبْراً، وَلَا أُخَذْتُ مِنْهُ إِلَّا كَقُوتِ أَتَانِ دَبِرَةٍ..)) (8). والمقام الذي يتحدث فيه أمير المؤمنين مقام زُهْدٍ يبين فيه زهده عن هذه الدنيا، وما فيها من ذهب، وغنائم، ولباس، وضياع، وكل هذا تنزه عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وجانبه إلّا ما أخذه من قوته الذي يقيم به نفسه، وهو (كَقُوتِ أَتَانٍ دَبِرَةٍ)، وإنما شبهه الإمام بقُوتِ الأَتَان الدَّبِرَة، لأن الأَتَان الدَّبِرَةِ هي التي تقرّح ظَهْرُها. والدَّبَرة قَرْحة تصيب الابل والدواب (9). وهذا القزح يصيب ظهر الدواب بسبب من كثرة الاحمال عليها، فيؤدي ذلك الى عَقْرها عادة.(10). ولهذا قلَّ أكل الدَّابة عند ذاك ويصيبُها الهزال. ولهذا شبه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما حازه من قُوْت بما تأكله الأتان المَدْبُورة التي تقرّح ظهرها. ويحتمل أن يريد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذكر قوت الأتان الدَّبِرَة، الإشارة الى حقارة الزَّاد الذي أخذه منها فضلاً عن قِلْتِه، وذلك على سَبِيل تشبيه زاده بزاد الأتان المَدْبُورة التي شُغِلَتْ بِأَلْمِهَا، وأوجاعها فَقَلَّ زادها (11). فكأنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أراد التعبير عن ألمه وخوفه من اللّه تبارك وتعالى وخشيته منه لو شغل نفسه بالدنيا وما فيها من مَلَذَّاتٍ متعلقة الأكل والشرب، فليست هذهِ الغاية التي خُلِقَ من أجلها الإنسان،


1) المدثر / 50.

2) ينظر : الكشاف : 657/4، والتفسير الكبير : 186/3، و معاني الابنية : 132.

3) لقمان / 19.

4) ينظر : العين (أتن) : 8 / 137.

5) ينظر : تهذيب اللغة (أتن) : 23214، والمحكم (أتن) : 512/9، ولسان العرب (أتن) : 13 / 6.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 244.

7) الوفر المال. ينظر : لسان العرب (وفر) : 5 / 287.

8) نهج البلاغة : ك / 45 : 530.

9) ينظر : المحكم (دبر) : 9 / 314، والقاموس المحيط (دبر) : 1 / 499.

10) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 161/16.

11) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 313/5.

حسبما يرى أمير المؤمنين، وإنما الغاية هي الطاعة والإخلاص لله تعالى، وإنما الأكل والشرب وما يتعلق بهما وسيلة لإقامة الجسم وإكسابه القوة للعبادة والزهادة والطاعة.

أقول : وفي الكلمة إيماء منه الى الناس أن اتخذوا هذا النهج، لِتُخْلصوا أنفسكم اللّه تبارك وتعالى العانة.

العَانَةُ القَطِيع من حُمُرِ الوَحْش (1). والعانة الأتان (2). ولفظة (العانة) من ألفاظ نهج البلاغة، إذ وردت فيه مرة واحدة.(3)للدلالة على جماعة حُمُر الوحش، وذلك على سبيل تشبيه حال الناس في الفِتَن بقطيع من الحُمُر الوحشية التي يعض بعضها البَعْض الآخر. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق ذلك : ((مَنْ أَشْرَفَ لَهَا قَصَمَتْهُ وَمَنْ سَعَى فِيهَا حَطَمَتْهُ، يَتَكَادَمُونَ فِيهَا تَكَادُمَ الْحُمُرِ فِي الْعَانَةِ ..)) (4).فكأن حال هؤلاء الذين يذكرهم الإمام أشبه بحال حُمُر الوحش التي ينفر بعضها من البعض الآخر، حتى أنها تعض بعضها بعضاً في إشارة الى عداوتها وعدم تألفها فيما بينها، فضلاً عن عدم ألفتها لغيرها.


1) ينظر : العين (عون) : 254/2، وتهذيب اللغة (عون) : 129/3، والمحكم (عون) : 369/2.

2) ينظر : المحكم (عون) : 369/2.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 329.

4) نهج البلاغة :خ / 151 : 264.

المبحث الرابع: ألفاظ السفن ومتعلقاتها

سفينة

إشارة:

السَّفِيْنَة الفُلْك (1)وسُمّيت بذلك ؛ لأنها تسفن وجه الماء، وتُقْشره (2). وأصل السَّفْن نحت ظاهر الشيء ومنه سَفن الجِلْدِ والعُود (3). وقيل : إنما سميت السَّفينة سفينة ؛ لأنها تَسْفُن على وجه الأرض. وتَلْتَصق به وتلزق (4). وقد استعملت لفظة (سَفينة) مرتين في نهج البلاغة، في حين وردت لفظة (سُفُن)، بالجمع على وزن (فعل) مرة واحدة فيه (5)؛ للدلالة على السفن المعروفة التي يُقطع بها البحر، وتكون وسيلة من وسائل نقل الإنسان وطريقة من طرائق ركوب البحار. ولكن الإمام وظف هذه الواسطة بالمفردة المتقدمة ؛ لإظهار دلالتين وهما :

الأولى : تشبيه الدنيا بالسَّفِينَة عندما تَقْصِفها العواصف في البحار.

فَتْرَاه يقول مُحذِّراً من الدُّنْيَا والرُّكون إليها : ((أُوصِيكُمْ، عِبَادَ اللّه بِتَقْوَى اللّه، وَأُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا سَاكِنُهَا ظَاعِن (6)، وَقَاطِنُهَا بَائِنٌ (7)، تَمِيد (8)بِأَهْلِهَا مَيَدَانَ السَّفِينَةِ تَقْصِفُهَا الْعَوَاصِفُ فِي لُجَجِ الْبِحَارِ)) (9)فكأنما السَّفينة - هنا - بمنزلة الدُّنيا التي تميد بأهلها، وهم أصحابها الذين رغبوا فيها وركبوها متخذينها مقراً لهم، فما زالوا كذلك حَتّى اضطربت مقصوفة بالعواصف التي صيَّرت ركابها على غير الحال الذي كانوا فيه من الدَّعَة والاحتفال بما عندهم من ملذات كما كانوا يحسبون. ويبدو أن إيثاره لفظة (السَّفينة) في السياق على غيرها من الألفاظ الدالة على هذهِ الواسطة من وسائط النَّقل مثل مفردة (فُلْك)، يعود – فيما أحسب - الى أنّه أراد الإبانة عن معنى عدم استطاعة هذه الواسطة الصمود بوجه الريح القواصف التي تُدَمَّر كل شيء مرَّت به، فلا تثبت إزاءها حتى ما يسفن منها في الأرْض أو يلتزق من سفن، عند انحسار الموج، وهي بهذا الوجه، تشابه الدنيا التي لاتدوم مهما التزق بها صاحبها وتشبَّتْ ؛ فإنها تدوم على حال، ولا يصفو لها كدرها.

الثانية : توظيف لفظة (سفن) للدلالة على وسيلة الخلاص من الفتن

واستعمل الإمام لهذه الدلالة مفردة (سُفُن) بصيغة الجمع على (فعل) في سياق النّهي عن الفتنة وضرورة تَجَنُّبها : ((أَهَيَّهَا النَّاسُ سُقُوا أَمْوَاجَ الفِتَنِ بِسُفْنِ النَّجَاةِ، وَعَرّجُوا عَنْ طَرِيقِ المُنَافَرَةِ...)(10).


1) ينظر : المحكم (سفن) : 523/8.

2) نفسه.

3) ينظر : تاج العروس (سفن) : 35 / 192.

4) نفسه.

5) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 216.

6) الظَّاعِنُ السَّائِرُ. ينظر : لسان العرب (ظعن) : 13 / 270.

7) البائن المبتعد، وهو من ما كان مبتعداً عن وتره. ينظر : لسان العرب (بَين) : 13 / 69.

8) ماد الشيء زاغ وتحرّك، ومادت السفينة اضطربت بسبب من هياج من الامواج. ينظر : لسان العرب (ميد) : 13 / 412.

9) نهج البلاغة : خ/ 196 : 391.

10) نفسه : خ / 5 : 35.

جعل الإمام الفتن كأمواج البحر المتلاطم الذي لا يهدأ له قرار، ثُم يذكر سبيل الخلاص من هذه الفتن، فاستعار لها لفظ (الأمواج) (1)؛ بلحاظ الشبه بين حركة الفتنة وقيامها كما تقوم الموجة المتلاطمة في البحر، ومن ثَمّ جاء باستعارة أخرى ؛ لبيان الطريقة التي تكون خلاصاً من هذه الموجة، وهي (سُفُن النجاة)، فكما تكون السفينة سبباً للخلاص من اضطراب البحر وأمواجه المتلاحقة، فكذلك التمسك بـ(سُفُن النجاة) وركوبها فإنها كالسُّفن أسباب الخلاص من الفتن، كالسفن التي تتخذ وسيلة للنجاة في البحر البحر (2).

أقول : لما أراد الإمام التعبير عن وسائل النجاة من الفتن وأسبابها، فقد استعمل لفظ (السُّفُن) بصيغة الجمع إيماءً - فيما يبدو الى تعدد هذه الطرائق المُنجية من ترادف الفتن على الناس، ولاشك أن عماد هذه السفن وصفوتها، هم أهل البيت (عليهم السلام) الذين يُعدون السَّبيل الأوحد للنجاة، ومن خلال الاستعانة بالمأثور النّبوي يبين لنا أنّ الأئمة هم (سفن النجاة) التي أشار إليها الإمام ذلك، فقد ورد عن النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) أنه قال : ((مَثَلُ أهلِ بَيْتِي مَثَلُ سَفِينَةٍ نُوحٍ، مَنْ رَكِبَهَا نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ)) (3). وبهذا يثبت أنّ (سُفُن النجاة في كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هم أهل البيت (عليهم السلام)، وفي طليعتهم أمير المؤمنين نفسه، فكأنما يريد أن يقول لهم فى ذلك الموقف التزموا كلامي، واسترشدوا بنصحي لكم، وسبروا على نهجي الذي هو نهج الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم).

جُوجُوْ

الجُؤجؤ عِظَام الصَّدر (4). والجَاجئ مجتمع رؤوس عظام الصدر (5).

وقد وردت لفظة (جؤجؤ) مرة واحدة في نهج البلاغة (6)، للدلالة على صدر السفينة، وذلك في سياق ذمّ أهل البصرة بعد وقعة الجمل. يقول أمير المؤمنين: ((كُنْتُمْ جُنْدَ الْمَرْأَةِ (7)وَأَتْبَاعَ الْبَهِيمَةِ (8)... كَأَنِّي بِمَسْجِدِكُمْ كَجُوجُوْ سَفِينَةٍ قَدْ بَعَثَ اللّه عَلَيْهَا الْعَذَابَ مِنْ فَوْقِهَا وَمِنْ تَحْتِهَا...)) (9). والسّياق الذي تكلم به الإمام سياق ذمّ وتقريع لأهل البصرة الذين كانوا جُنْداً (للمرأة)، وهي السَّيدة (عائشة أم المؤمنين)، واتباعاً للجمل الذي اتخذته أم المؤمنين دابَّةً لها، فكان هؤلاء يتبعونه وينقادون له، بوصفه دليلاً لهم. فعرض بهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؛ لأنهم غُلبوا بطاعتهم (المرأة) واتباعهم للجَمَل، في حين أنّ العكس هو أن تتبع المرأة الرجال في مواقفهم التي تتخذ من عقل راجح، كما أنه من غير المعقول أن يكون الإنسان مقاداً من البهائم لا قائد لها وهنا وجه التهكم والاستغراب من مواقف هؤلاء القوم الذين يُومئ الإمام اليهم بهذا الخطاب. فإنما حسن توبيخ


1) وقد عدّ ابن ابي الحديد هذه الاستعارة التي صنعها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أحسن الاستعارات ؛ لأنها تضمنت المناسبة بين المستعار والمستعار منه. ينظر : شرح نهج البلاغة: 206/1.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 1/ 206. و شرح نهج البلاغة (البحراني) : 1/ 189 والديباج الوضي : 237/1.

3) المستدرك على الصحيحين : 373/2: وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 1/ 208.

4) ينظر : لسان العرب (جأجأ) : 42/1، وتاج العروس (جاجأ) : 165/1.

5) النهاية في غريب الحديث : 232/1، ولسان العرب (جاجأ) : 42/1.

6) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 79.

7) يريد بها السيدة عائشة أم المؤمنين التي تزعمت حرب الجمل.

8) البهيمة كل ذات أربع قوائم من دواب البر. ينظر : لسان العرب (بهم) : 1 / 56 والمراد هنا الجمل.

9) نهج البلاغة : خ / 13 : 41.

هؤلاء بكونهم جنداً للمرأة وأعواناً لها ؛ لما كان من ذمامة أقوال النساء بين العرب وضعف آرائِهِنَّ (1). أما تشبيه مسجدهم بـ (جؤجُو السَّفينة)، فهو تشبيه بصدر السفينة ومقدمها الذي تلتطم به أمواج البحر عندما يرتفع عليها الماء حال غرقها، فلايَبْقَى منها حينذاك جزء بارز ظاهر الاجؤجؤها، وهو مقدمها وصدرها. ويَعْضد هذا، الرواية الأخرى التي تروى لهذا النَّص التي ذكرها المصنفون في غريب الحديث والشراح، وهي قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((وَايْمُ اللّه، لَتَغْرَقَنَّ بَلْدَتُكُمْ، حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَسْجِدِهَا كَجُوجُوْ سَفِينَةٍ، أَوْ نَعَامَةٍ جَاثِمَةٍ)) (2). : وفي رواية أخرى ((كَجُوجُؤِ طَيْرٍ فِي لُجَّةِ بَحْرٍ)) (3). وقد أشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذكر صدر السفينة أو صدر الطائر إلى انمحاء أثر المدينة، فلا أثر فيها أو طلل إلا صدرها، وهو ههنا مسجدها الجامع (4).

أَقول : وقد أَلْمَحَ شُرَّاح النهج الى أنّ إخباره (عَلَيهِ السَّلَامُ) بغرق مدينة البصرة وبقاء مسجدها، أمر واقع أو سيقع مستقبلاً (5)، وذكر بعضهم أنها غرقت مرتين وأن أخبار ذلك معروفة عند أهل البصرة أنفسهم (6).


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 198/1.

2) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 1 / 232، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 6 / 340، ولسان العرب (جأجأ) : 42/1، ونهج البلاغة : خ / 13 : 41.

3) نهج البلاغة : خ / 13 : 41.

4) ينظر : الديباج الوضي : 263/1، 264.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 1/ 236. و شرح نهج البلاغة (البحراني) : 1/ 200 والديباج الوضي : 264/1.

6) أنفسها.

الظواهر اللغوية

• استعمل الإمام بناء (فَعَل) الذي وردت عليه مفردات (دَبَر)، و(فَعِل) الذي وردت عليه كلمة (نَقِب)، و (فَاعِل) من أبنية اسم الفاعل من الثلاثي الصحيح الذي سيق على وزنه كلمة (الظَّالع)، و(اللأغب). وبناء (فَعَاليل) من أبنية جمع الكثرة الذي ورد على مثاله لفظ (حَدَابَير) الذي دلّ على وعثاء الزمن وصعوبة عيشه.و(مفعول) المأخوذ من الثلاثي الصحيح في مفردتي (مَهْلوسة، مَكْسُورة) المختوم بتاء التأنيث. في حين ورد بناء (فَعْلاء) دالاً على العلة والمرض والعيب الذي استعمل على وزنه كلمة (العشواء)

• استعمال بناء (فعل)، وهو من أبنية اسم الجمع لكلمة (إيل) ومفرده كلمة (جَمَل) أو (بَغير).

• ورد بناء (أفْعِلَة) من أبنية جمع القلة جمعاً لكلمة (زمام) التي جمعها الإمام علي (أزمة)، مثلما استعمل بناء (فِعَال)، وهو من أبنية المفرد المأخوذ من الثلاثي المجرد لكلمة (خِطَام)، وكذلك بناء (أفَعَال) الذي سيق على مثاله لفظ (أؤهاق) جمع (وهق).

• كما استعملت صيغة (اسْتَفْعَل) الذي يمثله الفعل (اسْتَوْسَقَتْ) المسند الى تاء التأنيث، وهو من الأفعال الثلاثية المزيدة بحرفين من أحرف الزيادة، للدلالة على الاجتماع وحسن المسير في القياد. في حين جرى استعمال بناء (تَفَعّل) الدال على التكثير والمبالغة في الفعل لكلمة (تَمّعكَت) المأخوذة من الفعل الثلاثي الصحيح (مَعَك) الذي يدل على تقلب الدواب وتمرّغها في التراب

• وجاء بناء (مفاعيل) الذي مثلته مفردة (المَطَافِيْل)، للدلالة على الإبل المُطْفِ ولَة التي معها أولادها، لبيان الكثرة والازدحام.

• استعمل الإمام بناء (فعل) جمعاً لمفردة (لجام) التي ساقها على (لجم)، فضلاً عن مفردة (الحُمُر) التي وردت جمعاً لكلمة (جمار)، و (سُفُن) جمعاً لـ(سفينة).

• وقوع الترادف الجزئي بين مفردات.

(دَبَر، اللأغب)، (الطَّالع، مكسورة) و (الجَرَب، الهلاس) و (الحانّة، الوُلّه) و (الناب، عود، والهرمة، حدابية)، (الإبل، الجمل البعير) و (زمام، خشاش، خطام، خزامة) و (اوهاق، مثاني) و (الفصيل، ابن اللبون، سقبا) و (جَرجَرة رَغا، هَيَاجُها)، (الحانَّة، الوُلَّه) و (جياد، عِتاق)، (خيل، فرساً)، (الحِمار، الحُمُرِ، الأتان، والعانة)

• وقوع علاقات جزء بالكل بين مفردات (السنام، كلكل، جران، غارب، وبر، شقشقة، آباط الإبل، أعجاز الإبل)، وكلها مفردات تمثل عضواً من أعضاء بدن البعير. في جاءت مفردة (الضّرع) كلاً، وجزؤه كلمة (أخلافها). فضلاً عن (الخُفَّ) وجزؤه (المناسم). وبين (علفها) وكلمة (حَسك السَّعْدَان)، وهو ضرب من النبات الذي تقتات عليه الإبل. و(لجام، وعِنان)، والعِنان جزء من اللجام، وكذلك (المِسْحَل) و(الحكمة) و (الشكيمة)، فالمِسْحَل فأس اللجام، وهما الحلقتان على طرفي الشكيمة، والحَكَمة عذارا الفرس الذين يمنعانه من الجري. و (الحافِر، وسنابك)، فالسنبك طرفي الحافر. و (حَدَابِير)، وهي الدابة التي أصابها الضعف وبين كلمتي (الهزال، و الدّبر). (البهائم والدابّة)، وهما من الفاظ عامة الدواب، ونوع منها هي (الإبل، الجمل، الناقة، البعير، العجماء). (القتب الأحلاس، الوَضين) وهي من لوازم القتب.

• وجود علاقات التقابل الدلالي أو اللفظي بين مفردات (أسْلَسَ) التي تدل على إرخاء زمام الناقة وعدم إشناقها، وكلمة (أشْنَق) التي تدل على شنق خطام الناقة الصعبة وعدم إرخائه، تمثيلاً لحال راكب الصعبة من النوق التي إن أشنق زمامها حزم أنفها وآذاها وإِنْ أُسلِس تقدّمت به أودية الهلاك، وتشبيها للدنيا بهذا الضرب من النوق مثلما استعملت كلمتي (الصعب) ضداً ومقابلاً لكلمة (الذُّلول) التي توحي بسهولة الدابة وعدم عسر قيادها. كما وقع التقابل الدلالي بين مفردتي (البكار) و مفردات (دَبَر، النَّضو) و (الظَّالع، الأجرب) و (حدابير، ذات عوار)، (العمدة، العشواء) و (اللاغب مهلوسة) وبين (رغا، هياجها، هدير) وبين (حَمْحَمة) وهي من الفاظ أصوات الخيل.

• وتبين من خلال البحث في هذا الفصل وجود الفاظ معربة، وهي كلمة (لِجَام) التي ذكر أنها من الألفاظ لفظة الأعجمية المعربة.

جدول دلالي يبيّن شيوع ألفاظ وسائط النقل مرتبة بحسب كثرة كل مفردة على الأخرى أولاً : ألفاظ الإبل ومتعلقاتها وتشتمل على ما يأتي :

1 - أمراض الإبل ومتعلقاتها : دبر، الطالع، الأجرب، حدابير، ذات عوار، العمدة، العشواء، مكسورة، اللاعب، النّقب، مهلوسة

2 - أجزاء جسم الإبل : السنام، كلل، جرانه، غارب، وبر، شقشقة، آباط الإبل، أعجاز الإبل

3- عامة الإبل : الإبل، البهائم، الجمل، دابّة، ناقة، البعير، العجماء

4 - قيود الإبل وأزمتها : زمام، خطامها، خزامته، كعمته، أوهاق، مثانيها، المخشوش

5 - علف الإبل واجترارها وعطشها : علفها، الهيم، يخضمون، حسك السَّعدان، العطاش، أعذبوا، المعاطش

6- سير الإبل ودعقها وتمعكها : الوجيف، تخبط، استوسقت، حدائهما، تدعق، قمصت، تمعكت

7- الرّحل والطعن وأدواتها : الرّحل، العن، أحلاس، الوضين، قتب، العكم

8 - قياد الإبل وسوقها وصعابها وذللها : أسلس، الصعب، النفور، الألول، أشنق

9 - الهوامل والستروح من الإبل : السائمة، الهاملة، مسارب، سروح، أرسالاً

10 - لقاح الإبل ونتاجها : اللقاح، شؤلة، المطافيل، العشار، العُوذ

11 - ضرع الناقة وحلبها : أخلافها، صَرْع، يُفوّقُنني، يَمْصُر

12 - فحول الإبل وكرامها : الفحول، بدناً، صُروم، فنيق، منقيات

13 - الهرم من الإبل : عوداً، التّاب، هرمة، النضّو

14 - اسماء ولد الإبل وفصلانها : الفصيل، ابن اللبون، البكار، سقباً

15 - أصوات الإبل ورغائها : جرجرة، رغا، هياجها

16 - حنين الإبل وولهها : الحانّة، الوُلّه، العجال

17 - مناخ الإبل وبروكها : أناخت، تبرك، العرجة

18 - أخفاف الإبل ومناسمها : خفّ، المناسم

19 - ما يعتمل عليه من الإبل : مطايا، زوامل

ثانياً : الخيل ومتعلقاتها وتشتمل على ما يأتي :

1 - اللجام وأدواته : لُجُم، عِنان، شكيمته، حكمه، مسحلها، قعقعة

2 - شماس الخيل :جموح، شماس، الحرون، العنون

3- جماعة الخيل : منسر، كتيبة، رعيلاً، مقنب

4 - جياد الخيل وعتاقها : جياد، عتاق

5 - أجزاء جسم الخيل: حافر، سنابك

6 - عامة الخيل : خيل، فرساً

7- مضمار الخيل : مضمار، حلبة

8- اصوات الخيل : حمحمة

9 - صغار الإبل : الفلو

ثالثا : ألفاظ الأتان والحمر : الحمار، أتان، العانة

رابعاً: ألفاظ السفن ومتعلقاتها : سفينة، جؤجؤ

الفصل الثاني :ألفاظ طبقات المجتمع

إشارة:

المبحث الأول: ألفاظ الطبقة السفلى (ذوو الحاجة والمسكنة)

الفقير

إشارة:

الفقيْرُ نقيض الغِنى (1)، والفقر الحاجة (2). الفقير المكسور فقار الظهر (3)، ويبدو أنّ هذا هو الأصل في استعمال لفظة (فقير). فقد ذكر اللغويون أنّ منه اشتق اسم الفقير فكأنه مكسور فِقَار الظهر من ذُلتِهِ ومسكنته (4). وتذكر المدونات المعجمية أنّ (الفقير) هو الذي له ما يأكله من الطعام (5). على الرغم من قلّة ما يَتَيسّر له من ذلك. والفقير هو من أصابته الزَّمانة والحاجة الشديدة (6).

وقد استعمل الجذر اللغوي (فَقَرَ) باشتقاقات متعددة في نهج البلاغة، بحيث بلغ عددها جميعاً خمساً وأربعين مرّة (7). وقد جاءت هذه الاشتقاقات بدلالات متعددة في صدارتها الحاجة الى القوت. ويمكن إيجاز الدلالات الخاصة بمفردة (فقر) بالآتي:

أولاً : الدلالة على الحاجة الى المأكل ومتعلقاته.

وهو من أكثر الدلالات شيوعاً في نهج البلاغة، ومن ذلك قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)في سياق كلامه عن فقر أخيه (عقيل) وصبيانه. : ((... وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ (8)الشُّعُور، غُبْرَ (9)الألوَان، مِنْ فَقْرِهِمْ...))(10). وقد صوّر الإمام في هذا النص حال هؤلاء الصبية من الجوع والإملاق، حتّى تغيّرت أشكالهم وألوانهم. ومفردة (فَقْرهم) في هذا السياق تخصصت بالأكل دون ما سواه من لوازم الفقر الذي ربما أتَّسَعت لتشمل الحاجة الى مستلزمات المعيشة ومتعلقاتها من ملبس وغيره.

وقد أشار الى تأثير الفقر في الإنسان حتَّى جعله (مَوْتاً أكبر) في قوله : ((الْفَقْرُ الْمَوْتُ الْأَكْبَرُ)) (11). مستعيراً (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظ الموت للفقر ووصفه بـ (الأكبر)، لما فيه من انقطاع عن مشتهيات النفس ومادَّتها التي تُعَدّ مادة الحياة نفسها (12). وقد بلغ الأمر عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن جعل (الفَقْر) وسيلة لمنع الفَطِين من إظهار حُجَّته. قوله : ((الْفَقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنَ عَنْ حُجَّتِهِ، وَالْمُقِلُ غَرِيبٌ فِي بَلْدَتِهِ)) (13). يُنبه الإمام على أنّ الفقر تأثيراً عظيماً في النفس، فيقبضها ويمنعها من التفاعل مع الآخرين. وهو ما يُعجز الفقير ويمنعه من الكلام، وإن


1) ينظر : لسان العرب (فقر) : 60/5.

2) ينظر : العين (فقر) : 5 / 150.

3) ينظر : مقاييس اللغة (فقر) : 443/4.

4) نفسه.

5) ينظر : تهذيب اللغة (فقر) : 9 / 10.

6) ينظر : لسان العرب (فقر) : 60/5.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 355.

8) الشغث هو المُغْبر الرّأس، المُنْتَفُ الشَّعْر، وأصل التَّشغُث التفرّق. ينظر : لسان العرب (شعث) : 2/ 160.

9) الغبر والغُبْرَة الترابُ والغُبار. ينظر لسان العرب (غير) : 3/5.

10) نهج البلاغة : خ / 224 : 437.

11) نفسه : قصا / 163 : 643.

12) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 444/5، 445.

13) نهج البلاغة : قصا /3 : 599.

كان فطناً. فاستعار لهذه الحالة الناتجة من الفقر لفظة (يُخرس) التي كنّى بها عن عجز الفقير من المطالبة بحاجته حتى صار كالعيي (1). مؤكداً ذلك بذكر لفظة (المُقِل) التي تدل على (الفقير) أيضاً بقرينة قوله (كالغَرِيب)، التي استعارها لوصف المقل من الناس، وهو الذي لا يملك حاجاته كلها. ولعل هذا الوصف يتناسب مع حال الفقير الذي يبدو غريباً، بسبب من عدم عناية الناس به والتفاتهم اليه، فضلاً عن قلة أعوانه وإخوانه (2). ووصف (الفقر) بأنّه (غُرْبة) وارد في نهج البلاغة غير مرّة، من ذلك وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((الْغِنَى فِي الْغُرْبَةِ وَطَنّ، وَالْفَقْرُ فِي الْوَطَنِ غُرْبَةً)) (3).

ذوو الحاجة والمسكنة

ومما يلاحظ في نهج البلاغة استعمال الإمام تعبير (أهْل المَسْكَنة والفَقْر)، وتعبير (ذوو الحاجة والمَسْكنة) أو (أهل الحاجة والمَسْكَنَةِ)، وقد تكرر هذا الاستعمال غير مرة في الإشارة إلى طبقة من الناس الذين أطلق عليهم الإمام تسمية (الطبقة السُّفْلى) (4). وحَقُ هؤلاء الرَّفْدُ والمعونة عند الإمام. والمهم في هذا الجانب ما استعمله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في العبارة الأولى (أهل المسكنة) التي عطف عليها لفظة (الفقر). ثم قدم في الثانية (ذوو الحاجة) وتلاها بلفظة (المَسْكَنة). وللإجابة على ذلك أقول : إن (أهل المسكنة) و (الفقر) أو الفقراء من التعبيرات القرآنية التي وردت في الذكر الحكيم في سياق توزيع الصدقات الذي يقول فيه اللّه جل : ((إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)) (5). فجمعت الآية المباركة بين لفظتى (الفُقَراء، والمساكين) بعد أن قدمتها معاً على غيرها من ذوي الصدقات ومستحقيها.

واختلف المفسرون في معنى (الفقير والمسكين)، فذكر البيضاوي (ت 685 هـ) أنّ الفقير هو من لا مال له ولا كسب. وهو مأخوذ من الفقار فكأنه أصيبت فقاره. وأما المسكين فهو من له مال أو كسب ولكنه لا يكفيه. وهو مأخوذ من السكون فكان العجز أسكنه (6). وقد قيل العكس أي أنّ الفقير هو الذي له مال لا يكفيه والمسكين أشد منه فقراً. (7)أمّا الإمام فقد استعمل للدلالة على (الفقراء) تعبير (ذوو الحاجة)، أو (أهل الحاجة). يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق تصنيفه الرعيّة على طبقات : ((.... وَمِنها الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ...)) (8). ثم يقول في موضع آخر : ((ثُمَّ الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ الَّذِينَ يَحِقُ رِفْدُهُمْ وَمَعُونَتُهُمْ...)) (9). والحاجة - في اللغة - الفَقْر. والحَوْج الفقر، والمحوج المعدم (10).


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 392/5.

2) نفسه.

3) نهج البلاغة: قصا / 56: 610.

4) ينظر : نهج البلاغة : ك / 550:53، 551.

5) التوبة / 60.

6) ينظر : تفسير البيضاوي : 153/3.

7) ينظر : تفسير القرطبي : 167/8.

8) نهج البلاغة : ك /53 : 550.

9) نفسه : 551.

10) ينظر : لسان العرب (حوج) : 243/2.

وذكر الشراح أنّ قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (أهل الحاجة) يراد بهم أهل الفقر ؛ لأنه هو الحامل لهم على احتياجهم الى الناس (1). وقد ذكر أمير المؤمنين عبارة (أهل المسكنة والفقر)، فجعل لفظ (الفقر) متأخراً عن (المسكنة). وذلك في سياق كلامه عن فلسفة عبادات الصلاة والزكاة والصيام) ؛ إذ يقول : ((وَعَنْ ذلِكَ مَا حَرَسَ اللّه عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ، وَمُجَاهَدَةِ الصِّيَامِ فِي الأَيَّامِ الْمَفْرُوضَاتِ، تسكِيناً لاَ طَرَافِهِمْ، وَتَخْشِيعاً لا بْصَارِهِمْ، وَتَذْلِيلاً لِنُفُوسِهِمْ، وَتَخْفِيضاً لِقُلُوبِهِمْ، وَإِذْهَاباً لِلْخُيَلاَءِ (2)عَنْهُمْ، لِما فِي ذلِكَ مِنْ تَعْفِيرِ عِتَاقِ الْوُجُوهِ بالتُّرَابِ تَوَاضُعاً، وَالْتِصَاقِ كَرَائِمِ الْجَوَارِحِ بِالأرْضِ تَصَاغُراً، وَلُحُوقِ الْبُطُونِ بِالمُتونِ مِنَ الصِّيَامِ تَذَلُلاً، مَعَ مَا فِي الزَّكَاةِ مِنْ صَرْفِ ثَمَرَاتِ الْأَرْضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إِلَى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ وَالْفَقْرِ.)) (3). والسياق هنا هو - كما يبدو - الذي سوّغ تقديم (أهل المسكنة) على (أهل الفقر) ؛ فالإمام يتحدث فيه عن فضل الزكاة ومواطن صرفها فلما كان السياق لفظة العبادات الثلاث المتقدمة ؛ لهذا انتفت العناية بترتيب مستحقي الزكاة، وذكر الإمام أهل المسكنة والفقر دون مراعاة سبق كل منهم للصدقات.

ومن نافلة القول أنّ الإمام وصف هذه الطبقة من الناس بالطبقة (السُّفلى)، بيان على سوء حالهم وضعفهم. (4)كأنّ ذلك مأخوذ من (السفل)، وهو نقيض العلو (5). ومجيء هذه اللفظة على زنة (فعلى) يوحي بشدة ضعف الحال ونزول القدر في هذه الفئة من الناس. ولهذا أوصى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عامله (مالكاً الأشتر) بهذه الطبقة قائلاً : ((ثُمَّ اللّه اللّه فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لَا حِيلَةَ لَهُمْ وَالْمَسَاكِينِ وَالْمُحْتَاجِينَ...))(6). ويلحظ شدة حرص الإمام على هذا الضرب من الناس بسبب من ضعفهم وعدم امتلاكهم ما يسد حاجاتهم فأعاد توصية (مالك) بهم، مبالغة في العناية بهم، والتعهد لأمورهم (7).

وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) تعبير (ذوو الحاجات) بدلالة أخرى، بعد أن كانت تدل عنده الفقراء والمحتاجين ؛ إذ نقله من هذا المعنى الى الدلالة على (أهل الظلامات) والمعاملات الإدارية أيضاً. وذلك في قوله الذي ينصح فيه عامله أن يُفرَّغ نفسه للجلوس اليهم وسماع حاجاتهم : ((وَاجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ، وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَاماً، فَتَتَواصَعُ فِيهِ لله الَّذِي خَلَقَكَ، وَتُقعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ...)) (8). و (ذوو الحاجات) هم أصحاب المظالم والشكاوى التي تتعلق بالولاة وغيرهم من رؤوس الدولة من الناس الذين لهم الحق في أن يسمع الولاة مسائلهم وطلباتهم، فأمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) واليه أن يجلس لهم مجلساً عاماً، يبعد فيه جنده عن الناس ؛ ليأخذوا حرّيتهم في الطلب والشكاية. مع وجوب تواضعه اللّه جل جلاله ؛ بإقباله عليهم والإصغاء لهم جميعاً وقضاء حوائجهم (9).


1) ينظر : الديباج الوضي: 1531/5.

2) الخيلاء، الكبر والعجب بالنفس. ينظر المحكم (خيل) : 259/5.

3) نهج البلاغة: خ / 192 : 371.

4) ينظر : الديباج الوضي: 2531/5.

5) ينظر : لسان العرب (سفل) : 337/11.

6) نهج البلاغة : ك /53 : 560.

7) ينظر : الديباج الوضي: 2570/5.

8) نهج البلاغة : ك/ 53 : 561.

9) ينظر : الديباج الوضي: 2576/5.

ثانياً : الدلالة على الافتقار الى العقل.

وقد جعل الإمام هذا الضرب من (الفقر) بمنزلة الحاجة والافتقار الى العقل، وقد سماه الإمام (حمقاً) في قوله : ((إِنَّ أَغْنَى الْغِنَى الْعَقْلُ، وَأَكْبَرَ الْفَقْرِ الْحُمْقُ ...)) (1). وقد أراد بالفقر هنا- الحاجة إلى العقل وعدم الاستغناء عنه، لما كان (الحُمق) يمثل نقصاً في العقل وعدم تمامه ؛ لهذا صار فقراً أو بمنزلته. وقد ورد نظير هذا الاستعمال في (قصا /54).

ثالثاً : الدلالة على الضعفاء من الناس.

وهو تعبير صَنعَهُ الإمام للدلالة على الفقراء كما يبدو من قوله الذي خاطب فيه بعض عماله : ((وَإِنَّ لَكَ فِي هَذِهِ الصَّدَقَةِ نَصِيباً مَفْرُوضاً، وَحَقَّاً مَعْلُوماً، وَشُرَكَاءَ أَهْلَ مَسْكَنَةٌ، وَضَعَفَاءَ ذَوِي فَاقَة...))(2). والضعفاء جمع ضَعِيف، وهم الفقراء المعوزين، ويكون الضعف في الجسد والرأي والعقل (3). والضعيف هو ضعيف البدن (4). وأمّا لفظة (الفاقة)، فإنها تدل على الحاجة والفقر.(5). وبهذا يكون الضعفاء وأهل الفاقة هم الفقراء ومن هم بمنزلتهم في الكفاف وعدم كفاية مؤونتهم في العيش. في (ضعفهم) إشارة الى عدم قوتهم في استحصال الكسب وغيره من لوازم العيش

رابعاً : الدلالة على الافتقار الى الناس والحاجة اليهم

وجاءت هذه الدلالة في سياق كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يلوم فيه الناس، ويذمهم لما لقيه منهم ؛ إذ يقول : ((مَا أَنْتُمْ لي بِثِقَة... وَمَا أَنْتُمْ بِرُكْن يُمَالُ بِكُمْ، وَلَا زَوَافِرُ (6)عِزّ يُفْتَقَرُ إِلَيْكُمْ...)) (7). أراد بهذا الكلام التنبيه على قلة شانهم وانحطاط حالهم، فهم ليسوا أسياداً أو أصحاب عز يعتد به، أو عشيرة منيعة يؤى اليها. فاستعمل لفظة (يُفْتقر) ؛ للدلالة على الاحتياج وعدم رغبته في الحصول على هكذا ضرب من الناس.وذكر الشُرَّاح أن فى هذا الكلام دلالة على وصفهم برذيلة الذُّل والحقارة (8).

خامساً : الدلالة على انكسار ظهر الإنسان

وقد استعملت لفظة (فِقْرتَهُم)، للدلالة على هذا المعنى. وذلك في سياق قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يحذِّر فيه الناس من ما نزل بالامم قبلهم، فضلاً عن تحذيره من الفرقة، وضرورة التزام الألفة. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((واحْذَرُوا مَا نَزَلَ بِالأمَمِ قَبْلَكُمْ مِنَ الْمَثُلاَتِ (9)بِسُوءِ الأَفْعَالِ، وَذَمِيمِ الأَعْمَالِ... فَالْزَمُوا كُلَّ أَمْرٍ لَزِمَتِ الْعِزَّةُ بِهِ حَالَهُمْ، وَزَاحَتِ الْأَعْدَاءُ لَهُ عَنْهُمْ... وَوَصَلَتِ الْكَرَامَةُ عَلَيْهِ حَبْلَهُم : مِنَ الاجْتِنَابِ لِلْفُرْقَةِ، وَاللُّزُومِ لِلألْفَةِ،


1) نهج البلاغة : قصا / 38 : 607.

2) نفسه : ك /26 : 485،484.

3) بنظر : العين (ضعف) : 281/1، والمحكم (ضعف) : 411/1.

4) ينظر : لسان العرب (ضعف) : 206/9.

5) نفسه (فوق) : 10 /319.

6) الزوافر في اللغة اضلاع الجنين، وبعير مزفورٌ، أي شديد تلاحم المفاصل، والزافرة عشيرة الرجل. ينظر : مقاييس اللغة (زفر) : 15/3، ولسان العرب (زفر) : 325/4.

7) نهج البلاغة : خ / 34 : 75.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2 / 279.

9) المُثلَةُ - بفتح الميم وضم الثاء - العُقوبَةُ. ينظر : تاج العروس (مثل) : 385/30.

وَالتَّحَاصُ عَلَيْهَا،... وَاجْتَنِبُوا كُلَّ أَمْرٍ كَسَرَ فِقْرَتَهُ وَاجْتَنِبُوا كُلَّ أَمْرٍ كَسَرَ فِقْرَتَهُمْ، وَأَوْهَنَ مُنَّتَهُمْ (1)؛ مِنْ تَضَاعُنِ الْقُلُوبِ، وَتَشَاحُن الصُّدُورِ)) (2). و(فَقْرَتَهُمْ) جمع (فَقَرة)، وهي واحدة فقرات الظهر وما انتضد من عظام الصلب من لدن الكاهل الى العُجْب (3). وبها يكون عماد البدن واستقامته. بوصفها الأسس في استقامة ظهر الإنسان وكاهله. ولهذا كُنّي (بكسْر فقار الظهر) عن عدم تَحَمّل الأمور الشديدة التي يَعْظم أمرها على الناس، ويقال أيضاً : هذا أمر يكسر فقر الظهر. إذا كان عظيماً لا يقدر عليه (4). وقد أشارت المدونات المعجمية الى أن هذه الدلالة هي التي اشتق منها لفظ (الفقير) وهو نقيض الغنيَّ، فكأنه لفقره مكسور فقار الظهر (5).

ضعیف

إشارة:

الضعف خلافُ القوّة (6). ويكون الضعف في العقل والرأي والجسد (7). والضعيف هو ضعيف البدن(8). والضعف فى كلام العرب المثل (9).

وقد جاءت اشتقاقات عديدة لمفردة (ضعف) في نهج البلاغة بلغت جميعاً خمساً وثلاثين مرة توزعت بحسب الآتي : لفظة (ضَعيف) خمس عشرة مرة، و (ضعفاء) أربع مرات، و (أضعف) و (أضعفهم)، و (مُستتضعفين) و (ضَعَفَة) مرتان لكل منها، في حين جاءت الفاظ (ضعيفاً) و (ضعيفات) و (الاستضعاف) و (مستضعفاً) مرة واحدة لكل منها (10)؛ للدلالة على ما يأتي :

اولاً : الدلالة على ضعاف الناس :

وفي هذه الدلالة يكون الضعف دالاً على عدم التمكن من التخلص من الظلم والجور. ومنه قول الإمام في سياق كلامه عن فضائل نفسه، وانتصاره للضعفاء من الناس : ((... الدَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ لَهُ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مَنْهُ...)) (11). وفي هذا الكلام ينبه الإمام الى معنى القوة والضعف، فالقوي المتجبر في نظر الإمام ضعيف ذليل ؛ لأنه مُسْتَقوِ على الضعفاء، فهو ضعيف لاستلابه الحقوق من الناس وتسلطه عليهم. ولا يقصد الإمام بلفظة (ضَعِيف) في هذا السياق ضعيف الجسم كما ذكر اللغويون في قولهم إن كلمة (ضعيف) تستعمل للدلالة على ضعيف البَدَن (12). وإنما أراد بها عدم القدرة على الغلبة والقهر والتسلط، فضلاً عن الذُّلة. وذلك بقرينة مفردة (القوي) التي دلت في هذا السياق على الغلبة والقهر والجبروت. فالضعيف - هنا - الذي لا يقدر على الظلم والتسلّط


1) المُنَّةُ القوة. يقال : ذهب بمنته، أي بقوته. ينظر : تاج العروس (مثل) : 36 / 195.

2) نهج البلاغة: خ / 192 : 373.

3) ينظر : المحكم (فقر) : 6 / 379.

4) ينظر : الديباج الوضي: 4 / 2029.

5) ينظر : مقاييس اللغة (فقر) : 443/4.

6) ينظر : العين (ضعف) : 1 / 281، ولسان العرب (ضعف) : 203/9.

7) نفسها.

8) ينظر : لسان العرب (ضعف) : 206/9.

9) ينظر : تهذيب اللغة (ضعف) : 1 / 504.

10) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 268.

11) نهج البلاغة : خ / 80/37.

12) ينظر : لسان العرب (ضعف) : 206/9.

ومما يعزز ذلك ما ذكره الشارح البحراني في بيان قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ فقد أشار الى أنّ ضُعْف القوي عند الإمام هو قهره بحكم الإمام عليه حتى يستوفي منه حق المظلوم (1).

وثمة مواضع أُخر دَلّت فيها لفظة (ضعيف) على الضعيف غير المتعلق بالبدن منها (ح / 39، 40، ، 109، ك / 53).

ثانياً : الدلالة على ضعف البدن.

ومنه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق الحديث عن بيعته وما جرى فيها : ((... ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكَ الْأَمِيلِ الهيمِ عَلَى حِيَاضِهَا يَوْمَ وِرْدِهَا، حَتَّى انْقَطَعَتِ النَّعْلُ، وَسَقَطَ الرِّدَاءُ، وَوُطِيعَ الضَّعِيفُ...)) (2). واستعمل الإمام لفظة (الضعيف) في هذا السياق، إشارة الى أن تدافع الناس يوم بيعته (عَلَيهِ السَّلَامُ)، بالخلافة لم يصمد فيها من كان ضعيف البدن خائر القوى ؛ بسبب من كثرة الاجتماع عليه ورغبتهم فيه. ولهذا شبههم في تزاحمهم هذا بتداك الإبل العطشى يوم ورودها. إشارة الى شدة ازدحامهم واندفاعهم عليه، فكأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؛ بما عنده من فضائل وعدل؛ كالماء بالنسبة الى الناس الذي يريدون الارتواء من عدله وانصافه وعلمه (3).

أقول : وليس المراد بقوله (وُطِئَ الضَعيف) أن يكون المقصود بـ (الضَّعيف) (الحَسَنان) (عليهما السلام) الذين صرّح بذكرهم في نَصَّ آخر ذكره السيد الشريف الرضي يتحدث فيه الإمام عن بيعته، وهو قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((... فَمَا رَاعَنِي إِلَّا وَالنَّاسُ إِليَّ كَعُرْفِ الضَّبُع (4)، يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبِ، حَتَّى لَقَدْ وُطِيءَ الحَسَنَانِ، وَشَقَ عِطْفَايَ (5)، مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الغَنَمِ...)) (6). فقد أراد الإمام في هذا النص أن يُبين ما ما لحقه من أذى هو وولداه (عليهما السلام) ؛ بسبب من اجتماع الناس عليه، فذكر شَقَّ عطفيه ووطىء الحسنين (عليهما السلام) من التدافع، فناسب ههنا ذكر وطئهما من الناس. علاوة على أن الإمام ابتدأ هذا المقطع من كلامه بقوله (فما راعَنى الا... والروْع لفظة تدل على الفزع (7). وعلى الرغم من نفيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا الفزع عنه فإنَّ اختياره لهذه المفردة يوحي بالحالة النفسية التي كان عليها أمير المؤمنين يوم انثال عليه الناس لايمانه بغدرهم وتَخَليهم عنه في الشدائد ولهذا صرّح في هذا السياق بذكر الناكثين والمارقين والقاسطين (8). في حين أنه في الخطبة (229) (9). التي يصف فيها بيعته بالخلافة عني فيها بذكر اجتماع الناس وفرحهم باختياره أميراً للمؤمنين وخليفة عليهم. ولهذا تضمَّنت الخطبة مفردات دالة على السعادة والبهجة، من قبيل لفظة (سُرور، وابتهج). فضلاً عن استعمال مفردات تدل على سعي الكبير والصغير من الناس


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 289/2.

2) نهج البلاغة : خ / 229 : 443، 444.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 62/4.

4) عرف الضبع، العرف ما ارتفع من الاشياء، وعُرف الضبع قمة رأسه.

5) العطف المَنْكِبُ، وعطفا الرجل : جانباه عن يمينه وشماله. ينظر : لسان العرب (عطف): 250/9.

6) نهج البلاغة: خ / 3 : 31.

7) ينظر لسان العرب (روع) : 8 / 135.

8) ينظر : نهج البلاغة : خ / 3 : 31.

9) نفسه : 443، 444.

الى بيعته. وهذه الألفاظ التي وردت في هذه الخطبة خاصة بالضعفاء من الناس الذين لا يملكون القوة في التدافع كالصغار، والكبار في السِّنَّ.

ومن بديع استعمالاته (عَلَيهِ السَّلَامُ)في هذا المجال، قوله في بيان فوائد بعض العبادات : ((الصَّلَاةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِي، وَالْحَجُّ جِهَادُ كُلّ ضَعِيف، وَلِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةً، وَزَكَاةُ الْبَدَنِ الصِّيَامُ، وَجِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعْلِ)) (1). وفي النص إشارات الى أسرار هذه العبادات التي يذكرها الإمام. فالصلاة قُرْبان لكل تقي. والقُرْبان بالضم ما قُرّب الى اللّه عزّ وجلَّ. (2)والصلاة أعظم ما يتقرب به المتقون من العبادات. والحج جهاد في سبيل اللّه تعالى ؛ لما فيه من مَشَقَّة السَّفر ومجاهدة النَّفْسِ الأمّارة بالسُّوء (3). وإنما خص الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الضَعِيف بهذه العبادة ؛ ترغيباً ترغيباً له وجذباً لأداء هذه العبادة ؛ ولأنّ للقويّ جهادٌ آخر مشهور (4). وهو المنازلة في القتال. في حين أنّ الحج بمنزلة الجهاد لهؤلاء الضعفاء، لما فيه من مَشقَّة وتعب، ولاسيما في أداء طقوسه من بدء الإحرام الى السّعي والطواف وغيرها من الأعمال العبادية المخصوصة بالحج. علاوة كبح جماح النفس ومغالبة شهواتها ونوازعها. وكلها بمنزلة الجهاد، حتى ذكر الشرّاح أن الإمام عَنَى بقوله ((الحج جهاد كَلَّ ضعيف)) : أنّ من لا يستطيع الجهاد بالسَّيْف ؛ فالحج جهاده (5). وقد جاءت لفظة (ضعيف) دالة على ضعف البدن في : (خ / 192، ك 31، 52، 53).

ثالثاً : الدلالة على الفقير الذي لا يَقوى على تخصيل قُوته.

ومن ذلك قول أمير المؤمنين في سياق عهده لبعض عماله بخصوص الصدقات : ((.... وَإِنَّ لَكَ في هذه الصَّدَقَةِ نَصِيباً مَفْرُوضاً، وَحَقَّاً مَعْلُوماً، وَشُرَكَاءَ أَهْلَ مَسكَنَة، وَضَعَفَاءَ ذَوِي فَاقَة ...)) (6). يذكر الإمام في في هذا السياق طبقات من مستحقي الصدقات، ومنهم الضعفاء الذين وَصَفم بـ(ذوي فاقة) وهذه قرينة على أن المراد بالضعفاء - هنا - هم الفقراء الذي لا يقوون على تحصيل اقواتهم وحاجاتهم. والفاقة – في اللغة - الحاجة والفقر (7).ومما يتصل بهذه الدلالة استعمال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (مُستضعفاً) و (مُسْتَضْعَفِيْنَ). وذلك في قوله الذي يَصِفُ فِيهِ بَعْضَ أَصْحابه : (كَانَ لِي فيما مَضَى أَخَ فِي اللّه (8)، وَكَانَ يُعْظِمُهُ فِي عَيْنِي صِغَرُ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ، وَكَانَ خَارِجاً مِنْ سُلْطَانِ بَطْنِهِ فَلاَ يَشْتَهِي مَا لاَ يَجِدُ وَلاَ يُكْثِرُ إِذَا وَجَدَ، وَكَانَ أَكْثَرَ دَهْرِهِ صَامِتاً فَإِنْ قَالَ بَذَّ (9)الْقَائِلِينَ وَنَقَعَ غَلِيلَ السَّائِلِينَ، وَكَانَ ضَعِيفاً مُسْتَضْعَفاً فَإِنْ جَاءَ الْجِدُّ فَهُوَ لَيْثُ غَابِ (10)))(11).


1) نهج البلاغة : قصا / 136 : 628.

2) ينظر : لسان العرب (قرب) : 664/1.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 5 / 435.

4) نفسه.

5) ينظر : الديباج الوضي: 2833/6.

6) نهج البلاغة : ك / 26 : 484.

7) ينظر : لسان العرب (فوق) : 10 / 319.

8) يُومئ بذلك الى أبي ذر الغفاري (رضوان اللّه عليه)، وقيل : بل الى (عثمان بن مظعون). ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 5 / 470.

9) البذّ هو السبق والغلبة في القول. ينظر : لسان العرب (بذذ) : 3 / 477.

10) الغاب هي الغابة، أو الأجمة التي طالت، ولها اطراف مرتفعة باسقة. ينظر : المحكم (غيب) : 6 / 26.

11) نهج البلاغة : قصا / 289 : 61.

وذكر الإمام لفظة (مُسْتَضْعَفِيْنَ) في موضعين ؛ هما قوله : في سياق كلامه عن عاقبة المستكبرين من الأمم السابقة : ((فَاعْتَبِرُوا بَمَا أَصَابَ الْأمَمَ المُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ بَأْسِ اللّه وَصَوْلَاتِهِ، وَوَقَائِعِهِ وَمَثْلَاتِهِ،... وَاسْتَعِيذُوا بِاللّه مِنْ لَوَاقِحَ الْكَبْرِ، كَمَا تَسْتَعِيذُونَهُ مِنْ طَوَارِقِ الدَّهْرِ، فَلَوْ رَخَّصَ اللّه فِي الْكِبْرِ لا حَد مِنْ عِبَادِهِ لَرَخَّصَ فِيهِ لِخَاصَّةِ أَنبِيَائِهِ وَأَولِيائِهِ، وَلكِنَّهُ سُبْحَانَهُ كَرَّمَ إِلَيْهِمُ التَّكَابُرَ، وَرَضِيَ لَهُمُ التَّوَاضُعَ، فَأَلْصَقُوا بِالأرْضِ خُدُودَهُمْ، وَعَفَّرُوا فِي التُّرَابِ وُجُوهَهُمْ، وَخَفَضُوا أَجْنِحَتَهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَكَانُوا قَوْماً مُسْتَضْعَفِينَ، قَدِ اخْتَبَرَهُمُ اللّه بِالْمَخْمَصَةِ (1)، وَابْتَلَاهُمْ بِالْمَجْهَدَةِ، وَامْتَحَنَهُمْ بِالْمَخَاوِفِ، وَمَخَضَهُمْ (2)بِالْمَكَارِهِ، فَلَا تَعْتَبِرُوا الرّضَا وَالسُّخْطَ بِالمَالِ وَالْوَلَدِ جَهْلاً بِمَوَاقِعِ الْفِتْنَةِ، وَالاخْتِبَارِ فِي مَوَاضِع الْغِنَى وَالأفْتِقَارِ، فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُعِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ هُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ (3)، فَإِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ بِأَوْلِيَائِهِ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي أَعْيُنِهِمْ)). (4)وقد جاء في النص لفظة (مستضعفاً) مسبوقةً بلفظة (ضعيفاً). وقد فهم الشُرَّاح من هاتين اللفظتين الدلالة على (الفقير) الذي ينظر اليه بعين الذُّلة، فلا يُرى له بين الناس قدراً (5). ويشهد لهذه الدلالة السياق الذي وردت فيه المفردة؛ فقد أورده الإمام لبيان خصال بعض أصحابه الذين كانت سيماؤهم التواضع والفضيلة. لهذا فإنّ للفظة (مُسْتَضعفاً) دلالتين ؛ الأولى بلحاظ الناس الذين يرونهم، فهم عندهم (أذلة فقراء)، والثانية بلحاظ الطاعة لله تبارك وتعالى ولهدي رسوله. وهم ذلك أعزة على أنفسهم، متواضعون في سمتهم. وهذه الدلالة أولى بالتَّقْدمة ؛ لمكانة ذلك عند اللّه جل جلاله ولمناسبتها المعنى العام للنص.

وقد وردت لفظة (مُستضعفين) بالدلالة نفسها بصيغة الجمع مناسبة للسياق الذي يتكلم فيه الإمام عن (المُسْتِكْبرين)، وما أصابهم من بأس اللّه. وأشار انه لو أراد أن يُرخّص بالكبر لأحد، لرخصه لخاصة أنبيائه وأوليائه. ولكنه كرهه اليهم ورضي لهم التواضع، فكانوا (الْمُسْتَضْعَفِينَ) الذين اختبرهم اللّه تعالى بـ (المُسْتَكْبرين). وبهذا تكون مفردة (المستضعفين) نقيضاً لمفردة (المستكبرين). والمستكبرون هم الذين يمتنعون عن قبول الحق معاندة وتكبّراً (6). في حين أن الْمُسْتَضْعَفِينَ) هم الضِدُّ من هذه الفئة، وقد أبان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن معنى هذه المفردة ؛ فذكر ابتلاء اللّه تعالى للمستضعفين بالجوع والمشَقَّة، والمخاوف والمكاره. وكل هذه الدلالات تجتمع في مفردة (الْمُسْتَضْعَفِينَ). ومما تجدر الإشارة اليه أن كلتا اللفظتين من الفاظ القرآن الكريم، إذ أصبحتا من المصطلحات القرآنية التي استعملها في وصف فئة من الناس الذين اسماهم بـ(الْمُسْتَضْعَفِينَ) في قوله تعالى : (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا)(7). ويحدد القرآن الكريم دلالة (الْمُسْتَضْعَفِينَ)، فالموضع الأول يراد به - كما يتضح من إجابة هؤلاء الظالمين – استضعافهم من


1) المخمصة الجوع وخلاء البطن من الطعام. ينظر : العين (خمص) : 4 / 191.

2) المخض مخصُ اللبن واخذ زبده. ينظر : لسان العرب (مخض) : 229/7.

3) المؤمنون / 55-56.

4) نهج البلاغة : خ / 192 : 366، 367.

5) ينظر : نهج البلاغة (البحراني) : 5 / 471، والديباج الوضي: 2945/6.

6) ينظر : لسان العرب (كبر) : 5 / 126.

7) النساء / 98.

قبل المشركين واذلالهم متفوقين عليهم بالعدد والعُدَّة. وهؤلاء هم ثلة ممن تكلموا بالاسلام، واشتركوا مع المشركين في معركة (بدر) وأصيبوا فيمن أصيب من المشركين؛ فنزلت فيهم الآية كما يذكر المفسرون (1). ولهذا أنكر القرآن الكريم عليهم فعلتهم ولم يقبل بجوابهم (كنا مستضعفين). اما الموضع الثاني، فيذكر فيه القرآن انّ الْمُسْتَضْعَفِينَ الذين استثناهم من الهجرة هم من الرّجال والنساء والولدان الذين لا حِيْلَة لهم ولا يهتدون سبيلاً في هؤلاء الخلاص من أهل مكة (2). فجاء استعماله مفردة (المُسْتَضعفين) مناسباً لبيان عدم القدرة والضعف. ومن دلالة لفظة (ضَعِيف) على الضعف في القوة ما ورد في (خ / 115، ك / 21، 31 530).

رابعاً : الضعف في النساء.

وقد ذكر أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ضَعْف النَّساء في سياق نَصيحتهِ لِعَسكره قَبْلَ لقاءِ العَدُوَّ وبِصِفَّيْن قائلاً لهم: ((وَلَا تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، لَا تَهِيجُوا النِّسَاءَ بِأَذيَّ، وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ، وَسَبَيْنَ أُمَرَاءَكُمْ، فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ الْقُوَى وَالأنْفُسِ وَالْعُقُولِ...)) (3). ويثبت (عَلَيهِ السَّلَامُ) الضعف في النساء، ومن ثم يُفصل هذا الضعف ويجعله في (القوى، والأنفس، والعقول) وقد بيّن الشُرّاح معنى قوله (ضعيفات القوى والأنفس والعقول) ؛ فذكروا أن النساء في أصل خلقتَهنَّ سريعات الانخداع والغضب، وفيهنَّ فسادُ التَّدْبير وفقدان الشجاعة، كما يذكر ابن أبي الحديد (4). فلا قدرة لهن عن مقاومة الرجال وحربهم ؛ ولهذا وضع عنهن حكم الجهاد، وصار لسانُهنَّ هو السلاح الذي يقاتلن به وأمّا ضعف أنفسهن، فَيَعْني عدم صبرهن على البلاء، فيجتهدن في دفعه بما أمكن من السُّباب غير ذلك من القذف. وأما ضعف العقول، فيدلّ على عدم قوة عقولُهنَّ في تمييز عدم الفائدة من السباب والشتم كونه رذائل الأخلاق (5). وقيل : إن إمارة ضعف عقولهن ما جعله اللّه تبارك وتعالى شهادة امرأتين امرأتين بمنزلة شهادة رجل واحد (6).

ومن هنا نفهم أنّ مفردة (ضعيف) أو (ضعيفات) الخاصة بجمع المؤنث لا تدل على الضعف البدني فحسب، وإنما يكون الضعف في (الأنفس، والعقول) إضافة إلى (الضعف في القوة) وهو ما ذكره اللغويون أيضاً (7). ولعلهم أخذوه من قول الإمام المتقدمة دون أن يُشيروا إلى ذلك ومثل هذا كثير في المعاجم العربية.

المسكيْنُ

إشارة:


1) ينظر : مجمع البيان لعلوم القرآن : 197/3.

2) نفسه.

3) نهج البلاغة : ك / 14 : 472.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد : 18 / 30 باب ترجمة (عائشة).

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 4 / 213، والديباج الوضي: 5 / 2169.

6) ينظر : الديباج الوضي: 2169/5.

7) ينظر : العين (ضعف) : 1/ 281، ولسان العرب (ضعف) : 203/9.

السُّكون ضد الحركة، وسَكَنَ الشيء يَسْكُنُ سُكوناً، إذا ذهبت حركته.(1)والسكن العيال وأهل البيت (2). والسكن الرحمة والبركة (3). والمسكين الفقير (4)والمسكنة الفقر (5). و (مِسْكين) بكسر الميم، وفتحها لغة نادرة حكاها الكسائي عن بني أسد (6). وقد ذكر ابن الأثير أن هذه المفردة ومشتقاتها تدل على الخضوع والذَّلَّة وقلّة المال، والحال السيئة (7). واختلف اللغويون في معنى (المسكين) ؛ فذهب بعضهم الى أنّه الذي أسكنه الفقر، وقَلَّل حركته (8). وهذا الوجه يعني أنّ اشتقاق هذا اللفظ من السُّكون، وهو نقيض الحركة. وذهب وذهب فريق آخر من اللغويين الى أن المسكين هو الذي لا شيء عنده يكفي عياله(9). فهو أسوأ حالاً من الفقير (10). وجاءت الفاظ (المَسْكَنة) و (المَسَاكِين) و (السَّكينة) أربع مرات في نهج البلاغة، في حين وردت لفظة (الاستكانة) ثلاث مرات. ومفردة (المسكين) مرتين، وكل من (مُسْتَكَيْنة)، و (مُسْتِكينوْنَ) و (مسْكَنَتُها) مرة واحدة لكل منها (11). وبَتَتَبَّع هذه الالفاظ في نهج البلاغة أمكن حصر الدلالات التي سيقت لها في الآتي:

اولاً : الدلالة على مَن أَذْلُّه الفقر

هي من أكثر الدلالات شيوعاً في نهج البلاغة. ومنها قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق لومه بعض عماله :((أَيُّهَا الْمَعْدُودُ. كَانَ. عِنْدَنَا مِنْ ذَوِي الأَلْبَابَ، كَيْفَ تُسِيعُ شَرَاباً وَطَعَاماً، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ تَأْكُلُ حَرَاماً، وَتَشْرَبُ حَرَاماً، وَتَبْتَاعُ الإمَاءَ وَتَنْكِحُ النِّسَاءَ مِنْ مَالِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدِينَ، الَّذِينَ أَفَاءَ اللّه عَلَيْهِمْ هَذِهِ الأمْوَالَ...)) (12). وجاء ذكر المساكين هنا - بوصفهم من مستحقي الصدقات والفيء. الذين يتحدث الإمام عنهم. والمساكين على (مفَاعِيْل) جمع (مِسْكَين) ؛ لانّ (مِفْعَيْلاً) لا يُجْمع إلا على (مَفَاعِيْل)(13)وهاتان الصيغتان تفيدان دوام الفعل من صاحبه فالاسم إذا كان على مِفْعَال أو مِفْعَيْل، فالجمع على مَفَاعِيْل وهما لِمنْ دامَ منه الفِعْل (14). وقيل إنّ (المسكين) من السكون، كأن الفقر أسكنه(15)، وهم أَجْهَدُ حالاً من الفقير (16). وقد اختار الفقهاء هذا الوجه عند تمييزهم بين (الفقير) و (المسكن)، لمعرفة من هو الأكثر سوءاً


1) ينظر : لسان العرب (سكن) : 13 / 211.

2) ينظر : تهذيب اللغة (سكن) : 10 / 39.

3) نفسه.

4) ينظر : تاج العروس (سكن) : 13 / 200

5) ينظر : جمهرة اللغة. سكن) : 2 / 856.

6) نفسه.

7) ينظر : النهاية في غريب الحديث والاثر : 2 / 385.

8) ينظر : المحكم (سكن) : 720/6.

9) ينظر : المحكم (سكن) : 720/6، وتاج العروس (سكن) : 35 / 200.

10) ينظر : تاج العروس (سكن) : 35 / 200.

11) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 218.

12) نهج البلاغة : ك / 451 : 252.

13) ينظر : ديوان الأدب، للفارابي : 83/1، و 312. ومعاني الأبنية : 110.

14) نفسهما.

15) ينظر : تفسير البيضاوي : 1 / 353.

16) ينظر : تاج العروس (سكن) : 200/35.

من الآخر، فذكروا أنّ المسكين هو الذي ركبته الذُّلة عند شدة الحاجة والسؤال. فيكون - حينذاك - مُستحقاً للصَدَقة (1).

وقد التفت الفقهاء الى مسألة تتعلق بمن كان لديه مال يكفيه، ولكن أذله شيء آخر غير الفقر. وهذا يسمّى - عندهم - مسكيناً أيضاً ولكنه لا يستحق الصدقة (2).

وقد جعل الإمام (أهل الحاجة والمَسْكنة) في الطبقة السفلى من طبقات المجتمع، وذلك في غير موضع من نهج البلاغة، ولاسيما في عهده الى عامله (مالك الأشتر). ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((.... وَمِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ ...)) (3). وقوله : ((ثُمَّ الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ)) (4)(الْمَسْكَنَة) من مفردات القرآن الكريم التي وردت في قوله تعالى :(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ)(5). وقد ذكر المفسرون أنّ المراد بالذين ضربت عليهم (الْمَسْكَنَة) والذلّة هم الفقراء (6). وقيل : هم ذوو الحاجة (7). وذهب آخرون إلى أنهم من فرضت عليهم الجزية(8). وبالرجوع إلى الاستعمال العلوي لمفردة (المسكنة)، يظهر أنّ الإمام قد أفاد من توظيف القرآن الكريم لهذه الكلمة، فأوردها في كلامه دالة على (المَسَاكِيْن) الذين لا حيلة. ومما يدعم هذه الدلالة من قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عهده (لمالك الأشتر) مؤكداً عليه مراعاة هذه الفئة من الناس قائلاً : ((ثُمَّ اللّه اللّه فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لَا حِيلَةَ لَهُمْ، وَالْمَسَاكِينِ وَالْمُحْتَاجِينَ..)) (9). فأوصاه بـ(مَنْ لا حيلة لهم، وبالمساكين، وهم من الطبقة السفلى).

وقد ذهب شُرّاح النهج مذهبين في دلالة مفردة (المَسْكَنَةِ) عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؛ فمنهم من أشار الى أنها تدل على أشدّ الفَقْر (10). في حين رأى بعضهم الآخر أنها تدل على خمول القدر وركّة الهمَّة (11). أقول ويمكن لهذين الوجهين أن يعزّزا دلالة لفظة (المَسْكَنة) على (المساكين) الذين لا حيلة لهم في الحصول على ما يمنع عنهم الذُّلة والخضوع والمسألة. وقد وردت الدلالة نفسها في نهج البلاغة في المواضع الاتية (خ / 192، ك / 26 ، ك 53). باستعمال ألفاظ (المَسْكَنَةِ). و(مَسَاكين). فضلاً عن مجيئها بدلالة الالفاظ (الاستكانة) و (مُستكينون) و (مُسْتَكِنة) في كل من (خ / 83، 91، 153، 186، 192).


1) ينظر : جواهر الكلام، للشيخ محمد حسن : 310/10، و 319.

2) نفسه : 319/15.

3) نهج البلاغة : ك / 35.

4) نفسه : 551.

5) البقرة / 61.

6) نفسه : 55.

7) ينظر : الجامع لاحكام القرآن، للقرطبي : 430/1.

8) ينظر : الدر المنشور في التفسير المأثور، للسيوطي : 178/1.

9) نهج البلاغة : ك / 53 : 560.

10) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي حديد) : 38/17.

11) ينظر : الديباج الوضي: 2531/5.

ثانياً : الدلالة على الهدوء والوقار

وتحققت هذه الدلالة باستعمال لفظة (السَّكينة) التي وردت غير مرة في نهج البلاغة، فضلاً عن ورودها في القرآن الكريم، فهي من المفردات التي استعملها الباري جل جلاله في قوله تبارك وتعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)(1). وقد ذكر المفسرون أنّ (السَّكينة) مأخوذة من (السُّكُون). والمعنى : أنّ اللّه أنزل في قلوبهم السكون والطمأنينة (2). وقيل : وإنما يقال له (سكينة) إذا سكن عن الميل الى الشهوات (3). جوّز بعضهم أن تكون الرّحمة والوقار (4). وذهب الزمخشري الى أنّ المسكين هو الدائم السكون الى الناس ؛ لأنه لا يملك شيئاً، وأنما قيل له (مِسكين) مبالغة في شدة سكونه، كما قيل للدائم السكر مِسْكِير (5). أما في نهج البلاغة أما في نهج البلاغة، فقد وردت هذه اللفظة في مواضع متعددة، منها قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق وصيّة كتبها الى بعض عماله الذين استعملهم على الصدقات يقول فيه : ((.. فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى الْحَيِّ فَانْزِلْ بِمَائِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخَالِطَ أَبْيَاتَهُمْ، ثُمَّ امْضِ إِلَيْهِمْ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ، حَتَّى تَقومَ بَيْنَهُمْ فَتُسَلَّمَ عَلَيْهِمْ...)) (6). وفي النص إشارات تعليمية، وطرائق تأديب لعماله الذين يرسلهم الى الناس. منها أنه أمرهم بالنزول الى مياه القبيلة ؛ لأنّ من عادة العرب أن تكون مياههم بعيدة عن بيوتهم فلا تخالطها (7)في مراعاة الى التنكب عن بيوتاتهم ومجانبة الاطلاع على نسائهم وأعراضهم، فضلاً عما في ذلك من الإراحة للعامل ولدابته. ولما كان الرفق بالرعية من أهم مطالب اللّه جل جلالة، لما في ذلك من استلزم الالفة واجتماع القلوب، لهذا أكد (عَلَيهِ السَّلَامُ) على عاملة الرفق بالرعية والشفقة عليهم (8)، فاستعمل لهذا المعنى الفاظاً تدل على حسن الخلق مثل كلمتي (السَّكينة) و (الوَقَار)، دلالة على الهدوء والوقار فيهم، حتى لا يُزعجهم، وليكون ذلك أقرب الى تقرير خواطرهم وتسكين نفوسهم (9). ومفردة (السَّكينة) وَصف مشتق على زنة (فَعيلة). ويذكر اللغويون أن هذا الضرب من الوصف إذا لحَقْته تاء التأنيث تحول من الوصفية الى الاسمية (10)، فلا تكون اللفظة – حينذاك – دالة على (المَسْكون)، وإنما تصير بمعنى الذي أتخذ (السَّكِينة) سبيلاً وخُلُقاً. مثل (الذَّبيح، والذَّبيحة) التي فرّق بينها اللغويون، فذكروا أن (الذَّبيحة) ليست كـ (الذَّبيح) ؛ فالذبيح ما ذُبح، والذَّبيحة، ما أُعدَ للذِّبْح. (11)


1) الفتح / 4.

2) ينظر : الكشاف : 4 / 336.

3) ينظر : روح المعاني، للآلوسي : 92/26.

4) نفسه.

5) ينظر : الكشاف : 1 / 244، ومعاني الابنية : 64.

6) نهج البلاغة : ك / 25 : 481.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة : (البحراني) : 2296/4.

8) نفسه.

9) ينظر : الديباج الوضي: 5 / 2212.

10) ينظر : شرح الشافية، للرضي : 12/22، 13، ومعاني الابنية : 64.

11) ينظر كتاب سيبويه : 213/2، وأدب الكاتب، لابن قتيبة : 228، ومعاني الابنية : 64 : 65.

فكأن الذي لزمته (السكينة)، صارت فيه صفة لازمة، وجزءاً من أوصافه وخلقه. ويبدو هذا المعنى مناسباً لدلالة هذه اللفظة في السياقات التي وردت فيها نهج البلاغة، ومنها : (ح / 66، 91، 222)

السائل

السَّائل الفقير (1). والسائل الطالب أيضاً (2). وقيل : إن السائل هو المسكين (3). وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (المسألة) ست مرات في نهج البلاغة، في حين انه استعمل لفظة (السؤال)، و (السائلين) أربع مرات لكل منها. ولفظة (السائل) بصيغة اسم الفاعل المحلى بـ(ال) ثلاث مرات، وجمعها (السائلون) مرة واحدة (4)، وذلك للدلالة على الطلب والاستجداء. فمن ذلك استعماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (السؤال) للدلالة على الاستعطاء، في سياق حديثه عن ما يُقطر ماء الوجه عند الإنسان : ((مَاءُ وَجْهِكَ جَامِدٌ يُقْطِرُهُ السُّؤَالُ، فَانْظُرْ عِنْدَ مَنْ تُقْطِرُه.)) (5). فاستعار (ماء الوجه) للحياء الذي يذهب من وجه السَّائل بسؤاله، ولهذا أشار الى ضرورة السؤال موجهاً الى الناس من أهل المروءة والكرم والمعروف وتوحي مفردة (السؤال) - هنا - بأنّ طلب أيّ شيءٍ واستعطاءه يكون مقروناً بالذُّلّة والحياء والشَّدة في السؤال، وهذا ملمح نفسي توحي به هذه المفردة، وذلك بسبب من ارتباط (السؤال) بكرامة الإنسان ومنزلته ؛ فلا يكون الإنسان (سائلاً) أو بمنزلة السائل ؛ إلا إذا مرت به الشدائد العظيمة (6). ولهذا قال الباري جل جلاله: (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ) (7). والسائل – هنا - هو هو المحتاج. والأمر بعدم النَّهْر، إشارة الى ضرورة الرّد الجميل عليه، إمّا بعطاء أو بقول حَسَن (8).

و (السَّائلون) طبقة من طبقات المجتمع التي ذكرها أمير المؤمنين في قولته التي يدعو فيها على من لم يوف السائلين حقهم : إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : (وَبُؤْسى لِمَنْ خَصْمُهُ عِنْدَ اللّه الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ وَالسَّائِلُونَ وَالْمَدْفُوعُونَ وَالْغَارِمُون وَابْنُ السَّبِيلِ)) (9). وقد جعل الإمام (السَّائلون) في المرتبة الثالثة بعد الفقراء والمساكين من حيث حاجتهم وعدم كفايتهم ونزر ما يملكون. ونظير هذه الدلالة وردت في (خ / 91، 93).

البأساء

إشارة:


1) ينظر : العين (سأل) : 301/7، ولسان العرب (سأل) : 319/11.

2) ينظر : لسان العرب (سال) : 11 / 319.

3) نفسه (سكن) : 216/113.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 207، 208.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (بحراني) : 482/5، والديباج الوضي: 2978/6.

6) ينظر : الديباج الوضي: 6 / 2978.

7) الضحى / 10.

8) ينظر : المحرر الوجيز 5 / 495.

9) نهج البلاغة : ك / 26 : 485.

رَجُلٌ بُؤْس شُجَاع (1)والبائس الرجل الذي نزلت به بَليَّةٌ أو عدمٌ. (2)والبُؤس الشَّدَّةِ والفَقْرِ، والبَائِس المُبْتلى (3). والبُؤسى خلاف النُّعْمى (4). والبأساء الجوع والضراء في الأموال والانفس (5). وقد وردت الفاظ (البأس) سبع مرات في نهج البلاغة، وحظيت لفظتا (البؤسى) (بؤساً) بموضعين، في حين جاءت الفاظ (بَأْسُكم) و (بأْسُه)، و (البأساء)، و (بؤسه)، (والمُبْتَئِس) مرة واحدة لكل منها (6). وذلك للدلالة على ما يأتي:

اولاً : الدلالة على القتال والحرب

وهذه الدلالة من اكثر الدلالات شيوعاً في استعمال هذه الالفاظ في نهج البلاغة. ومن ذلك قول امير المؤمنين (عليه السلام) في سياق وصف شجاعة رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وأتقاء المسلمين به يوم اشتداد الحرب : ((كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللّه (صلى اللّه عليه وآله)، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَّا أَقْرَبَ إِلَى الْعَدُقِّ مِنْهُ.)) (7)وقد شرح السيد الشريف الرضي كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله : ((ومعنى ذلك : أنه إذا عَظُم الخوف من العدو، واشتد عِضَاضُ الحربِ، فَزِعَ المسلمون إلى قتال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) بنفسه، فيُنزل اللّه تعالى النصر عليهم، ويأمنون مما كانوا يخافونه بمكانه وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (إذا احمر البأس) كناية عن اشتداد الأمر، وقد قيل في ذلك أقوال أحسنها : أنه شبه حمي الحرب بالنار التي تجمع الحرارة والحمرة بفعلها ولونها. وممّا يقوي ذلك قول الرسول (صلى اللّه عليه وآله)، وقد رأى مُجْتَلَدَ (8)الناس يوم حنين، وهي حرب هوازن (9): ((الآن حَمِيَ الوَطِيسُ)) (10)فالوطيس : مستوقد النار، فشبه رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) ما استحرّ من جلاد القوم باحتدام النار وشدة التهابها))(11). وقد أعاد شُرّاح نهج البلاغة كلام الشريف الرضي عند شرحهم قول أمير المؤمنين (12)((إذا أَحْمَرَّ البَأْسُ...)). وزاد بعضهم أن قوله (احْمَرَّ البَأْسِ)، كناية عن شَدَّة ملاحظة شبهه بالنار المؤقدة (13). أقول : وللإمام نص شبيه بقوله المتقدم مع اختلاف في الأمر في الحرب مع بعض الفاظه، ورد في سياق كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم) وتقديمه أهل بيته في القتال الشديد. يقول فيه الإمام : ((وكان رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسِ، وَأَحْجَمَ النَّاسُ، قَدَّمَ


1) ينظر : العين (بَأسَ): 7 / 316، والمحكم (بأس) : 562/8.

2) نفسه.

3) ينظر : المحكم (بأس) : 562/8.

4) ينظر : تاج العروس (بأس) : 432/15.

5) ينظر : المحكم (بأس) : 562/8، ولسان العرب (بأس) : 21/6.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 46.

7) نهج البلاغة : غ / 9 : 654.

8) جَلَدَه رمى به إلى الأرض، وتجالد القوم بالسيوف واجتلدوا، والمجتلد موضع الجلاد، وهو الضرب بالسيوف. ينظر : لسان العرب (جلد) : 125/3.

9) وتسمّى بحرب (هوزان)، وهي إحدى القبائل العربية التي اجتمعت لقتال النبي الأكرم (صلى اللّه عليه واله وسلم) بعدما فتح اللّه سبحانه على نبيه مكة. فاجتمعت هذه هذه القبيلة ومن تحالف معها، وساروا إلى وادي (حنين) لقتال النبي الأكرم (صلى اللّه عليه واله وسلم) سنة (8) هجرية. وفيها قال النبي (صلى اللّه عليه واله وسلم) بعد أن رأى مُجْتَلَدَ القوم : ((الان حَمِي الوطيس)). ينظر : السيرة النبوية، (ابن هشام) : 5 / 113.

10) مسند احمد بن حنبل : 1 / 207، والسيرة النبوية، ابن هشام : 5 / 113، والمجازات النبوية : 59.

11) نهج البلاغة : غ / 9 : 654، والمجازات النبوية : 59.

12) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 5 / 514، والديباج الوضي: 2920/6.

13) نفسها.

أَهْلَ بَيْتِهِ فَوَقَى بِهِمْ أَصَحَابَهُ حَرَّ السُّيُوفِ وَالأَمسِنَّةِ...)) (1)و(احْمَرَّ الْبَأْس) كناية عن اشتداد القتال وحرّه وقيام وقيام الحرب على ساقها (2)، كما يبدو المعنى من السياق الذي انتظمت فيه هاتان اللفظتان. ومثل هذه الدلالة وردت في (خ / 118، و ك / 12، ك / 28).

ثانياً : الدلالة على الشدة والصعوبة والفقر في الحياة.

وتجيء هذه الدلالة بالمرتبة الثانية بعد الدلالة على شدة الحرب والقتال. وهذا المعنى يختلف عن دلالة الشدة في الحرب في أنها لا تختص بالقتال والحرب، وإنما بالشدة في الحياة وما يتعلق بها. وقد جعل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا المعنى علامة على صنف من أصناف الناس الذين يتكون منهم المجتمع، وهم من الطبقة السفلى فأسماهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بـ (أهل البؤسى). وذلك في قوله موصياً عامله على مصر: (ثُمَّ اللّه اللّه فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لَا حِيلَةَ لَهُمْ وَالْمَسَاكِينِ وَالْمُحْتَاجِينَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَى وَالزَّمْنَى ...)) (3). والْبُؤسى هم ذوو البؤس الذين ارتحل عنهم النَّعيم ونزل بهم شظف العيش. وبهذا يكون أهل الْبُؤسى أضعف حالاً من المساكين والمحتاجين ؛ ومن الفقراء أيضاً. ولهذا لا أرى صواب من ذهب الى أنّ (الْبُؤْسَى) هي شدة الفقر (4). ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق الحديث عن الزهد في الدنيا (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((عِبادَ اللّه أُوصِيكُمْ بِالرَّفْض لهذهِ الدُّنْيَا التَّارِكَةِ لَكُمْ... وَلاَ تَعْجَبُوا بَزِينَتِهَا وَنَعِيمِهَا، وَلاَ تَجْزَعُوا مِنْ ضَرَّائِهَا وَيُؤْسِهَا، فَإِنَّ عِزَّهَا وَفَخْرَهَا إِلَى انْقِطاع...)) (5)وقد جمع الإمام الإمام في هذا النص لفظتي (ضرّاء) و (بؤس). فأما (الضَّرَّاء)، فمأخوذة من الضر، وهو في اللغة ضدُّ النَّفْع، والضَّرَّاء نقيض السَّراء كما يقول اللغويون (6)، و الضَّرَّاء النقص في الأموال والأنفس (7). وأما البؤس، فهو الشَّدَّة والفقر كما تذكر المدونات المعجمية (8). إن دلالة المفردتين في استعمال الإمام لها يخالف الدلالة المعجمية التي ذكرها اللغويون، فمفردة (ضَرَّائها) في قوله توحي بالدلالة على السوء وعدم الراحة في الدنيا، بكل ما يجيء فيها من علل ومتاعب وآلام، يَتَضرر بسببها الإنسان، وأما كلمة (بؤسها) فتدل على الشدة وضعف الحال. أمّا أيُّ اللفظتين أكثر دلالة على الشدة، فيبدو لي أن العلاقة بينهما علاقة عام بخاص، (فالبؤس) أخص من (الضَّر)، لأنّ البؤس الشدة وضعف الحال، وهو ضرب من تسلط الدنيا وتمكنها من إضعاف حال الإنسان ومما تجدر الاشارة اليه أن هاتين المفردتين قد وردتا في القرآن الكريم، وذلك في قوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (9).وفسرت البأساء بالفقر والفاقة، والضَّرَّاء بالمرض ومصائب البَدَن. (10)وثمة دلالات اخرى مشابهة مشابهة للدلالة المتقدمة في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وردت في (خ / 114، 115، ك /45، ك53).


1) نهج البلاغة : ك / 9 : 466.

2) ينظر : الديباج الوضي: 5 / 2138.

3) نهج البلاغة : ك / 53 : 560.

4) نفسه: هامش (7).

5) نفسه : خ/ 99 : 180.

6) ينظر : المحكم (ضرر) : 149/8.

7) نفسه.

8) المحكم (بأس) : 562/8.

9) البقرة / 177.

10) ينظر : المحرر الوجيز: 244/1.

ثالثاً : الدلالة على بأس اللّه تبارك وتعالى

وَبأسْهُ جل جلاله صَوْلاته ووقائعه بالأمم المُستكبرة. يقول أمير المؤمنين في سياق الاعتبار بالماضين : ((فَاعْتَبِرُوا بَمَا أَصَابَ الْأَمَمَ المُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ بَأْسِ اللّه وَصَوْلَاتِهِ، وَوَقَائِعِهِ وَمَثْلَاتِهِ (1))). (2). وبأس اللّه هو عذابه ونقماته (3). ويبدو أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أراد بيان وسيلة هذا البأس من خلال ذكره مفردات (صَوْلاته) و (قائعه) و (مَثُلاته) التي تدل على سطوة اللّه على عباده وغلبته عليهم، وقهرهم بالوقائع التي أوقعها بهم وأنزلها بساحاتهم على مرّ التأريخ وما أوقعه اللّه بهم من عُقوبات (4). وهناك دلالات أخرى شبيهة بهذه الدلالة وردت في (خ / 192)

رابعاً : الدلالة على القوة والحزم في الرأي العسكري

وقد وردت هذه الدلالة في سياق خطاب امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الناس وقد دعاهم الى الجهاد، فطلبوا ان يخرج معهم، فقال لهم مُعنَّفاً : ((مَا بَالُكُمْ لاَ سُدّدْتُمْ لِرُشْد ! وَلَا هُدِيتُمْ لَقَصْد ! أَفِي مِثْلِ هَذَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَخْرُجَ؟ إِنَّمَا يَخْرُخُ فِي مِثْلِ هَذَا رَجُلٌ مِمَّنْ أَرْضَاهُ مِنْ شُجْعَانِكُمْ وَذَوِي بَأْسِكُمْ، وَلَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَدَعَ الْجُنْدَ، وَالْمِصْرَ، وَبَيْتَ الْمَالِ، وَجِبَايَةَ الأرْضِ...)) (5). والسياق - هنا - سياق يبين فيه الإمام أن ليس كل جهاد وحرب يوجب. خروجه اليها، وإنما يجوز أن يخرج إليها رجل يرتضيه الإمام من شجعان القوم، يكون قوياً وحازماً في اتخاذ القرارات التي تتطلبها المعركة. ولهذا الإمام مفردة (شُجعان) ؛ للدلالة على الشجاعة في الحرب، ومن ثَمّ أورد لفظة (ذوي بَأْسِكُم) ؛ للدلالة على القوة في الحزم وإدارة المعركة بحسب ما يبدو ؛ لأنّ المعركة والجهاد يحتاجان إلى أمرين ؛ الأول شجاعة القائد. وهو الأهم والأولى بالتَّقْدمة، فلهذا جعله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صدارة خصال من يرتضيه من هؤلاء القادة. والثاني (البأْسُ) الذي يمثل عندي القسيم لخُصلة الشجاعة وعلى الرغم من دلالة هذه الكلمة على الحرب والشجاعة كما تتذكر المدونات المعجميّة (6)فإننا يمكن أن نفهم من تعبير الإمام (ذوي بَأْسكُم) الدلالة على حصافة الرأي في الحرب خاصة. وهذا معنى جديد ينفرد به الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولم تذكره المتون المعجمية. ومما يعزز هذا الوجه ما ذكره أبو الحسين يحيى بن حمزة الحسيني في معنى قوله (ذوي بأسكم قائلاً : ((أن يكون صاحبَ تَجربة في الحروب الشديدة ممن قَدْ حَنَكتْه التَّجاربُ فيها...)) (7). ومثل هذه الخصال هي التي تُمكّن الرجال الأشداء من أنْ يحلُّوا مَحَلَّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قيادة الجيش للحرب أو الجهاد.


1) صَالَ يَصُوْل صَوْلاً. سَطَا وَحَمل على غيره وقهره. ينظر : تاج العروس (صول) : 335/29 وصؤلات اللّه تبارك وتعالى، سطوته على عباده وغلبته عليهم وقهرهم.

2) المثلات من الفاظ القرآن الكريم، قال تعالى : ((... وقد خلت من قبله المثلات)) الرعد /6. والمثلات جمع (مثله) وهي العقوبة. فكأن من عوقب صار مثلاً. ينظر لسان العرب (مثل) : 615/11.

3) نهج البلاغة : 192 : 366.

4) ينظر الديباج الوضي : 1999/4.

5) نهج البلاغة : خ/ 119: 221.

6) ينظر : العين (بأس) : 316/7، والمحكم (بأس) : 8 / 562.

7) الديباج الوضي: 983/2.

فضلاً عن ذلك فإننا نريد على المثن المعجمي أن مفردة (بَأْس) التي خَصها اللغويون بالدلالة على الشجاعة والشدّة (1)، تدل على شجاعة الرأي وحصافته في الحرب أيضاً.

خامساً : الدلالة على ما بعد الموت من الحساب والعذاب

وجاءت هذه الدلالة في سياق كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يتحدث فيه عن الدنيا وادبارها. يقول الإمام : ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ، وَآذَنَتْ بِوَدَاعِ، وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ، وَأَشْرَفَتْ بِاطّلاع، أَلَا وَإِنَّ اليَوْمَ المِعْمارَ، وَغَداً السَّبَاقَ، وَالسَّبَقَةُ الجَنَّةُ وَالغَايَةُ النَّارُ ؛ أَفَلَا تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ أَلَا عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمٍ بُؤْسِهِ أَلَا وَإِنَّكُمْ فِي أَيَّامٍ أَمَل مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ ...)) (2). واستعمل الإمام مفردة (بُؤسه) ؛ للدلالة على الموت والحساب، وهو وهو يوم العرض على اللّه تبارك وتعالى الذي تزلف فيه الجنة للمتقين، وتُبرز الجحيم للغاوين كما يقول تبارك وتعالى : (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ) (3). ولهذا وطّأ الإمام لـ (يوْم بُؤْس الناس) بالتَّوْبة، إشارة الى أنغماسهم بالذنوب التي يحتاج المرء أن يكفَّر عنها قبل موته ؛ لتكون مقدمة للاعمال الصالحة، وحتّى يتجنب الإنسان (يوم بُؤْسِه) الذي هو إشارة الى ما بعد الموت من العذاب. (4)

سادساً : الدلالة على الدعاء بالبُؤْسِ

وقد استعمل الإمام في هذا الضرب من الدلالة لفظة (بؤس) للدعاء (بالبُؤْسِ) على من كل خصمه عند اللّه الفقراء والمساكين والسائلين. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) مخاطباً بعض عماله على الصدقات : ((...وَإِنَّ لَكَ في هَذِهِ الصَّدَقَةِ نَصِيباً مَفْرُوضاً، وَحَقَّاً مَعْلُوماً، وَشُرَكَاءَ أَهْلَ مَسكَنَة، وَضَعَفَاءَ ذَوِي فَاقَة إِنَّا مُوَفُوكَ حَقَّكَ، فَوَفِّهِمْ حُقُوقَهُمْ، وَإِلَّا تَفْعَلْ فَإِنَّكَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ خُصُوماً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَبُؤْساً لِمَنْ خَصْمُهُ عِنْدَ اللّه الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ وَالسَّائِلُونَ...)) (5). ولما كان من عظيم أمر الصدقة ووجوبها، وضرورة أمانة القائمين عليها ووجوب اخلاصهم اخلاصهم اللّه تبارك وتعالى في تحصيلها، نلاحظ تشديد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على عامله الذي بعثه لجمع الصدقات، وتقديمه أضعاف مستحقيها ممن هم أضعف حالاً على القائمين عليها، وأمره (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأن يوفي هذا الرجل حق هذه الطبقة من الناس، ولهذا ذكر له ان عدم اعطائهم حقوقهم سيؤول به الى كثرة الخصوم يوم القيامة، فضلاً عن وقوعه في مرتع الخيانة. ولذلك دَعَا (عَلَيهِ السَّلَامُ) على هذا النوع من الناس بـ (البُؤسَى)، وهي شدة الفاقة والانتقال من حالة (النعيم) الى الحال البائسة التى سيكون عليها الإنسان إذا لم يؤد الحقوق الشرعية الى أهلها وهذا الدعاء من أشد الأدعية على (القائمين) بأمر الصدقات ؛ لاسيما جهة تأثيره في نفوسهم ؛ لأنهم كثيراً ما اختلطوا بين الناس ولمسوا حال الفقراء والمستحقين للصدقات، وشدة بؤسهم. فكيف يتصورون حالتهم إذا صاروا مثلهم في البؤس وشدّة الفتك. ولم يقتصر الدعاء (بالبُؤْس)، بتوظيف كلمة (بُؤْس) لهذا المعنى عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على هذه الفئة من الناس، وإنما وجدنا سياقاً آخر وفئة أخرى من الناس دعا الإمام عليهم بهذا


1) ينظر : لسان العرب (بأس) : 21/6.

2) نهج البلاغة : خ / 28 : 64.

3) الشعراء / 91.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 258/2.

5) نهج البلاغة : ك / 26 : 484، 485.

التعبير وذلك قوله، وقد مرَّ بقتلى الخوارج يوم النّهروان (1): ((بُؤْساً لَكُمْ، لَقَدْ ضَرَّكُمْ مَنْ غَرَّكُمْ ...))(2). ويلحظ انّ الدعاء (بالبُؤْس) - ههنا - هو للقتلى. ويبدو أنّ المراد به بُؤْسُهم في الآخرة، وذلك بأن ينالوا غضب اللّه تبارك وتعالى وسخطه ؛ بسبب من اتباعهم الشيطان المُضّل الامارة بالسُّوْء. وهو ما ذكره الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في اجابته من قال له : مَن غرّهم يا أمير المؤمنين ؟ فقال : الشَّيْطَانُ الْمُضِلَّ، وَالأنْفُسُ الأَرَمَّارَةُ بِالسُّوءِ، غَرَّتْهُمْ بالأمَانِي، وَفَسَحَتْ لَهُمْ فِي المَعَاصِي، وَعَدَتْهُمُ الْإظْهَارَ، فَاقْتَحَمَتْ بِهِمُ النَّارَ.)) (3). وقد ذهب شُراح النهج مذهبين في دلالة لفظة (بؤساً) الواردة في كلام امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ فمنهم من رأى أنّ (البُؤْس) هو الشدّة (4). ومنهم من وجد فيها معنى الدعاء بالعذاب (5).

الغارم

الغُرْمِ الدَّيْن، ورجل غارم عليه دين (6). والغَريم الذي له الدَّيْن، والذي عليه الدين أيضاً (7)، والجمع (غُرَمَاء) (8). والغارم الذي يلتزم ما ضمنه وتكفّل به (9).

وقد وردت لفظتا (الغارم)، و (الغارِمُون) في نهج البلاغة مرة واحدة لكل منهما (10)، للدلالة على من عليه الدَّيْن، وهو المُسمى في المُصْطلح الاقتصادي (المَدِيْنُ). وذلك في قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((فَمَنْ آتَاهُ اللّه مَالاً فَلْيَصِلْ بِهِ الْقَرَابَةَ، وَلْيُحْسِنْ مِنْهُ الضَّيَافَةَ، وَلْيَفُكَ بِهِ الْأَسِيرَ وَالْعَانِي (11)، وَلْيُعْطِ مَنْهُ الْفَقِيرَ وَالْغَارِمَ)) (12). والغارم المدين الذي عليه دين (13). وقيل بل هو من لحقه غرم من نائبة أصابته (14). ولا يبعد أن. يكون صاحب النّائبة من الغارمين الذين أصابتهم ضائقة أو نقص في الأموال، فأضطره الحال الى الاستدانة أو الاقتراض. ونظير هذا المعنى سيقت له لفظة (الغارِمُؤن) بالجمع ؛ للدلالة على إحدى الطبقات المُسْتَحَقة للصدقات والعطاء في الإسلام وهم المدينون، وذلك في (ك / 26)


1) وهي كورة واسعة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي. حدّها الأعلى متصل ببغداد، وكانت بها وقعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مع الخوارج، وفيها نهر يسمى (نهروانا) وهي مفردة معرّبة من الفارسية، أصلها (جُورن) ومعناها : (إنْ قل ماؤه عطش أهله، وإن كثر غرقوا). ينظر : معجم البلدان، الياقوت الحموي : 5 / 325.

2) نهج البلاغة : قصا / 323 : 667.

3) نهج البلاغة : قصا / 323.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) 9 : 478/5.

5) ينظر : معارج نهج البلاغة : 2 / 876، والديباج الوضي: 6 / 2964.

6) ينظر : المحكم (عزم) : 5 / 519، ولسان العرب (غرم) : 436/12.

7) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 263/3.

8) ينظر : المحكم (غرم) : 519/5.

9) ينظر النهاية في غريب الحديث : 263/3.

10) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 336.

11) العاني الأسير الخاضع الذليل. ينظر لسان العرب (عنا) : 102/15.

12) نهج البلاغة : خ / 142 : 250.

13) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 3 / 593.

14) ينظر : الديباج الوضي: 1137/3.

أملق

إشارة:

الإملاقُ كثرة إنفاق المال وتبذيرهُ حتَّى يُورّث حاجة (1). وامْلَقَ الرّجُلُ أي افْتَقَر (2)و الإمْلاق الافتقار (3). واصل الإمْلاق عند اللغويين الإنفاق ثم صار الفقر تابعاً له، وذلك باستعمال لفظ السبب في موضع المُسبّب حتى صار به أشهر. (4)والإمْلاق الإفساد أيضاً (5). والمَلَق الودّ واللطيف الشديد، وهو أيضاً الترفّق والمداراة (6). ولفظة (أملق)، و (أمْلَقْتُم) و (مَلَقٌ) من الفاظ نهج البلاغة ؛ فقد وردت كل مفردة منها مرة واحدة فيه (7)، وبالدلالات الاتية :

اولاً : الدلالة على شدة الفقر وحِدَّته

وجاءت هذه الدلالة في سياق كلام امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن عقيل ابن ابي طالب وتشظف عينيه، إذ يقول الإمام في ذلك : ((وَاللّه لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلاً وَقَدْ أَمْلَقَ حَتَّى اسْتمَاحَنِي مِنْ بُرّكُمْ صَاعاً، وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ الشُّعُورِ، غَيْرَ الأَلْوَانِ، مِنْ فَقْرِهِمْ..)) (8). وتبدو دلالة مفردة (أملق) واضحة في الاشارة الى شدّة فقر (عقيل بن بن أبي طالب) ، وسوء حالته في العيش هو وعائلته، والقرائن على هذا المعنى ظاهرة في السياق، كمفردة (استماحني) التي توحي بطلب العطاء والمنح (9)، وهي تحمل دلالة نفسية تشير الى ضَعْف حال صاحبها وقلة مؤونته. فضلاً. فضلاً عن تعابير أخرى مثل : (شُعْث الشعُورِ)، (غَيْرِ (الألوان) و (فَقْرهم) التي بَيَّنَ بها الإمام سوء حالتهم ذاكراً انّ سبب ذلك راجع الى (فَقْرهم). وثمة إشارات عند بعض الشرّاح في تعليقه على مفردات هذا النص. من قبيل ما ذكره عن معنى لفظة (اسْتَمَاحني) التي وجهها بدلالة الاستعطاء ؛ لكثرة الإملاق والحاجة، علاوة على دلالة مفردة (أملق) نفسها التي دلت الافتقار والحاجة، ومن ثَمّ بيان ما أصاب صبيان (عقيل بن أبي طالب) من سوء فإنّ الجوع إذا كَثُر في الإنسان غيّر لونه وحاله (10).

أقول : وقد استعمل القرآن الكريم لفظة (الإمْلاق) دالة على شدّة الفقر والفاقة. وذلك في قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (11).وفسرها المفسرون الإملاق بالفَقْر، وهي عندهم لفظة (أرْمَلَ)، وهو الذي لم يَبْقَ له شيء إلاّ الرّمل، و (أترب) الذي لم يَبْقَ له إلا التراب،


1) ينظر : لسان العرب (ملق) : 348/10.

2) ينظر : تهذيب اللغة (ملق) : 149/9.

3) ينظر : لسان العرب (ملق) : 348/10.

4) نفسه.

5) ينظر : لسان العرب (ملق) : 348/10، وتاج العروس (ملق) : 406/26.

6) نفسه : 347/10.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 424.

8) نهج البلاغة : خ / 224 : 237.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 53/4.

10) ينظر الديباج الوضي: 1811/1، 1812.

11) الانعام / 151، وينظر الاسراء / 31.

وكذلك (المُمِلق)، وهو الذي لم يَبْق له إلاّ المَلْق وهي الحجارة السود ومفردها ملقة(1)، كما يذكر ابن عطية الغرناطي (2). يريدون أنّ المُمِلق هو الذي افتقر ولم يبق له أي شيء يقتات عليه فهو في شدة الفقر والعسر، من غذاء أو مال وغيرها من لوازم العيش. وقد فسّر الخطيب الاسكافي (ت 420هـ) ذلك بانقطاع المال و الزاد (3)وهما أساس العيش في الحياة.

ثانياً : الدلالة على شدة الافتقار الى رضا اللّه تبارك وتعالى والحاجة اليه بوصفه مُدرّ النَّعم.

وقد ساق الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا المعنى من خلال كلمة تحدث فيها عن (إمْلاق) الناس، وطريقة معالجة هذا الإملاق. إذ يقول : ((إذا أَمْلَقْتُم، فَتَاجِرُوا اللّه بالصَّدَقَةِ)) (4). ويفهم من ورود كلمة (أمْلَقْتُم) في هذا السياق دلالتين ؛ الأولى : أن المراد بالإملاق ابتداء هو شدة الفقر والحاجة الى الامور التي تتطلبها الحياة من مأكل وملبس وغير ذلك. والثانية الافتقار الشديد والحاجة الى رضا اللّه تبارك وتعالى ؛ فإما المعنى الأول، فقرينته مفردة (أملفتم) نفسها الدالة على الفقر والحاجة. وأما المعنى الثاني، فدلت عليه لفظتا (تاجروا) و (الصدقة) فالمتاجرة هي عملية البيع والشراء التي تكون بين طرفين (5). (والصَّدَقة) مفردة اسلامية شائعة تدل على ما يُعطيه الإنسان في ذات اللّه للفقراء والمساكين (6). وهي مشتقة من الصدق (7)، فالمُتَصدَّق هو الذي يكون صادقاً في عطائه للفقراء والمساكين. ولهذا مدح اللّه المُتَصدَّقين والمتصدقات بجميع أصنافهم سواء أكانوا أغنياء أم فقراء، ومدح قبلهم الصادقين قائلاً : (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (8). وبحسب هذا المنهج القرآني جعل الإمام الصَّدَقة) التي يدفعها (المُمْلِقون) بمنزلة التجارة مع اللّه تبارك وتعالى ؛ تَرْغيباً لهم وتعويضاً عمّا أنفقوه، وهم أولى باستجلاب الرزق من غيرهم، عن طريق الصدقة ؛ لاستشعار صدقهم ورقتهم على غيرهم ؛ لأنهم على حال واحد (9). وبهذا صارت لفظتا (تَاجَرُوا) و (الصَّدَقة) قرينة مفردة (أمْلَقْتم) الى الدلالة على الحاجة والافتقار الى كسب رضا اللّه واستنزال رزقه ونعمه. وهو المعنى الثاني الذي يوحي به النَّص.


1) اقول : ولم أعثر على هذه الدلالة في المعاجم العربية، الا أن الازهري ذكر أنهم يقولون : ((للحصاة الملساء اللينة مَلَقة، وجمعها ملقات)) ونقله بعده المعجمون : ينظر : تهذيب اللغة (ملق) : 149/9، ومقاييس اللغة (ملق) : 351/5، ولسان العرب (ملق) : 347/10.

2) ينظر : المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز : 361/2.

3) ينظر : درة التنزيل وغرة التأويل، لأبي عبد اللّه محمد بن الخطيب الاسكافي : 74.

4) نهج البلاغة : قصا / 258 : 648.

5) ينظر : لسان العرب (تجر) : 89/4.

6) ينظر لسان العرب (صدق) : 10 / 196، والتطور الدلالي بين لغة الشعر والقرآن الكريم. عودة خليل ابو عودة : 261.

7) ينظر : التطور الدلالي بين لغة الشعر والقرآن الكريم : 216.

8) الاحزاب / 35.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 463/5.

ثالثاً : الدلالة على التَّمَلُّقِ :

والتَّمَلُّق ضَرْب من شدّة التَّوَدُّد والتَّلطَّف الى الآخرين رغبةً في التقرب اليهم. يقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((الثَّنَاءُ بِأَكْثَرَ مِنَ الْاسْتِحْقَاقِ مَلَقٌ، وَالتَّقْصِيرُ عَنِ الْاسْتِحْقَاقِ عِيَّ وحَسَدٌ)) (1). (والملق) عند الإمام ضرب من التَّطرُّف والاكثار من الثناء والمدح على الآخر. كما أنّ التَّقْصير عن الاستحقاق تطرّف أيضاً ؛ لأنه يستلزم عدم منح الآخر حقه من المودة. وذلك إما عِيُّ وعدم إفصاح بالثناء، أو حسد يوجب سُقْما للمَوَدَّة كما يذكر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله : ((حَسَدُ الصُّديقِ من سُقْم المَوَدَّة)) (2). لأن الحسد يكون مصحوباً بتمني زوالِ نِعْمَةِ المَحْسُود (3). في حين أن (المَلَقُ) هو الإكثار من التودُّدِ واللُّطَّف والمبالغة فيهما للمُثْنى عليه. فَإِنْ جاوز الحد وأصبح مقتصراً على القول باللسان، صار كذباً ومبالغة (4). في الود لعدم إيمان (المتملق) بالثناء الذي يقوله، وبهذا يصير (التَّمَلُقُ) نوعاً من (النَّفَاقِ) ؛ لاشتراكها في التَّستُّر وعدم إظهار الشعور الحقيقي الذي ينطوي عليه نفس كل من واحد منهما. فإن المنافق هو من ستر كفره وأظهر إيمانه (5). وكذلك المُتَمَلُّق الذي يُظهر مَدْحه وثناءه الشَّدِيدينِ، ويسر في قَلْبه الكره والحقد لمن يمدحه.

مَدْفوعاً

أصل الدفع - في اللغة - تنحية الشيء (6). والدفع الإزالة بقوة (7). وتدافع القوم، أي دفع بعضهم بعضاً. بعضاً. والمُدَفَّع الرجل المحقور الذي لا يُقرى إنْ ضاف، ولا يُجْدى إن اجتدى (8). والمُدَفّع الفقير ؛ لأنّ الناس الناس تدفعه عند سؤاله من شخص الى آخر (9).

وقد استعملت الفاظ (مَدْفوعاً) و (المُدَفَّع)، و (المَدْفعُون) مرة واحدة لكل منهما (10). للدلالة على الابعاد والإزالة والمنع بقوة. وفي صدارة هذه الدلالة قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) متحدثاً عن غصب حقَّه، ودَفْعه عنه : ((فَوَاللّه مَا زِلتُ مَدْقُوعاً عَنْ حَقَّي، مُسْتَأْثَراً عَلَيَّ، مُنْذُ قَبَضَ اللّه تعالى نَبِيَّه (صلى اللّه عليه وآله) حَتَّى يَوْمِ النَّاسِ هَذَا)) (11). وتتضمن مفردة (مَدْفُوعاً) معنى الابعاد والمنع من أخذ الحَقَّ، ولهذا استعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) صيغة (مَفْعول)، لاظهار المبالغة بدفعه عن حقه، ولبيان معنى الاستمرار عن حَقَّه، وهذا من المعاني التي تدل عليها صيغة مَفْعُول (12).


1) نهج البلاغة : قصا / 347 : 670.

2) نفسه : قصا / 218 : 642.

3) ينظر الديباج الوضي : 2978/6.

4) المصدر السابق، 2978/6.

5) ينظر : لسان العرب (نفق) : 359/10، والتطور الدلالي بين لغة الشعر الجاهلي ولغة القرآن الكريم : 266.

6) ينظر : مقاييس اللغة (دفع) : 288/2.

7) ينظر : لسان العرب (دفع) : 87/8.

8) ينظر تهذيب اللغة (دفع) : 134/2.

9) نفسه : 2 / 288.

10) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 157.

11) نهج البلاغة : خ / 6 : 37.

12) ينظر : معاني الأبنية : 60.

وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (المَدْفُعُون) بصيغة الجمع على زنة (مَفْعُول) أيضاً؛ للدلالة على المستضعفين من الفقراء الذين يدفعهم الناس ويمنعونهم عند سؤالهم من العطاء. فكل يدفعهم عن نفسه. وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يتحدث فيه عن أكل حقوق مُستحقَّي الصَّدقات : ((وَبُؤْساً لِمَنْ خَصْمُهُ عِنْدَ اللّه الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ وَالسَّائِلُونَ وَالْمَدْفُوعُونَ وَالْغَارِمُ وَابْنُ السَّبِيلِ)) (1). وتحمل مفردة (المَدْفُوعُون) الدلالة على الفقر ولكنها تتسع لتكون دالة على المدفوعين المبعدين من الاستعطاء والكذية كما يبدو، فكأنهم (كالمُدَفَّعِ) الذي إِنْ نزل ضيفاً على أحد لا يُقرى، وإن اجتَدَى لا يُجْدَى كما يذكر اللغويون في دلالة مفردة (المدفّع)(2). أقول : ولما أقول : ولما كانت هذه اللفظة تحمل الدلالة على الفقر، لذلك آثر بعض الشُّرَّاح أن تكون لفظة (المدفوعون) دالة على الفقراء (3). وقيل : بل هم فقراءُ الغُزاة، وإنما سُمّوا مدفوعين لفقرهم(4). ونقل ابن أبي الحديد أنّ (المدفوعين) هم الحجيج المنقطع بهم، وإنما سُمّوا (مُدْفوعين) ؛ لأنهم دفعوا عن إتمام حجهم، أو دفعوا عن العود الى أهلهم (5). وذهب الشارح البحراني الى أنّ الإمام ربّما أراد بـ(المدفوعين) (العَامِلِيْنَ) عليها، وسمّاهم مدفوعين باعتبار أنهم يُدَفَعُوْن لجباية الصدقات، فإذا أتوا إلى من لا زكاة عليه دَفَعَهُم عن نفسه، استعمل لهم هذا الوصف لكونه وصف ذُلَّ وانقهار، ولأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق الأمر بالشَّفَقَة عليهم (6). ويمكن أنّ يكون المراد بالمدفوعين الفقراء من السائلين ؛ لكونهم يُدفعون عند السؤال (7). وهذا الوجه من الدلالة ألْيقُ بالسَّياق بالسَّياق، وبه تكون لفظة (المدفوعين) مرتبطة بمفردة (السائلين) بعلاقة الترادف الجزئي، فكأنما لفظة (المدفوعين) تفيد الدلالة على السائل الذي يُدْفَع عن سؤاله بسبب من إلحاحه الشديد في الطلب والاستعطاء.

أهل الحاجة

إشارة:

قال ابن فارس : ((الحاء والواو والجيم أصل واحدٌ، وهو الاضطرار إلى الشيء)) (8). والحاجة الفقر (9)، والحَوْج الطَّلَبُ (10)، والحَوْج بالضم الفَقْر، وقد حاجَ الرجل واحتاج إذا افتقر (11).

وقد فرّق اللغويون بين (الحاجة) و (الفَقْر)، فالحاجة القصور عن بلوغ المطلوب. يقال الثوب يحتاج إلى خُرْقة. في حين أن الفقر خلاف الغنى، والفرق بين النقص والحاجة، أنّ النقص سبب للحاجة. والنقص أعم منها ؛ لاستعماله في المحتاج وغيره (12). وقيل : بل الحاجة أعم من الفقر (13).


1) نهج البلاغة : ك /26 : 485.

2) ينظر تهذيب اللغة (دفع) : 143/2.

3) ينظر : الديباج الوضي: 2226/5.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد) : 161/15.

5) نفسه.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 233/4.

7) نفسه.

8) مقاييس اللغة (حوج) : 114/2.

9) ينظر : لسان العرب (حوج) : 2 / 42، وتاج العروس (حوج) : 495/5.

10) ينظر : تاج العروس (حوج) : 5 / 494.

11) نفسه : 495/5.

12) ينظر : تاج العروس (حوج) : 495/5.

13) نفسه.

وقد وردت لفظة (الحاجة) غير مرة في نهج البلاغة وباشتقاقات متعددة فجاءت مفردة (الحاجة) تسعاً وعشرين مرة، ولفظة (أحْوَج) خمس مرات، ولفظة (حاجتك) اربع مرات، و (الحَاجَات) ثلاث مرات. في حين استعملت الفاظ (حَاجَاتهم)، و (الحَوائج) مرتين، والفاظ (حاجَتَين) و (حوائجهم) و (حَاجَاتهم) مرة واحدة لكل منها (1)، وذلك للدلالة على ما يأتي :

أولاً : الدلالة على البغية والمأربة أو الطلب

وهذا المعنى العام لمفردة (حاجة) ؛ لأنها تدل في أصلها على المأربَة كما يذكر اللغويون(2). ومنه قول امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق كلامه عن بيعة مروان بن الحكم بعدما أُسر (يوم الجَمَل) ؛ فقيل له : يُبَايِعُكَ يا أمير المؤمنين ؟ : فقال : ((أَفَلَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ؟ لَا حَاجَةً لِي فِي بَيْعَتِهِ إِنَّهَا كَفَّ يَهُودِيَّةٌ، لَوْ بَايَعَنِي بِيَدِهِ لَغَدَرَ بِسُبَّتِهِ (3)...)) (4). والسياق - هنا - سياق ذمّ لمروان بن الحكم ؛ ولهذا نفى (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن تكون به حاجة لبيعة هذا الشخص مستعملاً في ذلك (لا) النافية للجنس. والمعنى : أن لا حاجة أو مأربة لأمير المؤمنين البَنَّة ببيعة مروان. مشيراً في ذلك الى غدره في بيعته له بعد مقتل (عثمان بن عفان). ولهذا جعل كفّ مروان كفاً يهودية في إشارة الى غدره ؛ فمن شأن اليهود الخُبث والمكر والغدر (5). وكنّى عن موضع غدر هذا الرجل بـ(سُبَّته) وذلك إشارة منه الى الغدْر الخَفِّي الذي يُخْفيه مروان ويستتر به كما يُخفي المرء سُبَّته، والسّبه الأستْ الذي يُحْرص على سَتْره (6). وذكر (عَلَيهِ السَّلَامُ) (سُبَّة مروان) إهانةً له ؛ لأنّ الغدر من أقبح الرذائل (7)، مثلما يكون الأست أقبح المواضع من الإنسان وهذه الأمور التي تتوافر في (مروان) تجعل منه امراً مذموماً فلا حاجة لأمير المؤمنين به وببيعته. ونظير هذه الدلالة. ما ورد في : (خ / 83، 91، 103، 108، 153، 154،/ 163، 182، 183، 186، 189، 191، 209 ك / 21، 31، 53 / قصا / 77، 101، 127، 257، 269، 302، 308، 361، 327).

ثانياً : الحاجة بمعنى الفقر

وفي هذه الدلالة تتخصص لفظة (الحاجة) وباشتقاقاتها العديدة بالدلالة على الفقر، حتى أنّ استعملها الإمام في التنبيه على إحدى طبقات المجتمع، وهم ذوو الحاجة وأهلها. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق تقسيم المجتمع على طبقات في عهده لمالك الأشتر) : ((وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لاَ يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ، وَلَا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ... وَمِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ..)) (8). وقوله : ((ثُمَّ


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 127.

2) ينظر : لسان العرب (حوج) : 242/2.

3) السَّبْت في اللغة الأسْتُ. ينظر : تاج العروس (سبب) : 34/3.

4) نهج البلاغة : خ / 73 : 113.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 355/2.

6) ينظر : نهج البلاغة (عبده) : 112/1. هامش (3).

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 355/2.

8) نهج البلاغة : ك /53 : 550.

الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ الَّذِينَ يَحِقُّ رِفْدُهُمْ وَمَعُونَتُهُمْ...))(1)و (الحاجة) في هذين السياقين هي الفقر، وإنما أضافها الى كلمة (أهل) إشارة الى المخصوص بهذه الصفة من فئات المجتمع. ومن متابعة (آية الصدقات) التي ذكرها القرآن الكريم، نلحظ خلوها من ذكر (أهل الحاجة). فالآية تقول :(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(2). فلم تذكر الآية المتقدمة من ذوي (الحاجة ويبدو أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) انما ذكر هذه الطبقة من المحتاجين الذين صَنَّفهم في صدارة الطبقة السفلى، بسبب من حاجاتهم الشديدة وفقر حالهم، فقَدِّمَهم على ذوي المَسْكَنَةَ، وهم من المخصوصين بالصدقات في الآية المباركة التي قَسَّمت الحقوق الشرعية على تلك الفئات من المحتاجين ولعل ذلك يرجع الى أنّ (ذوي الحاجة) هم أشد عوزاً وفقراً من (ذو المسكنة) أو (المساكين) وكأن المصطلح الذي استعمله الإمام في وصفهم يوحي بتفردهم بهذه الصفة، فأهل الحاجة هم الموصوفون بالفقر والمسكنة. ومما يعزز ذلك أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أوصى بهم مالكاً الأشتر مشدداً عليه أن يتعهدهم ويعنى بهم مُعَدَّداً معهم جُمْلَةً ممن هم بمنزلتهم في الفقر. قائلاً : ((ثُمَّ اللّه اللّه فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لَا حِيلَةَ لَهُمْ وَالْمَسَاكِينِ وَالْمُحْتَاجِينَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَى...)) (3). ومما وردت فيه لفظة (الحاجة) باشتقاقات متعددة دالة دالة على الفقر في المواضع الآتية : (ح / 193، ك / 31، 51، 53، 67، قصا / 3، 66، 227، 361)).

ثالثاً : وربما دَلّتْ لفظة الحاجة على القلّة في نهج البلاغة. وهو معنى لم يُشر اليه المعجميون. ومن ذلك قول امير المؤمنين في سياق كلامه عن الدنيا وفنائها : ((.... ثُمَّ هُوَ يُفْنِيهَا بَعْدَ تَكْوِينِهَا، لَا لِسَأَم دَخَلَ عَلَيْهِ فِي تَصْرِيفِهَا وَتَدْبِيرِهَا، وَلَا لِرَاحَة وَاصِلَة إِلَيْهِ، وَلاَ لِثِقَلِ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهِ. لَا يُمِلُّهُ طُولُ بَقَائِهَا فَيَدْعُوَهُ إِلَى سُرْعَةِ إِفْنَائِهَا، لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ دَبَّرَهَا بِلُطْفِهِ، وَأمسكَهَا بِأَمْرِهِ، وَأَتْقَنَهَا بِقُدْرَتِهِ ثُمَّ يُعِيدُهَا بَعْدَ الْفَنَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٌ مِنْهُ إِلَيْهَا، وَلاَ اسْتِعَانَة بَشَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهَا، وَلاَ لاِنصِرَافَ مِنْ حَالٍ وَحْشَةٌ إِلَى حَالِ اسْتِئْنَاسِ، وَلَا مِنْ حَالِ جَهْل وَعَمَى إِلَى حَالِ عِلْمٍ وَالتمَاس، وَلَا مِنْ فَقْرِ وَحَاجَةً إِلَى عِنيَّ وَكَثْرَة...)) (4). وبجمع الأضداد في هذا السياق نلاحظ أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أوضح دلالة مفردة (الفقر) بذكر ما هو ضدّها ونقيضها، وهو لفظ (الغِنَى)، فبين دلالة كلمة (الحاجة) بذكر نقيضها، وهي لفظة (كَثْرَةِ) فكأنما (الحاجة) عنده في هذا السياق هي (القلّة).

أهل الفاقة


1) نفسه : 551.

2) التوبة / 60.

3) نهج البلاغة : ك / 53 : 560.

4) نفسه : خ / 186 : 347.

الفاقة الحاجة والفقر (1). وافتاق الرجل اذا افتقر، والمُفتاق المحتاج (2). واقتصر الخليل في دلالة لفظة (فاقة) على معنى الحاجة دون أن يقرنها بالفقر (3)وقد وردت لفظة (الفاقة) في نهج البلاغة ثلاث عشرة مرة، في حين جاءت لفظة (فاقَتُه)، و (فَاقتها)، و (فاقتُهُم) مرة واحدة لكل منها (4). وتدور دلالات هذه الألفاظ على معنى الحاجة والفقر. ومنه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق حمد اللّه والثناء عليه : ((أحْمَدُهُ اسْتِتْمَاماً لِنِعْمَتِهِ، وَاسْتِسْلاَماً لِعِزَّتِهِ، واسْتِعْصَاماً مِنْ مَعْصِيَتِهِ، وَأَسْتَعِينُهُ فَاقَةً إِلى كِفَايَتِهِ، إِنَّهُ لاَ يَضِلُّ مَنْ هَدَاهُ، وَلا يَئِلُ مَنْ عَادَاهُ، وَلا يَفْتَقِرُ مَنْ كَفَاهُ ...)) (5). والسياق – هنا- قرينة - هنا - قرينة - على أن المقصود بلفظة (فاقة) هو (الفَقْر) بقرينة قوله (لا يفتقر من كَنّاه). وربما يتسع معنى (الفاقة) ؛ ليكون دالاً على الحاجة الى رضا اللّه وطاعته ولهذا ذهب بعض شُرَّاح النهج الى تفسير لفظة (الفاقة) هنا بالحاجة (6). وقد وصف أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعض طبقات المجتمع من الفقراء بـ(أهل الفاقة) أو (ذوي الفاقة) في قوله : ((... وَإِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَهْلِ الْفَاقَةِ مَنْ يَحْمِلُ لَكَ زَادَكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَيُوَافِيكَ بِهِ غَداً حَيْثُ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَاغْتَنِمْهُ وَحَمَلْهُ إِيَّاهُ، وَأَكْثِرُ مِنْ تَزْوِيدِهِ وَأَنْتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ...)) (7). يطلب الإمام من ولده العناية بأهل الفاقة، وهم الفقراء الذي لا يمتلكون قوتهم، ويعانون شظف العيش. ولهذا طلب إليه الإمام مداراة هؤلاء داعياً الى الإكثار من تزويدهم بما يقدر عليه من لوازم المعيشة. وهذا من أساليب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وجوب إنفاق المال في الصدقات والبر لمن يحتاجه من أهل الفاقة. لأن ذلك يمثل قرضاً كما يقول تعالى : (اللّه قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ, لَهُ: أَضْعَافًا كَةِ وَاللّه يَقْبِضُ وَيَبْقُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)(8).

أقول : إنّ (أهل الفاقة) يمثلون طبقة من ضعاف الناس الذين يُعتبر عليهم الحصول على قوتهم، ولهذا فإن الإمام وصف (الضعفاء) من المجتمع وهم ضعيفو الحال، بأنهم (ذوو فاقة) إشارة وتنبيهاً إلى أن الفاقة أكثر إمعاناً في رقةِ الحال وعدم تمكن أهل الفاقة من الحصول على عيشهم. وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((وَإِنَّ لَكَ في هَذِهِ الصَّدَقَةِ نَصِيباً مَفْرُوضاً، وَحَقَّاً مَعْلُوماً، وَشُرَكَاءَ أَهْلَ مَسكَنَة، وَضَعَفَاءَ ذَوِي فَاقَة))(9). وقد دَلَّت لفظة (الفاقة) على الحاجة او الفقر في مواضع أخرى من النهج منها : (خ / 83، 913 / 176، 193، 222، ك / 67، قصا / 108، 367، 371، 388).

سَعْب

إشارة:


1) ينظر : لسان العرب (فوق) : 319/10.

2) نفسه.

3) ينظر : العين (فوق) : 225/5.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 359.

5) نهج البلاغة : خ / 2 : 25.

6) ينظر : معارج نهج البلاغة : 222/1.

7) ينظر : نهج البلاغة : ك / 31 : 503، 504.

8) البقرة / 245.

9) نهج البلاغة : ك /26 : 484.

قال ابن فارس : ((السين والغين والباء أصل واحد يدل على الجُوع، فالمسبغة المجاعة...))(1). والسَّغَب الجوع، والسَّاغِب الجائع (2). وقد وردت لفظة (سَغب) في نهج البلاغة مرتين (3)، للدلالة على ما يأتي :

أولاً : الدلالة على سِلْبِ الحقوق وهضمها

وقد كنّى الإمام (عليه السلام) بمفردة (سَغَب) عن هذا المعنى. وذلك في سياق حديثه عن ارجاع حَقَّ الخلافة اليه. بقوله : ((أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، وَمَا أَخَذَ اللّه عَلَى العُلَمَاءِ أَلَّا يُقَارُوا عَلَى كِظَةٍ (4)ظَالِمٍ، وَلا سَغَبٍ مَظْلُوم، لاَ لَقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسٍ أَوَّلها ...)) (5)وقد استعمل الإمام لفظة (سَغَب) - ههنا - مضافة الى مفردة (مظلوم) والأصل أن مفردة (سَغَب) تفيد الدلالة على الجوع الشديد القوي الذي يُصيب الإنسان. وقد وضع الإمام بإزائه تعبير (كِظَة ظالم). والكِظَة البطنة وامتلاء البطن بالطعام والشراب حتى لا يكاد صاحبها أن يتنفس معها (6). وفي ذلك إشارة إلى أنه ((لا يقرُّ على شَبَع الظالمين وتعنتهم بالأكل والشرب والغنى. في حين يكون المظلوم سغباً جائعاً لا يجد قوته وطعامه الذي يعيش به. فيكون مُجتهداً تعباً من شدّة ذلك. وقد أومأ اللغويون إلى أنّ (السَّغَب) لا يكون إلاّ الجوع مع التَّعَب (7). فكلاهما منحصر في مفردة (سَغَب).

وأما المعنى الذي تشير إليه اللفظة، فهو أنّ العلماء لا يصبرون على امتلاء بطن الظالم وكضّته وأكله الأموال الحرام، فضلاً عن عدم صبرهم على سَغَب المظلوم وجوعه ؛ بسبب من سلب الظالمين لأموال الفقراء والمعوزين. وهو ما يهز الأعطاف ويحرك الدواعي عند العلماء وأئمة الدين في إنكار ذلك على الظلمة. كما كان ذلك من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (8). وهذا هو الوجه الأول الذي مالَ إليه بعض الشرّاح في بيان قول الإمام. أما الوجه الثاني، فهو ما ذهب إليه الشارح البحراني من أن الإمام كنّى بمفردة (سَغَب) عن قُوّة ظَلامتهِ (9)، وما تعرض إليه من إجحاف من الذين استولوا على حقه في الخلافة وما أوقعوه عليه من ظلم واعتداء. كأن الإمام يشير إلى أن هؤلاء القوم قد هضموا حق الإمام والتهموه كما يلْتَهم الجائع السَّاغِب الطعام، استئثاراً منهم ونهباً لتراثهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ)ولولا أنَّ الإمام متعلق بميثاق اللّه تبارك وتعالى الذي أخذه اللّه تبارك وتعالى على العلماء والأئمة في أن لا يصبروا على الطغيان وظلم الظالمين وجوع الفقراء ؛ لترك الأمر وأهمله وضرب عنه صفحاً. وقد


1) مقاييس اللغة (سغب) : 78/3.

2) ينظر : العين (سغب) : 4 / 380، وتهذيب اللغة (سغب) : 71/8.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 215.

4) الكظة البطنة وامتلاء البطن بالطعام والشراب حتى لا يطيق منها النفس : ينظر لسان العرب (كظظ) 457/7.

5) نهج البلاغة : خ / 3 : 32.

6) ينظر : لسان العرب كظظ : 17 / 457.

7) ينظر : جمهرة اللغة (سغب) : 1 / 338 ومقاييس اللغة (سغب) : 78/3.

8) ينظر : الديباج الوضي: 22/1، 220.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 184/1.

كنى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ذلك الترك بقوله ((لالْقِيْتُ حَبْلَها على غاربها((. والغارب من الجمل مقدم سنامه (1). وإلقاء الحبل على الغارب ((كناية عجيبة عن ترك الأمر وإهماله))(2).

ثانياً : الدلالة على الجوع المصحوب بالتعب والضَّنِكِ.

وقد جاءت هذه الدلالة في قول أمير المؤمنين الذي يتحدث فيه عن ما تُخَلَّفُهُ الدنيا للإنسان الذي يَخْضَعُ لها، يقول (عليه السلام) : ((... فَقَدْ رَأَيْتُمْ تَنَكَّرَهَا لِمَنْ دَانَ لَهَا، وَآثَرَهَا وَأَخْلَدَ إِلَيْهَا، حِينَ ظَعَنُوا عَنْهَا لَفِرَاقِ الأَبَدِ هَلْ زَوَّدَتْهُمْ إِلا السَّغَبَ أَوْ أَحَلَّتْهُمْ إلَّا الضَّنْكَ...)) (3)والسَّغب الجوع المصحوب بالتَّعب والمجهدة. ومما يعزز هذه الدلالة ويقومها مجيء لفظة (الضَّنك) وهو الضَّيْقُ والشَّدَّةُ (4)وتوصف به (المَعِيشة). يقول تبارك وتعالى : (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)(5). ولفظة (السَّعْب)

من الألفاظ القرآنية التي استعملها القرآن الكريم في قوله تعالى : (أَوْ إِطْعَهُ فِي يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيمَا ذَا) (6). والمَسبْغَةُ الجوعُ العام (7). وفي تعبير الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((هل زَوَّدَتْهُم إِلا السَّغَب))، وهو الجوع القاطع لأفئدتهم فما كان زادهم إلا الجوع (8).

أقول : إنّ لفظتي (السغب) و (الضنك) توحيان هنا - بالدلالة على الجوع والافتقار الى الطعام. وكذلك الجوع والافتقار الى كل شيء في حياتهم، فلا يقتصر (السَّغب) في كلام الإمام على الجوع المادي وإِنما يَتَّسِع ليشمل الجوع المعنوي - إذا صح القول- مثل الافتقار الى العلم والمعرفة مثلاً، وكذلك مفردة (الفتك) التي تشير الى الدلالة على ضيق المعيشة بعامتها سواء ما تعلّق منها بالمأكل والمشرب، أو ما تعلّق بشؤون الحياة الأخرى

قانعاً

القَنَاعة الرَّضا بالقسم (9)، والقَنُوع المُتَذَلَّل للمَسْأَلَةِ (10). والقانع في الأصْلِ السَّائل (11)، وسُمّي بذلك ؛ لأنه من القنوع وهو الرضا بما أعْطِي قَلَّ أو كَثُرَ، فلا يُرَّده (12). وبهذا يكون معنى لفظة (قانع) راجعة الى الرَّضا أيضاً. والقانِعُ هو الراضي باليسير من العطاء (13).


1) ينظر لسان العرب (غرب) : 644/1.

2) الديباج الوضي: 225/1.

3) نهج البلاغة : خ / 111. : 208.

4) ينظر : لسان العرب (ضنك) : 10 / 462.

5) طه / 124.

6) البلد / 14، 15.

7) ينظر المحرر الوجيز : 485/5.

8) ينظر : الديباج الوضي: 918/2.

9) ينظر : العين (قنع) : 170/1.

10) ينظر : العين (قنع) : 170/1، ولسان العرب (قنع) : 297/8.

11) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 114/4. ولسان العرب (قنع) : 298/8.

12) نفسهما.

13) ينظر : لسان العرب (قنع) : 298/8.

وقد وردت لفظتنا و(قائِعاً) و (قانِعَةً) مرة واحدة في نهج البلاعة لكل منهما(1)؛ للدلالة على القانع الذي يقنع بالعطاء دونما سخط. وقد استعملت لفظة (قانعاً) في كلام أمير المؤمنين بالدلالة المتقدمة، وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : (ثُمَّ اللّه اللّه فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لَا حِيلَةَ لَهُمْ وَالْمَسَاكِينِ وَالْمُحْتَاجِينَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَى : وَالزَّمْنَى، فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً وَمُعْتَرَاً...)) (2). ولفظة (قانع) من الفاظ القرآن الكريم التي جاءت في قوله تعالى: (... فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ...) (3)وقد فَسَّرَ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) هذه المفردة الواردة في القرآن الكريم. فَعَن الإمام الباقر (عليه السلام) انه قال : في تفسير قوله تعالى المتقدم : ((القَانِعُ الذي يَقْنعُ بما أعطيته ولا يَسْخَط ولا يَكْلَح (4)، ولا يَلْوِي شَدْقَهُ (5))) (6)

والحديث في مجمع البيان بزيادة لفظة (غضباً). ينظر : مجمع البيان : 7 / 166.

. وقيل ((هو الذي يَسْالَ فَيَرْضى فَيَرْضى بما أُعْطِيَ)) (7). ومال أغلب المفسرين إلى هذه الدلالة أيضاً (8). إنّ دلالة لفظة (القانع) في القرآن هي هي نفسها الواردة في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في نهج البلاغة ؛ فقد وظف الإمام هذه اللفظة ليدلل على هذا النوع من الناس الذين يصنفون ضمن الطبقة السُّفْلى.

ابن السبيل

السَّبيل الطريق وما وضح منه (9). وسبيل اللّه طريق الهدى الذي دعا اللّه اليه في القرآن الكريم (10). وهو قوله تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) (11). وقيل بل هو كل ما أمر به من الخَيْرِ ؛ لأنه من الطَّرُق الى اللّه (12).

وقد أشار اللغويون الى أنّ لفظة (السَّبيل) تستعمل في (الجهاد) أكثر لأنه الطريق الذي يُقاتل فيه على عقد الدين (13). وأبن السَّبِيْل في اللغة هو ابن الطَّريق (14). وهو مَنْ قُطِع عليه الطريق(15). وقيل : هو المُسَافِرِ


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 382.

2) نهج البلاغة : ك /53 : 560.

3) الحج / 36.

4) الكلح تكشر في عُبوس : ينظر لسان العرب (كلح) : 574/2.

5) الشدق جانب الفم. ينظر : لسان العرب (شدق) : 172/10.

6) وسائل الشيعة : 162/14، 171، وجواهر الكلام : 154/19.

7) الحديث منسوب إلى الإمام الصادق كما يذكر صاحب. مجمع البيان : 7 / 166.

8) ينظر : مجمع البيان : 166/7.

9) ينظر : المحكم (سبل) : 8 / 506، والقاموس المحيط (سبل) : 1 / 1308.

10) ينظر : المحكم (سبل) : 506/8.

11) الأعراف /146.

12) ينظر : المحكم (سبل) : 8 / 506.

13) نفسه.

14) ينظر : المحكم (سبل) 506/8.

15) نفسه.

الكثير السَّفر، وإنما سمي ابناً لها لملازمته إيّاها.(1)وابن السبيل هو الفقير أيضاً (2).

وقد ورد تعبير (ابن السبيل) في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في نهج البلاغة مرة واحدة(3). وبدلالة الدعاء بالبؤسى لمن كان خَصمه عند اللّه مستحقوا الصَّدَقَة : ((وَبُؤْساً لِمَنْ خَصْمُهُ عِنْدَ اللّه الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ وَالسَّائِلُونَ وَالْمَدْفُوعُونَ وَالْغَارِمُ وَابْنُ السَّبِيلِ)) (4)و (ابن السبيل) المسافر الذي انقطع به سفره، فَيسْتحق العطاء من الصدقة حتى وأن كان غنياً في بلده (5). وقد علّل الشارح البحراني إيراد الإمام ((لتعبير ابن السبيل) في هذا السياق قائلاً إنّ ذلك راجع الى إظهار وجوب الشفقة عليه والرَّحْمة له. (6)واستعمال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لكلمة (ابن السّبيل) مُتسق مع الاستعمال القرآني لهذه الضرب من الناس الذين انقطعت بهم السُبُّل في سفرهم وقَلَّتْ مؤونتهم. ولهذا أكد الذكر الحكيم شمولهم بالصَّدقة. قال تعالى : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (7).

الزَّمْنِي

الزَّمانة العامة (8). وهي التي تصيب الإنسان فتقعده (9). والزَّمِن ذو الزَّمانة (10). وقيل : إن الزّمانة هي اسم جنس للبلايا التي يصاب بها الإنسان (11)فهي العِلل والأمراض الدائمة التي تصيب الناس(12). وربما تكون آفة من الآفات التي تصيب الحيوانات (13).

ولفظة (الزّمنّى) من ألفاظ نهج البلاغة التي وردت فيه مرة واحدة (14)، للدلالة على ذوي العاهات والعَلَل الدائمة التي تمنعهم من الاكتساب. وذلك في قول أمير المؤمنين الذي يوصي فيه عامله بتعهد الذين لا حِيْلَة لهم من الطبقة السفلى، إذ يقول : ((ثُمَّ اللّه اللّه فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لَا حِيلَةَ لَهُمْ وَالْمَسَاكِينِ وَالْمُحْتَاجِينَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَى وَالزَّمْنَى...)) (15). وَالزَّمْنَى - هنا - جمع زمين، وهو المصاب بعاهة أو علة تكون سبباً لفقره ومنعه من الاكتساب. ولهذا أمر عامله (مالكاً الأشتر) بأن يُخَصَّص لهم قِسْماً من بيت المال،


1) ينظر : تاج العروس (سبل) : 161/9.

2) نفسه.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 210.

4) نهج البلاغة : ك / 26 : 485.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 4 / 232، والديباج الوضي: 5 / 2226.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 232/4.

7) التوبة / 60.

8) ينظر : لسان العرب (زمن) : 13 / 199. وتاج العروس (زمن) : 135/35.

9) ينظر : مقاييس اللغة (زمن) : 23/3.

10) ينظر تهذيب اللغة (زمن) : 159/13.

11) ينظر : لسان العرب (زمن) : 199/13.

12) ينظر : المعجم الوسيط (زمن) : 401/1.

13) ينظر : لسان العرب (زمن) : 13 /199.

14) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 202.

15) نهج البلاغة : ك / 53 : 560.

وقسماً من غلات أراضي الغنيمة. وذلك إعانةً لهم ورعايةً لحقَّهم، ليكفيهم ذلك سوء الحال والمنقصة التي هم فيها.

مُعْتَراً

المُعْتر الفقيرُ (1). وقيل بل هو المتعرَّض للمعروف من غير أنْ يَسأل (2). وهذه المفردة مأخوذة فيما يبدو يبدو من قولهم : اعتره واعتز به، إذا أتاه فطلب معروفه (3).

وقد وردت هذه المفردة في نهج البلاغة مرة واحدة (4)، دالة على الفقير الذي يتعرّض ماداً يَدَهُ دَوْنَ أَنْ يَسْأَل. وذكرت هذه المفردة في سياق كلام الإمام عن الطبقة السفلى التي أمر عامله على مصر أن يعنى بها ويتعهد أهلها بقوله : ((ثُمَّ اللّه اللّه فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لَا حِيلَةَ لَهُمْ وَالْمَسَاكِينِ وَالْمُحْتَاجِينَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَى وَالزَّمْنَى، فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً وَمُعْتَرًا...)) (5). وقد ذكرت لفظة (القانع والمُعْترَ) في القرآن الكريم، وذلك في سياق قوله تعالى الذي يُبين فيه حكم (البُدْن) من الإبل السَّمِنَة. ومن يَسْتَحقُّ الإطعام منها. يقول تبارك وتعالى : (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (6).وقد اختلف في دلالة لفظة (المُعْتَر)، فقد ذهب الإمام أبو عبد اللّه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) (الى أنّ المُعْتَر) هو ((المادّ بِكَ لِتُطْعِمَه)) (7). وروى الشيخ الطبرسي (ت 548هـ) عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً أنّ المُعْتَر هو ((الماد يَدَهُ لِتُطْعِمَهُ)) (8). وبهذا يكون المُعْتر هو الذي ((يعتري رَحْلَكَ مَّمِنْ لا يَسْأَل)) (9). ونقل عن ابن عباس في معنى (المُعْتَر) بأنّه الذي يعتري الأبواب(10). ويفهم من هذا الكلام أنّ هذا النوع من الفقراء هم الذين يعترضون للطعام وغيره بغير سؤال(11). ومن خلال هذا العرض لآراء الأئمة في دلالة لفظة (المُعْتَر) في القرآن الكريم، يمكن أن نفسر دلالة المفردة نفسها في كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في نهج البلاغة، فنقول أنّ (المُعْتَر) هو الذي يَعْرض للنّاس دون أنْ يسألهم كما ذكر ذلك شُرَّاح نهج البلاغة (12).


1) ينظر : لسان العرب (عرب) : 557/4.

2) نفسه.

3) نفسه.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 298.

5) نهج البلاغة : ك / 53 : 560، وقد نقل اللغويون جزءاً من قول الإمام، ومنهم ابن الأثير الذي قال : وفي حديث علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((فإنّ فيهم قانعاً ومعتراً)) النهاية في غريب الحديث : 205/3.

6) الحج / 36.

7) وسائل الشيعة : 162/14، 171، وجواهر الكلام : 154/19.

8) مجمع البيان لعلوم القرآن : 166/7.

9) نفسه.

10) ينظر : مجمع البيان لعلوم القرآن : 166/7.

11) ينظر : الكشاف : 160/3.

12) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 17 / 86، والديباج الوضي : 2071/5، ونهج البلاغة (عبده) : 470/3 هامش (4).

غَرْثِي

الغَرْتُ الجُوْعُ كم يفهم من كلام الخليل.(1). وذهب بعض اللغويين الى أنّ الغَرْث هو أَيْسَرُ الجُوْع(2). وقال وقال بعضهم بل هو شدَّتُه (3). في حين ذكر آخرون أنّ الغَرْث يدل على الجوع عامة(4). وقد جاءت لفظة (غَرْثَي) في نهج البلاغة مرة واحدة (5)، وصفاً للبُطُون الجائعة. وذلك في سياق كلامه الذي يتحدث فيه عن عزّة عزّة نَفْسه، وعدم غلبة الهوى عليه، ومواساته الفقراء في عيشهم، إذ يقول : ((وَلَوْ شِئْتُ لَأَهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُصَفَّى هذَا الْعَسَلِ، وَلُبَابِ هذَا الْقَمْح... وَلكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ، وَيَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيْرِ الْأَطْعِمَةِ. وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوِ بِالْيَمَامَةِ مَنْ لَأَطْمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ، وَلَا عَهْدَ لَهُ بِالشَّبَعِ. أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى وَأَكْبَادٌ حَرَّى)) (6). وأشار بـ (البُطُون الغَرْثى) الى الجياع والفقراء من الناس الذين بلغ بهم الكفاف. وإنما استعمل لفظة (بطون) من باب دلالة الجزء على الكَلَّ ؛ (فالبطن الجائعة) تدل على جوع الإنسان وشظف عيشه. ولهذا وصفها بـ (الغَرْثى)، للدلالة شدَّة الجوع. وقد عقد (عَلَيهِ السَّلَامُ) موازنة بين لفظة (مِبْطاناً)، وبين لفظة (بطون) التي وصفها بـ (غَرْثى). والمِبْطانُ في اللغة الكثير الأكل العظيم البطن (7). فاستعملها الإمام للدلالة على كثرة الأكل والشبع، فضلاً عن تضمنها معنى الترف والنعيم.


1) ينظر : العين (غرث) : 4 / 400، ومقاييس اللغة (غرث) : 4 / 422.

2) ينظر المحكم (غرث) : 482/5.

3) ينظر : المحكم (غرث) : 5 / 482، ولسان العرب (غرث) : 2 / 172.

4) ينظر : لسان العرب (غرث) : 172/2.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 334.

6) نهج البلاغة : ك / 45 : 531، وقد نقل اللغويون هذا الكلام عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) . وقال ابن منظور : ((ومنه حديث علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أبيتُ مبطاناً وحولي بطون غرثى)). . لسان العرب (بطن) : 53/13.

7) ينظر : لسان العرب (بطن) : 53/13.

المبحث الثاني: طبقة أصحاب المهن وذوي الصناعات

رائد

إشارة:

الرائد هو الذي يرسل ليرود الكلأ والمنزل ويطلبه بعدما ينظر ويختار أفضل ذلك من النُّجعة وتتبع مساقط الغيث (1). وفي أمثال العرب : ((لا يَكْذِب الرائد أهْلَه)) (2). وذكر الزمخشري في بيان دلالة مفردة (الرائد) أنه الذي يوجهه قومه أمامهم لارتياد الكلاً، فلا يكذبهم ؛ لأنّ النفع مشترك بينه وبينهم (3).

وقد استعمل الإمام لفظة (رَائِد) أربع مرات في نهج البلاغة، في حين أورد المفردة نفسها مضافاً اليها تاء المؤنثة (رَائِدة) مرة واحدة (4)، للدلالة على مايأتي :

أولا: الرائد السامع للاخبار الوارد بحق أهل البيت (عليهم السلام)، فكأنه الرائد الذي يجلب أخبار الغيث والكلأ.

يقول الإمام في سياق كلامه عن الأئمة من أهل البيت، حيث يُبَيِّن قربهم من النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) واختصاصهم به، مخاطباً السامعين بقوله : ((فِيهِمْ كَرَائِمُ الْقُرْآنِ، وَهُمْ كُنُوزُ الرَّحْمَنِ، إِنْ نَطَقُوا صَدَقُوا، وَإِنْ صَمَدُّوا لَمْ يُسْبَقُوا فَلْيَصْدُقْ رَائِدٌ أَهْلَهُ، وَلْيُحْضِرْ عَقْلَهُ...)) (5). ويريد بـ (فليصدق رائد أهله): أنّ السَّامع لهذا الخبر، وهو الرائد الذي لابُدَّ أن يؤوب الى أهله وقومه، فعليه أن يصدقهم الخبر، وليحرص على أن لا يكذبهم في ذكره منزلة آل البيت (عليهم السلام) وفضائلهم واختصاصهم بالنبي الأكرم (صلى اللّه عليه وأله وسلم). وذكره (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الفضائل لنفسه وأهل بيته جاء جذباً الى سماع قوله ودعوته الى اللّه تبارك وتعالى، ولذلك أعقب قوله بالمثل الذي يقول : (فليَصْدُق رائد أهْلَهُ). وأشار به الى أنّ من يحضرنا طلباً لنا، فليصدق من يعنيه ذلك، ويذكر له أننا أهل الحق وينابيع العلوم والحكمة والأدلاء الى اللّه تبارك وتعالى(6)كأنّه يشبّه ناقل هذا الخبر بـ (الرّائد) الذي يرود الماء والكلأ في البوادي، متقدماً قومه في ذلك، ابتغاء إرشادهم وهدايتهم الى مساقط الغيث ومواطن النّجعة؛ سعياً منه الى إنقاذهم من الجدب والقحط والخروج بهم من هذه الهلكة الى مواطن الرواء والنّماء والنعم، وذلك بصدقهم خبر هذه المواطن التي تنقذهم من الجوع والعطش. فجعل الإمام سامع كلامه المتقدم بمنزلة (الرائد)، مشبّها نفسه وأهل البيت (عليهم السلام) بالعشب والماء والكلأ الذي يطلبه الزائد لقومه. والجامع في ذلك هو الإغاثة والنّماء ورفع الهلاك عن الناس بالأئمة (عليهم السلام).

وقد أكد (عَلَيهِ السَّلَامُ) على قضية (الصدق) عند (الرّائد)، وأمر به كأنّه يُوجب على السامع عدم إغفال هذه المسألة والتصريح بها، أو إبعادها عن مصداقها الحقيقي. ونظير هذه الدلالة ما أورده الإمام متحدثاً عن الفتن بقوله : ((أَيْنَ تَذْهَبُ بِكُمُ الْمَذَاهِبُ، وَتَتِيهُ بِكُمُ الْغَيَاهِبُ، وَتَخْدَعُكُمُ الْكَوَاذِبُ؟ وَمِنْ أَيْنَ تُؤْتَوْنَ، وَأَنَّى


1) ينظر : العين (رأد) : 63/8، والنهاية في غريب الحديث : 2/ 270، ولسان العرب (رود) : 3/ 187.

2) مجمع الأمثال : 233/2، وجمهرة الأمثال : 1/ 474، والمستقصى في أمثال العرب : 2/ 274.

3) ينظر : المستقصى في أمثال العرب : 2/ 274.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 197 .

5) نهج البلاغة : خ/ 154.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 633/3.

تَؤْفَكُون؟ فَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ... فَاسْتَمِعُوا مِنْ رَبَّانِيِّكُمْ، وَأَحْضِرُوهُ قُلُوبَكُمْ واسْتَيْقِظُوا إِنْ هَتَفَ بِكُمْ وَلْيَصْدُقْ رَائِدٌ أَهْلَهُ، وَلْيَجْمَعْ شَمْلَهُ، وَلْيُحْضِرُ ذِهْنَهُ...)) (1). ويتضمّن هذا النص مفردة (رائد) التي جاءت للدلالة على السامع الذي أوجب عليه الإمام أن يصدق مع غيره عندما ينقل لهم مواعظ الإمام وتحذيراته طلباً لنجاته. وقد وظف (عَلَيهِ السَّلَامُ) عبارة المثل المعروف، وصاغه صياغة أخرى، مؤكداً على مفردة (ليَصْدُق) المقترنة بـ (لام) الأمر في كلا الموضعين المتقدمين، دفعاً نحو تحقيق المعنى الذي يؤدي هذا الكلام. فضلاً عن أن السياقين الوارد فيهما هذا التعبير هما من الأهمية بمكان، فالأول في فضل أهل البيت (عليهم السلام) وبيان منزلتهم، والثاني في قضية مهمة تخص الأمة الإسلامية ووحدتها، ولهذا أمرهم الإمام بأن يستمعوا من (ربانيكم). يقصد بذلك نفسه ؛ لأنّه الرَّبَّاني العالم باللّه المنقطع اليه في العبادة (2). كما قال تعالى : (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) (3).والرباني المنسوب الى الرَّب، وهو اللّه تبارك وتعالى(4). فهو المطيع اللّه القريب منه. وقد روي عنه (قوله : ((أَنَا رَبَّاني هذهِ الأُمة)) (5). ووصف نفسه بهذه الصفة يدل على أمر عظيم يوطّىء له في هذه المقولة، بطلبه الى السامعين أن يحضروه قلوبهم في الاستماع ويتركون الغفلة، لئلاً يشغلهم شيء عن فهم مغزى كلامه، وأن يحضروا أذهانهم حتى لا يكونوا غافلين عن سماع خطابه. ويبدو أنّ هذه القرائن هي التي دفعت الشارح البحراني الى تفسير مفردة (رائد) في هذا السياق بـ (الفِكْر)، ذاكراً أنّ الإمام استعارها للفكر، و ((وَجْه المثل أنّ الرائد لمّا كان هو الذي يبعثه القَوْم لطلب الكلأ والماء، أشبه الفكر في كونه مبعوثاً من قبل النفس في طلب معاها وماء حياتها من العلوم وسائر الكمالات، فكنّى به عنه... كأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (قال فلْتَصْدُق أفكارهم، ومتخيلاتكم نفوسكم...))(6). أقول : وهذه الدلالة ضعيفة، وبعيدة عن ما يتطلبه المقام من إبلاغ، فمع أنّ المطلوب الذي دعا اليه الإمام هو إعمال الفكر والأذهان استعداد لما سيقوله. فإنّ (رائد) الإنسان الحاضر السامع لقوله، هو لسانه السامع للخبر عن الإمام، ولهذا ضَعُف هذا الوجه الذي ذهب اليه الشارح البحراني آنفاً الذي يبدو أنّه أحس بضعف هذه الدلالة وعدم مناسبتها السياق، فاستدرك عليه وجهاً آخر. فاحتمل أن يكون المراد بـ (الرائد) أشخاص من حضر عنده، فإنَّ كلاً منهم له أهل أو قبيلة يرجع اليها، فأمرهم بأن يصدقوا فيما يخبروا به عنه على الوجه الذي ينبغي، ونصح أقوامهم بالدعوة اليه كما يرجع من يطلب الكلأ والماء الى أهله، فيبشرهم بوجدان ذلك ويحملهم على الارتحال الى مواطنها (7)، حرصاً منه على حياتهم ورغبته منه في هدايتهم الى أسباب الحياة والنّماء وحسن العيش بتوافر سبله التي تؤدي بهم الى مجانية الهلاك.


1) نهج البلاغة : خ/ 108 : 197.

2) ينظر : الديباح الوضي : 862/2.

3) آل عمران / 79.

4) ينظر : مفردات ألفاظ القرآن (رب) : 1/ 376.

5) نفسه.

6) شرح نهج البلاغة (البحراني) : 513/3.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) 514/3.

ثانياً : الدلالة على السعي للرزق، وطلبه :

وقد تميزت هذه الدلالة في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ)من كونها اختصت (بالقلوب) التي جعلها (عَلَيهِ السَّلَامُ) رائدة لأرزاقها. وذلك في سياق كلامه عن النَّعَمِ الذي يقول فيه : ((جَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِيَ مَا عَنَاهَا، وَأَبْصَاراً لِتَجْلُوَ عَنْ عَشَاهَا، وَأَشْلَاء جَامِعَةً لا عُصَائِهَا، مُلاَئِمَةً لا وَحْنَائِهَا... بِأَبْدَانِ قَائِمَة بِأَرْفَاقِه، وَقُلُوب رائِدَة لَا رَزَاقِهَا، فِي مُجَلَّلاتِ نِعَمِهِ، وَمُوجِبَاتِ مِنَنِهِ...))(1). ويلحظ في تعبيره بـ (قلوب رائدة) سِعَة في دلالة مفردة (رائدة)، فإنها لم تقتصر في هذا النص على (الرائد) الذي يذهب مُرحلاً بحثاً عن الكلأ، وإنما صارت القلوب (رائدة) أيضاً لارتياد أرزاقها التي بها قوام حياتها، وإصلاح معادها (2). وبهذا تكون لفظة (رائدة) - هنا - دالة على السعي من أجل الرزق، وهو الرزق الذي يستحصله المرء من عمله العبادي بكل تفاصيله، ولعل منه الرزق المتأتي من العمل (الدنيوي)، وهو العمل الذي يؤدي إلى كسب القوت والطعام الحلال. فتكون القلوب طالبة لارزاقها من الأماكن التي قدرها اللّه تعالى لها (3).

ثالثاً : الدلالة على المتتبع لمساقط الغيث والكلا

وهو المُسمّى بـ (الرّائد) عند العرب. وقد وردت هذه الدلالة في نهج البلاغة في سياق كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع بعض العرب الذين أرسله قومه من أهل البصرة الى الإمام لما قرب منهم، ليعلموا حقيقة الحال مع أصحاب الجمل، فقال الرجل : ((إني رسول قوم، ولا أحدث حدثاً حتى أرجع إليهم))(4)فحاججه الإمام قائلاً : ((أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الَّذِينَ وَرَاءَكَ بَعَثُوكَ رَائِداً تَبْتَغِي لَهُمْ مَسَاقِطَ الْغَيْثِ، فَرَجَعْتَ إِلَيْهِمْ وَأَخْبَرْتَهُمْ عَنِ الْكَلَاَ وَالْمَاءِ، فَخَالَفُوا إِلَى الْمَعَاطِشِ وَالْمَجَادِبِ، مَا كُنْتَ صَانِعاً ؟ قال : كُنْتُ تَارِكَهُمْ وَمُخَالِفَهُمْ إِلَى الْكَلَاءِ وَالْمَاءِ. فَقَالَ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : فَامْدُدْ إِذن يَدَكَ)) (5)فَقَالَ الرَّجُلُ: فَوَ اللّه مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَمْتَنِعَ عِنْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيَّ، فَبَايَعْتُهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)))(6). يشبه الإمام حال هذا الرجل بحال (الرائد) الذي يتبع مساقط العشب والماء، ومن ثَمّ يرجع الى قومه ليخبرهم عن وجدانه لها. فهذا المخاطب سفير قومه، ورائد أهله لتتبع حال الإمام مع أصحاب الجمل. وقد أبان له الإمام الموقف والزمه بيعته بالحجة والدليل - متخذا أسلوب التمثيل سبيلاً لهداية المخاطب وإقناعه بأنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الحق من خلال ضربه المثل بـ (الرائد) الذي يبعثه قومه الى تتبع مواطن العُشب والماء. والأصل في هذا التمثيل هو حالة المخاطب في وجدانه للماء والكلأ بوصفه متتبعاً لهما (7)، تشبيهاً له (بالرائد) الذي يرود في طلب مواطن النّجعة وغيرها من أسباب الحياة التي يطلبها الرُّحل من الناس، لما توفره لهم من لوازم البقاء والعيش لهم ولدوابهم. فأما ما وجده هذا الرّجل الذي بعثه قومه الى الإمام، فهو العلم والحكمة والفضائل والهداية عنده


1) نهج البلاغة : خ /83 : 127.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2/ 385.

3) ينظر : الديباج الوضي : 2/ 588.

4) نهج البلاغة : خ / 170 : 307، 308، وينظر : تفاصيل ذلك في : (تاريخ الرسل والملوك) : 4 / 491، ونهج البلاغة (عبده) : 271/2.

5) نهج البلاغة : خ / 170 : 307، 308.

6) نفسه.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 3/ 677.

(عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي أمور أرشد اليها المخاطب عند حوار الإمام معه، فكأنها - في هذا السياق – بمنزلة (الماء والكلأ) في الصحراء المقفرة الخالية من أسباب الحياة

رابعاً : الرائد هو الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم).

وقد جعل الإمام النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) (رائدأ) عن اللّه تبارك وتعالى. يخبر عما أنباه اللّه تبارك وتعالى به. وجاءت هذه الدلالة في سياق وصيته لولده الإمام الحسن (عليهما السلام) التي يقول فيها : (وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ أَحَداً لَمْ يُنْبِي عَنِ اللّه سُبْحَانَهُ كَمَا أَنْبَأَ عَنْهُ نَبِيَّنَا (صلى اللّه عليه وآله) فَارْضَ بِهِ رَائِداً، وَإِلَى النَّجَاةِ قَائِدَاً...)) (1). فالنبي - بحسب قول الإمام - رائد الى الناس عن اللّه جل جلاله، وقائد الى النجاة وقد استعار للنبي لفظ (الرائد) باعتبار أنّه قد اختبر ما في الآخرة من الثواب المقيم والسعادة الباقية، وبشر به أمته، كما يُبَشِّر الرائد أهله بوجود الماء والكلأ بعد ارتياده لهما فضلا عن كونه (صلوات اللّه عليه) أخرج الناس من هلاك الكفر والجاهلية الى نُجْعة الإغاثة والرحمة بالإسلام(2).

طبيب

إشارة:

الطب - في اللغة السحر (3). والمطبوب المسحُور (4). والطّب الرّفق أيضاً، وهو علاج الجسم والنفس (5). وقد وردت لفظة (الأطباء) بصيغة الجمع على (أَفْعِلاء) ثلاث مرات في نهج البلاغة، مرتان منها محلاة بـ(ال)، ومرّة واحدة مجردة منها. في حين جاءت لفظتا (طبيب) بصيغة الاسم، و(طبه) بصيغة المصدر المضاف اليه ضمير الغائب مرة واحدة لكل منها (6). وذلك للدلالة على ما يأتي:

اولاً : الدلالة على الأطباء الذين يعالجون المرضى

وجاءت هذه الدلالة في سياق كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن فزع المرضى الذي ينزل بهم مرض الموت، وما يعمدون إليه من الأخذ بنصائح الأطباء ومشورتهم. يقول الإمام : ((فَفَزِعَ إِلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ الأطباء مِنْ تَسْكِينِ الْحَارّ بِالْقَارَ (7)، وَتَحْرِيكِ الْبَارِدِ بِالْحَارّ، فَلَمْ يُطْفِى بِبَارِد إِلَّا ثَوَّرَ حَرَارَةً... حَتَّى فَتَرَ مُعَلَّلُهُ، وَذَهَلَ مُمَرِّضُهُ، وَتَعَايَا أَهْلُهُ بِصِفَةِ دَائِهِ...)) (8). فالذي تنزل به علة المرض، وتبدو عليه علامات الحرارة وغيرها. ما يلبث أن يفزع الى تسكين ما هاج به من علل، مستعملا البارد من الماء وغيره لتهدئة حرارته وخفضها. وقد استعمل الإمام لفظة (الأطباء) في هذا السياق بدلالتها على المترفّقين الذين يعالجون المرضى، سواء أكانت العلل في أبدانهم نفوسهم. كأنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما أرد بيان الحالة التي يبدو عليها المريض الذي نزلت به عِلة الموت، فلا بد أن يعمد الى الاستعانة بمشورة الأطباء. فجاءت هذه المفردة المتقدمة حاملة الدلالة على الحذق بأمور الطب


1) نهج البلاغة : ك/ 31 : 501.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 5 / 266.

3) ينظر : العين (طب) : 407/7.

4) نفسه.

5) ينظر : المحكم (طبيب) : 134/9، ولسان العرب (طبب) : 553/1.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 272.

7) القار البارد. والقُرّ البَرد. ينظر : لسان العرب (قرر) : 82/5.

8) نهج البلاغة : خ/ 221 : 430.

والمهارة فيها. فالطبيب في اللغة هو الحاذق الماهر بعمله (1)، والعرب تسمي كل حاذق في عمله طبيباً (2)، لما يملكه الطبيب من الحذق والإبداع في صنعته. والسياق الذي يتحدث فيه الإمام سياق يبيّن سوء حالة المريض بعلة الموت التي لا مناص منها، والتي يعجز الجميع عن دفعها عمن نزلت به، حتى الحُذاق من الأطباء والممرضين، فجاء استعمال مفردة (الأطباء) لبيان عجز هؤلاء عن مداواة من نزلت به علة الموت مع ما يملكه هؤلاء من إمكانات في علاج المرضى وإبرائهم، فضلاً عمن يعينهم من الممرضين. وكان مناسباً للسياق أن أورد الإمام اللفظة المتقدمة بصيغة الجمع مبالغة في تبكيت هؤلاء الأطباء الذين إذا اجتمعوا أو بذلوا ما عندهم من حذق، فإنّهم لن يدفعوا الموت عن الناس

ثانيا: وقد وظف الإمام مفردة (طبيب) بصيغة المفرد في سياق الحديث علاج أمراض النفس وجوارحها، واصفاً النبيَّ (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بـ (الطيب) الذي يتتبع بدوائه مواضع الغفلة ومواطن الحيرة في الناس. يقول : ((طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبّهِ، قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ، وَأَمْضى مَوَاسِمَهُ، يَضَعُ من ذلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، مِنْ قُلُوبِ عُمْي، وَآذَانِ صُمٌّ، وَأَلْسِنَة بُكْم، مُتَتَبَّعْ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ، وَمَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ...)) (3). أرد بذكره مفردة (طبيب) وصف النبي الأكرم أو وصف نفسه بالحذق والمهارة في علاج علل النفس وأدوائها، فضلاً عن علاج أمراض الجهل الجوارح التي يصاب بها الإنسان ؛ فتعود عليه برذائل الأخلاق. فيكون بحاجة الى طبيب ماهر يعالجه من هذه العلل التي لا تشبه بقية الأمراض الخاصة بالبدن، فهي أمراض مخصوصة بانحراف الإنسان وخروجه عن الطريق المستقيم. ولهذا جعل (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا النوع من الأطباء (دوّاراً) بطبّه، فهو الذي يتتبَّع المرضى ويؤمّهم وليس العكس. فالطبيب الدوار أكثر عناية وتجربة وخبرة في معرفة العلل وأدوائها، فضلاً عن كون هذا النوع الأطباء يكون أكثر حدقاً ورعاية للمرضى ؛ لأنه هو الذي يبحث عنهم ويتتبع وجودهم، على العكس من الأطباء الذين يقصدهم المرضى في أماكن عملهم. وبحسب هذا الوجه يكون الطبيب المتتبع المرضى، طبيب إصلاح ورعاية، غايته إصلاح الناس وتنقية نفوسهم مما شابها من سوء الأخلاق.

وجاء استعماله اللفظة المتقدمة بصيغة المفرد مناسباً لدلالة التفرّد التي يتصف بها النبي الأكرم والإمام (عليهما السلام) في تخصصهم بهذا النوع من طب النفوس.

وقد جاءت لفظة (أطباء) دالة على ملل أطباء النفس وجزعهم من علاج جهل الناس وانحرافهم عن سواء السبيل وذلك في (خ / 121).

ذوو الصناعات


1) ينظر : لسان العرب (طيب) : 553/1.

2) نفسه : 544/1.

3) نهج البلاغة : خ / 108 : 196.

الصناعة حرفة الصانع وعمله الصَّنعة (1). والصُّنّاع هم الذين يعملون بأيديهم (2). وقد استعمل الإمام لفظة (الصناعات) جمعاً مؤنثاً ثلاث مرات في نهج البلاغة، مضافة الى كلمتي (ذوي)، و (أهل)(3)، للدلالة على أصحاب الصناعات من الحرفيين الذين يستعملون أيديهم وسيلة في صناعة الأشياء التي يعملونها، ومن ثُمّ يبيعونها ليرزقوا من ثمنها. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق وصيّته لعامله على مصر (مالك الأشتر) : ((ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتُجَّارِ وَذَوِي الصَّنَاعَاتِ، وَأَوْصِ بِهِمْ خَيْرًا... فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِعِ)) (4). والمراد بذوي الصناعات - هنا - الحرفيون من الصُنّاع الذين يعملون بأيديهم، مثل السَّراجِين والحاكة والحدادين وغيرهم من الذين يرفدون المجتمع بنتاجاتهم التي يحتاج الناس اليها. وقد جعل الإمام هؤلاء الحرفيين في طبقة واحدة مع التجار عند تقسيمه الرعية على طبقات، في عهده الى (مالك الاشتر)، إذ يقول : ((وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لاَ يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْض... وَمِنْهَا التَّجَّارُ وَأَهْلُ الصَّنَاعَاتِ....)) (5). وهم يشكّلون مع التّجار جزءاً هاما في المجتمع، لما يملكونه من مهارة وحذق في توظيف أيديهم لصناعة أشياء تنتجها أفكارهم. وبهذا يتميزون عمن سواهم من الناس، لاحترافهم مهناً لا يستطيع غيرهم القيام بها. ومن هنا ورد في المدونات المعجميّة تعريفهم الصانع بأنّه الحاذق، والماهر في عمله (6). ووصفوا المرأة بأنها صناع ؛ لمهارتها في العمل باليدين (7). ويلمح في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه يجعل (التّجار وذوي الصناعات) طبقة واحدة يكمل بعضهم بعضاً. كأن التاجر لما كان يقوم بتسويق البضائع واستيرادها، ويكون وسيطاً في عملية البيع بين (المادة) والرعية وهم الطرف المستهلك لهذه المواد، فكذلك الصنّاع الذين يقومون بعمل النساجة وغيرها، فإنهم ينتجون هذه السلع ويعملون على بيعها للمنتفعين بها، معتمدين - في صناعاتهم هذه - على المواد الأولية التي يجيء بها التّجار من البلدان المختلفة. وبهذا يظهر التكامل بين فئتي (التّجار وأصحاب الصناعات).

حَائِكَ

إشارة:

حاك الثوب يحُوكُه حَوْكَاً وحياكة. أي نسجه (8). والحَيْكَ النَّسْج (9). والحِياكَة هي الحرفة، والحائك هو الذي يحوكُ الثَّوب وينسجه (10).

وجاءت لفظة (حَائِك) في نهج البلاغة مرتين (11)؛ فقد استعملها الإمام في ذمه (الأشعث بن قيس)(12)، لما اعترض بكلامه على الإمام قائلاً : ((يا أمير المؤمنين هذه عليكَ لا لك)) (13). فخفض اليه الإمام بصره


1) ينظر : تهذيب اللغة (صنع) : 24/2، ولسان العرب (صنع) : 8/ 209.

2) ينظر : العين (صنع) : 304/1، وتهذيب اللغة (صنع) : 2/ 24.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 261.

4) نهج البلاغة : ك/ 53: 559.

5) نفسه : ك/ 53.

6) ينظر : تذهيب اللغة (صنع)، ولسان العرب (صنع) : 2016/8.

7) ينظر : لسان العرب (صنع) : 209/8.

8) ينظر : تهذيب اللغة (حوك) : 83/5.

9) نفسه.

10) ينظر : لسان العرب (حوك) : 10/ 418.

11) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 128. وقد ورد في (المعجم المفهرس) أن هذه اللفظة وردت (مرة واحدة)، والصواب أنها جاءت مرتين.

12) هو الأشعث بن قيس بن معدي كرب بن معاوية بن جبلة الكندي واسمه (معدي كرب)، وكان أشعت الرأس، فغلب عليه ذلك. وتذكر كتب السير انّ له صحبة ورواية.وقد أصيبت عينه يوم (اليرموك). وكان من كبار أمراء الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في (صفَّن). وقد تزوج (فروة بنت أبي قحافة). و مات الأشعث سنة (42هـ). ينظر : سير أعلام النبلاء : 37/2، والإصابة في تمييز الصحابة : 1/ 87.

13) نهج البلاغة : خ / 19 : 49، وينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 1/ 269.

قائلاً له : ((ومَا يُدْرِيكَ مَا عَلَيَّ مِمَّا لِي؟ عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللّه وَلَعْنَةُ اللَّاعِنِينَ حَائِكَ ابْنُ حَائِكَ مُنَافِقٌ ابْنُ كَافِرِ! وَاللّه لَقَدْ أَسَرَكَ الكُفْرُ مَرَّةً وَالاسْلامُ أُخْرَى ...)) (1). وفي دلالة مفردة (حائك) المتقدمة في النص أقوال ذكرها شُرَّاح نهج البلاغة أذكرها فيما يأتي :

أولاً : الدلالة على المهنة والحرفة التي كان يعمل بها.

وهذه الدلالة تجنح بمفردة (حَائك) الى المعنى المعجمي الذي تذكره المدونات المعجمية، فالحائك هو الذي يَحْتَرف نسج الثياب وصناعتها. وقد ذكر الشُّرّاح أنّ الإمام إنما وصفه بهذا الوصف ؛ لأنه كان يمتهن نَسْج البُرُود، المسمّاة (بُرُود اليمن)، وكان أبوه من قبل ذلك نساجاً أيضاً (2). وأمّا وجه العلاقة بين هذه المهنة وبين سخط الإمام على الأشعث وتعييره بها، فذلك راجع الى أن أخلاق أصحاب هذه الحرفة خَسِيسة دنيئة، فصار كل من يمتهنها يتمثل بهذه الشمائل. وقد ذكر الشُرَّاح أنّ من أبرز أخلاق الحوكة هو الكذب(3). ونقل الشارح البيهقي عن بعض العلماء ذكره انحطاط مهنة الحياكة وخُ وَ ستها، وأن من يمتهنها يكون ضعيف العقل (4). وإنما يعيّر الإنسان إذا كان ذو حرفة دنيئة مذمومة (5). ودناءة الحرفة دليل على نقصان العقل وعدم التفكّر (6). وقد عضد الشراح هذه الفكرة بما روي في كتب السير من أنّ النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) دفع غَزْلاً الى حائك لينسج له ثوباً، فتأخر الحائك عنه، وأخلف مع النبي الأكرم وعوداً كثيرة. فكان النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يأتيه ويقول له : ردّوا علينا ثوبنا حتى نتجمل به، وبقي الأمر على حاله حتى توفي النبي (7). أقول : ويبدو أنّ دناءة هذه الحرفة راجع الى اشتغال الناس الذين يتصفون بالكذب والخسة والدناءة بهذه المهنة. ويحتمل أنّ ذم الإمام للأشعث ووصفه بهذه الصفة، يمكن أن يكون راجعاً الى عمله أو اشتغال بعض أسرته بحياكة المنسوجات التي حرّم الإسلام ارتداءها كالقزّ والحرير (8).

ثانياً : الدلالة على التَّحَبُّكِ، وهو ضرب من المشي :


1) نهج البلاغة : خ / 19 : 49.

2) ينظر : معارج نهج البلاغة : 1/ 257، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 74/1.

3) نفسهما.

4) نفسهما.

5) ينظر : معارج نهج البلاغة : 276/1.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 1/ 220.

7) ينظر : معارج نهج البلاغة : 5768/1، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 1/ 220.

8) ينظر : معارج نهج البلاغة : 1/ 575.

وهذه الدلالة محتملة في السياق المتقدم، كأنّ الإمام يصفه بالتَّحَيِّتك في المشي. يريد ذلك تعاليه وأنفته وتكبره ؛ و (التَّحّيك) ضرب من المشي فيه تبختر. وقيل : بل هي مشية يحرّك فيها الماشي إليته(1)علامة على عظيم بدنه وكثرة لحمه (2)، وقد أفاد الشراح من هذه المسألة، فذكروا أنّ الإمام إنّما عبّر بهذه الصفة ذماً لهيأة الأشعث، وذلك باستعارة مليحة تدل على سوء خلقه (3)، فهذا النوع من المشي مذموم في الرجال محمود في النساء (4).

ثالثاً: الدلالة على حياكة الكلام ونسجه.

وتحتمل مفردة (حائك) الدلالة على حياكة الكلام ونسجه، تشبيها لذلك بحياكة الثياب ونسجها. كأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يشير بذلك الى سوء مواقف الأشعث معه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومع النبي من قبل فقد كان هذا الرجل معدوداً من المنافقين في أصحاب الإمام، كما كان عبد اللّه بن أبي سلول في أصحاب النبي (5). وواضح ما يقوم به (المنافق) من نسج الكلام وتزويقه أمام الناس، وإظهار ما هو بخلافه عند انصرافه عنهم. فلهذا يوصف المنافق بانّه نمّام يحوك الكلام، فضلاً عن نقله بين الناس ليدخل البغضاء بينهم (6). وقد صرّح الإمام بوصفه بالنفاق في قوله المتقدم.

نخلص من إيجاز هذه الدلالات الى أنّ لفظة (حائك) التي ذكرها الإمام صفة ذميمة من صفات الأشعث بن قيس، وقد وظفها (عَلَيهِ السَّلَامُ)، للدلالة على نقصان العقل والافتقار الى الحكمة عند هذا الرجل، فضلاً عن عدم تبصره بالأمور ووضع الأشياء في مواضعها، وتأكيداً لعدم أهليته الاعتراض على الإمام ؛ فهو كمن تخالفت عليه خيوط النسج عند من يريد حياكتها، فصارت مظنة لنقصان العقل، لأن ذهن الحائك متوجه في وقته كله الى صنعته وخيوطه المتفرقة و ما يتبع ذلك من حركة يديه ورجليه، ولهذا لا يكون ملتفتاً الى ما حوله. فصار الأشعث بهذا الوصف - شبيهاً بالحائك في ضعف عقله وقلّة إدراكه للأمور (7). وليس ببعيد أن يكون الأشعث حائكاً يحترف النساجه، ومنها نسيج البرود والحرير، وهما من الألبسة المحرّمة في الإسلام. ولعل ما ذكر في بعض المدونات التاريخية من أنه كان كِنْدِياً بالولاء، وأن أباه كان فارسياً اسكافياً (8). يؤيد هذه الرؤية، ولاسيما أنّ قول الإمام الذي وصف فيه الأشعث يحتفل بكثير من الصفات الرذيلة التي اتصف بها هذا الشخص، ومنها صفة (النّفاق) و (الكفر) التي وصف بها أبوه. وليس ببعيد بعد ذلك أن يكون محترفاً لأية مهنة رذيلة تناسب مكانته وشخصيته غير الإسلامية. فضلاً عن ذلك، فالمؤرخون يذكرون أن مهنة الحياكة مشهورة في بلاد اليمن، حتى أنّ أهلها كانوا يُعيّرون بها (9). وثمة قولة مأثورة في شأنهم منقولة عن بعض العرب، يذم فيها


1) ينظر : الفائق : 1/ 345.

2) ينظر : العين (حيك) : 3/ 257.

3) ينظر : معارج نهج البلاغة : 275/1.

4) ينظر : لسان العرب (حيك) : 418/10.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 1 / 273.

6) نفسه.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 1/ 220.

8) ينظر : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام : 7/ 1970.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 53/6.

أهل اليمن : ((ما أقول في قوم ليس فيهم الا حائك بزدٍ أو دابغ جِلْدٍ، أو سائس قِرْدٍ...)) (1). ومما يزيد في ذم هذا الرجل هو شياع الغدر فيه وفي أسرته، حتى قيل : إن أعرف الناس بالغدر (آل الأشعث بن قيس بن معد يكرب). فالغدر إرث فيهم انتقل معهم الى الإسلام (2). فضلاً عن كونهم معروفون ببيع الرقيق في الجاهلية أيضاً ؛ حتى ذكرت الروايات التاريخية أنّ الأشعث خاصم أهل نجران الى الخليفة (عمر بن الخطاب) في رقابهم، وكان قد استعبدهم في الجاهلية، فلما أسلموا أبوا عليه ذلك (3). وهذا يدل على سوء معاملته الناس واستعبادهم، فضلا عن الاتجار بهم.

ممرضه

التمريض حسن القيام على المريض (4). والممرّض من يقوم بشؤون المرضى ويقضى حاجاتهم العلاجية وغيرها بحسب إرشاد الطبيب (5).

وقد استعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردتي (مَرَّضْتَ) بصيغة الفعل الماضي المسند الى تاء المخاطب، ومفردة (ممرّضة) بصيغة اسم الفاعل المضاف اليه ضمير الغائب المفرد مرة واحدة لكل لفظة (6)، للدلالة على القيام على المريض وقضاء شؤونه المتعلقة بالعلاج وغيره. ومن ذلك قوله (في سياق ذمّ المخدوعين بالدنيا الذَّامين لها، بعدما سمع رجلاً يذم الدنيا : ((أَيُّهَا الذَّامُ للدُّنْيَا الْمُغْتَرُ بِغُرُرِهَا الْمَخْدُوعُ بِأَبَاطِيلِهَا أَتَغْتَرُ بِالدُّنْيَا ثُمَّ تَذْمُّهَا؟... مَتَى اسْتَهْوَتْكَ، أَمْ مَتى غَرَّتْكَ؟ أَبِمَصَارِعِ آبَائِكَ مِنَ الْبِلَى، أَمْ بِمَضَاجِعِ أُمَّهَاتِكَ تَحْتَ الثَّرَى ؟... كَمْ عَلَّلْتَ بِكَفَّيْكَ، وَكَمْ مَرَّضْتَ بِيَدَيْكَ تَبْغِي لَهُمُ الشَّفَاءَ، وَتَسْتَوْصِفُ لَهُمُ الأطباء غَدَاة لا يُغْنِي عَنْهُم دَوَاوَك، ولا يُجْدِي عَلَيْهِم بُكَاؤُكَ...)) (7). والنص وصف لحال المخدوع بالدنيا المغترين بها. ولهذا فإنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ينعى على هذا النوع من الناس استهواؤهم بالدنيا وانشغالهم بها ؛ بسبب من ميلهم الى الدنيا وانشغاله بملذاتها، وليس السبب في ذلك بالدنيا، وإنما يرجع ذلك الى جنوح الإنسان وميله الى الغرور والانخداع بها، متجاوزاً ما فيها من عبر واعتبار وما تقدمه لهم من مصارع الآباء ومضاجع الأمهات في الثرى، فضلاً عما فيها من علل وأسقام تعرض للمرء وتنهك بدنه وتسقم روحه. وهذه الأمور يلمسها الإنسان عياناً، ولهذا ذكر الإمام المخاطب بمن سهر عليه وعلله ومَرّضه بيديه، طلباً لشفائه ليزول عنه المرض والعِلّة. ولكن ذلك لم يكن مجدياً لهؤلاء المرضى الذين تستوصف لهم الأطباء والمترفّقة، حتى يبلغ بهم الجهد في الوقوف على راحة المرضى وتهيأة لوازم إبرائهم من علاج مادي ومعنوي أشار إليه الإمام بلفظة (عَلَّل) التي تفيد الدلالة على تسلية المريض ومداراته نفسياً. وذلك بشحذ همته وإعانته على تحمل المرض وتجاوزه. كما يُعلّل الصادي أو الجائع بسقيه الماء أو إعطائه الطعام (8). ويفهم من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ قيام الممُرّض على إعانة المريض ورفده بالدواء الذي


1) نفسه.

2) ينظر : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام : 404/7.

3) نفسه : 142/14.

4) ينظر : العين : (مرض) : 40/7، وتهذيب اللغة (مرض) : 12/ 26.

5) ينظر : المعجم الوسيط : 2/ 864.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 420، 421.

7) نهج البلاغة : قصا / 131 : 625، 626.

8) ينظر : لسان العرب (علل) : 11/ 468.

يصفه الأطباء له، يمثل وسائل للشفاء، وليست أصلاً له، فربما لا تغن هذا الأمور عن المريض شيئاً، إذا حانت منيته أودنا أجله فلا نفع - حينئذ - بالدّواء والأطباء والممرضين. وقد استعمل الإمام مفردة (ممرّضة) بالدلالة المتقدمة نفسها في (خ/ 212).

المِهَنِ

المهنة الخدمة (1). وهي الخدامة في العمل (2). ووردت لفظتا (مهنتهم)، و (المهن) مرة واحدة لكل منهما في نهج البلاغة (3)، للدلالة على امتهان الصَّنْعة واحترافها، واتخاذها عملاً وسبيلاً للكسب الحلال. وجاءت هذه الدلالة في سياق كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الغوغاء وصفتهم، والمنفعة من افتراقهم، مثلما ينتفع الناس من رجوع ذوي (المِهَنِ) الى أعمالهم. يقول الإمام : ((يَرْجِعُ أَصْحَابُ الْمِهَنِ إِلَى مِهَنِتِهِمْ، فَيَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهِمْ، كَرُجُوعِ الْبَنَّاءِ إِلَى بِنَائِهِ ...)) (4). ويلحظ من النص أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعمال مفردة (المِهَن) بصيغة الجمع على زِنَة (فعل). مشيراً الى الدلالة على المهنة التي يمتهن المرء فيها نفسه الذي يتخذ من تلك الأعمال التي ذكرها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) سبيلاً لرزقه، وهي التي تسمّى (بالمِهَنِ)، كأنّ العامل فيها قد امتهن نفسه وجوارحه فيها (5)، فصار عبداً وخادماً لمن يطلب منه عمل البناء، أو نسج الثياب فضلاً عن أنّ لفظة (مهنتهم) بهذه الصيغة توحي بدلالة احتراف الصَّنْعة والقدرة على انجازها بدقة ومهارة.وهو ما ناسب الدلالة المعجمية لمفردة (مهنة)، التي تعني الحرفة في المعجم العربي أقول : وثمة رواية أخرى للفظة المتقدمة جاءت فيها بصيغة (الجمع) (مهتهم)(6). والرواية الأولى شائعة مثبتة عند ابن أبي الحديد، والعلامة البحراني، والشيخ محمد عبده، والدكتور صبحي الصالح (7).

النَّسَاج

النَّسَّاج في اللغة هو الحائك الذي حِرْفته النَّساجة (8)والنَّسيج هو نسج الثياب وصناعتها، وأصله في اللغة هو ضمّ الشيء الى الشيء (9).

أما اسم الصنعة في هذا الضرب من المهن، فهو النّساجة، في حين أن مكان العمل فيها هو المنسوج بفتح السين وكسرها (10). وقد وردت لفظتا : (النَّساج)، و (مَنْسَجِةِ) مرة واحدة لكل منهما في نهج البلاغة (11). فأمَّا


1) ينظر : العين (مهن) : 4 / 61، وتهذيب اللغة (مهن) : 2/ 342.

2) ينظر : العين (مهن) : 4 / 61، ولسان العرب (مهن) : 136/ 424.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 428.

4) نهج البلاغة : قصا / 199 : 639.

5) ينظر : الديباج الوضي : 2878/6.

6) نفسه.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 20/ 148، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 450/5، ونهج البلاغة (عبده) : 543/4، ونهج البلاغة: 639.

8) ينظر : العين (نسيج) : 55/6، ولسان العرب (نسج) : 2/ 376.

9) ينظر : لسان العرب (نسج) : 2/ 376.

10) ينظر : العين (نسج) : 55/6.

11) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 440.

(النَّسَّاج)، فقد دَلَّت على الحائك الذي يقوم بنسيج الثياب وصناعتها، في حين جاءت لفظة (مَنْسجة)، للدلالة على محل عمله ومكانه. وقد ذكرها (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق كلامه عن صفة الغوغاء ومضرَّة اجتماعهم، ومنفعة تفرّقهم إذ يقول : ((هُمُ الَّذِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا ضَرُّوا، وَإِذَا تَفَرَّقُوا نَفَعُوا)) فقيل : قد علمنا مضرة اجتماعهم، فما منفعة افتراقهم؟. فقال: يَرْجِعُ أَصْحَابُ الْمِهَنِ إِلَى مِهَنِهِمْ، فَيَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهِمْ، كَرُجُوعِ الْبَنَّاءِ إِلَى بِنَائِهِ، وَالنَّسَاجِ إِلَى مَنْسَجِهِ، وَالْخَبَّازِ إِلَى مَخْبَزِهِ)) (1)أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن رجوع هذه الفئة من ذوي المهن الى مكان عملهم أمر ينفع به) الناس، بسبب من إنجاز هؤلاء ما تكفلوا به من أعمال، من نسج الصوف وصناعة اللباس وغير ذلك من الأعمال والصناعات التي تنجز في حال رجوعهم الى أعمالهم، فانصرافهم يبعد أثرهم السلبي في المجتمع ويجلب المنفعة الى الناس واليهم في وقت واحد.

القيّن

القَيْن الحَدّاد (2)، وكل عامل بالحديد، فهو قَيْن (3). وقد وردت لفظة (القين) مرتين في نهج البلاغة (4)دالة على الحَدَّاد الذي يعمل في صناعة الحديد وشحذا النّصال. وقد انتظمت هذه اللفظة في سياقين مختلفين في نهج البلاغة ؛ الأول منها يتحدث الإمام فيه عن الذين يعدون أنفسهم للعلم والحكمة وتعلم القرآن وتفسيره أثناء الملاحم والفتن يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((ثُمَّ لَيُشْحَذَنَّ فِيهَا قَوْمَ شَحْذَ الْقَيْنِ النَّصْلَ تُجْلَى بِالتَّنْزِيلِ أَبْصَارُهُمْ، وَيُرْمَى بِالتَّفْسِيرِ فِي مَسَامِعِهِمْ...)) (5)والشحذ يعني أن هذه الأذهان والعقول مستعدة بكل جوارحها لتقبل تلك المعارف الإلهية والعلوم القرآنية. ولمّا أراد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الإبانة عن قيمة هذا (الشخذ) وأثره في ذهن المتلقين، شبهه بشحذ الحداد نصل السَّيف، وبقية الآلات المستعملة في القطع والضرب كالسكاكين والسهام والرّماح التي يكون طرفها جارحاً قاتلاً. مع ملاحظة أن عناية الحداد بشحذ النّصال يمثل كشفاً لمهارته، وتتطلب منه الدقة في عمله، لتكون الأداة الجارحة ماضية قوية. وهذا هو وجه المناسبة التي أراد الإمام إظهارها في كلامه عن (شحذ) الملكات العلمية لهذه النخبة من (القوم) الذين اختارهم اللّه تبارك وتعالى لحمل هذه المعارف، مؤثراً إياهم على غيرهم ؛ لما فيهم من الاستعداد لتلقيها وحملها وتعلمها للناس. فليس كل الناس مشمولون بهذا الضرب من القرب الى اللّه تعالى والمهارة في تلقي هذا (الشحذ الذي يتحدث عنه الإمام، فالمخصوصون به هم صفوة ينتخبهم اللّه تبارك وتعالى، لما فيهم من المهارات الفذّة التي لا تتوافر في غيرهم، فكما أن الحداد لا يشحذ أية حديدة لديه لصنع نصالاً حادة منها، وإنما ينتخب ما كان قوياً لائقاً لشحذ طرفه وإحكامه حتى يكون حاد القطع وفصلاً في حسم الأمور فكذلك الأمر في شحذ النفوس لتلقي العلوم القرآنية وإحكامها. وأستطيع القول إنّ المراد بهؤلاء القوم أهل البيت (عليهم السلام) الذين يمثلون الصفوة المنتخبة من اللّه تبارك وتعالى لتلقي هذه العلوم وإحكام أسرارها، مع إطلاعهم على مصاديق القرآن الكريم وتفسيره الصائب الذي أراده اللّه جل جلاله. وأمّا السياق الثاني الذي جاءت فيه المفردة المتقدمة، فهو الذي يتحدث فيه عن السيدة (


1) نهج البلاغة : قصا / 199 : 639.

2) ينظر : العين (قين) : 5 / 219، وتهذيب اللغة (قين) : 9/ 237.

3) ينظر : تهذيب اللغة (قين) : 243/9، ولسان العرب (قين) : 13 / 350.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 391.

5) نهج البلاغة : خ / 150: 260.

عائشة (التي تزعمت حَرب الحمل : ((وَأَمَّا فُلانَةُ، فَأَدْرَكَهَا رَأْيُّ النِّسَاءِ، وَضِغْنّ غَلَا فِي صَدْرِهَا كَمِرْجَلِ الْقَيْنِ، وَلَوْ دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَيْرِي مَا أَتَتْ إِلَيَّ، لَمْ تَفْعَلْ...)) (1). فكنّى عنها باللفظ المتقدم مجانباً بذلك التصريح باسمها ؛ لأنّه كاف يتحدث عن موقفها منه وما تضمره تجاهه، موجهاً كلامه نحو (الحقد) الكامن في نفسها. ومن ثُمّ عرّج على وصف هذا (الضَّغْن) الذي أضمرته في قلبها مشبهاً إيّاه بـ(غليان مِرْجَل القَيْن)، مضيفاً كلمة (القين) الى الأداة التي يتخذها وسيلة لصهر الحديد أو الماء، إذ تكون درجة حرارة هذا النوع من المراجل عالية. بحيث يسمع لغليانها صوت وأزير. وذلك كله بفعل ما يصنعه (القَيْن) الذي يعمد الى إثارة النار تحت هذا القدر، ورفع درجتها بما يضيفه إليه من حطب أو غيره مما يوقد به ؛ ليرفع من حرارته. فهذه القدور تحتاج الى حرارة أعلى من سائر المراجل الأخرى، فاستعمل الإمام المفردة المتقدمة لبيان شِدّة وقيد الحقد في قلب السيّدة عائشة عليه (2). وكأنّه يشير بهذا التعبير - الى أن هناك من يُشجّع هذا الحقد في قلبها ويؤججه عليه ؛ محاولة لصنع فتنة جديدة يكون وقودها الناس سعياً منهم الى تحقيق مطامحهم ورغباتهم في إزاحة الإمام عن كرسي الخلافة، وإثارة الاضطرابات عليه ؛ ليتسنّى الهيمنة على الحكم. ولهذا أُحسُّ في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إشارة الى (طلحة والزبير) اللذين نكثا بيعته، واخرجا حرمة رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : ((كَمَا تُجَرُّ الْأَمَةُ عِنْدَ شِرَائِهَا، مُتَوَجِّهِينَ بِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَحَبَسَا نِسَاءَ هُمَا فِي بُيُوتِهِمَا، وَأَبْرَزَا حَبِيس (3)رَسُولِ اللّه (صلى اللّه عليه وآله) لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا، فِي جَيْشُ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَقَدْ أَعْطَانِي الطَّاعَةَ...)) (4).على حدّ قول الإمام. وقد جاءت مفردة (القين) في هذا السياق مناسبة للمعنى الذي قصد إليه ؛ لأنّ إخراج زوج النبي الأكرم، وجعلها قائداً للجيش الذي خرج على الإمام في وقعة (الجمل)، يمثل انتهاكاً لحرمتها ؛ لأنّها مأمور بالقرار في بيتها وملازمته بنص القرآن الكريم الذي يقول :(يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (5). فضلاً عما ورد في ذلك من أحاديث للنبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) الذي نقل عنه قوله مخاطباً نساءه : ((كيف بإحداكُنَّ تَنْبِحُ عَلَيْها كِلابُ الْحَوْابِ (6))) (7). ولهذا أثر عنها قولها ؛ لما سمعت نُباح كلاب (الحَوْأب)، وقد سألت عن هذا الموضع، فقيل لها : إنّه الحَوْأَب). فقالت : ((رُدُّوْنِي رُدُّوْنِي، سَمَعْتُ رسول اللّه يقول : كيف بإحداكن إذا نبحث عليها كِلابُ الحَوْاب))(8). ولكنها استجابت لرأي من أخرجها حاثاً إياها على المسير الى البصرة،


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 146/9.

2) ينظر : الديباج الوضي : 1261/3.

3) الحبس ضد التخلية.والحبس الامسااك، وهو(فعيل) بمعنى (مَفْعُول) أو (فاعل)، فهو المحبوس أو الحابس الذي يحبس من أن يسير مع الركبان.ينظر:لسان العرب (حبس): 44،46/6.

4) نهج البلاغة : خ / 172 : 310.

5) الأحزاب / 32، 33.

6) الحؤاب - بفتح وسكون وهمزة مفتوحة - الوادي الواسع. وهو موضع في طريق البصرة من مياه أبي بكر بن كلاب من العرب. وهو من المياه الإعداد القديمة الموجودة في الجاهلية. وقيل : بل هو موضع بئر في طريق البصرة. ينظر : معجم البلدان : 2/ 314.

7) مسند أحمد : 52/6، وصحيح ابن حبان : 15 / 126، والمستدرك على الصحيحين: 1296/3، ومسند أبي يعلى : 282/8.

8) مسند أبي يلعى : 282/8. وفي بعض كتب الحديث أنها قالت : ((ما أظني إلا راجعة...)) ينظر : مسند أحمد : 52/6.

بدعوى أنها خرجت للإصلاح بين المسلمين (1). وقيل : إنّهم غالطوها وحلفوا لها أنّه ليس بالحَوْأب(2). وإغراؤهم لها بالمسير ضرب من أفعال العبيد الذي غلب عليهم الامتهان والوضاعة ؛ فالعرب تسمي العبد قينا(3)، لما يقوم به من أعمال وضيعة كالخدمة في البيوت وغيرها مما يشبه صنعة القيْن العامل في الحدادة والقير فيعرض له من الأوساخ والقدر ما يجعله أسود الوجه واليدين من أثر صنعته. فوصف القين بأنّه عبد هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالملاحظ أنّ عمل القَيْن مرتبط بصناعة الحديد وتطويعه وتسويته، وهو ما أفاد منه الإمام في توظيف هذه المفردة، ليوحي بها على ما قام به كل من (طلحة والزبير) من تهيئة لوازم الفتنة واشعال فتيلها في معركة (الجمل)، متخذين الحِيْلَة والكذب سبيلاً لهما في إغراء السيد (عائشة) وغيرها من الناس في ضرورة الطلب بثأر الخليفة (عثمان بن عفّان) مرة، وفي أن خروجها يمثل صلاحاً لذات بين المسلمين، ساعين بذلك الى إفساد الأمة وإشاعة القتل فيها، كما يفعل (القين) ذلك عند تردده في البوادي متنقلاً في مياه العرب، فيكسد عمله حتى يقول لأهل الماء إني راحل عنكم صباحاً، وهو كاذب في ذلك ؛ محاولة منه خداع الناس وإغراء لهم في استعماله حتى قالوا في أمثالهم المعروفة : ((إذا سمعت بِسرى القَيْنِ، فَاعْلَم أَنه مُصْبِح)) (4). يضرب مثلاً في شيوع الكذب عند بعض الناس (5). وبهذا يكون الإمام قد وسَع من دلالة مفردة (القَيْن)، متنقلاً من دلالتها على عمل الحدادة إلى الدلالة على صناعة الفتن وإثارتها، فضلاً عن احتراف الكذب وإشاعة الحقد في قلوب الناس. فاكتسبت المفردة - بهذا الوصف - نوعاً من الانحطاط الدلالي ؛ لارتباطها بالأفعال والتصرفات السيئة. وهو ما يفسر لنا قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصف السيدة (عائشة) أنها : ((أدركها رأي النّساء)) (6). يريد بذلك ما يلازم رأي النساء من ضعف وعدم اتساع أو بعد نظر في استشراف الأحداث ونتائجها ؛ لاعتمادها في ذلك على عاطفتها وقوله المتقدم يفسر لنا هيمنة الصحابيين (طلحة والزبير) على أحداث الخروج على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونكث بيعته، ومن ثَمّ التأليب عليه بإخراج زوجة رسول اللّه زعيماً للجيش الذي قاتله الإمام في البصرة.

البنّاء

البنّاء مدبّر البنيان وصانعه (7). وقد وردت مفردة (البنّاء) بوزن (فعّال) محلاة بـ (ال) مرة واحدة في نهج البلاغة (8)، للدلالة على العامل في صنع البناء وتدبيره، وذلك في قوله الذي يتحدث فيه عن مضرّة اجتماع الغوغاء من الناس الذين لا نفع إلا في تفرّقهم. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((هُمُ الَّذِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا ضَرُّوا، وَإِذَا تَفَرَّقُوا نَفَعُوا. فقيل : قد علمنا مضرة اجتماعهم، فما منفعة افتراقهم؟ فقال: يَرْجِعُ أَصْحَابُ الْمِهَنِ إِلَى مِهَنِهِمْ، فَيَنْتَفِعُ


1) والقائل هو (الزبير). وقيل : بل طلحة والزبير : ينظر : المستدرك على الصحيحين : 1293، والمصنف في الأحاديث والأخبار لابن أبي شيبه : 536/7 .

2) ينظر : معجم البلدان : 2/ 314.

3) ينظر : لسان العرب (قين) : 13 / 351.

4) مجمع الأمثال : 41/1، وجمهرة الأمثال : 1/ 23، والمستقصى في أمثال العرب : 1 / 124، ولسان العرب (قين) : 13/ 351.

5) نفسها.

6) وذلك شبيه بقوله موصياً الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعدم مشاورة النساء قائلاً : (وَإِيَّاكَ وَمُشاوَرَةَ النِّسَاءِ، فَإِنَّ رَأيَهُنَّ إِلَى أَفْن...)). نهج البلاغة / 31 : 513.

7) ينظر : تاج العروس (بني) : 234/37.

8) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 66.

النَّاسُ بِهِمْ، كَرُجُوعِ الْبَنَّاءِ إِلَى بِنَائِهِ، وَالنَّسَاجِ إِلَى مَنْسَجِهِ...)) (1). يعقد الإمام ضرباً من التشبيه بين تفرّق (الغَوْغاء) وتفرّق أصحاب المهن، مشبّهاً الأول بالثاني من جهة أنّ تفرّقهم يؤدي الى تقليل مضرّة خطرهم واجتماعهم ؛ لأنّهم أينما اجتمعوا أدّى ذلك الى إظهار كثرتهم، وهو ما يؤدي الى زرع الخوف في النفوس منهم ؛ كأنهم في ذلك كالجراد حين يخف للطيران فتراه كثيراً منتشراً. فضلاً عما يسببه اجتماعهم من جلبة وصوت مزعج، لكثرة لغطهم وصياحهم. فأما تفرّقهم وتشتت شملهم، فهو مدعاة الى تقليلهم في أعين الناس، وتهوين لشرّهم وجلبتهم. فكأن ذلك علامة على منفعتهم. ويحتمل أن يراد بمنفعة تفرّقهم عودتهم إلى أماكن علمهم ؛ على أساس أن لكل واحد منهم عملاً من الأعمال التي تدرّ عليهم الرّزق، و تشغلهم عن غيرهم من الناس الذين ينالون بعضاً من هذه المنافع بطريق غير مباشر، من خلال تفرّق هؤلاء وانشغالهم بأعمالهم. وقد أتى الإمام على ذكر أصحاب المهن جاعلاً في صدارتهم (البَنّاء) الذي يقوم على صناعة البناء وتدبير أمره، في إشارة الى فائدة هذا النوع من الأيدي العاملة التي تسهم في أعمار البلد وتطوره، فكما يبني البنّاء البناء ويقوم أمره، فهو يجلب بذلك النفع الى الناس من خلال توفير المسكن أو المأوى لهم. وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوحي بأن رجوع هؤلاء يمثل إتماماً للعمل الذي تكفلوا به، فقوله : ((كَرُجُوعِ الْبَنَّاءِ إِلَى بِنَائِهِ)) يدل على أنّ هذا النوع من أصحاب المهن يداومون في أعمالهم التي تتميز بالبطيء في الإنجاز، لأنّ التسرّع في انجازها يؤدي الى انهيار العمل وعدم جودته، بخلاف الحال التي يكون عليها (الغوغاء)، الذين ينمازون بالعجلة والتسرع في الشرّ وغيرها من الخصال السيّئة التي يتخذونها سبيلاً لهم في حياتهم.

الحرفة

الحِرْفة عند اللغويين هي المكسب أو الطُّعمة (2). وذكر بعض اللغويين أنها الصناعة وجهة الكسب (3). والحزفة مأخوذة من الاحتراف وهو الاكتساب. يقال : هو يحرف لعياله ويحترف، أي يكتسب (4). والمحترف - في اللغة - الصانع. والحرفة صنعته وضيعته أيضاً (5). وجاءت لفظة (الحِرْفة) في نهج البلاغة مرة واحدة (6)، دالة على الحرمان وضيق الرزق وذلك في سياق وصايا الإمام للامام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) التي يقول فيها: ((...وَمَرَارَةُ الْيَأْسِ خَيْرٌ مِنَ الطَّلَبِ إِلَى النَّاسِ، وَالْحِرْفَةُ مَعَ الْعِفَّةِ خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى مَعَ الْفُجُور...)) (7). والمراد بقوله : (وَالْحِرْفَةُ مَعَ الْعِفَّةِ ...) أنّ المرء المُقدَّر عليه رزقه، أو الذي حُرِف عنه الرزق ومال عنه ويكون عفيفاً عما حرم اللّه تعالى، فذلك خير له من الغني الذي يكون فاجراً لا يأبه لما حرّمه اللّه، سواء أكانت هذه المُحرّمات أموالاً أم غيرها.


1) نهج البلاغة : قصا / 199 : 639.

2) ينظر : جمهرة اللغة (حرف) : 1/ 262.

3) ينظر : المحكم (حرف) : 3/ 307.

4) ينظر : لسان العرب (حرف) : 41/9.

5) نفسه.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 107.

7) نهج البلاغة : ك/ 31 : 509.

وفي هذه الوصية تنبيه منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على وجوب الصبر في ضيق الرزق والحرمان، إذا كان مع فضيلة العِفَّة، فذلك أولى من طلب الغنى الذي يستلزم الفجور (1). والمقصود بالحرفة – هنا- الحرمان ونقص الحظ من الرزق (2). فقد استعمل الإمام المفردة المتقدمة الدالة على الصنعة والمهنة الخاصة بالكسب، للدلالة على انحراف الرزق وقلته، وهو ما يستلزم الحرمان والفقر، في مقابل (الغِنى) الذي يعد نقيضاً لهذه الحال وضداً لها في حين أن اللغويين ينصون على أنّ ضيق الرزق والحرمان تستعمل فيه مفردة (مُحَارَف)، (وحُوْرِف)، ومعناها المحروم الذي شُدِّدَ عليه في رزقه، فهو كمن أميل برزقه عنه (3). وقيل : بل هو الذي إذا طلب الرزق لا يُرزق، وهو المُقدّر عليه رِزْقه (4)أو هو الذي لا يسعى لرزقه وكسبه (5). ولم أجد من اللغويين من أشار الى أنّ مفردة (حرْفَة) تُدل على الحِرمان في الرزق، ولهم في ذلك تعليقات تدل على هذا المعنى، كذكرهم – مثلاً - أن الحرف الحرمان (6). وبهذا يكون استعمال الإمام لمفردة (حرفة) بالدلالة المتقدمة علامة من علامات التطور الدلالي لها، فقد نقلها من الدلالة على الصناعة والكسب الى الدلالة على الحرمان والضيق الرزق.

الخباز

الخباز هو الذي يعالج الدقيق بالماء. وذلك بعجنه و ضربه باليد، ومن ثم خبزه في ملة أو تنّور (7). وتسمى هذه المهنة بالخَبازة، ومكانها المخبز (8). وقد استعملت لفظة (الخَبّاز) مرة واحدة في نهج البلاغة (9)، للدلالة على الخباز الذي يمتهن الخبازة. وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق حديثه عن صفة السفلة من الناس وأوباشهم : ((هُمُ الَّذِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا غَلَبُوا، وَإِذَا تَفَرَّقُوا لَمْ يُعْرَفُوا))(10). وذكر السيد الشريف رواية أخرى لهذا النص، وهي قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((وقيل : بل قال : هُمُ الَّذِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا ضَرُّوا، وَإِذَا تَفَرَّقُوا نَفَعُوا. فقيل : قد علمنا مضرة اجتماعهم، فما منفعة افتراقهم؟ فقال: يَرْجِعُ أَصْحَابُ الْمِهَنِ إِلَى مِهَنِهِمْ، فَيَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهِمْ، كَرُجُوعِ الْبَنَّاءِ إِلَى بِنَائِهِ، وَالنَّسَاجِ إِلَى مَنْسَجِهِ، وَالْخَبَّازِ إِلَى مَخْبَزِهِ.)) (11). ويعقد الإمام في إجابته سؤال السائل موازنة على نحو التشبيه بين اجتماع هذه الفئة من الناس وتفرّقهم، فاجتماعهم يؤدي الى غلبة الأذى والضرر في المجتمع ؛ لما فيه من البلاء والفتنة. كأنّ وجودهم في مكان ما يؤدي الى المشاكل التي يحدثونها فيما بينهم، فضلاً عما يسببونه للناس من مشاكل أيضاً، وفي حين أنّ تفرّقهم يقود الى إبعاد أذاهم عن الناس. مثلما يكون افتراق أصحاب المهن وانصرافهم الى حرفهم منفعة للناس وفائدة ؛ لأنهم السبب الذي ينتفع به الناس لما


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 281/5.

2) ينظر : الديباج الوضي : 2342/5.

3) ينظر : العين (حرف) : 3/ 211، ولسان العرب (حرف) : خ / 34.

4) ينظر : لسان العرب (حرف) : 43/9.

5) نفسه.

6) ينظر : المحكم (حرف) : 3/ 327.

7) ينظر : العين (خبز) : 4 / 211، ولسان العرب (خبز) : 344/5.

8) نفسهما.

9) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 133.

10) ينظر : الديباج الوضي : 6/ 2877، ونهج البلاغة : قصا / 199 : 639.

11) نهج البلاغة : قصا / 199 : 639.

يقدمه أصحاب المهن من منافع تتعلق بصناعة البناء والعمران، ونسيج الألبسة وغيرها من الثياب، فضلاً عن عجل الخبز والغذاء وما يتعلق بهما. إن اجتماع هذا النوع من الناس، إنما يكون مصحوباً باللّهو واللعب والمضرّة، فضلاً عن أنه يؤدي الى إظهار كثرتهم وسوادهم، لأنهم - كما يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) - في موضع آخر من النَّهج : ((بوُجُوهِ لَا تُرى إِلَّا عِنْدَ كُلَّ سَوْأَة)) (1). فإنهم ليسوا أهلاً للستر والحلم، وإنما هم أصحاب سوء، سوء، فليس تجمعهم كتجمع أصحاب المهن والحرف الذين سخروا أنفسهم لخدمة الناس وتقديم المنافع لهم، فتعلّق لهم الرّزق والخير والنماء، تحقيقاً لمبدأ (العمل عبادة). ولهذا نلحظ في كلام الإمام ضرباً من المدح والثناء على هذه المهن وأصحابها، ومنها مهنة (الخبّاز) التي توحي بالدلالة على صناعة الغذاء وعمل أرغفة الخبز، فضلاً عن تعامل صاحبها مع نعم اللّه تبارك وتعالى من أنواع الحبوب كـ(الحنطة، والقَمْح، والشعير).

داري

الدَّارِيّ هو الذي لا يطلب معاشاً ولا يبرح مكانه (2). فهو المُكتفي في عيشه. أو هو رَبِّ النّعم، وسُميّ بذلك ؛ لأنه مقيم في داره لابث فيها، فَنُسِب اليها (3). والدَّارِي العَطَّار أيضاً، وهو المنسوب الى بلدة (دَارِيْن) و هي فرضة بالبحرين فيها سوق كان يحمل اليها المسك من الهند (4). وقد ذكر الأصمعي أنّ كسرى هو الذي أسماها بـ(دَارِين)، ومعناه : البلدة أو القرية العتيقة. وذلك أنّه سأل عنها فلم يجد من يخبره عنها، فقال : دَارين. أي عتيقة (5). ويفهم من هذا الكلام أنّ هذه الكلمة من الألفاظ الفارسية المعرّية التي دخلت لغة العرب واستعملوها اسماً لهذه القرية من بلاد البحرين وقد ارتضى الجواليقي أعجمية هذه اللفظة، فذكرها مع الألفاظ المعرّبة في كتابه (6). والدَّاري - أيضاً - الملاح الذي يلي شراع السفينة وإدارته (7). وتبدو هذه الدلالة مأخوذة من (المداورة)، وهي – كما يذكر الزبيدي - كالمعالجة في الأمور (8)ومعنى هذا أن الدّاري هو المعنى بإدارة أمور السفينة ومداراتها، أي معالجتها بفطنة وحكمه ليضمن مسيرها في البحر بأمان.

وجاءت لفظة (دَارِيّ) في نهج البلاغة مرة واحدة (9). في سياق كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن عجيب خِلْقَهِ الطاووس، مستدلاً بذلك على عظيم خلق اللّه جل جلاله. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((وَمِنْ أَعْجَبِهَا خَلْقاً الطَّاوُوسُ، الَّذِي أَقَامَهُ فِي أَحْكَمِ تَعْدِيلِ، وَنَضَدَ أَلْوَانَهُ فِي أَحْسَنِ تَنْضِيد، بِجَنَاحٍ أَشْرَجَ قَصَبَهُ... إِذَا دَرَجَ إِلَى الأُنْثَى نَشَرَهُ مِنْ طَيِّهِ، وَسَمَا بِهِ مُطِلا عَلَى رَأْسِهِ كَأَنَّهُ قِلْعُ دَارِي عَنَجَهُ نُوتِيُّهُ...)) (10).

وقد اختلف الشُرَّاح في دلالة مفردة (دَارِيّ) في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويمكن إجمال دلالتها فيما يأتي:


1) نفسه : قصا / 20 : 639.

2) ينظر : تهذيب اللغة (درى) : 4/ 469.

3) ينظر : ولسان العرب (دوى) : 4 / 295.

4) ينظر : معجم البلدان : 432/2.

5) ينظر : المعرب : 195.

6) نفسه.

7) ينظر : لسان العرب (دور) : 4 / 295، وتاج العروس (دور): 2843/1.

8) ينظر : تاج العروس (دور) : 2843/1.

9) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 164.

10) نهج البلاغة : خ/ 165 : 295.

أولاً :دلالتها على (الشراع الدَّارِيّ). وهو ضرب من الأشرعة المنسوبة الى بلدة (دَارِيْن) بالبحرين(1)، وقد كانت هذه (الفُرْضَةً مختصة - فيما يبدو - بالاشتغال بأشرعة السُّفن وقلاعها ؛ إذ كانت تؤخذ منها هذه الأجزاء الخاصة بالمراكب والسفن كما يذكر بعض الشرّاح (2).

ثانياً : دلالتها على جالب العطر والمِسك من مدينة (دَارِين) وهذه الدلالة مأخوذة أيضا من اختصاص تلك البلدة بالطيب الذي يحمل إليها من الهند (3). ولعل هذا الأمر هو الذي دفع الشارح ابن أبي الحديد الى عدّ مفردة (دَارِيَّ) دالة على من كانت مهنته جَلْبِ العِطر من (دَارِيْن)(4).

ثالثاً : الدلالة على (الملاح) الذي يمتهن العمل في السُّفن وإدارتها. وهذه الدلالة مأخوذة من المعنى المعجمي لهذه الكلمة، وقد أشرت اليها فيما تقدّم.

وأما الموقف من ترجيح تلك الدلالات، فيبدو لي أن جنوح بعض الشراح اليها، كان بسبب من السياق التاريخي، وهو اختصاص تلك البلدة بالأشرعة والقِلاع، وإرسالها الى بقية المدن والأمصار. ولعل هذا الأمر هو الذي دفع الشارح البحراني الذي يُعدّ من أبناء البحرين، وهو يعرف – كما يبدو – بأنواع التجارة التي تمارس في بلدة (دَارِيْن) وغيرها من فُرَض بَلده. والأمر نفسه يصدق على الدلالة الخاصة (بجالب العطر والمِسْك) ؛ لأنهم ذكروا اشتغال تلك البلدة بتجارة الطيب. وهو معني يجئ بالمرتبة الثانية بعد المعنيين المتقدمين. وثَمَّة أمر آخر دفع الشراح الى اختيار الدلالة الأولى، وهو (التركيب النحوي) ؛ فإنّ دلالة الاضافة بين (قِلْعُ) و (دَارِيَّ) هو الذي انتج معنى : (الشّراع المصنو)ع أو المنسوب في صناعته الى (دَارِيْن) ؛ إذ توحي الإضافة المتقدمة بنسبة القلاع إلى بلدة (دَارِين) المعروفة. ومما يقوي ذلك، السياق التاريخي الذي ذكرته آنفاً، فضلاً عما ذكره البحراني من أنّ الإمام إنما خص هذه البلدة بالذكر ؛ لأنها كانت المرسى القديم في زمانه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، عندما كانت بلدة معمورة (5). مشيراً الى أنها الآن - يقصد في عصره هو، في القرن السابع الهجري - بلدة أثريّة لا عمارة فيها ولا سكنى (6).

أمّا الدلالة الثانية، فيبدو أنها بعيدة عن المعنى العام للنص، فلو قدرنا معنى الإضافة في قوله (قِلْع دَارِيّ) بـ (شراع جالب العطر من دارين)، أو بغيره من التقديرات القريبة ؛ لظهر لنا بعد المعنى الذي أعتقد أن الإمام قصد أن يصوره من خلال الموازنة بين صورة شراع السفينة الذي يُحركُه النُّوتي، وبين حركة الطاووس الذي ينشر جناحه ويرفعه بسمو فوق رأسه كأنّه (قِلْعُ دَارِي عَنَجُهُ نونيّهُ...).أما الدلالة الثالثة، وهي دلالة لفظة (دَاري) على الملاح الذي يُذير المركب أو السفينة، فيبدو أنها تناسب السياق، وتركيب الإضافة في (قِلعُ دَاري)، الذي يمكن تقديره بـ (شراع مَلاحٍ عَنَجُهُ نُؤْنيه...). فإن كانت مفردة (دَارِي) تدل على (الملاح) الذي يلي شراع السفينة وإدارته، ويعالج هذا (القِلْع) ويدور به حيثما جرت الريح، لأجل ضمان جريانها في


1) ينظر : معارج نهج البلاغة : 1 / 580، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 666/3، 667.

2) ينظر : الديباج الوضي : 3/ 1365.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 3/ 193.

4) نفسه.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 3/ 667.

6) نفسه.

البحر بأمانٍ. أقول : فإن كان (الدارِيّ) هو الملاح، كما يقول المعجميون، فهذهِ دلالة عامة ؛ لأنّ الملاحة مهنة تطلق على الكثير من الأشخاص الذين يؤدون عملاً هاماً في المراكب والسفن. ولهذا خَصَّ اللغويون دلالة لفظة (ملاح) بأنه النّوتِيّ، أو صَاحِب السفينة الذي يتعهد أمرها أمر وجريانها في الماء الملح (1). ومن هذا الكلام أُرجح أنّ المراد من مفردة (دَارِيّ) هو الملاح الذي يتعهد أمر السفينة وجريانها في الماء. واعتقد أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) جعل مفردة (دَارِي) دالة على الذي يُدبر دَفة السفينة ويحركها بالاتجاهات كلها مجاراة للريح ومن ثم يجيء دور (النّوتي (الذي يساعد (الدّاري) في عمله وذلك بتوجيه الأشرعة حيثما جرت الريح. ولهذا قال الإمام ((قِلْعُ دَارِي عَنَجَهُ نُوتِيُّهُ...)) أي : جذبه النوتي، وهو الذي يتمايل مع الشراع الذي تحركه الريح.

ويمكن أن يكون (الدَّارِيُّ) هو الذي يُمْسَك حبل الشراع عند اشتداد الريح لئلا ينكسر، وهذا العمل يشترك في أدائه النَّوَّات أيضاً.

المتَرَقِّق

المُتَرَقِّق المُتَطَبّب (2). وهو الطبيب (3). وقد استعمل الإمام هذه المفردة مرة واحدة في كلامه الوارد في نهج البلاغة (4)، للدلالة على المتكتب بعمله وجهد بدنه وجاء هذا الاستعمال في سياق وصيته (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعامله (مالك الأشتر) يوصيه فيها : ((بِالتُّجَّارِ وَذَوِي الصَّنَاعَاتِ، وَأَوْصِ بِهِمْ خَيْراً : الْمُقِيمِ مِنْهُمْ، وَالْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ، وَالْمُتَرَقِّقِ بِبَدَنِهِ، فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِع ...)) (5). ويلحظ أنّ الإمام قد استعمل مفردة (المُتَرَقِّق) في سياق يخص طبقة التّجار وأصحاب الصناعات. وبهذا نقل المفردة المتقدمة من دلالتها المعجمية، وهي الدلالة على المتطبب الذي يترفق ببدنه على مرضاه ساعياً الى الرفق بهم. فتجاوز (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الدلالة، وضرب عنها صفحاً ومنحها دلالة جديدة، هي الدلالة على العامل الذي يبذل جهده وينهك بدنه في العمل ؛ لأجل كسب رزقه وتحصيل قوته. ولم يذكر المعجميون هذه الدلالة التي انفرد بها الإمام. ويبدو أنّ إغفال المعجميين للدلالة المتقدمة راجع الى عدم استقرائهم كلام الإمام الذي ضرب عنه المعجميون صفحاً ولم يطلعوا الا على جزء يسير منه.أقول : ومما يدعم الدلالة المتقدمة ما ذكره الشُّرَّاح من أن المراد بـ (المترفق ببدنه)، هم أرباب الصناعات، والذين يؤجرون أنفسهم للمنافع العظيمة من الرعاية أو حفظ الموال وغير ذلك مما يتطلب جهداً بدنياً وقوة (6). ومما يؤكد هذا المعنى ويدعمه الرواية التي نقلها الشارح ابن أبي الحديد في قول الإمام (المُتَرَقِّقَ بِبَدَنِهِ). فقد روي (بيدهِ) بدلاً من (ببَدَنه) (7)، كأن (الترفق (يناسب العمل وبذل الجهد باليد والانتفاع بها، فأكثر أعمال المحترفين وذوي الصناعات تكون بأيديهم (8).

نوتيه


1) لسان العرب (ملح) : 2/ 299.

2) ينظر : تهذيب اللغة (رفق) : 101/9.

3) نفسه.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 192.

5) نهج البلاغة : ك/ 53: 559.

6) ينتظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 17/ 65، والديباج الوضي : 5/ 2565.

7) أنفسهما.

8) ينظر : الديباج الوضي : 5/ 2565.

النُّوتي في اللغة الملاح الذي يُدبّر السفينة في البحر (1). ويبدو أنّ هذا المعنى مأخوذ من دلالة مادة (نَوَت) على التمايل من النُّعاس. يقال : نَات يَنُوت، وذلك إذا تمايل من النُّعاس والضَّعْف. والنّوْتي هو الذي يُمِيل السفينة من جانب الى جانب (2)، كأنّه يُميلها كما يتمايل الضعيف أو الناعِس و (النّوتي) كلمة شامية يتكلم بها أهل الشام (3). وقد استعملت لفظة (نُؤتِيّه) في نهج البلاغة مرة واحدة (4). دالة على الملاح الذي يقود السفينة في البحر بجذب أشرعتها وتوجيهها حيثما جرت الريح، وهو - بهذا – يدبر أمر السفينة. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق وصفه الطاووس : ((وَمِنْ أَعْجَبِهَا خَلْقاً الطَّاوُوسُ،... نَصْدَ أَلْوَانَهُ فِي أَحْسَنِ تَنْضِيد، بِجَنَاحٍ أَشْرَجَ قَصَبَهُ، وَذَنَب أَطَالَ مَسْحَبَهُ إِذَا دَرَجَ إِلَى الأُأُنْثَى نَشْرَهُ مِنْ طَيِّهِ، وَسَمَا بِهِ مُطِلا عَلَى رَأْسِهِ كَأَنَّهُ قِلْعُ دَارِي عَنَجَهُ نُوتِيُّهُ)) (5). وقد فسّر السيد الشريف الرضي النُّوْتي بالملاح (6). فالنوتي يقوم بجذب شراع السفينة ويعطفه ؛ كيما يسرّع السفينة أو يقلل من جريانها بحسب اتجاه الريح. وفي تعبيره (عَلَيهِ السَّلَامُ) إشارة إلى تحكّم (الطاووس) بأنثاه، ومحاولة جذبها إليه بنشر جناحه مثلما ينشر النوتي جناح السفينة عندما يريد الإبحار بها، فضلاً عن مقدرته من التحكم بها بوساطة تحريكه حسبما تتجه الريح، فلهذا شبّه الإمام حركة جناح الطاووس ورفعه الى فوق رأسه إيماء منه لأنثاه بدرجه إليها، لتستجيب له.

راقعها

الترقيع ضرب من العمل المختص بإصلاح الثياب، ويكون ذلك أن بترقيع المواضع التي أنهجت من تلك الثياب (7). ويطلق على القائم بهذا العمل (راقع) (8). والرَّاقع هو الذي يرقع الثوب، والأديم بالرّقاع. ورقعه. أي الْحَم خرقه (9).

وقد استعمل الإمام علي مفردة (راقعها) مرة واحدة في نهج البلاغة (10)، للدلالة على راقع المَدَارع، وهي مهنة يتخذها نفر من المشتغلين بالحرف اليدوية. وقد ذكر الإمام هذه اللفظة في سياق كلامه عن زهده وتقواه، الذي يقول فيه : ((واللّه لَقَدْ رَقّعْتُ مدْرعَتي هذهِ حتَّى اسْتَحْيِيتُ مِن راقِعَها...)) (11).

القائف


1) ينظر : تهذيب اللغة (نوت) : 14/ 232، ولسان العرب (نوت) : 2/ 101.

2) ينظر : لسان العرب (نوت) : 101/2.

3) نفسه.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 460.

5) نهج البلاغة: خ/ 165 : 295، وقد ورد النص في النهاية في غريب الحديث: 8/5 122.

6) نفسه : 301. وقد ذهب أكثر الشراح إلى تفسير مفردة (النوتي) بـ (الملاح). ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 9/ 206.

7) ينظر : الصحاح (رقع) : 1/ 265.

8) ينظر : العين (رقع) : 157/1.

9) ينظر : لسان العرب (رقع) : 131/8.

10) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 193.

11) نهج البلاغة : خ / 160 : 285.

القائف هو الذي يقتفي الآثار ويعرفها (1). وقد وردت لفظة (القائف) بوزن (فَاعِل) مرة واحدة في نهج البلاغة(2)، للدلالة على المتتبع للأثر. وذلك في سياق كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الفتن والملاحم ومن يدركها من أهل البيت (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فيكون فيها سراجاً منيراً لا يمكن تتبع أثره : ((... أَلاَ وَإِنَّ مَنْ أَدْرَكَهَا مِنَّا يَسْرِي فِيهَا بِسِرَاج مُنِيرٍ، وَيَحْذُو فِيهَا عَلَى مِثَالِ الصَّالِحِينَ، لِيَحُلَّ فِيهَا رِبْقاً (3)، وَيُعْتِقَ رِقّاً، وَيَصْدَعَ شَعْبا (4)، وَيَشْعَبَ صَدْعاً، فِي سُتْرَة عَنِ النَّاسِ لاَ يُبْصِرُ الْقَائِفُ أَثَرَهُ وَلَوْ تَابَعَ نَظَرَهُ)) (5). والنص كما يبدو – خاص بالحديث عن الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو ما اختاره الشارح ابن أبي الحديد (6). فاستعمل الإمام له لفظ (السراج)، للدلالة على كمالات نفسه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتفريقه بين الحق والباطل ؛ لأنّ الفتن التي تحصل في زمنه لا توقع له شبهة، ولا تؤثر في عقيدته، فضلاً عما يقوم به من إصلاح في المجتمع، فيحل ما انعقد فيه من إشكالات وشُبَه تكون في الناس، ويلم شعت ما أنشعب من أمور الدين والناس (7). وقد عبر الإمام عن استتار المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمفردة (سُتْرة). والمراد بها الدلالة على احتجابه عن الناس وخفائه عليهم. ولمّا أراد الإمام الإشارة الى عدم معرفة الناس والظالمين الإمام المهدي من أهل البيت، استعمل مفردة (القائف) الدالة على العارف بالآثار المتتبع لها. كأنّه يشير بذلك الى أنّ أكثر الناس فطنة وتتبعاً في هذا المجال يعجز عن التعرف على الإمام، أو حتى يعرف نسبه ؛ لأنّ (القائف) هو الذي يعرف شبه الرّجل وأخيه (8). ولكن الإمام غيّر من دلالة هذه المفردة، ونفى عن هذا الضرب من الناس - الفراسة والمعرفة الخاصة بتتبع آثار المهدي من آل البيت (عليهم السلام). إلا من أراد اللّه جل جلاله اطلاعه على ذلك. ويحتمل أن يكون المراد بلفظة (القَائِف) الدلالة على الجواسيس من عيون السلطة الحاكمة التي كانت تتبع الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في محاولة للقضاء عليه وبهذا يكون الإمام علي قد وسّع من دلالة اللفظة المتقدمة ونلقها من مجالها الدلالي المعروف الى مجال آخر مخصوص بالجانب الأمني الإخباري، فتنحط بذلك دلالتها ؛ لارتباطها بمجال السّعي والوشاية بالأئمة وفي مقابل ذلك تتضمن المفردة الدلالة على عدم معرفة الناس بأحوال الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، والتبصر بمواقفهم واقتفاء نهجهم في الإيمان باللّه تبارك وتعالى والوصول الى درجتهم التي وصلوا اليها عند اللّه من خلال التقوى والطاعة وتهذيب النفس، فضلاً عن جهل الناس بهم وبحقهم في قيادة الأمة الإسلامية، فما زالوا مغمورين في الناس تعرف أشخاصهم ولا تعرف حقوقهم ومنزلتهم حق المعرفة بين الناس (9).


1) ينظر : العين (قفو) : 5/ 102، وتهذيب اللغة (قفو) : 249/9.

2) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 383.

3) الربق الحبل الذي يربط به. ينظر : لسان العرب (ربق) : 10/ 112.

4) الشعب الجمع والتفريق والاصلاح والإفساد. وهو من ألفاظ التضاد الدالة على الشيء وضدّه. ينظر : لسان العرب (شعب) : 497/1.

5) نهج البلاغة : خ/ 150: 261.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 9/ 98، ومنهاج البراعة : 129/9.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 612/3.

8) ينظر : المحكم (ستر) : 465/8.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 612/3.

المبحث الثالث: ألفاظ طبقة النساء و الأرامل

النساء

النّساء في اللغة جمع امرأة (1)، وهي من الألفاظ التي ليس بلها واحد من لفظها (2).

وقد وردت لفظة (النساء) في نهج البلاغة عشرين مرة (3). بصور متعددة دلت جميعا على المرأة، غير أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فرق - في استعماله لهذه اللفظة - بين (النساء) اللواتي بهنَّ ضَرّب من ذميم الخِصَال، وبين (النساء) اللواتي هن خير النساء. وهذه الأخيرة تنفرد بها واحدة من النساء فحسب، وهي السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) كما سيجيء ذكره فأمَّا (ذمُّ النساء) عند الإمام في نهج البلاغة، فكثير شائع، ومن ذلك قوله في (ذَمّ النساء) بعد فراغه من (حرب الجَمَل) : ((مَعَاشِرَ النَّاسِ، إِنَّ النِّسَاءَ نَوَاقِصُ الْأ ْيمَانِ، نَوَاقِصُ الْحُظُوظ، نَوَاقِصُ الْعُقُولِ: فَأَمَّا نُقْصَانُ إِيمَانِهِنَّ فَقُعُودُهُنَّ عَنِ الصَّلاةِ وَالصَّيَامٍ فِي أَيَّامٍ حَيْضِهِنَّ، وَأَمَّا نُقْصَانُ عُقُولِهِنَّ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ مِنْهُنَّ كَشَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ، وَأَمَّا نُقْصَانُ حُظُوظِهِنَّ فَمَوَارِيثُهُنَّ عَلَى الْأَنْصَافِ مِنْ مَوارِيثِ الرِّجَالِ ؛ فَاتَّقُوا شِرَارَ النِّسَاءِ، وَكُونُوا مِنْ خِيَارِهِنَّ عَلَى حَذَر ...)) (4). فقد وظف (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (النساء) في هذا السياق دون لفظة أخرى تدل عليهِنّ كلفظة (نِسْوَة) مثلاً ؛ بسبب من شيوع لفظة (النساء) وكثرتها في الاستعمال فيما يبدو فضلاً عن أنّ هذه المفردة تمثل لفظ الجمع لكلمة (امرأة) كما يذكر اللغويون (5). فاستغنى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بها عن غيرها من الألفاظ، ولكنه لما أراد التعبير عن التثنية في لفظ (النساء) عدل الى مفرده (امْرَأَتَيْنِ) وذلك في حديثه عن (شهادة النساء) ؛ لأنها أليق بالتعبير المراد، فضلاً عن أن القرآن الكريم استعمل الكلمة المتقدمة في التثنية دون غيرها من الألفاظ الدالة على المرأة. لهذا مالَ أمير المؤمنين – كما يبدو - الى محاكاة القرآن في استعمال لفظ (امْرَأَتَيْن) ؛ ليناسب الحديث عن حظ المرأة من الميراث الذي ورد في القرآن الكريم (6). ويبدو أنه أراد بيان أنّ الخصال المذمومة التي يذكرها في قوله شائعة في النساء، وشيوعها هذا يعني غَلَبَها على المرأة، حتى أصبحت من الصفات التي تتصف بها أكثر (النساء)، وقد أشار اللغويون أنّ لفظ (النّساء) يستعمل للجمع الكثير. فإنهم يقولون (نِسْوة)، فإنْ أريدت الكثرة، قيل (نساء) (7). وبالرجوع إلى قول الإمام في المرأة، فإنّه وصفها بأوصاف أشار إليها القرآن الكريم، من حيث الأحكام الخاصة بطبيعة المرأة أيّام (حَيْضها) و (نفَاسِها) وكذلك عن حكم (شهادتها)، وحقها من الميراث مقارنة بالرُّجُل. إن شرح موقف (عَلَيهِ السَّلَامُ) من المرأة، وما ورد بشأنها من كلام في نهج البلاغة بشأن المرأة لا يعني أنّ أمير المؤمنين حاقد


1) ينظر : تاج العروس (نسو) : 69/40.

2) نفسه.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 440.

4) نهج البلاغة : ح / 80 : 118.

5) ينظر : تاج العروس (نسو) : 69/40.

6) وذلك في قوله تعالى : (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) القصص / 23.

7) ينظر : تاج العروس (نسو) : 69/40.

على المرأة أو على النساء كما ذكر الدكتور إبراهيم السَّامرائي الذي ذهب الى ذلك قائلا : ((كأنَّ رأي الإمام علي في (المرأة) ونيله من مكانتها يتأتي قبل كل شيءٍ مما جرى له في حرب الجمل، وما كان لعائشة من دور بارز فيها... فقد عمّت كراهية علي للنساء عامة))(1). فإنّ الدكتور إبراهيم السامرائي لم يفهم موقف الإمام من (المرأة)، بل إنه لم يقرأ ذلك قراءة موضوعية ليخرج بنتائج لهذا الرأي الذي تكلم به أمير المؤمنين عن النساء بصورة خاصة وعامة ؛ فالإمام لا يتناها إليه الحقد والكره الذي يكون في نفوس الناس عامة، ولو كان الأمر كذلك لجاز ذلك على النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) الذي له أقوال في (ذم النساء)(2)وهل يكنّ النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) عداءً وكرهاً للمرأة عامة، لما مر به من مَوْقِف (حَمَّالَة الْحَطَب) (3)معه مثلاً؟ معه مثلاً؟. وهل يكون موقفه هذا عاماً بحيث يشمل جميع النساء حتى المعصومات منْهُن ؟ إن موقف النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، ومن بعده موقف الإمام علي من النساء هو موقف القرآن نفسه الذي أشار الى بعض خصال النساء وطبائعهنّ، فذكر منهن من كانت رمزاً للخير مثل زوجة (فرعون)، ومن كانت رمزاً للشر والفتنة، مثل زوجة (نوح) (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وزوجة (لُوْط) (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهُنَّ من أزواج الأنبياء (4). أما كون الإمام قد نال من المرأة ومكانتها بسبب من موقف أمّ المؤمنين (عائشة) معه في حرب الجَمَل)؛ فهذا لا يعني معادة الإمام لها، وهو الذي يُوصى أصحابه في الحروب بأن لا يُهيجُوا النساء بأذى حتى وإن شتمن أعراض جُنْده ؛ لأنّ ذلك خلاف الرأفة والرحمة. وذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((ولا تَهِيجُوا النِّسَاءَ بِأَذيَّ، وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ، وَسَبَيْنَ أُمَرَاءَكُمْ، فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ الْقُوَى وَالأنْفُسِ وَالْعُقُولِ إِنْ كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالْكَفِّ عَنْهُنَّ وَإِنَّهُنَّ لَمُشْرِكَاتٌ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَنَاوَلُ الْمَرْأَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْفِهْرِ أَوِ الْهِرَاوَةِ فَيُعَيَّرُ بِهَا وَعَقِبُهُ مِنْ بَعْدِهِ.)) (5). فيكون موقف الإمام من السيّدة (عائشة) هو موقف القرآن الكريم نفسه الذي أمر نساء النبي بأنْ يقرن في بيوتهن، لأَنَّهُن لَسْن كأَحَد من النِّساء. يقول تعالى : (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (6).فلهذا آثر الإمام النهج القرآني في التعامل مع السيدة (عائشة) ؛ لأنها (أم المؤمنين)، وليست


1) مع نهج البلاغة : 17، 18.

2) من ذلك - مثلاً قوله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : ((أُريتُ النَّارَ، فإذا أكْثَرُ أهْلِها النِّسَاءُ يَكْفُرُونَ باللّه ؟ قال : يَكْفُرُونَ العشير، ويكْفُرُونَ الْإِحْسَانَ لَو أَحْسَنْتَ إِلَى إِخْاهُنَّ الدَّهْرَ، ثم رَأتْ منْك شياً. قالت ما رَأَيْتُ مِنكَ خَيْراً قَطُّ)). صحيح البخاري : 19/1.

3) وهي (أُمُّ جميل) أخت أبي سفيان بن حرب، التي كانت تحمل الأوزار بمعادات الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم) هي وزوجها، إذ كانا يقومان بإيذاء النبي، وإلقاء حُزْمِ الشوك والحَسَكِ في طريقه، فإنها كانت تلقيه ليلاً في طريق رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم). فسماها القرآن الكريم (حَمَّالَةُ الْحَطَبِ) في قوله تعالى :المسد / 1-5، وينظر : تفسير البيضاوي : 545/5، والتفسير الكبير : 157/32.

4) وقد سرد القرن الكريم قصص أولئك الأنبياء (عليهم السلام) مع أزواجهم. في غير موضع من الذكر المبارك.

5) نهج البلاغة : ك / 14 : 472.

6) الأحزاب : 33، وينظر : الآية / 30 من السورة نفسها.

امرأة عادية، ولو كان غيرها فعل ذلك من نساء النبي لكان موقفه منها مثل موقفه معها ولعلّه المح بذكر لفظ (النِّساء) في قولته السالفة الذكر - الى الآية القرآنية المباركة المتقدمة فيكون هذا التوظيف المفردة (النساء) من باب الإشارة الى ما أراده القرآن الكريم من حفظ لنساء النّبي وصون لهن. وما جاء فيهن من أحكام.

ورغبة عن الاطالة في هذه المسألة، وشرح موقف الإمام من (النساء) في نهج البلاغة، فقد تكفلت الدكتورة نجوى صالح الجواد، بدراسة هذه القضية وتفاصيلها بقراءة خاصة بالمرأة في نهج البلاغة، من خلال استعراض تأريخي لمكانة المرأة في الإسلام فكر الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بشكل واف شاف يغنينا عن التوسع في هذا الأمر (1). أما المواضع التي وردت فيها لفظة (النساء) في سياق الذَّمِّ في نهج البلاغة، فهي (خ/153، 156، ك / 31). وقد جعل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) رمزاً لخير النِّساء، وذلك في سياق موازنته بين ذرّية رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وبين آل أبي سفيان. يقول الإمام : ((... وَمِنَّا خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينِ وَمِنْكُمْ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ...)) (2). و النص يظهر الموازنة بين خير نساء العالمين، وهي السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وبين (أُمِّ جميل) أخت أبي سُفْيَان وزوجة أبي لهب التي كانت تضع الشوك والحسك في طريق رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، فشتان بين هذه وتلك.

امرأة

المرأة - في اللغة - تأنيث امرئ كما يذكر اللغويون (3). وقد استعملت اللفظة المتقدمة في نهج البلاغة ست عشرة مرة (4)، مراداً بها المرأة وهي نقيض الرّجل وضدّه في اللفظ والمعنى. ومن استعمال هذه المفردة في نهج البلاغة قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق ذَمّ غيْرة المرأة : ((غَيْرَةُ الْمَرْأَةِ كُفْرٌ، وَغَيْرَةُ الرَّجُلِ إِيمَانٌ)) (5).

والنص موازنة بين غَيْرَتَيْن، الأولى غيرة المرأة، والثانية غَيْرة الرّجل. وقد جعل (عَلَيهِ السَّلَامُ) غَيْرة المرأة كُفْراً ؛ لأنّ الغَيْرَة قد تؤدي بها إلى استعمال السِّحر مثلا وهو كُفْرٌ (6)، وربما قادها التضجر والقلق الى أنْ نَسَخَّط وتشم وتتلفظ بالفاظ تكون كفراً (7).

وذهب الشارح البحراني الى أنّ علّة وصف الإمام لغيرة المرأة بالكفر، راجع الى أنها تُحرّم ما أحلّ اللّه عزّ وجلّ للرجل من الزواج بأخرى غير امرأته الأولى، وهذا التحريم لما أحلّه اللّه تعالى لا محالة من الكفر، في حين أن غَيْرة الرجل على زوجته تستلزم سخطه لما سخط اللّه عليه من اشتراك رجلين في امرأة واحدة، والسخط لما سخط عليه اللّه موافق لمرضاته جل جلاله (8).

إنّ قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في غَيْرة المرأة راجع الى طبيعة المرأة نفسها، وهي الطبيعة التي جُبِلت عليها من كونها تحب أن تستأثر بزوجها، وتمنع امرأة غيرها أن تشاركها فيه، على الرغم من أن ذلك


1) ينظر : تفصيل ذلك في : المرأة في نهج البلاغة : 183 وما بعدها.

2) نهج البلاغة : ك / 28 : 490.

3) ينظر : تهذيب اللغة (مرأ) : 205/15، ومقاييس اللغة (مرأ) : 315/5، ولسان العرب (مرأ) : 156/1.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 420.

5) نهج البلاغة : قصا / 124 : 624.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (أبن ابي الحديد) : 250/18.

7) نفسه.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 5/ 429.

مُحلل في الشَّرْع. وهذه الفكرة ارتكز عليها ابن أبي الحديد في تفرقته بين (الرُّجل والمرأة) في هذا المجال، فجعل الفارق بينهما راجع الى (العقل والتماسك)، فالرجل - عنده - أعقل وأشدُّ تماسكاً من المرأة، ولهذا كانت غيرته في موضعها، وصارت بذلك واجبة عليه، اعتماداً على قاعدة وجوب النهي عن المنكر، في حين أن المرأة أنقص عقلاً وأقل صُبراً ؛ ولهذا صارت غيرتها وهم وباطل. ولهذا سماها الإمام (كفراً) لمشاركتها الكفر في القُبح، فأجرى عليها اسمه (1). وهذا الوجه الذي ذهب إليه الشارح مقبول، مع ما يحمله من دلالة على نقصان العقل في النساء وقلة الصبر فيهن. وقد ورد استعمال لفظ (المرأة) بالدلالة المتقدمة في (13، 27، 71، 80، 97، ك / 14، 31، قصا/ 61، 136، 234، 238).

أنثى

إشارة:

الأُنثى خلاف الذِّكر من كُلِّ شيء (2)والجمع إناث (3).

وقد وردت لفظة (الأُنثى) ثلاث مرات في نهج البلاغة، في حين وردت لفظتا (أُنثاه)، و (الإناث) مرة واحدة (4)واستعملت هذه الألفاظ للدلالة على ما يأتي

أولاً : الدلالة على الإناث من النساء

ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) متحدثاً عن علم اللّه تبارك وتعالى بقوله : ((... فَيَعْلَمُ سُبْحَانَهُ مَا فِي الأَرْحَامِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، وَقَبِيحٍ أَوْ جَمِيلٌ، وَسَخِيٌّ أَوْ بَخِيلٍ، وَشَقيّ أَوْ سَعِيد...)) (5).والنص بيان لاستئثار اللّه جل جلاله بعلمه بما في الأرحام من ذكر أو أنثى من الأجناس، والنص خاص ببني الإنسان. ومثله ما ورد في (خ / 182، قصا / 93).

ثانياً : الدلالة على أنثى الطاووس

واستعمل الإمام هذه الدلالة في سياق حديثه على طريقة نَشْرِ الطاووس جناحه وذيله حين درجه الى أَنْثاهُ. ((... وَذَنَبٍ أَطَالَ مَسْحَبَهُ إِذَا دَرَجَ (6)إلى الأنْثَى نَشْرَهُ (7)مِنْ طَيِّهِ (8)...))(9).


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن ابي الحديد) : 250/18.

2) ينظر : تهذيب اللغة (إنث) : 106/15، ولسان العرب (أنث) : 112/2.

3) ينظر : لسان العرب (أنث) : 112/2.

4) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 39.

5) نهج البلاغة : خ / 128 : 235.

6) دَرَجَ أي : مشى ومضى اليها. ينظر : لسان العرب (د. ج) : 2/ 226.

7) النَّشر، بالسكون، الريح الطيّبة أصلاً، ثم صار دالاً بسط الشيء. ينظر : لسان العرب (نشر) : 5 : 208.

8) الطُّيّ خلاف النَّشر : وهو الهيئة التي يطوى عليها الشيء. ينظر : لسان العرب (طوي) : 15/ 18.

9) نهج البلاغة : خ / 165 : 295.

والنص وَصْفٌ لنشر الطُّاووس الذكر جناحه وذنّبه عندما يمضي إلى أُنثاه محاولة منه لإغوائها، وإغراء لها ونظير هذه الدلالة المفردة (أنثاه) جاءت في (خ/165) أيضاً.

الحامل

الحَمْل - بالفتح - ما يُحْمَل في البِطْنِ من الأولاد في جميع الحيوان (1). ومنه حَمْل المرأة بولدها (2).

قال تعالى : (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (3).

وجاءت لفظة (الحامل) مرتين في نهج البلاغة في حين استعملت لقطة (حُمَلتْ) مرة واحدة فقط (4). كلاهما للدلالة على حَمْلِ المرأة الجِنِّينَ في بطنها. يقول الإمام (عليه السلام) في سياق أهل العراق بالمرأة الحامل التي تتمّ حَمْلَهَا، ثُم تُسْقطهُ : ((أَمَّا بَعْدُ يَا أَهْلَ العِرَاقِ فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَالْمَرْأَةِ الْحَامِلِ، حَمَلَتْ فَلَمَّا أَتَمَّتْ أَمْلَصَتْ..)) (5).

وتشبيه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهؤلاء القوم بالمرأة الحامل، إشارة إلى ظفرهم يوم معركة (صفّين) على جيش معاوية، ولكنهم لمّا تراءت لهم المصاحف على رماح الأمويين، ودعوتهم إلى التحكيم، فظهرت على أهل العراق الفُتْرة، واستبدلوا الفتح والنُّصْر بالدعة والركون الى الخديعة التي صنعها معاوية، فشبههم الإمام بالمرأة التي تظهر عليها علائم الحمل بالولد، فتصير حاملاً. وتلبث هذه الحامل مترقبة لإتمام حَمْلها، حتى تبلغ مرحلة الولادة، فتسقط ولدها عن عمد عمد (6)، وهو ما أطلق عليه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (أَمْلَصَتْ) والإملاص في اللغة هو القاءُ المرأة الحامل ولدها سقاطاً لغَيْرِ تَمامٍ (7). والدلالة نفسها التي سيقت لها لفظة (حامل) جاءت في (ك / 24).

حيضهن

الحَيْض معروف (8)، وهو خروج الدم الأحمر من المرأة في أيام معلومة (9). وقد ذكر اللغويون أنّه سمّى (حيضاً) ؛ من قولهم (حَاضَ السَّيْلُ إذا فاضَ.(10). والحَيْضُ هو سَيْلُ الدَّمِ من المرأة (11)هو الدم نفسه (12).


1) ينظر : لسان العرب (حمل) : 178/11.

2) نفسه.

3) لقمان / 14، وينظر : الاحقاف / 15.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ البلاغة : 126.

5) نهج البلاغة : خ/ 710 : 109.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 101/6.

7) ينظر : لسان العرب (ملص) : 94/7.

8) ينظر : العين (حيض) : 261/3، ولسان العرب (حيض) : 142/7.

9) ينظر : مقاييس اللغة (حيض) : 2/ 124.

10) ينظر : لسان العرب (حيض) : 7 / 124، وتاج العروس (حيض) : 312/18.

11) ينظر : القاموس المحيط (حيض) : 826.

12) ينظر : المحكم (حيض) : 417/3.

ولفظة (حَيْضِهِنَّ) من مفردات نهج البلاغة، التي استعملها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مرة واحدة (1)، للدلالة على الأيام التي تقعد فيها المرأة عن الصلاة والصيام ؛ بسبب من رؤيتها الدّم فيها. وقد جعل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الظاهرة علة في نقص إيمان النساء. إذ يقول في سياق ذمّهِن : ((مَعَاشِرَ النَّاسِ، إِنَّ النِّسَاءَ نَوَاقِصُ الأيمَانِ، نَوَاقِصُ الْحُظُوظ، نَوَاقِصُ الْعُقُولِ: فَأَمَّا نُقْصَانُ إِيمَانِهِنَّ فَقُعُودُهُنَّ عَنِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ فِي أَيَّامٍ حَيْضِهِنَّ...)) (2). لمّا كانت الصلاة والصيام من كمال الإيمان ومتمماته، لهذا كان العقود عنها وعدم أدائها من نقصان إيمان الإنسان ولهذا كانت النساء ناقصات الإيمان من هذا الوجه (3)، بسبب من عدم أدائِهِنَّ تينك العبادتين في أيّام حَيْضِهِنَّ. وإنما رفعت الشريعة التكليف عن النساء أيّام الحيض لأنَّهُنَّ يكُنَّ في حالةِ مُسْتَقْذَرَةٍ، لا يتأهَلْنَ معها للوقوف بين يدي اللّه تبارك وتعالى (4). ولهذا أسماه القرآن الكريم (أذىً)، وأمر باعتزال النساء في تلك الايام يقول تبارك وتعالى : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (5)وقد ذكر المفسرون أن أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها، ولم يشاربُوها ولم يجالسوها على فراش ولم يساكنُوها، وكان اليهود يفعلون ذلك أيضاً، فلما نزلت الآية المباركة المتقدمة أعلمهم النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بأنّهم إنما أمروا باعتزال مجامعتهن وليس تركهن أو إخراجهن من البيوت (6). وإما أثر الحيض على النساء في الصوم، وعلّة إفطار المرأة عند رؤيتها الدّم، فقد ذكر أنّ الحَيْضِ يزيد في ضَعْفِ المرأة علاوة على ضعفها بدنها عند الصوم (7)، فلهذا أُمرت النساء في الإسلام بترك الصلاة والصيام، واجتناب دخول المساجد، ومس المصحف الشريف مُدّة حَيْضها (8)، فضلا عن أحكام أخرى ذكرها الفقهاء في مدوناتهم الفقهيّة.

الأرملة

إشارة:

أصل الأَرْملُ والأَرْمَلة في اللغة الفقير الذي لا يقدر على شيء رجلاً كان أو امرأة (9). والأرامل المساكيْنُ من النساء والرجال (10).

ويبدو أنّ هذه الدلالة مأخوذة من قلّة سقوط المطر على الأرض، مما يؤدي الى المحل. فالعرب تقول : عامٌ أَرْملٌ، وسنةٌ رَمْلاءُ، اذا كان قليل المَطَرِ (11)ثُم قيل للمرأة التي لا زوج لها أزملة، كما يقولون للرجل الذي


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 130.

2) نهج البلاغة : خ/ 80 : 118.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 368/2.

4) نفسه.

5) البقرة / 222.

6) ينظر : الكشاف : 2921، 293.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 368/2.

8) ينظر : التفسير الكبير : 54/6.

9) ينظر : تهذيب اللغة (رمل) : 148/15، ولسان العرب (رمل) : 296/11.

10) نفسه.

11) ينظر : تهذيب اللغة (رمل) : 148/15، والمحكم (رمل) : 258/10.

لا امرأة له أرمل (1). والعرب لا تقول للمرأة المؤسرة التي لا زوج لها أزملة (2). لأنها غنية مكتفية. وصارت لفظة (الأرملة) تطلق على المرأة التي مات عنها زوجها (3)، وقد سُميّتْ بذلك ؛ ((لذهاب زادها وفقد كاسبها، ومن كان عيشها صالحاً به. من قول العرب : أرْمَلَ القَوْم... إذا ذهب زادهم)) (4)وبحسب هذا الكلام، فإنه لا يقال للرجل الذي ماتت زوجته (أرمل) ؛ لأنّ الرجلُ لا يذهب زاده بموت امرأته، لأنّه قَيم عليها، وتلزمه إعالتها ومؤنتها (5).

أقول : وردت لفظة (الأَرْملة) مجموعة على (أرامل) في نهج البلاغة مرة واحدة لكل منها (6)للدلالة على الآتي

أولاً : الدلالة على المرأة الفقيرة المحتاجة :

وتظهر هذه الدلالة في سياق توبيخ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبعض عماله الذي أستأثر وأسرف وتكبر. يقول : ((فَدَعِ الأسْرَافَ مُقْتَصِداً وَاذْكُرْ فِي الْيَوْمِ غَداً، وَأَمْسِكْ مِنَ الْمَالِ بِقَدْرِ ضَرُورَتِكَ، وَقَدّمِ الْفَضْلَ لِيَوْمِ حَاجَتِكَ... أَتَرْجُوا أَنْ يُعْطِيَكَ اللّه أَجْرَ الْمُتَوَاضِعِينَ وَأَنْتَ عِنْدَهُ مِنَ الْمُتَكَبِّرِينَ وَتَطْمَعُ. وَأَنْتَ مُتَمَرِّغُ (7)فِي النَّعِيمِ، تَمْنَعُهُ الضَّعِيفَ :. والأمَرْمَلَةَ. أَنْ يُوجِبَ لَكَ ثَوَابَ الْمتَصَدِّقِينَ؟...))(8). والنص نهي للمخاطب عن الإسراف، ودعوة إلى الاقتصاد وتجنُّب البَذْخ، والتمرّغ في النعيم والترف، ومنع ذلك عن (الضُّعيف والأرملة)، وهذان الصَّنْفَان من الناس هم أشد حاجة إلى الإعانة والإعْطَاءِ، لأنهما فقدا المعيل. (فالضعيف) هو غير القادر على إدارك حاجته وإعانة نفسه لضعف قوته الجسدية، أو لضعف عقله (9). وهذا ان الوجهان يَصْدُقان على الإنسان المريض العليل الذي أنهك بدنه، كما يصدقان على الشيخ الفاني الذي أبلى جسده من العمل والتعب. فضلاً عن كونه يوحي بالدلالة على الأطفال من الأيتام الذين لا معيل لهم أو راع. و أما لقسط (الأرْمَلة) في النّص ؛ فإنه يدل على المرأة التي فقدت المُعيّل أيضاً. فليس لها أحد يقوم بحاجتها والإنفاق عليها.

أقول : ولعل دلالة لفظة (أرملة) في هذا النص على المرأة الفقيرة المحتاجة أنسب للمعنى العام وللسياق من دلالتها على المرأة التي مات عنها زوجها وقيمها الذي يعيلها ويكفيها، وذلك بقرينة مفردة (الضَّعف التي تفيد في دلالتها العامة العجز)، وعدم القدرة على قضاء الحوائج.

أولاً : الدلالة على الزوجات اللواتي مات عنهن أزواجهن


1) ينظر : تهذيب اللغة (رمل) : 148/15، ولسان العرب (رمل) : 296/11.

2) نفسهما.

3) ينظر : لسان العرب (رمل) : 297/11، وتاج العروس (رمل) : 102/29.

4) لسان العرب (رمل) : 297/11.

5) نفسه.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 195.

7) المُتَمَرِّغُ المَتَّعْلَبُ : ينظر : لسان العرب (مرغ) : 450/8.

8) نهج البلاغة : ك / 210 : 487.

9) ينظر : لسان العرب (ضعف) : 203/9.

واستعملت هذه الدلالة في سياق الذَّمِّ والتوبيخ الذي وجُهَهُ أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبعض عَمّاله، الذي يقول فيه : ((فَلَمَّا أَمْكَنَتْكَ الشَّدَّةُ فِي خِيَانَةِ الأُمَّةِ، أَسْرَعْتَ الْكَرَّة (1)، وَعَاجَلْتَ الْوَثْبَةَ، وَاخْتَطَفْتَ مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمُ الْمَصُونَةِ (2)لارَامِلِهِمْ وَأَيْتَامِهِمُ...)) (3). أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ المخاطب سارع الى خيانة الأمة التي استأمنته على شؤونها، ولكنه أسرع معتاداً الى الخيانة واختطاف ما قدر عليه من الأموال المحفوظة (للأرامل) من نساء الأمة اللواتي فقدْنَ أزواجهن في الجهاد أو غيره و (الأيتام) الذين مات عنهم آباؤهم في القتال وغيره.

تأيُّمُها

الأيم المرأة التي مات زَوْجُها، ولما تزل تَصْلُح للأزواج ؛ لأن فيها سؤرة من شباب (4). وقيل : بل هي التي لا زوج لها بكراً كانت أو ثيِّباً (5). ويُؤصفُ الرَّجل بأنه أيّمٌ، وهو الذي لا امرأة له (6).

وقد وردت لفظة (تأيِّمُها) في نهج البلاغة مرة واحدة (7). وصفاً للمرأة التي مات عنها زوجها. وذلك. في سياق ذَمّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأهل العراق، الذين يقول فيهم : ((أَمَّا بَعْدُ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَالْمَرْأَةِ الْحَامِلٍ، حَمَلَتْ فَلَمَّا أَتَمَّتْ أَمْلَصَتْ، وَمَاتَ قَيِّمُهَا (8)، وَطَالَ تَأَيُّمُهَا، وَوَرِثَهَا أَبْعَدُهَا)) (9). و(الأيم) في قول الإمام هنا - هي التي مكثت طويلاً بغير زوج (10)، وقد ساق الإمام هذه المفردة في مقام الدم تشبيهاً لهؤلاء الحامل التي أسقطت جنينها بعدما أتمَّت ومات قَيِّمُها، وهو زوجها، فبقيت مُعطَّلَة عن الزواج.

ربات الحجال

الرُّب اللّه تبارك وتعالى (11). ولا يقال (الرُّبُّ) بالألف واللام إلا لله جل جلاله (12).وكُل من ملك فهو رَبُّه. وذلك على سبيل المجاز. والحِجَال جمع حَجْله، وهي حَجْلَة العروس (13)حَجْلَة العروس (14). وهي بَيْت مِثْل القُبة يزَيَّن بالتّياب والأسرة والستور، ويكون له أزرار كبار (15).


1) الكرة الرجوع على الشيء، والكرة الإعادة. ينظر : لسان العرب (كرر) : 135/5.

2) الصون الوقاية. ينظر : لسان العرب (سون) : 13 / 250.

3) نهج البلاغة : ك / 524:41.

4) ينظر : العين (أيم) : 425/8، ولسان العرب (أيم) : 12/ 40.

5) ينظر : المحكم (أيم) : 584/10.

6) ينظر : المحكم (أيم) : 584/10، ولسان العرب (أيم) : 40/12.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 45.

8) قيّم المرأة، زوجها. ينظر : النهاية في غريب الحديث : 41 / 135.

9) نهج البلاغة : خ / 71 : 109.

10) ينظر : الديباج الوضي : 531/2.

11) ينظر : تهذيب اللغة (ربب) : 15/ 128.

12) نفسه.

13) نفسه.

14) ينظر : العين (حجل) : 78/3، ومقاييس اللغة (حجل) : 2/ 140.

15) ينظر : لسان العرب (حجل) : 11/ 144.

و استعمل أمير المؤمنين تعبير (رَبُّاتِ الحِجَال) مرة واحدة (1)؛ للدلالة على النساء على سبيل التشبيه بِهِنَّ وذلك في سياق الذّمّ، إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((يَا أَشْبَاءَ الرِّجَالِ وَلاَ رِجَالَ حُلُومُ (2)الأطفَالِ، وَعُقُولُ رَبّاتِ الحِجَالِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَرَكُمْ وَلَمْ أَعْرِفْكُمْ مَعْرِفَةً. وَاللّه. جَرَّتْ نَدَماً ...)) (3). وينفي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن هؤلاء صفة الرجولة، بل شَبَّهَهم بالرِّجال جسْماً وخَلْقاً، في حين أنّه شبه أناتهم وتفكَّرهم بأناة الأطفال، ووجه الشبه التسرّع والتُقلب في الرأي وعدم الثبات على وجه أو خيار كما الاطفال الذين لا ثبات لهم على شيء ؛ لأنّ ملكة البلوغ والرشاد والوعي غير مكتملة فيهم. لهذا نراهم يسارعون الى الغضب بعدما كانوا راضين في شأن ما يُقرحهم (4)وقد جعل الإمام لفظة (الحُلُوم) مختصة بعقول الأطفال وفكرهم، لارتباطها بالتغاير وعدم الاستقرار، في حين جعل عقولهم بمنزلة عقول النساء اللواتي كنّى عنهن الإمام ببعض لوازمهن، وهي (الحِجَال). أراد أنّ لهم عقولاً كعقول ربّات القبب من النساء اللواتي يشتهرن بضعْفِ العقل وغلبة العاطفة عليهن.ولهذا قيل : قل ما أرادت امرأة أن تحتج لنفسها إلا كانت حجتها عليها (5).

أقول : وفي هذا الكلام مغالطة ؛ لأنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ربّما أراد بهذا الوصف لهم بيان حالتهم التي كانوا يرْكنُون إليها من حيث الرَّغْبة في الدّعة والسَّكينة، وعدم الميْلِ إلى القتال والدفاع عن الأعراض، علاوة على خوفهم من القتل، شأنهم في ذلك شأن النساء اللواتي يَمِلْنَ، بحسب طبيعتهنّ، الى الدّعُة والراحة والقرار في البيوت والقباب المزينة بالستور والزخارف كما العروس. وقد وضع عنهن القتال ولهذا استعمل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) للدلالة على هذا المعنى لفظ (ربّات) إشارة إلى كونهن يملكن البيوت باستارها وجلائل زينتها ؛ فالمرأة ((ريحانة وليست بقهرمانة)) (6). كما يقول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

ضُرّتان

الضُّرَّتانِ امرأتانِ لرجل واحد (7)ضَرَّة لصاحبتها (8).

وقد جاءت لفظة (ضُرّتان) في نهج البلاغة مرة واحدة (9)، للدلالة على النَّقِيض والضّد الذي تفيده هذهِ المفردة بين (الدُّنيا والآخرة). يقول (عليه السلام) في سياق كلامه على الدنيا والآخرة : ((... إِنَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ عَدُوَّانِ مُتَفَاوِتَانِ، وَسَبِيلانِ مُخْتَلِفَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا وَتَوَلاهَا أَبْغَضَ الأخِرَةَ وَعَادَاهَا، وَهُمَا بِمَنْزِلَةِ


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 178.

2) الحلم الأناةُ والعقل، وجمعه حُلُوم وأحلام. ينظر : المحكم _ (حلم) : 364/3.

3) نهج البلاغة : خ / 27 : 63. وقد نقل السُّهَيْلي كلام الإمام المتقدم براوية (يا طغام الأحلام) بدلاً من (حُلوم الأطفال) ينظر : الروض الأنف : 315/1.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2 / 254، والديباج الوضي : 1/ 355.

5) ينظر : الديباج الوضي : 1/ 355.

6) نهج البلاغة : ك / 31 : 513.

7) ينظر : العين (ضرر) : 7/7، والمحكم (ضرر) : 150/8.

8) ينظر : المحكم (ضرر) : 150/8.

9) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 267.

الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَمَاش بَيْنَهُمَا، كُلَّمَا قَرُبَ مِنْ وَاحِد بَعْدَ مِنَ الآخَرِ، وَهُمَا بَعْدُ ضَرَّتَانِ !)) (1). يتحدث الإمام في هذا النص عن أنّ (الدنيا) و (الآخرة) نقيضان، إذ عبّر عنهما بكونهما (عَدُوَّان) و (طريقان) مختلفان لا يلتقيان، فمن أحبّ الدنيا، فلابد أنه يبغض الآخرة ويعاديها. ثم ختم قولته بوصفهما بأنهما (ضُرَّتَان). يُريد : أنّه من الصعوبة بمكان أن يجمع بين الدنيا والآخرة، كما أنّه من العسير أن يجمع المرء بين زوجتين ضرتين ويكون عادلاً فيهما، فالعدالة والمساواة بينهما أمر عسير (2). وكذلك الحال في الجمع بين (الدنيا والآخرة). فلا يستطيع الإنسان أن يجمع بينهما ولو حرص على ذلك، لتناقضهما وعدم إمكان جعل عمل الدنيا مقدمة للآخرة، فإنّ عمل الدنيا يشوبه الكثير من الأمور غير الموافقة للشرع، فضلاً عن أن انصراف الانسان الى العناية بالأهل والأولاد وابتعاده عن طاعة اللّه وعبادته منصرفاً الى طاعة الهوى والشهوات، وهذه كلها من لوازم الدنيا، ونقائض الآخرة. ولذلك استعار الإمام لفظ (ضُرَّتان) للدنيا والآخرة، وإنزالهما منزلة الزوجتين اللتين في ذمَّة رَجلٍ واحدٍ لا يستطيع أن يعدل بينهما وإن حرص على ذلك فشهوات الدنيا تضرّ بقوانين الآخرة التي اوجبها اللّه تبارك وتعالى للوصول الى مرضاته.

عقائل

العقيلة المرأة المخدّرة المحبوسة في بيتها (3)وعقيلة القَوْم سيّدتهم، وهي المرأة الكريمة النفيسة في بيتها (4)وهذهِ الدلالة مأخوذة – فيما يبدو من الحَبْس، وذلك لعظمة الشيء المحبوس. ولهذا سمّي العقل عقلاً ؛ لأنه يحبس الإنسان عن ذميم القول والفعل ويَعْقله (5).

واستعمل الإمام علي لفظة (عَقَائل) في نهج البلاغة مرة واحدة (6)بصيغة الجمع على (فَعَائِل) للدلالة على سيادة النبي ونفاسة أخلاقه. وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يُثْني فيه على اللّه تبارك وتعالى ويُمَجِّده ومن ثُمّ يعطف بالثَّناء على النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ؛ إذ يقول : ((وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهِ إِلَّا اللّه غَيْرَ مَعْدُول (7)بهِ، وَلاَ مَشْكُوك فِيهِ، وَلاَ مَكْفُور دِينُهُ، وَلَا مَجْحُود تَكْوِينُهُ، شَهَادَةَ مَنْ صَدَقَتْ نِيَّتُهُ، وَصَفَتْ دِخْلَتُهُ، وَخَلَصَ يَقِينُهُ، وَثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْمُجْتَبَى مِنْ خَلَائِقِهِ، وَالْمُعْتَامُ (8)لِشَرْحِ حَقَائِقِهِ، وَالْمُخْتَصُّ بِعَقَائِلِ كَرَامَاتِهِ (9)، وَالْمُصْطَفَى لِكَرَائِمِ رِسالاتِه...)) (10). والسياق الذي وردت فيه لفظة (عَقَائِل) سياق مدح للنبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، لهذا وصفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعدّة صفات متفردة في اللفظ والمعنى، فجعله (المُعْتَام) أي المختار لشرح حقائق الرسالة النبوية، وأصل هذا اللفظ مأخوذ من (العَيْمة)


1) نهج البلاغة : قصا / 103 : 618.

2) وقد أشار القرآن الكريم الى ذلك بقوله : (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) النساء / 129.

3) ينظر : العين (عقل) : 1591، ولسان العربل (عقل) : 11/ 463.

4) ينظر : لسان العرب (عقل) : 463/11.

5) ينظر : مقاييس اللغة (عقل) : 69/4.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 313.

7) العَدْلُ والعَديلُ. السَّواء والنظير والمثيل. ينظر : لسان العرب (عدل) : 432/11.

8) المُعْتَامُ المختار. ينظر : لسان العرب (عيم) : 433/12.

9) نقل اللغويون هذه القَوْلة عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومن هؤلاء (ابن منظور) في لسان العرب (عقل) : 463/11، ومادة (عيم) : 12 /433.

10) نهج البلاغة : خ / 178 : 322.

وهي في اللغة خِيارُ المال والمَتَاع (1). فالرسول بحسب ما تدل عليه هذه المفردة من صفوة الناس الذين اختارهم اللّه تبارك وتعالى واعتامهم لشرح رسالته السماوية.

أما قوله ((الْمُخْتَصُّ بِعَقَائِلِ كَرَامَاتِهِ))، فالعقائل أصلاً هي كرائم النساء، والعقيلة من النساء المخدرة المحبوسة في بيتها، وإنما تُخَدّر المرأة في بيتها لكرامتها ونفاسة شأنها، فتحبس نفسها صيانة لها وتعظيماً لشأنها ولجلالة. هذا المعنى وعلوه، اختار (عَلَيهِ السَّلَامُ) - فيما أحسب - لفظة (عَقَائِل) لهذا السياق وبصيغة الجمع ؛ لبيان علو شأن النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) رفعة أخلاقه ونفاستها فكأنها بمنزلة العقيلة المخدّرة الكريمة التي لا تجاريها نفاسة أخرى. ويمكن أن يكون المعنى أيضاً مأخوذ من سيادته (صلى اللّه عليه وآله وسلم) على غيره من بني البشر، وذلك من قولهم (عقيلة القوم) أي سَيِّدتهم. أو بوصفه دُرَّة من درر الأخلاق الصافية على سبيل التشبيه (بعقائل البحر)، وهي درره الصَّافية الكبيرة (2). وقد ذكر الشارح البحراني أنّ قول الإمام (الْمُخْتَصُّ بِعَقَائِلِ كَرَامَاتِهِ) يراد به نفائس الكمالات النفسانية التي يتمتع بها النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ومكارم الأخلاق (3). وهذا المعنى مقبول وراجح يضاف إلى الدلالات التي ذكرتها سلفاً.

قَهْرَمَانَةٌ

((القَهْرَمَان هو المُسَيْطر الحفيظ على ما تحت يده)) (4). فهو كالخازن أو الوكيل الذي يقوم بأمور الرَّجل التي توكل إليه (5). وقيل : بل هو من أمناء الملك وخاصته (6). وتذكر المدونات اللغوية أنّ هذا للفظ من الألفاظ غير العربية فهو عندهم فارسي معرّب، ومن الذين أشاروا إلى ذلك سيبويه (ت 180هـ) في سياق كلامه على تغيير الألفاظ غير العربية، لتناسب الأحكام اللغوية العربية (7). والأزهري (ت 370هـ) (8). وقد ذكر ابن بَرَّي (ت 582هـ) أنّ أصل كلمة (قَهْرَمَان هو (قَرَمَان)، وقد زيدت فيه الهاء ليكون ملائماً للألفاظ العربية (9).

واستعمل الإمام لفظة (قَهْرَمَانة) بصيغة المؤنث وصفاً للمرأة مرة واحدة في نهج البلاغة(10). وذلك في وصيته للإمام الحَسَن (عَلَيهِ السَّلَامُ) متحدثاً فيها عن المرأة وحُكم ما تملكه. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((وَلَا تُمَلْكِ الْمَرْأَةَ مِنْ أَمْرِهَا مَا جَاوَزَ نَفْسَهَا، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ، وَلَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَة...)) (11). ينصح الإمام ولده الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن لا يدخل المرأة في التدبير أو المشورة ؛ لأنها تصلح أن تكون بمنزلة الريحان في النظارة والطَّيْب، وليست آمرةً


1) ينظر : لسان العرب (عيم) : 12/ 433.

2) نفسه : (عقل) : 11/ 163.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 703/3.

4) العين (قهرم) : 4 / 111، وينظر : لسان العرب (قهرم) : 496/12.

5) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 129/4.

6) ينظر : تاج العروس (قهرم) : 322/33.

7) ينظر : كتاب سيبويه : 304/4، ولسان العرب (قهرم) : 496/12.

8) ينظر : تهذيب اللغة (قهرم) : 267/6.

9) ينظر : في التعريب والمعرّب (حاشية ابن بَرّي على المعرّب للجواليقي)، لابن بري : 23/1.

10) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 382.

11) نهج البلاغة : ك /31: 513.

تأمر فتطاع ؛ فأنّها ليست وكيلاً في المال، ولا وزيراً في الرأي (1). إن نهي الإمام عن تمليك المرأة ما جاوز نفسها سببه منعها من التسلط والتَّجبر، وهذا خلاف ما امرت به من السُّتْر (2). لهذا استعمل الإمام هذا الضرب الضرب من التعبير لوضع المرأة في موضعها الصحيح الذي أقرّه لها الإسلام. ولبيان ذلك استعار لها لفظ (الرَّيحانة) للإشارة إلى كونها بمنزلة الطيب وللدلالة على كونها محلاً للغضارة والطَّيْب وحُسْن الخلق.

أما نفي وصفها بكونها (قهرمانة)، فهو إبعاد لها عن أن تكون نافياً أن تكون بمنزلة (القَهرمان)، وهو الحاكم أو الوكيل الذي يقوم بالأمور وتدبيرها. فإنها لا تصلح أن تصير أمينة على تلك الأعمال، وغيرها بسبب من طبيعتها وتكوينها الذي جلبها اللّه عليه. ولا يعني هذا الانتقاص من منزلة المرأة في نظر الإمام (عَلَيهِم السَّلَامُ) ؛ فأغلب هذه الإعمال التي نهى الإمام أنْ تُسند إلى المرأة تتطلب المشقَّة والتفرغ الكامل لها، في حين أنها خلقت لتدبير الأمور المتعلقة بإدارة البيت وشؤون الأطفال لصناعة مجتمع القيم الإسلامية النبيلة.

وربّما قصد أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله : (لَيْسَت بَقْهَرَمانة) الدلالة على أنّ المرأة قاصرة على أداء مثل تلك الأمور وادارتها. وتبدو هذه الدلالة ما استدركه الزَّبيدي من دلالة في مفردة (قَهْرَم) في اللغة، ذاكراً أنّ (القَهْرم) هو القَصِيْر من الرّجال (3). وبتوظيف هذه الدلالة والاستعانة بها في بيان لفظة (قهرمانة)، نخرج بنتيجة مؤداها أنّ (القَصِير) هو الذي لا يمكنه أن ينال الشيء المرتفع، واذا تعدى ذلك من الأمور الحقيقية إلى المسائل المجازية، فالقصير هو الذي يُقصر عن تحقيق ما يبغيه أو يريده من أعمال. وهكذا هي المرأة، فإنها لا تصل الى الحد الذي يبلغه الرجال في تحمل المشاق

الكعاب

الكُعْبُ – بالضم - الثُّدْي النَّاهِد (4)، والكَعَاب. بالفتح - المرأة حين يبدو ثَدْيُهَا لِلنُّهُوْدِ. وجارية كَعَاب كَعَاب، أي بكْرٌ (5). والكُعُوب - بالضم - نُهود الثَّدْيَيْن وارتفاعهما، وهو من خواص النساء (6).

وقد وردت لفظة (الكِعَاب) في نهج البلاغة مرة واحدة (7). وقد فَسّر بعض الشرّاح لفظة (الكَعَاب) في كلام الإمام بالمرأة الناعمة الحسناء (8)دالة على الجارية التي نهد ثديها، إشارة إلى بلوغها وكونها في أوائل بكرها، ودلالة على كونهن أحرار غير مستعبدات. يقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق وَصف بيعته بالخلافة مصوراً سرور النَّاس بهذه البيعة : ((وَبَسَطْتُمْ يَدِي فَكَفَفْتُهَا، وَمَدَدْتُمُوهَا فَقَبَضْتُهَا، ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكَ الْأَدبِلِ


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن ابي الحديد) : 16/ 96.

2) ينظر : الديباج الوضي: 2381/5.

3) ينظر : تاج العروس (قهرم) : 323/33.

4) ينظر : تاج العروس (كعب) : 151/4.

5) ينظر : لسان العرب (كعب) : 1/ 719، وتاج العروس (كعب) : 151/41.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 400.

7) ينظر : تاج العروس (كعب) : 151/4.

8) ينظر : الديباج الوضي : 1834/4.

الهيمِع عَلَى حِيَاضِهَا يَوْمَ وِرْدِهَا، حَتَّى انْقَطَعَتِ النَّعْلُ، وَسَقَطَ الرِّدَاءُ، وَوُطِيءَ الصَّعِيفُ، وَبَلَغَ مِنْ سُرُورِ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنِ ابْتَهَجَ بِهَا الصَّغِيرُ، وَهَدَج (1)إِلَيْهَا الْكَبِيرُ، وَتَحَامَلَ نَحْوَهَا الْعَلِيلُ، وَحَسَرَتْ إِلَيْهَا الْكِعَابُ)) (2).

لقد فضل الإمام (عليه السلام) أمرين ؛ الأول يتعلق بانصرافه من البيعة ورغبته عنها، وعبّر عن ذلك بقوله (كَفَفْتُها)، و (قُبضتُها)، اشارة الى رغبتهم فيه، ورغبته عنها. أمّا الأمر الثاني، فهو سرور الناس ببيعتهم له (عليه السلام) مشيراً الى أصناف الناس، ومستوى سرور كل واحدٍ منهم بدءاً من الصغير وانتهاءً بالعليل المريض، فضلاً عن انكشاف الجواري الكِعَاب اللواتى تَنَاسَيْنَ حِجَابَهُنَّ وتَسَاهَلْنَ فِي سَتْر وَجُوهِنَّ بعدما سَمِعْنَ ببيعة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وفي ذلك المعنى إشارة إلى ما وقعن فيه من العجلة وسرعة التهيؤ لبيعته (عَلَيهِ السَّلَامُ) فرحاً بها، وسعياً إليها. وفي لفظة (حَسَرت) دليل على أنّ مفردة (الكَعَاب) لا تَدُل على الجارية العاملة في البُيوتِ، أو الخادمة، فحسب وإنما هي الفتاة الحُرّة الجميلة التي بلغت لتوها.

أَمْلَصَت

أمْلَصَت المرأة، أي رمت ولدها وأسقطته لغير تمام (3). وتوصف الناقة بهذه الصفة أيضاً (4). وأصل وأصل المَلْصٍ في اللغة الزَّلَق، وكل ما زلق من اليَد أو غيرها، فقد ملص(5).

وقد وردت لفظة (أمْلَصَتْ) في نهج البلاغة مرة واحدة (6)، دالة على المرأة التي أسقطت جنينها وأزلقته وأزلقته، بعدما أتمت حملها. وجاءت هذه الدلالة في سياق قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يذم فيه أهل العراق ويُوبخهم على ترك القتال، والنصر يكاد يتم على أهل الشام : (أَمَّا بَعْدُ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ (7)، فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَالْمَرْأَةِ الْحَامِلِ، حَمَلَتْ فَلَمَّا أَتَمَّتْ أَمْلَصَتْ، وَمَاتَ قَيْمُهَا...)) (8). وقد ذكر شُرّاح النهج أنّ (أَمْلَصَتْ) في هذا النص تعني أسْقَطَتْ ولدها (9). وقد ساق الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا التعبير مختاراً له هذه المفردة ؛ توبيخاً لأهل العراق مشبهاً إياهم بالمرأة الحامل التي اسقطت جنينها بعدما أتمَّت. وقد تنبه الشُّرُّاح الى وجه الشبه بين هؤلاء القوم، والحامل المملص التي جعلها الإمام مُشبَّهاً به في هذا السياق، فشبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعدادهم للحرب بالحمل، ومشارفتهم على الظُّفَر باعدائهم من أهل الشام وبزوغ دلائل الفتح لهم بإتمام الحامل لشهور حملها رجوعهم عن عَدُّوهم بعد طمعهم بالظفر عليه و (إمْلاصُهُم)- ههنا - يُعدُّ أمراً غير طبيعي أو معتادٍ كما يظهر من كلام الإمام فهو خارج عن القبول ؛ لأنّ النكوص بعد الفتح، والجنوح إلى السّلم والإجابة إلى التحكيم أمر فيه ريبة، وهم بهذه الصفة


1) الهَدْجُ والهدجان مشي رويد في ضغف، وهي مشية الشيخ. ينظر : لسان العرب (هدج) : 387/2.

2) نهج البلاغة : خ / 229 : 433، 444.

3) ينظر : العين (ملص) : 1317، ولسان العرب (ملص) : 94/7.

4) نفسهما.

5) ينظر : لسان العرب (ملص) : 97/7.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 424.

7) يقصد الإمام (بالعراق) - هنا - أهل الكوفة والبصرة. ينظر : الديباج الوضي : 531/2.

8) نهج البلاغة : خ/ 71 : 109.

9) ينظر : معارج نهج البلاغة : 302/1، وشرح نهج البلاغة (ابن ابي الحديد) : 101/6.

يشبهون (المرأة) التي تعمدُ إلى إلقاء حَمْلها بسقطة أو ضربة أو عارض ما، فيكون ذلك خلافاً للمعتاد من حفاظ الأم على صحتها وصحة جنينها أيام الحمل (1). وزاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) من مكانة التشبيه بين هذين الطرفين أن جعلهم بمنزلة المرأة التي مات زوجها الذي عبر عنه بـ (القَيم)، وهو (الزوج) في اللغة (2). إشارة إلى فقدانهم القرابات القريبة منهم في هذه الحرب وهذه التضحيات تتطلب منهم المضي قدماً في الجهاد، لا أن تجعلهم أذلة منسحبين، فيتسلط العدو عليهم ؛ ويصبحون كالمرأة التي لا زوج لها بعدما فقدت ولدها، فصارت محطّ العجز والضعف والذُّلّة (3).

مَوْؤُودة

المؤؤدة اسم مفْعُول من الفعل وَأدَ(4)وأصل الوأد هو إثْقَالُ شي بشي (5). ومنه قيل للموؤدة موؤودة ؛ لأنها تدفن حَيَّة، فهي مُثْقَلَة بالتراب الذي يعلُوها (6). وقد كانت العرب تدفن بناتها وهنّ أحياء ؛ خَوْف العار والإمْلاق (7).

واستعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (مَوْوْوْدَة) في كلامه الوارد في نهج البلاغة مرة واحدة (8)، دالة على البنات المُؤؤدة اللواتي كُنّ يُدفن أحياء، وذلك في سياق كلامه على الحياة الجاهلية وإطباق الجهل فيها قبل بعثة رسُول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم). : ((... فَالاحوَالُ مُضْطَرِبَةً، وَالأيْدِي مُخْتَلِفَةٌ، وَالْكَثْرَةُ مُتَفَرِّقَةً، فِي بَلَاءِ أَزْل (9)، وأَطْبَاقٍ جَهْل مِنْ بَنَات مَوْعُودَة، وَأَصْنَام مَعْبُودَة، وَأَرْحَامِ مَقْطُوعَةٌ، وَغَارَات مَشْنُونَة (10))) (11). يفضِّل الإمام الكلام في أحوال الناس قبل بعثة النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وما هم فيه من ضيق وشدة وجهل، ثمَّ يذكر (وأد البنات)، وهي ظاهرة اجتماعية كانت تمثل ضرباً من الجَهْلِ كما يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإنهم كانوا يئدُون بناتهم دفعا للعار والإمْلاق، حتى إنَّهم كانوا يأنفُونَ من البنات إذا ولدن لهم (12). وقد فصلت المدونات التأريخية ظاهرة (الوأد) التي كانت تشيع في الجاهلية، وأرجعوها إلى القبائل التي كانت تشيع فيهم هذه الظاهرة (13). وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الظاهرة معرّضاً بمن كان يقوم


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن ابي الحديد) : 101/6، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 349/2.

2) ينظر : المحكم (قوم) : 592/6.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 349/2.

4) ينظر : العين (وأد) : 97/8.

5) ينظر : مقاييس اللغة (وأد) : 78/6.

6) نفسه.

7) ينظر : تهذيب الأسماء واللغات، لمحيي الدين النووي : 362/3.

8) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 474.

9) الأزل الصَّيْقُ والشَّدّة، وأصل الأزل الحَبْسُ. ينظر : لسان العرب (أزل) : 13/11.

10) الشنّ الصَّبُّ. من قولهم (شَنَّ الماء على الشراب). أي صَبَّهُ، و (شَنَّ الغارة عليهم) شَنّاً، أي صَبَّها وبثها من كل وجه. ينظر : تاج العروس (شنن) : 35 / 290.

11) نهج البلاغة: خ / 192 : 375.

12) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 4 / 176.

13) ينظر: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام : 91/9. وقد فصل الدكتور جواد علي القول في هذه الظاهرة وردّها إلى القبائل التي كانت تشيع فيهم، مبيناً أسبابها ودوافعها في البيئة الجاهلية.

بها قائلاً : (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) (1). وقد نهى القرآن الكريم عن قتل الأولاد لأي سبب كان، حتى حتى وإن كان ذلك خَشْية (الإملاق) والفقر. إذ يقول تبارك وتعالى : (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا) (2).


1) التكوير / 8، 9.

2) الإسراء / 31.

المبحث الرابع: الألفاظ المتعلقة بعامة الناس من الرعية

الناس

الإنس - بالكسر - البشر.(1)والأنَسُ - بالفتح - الجماعة الكثيرة من الناس (2). وآنس الشيء علمه(3). – وقيل : إنما سُمّي الإنسان إنساناً من النِّسيانِ ؛ لأنّه عُهد اليه فَنَسِي، فهو على زِنَة (أَفْعِلَان) (4). وقيل : بل هو (إنْسِيَان) على (فِعْلِيَان) من الأُنْسِ والأَلْف (5). و هذا هو الصواب في اشتقاقه كما يذكر اللغويون (6).

وقد شاع استعمال مفردة (النَّاس) في نهج البلاغة ؛ إذ وردت مائتين وثمان وعشرين مرة (7)، للدلالة على البشر أو الجماعة التي يتكون منها المجتمع، وهذه هي الدلالة العامة لهذه الكلمة، وعند انتظامها في السياقات التي صنعها (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإنها تدل على معان أخر منها الدلالة على أهل البيت (عليهم السلام)، ومن ذلك في قول أمير المؤمنين الذي يتحدث فيه عن علاقة أهل البيت بالقرآن في حادثة التحكيم:... ((فَإِذَا حُكِمَ بِالصِّدْقِ فِي كِتَابِ اللّه، فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ، وَإِنْ حُكِمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ وَأَوْلَاهُمْ بهَا)) (8). فليست كلمة (الناس) في هذا السياق تعني العامة من الرعية، وإنما هم نَمَط خاص منهم، وهم أهل البيت (عليهم السلام، وخص الإمام هذه اللفظة بقرينة الضمير المنفصل (نحن)، ولفظة (أَوْلَاهُم)، وهي قرآئن تصرف مفردة (الناس) في النص المتقدم الى الدلالة على عترة النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله). ومن نظير هذه الدلالة ما ورد في (خ / 74، 173) في إشارة الى أحقية الإمام بالخلافة والجدارة بها. وكذلك ما ورد عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الإشارة الى (أهل الذِّكر) الذين يمكن تصنيفهم مع ما دلت عليه لفظة (الناس) على أهل البيت. وذلك ما ورد في (خ / (222) أما ما وردت به اللفظة من الدلالة على عامة الناس)، وهم الرعيّة جميعاً الذين يشكل (الناس) الأساس فيهم، فذلك كثير (النهج العلوي)، ومنه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق كلامه عن (الإمامة) : ((وَلَعَمْرِي لَئِنْ كَانَتِ الإمامةُ لَا تَنْعَقِدُ حَتَّى يَحْضُرَهَا عَامَّةُ النَّاسِ، فَمَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ، وَلَكِنْ أَهْلُهَا يَحْكُمُونَ عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهَا، ثُمَّ لَيْسَ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَرْجِعَ، وَلَا لِلْغَائِبِ أَنْ يَخْتَارَ.)) (9). و (عَامَّة النَّاسِ) إشارة الى الناس جميعاً ؛ لأن الإمامة تنحصر في اجتماع من شهد البيعة من الناس، والإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرد في هذا النص على من يدَّعِي حضور عامة الناس للبيعة وانعقاد الإمامة بهم، والمراد بـ(عَامَّةُ النَّاسِ) الناس بطبقاتهم جميعا من الخاصة والعامة. ويرى الإمام أن اجتماع الناس جميعا متعذر، و البيعة تكون في عنق من شهدها منهم وقد بيّن الشارح البحراني ذلك مشيراً إلى أن الإجماع) في انعقاد الإمامة


1) ينظر : تاج العروس (أنس) : 15/ 408.

2) نفسه.

3) نفسه.

4) ينظر : لسان العرب (أنس) : 11/6، وتاج العروس (أنس) : 15/ 408.

5) أنفسهما.

6) أنفسهما.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 462 – 464.

8) نهج البلاغة : خ / 125 : 230.

9) نفسه : خ / 173 : 312.

لا يعتبر فيه دخول جميع الناس حتى العوام منهم، فلو كان ذلك شرطاً ؛ لأدّى إلى أن لا ينعقد إجماع قط ولم تصبح إمامة أحد ؛ لتعذر اجتماع المسلمين بأسرهم من أطراف الأرض جميعاً. فالمعتبر في الاجتماع اتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد (صلى اللّه عليه وآله)، وهم العلماء الذين كانوا مجتمعين حين البيعة فليس لأحد بعد ذلك أن يرجع، ولا لمن دونهم من العوام ومن غاب أن يختار (1).

أقول : ومن دلالة كلمة (الناس) على عامة الرعية كثير في النهج، ولكثرته نورد مواضع منه مما جاء في (خ / 176، 183، 192، ك / 31، 40) (2).

أصناف الناس عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

والناس عند الإمام ثلاثة أصناف، كما ورد في بعض كلماته في نهج البلاغة يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((النَّاسُ ثَلَاثَةٌ : فَعَالِمٌ رَبَّانِيِّ، وَمُتَعَلِّمُ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ، أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ...))(3). وهؤلاء الثلاثة (العالم، والمتعلّم، والهمج) ينقسمون بحسب منزلتهم ومراتبهم، فالصنف الأول هم طليعة الناس نخبتهم، وهم العلماء الرَّبَّانيون المُتَأَلِّهون الذين يعرفون اللّه حق المعرفة. وفي صدارتهم أهل البيت (عليهم (السلام) وإمامهم في ذلك النبي (صلى اللّه عليه وآله)، والإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يقول مخاطباً الناس عن فتنة بني أميّة : ((أَيْنَ تَذْهَبُ بِكُمُ الْمَذَاهِبُ، وَتَتِيهُ بِكُمُ الْغَيَاهِبُ، وَتَخْدَعُكُمُ الْكَوَاذِبُ، وَمِنْ أَيْنَ تُؤْتَوْنَ، وَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ؟، فَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٍ، وَلِكُلِّ غَيْبَةٍ كِتَابٍ، فَاسْتَمِعُوا مِنْ رَبَّانِيِّكُمْ، وَأَحْضِرُوهُ قُلُوبَكُمْ وَاسْتَيْقِظُوا إِنْ هَتَفَ بِكُمْ.. .)) (4). و(الرَبَّانِيّ) هو العالم الراسخ في العِلم والدِّين، الرفيع الدرجة في العلم، وهو المُتَألّه العارف باللّه تعالى (5). ويشير بذلك (رَبَّانِيِّكُمْ) الى نفسه ؛ فهو العالم باللّه المنقطع اليه في العبادة، الذي تمكَّنَت المعرفة فيه فصار (رَبَّانِياً) كما أمر اللّه تبارك وتعالى في قوله : (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) (6). أما القسم الثاني فهم المتعلّمون الذين يتخذون العلم سبيلاً للنجاة. والصنف الثالث هم أدنى الناس، وهم العامة من الهمج الرعاع الذين تتيه بهم المذاهب ويميلون حيثما مالت الرّيح


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) :686/3.

2) ينظر في ذلك : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 462 – 464.

3) نهج البلاغة : قصا / 147 : 629، وقد نقل قول الإمام أعلاه الزبيدي في (تاج العروس) (ربب) : 2/ 461.

4) نهج البلاغة : خ / 108 : 197.

5) ينظر : تاج العروس (ربب) : 461/2.

6) آل عمران / 79.

الرعيّة

الرَّعِيّة العامّة (1). ويقال للقومِ رَعِيَّةٌ، وهم العَامَّةُ (2). وتجمع هذه اللفظة على (رَعَايَا) (3). وقد جاءت لفظة (الرَّعِيّةُ) خمساً وعشرين مرة في نهج البلاغة، ولفظة (رَعِيّتِكَ) ثمان مرات، ولفظة (رَعِيّتُه) ثلاث مرات، (ورعِيَّتِي) مرتين، في حين جاءت لفظة (الرَّعايا) بالجمع مرة واحدة (4)للدلالة على العامة من الناس الذين تحكمهم الولاة. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق وصيته لبعض عماله في أن يرأف برعيّته : ((وَاخْفِضْ لِلرَّعِيَّة جَنَاحَكَ وَابْسُطْ لَهُمْ وَجْهَكَ وَأَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ...)) (5).

والرّعيّة - ههنا هم طبقة العامة من الناس الذين يخضعون لسلطة الوالي، ولهذا فالسياق يدفع باتجاه مراعاتهم و بسط الوجه لهم، وقد كنّى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بخفض جناح عن التّواضع (6)، وببسط الوجه عن لقائهم بالبشاشة بالبشاشة والسرور، و بلين الجانب عن التساهل و التشديد عليهم (7). أقول : ويحتفل نهج البلاغة بوصايا كثيرة للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ضرورة مراعاة (الرَّعِيَّة) والعناية بهم، ويشيع هذا الأمر عند أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عهده لـ(مالك الاشتر)، الذي حظي بجمهور كبير من الوصايا على حفظ الرعية والاحسان اليهم. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) مُحَذِّراً : [ وَإِيَّاكَ وَالْمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ بِإِحْسَانِكَ ](8). وسياق التحذير - هنا - يبيّن عناية الإمام بالرعيّة وأهميّة مراعاتها والاحسان لهم دونما تفضل من الوالي ونظير هذا الكثير في النهج العلوي. ومما يلفت النظر في استعمال لفظة (رَعِيَّة) ما صنعه الإمام من تقسيمها على طبقات لبيان منزلة كل طبقة من طبقات الرعية، وبهذا تتحول هذه المفردة عند الإمام إلى دلالة أخرى غير دلالتها على (عامة الناس)، مكتسبة معناها من منزلة الفئة التي يضعها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها. وأوَّل تقسيم حظيت به الرّعِيّة عند الإمام هو جعلها صنفين، وذلك في قوله الذي يوصي فيه عامله الرّحمة للرعية : ((وَأَشْعِز قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَالنُّطْفَ بِهِمْ، وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً صَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ ؛ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ، إِمَّا أَخَ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ ؛ يَفْرُطُ (9)مِنْهُمُ الزَّلَلُ (10)، وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ الْعِلَلُ...)) (11). وقد أدّت لفظة (الرعية) في هذا النص الدلالة على ضربين من الناس ؛ الأول هم الأخوة في الدِّين، سواء كانوا من عامة الناس أو خاصتهم، إذ تجمعهم الأخوة في الدين، وهذا هو المعيار في بيان علاقة الناس ببعضهم البعض الآخر بحسب مفهوم الإمام. وأما القسم الثاني، فهم النظير) في الخَلْق)، وهم الناس من غير المسلمين من الديانات الأخرى التي لا


1) ينظر : لسان العرب (رعي) : 32/14.

2) ينظر : تاج العروس (رعي) : 163/38.

3) نفسه.

4) ينظر: المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 190.

5) نهج البلاغة : ك / 46 : 537.

6) وهو تضمين للمعنى القرآني في قوله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ...)الإسراء/24.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 322/5.

8) نهج البلاغة : ك / 53 : 568.

9) الفَرْط السَّبْقِ والتَّقدّم. ينظر : لسان العرب (فرط) : 366/7.

10) الزَّللُ الخَطأُ والذَّنْبُ. ينظر : لسان العرب (زلل) : 11/ 306.

11) نهج البلاغة : ك / 53 : 545.

تنتمي الي الدين الذي عليه الإنسان، وهؤلاء من الرعيّة التي تكون تحت حكم هذا الوالي أو غيره، ويكون فيهم الخاص والعام. ولكن هذا التقسم ينمحي وينتهي تحت عنوان (الرعية) التي تضمنت هذين الصنفين الذين ذهب اليهما الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تقسيمه. ونحو هذا الاستعمال ما جاء في (حديث الطبقات)، وهو السياق الذي قسّم فيه أمير المؤمنين (الرعيّة) - بما تحمله هذه المفردة من دلالة - على طبقات لا يصلح بعضها الا ببعض. إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لَا يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ، وَلَا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ))(1). وشرع الإمام بعد هذا بسَنّ هذا القانون الاجتماعي الى تفصيل طبقات الرَّعِيّة، فأوصلها الى سبع طبقات، أولها طبقة (جُنُود اللّه)، وآخرها (الطبقة السُّفْلَى.). ولكل هذه الطبقات تقسيم داخلي فرعي يشتمل على من يدخل فيها من الناس. وهؤلاء جميعاً يطلق عليهم (الرعيّة) وكلّ بحسب منزلته ومكانته في الترتيب الذي وضعه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ). أقول : وقد وردت لفظة (رعية) وباشتقاقات متعددة دالة على النّاس بعامة في (خ / 97، 216 ، ك / 5، ك / 10، 46، 50، 53(20)، قصا / 261).

العرب

إشارة:

العرب جيل من الناس معروف، وهم خلاف العجم (2). والأعاريب جماعة من العرب (3). وتنقسم العرب العرب عند المعجميين على قسمين ؛ العرب العَارِبَة، وهم العرب الصَّرِيح (4)، الخُلَّص منهم (5). ويقال لهم عَرَبَاء أيضاً.(6). وهؤلاء تسع قبائل، كما يذكر، وهم من ولد إرمَ بنِ سَامِ بنِ نُوحٍ، وهي : عادٌ وثَمُود، وأُمَيْم وعَبِيْل، وطَسم، وجَدِيْس، وعِمْلِيْق، وجُرْهم ووَبَار ومنهم تعلّم إسماعيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) العربية (7). أما القسم الثاني، فهم العرب المُسْتَعرية أو المُتَعرِّبَة (8)، وهم الذين دخلوا في العرب فاستَعرَبوا وتعرّبُوا (9)، فهم ليسوا بِخُلَّص وإنما دخلاء (10).وهؤلاء هم بَنُو إِسْمَاعِيلَ وَلَد مَعدٍّ بن عَدْنَانِ بنِ عَدْنَان بن أُدَد (11).

والعربي منسوب الى العرب، وإن لم يكن بدوياً (12). وذلك أنَّ نسبه في العرب ثابت وإن لم يكن فصيحاً (13). والأعراب جمع (أعرابي)، وهم سكّان البادية خاصة (14). والأعرابي البدوي (15)، وهو من كان بدوياً


1) نهج البلاغة : ك / 53 : 550.

2) ينظر : لسان العرب (عرب) : 1/ 586.

3) ينظر : العين (عرب) : 2/ 128.

4) نفسه.

5) ينظر : لسان العرب (عرب) : 1/ 586.

6) نفسه.

7) نفسه.

8) نفسه.

9) ينظر : العين (عرب) : 2/ 128.

10) ينظر : لسان العرب (عرب) : 586/1، و تاج العروس (عرب) : 3/ 333.

11) ينظر : تاج العروس (عرب) : 3/ 333.

12) ينظر : لسان العرب (عرب) : 1/ 586.

13) ينظر : تاج العروس (عرب) : 3/ 333.

14) نفسه.

15) ينظر : لسان العرب (عرب) : 1/ 586.

صاحب نَجْعة و انْتِواء للكلأ وتتبع لمساقط الغيث سواء أكان من العرب، أو من مواليهم (1). ويفرّق اللغويون بين (الأعرابي) و (العربي)، ذاكرين خصائص كل واحد من هؤلاء، فمن نزل البادية، أو جاور البَادِين، وظَعن بِظَعنهم وانتوى بانتوائهم، فهو أَعرابي. ومن نزل بلاد الرّيف واستوطن المدن والقُرى العربية وغيرها ممن ينتمي الى العرب، فهو عربي، وإن لم يكن فصيحا (2). وتجمع لفظة أعرابي على (أَفْعَال)، و(أفاعِيْل)، فيقال فيقال : أعْرَاب، وأَعَاريب (3).

وقد وردت لفظة (العرب) ثمان عشرة مرة في نهج البلاغة، ولفظة (أعْرَاب) مرتين، في حين جاءت ألفاظ (الأَعْرَابِي، وأَعْراباً، وأَعْرَابِكُم) مرة واحدة فحسب (4). للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على الذين سكنوا الحواضر والمدن

ومن ذلك قول أمير المؤمنين مخاطباً أهل الكوفة فى سياق شحذ هممهم للخروج معه الى حرب الجمل : ((مِنْ عَبْدِ اللّه عَلِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ جَبْهَةِ الْأَنْصَارِ وَسَنَامِ الْعَرَبِ...))(5). وإنما وصفهم بهذه الصفات مدحا وثناء عليهم ووصفهم بـ (جبهة الأنصار)، والجبهة في الشيء موضع الكرامة منه، وهي في الإنسان موضع سجوده (6).

وألمح بقوله (سَنَامِ الْعَرَبِ) الى علو منزلتهم بين العرب، وذلك أنّ السَّنَام هو ما علا من الجَمَل، وهو أعلى ظهره، وهو خيار ما في البعير (7). ويرمز الإمام - بهذا الوصف - الى علو كعب أهل الكوفة وتفضيلهم على سائر العرب.

وقد ذكر شُرَّاح النهج أنّ إيراد لفظ (الجبهة)، و (السَّنام) في هذا السياق جاء على سبيل المدح والثناء لأهل الكوفة (8). وأراد الإمام بالعرب - هنا - العرب عامة، ولاسيما خيارهم ومثل الدلالة المتقدمة في استعمال لفظة.) العرب) ما جاء في (خ / 107،104 / 124، 146 (3)، 151، 192 (2)، 194، ك / 17 (3)، 45، 62).

ثانياً : الدلالة على الأجلاف من الناسِ، وهم البُدَاةُ الذين لمّا نَزَل فيهم بقايا الجاهلية

ومن ذلك قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) متحدثاً عن بعض عماله الذي قَسَّم فيء المسلمين بين قومه، قائلاً : ((بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ، فَقَدْ أَسْخَطْتَ إِلَهَكَ، وَعَصَيْتَ إِمَامَكَ أَنَّكَ تَقْسِمُ فَيْءَ (9)الْمُسْلِمِينَ الَّذِي


1) ينظر : لسان العرب (عرب) : 1/ 586.

2) نفسه.

3) نفسه.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 297.

5) نهج البلاغة : ك / 1 : 459.

6) ينظر : لسان العرب (جبه) : 13/ 483.

7) ينظر : لسان العرب (شمم) : 306/12.

8) ينظر : الديباج الوضي : 2102/5.

9) الفيء الغنيمة والخراج. ينظر : العين (فيَئ) : 407/8.

حَازَتْهُ رِمَاحُهُم وَخُيُولُهُم، وَأُرِيقَتْ عَلَيْهِ دِمَاؤُهُمْ فِيمَنِ اعْتَامَكَ (1)مِنْ أَعْرَابِ قَوْمِكَ فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ ؛ لَئِنْ كَانَ ذَلِكَ حَقَّاً لَتَجِدَنَّ لَكَ عَلَيَّ هَوَاناً...)) (2). وتوظيفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمفردة (أعْرَاب) وإضافتها إلى كلمة (قَوْمِك) إشارة الى استئثار هؤلاء بالفيء والغنائم التي حازها المسلمون، ولهذا أصبحت مسألة إعطاء هذا العامل الغنائم لأعراب قومه يمثل خروجاً عن القانون الإسلامي في توزيع الحقوق والغنائم على مُستَحقِّيها ولعل هذا هو السبب الذي دعا الإمام الى استعمال لفظة (أعراب) التي توحي بالعودة الى الجاهلية وإيثار القرابة في توزيع الحقوق والغنائم، بعدما منع الإسلام ذلك، ووضع أحكاما لتوزيع هذه الغنائم. وإلا كان يمكن للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعمال مفردة أخرى بدلاً من هذه اللفظة، كأن تكون لفظة (عرب قومك) أو (أهل قومك). ولكن هذه الألفاظ – بحسب ما يبدو - لا تناسب السياق الذي تليق به لفظة (أغراب) دون من غيرها ؛ لأنها تفيد الدلالة على الغلطة والقسوة فضلا عن الاستئثار في توزيع الغنائم، مع الإشارة الى موضع سكن هؤلاء في البوادي ومواطن النجعة والكلأ، ولهذا فهم يعتامون صاحبهم ويراجعونه ليحصلوا منه على الفيء والغنائم ولهذا فسّر بعض الشُّرَّاح دلالة مفردة (أعراب قومك) بأنهم أجلافهم وأهل الغباوة منهم (3).

أقول : إنّ استعمال أمير المؤمنين لمفردة (أعراب) جاء مُتَسقاً مع الدلالة القرآنية لهذه الكلمة – فيما أحسب – وذلك في قوله تعالى شأنه : (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (4). فالذين اعتاموا عامل الإمام - كما يبدو من السياق - كانوا أجدر ألا يعلموا حدود اللّه، لأنهم آثروا أنفسهم وآثرهم صاحبهم بقيء المسلمين. وقد دَأب (عَلَيهِ السَّلَامُ) على وَصْف أمثال هؤلاء (بالأعراب) الماحاً الى تحمله اللفظة من انحطاط دلالي ؛ لارتباطها بالبداوة والغلظة والعصبية. وهذه قيم جاهلية يرفضها الإسلام. ولهذا صار (العربي) إذا وصف بأنه (أعرابي) مغاضباً. في حين أن (الأعرابي) إذا قيل له (يا عربي) هنَّ وَبِش وفرح (5). وهذا دليل على رقي دلالة مفردة (عربي)، وانحطاط دلالة لفظة (أغرابي)، فضلا عن كونهما نقيضتان وضدان في الدلالة، على الرغم مما صدر من العرب بحق أمير المؤمنين من أفعال وصلت حدَّ الأفعال والتصرفات الجاهلية، ولهذا وصف (عَلَيهِ السَّلَامُ) العُصاة من الناس (بالأَعرابيّة) قائلاً : ((وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ صِرْتُمْ بَعْدَ الهِجْرَةِ أَعْرَاباً، وَبَعْدَ الْمُوَالَاةِ أَحْزَاباً، مَا تَتَعَلَّقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ إِلَّا بِاسْمِهِ وَلَا تَعْرِفُونَ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا رَسْمَهُ، تَقُولُونَ : النَّارَ، وَلَا العَارَ، كَأَنَّكُمْ تَرِيدُونَ أَنْ تُكْفِنُوا الْإِسْلَامَ عَلَى وَجْهِهِ انْتِهَاكاً لِحَرِيمِهِ وَنَقْضاً لِمِيثَاقِهِ الَّذِي وَضَعَهُ اللّه لَكُمْ...)) (6). والسياق واضح في أنّ المقصودين بخطابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هم مُحرِّفوا الإسلام الذين يريدون أن يُكفِئوا الإسلام على وجهه، ويُنقضون ميثاقه. ولهذا وَطَّأ الإمام لهذه الفكرة بوصف هؤلاء العصاة بـ (الأعراب)، ذاكراً تعبير (بعد الهجرة)، إشارة الى أنهم عادوا الى


1) أَعْتَمَ الناسُ اذا دخلوا في العتمة، واعتامك أي جاءك وحل بك. ينظر : لسان العرب (عتم) : 12 / 381. وأما اذا كانت المفردة مأخوذة من (العيم)، وهو خيرة المتاع، بل هو الخيار من كل شيء. ينظر : لسان العرب (عيم): 433/12. فالمعنى أنهم فضلوك على غيرك.

2) نهج البلاغة : ك/43 : 527.

3) ينظر : الديباج الوضي : 2435/5.

4) التوبة / 97.

5) ينظر : لسان العرب (عرب) : 1/ 586.

6) نهج البلاغة : خ / 192 : 376.

جاهليتهم الأولى بعدما استقر الإسلام واشتدَّ عُوده. ولتوكيد هذا المعنى صدّر أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لوم هؤلاء بقوله : ((أَلَا وَإِنَّكُمْ قَدْ نَفَضتُمْ أَيْدِيَكُمْ مِنْ حَبْلِ الطَّاعَةِ، وَثَلَمْتُمْ حِصْنَ اللّه الْمَضْرُوبَ عَلَيْكُمْ بِأَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ))(1). وإنما تَضمّن هذا الكلام مفردة (ثَلَمْتُم) تعبيرا عن كسرهم أحكام الإسلام والإخلال بها بأحكام الجاهلية، ومخالفتهم لكثير من أحكامه (2). وبالعودة الى وصف أمير المؤمنين لهؤلاء بـ (الأعراب) فهذا الوصف - كما يقول الشارح البحراني - يمثل أنْقَص رتبة من المهاجرين وأهل المدن ؛ لجفائهم وقسوتهم وبعدهم عن الفضائل النفسيّة (3). علماً أن الأعراب ليسوا جميعا بهذه الحالة، فمنهم من يؤمن باللّه واليوم الآخر. كما يقول اللّه تبارك وتعالى : (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّه * يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّه وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّه فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (4).ولكن الغالب عليهم هي الصفة المذمومة كما يبدو أقول : والدلالة التي حملتها لفظة (أغراب (نفسها وردت في (خ / 168، 107، 210).

العامة

إشارة:

العَامَّةُ خلاف الخاصة (5). وسُمِّيت العامة عامةً ؛ لأنها تَعُمّ جميع البشر (6). والعَمُّ الجماعة، والخَلْقُ والخَلْقُ الكثير (7). والعَامَّة اسم للجمع وليس يجمع عند اللغويين (8). والعامة القيامة ؛ لأنها تَعُمّ الناس بالموت (9). وشاعت لفظة (العامة) في نهج البلاغة حتى استعملت أربع عشرة مرة، وجاءت لفظة (العام) ثلاث مرات مرات، ولفظة (عاماً) مرتين، في حين وردت ألفاظ (عَمَّمْتَ)، و (العوام)، و (عَوَامَها) مرة واحدة (10)للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على العَامَّةِ من الناس

وهم النّاس قليلو الشأن بالنسبة الى غيرهم من المقربين من الولاة أو الخلفاء فهم الرَّعِيّة الذين تسوسهم الولاة ويقعون تحت حكمهم. وقد شاعت هذه الدلالة في غير مَوْضع من نهج البلاغة، ولا سيما في عهد أمير المؤمنين الى واليه على مصر (مالك الأشتر) الذي تضمن وصايا متعددة في مراعاة عامة الناس منها قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((وَليَكُنْ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ، وَأَعَمُّهَا فِي العَدْلِ، وَأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ، فَإِنَّ سُخْطَ العَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضًا الخَاصَّةِ، وَإِنَّ سُخْطَ الخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضا العَامَّةِ))(11). والنص يُلزم الولاة الموازنة وعدم الميل الى طرف من الناس على حساب طرف آخر، مع ضرورة مراعاة العامة، وعدم تفضيل


1) نهج البلاغة : خ / 192 : 376.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 4/ 177.

3) نفسه.

4) التوبة / 99.

5) ينظر : المحكم (عمم) : 108/1، ولسان العرب (عمم) : 426/12.

6) أنفسهما.

7) أنفسهما.

8) ينظر : لسان العرب (عمم) : 426/12.

9) نفسه.

10) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 324.

11) نهج البلاغة : ك / 53 : 547.

خاصة الوالي عليهم ؛ لأنّ سخط العامة يؤدي الى الإجحاف بالخاصة. ورِضَا العَامّة مقدّم على سخط الخاصَّة. فالواجب على الولاة العناية بالعامة واجابتهم الى مسائلهم وهذا الأمر لا يحقق معنى التفريط بحقوق الخاصة ؛ لأنّهم القلّة الذين يرغبون الهيمنة على السلطة وما يتعلق بها من مغانم وتقدمة. ولهذا آثر الإمام تقديم العامة على هؤلاء، لأن سخط القلّة مغتفر مع رضا العامّة جميعاً، فالعامة : ((عِمَادُ الدِّينِ وَجِمَاعُ (1)الْمُسْلِمِينَ، وَالْعُدَّةُ لِلْأَعْدَاءِ، الْعَامَّةُ مِنَ الْأُمَّةِ، فَلْيَكُنْ صِغْوُكَ (2)لَهُمْ وَمَيْلُكَ مَعَهُمْ)) (3). يُبَيِّن (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا النص العلة التي من أجلها ينبغي العناية (بالعَامَّة)، لأنّهم عماد الدين، وإنما جعلهم (عِمادَاً) دلالة على كونهم الأس الذي يرتكز عليه الدِّين بعامة، فهم كعمود الخيمة الذي يقيمها ويرفع من منزلتها، فلا قيمة لها بدونه، ومِن ثَمّ فهم جماعة الإسلام وجمهوره. وفي هذا التعبير إيماء من الإمام الى أنّهم ركيزة الإسلام وعُدّته إذا عَدَا عليه عاد، فأمر واليه أن يكون صغوه لهم. ولعل مجيء مفردة (صغوه) في هذا النص منح السياق ضرباً من الدلالة الصوتية التي أضفتها هذه الكلمة المبدوءة بصوت (الصاد)، وهو من أصوات الصَّفير التي تلفت السَّمع بسبب من جرسها الصوتي، فهي من الأصوات المجهورة المستعلية ذات الصفير (4). أما دلالة مفردة (صغوه) ؛ فهي الميل وإحناء النَّفْسِ للاستماع الى العامة، وفي ظلال المعنى الذي تحمله هذه الكلمة ما يومئ الى ضرورة أن يكون الوالي مائلا بكل جوارحه الى هؤلاء الناس لسماع حوائجهم للعمل على تحقيقها. ولا يخفي ما في إحناء الجسد الى جهة شخص ما وتقريب الأذن من فمه من دلالة على العناية به والاهتمام بأمره وقد جاءت لفظة (العامة) (العوام) و (عوامها) دالة على الناس العوام الذين يمثلون الرعيّة ذلك في (خ / 127، 173، ك / 53(5)، 54، 58، 69، قصا /252).

ثانياً : الدلالة على أن النبي (صلى اللّه عليه وآله).

إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصف النبي الأكرم: ((بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي يَا رَسُولَ اللّه لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْإِنْبَاءِ وَأَخْبَارِ السَّمَاءِ، خَصَّصْتَ حَتَّى صِرْتَ مُسَلِّياً عَمَّنْ سِوَاكَ، وَعَمَّمْتَ حَتَّى صَارَ النَّاسُ فِيكَ سَوَاءً)) (5). وقد قابل الإمام بين لفظتي (خَصَّصْتَ)، و (عَمَّمْتَ)، فالأولى سيقت للدلالة على اختصاص النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله) آل البيت وقربه منهم من جهة القرابة القريبة ومن جهة ارتباطهم به في كونه نبيهم المبعوث من بين ظهرانيهم وهو بهذا صار مسليا لهم عمن سواه، مثلما كانت مصيبته مسلية لهم عما سواها من المصائب. وأمّا مفردة (عَمَّمت)، فإنها تدل على تواضعه (صلى اللّه عليه وآله وعدم افتراقه عن الناس عامهم وخاصهم، فقد كان فيهم كأحدهم لايميز نفسه عنهم، على الرغم من اختصاصه بالنبوة، فضلا عن أنه صار رمزا لاجتماع الناس وائتلافهم، بحيث اجتمعت فيه الناس جميعا من شتى البقاع، فصان قطبا لتآزرهم تحالفهم مزيلا بذلك الفوارق الاجتماعية والطبقية بينهم.

الغريب


1) الجماع - بالكسر - جماعة الناس. ينظر : لسان العرب (جمع) : 53/8.

2) صَغَا إلى الشيء مال اليه، وصَغَا الرجل اذا مال أحد شقيه. ينظر : لسان العرب (صغا) : 14 / 461.

3) نهج البلاغة : ك / 53 : 547.

4) ينظر:كتاب سيبويه : 481/4، وسر صناعة الإعراب: 1/ 51.

5) نهج البلاغة : خ / 235 : 451.

الغُربة النَّوى والبُعد (1). وهي النزوح عن الوطن والاغترابُ (2). ورجل غريب، أي بعيد عن وطنه (3). وقد جاءت لفظة (الغُرْبَة) ثمان مرات في نهج البلاغة. في حين وردت لفظة (الغريب) مرتين، وألفاظ (غُرْبَتِهِ) (غَرِيْباً)، و (مُغْتَرِب) مرة واحدة لكل منهما (4)، وذلك للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على النّوى والبعد عن الوطن.

واستعملت لهذه الدلالة مفردة (غُربة)، وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يتحدث فيه عن الموتى وغربتهم : ((... فَهُمْ جِيرَةً لَا يُجِيبُونَ دَاعِياً، وَلَا يَمْنَعُونَ ضَيْماً... جَمِيعٌ وَهُمْ آحَادٌ.. جَمِيعٌ وَهُمْ آحَادٌ، وَجِيرَةٌ وَهُمْ أَبْعَادٌ... اسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ الْأَرْضِ بَطْناً، وَبِالسَّعَةِ ضِيقاً وَبِالْأَهْلِ غُرْبَةً...)) (5). والنص يبين حال الموتى وتجاورهم دون قريب يُؤنس وحشتهم، فإنهم اختاروا الغربة على لقاء الأهل والأحبّة. و(الغربَةُ) في النص إشارة إلى انضواء أجسادهم في القبور وابتعادهم عن الأحبه بعد نوى وفقد لقاء. وقد جعل الإمام (الفقر في الوطن) بمنزلة (الغُرْيّة)، وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((الْغِنَى فِي الْغُرْبَةِ وَطَنّ وَالْفَقْرُ فِي الْوَطَنِ غُرْبَةٌ)) (6). ويُنزل الإمام الغنى الغِنى - هنا - مَنزِلَة الوَطن، ولكنه يعكس الأمر، فيجعل من الفقر غربة، وذلك كله رهن بوجود المرء في وطنه. فإن كان المرء فقيراً في وطنه، فهذه هي الغُربة عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وإن كان الغنى في الغُرْبَة، فذلك يُعَدُّ وطناً بحسب رؤية الإمام ؛ لأنّ شِحّة المال في الوطن مدعاة الى فقد الأعوان والأنصار، وضيق ذات اليد يؤدي الى ابتعاد الناس عن الفقير وتجنبه، في حين أنّ كثرة المال في غُرْبَة المرء عن وطنه تؤنسه وتبعد عنه أثر الغربة (7). وتأثير الغِنَى المرتبط بالغربة في هذا النص يمثل نوعاً من استقرار الإنسان واستئناسه بأمواله ليسلو بها عن غربته الحقيقية في بلد غير بلده.

ويلاحظ أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يجعل ظاهرة الغربة فقرا في غير موضع من النهج، ومن ذلك قوله : ((...الْمُقِلُّ غَرِيبٌ فِي بَلْدَتِهِ)) (8)، وقوله : ((فَقْدُ الْأَحِبَّةِ غُرْبَةً))(9). والمُقِلّ هو الفقير كما يذكر اللغويون (10)، فلهذا صار الفقر وقلة المال عند الإنسان غربة (11). كما أنفقد الأحبّة بموتهم أو سفرهم وارتحالهم يمثل غُربة لأصحابهم وليس لهم ؛ لأن هؤلاء الباقين سيبقون دونما أخلاء يُؤنسونهم ويُبعدون عنهم وحشة الفراق. ولهذا استعار الإمام لفظ (الغُربة) لفقد الأحِبّة، باعتبار ما يلزمها من الوحشة وعدم الأُنْسِ، وما يصاحب ذلك من ألم


1) ينظر : لسان العرب (غرب) : 639/1.

2) نفسه.

3) ينظر : لسان العرب (غرب) : 639/1.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 334.

5) نهج البلاغة : خ / 111 : 209.

6) نهج البلاغة : قصا / 56 : 610.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 409/5.

8) نهج البلاغة : قصا / 3: 599.

9) نفسه: قصا / 65 : 611.

10) ينظر : لسان العرب (قلل) : 564/11.

11) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 5/ 392.

يفقدهم (1). ومن دلالة لفظ (الغُربة) على البُعْد والنّوى ما ورد في : ((خ / 83، 157، 227، ك / 31، قصا / 30)).

السَّواد

سواد النّاس عامتهم، وهم الجمهور الأعظم (2). يقال: رأيت سواد القوم، أي مُعظمهم (3). والسَّوَاد الأعظم العدد الكثير من المسلمين الذين يجتمعون على طاعة الإمام (4).

وقد وردت لفظة (السَّوَاد) في نهج البلاغة ثماني مرات، ثنتان منها بدلالة السواد من الناس، وهم عامتهم من الجمهور الأعظم. والعدد الكثير الذين يجتمعون على شيء حقاً كان أو باطلاً. ومن ذلك قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق حَثٌ جُنده على قتال أهل الشام يصفّين : ((... وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ بِعَيْنِ، اللّه وَمَعَ ابْنِ عَمّ رَسُولِ اللّه (صلى اللّه عليه وآله)، فَعَاوِدُوا الكَرَّ، وَاسْتَحْيُوا مِنَ الْفَرّ... وَعَلَيْكُمْ بِهَذَا السَّوَادِ الْأَعْظَمِ.. فَإِنَّ الشَّيْطَانَ كَامِنَّ فِي كِسره (5))) (6). والسياق - هنا - سياق حثّ ودفع إلى قتال معاوية وأصحابه. ولهذا ولهذا احتفل النص بالفاظ (الكَرَّ)، و البعد عن (الفِرار) وقتال هذا الجمع الذي التفَّ حول من خرجوا على الإمام.وقد عبر عنهم بـ (السَّوَادِ الْأَعْظَمِ) في إشارة إلى كثرة جمعهم وكونهم من عوام الناس الذين تمكَّن منهم معاوية بالخداع والتضليل. ولمعادلة كفّة أصحابه وشحذ عزيمتهم وإعطائهم دفعاً وإيماناً، ذكرهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنهم مع (ابنِ عَمِّ رسول اللّه) في إشارة الى نفسه وإيماء الى قُربه من النبي الأكرم، فإنّ الْحَقِّ مع النبي وآله في حين أن الطرف الثاني يفتقر الى هذه الصلة من القرابة مع النبي (صلى اللّه عليه وآله) ؛ فمعاوية بن أبي سفيان لا يمتلك مثل هذه الصلة القريبة مكن رسول اللّه، فضلا عما فيه من غمز وسوء سابقة في بدء الإسلام، فعمد الإمام الى إغراء أصحابه ودفعهم باتجاه الموضع الذي يلبث فيه معاوية وأصحابه بقوله : ((الشَّيْطَانَ كَامِنٌ فِي كِسْرِهِ)) إشارة الى كونهم محل الفساد الذي هو مظنّة إبليس (7). ومن دلالة (السواد الأعظم) على الجمهور الذي اجتمع على الباطل، الى دلالته على الجماعة التي تجتمع على شيء ليس من الباطل، وقد جاءت هذه الدلالة في سياق كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ضرورة الاجتماع ونبذ الفُرْقَة : ((... وَالْزَمُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ فَإِنَّ يَدَ اللّه مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّاذَ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ)) (8). والسواد الأعظم هو الجماهير من الناس المجتمعون على حال مؤكداً أهمية هذا الاجتماع بذكر أنّ يد اللّه مع الجماعة، وذلك أنّ الاجتماع أمنع من أن ينال العدوّ من هؤلاء المجتمعين (9). ثُمّ حذَّر (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الفُرْقَة والشذوذ خارج الجمع عن


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 5/ 410، والديباج الوضي : 6/ 2766.

2) تاج العروس (سود) : 228/8.

3) نفسه.

4) نفسه.

5) الكسر جانب البيت، أو ما انحدر من جانبيه. ينظر لسان العرب (كسر) : 141/5.

6) نهج البلاغة :خ / 66 : 105.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 342/2.

8) نهج البلاغة : خ / 127 : 233.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 3/ 565.

طريق الاستبداد بالرأي (1)، أو الاستئثار بالمصلحة الخاصة التي تخرج المرء عن حِزْبَه وجمعه وتوجهه من العام العام إلى الخاص.

أَصْنَافِ

الصِّنف النَّوع، والضَّرب من الشيء (2). والصِّنف طائفة من كلِّ شيء (3)، فكل ضرب من الأشياء صنف على حدة (4). وقد وردت لفظة (أَصْنَاف) ثلاث مرات في نهج البلاغة، ولفظتا (الصنف) و (صنفان) مرتين، في حين جاءت مفردة (الصِّنْفَيْنِ) مرة واحدة فحسب (5).وقد ارتبطت هذه المفردات بتقسيم الإمام لطبقات الرعية والمجتمع في نهج البلاغة، فكثيراً ما استعملها (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفصيل أنواع الطبقات في المجتمع وبيان طوائف الناس وأصنافهم ولهذا كانت دلالة هذه المفردات تسير نحو معنى (النوع أو الطائفة) من الناس. ومن وذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق تقسيمه الناس على أربعة أصناف : ((وَالنَّاسُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ ؛ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَمْنَعُهُ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَهَانَةُ نَفْسِهِ... وَمِنْهُمْ الْمُصْلِتُ لِسَيْفِهِ وَالْمُعْلِنُ بِشَرِّهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ... وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ الْمُلْكِ ضُوْلَةُ (6)نَفْسِهِ، وَانْقِطَاعُ سَبَبِهِ...)) (7). وهذهِ المقولة توجّه الناس وتجعلهم أنواعاً، والأصناف - هنا - تدل على الأنواع، فالنوع الأول هم مُريدو الدنيا القادرون عليها، الذين أطلقوا العنان لشهواتهم، فلا يمتنعون عن الفساد. والنوع الثاني هم المُصلتون لسيوفهم متخذين الشَّر والظُّلم والقهر سبيلا للتسلط على الناس، أما النوع الثالث، فهم غير القادرين على الدنيا من الذين يطلبونها من خلال تفريطهم بالآخرة، ولا يطلبون الآخرة بعمل الدنيا. وهم الذين اتخذوا ستر اللّه ذريعة الى المعصية (8). أما النوع الرابع، فهم القاصرون عن الدنيا غير المؤهلين للملك والإمارة، لأنهم قعدت بهم ضَؤُولة أنفسهم وحقارة شأنهم عن ذلك أقول : ونظير دلالة (الصنف) على النوع وردت في (خ / 91، 127، ك / 153).

الطبقة

أصل الطَّبَق غِطَاء كل شيء (9). وطَبَقَات الناس مراتبهم (10). وهي أصناف مختلفة.(11). والطبقة الحال (12). وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (الطبقة) ثلاث مرات في نهج البلاغة، ولفظتا (طبقات، وطبقاتهم)


1) نفسه.

2) ينظر : لسان العرب (صنف) : 9/ 198.

3) ينظر : العين (صنف) : 132/7.

4) نفسه.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 261.

6) الضئيل الصغير الحقير. وضأل شخصه. أي صغر. ينظر : لسان العرب (ضأل) : 11/ 388.

7) نهج البلاغة : خ / 32 : 69، 70.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 1/ 272.

9) ينظر : لسان العرب (طبق) : 10 / 209.

10) نفسه.

11) نفسه.

12) ينظر : العين (طبق) : 5 / 108، و لسان العرب (طبق) : 10 / 209 .

وطبقاتهم) مرة واحدة لكل منهما.(1). وقد دَلَّت هذهِ الألفاظ جميعاً على المرتبة والمنزلة التي تقسم عليها فئات المجتمع، الاّ أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعمل لفظة (الطَّبَقة) للإشارة الى فئة الفقراء وحالهم. وقد شاع هذا الاستعمال في عهده الى (مالك الأشْتَر) في سياق وصيته له بمراعاة الفقراء والمعوزين. إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق ذكره آخر طبقة من طبقات المجتمع : ((ثُمَّ الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ الَّذِينَ يَحِقُّ رِفْدُهُمْ وَمَعُونَتُهُمْ...)) (2). وأراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالطبقة - هنا - الفئة أو المرتبة الخاصة بالفقراء ولضعفاء من الرعية.

ونظير ذلك ما جاء في (ك / 53) أيضاً إذ استعملت لفظة (الطبقة) بصيغة المفرد للدلالة على المعنى المتقدم.

وأما لفظة (طَبَقات) بصيغة الجمع، فقد خصصها الإمام للدلالة على مراتب الناس، فقال في سياق تقسيم الرعية على مراتب : ((وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لَا يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ، وَلَا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ...)) (3). ولفظ (طبقات) - هنا - عام لا يختص بفئة من هذه الطبقات، وإنما هو إشارة الى تعدد فئات الرعية ومنازلهم من حيث المنزلة الإدارية، أو من حيث الغنى والفقر. ونظير هذهِ الدلالة جاء في (ك / 28).

بَيت مدر

إشارة:

المَدَر - في اللغة في اللغة - قطع الطين اليابس (4). وقيل : هو الطين العلك الذي لا رمل فيه، واحدته مَدَرة (5). والمدر تطيينك وجه الحوض بالطين الحُرّ، لئلا ينشف (6). والمَدَرة هي القرية المبنية بالطين واللبن (7)، ويقال للمدينة الضخمة الكبير مَدَرَة أيضاً (8).

ومفردات (مَدَر) و(مدراً) و (مَدَرَة) من ألفاظ نهج البلاغة التي استعملت فيه أربع مرات بالاشتقاقات المتقدمة جميعاً (9)للدلالة على ما يأتي :

أولاً : الدالة على حجارة الطين اليابسة.

وقد استعمل أمير المؤمنين هذه الدلالة غير مرة. منها قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق حديثه عن القبر الذي يقول فيه : ((... وَالنَّفْسُ مَظَاتُهَا فِي. وَالنَّفْسُ مَظَانُّهَا فِي غَدٍ جَدَث (10)، تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا وَتَغِيبُ أَخْبَارُهَا، وَحُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 272. وقد وهم صاحب المعجم المفهرس فجعل لفظة (الطبقة) واردة (4) مرات. وهي في الأصل (3) مرات.

2) نهج البلاغة : ك / 53 : 551.

3) نفسه.

4) ينظر : العين (مدر) : 38/8، ولسان العرب (مدر) : 162/5.

5) ينظر : لسان العرب (مدر) : 162/5.

6) ينظر : تهذيب اللغة (مدر) : 86/14.

7) نفسه.

8) نفسه.

9) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 419.

10) الجدث القبر. ينظر : لسان العرب (جدث) : 2/ 128.

فِي فُسَحَتِهَا وَأَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا ؛ لَأَصْغَطَهَا الْحَجَرُ وَالْمَدَرُ...)) (1). يشير (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى نهاية النفس البشرية وإن مكانها في الآخر الى جَدَتْ مظلم لو زيد في حَفْره ووُسِّع في مساحته، لضغطت الحجارة اليابسة الجسد، وفي ذلك إلماح الى ضغطة القبر وما يحدث فيه من أهوال. فاستعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظتا (الحجر، والمَدَر)، للدلالة على وسيلة الضغط إشارة الى ضيق مُتَّسع القبر وفرجته. وقد وردت لفظة (مَدَر) دالة على الحجارة من الطين في (خ / 192، ولفظة (مَدَرَة) في ك / 45).

ثانياً : الدلالة على القرى المبنية من الطين

وجاءت هذه الدلالة في سياق كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ظلم بني أمية ودولتهم : ((... فَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ، وَلَا وَبَرٍ إِلَّا وَأَدْخَلَهُ الظُّلَمَةُ تَرْحَةَ (2)، وَأَوْلَجُوا فِيهِ نِقْمَةً...)) (3). يُوميء (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا الكلام إلى دولة بني أمية وظلمهم، وكيف يعمُّ هذا الظلم كل الناس من حَضَر وبَدو، موظفا لفظة (مَدَر) إلى القرى أو البيوت المصنوعة من الطِّين. في إشارة إلى ما سيقع على أهلها من ظلم وعُسف، معبراً بالمفردة المتقدمة عن لحاق هذا الأذى الحواضر والمدن ومن استوطنها، في حين أنّه عبّر عن أهل البوادي بذكر مفردة (وَبَر) التي تشير الى أولئك الذين يسكنون الصحارى من البداة.

نظیر

إشارة:

النَّظِيْرُ المِثْلُ في كُلِّ شيءٍ، وفلان نظيرك أي مِثْلُكَ ؛ لأنّه إذا نظر اليهما الناظِرُ رآهما سواء (4)وقيل : هي الشَّبه في الأشكال والأخلاق والأفعال والأقوال (5). وتجمع هذه اللفظة عند اللغويين على (فَعَائِل) فيقولون في جمعها (نظائر) (6)وقد استعمل أمير المؤمنين لفظتا (نظير)، و (نظائر) مرتين لكل منهما في نهج البلاغة (7)، للدلالة على مايأتي:

الأولى : الدلالة على الشبيه أو المثيل في الخَلْق

وقد وظف الإمام لهذا الدلالة عبارة (نَظِير لَكَ فِي الخَلْقِ)، وذلك في سياق تصنيف الإمام الناس على صنفين : ((وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَالنُّطْفَ بِهِمْ، وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً صَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ ؛ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ، إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الخَلْقِ...)) (8). و(النظير) هو المثيل أو الشبيه في الخَلقِ من حيث تشابه أجزاء الجسم وكمال الصنعة الإلهية. وقد أومأ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا التعبير الى


1) نهج البلاغة : ك / 45 : 531.

2) الترحة نقيض الفرح، وترحه أحزنه، ينظر : لسان العرب (ترح) : 2/ 417.

3) نهج البلاغة : خ / 108 : 278، وثمة موضع آخر شبيه بهذا النص ورد في (خ / 98).

4) ينظر : لسان العرب (نظر) : 5 / 219.

5) نفسه.

6) نفسه.

7) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 446.

8) نهج البلاغة : ك / 545:53.

أن الصِّنْفَ الثاني من الناس هم الذين لا تربطهم مع المخاطب علاقة الأخوّة في الدِّين، وإنما الرابط بينهما هو المشابهة في الخلق والاشتراك في كون الخالق والرب لهما معاً هو اللّه جل جلاله الذي أنشأ الخلق إنشاء. ويُلمح في مفردة (نَظِير) - هنا - معنى الشبه في التصرفات والأفعال والأقوال (1). وهي علامات على ما يصدر يصدر من الأنسان من حركات بجوارحه ومواقف وكلامه.

ثانياً : الدلالة على نَفْي الشبيه والنظير

وهذه الدلالة مخصوصة باللّه تبارك وتعالى الذي لا نظير له. يقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق توحيد اللّه تعالى، وهيمنته على كلِّ شيء : ((خَضَعَتِ الْأَشْيَاءُ لَهُ، وَذَلَّتْ مُسْتَكِينَةً لِعَظَمَتِهِ، لَا تَسْتَطِيعُ الْهَرَبَ مِنْ سُلْطَانِهِ إِلَى غَيْرِهِ فَتَمْتَنِعَ مِنْ نَفْعِهِ وَضَرْهِ، وَلَا كُفْءَ لَهُ فَيُكَافِنَهُ وَلَا نَظِيرَ لَهُ فَيُسَاوِيَهُ...)) (2). ولما كان. السياق سياق توحيد وتنزيه اللّه تعالى وخضوع الأشياء له، لهذا استعمل الإمام (لا) النافية للجنس لنفي جِنّسِ النظير للخالق سبحانه، ويلحظ في مفردة (نظير) - هنا - دلالتها على (المُسَاوي). وهي دلالة تفهم من مجاورة لفظ (نظير) لمفردة (يُسَاوِيه). وهما في سياق النفي معاً.

أقول : إن هذا النص جزء من خُطبة تامّة في (التوحيد) وتنزيه اللّه سبحانه عمّا لا يليق به. ولهذا صرح الإمام غير مرّة بأن اللّه تبارك وتعالى : ((بِمُضادَّتِهِ بَيْنَ الْأُمُورِ عُرِفَ أَنْ لَا ضِدَّ لَهُ، وَبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لَا قَرِينَ لَهُ...)) (3). ونَفْي الضد والقرين دليل على عدم وجود النَّظير له سبحانه، فكل هذه الألفاظ تقع في دائرة صفات السلب وهي الصفات التي تلب عن الحق تبارك وتعالى ما لايليق به من أوصاف، وتثبت له نقائضها. ومثل هذه الدلالة لمفردة (نظير (المنفية ما جاء في (خ / 1).

ثالثاً : الدلالة على سُوء النَّظِيرِ وقِلَّة شَأْنه

وفي هذه الدلالة تتحول لفظة (النظائر) المفردة مُنحَطَّة الدلالة، بسبب من استعمالها في سياق الموازنة بين الإمام وغيره من النماذج التي يسبقها الإمام في الإسلام والشرف ورفعة المنزلة والقرابة القريبة من النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله)، فضلا عما ورد فيه من نصوص في كونه وصي النبي ووارثه في الإمامة والخلافة، وهذه هي العلة في تعبّبه في أن يُقرن الى هذه النظائر من الناس الذين لم يسمهم، وإنما اكتفى بالإشارة اليهم بمفردة (النّظائر) التي استعملها في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ المُدَّةِ، وَشِدَّةِ المِحْنَة، حَتَّى إِذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ، فَيَا لَلَّهِ وَلِلشُّورَى ؟ مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذهِ النَّظَائِرِ.))(4). وقوله : ((مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ)) استفهام غرضه التَّعجب والإنكار لما وقع عليه من ظلم وعسف وغصب لحقه بعد وفاة النبي. ولهذا استغرب لما صار اليه من مقارنة مع هذه النظائر من (لجنة الشورى) الذين شكلوا بأمر من الخليفة (أبي بكر) ؛ ليكون الإمام واحداً منهم بشروط شَرَطُوها عليه. ويبدو لي أن مفردة (النّظائر) في هذا السياق لا تدل على (المثيل أو


1) ينظر : لسان العرب (نظر) : 219/5.

2) نهج البلاغة : خ / 186 : 346 .

3) نفسه : خ / 186: 343.

4) نفسه : خ / 3 : 30.

الشَّبِيْه) بمعنى المشابهة التامة في الأفعال والأخلاق والتصرفات، فضلاً عن الأشكال. كما يذكر اللغويون في دلالتها المعجمية (1)، لأن أفعال الإمام وأخلاقه وتصرفاته تختلف عن أفعال أولئك القوم وأخلاقهم وتصرفاتهم من وجهة نظره (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولهذا استعمل هذه المفردة من باب التّهَكُّمِ والتَّعجب، كأنه يقصد من ذلك : أهذه هي نظائري وأمثلتي التي أُقرن اليها، فليس ثمة شبه بيني وبينهم أقول : إن مقارنتهم الإمام مع هذه النظائر يمثل قياساً مع الفارق. ويبين هذا الفارق من خلال الاطلاع على خصال الإمام وأفعاله ومواقفه منذ بدء الرسالة الإسلامية الى يوم استشهاده مرورا بحادثة (السقيفة) و(الشُورَى) التي رفضها الإمام وأنكرها، لما صدر من النبي أنّ الوَصِيَّ من بعده هو الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2). ولكنه حين قُرن الى هذه الامثلة لم يعترض رعاية للإسلام والمسلمين، حَتَّى سلّطت هذه الجماعة آراءها وصرفوا الخلافة عن الإمام وآثروا بها غيره (3).

البدو

البَدْوِ خِلَافَ الحَضَر (4)؛ لأنهم في براز من الأرض، وليسوا في قُرى تسترهم أبنيتها (5). والبادية اسم للأرض التي لا حضر فيها، أي لا محلّة دائمة فيها، فإذا خرج الناس من الحضر الى المراعي والصحاري قيل بدو (6).

وقد وردت لفظتا (بَادِيها) و (البَدْو) في نهج البلاغة ؛ إذ استعملت اللفظة الأولى مرتين، في حين جاءت المفردة الثانية مرة واحدة (7)، للدلالة على البوادي من الأرض التي لا حضر فيها التي يسكنها البدو. ومن ذلك ما ورد في عهد كتبه بين أهل اليمن وربيعة يقول فيه : ((هَذَا مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْيَمَنِ حَاضِرُهَا وَبَادِيهَا، وَرَبيعَةُ حَاضِرُهَا وَبَادِيهَا، أَنَّهُمْ عَلَى كِتَابِ اللّه يَدْعُونَ إِلَيْهِ..)) (8). ومفردة (بَادِيها) - هنا تدل على من اتخذ البادية سكنا له (9)، وهي الأماكن البارزة من الأرض. والدلالة نفسها وردت في (خ / 151).

رَعَاع

الرعاع الأحداث (10). ورعاع الناس سِقَاطهم وسَفَلَتُهُم (11)وهم الضعفاء الذين إذا فَزعوا طاروا (12)والرَّعرعة. اضطراب الماء الصافي الرقيق على وَجْهِ الأَرضِ (13). ومنه قيل : غلام رَعْرع أو تَرَعْرع على التشبيه. بالماء ؛ لأنه يترعرع ويكبركما يترعرع الموج ويمتد (14).


1) ينظر : لسان العرب (نظر) : 219/5.

2) ومن ذلك قوله (صلى اللّه عليه وآله) : ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى)). ينظر : صحيح البخاري : 3/ 1359، والسنن الكبرى، للنسائي: /445، والمعجم الكبير، للطبراني : 19 / 291، وفضائل الصحابة، لأحمد بن حنبل : 2/ 633، ومسند أحمد بن حنبل : 1/ 174. ووسائل الشيعة : 26/11، 46.وغير ذلك من النصوص الخاصة بمنزلة الإمام بوصفه الخليفة بعد النبي.

3) ينظر : الديباج الوضي : 1/ 216.

4) ينظر : مقاييس اللغة (بدو) : 1/ 212، والمحكم (بدو) : 9 / 442.

5) أنفسهما.

6) ينظر : العين (بدو) : 83/8.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 49.

8) نهج البلاغة : ك / 73 : 593.

9) ينظر : الديباج الوضي : 5 / 2707.

10) ينظر : لسان العرب (رعع) : 128/8.

11) نفسه.

12) نفسه.

13) ينظر : لسان العرب (رعع) : 128/8.

14) نفسه.

وقد وردت لفظة (رَعَاع) في نهج البلاغة مرة واحدة (1)، دالة على السّفلة من الناس والسقطة المضطربون. وذلك في قول أمير المؤمنين الذي يُصَنّف فيه الناس ثلاثة أصناف : ((النَّاسُ ثَلَاثَةُ : فَعَالِمٌ رَبَّانِيُّ، وَمُتَعَلِّمْ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ، أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ...)) (2). والرِّعَاع هم سَفلَة الناس وطغاهم وسَقَطتهم (3). وقيل : بل هم صغار الناس وأحداثهم، وإنما استعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه المفردة كناية عن أنّ هذا الضَّرب من صغار السِّن هم مظَنّة الجَهل (4).

همج

الهَمْج كلّ دود ينفقىء عن ذباب أو بَعُوض (5). والهمج ذُباب صغير كالبعوض يسقط على وجوه الغنم والحمير وأعينها (6). وهو أيضاً صغار الدواب (7). وأصل الهمج في كلام العرب البعوض، واحدته هَمْجَة(8).

وقد وردت لفظة (هَمج) في نهج البلاغة مرة واحدة (9). دالة على رذائل الناس ورعاعهم. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق تصنيف الناس وبيان أنواعهم : ((النَّاسُ ثَلَاثَةٌ : فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلَّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ، أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقِ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ...)) (10). والناس عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثلاثة أصناف ثالثها الهَمَج، وهم أشباه الناس الذين لا عقول لهم ولا مروءة.فكأنهم البعوض الذي اذا جاع هَمَج وجه الغَنَمِ والحمير لجوعه، ولسوء مُتَّبعه. وذكر شُرَّاح نهج البلاغة أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنما عبّر عن هذهِ الفئة من الناس بـ (الهمج) باعتبار حقارتهم ودناءة موضعهم، فاستعار لهم هذه المفردة لإظهار هذا المعنى (11).

ومما يعزز هذا المعنى وصفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهم (بالرَّعاع) و (اتباع كل ناعقِ) لأنهم جهال ؛ ملاحظة لشبههم بالغنم والدواب في الغَفْلَةِ والغباوة (12).

النمط الأوسط


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 190.

2) نهج البلاغة : قصا / 147 : 628.

3) ينظر : لسان العرب (رعع) : 8/ 128 والديباج الوضي : 839/6.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 3/ 438 والديباج الوضي : 839/6.

5) ينظر : العين (همج) : 396/3.

6) ينظر : لسان العرب (همج) : 2/ 392.

7) نفسه.

8) نفسه.

9) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 470.

10) نهج البلاغة : قصا / 147. وقد نقل ابن الاثير قولة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) برواية اخرى هي : ((وَسَائِرِ النَّاسِ هَمج رعاع)). ينظر : النهاية في غريب الحديث والأثر : 5 / 272.

11) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 438/6.

12) نفسه.

النَّمَط الجماعة من الناس الذين أمرهم واحد (1)وأصل (النمط) في اللغة الطريقة، أو الضرب والنوع والمذهب (2). وذكر اللغويون أن (النّمط) عند العرب هو الزوج من ضروب الثياب المُصبغة، فإنهم لا يكادون يقولون (نَمَط) إلا لما كان ذا لون من حمرة أو خضرة أو صفرة، فأما البياض فلا يقال له نَمَط (3). ووَسَط الشيء ما بين طَرَفِيه، وأوسط الشيء أفضله (4).

وقد استعمل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تعبير (النَّمَط الأَوْسَط) في نهج البلاغة مرة واحدة (5).دالاً به على نوع من الناس والجماعة الذين لم يُفرِّطوا في حبّ الإمام، فيكونوا مغالين فيه، ولم يكونوا مُفَرِّطين في عدائه وبُغضه، فَيُغَالُوا في ذلك الى غير الحق. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((وَسَيَهْلِكُ فِيَّ صِنْفَانِ : مُحِبٌ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْحُبُّ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ، وَمُبْغِضٌ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ البُغْضُ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ، وَخَيْرُ النَّاسِ فِي حَالًا النَّمَطُ الأَوْسَطُ فَالْزَمُوهُ...)) (6). (والنَّمَط الأَوْسَط) هم النُّخبة الذين يمدحهم الإمام في النص، وهم الجمهور غير المُفرّط ولهذا وصفهم بـ (خَيْر النَّاسِ). وإنما دلت لفظة (النَّمَط) - هنا - على النوع، وهي خبر لكلمة (خَيْر) ووصفها الإمام بـ (الأَوْسَط) أي الذي يقع في مركز النقيضين (الإفراط في الحب، والإفراط في البغض). وقد ذكر السُّرَّاح أن قول الإمام النَّمَطُ الأَوْسَط يُراد به الجماعة الذين أمرهم واحد (7). وقيل بل هم الطريقة من من الطرائق (8). ويفهم من ذلك أن هؤلاء هم أصحاب الإمام الذين اجتمعوا على حبه وائتلفت قلوبهم عليه، فهم في ذلك على طريقة ومذهب واحد.

سُوقاً

السُّوَقَةُ أَوساط النّاسِ كما يقول الخليل (9). وَهُم خلاف المَلِك، وهم الرَّعِيّة التي تَسُوسها المُلوك (10)، ويذكر الأزهري عِلَّة تَسمِيتَهم بـ (السُّوقَة) قائلا: ((لأنَّ المُلُوكَ يَسُوسُونهم ؛ فينساقُون لهم))(11). ويبدو أنّ


1) ينظر : لسان العرب (نمط) : 417/7.

2) نفسه.

3) ينظر : لسان العرب (نمط) : 417/7.

4) نفسه.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 190/

6) نهج البلاغة : خ / 127 : 232، 233. وقد روى ابن الأثير وابن منظور كلام الإمام هذا مع تغيير في بعض الفاظه. يقول ابن منظور : ((وروي عن عليّ كرَّم اللّه وجهه : أنه قال : ((خير هذه الأمة النَّمَطُ الأوسطُ يَلْحَقُ بهم التالي ويرجع إليهم الغالي)). ينظر : النهاية في غريب الحديث والأثر : 5 / 118، و لسان العرب (نمط) : 417/7.

7) ينظر : الديباج الوضي : 1043/3.

8) ينظر : النهاية في غريب الحديث والاثر : 5 / 118.

9) ينظر : العين (سوق) : 191/5.

10) ينظر : تهذيب اللغة (سوق) : 184/9.

11) نفسه.

المعنى مأخوذ من قولهم (تَسَاوَقَت الإبل تَسَاوقاً) إذا تتابعت، فهي متقاودة متساوقة (1). ونجد ابن فارس يذكر في معجمه أن (السين والواو القاف) أصل يدل على حدو الشيء وسوقه (2).

وقد ردت لفظة (سَوْقاً) مرة واحدة في نهج البلاغة (3)للدلالة على (السُّوق) وهم ذوو المراتب المتواضعة المتواضعة من الناس كالعبيد والموالي وغيرهم. وقد استعمل الإمام اللفظة المتقدمة في حديثه عن الموت الذي يَأْخُذ كل الناس قائلا : ((... الَّذِينَ كَانَتْ لَهُمْ مَقَاوِمُ (4)الْعِزَّ، وَحَلَبَاتُ (5)الْفَخْرِ، مُلُوكاً وَسُوَقاً، سَلَكُوا سَلَكُوا فِي بُطُونِ الْبَرْزَحْ (6)سَبِيلًا سُلْطَتِ الْأَرْضُ عَلَيْهِمْ فِيهِ، فَأَكَلَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ..)) (7). والسياق - هنا - بيان لأخذ الموت كل أنسان مهما كانت منزلته ومكانته، وانْسِجَاماً مع هذا المعنى أورد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردتي (مُلُوكاً، وَسوَقاً)، وهما لفظتان من الأضداد التي تتقابل فيها المعاني، فكلاً منهما يدل على معنى. فالملوك هم أصحاب العز وحلبات الفخر كما يعبّر عنهم الإمام. في حين أن (السُّوقة) هم عامة الناس وأوساطهم وهم الرَّعِيّة الذين يعيشون في المجتمع (8).

أقول : وقد أضاف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) دلالة جديدة لهذه المفردة في النص المتقدم، فجعلها تدل على كل شخص لا يملك مرتبة (الملوك) فضلاً عن عدم دلالتها على الأئمة المعصومين أو غيرهم من (العلماء) مثلاً ؛ لأنهم ليسوا من طبقة (السوقة) التي تدل عند إطلاقها على من تسوقه الملوك لتحقيق غايتها، فينساقون حيثما يَسوقهم هؤلاء (9). وهذا المعنى لا ينطبق على الأنبياء، والأئمة المعصومين، ومن هم بمنزلتهم. لأنهم يعيشون يعيشون بين الناس دون الخضوع (للملوك) وما يصدرونه من أوامر وغيرها.


1) ينظر : لسان العرب (سوق) : 166/10.

2) ينظر : مقاييس اللغة (سوق) :117/3.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 230.

4) المقام موضع القدمين، والمقام والمُقَامَةُ الموضع الذي يُقام فيه. ينظر : لسان العرب (قوم) :498/12.

5) الحَلَبَةُ هي الدَّفْعَةُ من الخَيْلِ في الرّهان خاصة. مُفْرَدها (حَلْبَة) بالتسكين وهي تجمع للسياق من كل أؤب، وتجمع على (حلائب). ينظر : لسان العرب (خبط) :332/1.

6) أصل البَرْزَخ الحاجز بين الشيئين. والبرزخ في المعنى الديني مابين الدنيا والآخرة قبل الحشر من وقت الموت الى البعث، فمن مات دخل في البرزخ ينظر : لسان العرب العرب (برزخ) : 8/3.

7) نهج البلاغة : خ / 221 : 426.

8) ينظر : العين (سوق) : 191/5، و تهذيب اللغة (سوق) : 184/9.

9) ينظر : تهذيب اللغة (سوق) : 184/9.

المبحث الخامس: ألفاظ الجند والشرطة

جنود

إشارة:

الجند معروف، وهو كل صنف من الخَلْقِ (1). وقد غلب هذا اللفظ - كما يبدو - على العسكر والجيش ؛ إذ يقال لهم جُنْد كما يفهم من أقوال اللغويين (2). والجُندُ في الأصل هم الأعوان والأنصار، وما تجمّع منهم (3).

وقد استعمل الإمام الجذر اللغوي (جَنَدَ) باشتقاقات متعددة، إذ استعمل لفظة (جُنُود) بصيغة الجمع على (فُعُول) أربع عشرة مرة، ثلاث منها مضافة إلى ضمير الغائب (جُنُوده)، وثلاث أُخر منصوبة (جُنُوداً)، وثنتان مضافة إلى كان الخطاب (جُنُودك)، واستعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (جُنْد) بصيغة الجمع على (فعل) أيضاً إحدى عشرة مرة، ثلاث منها محلاة بـ (أل)، وثنتان مجردة منها، وثلاث أضيفت فيها اللفظة إلى ضمير الغائب (جُنْدُه) واثنتان مضافة إلى ضمير الخطاب (جُنْدُك)، في حين جاءت اللفظة منصوبة في موضع واحد فحسب واستعمل الإمام لفظتي (أجْنَادِي) جمعاً على وزن (أفْعَال) مضافة إلى (ياء المتكلم)، ولفظة (جُنَيْد) بوزن التصغير (فُعَيْل) مرة واحدة فحسب (4). وقد وردت هذه المفردات في نهج البلاغة، للدلالة على ما يأتي :

أوّلاً : الدلالة على الجيش والعسكر

وقد جعل (عَلَيهِ السَّلَامُ) (الجُنْد) في الطبقة الأولى من طبقات المجتمع الذي قسّمه في عهده (المالك الأشتر) على طبقات، قائلاً : ((وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لاَ يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْض وَلَا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ: فَمِنْهَا جُنُودُ اللّه، مِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ ...)) (5). وإنّما أضاف (الجنود) إلى لفظ الجلالة (اللّه) في هذا السياق، تشريفاً لهم ورفعاً لمنزلتهم، فهم عساكر الإسلام الذين يحققون له العِزّة والمَنَعَة من الاعداء، وهم الذين يوقعون في نفوس الأعداء الخيفة والمهابة من دولة الإسلام (6). ويبدو أنّ هذه الأسباب هي التي جعلت الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقدّم هذه الفئة من المجتمع على سائر طبقاته الأخرى. وقد بيّن الإمام وظيفة (الجنود) وأهميتهم في الدولة الإسلامية بأربعة أمور، منها أنّهم حُصُون الرّعيّة). و(الحُصُون) - في اللغة جمع - (حِصن) وهو كل موضع حَصِين لا يوصل إلى ما فيه (7)، كأنّ هؤلاء الجنود بمنزلة الحصن الذي تحتمي به الرعيّة، فلا يصل إليها الأذى ؛ لأنّها تكون محفوظة بفضل هؤلاء الجند. وقد ذكر الشارح البحراني أنّ لفظ (حُصُون) في النص مستعار لهؤلاء الجنود، لإضفاء الدلالة على الحفظ والحماية التي يقدّمها هؤلاء للرعية، كأنّهم الحصن الذي يحيط بالناس (8). وأمّا الوصف الثاني فهو (زَيْنُ الولاة). والزَّين خلاف الشَّيْن (9)، وهو – في هذا المقام - يدل –


1) ينظر : العين (جند) : 86/6، وتهذيب اللغة (جند) : 348/10.

2) ينظر : العين (جند) : 86/6، والمحكم (جند) : 333/7، وتاج العروس (جند) : 524/7.

3) ينظر : مقاييس اللغة (جند) : 485/1، ولسان العرب (جند) : 132/3.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 91.

5) نهج البلاغة : ك / 53 : 550.

6) ينظر : الديباج الوضي : 2526/5.

7) ينظر : العين (حصن) : 118/3.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 344/5.

9) ينظر : لسان العرب (زین) : 201/13.

على حسن هؤلاء الجنود في أداء واجباتهم الموكلة إليهم في حفظ الدولة، وأمنها، فضلاً عن كونهم أحد الأسس المهمة التي يستند إليها الولاة في تنفيذ الأوامر ؛ فإنّ الوالي بلا جند يكون كواحد من الرّعيّة لا يُبَالى به، ولا يُطاع له أمر. بشرط أن يكون الوالي من ولاة العدل، وليس من الظالمين. وأمّا وصفهم بـ (عِزّ الدِّين) فذلك لأنّهم المَنَعَة التي يَعُزّ بها الإسلام، وتقام أحكامه شرائعه، وبهذا يتحقق الأمن في البلد ؛ فهم الذين يُهَيِّئون الأسباب لاستقرار الدولة وإرساء الأمان في طرائقها وأمصارها. وختم الإمامهذه الأوصاف، بذكر أنّ الرّعيّة لا تقوم إلا بهذه الطبقة التي تلزم الحاجة إليها في إقامة شؤونهم وتحقيق حاجتهم. وصفوة الأمر أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنّما وصف هذه الطبقة بتلك الأوصاف ليؤكد المراد بهم (جنود الحق) وليس مطلق الجنود الذين يعملون في خدمة أمراء الجور والتسلط وهذا الأمر يمكن أن يفسر لنا تعبير. الإمام بـ (جنود اللّه)؛ إذ يلمس في هذه الإضافة ضرب من طاعة هؤلاء الجنود اللّه تبارك وتعالى فى أوامره ونواهيه، فضلاً عما قدّمت سابقاً من دلالة التشريف الحاصلة من إضافة مفردة (جنود) إلى لفظ الجلالة. أقول : وقد وردت الدلالة المتقدمة في مواضيع أخر من النهج هي (خ / 13، 119، ك / 51، 53).

الفارق بين لفظتي (جند)، و (جُنُود) في نهج البلاغة :

من خلال متابعة هاتين اللفظتين في كلام الإمام في نهج البلاغة، أظهر الاستقراء كثرة استعمالهما معاً ؛ وقد أردت بيان الفارق الدلالي بين تينك اللفظتين في أقوال الإمام ؛ لإظهار مزيّة كل واحدة منهما في التعبير العلوي، فاللغويون يرون أنّ لفظة (جند) تدل على كُلِّ صنف من الخلق (1)وهي لفظ مفرد وجمعها (جُنُود)(2). و (جُنْد) لفظ على (فعل)، وهو معدود من أبنية المفرد عند النحويين، يجمع على (فُعُول)، فيقال : جُنْد وجُنُود (3). وذكر سيبويه أنّ الجمع فيه يكون على بناء أدنى العدد على (أَفْعَال)، فيقال : جُنْد أَجْنَاد (4).وأردف بأنّهم رُبّما تجاوزوا هذا الوجه، فجمعوه على (فُعُول) لإرادة الكثرة، فقالوا : جُنْد جُنُود (5). كأنّه يشير إلى جواز جمع (جُنْد) على (أَفْعَال) و(فُعُول). ويبدو أنّ اللفظ المتقدم هو من الألفاظ التي تُسمى (اسم الجمع)(6)، وهو مفرد في لفظه جمع في معناه (7). وقد لاحظت أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يستعمل لفظ (جُنْد) متى ما أراد التعبير عن معنيين لا ثالث لهما :

أولهما : الدلالة على التفرّد : وأعني به أن يكون لفظ (جُنْد) مُشعراً بالقلة والانفراد الذي يحتاج معه إلى تحقق الإعانة والمساعدة، ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) مخاطباً الخليفة عمر بن الخطاب، وقد استشاره في الشخوص لقتال الفرس بنفسه : (إِنَّ هَذَا الأَمْرَ لَمْ يَكُنْ نَصْرُهُ وَلَا خِذْلَانُهُ بِكَثْرَة وَلَا بِقِلَّة وَهُوَ دِينُ اللّه الَّذِي أَظْهَرَهُ، وَجُنْدُهُ الَّذِي أَعَدَّهُ وَأَمَدَّهُ، حَتَّى بَلَغَ مَا بَلَغَ وَطَلَعَ حَيْثُ طَلَعَ، وَنَحْنُ عَلَى مَوْعُود مِنَ اللّه، وَاللّه مُنْجِزٌ وَعْدَهُ، وَنَاصِرٌ جُنْدَهُ


1) ينظر : العين (جند) : 86/6، وتهذيب اللغة (جند) : 479/3، وشرح ابن عقيل : 2 / 466.

2) نفسهما.

3) ينظر : شرح ابن عقيل : 466/2.

4) ينظر : كتاب سيبويه : 576/3.

5) ينظر : كتاب سيبويه : 576/3.

6) وهو الاسم الواقع على الجمع، الدال عليه دون أن يكون له واحد يكسر عليه، نحو : سَفَر، وخَدَم، ورَكْب، ينظر : المفصل في صنعة الإعراب ؛ للزمخشري :244/1.

7) ينظر : مع نهج البلاغة : 114.

...)) (1)، فاستعمل ((لفظة (جُنْده) مرتين، دّلّ بالأولى على الإسلام الذي جعله بمنزلة (الجُنْد) الذي يُعَدّ للقتال والتهيئة لأمر ما، ولهذا أخبر عنه بلفظتي (بالإعداد، والإمداد). يعني أعد له الوقت الملائم لإظهاره وانطلاقه إلى مجتمع الجهل والظلام، وأمدّه بالأسباب التي هيأت له دخول الناس فيه ليصل إلى ما وصل إليه . وأمّا مفردة (جُنْده) الثانية، فقد جاءت بمعنى الجيش والأعوان الذين دخلوا في الإسلام وصاروا جنداً له وإنّما لم يستعمل الإمام لفظة (جُنُود) بدلاً من المفردة المتقدمة ؛ لأنّ المقام الذي يتحدث فيه الإمام مقام إعزاز ورفع همم المسلمين في مواجهة العدو، فناسب ذلك إيراد تلك المفردة التي توحي بالقلة والحاجة إلى المعونة الإلهية للوقوف بوجه الأعداء، ولهذا ذكر الإمام تعبير ((وَاللّه... نَاصِرٌ جُنْدَهُ))، فلولا الحاجة إلى هذا الضرب من المَدَد في نفوس (الجُنْد) لما عَبَّر بهذا التعبير وقد ورد مثل هذا المعنى في (نهج البلاغة مواضع عِدّة باستعمال مفردة (جُنْد)، هي (خ / 119، 190، 191، ك / 51، 53، 61).

ثانيهما : الدلالة على الذَّم والتَّحقير : ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق ذمّ أهل البصرة : ((كُنْتُمْ جُنْدَ الْمَرْأَةِ، وَأَتْبَاعَ البَهِيمَةِ...)) (2)فجعلهم (جُنْداً) للمرأة. والمراد بها السيّدة (عائشة) أم المؤمنين، وذم هؤلاء ؛ بسبب من إتباعهم لها في (وقعة الجَمَل). وتبين دلالة الذم في لفظة (جُنْد) من إضافتها إلى مفردة (المرأة) فقد

أضفت عليها معنى الوهن والضعف وعدم استبانة الحقِّ ؛ كأنّ هؤلاء (الجُنْد) - بسبب من ضعفهم - استعانوا بمن هو أضعف منهم قوّة ومنعة من النساء لقتال الإمام. والمراد - ههنا - الضعف البدني الجسدي، فضلاً عن ضعف العقول وعدم إدراكها. ولهذا وصفهم بأنهم (أتباع البهيمة) تحقيراً لهم وتهكماً بهم.

وثمة استعمال آخر وظف فيه الإمام مفردة (جُنَيْد) بصيغة التصغير ؛ للدلالة على المعنى المتقدّم، وذلك في سياق ذم أصحابه وتثاقلهم عن الوقوف بوجه معاوية وأصحابه، إذ يقول : ((مُنِيتُ (3)بِمَنْ لَا يُطِيعُ إِذَا أَمَرْتُ وَلَا يُجِيبُ إِذَا دَعَوْتُ،... أَقُومُ فِيكُمْ مُسْتَصْرِخا (4)، وَأَنادِيكُمْ مُتَغَوثاً (5)، فَلَا تَسْمَعُونَ لِي قَوْلاً... فَمَا يُدْرَكُ بِكُمْ ثَارٌ، وَلَا يُبْلَغُ بِكُمْ مَرَامٌ... ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ مِنْكُمْ جُنَيْدٌ مُتَذَائِبٌ ضَعِيفٌ... (6))) (7). أراد أن استجابة هؤلاء له لقتال الأعداء الأمويين لم يكن بالمستوى المطلوب، من حيث العدد والسُّرعة في الإجابة، ولهذا أشار الى من خرج إليه من أصحابه مجيباً، ووصفه بـ (الجُنَيْد) تصغير (جُنْدِي) ؛ للدلالة على ضآلة من خرج لنصرته، وقلّة شأنه من حيث القوة والقدرة على ردّ العدو. ثمّ عَزّز الإمام هذا المعنى بذكر صفة (مُتَذَائِب) التي بَيِّن السيد الشريف الرضي دلالتها بقوله : ((قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (مُتَذَائِب)


1) نهج البلاغة: خ / 146 : 255.

2) نفسه : خ / 41:13.

3) منيتُ بكذا إذا ابتليت به، ينظر : لسان العرب (مني) : 294/15.

4) المستصرخ المستغيث، ينظر : لسان العرب (صرخ) : 33/3.

5) الغوث والاستغاثة طلب الفرج، ينظر : لسان العرب (غوث) : 174/2.

6) الأنفال / 6.

7) نهج البلاغة : خ / 49 : 81، 82، وقد أوردت المدونات اللغوية قول الإمام : ((ثم خرج إليّ منكم جنيد متذائب ضعيف))، ينظر : النهاية في غريب الحديث : 101/2، ولسان العرب (ذأب) : 378/1، وتاج العروس (ذأب) : 413/2.

، أي مضطرب، من قولهم تَذاءبت الرِّيح، أي : اضطرب هبوبها، ومنه سُمّي الذَّئب ذِئْباً ؛ لاضطراب مشيته)) (1). ولم يخرج اللغويون (2)، وشرّاح نهج البلاغة (3)عن هذه الدلالة التي ذكرها الشريف الرّضي. حتّى أنّ بعضهم أعادوا نصّ كلامه والظاهر أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يريد من استعمال لفظة (مُتَذَائِب) الدلالة على الخوف والفزع أيضاً، فضلاً عن الدلالة السابقة ؛ فقد ذكر اللغويون أنّ (المُتَذَائِب) هو الفَزِع الخائف من أي شيء،

وذلك من قولهم (ذَئِبَ الرَّجُل)، إذا فَزِعَ من الذَّئب (4). ولهذا ختم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كلامه بقوله تعالى: (يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ) (5)، وهذا تمام الآية التي اقتطع الإمام منها قوله تبارك وتعالى : (يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ) (6)، لبيان شِدّة فزع أصحابه ورُعبهم، وهم يُسار بهم إلى القتال

. مستشهداً بالآية الشريفة التي ناسبت الموقف الذي يتحدث فيه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فهي في ذمّ الذين جادلوا النبي (صلى اللّه عليه وآله) عندما دعاهم إلى قتال المشركين (ببدر)، بعد أن خرج كُفَّار قريش لنجدة قافلتهم التي يقودها (أبو سفيان وعمرو بن العاص) وهي قادمة من الشام. فلما دعا النبي الناس إلى النَّفِير على المشركين، اختاروا الخروج إلى تلقي (العِير) وما فيها من تجارة، طالبين الحصول على الغنائم ومعرضين عن لقاء المشركين. فغضب النبي (صلى اللّه عليه وآله) وتغيّر وجهه كما يذكر المفسرون (7). وأما جدالهم له، فهو قولهم للنبي الأكرم إنهم لم يكونوا مستعدين للقتال : غير متأهبين له (8)، وهو ما يشهد بكراهتهم لدعوة النبي لهم الى القتال. فجاء النص المبارك بذمهم، وتشبيه حالهم في فرط فزعهم ورعبهم، عندما يُسار بهم إلى الظفر والغنيمة، بحال من يساق صَاغِراً إلى الموت (9).

أقول : وهذا الموقف شبيه بموقف أصحاب الإمام لما دعاهم إلى الوقوف بوجه أعدائهم من الأمويين، فيجيبونه بالقعود والتَّصَجُر من دعوته، فضلاً عن إظهار الضعف والفزع من الأعداء. ويحتمل أن يكون وصف الإمام لمن خرج منهم بـ (الجنيد المُتَذئب) إشارة إلى قلة شأن من خرج مُلبياً نداءه إلى القتال على وجلٍ وتثاقل منه، فكأنّما استجاب له صَعاليك المجتمع فحسب، وهم الفئة المذمومة غير المحمودة فيه. وهذه الدلالة مستوحاة - عندي – من مفردة (ذُؤبان) عندي – من مفردة (ذُؤبان)، إحدى اشتقاقات لفظة (ذئب). و(النُؤْبَان) في اللغة هم لصوص العرب وصعاليكهم (10). كأنّ هؤلاء أشبه بالصعاليك المضطربون الذين يمثلون الضآلة والحقارة وقلة الشأن. وربما تضمنت مفردة (متذائب) الدلالة على الخُبث والدَّهاء، كأنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أراد تشبيههم (بالذِّئب) من هذه


1) نهج البلاغة: خ / 39 : 82.

2) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 101/22، ولسان العرب (ذأب): 378/1، وتاج العروس (ذأب) : 413/2، ومجمع البحرين : 81/2.

3) ينظر : معارج نهج البلاغة : 321/1، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 236/2 و وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 292/2 و والديباج الوضي : 424/1، ومع نهج البلاغة : 114.

4) ينظر : المحكم (ذأب) : 101/10، ولسان العرب (ذأب) : 378/1.

5) الانفال /6.

6) الانفال /6.

7) ينظر : الكشاف : 187/2، والمحرر الوجيز : 502/2، والتفسير الكبير : 101/15.

8) نفسها.

9) ينظر : الكشاف : 189/2، والمحرر الوجيز : 502/2.

10) ينظر : المحكم (ذأب) : 100/10، ولسان العرب (ذأب) :

الجهة. ولأنهم فضلاً عن ضعفهم وخوفهم المصحوب باضطرابهم - يساعدون بموقفهم هذا في انتصار الأمويين من أتباع معاوية على دولة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ، وإلا كيف يمكن تفسير إيثارهم الدعة والميل إلى القعود عن المواجهة، بغير المكر والخديعة أيضاً، ولولا هذه الدلالات التي تتسع لهم المفردة السالفة الذكر، لما آثر الإمام استعمالها على بقية الألفاظ فيما أحسب.

ونظير هذه الدلالة ما تحدث به الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من استعانة (إبليس) (بالأدعياء)، وانضوائهم تحت لوائه ؛ ليصول بهم على النّاس و فضلاً عن حديثه عن (الغضب) وعده جُنْداً من جنود إبليس، وذلك في (خ / 192، ك / 69).

إنّ الاستعمالات الدلالية السابقة تقترب في مضمونها من التوظيف القرآني للفظة (جُنْد) التي وردت في الذكر المبارك غير مرة، فقد استعمل القرآن الكريم هذه المفردة في مقام الأم والاستهزاء ؛ للدلالة على الضعف والانكسار، ومن ذلك قوله تعالى : (جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُوم) (1).وقد ذكر المفسرون، ومنهم الزمخشري أنّ المراد بـ (الجُند) هم الجيش من الكُفار المتحزّبين على رسول اللّه، واللّه وعد نبيه بأن هؤلاء سيهزمون عمّا قريب و فلا تبال بما يقولون، ولا تكترث لما يهزؤون به (2). والخطاب في الآية للنبي (صلى اللّه عليه وعلى آله) كما يبدو. ونظير ذلك أيضاً قوله تعالى شأنه : (يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ...) (3).

ثانياً : الدلالة على الأعوان والأنصار :

وتتضح هذه الدلالة من خلال إضافة لفظة (جُنُود) التي استعملها أمير المؤمنين لهذا المعنى إلى ما بعدها، وتغلب إضافة المفردة المتقدمة إلى كلمة (إبليس). ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق التحذير من الغَضَب : ((...وَاحْذَرِ الْغَضَبَ، فَإِنَّهُ جُنْدٌ عَظِيمٌ مِنْ جُنُودِ إِبْلِيسَ))(4). فقد جعل الإمام (الغَضَب) جُنْد من جنود إبليس، وذلك إشارة إلى ما تهيجه هذه الخصلة في النفوس من الاندفاع إلى القتل، وإيقاع الأذى بالآخرين بسبب من الغضب، مثلما يهيج الجُنْدي في المعركة على أقرانه. فالغضب أصل الظلم والإفساد في كل أمر صالح، وهو إحدى القوتين اللتين لم يُخلق أضر منهما على الإنسان، وهما الغَضَب والشهوة. وتعبير الإمام المتقدم كان بلحاظ هذه الأمور علاوة على أنّه استعمل مفردة (جند) للدلالة المفرد والمعنى أنّ (الغضب واحد من جُنُود متعددين لإبليس، فجاءت صيغة (فعل) متضمنة معنى كلمة (أحد) أو (واحد). وعزز الإمام ذلك باستعمال صيغة (فُعُول) في السياق نفسه ؛ للدلالة على تعدد جنود إبليس وكثرتهم، ولكنّه لمّا قصد الإبانة عن قُوّة صفة (الغَضَب)، وسطوة الإنسان حينما تتملكه هذه الخصلة، وصف مفردة (جُند) بـ (عظيم) مبالغة في شِدّة هذا الضرب من (الجُند) وهياجه، وجاءت لفظة (جنود) مضافة إلى ضمير الغائب على (إبليس) وذلك في (خ (192)، وثمّة مواضع آخر استعملت فيها لفظة (جنود) دالة على (الأعوان)، وذلك (خ / 11، 182، 191).


1) ص/ 11، وفي الآية المباركة نكتة بلاغية، فقد وحد القرآن الكريم النّعت، وهو لفظة (مَهْزُوم) اتساقاً مع لفظة (جُنْد) التي وردت في الآية بصيغة المفرد، وهذا ما يعزز من دلالته على الضعف والانكسار، ينظر : مشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب القيسي : 624/2 و ولسان العرب (جند) : 132/3.

2) ينظر : الكشاف : 77/4.

3) الملك / 20، وينظر : مريم / 75، ويس / 2، 75، والدخان / 24.

4) نهج البلاغة : ك / 69 : 589.

ثالثاً : الدلالة على مصر وبَلْدَتهم :

إذ وَصَفها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بـ (الأَجْنَاد)، وذلك في عهده إلى (محمد بن أبي بكر) (1)حين قلّده مصر ؛ إذ يقول : ((وَاعْلَمْ. يَا مُحَمَّدُ بْنَ أَبِي بَكْر. أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ أَعْظَمَ أَجْنَادِي فِي نَفْسِي أَهْلَ مِصْرَ...))(2). وقد استعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا السياق مفردة (أجْنَاد) التي يذكر اللغويون أنّها (جند) (3)وهي بوزن (أَفْعَال)، وليس المراد بها في هذا النص الدلالة على (الجُنْد)، والعسكر أو الجيش فحسب، وإنّما تبتعد اللفظة لتصير دالة، على (المصر) أو البلد أيضاً كأن المراد هو الجمع بين تينك الدلالتين معاً على أساس أن (مصر) كانت من البلدان الشديدة الولاء للإمام، فعبّر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قوتها وشِدّة صلابة أهلها ووقوفهم بوجه الأمويين وغيرهم، بقوله (أعْظم أجنادي)، آخذاً - ذلك فيما يبدو - من (الجَنَد)، وهو الأرض الغليظة ذات الحجارة (4). لما يظهر في هذه البلدة من المنعة والصلابة، وليس ما اختاره بعض الباحثين من أنّ مفردة (أَجْنَاد) في قول الإمام تدل على (الجُنُود) الذين يمتهنون القتال، فاستعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) بناء جمع القلة لتمييزهم ورفع منزلتهم دون سواهم (5)، وهذا القول، وإن كان محتملاً، ولكنّه بعيد عما قصد إليه الإمام في سياق كلامه ؛ لأنّ المقام الذي يتحدث فيه مقام تنصيب وتولية غرضه فيه وصف (مصر) (لمحمد بن أبي بكر)، وهو عامله الجديد عليها، فليس المراد إخباره عن قلة الجند فيها أو كثرتهم، بقدر ما يريد أن يبيّن له مكانة هذا (البلد) وموقعه بالنسبة إلى الإمام، ومما يؤكد شدة عناية (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا (المصر) إضافته لفظة (أجناد) إلى (ياء) التكلّم، لإظهار معنى قربها وقرب أهلها منه، وهذا ما يفسر استعمال الإمام لصيغة (أَفْعَال) جمعاً لهذا اللفظ، فهذا البناء يستعمل في الدلالة على أدنى العدد (6)، وهو ما يوحي بتفرد هذا البلد وخصوصية قربه من الإمام، فضلاً عن قلة الأمصار التي تكون قريبة من نفسه وقلبه (عَلَيهِ السَّلَامُ). ولعله استعمل لفظ (أَجْنَاد) بإزاء ما يسمى في كتب البلدان بأجناد الشام، وهي خمس كُور في بلاد الشام ؛ (فلسطين، وجُند الأردن، ودمشق، وحِمْص، وقِنَّسْرِين) (7). والتَّسمية بـ (الأجناد) مأخوذة - فيما يبدو - من معنى التَّجمُّع ؛ فكل واحدة من هذه الأجناد، هي مجموعة من الكور التي كانوا يقبضون عطاءهم فيها (8)، فلمّا كانت هذه (الأجناد) تحت سيطرة معاوية الذي جعلوها جزءاً من أملاكه، لهذا أحسب أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أراد جعل مصر أحد أهم (أجناده) التي تقف بوجه الأمويين التي تمثل المعسكر المضاد الذي يقف قبالة (أجناد) معاوية بن أبي سفيان، ولاسيما أنّ (مصر) بلدة بعيدة عن العراق، وهي بحاجة إلى ضرب من التعضيد وشَدّة أزر أهلها ؛ للوقوف بوجه الأمويين، ولأجل أمدادهم بهذه العزيمة من الجانبين النفسي والمعنوي، عزز الإمام من وجودها صامدة بتسميتها بـ (أجنادي)، وأرسل إليها أحد


1) هو محمد بن أبي بكر، وأمه أسماء بنت عُميس الخثعمية، وولدته في طريق المدينة إلى مكة في حجة الوداع، نشأ محمد في حجر الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي تزوج أمه، وشهد مع الإمام (الجمل) و (صفين)، ثم أرسله أميراً إلى مصر سنة (37 هـ)، وأرسل إليه معاوية جيشاً بقيادة عمرو بن العاص، فقاتلهم محمد حتى انهزم جيشه. وقتلوه سنة (38 هـ)، وكان الإمام يحبّه كثيراً ويثني عليه، لفضله وعبادته واجتهاده، ولما بلغ السيدة عائشة قتله حزنت عليه جداً، وكان له ولد اسمه (القاسم)، ينظر : الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر : 245/6، والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي : 106/1 – 108.

2) نهج البلاغة : ك / 27 : 486.

3) ينظر : كتاب سيبويه : 576/3.

4) ينظر : مقاييس اللغة (جند) : 485/1.

5) ينظر : رسائل الإمام علي في نهج البلاغة (دراسة (لغوية)، رملة خضير مظلوم : 244، 245.

6) ينظر : كتاب سيبويه : 576/3.

7) ينظر : معجم البلدان لياقوت الحموي : 103/1.

8) نفسه.

أبرز قادة جيشه وأشدّهم صلابة، وهو (محمد بن أبي بكر) و فضلاً عن (مالك الأشتر) الذي تولى إمارتها من قبل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) سنة (37هـ)، ولكنّه استشهد قبل أن يدخلها كما تذكر المدونات التاريخية (1).

جيش

الجيش - كما يقول الخليل - ((جُند يَسِيرون لحرب وغيرها)) (2). وأصل اللفظ مأخوذ من الثوران والغليان كما يذكر ابن فارس (ت 392هـ) (3)، ومنه قوله جاشت نفشه، كأنّما غَلَت واضطربت (4). وسمي الجيش بذلك ؛ لاجتياشه، فهو جماعة تجيش (5). واستعملت لفظة (جَيْش) في نهج البلاغة غير مرة ؛ فقد جاءت محلاة بـ (أل) ست مرات، ومجردة منها مرتين، ومنصوبة دون (أل) التعريف مرة واحدة، في حين وردت جمعاً على زنة (فُعُول) (جُيُوش) مرة واحدة أيضاً (6). وقد استعملت المفردات المتقدمة جميعاً للدلالة على الجُنْد الذين يسيرون إلى الحرب. ومن ذلك قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذكر ما فعله جيشه الذي أنفذه إلى بعض الأعداء : ((فَسَرَّحْتُ (7)إِلَيْهِ جَيْشاً كَثِيفاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذلِكَ شَمَّرَ هَارباً...)) (8)، أراد : فأرسلت إليه جيشاً من المسلمين كثيف العدد، وقوي العقيدة، فلهذا تهيّأ مجدّاً للهرب، بعدما رأى قوتهم وشدّة باسهم. وقد جاءت لفظة (جيش) وبقية مشتقاتها بالدلالة المتقدمة نفسها، وذلك في (خ / 102، 128، 172، 182، ك / 60، 61).

حارس

إشارة:

الحراسة الحفظ (9). والحارس هو المؤتمن على حفظ شيء لا يُؤمَن من أن يخون فيه (10). والحَرَس هم خدم السلطان المرتبون لحفظه وحراسته (11).

وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (حَارِس) بصيغة المفرد على وزن (فَاعِل) ثلاث مرات، في حين وردت لفظة (أحْرَاسك) بصيغة الجمع على وزن (أفْعَال) مضافة إلى كاف الخطاب مرة واحدة فحسب (12)، للدلالة على ما يأتي :

أولاً : الدلالة على أعوان الوالي :


1) ينظر : تقريب التهذيب : 156/1، والكاشف : 234/2.

2) العين (جيش) : 158/6.

3) ينظر : مقاييس اللغة (جيش) : 499/1.

4) ينظر : نفسه، ولسان العرب (جيش) : 277/6.

5) ينظر : مقاييس اللغة (جيش) : 499/1.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 98.

7) التَّسْرِيْحُ الإرْسَال، ينظر لسان العرب (سرح) : 479/2.

8) نهج البلاغة : ك / 36 : 518.

9) ينظر : لسان العرب (حرس) : 48/6، وتاج العروس (حرس) : 531/15.

10) نفسهما.

11) ينظر : لسان العرب (حرس) : 48/6.

12) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 107.

وقد استعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) للدلالة على ذلك مفردة (أخراس)، في وصيّته ل- (مالك الأشتر) لما ولاه مصر ؛ إذ يقول : ((وَاجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ، وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامَاً... وَتُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَشُرَطِكَ...)) (1)، وإنّما أمره (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأن يجلس للناس مجلساً عاماً ؛ لعلمه أنّه لابد من أن يكون في حاجات النّاس ما تضيق به صدور أعوانه، والنَّوابُ عنه، ولهذا أمر أن يباشرها بنفسه(2)، فضلاً عن ضرورة سماع مشاكل الرّعيّة وهمومها منهم مباشرة، بشكل لا يكون لأعوان الوالي واحراسه دور في ذلك ؛ فلهذا طلب (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنْ يقعدهم عن الناس، حرصاً على عدم إخافتهم، أو الرهبة منهم، فَيَعْيِي المتكلم عن إبلاغ حاجته. وقد أورد الإمام مفردة (أخراسك) على بناء (أفْعَال) جمعاً للقلة عند اللغويين(3). ويبدو أنّ ذلك جاء مناسباً لمقام النُّصح والتوجيه الذي كان الإمام يوصي به أصحابه وعماله من عدم الإفراط في استخدام الأعوان والخدم ومظاهر البذخ والترف، فناسب هذا المعنى إيراده للمفردة المتقدمة بالدلالة على القلّة، كأنّه يطلب إلى(مالك الأشتر) أن تكون أحراسه بالقدر الذي يمكنه من خدمة الناس والوقوف على قضاء حوائجهم، بحيث أنّها تحفظه من الأعداء المتربصين به دون أن تمنع الناس عنه. أقول : واللغويون يرون أنّ مفردة (حِرَاسة وأخراس) وغيرها من اشتقاقات هذه المادة اللغوية، مأخوذة من (الحَرْس) وهو في اللغة الدَّهر، أو الوقت منه (4). ولهذا سمّى الحارس حارساً ؛ لأنّه يَحْرُس الليل كُلّه، فصارت هذه صناعته (5)، فضلاً عن أن مهمته في في صَرْف الآفات والأذى عمّا وُكِّل به من حفظ (6). ومن هذا الوصف الذي تقدم يمكن أن نفهم أنّ (أخراس) الولاة هم الموكلون يحفظهم والسهر على حمايتهم، ومنع الأذى عنهم، ولهذا صاروا من أعوانهم وخاصتهم فهم أخصُّ من (الجُنْد) و (الشرطة). وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (حَارِس) بالدلالة على الحافظ للأموال في (خ / 116).

ثانياً: الدلالة على حراسة (الجُوْدِ والأجل) للإنسان

وقد جعل الإمام (كلاً) من (الجُوْد) و(الأجل) بمنزلة (الحَرَس) للإنسان. وذلك على سبيل إنزالهما منزلة من يعقل. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيان أهمية (الجُوْد) للإنسان: ((الْجُودُ حَارِسُ الأَعْراضِ)) (7). والجُوْد السَّخاء والكرم (8). وقد جعله الإمام حارساً ل-(اعراض) هي حَسَبه حَسَبِه الإنسان ونفسه وخليقته المحمودة، وما يمدح به ويُذَّم (9). ولمّا كان الإنسان مجبولاً على حفظ نفسه وحسبه ومكارمه من السَّبِّ والقَذْف، فقد جعل الإمام (الجُود) حارساً يقي الأعراض من السَّب والاستهانة ؛ فضلاً عن أنّ هذه الخصلة تحمي المرء نفسه من الرجوع إلى البُخْل والإمساك عن المعروف. وقد ذكر بعض


1) نهج البلاغة : ك / 53 : 561، 562.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي حديد) : 68/17.

3) ينظر : الخصائص : 267/1، 41/2.

4) ينظر : تهذيب اللغة (حرس) : 173/4.

5) ينظر : الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري : 73.

6) نفسه.

7) نهج البلاغة : قصا / 211 : 641.

8) ينظر : لسان العرب (جود) : 153/3، 136.

9) نفسه (عرض) : 170/7.

شُرَّاح النَّهج أنّها تمنعه من الزلل والوقوع في الزيغ والفساد (1)، كما أنّ الكرم وبذل اليد يحفظ الإنسان من الفقر. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((كَفَى بِالأَجَلِ حَارِساً)) (2)، فاستعار (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (حارساً) لـ (الأجل) (3)؛ لأنّ الأجل بمنزلة الحارس للإنسان من الموت حتى يبلغ يومه الذي قُدّر له، فكأنّه بمنزلة الرقيب الذي يرعى الإنسان حتى يصل إلى يوم موته. وإنّما جعل (عَلَيهِ السَّلَامُ) حارساً ؛ لأنهما يشتركان في الحفظ والحماية التي يمنحها (الحارس) للموكل بحراسته.

عيون

العَيْن في اللغة لفظ مشترك، فالعين هي العين النّاظرة الباصرة، وعين الماء، وعين الركبة، وعين السّحاب، وعين الشمس، والمال العتيد (4). ومن ذلك - أيضاً - العين بمعنى الجاسوس الذي يُبعث ليتجسّس الخبر، وتسمية العرب (ذا) العَيْنَتَين) (5).

وقد وردت هذه الدلالة في استعمال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمفردات (عَيْنِي، والعُيُون، وعُيُونك، وعُيُونهم). ومن تلك الاستعمالات قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق نُصح عامله على (مصر) (مالك الأشتر) في إرشاده كيفية توليه (عماله) على البلدان وغيرها : ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورِ عَمَّالِكَ، فَاستعملهُمُ اخْتِبَاراً، وَلَا تُوَلَّهُمْ مُحَابَاةً وأَثَرَةً ... ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ، وَابْعَثِ الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ عَلَيْهِمْ...)) (6). والنص توجيه لعامله بأن يتابع أمور من نصبهم حكّاماً ومنحهم سلطة، موجباً عليه أن يكون اختيارهم تحت عنوان (الاختبار) لمعرفة أمكانتهم وقدراتهم في تسيير الأمور، فضلاً عن الاطلاع على أمانتهم وحفظهم الرعيّة وعدم الجور عليها، مع امتناع أن يكون للمحاباة والأثرة أثر في تنصيب هؤلاء. فطلب إليه أن يراقبهم من خلال بعث (العُيُون)، وهم الرُّقباء من الرّصد الذين يأتونه بأخبار عماله على تلك البلدان والأقاليم. بشرط أن يكون هؤلاء (الرقباء) من (أهل الصدق والوفاء)، وهاتان الخصلتان هما عماد (الرقيب) المخلص في عمله ؛ فإنْ كان المُخْبر كاذباً، أصبح الأمر كمن يريد التَّربُّص بالآخرين للإيقاع بهم، وإن كان أصحاب هذه المهنة صادقين وأوفياء، كان ذلك أكثر منعة وجدارة في ضبط تصرفات عماله. ومنعهم من خيانة الأمانة التي ائتمِنُوا عليها، ولهذا طلب الإمام من (مالك) أن يكتفي بأخبار (عُيُونه) شاهداً على من خانه من هؤلاء، في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((وَتَحَفَّظَ مِنَ الْأَعْوَانِ، فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَى خِيَانَةِ اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخْبَارُ عُيُونِكَ، اكْتَفَيْتَ بِذلِكَ شَاهِداً، فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ...)) (7).


1) ينظر : الديباج الوضي : 2885/6.

2) نهج البلاغة : قصا/ 306، 663.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) :474.

4) ينظر : العين (عين) : 254/2.

5) نفسه.

6) نهج البلاغة : ك / 555:53، 556.

7) نهج البلاغة : ك / 53 : 556.

وكان من عناية أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : بهذه الفئة من (الرقباء) (1)، اتخاذ جمهرة منهم لمتابعة أخبار العدو الذي كان يتربّص بدولة الإمام في محاولة لبثّ الفتن، وإذكاء الاضطرابات فيها. ومن ذلك قوله في كتاب وجَّهه إلى عامله على (مكة) يحذره فيه من (أهل الشام) : ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ عَيْنِي بِالْمَغْرِبِ كَتَبَ إِلَيَّ يُعْلِمُنِي أَنَّهُ وُجَّهَ إِلَى المَوْسِمِ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ الْعُمْيِ الْقُلُوبِ الصُمّ الأَسْمَاعِ الْكُمْهِ الْأَبْصَارِ، الَّذِينَ يَلْتَمِسُونَ الْحَقَّ بالْبَاطِلِ...)) (2). ومما تجدر الإشارة إليه أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعمل مفردة (عَيْن) وجمعها (عُيُون) بوزن (فُعُول) للدلالة على الرقباء من المخبرين الذين يتسمون (بالصدق والوفاء)، وهذا البناء استعمله الإمام لم يرد في القرآن الكريم إلا للدلالة على (عيون الماء) (3). ومن ذلك قوله تعالى شأنه : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ) (4). وقد وردت لفظة (عيونهم) بصيغة الجمع مضافة إلى ضمير الغائبين بالدلالة المتقدمة نفسها، وذلك في (ك/11).

المقدمة

مقدّم كل شيء نقيض مؤخره (5)والمقدّمة الناصية والجبهة (6).

وقد وردت لفظتا (المقدّمة)، و(مقدّمتي) في نهج البلاغة، إذ جاءت اللفظة الأولى مرتين، في حين وردت الثانية في موضع واحد (7)، للدلالة على مقدّمة الجيش، وذلك لأداء دلالتين :

الأولى : استعمل لها مفردة (مُقَدِّمة) ؛ وذلك في سياق توجيه جيش أرسله لقتال العدو ؛ إذ يقول: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ مُقَدِّمَةَ الْقَوم عُيُونُهُمْ، وَعُيُونَ الْمُقَدِّمَةِ طَلَائِعُهُمْ)) (8). والنص تحذير وتوجيه من العدوّ، يذكر الإمام فيه أنّ (مقدمة) جيش العدو هم رقباؤهم، وعيونهم التي تستطلع أنباء أصحابه، فأخبر عن لفظ (المقدمة) بكلمة (عُيونهم)، في إشارة إلى أنّهم الفرقة الخاصة بجمع الأخبار والاستطلاع. ومن ثُمَّ فسّر تركيب الإضافة (عُيُون المقدّمة) وأخبر عنه بمفردة (طلائعهم)،كأنّه عنه بمفردة (طلائعهم)، كأنّه يومي : الى أنّ (الطلائع) هم عيون الجيش ورصده ؛ الذين يَرْقبون أخبار الأعداء (9).

وربّما تضمّنت لفظة (مقدمة) الدلالة على الفرقة المتقدمة من الجيش على سائر فرقه الأخرى من (الميمنة والميسرة والقلب والساقة) ؛ إذ يقال للفرقة المتقدمة على هذه الكتائب (مقدمة الجيش) (10). وقد تضمن ذلك مجي لقطة (مُقَدِّمتي) مضافة إلى (ياء) المتكلّم التي تعود إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذلك في قوله الذي يتحدث فيه عن


1) ولعل من نافلة القول الإشارة إلى بعض مظاهر هذه العناية، إذ يتضح للقاريء المتأمل (لنهج البلاغة) كثرة استعماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الفعل (بلغني)، (عَرَفتُ)، وتعبير (فيما رُقّي إليَّ) ؛ للدلالة على وصول الأخبار إليه من عيونه مع عنايته بتتبعها، وهو ما يظهر اهتمامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بـ (الحس الأمني). وقد نقلت المدونات التأريخية من عناية الإمام (بالرّصد) و (الرّقباء)، و (طلائع الجيش) الشيء الكثير. ولعل كتبه الواردة في نهج البلاغة خير مصداق لذلك. ينظر : وقعة صفين، لنصر بن مزاحم : 123، والمنهج الأمني في نهج البلاغة، محمد صادق الهاشمي : 37 - 40، وأسس بناء الدولة في فكر الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، علي سعد تومان : 130.

2) نهج البلاغة: ك / 33 : 515.

3) ينظر : معاني الأبنية : 140.

4) الحجر : 45.

5) ينظر : المحكم (قدم) : 324/6، ولسان العرب (قدم) : 469/12.

6) نفسهما.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 367.

8) نهج البلاغة : ك / 11 : 470.

9) ينظر: النهاية في غريب الحديث : 133/3، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 68/15.

10) ينظر : لسان العرب (خمس) : 70/6.

تقسيمه الجيش الذي خرج به إلى (صِفّين) : ((... أمّا بَعْدُ، فَقَدْ بَعَثْتُ مُقَدِّمَتِي، وَأَمَرْتُهُمْ بِلُزُوم هذَا المِلْطَاطِ (1)، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرِي...)). أراد بلفظة (مُقدّمتي) أوّل ما يتقدم من الجيش الذي بعثه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فهو صدر الجيش(2). وإنّما أضاف اللفظة المتقدمة إلى (ياء المتكلّم إشارة إلى كونه هو الذي بعثهم وأنّه هو الذي يُحكم تقسيمهم بحسب الحاجة إلى ذلك دون غيره، وهذا ما يُفهم منه جدارته (عَلَيهِ السَّلَامُ) بفنون الحرب والقتال، وطرائق تقسيم كتائب الجيش وفرقه.

شرطياً

الشرطة، هم الخيار من كل شيء (3). وسمّوا بذلك لانهم النخبة من جند السلطان الذي ؛ رَتَّبَهُم وقدّمهم على غيرهم من الجند (4). وقيل الشَّرط العلامة، ومنه أشراط الساعة علاماتها (5). ومنه سمي الشرطة بذلك لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يُعرفون بها (6). وذهب الخطابي (ت388هـ) إلى أنّ الشرطة هم جزء من الجيش، وسمّوا بذلك لتقدّمهم أمام الجيش في الحروب (7)كأنّه يومئ إلى أنّ هذه الفئة من الجند قد أشرطت نفسها وقدّمتها قُدّام الجيش في القتال. وهذا مأخوذ من لفظة (أشراط)، وهي ابتداء أوّل كل شيء (8).

وجاءت لفظتا (شُرطياً) مفردة منصوبة، و (شرطك) جمعاً مضافاً إلى كاف الخطاب مرة واحدة في نهج البلاغة (9)، للدلالة على أعوان الحاكمين الذين يقفون على حمايته مع حفظ الأمن والنظام. وغالباً ما يكون هؤلاء يداً عند الحكام يستعملونهم في أمورهم، وهم رَهْن بهم ؛ فإن كان الحاكم صالحاً صلحت أعوانه وشُرَطه ؛ لأنَّه سيؤمن اختيار من كان صالحاً منهم لحفظ الأمن وإرساء الأمان في البلد. ولهذا أوصى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عامله على (مضر) أنْ يُقْعد (شُرَطه) عن ذوي الحاجات من الرعية ؛ ليتكلموا في حوائجهم من غير تَعْتعة أو عِي. يقول : ((وَاجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ، وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامًا، فَتَتَوَاضَعُ فِيهِ اللّه الَّذِي خَلَقَكَ، وَتُقعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَشُرَطِكَ، حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَعْتِع))(10). أن انصراف الشرطة وقعودهم يمنح الناس من ذوي الحاجات الطلاقة في الكلام وبث شكواهم الى الوالي، حتى يسمع منهم دونما خوف منهم من أعوانه وأحراسه الموكلين بحمايته، وشُرطه الذين هم أعوانه الذين يستعين بهم على فرض الأمن، كما يُفهم من أقوال أهل اللغة (11).

أقول : ولمّا كان (الشُّرْطَة) من الأعوان الطائعين للولاة والظلمة من السلاطين، لهذا ورد ذمّهم بعدم قبول دُعائهم على لسان النبي داوود (عَلَيهِ السَّلَامُ) بحسب ما ينقله الإمام في قوله الذي يخاطب فيه بعض أصحابه :((..


1) الملطاط في اللغة ساحل البحر، وخصه بعض اللغويين بشاطئ الفرات، ينظر : غريب الحديث (ابن قتيبة): 227/2.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 157/3.

3) ينظر : العين (شرط) : 235/6.

4) ينظر : نفسه، وغريب الحديث (الخطابي) : 252/2.

5) ينظر : مقاييس اللغة (شرط) : 260/3.

6) ينظر : تهذيب اللغة (شرط) : 212/11، ومقاييس اللغة (شرط) : 360/3.

7) ينظر : غريب الحديث (الخطابي) : 212/2.

8) ينظر : تهذيب اللغة (شرط) : 212/11.

9) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 238.

10) نهج البلاغة : ك / 53 : 561، 562.

11) ينظر : المصباح المنير : 309/1.

إِنَّ دَاوُدَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَامَ فِى مِثْلِ هَذِهِ السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: إِنَّهَا سَاعَةً لَا يَدْعُو فِيهَا عَبْدٌ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ، إلا أَنْ يَكُونَ عَشَاراً (1)أَوْ عَرِيفاً (2)أَوْ شُرْطِيّاً...)) (3). فالذين استثناهم النّص من قبول دعائهم كان بسبب من ملازمتهم المعصية التي تحجب نفوسهم عن قبول رحمه اللّه تبارك وتعالى، فضلاً عن كون بعضهم – ومنهم الشَّرطة - يعملون فى الغالب أعواناً للظلمة (4).

عريفاً

العريف القيّم بأمر قَوْمٍ عُرف عليهم (5)وهو رئيسهم الذي يَعْرِف أمورهم (6).

وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظتي (عَريفاً)، بصيغة المفرد و (عُرفاؤه) جمعاً على وزن (فُعَلاء) مرة واحدة لكل منهما في كلامه الوارد في نهج البلاغة (7)للدلالة على ما يأتي :

أولاً : الدلالة على العريف الذي يُعَرِّف الناس للظالمين. وقد جاء هذا الاستعمال في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يذكر فيه كلام النبي داوود (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذِكر مَنْ يُسْتَجابُ دُعاؤه : ((... إِنَّهَا سَاعَةٌ لاَ يَدْعُو فِيهَا عَبْدٌ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَشَاراً أَوْ عَرِيفاً أَوْ شُرْطِيّاً...)) (8)، ومفردة (عَرِيفاً) من الألفاظ ذات الدلالة العالية التي تتميز ببعدها عن الانحطاط الدّلالي، فهي مأخوذة من الدلالة على المعرفة والعرفان، والسكون والطمأنينة كما يذكر ابن فارس، وهذه المعاني تبعد هذه اللفظة من أن تكون مذمومة، وتضفي عليها دلالة طيِّبة، فمن ذلك أخذت لفظة (العريف) التي تدل على القيم بأمور القوم. وتولي شؤونهم (9). كأنّهم سكنوا إليه واطمأنوا، فصار قيّماً عليهم ويتولى أمورهم، ويتعرّف منه الأمراء أحوال الناس (10). غير أنّ هذه المفردة أصابها انحطاط في دلالتها، وذلك أنّ الإمام استعملها في سياق ضمّها مع مفردات أخرى تدل على الاشتغال عند السلاطين الذين يسلطونهم على النّاس كما يفهم من النصّ المتقدّم، فأوحت اللفظة (المتقدمة) بالدلالة على شدّة ولاء أصحاب هذه المهنة لرؤسائهم ؛ وهو ما يسوّغ استثناء هذا الضرب من الناس الذين يتولّون هذه الأعمال من قبول الدُّعاء، فانّ انتقالهم بعملهم من إعانة الناس ومساعدتهم ومتابعة شؤونهم وأمر سياستهم وتعريف الحكام بها، الى التكفل بإعانة الحكام على الرعية وتعريف المعارض منهم إلى السلطة لهؤلاء السلاطين. وقد وجدتُ ما يؤيد ذلك عند الدكتور جواد علي الذي ذكر أنّ (العريف) كان من خواص الملوك الذين كان لهم (عُرَفاء) هم بمثابة عيونهم على القبائل (11)، وأنّ هذا المنصب كان نوعاً من الزعامة والرئاسة في القبيلة والجماعات من الناس ؛ لأنّ الذي


1) العشار هو آخذ العُشر من الأموال. ينظر : العين (عشر) : 245/1.

2) العريف القيّم بأمور القبيلة أو الجماعة من الناس، ويعرّف الأمراء بأحوال الناس، ينظر: تاج العروس (عرف) : 145/24.

3) ينظر : نهج البلاغة : قصا / 104 : 618.

4) شرح نهج البلاغة (البحراني) : 422/5، والديباج الوضي : 2794/6.

5) ينظر : العين (عرف) : 121/2.

6) ينظر : القاموس المحيط (عرف) : 1081/1.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 301.

8) ينظر : نهج البلاغة : قصا / 104 : 618، 619.

9) ينظر : مقاييس اللغة (عرف) : 281/4.

10) ينظر : العين (عرف) : 121/2، ومقاييس اللغة (عرف) : 282/4.

11) ينظر : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، د. جواد علي : 293/9.

يتولاه يكون والياً على أمورهم (1). وقد وردت نصوص نبوية كثيرة في ذم (العريف) ؛ منها قوله (صلى اللّه عليه وآله) : ((ألا ومَنْ تَوَلَّى عرافة قَوْمٍ أَتى يَوْمَ القِيَامَةِ ويَدَاهُ مَغْلُولَتَانِ إِلى عُنُقِهِ، فَإِنْ قامَ فِيهِم بِأَمْرِ اللّه عَزَّ وجلَّ أطلقه اللّه، وإِنْ كانَ ظالماً هَوى به في َنارِ جَهَنَّم وبِئْسَ المَصِير)) (2)، وهذا تحذير من التصدّر للرئاسة لما فيها من الفتنة، ولاسيما إذا لم تُعط حَقَّها من المعاملة بالعدل، وبذل النَّفس في خدمة الرعيّة.

ثانياً : الدلالة على سيادة الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) على الخَلْق. واستعمل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهذه الدلالة لفظة (عُرفاؤه)، وذلك في مقام بيان منزلة الأئمة من أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، إذ يقول : ((وَإِنَّمَا الْأَئِمَّةُ قُوَّامُ اللّه عَلَى خَلْقِهِ، وَعُرَفَاؤُهُ عَلَى عِبَادِهِ، لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ عَرَفَهُمْ وَعَرَفُوهُ، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ إِلا مِنْ أَنْكَرَهُمْ وَأَنْكَرُوهُ)) (3). ولفظة (العُرَفاءُ) - ههنا – تدل على رئاسة أئمة أهل البيت على الخَلْق ؛ لأنهم قُوَّام اللّه عليهم. والقوام هم المُصْلِحون المحافظون على حدود اللّه (4). ويذكر اللغويون أنّ لفظة (عُرَفَاء) جمع (عَرِيف)، وهي فَعِيْل بمعنى (فَاعِل)(5). يشير بذلك إلى أنّ المراد بالعريف هو العارف بالأمور. وبحسب هذا الوجه تكون اللفظة المتقدمة دالة مَعْرِفَة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) بالنّاس واطلاعهم على خفاياهم، ولهذا ربط الإمام دخول الناس الجنّة بمعرفتهم بالأئمة ومعرفة الأئمة لهم. وهذ النوع من (المَعْرفة) لا يقتصر على المعرفة من حيث التعارف الحاصل بين الناس العاديين، وإنّما هو ضرب من معرفة الأئمة لاخلاص هؤلاء اللّه تبارك وتعالى، وعملهم بأحكامه وأوامره ونواهيه.فـ (الآئمة) هم المعرّفون الذين يُعرف برضاهم على الناس قبول أعمالهم وعباداتهم، فصار إنكارهم لغير المؤمنين بمنزلة انكار اللّه تبارك وتعالى لهؤلاء، وهذا الأمر مرتبط بتَعَلّق الأئمة المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) باللّه جل جلاله وبالقرآن الكريم، فإنّ (العُرَفاء) عند اللّه عزّ وجلّ هم (حَمَلَة (القرآن)، وهم الرؤساء على النّاس في الدنيا وفي الآخرة. وقد ورد في الحديث : ((حَمَلَةُ القُرآن عُرَفَاءُ أَهْلِ الجَنَّةِ يَومَ القِيَامَةِ)) (6)، و (العُرفاء) في الحديث هم رؤساء أهل الجنّة كما فسره اللغويون (7).

أقول : إنّ مفردة (عُرَفَاء) في قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) والحديث المتقدم. ويمكن أن تحتمل المفردة المتقدمة الدلالة على شدّة الارتباط باللّه تبارك وتعالى، بحيث صار (العُرَفاء) في القولين السابقين بهذه المنزلة من الرئاسة والقيادة لأهل الجنّة عند اللّه تعالى ؛ فهم العارفون باللّه تعالى وهم أولياؤه، وهذه أعلى مرتبة من مراتب (العِرْفان) الذي يُعدّ أعظم درجات العِلم بـ (واجب الوجود) (8)، وهو اللّه جلّ جلاله. وتحتمل اللفظة ايضاً دلالات دلالات أخرى بوسعها أن تمنح النص ضرباً من التوسع في المعنى، ومن تلك الدلالات أن يكون (العُرَفاء) هم


1) نفسه. وقد شاع توظيف الحكام والأمراء (للعرفاء) في القبائل والاستعانة بهم في متابعة الناس والرقابة على مناوئيهم، حتى صاروا يأخذون عطاءهم من الحكام مقابل تزويدهم بالأخبار عن الناس. ويبدو أنّ هذه اللفظة تقابل مفردة (المختار) في الوقت الحاضر، والمختار هو الذي يتولى أمور الحيّ أو (المحلة) التي يسكن فيها، فضلاً عن أن هذا المنصب يعد من المناصب والرتب العسكرية أيضاً.

2) مَنْ لا يحضره الفقيه : 19/16، وثمة أحاديث أخر احتفلت بها المدونات الحديثة، منها على سبيل المثال ما ورد في مسند أبي يعلى ؛ لأبي يعلى الموصلي : 57/3.

3) نهج البلاغة: خ / 152 : 267.

4) ينظر : لسان العرب (قوم) : 12/ 497.

5) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 218/3، ولسان العرب (عرف) : 239/9.

6) المعجم الكبير، للطبراني : 132/3، والسنن الكبرى، للدارمي : 561/2.

7) ينظر : تاج العروس (عرف) : 145/24.

8) ينظر : كتاب الكليات، لأبي البقاء الكفوي : 612/1.

الصابرون، وهذه من الدلالات المعجمية للمفردة المتقدمة، فالعارف هو الصابر والصبور (1). كأنّه لِقُربه من اللّه تعالى، وشدّة معرفته به، صبر على المحن والشدائد الدينوية حُبّاً باللّه وخضوعاً له. وكذلك أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين صَبَرُوا في غير موطن من مواطن البلاء التي مرّت بهم.

وصفوة الأمر، فالملاحظ لاستعمال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمفردتي (عَرِيفاً) و (عُرَفاؤه) أنّ اللفظة الأولى قد أصابها الانحطاط الدلالي ؛ لارتباطها بالسطوة على الناس، والإعانة عليهم. في حين ارتفعت المفردة الثانية، واكتسبت حظها من الرُّقي، لأنّه وصف بها الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) ورفعة منزلتهم على النّاس.

جَحْفَل

الجَحْفَل الجيش الكثير العظيم (2). ولا يكون كذلك إلا إذا كان فيه خَيْل (3). واستعملت المفردة المتقدمة مرة مرة واحدة في نهج البلاغة (4)؛ للدلالة على الجيش العظيم من المهاجرين والأنصار والتابعين، وذلك في قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يتوعد فيه معاوية ويحذره قائلاً : ((وَأَنَا مُرْقِلٌ (5)نَحْوَكَ فِي جَحْفَلِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَان شَدِيد زِحَامُهُمْ، سَاطِع قَتَامُهُمْ (6)...)) (7).

أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) الإنذار والوعيد لمعاوية، فاستعمل مفردة (جَحْفل) ؛ للدلالة على الجمع العظيم من المهاجرين والأنصار والتابعين الذين اجتمعوا معه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جيش كبير لقتال معاوية وأصحابه من أهل الشام وإنّما ذكر (المهاجرين والأنصار والتابعين) تخصيصاً لهذا الجحفل من الجماعات التي كان لها السبق والفضل في الإسلام، فإنّهم انتظموا معه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ، وساروا في ركابه عارفين بفضله عليهم وتقدّمه فيهم، في مقابل من اجتمع مع معاوية من رعاع أهل الشام وغواتهم وتناسب مع ذلك استعماله لمفردات (زحَامِهُم)، و(قَتَامُهُم) أيضاً، فالزّحام لفظ يدل على الكثرة في العدد، مما يؤدي إلى أن يَزْدحم القَوْم بعضهم البعض الآخر (8). وهذا العدد الكبير المزدحم يؤدي الى هياج القتام وسطوعه والقتام ضرب من الغبار كريه الرائحة فكأنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) التعبير عن سعة هذا (الجحفل) الذي يقوده وشدّة بأسه، بذكر التزاحم الذي فيه وهياج الغبار عند تحركه، وذلك كناية عن عظيم عديدة وعُدَّته، ولاسيما أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعمل مفردة (مُزقِل) التي تفيد الدلالة على سُرعة هذا الجيش العظيم الذي يُفترضُ أنْ يكون بطيء الحركة ؛ لكثرة زحامه، ولكنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أضفى على السياق معنى السُّرعة، باستعمال هذه المفردة المتقدمة ؛ لتحقيق الدلالة على الزهبة في الوعيد الذي أرسله إلى معاوية، فضلاً عن ذلك فإنّه يمكن الإفادة من الدلالات الأخرى لمفردة (جحْفَل) في انفتاح دلالة النص، فيمكن أن تكون هذه المفردة دالة على عظيم قَدْر النّاس الذين انتظموا في هذا الجيش مع الإمام، وعلو منزلتهم بين الأقوام. وهذه الدلالة تعضد


1) ينظر : تهذيب اللغة (عرف) : 207/2.

2) ينظر : العين (جحفل) : 328/3، ومقاييس اللغة (جحفل) : 509/1.

3) ينظر : لسان العرب (جحفل) : 102/11.

4) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 80.

5) الإرقال ضرب من المشي السريع، ينظر : مقاييس اللغة (رقل) : 425/2.

6) القتَم ريح ذات غبار كريهة، ينظر : لسان العرب (قتم) : 461/12.

7) نهج البلاغة : ك / 28 : 493.

8) ينظر : تهذيب اللغة (زحم) : 219/4.

استعماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمفردات (المهاجرين والأنصار) وهي فيما توحيه من دلالة على أصالة هؤلاء وشدة ارتباطهم بالإسلام.

رُقَباء

الرَّقِيْبِ الحَارِس الذي يشرف على مرقبة ؛ ليحرس القوم (1).

وقد وردت مفردة (رُقَباء) جمعاً لـ (رَقِيْب) مرة واحدة في نهج البلاغة (2)؛ للدلالة على الحرس الذين يحرسون الجيش. وذلك في وصيّة الإمام لجيشه الذي أرسله لقتال الأعداء ؛ إذ يُوصيهم بقوله : ((واجْعَلُوا لَكُمْ رُقَبَاءَ فِي صَيَاصِي (3)لجِبَالِ، وَمَنَاكِبِ (4)الْهِضَابِ (5)، نَلَا يَأْتِيَكُمُ الْعَدُوُّ مِنْ مَكَانِ مَخَافَةٌ أَوْ أَمْن)) (6). يرشد يرشد (عَلَيهِ السَّلَامُ) جيشه بأن يكون لهم (رُقَباء)، ومن الأحراس الذين يشرفون على الطّرق، ليحرسوا جماعتهم خشية أن يَنوشهم العَدُوّ من مأمنهم ؛ ولهذا أوصى قادة جيشه بأن يكون هؤلاء (الرقباء) في أعلي الجبال. ومَنَاكِب الهضاب. يريد بذلك القدرة التي توفرها هذه (المراقب) للرقيب في الإطلاع والمراقبة ؛ فتكون أعالي الجبال حُصُوناً منيعة لهم تقيهم الأذى، ورؤية الأعداء لهم. وتسمّى هذه المواضع التي يتخذها الحرس بـ (الرَّبِيئَة).

أقول وتتضمن مفردة (رقباء)، الدلالة على طليعة الجيش ؛ إذ تتفق كلتا اللفظتين في الدلالة على المراقبة واستطلاع العدوّ، وتوفير الحماية لقطع الجيش. وقد ذكر اللغويون أنّ من الدلالات التي تفيدها مفردة (رَقِيب)، هو (طليعة الجيش) (7). وهذا الامر يدفع الى القول إنّ بين لفظتي (رُقباء) و (طليعة) ضرب من الترادف الجزئي ؛ لاشتراكهما في الدلالة على مراقبة العدوّ ومتابعته

طَلائِعُهم

الطَّلِيْعَة والطَّلائع الجماعات في السَّريّة الذين يُبْعَثُون لِيُطَالِعوا العدوّ ويأتون بأخباره (8). وهم كالجواسيس الذين يَرْقبون العدو (9). وقد جاءت لفظة (طلائِعهم) في كلام الإمام الوارد في نهج البلاغة بصيغة الجمع على (فَعَائل) مرة واحدة (10)؛ للدلالة على عُيون مُقدِّمة القوم في الحرب. وذلك في سياق وصيّته التي أوصى بها جيشاً بعثه إلى العدو يقول فيها : ((وَاعْلَمُوا أَنَّ مُقَدِّمَةَ (11)الْقَومِ عُيُونُهُمْ، وَعُيُونَ الْمُقَدِّمَةِ طَلَائِعُهُمْ)) (12). وكلام الإمام نصح وإرشاد لجيشه الذي أرسله لقتال العدو وهو يؤكد – في قوله – على أهمية (الطلائع) الذين تكون


1) ينظر : العين (رقب) : 154/5، وتهذيب اللغة (رقب) : 112/9.

2) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 193.

3) الصياصي هي الحصون التي يتحصن بها العدو، ينظر : لسان العرب (صيا) : 474/14.

4) أصل النّكب، الابتعاد والعدول عن الشيء، ومناكب الهضاب ما بعد منها، ينظر : لسان العرب (نكب) : 770/1.

5) الهضبة مفرد (هضاب)، وهي كل جبل خُلِقَ من صخرة صلبة، وقيل : الهضبة هي الجبل المنبسط الطويل الممتنع المفرد الذي لا يكون إلا في حمر الجبال، ينظر : لسان العرب (هضب) : 784/1.

6) نهج البلاغة : ك / 11: 470.

7) ينظر : لسان العرب (رقب) : 425/1.

8) ينظر : العين (طلع) : 12/2، وتهذيب اللغة (طلع) : 101/2.

9) ينظر : لسان العرب (طلع) : 237/8.

10) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 276.

11) مُقدِّمة الجيش، أوّله الذين يتقدمونه، ينظر لسان العرب (قدم) : 468/12.

12) نهج البلاغة : ك / 11 : 470.

مهمتهم في معرفة أحوال العدوّ، ورصد تحركاته. ولهذا أشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أنّ الطلائع هم عُيُون الجيش (1)؛ لأنّهم عيون المقدمة من الجيش، والمُقدِّمة هي عيون الجيش. فصارت (الطلائع) هي الجزء المهم من الجيش.

وفي النص إشارة إلى أن لا يُفتّ في عضد جيشه، وأن لا يستهينوا بالعدوّ إذا ما رأوا مقدمة طلائعه القليلة ؛ لأنّ هؤلاء هم الجواسيس والرقباء الذين يتصدرون الجيش على قلة عددهم، وإنّ رؤيتهم تشعر بهجوم العدو (2).

أقول : ولفظ (الطَّلائع). مأخوذة من الظهور والبروز (3). كأن تقدمهم الجيش يوحي بظهورهم عليه وسَبقهم له في أداء الواجب الموكل إليهم. ويمكن أن تكون هذه المفردة مأخوذة من (الإطلاع) على الشيء والعلم به (4)، أو من (التطلع) وهو النظر المصحوب بالاختباء (5). وهذا الأخير هو الأقرب إلى اشتقاق هذه المفردة ؛ لأنّ مهمة (الطَّلائع) في الجيش هي الرقابة واستعلام حركات الأعداء.

عشاراً

العشّار هو من يأخذ العُشر من أموال الناس (6)، واستعملت المفردة المتقدمة مرة واحدة في نهج البلاغة دالة على الجابي الذي يأخذ العُشر من أموال الناس، وذلك في قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((... إِنَّ دَاوُدَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَامَ فِى مِثْلِ هَذِهِ السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: إِنَّهَا سَاعَةً لا يَدْعُو فِيهَا عَبْدٌ إِلا اسْتُجِيبَ لَهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَشَاراً أَوْ عَرِيفاً)) (7). والعشار الجابي الذي ياخذ الموال من الناس على السّلع التي يبيعونها (8). فإنّه يقبض العُشر عنها عنها بأمر من الحُكّام. وخصّ بعض الشرّاح المراد بهذه اللفظة في كلام الإمام بالذي يقبض عُشر المال من المارة في الطريق، أو الذي يقبض عُشر مال الطارئ في البلد بأمر من الظالمين (9). و(العشار) عند اللغويين. هو (المَكَّاسُ) أو (الماكِس) الذي يتخذ من الجباية وسيلة له. والمكس الجباية والضريبة (10). وقد كانت هذه الضريبة تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق في الجاهلية، وذلك بقبض عُشر ثمنها منهم، ويشمل ذلك كل ربح أو وارد يناله الإنسان (11).

أقول : واستثناء (العشار) من قبول الدعاء في النص المتقدم راجع فيما يبدو - إلى الظلم الذي يسببه صاحب هذه الوظيفة للرعية الذين يقوم بالجباية منهم، وربما أكرههم على أعطائه العُشر من أموالهم لهؤلاء


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 15 / 68.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 210/4.

3) ينظر : مقاييس اللغة (طلع) : 419/3.

4) ينظر : لسان العرب (طلع) : 237/8.

5) نفسه.

6) ينظر : العين (عشر) : 245/1، ومقاييس اللغة (عشر) : 324/4.

7) نهج البلاغة : قصا : 104، 618، 619.

8) ينظر : المعجم الوسيط : 602/2.

9) ينظر : الديباج الوضي : 2793/6.

10) ينظر : تهذيب اللغة (مكس) : 54/10، ولسان العرب (مكس) : 161/14.

11) ينظر : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام : 307/9 و 308، 308، و 161/14.

العشارين (1). وقد ورد الحديث في ذمّم هذهِ الفئة من الجُباة، وتحريم الجنّة عليهم في الحديث : ((لا يَدْخُلُ الْجَنَّة الجَنَّة صَاحِبُ مَكْس)) (2). وقد قيل فى تفسيره : إن صاحب المكس هو العشار (3).


1) نفسه.

2) مسند أحمد بن : 143/4، والسنن الكبرى : 482/1.

3) نفسهما

المبحث السادس: ألفاظ طبقة السادة والأشراف ورؤوس القوم

الأحرار

الحُرُّ خلاف العبد (1).

واستعلمت مفردات (الأحْرَار) بصيغة الجمع على (أَفْعَال) أربع مرات في نهج البلاغة، ومفردة (حرّ) مرتين. في حين وردت لفظتا (حُرًا)، و (أحْرَارُكم) مضافة الى ضمير جماعة المخاطبين مرة واحدة لكل منهما (2)للدلالة على الحُرّ من الناس غير المرتهن لغيره، أو لهوى نفسه، أو للشيطان. ومن ذاك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق بيان أنماط العبادة والعباد : (إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللّه رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التَّجَّارِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللّه رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللّه شُكْراً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الأحْرَارِ)) (3)، والإمام يفصل العبادة والعبّاد مع بيان غاية كل ضرب منهما. فلما كانت عبادة اللّه تبارك وتعالى تكون شكراً مخصوصاً له على نعمه التي أسبغها على العباد ؛ فقد وضعها الإمام في المقام الذي وضعت له أصلاً (4). في حين أنّ عبادة الخوف، وهي عبادة العبيد التي يمارسها الناس خوفاً ورهبة من اللّه تبارك وتعالى، فهي عبادة خشية وتجنب الأذى عن النفس، فكما أنّ (العبد) يؤدي أعماله خوفًا من سيّده وليس حبا به، أورداً لفضله عليه، فكذلك عبادة اللّه خوفاً من عذابه. وكذلك عبادة (المعاوضة) (5)، وهي العبادة القائمة على أساس استدرار نعم اللّه تبارك وتعالى؛ رغبة في زيادتها. وهو ما يمثل ضربا من ضرب من التجارة والمعوضة بين طرفين. وجاء استعماله مفردة (الأحرار)، للدلالة على عدم خضوع هذا النمط من الناس الى شعور (الخوف، والرهبة، والخضوع) لغيره الا لله جل جلاله، ومع ذلك كله، بالإمام قصد بالمفردة المتقدمة الدلالة على عبادة البارئ حق عبادة شكراً لأنعمه وعطاءاته التي يسبغها على الناس جميعاً، والتي لا يعرف قدرها الاّ الإنسان الحر الذي لم يجعل نفسه طعمة لغيره ولم يسخرها إلى طاعة الشيطان. وهذا النمط من الناس هو الموصوف بكونه حُرّاً، والذي يكون مهيّأ لأداء عبادة الأحرار التي يتحدث عنها أمير المؤمنين.

وقد وردت الفاظ (حر)، و (حُرّاً)، و (الأحْرَار) و (أحْرارُكم (بالدلالة على عدم الخضوع لكل شيء الا اللّه جل جلاله. وذلك في (قصا / 336، 456، ك / 31، خ / 97، 125، قصا / 413، خ / 129).

الحلماء


1) ينظر : جمهرة اللغة (حرر) : 96/1.

2) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 107.

3) نهج البلاغة : قصا / 237 : 645.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 62/19.

5) هذا المصطلح من مصطلحات الشارح ابن أبي الحديد. ينظر : شرح نهج البلاغة : 62/19.

الحِلْم الأناة (1)، والتثبت في الأمور (2). وقد وردت لفظة (الحَلِيم) وصفًا مفرداً على (فَعيل) ثلاث مرات في نهج البلاغة. في حين جاءت مفردة (حُلَمَاء) بصيغة الجمع على (فَعَلاء) ثلاث مرات أيضاً، منها مرة واحدة محلاة بـ (ال). واستعملت لفظة (حَلِيْما) مفرداً منصوباً مرة واحدة، ومثلها لفظة (حَليمهم) المتصل بها ضمير الغائب التي وردت مرة واحدة أيضا (3)، للدلالة على أصحاب الأناة المتثبتين في الأمور من العقلاء وذوي الكياسة.ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصف المتَّقين : ((وَأَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ، أَبْرَارٌ أَنْقِيَاءُ، قَدْ بَرَاهُمْ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ...))(4). فقدّم صفة (الحِلْم) على (العِلْم)، لأنّ (الحِلْم) صفة جامعة لكثير من الصفات التي تتكامل فيها النفس الإنسانية. فالحِلْم العَقْل (5)، وليس للمرء أن يكون عالمًا، أو بَرا تقيّاً، دون أن يكون ذا عقل راجح يحكم ملكاته وطبائعه. ولهذا قدّم الإمام صفة (الحِلم) على غيرها، كأنه يشير الى تقدمها على بقية القيم التي يسعى الإنسان الى تحصيلها عملية كانت أو خلقية فضلاً عما في الحِلم) من ضبط للنفس والطبع عن هيجان الغضب (6)، ومجاوزة الحد في عدم التثبت في إصدار الأحكام. وهذه الخصال لا تتوافر في الناس جميعاً إلا الذين انتخبهم اللّه تبارك وتعالى ليكونوا بهذا الأوصاف من الحكمة والعقل وحسن التدبير. ولهذا وصف اللّه تبارك وتعالى نفسه بـ (الحليم) غيره مره في القرآن الكريم. ومن ذلك قوله تعالى : (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (7). فجعل صفتي الغفران والحلم إزاء تحذ تحذيرهم من عقابه. وقد وردت الفاظ (حَلِيْمٍ) و (حَلِيْمًا) و (حَلِيْمُهم) وجمعها (حُلماء) بالدلالة المتقدمة نفسها في نهج البلاغة في (ك / 39، 74 قصا / 206، 369) و (خ 111، 192).

سَيِّد

إشارة:

السيد الحليم(8). وقيل : إنما سمّي سيّداً ؛ لأن الناس يلتجئون الى سواده (9)، ولفظة (السيّد) مأخوذة من الفعل ساد يسود، وهو لفظ مشترك يطلق على الرَّب، والمالك والشريف، و الفاضل والكريم والحليم، والمحتمل أذى قومه، وهو الرئيس والمقدّم والزوج أيضاً (10).

وقد أورد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (سيّد) أربع مرات في نهج البلاغة، مرتان منها أضيفت اللفظة الى ضمير (عَلَيهِ السَّلَامُ) الغائب (سيّده)، في حين استعملت لفظة (سيّدا) بصيغة التثنية مرة واحدة أمّا الفاظ الجمع الخاصة بكلمة


1) ينظر : العين (حلم) : 246/3.

2) ينظر : لسان العرب (حلم) : 146/12.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 123.

4) نهج البلاغة : خ/ 193 : 382.

5) ينظر : القاموس المحيط (حلم) : 1/ 1416.

6) ينظر : تاج العروس (حلم) : 527/31.

7) البقرة / 235.

8) ينظر : مقاييس اللغة (سود) : 3 / 114.

9) نفسه.

10) ينظر : لسان العرب (سود) : 3/ 228.

(سيّد) فعلى ضربين، إذ استعملت لفظة (السَّادات) جمع مؤنث سالما، وجاءت الكلمة نفسها مضافة الى ضمير جماعة المخاطبين (سَادَاتِكم)، ووردت لفظة (السَّادة) اسماً للجمع مرة واحدة في نهج البلاغة (1)، للدلالة على ما يأتي :

أولاً : الدلالة على الشرف والسيادة والكرم والحلم في الدنيا والآخرة.

وقد اختصت هذه الدلالة برسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) والحسن والحسين (عليهما السلام)، وحمزة سيد الشهداء.وهذا النوع من السيّادة مرتبط أشدّ الارتباط بسيادة النّسب والخلق الكريم معاً. ومن ذلك وصفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لرسول اللّه بأنّه سيد عِباد اللّه في قوله : ((... وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَسَيّدُ عِبَادِهِ)) (2)، والسيادة – هنا - هي الشرف والسؤدد، والفضل في طاعته اللّه جل جلاله، فهو سيد كل عباد اللّه. وشبيه بهذه الدلالة قوله في شأن ولديه (الحسنين) (عليهما السلام) بأنهما : ((سَيِّدَا شَبَابٍ أَهْلِ الْجَنَّةِ)) (3). وذلك في مقام الموازنة بين عائلة رسول اللّه، وبين الأمويين. وأصل هذا الكلام قول رسول اللّه المتقدم الذي احتج به الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على معاوية (4)والمراد من قوله (سيّدا)، الدلالة على سيادتهما على شباب (أهل الجنّة)، فضلاً ونسباً وشرفاً، علاوة على كونهما سيّدان في الدنيا بكل ما تفيده مفردة (سيّد) من دلالة على السؤود والكرامة والفضل، والحلم والشرف. والرئاسة والتقدمة على الناس. ونظير هذه الدلالة ما ورد في (ك / 28) من استعمال تعبير (سيد الشهداء)، للدلالة على (الحمزة بن عبد المطلب.). واستعملت لفظة (سادات) جمع مؤنث سالم بالدلالة على الشرف والسؤود في (خ / 44)

ثانياً : الدلالة على السادات الكبراء الزعماء :

وفي هذه الدلالة تنحط مفردة (سَيِّد) و (سادات) لتصير مرادفة للكبر والجبروت الذي يتميز به هذا الضرب من ذوي السيادة في القبيلة وغيرها. ولهذا حذر (عَلَيهِ السَّلَامُ) من طاعة هذا النوع من الناس في سياق النصح والإرشاد بقوله : ((أَلَا فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَكُبَرَائِكُمْ الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ، وَتَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ...)) (5). ويلحظ شدّة توكيد الإمام في تحذير الناس من طاعة هؤلاء في المعاصي، ومسايرتهم في الظلم والطغيان والعسف الذي يستعملونه في معاملة رعاياهم ؛ لأنّ هؤلاء إنما تكبروا على حَسَبهم بالابتعاد عن أصلهم الذي خُلقوا منه، وزادوا من ذلك بأن ترفعوا فوق نسبهم الذي ينتسبون اليه، حتى أنهم تكبّروا على خالقهم وغالبوه في آلآئة. ونظير هذه الدلالة، ما ورد في (خ / 98، 113) التي استعمل فيها الإمام مفردة (سيّده).

الأكياس


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 229.

2) نهج البلاغة : خ 214: 415.

3) نفسه : ك / 28 : 490.

4) مسند أحمد بن حنبل : 64/3، وفضائل الصحابة : 771/2، والسنن الكبرى، لابن ماجه : 4/1 4، وسنن الترمذي : 5 / 656، والمعجم الأوسط : 1/ 117، والمعجم الكبير : 39/3. و 292/19، ومسند أبي يعلى : 395/2.

5) نهج البلاغة : خ/ 192 : 365.

الكَيْس العقل. والكيس العاقل (1). وقد وردت لفظة (الأَكْيَاس) جمعاً على (أفْعَال) خمس مرات في نهج البلاغة، منها مرة واحدة أضيف إليها ضمير الغائبة (أكْيَاسها). في حين وردت لفظة (كَيْساً) بصيغة المصدر مرة واحدة فحسب (2)، لدلالة على العقلاء الحكماء من ذوي الفطنة والذكاء. و من ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق وصف الفتنة وأهوالها التي : ((يَهْرُبُ مِنْهَا الأكْياسُ، وَيُدَبِّرُهَا الأرْجَاسُ ...)) (3). يريد أنها لشدّتها وأذاها بحق الناس يَفِر منها ذوي الحكمة والعقل والفطنة الى حيث المأمن والملاذ، ملتجئين - بسكينة ووقار - الى الحلم والتَّبصر حتى تستبين لهم الأمور، وتنكشف لهم الحقائق، ليكونوا في ذلك ((كَابْنِ اللَّبُونِ، لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلَا ضَرْعٌ فَيُحْلَب)) (4). كما يقول الإمام في تحذيره من الفتن وبيان كيفية الخروج من الوقوع في ميدانها. ومن براعة التعبير، استعماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (الأرجَاس) في قوله سالف الذكر - بوصفها ضداً لمفردة (الأكياس) التي أوردها بصيغة الجمع على (أفْعَال) مع المفردة المتقدمة. والأرجاس-في اللغة- هم الأقذار والأنجاس من الناس الذين يتمثل فيهم الشرّ (5). كأنّ هؤلاء هم قادة الفتنة وأقطابها الذين يسعون فى تدبيرها. والمراد - هنا - الفاسقون الذين أسرفوا في فسقهم فصاروا كأنّهم النجاسة نفسها من سوئهم وفسادهم ورذيلتهم (6).

أما استعماله مفردة (أكياس) جمعاً على (أفْعَال)، فيحتمل دلالتين ؛ الأولى الدلالة التي يتضمنها بناء (أفْعَال) نفسه من حيث العدد، فهو من أبنية أدنى العدد حسبما هو معروف. وهذه الدلالة توحي بقلة هذا النوع من العقلاء الحكماء الذين يحسنون التصرف أيام الفتن هذا من جهة. أما من جهة صوغه، فالصرفيون يرون أنّ الأصل في جمع (كيس) هو (كَيَّسُون) بالواو والنون ؛ لأنّه من (فَيْعِل) (كَيْس)، وما كان على هذا الوزن فالأكثر فيه الجمع بالواو والنون. ولو كان هذا اللفظ من (فَعْل) لكان التكسير فيه أكثر (7). وظاهر هذا الكلام أنهم جمعوا) كيس على (أكياس) ؛ لأنّهم أحسوا فيه دلالة اسم الفاعل الذي يفيد الدوام والثبات في الوصف، فضلاً عن الدلالة على النسب، كقولهم لذي الدرع دارع، ولذي النشاب ناشب (8). وبحسب هذا الكلام فإن لفظة (الأكياس) تفيد الدلالة على ذوي الكياسة من الناس، وهم المنسوبون الى الكياسة والحكمة والفطنة. وهو ما يجعلها متضمنة الإيحاء بأن الكيس من الناس هو الذي يحمل بين جنبيه ملامح العقل وحسن التبصر بالأمور، فكأنّه مصدر الكياسة ومنشؤها الذي تؤخذ عنه. وقد وردت مفردة (الأكياس)، و (أكياسها) و (كيساً) بالدلالة المتقدمة نفسها في (خ/186 41، ك / 30، قصا / 145، 331)


1) ينظر : تهذيب اللغة (كيس) : 10/ 172.

2) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 405.

3) نهج البلاغة : خ / 151 : 265.

4) نفسه: قصا / 1 : 599.

5) ينظر : لسان العرب (رجس) : 94/6.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 111/9.

7) ينظر : كتاب سيبويه : 642/3.

8) ينظر : معاني الأبنية : 46، وما بعدها.

لهَامِيْم

اللّهامِيْم جمع (لُهْمُوم)، وهي الإبلُ إذا كانت غزاراً سراعاً كثيرة المشي (1). وفَرَس لهم جواد سابق يجري أمام الخيل كأنّه يلتهم الأرض من شدّة جرية (2). وجاءت لفظة (الهَامِيم) جمعاً على (فَعَاليْل) مرتين في نهج البلاغة (3)، وذلك في مقام العتاب واللوم، عند حتَّ أصحابه على القتال في بعض أيام (صِفِّين) إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((وَقَدْ رَأَيْتُ جَوْلَتَكُمْ، (4)وَانْحِيَازَكُمْ عَنْ صُفُوفِكُمْ، تَحُوزُكُمُ الْجُفَاةُ الطَّغَامُ، وَأَعْرَابُ أَهْلِ الشَّامِ، وَأَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ، وَيَآفِيخُ (5)الشَّرَفِ، وَالأنْفُ الْمُقَدَّمُ...)) (6). يعاتب الإمام بعض أقطاب جيشه بعدما رأى تراجعهم في بعض وقائع (صفيّن) ، مُذكَّراً إياهم بأنهم يُقاتلون أوغاد النّاس من أعراب أهل الشام الذين ينمازون بالطغيان والعصبية وعدم الوعي والتميز بين الحق والباطل ويعطف الإمام - في كلامه - على تذكير أصحابه بمنزلتهم ومكانتهم بإزاء هؤلاء (الجُفَاة الطَّغَامِ)، فاستعار لوصفهم مفردة (لَهَاميم) التي تدل على الإبل السِّراع الكثيرة المشي. كما تدل على الفرس الجواد الذي يتقدّم بقية الخيل في جزيه، كأنه يلتهم الأرض من سرعته (7). فجاء وصف الإمام لهم بكونهم بكونهم (لهاميم) دالاً على تقدّمهم وسبقهم ؛ فضلاً عن كونهم من أجواد الناس وكِرَامِهم. فاللّهموم هو الجواد من النّاس أيضاً كما فَسّر اللغويون هذه المفردة في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي نقله المصنّفون في الغريب والمعاجم. فقد ذكر ابن الأثير الجزري أنّ مفردة (الهَامِيم) في قوله : ((وَأَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ))(8). هي جمع (لهمُوم) جمع (لهمُوم)، وهو الجواد من الناس والخيل (9). وقد اتفق شراح النهج مع اللغويين في هذا المعنى، حتى أنهم نقلوا النص المتقدم نفسه الذي فَسّر به ابن الأثير الجزري مفردة (لهاميم). وهو ما يبدو في مقولة الشارح.

البيهقي الأنصاري (10)، وابن أبي الحديد (11)، و البحراني (12)وبعض المحدثين (13). في حين انفرد صاحب الديباج الوضي بذكر المعنى العام الذي يراد من هذه المفردة، ذاكراً أنّها تدل على أهل الرئاسة والجود (14).وتعقيبا على


1) ينظر : تهذيب اللغة (لهم) : 169/6، والمحكم (لهم) : 330/4، وأساس البلاغة : (لهم) : 577/1.

2) ينظر : العين (لهم) : 57/4، ومقاييس اللغة (لهم) : 5 / 217، والمحكم (لهم) : 329/4.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 413.

4) جَال في الحرب جَوْله، إذا طاف. ينظر : لسان العرب (جول) : 130/11.

5) أصل اليافوخ هو ملتقى عظم مقدّم الرأس، وعظم مؤخره، وهو الموضع الذي يتحرك من رأس الطفل. ينظر : لسان العرب (أفخ) :5/3.

6) نهج البلاغة: خ/ 107 : 194.

7) ينظر : العين (لهم) : 57/4، والمحكم (لهم) : 329/4.

8) ورد هذا المقطع من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في النهاية في غريب الحديث : 284/4، ولسان العرب (لهم) : 555/12، و (أفخ) : 5/3.

9) نفسها.

10) ينظر : معارج نعج البلاغة : 1/ 452.

11) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد): 140/7.

12) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 508/3.

13) ينظر : مع نهج البلاغة : 140.

14) ينظر : الديباج الوضي : 852/2.

ذلك أقول : إن مفردة (لهاميم) مفردة موحية بالفرادة، ولاسيما في بنائها الصرفي، فهي على زِنة (فَعَاليْل) الذي يختص بجمع الأبنية الخماسية، حتى أنّه عدَّ ((فَعَاعِيْل، وفَعَاعِل أكثر وأعْرَف من فَعَالِل وفَعَاليْل)) (1). وهذا يعني أن فرادة (فَعَالِيْل) توحي بتميّزه وغرابته المفردات التي تساق على وزنه عند مجيئه في نص معين. وحكم جمع الأسماء الواردة على هذا البناء حذف حرفها الخامس منها إلا إذا كان هذا الحرف من حروف المَدِّ، فلا يحذف حينذاك (2). ولمّا كان مفرد (لَهَاميم) هو (لُهْمُوم)، ورابع حروفه - وهو الواو - من أحرف المُدِّ، لهذا بقي هذا اللفظ على حاله عند الجمع، فقيل : (لهاميم). أقول : ويمكن أن تتسع دلالة هذه المفردة المتقدمة ؛ لتضفي على السياق دلالات أخرى، من قبيل الدلالة على السَّعة وكثرة العَطَاء (3)، فضلاً عن العَظَمة وعُلو الهمة. ومما عزّز هذه المعاني ورود مفردات أخرى في هذا النص، وهنها لفظة (يآفيخ) التي أضافها (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى مفردة (الشرف) واليآفيخ في اللغة - أعالي الدماغ وقمته، فاستعملها الإمام وصفا لهؤلاء المخاطبين إشارة الى علوّ شأنهم ورفعة منزلتهم و شرفهم، فهم كقمة الرأس من الجسد، ولعله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يريد بذلك كونهم أصحاب حكمة وتدبير، لأنّ وصفهم (باليآفيخ) يعد علامة على حكمتهم وتبصرهم، لما في الرأس من دلالة على العقل والحكمة بوصفه محلاً موضعاً للعقل والتفكير الذي يمثل قيمة الإنسان وعلامته الفارقة الذي ينماز بها عن الحيوان، فمن خالف العقل والحكمة فلا شك يكون موضع لومٍ وعتاب، وهذا المعنى مما يليق بالسياق والمقام الذي يتحدث فيه الإمام مستعملاً المفردات المتقدمة لإبراز هذه المعاني الحسية. وجاءت مفردة (لهاميم) في موضع آخر من نهج البلاغة بالدلالة المتقدمة نفسها، ولعله السياق نفسه الذي يمكن أن يكون قد أعاده السيد الشريف الرضي في موضع آخر من نهج الإمام، فلا تختلف الفاظه عن الفاظ النص المتقدم سلفًا، وهو في (خ / 124).

يَعْسوب

اليَعْسوب فحل النّحل وسيّدها وأميرها (4)، وقد استعمل أمير المؤمنين مفردة (يَعْسُوب) مرتين في نهج البلاغة، في حين جاءت كلمة (يَعْاسِيب (بصيغة الجمع على (فَعَالِيْل) مرة واحدة (5)، للدلالة على سيّد القوم وزعيمهم وفحلهم الشجاع.

ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصف نفسه، جاعلاً منها بإزاء (المال) الذي عدّه زعيمًا للفُجّار. إذ يقول : ((أنا يَعْسُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمَالُ يَعْسُوبُ الْفُجَّارِ)) (6). وقد شرح السيد الشريف الرضي كلام الإمام بقوله : ((ومعنى ذلك


1) کتاب سيبويه : 432/3، وينظر : 294/4.

2) ينظر : شرح ابن عقيل : 135/4.

3) ينظر : لسان العرب (لهم) : 555/12.

4) ينظر : العين (عسب) : 1/ 342، وتهذيب اللغة (عسب) : 2/ 68، والمحكم (عسب) : 503/1.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 303.

6) نهج البلاغة : قصا / 316 : 665. وقد نقلت المدونات اللغوية قول الإمام المتقدم. ينظر : النهاية في غريب الحديث : 297/5، ولسان العرب (عسب) : 600/1. وتاج العروس (عسب) : 369/3.

ذلك أن المؤمنين يتبعونني، والفُجّار يتبعون المال كما يتبع النحل يعسوبها وهو رئيسها)) (1). ويتضمن النص إشارات متعددة ؛ منها أنّ الإمرة والقيادة تكون على نوعين : إمرة مؤمنة عادلة قائدها سيّد المؤمنين وزعيمهم المقدّم وقرمهم الفرد الذي لا يجارى في الحق. وإمرة فاجرة يقودها الفُجّار من ذوي الأموال والثراء الذين يشترون بأموالهم الناس باغرائهم لشراء دينهم وعقيدتهم. وأصل النص المتقدم قول الرسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بحق الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما أشار الى ذلك الشارح ابن أبي الحديد (2). فقد ورد أنّه قال له : ((أَنْت يَعْسُوب الدِّين)) (3)وقال له في حديث آخر : ((أنت يَعْسُوب المُؤمِنِين)) (4)فجعله (صلى اللّه عليه وآله) رئيس المؤمنين وسيّدهم، في إشارة الى اتباعهم له، أو جعل الدين يتبعه أثره حيثما سلك كما يتبع النّحل يَعْسوبه (5). والوارد في المدونات الخاصة بالحديث النبوي أنّ النبي أخذ بيد علي قائلاً : ((هذا أول من آمن بي، وهو أوّل من يصافحني يؤم القيامه. وهذا الصدّيق الأكبرُ، وهذا فارُوقُ هذه الأمة يَفْرق بين الحق والباطل، وهذا يَعْسُوبُ المؤمنين، والمالُ يَعْسُوبُ الظالم)) (6).

أقول : وتحتمل مفردة (يَعسُوب) الخاصة به (عَلَيهِ السَّلَامُ) الدلالة على سبقه الى الإسلام ومبادرته اليه، فضلاً عن كونه سيد الناس وفحلهم المقدّم. فاستعار اللفظ المتقدم إشارة الى فحولته ورئاسته في المؤمنين، آخذاً ذلك من عدة أمور تطلق عليها لفظة (يَعْسُوب)، وفي طليعتها ذكر النحل الذي شاع استعمال اللفظة المتقدمة في الدلالة عليه. ومن ثم قيل لكل رئيس يعسوب كما يذكر اللغويون (7). ويأتي ذلك من عدة جهات يتميز بها ذكر (النَّحل)، وأولها أنه يبكر بكوراً في غُدُوِّة الى العمل، فتتبعه النحل الى أعمالها (8). ومن شدة تعلق النحل بيعسوبها وملازمتها له أنها تنهض بنهوضة وتقع بوقوعه ؛ وذلك لاقتدار الذكر منها على الإناث، ولما في طباعها من حبّ لذكورها حسبما يذكر الجاحظ (ت 255هـ) (9). حتى قيل إنه لو لم تتأمر فحول النحل على إناثها، لكانت - لحبها للفحول – تغدو بغدوها وتروح برواحها (10). وتحتمل مفردة (يعسوب) في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) دلالات أخرى، منها أن يكون


1) نهج البلاغة : قصا /316 : 665. وقد نقلت المدونات اللغوية قول الإمام المتقدم. ينظر : النهاية في غريب الحديث : 297/5، ولسان العرب (عسب) : 600/1. وتاج العروس (عسب) : 369/3.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 183/19.

3) نفسه.

4) نفسه.

5) نفسه.

6) المعجم الكبير : 269/6، ومجمع الزوائد، للهيثمي : 102/9، وكنز العمال، للمتقي الهندي : 277/11. ومصادر نهج البلاغة وأسانيده : 4 / 246.

7) ينظر : لسان العرب (عسب) : 1/ 599.

8) ينظر : الحيوان : 5 / 417.

9) نفسه : 419/5، 420.

10) نفسه.

المراد بها الغُرَّة التي في وجه الفرس التي تظهر مستطيلة في صدارة وجهه و تنقطع عند أعلى المنخرين منه(1). وتوحي هذه الغرّة بالزّهو والارتفاع وعلو الشأن، فضلاً عن الثبات والملازمة أيضاً. وهو ما يظهر في دلالة (عَسَيْب) مقلوب (يَعْسُوب) التي سُمِّي بها جبل معروف بعالية نَجْدٍ (2). وهو الذي يقول فيه امرىء القيس :(3)

أجَارَبَّنَا إِنَّ المزار قريب ***وإِنِّي مقيمٌ ما أَقامَ عَسِيْبُ

وقد وردت لفظة (يَعسُوب) في موضع آخر من نهج البلاغة يتحدث فيه الإمام عن غيبة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وذلك في (غ / 1) و بالدلالة المتقدمة نفسها (4)

ولسان العرب (عسب) : 600/1، وتاج العروس (عسب) : 3/ 370، وقد فصل الباحث الدكتور عبد الكريم السعداوي القول في هذا الحديث، مبيناً الاحتمالات الدلالية المفردة (يعسوب)، ولكنه لم يراع أقوال المصنفات الخاصة بـ (الحيوان) في إظهار مزّية (يَعسوب) النحل على بقية (النخل)، حتى أنه ذهب الى إضعاف أراء اللغويون في كون (اليعسوب) هو ذكر النحل وفحلها، وأشار الى أن الحالة السائدة في مجتمع (النحل) هو سيادة (الملكة (الأنثى) على الجانب الذكوري، وربما غاب عنه ما ذكره (الجاحظ) في كتابه (الحيوان) حول التفاف النحل من الإناث على (يَعَاسِيبها) مراعاة منها لزعامته وفحولته.

. فضلاً عن مفردة (يعاسيب) بصيغة الجمع التي استعملت في الدلالة على زعماء القبائل ورؤسائها. وذلك في (خ/ 192).

كُبَرائكم

الكُبراء جمع (كَبِير)، وهو لفظ يدل على الكبر والعظمة (5). وهو مأخوذ - كما يبدو – من الكبر، وهو وهو الرفعة فيها الشرف والمنزلة العالية في العشيرة والأسلاف، حسبما يذكر الخليل (6).

وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (كُبرائكم) بصيغة الجمع (فُعَلاء) مضافاً اليها ضمير جماعة المخاطبين مرة واحدة في كلامه الوارد في نهج البلاغة (7)، للدلالة على ذوي الكبر والمنزلة في القبيلة والمجتمع من المتجبرين المتكبرين. وذلك في قوله الذي يحذّر فيه من طاعة هذا النوع من الناس الذين تكبروا على قيم اللّه تبارك وتعالى وصاروا دعائم للفتنة. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((ألَا فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَكُبَرَائِكُمْ : الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ، وَتَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ، وَأَلْقَوُا الْهَجِينَةَ عَلَى رَبِّهِمْ، وَجَاحَدُوا اللّه مَا صَنَعَ بِهِمْ، مُكَابَرَةً لِقَضَائِهِ، وَمُغَالَبَةً لِإِلائِهِ، فَإِنَّهُمْ قَوَاعِدُ أَسَاسِ الْعَصَبِيَّةِ، وَدَعَائِمُ أَرْكَانِ الْفِتْنَةِ...)) (8). وهذان الصنفان من الناس، وهم (السادات والكبراء) غالباً ما يكونوا من ذوي العلو والتكبّر والسيادة على الناس، ولكن هذه (السيادة) جنحت بهم نحو التسلّط والتعالي على غيرهم، بل حتى على اللّه جل جلاله - كما يذكر الإمام - ولهذا نسبوا أفعالهم القبيحة المستهجنة اليه جل جلاله ذاهبين إلى أن أعمالهم هذه ليست منهم، وإنما هي من اللّه، وذلك لكي يبرؤا أنفسهم من القبائح التي لا تناسب منزلتهم وكبرتهم بحسب ادعائهم جاحدين النعم التي أنزلها اللّه تعالى عليهم، ولهذا علل الإمام تحذيره من طاعة


1) ينظر : المحكم (عسب) : 503/1.

2) ينظر : تاج العروس (عسب) : 369/3.

3) دیوانه : 357، وتاج العروس (عسب): 369/3.

4) وقد نقلت المدونات الخاصة بغريب الحديث وكتب اللغة قول الإمام هذا، ومنها : غريب الحديث (أبو عبيد): 180/18، 440/3، والنهاية في غريب الحديث : 3/ 234.

5) ينظر : العين (كبر) : 361/5.

6) نفسه.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 393.

8) نهج البلاغة : خ/ 192 : 365.

هذا النوع من الناس بكونهم أساس العصبية، والدعائم التي تقوم بها أركان الفتنة، فضلاً عما فيهم من تفاخر بأنسابهم وقيمهم الجاهلية. أقول : وقد استعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (كُبَرائِكم) بوزن (فُعَلاء) في هذا السياق، دون غيرها من الألفاظ القريبة في اشتقاقها من المفردة المتقدمة مثل كلمة (كَبار) أو (كُبّار) وغيرها ؛ لأنه أراد - فيما يبدو - الدلالة على سجية الكبر والتسلط والطغيان التي يتحلى بها هذا الضرب من الناس المعدودين من فئة السادات و رؤوس القوم، كأنّه قصد الإبانة عن ثبات هذه الخصال والغرائز في نفوسهم، في حين أن بقية المفردات مثل (كبار) التي تجمع على وزن (فِعَال) أو (فُعّال) لا تبدو فيها هذه الدلالة (1). ويبدو الأثر القرآني واضحاً في تعبير الإمام المتقدم، وذلك أنّه نسبح كلامه على غرار قوله تعالى :(2). الذي آثر القرآن استعمال مفردة (كُبراء) على غيرها من الألفاظ، لما فيها من دلالة على رؤوس رؤوس الضلال والفتن، والطغيان والاستكبار. كأنّ هؤلاء الذين لقنوا الناس الكفر والشّر وزيّنوه لهم (3)، فأضلوهم السبيل الى اللّه تبارك وتعالى.

المجداء والتجداء

المُجداء جمع مَجِيد، وهو الواسع الشرف، المفضال ذي الخير الكثير (4). والنَّجداء جمع نَجِيد، وهو الشجاع الماضي فيما يعجز عنه غيره (5). وقد استعمل الإمام لفظتي (المُجداء والنّجدَاء) مرة واحدة في سياق واحد في نهج البلاغة (6)، للدلالة على ذوي الشرف والفضل والخير الكثير، فضلاً عن الشجاعة والمُضِيّ عند أهل البيوتات الصالحة من العرب. وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي ينصح فيه المتعصبين بأن يكون تعصبهم لمكارم الخصال ومحاسن الأخلاق : ((فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ، فَلْيَكُنْ تَعَصُّبُهُمْ لِمَكَارِمِ الْخِصَالِ، وَمَحَامِدِ الْأَفْعَالِ، وَمَحَاسِنِ الأصمُورِ، الَّتِي تَفَاصَلَتْ فِيهَا الْمُجَدَاءُ وَالتَّجَدَاءُ مِنْ بُيُوتَاتِ الْعَرَبِ وَيَعَاسِيبِ الْقَبَائِلِ...) (7). وفي النص حثّ من من الإمام على ضرورة أن تكون صفة (العصبية) مخصوصة بالقيم الصالحة دون الطالحة منها، لأنّ هذه الصفة شائعة في نفوس العرب، وهي غالبة فيهم، حتى كانت العصبية فيهم تنتهي بهم الى القتال وإشاعة الحروب الطاحنة فيما بينهم ولهذا عمد (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى تطويع هذه الصفة فيهم، وتوجيهها من الجانب السلبي الى الإيجابي؛ ترغيباً لهم على جعل تعصبهم لمكارم الأخلاق، فجاء بلفظتي (مُجداء) و (تجداء)، وهما من أبنية الجمع على (فُعَلاء) الدالة على جمع الخصال والصفات التي تبدو كالغريزة في صاحبها (8)، مشيرًا الى أن تفاضل بيوتات العرب لابد


1) ينظر : معاني الأبنية : 167.

2) الأحزاب / 67.

3) ينظر : الكشاف : 572/3، وروح المعاني : 93/22.

4) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 298/4.

5) ينظر : لسان العرب (نجد) : 3/ 417.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 418، 435.

7) نهج البلاغة : خ / 192 : 372/3. وقد نقلت المدونات اللغوية قول الإمام المتقدم. ينظر : النهاية في غريب الحديث : 18/5، ولسان العرب (مجد) : 3/ 418.

8) ينظر : معاني الأبنية : 167.

أن يكون في هذا الضرب من الخصال الدالة على الفضل وكثرة الخير في الناس، فضلاً عن الشجاعة وشدة البأس وسرعة النجدة، والمسارعة الى إجابة الناس وإعانتهم في الخير فجمع (عَلَيهِ السَّلَامُ) باستعمال المفردتين بين الدلالة على الشرف والمجد والدلالة على الشجاعة وحسن البأس

القزم

القرم الفحل المُصعب (1). والمُقرم هو البعير المكرّم الذي لا يحمل عليه ؛ ولا يُذَلّل، وإنما يودع للفحولة (2). واستعملت لفظة (القِرْم) في كلام الإمام في نهج البلاغة مرة واحدة (3)، للدلالة على الفحل المُسَوّد من من الرِّجال، وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يذم به (عمرو بن العاص) قائلاً : ((فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْحَرْبِ فَأَيُّ زَاجِرٍ وَآمِرٍ هُوَ ! مَا لَمْ تَأْخُذِ السُّيُوفُ مَآخِذَهَا، فَإِذَا كَانَ ذلِكَ كَانَ أَكْبَرُ مَكِيدَتِهِ أَنْ يَمْنَحَ الْقَرْمَ سُبَّتَهُ (4))) (5). يريد : وصف (عمرو بن العاص) بالعار والذّلّة. وذلك معروف عنه فيما روته المدونات التأريخية من أنّه قال في (صفّين): ((واللّه لو علمت أني أموت الف موته، لبارزت علياً في أول ما ألقاه... فلما بارزه طعنه علي فصرعه وأتقاه عمرو بعورته، فانصرف علي عنه))(6). فعد ذلك من مكارمه وسؤدده التي ضرب بها المثل كما يقول الشارح ابن أبي الحديد (7). وإلى ذلك أشار الإمام في قوله : ((... أَنْ يَمْنَحَ الْقِرْمَ سُبَّتَهُ)) يعني: أنه استنجد بعورته بعورته واسته بعدما تمكّن منه. وبهذا يكون إيراد لفظة (القرم) وصفاً لنفسه. وهذه المفردة – في هذا السياق – تدل على السيد الرئيس من الرجال، وهو الإمام - هنا - الذي شبّه نفسه بالمقرّم من الإبل، لعظيم شأنه وكرمه في الناس.(8). فضلاً عن ذلك، فالمفردة تتضمن دلالات أخرى، منها الدلالة على التقدمة والمعرفة بتجارب الأمور.

أقول : وثمّة رواية أخرى للمفردة المتقدمة نقلتها بعض شروح نهج البلاغة، بإيراد لفظة (القوم) بدلاً من (القرم) في السياق المتقدم (9). وفي مقام الترجيح بين هاتين الروايتين، فالظاهر أن لفظة (القرم) أملك بالسياق وأنسب من لفظة (القوم)، لمناسبتها الحادثة التأريخية التي أوردتها المصنفات التأريخية في (صفين)، فضلاً عن مناسبة مفردة (القرم) لحال أمير المؤمنين الذي يعد المقدّم بين القوم في الشجاعة والصبر وحسن القيادة في الحروب وغيرها، ولهذا ردّ المصنفون في (غريب الحديث) واللغويون رواية (القَوْم)، مشيرين الى عدم إفادتها


1) ينظر : العين (قرم) : 5 / 158.

2) ينظر : تهذيب اللغة (قرم) : 120/19.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 371.

4) السُّبَّة الأست. والعار أيضاً. ينظر : المحكم (سبب) : 423/8.

5) نهج البلاغة : خ/ 84 : 137.

6) وقعة صفين : 424، ومعارج نهج البلاغة : 1/ 387، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 245/6، والديباج الوضي : 626/2، 627.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 245/6.

8) ينظر : تهذيب اللغة (قرم) : 120/9.

9) وقد آثر هذه الرواية ابن أبي الحديد في شرحه : 220/6، وأبي يحيى الحسيني في الديباح الوضي : 2 / 626، والميرزا الخوئي في منهاج البراعة : 65/6. في حين أن أن إيراد لفظة (القرم) جاء عند كل من الشارح البحراني في شرحه : 397/2، والشيخ محمد عبده في شرحه : 1/ 132، والسيد عبد الزهراء الحسيني في مصادر نهج البلاغة وأسانيده: 112/2. فضلاً عن صبحي الصالح الذي أثبت النص المتقدم من ضبطه.

المعنى الذي تفيده مفردة (القرم)، وأنها بالرَّاء أولى، والمراد بذلك: الرجل المقدّم في المعرفة وتجارب الأمور (1)وكذلك السيد الكريم من الرجال، وهي مأخوذة من الفحل من الإبل الذي يُكرم ولا يُمتهن، لفضله في الضراب (2). ومما يعزز ذلك لديّ أنّ المصنفات الخاصة بغريب الحديث، وبعض المعجمات نقلت حديثًا عن الإمام علي نفسه يمكن أن يفيد في تعزيز رواية كلمة (القرم) وإيثارها على (القَوْم) مع تعزيز دلالتها على سؤدده وكرامته وفضله وهو قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفتخراً بنفسه : ((أَنَا أَبُو حَسَن القِرم)) (3). وفي رواية ابن الجوزي : ((أنا القرم))(4).


1) ينظر : غريب الحديث (الخطابي) : 2/ 193، وتاج العروس (قرم) : 33/ 252.

2) ينظر : غريب الحديث (الخطابي) : 2/ 193.

3) ينظر : غريب الحديث (الخطابي) : 2/ 193، والنهاية في غريب الحديث : 49/4، ولسان العرب (قرم) : 473/12، وتاج العروس (قرم) : 252/33.

4) ينظر : غريب الحديث (ابن الجوزي) : 2/ 238.

المبحث السابع: طبقة العبيد والموالي الخدم

عبد

إشارة:

قال ابن فارس : ((العين والباء والدال أصلان صحيحان كأنّهما متضادان، والأول من ذينك الأصلين يدل على لين وذُلّ، والآخر على شدّة وغِلظ. فالأوّل العَبْد وهو المملوك ...)) (1). والعبد هو ((الإنسانُ حُرّاً أو رقيقاً)) (2).

وقد ورد الجذر اللغوي (عبد) في نهج البلاغة بكثرة، فبلغت مرات و روده مائتان وخمس عشرة مرة (3). وقد أمكن من خلال تتبع تلك المواضع حصر الدلالات التي سيق إليها هذا اللفظ فيما يأتي:

أوّلاً : الدلالة على العبودية لله تبارك وتعالى

ويشمل هذا المعنى اللفظة التي رُكَّبت مع لفظ الجلالة (اللّه) (عبد اللّه). وقد شاع هذا المعنى في نهج البلاغة بكثرة بحيث صار مجموع التعبير المتقدم مائة وثمانون مرة (4). وشيوع هذه الدلالة يؤكد أنّ العبودية لا تكون إلا له جل جلاله. ومن تلك المواضيع قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، الذي يتحدث فيه عن استعباد اللّه تبارك وتعالى للعباد بما فيهم الأرباب والعُظماء : ((الْحَمْدُ لله الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَة، وَالْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ مَنْصَبَةٌ، خَلَقَ الْخَلَائِقَ بِقُدْرَتِهِ، وَاسْتَعْبَدَ الأَرْبَابَ بِعِزَّتِهِ، وَسَادَ الْعُظَمَاءَ بِجُودِهِ...)) (5). يشير (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أنّ اللّه تبارك وتعالى (اسْتَعْبَدَ الأرْبَابَ بِعِزَّتِه)، فجعلهم خاضعين الخضوع كله له، وصيرهم في جانب الحاجة والإفتقار إليه(6)ونلحظ أن الإمام كثيرا ما وصف النبي (صلى اللّه عليه وآله) بأنّه (عبد اللّه)، على سبيل الشهادة بوحدانية اللّه تعالى، والشهادة للنبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله) بأنّه (عبد اللّه).و هذا النوع من التعبير يجيء دائماً في سياق إقراره (عَلَيهِ السَّلَامُ) بتوحيد اللّه، ومدح النبي (صلى اللّه عليه وآله). يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((الْحَمْدُ للهِ النَّاشِرِ فِي الْخَلْقِ فَضْلَهُ، وَالْبَاسِطِ فِيهِمْ بِالْجُودِ يَدَهُ، نَحْمَدُهُ فِي جَمِيع أُمُورِهِ، وَنَسْتَعِينُهُ عَلَى رِعَايَةِ حُقُوقِهِ، وَنَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِأَمْرِهِ صَادِعاً وَبِذِكْرِهِ نَاطِقاً...)) (7). ومن هذا الاستعمال ما ورد في (خ / 2، 35، 83، 114، 151، 178، 185، 190، 191، 194، 195، 214).

أمّا وصف الإمام نفسه بأنّه (عبد اللّه، فقد شاع كثيراً في صدارة كتبه ورسائله وعهوده التي يُرسلها إلى أعدائه وأمراء بلاده. ومنها كتابه إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة، الذي يقول فيه : ((مِنْ عَبْدِ اللّه عَلِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ، جَبْهَةِ الْأَنْصَارِ وَسَنَامِ الْعَرَبِ...)) (8). وهذا التعبير بوصف الإمام بأنّه (عبد اللّه) توكيد للعبودية التي أعطاها الإمام حقها، ومنحها معناها الحقيقي دون الاكتفاء


1) مقاييس اللغة (عبد) : 205/4.

2) العين (عبد) : 48/2.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 278 – 289.

4) نفسه.

5) نهج البلاغة : خ / 333:183.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 718/3، 719.

7) نهج البلاغة : خ / 100 : 181.

8) نهج البلاغة : ك / 1 : 459.

بالدلالة اللفظية، فكان هو والنبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله) مملوكون اللّه تبارك وتعالى، فعبدوه شكراً لنعمه وأداء لطاعته، وكانت عبادتهم له عبادة الأحرار وليست عبادة التجار. فكأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يذكر لفظ (عبد اللّه) بعد اسمه يريد تذكير عماله وولاته والناس بأنّه مع كونه أميرهم، لكنّه عبد اللّه تبارك وتعالى. وذلك أمر تأديبي لهم اختص به الإمام دون غيره كما يبدو. ومن ذلك في قوله الذي يصف فيه أنواع العبادة، والعابدين : ((إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللّه رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التَّجَّارِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللّه رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللّه شُكْراً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الأَحْرَارِ)) (1). ومن ذكر الإمام صفة (عبد اللّه) لنفسه ما ورد في: (ك/24، 38، 50، 51،53، 60، 63، 75).

ثانياً : الدلالة على العبيد المملوكين.

وهم الذين يعملون بخدمة مواليهم، ويمثلون إحدى طبقات المجتمع. وقد جاء ذكرهم في نهج البلاغة سبعا وعشرين مرة للدلالة على (العبيد). ومن ذلك قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق ذمّ أهل الشّام: ((جُفَا طَغَامَ، عَبِيدٌ أَقْزَامُ)) (2). وذلك أنّهم جفاةٌ غِلاظ القلوب من القسوة، وأصل ذلك من قولهم : جَفَا نُّوبِهِ، إِذا غَلَظ (3). وأمّا الطغام، فهم أوغاد الناس وحمقاهم (4). ثمّ وصفهم بأنّهم (عبيدٌ أقزام) وقد اختلف الشراح في دلالة مفردة (عبيد) في هذا السياق فذهب البحراني إلى أنّه وصفهم بذلك إما لأنّهم عبيد الدنيا وأهلها ؛ أو لأنّ منهم عبيداً فعلا (5). في حين ذهب شارح آخر إلى أنّ لفظة (عبيد) لا تدل على جريان الرّق والعبودية الحقيقية عليهم وإنّما هي كناية عن ذلك ؛ لأنّ العرب تُكّنى عن شرار الناس بالعبيد من الذين لا حسب لهم ولا خُلُق يَردّهم عن اللؤم والقبح (6). واستدل على هذا الوجه بحال هؤلاء القوم الذين خاطبهم الإمام بهذا الخطاب (7)، فهم ليسوا من الرقيق والموالي، وإنّما هم من الأحرار. ويميل الباحث إلى الجمع بين الرأيين في بيان دلالة مفردة (عبيد) التي استعملها الإمام وصفا لأسياد هؤلاء الذين وجهوهم هذه الوجهة حتى تمكنت العبودية منهم، فصاروا عبيدَ الدّنيا وعبيد كبرائهم من الطغاة يطيعونهم على المنكر دون المعروف. ويمكن تلمس هذا المعنى من دلالة الألفاظ المجاورة لمفردة (عبيد)، ومنها كلمة (أقْزَام). والقَزَم في اللغة - الدنئ اللئيم الصغير الجثّة (8). ومفردة (أقزام) لا تدل على القزم الصغير الجُثَّة، وإنّما تخرج إلى الدلالة على حقارة هؤلاء ودناءتهم. وحسبي أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أراد بذكرها تصغير قدر أهل الشام وضآلة شأنهم، وهذا المعنى ويعزّز دلالة لفظة (عَبِيد) على الامتهان والخسة والدناءة والطاعة العمياء التي بذلها الشاميون للأمويين.

وقد لاحظتُ في نهج البلاغة أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) متى أراد الدلالة على معنى الاستعباد والذُّلة والخضوع التّام، فإنّه يَعمَد إلى استعمال لفظة (عبيد) جمعاً على زنة (فَعِيْل)، سواء أكان ذلك متعلقاً بخضوع العبد اللّه تبارك


1) نفسه : قصا / 237.

2) نفسه : خ / 238، وينظر : النهاية في غريب الحديث : 59/4.

3) ينظر : تاج العروس (جفو) : 37 / 36، والمحكم (قزم) : 262/6.

4) ينظر : العين (طغم) : 389/4، ولسان العرب (طغم) : 368/12.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 193/4.

6) ينظر : الديباج الوضي : 2083/4.

7) نفسه.

8) ينظر العين (قزم) : 93/5، ولسان العرب (قزم) : 477/12.

وتعالى، وهي (العبودية) الكبرى، أم كان الأمر متعلقاً باستعباد الناس وإخضاعهم إلى سلطة الحُكّام المتسلطين. ولبيان طبيعة هذا الاستعمال وتأثير دلالة اللفظة وصيغتها الصرفية على السياق. نذكر قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يتحدث فيه عن الخضوع والتذلل لله تبارك وتعالى، وأنّ الناس جميعاً مملوكون اللّه وهو في صدارتهم. يقول : ((فَلاَ تَكُفُّوا عَنْ مَقَال بِحَقِّ، أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ، فَإِنَّمَا أَنَا وَأَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبِّ لَا رَبَّ غَيْرُهُ، يَمْلِكُ مِنَّا مَا لَا نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا...)) (1). ولمّا أراد وصف نفسه وبقية الناس بالخضوع اللّه تبارك وتعالى، اتخذ من مفردة (عبيد) سبيلاً لذلك، فجاء بها بصيغة الجمع على (فَعِيل) ؛ لتحقيق معنى الخضوع، ولبيان أنّ النّاس جميعاً (عبيد) للّه. ويلحظ أنّ استعماله مفردة (عَبيد) بوزن (فَعِيْل) يظهر نوعاً من التفرّد في الصياغة، لتكون فارقة في السياقات التي نظمها لهذا الغرض الدلالي - أعني إظهار تمام الخضوع والعبودية لله – فضلاً عن الطاعة له، ولاسيما إذا عرفنا أنّ مجيء بناء (فَعِيْلٍ) للجمع يُعدّ عزيزاً عند اللغويين، الذين وقع بينهم خلاف في عدّ هذا البناء من أبنية الجمع أو لا ؛ فمنهم من جعله جمعاً، ومنهم من ذهب إلى عده اسماً للجمع، وشبَّهوه في ذلك - بلفظة (حَجِيج) (2).

أقول: إنّ الخلاف في عدّ (فَعِيل) جمعاً أو اسم جمع يمثل أيضاً ضرباً من التفرّد في صياغة اللفظة. وبحسب ذلك أيضاً تتحقق فكرة استعمال كلمة (عبيد) في مجال التملك الإلهي (للعباد)، على الرغم من أنّ بعض اللغويين جعلوه خاصاً بالملكية للناس، فذكروا أنّ مفردة (عبد) و (عِباد) مختصتان باللّه تبارك وتعالى، في حين أنَّ (عَبِيْد) مختصة بالمملوكين. ولهذا يُقال : هذا عَبْد من عِباد اللّه، وهؤلاء عَبِيْد ممالك (3).ومن نظائر هذا الاستعمال لفظة (عَبِيْد) مختصة باللّه تعالى ما ورد في (خ / 178، ق / 237).

أما ما جاء في استعمال لفظة (عَبِيْد) مختصة بالعبيد المملوكين للناس، فقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق كلامه على (الفَرَاعِنَة) الذين اتخذوا الناس عبيداً : ((وَتَدَبَّرُوا أَحْوَالَ الْمَاضِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَكُمْ، كَيْفَ كَانُوا فِي حَالِ التمحيص وَالْبَلاءِ؟ أَلَمْ يَكُونُوا أَثْقَلَ الْخَلائِقِ أَعْبَاءَ، وَأَجْهَدَ الْعِبَادِ بَلَاء...؟! اتَّخَذَتْهُمُ الْفَراعِنَةُ عَبيداً فَسَامُوهُم سُوءَ الْعَذَابِ، فَلَمْ تَبْرَح الْحَالُ بِهِمْ فِي ذُلّ الْهَلَكَةِ وَقَهْرِ الْغَلَبَةِ ...)) (4). وتدلّ لفظة (عبيداً) - هنا - على الاستعباد والامتهان، فضلاً عن الذل والقهر. وهذه من المعاني التي ذكرها الإمام في النص نفسه، وذلك كله بقرينة كلمة (الفَرَاعِنة) الواردة في النص، التي لا تخفى إشارتها الى التسلط والجبروت والطغيان حتى إنّها صارت رمزاً لذلك. وحسبنا بالقرآن الكريم الذي استعمل كلمة (فرْعَون) للدلالة على الطواغيت الظالمين الذين يستعبدون الناس، ويسوموهم سوء العذاب. يقول اللّه تعالى : (فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً * يذبح أبناءهم وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)(5). وقد ذكر المفسرون أن قوله (شيعاً)


1) نهج البلاغة : خ / 216 : 421.

2) ينظر : تاج العروس (عبد) : 327/8.

3) ينظر : العين (عبد) : 48/2.

4) نهج البلاغة : خ / 192 : 373.

5) القصص / 4.

يعني أنّه جعل أهلها فرقاً يشايعونه على ما يريد ويطيعونه، فلا يملك أحد منهم أن يلوي عُنقه (1). وهذا الكلام يؤكد أنّهم كانوا عبيداً عنده.

وقد استعملت لفظة (عبيد) بدلالة المملوكين المهانين في مواضع أخر من نهج البلاغة هي (خ/44 ، ح / 97، 160).

عُبدَان

استعملت هذه اللفظة مرة واحدة في نهج البلاغة (2)، وهي من ألفاظ الجموع لكلمة (عبد) (3)، الذي يجمع عدّة جموع، منها (فِعْلان) بكسر العين وضَمّها، فيقال : عِبْدان) و (عُبْدان) كما يفهم من كلام سيبويه (4)والقياس في تكسير ما كان على وزن (فعل) في اللغة هو الجمع على (فُعْلان) بالضم، نحو (بَطْنٌ) التي تُجمع على (بُطْنان). ومنه كذلك (عَبْدٌ) التي تجمع على (عُبْدان) بالضم أيضا (5). وكان القياس في جمع (عَبْد) أنْ يجمع على (عِبَاد)، لأنّ (فَعْلاً) سواء أكان اسماً أم وصفاً، فتكسيره يكون على (فعال)(6).

وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (عُبدان) جمعاً بوزن (فعلان)، وذلك في قوله الذي يردّ فيه على من طالبه بمعاقبة من أجلب على الخليفة (عثمان بن عفان)، فخاطبهم قائلاً : ((يَا إِخْوَتَاهُ إِنِّي لَسْتُ أَجْهَلُ مَا تَعْلَمُونَ، وَلكِنْ كَيْفَ لي بِقُوَّة وَالْقَوْمُ الْمُجْلِبُونَ عَلَى حَدٌ شَوْكَتِهِمْ، يَمْلِكُونَنَا وَلَا نَمْلِكُهُمْ وهَاهُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ ثَارَتْ مَعَهُمْ عَبدَانِكُمْ، وَالْتَفَّتْ إِلَيْهِمْ أَعْرَابُكُمْ، وَهُمْ خِلالَكُمْ يَسُومُونَكُمْ مَا شَاؤُوا...)) (7). لقد وظف أمير المؤمنين هذه الكلمة بهذا البناء على الرغم من كونها من الصفات، والأصل في الصفات أن لا تكسّر لمشابهتها الأفعال، فيلحق بأواخرها ما يلحق اواخر الأفعال في الجمع من الواو والنون والألف والتاء. غير أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) جاء بمفردة (عُبْدَان) على البناء المتقدم ؛ للدلالة على ثبوت الوصف في هؤلاء الذين ثاروا على الخليفة (عثمان)، فهذا البناء يبتعد بالمفردة التي صيغت على وزنه من الدلالة على الحدث ويقترب بها الى الإسمية، فالحدث فيه يعني التجدد والاستمرار وعدم الثبات وهذه من خصائص الأفعال، في حين أن الإسمية تعني الثبوت في ملازمة الصفة الموصوفها وهو ما أراد النص تحقيقه فيما أحسب، كأن الإمام أراد أن يقول لهم : أنّ أراذل القوم ومملوكيهم هم المهيمنون على الأمر، وهم الذين كانوا القطب الذي ألتفت إليه أعرابهم. ونلمس في مفردة (عبدان) الدلالة على الاستبداد بالرأي وعدم الطاعة، فإنّ هؤلاء ثاروا دون الأخذ برأي أسيادهم. ولهذا وصف الإمام هذا الأمر بأنّه (أمرُ الجاهلية) قائلاً : ((وَهَلْ تَرَوْنَ مَوْضِعاً لِقُدْرَة عَلَى شَيء، تُرِيدُونَهُ؟! إِنَّ هَذَا الأَمْرَ أَمْرُ جَاهِلِيَّة...)) (8). ولا يخفى ما في النص من ألفاظ تعزز دلالة لفظة (عبدانكم) على الإهانة والابتذال، و سيطرة هذه الطبقة في توليها أمر الخليفة (عثمان) وقتله، مستعينين (بالأعْرَاب) الذين هم أشدّ كفراً ونفاقاً كما


1) ينظر : الكشاف : 396/3.

2) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 289.

3) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 169/3.

4) ينظر : كتاب سيبويه : 571/3، 628.

5) ينظر : المهذب في علم التصريف، د. هاشم طه شلاش وصاحبه : 195.

6) نفسه.

7) نهج البلاغة : خ / 168 : 305.

8) نفسه.

يذكر القرآن الكريم الذي يقول في وصفهم: (اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (1). ووصفهم أيضاً بالمنافقين في قوله: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ)(2). ولهذه المعاني التي دلّت عليها مفردتا (عِبْدَانِكم) و (أَعْرَابُكم)، فقد وصف الإمام هذه الحادث بأنّه أمر جاهلية، في إشارة منه أنّ هذا الأمر هو نزاع قبلي أكثر من كونه خلاف في سبيل الإسلام ؛بسسبب من سيادة النّفس (الأعرابي) الاستعبادي الجاهلي من عدم الرحمة والعطف وشيوع القتل وإباحة الدماء على أيدي هذه الفئات في الجاهلية. ومن خلال الاستعانة بالتاريخ الذي وصف لنا حادثة مقتل الخليفة (عثمان بن عفان)، يتبيّن أنّ أكثر أهل المدينة كانوا من المجلبين عليه، ومعهم من أهل البصرة والكوفة خلف عظيم جاؤا من بلدانهم لذلك (3)، وانظم إليهم أجلاف البادية وعبدانٌ المدينة وأعرابها الخلطاء من الذين يقطنون حولها، وكانوا في غاية من شدّة الشوكة عند اجتماعهم، وثاروا ثورة واحدة (4).وبهذا صح وصفه (عليه السلام) لهؤلاء بأنهم (عبدان).

العتق

إشارة:

العتق خلاف الرِّق، وهو الحرية، وكذلك العتاقة والعتاقة بالفتح (5). ورَجُل عَتِيق وامرأةٌ عتيقة، إذا عُتيقا من الرّقِّ فصارا حُرَّين (6). وامرأة عتيقة، أي جميلة كريمة، وجارية عاتق، شابة في أوّل إدراكها (7). وكل ناقة تعتت في الشعر بأنّها (عتيقة) فإنّها نجيبة (8). وعَتَق الفرس إذا سَبَق الخيل (9).

واستعملت لفظتا (العِتق) و (العِتَاق) مرتين في نهج البلاغة. في حين جاءت ألفاظ : (يُعْتِق) و (أعتقها)، و (أعتقكُم)، و (عَتِيْقَة) مرة واحدة، للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على تحرير العبيد وإطلاقهم من الرّق.

وهو أكثر الدلالات شيوعاً بالنسبة إلى بقية الدلالات الأخرى. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق وصيته التي فصل فيها أحكام (إمائه): ((وَمَنْ كَانَ مِنْ إِمَائِي. اللَّاتِي أَطُوفُ (10)عَلَيْهِنَّ - لَهَا وَلَدٌ، أَوْهِيَ حَامِلٌ، فَتُمْسَكُ عَلَى وَلَدِهَا وَهِيَ مِنْ حَظْهِ، فَإِنْ مَاتَ وَلَدُهَا وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ عَتِيقَةٌ، قَدْ أَفْرَجَ عَنْهَا الرِّقُّ، وَحَرَّرَهَا الْعِتْقُ)) (11). والملاحظ في هذا النص استعماله مفردة (عَتيقة) و (العِثق) في سياق يبيّن فيه حكماً شرعياً يخص


1) التوبة : 9/.

2) التوبة / 101.

3) ينظر : البداية والنهاية، لابن كثير : 173/7، 174، وشرح نهج البلاغة (البحراني) :674/3.

4) ينظر : في ذلك الكامل في التاريخ لابن الأثير : 58/3، وما بعدها، والبداية والنهاية : 173/7، 174، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 674/3.

5) ينظر : لسان العرب (عتق) : 234/1.

6) ينظر : العين (عتـ) : 146/1، وتهذيب اللغة (عتـ) : 142/1.

7) ينظر : العين (عتـ) : 146/1، والمحكم (عتـ) : 178/1.

8) ينظر : العين (عتـ) : 146/1.

9) ينظر : تهذيب اللغة (عتـ) : 142/1.

10) أصل الطواف في اللغة هو الاستدارة والمجيء من النواحي، ينظر : لسان العرب (طوف) : 225/9. وقد كَنّى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالطوّاف عن وطيء نسائه وغشيانهنّ وهو من غريب الكناية وبديعها. ينظر : الديباج الوضي: 2208/5، 2209.

11) نهج البلاغة : ك / 24 : 481.

مُلكه من (إمائه)، فخص كلمة (عَتِيْقة) بالأمة التي لها ولد، أو هي حامل. فإن مات ولدها وهي حية، فهي (عَتيقةٌ) أي: مُحرّرة لا سبيل لأحد عليها (1)وذلك بعد بعد موت سيّدها. وعنى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بلفظة (عَتيقة) الدلالة على كمال تحررها وعدم تملكها من أحد من بعده. كما توحي هذه المفردة بالدلالة على الكرامة واكتساب الحرية والتخلّص من الخضوع إلى الغير. ويستفاد هذا المعنى من وصف المرأة الكريمة بأنّها (عَتيقة) (2)، يُراد بذلك نجابتها وكرامتها في الناس، كأنّه قصد بذلك رجوعها إلى حال الحرية وعدم الاستعباد، ولهذا عزّز الإمام من دلالة تلك المفردة بذكر قوله : ((قَدْ أَفْرَجَ عَنْهَا الرَّقُ، وَحَرَّرَهَا الْعِتْقِ)) مؤكدا – فيما يبدو - معنى كلمة (عَتيقة). ولعلّه استعمل هذه المفردة بصيغة (فَعِيْل) ؛ لأجل إكتساب هذا النوع من الإماء صفة التحرر والإطلاق من ملك اليمين، فتصير الأمة عتيقة وصار الوصف بهذه الصيغة كالسجية فيها (3). فكأنّ بناء (فَعِيلة) يتحول الى معنی (مَفْعُول). والمراد : (مُعْتَقة).

وثَمة نكتة لغوية في قوله : ((قَدْ أَفْرَجَ عَنْهَا الرِّقُ، وَحَرَّرَهَا الْعِتْقُ))، فقد جعل الإمام (الرَّقة والعتق) (فاعلين) في النص، كأنهما هما اللذان أُفرجا عن (الأمة) وحرَّراها بالعتق، لأنّ الرّق هو استملاك العبيد، والعتق هو التحرر وزوال العبودية، وهما بمنزلة القيد والرهن في العبيد عامة.

أقول : ونظير هذه الدلالة في كلمة (عَتيقة) ما ورد في (خ/15)

ثانياً : الدلالة على التحرر من ذلَّ الدنيا وطاعة الشيطان.

وهو بمنزلة الدلالة المتقدمة من حيث شيوعه، ومنه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق يُبيِّن فيه حُسن معاملته لرعيته : ((وَلَقَدْ أَحْسَنْتُ جِوَارَكُمْ، وَأَحَطتُ بِجُهْدِي مِنْ وَرَائِكُمْ، وَأَعْتَقْتُكُمْ مِنْ رَبَقِ الذُّلّ، وَحَلَقِ الصَّيْمِ، شُكْراً مِنِّي لِلْبِرٌ الْقَلِيلِ...)) (4). أراد بقوله (أعتَقْتُكم) أي حرّرتكم من الذل وحَلَق الضيم. وذلك كناية عن حمايتهم من أعدائهم الذين أحاطوا بهم وطوقوهم بحلقة من الذُّلّ. وقد أشار إلى هذا المعنى الشارح البحراني رحمه اللّه (5). وأما (عِتْقُهم)، فكان من حبائل الذُّل وعُقده. وهو ما عبّر عنه الإمام بلفظة (ربَق)، وهو - بالكسر - الحبل والحلقة التي الغَنَم تُشدّ بها الغَنَ دَم الصغار، لمنعها من رضاعة أمها (6). و من الدلالة المعجمية لهذه المفردة، نفهم ما أفادته كلمة (أعتقتكم) التي أشار بها إلى فَكّ قيودهم وتخليصهم من عقد الارتهان والاستعباد للطواغيت الذين استعبدوهم. ومن ذلك أيضاً قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق وصف الدنيا وأنواع الناس فيها : ((الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٌّ إِلى دَارِ مَقَرٌ، وَالنَّاسُ فِيهَا رَجُلانِ : رَجُلٌ بَاعَ نَفْسَهُ فَأَوْبَقَهَا (7)، وَرَجُلٌ ابْتَاعَ نَفْسَهُ فَأَعْتَقَهَا)) (8). والمراد : أنّ من باع


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 227/4. وههنا حكم شرعي يشير إليه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتعلق (بالأمة) المملوكة وحالها بعد وفاة سيّدها وفي حياته وبتفصيل يتعلق بحملها وولادتها، وقد ذكر بعض الشراح أنّ الرأي الذي عليه أكابر أهل البيت (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجماهير العلماء أنّ من استولد جارية فولدت ولداً تاماً أو يظهر فيه الخلقة فإنَّها تُعتق بموته، ولا يجوز بيعها قبل موته، وهذا هو رأي أمير المؤمنين، ثم حكي عنه بعد ذلك جواز بيعها في حال حياة السيد. وهو قول قديم للشافعي، وظاهر كلام الإمام في النص المتقدم في النهج يخالف هذه الأقاويل، فقضاؤه بكون أم الولد الحي محسوبة في حظ ولدها في الإرث، أما من مات ولدها من إمائه بعد موته، وهي حية، فهي حرة عتيقة لا سبيل لاحد عليها. ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 228/4، والديباج الوضي : 2209/5.

2) ينظر : العين (عتق) : 142/1.

3) ينظر : معاني الأبنية : 117.

4) نهج البلاغة : خ / 109 : 279.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 648/3.

6) ينظر : لسان العرب (ربق) : 112/10.

7) الوَبَق : الهلاك. وأوبق اللّه أهلكه. والموبقات الذنوب المهلكات. ينظر : لسان العرب (وبق) :370/10.

8) نهج البلاغة : قصا / 133 : 627.

نفسه للدنيا وانغمس في لذاتها، فقد أهلك نفسه. وأمّا من اشترى نفسه ورغب عن الدنيا، فقد أعتقها وحرّرها من ذل الدنيا وهوانها وذلّ ما فيها. وعبّر عن التساهل والانقياد إلى الأهواء بالبيع ؛ لأنّ هذا النوع من الناس قد جعل هذه الملذات ثمناً لنفسه، في حين أنّ كفَّ النفس عن تلك المسائل يكون بمنزلة شرائها وتداركها عن الوقوع في الهلاك (1). فاستعار لفظ (البيع) لبائع النفس، ولفظ (الابتياع) لشرائها وإنقاذها من الهلكة (2)، فصار اللفظان - هنا - بمنزلة المتضادين في الدلالة، وأضحى الأخير منهما سبيلاً الى العِتق والتّحرّر. وقد استعملت لفظة (عِتْق) بالدلالة المتقدمة في (خ / 230).

ثالثاً : الدلالة على كرام الخيل ونجائبها

وجاءت هذه الدلالة مرة واحدة في سياق كلامه الذي يصف فيه الأتراك، وذلك في قوله : ((كَأَنِّي أَرَاهُمْ قَوْماً... يَلْبَسُونَ السَّرَقَ وَالدِّيبَاجَ، وَيَعْتَقِبُونَ الْخَيْلَ الْعِتَاقَ...)) (3)فوصف (عَلَيهِ السَّلَامُ) خيل هؤلاء بـ (العتاق) جمع (عتيق)، وهي كرام الخيل والنجائب منها (4). والعرب تقول : فرس عَتِيْق : أي رائع كريم بين العتق (5). وتقول أيضا : هو على أكرم تاجرة. يريدون : على أكْرَم خَيلٍ عِتَاق (6). وقد أشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الكلمة إلى حبس هؤلاء القوم (الخيل العتاق) ويمنعونها عن غيرهم ؛ لأجل ركوبها والقتال عليها، ويستفاد هذا المعنى من القرينة اللفظية، وهي كلمة (يعتَقِبون) والعَقْب الشدُّ، وعقبه يَعْقِبه خاف أن يَزيعَ منه فَشَدّه (7). ومن هذا يتضح المعنى الذي قصد إليه الإمام من أنّ هؤلاء يشدون تلك الخيل الكرائم القوية الكثيرة السِّبق ويحبسونها عليهم ويمنعون غيرهم منها إشارة الى انفرادهم بها واقتصارها عليها.

خادمة

إشارة:

الخِدْمَة في اللغة الامْتِهَان. وخَدَمَه. أي : مَهَنَه (8). وأصل هذه اللفظة - فيما يبدو – مأخوذ من (الخَدَمَة)، وهو السَّير الغليظ المُحكم الذي يكون كالحلقة يُشَدّ في رسغ البعير تربط إليه سرائح نعل البعير. ومنه قيل للخَلْخَال خَدَمة (9). وتسمّى السَّاق خَدَمة أيضاً حملاً لها على الخلخال ؛ لكونها موضعه ومكانه الذي يكون فيه (10). والخادم الجارية (11). وهذا اللفظ يقع على المذكر والمؤنث معا، فيقال : الخادم هو الذي


1) ينظر : الديباج الوضي : 2830/6.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 434/5.

3) نهج البلاغة: خ / 128 : 234.

4) ينظر : تاج العروس (عتق) : 122/26.

5) ينظر : لسان العرب (عتق) : 235/10.

6) ينظر : القاموس المحيط (عتق) : 454/1.

7) ينظر : لسان العرب (عقب) : 623/1.

8) ينظر : تاج العروس (خدم) : 55/32.

9) ينظر : العين (خدم) : 235/4.

10) ينظر : المحكم (خدم) : 147/5.

11) ينظر : لسان العرب (خدم) : 166/12.

يَخدم غُلاماً كان أو جارية. وربّما قيل (خادِمَة)، وهي عربية فصيحة (1). وتجمع هذه الكلمة على (فعال). و (فَعَل). فيقال : خُدَّام وخَدَم (2). وقيل : إِنَّ الخَدَم) اسم للجمع (3).

وقد جاء الجذر اللغوي (خَدَم) في نهج البلاغة ست مرات (4)، فقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردات : (خَدَمَتهم)، و (خادِمُهُ)، و (خَدَماً)، و(خَدَمِك) و (خِدْمِتك)، و(يخْتَدمها) للدلالة على ما يأتي.

أولاً : الدلالة على الخَدَم

وهو الموالي الذين يَخْدمون في بيوت أسيادهم، وهذا لمعنى أكثر استعمالاً في النهج. ومنه قول الإمام في سياق وصيته إلى ولده الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوصيه فيها بتوزيع الخَدَم على أعمالهم، إذ يقول : ((وَاجْعَلْ لِكُلِّ إِنْسَان مِنْ خَدَمِكَ عَمَلاً تَأْخُذُهُ بهِ، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَلَّا يَتَوَاكَلُوا فِي خِدْمَتِكَ...)) (5)وهذه الوصية بينة في ضرورة ضرورة تقسيم الأعمال وتوزيعها على الخدم، حتّى لا يتواكل بعضهم على البعض الآخر في أداء هذه الأعمال، بسبب من كثرة الأعمال أو تعدد الخدم في البيت، ولاسيما إذا كان (المَخْدُوم) من ذوي المنزلة والرفعة. وهذه إشارة إلى ضرورة تنظيم أعمال المهن بعامة، وأعمال الخدم خاصة، فضلاً عن ما في النص من إشارة إلى عدم الإكثار من الموالي في البيت الواحد والاقتصار على الضروري منهم في أداء الأعمال التي تصل حدّ المشقة والعُسر أحياناً. ولا يخفى أنّ قولة الإمام المتقدمة لا تخص الإمام الحسن فحسب، بل إنها تشمل الأمة جميعا، ولعل تركيز الإمام على هذه القضية كان بسبب من شيوع ظاهرة الخدمة في البيوت، فضلاً عن زيادة عدد الموالي الذين يمتهنون هذا النوع من الأعمال. فقصد (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحقيق (الحِكْمة المنزلية) (6)في تقسيم الأعمال ؛ ليكون مبدأ المؤاخذة والمحاسبة في ترك العمل و المكلف به الخادم أو العامل والتهاون فيهما سارياً معمولاً به، عملاً بمبدأ الثواب والعقاب في المجالات العملية والبيتية وغير ذلك من جوانب الحياة. وقد استعمل الإمام في هذا المقطع لفظتا (خَدَمِك وخِدْمَتِك)، محققاً بذلك ضرباً من التناسق الصوتي واتساق النغم مع الفارق الدلالي بين اللفظتين، فالأولى تدل على الخدم القائمين بالعمل، في حين أن الثانية تدل على المهنة أو الطاعة التي يؤديها هؤلاء الخَدَم. ومثل هذه الدلالة في استعمال كلمة (خَدَم) ما جاء في (خ / 109).

ثانياً : الدلالة على اتخاذ الجوارح التي خلقها اللّه تعالى للإنسان خدماً له

وقد ورد ذلك على قسمين :

أ - استعمال لفظة (يخْتَدِمُها)، للدلالة على عامة الجوارح المخلوقة في البَدَن التي يسعى بها الإنسان ويجعلها بمنزلة الخَدَم عنده. يقول في سياق كلامه على كيفية خَلْق الإنسان : ((ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الْأَرَرْضِ وَسَهْلِهَا، وَعَذَّبِهَا وَسَبَخِهَا، تُرْبَةً سَنَّهَا بِالمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ، وَلَاطَهَا بِالبَلّةِ (7)حَتَّى لَزَبَتْ (8)، فَجَبَلَ مِنْهَا صُورَةً


1) ينظر : لسان العرب (خدم) : 166/12.

2) نفسه.

3) نفسه.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 133.

5) نهج البلاغة : ك / 512:31.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 292/5.

7) البلل في اللغة النَّدى والنداوة. ينظر : لسان العرب (بلل) : 64/11.

8) لَزُب الشيء يلزب لزوباً. إذا دخل بعضه في بعض، ولزب الطين يلزب لصق وصلب. وقد نقلت المعجمات قول الإمام المتقدم الذي استعملت فيه لفظة (لَزُبَت). ينظر : لسان العرب (لزب) : 738/1.

ذَاتَ أَحْنَاء وَوُصُول، وَأَعْضَاء وَفُصُول : أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ، وَأَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ، لِوَقْت مَعْدُود، وَأَجَلٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ فَمَثْلَتْ إِنْسَاناً ذَا أَذْهَان يُجيلُهَا، وَفِكَر يَتَصَرَّفُ بِهَا، وَجَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا...))(1).

أقول : وصاغ الإمام الفعل (يَخْتَدم) بوزن (افتَعَل) وذلك لتحقيق معنى (الإتخاذ)، وهو من أشهر المعاني التي تفيدها صيغة (أفْتَعَل) المزيدة بحرفين (2). ويُعدّ استعماله الفعل (يَخْتَدم) استعمالاً متفرداً أحيا به (عَلَيهِ السَّلَامُ) فعلاً قلَّ استعماله في العربية الفصحى، ولاسيما المعاصرة حتى تمنّى الدكتور إبراهيم السامرائي العودة إلى استعماله قائلاً : ((وكم بنا حاجة إلى هذا الفعل في العربية المعاصرة)) (3). ويفهم من هذا الكلام تفرّد الفعل (يَخْتَدِم) ونجابته من حيث الاشتقاق والدلالة على الاتخاذ، فقد قصد به الإمام الدلالة على اتخاذ الناس تلك الجوارح التي خلقها اللّه تبارك وتعالى لهم خدماً لهم يستعملونها في تحقيق غاياتهم ومآربهم. مع الإشارة إلى أنها تُطيع الإنسان ونتقاد إليه من غير مخالفة (4). وبهذا يتحقق معنى المطاوعة أيضاً في صيغة (افتعل) التي سيقت على وزنها مفردة (يَخْتَدم) فاجتمعت في هذه الصيغة دلالتا (الاتخاذ، والمطاوعة) معاً، وهما من المعاني التي ذكرها الصرفيون لهذا النوع من الأبنية (5)، على أنّهم لم يذكروا اجتماعهما معاً في صيغة (افْتَعَل) ؛ فلم تدل هذه الصيغة على الاتخاذ والمطاوعة في وقت واحد. حتّى أنّ فرّق اللغويون بين المعنيين بوساطة ظاهرة (التعدي واللزوم)، فذكر ابن السراج (ت 316 هـ) أنّ (افْتَعَل) إذا جاء في معنى (المطاوعة) فلا يكون متعدياً، والأجود في مجيئه للاتخاذ أن يقع متعدياً على غير معنى (الإنْفِعَال)، نحو (احتَبَسْتُه) أي : اتَّخَذْتُه حَبِيسَاً (6). أقول : إنّ (الاتِّخاذ) في (افْتَعَل) يتطلب مطاوعة المُتَّخذ ومسايرة المتَّخِذ في فعله، ولاسيما إذا كان الاتخاذ معنوياً، من قبيل عبارة الإمام : ((... وَجَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا)) التي تدل على تصوير الجوارح بأنها خدم للإنسان.ولهذا فَسَّر الشارح البيهقي الأنصاري هذا الاستعمال (العلوي) بقوله : ((يأمُرَهَا بِأَنْ تَخْدُمَهُ)) (7). يريد : أنّه يأمر الجوارح بخدمته.

ب - أما الاستعمال الثاني في مجال خدمة الجوارح ؛ فقد ورد على لسان أمير المؤمنين في شان النبي عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي اتخذ يديه خدماً، إذ يقول : ((وَإِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ(عليه السلام)، فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ، وَيَلْبَسُ الْخَشِنَ، وَكَانَ إِدَامُهُ الْجُوعَ، وَسِرَاجُهُ باللَّيْلِ الْقَمَرَ، وَظِلالُهُ في الشَّتَاءِ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَفَاكِهَتُهُ وَرَيْحَانُهُ مَا تُنْبِتُ الأَرْضُ لِلْبَهَائِمِ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ تَفْتِنُهُ، وَلاَ وَلَدٌ يَحْزُنُهُ، وَلَا مَالٌ يَلْفِتُهُ، وَلَا طَمَعْ يُذِلُّهُ، دَابَّتُهُ رِجْلَاهُ، وَخَادِمُهُ يَدَاهُ!)) (8).


1) نهج البلاغة : خ / 210/1 : 21.

2) ينظر : الأصول في النحو : 126/3، وشرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك : 601/2.

3) ينظر : مع نهج البلاغة : 148.

4) ينظر : الديباج الوضي : 147/1.

5) ينظر : الأصول في النحو : 126/3.

6) نفسه.

7) معارج نهج البلاغة : 197/1.

8) نهج البلاغة : خ / 160 : 283.

إنّ ظاهرة توظيف الجوارح، ولاسيما (الرجلين واليدين) عند النبي عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) تبدو ظاهرة مميزة ؛ فإنها تظهر دأبه على الاستعانة بنفسه لقضاء حوائجه، ولهذا ميّزه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الصفة عند ذكره خصائص هذا النبي باتخاذ رجليه دابّة له، ويديه خادماً، إشارة إلى أنّ الرجل عنده بمنزلة الدّابة التي يتنقل عليها، فأنّ اليد هي الخادم المطيع له في صنع ما يريد، وذلك كله - كما يذكر الشارح البحراني – على سبيل استعارة لفظة (الدّابة) للرجلين، والخادم لليدين) ووجه ذلك قيام انتفاعه برجليه ويديه كقيامه بالانتفاع بالدّابة والخادم (1).

أقول : وثمّة مفارقة دلالية في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) المتقدم فإنّ لفظتي (دابتة و خادمه) ألفاظ مفردة، في حين أنّ (رجلاه و يداه) ألفاظ مُثناة ؟ وجاز هنا - الإخبار بالمثنى عن المفرد، لبيان كثرة اعتماده على هاتين الجارحتين فيما أحسب، ولقيامهما مقام (الدّابة، والخادم) مبالغة في توطينها له وتصرّفه بهما.

الرّق

إشارة:

الرّقة ضد الغلظ (2). وأرَقَّ الشَّيء ورَققَه جعله رقيقاً (3). وعيش رقيق : أي ناعم (4). والرَّقَق الضعف والرَّقيق العبد المرقوق والأمة الرقيق والرقيقة (5). واسترق المملوك فَرَقَّ، إذا أُدخل في الرّق(6). ويبدو أنّ هذا. المعنى مأخوذ من رقّة الجلد، وهو ضَعَّفه بعد الغلظة والجفاء (7). وتجمع كلمة (رق) على (أرقاء)، و على (رَقيق) وهو اسم للجمع (8).

وقد ورد الجذر اللغوي (رق) في نهج البلاغة إحدى عشرة مرة (9). فقد استعملت لفظة (الرّقة) ثلاث مرات، ولفظتا (رَقَّ) و (الرِّقُ) مرتين لكل منهما. في حين جاءت ألفاظ (رقاً، ويَرِقًا، والرَّقيق، وأَرقَّ) مرة واحدة لكل منها، وذلك للدلالة على ما يأتي:

أوّلاً : الدلالة على الرّقة والعطف والحنان

وقد وردت هذه الدلالة في سياق كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن تنزيه اللّه جل جلاله، وقد أورد الإمام هذا المعنى مرتين كلتاهما في حق البارئ عز وجل واصفاً إياه بما استحقه من جليل الوصف ومنزهاً له عما يشتبه على الناس. إذ يقول : ((...لا تُدْرِكُهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ، وَلكِنْ تُدْرِكُهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْأَدِيمَانِ، قَرِيبٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ غَيْرُ مُلاَمِس، بَعِيدٌ مِنْهَا غَيْرُ مُبَايِن، مُتَكَلِّمٌ بِلا رَوِيَّةٌ مُرِيدٌ بِلا هِمَّةٌ، صَانِعٌ لَا بِجَارِحَة، لَطِيفٌ لاَ يُوصَفُ بِالْخَفَاءِ، كَبِيرٌ لاَ يُوصَفُ بِالْجَفَاءِ، بَصِيرٌ لاَ يُوصَفُ بِالْحَاسَةِ، رَحِيمٌ لَا يُوصَفُ


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 653/3.

2) ينظر : المحكم (رق) : 126/6.

3) نفسه.

4) نفسه.

5) نفسه : 128.

6) نفسه.

7) نفسه.

8) ينظر : المحكم (رقق) : 128/6.

9) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 193.

بِالرِّقَّة...)) (1). فاللّه تبارك وتعالى (رَحِيمٌ)، ولم تأتِ رحمته هذه من الرّقة أو العاطفة والحنان التي ينماز بها البشر (2)، وإنّما هو رحيم فوق الرقة التي لا يجاريه أحد فيها وإنما جعله (عليه السلام) غير موصوف بالرقة ؛ لأن في الرّقة ضرب من العبودية، فالرقيق العبد، والرّقة الضعف أيضا، وهذه الأوصاف لاتليق بالخالق تبارك وتعالى ؛ فهو سيد العالمين ومالك العبيد والعباد جميعا. وشبية بهذه الدلالة ما ورد في (خ/186).

ثانياً : الدلالة على رقة الجلد

وقد ورد هذا المعنى في دلالتين ذكرهما أمير المؤمنين في نهج البلاغة هما:

أ - رقّة جلد الإنسان، وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) متحدثاً رقة هذا الضرب من الجلود، وقلة صيره على النار: ((وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِهذَا الْجِلْدِ الرَّقِيقِ صَبْرٌ عَلَى النَّارِ، فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ...)) (3). وقد وصف الإمام جلد الإنسان الإنسان (بالرَّقيق)، متخذاً من صيغة (فَعِيْل) بناء لتأدية هذا المعنى، بحيث أكسب هذا الوصف دلالة النُّبوت والاستمرار، فضلاً عن معنى اللزوم (4). وهذا يعني أنّ جلد الإنسان تلازمه الرّقة مدة الحياة إلى الممات، فإذا انتقل الإنسان الى عالم الآخرة وحل يوم الحساب، فليس لجلده الناعم الترف صبر على العذاب الذي أعده اللّه تبارك وتعالى للمذنبين.

ب - رقة جناح طائر الخفّاش، وقد وصفه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله : ((... وَجَعَلَ لَهَا أَجْنِحَةً مِنْ لَحْمِهَا تَعْرُجُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى الطَّيَرَانِ،... غَيْرَ ذَوَاتِ رِيش وَلَا قَصَب، إِلا أَنَّكَ تَرَى مَوَاضِعَ الْعُرُوقِ بَيْنَةً أَعْلَاماً، لَهَا جَنَاحَانِ لَمَّا يَرِقًا فَيَنْشَقًا، وَلَمْ يَغْلُظَا فَيَثْقُلاَ)) (5). وهذا موضع عجيب من الوصف لهذا الطير المعدود من طيور طيور الليل، والذي يتَّخذ النهار سكنا له والليل معاشاً، مستعيناً بأجنحة لما تصل إلى حدّ الرّقة الكاملة، فتكون عُرضة للشَّقِّ والاختراق، ولم تغلظ فتتقل الخفافيش وتمنعها من الطيران والاهتداء إلى سُبل عيشها وقرارها.

وقد كانت سبيل الإمام لتحقيق دلالة التوسط بين الرّقة والغلظة هذه استعماله الأداة (لما) الظرفية الجازمة التي تركبت مع الفعل (يَرِق) في قوله، للدلالة على عدم تحقق رقة جلد هذين الجناحين، اللذين جعلهما حالة وسطاً بين هذا وذاك. وقد أشار النحويون إلى أنّ (لما) إذا دخلت على الفعل المضارع دلت على أنّ المنفي بها متوقع الثبوت (6). في حين أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) جعل المنفي بهذه الأداة بمنزلة المتحقق الثبوت والوقوع، وهذا بيّن من السياق الذي انتظمت فيه (لما). وهذا ضرب من تطور دلالة الحروف واتساعها التفتوا إليه، ولعلّهم لم يطلعوا على كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وغيره من الأحاديث النبوية، لإبعادهم إيّاها من دائرة الاحتجاج اللغوي كما معروف.


1) نهج البلاغة : خ / 179 : 324.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 706/3.

3) نهج البلاغة : خ / 183 : 335، 336.

4) ينظر : شرح الكافية في النحو، للرضي الاسترا باذي: 227/2، ومعاني الأبنية : 74.

5) نهج البلاغة : خ / 100 : 272.

6) ينظر : مغني اللبيب عن كتب الأعاريب : 368/1.

ج - رِقَة الشَّجر وأغصانه. وقد ذكرها (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق موازنته بين (الشجرة البرية) والأعشاب الغضة الناعمة، ضارباً إيّاها مثلاً على صلابة عوده وقوة شكيمته وعزمه. إذ يقول : ((أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلاَ أَشارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أَسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ... وَكَأَنِّي بِقَائِلِكُمْ يَقُولُ: إِذَا كَانَ هَذَا قُوتُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَدْ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ عَنْ قِتَالِ الْأَقْرَانِ وَمُنَازَلَةِ السُّجْعَانِ أَلَا وَإِنَّ الشَّجَرَةَ الْبَرِّيَّةَ أَصْلَبُ عُوداً، وَالْرَّوَائِعَ الْخَضِرَةَ أَرَقُ جُلُوداً...)) (1). ويتخذ الإمام من هذه الطريقة في النظم سبيلاً إلى الموازنة بينه وبين مناويئه، فالتمثيل بالشجرة البَريّة، وقياس نفسه عليها في القوة والصلابة وقلة الغذاء وجشوبة المطعم، كما تكون الشجرة البرية التي تنماز بصلابة أجزائها وغلظة عودها. وأمّا تمثيل خصومه وأقرانه بالروائع والنّعم ولين المطعم، فهو مدعاة إلى رقّة جُلودهم ولينها، وقلة الصبر على المنازلة، والميل إلى الدعة والرفاهية. وهذا كله يدل على ضعفهم وعدم قدرتهم الصمود بوجه الإمام. ومثل هذا المعنى - أعني الدلالة على الضعف وعدم القوة - ورد في (خ / 202، و ك / 53).

ثالثاً : الدلالة على العبيد والخدم. وتنقسم هذه الدلالة أيضاً على قسمين:

أ- الأوّل منهما يتعلق بفكاك (الرِّق) وعِتْقِهم من تسلّط عليهم واستخدمهم بامتهان وقد ورد هذا المعنى في سياق كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الملاحم، ووصف أهل الظلال والفتن، ومن ثَم يذكر أثر أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) في تخليص الناس وإنقاذهم من هذه الفتن يقول أمير المؤمنين : ((يَا قَوْمِ، هَذَا إِيَّانُ وُرُودِ كُلِّ مَوْعُود، وَدُنُو مِنْ طَلْعَةٍ مَا لَا تَعْرِفُونَ، أَلَا وَإِنَّ مَنْ أَدْرَكَهَا مِنَّا يَسرِي فِيهَا بِسِرَاج مُنِيرِ، وَيَحْذُو فِيهَا عَلَى مِثَالِ الصَّالِحِينَ، لِيَحُلَّ فِيهَا رِبْقاً، وَيُعْتِقَ رِقّاً...)) (2). وثمّة إشارة في النص إلى مكانة الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) في إدراكهم الفتن وتأثيرهم في جلائها ورفع غياهبها. ولعل قوله (مَن أدركها مِنًا) نص صريح على أنّ المراد بـ مِنّا هم الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ). ويبدو أنّ السّياق - هنا – ما عاد يطلب من لفظة (رقا) أن تكون دالة على (العَبِيْد) أو (الخَدَم)، فلما كان الإمام يتحدث في النص عن الملاحم والفتن، وهي ظروف وأوضاع تطلب تغيير العقائد ونشر الشُبهات والعقائد الفاسدة بين الناس، فيتلقفها البسطاء من الناس ويتخذونها منهجاً وفكراً لهم لهذا صارت المفردة المتقدمة دالة على من أصبح عبداً ورقاً لتلك الشُّبهات والفتن، فكأنّ هذه الأفكار استرقتهم واعتقلتهم فصاروا عبيداً لها ولقادة الفتن. ولمّا كان جلاء الفتن ورفعها عن المجتمع من أهم وظائف الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، لهذا استعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) تعبير : ((يَسْرِي فِيهَا بِسِرَاج مُنِيرٍ، وَيَحْذُو فِيهَا عَلَى مِثَالِ الصَّالِحِينَ))، ليؤكد أنّهم نور يُجلى فيه العمى عن البصر و البصيرة ليعرف الناس الحق من الباطل، لكون الأئمة الذين يُوضحون للناس قيمة الأفكار الحقَّة والعقائد الصحيحة، فيحُلُّون عُقدَ الرّقِ من رقاب الناس، ويُعتقونهم من رِقّ الأفكار الفاسدة واستعباد الظالمين من زعماء الفتنة.واستعماله للفعلين (يحُلَّ) و (يُعْتِق) يمثل قرينة على إطلاق الناس من قيود تلك الشبهات ؛ فاستعمل (يَحُلُّ) لفكِّ (الرّبق) والرِّقُ في اللغة هو ضربٌ من الحِبال التي تُشَدُّ فيها حَلْقَةً لربط صغار الغنم لمنعها من رضاع أُمَهاتِها (3). وبتوظيف هذا المعنى ومحاولة بيان دلالة (يَحلُّ) لهذا الضرب من الحبال التي تدلُّ في هذا السياق


1) نهج البلاغة : ك / 45 : 532.

2) نفسه : خ / 150: 261.

3) ينظر : لسان العرب (ريق) : 112/10.

على الشبهات والأفكار الفاسدة، فكأنّها تُقيّد ضعاف النفوس بها، وتمنعهم من الارتباط بمن يَفُكّ عنهم مثل هذه الأفكار التي طوقهم بها الضالون. وهنا يتضح معنى حَلٌّ مثل هذا النوع من (الرّق). وأمّا استعماله لكلمة (يُعتق)، فظاهر دلالتها هو (تحرير الرَّقيق) من الاستعباد والامتهان عند أسيادهم الذين يسومونهم الخسف. و (العتق) في اللغة هو الحرية وفك قيد العبيد وتحريرهم من الخدمة (1). وتوظيف الإمام لهذه المفردة جاء مناسباً لكلمة (رقاً) التي بعدها. وقد تحصل من هذا التركيب دلالة أبعد من معنى (عِتْق العبيد)، فالظاهر أنّ المراد بذلك هو فكّ رقاب الناس من سيطرة تلك الشبهات واستيلائها عليهم، وجلاء هذه الأمور بوجود الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) يمثل تحريراً ممن استرقهم الفكر المنحرف والعقائد الفاسدة. وقد اتفق على هذا المعنى جُل شُرّاح نهج البلاغة (2). وقد جاءت لفظة (الرّق) أيضاً بالدلالة على المعنى المتقدم في (خ/ 150) أيضاً.

ب - أمّا المعنى الثاني الذي وردت فيه لفظة (رق)، فهو سياق وصيّة له في حكم إمائه وتفصيل أحوالهن في حياته وبعد وفاته. يقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((وَمَنْ كَانَ مِنْ إِمَائِي. اللَّاتِي أَطُوفُ عَلَيْهِنَّ. لَهَا وَلَدٌ، أَوْهِيَ حَامِلٌ، فَتُمْسَكُ عَلَى وَلَدِهَا وَهِيَ مِنْ حَظِّهِ، فَإِنْ مَاتَ وَلَدُهَا وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ عَتِيقَةٌ، قَدْ أَفْرَجَ عَنْهَا الرَّقُّ، وَحَرَّرَهَا الْعِتْقُ))(3). أراد بقوله (أَفْرَجَ عَنْهَا الرّقُّ) تحريرها من العبودية، فتكون أمة حُرة لا يد لأحد عليها، ولهذا جعل الإمام الرِّقَ هو (المُحَرِّر)، فأنزله منزلة الفاعل رعاية لتحقق معنى العِتْق والتحرير. ولعلّه أراد مُراعاة دلالة لفظة (رق) على الضعف وعدم تمكّن المرأة العتيقة من أن تملك زمام نفسها، لارتباطها بسيدَها الذي يملك أمرها فلهذا جعل من مُفردة (الرّق) فاعلاً لإعطائها نوعاً من (الهيمنة) في النّص. فجاءت لفظة (الرّق) متعاضدة مع مفردة (عَتيْقَة)، التي يُفهم من استعمالها بهذا النوع من النظم أنّ المُعْتِق لها هو الرّق الذي صار معتقاً للعبيد.

رابعاً : الدلالة على الطمع وذُلّهِ.

وقد سيق هذا المعنى في كلام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يتحدث فيه عن الطمع ورقه قائلاً : ((الطَّمَعُ رِقٌ مُؤَبَّدٌ)) (4). فاستعار الإمام لفظ (الرّق) للطمع، على اعتبار ما يستلزمه من الذلة والخضوع للطمع، فإنّ الطَّامع دائم العبودية لما يطمع فيه، وهو كذلك عندما يكون رقاً (5). وفي التعليق على ذلك أقول : إنّ تعبير أمير المؤمنين عن الطَّمع بأنّه (رِقُ مُؤَبّد) إشارة إلى ضعف الطامع وهوانه، فضلاً عن استعباده مما طمع فيه من مالٍ أو جاه أو غيرها من ملذات الحياة. وبهذا يكون الطامع مُستعبداً ذليلاً لا يمكن إطلاقه وتحريره من ذُلِّ طَمَعه وهوانه.

خامساً : الدلالة على الحياء من اللّه تبارك وتعالى

وجاء هذا المعنى في سياق وصيّته (عَلَيهِ السَّلَامُ) بتقوى اللّه تبارك وتعالى يقول : ((اتَّقِ اللّه بَعْضَ التَّقَى وَإِنْ قَلَّ، وَاجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللّه سِتْراً وَإِنْ رَقَّ))(6). ويُفهم من هذا السياق أنّ بعض التقوى اللّه تمنح الإنسان نوعاً من الحياء من اللّه جل جلاله، ولهذا ربط الإمام بين (التقوى) وبين ضرب السّتر بين الإنسان وبين اللّه، ليس


1) نفسه (عتق) : 234/10.

2) ينظر : معارج نهج البلاغة : 523/1، وشرح نهج البلاغة (البحراني): 612/3، والديباج الوضي : 1195/3.

3) نهج البلاغة : ك / 24 : 481.

4) نهج البلاغة : قصا / 180 : 636.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 447/5، والديباج الوضي : 2868/6.

6) نهج البلاغة : قصا / 242 : 646.

على جهة الفصل والابتعاد عن الحق تبارك وتعالى، وإنّما من ستر النفس والحياء مما ترتكب النفوس والجوارح من ذنوب وقبائح. أما كون هذا الستر رقيقاً، فهو كناية عن التستّر والكف الضعيف عن المعصية(1).

مملوكاً

إشارة:

المَلِك هو اللّه جلّ جلاله وهو ملك الملوك (2). والمِلْك - بالكسر - مَا مَلَكت اليد من مال وخَوَل(3). والمَلَكَة مِلْك العَبْد (4). والمَمْلُوك العَبْدُ (5). والعرب تفرّق بين العبد المملوك الذي مُلِك عن طريق السَّبي، ولم يُملك أبواه من قبله، وهذا يُسمّى عندهم (عبد مَمْلَكة). فإمَّا العَبْدِ القِنّ، فهو الذي مُلِك هو وأبواه (6). وقيل : بل المملكة من العبيد، هم الذين يُغلب عليهم، فيُسْتَعبَدوا وهم أحرار (7).

وقد ورد ألفاظ (مَلَكَهُ)، و (مَمْلُوكاً) و(مَمْلُوك) و (مملوكون)، بواقع مرة واحدة لكل مفردة من هذه المفردات في نهج البلاغة (8)، وذلك للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على أنّ جميع العبيد هم مملوکون اللّه تعالى.

وجاء ذلك في سياق كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أنّ الراعي والرعيّة هم عبيد مملوكون لربِّ العِزّة. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((... فَإِنَّمَا أَنَا وَأَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبِّ لَا رَبَّ غَيْرُهُ، يَمْلِكُ مِنَّا مَا لاَ نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا...)) (9). ويلحظ في النص استعماله أسلوب القصر بـ (إنّما) والضمائر المؤكدة لتأكيد امتلاكه تبارك وتعالى للناس. والمعنى نفسه متحقق في (خ / 65، 215).

ثانياً : الدلالة على كلّ ما يملكه الإنسان من ذنوب

وقد جعل الإمام الخروج من هذه المسألة (تقوى) اللّه سبحانه وتعالى، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((فَإِنَّ تَقْوَى اللّه مِفْتَاحُ سَدَاد، وَذَخِيرَةُ مَعَادٍ، وَعِتْقٌ مِنْ كُلِّ مَلَكَةٌ، وَنَجَاةً مِنْ كُلِّ هَلَكَة بِهَا يَنْجَحُ الطَّالِبُ، وَيَنْجُوا الْهَارِبُ، وَتُنَالُ الرَّغَائِبُ))(10). وقد استعار الإمام لفظ (العِتْق) لخلاص النَّفس من استيلاء الشيطان عليها كخلاص العبد من استيلاء سَيِّده عليه، وذلك كله لا يكون إلا بالتقوى التي تعد عِتْقاً من المَلَكَة (11). والمَلَكَة هي ملْك العَبْدِ وجعله مغلوباً على أمره مُستَعبَداً غير حُرِّ (12). وقد وضع الإمام علاجا لهذه الحال، وذلك عن طريق (التقوى) التي صارت منجاة وعِتْقاً من كُلِّ مَلَكَة توحي بهوان صاحبها.

خَوْلا


1) ينظر : الديباج الوضي : 2900/6.

2) ينظر : العين (ملك) : 380/5.

3) ينظر : تهذيب اللغة (ملك) : 149/10.

4) نفسه.

5) ينظر : العين (ملك) : 380/5، ولسان العرب (ملك) : 493/10.

6) ينظر : تهذيب اللغة (ملك) : 150/10.

7) نفسه.

8) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 425.

9) نهج البلاغة : خ / 216 : 421.

10) نفسه: خ / 260 : 444.

11) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 63/4.

12) ينظر : تهذيب اللغة (ملك) : 150/10.

الخَوْل ما أعطاك اللّه من العبيد. وخَوْل فلان عبيده الذين اتخذهم ذُلا وقهراً (1). والخَوَل جمع (خَوْلَّي)، وهو وهو الراعي الحسن القيام على الغَنَمِ والمَال (2). يقال : تَخَوَّل الرَّجل : أي نتعَهَّدَه (3)وذكر ابن منظور أنّ (الخَول) اسم يقع على العَبْد والأمة وغيرهم من الحاشية والجمع والمذكر والمؤنث في ذلك سواء (4). والخَوَل هم حَشَم الرجل وأتباعه (5). ويفرّق اللغويون بين (العبيد) و(الخَول) ؛ فالخول هم المختصون بالأناس من جهة الخِدمَة الخِدمَة والمهنة، وهي لا تقتضي المُلك كما تقتضيه العبودية. في حين أن العبيد هم المملوكون أيضاً. ولهذا لا يقال : الخَلْقُ خَوْل اللّه (6)، وإنّما يقال : عبيده، لأنه يملكهم.

وقد وردت لفظة (خَوَلاً) في نهج البلاغة مرة واحدة (7)، للدلالة على العبيد الذين يتحكم بهم أسيادهم فيجعلونهم ملكاً لهم يستَرقُونهم بامتهان وذلّة. وجاء هذا المعنى في سياق كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن خشيته من أن يلي أمر هذه الأمة السفهاء والفجّار : ((وَإِنِّي إِلَى لِقَاءِ اللّه لَمُشْتَاقٌ، وَلِحُسنِ ثَوَابِهِ لَمُنْتَظِرُ رَاجٍ، وَلَكِنَّنِي آسَى أَنْ يَلِيَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ سُفَهَاؤُهَا وَفُجَّارُهَا، فَيَتَّخِذُوا مَالَ اللّه دُولاً (8)، وَعِبَادَهُ خَوَلاً، وَالصَّالِحِينَ حَرْباً وَالْفَاسِقِينَ حِزْباً، فَإِنَّ مِنْهُمُ الَّذِي قَدْ شَرِبَ فِيكُمُ الْحَرَامَ، وَجُلِدَ حَداً فِي الأسلام...)) (9). أقول : والنص في وصف حزنه من أن يلي أمر هذه الأمة المسلمة مثل بني أمية الذين ذكرهم بأوصافهم من بشربهم الخمر في الإسلام وإقامة الحدود عليهم (10). ومن ثم ذكر تداولهم مال اللّه بينهم مرة لهذا وأخرى لذاك، فضلاً فضلاً عن اتخاذهم عباد اللّه خَدَماً لهم وعبيداً (11).

وقد ذكر الشُّراح أن قوله : (...فَيَتَّخِذُوا مَالَ اللّه دُوَلاً، وَعِبَادَهُ خَوَلاً...) إشارة إلى حديث أبي ذر الغفاري الذي رواه عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) والذي نصه : ((إذا بَلَغَ بَنُو العاص ثلاثِينَ رَجُلاً، واتَّخَذُوا مَالَ اللّه دُوَلاً، وعَبيدةُ خَوَلاً، ودِيْنَ اللّه دَخَلاً، ثُمّ يُرِيحُ اللّه العِبَادَ منهم)) (12). وبهذا تكون مفردة (خَوَلاً) بدلالتها هذه من الألفاظ النبوية التي أخذها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مما سمعه عن النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وضمنها كلامه بالدلالة نفسها، فيتحقق ما أخبر به النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله). أقول : ولم تكن دلالة مفردة (خَوَلاً) التي استعملت في النص بصيغة الجمع تميل إلى ما ذهب إليه اللغويون من أنّها تدل على العبيد


1) ينظر : العين (خول) : 305/4.

2) ينظر : المحكم (خول) : 301/5.

3) نفسه.

4) ينظر : لسان العرب (خول) : 224/11.

5) نفسه : 220/11.

6) الفرق : 244/1.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 148.

8) الدّول العقبة في المال، والدُّولة بالفم في المال وهو تداوله بين الناس، ينظر : لسان العرب (دول) : 252/11.

9) نهج البلاغة : ك / 62 : 578.

10) وقد ذكرت المدونات التاريخية أنّ من هؤلاء المغيرة بن شعبة وعتبة بن أبي سفيان، ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن ابي الحديد) : 125/6، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 370/5، والديباج الوضي 2646/5، 2647.

11) ينظر : الديباج الوضي : 2644/5.

12) والحديث مروي بعدة الفاظ، وهو في المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري : 527/4، ((إذا بلغ بدو أبي العاص ثلاثين رجلاً، اتخذوا مال اللّه دُولاً، ودين اللّه دغلاً وعباده خَوَلاً))، ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 125/6، والديباج الوضي : 2644/5.

أو الحواشي الذين يختصون بالناس خدمةً لهم دون أن يمتلكهم هؤلاء الناس، وإنّما أُتسعت في لغة الإمام لتدل على الامتهان والإخضاع والامتلاك حتى صار عباد اللّه بمنزلة العبيد الرّق عند الأمويين.

الإماء

الأمة المرأة ذات العُبُودِيّة. وتَأَيَّمَتِ المرأة إذا اتخذت أمة (1). وقد يقال (تأمَّت) صارت أُمَة وهو الصواب (2). والأمة المملوكة وجمْعُها (أموات، وإمَاء، وآمٍ، وأُمْوَانٌ)(3).

واستعملت لفظة (الإماء) ثلاث مرات في نهج البلاغة، في حين وردت لفظة (الأمة) مرتين. جاءت كل من لفظة (إمَائي)، و (إمَاءَكم) مرة واحدة (4)للدلالة على المرأة المُتخذة عَبَدة. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق النهي عن حب الدنيا والبكاء على ما فات منها : ((أَلَا وَإِنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَصْبَحْتُمْ تَتَمَنَّوْنَهَا وَتَرْغَبُونَ فِيهَا... لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ، وَلَا مَنْزِلِكُمُ الَّذِي خُلِقْتُمْ لَهُ... فَدَعُوا غُرُورَهَا لِتَحْذِيرِهَا، وَأَطْمَاعَهَا لِتَخْوِيفِهَا... وَانْصَرِفُوا بِقُلُوبِكُمْ عَنْهَا، وَلَا يَخِنَّنَّ (5)أَحَدُكُمْ خَنِينَ الأمَةِ عَلَى مَا زُوِيَ عَنْهُ مِنْهَا)) (6). ويظهر من دأبه في التنفير من الدنيا بيِّناً في هذا المقطع من خلال دعوته في النص المتقدم إلى الزُّهد الخالص فيها، دون عودة و حنين إلى ما زوي من محاسنها وزخارفها. ولهذا استعمل الإمام كلمة (خَنينَ الأمة)، وهو بكاؤها للدلالة على طلب الدنيا و والحسرة على ما ضاع منها. و (الأمة) - هنا - هي المرأة المملوكة، وإنّما خص (خَنينها) بالذكر والتشبيه ؛ لأنه صفة لازمة لها، فأكثر ما يُسمع (الخَنين) من الإماء ؛ لأنّ من عادتها أن تُضرب وتؤذى من أسيادها، فَيكُثر - عند ذاك - بكاؤها المصحوب بهذا الصوت (7). و من نافلة القول الإشارة إلى ما ذكره الدكتور إبراهيم السامرائي عن لفظة (خَنين) التي تُعدّ من المصادر الدالة على الأصوات كالأنين والحنين، ولكن الصوت في (الخَنين) يكون مشوباً بما يحمل من تأثير الأنف عند صدوره، حتى قيل في الألسن الدارجة : (فلانٌ أَخَنّ) أي : أنّه يخرج صوته من أنفه (8). ولعل هذه المسألة - أقصد الوصف بأنّه أخنّ - من العلل في أداء الأصوات الأصوات ونطقها، فهو كما يبدو - من العيوب النطقية التي ترافق أداء الأصوات، ومن ثُمَّ اقترن بصوت البكاء الصادر من (الإماء) حتّى صِرنَ يُعْرَفن به لأنها تصدر عند بكائها صوتا من أنفها يشبه صوت الخاء المضطربة غير الخالصة، وأضحى بعد ذلك أثراً من آثار انحطاط المفردة، لاقترانه بهذه الفئة من النّساء من ذوات الرتبة البائسة، فضلاً عن كونه يمثل عيباً صوتياً أدائياً.

أقول : وثمّة مواضع أخر في نهج البلاغة استعملت فيها لفظة (أمة) واشتقاقاتها الأخرى بالدلالة المتقدمة نفسها، وذلك في (خ / 15، 106، 172، ك / 24، 41، قصا / 102).


1) نفسه : 432.

2) نفسه.

3) ينظر : المحكم (أمو) : 585/10.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 29.

5) الخَنِينُ ضربٌ من بكاء النساء وتردده حتّى يخرج من الأنف، ويصير غُنّة، وهو دون الإنتحاب، ينظر : لسان العرب (خنن) : 142/13.

6) نهج البلاغة : خ / 173 : 312، 313. أقول : وقد روي في بعض شروح نهج البلاغة (حَنِيْنَ الأمة بالحاء غير المعجمية و وهو توقان النفس وتشوقها، ينظر : الديباج الوضي : 1435/3.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 687/3.

8) ينظر : مع نهج البلاغة : 155.

المبحث الثامن: طبقة العمال والإداريين والحواشي

عمال

العامل هو الذي يتقلد عملاً ما (1). وهو المتولّي عملاً من أعمال السلطان (2). والعمّال السُّعاة الذين يأخذون الصدقات من أصحابها (3).

وقد استعمل الإمام لفظة (عمال) بصيغة الجمع على (فعّال) ثلاث مرات في نهج البلاغة، في حين استعملت المفردة نفسها مضافا إليها ضمير الخطاب (عمالك) ثلاث مرات أيضاً. وجاءت ألفاظ (عَامِلي وعُمّالي، وعاملاً وعمالها) مرة واحدة فحسب (4)، للدلالة على عمال البلاد ومتولّي إدارتها وموظفيها والقائمين على جباية الواردات المالية للدولة. وهذه الدلالة شائعة في نهج البلاغة، وقد أوردها الإمام في سياقات تتعلّق بإدارة البلدان والأمصار التابعة لحكومته. ومن ذلك قوله مرشداً عامله على (مصر) (مالكا الأشتر) الى طرائق اختيار (العمّال) وتوليتهم مهامهم. إذ يقول : ((ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورِ عُمَّالِكَ، فَاستعملهُمُ اخْتِبَاراً، وَلاَ تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً وأَثَرَةَ، فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ وَالْخِيَانَةِ...)) (5). ومفردة (عمال) - هنا- تدل على العمال الذين يقوم الحاكم بتوليتهم أعمالاً من أعمال الدولة. ولهذا اشرط الإمام أن يكون استعمالهم على سبيل الاختبار، لأجل إظهار مدى كفاءتهم وحرصهم في أداء أعمالهم - مطالباً عامله بتجنّب (المُحاباة) و (الأثرة) في توظيفهم. وعل ذلك بما تشتمل عليه النفوس من الجور والخيانة. وتزيد هذه الأمور في النفس في حالة تولّي الإنسان للحكم أو الإدارة، فتظهر عليه صفات الظلم والتسلّط على الرّعية وغيرهم ممن يكونون بأمرة هذا العامل، فضلاً عما تنزع إليه نفسه من الخيانة والميل الى الاستئثار بالأموال والأراضي وغيرها من مغريات الحكم. ولهذا شرط (عَلَيهِ السَّلَامُ)على (مالك الأشتر) أن يتحرَّ عمّن يريد تعيينهم عمالاً في المهام التي يتختارها لهم جاعلاً : ((أَهْلَ التَّجْرِبَةِ وَالْحَيَاءِ، مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ، وَالْقَدَمِ فِي الأسلام)) (6)في صدارة من يتوخاهم الوالي لهذه المواقع الإدارية ؛ لأنّهم ((أَكْرَمُ أَخْلَاقاً، وَأَصَحُ أَعْرَاضاً، وَأَقَلُّ فِي الْمَطَامِع إِشْرَافاً، وَأَبْلَغُ فِي عَوَاقِبِ الأُمُورِ نَظَراً.)) (7). فأهل التجربة والحياء من ذوي البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام يمتلكون من كرامته الاخلاق وصحة الأغراض وقلّة الطمع والبعد في النظر في عواقب الأمور ونتائجها. ولهذا يكونون أكثر استعداداً ورجاحة عقل وحكمة في الإدارة. ولأجل منع هؤلاء (العمال) من الخيانة، وطماح النفس الأمارة بالسوء، ولغرض متابعتهم في أداء أعمالهم والنظر في حرصهم


1) ينظر : تهذيب اللغة (عمل) : 2/ 255.

2) ينظر : تهذيب اللغة (عمل) : 2/ 255، ولسان العرب (عمل) : 11/ 474.

3) أنفسهما.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 324.

5) نهج البلاغة : ك/ 53 : 555.

6) نفسه.

7) نفسه.

على مصالح الرعية ومصالح البلد وحُسن القيام عليها. وضع الإمام عاملين لإحكام الرقابة على هذه الطبقة من طبقات المجتمع ؛ الأول منهما إسباغ الرزق عليهم استصلاحاً لأنفسهم، ومنعاً لهم عن تناول ما تحت أيديهم من أمانة، وليكون حجّة عليهم في حالة مخالفتهم أوامر الحاكم في تلمهم ما ائتمنوا عليه. والثاني متعلّق بالرقابة عليهم في أداء أعمالهم، وذلك ببعث (العيون) والرّقباء من أهل الصدق والوفاء عليهم ؛ حَدوة لهم لي استعمال الأمانة والحرص على شؤون الرعية. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذلك : ((ثُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ، فَإِنَّ ذلِكَ قُوَّةً لَهُمْ عَلَى استصلاح أَنْفُسِهِمْ، وَغِنىً لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ، وَحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ أَوْ ثُمَّ تَفَقَدْ أَعْمَالَهُمْ، وَابْعَثِ الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالوَفَاءِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِي السِّرِّ لامُورِهِمْ حَدْوَةً لَهُمْ عَلَى استعمال الأمَانَةِ، وَالرّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ)) (1). وقد ذهب بعض الشراح إلى أن مفردة (عمال) في قول الإمام، مخصوصة بالدلالة على عمّال السواد والصدقات والوقف والمصالح. في حين أن المفردة المتقدمة تحمل دلالة أوسع مما قدمه هذا الشارح ؛ لأنه (2)يتحدث عن العمال من الإداريين الذي يقومون على مصالح الرعيّة والرّفق بهم، وهذا المعنى أوسع من أن تخصص مفردة (عمال) بالقائمين على شؤون الخراج وجبايته فحسب. وليس ببعيد أن يتضمن عمل هؤلاء الناس نوعاً من الإشراف على الأمور المالية والحسبيّة ؛ لأنها جزء من أعمالهم الواسعة التي منها الإشراف على شؤون الخراج وعماله القائمين عليه. ولهذا استعمل الإمام لفظة (عاملي) وجمعها (عُمّالي) مضيفاً اليهما (ياء) المتكلّم، للدلالة على الولاة الذين عيّنهم الإمام في إدارة بعض الأمصار التابعة لحكومته في البصرة وخص بهما هاتين المفردتين، وأفرد عنها - زيادة في تخصيص دلالتها – تعبير (خُزّان بيت المال) الدال على القائمين على الأمور المالية الحسابية. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق كلامه عمّا فعله أصحاب (الجمل) بالبصرة : ((فَقَدِمُوا عَلَى عُمَّالِي، وَخُزَّانِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي فِي يَدَيَّ، وَعَلى أَهْلِ مِصْر، كُلُّهُمْ فِي طَاعَتِي وَعَلَى بَيْعَتِي، فَشَتَّتُوا كَلِمَتَهُمْ، وَأَفْسَدُوا عَلَيَّ جَمَاعَتَهُمْ، وَوَثَبُوا عَلى شِيعَتِي، فَقَتَلُوا طَائِفَةً مِنْهُمْ غَدْرا))(3). فاستعمل مفردة (عاملي) كأنّه يشير الى كون هذا العامل منسوب اليه ؛ لأنّه يمثله في إدارة هذا البلد ومتابعة شؤونه ومصالح الناس فيه فضلاً عن ولاء هذا العامل ومن معه للإمام وطاعته له، ولهذا وثب عليه أصحاب (الجمل)، وغدروا به وبمن معه من حكومته، فقتلوهم صبرًا وغدرًا. ولمّا أراد الإمام التعبير عن مهارة الذين ولاهم إدارة مدينة البصرة، وقوة عزمهم في إدارة شؤون البلد والرعية، استعمل في وصفهم بناء (فُعَّال) الذي يتضمن الدلالة على الجمع، فضلاً عن التكثير والمبالغة في القيام بالفعل (4). وهو ما أوحت به لفظة (عُمّالي) في قوله : ((فَقَدِمُوا عَلَى عُمَّالِي، وَخُرَّانِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي فِي يَدَيَّ، وَعَلى أَهْلِ مِصْر، كُلُّهُمْ فِي طَاعَتِي وَعَلَى بَيْعَتِي، فَشَتَّتُوا كَلِمَتَهُمْ، وَأَفْسَدُوا عَلَيَّ


1) نهج البلاغة : ك /53 : 556.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 17/ 54.

3) نهج البلاغة : خ/ 172 : 311.

4) ينظر : معاني الأبنية : 148.

جَمَاعَتَهُمْ، وَوَثَبُوا عَلى شِيعَتِي، فَقَتَلُوا طَائِفَةً مِنْهُمْ غَدْراً فَقَتَلُوا طَائِفَةً مِنْهُمْ غَدْراً...)) (1)التي يشير بها الى كون هؤلاء العمال من الجدارة في الحرص والإخلاص في أداء ما وُكُلوا به من أعمال، حتى كأنّهم آلة في القيام بتلك الأعمال ؛ لشدّة تفانيهم في خدمة الناس وحفظ الأمانة. ومع ذلك كله وثب عليهم أصحاب (الجمل) قتلاً وتشريداً وإيذاء، يريد بذلك الإشارة الى صفة الغدر والقتل والتدمير في هذه الفئة الظالمة. وقد ناسب استعمال لفظة (عُمّال) على هذا البناء، مجيئه بمفردة (خُزّان) جمعًا على (فعّال) أيضاً، وهو ما حقق ضربًا من التّجانس الصوتي بين اللفظتين. وقد استعملت الإمام مفردات (عمّال، وعمّالك، وعمالها) بالدلالة المتقدمة نفسها، وذلك في (ك / 60، 53، خ/ 138).

خُزّان

إشارة:

خَزْن الشيء إحرازه في خزانة (2). والخزانة الموضع الذي يُخزن فيه الشيء (3). والخزانة - أيضاً - عمل الخازن(4).

واستعملت اشتقاقات مفردة (خَزن) بكثرة في نهج البلاغة، فقد وردت لفظة (خُزَّان) على (فعّال) خمس مرات منها موضع واحدة أضف الى المفردة ضمير الغائب (خُزَّانه) في حين ورد لفظة (خَازِن) بصيغة (فاعل) ثلاث مرات ومن ثم جاءت لفظة (الخَزَنَة) جمعًا على (فَعَلَة) مرة واحدة (5)، وذلك للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على خُزَّان بيت مال المسلمين :

وهم الموظفون القائمون على حفظ أموال المسلمين، وخزنها كأنهم بمنزلة مسؤولي المال، أو مديري المصارف، او المحاسبين في العصر الحاضر ؛ إذ يشرفون على إدارة (بيوت الأموال) التي تتضمن واردات الدولة ونفقاتها فضلاً عما تتضمنه من عطاءات تدفع للمسلمين وموظفي الدولة. وسمّي القائم على هذه المهنة (خازنًا)، لكونه يقوم بخزن هذه الأموال وحفظها. وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (خُزان) ، للدلالة على موظفي بيت مال المسلمين في قوله الذي يتحدث فيه عن عمّال الخراج في وصيّته لهم بإنصاف الناس والصبر لحوائجهم قائلاً ((فَأَنْصِفُوا النَّاسَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَاصْبِرُوا لِحَوَائِجِهِمْ، فَإِنَّكُمْ خُزَّانُ الرَّعِيَّةِ، وَوَكَلاَءُ الأُمَّةِ، وَسُفَرَاءُ الأَئِمَّةِ...)) (6). ويلحظ في قوله استعمال لفظة (خُزَّان) بصيغة الجمع على (فُعَّال)، وهذا البناء من أبنية جمع الكثرة الذي يتضمن المبالغة في القيام بالفعل كما يذكر الدارسون (7). والملاحظ أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) آثر هذه البناء من الجمع، مناسبة لسياق المدح والوصية الذي يتكلم فيه، فإنّه لمّا أراد التأكيد على مكانة هؤلاء (العمال)، ومنزلتهم الإدارية في حفظ أموال (الرعية)، وصيانتها من الخلل والسرقة وغير ذلك من عورات الأموال ونقصها بالغ في وصف هؤلاء بلفظ


1) نهج البلاغة : خ / 218 : 423.

2) ينظر : العين (خزن) : 4 / 209، وتهذيب اللغة (خزن) : 95/7.

3) نفسهما.

4) نفسهما .

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 136.

6) نهج البلاغة : ك / 51 : 542.

7) ينظر : معاني الأبنية : 148.

(خُزَّان)، فهذا البناء لا يرد إلا عند إرادة التكثير والمبالغة في القيام بالفعل. فلا يُراد به التكثير في العدد، وإنما المراد التكثير في الفعل، فلا يقال لمن حفظ سورة من القرآن - مثلاً - إنّه من الحُفاظ، وإن زاد عددهم على الألف (1). إنما يستعمل هذا البناء لمن بالغ في الحفظ وأكثر منه، حتى ذلك صار كأنّه صنعه له.وهو ما يفسر لنا استعمال الإمام لفظة (خُزّان) في السياقات التي يريد منها الدلالة على شدّة الحفظ والحرص، فثلاث من هذه المواضع خصها بالحديث عن (خُزَّان) بيت المال الذين يعملون في حكومته، في إشارة الى كونهم أمناء مبالغين في حفظ الأموال التي بعهدتهم، فتحدث عنهم وعن اعتداء أصحاب (الجمل) على هؤلاء (الخُزَّان)، وعلى بيت مال المسلمين في تلك البقاع حتى قتلوهم صَبْرًا وغدرًا كما يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ)، في إشارة الى شدّة أمانتهم. يقول :((... أَعْطَانِي الطَّاعَةَ، وَسَمَحَ لِي بِالْبَيْعَةِ، طَائِعاً غَيْرَ مُكْرَهِ، فَقَدِمُوا عَلَى عَامِلِي بِهَا وَخُزَّانِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِهَا، فَقَتَلُوا طَائِفَةً صَبْراً، وَطَائِفَةً غَدْراً...)) (2). كأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعمل لفظة (خُزّان) في هذا النص، لتضمنه الموازنة بين حال الأعداء الذين لاهم لهم سوى القتل والنهب، وبين حال عماله وخُزَّان أموال المسلمين الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل حفظ الأمانة وصيانتها، فناسب ذلك وصفهم ببناء (فعال) الذي يفيد مبالغتهم في الحفظ والقيام على أمر الأموال. وقد نقل الإمام هذا البناء الذي يُعَدّ من أبنية جمع الكثرة، من هذه الدلالة الى الدلالة على القلة، ويفهم ذلك من النصوص المتقدمة التي تضمنت الإشارة من الإمام الى أنّ هؤلاء (الخُزّان) الذين يعملون عنده لا يُشبهون كل الخُزان الحفظة للأموال الذين يعملون بإمرة غيره. فهم من الورع والتقوى بمكان بحيث لا تنازعهم نفوسهم الا الى صيانة الأمانة. فكأنّه أطلق عليهم هذا الوصف، لدأبهم واجتهادهم وتميزهم في حفظ الأموال. وهو ما يفسر لنا وصفهم بأنهم (وكلاء الأمة وسفراء الأئمة). والوكيل هو الذي يتوكل بالأمر ويضمن القيام به، فتلجأ إليه الناس وتعتمد عليه في أمورها (3). وهذه الدلالة تعين في الكشف عن اعتماده (عَلَيهِ السَّلَامُ) على هؤلاء وإسناده أمر تدبير الحسابات اليهم لثقتة بهم. أما كونهم (سفراء الأئمة)، فالسفير - في اللغة- الكاتب الذي يُبيّن الشيء ويوضحه (4). وإضافة اللفظ الى مفردة (الأئمة) من باب إضافة التشريف والنسبة اليهم، كأنهم يوضحون ما التبس من أمور الحساب والإدارة للناس وهم المعتمدون الرّوّاد الذين ينُوبُون عن (الأئمة) في رعاية المصالح المالية للناس في البلدان ويلحظ في قوله إضافة مفردة (الرَّعِيَّة) الى (خُزَّان). وهذا التركيب يحتمل أمرين ؛ فإما أن يكون المراد من ذلك الدلالة على كون هؤلاء (الخُزّان) هم حفظة (الرعية) بكل ما تملكه هذه الرعية من حقوق (مادية) كانت أو (إدارية)، فعبّر عن ذلك بتركيب الإضافة، أو أن يكون كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على حذف مضاف تقديره (خُزَّان أموال الرّعية، أوخُزّان بيت مالِ الرّعية)، حتى يتناسب تعبيره بلفظ (خُزّان) مع ما بعده. ويبدو لي أن المعنى الأول أليق بالسياق من تقدير المحذوف في النص. وقد وردت لفظتا (خُزّان) و (خُزانه


1) ينظر : معاني الأبنية : 149.

2) نهج البلاغة : خ / 172. وينظر : خ/ 218 : 423.

3) ينظر : لسان العرب (وكل) : 11/ 734.

4) نفسه (سفر) : 370/4.

) بالدلالة نفسها في (قصا / 147، ك / 5) ومثلها في الدلالة مفردة) خازن (بوزن (فَاعِل) في (ك/ 31، قصا/ 192).

ثانياً : الدلالة على خزنة العلم، وهم أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

ولما أراد الإمام التعبير عن مكانة أهل البيت ومنزلتهم من جهة قربهم من اللّه تبارك والنبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) واستثثارهم بهذه الخصائص، استعمل لوصفهم مفردة (خَزَنَة) جمعًا على (فَعَلَة)، وهذا البناء من أبنية جمع الكثرة الخاص بجمع الصفات (1). يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) (في سياق مدح أهل البيت (عليهم السلام) وذكر فضائلهم : ((نَحْنُ الشَّعَارُ وَالأصْحَابُ، وَالْخَزَنَةُ وَالأبْوَابُ...)) (2)ويحدد الإمام في هذا النص جملة مما يختص به هو وآل البيت، فاستعمل لفظة (الشعار) إشارة الى قربهم وملازمتهم للنبي الأكرم، كما يلازم (الشعار) من الألبسة البدن. ثم وصفهم (بالأصْحاب) للدلالة على شدة صحبتهم النبي ومرافقتهم له، تحقيقا لمعنى الصُّحْبة الذي شرعه المسلمون، ووضعوه ميزانا لبيان القُرب والبعد من النبي (3). ثم وصفهم بـ(الخَزَنة) مشيرًا بهذه المفردة الواردة على هذا البناء من الجمع، الى اختصاصهم بكونهم (خَزَنَة) علم النبي. مستعملا بناء (فَعَلَة)، الذي يوحي بالدلالة على انتسابهم الى النبي، واختصاصهم بهذه الصفة دون غيرهم. وفي بيان خصائص بناء (فَعَلة) الذي استعمله الإمام يذكر الدارسون أنّ (فَعَلَة) بناء يختص بالعقلاء، وأنّ (التاء) فيه حَوّلته من جمع الأوصاف الى الدلالة على (الاسمية)، ما أضفى عليه معنى الثبات والتجرّد من الحدث، فإنّه خلو من الحركة والتكثير (المبالغة)، فلفظة (صَاغَة) - مثلاً - تدل على هذا الصنف من الناس الذين انتسبوا الى هذه المهنة واتخذوها حرفة لهم (4). وأما الفارق بين هذا البناء وبناء (فعّال) الذي استعمله الإمام جمعاً لمفردة (خُزّان) في سياقات الحرص على حفظ الأموال وحست القيام عليها، فيذكر اللغويون أنّ (فُعّالاً) يتضمن المبالغة والتكثير، بخلاف بناء (فَعَلَة (الذي يفيد الدلالة على الانتساب والاختصاص بالشيء (5). ويبدو هذا الكلام مقبولاً، لولا إشارته الى تجرّد بناء (فَعَلَة) من التكثير، فهذه الفكرة ربما تكون صادقة في استعمالات أخرى لهذا البناء، غير أنها فى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) تتضمن أمرين فضلا عمّا ذكره الدارسون المحدثون من مميزات لهذا البناء ؛ فالأمر الأول تضمنه الدلالة على المبالغة والتكثير ؛ فكون الإمام وأئمة أهل البيت هم (الخَزَنة)، فذلك يتضمن التكثير والتشديد في قيامهم على هذا الأمر من كونهم خَزَنة المعارف، أو خَزَنة أبواب الجنّة. وبهذا يكون أمير المؤمنين قد وسّع من دلالات هذه البناء، ومنحه ضربًا من المبالغة والتكثير ؛ فضلاً عن دلالة التشريف التي اكتسبها من السياق. أما الأمر الثاني ؛ فهو صلاح هذا البناء للدلالة على (القِلّة) في الجمع دون الكثرة التي صنفه اللغويون ضمن


1) ويطرد هذا البناء في كل وصف مفرد لمذكر عاقل على وزن (فاعِل) صحيح اللام. مثل كاتب وجمعه كتبة. ينظر : معاني الأبنية : 15.

2) نهج البلاغة : خ/ 154 : 270.

3) ويعرف المسلمون (الصحابي) بأنه من رأى رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في حال إسلام، وإن لم تطل صحبته له، أو لم يرو عنه شيئا. وقيل إنه من طالت مجالسته على طريق التَّبع له، والأخذ عنه. ينظر : المقنع في علوم الحديث، لسراج الدين الانصاري : 491/4.

4) ينظر : معاني الأبنية : 151.

5) نفسه.

أبنيتها. ولاسيما إذا تصورنا أنّ المراد (بالقِلّة) - هنا - الدلالة على عدم اختصاص أيّة جماعة غير الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأهل بيت النبي بكونهم (خَزَنة)، فيكون هؤلاء كلهم بمنزلة الفئة الواحدة، مقابل جمع آخر يدعي أصحابه أنهم المخصوصون بهذه الأمور التي يذكرها الإمام في كلامه، وهي (القرابة، والصحابة، والخَزَنة...)، وما يدعم هذا الوجه لديّ استعماله مفردة (خَزَنة) محلاة بـ(ال)، التي أضفت عليها دلالة العهد بين طرفي الخطاب (المتكلم والسامع) وبناء على هذا الوجه أستطيع القول إن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يومئ باستعماله بناء (فَعَلَة) وصفا لنفسه ولآل البيت الى قوله تبارك وتعالى : وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ *وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) (1). ولعل من أهم مصاديق (خَزَنة) (الجنة والنار)، هم أهل البيت (عليهم السلام) ومن قبلهم النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وهو ما يفهم من قول الإمام (نَحْنُ الشَّعَارُ وَالْأَصْحَابُ، وَالْخَزَنَةُ وَالأبْوَابُ...)) (2)كأنَّما (الخَزَّنة) المحلاة بـ (ال)تدل على معهود معروف عند السامعين مصداقه ما ورد في القرآن الكريم من كونهم (خَزَنة الجنّة والنار) ؛ بوصفهم أقرب الناس الى اللّه تبارك وتعالى والى نبيه (صلوات اللّه عليهم) كما كان النبي خازنًا لعلم اللّه تبارك وتعالى (3). فليس ببعيد أن يكون الإمام خازنًا لعلم النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، ومصداق 16 من مصاديق خزنة الجنة والنار ؛ لكونه - كما فى الأخبار - قسيم الجنّة والنار (4)، إشارة الى أنّ مَن جاء يوم القيامة مواليًا له ولأهل البيت دخل الجنة. ويذكر شُرَّاح النهج أنّ الإمام استعار لفظ (الخَزَنة) له ولأهل البيت على جهة المشابهة في تصرّفهم بمنع العلم وإعطائه، أو منع اللّه الجنّة بسبب عدم حبهم، وإعطائها لمن أحبهم، كما يفعل الخازن ذلك (5). ويمكن أن يكون وصفه لهم بـ (الخَزَنة) إشارة الى أنّه تعالى إئتمنهم على كنوز رحمته وعلومه، لأنهم أهل للأمانة، فضلاً عن كونهم شدة حرصهم في طاعة اللّه تبارك وتعالى، فيأتمرون بأمره ويطيعون له. (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ


1) الزمر / 71 – 73.

2) نهج البلاغة : خ/ 154 : 270.

3) يقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مدح النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله): ((فهو أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون...)). نهج البلاغة : خ / 73 : 111. و علم اللّه الذي كان النبي (خازناً له) هو علمه الذي لا يقدر على حمله غيره من الخلق، إلا من ارتضى من رسول وهو المشار إليه بقوله تبارك وتعالى : (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد الأمن ارتضى من رسول...)). الجن / 27. ينظر : منهاج البراعة: 159/5.

4) ينظر : غريب الحديث (ابن قتيبة) : 2 / 150، والفائق : 1953، والنهاية في غريب الحديث : 11/4، والتبيان في تفسير القرآن (للطوسي) : 411/4. والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي : 211/7. وقد شرح (ابن قتيبة) الحديث ذاكراً أنّ الناس في ذلك فريقان ؛ فريق مع الإمام فهم على هدى وفريق على ضلال. فنصف في الجنة معه، ونصف في النار. ينظر : غريب الحديث (ابن قتيبة) : 2/ 150، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 128/9 - 135، الذي عقد فصلاً من نظائر هذا الحديث في فضائل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ، فضلاً عما ورد من ذلك عن الأئمة (عليهم السلام) في كونهم ((ولاة أمر اللّه، وخَزَنَهُ علم اللّه ...)). ومنهاج البراعة : 9 / 208.

5) شرح نهج البلاغة (البحراني) : 32/3.

وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (1). أقول : وقد وردت لفظة (خَازن (على) فَاعِل) للدلالة على من يقوم بأمر الإحزار والحفظ، وذلك في (ك / 31، قصا 192)

كتابك

الكتبة الاكتتاب في الفرض والرزق (2)والكُتّاب اسم المكتب الذي يُعلّم فيه الصبيان (3). والكتابة من تكون صناعته الكتابة، كالصياغة والخياطة (4). والكُتاب جمع كاتب (5). وقد استعمل الإمام لفظة (كُتاب بصيغة الجمع) على (فعال) مضافا اليها ضمير الخطاب (كُتابك) ثلاث مرات، في حين أنّه استعملها مرتين محلاة بـ(ال) (الكُتاب) (6)، للدلالة على موظفي الكتابة القائمين على الدوواين ومحرري الرسائل والكتب من الأمراء إلى غيرهم. وقد جعلهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) في الطبقة الثانية من طبقات الإداريين في المجتمع في عهده الى (مالك الأشتر) بقوله : ((وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لاَ يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلا بِبَعْضٍ وَلَا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ : فَمِنْهَا جُنُودُ اللّه، مِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ...))(7)ويقسم الإمام (الكُتّاب) على قسمين ؛ كُتّاب العامة وهم المختصون بكتابة العقود والمواثيق المتعلقة بالزراعة والتجارة وبقية الصناعات والبيعات (8). أما كتاب الخاصة، فالمراد بهم – فيما يبدو - كُتاب من الذين يتولون الأمور الخاصة بالدّولة، ولاسيما أسرارها التي لا ينبغي إطلاع أحد عليها إلا المسؤولين عنها، فضلاً عن كتابة العقود والمعاهدات والحقوق وبقية المراسلات (9). وقد فصل (عَلَيهِ السَّلَامُ) القول في شرائط هؤلاء (الكُتّاب)، وخصالهم ومقاماتهم، فضلاً عن طرائق اختيارهم والتعامل معهم. فقال مخاطباً عامله (الأشتر) : ((ثُمَّ انْظُرْ فِي حَالِ كُتَّابِكَ، فَوَلِّ عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ، وَاخْصُصْ رَسَائِلَكَ الَّتِي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَائِدَكَ وَأَسْرَارَكَ بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُودِ صَالِحٍ الأَخْلَاقِ مِمَّنْ لاَ تُبْطِرُهُ الْكَرَامَةُ، فَيَجْتَرِى بِهَا عَلَيْكَ فِي خِلَاف لَكَ بِحَضْرَةِ مَلَا، وَلَا تُقَصِّرُ بِهِ الْغَفْلَةُ عَنْ إِيرَادِ مُكَاتَبَاتِ عُمَّالِكَ عَلَيْكَ، وَإِصْدَارِ جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوابِ عَنْكَ، وَفِيمَا يَأْخُذُ لَكَ وَيُعْطِي مِنْكَ، وَلَا يُصْعِفُ عَقْداً اعْتَقَدَهُ لَكَ، وَلَا يَعْجِزُ عَنْ إِطْلَاقِ مَا عُقِدَ عَلَيْكَ، وَلَا يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِي الْأُمُورِ...))(10). وقبل الشروع ببيان أركان هذا النص وما فيه من شرائط شرطها الإمام أقول : إنّ هؤلاء (الكُتّاب) هم الذين يتولون أمر حضرة الدولة ويكتبون المراسلات من الحاكم الى عمالة وأمرائه. ويرجع اليهم أمر ديوان الدولة ومعاقد تدبيره (11). ويذكر الشارح


1) الأنبياء /27.

2) ينظر : العين (كتب) : 342/5.

3) ينظر : تهذيب اللغة (كتب) : 87/1.

4) نفسه.

5) نفسه.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 394.

7) نهج البلاغة : ك/ 53.

8) ينظر : الديباج الوضي : 2526/5.

9) ينظر: الديباج الوضي : 5 / 2526، ومنهاج البراعة : 20/ 175.

10) نهج البلاغة : ك / 53: 558.

11) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 60/17.

ابن أبي الحديد أنّ المراد بـ (الكُتاب) في كلام أمير المؤمنين هم الذين يُطلق عليه في اصطلاح إدارة الدولة (الوزراء) ؛ فهم أصاحب تدبير حضرة الوالي، والذين ينوبون عنه في أموره، وتصل إليهم مكاتبات العمال، وتصدر عنهم الأجوبة بعد عرضها على (الأمير)، فضلاً عن متابعتهم شؤون العمال، واستدراك أمورهم والهيمنة عليهم (1). ويطلق على صاحب هذه الوظيفة (كاتب الكتاب) أو (الكاتب المُطْلَق) (2). ويذكر أن هؤلاء هم كُتاب الدواوين الموكل اليهم حفظ حقوق الدولة، وكل ما يتعلّق بها (3). أقول : والظاهر أنّ منصب (الكُتّاب) هذا لا يُراد منه في في كلام الإمام الوزير أو الوزارة، مع كون هذا المنصب هو من المناصب المميزة في الدولة. فالوزير، وإن كان يشتغل بالكتابة وإنشاء الكتب المهمة في بعض الأزمنة التي مرّت بها الدولة الإسلامية، فذلك مما لا يصح الاحتجاج به في (الكاتب) هو (الوزير) نفسه (4). فضلاً عن أن فكرة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في إدارة الدولة تختلف عن المنهج الذي اتبعه غيره من الخلفاء ؛ لأنّه ينطلق من فكرة) الإمامة) و (الولاية) في إدارة الأمة الإسلامية. وهذه الفكرة تقوم على أسس منها أن يكون قائد الدولة (إماماً معصومًا) منصوصا عليه من النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، علاوة على أن يكون وزيره وخواص مساعديه ممن هم بمنزلته ومنزلة الأئمة، إن لم يكونوا منهم. وحسبي في دعم هذا الوجه، وزارته (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومؤازرته النبي الأكرم يوم دعا قريشاً الى أن يسمعوا لعلي ويطيعوه (5)، فضلاً عن كونه كان كاتب النبي الذي يكتب ما يمليه عليه النبي من كتب خاصة وعامة وعهود ومواثيق بين النبي وبقية الناس كما تذكر كتب السيرة والتأريخ (6). وما يمكن إضافته الى ذلك، اتخاذه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كاتبًا خاصا به يكتب له ما يخص الدولة ومتعلقاتها وعدوا منهم (سعيد بن نمران الهمداني، وعبيد اللّه بن أبي رافع). أقول : وهذه القرائن تدل على أنّ منصب (الكتاب) يختلف عن منصب (الوزير)، ولعلهما يشتركان في الاطلاع على الأسرار الخاصة بمكاتيب الدولة وخطاب العمال والأوامر الصادرة الى الولاة في الأمصار، والأمور العسكرية. ويمكنني القول إنّ مفردة (الكُتّاب) في كلام الإمام هم بمنزلة (السكرتير) في هذا الوقت، أو ما يسمى الآن بـ مدير المكتب الخاص برئيس الدولة، أو بالمحافظ المؤتمن على إدارة البلد الذي يحكمه، والذي يكون مسؤولاً عن جماعة من ذوي المهام الإدارية المختصة بكل شؤون البلد من أمور سياسية واقتصادية أو اجتماعية وعسكرية. ومما يعزز ذلك لدي حديثه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الوزراء الذين لم يختر لهم أية تسمية أخرى سوى هذا المصطلح. ولهذا صنف الإمام


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 62/17، ومنهاج البراعة : 226/20، والراعي والرّعية، لتوفيق الفكيكي : 214.

2) نفسه.

3) ينظر : الأحكام السلطانية : 1/ 2265.

4) ينظر : منهاج البراعة : 20 / 226.

5) ينظر : تاريخ الطبري : 533/3

6) من ذلك كتابته العهد الذي كتبه بين النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وبين (سهيل بن عمرو) من قريش المسمى بصلح الحديبية). ومنها كتابته موادعة النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) مع يهود المدينة. وبين المهاجرين والأنصار والمسلمين من قريش على الرغم من عدم تصريح المدونات الخاصة بالسيرة النبوية باسم الكاتب، والظاهر أنه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) . ينظر في ذلك : السيرة النبوية (ابن هشام) : 4 / 284، 30/3، وتاريخ الطبري : 2/ 122، 123، والبداية والنهاية، لابن كثير : 4 / 168، 169، ومنهاج البراعة : 224/20، 225. وقد عقد المؤرخ الطبري مبحثاً في (تأريخه) عن أسماء من كتب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) جعل في صدارتهم أمير المؤمنين عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بوصفه كاتباً للوحي. ينظر : تاريخ الطبري : 533/3.

(الكتاب) الى (كُتّاب العامة والخاصة)، إشارة الى اختصاص كل واحد منهم بعمل يختلف عن غيره.أقول : وبالعودة الى قوله في شأن طبقة (الكُتاب)، فالنص ينقسم على أقسام ثلاثة ؛ الأول منها في شأن الخصال التي ينبغي أن تتوافر في هؤلاء (الكتاب)، إذ شرط الإمام أن يكون الكاتب من خير الناس، و أحفظهم للسّر، و من الذين لا تُطغيه الكرامة ولا تصيّره جريئا على رئيسه في حضرة ملأ أو غيره، وأن لا يكون مقصراً بسبب من غفلته، و مجيدًا في أداء عمله الذي لا يضعف في توليه، وأن لا يكون جاهلاً بقدر نفسه في الأمور التي يؤديها، فضلاً عن أن يكون حسن الأثر في العامة، ومعروفاً بين الناس بالأمانة. وهذه الشروط تتلاءم مع دلالة مفردة (كتاب) التي أخذت من (الكَتْب)، وهو الحرز والربط. يقال كَتَبت السقاء، إذا ربطته بإحكام (1)كأن هؤلاء كالكَتَب في شدة حفظ الأمانة والسّر. أما القسم الثاني، فهو في شأن طرائق اختيار هؤلاء (الكتاب) بالنسبة للوالي، فقد شرط الإمام أن لا يُعتمد فى اختيارهم على فراسة الوالى وقوّة ظنّة، أو الرّكون الى الثقة ؛ لأنّ من الناس من يتعرف لفراسات الولاة، بحسن التصنع والخدمة، في حين أنهم لا يملكون من النصح والأمانة شيئًا. وقد جعل (عَلَيهِ السَّلَامُ) (الاختبار بحسن الولاية) سبيلاً الى تعيين (الكُتّاب). وذلك في قوله : ((ثُمَّ لاَ يَكُنِ اخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِك (2)وَاسْتِنَامَتِكَ (3)حُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ، فَإِنَّ الرِّجَالَ يَتَعَرَّفُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلاةِ بِتَصَنُّعِهِمْ وَحُسْنِ خِدْمَتِهِمْ، لَيْسَ وَرَاءَ ذلِكَ مِنَ النَّصِيحَةِ وَالْأَمَانَةِ شَيْءٌ، وَلَكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وَلُوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ، فَاعْمِدُ لَا مَحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَراً، وَأَعْرَفِهِمْ بِالأمَانَةِ وَجْهاً ...)) (4). أما القسم الثالث من أقسام النَّص، فهو خاص بتقسيم هؤلاء الكتاب، وتوزيعهم بحسب مهامهم، فمنهم من يكون مختصا بالرسائل ذات المرتبة العالية من السريّة التي تتضمن أسرار الخطط العسكرية أو المدنية وغيرها، ومنهم من يتولى الكتابة الى الأطراف والأعداء وآخر لأجوبة عمال السواد ومراسلتهم ومنهم من يكون مختصا بحضرة الوالي وخاصة وحاشيته (5). وأمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يكون على كل واحد من هؤلاء (رأساً) يتولى إدارة شؤونها لغرض تنظيم الأمور وعدم تشتتها.

بطانة

بطانة الرجل وليجته من القوم الذين يداخلهم ويُداخلونه (6). وقيل : هم الدُّخلاء الذين ينبسط إليهم، ويستبطنون ويستبطنون اليه مؤانسين له (7). وقد استعمل الإمام مفردة (بطانة) ثلاث مرات واحدة منها محلاة بـ (ال)، في


1) ينظر : تهذيب اللغة (كتب) : 88/10.

2) الفراسة الحذف بالأشياء. ينظر : لسان العرب (فرس) : 6 / 160.

3) الاستنامة طلب السكون والهجوع والسُّبات. ينظر : لسان العرب (نوم) : 596/12.

4) نهج البلاغة : ك/ 53: 558، 559.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 61/17.

6) ينظر : العين (بطن) : 440/7.

7) ينظر : تهذيب اللغة (بطن) : 13/ 251.

حين أورد مفردة (بطانتي) مضافاً اليها (ياء المتكلم) مرة واحدة في كلامه الوارد في نهج البلاغة (1)، للدلالة على الوليجة المقرّبة من الأمراء والحُكّام. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصف الصالحين من أصحابه : ((أَنْتُمُ الأَنْصَارُ عَلَى الْحَقِّ، وَالإِخْوَانُ في الدِّينِ... وَالْبِطَانَةُ دُونَ النَّاسِ، بِكُمْ أَضْرِبُ الْمُدْبِرَ، وَأَرْجُو طَاعَةَ الْمُقْبِلِ، فَأَعِينُونِي بِمُنَاصَحَةٌ خَلِيَّة مِنَ الْغِش ...)) (2). والنص مدح لأصحابه المخلصين المقربين، ولهذا استعمل لهم مفردة (البطانة) التي أرادتها الدلالة قربهم منه ؛ لأنّه وليجته وخاصته من أصحاب سِرّه فَأمَّا عدّهم بطانته دون للناس، فليس ذلك من باب التفرقة بين الرعية وعدم العدل بينهم، وإنما من جهة تمييز هؤلاء عن بقية الناس لمكانتهم في نصرة الحقِّ وإخوتهم في الدين، وكونهم اليد الضاربة مع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ضرب المدبرين وحسن معاملة المقلبين عليه ولهذا طلب مناصحتهم الخليّة من الغش والرَّيب. وذلك إشارة الى قربهم منه وكونهم مواضع أسراره. وقد استعمل الإمام المفردة نفسها دالة على بعض بطانته من عمالة في مقام ذمّته وتذكيره بقربه منه بعدما خان أمانته التي إئتمنه عليها الإمام وذلك في (ك / 41) كما استعمل اللفظة نفسها بالدلالة المتقدمة في (ك / 53).

جباة الخراج

الجباية هي الجمع والتحصيل والاستيفاء (3). والخراج هو ما يُحصل من غلّة العين المبتاعة، وهي ضريبة أو جزية تؤخذ كل سنة من الفلاحين وغيرهم. وتؤخذ من البلاد التي افتتحها المسلمون صلح (4). وقد استعمل الإمام لفظة (جباية) ثلاث مرات في نهج البلاغة. في حين وردت لفظة (جُبَاة) بصيغة الجمع على (فعال) مضافة إلى كلمة (الخراج) مرة واحدة (5)، للدلالة على ما يخرج من تحصيل وجمع من غِلّة الأراضي للدولة الإسلامية التي يقودها (عَلَيهِ السَّلَامُ)، مستعملاً في ذلك مفردة (جباة) الدلالة على الموظفين القائمين على هذا الضرب من الجمع. ومن ذلك قوله في سياق كتابه الى العمال القائمين على (جباية الخراج) يذكر فيه أنه سير جيشاً وهو بين ظهره، وأنّه قد أوصاه بكفّ الأذى عن الخراج وأصحابه، وأنه يبرأ إليهم من معرّة هذا الجيش وأذاه بعد ذلك. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((مِنْ عَبْدِ اللّه عَلِيٌّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَنْ مَرَّ بِهِ الْجَيْشُ مِنْ جُبَاةِ الْخَرَاج وَعُمَّالِ الْبِلاَدِ. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ سَيَّرْتُ جُنُوداً هِيَ مَارَّةٌ بِكُمْ إِنْ شَاءَ اللّه، وَقَدْ أَوْصَيْتُهُمْ بِمَا يَجِبُ اللّه عَلَيْهِمْ مِنْ كَفَّ الأذَى، وَصَرْفِ الشَّذَى، وَأَنَا أَبْرَأُ إِلَيْكُمْ وَإِلَى ذِمَّتِكُمْ مِنْ مَعَرَّةِ الْجَيْشِ، إِلَّا مِنْ جَوْعَةِ الْمُصْطَر... فَنَكَلُوا مَنْ تَنَاوَلَ مِنْهُمْ شَيْئاً ظُلْماً عَنْ ظُلْمِهِمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَ سُفَهَائِكُمْ عَنْ مُضَادَّتِهِمْ ...)) (6). والنص في أنّ هذا الجيش المار لابد من أن يطأ - عند مروره - بالأراضي الخراجية التي يتولى (الجباة) جمع غلاتها وتحصيل خراجها، ولابد لهذا الجيش من أن يسيء بعض


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 55.

2) نهج البلاغة: خ / 118 : 220.

3) ينظر : العين (جبي) : 192/6.

4) ينظر : لسان العرب (خرج) : 252/2.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 80.

6) نهج البلاغة : ك/ 60 : 575.

أفراده الى هؤلاء ويزاحم عملهم، فبعث (عَلَيهِ السَّلَامُ) كتاباً الى (الجباة) القائمين على هذه الأموال يخبرهم فيه بتحذير هذا الجيش من الإساءة ويطلب منهم كفَّ سفهائهم عنه.

وزیر

إشارة:

الوزير الذي يستوزره الملك، فيستعين برأيه. كما يقول الخليل (1). واستعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردات (وزيراً) مرتين في نهج البلاغة، ولفظة (وزير)، وجمعها (وزرائك) مضافا إليها كاف الخطاب مرة واحدة لكل منهما (2)، وذلك للدلالة على ما يأتي :

أولاً : الدلالة على كونه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وزيرا للنبي وللأمة

وقد ذكر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (وَزِيْر) بهذه الدلالة ناقلاً إيّاها من كلام رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بحقه في سياق بيان فضله وشجاعته، وملازمته النبي وسبقه إلى الإسلام : ((... وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الأَسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللّه (صلى اللّه عليه وآله) وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا، أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، وَأَشْمُ رِيحَ النُّبُوَّةِ. وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ (3)الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ (صلى اللّه عليه وآله) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّه مَا هَذِهِ الرَّبَّةُ؟ فَقَالَ: «هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيسَ مِنْ عِبَادَتِهِ، إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ، وَتَرَى مَا أَرَى، إِلَّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيَّ، وَلَكِنَّكَ وَزِيرٌ، وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْر» (4))) (5). ولفظ (وَزِيْر) يدل في هذا النص على مؤازرة الإمام النبي، وإعانته على أداء الرسالة وأعبائها وأعبائها. وثَمة اشتقاقان لهذا اللفظ، فهو أما أن يكون مشتقاً من الجبل أو الحصن الذي يلجأ إليه (6). أو أنه مشتق من الحمل الثقيل (7). كأنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالنسبة إلى النبي الأكرم بمنزلة المعين والحصن المنبع الذي يُلجأ إليه إليه في تحمل أعباء الرسالة الإسلامية وحملها الثقيل ؛ فهو الوصي والخليفة الذي يعتمد على رأيه في الأمور ويلجأ إليه في الشدائد. ولهذا ورد في القرآن الكريم في دعاء النبي (موسى) قوله تعالى : (وَاجْعَل لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَرُونَ أخي) (8). وقد ذكر المفسرون أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) طلب مؤازراً يعينه على تدبير أموره ومساعيه، فجاء بلفظ (الوزير) الدال


1) ينظر : العين (وزر) : 380/7.

2) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 482.

3) الرّنّة الصيحة الحزينة. وقيل بل هي الصياح عند البكاء. ينظر : لسان العرب (رنن) : 13/ 187.

4) يبدو أن هذا الحديث من الأخبار التي أخبر بها النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) الإمام عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ)وقد نقل الطبري المؤرخ في حديثه عن نزول قوله تعالى :(الشعراء / 14) خبر (وزارة الإمام) للنبي عند قوله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : ((وقد أمرني اللّه أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي. فأحجم القوم... وقلتُ أنا يا نبي اللّه أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي، ثم قال : إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا...)). تاريخ الطبري : 542/1، 543، وشرح نهج البلاغة (ابن ابي الحديد) : 13/ 157، 158.

5) نهج البلاغة : خ/ 192 : 387.

6) ينظر : العين (وزر) : 380/7، ومقاييس اللغة (وزر) : 6 / 108.

7) ينظر : العين (وزر) : 380/7، ولسان العرب (وزر) : 5/ 283.

8) طه / 29-30.

على المعين القائم بوَزَر الأمور ونقلها (1). وتبدو هذه المسألة من خصائص الأنبياء، فقد سأله (موسى) اللّه تبارك وتعالى (وزيراً) له، وكذلك النبي الأكرم محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، إدراكاً منهم الحاجة إلى ضرورة اختيار الشخص المناسب للإعانة في الأمور جميعًا ومنها أمور الرسالة وتبليغ الدين مع مخالصة الود للوزير من المزايا العظيمة في هذه الأمور (2)، ولها أجاب اللّه تبارك وتعالى دعوة التبيين (موسى) و (محمد) (عليهما السلام).

أقول : وقد كرر الإمام استعمال لفظة (وزير) في (نهج البلاغة) لمّا أراده الناس على البيعه بعد مقتل الخليفة (عثمان بن عفان)، فذكر لهم أنّه لهم (وزير) خبر من كونه أمير وذلك في (خ/92).

ثانياً : الدلالة على وزراء الأمراء والولاة

وقد استعمل الإمام لهذه الدلالة لفظتي (وزيراً) بصيغة المفرد وجمعها (وزراء) في عهده الى (مالك الأشتر) ناهياً إيّاه باتخاذ (وزراء الأشرار) بطانة له، إذ يقول : ((إِنَّ شَرُّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِلاشْرَارِ قَبْلَكَ وَزِيراً، وَمَنْ شَرِكَهُمْ فِي الْأَثَامِ، فَلَا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً، فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الأثَمَةِ، وَإِخْوَانُ الظُّلَمَةِ))(3). ولفظة (وزير) و (وزرائك) في هذا السياق تدل على النصب الإداري المعروف الذي يسنده الخلفاء والولاة إلى بعض الشخصيات التي يختارونها، ليكونوا أعواناً لهم في أداء أعمالهم وحفظه لهم على أسرارهم وأسرار الدولة. وقد عرّف (المارودي ت 450هـ) الوزارة والوزير بقوله : ((وهو أنْ يستوزر الإمام مَنْ يفوّض إليه تدبير الأمور برأيه، وإمضاءها باجتهاده))(4). وقد وسّع الإمام من مصطلح (وزير) فجعله غير مقتصر على الإدارة، والإعانة في الحكم، وإنما جعلها شاملة لمنصب الاستشارة، بشرط أن لا يكون هؤلاء من أعوان الظالمين، ولا من الآثمين، فيكون هؤلاء أخفٌ مؤونه ومعونة، وأعطف على الوالي وعلى البلد من تلك النماذج السيئة من (الوزراء) يقول الإمام مشيراً الى الخلف الصالح لهؤلاء : ((وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَنَفَادِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ وَأَوْزَارِهِمْ وَآثَامِهِمْ، مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِماً عَلَى ظُلْمِهِ، وَلَا آثِماً عَلَى إِثْمِهِ، أُولئِكَ أَخَتُ عَلَيْكَ مَؤُونَةً، وَأَحْسَنُ لَكَ مَعُونَةً، وَأَحْنَى عَلَيْكَ عَطْفاً، وَأَقَلُّ لِغَيْرِكَ إِلْفاً، فَاتَّخِذْ أُولئِكَ خَاصَّةً لِخَلَوَاتِكَ وَحَفَلَاتِكَ (5)، ثُمَّ لْيَكُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَكَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرٌ الْحَقِّ لَكَ، وأَقَلَّهُمْ مُسَاعَدَةً فِيما يَكُونُ مِنْكَ مِمَّا كَرِهَ اللّه لاوْلِيَائِهِ...)) (6).

حاشيتك


1) ينظر : المحرر الوجيز : 42/4. والتفسير الكبير : 43/22. وقد نقل (فخر الدين الرازي) رواية عن النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في (حادثة تصدّق الإمام بخاتمه)، فقال النبي : ((اللّهم إنّ أخي موسى سألك، فقال : ((ربِّ اشرح لي صدري)) الى قوله : ((وأشركه في أمري))... اللّهم وأنا محمد نبيّك وصفيك فاشرح لي صدري، ويسر لي أمري، وأجعل لي وزيراً من أهلي عليا أشدد به ظهري...)). التفسير الكبير : 23/12.

2) ينظر : التفسير الكبير : 43/22.

3) نهج البلاغة : ك / 53 : 458، 459.

4) الأحكام السلطانية والولايات الدينية: 1/ 23.

5) حفلاتك جمع حفل، وهو الاجتماع. ينظر : لسان العرب (حفل) : 156/11.

6) نهج البلاغة : ك / 53: 549.

الحاشية القوم والأهل والخاصة من المقرّبين (1). واستعملت مفردة (حاشيتك) مضافا إليها ضمير الخطاب مرة واحدة في نهج البلاغة (2)، للدلالة على خاصة الرجل من أعوانه والمقربين منه. وذلك في سياق النصح والإرشاد لعامله (مالك الاشتر)، إذ يقول له : ((وَلَا تُقْطِعَنَّ (3)لاحَد مِنْ حَاشِيتِكَ وَحَامَّتِكَ قَطِيعةً)) (4). وكلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) نهي نهي عن اقتطاع الولاة الأراضي والأملاك الخاصة بالدولة أو بالناس من الرعية وتمليكها الى القرابات من الحواشي الذين يتخذهم الوالي أعواناً له. وقد استعمل الإمام مفردة (حاشية بدلالة منحطة – هنا – كأنه يشر إلى كونه فَضل لا يعتمد عليه في أمور الدولة لقربهم من الوالي وهذه المفردة أصلها في اللغة مأخوذ من حاشية الثوب وجانبيه(5).


1) ينظر : لسان العرب (حشا) : 14 / 181، والمصباح المنير : 1/ 138.

2) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 112.

3) القطيعة ما يملك من أراض وغيرها، وجمعها قطائع. ينظر : لسان العرب (قطع) : 281/8.

4) نهج البلاغة : ك / 53 : 564.

5) ينظر : المصباح المنير : 1/ 138.

المبحث التاسع: ألفاظ طبقة ذوي الرقة في السن والأيتام

النسل

إشارة:

النَّسْلُ الوَلَد (1)؛ لأنّه ينْسل من والدته (2). والنَّسْل الذُّرِّية (3). وتنَاسَلَ القوم، أي ولد بعضهم من بعض وكثر أولادهم (4). وأصل النَّسْل هو خروج الشيء من الشيء، وسقوطه منه (5).

وقد وردت لفظة (النّسل) مرتين في نهج البلاغة، في حين جاءت مفردات (يتناسلُون، نسْلُه، وتناسل) مرة واحدة لكل منها (6).

أمّا الدلالات التي سيقت لها هذه المفردات، فهي كما يأتي :

أولاً : الدلالة على الأولاد والذريّة

ومن ذلك قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق الطلب إلى بعض أصحابه بأن يملكوا الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما تسَرَّع إلى الحرب في بعض أيام (صِفِّين) : ((امْلِكُوا (7)عنِّي هذَا الْغُلاَمَ لاَ يَهْدَّنِي (8)، فَإِنَّنِي أَنْفَسُ (9)بِهِذَيْنِ. يَعْنِي الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ (عليهما السلام). عَلَى الْمَوْتِ، لِئَلَّا يَنْقَطِعَ بِهِمَا نَسْلُ رَسُولِ اللّه (صلى اللّه عليه وآله))) (10). وقوله هذا من أعلى الكلام وأفصحه، ولاسيما تغبيره : ((امْلِكُوا عنّي هذَا الْغُلَامَ))، بحسب قول الشريف الرضي الذي وصفه الوصف المتقدم (11). والإمام كان يتكلم في مقام الحرص على ولده الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما رآه يتسرّع إلى الحرب، ولهذا طلب إلى صحبه أن (يملكوه عنه) أي يمنعوه، ويحجروا عليه كما يحجر المالك على مملوكه حرصاً عليه (12). ووجه علوا هذا التعبير وفصاحته أنّه لما كان في لفظة (املكوا) معنى البعد، وأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعقب المفردة المتقدمة بحرف الجر (عن) للتعبير عن إبعاده عنه دون أن يملكونه من أمير المؤمنين على حد تعبير الشارح ابن أبي الحديد (13). ثم عبّر عن حالته بعده – فيما لو لم يُمتع الإمام الحسن عن الحرب – بلفظة (يهدّني) التي تدل على الانكسار والهدم الشديد فضلاً عن تضمن كلامه لفظة (أُنفَسُ) التي تفيد الدلالة على نفاسه ولديه الإمامين (الحسن والحسين) (عليهم السلام)، فضلاً حرصه عليهما وشحته بهما على الأذى والقتل محافظة منه على نسلِ رسول اللّه. وجاء استعماله لفظة (نَسْل) لبيان كونها


1) ينظر : العين (نسل) : 256/7.

2) ينظر : مقاييس اللغة (نسل) : 420/5.

3) ينظر : لسان العرب (نسل) : 660/11.

4) نفسه.

5) ينظر : العين (نسل) : 257/7.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 440.

7) أملكوا من الملك، وهو الاستيلاء. ينظر : لسان العرب (ملك) : 15/ 493.

8) الهدّ الهدم الشديد. ينظر : العين (هد) : 3/ 347.

9) أنْفَسُ من النفاسة، وهي تضمن معينن ؛ الصّن بالشيء والبخل به، وكونه نفسياً غالباً. بنظر : العين (نفس) : 271/7.

10) نهج البلاغة: خ / 207 : 407.

11) نفسه : 404.

12) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 22/11.

13) نفسه.

مصدر لذرية الرسول وانهما الامتداد الطبيعي له، ومنهما يكون خلف النبي وذريته، فجعل عدم انقطاع نسل النبي عِلة للحرص عليهما ؛ لكونهما من النفاسه بمكان، فهما ولد رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) (1). أما مفردة (نَسل) فالمراد بها الدلالة على الذُريّة الخاصة برسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم). وقد وردت الفاظ (النَّسْل) و (نَسْله) و (تناسل) للدلالة على الأولاد في (قصا / 252، خ/ 1، 91).

ثانياً : الدلالة على التَّزاوج المُسبّب لتكوين الأولاد

واستعمل الإمام لهذه الدلالة مفردة (يتناسلون) بصيغة الفعل المضارع المسند الى ضمير الجمع. وذلك في سياق الوصية بالاعتبار بالأمم الماضية، إذ يقول : ((وَاعْتَبِرُوا بِمَا قَدْ رَأَيْتُمْ مِنْ مَصَارِعِ الْقُرُونِ قَبْلَكُمْ: قَدْ تَزَايَلَتْ (2)أَوْصَالُهُمْ، وَزَالَتْ أَسْمَاعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ، وَذَهَبَ شَرَفُهُمْ وَعِزُّهُمْ، وَانْقَطَعَ سُرُورُهُمْ وَنَعِيمُهُمْ؛ فَبُدِّلُوا بِقُرْبٍ الْأَوْلَادِ فَقْدَهَا، وَبِصُحْبَةِ الْأَزْوَاجِ مُفَارَقْتَهَا. لَا يَتَفَاخَرُونَ، وَلَا يَتَنَاصَرُونَ، وَلَا يَتَنَاسَلُونَ..))(3).

فجعل (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (لا يتفاخرون) بإزاء تعبير (ذهب شرفهم وعِزّهم) ؛ لأنّ الفخر لا يكون إلا بالانساب التي تضفي على الانسان شرفاً وعِزّاً، علاوة على كونه رهن بالسؤود وحسن الافعال والكرم. كما أنّه جعل (لا يتناسَلُون) بإزاء قوله : (فَبُدِّلُوا بِقُرْبِ الأَوْلَادِ فَقْدَهَا، وَبِصُحْبَةِ الْأَزْوَاج مُفَارَقْتَهَا) ؛ لارتباط اللفظة المتقدمة بالذرية التي تنتج من الزواج. كأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يشير الى أن (الدّريَّة) ناشئة من علاقات الزواج بين الناس الذين يتناسلون ليخرج منهم الأولاد

الغلام

إشارة:

الغلام هو الذي طرّ شاربه (4). وقد وردت لفظة (الغُلام) محلاة بـ (ال) أربع مرات في نهج البلاغة، في حين جاءت اللفظة نفسها مجردة من ((ال) مرة واحدة هي ومفردة (المُغتلمة) (5)، وذلك للدلالة على مايأتي :

اولاً : الدلالة على الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ):

وقد أشار إليه الإمام في سياق طلبه لأصحابه بمنع ولده الإمام الحسن من التسرع الى الحرب ؛ حرصاً عليه وخوفاً من فقده. فوصفه بـ (الغلام) قائلاً : ((امْلِكُوا عنِّي هَذَا الْغُلَامَ لَا يَهْدَّنِي، فَإِنَّنِي أَنْفَسُ بِهَذَيْنِ. يَعْنِي الحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ (عليهما السلام) عَلَى الْمَوْتِ، لِئَلاً يَنْقَطِعَ بِهِمَا نَسلُ رَسُولِ اللّه (صلى اللّه عليه وآله)) (6).


1) وقد عقد الشارح ابن أبي الحديد. بحثاً - في شرحه قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المتقدم - في أنّ (الحسن والحسين (عليهما السلام)) ولدا رسول اللّه. واحتج بقوله تعالى : (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَ كُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ...) (آل عمران / 61)، وقوله تعالى :(وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (الأنعام / 84). وانتهى الى أنّ اللغويين لم يختلفوا في أنّ ولد البنات يعدّون من نسل الرّجل، علاوة على جواز أن يقال لابن البنت (ابن) على جهة الحقيقة، والحقيقة العرفية، فضلاً عن المجاز. ينظر : شرح نهج البلاغة : 11/ 23، 24.

2) تزايلث تفرّقت. ينظر : لسان العرب (زيل) : 316/11.

3) نهج البلاغة: خ / 161 : 287.

4) ينظر : العين (غلم) : 4 / 422، وتهذيب اللغة (غلم) : 135/8.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ البلاغة : 339.

6) نهج البلاغة: خ / 207 : 407.

وصفه (الغُلام) ؛ للدلالة على كونه في مرحلة الاشتداد والبلوغ ؛ إذ تبدو عليه سيماء الرجولة والفحولة ولهذا ذكر اللغويون أن (الغُلام) هو من طرَّ شاربه. كأنهم جعلوا ظهور الشعر في شارب الانسان علامة على بلوغه أشدّه، فضلاً عما يوحيه ذلك من الدلالة على الوصول الى مرحلة الشهوة والهيج للضّراب التي لم يُرد أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذكر مفردة (الغلام) العناية بها من جهة كونها شهوة غالبة على الإمام كما يحصل عند من هم في هذه المرحلة من العمر، وإنما أشار اليها من جهة كونها علامة من علامات الفحولة والبلوغ وثمّة دلالة أخرى للفظة المتقدمة التي استعملها الإمام محلاة بـ (ال) لتخصيص الإمام الحسن بهذا الوصف دون غيره من الغلمان فيكون معهوداً معروفاً بينه وبين أصحابه. وهي الإيحاء (بتجاوز الحد) في المضي الى القتال، رغبة في إحقاق الحق ومحاولة منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى الشهادة في سبيل اللّه. وهذه الدلالة تتضمنها المفردة المتقدمة التي تدل في معناها العام على مجاوزة القدر في الشهوة بحسب أقوال اللغويون (1). فكأن الإمام أمير المؤمنين وظف تلك المفردة لبيان حرص ولده الإمام الحسن على قتال (الفئة الباغية) في (صنَّفين) طلباً للشهادة ومسارعة اليها، فضلاً عن هياجه في نصرة أبيه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يمثل الاسلام.

وعلى النقيض من ذلك، استعمل الإمام لفظة (غُلام) مضافة الى كلمة (ثقيف) ؛ للدلالة على الحجاج (الثقفي) الذي أخبر عن تسلّطه على الناس قائلاً : (أَمَا وَاللّه، لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ غُلَامُ ثَقِيفَ الذَّيَّالُ (2)الْمَيَّالُ (3)...)) (4). وقد صدّر الإمام إخباره بالقسم، توكيداً لكلامه الذي يُعدّ من قبيل الإخبار بما سيقع مستقبلاً. أمّا إيراده لفظة (غُلام)، فذلك للدلالة على شدّة شهوة هذا الشخص الى القتل والجور على الناس كأن الإمام أراد أنّ فيه من الاضطراب والهياج والجور بشكل بلغ فيه أقصى الدرجات في الظلم والعسف بالناس وقد عزز الإمام ذلك بمفردتي (الذَّيّال، الميَّال)، وهما صفتان صاغهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) بوزن (فَعال) للدلالة على المبالغة والاسراف في الكبر والخيلاء، والميل الى الظلم والجور. ومن ناقلة القول الاشارة الى أنّ إضافة لفظة (غُلام) الى كلمة (ثقيف) هي من قبيل إضافة السنبه، الغرض منها بيان نسب هذا الشخص انتمائه القبلي إن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) نقل هذه المفردة من الدلالة على هذه المرحلة من العمر الى الدلالة على الظلم والجور.

أقول : ونظير دلالة مفردة (غُلام) على الغلمة والشهوة والتسرّع وعدم التّرو، فضلاً عن الدلالة على القوة البدنية، ما ورد في (قصا / 86).

ثانياً : الدلالة على اشتداد الفتنة واضطرابها

وقد شبّه الإمام (الفتنة) من جهة بلوغها وهياجها بـ (شباب الغُلام)، وذلك في سياق قوله متحدثاً عن التحذير من الفتن وآثارها: ((شِبَابُهَا كَشِبَابِ الْغُلامِ، وَآثَارُهَا كَآثَارِ السّلامِ (5)))(6). والوجه من التشبيه المتقدم هو


1) ينظر : لسان العرب (غلم) : 12/ 439.

2) الذيل آخر كل شيء. وذيل الثوب ما جُرّ منه. ينظر : لسان العرب (ذيل) : 11/ 265.

3) الميل العدول الى الشيء والإقبال عليه، والميل الجور والظلم. ينظر : لسان العرب (ميل) : 11/ 636.

4) نهج البلاغة: خ / 116 : 219.

5) السلام - بالكسر - جمع سلمة، وهي الحجر. ينظر : لسان العرب (سلم) : 12 / 296.

6) نهج البلاغة: خ / 115 : 264.

السُّرعة في الظهور والانتصاب، فكما يشبّ الغُلام سريعاً، وهو مرح مختال مضطرب، فكذلك الفتنة في هياجها (1)فاستعار لها الإمام لفظ (الشَّباب) مكنياً به عن ظهورها بين الناس، وسرعة انتشارها (2). وعلى قراءة لفظ (شباب) بكسر الحرف الأول - فإنّ المراد بالتشبيه المعنى المتقدم أي : أنه قصد بإضافة (الشَّباب) الى (الغُلام) بيان أنّها تشبيه (الغُلام) في سرعة هياجه واضطرابه، وما فيه من لهو ولعب وعدم تفكّر كأنها ترتفع كما يرتفع الفتي من ثيران الوحش عند (شبابه) في مرحلة البلوغ والايفاد والتوهج، والنشاط المصحوب برفع اليدين. يقال شَبّ الفرس، إذا نشط ورفع يديه جميعاً (3). وقد ورد في بعض الروايات قراءة اللفظة المتقدمة بفتح الشين (شَبَاب الغُلام) (4). والمراد بذلك الفتاء والحداثة في السين(5). وبهذا يكون التشبيه مرتبطاً بالفتوة والحداثة في السِّن مع كل ما تحمله هذه المفردات من دلالة على المرح واللعب وعدم الاستقرار والثبات. ولهذا جعل الإمام آثار الفتنة كآثار السّلام من الأحجار الصَّلْدة التي تضرب الابدان وغيرها فتؤذيها.

ثالثاً : الدلالة على هياج الفحول من أرها للضّراب

وقد استعمل الإمام لهذه الدلالة لفظة (المُغْتَلمة) بوزن (مُفْتَعل) المختوم بـ (التاء)، وهو بناء يدل على التكلّف والمبالغة في الفعل (6). يقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصف إفضاء الطاووس الى أنثاه وهو : ((يَؤُرُ (7)بِمَلاَقِحِهِ (8)أَنَّ الْفُحُولِ الْمُغْتَلِمَةِ لِلصِّرَابِ (9))) (10)والنص يشير الى هياج هذا الطير وسعيه الى لقاح أنثاه فشبهه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذلك بأرّ الفحول من الدواب التي اشتدت شهوتها وهياجه للضراب واللقاح.

الصبي

إشارة:

الصبو، والصَّبْوَة جَهْلة الفُتُوة واللّهو من الغزل (11). ومن هذا أخذ قولهم : التصابي والصبا (12).وهو – بالكسر الصغر (13). والعرب تقول للجارية صبيَّة، وللغلْمَان صِبْيَان (14). ويسمَّى الصُّبِيُّ صَبيّاً من لدُنْ يُوْلد الى أنْ يُفطَم (15).


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 9/ 108 / وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 3/ 617.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 3/ 617.

3) ينظر : العين (شبب) : 6/ 223، والمصباح المنير (شب) : 302/1.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 3 / 616، ومنهاج البراعة : 150/9.

5) ينظر : لسان العرب (شبب) : 480/1.

6) ينظر : الاعجاز الصرفي في القرآن الكريم : 130.

7) الأر الجماع. ينظر : تاج العروس (أرر) : 41/10.

8) الملاقح هي التي يلقح بها. ينظر : لسان العرب (لقح) : 583/2.

9) الصّراب النكاح. ينظر : المحكم (ضرب) : 18/8.

10) نهج البلاغة : خ / 165 : 296، وقد نقلت كتب اللغة قول الإمام المتقدم. ومنها : تاج العروس (أرر) : 41/10.

11) ينظر : العين (صبو) : 168/72، ولسان العرب (صبا) : 14/ 449.

12) ينظر : العين (صبو) : 68/7.

13) ينظر : تهذيب اللغة (صبو) : 180/12.

14) نفسه.

15) ينظر : لسان العرب (صبا) : 14/ 449.

ويجمع هذا اللفظ على (صبية)، و (صِبْيان)، و (صِبْوان) بقلب الواو فيه ياءً ؛ للكسرة التي قبلها (1)، غيرُ معتديْنَ بالساكن حاجزاً بين الكسر والوا ؛ لأنّه عندهم حاجز ضعيف (2). وربما جنحوا الى الياء في الجمع إيثاراً لخفّة الياء (3)عند نطق اللفظ بالجمع، فالجمع، فإنهم لما أرادوا الجمع في (صَبَو) فقالوا (صِبْوة)، و (صبوان) ثقل في لسانهم اجماع الكسر والضم، فآثروا الياء بدلاً من الواو مجانسة للكسر، فقالوا : (صِبْيَة) و (صِبيان).

واستعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (صَبِي) في كلامه الوارد في نهج البلاغة بصيغة المفرد والجمع، فجاءت مفردة (الصُّبي) بالمفرد مرة واحدة. في حين وردت اللفظة بصيغة الجمع على (صبية) مرة واحدة، و (صبيان) مرتين (4). ويمكن بيان الدلالات التي دَلّت عليها هذه المفردة في مايأتي :

اولاً : الدلالة على اللّهو والعبث

واستعمل امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الدلالة في سياق كلامه عن آخر الزمان. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُقَرَّبُ فِيهِ إِلَّا الْمَاحِل (5)، وَلَا يُظْرَّفُ (6)فِيهِ إِلا الْفَاجِرُ... فَعِنْدَ ذلِكَ يَكُونُ السُّلْطَانُ بِمَشُورَةِ الامَاءِ، وَإِمَارَةِ الصَّبْيَانِ...)) (7).

أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ الزمان الذي يكون فيه الساعي بالنميمة والمكيدة مُقرَّباً والفاجر الذي لا يتناهي عن الخلاعة والمجون والفسق مُقَدَّما مُظرَّفاً، قادم عليكم ايها السامعون، وعلامته أنّ المُلْكَ والسلطان يكون بمشورة النِّساء والإماء والإمارة بيد (الصبيان)، ذو الحداثة في السِّن الذين لا عقل لهم (8). يَتَدَبَّرُونَ به، إِلا عقلَ الجَهْلِ والعبث. وهو ما توحي به مفردة (صبيان) التي ساقها (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا النص بصيغة الجمع على (فِعْلان) إشارة الى كثرة هؤلاء (الصبيان) الذي يقودون المُلْك في قابل الزمان والذين يتسلطون فيه على رقاب الناس. وقد ذكر بعض الشراح شيوع ذلك الأمر الذي أخبر به الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وانفرد به دون بقية الصحابة(9)، فقد كثر في زمان بني أمية، وفي زمن الدولة العباسية (10). ولهذا قال أبو فراس الحمداني (11).

بنُو عِلِيٍّ غَرْثَى فِي بُيُوتهم ***والأَمْرُ تَمْلِكُهُ النّسوان والخَدَمُ


1) نفسه.

2) ينظر : لسان العرب (صبا) : 14 / 450.

3) نفسه.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 252.

5) المخلُ الشَّدَةَ والجوع والجذب، والمتماحل الرجل الطويل المُضْطَربُ الخُلق، والمحال العدواة. ينظر : لسان العرب (محل) : 616/11-619.

6) الظرف البراعة وذكاء القلب، وحُسنُ العبارة. ويوصف به الفتيان دون الشيوخ الكبار. ينظر : لسان العرب (ظرف) : 9/ 228.

7) نهج البلاغة : قصا / 102 : 17، 618.

8) ينظر : الديباج الوضي : 2790/6.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 206/18.

10) ينظر : الديباج الوضي: 6/ 2790.

11) دیوانه : 290، والديباج الوضي : 2790/6.

أقول : وجاءت لفظة (صبية) في نهج البلاغة دالة على صغر السن المقترن بالطيش والغواية والمجون ومن ثم محمود الرسالة النبوية، وذلك في وصف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أولاد (عُقْبة بن ابي مُعيط) (1)بـ (صبية النّار)، في سياق المقارنة بين أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وآل سفيان في كتابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى معاوية بن أبي سفيان، الذي يقول فيه : ((... وَمِنَّا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمِنْكُمْ صِبْيَةُ النَّارِ...)) (2). وسيّدا شباب أهل الجنة هم الحسن والحُسين (عليهما السلام) بنص النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) (3). (وصبية النار) هم أولاد (عُقبة بن أبي مُعَيْط) الذين جعل لهم النبي الاكرم النار في جوابه لسؤال (عُقْبة) الذي أسر في معركة (بَدْرٍ)، لما رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بقتله، فقال : من للصبية يا محمد ؟ فقال النبيُّ : النَّار. كما تذكر المدونات الخاصة بالسِّيرة النبوية (4).

وقد اختار بعض الشراح أن يكون المراد بـ (صبية النّار) أولاد مروان بن الحكم لصليه، ثم أولاد ابنه عبد الملك بن مروان، الذين لقيت منهم الأُمّة موتاً أحمر (5). ومن دلالة لفظة (الصُّبي) على صِغر السِّنِّ ما ورد في (ك / 64).

ثانياً : الدلالة على أولاد عقيل بن أبي طالب

وقد عبّر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) منهم بلفظة (صبيانه)، وذلك في سياق كلامه عن إملاق (عقيل) وفقره يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((وَاللّه لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلاً وَقَدْ أَمْلَقَ حَتَّى اسْتمَاحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً، وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ الشَّعُورِ...)) (6). ولفظ (صبيانه) - هنا - لا يوحي بصغر سنّ أولاد عقيل بحيث انهم بعمر الفطام كما تذكر المدونات المعجمية التي حددت عمر من يطلق عليه لفظ (صَبي) بوقت الولادة وحتى الفِطَام (7). وربما أُريد بلفظ (صِبْيانه) في هذا السياق من كان من أولاده غلاماً في عمر المراهقة. ولكنه عبّر عنهم بلفظ (صبيان) ؛ للدلالة على كثرتهم وشدّة حاجتهم للزاد، فهم من الشدة في الجوع واضطراب لأحوالهم في العيش ولا يستطيعون تحصيل أقواتهم، لصغر سنهم وضعف حالهم، فكما أنّ (الصَّبِيَّ) لا يملك الحصول على طعامه إلا بوساطة إرضاع أمه له، فكذلك هؤلاء لا يقدرون على توفير حاجاتهم من الطعام وغيره لصغرهم.

الطفل


1) هو أبان بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، يكنّى بـ (أبي الوليد)، وهو عدو رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وعدو الاسلام، وقد روي أنه دخل على النبي الاكرم وهو يصلّي في حجر الكعبة، فنخنقه بثويه خنقاً شديداً، حتى أقبل أبو بكر فدفعه وقال له : أتقتلون رجلاً أنْ يقول ربي اللّه. ينظر : الكامل في التاريخ : 1/ 595. والوافي بالوفيات، للصفدي : 20/ 59.

2) نهج البلاغة : ك / 28 : 490.

3) الحديث شائع في المدونات الحديثية، وهو في : الجامع الصحيح للترمذي : 656/5، والمعجم الاوسط : 1/ 117، والمعجم الكبير : 39/3 و 19/ 292، وسنن : ابن ماجه، لأحمد بن يزيد القزويني : 1/ 44 والسنن الكبرى للنسائي : 145/5، ومسند أحمد بن حنبل : 64/3، وفضائل الصحابة لأحمد بن حنبل : 771/2، والديباج الوضي : 2251/5.

4) ينظر : السيرة النبوية، ابن هشام : 194/3، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 16/ 148.

5) ينظر : الديباج الوضي : 2252/5.

6) نهج البلاغة : خ / 224 : 437.

7) ينظر : لسان العرب (صَبا) : 14 / 449.

الطفل الصغير من الأولاد (1). ويستعمل هذا اللفظ في الناس والدُّوابِ أيضاً (2)، فيقال : أطفلت الطبية إذا كان معها ولدٌ(3). ويسمّى الصبي طفلاً من حين يسقط من بطن أُمّه الى أن يحتلم(4). وعلى سبيل التشبيه بالطّفل في صِغَرِ الحجم وصغر العمر، قيل للمرأة الناعمة (طفلة)، بالفتح، كأنها تشبه الطفلة في رطوبتها ونعومتها (5).

وقد استعمل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما لفظة (أطفال) بصيغة الجمع على (أفَعَال) مرتين في نهج البلاغة، في حين جاءت مفردات (الطفل)، و (طفلاً) مرة واحدة لكل واحدة منهما (6). وذلك للدلالة على الأطفال الصغار الذين لم يبلغوا الحُلم. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق حديثه عن شجاعته وحبه ورغيته في الموت في سبيل اللّه، مشبهاً حاله ذلك بأنسِ الطّفل بثدي أُمه. يقول الإمام : ((... وَاللّه لَأَبْنُ أَبِي طَالِبٍ آنَسُ بالمَوْتِ مِنَ الطَّفْلِ بِثَدي أُمِّهِ ...)) (7). يريد : نفسه التي استعمل لها تعبير (ابن ابي طالب). من جهة الفخار بانتمائه (لأبي طالب) شيخ البطحاء، ولعله إشارة الى تكراره قول من قال : أنّ ابن أبي طالب جزع من الموت، فسكت عن حقه في الخلافة. فجاء تعبيره المتقدم أعادة لقولهم في نسبته لأبيه. ثم أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعمل صيغة التفضيل (آنسُ) لبيان شِدّة أُنسه واطمئنانه بالموت في دفاعه عن الاسلام، فضلاً أنّ هذا البناء يدل على أفضليته من غيره في هذه الخصيصة، وهي سمة الأنس الرغبة بالموت. هذا من جهة، ومن جهة أخرى الإيماء الى ما تحمله المفردة المتقدمة ببنائها من دلالة على المدح المقرون بالمفاضلة (8)وهذه دلالة أضفاها اللفظ المتقدم على السياق. على الرغم من كونه يتحدث فيه عن أمر لا يرغب فيه أحد الا هو، وهو الموت الذي تفرّ منه الشجعان. ولمّا كان التعبير المتقدم يتضمن التفضيل والمفاضلة، فقد اختار الإمام مشهد (الرِّضاع) الذي يلقم فيه (الطَّفل) ثَدْي أُمّه مستشعراً في ذلك الحنان والأمان والراحة المصحوبة بالغذاء فكما أنّ (الطفل) يرتوي في رضاعه مطمئناً، فكذلك هو (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يأنس برضاع الموت المصحوب برضا اللّه جل جلاله. وقد أشار بعض شُرّاح النهج الى أن الإمام فرّق أيضاً في موازنته بين (أُنسه بالموت)، و(استئناس الطفل بثدي أمه) بين الأنس الطبيعي المعرّض للزوال، وهو أنس الطفل الذي ما يلبث أن يزول حبه لذلك ما إن يكبر، وبين أنس الإمام بالموت الذي عدّه ميلاً عقلياً وليس عاطفياً، وهو لازم دائم (9). وهذه فكرة لطيفة تعضد معنى النص وتقويه.

وقد وردت الفاظ (طفلاً)، و (الأطفال)، دالة على الأطفال الذين هم في مرحلة الصغر، وذلك في (خ / 27، 105، 157).


1) ينظر : العين (طفل) : 428/74.

2) ينظر : العين (طفل) : 422/72، وتهذيب للغة (طفل) : 235/132.

3) ينظر : تهذيب اللغة (طفل) : 13/ 235.

4) ينظر : تهذيب اللغة (طفل) : 235/13، ولسان العرب (طفل) : 402/11.

5) ينظر : مقاييس اللغة (طفل) : 413/3.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 274.

7) نهج البلاغة : خ / 5 : 36.

8) ينظر: الإعجاز الصرفي في القرآن الكريم : 231.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 1/ 191.

يتيم

اليتيم هو فاقدُ الآبِ. وهو الذي مات عنه أبوه (1). واليتيم يكون للولد حتّى يبلغ، فإذا بلغ زال عنه اسم اليُتم (2). وأصل اليُتم في اللغة، مأخوذ من الدلالة على الإنفراد (3). ويفرّق اللغويون بين اليُتم في الانسان واليُتم في البهائم، فيذكرون أنّ اليُتم في الإنسان لا يكون الا من قبل الأبِ، في حين أنه في البهائم من جهة الأُمِّ. وتجمع هذه المفردة على (أيتام) و (يتامى) (4).

واستعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (أيتام) بصيغة الجمع مرتين في نهج البلاغة، في حين استعملت لفظتا (اليتامى) و (اليثم) مرة واحدة لكل منهما (5)دلت جميعاً على (الأيتام) الذين فقدوا آباءهم ؛ بسبب من الموت أو القتل في الحرب. أقول : لقد استعمل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (يتيم) مجموعة على ضربين من الجمع كلاهما من جمع التكسير، الأول بناء (أفْعَال) مستعملاً فيه لفظة (أيتام).والثاني بناء (فَعَالي) الذي صيغت عليه لفظة (يَتامى) فأمّا (أيتام) فإنها تدل، بحسب البناء على القلة من حيث العدد، وأوردها الإمام في وصيه للإمامين الحسنين (عليهما السلام) التي يقول فيها : ((اللّه اللّه في الأيْتَامِ، فَلاَ تَعْبُوا (6)أفْوَاهَهُمْ، وَلا يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ)) (7). والملاحظ أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يشدد على العناية بالأيتام، وعدم قطيعتهم، وإضاعتهم ؛ لأنهم فقدوا ميعِيلهم والقائم على شؤونهم، هو (الأب). وأمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن لا ينقطع عنهم الوصل، مكنياً عن ذلك باستعماله لفظ (الغِبّ)، الذي نهى عنه الإمام، لأنه سبيل الى تجويعهم والتقصير بحقهم، و (الغِبُّ) كما يذكر اللغويون هو عدم المداومة على الشيء واتصاله، وهو مأخوذ من (غِبّ الدابة). أي عدم تواصل رعيها والمداومة عليه، فيجعلوها ترد الماء يوماً وترعى يوماً آخر (8). فلهذا نهى الإمام عن إطعام (الأيتام) يوماً وتركهم يوماً آخر دون الطعام وهو نهي يتضمن عدم جعلهم مثل الدواب في هذا الأمر.

أقول : ولعل توظيف لفظة (أيتام) بوزن القِلّة في هذا النّص يوحي بالدلالة على قِلَّةِ هؤلاء (الأيتام) مقارنة بعَديد الأُمّة وعددها، فإنّهم بإزاء جمهور كبير من المسلمين فضلاً عن الدلالة على معنى العوز والضعف والحاجة التي تظهر على (الأيتام) الذين انفردوا بهذه الأمور بسبب من يُثْمهم. أقول : إن ما ذهب اليه الدكتور فاضل السامرائي من أن استعمال بناء (أيتام) بالجمع على (أفْعَال) يدل على معنى اليتم دون بيان أثره على اليتيم (9)، أمر لا يستقيم مع استعمال الإمام لهذا اللفظ في (نهج البلاغة) ؛ لأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وظف هذا اللفظ في سياق يدعو الى العناية بالأيتام والوصية بهم ؛ لما يظهر عليهم من مظاهر الحاجة والفقر، وقلة الناصر والمعين، ولاسيما في الفقراء والمساكين من الأيتام من الذين لا حيلة لهم، بسبب من عدم وجود أحد من أسرهم


1) ينظر : العين (يتم) : 18 / 140، وتهذيب اللغة (يتمك) : 14 / 241.

2) ينظر : تهذيب اللغة (يتم) : 14/ 241.

3) ينظر : لسان العرب (يتم) : 645/12، وتاج العروس (يتم) : 134/34.

4) ينظر : لسان العرب (يتم) : 645/12.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 498.

6) الغِبُّ، بالكسر، عاقبة الشيء وآخره، والغِبُ هو أنْ تُرْعَى الدّابة وماً وتُورَدُ يوماً. ينظر : تاج العروس (غبب) : 451/3.

7) نهج البلاغة : ك / 47 : 538.

8) ينظر : تاج العروس (غبب) : 451/3.

9) ينظر : معاني الابنية : 164.

الى جنبهم عند فقد آبائهم في صغرهم. ولهذا أمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بضرورة مواصلتهم والعناية بهم عند ذاك. ولهذا أمرهم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((أنْ وَلاَ يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ.)) مستعملاً خطاب الجمع مع أنّ الوصية كانت للإمامين الحسنين (عليهما السلام). وهما أثنان ولكنه استعمل الفعل المسند الى (واو الجمع) ؛ لارادة العموم الذي يشمل الناس جميعاً. ومنهم أوصياء الأيتام والقائمين على أمورهم بعد آبائهم. فضلاً عن رعاية (الأيتام) فإنهم عِيال على جميع المسلمين هم كُثرٌ وأنّ (الأيتام) قلّة، فلا تضيع القلّة بحضرة الكثرة.

وخصّ الشارح ابن أبي الحديد لفظة (أيتام) في هذا النص (بالأيتام) الذين مات عنهم آباؤهم، وهم فقراء لا يملكون شيئاً، فلزم مواساتهم ورعايتهم ؛ لفقدهم الكافل والقائم بنفقتهم (1)، وهم بذلك خلاف (الأيتام) الذين لهم مال في أيدي أوصيائهم، وهؤلاء لا يحتاجون - كما يفهم من كلامه - العناية نفسها التي تقدم للأيتام من الفقراء (2). وقد جرى استعمال اللفظة المتقدمة بالصيغة والدلالة نفسها في (خ / 41).

وبالرجوع الى لفظة (يَتامى) التي استعملت في نهج البلاغة في موضع واحدٍ، وهو قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق كتاب شديد اللّهجة لبعض عماله الذين خانوا الأمانة : ((أَيُّهَا الْمَعْدُودُ. كَانَ. عِنْدَنَا مِنْ ذَوِي الْأَلْبَابَ، كَيْفَ تُسِيعُ (3)شَرَاباً وَطَعَاماً، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ تَأْكُلُ حَرَاماً، وَتَشْرَبُ حَرَاماً، وَتَبْتَاعُ الأمَاءَ وَتَنْكِحُ النِّسَاءَ مِنْ مَالِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدِينَ، الَّذِينَ أَفَاءَ (4)اللّه عَلَيْهِمْ هَذِهِ الأَمْوَالَ...)) (5). يَسْتَهل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا المقطع من كتابه بإلغاء شأن هذا الشخص المخاطب عند الإمام، مستعملا الفعل الماضي (كان) في جملة اعتراضيه لبيان المُضي والتقادم في انقضاء شأن هذا الرجل الذي كان سابقاً من ذوي الألباب عند الإمام. وعلل ذلك بميله إلى استطابة هذا الشخص لأكل المال الحرام كله من أموال اليتامى والمساكين والمؤمنين التي أفاء اللّه بها عليهم ولفظة (اليتامى) في النص تفيد الدلالة على الكثرة في العدد، مناسبة لسياق اللوم والتقريع لهذا الشخص الذي خان الأمانة التي قلّده الإمام إيَّاها، فضلاً عن خيانته الأمّة جميعاً من خلال الاستيلاء على الأموال والتصرُّف بها بغير حقٌّ. وهذا المعنى يستحق أن توظف له المفردات الدالة على كثرة من أخذ حقهم ؛ من الرعية وفداحة فتبدو وشناعة هذه الفعلة خطبها. ولهذا انتظمت مفردة (اليتامى) مع ألفاظ أخرى بصيغة الجمع، وهي (المساكين، والمؤمنين، والمجاهدين) وكلها بلفظ الجمع للإيحاء بكثرة هؤلاء الذين سُلبت أموالهم فضلاً عن بيان ضعف حالهم وعدم ترفهم.

أمّا لفظة (يَتامى)، فوزنها (فَعَالى)، وهذا البناء من أبنية الجمع الدالة على الكثرة ؛ ويغلب عليه الاستعمال فيما كان دالاً على آفة أو هلاك أوْ نَقْصٍ أو وَجَع (6). وهذهِ كلها من المُبْتَلَيَات التي يَبْتلي بها الانسان. وقد نقل سيبويه كلاماً للخليل بن أحمد في شأن هذا البناء من أبنية الجمع، مع بناء آخر يتَّفق معه في الدلالة، وهو (فَعْلى) يقول سيبويه : ((وقال الخليل : إنّما قَالُوا مَرْضَى وهَلْكى ومَوْتَى، وَجَرْبَى، وأَشباهُ


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 17/ 8، 9.

2) نفسه.

3) سَاغَ الشراب والطعان في الحلْقِ، اذا سهل مدخله. ينظر : لسان العرب (سوغ) : 435/8.

4) الفيء الغنيمة، ونغله (أفاءَ). ينظر : العين (أفي) : 407/8.

5) نهج البلاغة : ك / 41 : 525.

6) ينظر : معاني الأبنية : 106.

ذلك ؛ لأن ذلك أمرٌ يُبْتلوْنَ به. وأُدْخِلُوا فيه وهم له كارهون.. وقَالُوا رَجُل وَجَعٌ، وقَوْمٌ وَجْعَى، كما قالوا : هلکی... وَرَجُل سكران وقَوْم سَكرى، وذلك لأنهم جعلوه كالمَرْضى... وقد جاء منه شيء كثير على فَعَالَى قالُوا يَتَامَى وَأَيَامي، شَبَّهُوه بوجَاعَي، وحَباطَي ؛ لأنَّها مَصائِبٌ قد أبلتوا بها، فشبِّهتْ بِالاوْجَاعِ حين حين جاءت على (فَعْلَى) (1). والنحويون متفقون على هذا الوجه من اختصاص صيغة (فعالي) بهذه الدلالة وغلبتها عليه (2).

أقول : ويمكن أن نفهم من استعمال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمفردة (يَتَامَى) في السياق المتقدم الدلالة على تشنيع فِعْلَة الآكل لأموال اليتامى وغيرهم من الأصناف الذين ذكرهم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في النّص، فهؤلاء اليتامى مُستضعفون من أثر اليُتم عليهم، حتى صار اليتم فيهم بليّة، أو كاليليَّة التي ابتلوا بها، مما أثقل كاهلهم وأضرُّ بهم، فكيف يسوغ حينئذ أكل اموالهم ظلماً وكيف تطيب نفسك أيها الأكلُ لهذه الأموال وبهذا صارت مفردة (يَتامى) أليق بالمقام من كلمة (أيتام)، لأنَّ فيها من الإيحاء والدلالة على الخضوع والإذلال ما ليس في (أيتام) التي تدل على اليثم من دون بيان أثره على اليتيم(3). ولهذا قال تعالى في كتابه الكريم في سياق التحذير من أكل مال اليتيم، وعاقبة ذلك: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) (4). فاستعمل الذكر الحكيم لفظة (اليتامى) بوزن (فَعَالى) ولم يأت بلفظ (أيتام) ؛ لأنَّ الأولى أنسب للسياق الذي يُحذِّر فيه اللّه تبارك وتعالى من أكل مال اليتيم، فتكون (يَتَامَى) أدلُّ على بيان حال هؤلاء الذين نزلت بهم نازلة فقد الأب، فأصبحوا ضعافاً أذلة مهضومين.

وقد أشار الزمخشري من المفسرين الى دلالة جمع (يتَامَى (على) فَعَالَى)، فقال في تفسير قوله تعالى : (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا) (5). ((فَإن قلت كيف جمع اليتيم، وهو (فَعَيْل) کمريض على يَتَامي ؟ قُلْتُ :... أَنْ يُجمع على يتَامَى كأسْارى (6)؛ لأنَّ اليتْمَ من وادي الآفات والأوجاع، ثم يجمع على فَعَالَى كأسارى...)) (7). أقول : وقد استحق لفظ (يَتامى) أن يضمنه الإمام في كلامه السالف الذكر ؛ لأنه مناسب للسياق الذي يتحدث فيه، علاوة على أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكن ليفارق - في نظم كلامه - التعبير القرآني في دقة استعمال المفردات والأبنية التي تصاغ عليها الكلمات ؛ فكأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَصَد بالجمع بين لفظ (اليَتَامَى) و (المَسَاكِين) الإشارة الى شِدّة ما يعانيه هؤلاء من اليتم والمسكنة ؛ بسبب من إصابتهم بهذه الأمور. ولا يخفى على اللبيب ما تفيده لفظة (مَسَاكين) من إيحاء بالضعف وعدم


1) كتاب سيبويه : 3/ 648 - 650، وينظر معاني الأبنية : 160، 161.

2) ينظر : المقتضب : 2/ 219، وشرح المفصل، لابن يعيش : 15، 81، 85، ومعاني الأبنية : 163. ينظر : المقتضب : 2/ 219، وشرح المفصل، لابن يعيش : 5/ 1، 81، 85، ومعاني الأبنية : 163.

3) اقتبست هذا التحليل بتصرف من تعليق الدكتور فاضل السامرائي على قوله تعالى . ينظر : معاني الأبنية : 164.

4) النساء / 10.

5) النساء / 2.

6) يقصد : أنّ اللفظ لما كان من مجال الآفات والأوجاع، فأنّه استحق أن يجمع على (فَعْلَى) الذي يُفيدُ الدلالة على تلك التوازل، ومن ثم يجوز أن يجمع على (فَعَالَى) التي تدل على هذه الأمور أيضاً.

7) الكشاف : 494/12، ومعاني الأبنية : 164.

القدرة في تحصيل القوت، حتّى ذكر أنّ (المسكين) إنما سُمّي بذلك ؛ لأنّ الفقْرَ أسكنه (1)وأنهكه. فجاء ذلك معضداً لمفردة (يَتامى) التي أضفت على السياق المعاني التي تقدم ذكرها. وقد استعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (اليُتم) بالدلالة المتقدمة نفسها في (ك / 35).

ذوي الرّقة في السِّن

الرّقة ضد الغلظ (2). والرّقق الضُّعف، ورجل رقق. فيه ضعف (3). والرقق ضَعْفُ العظام (4)، العرب تقول لمن كَبُر وأسَنَّ رَقّق عظامه (5)والسِّنُّ واحدة الأسنان، وهي الضِّرْس (6). والسِّنَّ العُمُر (7)وَأَسَنَّ. الرَّجُل، أي كَبُرت سِنُّه (8).

واستعمل الإمام تعبير (ذوي الرّقة في السِّنِّ) مرة واحدة (9)في نهج البلاغة، للدلالة على كبار السن والعمر من ضعاف البَدَن. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق الوصية (لمالك الأشتر) بهذه الطبقة من الناس : ((وَتَعَهَّدْ أَهْلَ الْيُتْمِ وَذَوِي الرّقَةِ فِي السِّنّ مِمَّنْ لاَ حِيلَةَ لَهُ، وَلَا يَنْصِبُ...)) (10). و (ذوو الرّقة في السِّنِّ) هم الذي بلغوا من الكَبرِ عِتيّاً، فأزهقتهمُ الشيخوخة الى أنْ رَقَ جلدهُمُ، وضعف حالهم حتى صار يَرِقُ لهم كل من رآهم (11). ولهذا أمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بتَعُهُدِّهم ورعايتهم، لحاجتهم الى مَنْ يتولاهم ويقوم بشؤونهم

أقول : ويحتمل أن يكون المراد بـ (ذوو الرّقة في السِّنِّ) الأطفال الصغار في السِّنِّ، وهم رقيْقُو الجلد الذين لم يبلغوا الحُلم ؛ ليكونوا أهلا لإقامة أود أنفسهم، وذلك من توفير لوازم العيش الكريم لهم ولأهلهم، فضلاً عن تهيئة المجالات الدراسة لهم أيضاً.


1) ينظر : الكشاف : 353/1.

2) ينظر : لسان العرب (رقق) : 10/ 121.

3) نفسه.

4) نفسه.

5) نفسه.

6) ينظر : المحكم (سنن) : 415/8.

7) نفسه.

8) نفسه.

9) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 226.

10) نهج البلاغة : ك / 53 : 561.

11) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 5 / 352، والديباج الوضي : 2574/5.

المبحث العاشر: طبقة العلماء والفقهاء والحكماء

عالم

إشارة:

العِلم نقيض الجهل (1). والعالم والعليم والعلام اللّه تبارك وتعالى(2). والعالم هو الذي طال تعلّمه ومزاولته لضروب العلوم المختلفة (3). وجمع (عَالم) عُلماء. وقد سوّغ اللغويون ذلك بأنّه لمّا كان الوصف بـ (العِلْم) يكون بعد المزاولة له وطول الملابسة، صار كأنه غريزة في (العالم)، فكسروه على (فعُلاء) ؛ لأنّ (فَاعِلاً) خرج لمعنى (فَعيل) بحسب ما يرون (4). كأنما الوصف بـ(فَاعِل) أشبه الوصف بـ(فعيل) في ذلك(5).

وقد وردت لفظة (عَالم) بصيغة (فَاعِل) ثمان عشرة مرة في نهج البلاغة، تسع منها محلاة بـ(ال)، وأربعة مجردة منها. وثنتان مضافة إلى كاف الخطاب لجماعة الذكور (عالِمكُم)، وثنتان أخريان أضيفت اللفظة فيهما الى ضمير الغائبين (عالمهم)، وواحدة مضافة الى ضمير الغائبة المؤنثة. في حين وردت لفظة (العُلماء) بصيغة الجمع على (فُعَلاء) خمس مرات (6). أمّا مفردتا (مُتَعَلَّم، ومُعَلِّم)، فقد جاءت الأولى منها ثلاث مرات، والثانية مرة واحدة (7). للدلالة على ما يأتي

أولاً : الدلالة على العارفين اللّه تبارك وتعالى وإحكام دينه

وهذه الدلالة شائعة في (نهج البلاغة) نظراً لعناية الإمام بهذا الصنّف من العلوم التي تعدّ أساساً لعمل الإنسان المسلم ومراعاته الإحكام الشريعة بعد معرفته اللّه جل جلاله. ومن ذلك قوله (عليه السلام) في سياق وصف المتقين : ((وَأَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ، أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ...)) (8). والإمام يبين حال هؤلاء المتقين من خلال تقسيم أوقاتهم على طرفي اليوم، فهم في النّهار حُلَماء عن الغضب مبتعدون عن المعاصي والآثام، لا يهينون أنفسهم بغلبة الهوى عليهم، ولا يفرّطون بها عن طريق تركها لسورة الغصب (9). أما كونهم (عُلَماء) فالمراد به معرفتهم بالخالق الصانع وصفاته، فضلاً عن بيان مكانتهم العلمية ومقدرتهم في المعرفة بالعلم الشرعي، والتكاليف المتعلقة به (10). ولهذا جعل الإمام (عليه السلام) هذا النوع من (العلماء) في صدارة أصناف الناس في قوله : ((النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيُّ، وَمُتَعَلَّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاة...)) (11)فأضاف إلى لفظة (


1) ينظر : العين (علم) : 152/2، وتهذيب اللغة (علم) : 2/ 254.

2) ينظر : تهذيب اللغة (علم) : 2/ 253.

3) ينظر : لسان العرب (علم) : 417/12.

4) ينظر : كتاب سيبويه : 632/3، والخصائص، لأبن جني : 381/1، ولسان العرب (علم) : 12/ 417.

5) ينظر : كتاب سيبويه : 632/3.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 317، 318.

7) نفسه : 318.

8) نهج البلاغة : خ / 193 : 382.

9) ينظر : منهاج البراعة : 12 / 115، 116.

10) نفسه.

11) نهج البلاغة : قصا / 147 : 629.

عَالِم) كلمة (ربَّاني). كأنّه ينسب هذا النوع من العلماء إلى الرَّب الخالق جل جلاله ؛ للدلالة على شدة ارتباط هؤلاء باللّه تبارك وتعالى فضلاً عن اختصاصهم بالمعارف الإلهية والصفات الخاصة باللّه جل جلاله، في إشارة إلى أنّ هذا الصنّف من العلماء، لهم منزلة في العلم ما لا ينالها أو يصل إليها إلا (الربانيون) من الناس الذين عرفوا اللّه حق معرفته. وفي صدارة هؤلاء أهل البيت (عليه السلام) ومن قبلهم النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) والإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي وصف نفسه بـ (الرُّيَّاني) في قوله الذي يرشد فيه الى سماعه وفهم كلامه : ((فَاسْتَمِعُوا مِنْ رَبَّانِيِّكُمْ، وَأَحْضِرُوهُ قُلُوبَكُمْ، واسْتَيْقِظُوا إِنْ هَتَفَ بِكُمْ...)) (1). و (الرَّبَّاني) المنسوب الى اللّه، العارف به. وهو العالم الراسخ في العلم والدين العامل بهما. بل هو المتأله العارف باللّه تبارك وتعالى(2).

وقد وضع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) شرطاً يكون به (العالم) (عالماً) حقيقياً. وذلك بعد شرط معرفة اللّه تبارك وتعالى. وهو معرفة العالم قدر نفسه، فقال في بيان صفات (العَالِم) : ((الْعَالِمُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ، وَكَفَى بِالْمَرِعِ جَهْلاً أَلا يَعْرِفَ قَدْرَهُ)) (3). وقد حصر الإمام صفة (العالم) فيمن يعرف قدره. يريد بذلك معرفته عارفاً حجم نفسه وقيمته إزاء هذه المخلوقات التي خلقها اللّه جل جلاله(4). فضلاً عن معرفته بقدر علمه وسعته ولهذا ذم الإمام من لا يعرف هذين الأمرين في نفسه، فيكون الإمام قد أخرج بالقيد المتقدم من صفة (العلماء) (المنافق) الذي يجهل نفسه ؛ فهذا النمط من الناس ليس له من (العلم) ألاّ (علم اللسان) بحسب قول الإمام الذي ينقل عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قوله : ((... ولقد قال لي رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : ((إِنِّي لَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مُؤْمِناً وَلَا مُشْرِكَاً، أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَمْنَعُهُ اللّه بِإِيمَانِهِ، وَأَمَّا الْمُشْرِكُ فَيَقْمَعُهُ اللّه بِشِرْكِهِ، لَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ كُلَّ مَنَافِقِ الْجَنَانِ (5)، عَالِمِ اللَّسَانِ، يَقُولُ مَا تَعْرِفُونَ، وَيَفْعَلُ مَا تُنْكِرُونَ)) (6).

وقد ورد استعمال لفظة (عالم) باشتقاقات متعددة في (نهج البلاغة) بالدلالة المتقدمة، وذلك في (خ/ 3،2، 35، 69، 125، 193، 198، ك/ 47، 55، قصا / 147، 233، 283).

ثانياً : العَالِم هو اللّه تبارك وتعالى :


1) نهج البلاغة: خ/ 108 : 197.

2) ينظر : لسان العرب (ربب) : 1/ 404. وقد دعا اللّه جل جلاله الى أن يكون الناس بهذه المنزلة من العلم به. فقال : استئثاره (جل جلاله) بعلم الغيب، إذ يقول : (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) آل عمران / 79.

3) نهج البلاغة : خ/ : 103 : 187.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 3/ 497.

5) الجنان القلب، وروعه. ينظر : المحكم (جنن) : 212/7.

6) نهج البلاغة : ك / 27 : 487. والحديث مروي عن الإمام علي (عليه السلام) في كتب الحديث النبوي. ينظر : المعجم الصغير (الروض الداني) : 2/ 200، والمعجم الأوسط : 128/7.

وقد كثرت هذه الدلالة في كلام الإمام (عليه السلام) في غير موضع من (نهج البلاغة). ومن ذلك قوله في سياق حمد اللّه والثناء عليه : ((نَحْمَدُهُ عَلَى مَا أَخَذَ وَأَعْطَى، وَعَلَى مَا أَبْلَى وَابْتَلَى... العَالِمُ بِمَا تُكِنُّ الصُّدُورُ، وَمَا تَخُونُ الْعُيُونُ...)) (1). والعالم هو اللّه تبارك وتعالى. وقد وصف نفسه بذلك في العديد من. المواضع في القرآن الكريم. وقرن ذلك جميعاً بـ (عالم الغيب) إشارة إلى استئثاره (جل جلاله) بعلم الغيب، إذ يقول : (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) (2). وقد وظف الإمام لفظة (عَالِم) إينما ورد مدحه اللّه جل جلاله. وذلك في (خ / 35، 65، 91، 152، 192، 213)

ثالثاً : الدلالة على المعلم المصلح المؤدِّب، والمتعلّم

وقد جمع الإمام بين لفظة (مُعَلِّم)، و (متعلّم) في سياق الحثّ على الخلق الحسن. وذلك في قوله (عليه السلام) : ((مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ، وَلْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ، وَمُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَمُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالأجْلاَلِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ وَمُؤَدِّبِهِمْ))(3). يتحدث الإمام في هذا النص عن الزَّعامة وزعامة الأمة وقيادتها. إذ شرط لها شرط (تعليم النفس) لمن يدعي منصب الإمامة في الناس. كأنّه يشير الى أنّ منزلة (الخُلُق والأدب) من أولى الشرائط المشترطة في هذا المنصب وغيره. ويتضمن كلامه (عليه السلام) إشارة إلى (العالم) غير العامل بعلمه، والمؤدِّب الذي ينصح الناس ويرشدهم ولكنّه مجافٍ لهذه التعاليم والقيم الخلقية التي يدعو إليها. كما أرشد الإمام الى ضرورة أن يكون التعليم والتأديب بالأفعال الحسنة والسيرة المحمودة أكثر من الأقوال. لما للتأديب بالسيرة من أثر بالغ في تأديب النفوس وإعظام فضائلها وإجلالها. ولم يقتصر الإمام على بيان خصال (التأديب) وتعليم الاخلاق، وإنما أبان عن آداب (المتعلّم) الذي يسعى الى طلب (العلم) والمعارف سواء أكانت علمية أم أخلاقية. فقال لسائل سأله عن معضلة يُعَلِّمه طريقة السؤال : ((سَل تَفَقَّهاً وَلاَ تَسْأَلْ تَعَنُّتا (4)، فَإِنَّ الْجَاهِلَ الْمُتَعَلَّمَ شَبِية بِالْعَالِمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ الْمُتَعَسّفَ (5)شَبِية بِالْجَاهِلِ الْمُتَعَنِّتِ.)) (6). يريد (عليه السلام) أنّ علامة السائل الراغب بالتعلم هي الإقبال على من يسأله ؛ رغبة وطلبا واحتذاء لسمت المتعلمين، بحيث يكون هذا (المتعلم) بعيداً عن الغلظة والشدة في السؤال. فالواجب عليه أن تكون غايته من السؤال المعرفة والتفقه فى ما يسأل عنه، لا أن يكون غرضه تبكيت (المسؤول)، وتعجيزه. وفي مقام التعريض بهذا النوع من (السائلين)، شبه الإمام (الجاهل المتعلّم) الذي يسأل سؤال الطالبين للعلم والمعرفة دون عُسْف وخيلاء (بالعَالِم)، من جهة التواضع والأدب العالي الرفيع الذي يتحلى به العلماء، فضلاً عن مجانبة السائل لمنهج امتحان المسؤول بسؤاله. في حين أنّه شبه العالم


1) نهج البلاغة : خ / 132 : 239.

2) الرعد / 9. وينظر : التوبة / 100، المؤمنون / 92، السجدة / 6، سبأ / 3، فاطر / 38، الزمر / 46، الحشر / 22، الجمعة / 8، التغابن / 18، الجن / 26.

3) نهج البلاغة : قصا / 73 : 611.

4) العنت المشقة والشدة والغلظ والخطأ. ينظر : لسان العرب (عنت) : 2 / 61.

5) العسف والتعسف السير بغير هداية ولا توخي صواب. ينظر : لسان العرب (عسف) : 245/9.

6) نهج البلاغة : قصا / 320 : 666.

المتعسف) في علمه وسؤاله (بالجاهل المتعنّت) ؛ لأنّ (الجاهل) لا يضع سؤاله في موضعه(1)، وذلك بسبب من قلة عمله وتخبطه وجهالته.

الفقيه

إشارة:

الفِقْه العِلْم بالشيء والفهم له (2). وقد غلب هذا المصطلح على علم الدين، بسبب من سيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلم (3). ومن هذا الوجه ذكر اللغويون في بيانهم الدلالة المعجمية للفظة (الفِقْه) أنها العلم بالدين (4).

وقد وردت لفظة (الفقيه) مرتين في نهج البلاغة، ولفظة (الفقهاء) بالجمع مرة واحدة، وجاء مثلها في العدد ألفاظ (يفْقَهُ) و (يُفقه، ويَتَفَقَّهُون، وتَفَقَّه، وتفقهوا، وتفقهاً، والفِقْه) (5).

وقد جاءت هذه الألفاظ بالدلالات الآتية :

أولاً : الدلالة على العلم بالقرآن الكريم وأمور الدين وما يتعلق بها

وهذا المعنى شائع في نهج أمير المؤمنين (عليه السلام) ومنه قوله في سياق حثّه على تعلّم والتَّفقُهِ فيه: ((وَتَعَلَّمُوا الْقرْآن فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ، وَتَفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ...)) (6)والتفقه في القرآن تمام لمسألة المتكلم (تَعَلّم القرآن الكريم) ؛ لأنّ تعلّمه يعني سَبر أغواره والتبحر فيه وتعلّم دلالاته ومعاني كلماته ويتعلق به من علوم من (محكم ومتشابه)، و (ناسخ ومنسوخ) وغيرها من علوم القرآن الكريم، حتى يصل المتعلم الى مرحلة (التفقه)، وهي كما يبدو من السياق - أعلى من مرتبة (التَّعَلُّمِ) الخاص بالقرآن الكريم. ومثل هذه الدلالة ما ورد في : (خ / 166، ك / 31، قصا / 320، 447).

ثانياً : الدلالة على الفقهاء من علماء الدين

وقد استعمل الإمام لهذا المعنى لفظتي (الفقيه) بصيغة المفرد، و (الفقهاء) بصيغة الجمع ؛ للدلالة على العلماء بالفقه الذين يبحثون في الأحكام الشريعة ويستنبطونها من مصادرها الخاصة. وفي طليعة هذه المصادر (القرآن الكريم، وسنَّة المعصومين (عليهم السلام). وللإمام (عليه السلام) شُرْطٌ في (الفقيه) ولعل ذلك يمثل مقدمة المقدمات التي يشترط توافرها في الشخص حتى يصير (فقيها). إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((الْفَقِيهُ كُلُّ الْفَقِيهِ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللّه، وَلَمْ يُؤْيِسهُمْ مِنْ رَوْح اللّه، وَلَمْ يُؤْمِنْهُمْ مِنْ مَكْرِ اللّه)) (7). والفقيه - هنا - هو العالم بالفقه، ومعنى قوله (كُل الفقيه) للدلالة على كمال الفقه عنده (8). وذلك أنّ من فقه في القرآن الكريم، كان غرضه الأول أن يجذب الناس الى اللّه سبحانه وتعالى بسبل علمية، عن طريق الترغيب والترهيب، وليس له أن يقنط الناس من رحمة اللّه تعالى ويلزمهم اليأس، كما أنه ليس له أن يؤيسهم


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 477/5.

2) ينظر : لسان العرب (فقه) : 13/ 22.

3) نفسه.

4) ينظر : العين (فلقه) : 370/3، و تهذيب اللغة (فقه) : 263/5.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 355.

6) نهج البلاغة: خ/ 110 : 205.

7) نهج البلاغة : قصا / 90 : 615.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 417/5.

من (رَوْح اللّه) ؛ لأنّ اللّه تبارك وتعالى يقول في كتابه المجيد : (إِنَّ اللّه يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الرَّحِيمُ) (1)ويقول أيضاً : (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (2). وغير ذلك من الآيات التيتُشعر العبد بأن اللّه غفور رحيم.

وقد ركز الإمام (عليه السلام) على مسألة عدم تقنيط الناس من رحمة اللّه، وعدم إشعارهم باليأس من رَوْحه اله، فأردف هاتين العبارتين الواحدة تلو الأخرى، وذلك راجع فيما أحسب إلى العناية بهما، فضلاً عن أنَّ الرّحمة وعدم اليأس من اللّه تبارك وتعالى مقدّمة على عقابه وعذابه، ولهذا استعمل القرآن الكريم لفظ (رَوْح) - بالفتح - إشارة الى فرج اللّه وتنفيسه عن النّاس (3). وجاء استعمال القرآن الكريم لمفردة (رَوْحاً) ؛ لأنه الرُّوح الرُّوح والرَّاحة والرَّحمة كما يذكر اللغويون في بيانهم دلالة اللفظة القرآنية المتقدمة (4).

القُضاة

القاضي في اللغة القاطع للأمور المحكم لها (5). وهذا المعنى مأخوذ من القطع والفصل. والقضاء هو القطع والفصل (6).

وقد استعملت لفظة (القضاة) بصيغة الجمع على (فعال) ثلاث مرات في نهج البلاغة، في حين جاءت بصيغة المفرد المنصوب (قاضياً) مرتين فقط (7)، وذلك للدلالة على القضاة، وهم الحكام الذين يمتهنون الحكم الحكم والفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تقسيم الرعية على طبقات : ((وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لاَ يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلا بِبَعْض وَلاَ غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ: فَمِنْهَا جُنُودُ اللّه، مِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَمِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ ...)) (8). وقد أضاف (عليه السلام) في قوله مفردة (القضاة) إلى كلمة (العدل) تخصيصاً لهم ؛ لأن من أهم خصائص (القاضي) (العدالة) في الحكم، وعدم أتباع الهوى في قضائه (9). ولهذا جاءت الاضافة المتقدمة تأكيداً على لزوم هذه الصفة للقضاة. فينبغي على من يتولى القضاة أن يتمثل العدل كله. ويفهم من التركيب المتقدم إشارة الإمام الى نقيض (قضاة العدل) وهم قضاة الظلم والجور من الذين يحكمون بما لم ينزل اللّه تبارك وتعالى، ولاسيما أولئك القضاة الذين يسخرهم الحكام للقضاء على أعدائهم ومناوئيهم. فهؤلاء من صنف قُضاة الجور الذين يشملهم قوله تبارك وتعالى : (... وَمَن لَّمْ


1) الزمر / 53.

2) یوسف / 87.

3) ينظر : الكشاف : 2/ 471.

4) ينظر : لسان العرب (روح) : 2/ 460.

5) نفسه : (قضي): 186/15.

6) نفسه.

7) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 375.

8) نهج البلاغة : ك / 53 : 550.

9) وقد ورد في الاخبار عن الإمام علي أنّ القضاة : ((ثلاثة : فقاضيان في النار، وقاض في الجنة. وأما اللذان في النار، فرجل عرف الحق فجار فهو في النار، وقاض قضى فأخطأ فهو في النار. وقاض قضى فأصاب، فهو في الجنة)) أخبار القضاة، لوكيع القاضي : 5/1.

يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّه فَأُوْلَيكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (1). وقد جاءت لفظة (قاضياً) و (قضاة) بالدلالة المتقدمة نفسها في (خ/ 17، 18، ك / 53، قصا / 289).

ترجمان

إشارة:

التَّرْجُمُان - بضم الجيم وفتحها - المُفسِّر للسان (2). وهو الذي يُترجم الكلام. وينقله من لغة الى لغة أخرى (3). والجمع تَراجم (4). وتجيء هذه المفردة في اللغة مضبوطة بضم التاء وفتحها، وقد استعمل الإمام مفردة (ترجمان) مرتين في نهج البلاغة، في حين جاءت مفردة (تراجمة) بصيغة الجمع مرة واحدة فحسب(5)وفتحيها، فمن ضمها جاء بها على وزن (فُعْلان)، فيقال : تُرْجُمان، والاً فهي بفتح التاء (تَرْجُمان) (6). للدلالة على ما يأتي :

أولاً : الدلالة على العارفين بالقرآن الكريم، وتفسيره

وجاءت هذه الدلالة في سياق كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن (التحكيم) وما جرى من أمر (الحَكَمَيْنِ). إذ يقول : ((إِنَّا لَمْ تُحَكِّمِ الرِّجَالَ، وَإِنَّمَا حَكَمْنَا الْقُرْآنَ. وهذَا الْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطٌ مَسْتُورٌ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ (7)، لَا يَنْطِقُ بِلِسَانِ، بِلِسَان وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَان...)) (8). يريد أنّ الرّكون الى (التحكيم) في وقعة (صفّين) لم يكن لأجل تحكيم تحكيم الرّجال والرغبة في الأخذ بآرائهم وأقوالهم التي نزعوا اليها، وإنما (المحُكّم) هو القرآن الكريم. ثم يشير الى أنّ القرآن الذي بين الدَّفَّتيْن هو قرآن صامت لا ينطق بلسان. فلابُدَّ له من ترجمان عارف بأصوله وأحكامه. فاستعمل الإمام مفردة (ترجمان) للدلالة على العارفين بتلك الأحكام، القادرين على تفسيره. يومىء بذلك إلى أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم عِدْل القرآن وترجمانه. فضلاً عن أنّ النَّص يشتمل على التَّعْريض والذَّمِّ (بالحَكَميْن). يدل على ذلك قوله في السياق نفسه : ((وَلَمَّا دَعَانَا الْقَوْمُ إِلَى أَنْ نُحَكِّمَ بَيْنَنَا الْقُرْآنَ لَمْ نَكُنِ الْفَرِيقَ الْمُتَوَلَّيَ عَنْ كِتَابِ اللّه، وقَالَ اللّه سُبْحَانَهُ : (... فَإِن نَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّه وَالرَّسُولِ...) (9)، فَرَدَّهُ الَى اللّه أنْ نحْكُمُ بكتابه، وَرَدُّه الى الرَّسُوْلِ أَنْ نأخُذِ بِسُننِهِ، فَإِذا حُكِمَ بِالصِّدْقِ في كتابِ اللّه فَنَحَنْ أحقُّ به، وإِن حُكمَ بِسُنّهِ رسُول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، فنحن أحقُّ الناسِ وأَوْلاَدهُم بها))(10).

ثانياً : الدلالة على الأدعياء الذين يُترجمون كلام إبليس وينقلونها الى جانب الفعل والتصرف


1) المائدة / 45.

2) ينظر : المحكم (رجم) : 421/7، و (تَرْجم) : 593/7، ولسان العرب (ترجم) : 66/12.

3) ينظر : لسان العرب (ترجم) : 66/12.

4) نفسه.

5) ينظر : الخصائص : 3/ 193، والمحكم (ترجم) : 593/7.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 71.

7) أصل الدفة الجنب من كل شيء. ودَفَّنا المصحف ضمامتاه من جانبيه. ينظر : العين (دفق) : 11/8.

8) نهج البلاغة : خ / 120 : 229، 230.

9) النساء / 59.

10) نهج البلاغة : خ / 125 : 230.

(تراجمة) بصيغة الجمع ؛ ملاحظة لمقام الذّمّ الذي وردت فيه هذه الكلمة – كما يبدو -، وذلك في سياق نهيه عن طاعة (الأدعياء) الذين اتخذهم إبليس مطايا ضلال له. يقول الإمام : ((فَاتَّقُوا اللّه وَلَا تَكُونُوا لِنِعَمِهِ عَلَيْكُمْ أَصْدَاداً، وَلَا لِفَضْلِهِ عِنْدَكُمْ حُساداً، وَلاَ تُطِيعُوا الأَدْعِيَاءَ (1)الَّذِينَ شَرِبْتُمْ بِصَفْوِكُمْ كَدَرَهُمْ، وَخَلَفْتُمْ بِصِحَتِكُمْ بِصِحَّتِكُمْ مَرَضَهُمْ، وَأَدْخَلْتُمْ فِي حَقَّكُمْ بَاطِلَهُمْ وَهُمْ أَسَاسُ الْفُسُوقِ، وَأَحْلاَسُ الْعُقُوقِ، اتَّخَذَهُمْ إِبْلِيسُ مَطَايَا ضَلالٍ، وَجُنْداً بهمْ يَصُولُ عَلَى النَّاسِ، وَتَرَاجِمَةً يَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ...)) (2). وحدد الإمام في هذا النص وظيفة هؤلاء (الأدعياء) عند إبليس بثلاثة واجبات ؛ الأول أنهم مطايا ضلال له، بحيث يمكن أن يكونوا دواباً للظلم والطغيان يرتقيها الظلمة وأصحاب الطغيان وغيرهم. والثاني اتخاذهم جنداً يصول بهم على النّاس لايذائهم وتشريدهم، وقتلهم ؛ لما في نفوس هؤلاء من استعداد للايذاء والقتل، وأمّا الثالث، فكونهم ترجمة ينطقون بكلام إبليس على ألسنتهم، ويبدو اختيار الإمام لمفردة (تراجمة) في هذا السياق دون غيرها من الالفاظ إنما جاء لما تحمله المفردة من إيحاء دلالي، فكما يتقيّد المترجم بكلام المتكلم الذي لا يعرف الناس لغته، فكذلك هؤلاء، فأنهم خير عَوْن لإبليس في أقواله وأفعاله التي جرت على ألسنتهم وأيديهم. وذكر بعض الشرّاح أن تكون مفردة (تراجمة) مستعارة (للأدعياء)، باعتبار نُطقهم بما يريد إبليس من الوساوس للنّاس. فأشبهوا التّراجمة من هذا الجانب (3).

ثالثاً : الدلالة على الرّسُول الذي يبعثه الناس الى غيرهم

وقد جعله الإمام بمنزلة التّرجمان الذي ينقل أفكار الإنسان الى المرْسَل إليه. وجاء ذلك في سياق بيان خصال (الرَسُول) وقيمة (الكتاب) الذي يبعث مع ذلك الرسول. يقول : ((رَسُولُكَ تَرْجُمَانُ عَقْلِكَ، وَكِتَابُكَ أَبْلَغُ مَا يَنْطِقُ عَنْكَ)) (4). فالرسول - ههنا - هو المبعوث الذي يحمل أفكار من بعثه مرفقا معه كتابه. فكأنه الترجمان الذي يُفسِّر للمُرْسَل إليه غرض المرسل وأفكاره التي يُفصلها في الكتاب. فاستعار الإمام لفظ (تَرْجُمان) للعقل باعتباره يُنّبىء عنه، ويفسّر ما يدور فيه من أفكار. ويفهم من النّص أن على الإنسان أن يجتهد في اختيار رسوله الذي لابُدَّ فيه من جودة التمييز والذكاء، فضلاً عن الفِطْنة والكياسة ؛ لأنه بمنزلة المفسّر للعقل، والمعبّر عنه (5).

الحُكَماء


1) الأدعياء هم المنسبون الى غير آبائهم، أو الذي يدعيه غير أبيه. ينظر : العين (دعي) : 221/2.

2) نهج البلاغة: خ/ 192 : 365.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 4 / 156.

4) نهج البلاغة : قصا / 301 : 663.

5) ينظر : الديباج الوضي : 2954/6.

الحُكماء جمع حَكيم، وهو المُتَّقنُ للأمور من حيث العَدْل والعِلم والحِلم (1). يقال : أحكمته التجارب، إذا كان حكيماً (2).

وقد وردت مفردة (حكماء) مرتين في نهج البلاغة (3)للدلالة على الحكماء المتقنين للأمور المعروفين بالعدل، والعِلم والمشورة الصالحة في تثبيت الأمور. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق نصيحته لمالك الأشتر : ((وأكثر من مُدارَسه (4)العُلماء، ومناقشة (5)الحكماء، في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك، وإقامة ما استقام استقام به الناس قبلك))(6). واستهلَّ الإمام وصيَّته بالإكثار من مدارسه العلماء، ومناقشة الحكماء. ومدارسه ومدارسه العلماء التلمذه عليهم بإحكام الشريعة، وقوانين الدين التي تنفع الدّارس نفسه، ومن ثمّ الأُمّة التي يحكمها بما ينبغي عليه الإفادة من هذه المدراسة ؛ لتوظيف ما تعلّمه وحفظه من احكام في خدمة الرعية وأبناء المصر الذي يُديره. في حين أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمناقشة (الحُكماء)، مجالسة العارفين باللّه تبارك وتعالى وبأسراره في عباده وبلاده الذي يعملون بالقوانين الحمية التي تثبت القواعد والأصول التي تصلح بها أمور بلاد (7).

ويلحظ أنّ الإمام قد استعمل مفردتي (عُلماء) و (حكماء) في سياق واحدٍ لفارق تدلّ عليه كل واحدة من هاتين اللفظتين فإنّ المعروف أنّ (الحكيم) هو الذي يُحيط بالعلوم الإنسانية جميعاً مع تجربة وذكاء وعمل. فإنَّ العالم بالأمور والعامل بها هو الذي يستحق أن يكون حكيماً (8). في حين أنّ (العالم) هو الذي يحيط بالعلوم، ولكن تعوزه التجربة (9). فلما أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيان الجمع بين العِلْم والعمل معاً، استعمل مفردة (الحكماء) لهذا المعنى. فكأنه يقصد الإفادة من العلوم وتجارب الحياة التي تصنع (الحكمة) في الإنسان ولهذا ورد في رواية أخرى لقول الإمام استعمال مفردة (مُثافنة الحُكماء) (10)، بدلاً من (مناقشة الحكماء). و(المُثافَنَةُ) في اللغة مأخوذة من ثفنة البعير، وهي ما مسَّ الأرض من كَزكرته، وسعداناته وأصول أفخاذه وركبته (11).والمراد من هذه المفردة التي رويت في قول الإمام، الدلالة على كثرة الجلوس والبروك عند الحكماء حتى تثفن ركبتا الانسان من القعود عندهم. كأنّما ألصق الجالسُ ركْبته.

بثفنة ركبة الحكيم (12). دلالة على المواظبة والمثابرة في الإفادة من حكمته (13). كأنما الذي يكثر من مثافتة. (الحكماء) ومجالستهم يحاول الاجتهاد والمواظبة في تحيل الحكمة التي عندهم، والأفادة من خبراتهم وتجاربهم


1) ينظر : العين (حكم) : 3 / 66، ولسان العرب (حكم) : 143/12.

2) ينظر : العين (حكم) : 66/3.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 120.

4) المدارسة ضرب من المعاندة في الحفظ والقراءة. ينظر : المحكم (درس) : 450/8.

5) أصل المناقشة من نقش الشوكة، إذا استخرجها من جسمه، ومن ثم صارت المفردة دالة على الاستقصاء والمحاسبة. ينظر : لسان العرب (نقش) : 358/6.

6) نهج البلاغة : ك / 53 : 550.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 339/5.

8) ينظر : نهج البلاغة : 767/2، 768، والديباج الوضي : 5/ 2525.

9) ينظر : معارج نهج البلاغة : 767/2.

10) وردت هذه الرواية في : معارج نهج البلاغة : 2 / 676، والديباج الوضي : 5/ 2525.

11) ينظر : لسان العرب (ثفن) : 78/13.

12) ينظر : معارج نهج البلاغة : 2 / 767.

13) ينظر : العين (حكم) : 67/3.

في الحياة، ليتعلم الجالس أصول الحكمة، والقدرة على إدارة الأمور. ومنع الفساد ؛ لأن من أحكم أمراً، فقد منع فساده، وكل شيء أخكم، فقد مُنع من الفساد (1). وقد وردت لفظة (حكماء) بالدلالة المتقدمة نفسها في (قصا / 265).

الخطيب

الخطاب والمخاطبة المراجعة في الكلام (2)والخطيب هو الذي يخطب خطابه على المنبر (3).

وقد استعمل الإمام (عليه السلام) مفردة (الخَطيب) محلاة بـ(ال) ومجردة منها بالنصب (خطيباً) مرة واحدة لكل منهما في نهج البلاغة (4)؛ للدلالة على الخطيب المُفوّه البذّ الذي ينماز بحِسْن الخُطْبَةِ. ومن ذلك قوله (عليه السلام) في وصف الخطيب الماهر في خطابه : ((هَذَا الْخَطِيبُ الشَّحْشَحُ))(5). والخطيب وصف على زنة (فَعيل)، من أبنية الصفة المُشبّهة (6). وهذا البناء لا يطلق إذا كان الوصف ثابتاً في صاحبه، او كالثابت فيه كقولهم : هو طويل، أو قصير.

وهذه الأوصاف ثابتة في أصحابها (7). فإن قصد التعبير عما صار طبيعة أو سجيّة في الإنسان استعملت هذه الصيغة للدلالة على ذلك، كقولهم - مثلاً - هو خَطِيب، أو بليغ (8). كأن الذي قيل له: (خَطِيْبٌ) قد بلغ من المهارة والتّمكّن من الخطابة ما جعلها سجية وملكه فيه - ولهذا ورد عن اللغويين أن لفظة (خَطِيْب) تدل على الشخص الحسن الخطبة (9). وهو المفوّه الذي لا يجاريه أحدٌ في الخطابة، وتخلو كلماته وألفاظه من المفردات غير الفصيحة، ولا تتوافر في لسانه عيوب النُّطق. ولهذا وصف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بأنّه (خَطِيْب)، وذلك في قوله في سياق حديثه عن الكذب على رسول اللّه : ((وَقَدْ كُذِبَ عَلَى رَسُولِ اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) عَلَى عَهْدِهِ، حَتَّى قَامَ خَطِيبَا، فَقَالَ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) (10)...)) (11)إشارة إلى تمكنّه ومهارته في الخطابة، ومُضيّه فيها.

الشَّحشح

الشَّحْشُحُ المُواظب على الشيء الماضي فيه(12).


1) لسان العرب (حكم) : 143/12.

2) ينظر : المحكم (خطب) : 5/ 122، ولسان العرب (خطب) : 361/1.

3) نفسهما.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 139.

5) نهج البلاغة : غ/ 2 : 651.

6) ينظر : معاني الأبنية : 60.

7) نفسه.

8) نفسه.

9) ينظر : المحكم (خطب) : 22/5، ولسان العرب (خطب) : 1/ 361.

10) صحيح البخاري: 02/1، وسنن الترمذي : 4 / 524.

11) نهج البلاغة : خ / 210 : 409.

12) ينظر : العين (شح) : 12/3، وغريب الحديث (ابو عبيد) : 441/3، وتهذيب اللغة (شح) : 255/3، والصحاح (شح) : 1/ 348.

وقد استعملت مفردة (الشَّحشح) مرة واحدة في نهج البلاغة (1)للدلالة على الماهر في الخطابة، الماضي فيها، وذلك في مقام وصفه بعض الخُطباء بقوله : ((هذا الْخَطِيبُ الشَّحشَحُ)) (2). وتذكر المدونات التاريخية أنّ الإمام (عليه السلام) قال هذه المقولة في معركة (الجَمَل)، لمّا انتهى إليه قوم من (قَيْس) شباب، فخطب خَطِيبهم. فقال : أين أمراؤكم ؟ فقال الخطيب : أصيبوا تحت نُظّار الجَمَل، ثُمّ أخذ في خُطبته، فقال علي : ((أَمَا إِنَّ هَذَا لهو الْخَطِيبُ الشَّحْشَحُ)) (3). وهذه هي رواية الطبري في تاريخه في حوادث سنة (36) هجرية (4). وذكر ابن أبي الحديد أنّ هذه الكلمة قالها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (لصَعْصَعَة بن صَوْحان العَبْدِي) (5).

وقد عَلّق الشارح المعتزلي على ذلك بقوله : ((وكفى صَعْصعة بها فَخْراً أنْ يكون مثل عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يثنی عليه بالمهارة، وفصاحة اللسان))(6). وأمّاً وصف الإمام (عليه السلام) لهذا الخطيب بـ (الشَّحْشَحُ)، فوصف يُلفت يُلفت النظر، بسبب من غرابة المفردة المقدمة وندرتها ؛ فهي لفظة تنطبق عليها مقولات علماء الغريب من حيث كونها قليلة الاستعمال في الدلالة على المعنى الذي قصد وليس لغيره من المعاني الأخرى التي تتضمنها هذه المفردة (7).

ويُفهم من كلام اللغويين أنّ (الشَّحْشَحُ) مأخوذة من (الشُّح)، وهو البُخْل والحرص (8). أو كما يقول ابن فارس إنّ : ((الشين والحاء، الأصلُ فيه المنْعُ، ثُمّ يكون منْعاً مع حرص من ذلك الشُّح، وهو البُخْل حِرْص))(9).

وقد شرح الشريف الرضي دلالة المفردة المتقدمة في قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلاً : ((يريد: الماهر بالخطبة الماضي فيها، وكل ماض في كلام أو سير فهو شحشح، والشحشح في غير هذا الموضع: البخيل الممسك)) (10). وقد أخذ السيد الشريف هذه الدلالة – فيما يبدو – من أقوال اللغويين الذين ذكروا أن الخطيب الماهر في خطبته الماضي فيها يقال له : شَحْشَح، وكل ماضٍ في كلام أو سير، فهو شحشح (11).


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 235.

2) نهج البلاغة : غ / 2 : 651، وقد نقلت المدونات اللغوية قول الإمام (عليه السلام) المتقدم. ومنها المعاجم، وفي صدارتها : تهذيب اللغة (شحح) : 3/ 255، ولسان العرب (شح) : 2/ 496، وتاج العروس (شح) : 6 / 500، فضلاً عن كتب غريب الحديث، ومنها : غرب الحديث (أبو عبيد) : 3 / 441، وغريب الحديث (ابن الجوزي) : 1/ 521، والفائق في غريب الحديث : 220/2، والنهاية في غريب الحديث : 2/ 449.

3) تاريخ الرسل والملوك : 31/3، ومصادر نهج البلاغة وأسانيده : 4 / 205.

4) نفسهما.

5) هو صعصعة بن صوحان بن حجر بن الحارث بن هجرس العبدي الكوفي يكنى بأبي عمر، أو أبي طلحة. نزيل الكوفة تابعي كبير مخضرم، وسيد من سادات قومه، فصيح ثقة كان من أصحاب الإمام علي (عليه السلام) وشهد معه (صفين) أميراً على بعض الصفوف وكان من أفصح الناس في بني صَوْحان من عبد القيس الذين تشيع فيهم الفصاحة والبلاغة، حتى قيل عنه إنه كان سيّداً فصيحاً خطيباً ديناً يتعلم منه الخطب. ينظر : الطبقات الكبرى، لابن سعد : 221/6، والاستيعاب : 717/2، وتهذيب التهذيب : 370/4، والغدير : 197/6، والبيان والتبيين : 66/1.

6) مقاييس اللغة (شح) : 170/3.

7) ينظر : المزهر : 1881، وغريب نهج البلاغة : 172.

8) ينظر : العين (شح) : 13/3.

9) مقاييس اللغة (شح) : 178/3.

10) نهج البلاغة : غ/ 2 : 651.

11) ينظر : العين (شح) : 13/3، وغريب الحديث (ابن سَلام) : 441/3، وتهذيب اللغة (شح) : 3/ 255، والمحكم (شح) : 489/2.

وقد مَال المُصنِّفون في (غريب الحديث) الى الدلالة المتقدمة أيضاً، عندما ذكروا قولة الإمام (عليه السلام) المتقدمة، فهذا أبو عبيد القاسم بن سلام، وغيره من أصحاب الغريب ينصون على أن تكمن مفردة (شَحْسح) في حديثه (عليه السلام) دالة على الماهر في خطبته الماضي فيها (1). ومن ثم يُوسع القول في دلالتها، ليشير الى أنّ المفردة المتقدمة مخصوصة – كما يبدو - بالمهارة والمُغيّ في الكلام أو السَّيْر، فضلاً عن المواظبة على الشيء (2).

أقول : إنّ إطلاق الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمفردة (الشَّحْشَحُ) يتناسب مع إمكان الخطيب الذي وصفه بهذا الوصف الذي يحمل دلالة المبالغة في الثناء والمدح على القدرة في البلاغة والفصاحة وتخَيَّر الألفاظ، وذلك أنه لم يُصدر كلمته المتقدمة إلا بعدما يسمع إجابة ذلك الخطيب عن قومه الذين ((أصيبوا تحت نظار الجَمَل)) (3). والمراد بـ (نِظار الجَمَل) أنهم قتلوا بذلاً لأنسفهم، بعدما قاتلوا قتالاً شديداً. كأنهم وقفوا في مواجهة الأعداء الذين تقودهم الجملُ الشَّداد الطامح الطرف (4). كناية عن شدّة العدّق وقوّته فما أنْ سَمَع الإمام هذا الضرب منن التعبير قال لكمته المتقدمة. ك أنه أعجب بجدارة هذا التعبير. وهذا المعنى مما لم يلتفت إليه اللغويون والدارسون، وإنما ركزوا جلّ هَمّهم في الإبانة عن دلالة مفردة (الشَّحْشَحُ) دون رعاية المقام الذي قبلت فيه. ولهذا تصير المفردة المتقدمة - عندي - دالة على الفصيح البليغ من الخطباء المجيد في تخيّر المفردات الملائمة للمعاني ولهذا أشار ابن أبي الحديد الى أنّ قول الإمام يدل على الثناء على (صعصعة) بالمهارة وفصاحة اللسان (5). كأنّ هذا الرّجل يمثل النهاية في الخطابة. يُعييننا على ذلك ورود رواية أخرى لكلام الإمام السابق أوردها ابن الأثير الجزري، إذ يقول : ((ومنه حديث علي : ذَاكَ الخَطِيْبُ المُسْلَقُ الشَّحْشَاح)) (6)، وفسره بالمُسْلق الشَّحشَاح، وهو الذي يكون نهاية في الخطابة. والمُسلاق البليغ الشديد الصوت (7).

وقد ذكر اللغويون دلالات متعددة لمفردة (شَحْشح)، فهي إن كانت مأخوذة من (البُخْل والحرص) فتوظيف الإمام لها، واستعارتها من هذا المجال الدال على الشدّة في الحرص يُفهم منه شدة حرص هذا الخطيب على البلاغة، والفصاحة والمواظبة عليها. ولا تكون مواظبته هذه إلا من الشح والحرص (8). مثلما يقال للرجل الغيُور شَحْشِحَ، لأنه إذا غار الشيء أو على العِوْض مَنَع (9)وكذلك الشجاع الذي يمنع ما وراء ظهره. فأما الماضي في خطبته، فيقال له (شحشح)، كأنه محمول على الشجاع الشَّحْشَح


1) ينظر : غريب الحديث (ابن سلام) : 441/3، وغريب الحديث (ابن الجوزي) : 1/ 521، والفائق : 2/ 220، والنهاية في غريب الحديث : 2/ 449.

2) تاريخ الرسل والملوك : 31/3، ومصادر نهج البلاغة وأسانيده : 205/4.

3) نفسه.

4) ينظر : القاموس المحيط (نظر) : 623/1.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 90/19.

6) النهاية في غريب الحديث : 2/ 391، وينظر : لسان العرب (سلق) : 160/10، ومصادر نهج البلاغة وأسانيده : 4 / 205.

7) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 391/2، ولسان العرب (سلق) : 160/10.

8) ينظر : مقاييس اللغة (شح) : 179/3.

9) نفسه.

الذي يمنع ما وراءه ويحرص عليه (1)فلما أراد الإمام (عليه السلام) الإشارة إلى شدّة حِرْص هذا الخطيب على على خير ألفاظه وسبكها في نَسَقٍ بليغ فصيح، اختار لوصفه هذه المفردة التي تدل في المثن اللغوي على أشَدِّ الحِرْص، وهي أبلغ في المنع من مفردة (البُخْل نفسها التي تختص بالحرص على المال، في حين أن لفظة (الشُّح) عامة (2).

ويمكن أن نضيف الى ذلك أنّ وصف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهذا الخطيب (بالشُّحْشح) يمكن أن يكون دالاً على سعة اللسان وعلوّ فصاحته، وذلك مأخوذ من قولهم (فَلاة شحشح) وهي الواسعة البعيدة المخل (3)كأنّ الخطيب الشَّحيح كالفلاة الواسعة التي لا يستطيع أحد أن يقطعها ؛ لمخلها وقلّة نباتها. فمن أراد ذلك هَلك وكذلك الخطيب الشُّحشح الذي لا يمكن أحد أن يجاريه ؛ لِسَعَةِ قوله، وذلاقة لسانه. فمن قصد ذلك عجز وأعيا. وقريب من هذا أيضاً قولهم : ((شَحْشَح البعير)) (4)وذلك إذا تردَّدَ في هديره، ولم يُخلصه (5).

ويستفاد من هذه الدلالة في الإبانة عن اقتراب الخطيب البليغ الجهوري الصوت من البعير الشُّحْشَح الهادر، كأَنّ الشَّحْشَح من الخطباء هو العالي الصوت الذي يهدر كالفحل من الإبل عند إرادة الضرب.

أقول : وتتسع دلالة المفردة المتقدمة في قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي أضاف اليها جملة من الدلالات بعدما نقلها من الدلالة على الشَّدَّةِ في البُخْل والحرص الى الدلالة على الخطيب الماضي في خطبته الفصيحة في مفرداته، وهو ما حوّل هذه اللفظة من الدلالة على (المَنْع والإمساك) الى الدلالة على السَّعة والعُلُوّ في القوْل. علاوة على إكساب هذه الكلمة ضرباً من المناسبة لذهن السامعين بعدما كانت معدودة من المفردات الغريبة النادرة من حيث (اللفظ والمعنى). وقد أشار الى هذا الأمر دارسو الغريب (6).

وتبقى دلالة هذه المفردة قابلة لاحتمال معان جديدة في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) نظراً لغرابتها وندرة استعمالها. وهو ما يمنحها إمكان في التأويل واحتمال الدلالة.


1) نفسه.

2) ينظر : النهاية فير غريب الحديث : 2 / 448، وتاج العروس (شح) : 6 / 498.

3) ينظر : لسان العرب (شحح) : 496/2.

4) ينظر : العين (شحح) : 3/ 12.

5) ينظر : العين (شح) : 3/ 12، وتاج العروس (شح) : 6 / 500.

6) ينظر : غريب نهج البلاغة : 172.

المبحث الحادي عشر: طبقة الحمقى والمغفلين

أَحْمَقٍ

الْحَمْقُ ضد العَقْل (1)، وهو قِلَّة العَقْل كما يذكر اللغويون (2). وقد ذكر الأزهري (ت 370 هـ) أنَّ أصل هذا اللفظ مأخوذ من الحماق السُّوْق، وهو كسادها. كأن الأحْمَقَ هو الذي فسد عَقْلُه حتى كسد (3). وقد وَصَفوا التَّوْبَ أيضاً بالإنحماق، فقالوا : الحمق التَّوْب، إذا خَلُقَ ورثّ.(4). والعرب تقول للأحْمَقِ الكَاسد العقل (5). وقيل : إنما أخذ اسم الأحمق من استتار القمر في الليالي التي تُسَمّى (المُحْمِقَات) التي يَسْتَتر فيها القمر بغيم أبيض رقيق، فيسير الراكب وهو يَظُنُّ أنّه قد أصْبَحَ حتى يَمُل وكذلك الأَحْمَقُ الذِي يُوْهِمُكَ في أَوّل مجلسكَ بتعاقله، فإذا انتهى إلى آخر كلامه بَيَّنَ حُمْقَهُ (6). وأضحى الحُمْق صفة لازمة لِمَن وصف بها، فَجَمَعُوه على (فَعْلَى) ؛ لأنه صار العلّة التي يُصَاب بها المرء (7).

وقد وردت لفظة (أَحْمَق) أربع مرات في نهج البلاغة. ولفظة (الحُمْق) مرة واحدة (8). تقتصر دلالة هذه الألفاظ عند الإمام على من نقص عقله، وإنما اتَّسع دلالتها لتكون دالة على من أنكر عيوب الناس، ومن ثم رضيها لنفسه. يقول أمير المؤمنين : ((... وَمَنْ نَظَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ فَأَنْكَرَهَا ثُمَّ رَضِيَهَا لِنَفْسِهِ فَذَلِكَ الْأَحْمَقُ بِعَيْنِهِ)) (9). وتعبير الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن مرتكب هذا الفعل ووصفه بـ (الأحمق)، ملاحظ فيه معنى التعمد في ارتكاب هذه العيوب، فالأجدر أن لا يرتكبها الإنسان ؛ وإنكاره على مرتكبيها ولهذا وصف الإمام هذا النوع من الناس الذين يقدمونَ على هذهِ الأمور بـ (الحمق)، إشارة إلى انه هذا هو الأَحْمَق، وليس الأَحْمَق من قل عَقْله فحسب. ووجه (الحُمْقِ) في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) راجع إلى أنّ مُنْكر هذه الأفعال يستلزم الأمر منه عدم ارتكابه لها، ولكنه لما عمد إلى فعلها، فقد خرج عن أصول العقل، فصار أحمقاً ناقص العقل(10). وفسّر بعض الشرّاح لفظة (الأَحْمَق) بـ (الجَاهِل) (11). أمّا جهل (الأَحْمَق)، فلا يراد به جهله العلمي بالأحكام الشرعية والمحرمات، وإنما جهله هو عدم التمييز بَيْنَ الأمور وصوابها وخَطَئها، المهم منها وغير المهم وهذا الأمر يخص الأَحْمَق الذي نقصَ عَقله، وأمّا الأَحْمَق الذي تكلّم عنه الإمام، فهو متمتَّعاً بصحة العقل وتمامه، ولكنه يتتبع عيوب الناس وزللهم، ينظر في عيوب الناس وينشغل بها إنكاراً ورفضاً، ثم ما يلبث أن يَرْتضيها لنفسه. ولهذا افتتح الإمام كلمته المتقدمة بذكر : ((مَنْ نَظَرَ فِي عَيْبٍ نَفْسِهِ اشْتَغَلَ عَنْ عَيْبٍ غَيْرِهِ...))


1) ينظر : المحكم (حمق) : 24/3، ولسان العرب (حمق) :67/10.

2) ينظر : لسان العرب (حمق) : 67/10.

3) ينظر : تهذيب اللغة (حمق) :53/4.

4) نفسه.

5) نفسه.

6) ينظر : تهذيب اللغة (حمق) : 53/4، وتاج العروس (حمق) : 3/25.

7) ينظر : المحكم (حمق) :24/3.

8) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 125.

9) نهج البلاغة : قصا / 670:349.

10) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 483/5.

11) ينظر : الديباج الوضي : 2981/6.

(1). وهذه المقولة تجعلنا نفهم أن الواجب على الإنسان أن ينشغل بعيوب نفسه، التي تمثل الحالة الضد (للأَحْمَق)، الذي يُنْكِر على الناس افعالهم ويرتضيها لنفسه. ومن خِصَال (الأَحْمَق) في رأي الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) اسْتِعْجَاله الكلام وعدم ترويه في الأمور. وقد صَوّر أمير المؤمنين هذا المعنى في سياق الموازنة بين (العَاقِل) و(الأَحْمَق)، بقوله: ((لِسَانُ الْعَاقِلِ وَرَاءَ قَلْبِهِ وَقَلْبُ الْأَحْمَقِ وَرَاءَ لِسَانِهِ))(2). يتضح أن الأحْمَق هو المتسرع في كلامه، دونما تفكر أو تَعَقُل ولهذا علق السيد الشريف الرضي على تعبير الإمام بقوله : ((وهذا من المعاني العجيبة الشريفة والمراد به أنّ العاقل لا يطلق لسانه إلا بعد مشاورة الروية ومؤامرة الفكرة، و الأحمق تسبق حذقات (3)لسانه و فلتات كلامه مراجعة فكره و مماخضة (4)رَأيهِ فكأن لسان العاقل تابع لقلبه و كأن قلب الأحمق تابع للسانه)) (5). أقول : لعل المراد بـ (القلب) في هذا النص (اللُّبُ) أو (العَقْلُ) ؛ لأنّ القلب ليس محلاً للتفكّر، وإنما هو مكان العاطفة، ومكان التَبَصُّرِ والرَّوِيّة هو العقل، وذلك كله بقرينة مفردة (العاقل) التي ذكرها الإمام في النص، بإزاء لفظة (الأَحْمَق) الذي هو الضد للعاقل. وقد تنبه الشارح البحراني إلى هذه المسألة، فذكر أن لفظ (القلب) في النص مجاز لما يبرز من تصورات في ألفاظ العاقل (6). ويظهر من ذلك أن جُلَّ الشرَّاح اكتفوا في – بيان هذا النص – بقول الشريف الرضي الذي علّق فيه على هذه الحكمة (7).ومما تجدر الإشارة إليه أنّ هناك رواية أخرى لقول الإمام التي يصف فيها تَعَجِّل الأحمق، ذكرها السيد الشريف (رحمه اللّه) وهي : ((قَلْبُ الْأَحْمَقِ فِي فِيهِ وَلِسَانُ الْعَاقِلِ فِي قَلْبِهِ)) (8). وهذا القول يُعَزّز الدلالة السابقة للنص الأول ويظهر أنّ العَقْل عند الأَحْمَق يكون في (فَمِهِ)، وفي إشارة إلى تسرُّعه واستعمال لسانه دونما رَوِيّة أو تَأن في الحديث. وقد جعل الإمام (الحُمْقَ) نوعاً من أنواع الفَقْر، بل هو أكبر الفَقْر، وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((إِنَّ أَغْنَى الْغِنَى الْعَقْلُ وَأَكْبَرَ الْفَقْرِ الْحُمْقُ..))(9)– بحسب قول الإمام بحسب قول الإمام - هو الغِنَى، و(الحُمْقَ) هو الفقر بِعَيْنِهِ ؛ فلمّا كان (الأَحْمَق) مَنْ قَلَّ عقله، لهذا كان أفقر الناس ؛ بسبب افتقاره إلى العقل الذي يستحصل به الرزق، وغيره من الأمور التي يحتاجها البشر. وقد ذكر أنّ (الحُمْقَ) رذيلة الغباوة وهو أكبر الفقر ؛ لأنه سَبَبٌ للفقر من الكمالات النفسية التي يكون بها الغنى التام (10). ولهذا قال الإمام في بيان معنى الغِنَى و الفَقْر) : ((لَا غِنَى كَالْعَقْلِ، وَلَا فَقْرَ كَالْجَهْلِ...)) (11). ومفهوم (الغِنَى والفَقْر) عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفهوم (عقلي) يقترن بتمام الْعَقْل ونَقْصه، فلهذا صار (الجَهْلُ والحُمْقُ) فقراً في نظره وأصبحت صَدَاقة الأَحْمَق مَضَرَّة أَيضاً، لعدم قُدْرَة هذا النمط من الناس على وضع الأُمور في نصابها الصحيح ؛ بسبب من عدم امتلاكهم المقدرة على التمييز


1) نهج البلاغة : قصا / 670:349.

2) نفسه : قصا / 608:40.

3) أصل (الحذق) القطع، وحذقات اللسان، الكلام المتقطع غير المبين كما يبدو. ينظر : المحكم (حذق) : 571/2.

4) المخض الطلق، وهو وجع الولادة، ومخض اللبن زبده، ومماخضة، الرأي، نتاجه وزبدته كما يظهر : ينظر : لسان العرب (مخض) : 229/7.

5) نهج البلاغة :قصا / 40.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 5/ 405.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 5/ 405، والديباج الوضي :6/ 2755.

8) نهج البلاغة : قصا / 608:41.

9) نفسه : قصا / 607:38.

10) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 404/5.

11) نهج البلاغة : قصا / 610:54.

بين الصحيح والخطأ، ولهذا حذر الإمام في وَصيَّته للإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) من صداقة الأَحْمَق قائلاً : ((يَا إِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْأَحْمَقِ فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرَّكَ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرَّكَ...)) (1)، وعِلّة ذلك أنَّ الْأَحْمَقِ يُرِيْد مَنْفَعَة الناسِ ولكنه لا يميّز بين النَّفْع والضُّرّ، ولا يُفرِّق بينهما فيوقع صاحبه في المآزق والمواقف المحرجة.

تغابیت

إشارة:

الغَبَاء - في اللغة - هو الخفاء. يقال : غبى الأمر ؛ إذا خفي فلم يعرف (2). والغباء – بالكسر التّراب الذي يُسَد به فَم البِئر فكأنه غطاء له (3). والتغبية الستر (4). والغَبِيُّ من النَّاسِ هو غَيْرُ الْفَطِنِ، وجمعه أغبياء (5).

وقد وردت ألفاظ) تغابَيْتُ)، و (تَغَابَ)، و (تَغْبُو) و (غَبَاوة)، و (التَّغَابي) في نهج البلاغة مرة واحدة لكل منهما (6). ويمكن حصر الدلالات التي إفادتها هذه الألفاظ في ما يأتي:

أولا : الدلالة على الغفلة وعدم الانتباه

وهو أكثر المعاني شيوعاً، ولاسيما في عَهْد الإمام إلى مالك الأشتر، ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق التحذير : ((وَإِيَّاكَ وَالِاسْتِئْثَارَ بِمَا النَّاسُ فِيهِ أُسْوَةٌ وَالتَّغَابِيَ عَمَّا تُعْنَى بِهِ مِمَّا قَدْ وَضَحَ لِلْعُيُونِ فَإِنَّهُ مَأْخُوذ مِنْكَ لِغَيْرِكَ...)) (7). والتغابي هو التَّغَافل عمّا يجب العلم والعناية به من حقوق الناس المأخوذة ظلما مما قَدْ وضح للعيون إهماله (8). متى كان الأمر هاماً وله شأن بأمور الناس، فإنّ التَّغَابي عنه مذموم ومُسْتقبَح، ولهذا خاطب الإمام عامله قائلاً : ((... وَمَهْمَا كَانَ فِي كُتّابِكَ مِنْ عَيْبٍ فَتَغَابَيْتَ عَنْهُ أُلْزِمْتَه)) (9). والتَّغَابِي ضَرْبٌ من التغافل في عيوب كَتَّابه، سواء أكان هذا العيب في أشخاصهم، أم في أمانتهم التي استحفظهم عليها وكل ذلك راجع في النهاية إلى الولاة الذين – إنْ - تَغَافَلُوا عن عيوب الكتّاب، أُلْزِمُوا مَا صَدَر منهم وتحملوه. وأمّا إذا كان الأمرُ غَيْرِ ذي عوج، ولا أثر له في شؤون الناس، فالتَّغَافل عنه مَرْضِي. ولهذا طلب (عَلَيهِ السَّلَامُ) (مالك الأَشْتَرَ) أن يَتَغَابَ عن كل ما لم يَتَّضِحُ له من أمر بقوله : ((وَتَغَابَ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَضِحُ (10)لَكَ وَلَا تَعْجَلَنَّ إِلَى تَصْدِيقِ سَاع))(11). وهو أمْرَ بالتَّغافل والتَّجَاهل عن كل أمرٍ لا يَتَّضِحُ له، ولا يقوم به بُرْهَان (12). وقد وردت لفظة (تَغْبُوا) دالة على معنى التجاهل والتغافل أيضاً في (ك / 29).

ثانياً : الدلالة على التَّيْهِ والضلال.


1) نهج البلاغة : قصا / 607:38.

2) ينظر : لسان العرب (غبي) : 114/15.

3) ينظر : تاج العروس (غبي) : 139/39.

4) نفسه.

5) ينظر : لسان العرب (غبي) : 114/15، وتاج العروس (غبي) : 139/39.

6) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة :

7) نهج البلاغة :ك /568:53.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 5/ 360.

9) نهج البلاغة : ك /559:53.

10) يَضحُ يبين، مأخوذ من قولهم وضح الامر يضح وضوحا إذا بان، ينظر : تاج العروس (وضح) : 212/7.

11) نهج البلاغة : ك /548:53.

12) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 5/ 337.

وجرى استعمال هذا المعنى في سياق كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على بعثة النبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بَعْد فترة من الرسل ؛ إذ يقول في ذلك : ((... حَتَّى أَفْضَتْ كَرَامَةُ اللّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍ (صلى اللّه عليه وآله) فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً... عِتْرَتُهُ خَيْرُ الْعِتَرِ وَأُسْرَتُهُ خَيْرُ الْأُسَرِ ..فَهُوَ إِمَامُ مَنِ اتَّقَى وَبَصِيرَةُ مَنِ اهْتَدَى.. أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وَهَفْوَةٍ (1)عَنِ الْعَمَلِ وَغَبَاوَةٍ مِنَ الْأُمَمِ))(2). وغباوة الأمم تيههم وضلالهم. وقيل : بل جهلهم وعدم فطنتهم إشارة إلى انعدام من يرشدهم إلى الخير (3). والدلالة على التَّيْه والضلال أمر يلازم حالة الجهل التي تفيدها مفردة (غَباوة) ؛ لأنّ الضلال يشتمل على الجَهْل أيضاً.

الخُرْق

إشارة:

أصل الخَرْق الدلالة على مَزْق الشّيء كما يذكر ابن فارس (4). ومنه قولهم : خَرَقت الأرض، إذا جُبْتُهَا واخترقت الريح الأرض، إذا جَابتها. والخَرْق المفازة البعيدة (5)وشاة خرقاء، مثقوبة الإذن (6). والخُرْق الحُمْق، والرَّجُل أَخْرق، والمرأة خَرْقاء (7). والخَرِق من الفِتْيان هو الظريف في سماحته ونجدة (8). والخَرِقُ أيضاً الكريمُ المُتَخَرِّق في الكَرَم، مأخوذ من قولهم تَخَرَّقَ يَتَخَرَّقُ من السَّخَاءِ، إِذا تَوَسَّعَ فِيه(9).

وقد وردت لفظة (الخُرْق) في نهج البلاغة أربع مرات (10)وأمّا الدلالات التي إفادتها هذه اللفظة فهي كالأتي:

أولاً : الدلالة على الحُمْق والجَهْل

وهو من المعاني المُتَفَرِّدة التي استعملها الإمام لكلمة (خُرْق). وذلك في سياق وصاياه التي أوصى بها ولده الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومنها قوله ((إِذَا كَانَ الرِّفْقُ خُرْقاً كَانَ الْخُرْقَ رِفْقاً رُبَّمَا كَانَ الدَّوَاءُ دَاءً وَالدَّاءُ دَوَاءً...)) (11). والرّفْق - هنا - اللَّيْن، وهو نقيض العُنْف كما يذكر اللغويون (12). وأمَّا الخُرْق فهو الجَهْلِ والحُمْق وليس كما ذكر الدكتور صبحي الصالح من أنّه (العُنْف) مُسْتَعِيناً - فيما يبدو – بمفردة (الرّفق) في إظهار هذه الدلالة (13). وقد أشار غير واحد من الشرّاح إلى ذلك، ذاكرين أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) نَبِّه بقوله إلى أنَّ الرِّفْق في بعض المواضع كالخُرْق في كونه مُخِلّاً بالمصلحة غالباً، وَمُفَوِّتا لغرض الإنسان في تحقيق غاياته.(14). والخُرق هو الجَهْل (15). وقد وَطَّأ الإمام وَقَدَّمَ له بقوله : ((رُبَّمَا كَانَ الدَّوَاءُ دَاءً وَالدَّاءُ دَوَاءً)).


1) الهَفْوَةِ الزَّلَّةُ والسَّقْطَةُ. ينظر : تاج العروس (هفو) : 306/40.

2) نهج البلاغة : خ/ 94.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2 / 476، والديباج الوضي : 2/ 779.

4) ينظر : مقاييس اللغة (خرق) : 172/2.

5) ينظر : العين (خرق) : 149/4.

6) ينظر : لسان العرب (خرق) : 75/10.

7) نفسه.

8) ينظر : لسان العرب (خرق) : 75/10.

9) نفسه.

10) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 135.

11) نهج البلاغة : ك / 509:31.

12) ينظر : لسان العرب (رفق) : 118/10.

13) ينظر : نهج البلاغة :509 هامش (7).

14) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 282/5.

15) ينظر : الديباج الوضي : 5/ 2345.

وذلك لبيان عدم الاتكال على العلاجات والأدواء في صحة الأبدان وغيرها. وما يؤيد ذلك مفردة (الخُرْق) في هذا السياق التي تدل على الجَهْل والحُمْق، ولفظة (النَّوْكَى) التي أوردها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في السياق نفسه الذي استعمل فيه كلمة (الخُرْق) في إشارة منه إلى مَنْهج الحَمْقى في الاتكال على (المُنَى) والأحلام دون الركون الى العمل والاجتهاد في الطلب و النَّوْكَى هم الحَمْقَى كما يذكر المعجميون (1)، وهم ولهذا يمكن القول أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتحدث في هذه الجمهرة من الوصايا عن الجهلاء و الحمقى وعدم تدبيرهم الأمور التي يقومون بها.وقد وردت لفظة (الخُرْق) دالة على المعنى المتقدم نفسه في (ك / 53).

ثانيا : الدلالة على العَجَلَة أو التأني في معالجة الأمور.

وهذه الدلالة هي الأساس في ما توحيه لفظة (الخُرْق) من المعنى، فقد استعملها أمير المؤمنين في بعض حِكَمِهِ بهذه الدلالة، إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((مِنَ الْخُرْقِ الْمُعَاجَلَةُ قَبْلَ الْإِمْكَانِ، وَالْأَنَاةُ بَعْدَ الْفُرْصَةِ)) (2). و الخُرْقَ -هنا- هو الحُمْق كما يذكر جُلَّ الشُرَّاح (3). ويمكن التعليق على ذلك أنّ المراد بالخُزق هنا هذه الدلالة على العَجَلَةِ في معالجة الأمور، وحِلٌّ مُعْضلاتها قبل أوانها، أو التَّأْني في حَلّها بعد إتاحة الفرصة لذلك. وهذا الأمر يؤدي إلى الخُرْق والحُمْق عند تفويت فُرْصَة الحَلِّ أو الإسراع إليها قبل استحقاق وقتها. ولهذا فالأخرق هو الذي يخترق هذه الأمور ؛ فيكون مسرعاً إلى المعالجة في غير وقت، أو أنّه يَتَأَنَّى في وقت يكون الإسراع إلى الحلِّ أولى. ولهذا ذم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (الإسراع والتأني) في غير وقتهما. ووصف من يقوم بذلك (بالخُرْق) ؛ لأنّ الْحَقَّ هو العَدْل بين الأمرين (4)، ومن حَقِّ العاقل اغتنام الفرص عند إمكانها كما يقال (5).

المائق

المائق - بالهمز هو ما يأخُذ الصَّبِي بعد البكاء، وهو شبه التباكي (6). وقيل : بل هو شدَّةُ البكاء (7). والمَوْقِ حُمْق في غَبَاوَة (8). والمائِق الأَحْمَقُ أيضاً (9)وذكر اللغويون أنّ المائق مفردة تدل على معان ثلاث ؛ الأول منها أن المائق هو السيئ الخُلُق، والثاني أنّ المائق هو الأَحْمَق، والثالث أنه السَّريع البكاء، القليل الحَزْمِ والثبات.(10). وذلك مأخوذ – كما يبدو. وذلك مأخوذ – كما يبدو - من (المَأْقِ) وهو شدّة البكاء.

ولفظة (المَائِق) من ألفاظ نهج البلاغة التي وردت فيه مرة واحدة.(11)دالة على السَّيِّئ الخُلُق الذي يُزَيِّن فعله للناس محاولة منه لجعلهم مِثْلَهُ في الحُمْقِ.وقد وردت هذه الدلالة في قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي


1) ينظر : العين (نوك) : 411/5، وتهذيب اللغة (نوك) : 208/10.

2) نهج البلاغة : قصا /673:363.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 5 / 486، والديباج الوضي : 6 / 2990.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 5 / 486.

5) ينظر : الديباج الوضي : 6/ 2990.

6) ينظر : العين (مأق) : 234/5.

7) ينظر : مقاييس اللغة (مأق) : 291/5.

8) ينظر : العين (مأق) : 234/5، و لسان العرب (موق) : 350/10.

9) ينظر : لسان العرب (موق) : 350/10.

10) ينظر : لسان العرب (موق) : 350/10.

11) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 430.

ينهى فيه من صحبة (المائق). إذ يقول : ((لَا تَصْحَبِ الْمَائِقَ فَإِنَّهُ يُزَيِّنُ لَكَ فِعْلَهُ وَيَوَدُّ أَنْ تَكُونَ مِثْلَهُ)) (1). وقد ذهب أغلب شُرّاح النهج إلى أن مفردة (المَائِقَ) من قول الإمام تدل على الأحمق، أو الشديد الحُمْق (2). وزاد بعضهم بأنها الحُمْقُ في غَباوة (3). وعلل هذا الوجه، بأنّ الأَحْمَقَ لا يتصوّر نقصان عقله، بل يتخيل نفسه كاملاً، ويرى مَضَاره نفعاً ؛ فلهذا يعتقد كمال نفسه وحُسْنَ أفعاله.(4). ولهذا نَهَى الإمام عن صُحْبَته.

أقول : إنّ المراد من لفظة (المائق) في كلام الإمام أوسع مما ركن إليه الشرَّاح ؛ ولو رجعنا إلى نَصِّ المقولة لوجدنا أنّ العِلّة في النهي عن صُحْبَةِ (المائق) هي (تَزْيِيْن فعله) ورغبته في أن يكون الناس مثله في الأفعال. وهذه الأمور، ولاسيما الأمر الأوّل لا يتوقع من الأَحْمَق أن يسعى إليها، وبخاصة ان المعروف عن الأحمق انه قليل العقل، أو هو الغَبِيُّ، وهذا الضرب من الناس لا يعتمد الإتيان بهذا الأمر لقلة عقله وعدم كماله. ولهذا أرى أن لفظة (المائق) في كلام الإمام تتضمن الدلالة على (السيئ الخُلُق) ؛ لأن هذا النوع من الناس يرتكب الأمور المنكرة، ويحاول أن يسوّغها لصحبه وغيرهم، محاولة في إيهامهم بصحتها ورغبة منه في أن يكونوا مثله في سلوكه وتصرفاته. ومما يؤكد ذلك عندي أنّ من أهم دلالات لفظة (المائق) في اللغة هو السيئ الخُلُق.(5). وقد ورد من الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) نفسه في قول شبيه بهذا النص الذي نحن بصدده، وهو قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي نقل عنه في النهي عن مُؤاخاة ثلاث من الناس. إذ يقول : ((يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَجَنَّبَ مُؤَاخَاةَ ثَلَاثَةِ الْمَاجِنِ الْفَاجِرِ وَ الْأَحْمَقِ وَ الْكَذَّابِ فَأَمَّا الْمَاجِنُ الْفَاجِرُ فَيُزَيِّنُ لَكَ فِعْلَهُ وَ يُحِبُّ أَنْ تَكُونَ مِثْلَهُ وَ لَا يُعِينُكَ عَلَى أَمْرِ دِينِكَ وَ مَعَادِكَ وَ مُقَارَنَتُهُ جَفَاء وَ قَسْوَةٌ وَ مَدْخَلُهُ وَ مَخْرَجَهُ عَارٌ عَلَيْكَ وَ أَمَّا الْأَحْمَقُ فَإِنَّهُ لَا يُشِيرُ عَلَيْكَ بِخَيْرِ وَ لَا يُرْجَى لِصَرْفِ السُّوءِ عَنْكَ وَ لَوْ أَجْهَدَ نَفْسَهُ وَ رُبَّمَا أَرَادَ مَنْفَعَتَكَ فَضَرَّكَ فَمَوْتُهُ خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِهِ وَ سُكُوتُهُ خَيْرٌ مِنْ نُطْقِهِ وَ بُعْدُهُ خَيْرٌ مِنْ قُرْبِهِ وَ أَمَّا الْكَذَّابُ فَإِنَّهُ لَا يَهْتِنُكَ مَعَهُ عَيْسٌ يَنْقُلُ حَدِيثَكَ وَ يَنْقُلُ إِلَيْكَ الْحَدِيثَ))(6). والحديث واضح في أنّ الماجن وهو السِّيئ الخُلُقِ الذي يُزَيِّن لكَ فَعْلَه، ويحب أن تكون مِثْله. وليس (الأحمق) الذي لا يُرْجى منه صَرْف السُّوْء، ولا يُرْجى منه الخير أيضاً. وهذا النّص أعاننا في إظهار دلالة لفظة (المائق) التي وردت في نهج البلاغة، وكشف لنا الفارق الدلالي بين تلك اللفظة، ولفظة (الأَحْمَق)، و (الكذَّاب) و (الماجن) ومَضَرّة كل واحد من هؤلاء في المجتمع. ومما تجدر الإشارة إليه أن بعض الشُرَّاح نقل رواية أُخرى لقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي ينهى عن صُحْبَة (المَائق)، فقد رواه مُسْتَبْدلاً هذه اللفظة بكلمة (المنافق) (7). ولعل هذه الرواية تعضد ما ذهبت إليه من دلالة كلمة (المائق) على السيئ الخلق ؛ لأن المنافق قريب في أفعاله وتصرفاته من (المائق)، وهما بعيدان من دلالة (الأحمق) كما تقدم.

التَوْكَى


1) نهج البلاغة : قصا / 662:293.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن ابي الحديد) : 18/ 199، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 473/5، و نهج البلاغة : 662.

3) ينظر : معارج نهج البلاغة : 2/ 869.

4) ينظر : معارج نهج البلاغة : 2/ 869، و شرح نهج البلاغة (البحراني) : 473/5.

5) ينظر : لسان العرب (موق) : 350/10.

6) وسائل الشيعة : 28/12، و 53.

7) ينظر : الديباج الوضي : 6/ 2990.

النُّوْكُ الحُمَق، والأَنْوَكُ الأَحْمَق، وجَمْعُهُ نوكى (1). وذكر الأصمعي أنّ (النُّوْك) عند العرب هو العَجْزُ (2). والجَهْل، والانْوَكَ العاجز الجاهل (3). وقيل : هو العَبِيُّ في كَلامِهِ (4). وقد وردت لفظة (النوكى) في نهج البلاغة بصيغة الجمع على (فَعْلَى) مرة واحدة.(5). دالة على الحمقى، وهم فئة من الناس الذين يَشِيْع فيهم الجَهْل والعَجْز. وقد استعملت هذه الكلمة في سياق وصايا الإمام لولده الإمام الحَسَن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومنه قوله التي يوصيه فيها بعدم الاتِّكَالِ على المنى : ((وَإِيَّاكَ وَالاتِّكَالَ عَلَى الْمُنَى فَإِنَّهَا بَصَائِعُ النَّوْكَى)) (6). ويذكر الإمام - ههنا - علامة فارقة من علامات هذه الفئة من الناس، وهي الاتِّكَالِ على (المُنَى) و (المُنَى) جَمْعُ (مُنْيَة) على (فُعْلَة) (7). وهو حديث النَّفْسِ بما يكون أو لا يكون (8). ولهذا اتَّفق في حكمة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذهِ أَنْ يَصير يَصير ارتباط بين (المُنَى)، و (النوكي) على سبيل وصف هذه (المُنَى) بالبضائع التي يتّجر، أو يتعامل في البَيْع والشراء فعلى تقدير أنْ يُسأل الإنسان عن علمه وصَنْعَته، فيقول إنها الفِلَاحَة مثلاً، فإن إجابة هذا الضرب من الناس عن حرفتهم تكون بذكر أمانيهم ورَغَائِبهم غير المتحققة لهم ؛ لأنّ التّمَنِّي هو تشتهي حصول الأمر المرغوب فيه وتقديره في النفس، وذلك بطريق الظَّنِّ والتخمين فحسب، لهذا صار أكثره كذباً وتصوّراً لا حقيقة له.(9). وأمّا (النوكي) فهم ضرب من الناس الموصفون بالحُمْق وهو قلةُ العقل، وهو علامة على منْ منْ يَضَع الشيء في غير مَوْضعه (10). ويكون هذا بسبب من عدم رَجَاحَة العَقْل واتَّزانه، ولهذا ذكر الإمام لفظ (العَقْل) ومَنْشَئه بعد مفردة (النوكي) مباشرة ؛ لتكون – فيما يبدو - ضِداً (للحُمْقِ) وخلافاً له. إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((وَإِيَّاكَ وَالاتِّكَالَ عَلَى الْمُنَى فَإِنَّهَا بَصَائِعُ النَّوْكَى وَالْعَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِبِ وَخَيْرُ مَا جَرَّبْتَ مَا وَعَظَكَ)) (11). أمّا لم أؤثرت لفظة (النوكي) على لفظة (الحَمْقَى) في هذا السياق، فَلَعَلَّ مفردة (نَوْكَّى) أكثر دلالة على الحُمْق من جِهَةِ التَّمَنِّي، علاوة على أنها توحي بقلّة تجارب العقل وقدرته على التفكير، بقرينة قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) ((وَالْعَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِبِ)) (12)، فعلى هذا يكون (الأَنْوَكُ) هو القليل الحفظ لتجارب العقل، فضلاً عن عدم اتَّعَاضه بتجارب عقله، بخلاف (الأحمق) الذي يُسمّى أحْمَقاً لقلة عقله فحسب كما تذكر المدونات اللغوية (13).


1) ينظر : العين (نوك) : 411/5، وتهذيب اللغة (نوك) : 208/10.

2) ينظر : تهذيب اللغة (نوك) : 208/10.

3) نفسه.

4) لم اعثر على هذه المفردة في (المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة) ولعلها سقطت بسبب من الطباعة.

5) نهج البلاغة :ك /509:31.

6) ينظر : تاج العروس (مني) : 562/39.

7) نفسه.

8) ينظر : تاج العروس (مني) : 562/39.

9) ينظر : لسان العرب (حمق) :67/10.

10) ينظر : النهاية في غريب الحديث والاثير : 442/1.

11) نهج البلاغة : ك /509:31.

12) نهج البلاغة : ك / 509:31.

13) ينظر : لسان العرب (حمق) :67/10.

المبحث الثاني عشر: ألفاظ طبقة السحرة والكهان والمقامرين

الساحر

إشارة:

السِّحْر الأُخْذة التي تأخذ العين (1). وهو كل ما كان من الشَّيْطان فيه معونة(2). ويكون قائماً على الخداع والشبهة (3)وإنما سمتِ العربُ السِّحْر بهذا الاسم ؛ أنّ يزيل الصحة الى المرض(4).

وقد وردت لفظتا (الساحر)، و (السِّحْر) في نهج البلاغة، فقد جاءت اللفظة الأولى أربع مراتٍ. في حين نالت الثانية موضعين فقط من النهج (5). وأما الدلالات التي سبقت لها هذه الألفاظ فهي الآتية :

أولاً : وَصْفُ المشركين النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بالسحر

وقد ورد ذلك على لسانهم غيره مرة، مثلما ينقله الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن موقفهم مع النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في قوله: ((وَلَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ (صلى اللّه عليه وآله) لَمَّا أَتاهُ المَلاَءُ مِنْ قُريش، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ قَدِ ادَّعْيْتَ عَظِيماً لَمْ يَدَّعِهِ آبَاؤُكَ وَلاَ أَحَدٌ مِن بَيْتِكَ، وَنَحْنُ نَسَأَلُكَ أَمْراً إِنْ أَجَبْتَنَا إِلَيْهِ وَأَرَيْتَنَاهُ، عَلِمْنَا أَنَّكَ نِبِي وَرَسُولٌ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ عَلِمْنَا أَنَّكَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ...)) (6)ووصفهم النبي بأنّه ساحر جرى كثيراً على ألسنة كَذَّابٌ...)) الكفار بكثرة تنقلع الشجرة بعروقها وتجيء اليه، فلما أمرها أن تجيء له وترجع الى مكانها بإذن اللّه، أعادوا قوْلهم (ساحر كذَّاب.). حتى أنهم أكدوا هذا الوصف، فقالوا - بعدما رأوا قدرة اللّه تبارك وتعالى التي بها قام النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بتحريك الشجرة من مكانها قالوا : (عَجِيبُ السِّحْرِ خَفِيفٌ فِيهِ) (7). والفارق بين (قدرة اللّه تعالى) وبين (السِّحر) كبير ؛ لأنّ اللّه تبارك وتعالى قادر على كل شيء، وقد أعان نبيه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) - في هذا الموقف - على قلع الشَّجَرة ونقلها من مكان إلى مكان آخر، في حين أنّ أوّل فكرة يقوم عليها السِّحر هي الخداع والتضليل والاستعانة بالشيطان. ولما كانت هذه الأمور من التي يتبناها هؤلاء الكفار، لهذا سلطوها على النبي الاكرم ووصفوه بها، مع إيمانهم بأنّ الذي صنعه النبي لم يكن سحراً، وإنما هو حقيقة، وهم يميزون بين السحر والحقيقة ولكنهم جحدوا بها. ولارتباط (السِّحْر) بالخداع، و التضليل واتخاذه سبيلاً لإيهام الناس بصدق ما يفعل السحرة، شبه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الساحر بالكافر وذلك في (خ / 79).


1) ينظر : العين (سحر) : 3/ 135.

2) نفسه.

3) ينظر : مقاييس اللغة (سحر) : 3/ 138.

4) ينظر : لسان العرب (سحر) : 348/4.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 212.

6) نهج البلاغة (قصا) : خ / 192 : 379.

7) نفسه : 38.

ثانياً : الدلالة على حقيقة السحر

وقد جرى استعمال هذه الدلالة عند الإمام إشارة الى حقيقة في تأثير السحر أحياناً، ولاسيما من جهة انخداع الناس به، وتصورهم تأثيره يقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذلك : ((الْعَيْنُ حَقٌّ، وَالرُّقَى حَقٌّ، وَالسِّحْرُ حَقٌّ، وَالْفَأَلُ))(1).

نشرة

النَّشر – بالفتح - الريح الطَّيِّبة (2)النُّشْرة – بالضم - ضربٌ من العلاج والرقية التي يعالج بها من كان يظن أنّ به مَساً من الجنّ (3). وإنما سُمّيت بذلك ؛ لأنه يُنشر به عنه ما خامره من الداء. أي يُكْشَف يُزال (4).

وقد وردت لفظة (نُشرة) في نهج البلاغة أربع مرات (5)، دالة على الرقية التي تُستعمل في ردع العين والسحر، وغير ذلك من الأمور التي تسبب اذى في نفس الانسان. يقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق ذكر بعض المعتقدات : ((الْعَيْنُ حَقٌّ، وَالرُّقَى حَقٌّ، وَالسِّحْرُ حَقٌّ، وَالْفَأْلُ وَالطِيَرَةُ لَيْسَتْ بِحَقِّ، وَالْعَدْوَى لَيْسَتْ بِحَقَّ، وَالطَّيبُ نُشْرَةٌ، وَالْعَسَلُ نُشْرَةٌ، وَالرُّكُوبُ نُشْرَةٌ، وَالنَّظَرُ إِلَى الْخُضْرَةِ نُشْرَةً)) (6)يشير في قوله الى وجود كل من (العَيْن، والرقى، و السِّخر والفأل)، وإنما وصفها بأنها (حَقَّ) إشارة منه الى صحة تأثيرها في الانسان، بحيث أنها تصيبه وتؤذيه (7)وقد عبّر (عَلَيهِ السَّلَامُ) (العين) عن الحسد على أساس أنّ العين آلة الحسد وأداتها. في حين ذكر (الرُّقى)، و (النُّشْرُة) بوصفهما وسيلة لدفع (العين) و (السِّحْر). فكأنما هي علاج لهذه العلل والأدواء التي قد تصيب الإنسان ؛ لأنها موجودة ولها تأثير على البشر، فكرر (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (نُشرة) أربع مرات ؛ لبيان أنّ الطَّيْب، والعسل أو (الغُسْل) في رواية (8)، والركوب، والنظر الى الخُضْرة، تمثل ضروباً من علاجات البدن ومُعوّذاته وَرُقياته التى تنشر عنه العين وأدوائها، ولاسيما اذا كانت تلك الرقى خالية من الشرك (9).

الكاهن


1) نهج البلاغة : قصا / 400 : 682.

2) ينظر : تهذيب اللغة (نشير) : 232/11، ولسان العرب (نشر) : 206/5.

3) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 53/5.

4) نفسه.

5) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 441.

6) نهج البلاغة : قصا : 682، 400.

7) ينظر : نهج البلاغة تعليق السيد محمد الشيرازي : 710 هامش (7).

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 372/19، وشرح حكم نهج البلاغة : 97.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 429/19.

الكَهْن القضاء بالغيب، أو ادعاء العلم به (1). وتسمى حرفة من يقوم لها (الكهانة) (2). وقد عرّف ابن الأثير الجزري الكاهن بأنه ((الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعى معرفة الأسرار)) (3). وذكر اللغويون أنّ العرب كان فيهم كهنة، وهم من يزعم أنّ له تابعاً من الجِنَّ يُلقي اليه الأخبار. ومنهم من كان يزعم أنّه يعرف الأمور بمقدّمات أسباب يستدل بها على مواقعها بكلام من يسأله أو بفعله وحاله. وهذا يسمّى عند العرب (العَرَّاف) الذي يدّعي معرفة الشيء المسروق مثلاً. ومكان الضالة ونحوه(4). وكانت العرب تسمي المنجم والطبيب كاهناً، بل إنها كانت تسمى كل من يتعاطى علماً دقيقاً كاهنا (5). فضلا عن ذلك، فالكاهن عند العرب هو من يقوم بإمر الرجل ويسعى في حاجته. ويقوم بأمر أهله من بعده (6).

وقد وردت لفظتا (الكاهن)، و (الكهانة) في نهج البلاغة ؛ إذا استعلمت الأولى مرتين، في حين جاءت الثانية في موضع واحد فحسب (7). فإما لفظة (الكاهن) فدَلَّتْ على الذي يدّعي العلم بالغيب ومعرفة أسرار المستقبل متكهنَّاً بالغيب. وأمّا لفظة (الكِهانة)، فجاءت للدلالة على المهنة التي يمتهنها الكاهن. يقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق النهي عن تعلم علم النُّجوم واتخاذها سبيلاً لعمل الغيب. راداً على مَنْ أشار عليه بعدم الخروج لقتال الخوارج في هذا الوقت : ((أَتَزْعَمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ؟ وَتُخَوِّفُ مِنَ السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا حَاقَ بِهِ الضُّرُّ؟ فَمَنْ صَدَّقَكَ بِهذَا فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ، وَاسْتَغْنَى عَنِ الْإِسْتِعَانَةِ بِاللّه عزّوجلّ فِي نَيْلِ الْمَحْبُوبِ وَدَفْعِ الْمَكْرُوهِ، وَتَبْتَغِي فِي قَوْلِكَ لِلْعَامِلِ بِأَمْرِكَ أَنْ يُولِيَكَ الْحَمْدَ دُونَ رَبِّهِ، لاَنَّكَ. بِزَعْمِكَ. أَنْتَ هَدَيْتَهُ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي نَالَ فِيهَا النَّفْعَ، وَأَمِنَ الضُّرَّ !! أَيُّهَا النَّاسُ، إِيَّاكُمْ وَتَعَلَّمَ النُّجُومِ، إِلا مَا يُهْتَدَى بهِ في بَرّ أَوْ بَحْرٍ، فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْكَهَانَةِ، والمُنَجَّمُ كَالْكَاهِنِ، وَالْكَاهِنُ كَالسَّاجِرِ، وَالسَّاحِرُ كَالْكَافِرِ وَالْكَافِرُ فِي النَّارِ : سِيرُوا عَلَى اسْمِ اللّه))) (8). و وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) نصّ في النهي عن تعلّم علم النجوم والاستدلال بها في معرفة الغيب ولهذا جعله الإمام بمنزلة الكفر، مُشبّهاً المنجم بالكاهن ؛ لما يبدو من الآخر من ادّعاء بتسخير الجنَّ وادعاء بعلم ما سيقع مستقبلاً. ويبدو أنّ تسبيه الإمام (للكاهن) (بالسَّاحِر) راجع الى قدرة الكهنة على خداع الناس والاستيلاء على عقولهم، واستعمال طرائق في الكلام توحي للمقابل بصحة ما يداعيه هؤلاء الذين يتخذون (السُّجع) سبيلاً للاقناع من خلال سلسلة من التعبيرات التي تناسب أجواء المهانة التي يجعلون لها طقوساً خاصة تزيد من قوة تأثيرها في الناس. وقد التفت شُرّاح نهج البلاغة إلى تشبيه الإمام للمنجم بالكاهن. تشبيه الكاهن بالساحر وأخيراً تشبيه الساحر بالكافر. فذكروا أن الجامع بين هؤلاء هو اشتراكهم في العدول والابتعاد والانحراف عن طريق اللّه تبارك وتعالى بوساطة التنجيم


1) ينظر: المحكم (كهن) : 143/4، وتاج العروس (كهن) : 81/36.

2) نفسهما.

3) النهاية في غريب الحديث : 214/4، وتاج العروس (كهن) : 82/36.

4) ينظر: النهاية في غريب الحديث : 214/4، ولسان العرب (كهن) : 363/13. وتاج العروس (كهن) : 82/36.

5) ينظر : لسان العرب (كهن) : 363/13.

6) نفسه.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 404.

8) نهج البلاغة : خ / 79 : 117، 118.

والكهانة و السحر والكفر، وهو ما يلزم صدّ كثير من الخَلْق عن سبيل اللّه (1)وإنما جعل (الكاهن) أصلاً (للمنجم) في التشبيه به ؛ لأنّ الكاهن يدعي علم الغيب، وإنما يصدر ذلك عن قوة خاصة به كما يدعي، وهو ما يؤدي إلى إفساد أذهان الخلق وأعوانهم للإيمان به. وأما المنجم، فإنّه يدعي إضافة كل هذه الأمور إلى علم النجوم، وهما كاذبان في ذلك (2). وأما جعله الكاهن كالساحر ؛ فلانّ الأخير يدّعي الخلق وضع الخوارق، فلهذا صار الكاهن بمنزلته في الكذب (3). أقول : ولهذه الأسباب، فقد نهى الإسلام عن الكهانة ومنعها. وقد : ورد في الروايات عن الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) أنّ (الكاهن) في صدارة الأربعة الذين لا يدخلون الجنة، فضلاً عن كون ما يتقاضاه من أجر سحتاً حراماً (4).

المنجم

النّجْمُ اسم يقع على الثريا، وكل منزل من منازل القمر يُسمّى نجماً (5). والمنجم الذي ينظر في النجوم بحسب مواقيتها وسَيْرهَا (6). والنجم في اللغة الوقت أيضاً، وقد كانت للعرب تجعل مطالع منازل القمر مواقيت حلول دِيُؤنها، فتقول إذا طلع النجم حلاً عليك مالي، أي إذا طلع الثريا، فلما جاء الإسلام جعل اللّه تعالى الأهلّة مواقيت لما يريدون معرفته من أوقات العبادة وغيرها (7).

واستعمل الإمام لفظة (المنجم)، و (النّجُوم) في نهج البلاغة مرة واحدة (8)، للدلالة على الناظر في النجوم ليُخبر عن أوقات الضُر، والطالع الحَسَن. مع إيراد لفظة (النّجوم) للدلالة على علم النظر فيها وذلك في سياق النَّهْي عن تعلُّم هذا العلم لاتخاذه وسيلة للإعلام بالغيب. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : (أَيُّهَا النَّاسُ، إِيَّاكُمْ وَتَعَلَّمَ النُّجُومِ، إِلا مَا يُهْتَدَى بِهِ فِي بَرِّ أَوْ بَحْرٍ، فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْكَهَانَةِ والمُنَجَّمُ كَالْكَاهِنِ، وَالْكَاهِنُ كَالسَّاحِرِ، وَالسَّاحِرُ كَالْكَافِرِ وَالْكَافِرُ فِي النَّارِ ! سِيرُوا عَلَى اسْمِ اللّه.)) (9). نهي الإمام عن تعلم التنجيم وعام أخر منه تعلمها للاهتداء بها في معرفة الطرُّق من البر والبحر، ولهذا شبه المنجم الذي يتعلمها لأجل الأخبار بما سيكون، بالكاهن الذي يدعى كشف الغيب والعلم بما سيقع لهذا جعلهم جميعاً بمنزلة الكافر في البعد عن تعاليم اللّه جل شانه وانحرافهم عن جادة الحق. وقد قيل إنّ الفارق بين (المنجم والكاهن) أنّهما يخبران عن المستقبل بأدلة الحدس، ولكن المنجم يخبر عن ذلك بوساطة النجوم، في حين أنّ الكاهن يخبر عنها بالأرواح غير المرئية (10)ولهذا شبّه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المنجم بالكاهن.


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2/ 367.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2 / 367، والديباج الوضعي : 2/ 559.

3) ينظر : الديباج الوضي : 559/2.

4) روي في الحديث عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال : ((اربعة لا يدخلون الجنّة : الكاهن والمنافق، ومدمن الخمر، و الفتان، وهو النمام)). ينظر : وسائل الشيعة : 308/12، و 333.

5) ينظر : العين (نجم) : 145/6.

6) ينظر : العين (نجم) : 145/6، ولسان العرب (نجم) : 2/ 570.

7) ينظر : لسان العرب (نجم) : 570/12.

8) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 435.

9) نهج البلاغة : خ/ 79 : 117، 118.

10) ينظر : نهج البلاغة (الشيرازي) : 1/ 115، هامش (2).

الياسر

الياسر هو المقامر اللاعب بالقداح من الميسر (1)وقد استعمل الإمام لفظة (الياسر) بصيغة (فَاعِل) المحلى بـ (ال) مرتين في نهج البلاغة (2)؛ للدلالة على اللاعب بالميسر الضارب بالقداح، وذلك على نحو التشبيه بين حال المرء المسلم الذي لا يرتكب دناءة، أو حسداً يحث الناس، وبين حال اللاعب بالمَيْسُر يترقب أوّل فوزه، وذلك في سياق كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الزُّهْدِ وتهذيب الفقراء به. وعن الشفقة وتهذيب الأغنياء بها،. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((... فَإِنَّ الْمَرْعَ الْمُسْلِمَ مَا لَمْ يَغْشَ دَنَاءَةً تَظْهَرُ فَيَخْشَعُ لَهَا إِذَا ذُكِرَتْ، وَيُغْرَى بِهَا لِنَامُ النَّاسِ، كانَ كَالْفَالِجِ اليَاسِرِ الَّذِي يَنْتَظِرُ أَوَّلَ فَوْزَة مِنْ قِدَاحِهِ تُوجِبُ لَهُ الْمَغْنَمَ، وَيُرْفَعُ عَنْهُ وَكَذْلِكَ الْمَرْءُ المُسْلِمُ البَرِيءُ مِنَ الْخِيَانَةِ يَنْتَظِرُ مِنَ اللّه إِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ : إِمَّا دَاعِيَ اللّه فَمَا عِنْدَ اللّه خَيْرٌ لَهُ، وَإِمَّا رِزْقَ اللّه فَإِذَا هُوَ نُوأَهْل وَمَالَ، وَمَعَهُ دِينُهُ وَحَسَبُهُ...)) (3)يوازن بين حال غير المفتون الحاسد لأخيه المسلم، وبين حال الرابح في الميسر الذي ينتظر أول فوزه، ليكون له مغنماً، فكذلك الذي يغبط أخاه المسلم على ما أصابه من خير وزيادة في ولده أو ماله، ولا يُحسده زوال نعمة اللّه عليه، فإنّ الرزق ينزل كقطرات المطر إلى كل نفس كما يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ). إنّ مفردة (اليَاسِر) من الالفاظ الغريبة عند اللغويين (4). وقد صنفها بعض الباحثين في جانب الغريب الوارد في اللغة بقلة (5)، وأشار الى أنّ اللغويين والمعجمين، ذكروا هذه المفردة في الدلالة المقامرة، وأنهم اضطربوا في تحديد دلالتها المعنوية (6). وهذا الكلام فيه نطر ؛ لأن المعجمين إنما ذكروا دلالات متعددة لهذه اللفظة تبدأ من دلالتها على اليُسر والسهولة واللين، وتنتهي عند دلالتها على اللاعب بالقمار، مروراً بدلالتها المادية، وهي جزر الجزور وتقسيمه، وهو المعنى الذي أخذته المفردة لتدل بعد حين على المقامرة واللعب بالميْسُرِ (7). وأما كون المفردة ذات دلالة محددة ضيقة، وفي استعمالها في الاستقسام بالأزلام و (رمي القدح). وهو السهم الذي يقامر به. فهذا لا يعني ضيقها الدلالي في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأرد الإمام باستعماله هذه المفردة، معنى انتظار الفوز والغنم وترقبهما للحصول على الربح ؛ ليكون صاحبه هو (الفَالج اليَاسِر) أو (اليَاسِرِ الفالج). فإنّه لا يقصد تحديداً دلالتها على القمار، مثلما لا يقصد تسويغ المقامرة أو تجويزها بهذا التعبير. وقد ورد النهي عنها في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (8). فكل ما قُوْمر به، فهو مَيْسر. ويتضح ذلك في تفسير النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) لقوله تعالى آنف الذكر -، فقد روي عن الإمام الباقر أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال : ((لما أنزل على رسوله (صلى اللّه عليه وآله وسلم): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ


1) ينظر : غريب الحديث (ابو عبيد) : 470/3، والنهاية في غريب الحديث : 2955، ولسان العرب (يسر) : 5 / 298.

2) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 500.

3) نهج البلاغة : خ/ 23 : 53، 54.

4) ينظر : النوادر في اللغة، لأبي زيد الأنصاري : 142، وغريب نهج البلاغة، : 194.

5) ينظر : غريب نهج البلاغة : 194.

6) نفسه.

7) ينظر : المحكم (يسر) : 576/8، ولسان العرب (يسر) : 1/ 298، 299.

8) المائدة / 90، وينظر : البقرة / 219، والمائدة / 91.

الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (1)قيل : يا رسول اللّه. فما الميسر ؟ فقال : كل ما تُقُؤمر به، حتّى الكعاب والجوْز. قيل : فما الانصاب؟. قال : ما ذَبحُوْه لآلهتهم. قيل : فما الأزلام ؟ قال : قداحُهُم التي يستقسمُونَ بها))(2)وبهذا تكون دلالة الميسر والمعطوفات عليه في الآية المباركة واضحة الدلالة، وبخاصة أنّ النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قد وسُّع من دلالة (الميسر)، فجعلها عامة تشمل كل مقامرة، سواء أكانت بالقداح أم بغيرها. وروى ابن الأثير الجزري حديثاً عن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول فيه : ((الشطرنج مَيْسِرُ الْعَجمِ))(3)، وشبه فيه اللعب بالشطرنج بالميسر، وهو القمار بالقداح (4). أقول : ولعل اختصاص مفردة (الياسر) بالدلالة على المقامرة بالاقتسام بالأزلام ربما يكون من باب ذكر الخاص، والمراد به عامة القمار، فالمقامر بكل ضرب من ضروب القمار ينتظر الفوز منها. ما قد إليه الإمام في قولته، فأنّه أراد النتيجة التي يؤول إليها المقامر الفائز في لعبه، وتحقيق المشابهة بينه وبين من يطلب رضا اللّه تبارك وتعالى. بقي أن نشير إلى أن قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((كَالْيَاسِرِ الْفَالِج يَنْتَظِرُ أَوَّلَ فَوْرة مِنْ قِدَاحِه...)) (5)وقد تقدمت فيه صنعة (الفالج) على الموصوف وهو (الياسر)، والأصل في الكلام هو (الياسر الفالج)، وهو النص الذي ورد في موضع آخر من نهج البلاغة، في فصل (غريب كلامه المحتاج إلى تفسير)(6). فقد أورد فيه قولا للإمام (أحسبه مقتطعاً من قوله في) الخطبة (23) التي تقدم ذكرها. وهو قوله : ((كَالفَالِج اليَاسِ الَّذِي يَنْتَظِرُ أَوَّلَ فَوْزَة مِنْ قِدَاحِهِ)) (7). ولما كان السياق الذي وردت فيه كلمة الإمام بتقديم الصفة على موصوفها، سياق موازنة بين المنتظر لفلجة يوم القيامة أو في الحياة الدنيا، وهو الفوز برضا اللّه تبارك وتعالى وبين المنتظر لفلجة في لعب الميسر ؛ لهذا قدّم الإمام مفردة (الفَالِج) على (اليَاسِر) ؛ لأنّ السياق يقتضي ذلك الترتيب ؛ بتقديم المعني على غيره. في حين أنّه قدّم الموصوف على صفته، بإيراد الكلام على نسقه وترتيبه الصحيح في قوله (اليَاسِر الفالِج) ؛ لأنّ السياق أو الموقف لا يخص الحديث عن (الفلج) أو (الظفر) بقدر ما يتعلق بالحديث عن (المقامِر الظافر) في لعبته. إنّ هذا التوجيه الذي آراه لا يمنع أن يكون تركيب (اليَاسِر الفَالِج) مقتطعاً من الخطبة (23) للإمام، الذي يظهر أنّ الشريف الرضي أعاده في هذه المواضع. أو الإمام أورده في موقف آخر استدعى فيه المقام أن يجيء بالكلام على سُوقِهِ دون تقديم أو تأخير. ولهذا لا أجد للتقدير الذي قدّره الشارح ابن الحديد وجهاً، عندما قدّر أن معنى كلامه : (الفَالِج اليَاسر) هو (اليَاسِر الفالج)، ذاكراً أَنّ هذا التقديم إنما حَسُن هنا ؛ لأنّ اللفظتين صفتان، وإن كانت إحداهما مرتبة على الأخرى (8). فإن المعنى في كلامه المتقدم بَيِّنٌ لا يحتاج إلى تقدير. فضلاً عن ذلك، فقد جعل الشارح هذا النص شبيهاً بتقديم الصفة على


1) المائدة / 90.

2) وسائل الشيعة : 17/ 148.

3) النهاية في غريب الحديث : 703/5، ولسان العرب (يسر) : 5/ 295.

4) نفسهما.

5) نهج البلاغة : خ / 23 : 53.

6) نفسه : 651 – 697.

7) نهج البلاغة : غ /8 : 653، وقد نقلت المدونات الخاصة بـ (غريب الحديث) قول الإمام المتقدم. ينظر : غريب الحديث (ابو عبيد) : 3/ 468، 470، وغريب الحديث (ابن الجوزي) : 2 / 510، والفائق : 4 / 128، والنهاية في غريب الحديث : 5/ 295.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 1/ 287.

الموصوف في قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ) (1).


1) فاطر / 27. والغرابيب في اللغة الشديدة السواد. أما في قوله تعالى، فالمراد أنّ من الجبال ما هو شديد السود حالك اللون. ينظر : مجمع البيان : 242/8.

المبحث الثالث عشر: ألفاظ طبقة غير المسلمين من أهل الذمة

أهل الدِّمة

الذّمّة العهد والكفالة (1)والذّمّة الأمانُ أيضاً (2). وسُمِّي أهل الذِّمّة ذمُّة ؛ لدخولهم في عهد المسلمين وأمانتهم (3). ويُسمّى المُعاهد ذمّياً ؛ لأنه أعطي الأمان على ذمّة الجزية التي تُؤخذُ منه (4)، فصار أهل الذّمّة هم أهل العقد (5)والاتفاق بحسب هذا الوجه المتقدم.

وقد ورد تعبير (أهل الذّمة) في كلام الإمام علي في نهج البلاغة مرة واحدة (6)، دالاً على أهل الأمان والعَهْد من غير المسلمين الذين دخلوا في أمان الإسلام. وقد ذكرهم أمير المؤمنين بوصفهم طبقة من طبقات المجتمع. يقول (عليه الصلاة والسلام) مخاطباً (مالكاً الأَشْتَر) في قوله الذي يقسّم فيه المجتمع على طبقات : (وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لا يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْض وَلاَ غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْض : فَمِنْهَا جُنُودُ اللّه، مِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَمِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ، وَمِنْهَا عُمَّالُ الأنْصَافِ وَالرِّفْقِ، وَمِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ وَالْخَراج مِنْ أَهْلِ الذَّمَّةِ وَمُسْلِمَةِ النَّاسِ، وَمِنْهَا التَّجَّارُ وَأَهْلُ الصَّنَاعَاتِ، وَمِنهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ...)) (7)وفي كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا تقسيم للمجتمع على طبقات تبع خامسها طبقة أهل الجزية والخراج من أهل الذِّمّة. وهؤلاء هم الذين يدفعون الجزية للمسلمين ويعيشون بينهم مُسالَمِيْن مَحْفُوظي الحقوق.

مُعَاهَد

العَهْدُ المَوْثَقُ (8)أو الميْثَاقُ واليمين التي تستوثق بها مِمُّنْ يُعاهِدْكَ (9). ويُسمّى اليهود والنصارى أهل العُهْد؛ وذلك للذمة التي أُعطوها في الإسلام والعُهدة المشترطة عليهم (10).

ولفظتا (مُعَاهَدٍ)، و (المُعاهَدَة (من ألفاظ نهج البلاغة فقد وردتا مرة لكل منهما (11)، دالتان على أهل الذّمّة من المعاهدين في الإسلام. وهم مما يوجب الإسلام حفظ حقوقهم ورعاية العهد معهم، ما داموا ثابتين عليه. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق وصية عماله على الخراج برعاية الناس، وعدم أخذ أموالهم عنْوَةً : ((وَلاَ تَمَسُّنَّ مَالَ أَحَد مِنَ النَّاسِ، مُصَلِّ وَلاَ مُعَاهَد إِلا أَنْ تَجِدُوا فرَساً أَوْ سِلاحاً يُعْدِى بِهِ عَلَى أَهْلِ


1) ينظر : لسان العرب (ذمم) : 12/ 221.

2) نفسه.

3) نفسه.

4) نفسه.

5) ينظر : جمهرة (ذمم) : 1/ 94.

6) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 171.

7) نهج البلاغة : ك /550:53.

8) ينظر : العين (عهد) : 1/ 102.

9) ينظر : تهذيب اللغة (عهد) : 98/1 نفسه.

10) نفسه.

11) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 326.

الأسلام...)) (1). وقد ذكر الإمام لفظة (الناس) في هذا السياق، وهي لفظة عامة، خصصها بقوله (مُصَلِّ) التي قصد بها الإنسان المُسلم مشيراً بهذه المفردة الدالة على أهم ركن من أركان الإسلام، وهو الصلاة. إلى من كان مسلماً من الرعية. في حين أنّه استعمل لفظ (مُعَاهدٍ) في إشارة إلى غير المسلمين من المعاهدين الذين لابد من الوفاء بعَهْدهم، ما لم يعملوا على إلحاق الأذى بالإسلام والمسلمين، فإنْ أضْمَرُوا سلاحاً يجلب ويُعدى به على المسلمين فإنّه يجب أخذه من أيديهم ؛ لئلا يكون شوكة وعوناً يجلب به على الإسلام (2). واستعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (المُعَاهَدة) دالة على المرأة غير المسلمة من أهل الذمة في (خ / 27).

أهل الجزية

الجزية – بالكسر - خراج الأرض، وهو ما يُؤْخَذُ من الذِّمي (3)سميت بذلك ؛ للإجتنزاء بها عن حَقْن دَمِهِم كما نُقل عن العلماء (4). وقيل : بل هي المال الذي يعقد الكتابي عليه الذِّمّة ؛ فكأنها أجزت عن قتلة (5).

وجاء تعبير (أهْل الجِزْية) في نهج البلاغة مرة واحدة (6)، قال تعالى : (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (7). دالاً على غير المسلمين الذين تؤخذ منهم أموال خراج الأرْضِ، أو غيرها من الأموال التي يُسَالهم المسلمون عليها. يقول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذكرهم بوصفهم الطبقة الخامسة من مكونات المجتمع : ((... وَمِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ وَالْخَراج مِنْ أَهْلِ الذَّمَّةِ وَمُسْلِمَةِ النَّاسِ...)) (8).


1) نهج البلاغة : ك / 51 : 542.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 330/5.

3) ينظر : تاج العروس (جزي) : 37 / 354.

4) نفسه.

5) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 271/1، وتاج العروس (جزي) : 354/37.

6) نهج البلاغة : ك / 53 : 550.

7) التوبة / 29.

8) نهج البلاغة : ك / 53 : 550.

المبحث الرابع عشر: ألفاظ طبقة الأغنياء والملاك

الأغنياء

إشارة:

الغني من الرجال هو الذي أصاب المال الوفر الكثير (1). والغني اليسار والاستغناء (2).

وقد وردت الفاتظ (الأغنياء) بصيغة الجمع ست مرات في نهج البلاغة، وجاءت لفظة (غنيّاً) أربع مرات، و (غَنِيّ) ثلاث مرات و (الغَنِي) محلاة بـ ((ال) مرتين، وكذلك لفظة (غَنِيُّهم) مضافة إلى ضمير جماعة الغائبين. في حين وردت مفردات (غِنَاك) مضاف الى ضمير الخطاب، و (غناه) مضافة الى ضمير الغائب، (وغَنيّها) مضافة إلى ضمير الغائبة، مرة واحدة لكل منهما (3)، للدلالة على مايأتي :

أولاً : الدلالة على الثروة ووفرة المال

وهذه الدلالة أكثر شيوعاً من بقية الدلالات التي جاءت فيها مفردة (غني) ومشتقاتها. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق كلامه عن توزيع الثروة بين الناس، وكيف أنّ اللّه تبارك وتعالى جعل أقوات الفقراء في أموال الأغنياء. يقول : (إِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ فَرَضَ فِي أَمْوَالِ الأغْنِيَاءِ أَقْوَاتَ الْفُقَرَاءِ، فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلَّا بِمَا مَنَعَ بِهِ غَنِي، وَاللّه تَعَالَى سَائِلُهُمْ عَنْ ذلِكَ) (4). يفصل الإمام طريقة تقسيم اللّه تعالى الثروة على الناس، فيسقم – بحسب هذا النص - المجتمع من حيث حاجته وعدمها على قسمين ؛ الأغنياء : وهم الذين حازوا نصيباً وفيراً من الأموال، والفقراء الذين لا يملكون أقواتهم وأرزاقهم وحوائجهم. ولمعادلة هذه الحالة من التطرّف في (الثروة) أوجب اللّه (جل جلاله) على (الأغنياء) أن يجعلوا في أموالهم حقوقاً لهؤلاء الفقراء، مما فرضه اللّه عليهم من الحقوق كالزكاة والخُمس والصدقات وغيرها. فإن لم يفعل الأغنياء المكتفون ذلك، فجوع الفقراء دليل على منع هؤلاء الأغنياء الأقوات عن الفقراء. ومحور النص هو الحديث عن (الصدقة) كما يذكر - شُرَّا النهج - ولهذا رهَّبَ اللّه تعالى الأغنياء وحذرهم بسؤالهم عن ذلك (5). وقد ورد في القرآن الكريم الحثّ على

التصدّق على الفقراء علانية وسراً. قال تعالى : (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (6).وقد ورد في الحديث عن النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قوله : ((أُمرْتُ أنْ آخَذَ الصُّدقَاتِ من أغْنِيائكم وأَردُّها في فقرائكم)) (7). وقد وردت مفردات (غنياً) و (غنيّهم) و (غِناه) و (الغَنِي) و (الأغنياء) بالدلالة المتقدمة، وذلك في (خ/ 192، 193، 233، 333، ك / 45 قصا / 126، 150، 228، 372، 406، 426).

ثانياً : الدلالة على عدم حاجة اللّه تبارك وتعالى الى غيره :


1) ينظر : العين (غني) : 8/ 450، وتاج العروس (غني) : 39 / 189.

2) ينظر : لسان العرب (غنا) : 15/ 136.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 341.

4) نهج البلاغة : قصا / 328 : 667.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 479/5.

6) البقرة / 271.

7) مسند شمس الأخبار المنتقى من كلام النبي المختار، لعلي بن حميد القرشي : 57/2. والديباج الوضي : 6 / 2967.

استعمل الإمام هذه الدلالة مفردة (غَنيّ) الدالة على عدم الافتقار والحاجة. وذلك في سياقات ثلاث في تنزيه اللّه تبارك وتعالى والثناء عليه، مضمناً ذلك آيات من القرآن الكريم تتضمن مفردة (غَنِيّ) للدلالة على استغناء اللّه جل دلاله وعدم احتياجه العالمين. ومن ذلك كلامه في حج البيت الحرام الذي جعله اللّه ((قبْلَةً للأنام يردُونَهُ ورُودَ الأَنْعَامِ وجَعَلَه - سُبْحَانَهُ - علامة لتواضُعهم لعظمتهِ وإِذْعانِهم لعزّتِه... فقال سبحانه : (حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ * اللّه غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (1))) (2). وقد بين المفسرون دلالة مفردة (غَنِيٌّ)، ذاكرين أنّه جل جلاله غني عن الناس، وإنما وسع اللفظ وعَمَّهُ ؛ لينبه الفكر إلى قدرته تعالى شأنه واستغنائه من جميع الوجوه، فليس به افتقار إلى أيّ شيء سواه، لأنه لا رب غيره (3). ونظير هذا الاستعمال في توظيف الإمام لمفردة (غَنِي) من القرآن الكريم، ما جاء في (خ / 183). في حين أنه أوردها بنسجه الخاص للكلام في (خ /186). مثلما استعمل مفردة (غناك) للدلالة على الاكتفاء باللّه تعالى معينا وناصراً في (خ 193، 215)

ترف

التّرف التَّنْعمُ (4)التْرَف الموسع عليه عيشه القليل الهم (5). وأصل الترف - كما يذكر اللغويون – هو تَنْعيم الغذاء وتحسينه(6).

وقد استعمل الإمام مفردات : (المُترفون) التي وردت مرتين في نهج البلاغة، و(مُتْرف) مجردة من (ال) التعريف ومحلاة بها مره واحدة لكل منها. و (ترف) بصيغة المصدر، و (مُتْرَفة)، بصيغة اسم المفعول مرة واحدة لكل منها (7)، للدلالة على رفاه العيش وتنعمه وسعته. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق كلامه عن تعصب ذوي النّعم وتعاليهم على الناس : ((وَأَمَّا الأغْنِيَاءُ مِنْ مُتْرَفَةِ الأمَمِ، فَتَعَصَّبُوا لِإِثَارِ مَوَاقِعِ النِّعَمِ، فَ (8)... فإن كان لابد من العَصَبة، فَلْيكُن تَعَصُبكُمُ لمكارم الخصال ومحَامِدِ الأفعال ...)) (9)والإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتحدث في هذا النص عن ضرب آخر من ضروب (العصبة). وهو (التّعصب) الخاص (بالأغنياء) من الناس الذين أثرفوا، ووسّع عليهم الرزق والرفاه في العيش، فلزمهم التعصب لما حازوه من أموال وأولاد، وذهب بهم الأمر إلى نفي العذاب عنهم. ولهذا ذكر الإمام أنه إنْ كان لابدَّ من هذه (العصبية)، فليكن التعصب لمكارم الخصال والأفعال المحمودة ؛ لأنها أدعى إلى الفخر والمباهاة، ولمكانها من رضا اللّه تبارك وتعالى. وفي هذا الأمر تنبيه منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى ملازمة (


1) آل عمران / 97.

2) نهج البلاغة: خ / 1 : 25.

3) ينظر : المحرر الوجيز : 480/1.

4) ينظر : المحكم (ترف) : 476/9.

5) ينظر : العين (ترف) : 114/8.

6) ينظر : العين (ترف) : 114/8، والمحكم (ترف) : 476/9.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 71، 72.

8) سبأ / 35.

9) نهج البلاغة: خ / 192 : 372.

العصبية) نفس الإنسان حتى أصبحت جزءاً من عادات العرب وتقاليدها، فأراد الإمام توجيه هذه الخصلة ونقلها من الاتجاه السلبي الى الجانب الايجابي عن طريق توظيفها في مكارم الاخلاق والخصال الحميدة. ولاسيما في صنف الأغنياء من الناس الذين استعمل الإمام في وصفهم مفردة (مُتْرُفة) بصيغة اسم المفعول للدلالة على مقام التفضل عليهم، وأنّ أموالهم وأولادهم ونعمهم جميعاً هي من خالقهم، وليس من صنع أيديهم وعملهم ؛ فـ(الغني والتّرف) منه جل جلاله. ولهذا أشار بعض المفسرين الى تفسير مفردة (مُعذِّبِين) في الآية المباركة بـ (الفَقْر) (1). كأنهم نفوا عن أنفسهم أن يعذبهم اللّه بالفقر بعد ترفهم وغناهم.

أقول : إنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وظّف لفظة (مُتْرَفة) في كلامه توظيفاً قرآنياً – فيما يبدو – كأنه يريد الإشارة إلى أنّ (الأغنياء) على ضربين ؛ الضرب الأول هم (الأغنياء) من غير المترفين، وهم الذين وظفوا أموالهم في رضا اللّه تبارك وتعالى وطاعته، ولم تُلههم أموالهم ولا اولادهم عن ذكر اللّه، وهم خير مثال لقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (2).

أما الصنّف الثاني، فهم (الأغنياء المُتْرفون) ، وهؤلاء - فيما يبدو من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ)- هم أعلى أكثر الناس أموالاً وأعزّهم نفراً، وهم يمثلون النوع السلبي من الأغنياء ؛ لأنّ ترفهم أوصلهم الى نفي العذاب والفقر عنهم. ولهذا نجد القرآن الكريم يستعمل لفظة (مُترفيها (بدلالة منحطة جاعلا من هؤلاء السبب في الفسوق والظلم الذي يهلك الأمم. يقول تبارك وتعالى : (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَ مَرْنَهَا تَدْمِيرًا) (3)أي : إذا دنا وقت إهلاك قوم، و لم يبق من زمان إمهالم الا قليل، أُمر (المترفون) بالفسق. وأمر اللّه لهم مجاز (4)، لأن اللّه تبارك وتعالى لا يأمر بالفسق، وإنما بالإيمان والتقوى، والمراد بـ (أمرناهم) أنّه أمرهم بالطاعات والخيرات، ولكنهم خالفوه الى الفسق (5). أمّأ وجه اختصاص (المترفين) بالفسق، فذلك لأنهم فتحت عليهم أبواب الخيرات والرفاه، وصبَّ اللّه عليهم النعمة صبّاً، فاتخذوها ذريعة الى المعاصي واتباع الشهوات، بعدما أمروا بشكر هذه النّعم، واستعمالها في الخير والبر والإحسان(6)ومما يعزز هذا الأمر - أيضاً - أنّ القرآن الكريم يذكر (المترفين) في صدارة الكافرين الرُّسل. كأنّ هؤلاء يمثلون مكانة الرئاسة والزعامة في الأمم ؛ بسبب من غناهم وترفهم. ولهذا كان بعث الأنبياء والرسل سبيلاً الى إزاحتهم عن مواضعهم، وسحب البساط من تحت أرجلهم في تسلطهم على الناس، وإثارة الرعية بظلمهم وشرورهم يقول تبارك وتعالى : . وقوله تعالی : (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) (7).


1) ينظر : المحرر الوجيز : 422/4.

2) المنافقون / 9.

3) الإسراء / 16.

4) ينظر : الكشاف : 611/2.

5) ينظر : التفسير الكبير : 20/ 139.

6) ينظر : الكشاف : 611/2، والتفسير الكبير : 20/ 139.

7) سبأ / 34. وتنظر : الزخرف / 23.

وقد استعمل الإمام الفاظ (المُتْرِفُون) و (مُتْرف) و (المُتْرف)، و (ترف) بالدلالة المتقدمة نفسها في (ن / 27، قصا / 147، ك / 10، خ / 103، 221، 192).

دَهَاقين

لدُّهْقان - بكسر الدالا وضمها - التاجر (1). وقيل : بل هو القوي على التصرف مع حدة (2). وذهب بعضهم الى أنّه الكبير من كفّار العجم الذي يتزعم فلاحيهم (3). أو هو رئيس الإقليم ومقدم القرية وصاحبها بخراسان (4)و (الدُّهْقان) وجمعه (دَهَاقِيْن) من الالفاظ الفارسية المعربة عند اللغويين (5)وأصله فيلا الفارسية (دهِ کان)(6). وهو مخفف عن (دِيْهيكان) (7). ولهذه المفردة وجهان من الاشتقاق ؛ فأن عدت النون فيها ألصية فهو مصروف في العربية. وتلك إمارة على عربية اللفظ وعدم عجمته. وأما إذا أخذ من (دهق) ؛ على أساس أنّ النون فيه ليست منه، فعند ذلك لم يُصرف. يقول سيبويه - ناقلاً رأي الخليل في هذا اللفظ : ((وسألته عن رجل يسمى (دهقان). فقال : إن سميته من التَّدَهْقن، فهو مصروف، وكذلك شيطان إذا أخته من التشيطن. فالنون عندتا في مثل هذا من نفس الحرف. إذا كان له فعل يثبت فيه النون. وإنّ جعلته من الذَّهق، وشيطان من شيط لم تصرفه))(8). وتأكيد الخليل علي إثبات النون في (دهقان) علامة على أنه يرى عربيه هذا اللفظ. وقد كرر سيبويه عدم جعل (النون) في اللفظ المتقدم زائدة (9). ومع كل متا ذكر من أعجمية هذا اللفظ عند اللغويين، فالنحويون يميلون الى كونه لفظ عربي. الاشتقاق يعينهم على ذلك ؛ لأنّ المدونات اللغوية تذكر دلالات متعددة للجذر (دهقن) و (دهق)، فالتدهقن التّكَيس. ودهْقن الطعام ألانه (10). وفي البادية رملة تعرف بـ (لوى دهقان) (11). ويجوز أن تكون هذه اللفظة من الألفاظ المشتركة بين العربية والفارسية، على الرغم من تباعد الفصيلتين اللغويتين. وذلك راجع إلى المجاورة وكثرة التلاقي بين أبناء الدولتين العربية والفارسية.

وقد استعمل الإمام لفظة (دَهاقِيْن) مرة واحدة في كلامه الوارد في نهج البلاغة ؛ للدلالة على رؤساء القوم وملاكهم في بلاد فارس. وذلك في سياق نصح عماله وإرشادهم بضرورة معاملة الرعية بالحسنى بعدما شكوا منه غلظه وقسوة ؛ إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ دَهَاقِينَ أَهْلِ بَلَدِكَ شَكَوْا مِنْكَ غِلْظَةً وَقَسْوَةً، وَاحْتِقَاراَ


1) ينظر : المحكم (دهق) : 4 / 457، ولسان العرب (دهقن) : 13/ 163.

2) نفسهما.

3) ينظر : المغرب : 2/ 272، وتاج العروس (دهقن) : 35/ 48.

4) ينظر: النهاية في غريب الحديث : 145/2، وتاج العروس (دهقن) : 48/35.

5) ينظر : جمهرة اللغة (دهقن) : 2/ 678، والمحكم (دهق) : 4 / 457، والمعرب : 194.

6) ينظر : منهاج البراعة : 18 / 274 نقلاً عن صاحب كتاب (برهان قاطع) الذي لم أعثر عليه، والفاظ الحضارة في القرن الرابع الهجري (دراسة في ضوء مروج الذهب للمسعودي)، للدكتور رجب عبد الجواد ابراهيم : 60.

7) ينظر : منهاج البراعة : 18 / 274.

8) کتاب سيبويه : 3 / 218. وينظر : الأصول في النحو : 2/ 88، والمحكم (دهق) : 4/ 457.

9) نفسه : 3218/4.

10) ينظر : لسان العرب (دهقن) : 13/ 163، 164.

11) ينظر : تهذيب اللغة (دهقن) : 265/6.

وَجَفْوَةً، وَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَهُمْ أَهْلاً لاَنْ يُدْنَوْا لِشِرْكِهِمْ، وَلاَ أَنْ يُقْصَوأ وَيُجْفَوْا لِعَهْدِهِمْ، فَالْبَسْ لَهُمْ...)) (1). يوجه الإمام عامله أن يسلك مع هؤلاء منهجاً وسطاً ؛ فلا يُدينهم كل الإدناء لأنهم مُشركون، ولا يقصيهم عنه ؛ لأنهم مُعَاهدون ؛ لأنّ إقصاء هم منافاة لعهدهم مع المسلمين. فأمره بأن يعدل معهم، خالطاً اللين والرأفة بالشدة والقسوة دفعاً لشروحهم (2). وقد اختلفت آراء الشراح في المراد بلفظة (دهاقين) ؛ فمنهم من ذهب إلى المراد بهم الزعماء من أرباب الأملاك بالسواد (3). ويفهم من كلام الشارج البحراني أنهم أصحاب الإعمال والزراعة التي بها صلاح المعاش (4). وخصهم البعض بالتجار من اليهود والنصارى في البلد (5)أقول : ويمكن الجمع بين هذه الآراء، ليكون المراد بلفظة (دهاقين) هم الزعماء من رؤوساء القرى وملاكها وتجارها من ذوي الأموال والعقار من غير العرب، وهم من الأقوياء على التصرف مع حدة فيهم. يعيننا في ذلك سياق النّص الذي يأمر فيه الإمام عامله على اتباع العدل في معامله هذا الضرب من المعاهدين، لأنهم أهل رئاسة ومُلك وضياع في بلدهم الذي يقع تحت سيطرة الدولة الإسلامية، فضلاً عما منهم من حدّة وغلظة، ولهذا أرشده أن يعاملهم بما يناسب منزلتهم في تلك البلدان. وهذه الدلالة أليق بالسياق من غيرها. أمّا إيثار الإمام المفردة المتقدمة في وصف هؤلاء دون غيرها من الألفاظ الدالة على مكانة هذا الصنف من الناس، فالظافر أنّ أمير المؤمنين راعى في ذلك حال هذه الطائفة من جهة انتمائهما الديني ؛ لذلك استعمل لهم هذه الكلمة التي تليق بشأنهم الذي هم عليه. بوصفهم من زعماء القرى وملاكها في بلاد فارس، وهو ما يستفاد من السياق التأريخي الذي نقلته المدونات لنا من أن خطاب الإمام موجه الى بعض عماله على بلاد فارس (6). فيكون المجيء بمفرده ((دهاقين) مناسباً لمكان هؤلاء. ولاسيما إذا عرفنا أنّ الكلمة المتقدمة تستعمل في اللغة الفارسية دالة على رؤساء القرى وزعمائها. وإنها مكونة في تلك اللغة - من مقطعين (د هـ)، وهي بالفارسية (القرية)، و(كان) وتعني الأمير والرئيس، والملك والحافظ والزعيم. وربما تطلق على تلك الظالم عندهم (7). وبهذا يمكن أن فهم مدى مراعاة في استعمال المفردات المناسبة الإمام لحال المتحدث عنهم، فتجيء كلماته مناسبة لبيئتهم اللغوية والاجتماعية من خلال المفردات الدالة عند الناس كل بحسب منزلته وشأنه.


1) نهج البلاغة : ك / 19 : 476، 477.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 221/4.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن ابي الحديد) : 105/5.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 221/4.

5) ينظر : الديباج الوضي : 2190/5.

6) ينظر : مصادر نهج البلاغة وأسانيده : 242/3.

7) ينظر : منهاج البراعة : 18 / 274.

الظواهر اللغوية

• استعمل بناء (فعل) من الفعل الثلاثي المهموز العين (رائد). وصيغ بنا (فعيل) من الفعل الثلاثي الصحيح المضف اللام (طب) بصيغة (يل) (طبيب)، دلالة على النبي الأكرم يذلا يداوي مرى الجوارح بولقلاو .

• وجاء بناء (فاعل) مأخوذاً من الثلاثي الأجوف المعتل بالواو، وذلك من مفردة (حوك) التي صيغت منها كلمة (حائك) دالة على كانت مهنته ومهنة أبيه الحياكة سواء أكانت المهنة المعروفة، مأ حياكة لاكملا ونسجه بصورة الباطل.

• استعمل الإمام مفردات (البناء، والنساج والخباز) بوزن (فعال)، وهو بناء من أبنية المبالغة يذلا دافاً الدلال على احتراف العمل وامتهانه.

• درو بنا (فعائل) في نهج البلاغة من الفعل الثلاثي الصحيح (عقل) مصوغاً على (عقائل) جمع (فعيلة)، للدلالة على سيادة النبي الأكرم ونفاسة أخلاقه.

• ورد بناء (فُعَّال) جمعاً للكلمات (عمال) (خزان كتاب)، دلالة على من احترف هذه الوظائف مع لحاظ المبالغة ءادايي في أعمالها.

• ثمة علاقة ترادف جزئي بين مفردتي (رائد، و القائف) في كلامه (عليه السلام)، فكلا اللفظتين تدلان على معنى التتبع للآثار ولمساقط الغيث والمرط. كما وقعت هذه ترهاظلا بين كلمات (النساء، المرأة، الأنثى، الأرملة، ربات الجمال، مؤودة، الكعاب، عقائل) مع الفارق الذي يميز كل مفردة عن الأخرى. وبين الفاظ (الإماء خادمة، عتيقة)، وبين كلمة (عيني) دلالة العين الرقيب يذلا سيطلع الأخبار و (رقباء)، وبين (المقدمة، وطلائعهم)، وبين مفردات (سيد، لهاميم) (یعسوب) بين أيضاً شيوع الترادف الجزئي بين كلمات (جباة) و(عشارا)، وبين (عمال، خزان).

• وقع التقابل الدلالي بين الفاظ (العالم، الحكماء) وبين مفردات (أحمق، المائق، النوكى، التغابي).

• ثمة علاقة جزء بكل بين مفردات (جنود) و (الجيش) و (حفل).

• استعملت مفرققه (رمانة) في النهج العلوي، وهي من الأظافل الفارسيلة معربة التي تدل على القائم المتحكّم بالأمور، فوظفها الإمام دلالة على نفي هذه الصفة عن المرأة كما جاءت مفردة (ماقين) التي تعد من الألفاظ الفارسيلة معربة، الدالة على الكبير من كفّار العجم والملاك، وهي في الفارسية (ده كان).

• استعملت مفردة (رائد) دالة على الرائد الذي يسمح الأخبار الواردة بحق أهل البيت (عليهم السلام)، فضلا لا نعة الاد على النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم).

جدول دلالي يبيّن شيوع ألفاظ طبقات المجتمع ومتعلقاتها مرتبة بحسب كثرة كل مفردة على الأخرى

الطبقة السفلى (ذوو الحاجة والمسكنة) : الفقير، ذوو الحاجة والمسكنة، ضعيف، المسكين، السائل، البأساء، الغارم، أملق، مدفوعاً، أهل الحاجة، أهل الفاقة سغب، قانعاً، أبن السبيل، الزمنّى، معتراً، غرثى

أصحاب المهن والحرف : رائد، طبيب، ذوو الصناعات، حائك، ممرضه، المهن، النساج، القين، البنّاء، الحرفة، الخباز، داري، المترفق، نوتيه، راقعها، القائف

طبقة الأرامل والنساء : النساء، امرأة، الحامل، حيضهن، الأرملة، تأيمها، ربات الحجال، ضرتان، عقائل، قهرمانة، الكعاب، أملصت، موؤودة

عامة الناس من الرعية : الناس، العرب، العامة، الغريب، السواد، أصناف، الطبقة، بيت مدر، نظير، البدو، رعاع، همج، النمط الاوسط، سوقاً.

طبقة الجند والشرطة : جنود، جيش، حارس، عيون، المقدمة، شرطياً، عريفاً جحفل، رقباء، طلائعهم، عشاراً

طبقة السادة والأشراف ورؤوس القوم : الأحرار، الحلماء، سيد، الأكياس، لهاميم، يعسوب، كبرائكم، المجداء والنجداء، القرم

طبقة العبيد والموالي والخدم : عبد، العتق، خادمه، الرق، مملوكاً، خولاً، الإماء

طبقة العمال والإداريين والحواشي : عمال، خُزان، كُتابك، بطانة، جباة الخراج، وزير، حاشيتك

طبقة ذوو الرقة في السن والأيتام: النسل، الغلام، الصبي، الطفل، يتيم، ذوي الرقة في السن

طبقة العلماء والفقهاء والحكماء : عالم، الفقيه، القضاة، ترجمان، الحكماء، الخطيب، الشحشح

طبقة الحمقى والمغفلين : أحمق، تغابيت، الخرق، المائق، النوكى

طبقة السحرة والكهان والمقامرون : الساحر، نشرة، الكاهن، المنجم، الياسر

طبقة غير المسلمين من أهل الذمة : أهل الذمة، مُعاهد، أهل الجزية

طبقة الأغنياء والملاك :الأغنياء، ترف، دهاقين

الفصل الثالث: ألفاظ الأكل والشّرب ومتعلقاتها

إشارة:

المبحث الأول: ألفاظ الأكل ومتعلقاتها

1 - عامة الغذاء والأدام

الغذاء
إشارة:

الغِذاء هو الطعام والشراب واللبنُ (1).وكلّ ما يُغتذى به فهو غذاء، ومنه اللبن الذي هو غذاء الصبي(2). وقد استعمل الإمام ألفاظ : (الغِذاء) محلاة بـ (ال)، و (غذاؤها) مضافاً إليها ضمير الغائبة، والمصدر (غَذِي) مرة واحدة لكل منها في كلامه الوارد في نهج البلاغة (3)، للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على غذاء الدنيا، وهي الأمها وهمومها

فقد وصف الإمام غذاء الدنيا بـ (السّمِام)، لشدّة ما فيها من غُصص والآم. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((...وَعَيْشُهَا رَنِقٌ، وَعَذْبُهَا أُجَاجَ، وَحُلْوهَا صَبِرٌ، وَغِذَاؤُهَا سِمَامٌ ...)) (4). وبدأ بـ (عَيْشها) الذي استعمله بلفظ المصدر واصفاً إيّاه بـ(الزنق)، تشبيهاً له بالتّراب والقذى الذي يكون في الماء، فيخلطه ويكدّره. فالزنق الكدر من الماء (5)وأمّا وَصْف عَذْبها بالأُجاج، فهو إشارة إلى مرارة طعمها ومجانبته العذوبة التي يوصف بها الماء الحلو الذي يَخلو من الملوحة الشديدة (6). وعذوبة الماء طيبته (7). وأمّا حُلْوُها، فَصَبِرٍ مُرّ لاذع، كعصارة شجر الصبر ذي المذاق الشبيه بالحنظل (8). وأردف الإمام تقسيماته لطعم الدنيا بذكر مفردة (غِذَاؤها)، والغذاء لفظ يدل على الطعام والشراب جميعاً. كأنّه أراد بهذه اللفظة الدلالة على شبع الدنيا وما توافر فيها من لوازم لهذا الإشباع الذي يكون بما يشتمل عليه الغذاء من لوازم. وتتضمن هذه المفردة الدلالة على نماء الجسم وحسن قوامه أيضاً، وذلك يحصل بما يتغذى عليه الإنسان من الطعام والشراب الذي يمتعه ويغذيه. ولكنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما كان قصده بيان مساوىء الدنيا وذم متعها ؛ عمد إلى ذكر بشاعة غذائها الذي تقوم به النفوس، وتنمو به الأجساد، مستعملاً لذلك مفردة (سِمَام) جمع (سُم)، وهو ما يقتل من لعاب الأفاعي وغيرها (9). وتوظيفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهذا اللفظ فيه إشارة إلى الأعراض التي تشوب حياة الإنسان وتكدر صفو لذاته التي يتربى عليها. فإنّه مهما طال به العمر وبلغ به النعيم، فلابد من أن تعرض له عوارض الموت والفناء. فشبه في ذلك ما يكون من (سمام) في الطعام أو الشراب. ولعله أراد بلفظة (سِمَام) أيضاً الإشارة إلى ضيق الدنيا وعدم فُسْحَتِها لحياة المرء أو


1) ينظر : العين (غذو) : 439/8، ولسان العرب (غذاء) : 15/ 119.

2) ينظر : لسان العرب (غذاء) : 15/ 119.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 334.

4) نهج البلاغة : خ / 111 : 207. وقد نقلت المدونات اللغوية قول الإمام ((غذاؤها سمام)). ينظر : النهاية في غريب الحديث : 405/2، ولسان العرب (سمم) : 302/12.

5) ينظر : لسان العرب (رنق) : 127/10.

6) ينظر : العين : (أج) : 6 / 198.

7) نفسه : (عذب) : 2/ 102.

8) ينظر : لسان العرب (صبر) : 442/4.

9) نفسه (سمم) : 303،302/12.

طول أمرها له، تشبيهاً لها بضيق (سَمِّ الخياط)، وهو ثقب الإبرة (1)الذي يصفه اللّه تبارك وتعالى : ((حتى يَلِجُ الجمَلُ في سَمّ الخِياط)) (2). وكذلك الدنيا، فهي من الضيق بمكان حتى أنّه من الصعوبة الولوج إلى غوامضها وأركانها.

ثانياً : الدلالة على لَبَنِ الأُمّ

وهو الذي يتغذى عليه الصَّبِيّ حتى ينمو جسمُه ويستقيم عُوده. وجاءت هذه الدلالة في سياق كلام الإمام عن عجِيْب خَلْقَ الإنسان، إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((أَيُّهَا الْمَخْلُوقُ السَّوِيُّ وَالْمُنْشَأُ الْمَرْعِيُّ، فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ بُدِئْتَ مِنْ ((سُلالَة مِنْ طِين))(3)، وَوُضِعْتَ ((فِي قَرَار مَكِين إلى قَدَر مَعْلُومٍ))(4)... ثُمَّ أُخْرِجْتَ مِنْ مَقَرَّكَ إِلى دَارِ لَمْ تَشْهَدْهَا، وَلَمْ تَعْرِفْ سُبُلَ مَنَافِعِهَا؛ فَمَنْ هَدَاكَ لِإِجْتِرَارِ الْغِذَاءِ مِنْ ثَدْيِ أُمِّكَ ؟...)) (5). يبيِّن النص مراحل خلق الإنسان، وعجيب إبداع اللّه تبارك وتعالى في إنشائه وتكوينه، وقد استعان الإمام، في بيان هذه القدرة الإلهية، بالنص القرآني، موظفاً لذلك آيات ثلاث من الذكر الحكيم تتعلق الأولى منها متعلّقة بأصل الخلق، وهو الطَّيْن، والثانية والثالثة تُظهران مكان النشأة ومُدُّتها. ومن ثم الوقوف عند مرحلة ما بعد الولادة واهتداء الصَّبي فيها إلى غذائه من لبنُ الأم الذي يهتدي المولود إليه بإلهام اللّه جل جلاله، فليس ثمة معلّم يهديه إلى أخذ الغذاء من ثدي الأم إلا اللّه عز وجل. ولهذا ساق الإمام هذا التعبير بأسلوب الاستفهام الذي خرج لغرض التعجب من عظم قدرة اللّه التي أعان بها الرّضيع في التقام غذائه. وذلك في مقام تذكير الإنسان بتفضّل اللّه عليه وهدايته له إلى غذائه الذي يشكل لبن الأم جانبه الأساس بما فيه من تفاصيل علمية من حيث حركة فم الطفل وحركة شفتيه عند مصه اللبن من أمّه، وملاءمة هذا الضّرب من الغذاء للطفل الذي يمثل إعجازاً إلهياً لا يمكن لمخلوق أن يأتي بمثله. فجاء به الإمام دليلاً على قدرة اللّه تبارك وتعالى جامعاً فيه الإعجاز الإلهي والحقائق العلمية بأسلوب بليغ مخاطباً به الناس الذين لا يدركون إلا بعض المعارف القليلة التي لا تبلغ هذا المستوى من المعرفة التي نطق بها الإمام (6).

ويمكن أن نلحظ في مفردة (الغذاء) التي استعملها الإمام اشتمالها على معنى العطف والحنان الذي يحظى

به الطفل عند رضاعته، إذ تتضمن هذه العملية حصول الطفل على عنصرين هامين من عناصر الحياة، وهما الغذاء والعاطفة التي تسبغها الأم على وليدها، وما في ذلك من أثر كبير في حسن النشأة والتربية. ولعل هذا المعنى هو الذي جعل اللغويين يعدون مفردة (التغذية) دالة على التربية في مدوناتهم المعجمية (7)؛ لارتباط ذلك الغذاء بعامل تربية الطفل ونشأته كما يبدو.


1) ينظر : لسان العرب (سمم) : 303/12.

2) الأعراف / 40.

3) المؤمنون / 12.

4) المرسلات / 21، 22.

5) نهج البلاغة : خ / 163 : 291.

6) ينظر : تفسيرات فسيولوجية في نهج البلاغة : 131، وثمة حديث مفصل في هذا الكتاب عن تغذية الجنبين وفي قرار أمه، وبعد ولادته بحسب وصف الإمام والنظريات العلمية.

7) ينظر : لسان العرب (غذا) : 119/15.

ثالثاً : الدلالة على التَّرَف والنَّعيم

وجاءت هذه الدلالة في سياق وصفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) حياة الإنسان في الدُّنيا التي يقول فيها : ((كَانَ فِي الدُّنْيَا غَذِيَ تَرَف، وَرَبِيبَ شَرَف يَتَعَلَّلُ بالسُّرُورِ فِي سَاعَةِ حُزْنِهِ...)) (1)و (غَذِى) مُفْردة كلمة (غذاء)، وقد أشار بها الإمام إلى تَرَف الإنسان في الدنيا وتنعمه بالأمور المادية، ولهذا استعمل لفظة (غَذِيّ) التي تدل على صغار الشاء في أصل وضعها اللغوي كما يذكر المعجميون (2)للدلالة على لنِّعْمَةِ التي كان يتغذى عليها الإنسان في الدنيا، والنُّعيم الذي يرفل به فكل من عُزّ الترف، فهو غَذِي. وكل ذلك من اللّه جل جلاله.

وأما إيثاره (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعمال هذه اللفظة دون غيرها من المفردات التي تشابهها في الدلالة، فراجع – فيما أحسب - إلى مكان هذه الكلمة من حيث تفرُّدُها في الصيغة، فهي صفة مشبهة على وزن (فَعيل)، ويجيئ هذا البناء للدلالة على الثبوت فيما هو خِلْقة أو مُكْتسب، نحو : طويل، وكريم (3). ورُبّما يؤتي به للدلالة على (مَفْعُول)، فيستوي فيه المذكر والمؤنث ويدل - حينذاك - على أنّ الوصف قد وقع على الموصوف بها بحيث أصبح سجيّة له أو كالسّجيّة مع خلوّه من معنى الحدوث الذي تدل عليه صيغة (مُفْعُول)(4).

أقول : إنّ هذه الفروق الدلالية بين الصيغتين تمنح مفردة (غَذِيّ) مزّية دلالية، فيكون الإنسان الذي يصفه أمير المؤمنين بهذا الوصف مُغذَّى بالتَّرف، فضلاً عن أنّ هناك من يُغذِّي هذا الإنسان ويسبغ عليه النّعم وترف العيش. وبهذا يكون الإنسان مُتَفضَّل عليه بهذه الطّيبات. فصار الوصف بـ(غذي) واقعاً عليه، وانتقل معنى الصيغة من (فَعِيل) إلى (مَفْعُول) للدلالة على اعتماد الإنسان على اللّه تبارك وتعالى في غذائه وتنعمه بالنّعم كلّها، وأصبح الاعتماد سجية له وطبعاً. ويبدو لي أن مجيئ الوصف بـ(فَعِيل) للدلالة على معنى (مَفْعُول) في كلمة (غَذِي) أفاد المبالغة في الوصف المتقدم، وهو ما تفيده صيغة (فَعِيل) نفسها حسبما يذكر الدارسون (5).

إدامُهُ
إشارة:

الإِدَام والأُدْم ما يُؤتَدم به مع الخبر مما يجعل فيه الأدم من السمن واللحم واللبن (6).

وجاءت (لفظتا (إدَامُه) و (مَأدُوما) مرة واحدة لكل منهما في نهج البلاغة (7)، للدلالة على الأدام الذي يخلط مع الخبز ليكون طعاما. ويمكن بيان ذلك بحسب ما يأتي:

أولا : الدلالة على الجوع.

وجاءت هذه الدلالة في سياق كلامه الإمام عن زهد النبي عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتواضعه في ملبسه ومأكله، إذ يقول : ((وإن شِئتَ قلتُ في عيسى بن مَريَم (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلقَد كَانَ يتوسد الحَجَرَ، وَيَلْبس الخَشِن ويأكل الجَشْبَ.


1) نهج البلاغة : خ/ 221 : 429.

2) ينظر : العين (غذو) : 439/8، ولسان العرب (غذا) : 15/ 119.

3) ينظر : معاني الابنية : 61.

4) نفسه.

5) نفسه.

6) ينظر : العين (أدم) : 888، ولسان العرب (أدم) : 8/12.

7) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 23.

وكان إدَامَهُ الجُوْعُ (...)) (1). فأخبر عن (الأدام) بكلمة (الجوع). في حين أن الأدام لا يكون إلا مما يخلط مع الخبز ليؤتدم به من السمن أو اللحم وغيرهما. ولكنه لما أراد بيان حال الشظف والقناعة التي يتحلى بها النبي (عيسى) ؛ لهذا جعل (الجوع) أداما له، فضلا عن الإبانة عن عدم إسراف النبي في الأكل أو الوصول إلى حد الشبع، لهذا جعل الجوع أداما له كما تكون الوان الغذاء أداما عند غيره من الناس. كأنّ قيام بدن النبي (عيسى) بالجوع كقيام بدن الناس بالأدام (2)، وهكذا هو حال الأنبياء في التقشف وترك الدنيا والإعراض عنها.

وقد فسر الشرّاح التعبير المتقدم على وجهين ؛ الأول منهما : أن المقصود أن (عيسى) (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان لا يأكل من الخبز الا القليل الذي يبقى معه جائعاً، فلما كان الجوع مرافقاً له مع تناوله الخبز لهذا صار كالأدام له. أمّا الوجه الثاني، فيكون المراد فيه الحال التي صار إليها النبي من تربية روحية جبلت عليه نفسه، وهي رغبته في البقاء جائعاً مثلما يرغب غيره في الأدام مع الخبز. وبهذا يكون الجوع أدامه الذي يستطعمه مع الرغيف (3). وهذا الأمر يفسر لنا إخبار الإمام عن قيام بدن النبي (عيسى) بالجوع كقيامه بالأدام.

ثانياً : الدلالة على ما يؤتَدَمُ به من الملح

وجاء ذلك في سياق حديث الإمام عن ترويض نفسه وتعليمها الصبر على الجوع والكفاف بقوله : ((وَايْمُ اللّه لأَروضَنَّ نَفْسِي رِيَاضَةً تَهشُ مَعَها إلى الْقُرْصِ إِذَا قَدَرتْ عَلَيْهِ مَطْعُوماً، وَتَقْنَعُ بِالْمِلْح مَأْدُوماً...)) (4). يريد : أنّ المِلْح هو إدام قُرصه في حال حصوله على هذا القرص، الذي قد لا يَتَيسر له، ولا تفرع نفسه إليه، لأنه عوّدها القناعة والرّضا بما يجده. وبهذا يكون لفظ (إداماً) حالاً من الملح، وتقدير المعنى (في حال كون الملْحِ مأدُوماً به) (5). فضلاً عن أنّ الإمام استعماله لفظة (مأدوماً) بصيغة (مفعول)، ومن قبلها لفظة (مطْعُوماً) بالوزن نفسه جاء لبيان دلالة الثبوت في الموصوف، وهو ما تدل عليه صيغة (مَفْعُول) عند اللغويين (6). فضلاً عن إظهار دلالة الاستمرار في الحدث ودوامه دون اقتصاره على المُضِي أو الحال والاستقبال. وهذا من الدلالات التي تفيدها صيغة (مَفْعُول) أيضا (7). ولعل تحقيق التجانس الصوتي بين لفظتي (مطعوماً) و (مأدوماً) يمثل مسوغاً لهذا الاستعمال أيضاً. فيكون المعنى في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أنه يكتفي بـ (القُرْص مطعوماً) و (بالملح مأدوماً)، وأنّ وصف (القُرص) و (الملح) بـ(المَطعُوم) يدل على ثبات كونهما بهذه الأوصاف بالنسبة للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فضلاً عن استمراره على هذه الرياضة التي يكون دَأبه فيها أكل القُرص إذا حصل عليه، مع قناعته بالملح أداما له دون شيء آخر إذا توافر له ذلك.

بقلة


1) نهج البلاغة : خ/ 160:283.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 653/3.

3) ينظر : الديباج الوضي : 1300/3، 1301.

4) نهج البلاغة : ك/ 535:45.

5) ينظر : الديباج الوضي : 6464/5.

6) ينظر : معاني الابنية : 59.

7) نفسه : 60.

بَقَل الشيء ظهر (1). والبقل من النبات ما ليس بشجر، ولا تبق له أرومة في الشتاء بعدما يُرعى به بخلاف الشجر الذي تبقى له سُوْق دقاق (2). ويذكر اللغويون أنّ البَقْل ما نبت في بزره، وليس له أرومة ثابته (3). وقيل : بل هو كل نابتة في أوّل نباتها. وكل نبات أخضرت له الأرض، فهو بقل(4).

وقد وردت لفظتا (بقلة)، وهي اسم جنس مفرد، وجمعها (بقل) مرة واحدة في نهج البلاغة (5). وبدلالة ما أنبتته الأرض من حشائش تخضر بها الأرض. وجرى استعمال هاتين اللفظتين في سياق واحد في كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يتحدث فيه على زهد النبي موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، إذ يقول الإمام: ((وَإِنْ شِئْتَ ثَنَّيْتُ بِمُوسى كَلِيمِ اللّه (صلى اللّه عليه وآله) إِذْ يَقُولُ: ((رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إلى مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)) (6)، وَاللّه، مَا سَأَلَهُ إلا خُبْراً يَأْكُلُهُ، لأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ الأرض، وَلَقَدْ كَانَتْ خُضْرَةُ الْبَقْلِ تَرَى مِنْ شَفِيفٍ صِفَاقٍ بَطْنِهِ، لِهْزَالِهِ وَتَشَذَّب لَحْمِه)) (7). وقوله : (بقلة الأرض) إشارة إلى الحشائش التي أنبتتها الأرض، فعبر عنها بصيغة المفرد، لأنّ المقصود بها الجنس. واستعماله مفردة (البقل) بصيغة الجمع فيه إشارة إلى تعدد أنواعه ؛ لأنّ النبي الكليم (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يسأل اللّه تبارك وتعالى شيئاً من زخارف الدنيا ولذاتها، وإنما سأله أقل الأشياء وأبسطها، وهو الخبز فكأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يفتقر حتى إلى الخبز الذي هو أقل شيء يعيش به الإنسان. ولهذا كان ضعيف الجسم شفيف الجلد إلى درجة أن تُرى خضرة البقل من بطنه حسبما يذكر الإمام.

مأْدَبَةٍ
إشارة:

المأدبة – بالضم - الصنيع الذي يصنعه الإنسان، فيدعو الناس إليه (8). أما المأدبة بالفتح - فهي. (مَفْعَلة)، مأخوذة من الأدب (9). والمأدبة مفردة تطلق على الطعام، أو العُرس عند اللغويين أيضاً(10). ويبدو أن الأصل في دلالة هذه المفردة هي (الاجتماع) على الشيء والأخذ منه

وقد وردت مفردة (مأدبة) مرتين في نهج البلاغة، للدلالة على مايأتي :

أولاً : الدلالة على مأدبة الطعام المعروفة


1) ينظر : لسان العرب (بقل) : 20/11.

2) ينظر : العين (بقل) : 5 / 169، ولسان العرب (بقل) : 11 / 60.

3) ينظر : لسان العرب (بقل) : 60/11.

4) نفسه.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 58، 59.

6) القصص / 24.

7) نهج البلاغة : خ / 160 : 282.

8) ينظر : معجم مقاييس اللغة (أدب) : 75/1.

9) نفسه.

10) ينظر : الجيم، لأبي عمرو الشيباني : (أدب) : 1/ 75.

وجاءت هذه الدلالة في سياق كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يذم فيه عامله على البصرة (عثمان بن الأنصاري) (1)، لما بلغة أنّه أجاب بعض فتية البصرة إلى مأدبة دعاه إليها. فكاتبه الإمام قائلاً : ((فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إِلى مَأْدُبَة، فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا، تُسْتَطَابُ لَكَ الألْوَانُ، وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ، وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلى طَعَامٍ قَوْمٍ، عَائِلُهُمْ مَجْفُقٌ، وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُو...)) (2). ولفظة (مأدبة) - هنا - تدل على الطعام بأصنافه المختلفة، التي عبر عنها بقوله : ((تُسْتَطَابُ لَكَ الألْوَانُ))، في إشارة إلى كثرة الوان الأكل وتعددها. ويفهم من النص أنّ الإمام لم يُرد نَهي عامله على البصرة من إجابة دعوة الناس للأكل عندهم، وإنما أنكر عليه أموراً عدّة في طليعتها الدعوة صدرت من بعض (فتية) البصرة. وفي هذه المفردة من الإيحاء الدلالي ما عن معرفة ما يدور في هذا النوع من الموائد التي يقوم عليها هؤلاء الفتية إذ توحي مفردة (فتية) بالدلالة على النزق والنزوع إلى الترف والبذخ، فضلاً عن التسرّع وعدم التّروِّ في الأمور. فالفتى – في اللغة – - الشاب والحدث (3). والمعروف في الفتيان أنهم يقومون على خدمة الناس والسّعي في حوائجهم، لأنّ أكثر الخدم هم من الفتيان، ولهذا سُمّي الخادم فتى (4). فليس يعرف من الفتيان الإنعام وعمل المآدب والبذخ على انواع الطعام والشراب كما يظهر من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ). ولهذا سمّى القرآن الكريم صاحب موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) (يُوشَع بن نُون) (فتى) في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا) (5)، لأنّه كان يخدمه في سفره ويتبعه (6). هذا من جهة، ومن جهة أخرى أنكر الإمام إسراع عامله إلى هذا النوع من المآدب، لأنّه لمس فيه نوعاً من التلهف والمبادرة إلى الإجابة دون تبصر ورويّة واعمال فكر في معرفة الأغراض التي تقام لأجلها هذه الموائد. ولهذا قال الإمام في سياق اللوم : ((وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلى طَعَامِ قَوْم...)). في إشارة إلى أنّه لم يكن يظن أن مثله يسرع إلى هذه الدعوات التي يشوبها الكثير من الإشكالات، ومنها حال الإسراف والبذخ والترف التي رافقتها، في حين أن هناك الكثير من الناس غير مدعوين إليها، ولاسيما ذوو الحاجة والفقر. وهذا أهم محور من محاور الإشكال التي عرضها أمير المؤمنين على واليه في البصرة، بعدما علم أنّ أكثر المدعوين هم من الأغنياء الميسورين، في حين أنّ أصحاب الفاقة والفقر غائبين عنها. وهذا الأمر لا يتفق مع مبادىء الإسلام الذي يحث على مراعاة الفقراء وضرورة صلتهم والإنفاق عليهم، ولاسيما من الناس الذين بأيديهم السلطة والحكم. فكيف إذا كان هذا الأمر يحصل في مرأى والي هذا المدينة ومسمعه، بل هو أحد الحاضرين في هذه الأماكن. فكيف يعم العدل وتسود أحكام اللّه في الأرض.


1) هو عثمان بن حنيف بن واهب بن عكيم الأنصاري الأوسي. من أجلة الأنصار الذين شهدوا بدراً وأحداً. كان عاملاً للإمام علي علي البصرة، حتى قدم عليه (طلحة والزبير)، فقاتلها، وما لبث أصحاب (طلحة) أنْ غاروا على حرس (عثمان)، فقتلوهم ودخلوا عليه فنتفوا لحيته وجفون عينه، وسجنوه، ونهبوا بيت المال. وقد توفي عثمان في خلافة معاوية. ينظر : سير أعلام النبلاء : 2/ 322، والإصابة : 449/4.

2) نهج البلاغة : ك / 45 : 529.

3) ينظر : العين (فتى) : 137/82، ولسان العرب (فتو) : 15/ 146.

4) ينظر : المحرر الوجيز : 3/ 527.

5) الكهف / 60 – 62.

6) ينظر : الكشاف : 2/ 682، والمحرر الوجيز : 3/ 527.

ثانياً : الدلالة على مأدبة الجنّة.

وهو من بديع التعبير الذي صاغه الإمام، فقد وظف فيه مفردة (مأدبة) في سياق وصفه صورة من صور الجنّة التي يقول فيها: ((سبحانك خالقاً معبوداً... خلقت داراً، وجعلت فيها مأدبة، مشرباً وجعلت فيها مأدبة، مشرباً ومطعماً، وأزواجاً وخدماً، وقصوراً وأنهاراً، وزروعاً وثماراً، ثُمّ أرسلت داعياً يدعو إليها...)) (1). والسياق يبين عظمة اللّه تبارك وتعالى وعجيب خلقه. فاستعار الإمام لفظ (الدار) للجنّة، و (المأدبة) لطعامها ومشربها، موسعاً من هذه المأدبة لتكون مشتملة على (الأزواج والخدم والقصور والانهار والزروع والثمار)، فضلاً عن الطعام والشراب وهذا المشهد يتضمن الكثير مما يرغب الناس فيه ويطمحون إليه، لهذا اعتنى الإمام في - كلامه المتقدم - بتصوير مشهد المأدبة واجتماع الناس فيها، فذكر لفظة (أزواجاً)، للدلالة فيما أحسب – على معنيين ؛ الأول : أن يكون المراد بهذا اللفظ الإبانه عن كثرة الجالسين على هذه المأدبة، فعبر بلفظ (الأزواج) عن كثرتهم ؛ فضلاً عن أن ذلك يتضمن سعة هذه (المأدبة)، فكلّما كثر الجالسون عليها كان ذلك علامة على سعتها وكثرة ما فيها من ألوان الأطعمة والأشربة وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت. ويمكن أن يكون لفظ (الأزواج (دالاً على اجتماع الزوج وزوجته في هذه المأدبة. وهو أمر وارد في الجنّة ؛ إذ يقول القرآن الكريم : (2). ولهذا يكون المراد أنّ اللّه تبارك وتعالى قد خلق الجنّة. وجعل مأدبتها مشتملة على شتى أصناف الطعام والشراب، فضلاً عن اجتماع أصناف الناس فيها رجالاً ونساء، أزواجاً وفرادى، متزوجون وغير متزوجين، مع وقوف الخدم على رؤوسهم لخدمتهم وقضاء حوائجهم، وهم على هذه المائدة. أما وجه استعمال مفردة (مأدبة) دون لفظة (مائدة) مثلاً، فيبدو ذلك راجع إلى تضمنها الدلالة المادية والمعنوية التي قصد إليها الإمام، فإنّ مآدب الجنة تختلف عن مآدب الدنيا، لخلوها من سائر الأمور المخالفة للقيم النبيلة التي تحصل في الدنيا، مع كونها تتضمن الكثير من المتع التي أحلّها اللّه تعالى في الدنيا وزيادة. ولهذا أنكر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عدم إجابة الداعي إلى هذه الدعوات قائلاً : ((ثُمَّ أَرْسَلْتَ دَاعِياً يَدْعُو إِلَيْهَا، فَلَا الدَّاعِيَ أَجَابُوا، وَلَا فِيما رَغَبْتَ رَغِبُوا، وَلاَ إلى مَا شَوَّقْتَ إِلَيْهِ اشْتَاقُوا.)) (3).

أقول: وقد ذكر بعض الشراح استعارة مفردة (الدّار) للإسلام ؛ ولفظ (المأدبة) للجنة، ولفظ (الداعي) للرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم) مشيراً إلى أنّ الإسلام كالدار التي تجمعها، واستعارة لفظ (المأدبة) للجنّة يراد منه الدلالة على اجتماع اللذات والشهوات الأخروية فيها، فهي في ذلك كالمأدبة(4)ويبدو أن استعارة لفظ (الدّار) للإسلام بعيد، والأقرب إلى السياق ما ذكرته من كون الدار هي الجنّة، والمأدبة طعامها وشرابها وأزواجها وخدمها وغير ذلك، في حين يمكن أن يكون (الدّاعي) إليها هو الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وبقية الأنبياء (عليهم السلام).

وَليْمة


1) نهج البلاغة : خ / 109 : 200.

2) الدخان 54، وينظر : الطور / 20.

3) نهج البلاغة : خ/ 109 : 200.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة : (البحراني) : 1/ 522.

الوليمة الطعام الذي يُصنع في العُرس (1). وأصل ذلك مأخوذ من تمام الشيء واجتماعه (2).

وجاءت لفظة (وليمة) مرّة واحدة في نهج البلاغة (3)، دالة على الطَّعام الذي يستلزم التنعم بالطيبات من ملذات الأكل والشرب وغيره مما يتوافر عليه المرء في الوليمة من الصنيع الذي يؤكل عليه.

وقد أورد الإمام هذه اللفظة في سياق حديثة عن الجهاد والحثّ عليه، إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((... فَشَدُّوا عُقَدَ الْمَآزِرِ، وَاطْوُوا فُضُولَ الْخَوَاصِرِ، وَلَا تَجْتَمِعُ عَزِيمَةٌ وَوَلِيمَةٌ، وَمَا أَنْقَضَ النَّوْمَ..))(4). وقد نبّه الإمام إلى عدم اجتماع (العزيمة والوليمة)، والعزيمة -هنا - هي الإرادة والتَّوطن لأداء العمل وترك التردد عنه. وقدّم الإمام مفردة (العزيمة) على (الوليمة)، لأنها المقصودة في الحثّ على الجهاد والاستعداد له، ولهذا جمعها مع نقيضها، وهو لفظة (الوليمة) التي أفادت الدلالة على الترف والدّعة والانشغال بالملذات من الأطعمة والأشربة، فضلاً عما يصاحب ذلك من اللّهو والطرب. ولذلك تكون مفردة (الوليمة) بكل ما تحمله من معنى، سبباً لفتّ العَضُد والميل إلى عدم تحمل المشاق.

2 - ألفاظ الخبز وما يصنع منه

قُرص

القُرص - بالضم - القطعة من الخبز أو الرغيف(5).

وقد وردت لفظة (قُرْص) ثلاث مرات في نهج البلاغة ؛ مرتان منها محلاة بـ (ال) (القرص)، وواحدة مجردة منها، في حين جاءت اللفظة نفسها بصيغة التثنية مضافاً إليها ضمير الغائب (قُرْصَيَّة)، ولفظة (أقراصكَ) بصيغة الجمع على (أفعال) مضافاً إليها ضمير الخطاب مرة واحدة لكل منها (6)، للدلالة على القطعة من الخبز التي تتخذ غذاء. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق كلامه عن زهده مخاطباً عامله على البصرة : ((أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً، يَقْتَدِي بِهِ، وَيَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ أَلَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ، وَمِنْ طَعْمِهِ بِقرْصَيْهِ أَلَا وَإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذلِكَ، وَلكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعِ وَاجْتِهَاد، وَعِفَّةً وَسَدَاد)) (7). ويفهم من إيراد هذه اللفظة التي استعملها الإمام بصيغة التثنية الدلالة على قُرصَي الخبز اللذين اكتفى بهما أمير المؤمنين غذاءً، إذ يُفهم من ذلك ما يأتي :

1 - أنّ القرصين كانا من الشَّعير وقيل : بل من الشعير غير المنخول (8)؛ لأنّ الإمام لم يكن يأكل إلا الجشب من الطعام. وخبز الشعير جشب غليظ المطعم. ويقوى ذلك ما ذكره الإمام نفسه في حديثه عمّا يأكله الأنبياء ومنهم النبي داوود (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي ذكر الإمام صفة أكله قائلاً : ((وَإِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاوود (عَلَيهِ السَّلَامُ) صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ، وَقَارِىء الْجَنَّةِ، فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ الْخُوص بِيَدِهِ، وَيَقُولُ لِجُلَسَائِهِ : أَيُّكُمْ يَكْفِينِي


1) ينظر : لسان العرب (ولم) : 12/ 643.

2) نفسه.

3) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 494.

4) نهج البلاغة : خ/ 241 : 456.

5) ينظر : العين (قرص) : 61/5، ولسان العرب (قرص) : 71/7.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 370.

7) نهج البلاغة : ك / 530:45.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 313/5.

بَيْعَهَا وَيَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا)) (1). فإضافة لفظ (الشعير) إلى (القُرْص)، إضافة نسبه الغرض منها بيان نوع (القُرص) الذي اتخذه النبي طعاماً له، فضلاً عن الدلالة على خشونة هذا الطعام وجشوبته. وبلحاظ الفارق الدلالي لمفردتي (قُرْصَيَّة) و (قُرْصَ الشَّعير) في السياقين المتقدمين، يظهر أنّ تثنية (قُرْصية) التي استعملها الإمام في حديثه عن نفسه تدل على نوع المأكول وعدده، في حين اقتصر التعبير في حديثه عن النبي (داوود) باللفظ المفرد المضاف إلى ما بعده على النوع وليس العدد ؛ لأنّه قصد - فيما يبدو - الدلالة على (القطعة) من خبز الشعير باعتبارها نوعاً من الخبز أو اسماً لما يختبز من طحين الشعير وليس الدلالة على عدد الأقراص التي يتناولها النبي.

2- في حين أن التثنية في مفردة (قُرْصَية) تدل على أنّ الإمام لم يكن يأكل إلا مرّتين في اليوم، مستعيناً في يومه بقُرصَين من الشعير غير المنخول ؛ واحد للغداة والآخر للعشي (2). أو أنّه كان يصوم اليوم كله، ويفطر بقُرص من الشعير إلى وقت السحور الذي يتناول الإمام فيه رغيفاً من الشعير أيضاً، ومن ثم يتم صيامه إلى الليل ؛ والمعنى المتقدم يفسّر لنا مجئ مفردة (قرص) بصيغة التثنية، في إشارة إلى هذا المعنى، فضلاً عن استعمال مفردة (طِمْرَيْة) التي وردت بصيغة التثنية أيضاً، للدلالة على اقتصاره على لباسين فحسب يستر بها بدنه. ومما يلحق بالدلالة على قصد الخُبز المعمول من الشعير مفردة (القُرص) التي استعملت في سياق كلامه على زهده ومواساته الرعيّة في مأكلهم. إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((...وَلكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ، وَيَقُودَنِي جَشَعِي إِلى تَخَيْرِ الأَطْعِمَةِ، وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوِ بِالْيَمَامَةِ مَنْ لَأَطْمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ، وَلَا عَهْدَ لَهُ بِالشَّبَعِ...))(3). ويبدو من السياق أن المراد بـ (القُرْص) هو جنس الرغيف المعروف الذي يطلبه من لا عهد له بالخبز من الفقراء الذين طغى عليهم الجوع، فجعله بإزاء مفردة (الأطعمة) التي وردت بصيغة الجمع على (أَفْعِلَة)، للدلالة على كثرة هذه الأطعمة وتنوعها لدى الأغنياء وذوي التّرف، في حين وظفت مفردة (قرص) بصيغة المفرد في الدلالة على عدم حصول الفقراء المعوزين على هذا الجنس من الغذاء أو الخبز حتى القطعة التي لا تسد رمقهم منه.

ولما أراد الإمام الدلالة على كثرة الغذاء وتعدد أنواعه، جاء بلفظة (أقراص) بوزن (أَفْعَال)، ناقلاً هذا البناء من الدلالة على القلة إلى الدلالة على الكثرة والتنوّع، وذلك في خطابه عامله على البصرة (عثمان بن حنيف الأنصاري) الذي أسرع ملبياً دعوة بعض فتية البصرة لمائدة تستطاب فيها الوان الطعام والشراب فكتب إليه مؤنباً : ((فاتَّقِ اللّه، يَابن حُنَيفَ، وَلْتَكْفُفْ أَقْرَاصُكَ ؛ لِيَكُونَ مِنَ النَّارِ خَلَاصُكَ...)) (4). والإمام يدعو عامله إلى تقوى اللّه تبارك وتعالى منبّهاً إيّاه إلى أن جزءاً من هذه التقوى هو الابتعاد عن التهافت على موائد الأغنياء والطماح إلى تخيّر الأطعمة، فضلاً عن مراعاة حال الفقر والعوز الذي تعاني منه الرعيّة فأكثر هذا النوع من الموائد يغلب عليها البذخ والترف والإفراط في التبذير، مع غياب العائل والمجفو عنها،


1) نهج البلاغة : خ / 160 : 283.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 313/5.

3) نهج البلاغة : ك/45 : 531.

4) نهج البلاغة :/ ك / 45 : 536.

ودعوة الأغنياء والمترفين إليها. وهذه الأمور تؤدي إلى الابتعاد عن تقوى اللّه وتقلّل من شأن هذا الرجل الذي يعد من ذوي الصلاح والزهد، فضلاً عن أنّه يتبع إمامه علي بن أبي طالب الذي ينبغي عليه الاقتداء به، وهو ما يحمله مسؤولية كبيرة في عدم الزّيغ عن الإمام ونهجه. وهذا الأمر يفسر لنا افتتاح الإمام خطبته بقوله : ((أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ، وَيَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ أَلَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ، وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ...)) (1). كأنّه يريد تذكير عامله وبقية الناس، بأنهم اتباعه وشيعته وعليهم السير على طريقته في الزهد ونبذ الانشغال بالدنيا ولوازمها. ولمعرفته (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعدم قدرة هؤلاء على ذلك، فقد طلب منهم إعانته على أنفسهم بـ(الوَرَع والاجتهاد) و (العفّة والسداد)، لكبح جماح أنفسهم وإبعادها عن ذل الدنيا، والنأي عن معصية اللّه تبارك وتعالى إلى ظل رحمته.

ولمّا كان الإمام يعهد في (عثمان بن حنيف) هذا الضّرب من الزهد والتقوى، لهذا عاتبه مؤنباً إياه على إسراعه ومبادرته إلى هذا النوع من المآدب، فاستعمل مفردة (أقْرَاصُكَ) في موضع الفاعل للفعل (تكفف)، كأنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يأمر (الأقراص) بالكفّ عن (عُثْمان) والابتعاد عنه، استعفافاً له وارتفاعاً به عن أن يكون مشغولاً بالجشع والرغبة في الدنيا ولذائذها. فليس لمثله أن يُعنى بذلك، وهو من أصحاب الإمام وخاصتة. وهذا من الغاية في حسن التعبير ولطافة النّصح والإرشاد، وبديع التّعريض، فمع شدّة الأذى الذي انطوت عليه نفس الإمام مما قام به عامله، فإنّه عمد إلى لومه وعتابه بأرق التعابير تعريضاً به، مُنزِلاً (الأقراص) منزلة مَن يعقل موجّهاً الخطاب اليها، متجنباً التقريع الشديد لعامله مريداً بذلك نهي (ابن حنيف) مع كون اللفظ للأقراص على حد تعبير ابن أبي الحديد (2). وثمة مسألة أخرى صوتية تتعلق بإيراد مفردة (أقراصك) بالرفع، فقد اتبعها الإمام بلفظة أخرى تساويها في الجرس الصوتي، وهي لفظة (خَلاَصُك)، التي سيقت لبيان نجاة (ابن حُنيْف) بإزاء كلمة (أقراصك). وفي هذا النسق الصوتي ما لا يخفى من تناسق الأصوات وتآزر بعضها مع البعض الأخر، فيكون هذا الأمر ثراء للدلالة من جوانبها المتعددة.

برّة

البُر – بالضم – الحنطة (3). وهذا اللفظ أفصح من لفظتي (القمح والحنطة) عند اللغويين (4).

وجاءت مفردة (بُرّة) و (برّكم) مرتين في نهج البلاغة (5)، دالة على الحنطة الجيدة التي يصنع منها الخبز وغيره مما يؤكل أو يكون طعاماً. وقد استعمل الإمام هذه المفردة بصيغة المفردة، وهي (برة)، واحد (


1) نفسه : 530.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 227/16. وقد ذكر الشارح نفسه رواية بنصب (أقراصك)، وبها يكون النهي موجهاً إلى (عثمان بن حنيف) لفظاً ومعنى. ولعل رواية الرفع أقوى وأدل وأملك بالسياق من رواية النصب.

3) ينظر : العين (بر) : 8 / 260، ولسان العرب (برر) : 51/4.

4) ينظر : جمهرة اللغة (برر) : 8/1.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 50.

البُر) في سياق كلامه عن علّة اختيار اللّه تعالى لبيته الحرام بواد غير ذي زرع ((بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الأَرض حَجَراً... وَأَضْيَقٍ بُطُونِ الأوْدِيَةِ قُطْراً، بَيْنَ جِبَالَ خَشِئَة... وَقُرِئَ مُنْقَطِعَة قُطْراً، بَيْنَ جِبَالِ خَشِئَةٌ... وَقُرِئَ مُنْقَطِعَة...))(1). وجعل اللّه ذلك ((ابْتِلَا عَظِيماً، وَامْتِحاناً شَدِيداً، وَاخْتِبَاراً مُبِيناً، وَتَمْحِيصاً بليغاً، جَعَلَهُ اللّه تعالى سَبَباً لِرَحْمَتِهِ، وَوُصْلَةً إِلى جَنَّتِهِ))(2). وهذه هي علة جعل الكعبة المقدسة بأوعر بقاع الأرض، فلو ((وَلَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَضَعَ بَيْتَهُ الْحَرَامَ، وَمَشَاعِرَهُ الْعِظَامَ، بَيْنَ جَنَّاتِ وَأَنْهَارِ، وَسَهْل وَقَرَارٍ، جَمَّ الأَشْجَارِ، دَانِي الثمارِ، مُلْتَفَّ الْبُنَى، مُتَّصِلَ الْقُرَى، بَيْنَ بُرَّة سَمْرَاءَ، وَرَوْضَة خَضْرَاءَ، وَأَرْيَافِ مُحْدِقَة، وَعِرَاص مُغْدِقَة، وَزُرُوعٍ نَاضِرَة، وَطَرُق عَامِرَةِ، لَكَانَ قَدْ صَغُرَ قَدْرُ الْجَزَاءِ عَلَى حَسَبِ ضَعْفِ الْبَلاءِ ...)) (3)يُبيِّن الإمام في النص أنّه لو أراد اللّه سبحانه أن يضع بيته الحرام بين الأراضي السهلة والرّبوع الخضراء التي تحفل بالماء والثمار، لصغر قدر الجزاء على الناس.

وقد وظف (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (بُرّة) في هذا السياق للدلالة على الطعام والبرّة اسم جنس يراد به (الحنطة)، وهي ضرب من الحبوب التي تستعمل في صناعة الخبز وغيره من الأطعمة التي تمثل غذاء للإنسان واستعماله لهذه اللفظة دون غيرها يرجع – فيما يبدو – إلى إيحاء هذه الكلمة وتضمّنها الدلالة على الكثرة والنّماء في الخير، لأنها رمز من رموز النّعم التي أسبغها اللّه تعالى على عباده. ومجيئوها بصيغة اسم الجنس في هذا السياق يدل على التعبير عن أجود الطعام باللفظ الدال عليه من جنس الحبوب بعامة. فكأنّه عبر بالجزء عن الكل.

أمّا وصفه لهذه المفردة بـ (سَمْراء)، ففي ذلك دلالة على جودة هذا الصنف من الحبوب التي تصنع منها الأطعمة المختلفة. وقد ذكر المعجمون أن الصفة المتقدمة من الصفات التي توصف بها (الحنطة) التي تضربها الشمس (4)، وهي من جيّد البُرّ. ويحتمل أن يكون استعماله لفظة (سمراء) توطئة لقوله (خَضراء) التي وُصفت بها (الروضة)، وذلك من باب التجانس الصوتي بين مفردتي (سَمرَاء) التي وصف بها مفردة (بُرّة) و (خضراء) الخاصة بوصف (الروضة)، وكلتاهما من الألفاظ التي على بناء (فغلاء) الدال على الألوان (5). فعضد هذا الوجه التناسق اللوني بين (سُمْرة البُر)، و (خضرة الروّضة)، وهو ما أوحى بتنوّع مظاهر الطبيعة، وما فيها من غذاء ومتع تطمح اليها النفس الإنسانية. ومع ذلك فلم يعمد اللّه تبارك وتعالى إلى جعل بيته الحرام في هذه المواضع ؛ فالغرض من وضعه في البقاع الوعرة زيادة قدر الجزاء الذي يرغب أن يناله الإنسان عند ذهابه إلى (الحج) من عناء الحرّ والقرّ وغير ذلك من ضروب المعاناة.

ونظير الاستعمال المتقدم، إيراده (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (بُرّكم)، التي أضيف اليها ضمير جماعة المخاطبين في سياق كلامه عن افتقار أخيه (عقيل) وإملاقه، الذي يقول فيه : ((وَاللّه لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلاً وَقَدْ


1) نهج البلاغة : خ/ 192 : 368.

2) نفسه : 369.

3) نفسه : 369، 370.

4) ينظر : لسان العرب (سمر) : 4 / 376.

5) ينظر : شرح ابن عقيل : 1/ 61.

أَمْلَقَ حَتَّى اسْتمَاحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً (1)...)) (2). و(بُرّكم) أي : حنطتكم قدر (صاع) منها، ليسد به جوع عياله ورمقهم. وإنما قال (برّكم) إشارة إلى أنّه لم يكن إلا خازناً أميناً على طعام المسلمين وأموالهم، فلهذا استعمل (كاف) الخطاب التي دلّ بها على عدم امتلاكه هذه الأنواع من الحَبِّ، فاضافه إلى المخاطبين، لأنه حق خاص بهم، فالزكاة وغيرها من الحقوق الشرعية تخص المسلمين عامة ودون الإمام وبيته (عليهم السّلام) الذين خصهم اللّه تبارك وتعالى بـ (الخُمْس)، فيما تَحرُم عليهم الصدقات الأخرى التي، فيما تحرم عليهم الصدقات الأخرى التي أُجِيزت لغيرهم. وقد تكلفت كتب الفقة بتفصيل ذلك (3).

ويفهم من كلام الإمام التأكيد على أهمية الأمانة والوقوف حرصاً على أموال المسلمين وصيانتها من من أنواع التصرّف غير الشرعي، حتى وإن كان ذلك من باب الاضطرار. مع ملاحظة أنّ كلامه يتضمن نوعاً من التعريض بغيره من الذين جعلوا مال اللّه دولة بينهم، كالأمويين وغيرهم من الحكام الذين منحوا لأنفسهم حق التصرّف بأموال المسلمين (4)ويمكن أن نفهم – أيضاً- أنّ الإمام عبّر بلفظة (بُرَّكم) عن أقلّ ما طلبه أخوه منه، وهو (الصاع) منها، قليلاً كان أو كثيراً. ولكنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يفرّق بين الصاع من البر أو الكثير منه ؛ لأنّ الأساس في ذلك هو الحفظ والصيانة وعدم التلاعب بأموال المسلمين قليلها أو كثيرها.

ويبدو من الاستعمال المتقدم اتساع دلالة لفظة (بُرّ) وعدم اختصاصها بـ (الحنطة) المعروفة فحسب، وإنما تجاوز بها إلى الدلالة على كل ما يُحرز في بيت المال من طعام أو أموال. واختياره اللفظة المتقدمة على ما سواها من الألفاظ ؛ لتعلقها بالغذاء الذي تصير إليه، ومنه الخبز الذي يُصنع من هذا النوع من الحبوب فكأن (عَلَيهِ السَّلَامُ) أراد التعبير عن جوع أولاد (عقيل)، الذين وصفهم بأنّهم (شُعْت الشعور غُبر الوجوه) كناية عن شدّة جوعهم وسغبهم، فبيّن ذلك من خلال استعمال المفردة التي تبتهج لها النفوس الجائعة، لما فيها من إيحاء على الغذاء. ويمكن أن يكون هذا التوجيه صالحاً سواء أكان قوله : ((حَتَّى اسْتمَاحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً)) هو كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) المعبّر عن طلب أخيه، أو أنّه حكاية لقول أخيه نفسه، وضمنه الإمام في كتابه المتقدم. ومما يظهر شدة حرص الإمام على المال العام، وعدم محاباته أو إيثاره أي شخص فيه، ما صنعه مع أخيه عندما قرّب منه (حديدة) أحماها له ليشعره بأذى العقاب الذي يعرض له للقائم على شؤون الناس، وحفظة أماناتهم في الآخرة.

شعيرة

الشعير جنس من الحبوب معروف، واحدته شعيرة (5). وهو ما يصنع منه الرغيف بعد طحنه.

ولفظة (الشَّعير) من الفاظ نهج البلاغة التي استعملها أمير المؤمنين بصيغتي الإفراد والجمع (شعيرة) (الشعير) مرة واحدة لكل منهما (6)، للدلالة على حب الشَّعير الذي يستعمل في صناعة الرغيف من الخبز


1) الصاع ضرب من المكاييل. ينظر : لسان العرب (صوع) : 215/8.

2) نهج البلاغة : خ/ 224 : 437.

3) ينظر : الاقتصاد، للشيخ الطوسي : 282.

4) تذكر المدونات التاريخية شيوع الفساد الإداري والمالي في عهد معاوية وبني أمية، و حكم العباسيين من بعدهم ينظر: تاريخ الرّسل والملوك : 3/ 267، 307، 306، و 4 / 530، وأركيولوجية الفساد والسلطة، للدكتور قصي الحسين : 253 وما بعدها.

5) ينظر : لسان العرب (شعر) : 4 / 415، وتاج العروس (شعر) : 12/ 193.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 241.

بعد طحنه. ومن ذلك قوله في سياق كلامه عن النبي داوود (عَلَيهِ السَّلَامُ) وزهده : ((وَإِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاوُودَ صَاحِبٍ الْمَزَامِير، وقَارِيءِ الْجَنَّةِ، فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ الْخُوص بِيَدِهِ، وَيَقُولُ لِجُلَسَائِهِ: أَيُّكُمْ يَكْفِينِي بَيْعَهَا! وَيَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا:))(1). وذكر الإمام (قرص الشعير) إشارة إلى نوع الدقيق الذي عمل منه هذا القرص، وهو الشعير دون غيره من أنواع الدقيق الذي يصنع منه الخبز. فالنبي (داوود) وغيره من الأنبياء كانوا يأكلون الجشب من الطعام، وخبز الشعير مصداق واضح لهذا الضرب من الأكل.

وفي سياق آخر يتحدث فيه أمير المؤمنين عن امتناعه عن عصيان اللّه جل شأنه، وابتعاده عن الظلم، ولو كان في أدنى شيء، يمكن تصوره. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((وَاللّه لَوْ أُعْطِيتُ الأقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا، عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللّه فِي نَمْلَةٌ أَسْلُبُهَا جِلْبَ شَعِيرَة مَا فَعَلْتُهُ...))(2). وفي قوله (جلب شعيرة) معانٍ عديدة، منها أنه قصد بذلك ترفعه وامتناعه من ظلم أدنى شيء في الكون، حتى وإن كان ذلك هو (النملة) التي تعدُّ أحقر الكائنات وأدناها مرتبة، فضلاً عن أن يكون ما سلب منها هو (جلب الشعيرة)، وهو الغشاء الرقيق الذي يغطي حبة الشعير. على الرغم من قلة شأنه وعدم قيمته مع حبّة الشعير نفسها، حتى أنّ أغلب الناس يمتنعون عن تناول الخبز المتخذ من الشعير، ويميلون إلى الناعم من الحب، تنعماً و ترفاً وبهذا يكون (جلب الشعير) أهون شيء وأكثره رداءة ؛ لأنه نخاله الشعير. ولكنّه أكبر قدراً عند أمير المؤمنين، لارتباطه بنعم اللّه عز وجل أولاً، فضلاً حُرمة سلبه لتعلقه بحق مخلوق من مخلوقات اللّه تعالى، وهو (النملة) ولهذا ذكر الإمام أنّه لو أعطي (الأقاليم السبعة) في مقابل سلبه جلب شعيرة من نملة، لم يفعل ذلك أبداً ؛ فالدنيا عنده أهون مما يتصوره الناس وقد جاء تركيزه على مفردة (جلب) يتضمّن الإشارة إلى ضآلة هذا الجزء من الحَبّ وقلة شأنه

خُبْزاً

الخُبْز اسم لما يُعالج في الملة و التنّور، وذلك بعلاج الدقيق وعجنه، ومن ثمّ خبزه (3). ويبدو أنّ (الخُبْز) مشتق من الخَبْز - بالفتح -، وهو الضرب باليد (4)، فمسي الخُبز بذلك لضربهم إياه بأيديهم (5).

وقد وردت لفظة (خُبْزاً) في نهج البلاغة بصيغة الجمع على (فُعْل) مرة واحدة (6)، للدلالة على الخبز المتخذ من الشعير أو الحنطة الذي يتخذ طعاماً. وذلك في سياق كلام أمير المؤمنين عن النبي موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)


1) نهج البلاغة : خ/ 160 : 283.

2) نهج البلاغة : خ / 224 : 438، 439.

3) ينظر : العين (خبز) : 4 / 211، ولسان العرب (خبز) : 344/5.

4) ينظر : تاج العروس (خبز) : 131/15.

5) ينظر : لسان العرب (خبز) : 344/5.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 133.

وزهده. إذ يقول : ((وَإِنْ شِئْتَ ثَنَّيْتُ بِمُوسى كَلِيمِ اللّه (صلى اللّه عليه وآله) إذْ يَقُولُ : ((رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إلى مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ))(1). وَاللّه، مَا سَأَلَهُ إِلَّا خُبْراً يَأْكُلُهُ، لأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ الأَرض...))(2). ويفسر الإمام خطاب النبي (موسى) (عَلَيهِ السَّلَامُ) للّه تبارك وتعالى، الذي أورده القرآن الكريم.

القمح

القمح البُرّ (3). وأقمح البُرّ، إذا جرى الدَّقيق في السُّنبُل (4). وذكر بعض اللغويين أنّ القمح هو من لدن انضاج الدقيق في السُّبل إلى الاكتناز (5). والقمح لغة شاميّة تكلّم بها الحجازيون واستعملوها في كلامهم حسبما تذكر المدونات المعجمية (6).

وقد وردت لفظة (القمح) مرة واحدة في نهج البلاغة (7)، دالة على لباب القمح، وهو البُرّ الذي يصنع منه الطعام والخُبز وغيره. وقد ذكر الإمام هذا المعنى في سياق كلامه عن زهده و عدم غلبه الهوى والجشع عليه. يقول في ذلك : ((وَلَوْ شِئْتُ لَاهْتَدَيْتُ الطَّرِيق، إلى مُصَفَّى هَذَا الْعَسَلِ، وَلُبَابٍ هَذَا الْقَمْحَ، وَنَسَائِج هذَا الْقَزْ، وَلكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ، وَيَقُودَنِي جَشَعِي إِلى تَخَيّرِ الْأطْعِمَةِ...)) (8). ينبه الإمام على أنّ زهده في الدنيا هو الذي يمنعه من تحصيل الطيبات وتخيّرها، ولو شاء لاهتدى إلى تحصيلها ولكنه لم يمنح المجال لهواه أن يغلبه في ذلك. وهو بذلك يشير إلى أن (الهوى) هو الجانب المهم في زيغ النفس وابتعادها عن الهداية إلى اللّه تبارك وتعالى. وقد جعل الإمام لباب القمح، وهو خالصه وخياره (9)، فضلاً عن العسل الخالص الصافي في صدارة هذه الطيبات ؛ لأنها من أطيب الطيبات وألذها، ولاسيما (القمح) التي أريد (لبها)، وهو خلاصة القمح ونقاوته، حتى قيل فيه إنه مُخُ الحِنطة (10)، إشارة إلى جودتها وفضيلة ما يُصنع من الطعام منها، وهو (الهريسة) التي تُعدّ من أشهر الطبيّات هي والعَسَل في مكة والحجاز (11).

أقول : ويلحظ أنّ الإمام أشار إلى هذه (الطيِّبات) مستعملا اسم الإشارة (هذا) الدال على القريب، للدلالة - فيما يبدو - على قُربها منه ومجاورتها له، ولكنه يبتعد عنها وينأى بنفسه عن تناولها، والالتذاذ بطعمها ؛ لأنّه رغب عنها، وهيهات أن يُؤثر هذه الأشياء على دينه ومبادئه، فيصبح جُلّ هَمه تخيَّر الأطعمة أو الألبسة.


1) القصص / 24.

2) نهج البلاغة : خ / 160 : 282.

3) ينظر : العين (قمح) : 55/3، ولسان العرب (قمح) : 2/ 565.

4) نفسهما.

5) ينظر : لسان العرب (قمح) : 2/ 565.

6) نفسه.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 381.

8) نهج البلاغة : ك/ 45 : 531.

9) ينظر : لسان العرب (لبيب) : 1/ 729.

10) ينظر : الديباج الوضي : 5449/5.

11) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني): 317/5.

3 - الغليظ من الطعام

جشوبة
إشارة:

الجشب طعام غليظ خشن بيّن الجشوبة، وذلك إذا أُسيء طحنه حتى يصير مُفلّقاً(1). وقيل : بل هو هو ما لم ينخل من الطعام مثل خبز الشعير ونحوه (2). وكل بشع من الطعام، فهو جشب(3)ويشمل ذلك الطعام غير المأدوم أيضاً (4)ومفردت (جُشُوبة)، و (الجَشِب) من مفردات نهج البلاغة، إذ استعملت الأولى منهما ثلاثة مرات فيه، في حين وردت الثانية مرتين (5)، للدلالة على ما يأتي

أولاً : الدلالة على جشوبة المطعم والعيش.

وهي أكثر الدلالات شيوعاً في النهج. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ! فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ...))(6). أراد خشونه العيش بكل ما تستعمل في المعيشة من لوازم وهو بهذا يوسع من دلالة مفردة مفردة (جُشُوبة)، بجعلها ذات دلالة عامة بعدما كانت مخصوصة بالغليظ من الطعام الذي يُساء طحنه ونخله، فضلاً عن افتقاره إلى الأدام، فصارت اللفظة المتقدمة دالة على غلظة العيش، فضلاً عن المأك ؛ لأنّه إنما أرد التعبير عن مشاركته الناس في شؤون حياتهم ومحاكاتهم في مأكلهم وملبسهم وغير ذلك، على الرغم من دأبه على ذلك، ومن قبله النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، فما كانوا يأكلون الا الجشب ولا يلبسون إلاّ الخشن من الثياب، مواساة للرعية، وتأسياً بالفقراء الذين لا عهد لهم بالشبع واللباس ؛ فهؤلاء الصفوة لا يغويهم الهوى ولا يقودهم الجشع إلى تخيّر الأطعمة والألبسة، فأما النبي الأكرم، فقد ((خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا خَمِيصاً، وَوَرَدَ الْآخِرَةَ سَلِيماً...)) (7). و ((جَاعَ فِيهَا مَعَ خَاصَّتِهِ، وَزُوِيَتْ عَنْهُ زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِيمٍ زُلْفَتِهِ...)) (8). وأمّا علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فـ((تأسى بِنَبِيه وَاقْتَصَّ أَثَرَهُ، وَوَلَجَ مَوْلِجَهُ...)) (9)، و ((... اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ، وَمِنْ طُعْمِهِ بِقَرْصَيْه...)) (10)؛ زهداً في الدنيا ورغبة في رضا اللّه تبارك وتعالى. وقد جرى على هذا النهج أئمة البيت (عليهم السلام) ومن قبل ذلك الأنبياء (عليهم السلام)، ومنهم النبي (عيسى ابن مريم) (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي ((كَانَ يَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ، وَيَلْبَسُ الْخَشِنَ، وَكَانَ إِدَامُهُ الْجُوعَ ...)) (11). والجشب الغليظ من الطعام، وهو ما لا أدمَ


1) ينظر : لسان العرب (جشب) : 1/ 265.

2) ينظر : العين (جشب) : 6 / 39.

3) ينظر : لسان العرب (جشب) : 266/1.

4) ينظر : العين (جشب) : 36/6، ولسان العرب) جشب) : 1/ 266.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 84.

6) نهج البلاغة : خ / 24 : 532.

7) نفسه :خ/ 160 : 285.

8) نهج البلاغة : 284.

9) نفسه : 280.

10) نفسه : ك/ 530:45.

11) نهج البلاغة : خ/ 160 : 283.

معه، بقرينة قوله : (أدامه الجُوْع)، فقد كان لا يأكل الخبز إلا عند اشتداد جوعه (1)، ولا يختار منه إلا الخشن الخشن الغليظ غير المنخول من الحبّ الذي لا أدم معه ؛ ولهذا جعل (الجشب) من الطعام مخصوصاً بالأنبياء وأوصيائهم ؛ لأنهم روّضوا أنفسهم رياضة لا يستطيعها غيرهم.

ثانياً : الدلالة على طعم الموت وجشوبة مذاقه.

وهذه الدلالة مثلت ضرباً آخر من ضروب التوسع الدلالي الذي عمد إليه الإمام في استعماله لفظة (جُشُوبة) ؛ فقد أوردها في سياق حديثه عن الموت وما يمثله للإنسان قائلاً : ((فَإِنَّ الْمَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِكُمْ، وَمُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُمْ... وَعَظُمَتْ فِيكُمْ سَطْوَتُهُ، وَتَتَابَعَتْ عَلَيْكُمْ عَدْوَتُهُ... فَيُوشِكُ أَنْ تَغْشَاكُمْ دَوَاجِى ظُلَلِهِ، وَاحْتِدَامُ عِلْلِهِ وَغَوَاشِي سَكَرَاتِهِ، وَأَلِيمُ إِرْهَاقِهِ، وَجُشُوبَةُ مَذَاقِهِ ...)) (2). والنص تصوير لما يفعله الموت في بني البشر فاختص هذا المقطع من الخطبة بأسلوب الترهيب ؛ تحذيراً للناس وإيقافاً لنزوعهم وميلهم إلى اللذات والشهوات وتهذيباً لنفوسهم بتذكيرهم بالموت الذي لابد أن يعدو عليهم بسطوته، فيتجرعه الناس جميعاً، ولهذا جعله الإمام مخصوصاً بالذوق جاعلاً إيّاه بمنزلة الطعام، الذي يوصف بالغلظة و (الجشوبة)، إذا كان غليظاً مزعجاً في شدته، كأنّه يريد بذلك أنّ مجرد تذوق الإنسان طعم الموت، يجعله يحسّ بشدة أذاه وغصة ألمه، فهو كالطعام الجشب الغليظ الذي لا لين فيه ولا غضاضة (3). وتذوق طعم الموت يمثل علامة شدّة أمره على الناس.

ثالثاً : الدلالة على طعم الحياة الدنيا

فإن لها طعماً جشباً غليظاً بحسب نظر الإمام، ولهذا وصفها لابنة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا الوصف الذي يقول فيه : ((إِنَّمَا مَثَلُ مَنْ خَبَرَ الدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْم سَفْر نَبَا بِهِمْ مَنْزِلٌ جَدِيبٌ، فَأَمُّوا مَنْزِلًاً خَصِيباً وَجَنَابَاً مَرِيعاً، فَاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ الطَّرِيقِ، وَفِرَاقَ الصَّدِيقِ، وَخُشُونَةَ السَّفَرِ، وَجُشُوبَةَ الْمَطْعَمِ، لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ، وَمَنْزِلَ قَرَارِهِمْ...)) (4). وهنا إشارة إلى حال الزاهدين في الدنيا الذين يشبههم الإمام (بالقوم السَّفْرِ) الذين نزلوا منزلاً جديباً، ومن ثَمّ قصدوا منزلاً خصيباً على الرغم من صعوبة الطريق، وخشونة السفر وأعباءه وجشوبة المطعم من الغذاء. وفي ذلك إلماح إلى متاعب الدنيا ومصاعبها بوصفها ممراً من الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة، ولابد أن يكون هذا الممر مليئاً بالمشاق والمتاعب التي ذكر الإمام من جملتها (وعثاء الطريق، وفراق الصديق. وخشونة السفر، وجشوبة المطعم)، ومن ثم الوصول إلى (سعة الدار ومنزل القرار)، وهو الموطن في الآخرة.

أقول : إنّ التقاسيم التي صنّفها الإمام للتحول من الحياة الدنيا إلى الآخرة، تكون مشوبة (بغلظة المطعم)، لأنّ الدنيا مليئة بالغصص والآلام التي يصعب تجرعها واستساغتها، ولهذا عبر عنها باستعمال مفردة (جشوبة


1) ينظر : معارج نهج البلاغة : 2/ 569.

2) نهج البلاغة : خ/ 230 : 445، 446.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 65/4.

4) نهج البلاغة : ك / 502/31.

) مُلمحاً إلى قوله تعالى شأنه : (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (1).

لقد وسع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من دلالة مفردة (جشب) باشتقاقها التي وردت في نهج البلاغة، فبعد إن كانت تدل على الجشب من الأكل والطعام، انتقلت للدلالة على جشوبة العيش بصورة عامة، فضلا عن جشوبة طعم الموت، وجشوبة الملبس أيضاً، وذلك في غير موضع من نهج البلاغة، ومنه ما ورد في (خ 26).

العَلْقَم
إشارة:

العلقم شجر الحنظل، واحدته عَلْقَمة(2). وهو شجر مرّ (3).

وقد استعملت لفظة (العلقم) بصيغة اسم الجنس الجمعي المحلى بـ (ال) ثلاث مرات في نهج البلاغة، في جاءت المفردة مرة واحدة مجردة منها (عَلْقماً) (4)، للدلالة على مرارة الطّعم بصورة عامة. ويمكن بيان ذلك بحسب ما يأتي :

أولاً : الدلالة على مرارة الظلم والصبر عليه

ومن ذلك قوله ((في سياق الشكوى من (قريش)، وما فعلوه معه : ((فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي مُعِينٌ إِلَّا بَيْتِي، فَصَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ المَوْتِ، وَأَغْضَيْتُ عَلَى القَذَى، وَشَرِبْتُ عَلَى الشَّجَا، وَصَبَرْتُ عَلَى أَخْذِ الْعَظَمِ، وَعَلَيْ أَمَرَّ مِنْ طَعْمِ العَلْقَمِ)) (5). يريد : أنّه لمّا فارقه الناس، ولم يبق معه من المقربين بفضله وأفضليته في الإسلام واختصاصه بالإمامة دون غيره، اتخذ من الصبر سبيلاً له، وتجرع مرارته على الرغم من شدة وقعها عليه وقد مثل لهذه المرارة بذكر (العلقم) المعدود من أشد الشجر مرارة ؛ ليقرّب الحال التي صار إليها من (قريش) وظلمهم له وأذاهم بسلبهم حقه وتعديهم عليه، متخذاً من المفردة المتقدمة وسيلة لتبكيت المخاطب وتعجيزه من عدم تحمله هذا النوع من الظلم كما لا يمكن تحمل طعم العلقم أو تذوقه لشدة مرارته. ولهذا استعمل بناء (أفعل التفضيل، لبيان أنّ ما تحمله هو أشد من مرارة من طعم (العلقم). وعبّر عن ذلك بلفظة (أَمَرٌ) الدالة على الشدّة والمفاضلة في المرارة مع زيادة في ذلك. وتبدو المناسبة في تشبيه صبره بمرارة هذا النوع من الشجر، ملاحظة لبقاء أذى (الحنظل) في النفس، فشعوره (عَلَيهِ السَّلَامُ) بسلب حقه باقٍ أثره في نفسه كما تبقي مرارة (العلقم) في ذوق المرء ونفسه عند تجرّعه. مع لحاظ مقدرته على الصبر والجلادة في التحمل بشكل لا يستطيع غيره تحمل ما نزل به من أذى.

وقد وردت لفظة ((العلقم) بالدلالة المتقدمة نفسها، وفي سياق نظير للسياق المتقدم مع اختلاف يسير في الألفاظ، وذلك في (خ/ 217).

ثانياً : الدلالة على مرارة عاقبة الحرب


1) العنكبوت / 64.

2) ينظر : العين (علقم) : 2/ 300، وتهذيب اللغة (علقم) : 190/3.

3) ينظر : المحكم (علقم) : 414/2.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 313.

5) نهج البلاغة : خ/ 26 : 60.

وذلك على أساس أنّ أهم نتائج الحرب ما تخلّفه من قتلى وجرحى من الأعزاء والأحبة، ولاسيما إذا كانت ناشئة من الفتن والملاحم. يقول الإمام: ((حَتَّى تَقُومَ الْحَرْبُ بِكُمْ عَلَى سَاقٍ، بَادِياً نَوَاجِذُهَا (1)، مَمْلُوءَةً أَخْلافُهَا، حُلُوا رَضَاعَهَا، عَلْقَماً عَاقِبَتُهَا...)) (2). يصوّر الإمام الحرب بصورة الدَّابة التي تقوم بعد بروكها بادية أسنانها، مملوءة محالبها، حلواً رضاع درّها. وهذا القسم من التعبير يراد به إظهار حالة التلهف والنزوع إلى القتال التي يكون عليها ابناء الحرب الطالبين لها، الذين طمحت نفوسهم إليها بعدما رأوها بهذا الوصف من الترغيب. وقد استعار الإمام الفاظ (نَواجِذ، وأخْلاف ورضاع) من الدواب، مكنيا بها عن الحرب التي شبهها بالدَّابة - كما قلت سابقاً - بلحاظ القيام المصحوب بالاضطراب وشدة الحركة، والاستعداد للتقدم بوطيء الأرض بأقدامها. فكنّى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بلفظة (نواجذ) عن طحنها الناس وما يرتبط بهم بأسنانها، وبلفظة (أخْلافها) عن تهيئها لدرّ الأذى والدمار لمن يبغي ذلك منها، في إشارة إلى كونها الرّفد والواسطة الذي يتغذى منه القائمون على هذه الحرب. في حين كنّى بـ (حَلاوة رِضَاعِها) عمّا يحصل عليه هؤلاء من غنائم من مخلفات الحرب، فجعل ذلك بمنزلة الحليب الذي يروي ظمأ الجياع. وباجتماع لهذه الدلالات جميعاً ينتج الوجه المتعلّق بصورة الزهو والانتصار الآني الذي يظهر على طلاب هذه الحرب من خلال فرحهم بما حازوه من غنائم وغير ذلك. في حين يبدو جانب المأساة مهيمنا على المصابين في هذه الحروب من ذوي القتلى فيها، وهو ما اختار له الإمام مفردة (عَلْقماً) التي أراد بها بيان سوء عاقبة الحرب ومرارتها، فضلاً عن طول مدة لبث أذاها في ذوق أصحاب الرزايا فيها.

وقد وردت لفظة (العلقم) بالدلالة نفسها في خ (158).

الملح
إشارة:

الملح ما يطيب به الطعام (3)، والملح البركة (4). ولعلها البركة في كل شيءٍ ومن ذلك البركة في الزاد. وبسبب من أهمية هذا الضَّرب من طيب الطعام وأثره في شيوع البركة في المؤآكلة، كانت العرب تحلف بالملح والماء تعظيماً لهما (5). وقد جاءت لفظة (المِلْح) مرتين في نهج البلاغة (6)، للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على إذابة القُلُوب

واستعمل أمير المؤمنين هذا المعنى في سياق ضجره من تثاقل أصحابه عن الجهاد بعد استيلاء أصحاب معاوية على اليمن، فقال داعياً : ((اللّهمَّ إِنِّي قَدْ مَلِلْتُهُمْ وَمَلُوني، وَسَئِمْتُهُمْ وَسَئِمُونِي، فَأَبْدِلْنِي بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ، وَأَبْدِلُهُمْ بِي شَرَّاً مِنّى (7)، اللّهمَّ مِثْ (8)قُلُوبَهُمْ كَمَا يُمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ...))(9)ودعاؤه على


1) التواجد جمع (نَاجذ)، وهو السن الذي بين الضرس والنّاب. وقيل : بل هو ضرس الحُلم. ينظر : المصباح المنير (نجذ) : 2/ 593.

2) نهج البلاغة :خ/ 138: 246.

3) ينظر : العين (ملح) : 243/3، ولسان العرب (ملح) : 2/ 599.

4) نفسهما.

5) ينظر : لسان العرب (ملح) : 2/ 599.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 242.

7) إنّ دعاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنْ يبدلهم اللّه شراً منه، لا يعني نسبة الشر اليه، وإنما المراد : إبدالهم بمن فيه شر غير الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ، بحسب زعمهم وادعائهم بنسبة الشر اليه، فلم يكن في أمير المؤمنين أدنى شر حتى يفهم من الكلام هذا المعنى. ينظر : معارج نهج البلاعة : 1/ 291، وشرح نهج البلاغة : (البحراني) : 244/1.

8) ماتَ الشيء، مَرَسَه وخلطه، وإدابه، وماث الملح في الماء. أي أذابة. ينظر : لسان العرب (ميث) : 2/ 192.

9) نهج البلاغة : خ/ 25 : 58.

قلوبهم بأن تُماث كما يُماث الملح بالماء يراد منه الدلالة على تفرّق قلوبهم وتشتت أمرها (1)، لئلا يجتمعون على باطلهم باتفاق قلوبهم عليه، فضلاً عن إزالة القوة والصلابة عنها، فقوة القلب مبعث على العزّة والفضائل، في حين أنّ تفرّق القلوب وانمياتها يزيل عزّتها وقوتها (2).

ولهذا دعا الإمام على هؤلاء القوم بإماثة قلوبهم تشبياً لذلك بذوبان الملح في الماء ؛ لأنه أراد إذابة ما فيها من ضعف وتثاقل وعدم منعة، فضلا عن إزالة بركتها ملاحظة لما اعتادت عليه العرب من الاعتداد بالملح بوصفه من المطيبات المحمودة التي يُطيّب بها الطعام، حتى أنهم كانوا يعدّونه من بركات الزاد التي يحلفون بها(3). وهذا ما يفسر لنا دعاء الإمام على هؤلاء بانميات قلوبهم بلحاظ القوة التي يغلب الماء فيها على الملح في الإسرع بإذابته وإذهاب أثره.

ثانياً : الدلالة على الأدام.

وهو ما يؤتدم به مع الرّغيف. وقد ذكر الإمام هذه الدلالة في سياق كلامه على زهده وقناعته، إذ يقول مُقْسماً باللّه جل جلاله : ((وَايْمُ اللّه... لَارُوضَنَّ نَفْسِي رِيَاضَةً تَهشُ مَعَها إِلَى الْقُرْصِ إِذَا قَدَرتْ عَلَيْهِ مَطْعُوماً، وَتَقْنَعُ بِالمِلْح مَأْدُوماً ..)) (4). ومفردة (الملح) في قوله تفيد الدلالة على ما يؤتدم به مع الخُبز، في إشارة إلى قلة شأن زاده وعدم عنايته به، فاكتفائه بـ (القُرْص والملح) يدل على جشوبة طعامه وخشونته، فليس من المألوف أن يتخذ الملح إداماً لوحده، ولهذا انفراد الإمام عن غيره من الناس باتخاذه إداماً له، ليدل على رهق عيشه وجشوبة غذائه، فضلاً عن يسره وعدم تكلفة ؛ لأنه لا يشغله أكل الطيبات وتخيّرها عن الذكر والطاعة. فكأنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يومىء إلى فضيلة هذا النوع من الزاد وبركته على نفسه ؛ لأنّه رزق اللّه تبارك وتعالى، ففى (الملح) ضرب من الإيحاء ببركة الزاد وحسن مفرداته. على الرغم من عدم قناعة الكثير من الناس به إذا صار وحده أداما للخبز. فلهذا جعله طعاماً يأتدم به في غذائه مُرَوّضا نفسه عليه، وقانعاً به مع الخبز لإقامة أود جسمه، مُستعيناً به على العيش الكريم الطَّيِّب الذي تكون القناعة فيه مقتصرة على الخبز والملح، وهما من أجلّ الأطعمة عند ذوي القناعة برزق اللّه تبارك وتعالى.

4 - الحلو من الأطعمة

العسل
إشارة:

العَسَل لعاب النّحل الذي تُخرجه من أفواهها، وذلك أنها تأكل من الأزهار والأوراق ما يملأ بطونها ثم يُقلب اللّه جل جلاله تلك الأجسام داخل أبدانها فيجعله عسلاً تلقيه من أفواهها كما يخرج اللبن من بين فَرِثٍ ودم (5). والعَسَل - أيضاً - رضاب النّحل (6).


1) ينظر : الديباج الوضي : 1/ 339.

2) ينظر : نهج البلاغة، تعليق السيد محمد الحسيني الشيرازي : 1/ 59 هامش (2).

3) ينظر : تهذيب اللغة (ملح) : 5 / 66، ولسان العرب (ملح) : 2/ 601.

4) نهج البلاغة : ك/ 45 : 535.

5) ينظر : العين (عسل) : 332/1، والمخصص : م/ 1 : س/ 5 : 14.

6) ينظر : المخصص :م/1 : س/ 5 : 15.

واستعمل الإمام مفردة (العَسَل) مرتين في كلامه الوارد في نهج البلاغة، في حين جاءت لفظة (الأَعْسَال) بصيغة الجمع على (أفعال) مرة واحدة(1)، للدلالة على مايأتي :

أولاً : الدلالة على العسل المعروف، وهو رضاب النّحل ولعابه

ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بينا زهده وترفعه عن الدنيا : ((وَلَوْ شِئْتُ لاَهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ، إلى مُصَفَّى هَذَا الْعَسَلِ، وَلُبَابِ هَذَا الْقَمْحِ، وَنَسَائِجِ هَذَا الْقَزّ، وَلكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ، وَيَقُودَنِي جَشَعِي إِلى تَخَيْرِ الأَطْعِمَةِ...)) (2). ولفظة (العَسَل) في هذا النص تدل على العسل المعرف، وهو رضاب النحل، وقد استعمل الإمام هذه المفردة كناية عن ملذات الدنيا وأطايبها التي تشتهيها النفس، فعبّر عن أحلي طيبات الدنيا وألدها بلفظ (العسل)، الذي وصفه بـ(المُصَفّى)، في إشارة إلى صفائه وخلوه من الكدر. وذهب بعض الشراح إلى أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) خصّ (العسل) و (القمح) بالذكر في هذا المقام ؛ لأنهما من أشهر الطيّبات في مكة والحجاز (3). وذلك لبيان أنّه مع كون هذين الضربين من الغذاء من أطيب الطيبات، فإنّه تركهما وضرب عنهما صفحاً، إعداداً لنفسه وإرتقاء في الكمالات (4).

وقد استعمل الإمام مفردة (العَسَل) بلفظ المذكر مشيراً اليها باسم الإشارة (هذا) الخاص بالمفردة المذكر في حين أنّ اللغويين يذكرون أنه لفظ مؤنث، ولكنه ربّما ذُكِّر على قلة (5).

ثانياً : الدلالة على (أغسال) الجنّة.

وقد وردت لفظة (الأعْسَال) في نهج البلاغة مرة واحدة بصيغة الجمع على (أَفْعَال) دالة على أعسال الجنّة المُصفّاة التي لا مثيل لها في الحياة الدنيا. يقول الإمام في سياق وصف الجنة وعجائبها : ((فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا، لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إلى الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا وَطُلُوعِ تِلْكَ الْثمارِ مُخْتَلِفَةً فِي غُلُفِ أَكْمَامِهَا، تُجْنَى مِنْ غَيْرِ تَكَلَّفَ فَتأْتِي عَلَى مُنْيَةٍ مُجْتَنِيهَا، وَيُطَافُ عَلَى نُزَّالِهَا فِي أَفْنِيَةِ قُصُورِهَا بِالأعْسَالِ الْمُصَفَّقَةِ، وَالْخُمُورِ الْمُرَوَّقَةِ)) (6). و السياق تفصيل وبيان لعجائب الجنّة بكل ما تشتهيه النفس، وقد ذكر الإمام لفظة (الأعْسَال)، ومن بعدها مفردة (الخُمور) بصيغة الجمع ؛ لبيان مشارب الجنة التي تعد من أجلّ نعم اللّه تبارك وتعالى على سكان قصورها، فضلاً عن صفائها وحلاوتها غير المعهودة في الدنيا. وهذا الوجه من أساليب القرآن الكريم التي يذكر فيها نعم اللّه في الجنّة التي وعد المُتَّقين بها، إذا أطاعوه وعملوا بشريعته، فيخرج لهم الأعسال من بطون النّحل لا يخالطه الشمع والرغوة والقذى، فهو خالص من جميع لأذى والعيوب التي تكون في عسل الدنيا (7).


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 303.

2) نهج البلاغة : ك/ 531:45.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 317/5.

4) نفسه.

5) ينظر : المخصص : م/ 1 : سه : 14.

6) نهج البلاغة : خ / 165 : 300، 301.

7) شرح نهج البلاغة (البحراني) : 670/3.

وذهب بعض الشرّاح إلى أنّ مفردتي (الأعْسَال) و (الخمور) مستعارتان للتعبير عن ملذات النّفس ومشتهياتها من هذه المشروبات وغيرها (1). فكأنّما يراد من ذلك الدلالة على كل ما تطمح إليه النفس وتشتهيه من أكل أو شرب وغير ذلك من الملذات العقلية من قبيل الإقبال على العلوم والمعارف عند من يكون جُلّ همه العلم والمعرفة والمراد بوصف هذه (الأعسال) بال- (مُصَفَّقة) الدلالة على الصفاء وذهاب الشوائب من هذا الضرب من المآكل، أو هي كناية عن الإخلاص في العمل العبادي وبقية الطاعات التي لا تكون إلا اللّه تعالى، ومن ذلك الصفاء الذهني والعقلي الذي يتطلبه طلب العلم والمعرفة. وهذا كله من إيحاءات مفردة (المُصفّق) التي تدل في اللغة على ما يُحول من إناءٍ إلى إناءٍ لكي يصفُو (2). كأنّ وصفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لـ(أعسال الجنّة) بالـ (مُصفّقة) يراد منه كونها مُصفّاة غاية الصفاء، فلا شائبة فيها ولا كدر

وثّمة أثر قرآني في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقد وصفت الجنّة في القرآن الكريم بين إنعام اللّه تبارك وتعالى على ها، ترغيباً لهم في تحصيلها والسعي اليها، وذلك في قوله تبارك وتعالى : (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ)(3). فذكر القرآن الكريم (العَسَل) ؛ لأنّه ألذ الأشياء وأحلاها (4). وجعله (مُصفّى) ؛ في إشارة إلى خُلوِّه من بقايا الشمع والنَّحل، فكأنّه تعالى أراد نفي هذه الأمور عن عسل الجنة تميزاً له عما يوجد منه فى الدنيا، واللّه تعالى أعلم.

وقد وردت لفظة (العسل) بالدلالة نفسها التي أوردها الإمام في (قصا / 400)، إشارة إلى فائدته في الرقية من العين.

التمر

التَّمْر حَمل النَّخلة، وهو اسم جنس واحدته تمرة (5).

وجاءت لفظة (التمز) بصيغة الجمع مرة واحدة في نهج البلاغة (6)، للدلالة على تمر النخلة في آخر مرحلة مرحلة نضجه، وذلك في سياق ردّه على معاوية. إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ أَتَانِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ اصْطِفَاءَ اللّه تعالى مُحَمَّداً (صلى اللّه عليه وآله) لِدِينِهِ، وَتَأْبِيدَهُ إِيَّاهُ بِمَنْ أَيَّدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَقَدْ خَبَّأَ لَنَا الدَّهْرُ


1) نفسه.

2) ينظر : لسان العرب (صفق) : 202/10.

3) محمد / 15.

4) ينظر : مجمع البيان لعلوم القرآن : 9/ 180، والتفسير الكبير : 47/28. أقول : ومن هنا استعمل النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) لفظة (عُسَيْلتها) تصغير (عَسَل) بوزن (فُعَيْلة) للدلالة على حلاوة الجماع ولذته على سبيل الاستعارة، وذلك في قوله ((... حتى يَذُوقَ عُسَيلَتَها...)). وسائل الشيعة : 98/22، 119، ومسند أحمد : 193/6، وصحيح البخاري : 2014/5. وقد عدَّ اللغويون هذه اللفظة من الألفاظ المرتجلة في كلام النبي. ينظر : تهذيب اللغة (عسل) :56/2. ولسان العرب (عسل) : 11.

5) ينظر : العين (تمر) : 119/8، ولسان العرب (تمر) : 92/4.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 73.

مِنْكَ عَجَباً، إِذْ طَفِقْتَ تُخْبِرُنَا بِبَلَاءِ اللّه عِنْدَنَا، وَنِعْمَتِهِ عَلَيْنَا فِي نَبِيِّنَا، فَكُنْتَ فِي ذلكِ كَنَاقِلِ الَّتمْرِ إِلَى هَجَرَا (1)، أَوْ دَاعِي مُسَدِّدِهِ إِلى النِّصَالِ...)) (2). والمراد التّمر المعروف الذي تنتجه النخلة، في آخر مرحلة من مراحل نضجه، وذلك إذا زال عنه الماء الذي فيه، وهو قبل ذلك (رُطَب) كما يذكر اللغويون (3). والتمر غذاء مفيد كانت العرب وما تزال تتخذه غذاء لها.

ويشبه الإمام (معاوية) الذي كتب إلى الإمام كتاباً يذكر فيه حال النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، واصطفاء اللّه تعالى له وتأييده بأصحابه، مدعياً - بذلك - أنّه القريب من رسول اللّه والمطلع على النبوّة وأسرارها. فكان ذلك موضع عجب الإمام وسخريته، لأنّ معاوية أراد تعريف الإمام بأمور هو أعلم بها منه وأكثر دراية بها، لهذا شبهه الإمام بمن ينقل التَّمر إلى مدينة (هَجَر) المشهورة بالنخيل والتمر. كأنه بذلك يعمد إلى إفساد تجارته حمقاً وغباوة والتعبير المتقدم الذي استعمله الإمام هو من الأمثال الواردة في كلام العرب، ويضرب لمن يتلف بضاعته أو يضعها في غير موضعها، لأنّ (هَجَر) معدن التّمر والمُستبضع إليها مخطئ (4)ولهذا وظّف التعبير المتقدم ب لتعريف معاوية أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو أعرف منه بشأن رسول اللّه وبعثته واصطفائه وبما سيجري على البيت (عليهم السلام) من نعمة وبلاء، فذلك عند أمير المؤمنين من سخرية القدر، إذ يخاطبه (معاوية) بهذا الخطاب مع ضآلة قدره في الإسلام ؛ لأنّه من الطلقاء وأبناء الطلقاء.

مَلْفُوْفَة

الطعام اللفيف هو المخلوط والملفوف من جنسين فأكثر (5).

وقد استعملت لفظة (مَلْفُوْفة) مرة واحدة في نهج البلاغة (6)، دالة على ضرب من الحلواء الملفوفة التي جاء بها (الأشعث بن قيس) إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) رغبة في كسب وده واستمالته. يقول الإمام في وصف ذلك : ((وَأَعْجَبُ مِنْ ذلِكَ طَارِق (7)طَرَقَنَا بِمَلْفَوفَة فِي وِعَائِهَا، وَمَعْجُونَةٌ شَنِئْتُهَا، كَأَنَّمَا عُجِنَتْ بِرِيقٍ حَيَّةٍ أَوْ قَيْنِهَا، فَقُلْتُ : أَصِلَةً، أَمْ زَكَاةً، أَمْ صَدَقَةً؟ فَذلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْنَا الْبَيْتِ فَقَالَ: لاَ ذَا وَلاَ ذَاكَ، وَلكِنَّهَا هَدِيَّةً...)) (8). و (الملْفُوْفة) التي قدمت إلى الإمام ضرب من الحلواء، قيل إنها (الفالوذج) أو (الخَبِيص) (9). وذلك على سبيل. الهدية كما ادعى ذلك (الأشعث). وقد سكت الإمام عن تفصيل ما في (الملفوفة) من أنواع الحلواء استهانة بها واحتقاراً لها ولمن جاء بها. إذ يلحظ شدة سخط الإمام وعجبه من هذا (الطَّارق) الذي جاءه في جنح الظلام


1) هَجَر - بفتح أولها وثانيها - من مدائن البحرين. وقيل : بل ناحية البحرين كلها يقال لها هَجَر. يضرب فيها المثل في وفرة النخيل والتمر. ينظر : معجم البلدان : 5/. 393، ومعجم ما استعجم، للبكري : 4 / 1346. وأصل هذا التعبير هو مثل من الأمثال التي وردت في كلام العرب، وقد روته كتب الأمثال : ((كمُسْتَبْضع التمر إلى هجر)). ينظر : مجمع الأمثال : 102/22، والمستقصى في أمثال العرب : 2/ 233.

2) نهج البلاغة : ك / 28 : 488، 487.

3) ينظر : فقه اللغة (الثعالبي) : 206، والفاظ الشجر والنبات في القرآن الكريم (دراسة ومعجم)، رسالة ماجستير، اسعد جواد الخفاجي : 152.

4) ينظر : مجمع الأمثال : 102/22، والمستقصي في أمثال العرب : 233/2.

5) ينظر : لسان العرب (لفف) : 319/9.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 411.

7) الطارق - في اللغة - الضارب - ويقال لكل آت بالليل طارق، لحاجته إلى ضرب الباب. ينظر : لسان العرب (طرق) : 216/10، 217.

8) نهج البلاغة : خ/ 224 : 438.

9) ينظر : شرج نهج البلاغة (البحراني) : 54/4، والديباج الوضي : 1814/4.

مستتراً عن أعين الناس، ليشتري بها ثمناً قليلاً. ولهذا صرّح (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا الموقف مكنّيا عمن جاءه بلفظ (طارق) التي تدل على القادم ليلاً، كأنه يشير بهذا الوصف إلى كون هذه الفعلة من أفعال الجبت، لارتباطه بالتكهّن والرّجم بالغيب (1)، كأنّه لما جاء ليلاً تكَوّن أنّ الإمام سيمالئه على ما يريد، ولكنه أعرض عنه منكراً عليه فعلته، مشبّهاً (الملفوفة) بما عُجن بـ(ريق الحيّة أو قيئها)، للدلالة على كونها بمنزلة هذا الخليط الذي تشمئز منه النفوس، فضلاً عما يحتويه من سم الحية القاتل، فكأنّ قبوله لهذه الحلواء يمثل سبيلاً إلى النار والفناء بحسب نظرة.(2). فمثلما يكون الهلاك في الدنيا بسُم الأفاعي طريقاً إلى الموت، فكذلك يكون تناول هذه الملفوفة وأخذها، فأنّه سبيل إلى الهلاك في نار الآخرة. و في هذا تنبيه منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى بغضه للدنيا ونفوره منها، زهدا وورعا فضلاً عن رغبته في تهذيب النفوس الإنسانية، حتى وإن كان ذلك على سبيل الهدية ؛ لأنه يستلزم الجور وعدم العدل، فلابد للمرتشي من أن يميل إلى من قام برشوته، وهو ما يؤدي به – عند ذلك – إلى مجانبة الحق والقسط - وهذا ما يفسر لنا احتجاج الإمام على (الأشعث)، وتفضيله الجوانب المحتملة لما جاء به، راداً على كل جانب منها بالحجة والدليل.

5- قطع الطعام وبقاياه.

اللُّمظة
إشارة:

التلمّظ هو تحريك اللسان في الفم بعد الأكل، كأنه يتتبع بقية الطعام بين الأسنان (3). واللماظة – بالضم- بقية الطعام في الفم (4). واللُّمَاظَة الطَّعَام (5). والتَّلمُّظ التَّذوّق أيضاً (6).

وقد وردت لفظة (اللُّمْظَة) مرتين في نهج البلاغة، في حين جاءت مفردة (اللّماظة) مرة واحدة (7)، للدلالة على ما يأتي :

أولاً : الدلالة على النقطة البيضاء .

وتسمى هذه النقطة بـ (النكْتَة) التي تكون كالحبة الصغيرة من الحبوب، ولكنها بيضاء اللون. وبهذا شبه الإمام الإيمان الذي يبدأ في القلب، فيقول : ((إنَّ الإيمان يَبْدُو لُمْظَةً فِي الْقَلْبِ، كُلَّمَا ازْدَاد الإيمانِ ازْدَادَتِ اللمْظَةُ.)) (8)

و لسان العرب (لمظ) : 461/7، وتاج العروس (لمظ) : 5079/1.

. أقول : لقد وضع السيد الشريف الرضي هذا القول من أقوال الإمام في الفصل الخاص بغريب كلام أمير المؤمنين المحتاج إلى تفسير (9). ويعود ذلك إلى غرابة مفردة (لمظة) في هذا السياق، فضلا عن

1) ينظر : الديباج الوضي : 4 / 1815.

2) نفسه.

3) ينظر : تهذيب اللغة (لمظ) : 14 / 278، ولسان العرب (لمظ) : 462/7.

4) ينظر : المعجم في بقية الاشياء ؛ لأبي هلال العسكري : 144، ولسان العرب (لمظ) : 462/7.

5) ينظر : تهذيب اللغة (لمظ) : 278/14.

6) ينظر : لسان العرب (لمظ) : 262/7.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 413.

8) نهج البلاغة : غ / 5 : 652، وقد نقل المعجمون هذا الحديث عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ). ينظر : تهذيب اللغة (لمظ) : 278/14.

9) ينظر نهج البلاغة : 651.

كونها من الألفاظ الغريبة في اللغة أصلاً (1). واللّمْظَة - هنا - مثل النكتة و نحوها من البياض حسبما يذكر الشريف الرضى (2). وهكذا يبدو الإيمان فى القلب كما يرى الإمام، فهو نكته بيضاء تزداد بياضاً وسعة في القلب، كلّما زاد الإيمان وتأصل في الإنسان وهذا الأمر رهنّ بالعمل الصالح وما يتبعه من الحسنات، والبعد عن اجتراح السيئات التي تسود هذه النكتة البيضاء وتمنعها من النّماء والاتساع.

وقد بيّن الشراح كلام الإمام، فذكروا أنّ اللُّمظة هي النكتة البيضاء. والمراد تشبيه الإيمان في أول أحواله بالنكتة التي تكون في القلب، فلا تزال تزداد قوة وبياناً بالأعمال الصالحة والأحوال المستقيمة إلى أن تصير مَلَكة تامة فيه، فإذا ارتكب الإنسان شيئاً عن القبائح ازدادت تلك النكتة ضعفاً ومالت إلى التناقص والأفول (3). فأما ثبات المرء على ملكة الإيمان ولمظَته، فأشار اليه القرآن الكريم في قوله : (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (4). وأمّا الميل إلى تحجيم الإيمان وإضعاف تكتته في القلب، فيكون بـ(الرّيْن على القلوب)، وهو ما ذكره اللّه جل جلاله في قوله : (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (5)، ولستُ أشك في أنّ اللغويين أخذوا هذه الدلالة التي منحها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمفردة (لمُظة) في هذا السياق على سبيل التوسع في الدلالة، ليجعلوها دالة على البياض الذي يظهر في جحفلة الفرس وغيره من الدُّواب، وهو الشيء من البياض الذي يكون في شَفَة الفَرَس (6).

وقد أشار إلى ذلك غير واحد من اللغويين وفي طليعتهم أبو عبيد القاسم بن سلام (7)، والأزهري (8)، فضلاً عن السيد الشريف الرضي (9)، والدكتور إبراهيم السامرائي من المحدثين (10).

إن استعارة مفردة (لُمْظة) للدلالة على ما يبدو من نور الإيمان في القلب (11)، وَسَّع من دلالة المفردة المتقدمة في الاستعمال اللغوي، فانطلق معناها من الدلالة على القلّة والشيء اليسير كما يفهم من المتن المعجمي (12)إلى الدلالات الآتية التي تفهم من استعمال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لها، ويمكن إجمالها في مايأتي :

1- الدلالة على القلة والكثرة معاً بحيث أن (اللُّمظة) التي تبدأ نكتةً صغيرة، لا تليث أن تتسع بزيادة الإيمان في القلب.

2 - إن دلالتها على الكثرة يجنح بها نحو معنى (التضاد) اللغوي، وهو الدلالة على الشيء ونقيضه معاً.

3- دلالتها على اللون الأبيض، وهو ما يقابل (النور) الذي يكون في قلب المؤمن، وهذا ضرب من تخصيص لونها وانحصاره باللون الأبيض فحسب دون باقي الألوان، ألا أن يتغير (الإيمان) ويتحوّل


1) ينظر : مثلاً : الفائق في غريب الحديث : 311/3، والنهاية في غريب الحديث والأثر : 471/4، وغريب نهج البلاغة : 219.

2) ينظر : نهج البلاغة : غ/ 5 : 652.

3) نهج البلاغة (البحراني) : 513/5، والديباج الوضي : 6/ 2917، 2918.

4) الزمر / 22.

5) المطففين / 14.

6) ينظر : لسان العرب (لمظ) : 462/7.

7) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 4630/3، وغريب نهج البلاغة : 219.

8) ينظر : تهذيب اللغة (لمظ) : 14/ 278.

9) ينظر : نهج البلاغة : غ/ 5 : 652.

10) ينظر : مع نهج البلاغة : 320.

11) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 513/5.

12) ينظر : أساس البلاغة (لمظ) : 1/ 573، وتاج العروس (لمظ) : 263/5.

إلى شرك وكفر. فيصير حالة سلبية في المرء مثلاً، كأن يتحوّل الإيمان إلى نفاق، فيكون بلون أسود حينئذٍ، حسبما يروى في الحديث: ((النّفاقُ في القلب لمظةٌ سوداء)) (1).

أقول : ويفهم من الحديث المتقدمة أن مفردة (لفظة) تدل على اللون الأسود أيضاً، وهذا اللون يمثل دليلاً على انحطاط المفردة وابتذالها وقلّة شأنها بالنسبة لدلالتها اللونية، لارتباطها بالنّفاق، وهو من الخصال السيئة التي تسير بصاحبها إلى الدرك الأسفل من النار، في حين أن دلالتها على اللون الأبيض يجنح بها نحو الرُّقي والتَّفَاؤُل، وهذا هو الفارق بين الضدين المجتمعين في هذه المفردة. إذ يكون السياق فيصلاً في التفرقة بينهما.

أمّا سبب غرابة هذه اللفظة في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ، فراجع إلى استعارتها وتوظيفها في نسق من الكلام لا يناسب التعبير بهذه المفردة عن نور الإيمان الحاص في القلب، وهو ما يُفهم من قول الشارح البحراني الذي أشار إلى الاستعارة التي دلت عليها كلمة (لمظة) في قول أمير المؤمنين (2). فضلاً عما ذكره الدكتور عبد الكريم السعداوي بشان غرابتها، مُضيفاً إلى ذلك اجتماع دلالتي (القِلّة)، وهو صغر الحجم الذي أفادته الكلمة ودلالتها على اللون الأبيض الذي وُصف به الإيمان فى القلب، وهذا ما زاد من غرابتها عنده (3).

ومن خلال تتبع المدونات المعجميّة نلحظ أنّ المفردة المتقدمة ليست لفظة غريبة، فهي مستعملة في كلام العرب، ولكن الإمام أضفى عليها هذا السمت من الغرابة ؛ بسبب ما أنشأه من سياق ضمن فيه هذه الكلمة جاعلاً ما كان مألوفاً في لسان العرب شيئاً جديداً بعيداً عما اعتادوا عليه من دلالة لهذه المفردة، فضلاً عما أضافه إليها من دلالة التضاد والجمع بين البياض والسواد، وبين القلة والكثرة، علاوة على دلالتها على جحفلة الفرس، وهي مظهر من مظاهر الجمال في الخيل.

ثانياً: الدلالة على الدنيا

وقد استعمل الإمام مفردة (اللُمَاضَة) للدلالة على (الدنيا) وملذاتها في سياق كلامه عن التزهيد في الدنيا والترغيب في الجنّة. إذ يقول : (أَلَا حُرِّ يَدَعُ هذه اللُّمَاظَةَ لَهَا؟ إِنَّهُ لَيْسَ لاَنْفُسِكُمْ ثَمَنّ إِلَّا الْجَنَّةَ، فَلاَ تَبِيعُوهَا إِلا بِهَا.)) (4). واللماظة هي بقية الطعام الذي يبقى من الفم حسبما يذكر المعجميون (5). إذ استعار (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه المفردة للدلالة على الدُّنيا باعتبار قلتها وحقارة شأنها (6).

ويفهم من توظيف مفردة (اللّماظة) في هذا السياق معانٍ عديدة توحي بها هذه الكلمة ؛ منها أنّ الدنيا حقيرة الشأن لا قيمة لها، فهي كالماظة من الطعام التي لا تغني المرء من جوعه، فضلا عن دلالة القلّة


1) لم أعثر على هذا الحديث في المدونات الخاصة بالحديث النبوي، وهو في العين (لمظ) : 164/8، ولسان العرب (لمظ) : 461/7، وتاج العروس (لمظ) : 1/ 5079. أما كتب غريب الحديث، فلم تذكر الا حديث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ((الإيمان يبدأ في القلب لمظة))، وهو نقله ابن الأثير في النهاية : 553/4، والرواية خلاف رواية نهج البلاغة.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 513/5.

3) ينظر : غريب نهج البلاغة : 221.

4) نهج البلاغة : قصا / 456: 692.

5) ينظر : المعجم في بقية الأشياء : 144، ولسان العرب (لمظ) : 462/7.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 507/5.

والضّالة التي تبدو واضحة في مفردة (لماظة) التي تفيد الدلالة على البقية القليلة من الطعام التي تبقى في الفم. وقد أفاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) من هذه المِزّية الدلالية للكلمة، فمنحها للدنيا، لبيان قِصَر مُدّتها وغلبة الزُّوال عليها ولاسيما عند الأحرار الزاهدين الراغبين عنها. وهم الذين لا تتساوي عندهم الدنيا شيئاً. أما المفتونون بها فأولئك ها وأصحابها، ولهذا عبر الإمام عمّن يدع اللُّماظة لها بـ (الحرّ) ، طلباً للجنّة التي جعلها اللّه تبارك وتعالى ثمناً (للأنْفُس والأموال) في قوله : (إِنَّ اللّه مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةً) (1).

ثُقَالة

الثُّفْل ما رسب خثارته وعلا صفوه من كل شيء (2). ومن ذلك ما يثقل من رواسب القدر (3).

ومفردة (ثفالة) من الفاظ نهج البلاغة التي استعملها الإمام مرتين (4)، للدلالة على ما يرسب من بقايا الطعام الطعام في قعر القدر عند الطبخ على سبيل تشبيه ما يبقى من الناس عند وقوع فتنة (بني أمية). يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((رَايَةُ ضَلَالَة قَدْ قَامَتْ عَلَى قُطْبِهَا... قَائِدُهَا خَارِجٌ مِنْ الْمِلَّةِ، قَائِمٌ عَلَى الضَّلَّةِ؛ فَلَا يَبْقَى يَوْمَئِذٍ مِنْكُمْ إِلَّا ثُفَالَةٌ كَثْفَالَةِ الْقِدْرِ، أَوْ نُفَاضَةً كَنُفَاضَةِ الْعِكْمِ...)) (5). وراية الضلال هي راية الفتنة التي رفعها الأمويون على رأس قائدها وزعيمها الخارج عن مِلّة الدِّين، المقيم على ضُلّته. وهذا الكلام يمثل توطئة منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبيان الأساس الذي تدعوا إليه هذه الضلالة، وهو تتبع قادة الدين وأصحاب الإسلام الحق والمبدأ الصواب، لاستئصالهم من الأرض والقضاء عليهم، ليتاح لهم المجال في الهيمنة على المجتمع ونشر الضلال فيه. فشبه من يبقى من الناس في ذلك الوقت ببقايا الطعام فى قعر القدر وحواشيه من كدرة وغيرها مما لا خير فيه. كأنّ هؤلاء الذين يبقون زمن الفتن والضلال يشبهون ثفالة القدر في قلة شأنهم وعدم أثرهم في المجتمع ؛ بوصفهم من أراذل الناس الذين لا يلتفت إليهم (6). فهم ليسوا بمنزلة رؤوس الدين وقادته الذين يوجّهون الناس ويرشدونهم إلى الحق ويبعدونهم عن الباطل. ولهذا يعمد الأمويون وغيرهم من أصحاب الفتن إلى إبقاء هذا النمط من الناس، لسهولة قيادتهم وتوجيههم أينما يريدون.

وقد عزّز الإمام من الدلالة المتقدمة، بأن عطف عليها قوله : ((أَوْ نُفَاضَةٌ كَنُفَاضَةِ الْعِكْمِ)). والنقاضة ما يقع من الأشياء عند نفضها وتحريكها (7). فهو من بقايا الأشياء التي تسقط. وخُصت هذه البقايا بما يسقط من العكم والأعدال التي توضع على جانبي الهودج التي يوضع المتاع فيها، وربما وضعت فيها الأوعية من صنوف الأطعمة (8). فمن الطبيعي أن يسقط من هذه الأعدال بقايا الأطعمة والأمتعة، فيعمد إلى نفضها لإسقاط ما علق فيها من هذه البقايا. وقد تكون هذا العِكم خاصة بالمرأة التي تتخذها لأدخار متاعها


1) التوبة / 111.

2) ينظر : العين (ثفل) : 226/8، وتهذيب اللغة (ثفل) : 15/ 66.

3) ينظر : العين (ثفل) : 226/8.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 75.

5) نهج البلاغة : خ/ 108 : 197.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 3/ 013، ومنهاج البرعة : 7 / 244.

7) ينظر : لسان العرب (نضو) : 240/7.

8) نفسه (عكم) : 415/12.

متاعها (1). وتنفض هذه الأعدال جميعاً بعد إفراغ ما فيها لتنظيفها وتخليصها مما علق بها من وسخ وغيره فشبه الإمام من يبقى من الناس أيام الفتنة والضلال بما يُنفض من هذه العُكُوم، ومما يعضد ذلك، وصفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كيفية تتبع هذه الفتنة للمؤمن فتدوسه بأذاها. بقولة : ((وَتَدُوسُكُمْ دَوْسَ الْحَصَيدِ، وَتَسْتَخْلِصُ الْمُؤْمِنَ مِنْ بَيْنِكُمُ اسْتَخْلاصَ الطَّيْرِ الْحَبَّةَ الْبَطِينَةَ مِنْ بَيْنِ هَزِيلِ الْحَبِّ)) (2). والنص واضح في أنّ البقية الباقية من الناس هم الأراذل، لأنّ خيار الناس وزعماءهم في الإيمان والتقوى هم الذين يتتبعهم الظالمون لاستئصاله وقتلهم. وهذا هو معنى كلامه : ((استخلاص الطير الحبّة البطينة)). فكما يعمد الطير إلى تخير البطين الممتلىء من الحبّ لأكله، وترك الهزيل غير المكتمل منه، فكذلك يفعل الظالمون الذين يوجهون عيونهم وأتباعهم لقتل المؤمنين الأبرار وترك من لا يشكل خطراً عليهم.

لُقْمَة

اللَّقْم - في اللغة - سرعة الأكل والمبادرة إليه (3). واللقمة واللَّقْمة - بالفتح والضم - ما يهيّأ للقم(4). واللقم واللقم الأخذ بالفم والابتلاع في مهله(5).

وجاءت لفظتا (يُلْقِمْنِيه) و (لُقْمَة) مرة واحدة لكل منهما في نهج البلاغة(6)، للدلالة على ما يأتي :

أولاً : ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق كلام أمير المؤمنين عن مكانته من رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) التي يقول فيها : ((وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللّه (صلى اللّه عليه وآله) بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ، وَالْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ ؛ وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنَا وليدٌ يَضُمُّنِي إِلى صَدْرِهِ، وَيَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ، وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ، وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ، وَكَانَ ُيَمْضَعُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ...)) (7). ويُلْقِمَنِيهِ. يُطعمه الطعام، وذلك أن النبي كان يمضغ الطعام ويلوكه له حتى يلين، ومن ثم يلقمه للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (8).

أقول : إنّ استعمال الإمام مفردتي (يمضع و يُلْقِمنيه) جاء مناسباً للإبانة عن معنى عناية النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) واهتمامه بإطعام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و في (مَضْعِ) النبي للطعام، إشارة إلى اشتماله على البركة وطيب المطعم الذي ينتقل إلى الطعام من ريق رسول اللّه، ومن ثَم إلى فم الإمام (9). ويُفهمم من قوله أنه يُباهي بهذه المنزلة الرفيعة والمكانة العظيمة من رسول اللّه ويفتخر بها، ولا سيّما من جهة تلقفه الطعام من ريق رسول اللّه. ويبدو لي أنّ إيثاره مفردة (يُلقِمنيه) على غيرها من الألفاظ يرجع إلى القيمة الصوتية التي تنماز بها هذه الكلمة، فصوت القاف في الكلمة من الأصوات ذات القوة في الإسماع، فهو صوت قوي


1) نفسه.

2) نهج البلاغة : خ/ 108 : 197.

3) لسان العرب (لقم) : 546/12.

4) نفسه.

5) نفسه.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 41، 412.

7) نهج البلاغة : خ/ 192 : 387.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 4 : 183.

9) ينظر: الديباج الوضي: 4 / 2052.

صحيح الجرس حسب تعبير ابن جني (1). ويوصف بأنّه صوت مجهور شدید انفجاري ذو قلقلة (2). وربما منحت منحت هذه الخائص الصوتية لصوت (القاف) في المفردة المتقدمة فضيلة التقدمة في استعمالها بالدلالة على التقامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الطعام من فم النبي.

ثانياً: الدلالة على فتنة الخلافة.

والمراد بالفتنة هنا بيعة السقيفة، ولما دعا (أبو سفيان بن حرب) إلى بيعة الإمام على أثر تنصيب (أبي بكر) خليفة على المسلمين للإيقاع بين المسلمين. فقال الإمام في ذلك : ((أَيُّها النَّاسُ، شُقُوا أَمْوَاجَ الفِتَنِ بِسُفْنِ النَّجَاةِ، وَعَرِّجُوا عَنْ طَريقِ المُنَافَرَةِ، وَضَعُوا تِيجَانَ المُفَاخَرَةِ أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ، أَوِ اسْتَسْلَمَ فَأَراحَ، مَاءً آجِنٌ، وَلُقْمَةٌ يَغْصُّ بها آكِلُهَا، وَمُجْتَنِي الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا...)) (3). وتبدو مفردة (لقمة) مستعارة في هذا السياق لما يطلب من الخلافة وأمرها، وأشار بالإخبار عنها بمفردة (يغُضّ) إلى أنّ الغصص يدل على نفار النّفس منها والابتعاد عن قبولها، وكذلك حال الخلافة عنده فقد كاذب فيها المسلمون وتنافروا، وهو أمر يوجب الابتعاد عنها وعدم الالتذاذ بها، لسُكّن فورة من استنهضه بهذا الأمر، بأن ذكر له إنها لقمة منغصة لا يساغ تناولها والانتفاع بها (4).

6 - ألفاظ أدوات الطبخ ومتعلقاتها

أ - أدوات الطعام
وعاء
إشارة:

الوِعاء كل ظرف يوضع فيه الشيء (5).

وقد وردت لفظة وعاء أربع مرات في نهج البلاغة، مرتان منه محلاة ب (ال) التعريف، وواحدة محلاة بها (الوِعاء)، و، و أخرى أضيفت اليها ضمير الغائبة المفردة (وعائها). في حين وردت لفظة (أوعية) بصيغة الجمع على (أفغلة) مرة واحدة (6)للدلالة على مايأتي :

أولاً : الدلالة على وعاء العلم.


1) ينظر : سر صناعة الإعراب : 1/ 65.

2) ينظر: سر صناعة الإعراب : 21/11، 277، 63 و المدخل إلى علم اللغة، للدكتور رمضان عبد التواب : 78،79.

3) نهج البلاغة : خ/ 5 :35، 36.

4) ينظر : معارج نهج البلاغة : 1/ 241، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 1/ 190، والديباج الوضي : 2/12، 239.

5) ينظر : لسان العرب (وعي) : 397/15.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 489.

وهي أكثر الدلالات وروداً، فقد استعمل الإمام مفردتي (وعاء) وجمعها (أوْعِية)، فمن إيراده اللفظة الأخيرة قوله في سياق وصف (القُلوب)، مخاطباً بعض أصحابه : ((إِنَّ هذهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةً، فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا ...)) (1). فشبه قلوب الناس بالأوعية، وهي الظروف التي تحفظ فيها الأشياء. بلحاظ الإحاطة والحفظ والحماية، ونبه الى أنّ خيرها ما كان أكثرها سعة وحفظاً وإحرازاً للأشياء. فكلما كانت القلوب أكثر سعة للحفظ والاستيعاب والتبصر بالأمور، عدّت من (أوعى) القلوب وأفضلها. ولهذا طلب الإمام من المخاطب أن يحفظ عنه ما يقوله له: ((فَاحْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ...)) (2). وقد وظّف (عَلَيهِ السَّلَامُ) بناء (أفْعِلَة) للدلالة على تعدد وظائف هذه القلوب وغاياتها والملاحظ أنّ الإمام أخبر عن (القُلُوب)، وهو جمع على وزن (فُعُول) من أبنية جمع الكثرة (3)، بمفردة (أوعِيَة) على بناء (أَفْعِلَة) من أبنية القِلّة.و هذا يدل على أمرين، فإما أن يريد ببناء (أفْعِلة) في هذا المقام - الدلالة على الكثرة مثلما أريد بلفظ (القُلُوب)، بحيث يكون البناء المتقدم دالاً على القلة النسبية وليست المطلقة، أو أن يكون المراد أنّ القُلُوب في أصلها خزائن وظروف لجمع الحكم والمعارف والنصائح واستيعابها، فهي تشبه في ذلك الأوعية التي يحفظ فيها الطعام وغيره مما يحرص عليه، ولكنّها لا تعد جميعاً قلوب بصيرة وتبصر، بحيث تفهم كل ما تسمعه و تراه من تجارب ومواعظ. فتكون بذلك دالة على القلّة وليس الكثرة.

ويبدو الأثر النبوي واضحاً في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد ورد عن النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قوله في وصف القلوب : ((القُلُوب أَوْعِيةٌ، وبعْضُها أَوْعَى من بَعْضٍ...))(4). وهذا القول يبين كيف تكون القُلوب أوعية لا يراد منها الحفظ والاستيعاب فحسب، وإنما الفهم والتفكّر، فضلاً عن تحليل ما في هذه القلوب من معلومات وخبرات.

و قد وردت مفردة (وِعاء) بصيغة المفرد بالدلالة المتقدمة في (خ/ 71، قصا / 205).

ثانياً : الدلالة على الظرف الذي يحفظ فيه الطعام

وجاء ذلك في ذمّ بعض من جاءه بضرب من (الحَلواء) طالباً بذلك خداع الإمام يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((وَأَعْجَبُ مِنْ ذلِكَ طَارِق طَرَقَنَا بِمَلْفَوفَة فِي وِعَائِهَا...)) (5). يعجب الإمام من جُرأة هذا الشخص الذي أقدم على الإمام بهذه الحلواء التي ضمتها بوعاء يسترها عن الأعين، فكني عن ذلك بمفردة (وعائها) (6)، ولهذا قدم على الإمام ليلاً يريد بذلك استمالته وإبعاده عن دينه. فذمّ الإمام هذا (الطَّارق) وأنكر عليه فعلته هذه، لما لمسه من ريبة في تصرفه.

وقد استعمل الإمام لفظة (وعاء) بالدلالة على الظرف الذي يحفظ فيه الماء والطعام في (ك/ 31).

الإناء


1) نهج البلاغة : قصا / 147 : 629.

2) نفسه.

3) ينظر : كتاب سيبويه : 177/2.

4) مسند أحمد : 2/ 177.

5) نهج البلاغة : خ/ 224 : 438

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 54/4.

الإناء ما يُرتفَق به.(1). ويستعمل في أغراض عدة كالطبخ وغيره (2). وقيل : بل هو وعاء الماء (3).

واستعملت مفردة (الإناء) ثلاث مرات في نهج البلاغة ؛ منها مرة واحدة أضيفت فيه (ياء) المتكلّم الى المفردة (إنائي) (4)، للدلالة على الإناء الذي يتخذ لحفظ الطعام والشراب. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) متحدثاً عما سيفعله الناس بالإسلام وأحكامه قائلاً : ((أَيُّهَا النَّاسُ، سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُكْفَأُ فِيهِ الْإِسْلامِ، كَمَا يُكْفَأُ الْأَنَاءُ بمَا فِيهِ.)) (5). والإكفاء الانقلاب (6). فشبه انقلاب أحكام الإسلام وتغييرها بانقلاب الإناء المخصص للأكل والشرب بما فيه. ووجه الشبه في ذلك ضياع مفاهيم الدين ومبادئه وصرفها عن محتواها الإسلامي الى إغراض أخرى يستفاد منها أصحاب الأهواء والملل والفتن الذين يعمدون الى تحريف الدين، وتسخيره لمصالحهم الخاصة. وبهذا يكون (الإسلام) كالإناء الذي ينقلب ما فيه من زاد أو ماء فيضيع هدراً، لتلوثه بالأوساخ والقذر، فضلاً عن وطئه بالأقدام. وكذلك سيفعل (بالإسلام) الذي أخبر الإمام أنه سيعرض له ما يعرض للأواني من انقلاب، فتضيع بذلك حقوق الناس، وتشيع الفتن التي ينجذم لها حبل الدين. وتُعطّل حدود الإسلام، ويترك العمل بأحكامه. ويكون فيه المحسن بمنزلة المسيء (7).

أقول : كأنّ الإمام يومئ بذلك الى قوله تبارك وتعالى: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) (8). و شبيه بهذا ما قاله الإمام متحدثاً عن سلب الناس حقه في في سياق حديثه عن (قريش) داعياً عليهم بقوله : ((اللّهمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ (9)عَلى قُرَيْشَ وَمَنْ أَعَانَهُمْ فَإِنَّهُمْ قَطَعُوا رَحِمِي، وَصَغَرُوا عَظِيمَ مَنْزِلَتِي، وَأَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي أَمْراً هُوَ لِي. ثُمَّ قَالُوا: أَلَا إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ، وَفِي الْحَقِّ أَنْ تَتْرُكَهُ)) (10). يعرض – في هذا النص – الى قضية ظلامته في قريش ومن أعانهم على ظلمه مستعير لذلك مفردة (إنَاء) التي أضاف اليها (ياء) المتكلّم، لبيان حَقَّه الذي غُصِب منه. يومىء بذلك الى (الإمامة) التي أخذت منه بعد وفاة رسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم). ويحتمل أن يكون المراد بقوله: (أكفَؤُوا إنَائِي) الكناية عن إعراضهم وتفرّقهم عنه، فإن ذلك من لوازم قلب الإناء الذي يتفرق ما فيه من زاد أو ماء عند قلبه (11). ومما يعضد هذا الوجه أيضاً إشارته الى قطع رحمه، الذي يراد منه الدلالة على غربته بين هؤلاء القوم


1) ينظر : المحكم (أني) : 10/ 530/1، ولسان العرب (أني) : 14/ 48.

2) نفسهما.

3) ينظر : المغرب : 47/1.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 40.

5) نهج البلاغة : خ/ 103 : 188.

6) ينظر : غريب الحديث (ابن قتيبة) : 1/ 601.

7) وقد عبر الإمام عن هذا الأمر في موضع آخر من النهج عند كلامه عن الفتن وتأثيرها في الناس : ((.. وَلُبِسَ الإسلام لُبْسَ الْفَرْوِ مَقْلُوباً.)) خ/ 108.

8) النساء /46.

9) استعديك. استعينك للنصرة عليهم. ينظر : لسان العرب (عدو) : 15/ 39.

10) نهج البلاغة : خ / 172 : 310. وينظر : خ/217.

11) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 34/4.

؛ لأنّهم جعلوه بموقفهم هذا - كالأجنبي منهم، فلم ينصروه أو يعينوه على حقه (1). وقد استعمل الإمام لفظة (الإناء) بالدلالة على إناء الماء في (خ / 42).

الجفان

الجفنة أداة للطعام (2). وهي أعظم ما يكون من القِصَاع التي يُطْعم فيها (3).

وقد استعمل الإمام لفظة (جِفَان) في نهج البلاغة مرة واحدة (4)، وبصيغة الجمع للدلالة على قِصَاع الطعام الكبيرة، وذلك في سياق اللوم والتقريع الذي ضمنه كتابه الى عامله على البصره، إذ يقول له : ((...فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إِلى مَأْدُبَة، فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا، تَسْتَطَابُ لَكَ الْأَوَلْوَانُ، وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ)) (5). والجِفان هي القصاع العظيمة التي تملأ بالطعام. وقد جاءت هذه المفردة مناسبة لما أراد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحديث عنه من ذمّ عامله الذي بادر مسرعاً الى مآدب الأغنياء التي يجفى عنها ذوو العيلة والفقر ويدعا اليها الأغنياء وذوو الرّفعة والمناصب الرّفيعة. فيشيع في هذه الموائد البذخ والترف والإسراف، وهو ما أوحت به مفردة (جفَان) التي تدل - كما ذكرت - على القصاع العظيمة التي رغب أصحابها بأن يتجاوزوا بها الحد في البذخ والاسراف، مصورين الأمر بصورة الكرم، رغبة منهم – فيما يبدو – في التباهي وإظهاراً لأنفسهم بمظهر الغنى. وهو تقدمه المفردة السابقة لدالة على السعةة الاحاطة و الاحتواء (6). حتى أن العرب كانت تسمّي السّيد المطعام في قومه (جَفْنَة) ؛ لكثرة وضعه الزاد في الج فان ليطعم الناس منها. فسموه باسمها علامة على سعة كرمه وكثرة إنفاقه (7). وهذه الجفان مع سعتها، فهي متعددة كثيرة تتجاوز الحد المعقول والمقبول من الطعام، وذلك بقرينة استعمالها بصيغة جمع الكثرة على (فِعَال). فلو كانت تلك المأدبة التي دعي اليها والي البصرة قليلة جفانها، لاستعمل الإمام مفردة (جَفنَات) التي تدل على المعنى نفسه وبأدنى العدد حسبما يذكر اللغويون في دلالتها على العدد القليل (8). فضلاً عن ذلك، فالنص يؤكد وجود البذخ والإسراف في هذه المأدبة التي يتكلم عنها الإمام، بقرينة قوله (وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ)). والمراد أنّ هذه القصاع متعددة لاختلاف الوان الطعام فيها، بحيث أنّه (تُسْتَطَابُ لَكَ الألْوَانُ))، و يؤتى بالمزيد منها إظهاراً للترقه بالمعايش والتَّأنق في اللذات (9)وبإزاء هذا كله فالغني هو المدعو، والعائل هو المجفو، وهو ما أزعج الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهيّج مواجعه نحو هذا الرجل الذي أسرع الى تلبية هذه المأدية دون النظر الى ما يقضمه من مقضم كان الأجدر إلاّ يُسرع إليه مبادراً، وإنما يدعو صاحبه الى إعداد هذه المآدب للفقراء والمعوزين والجياع المستحقين لها.

مائدة


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 84/11.

2) ينظر : العين (جفن) : 6 / 146.

3) ينظر : لسان العرب (جفن) : 89/13.

4) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 86.

5) نهج البلاغة :ك/ 45: 529.

6) ينظر : مقاييس اللغة (جفن) : 465/1.

7) ينظر : لسان العرب (جفن) : 89/13.

8) ينظر : جمهرة اللغة (جفن) : 1/ 488.

9) ينظر : الديباج الوضي : 2440/5.

المائدة الخوان الذي يوضع عليه الطعام (1). وقيل : إن المائدة هي الطعام نفسه ؛ فلا تسمّى المائدة فائدة فائدة حتى يكون عليها الطعام، والا فهي خوان (2).

وقد وردت لفظة (مائدة) مرة واحدة في نهج البلاغة (3)، دالة على الدنيا التي تكون محلاً للاجتماع والتآلف بين الناس. وذلك في سياق الوعظ والإرشاد الذي يقول فيه الإمام: ((أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ سالكيهِ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَة شِبَعُها قَصِيرٌ، وَجُوعُهَا طَوِيلٌ...)) (4). يشبّه الإمام الدنيا بـ (المائدة) التي اجتمع عليها الناس، والتي توضع عليها الوان مختلفة من الأطعمة والأشربة ولكن ما يلبث المجتمعون عليها أن ينصرفوا عنها، ويتفرقوا. فعبّر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن حال الاجتماع والتفرّق حول هذه (المائدة) بلفظتي (الشَّبَع والجُوع)، كأن الذي ينال بغيته من هذه المائدة بمجرد أن ينصرف عنها، فإنّه يعود الى جوعه. فكيف إذا كانت هذه المائدة هي (الدنيا) التي استعار لها الإمام مفردة (المائدة) بوصفها محل للاجتماع، واللقاء بين الناس، فضلاً عن الإشارة إلى دورانها وتقلبها واضطرابها ؛ بلحاظ أصل اشتقاقها الذي يذكر اللغويون أنها مشتقة من (المَيْد)، وهو في اللغة - الميل والاضطراب والمجيء والذهاب (5). وهذا وهذا المعنى يليق - فيما يبدو - بالدنيا التي أعرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ذكرها، مكتفياً بإيراد لفظ (مائدة) للدلالة عليها ؛ لأنّه لم يقصد (الدنيا) - بحد ذاتها - وإنما أراد أنها محل اجتماع ولقاء على منافع يبتغيها الناس لإشباع رغباتهم وغرائزهم، فجاءت كلمة (مائدة) لبيان قصر الاجتماع وقلة الملذات التي تقدمها هذه المائدة، وكثرة الهموم والبلايا التي تسديها للناس (6). ويمكن أن تتضمن المفردة المتقدمة الدلالة على التَّفضّل والعطاء الذي الذي منحه اللّه تبارك وتعالى للعباد، وذلك بجمعهم في (مائدة الدنيا)، لتكون محلاً للتزوّد بالتقوى ليوم يحتاج فيه الإنسان الى الزاد الذي يقيه الحساب والعقاب. كأن اللّه تبارك وتعالى أمدّ الناس بها ومنحهم إياها في مقام التفضل والمنِّ عليهم، لتكون سبيلاً لهم الى الجنّة. وكلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ)- آنف الذكر - ترغيب لأصحابه السالكين طريق الهدى، ونُصح لهم في البقاء على سكتهم هذه مع قلة عددهم، مسوغاً ترغيبه لهم بقصر مدة الشبع عند المائدة، وقلة المكوث فيها. وبهذا تكون مفردة (مائدة) في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ)ذات دلالة جديدة غير معهودة عند اللغويين.

ب - أدوات الطحن ومتعلقاتها
الرِّحَى
إشارة:

الرَّحا أداة يُطحن بها (7)، وهي صخرة تطبق على صخرة أخرى، ثم تدار أعلاهن بقطب فتطحن الحب (8).


1) ينظر : العين (ميد) : 89/8، ولسان العرب (مید) : 3/ 411.

2) ينظر : فقه اللغة (الثعالبي) : 1/ 4، ولسان العرب (ميد) : 411/3.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 432.

4) نهج البلاغة : خ / 201 : 402.

5) ينظر : العين (ميد) : 89/8.

6) ينظر : معارج نهج البلاغة : 2/ 639، وشرح نهج البلاغة (البحراني) :764/3.

7) ينظر : لسان العرب (رحا) : 312/4.

8) ينظر : المعجم الوسيط : 1/ 355.

وقد استعمل الإمام لفظة (الرّحى) ست مرات في كلامه الوارد في نهج البلاغة ؛ مرّتين منها أضيف اليها ضمير المفردة الغائبة (رَجَاها)، ومرتين اتصل بها ضمير جماعة الغائبين (رَحَاهُم) (1)، وذلك للدلالة على مايأتي :

أولاً : الدلالة على الرَّحى المعروفة التي تستعمل في الطحن

واستعملت هذه الدلالة في غير موضع من كلامه الوارد في نهج البلاغة، فمن ذلك توظيفه لهذه الدلالة في إظهار رئاسته في الأمة وتقدّمه فيها، مصوراً الناس بهيأة الرّحى التي جعل من نفسه قطباً لها. كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) ((وَإِنَّمَا أَنَا قُطْبُ الرَّحَى، تَدُورُ عَلَيَّ وَأَنَا بِمَكَاني...)) (2). فاضافة مفردة (قطب) الى كلمة(الرّحي) من جهة إضافة (الجزء الى الكل)، لبيان أن منزلته في الناس كمنزلة (القُطب) الذي ينتصب في آلة الطحن، إذ لا تقوم الأخيرة إلا به. وقد ورد نظير هذا التعبير في (خ/3)، و (خ/146).

واستعار الإمام لفظة (الرّحى) للفتن، وذلك في قوله الذي يحذِّر فيه العرب من الفتن قائلاً: ((ثُمَّ إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَغْرَاضُ بَلايَا قَدِ اقْتَرَبَتْ، فَاتَّقُوا سَكَرَاتِ النِّعْمَةِ، وَاحْذَرُوا بِوَائِقَ (3)النَّقْمَةِ، وَتَثَبَّتُوا فِي قَتَامِ الْعِشْوَةِ، الْعِشْوَةِ، وَاعْوِجَاجِ الْفِتْنَةِ عِنْدَ طُلُوعِ جَنِينِهَا، وَظُهُورِ كَمِينِهَا، وَانْتِصَابِ قُطْبِهَا، وَمَدَارِ رَحَاهَا...))(4). فَكَنَّى (بانتصاب قُطبها) عن تأهّب قادتها الى إثارة الفتن واشتغالهم بإثارتها وبتها بين النّاس، وبقوله (مدار رحاها) الى انتشارها في الأمة، كأنها بدورانها قد بدأت معلنة عن طحن كل ما يقع بين صخرتيها، فلا يبقى منه إلا القشور، في حين أنّ المستفيد من هذه الحالة هم أقطاب هذه الفتنة الذين ينصبون قطبها ويديرون طابقيها. وهذا التصوير الفني الذي استعمله الإمام وصفاً للفتنة، أورده في سياق آخر يتحدث فيه عن عقاب (الإمام الجائر)، ناقلاً حديثاً عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في هذا الشأن، وذلك لما استسفره المسلمون الى الخليفة (عثمان) شاكين إليه ما نقموه من (عثمان) سائلين مخاطبته في الكفَّ عمّا يقوم به، فخاطبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله : ((... فاللّه اللّه فِي نَفْسِكَ! فَإِنَّكَ. وَاللّه. مَا تَبَصَّرُ مِنْ عَمَى، وَلَا تَعَلَّمُ مِنْ جَهْلِ... فَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللّه عِنْدَ اللّه إِمَامٌ عَادِلٌ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّه (صلى اللّه عليه وآله) يَقُولُ: ((يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْإِمَامِ الْجَائِرِ وَلَيْسَ مَعَهُ نَصِيرٌ وَلَا عَاذِرٌ، فَيُلْقَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيَدُورُ فِيهَا كَمَا تَدُورُ الرَّحَى، ثُمَّ يَرْتَبِطُ فِي قَعْرِهَا))(5)...)) (6)ويدل حديثه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وما نقله عن النبي الأكرم من أنّ نار جهنّم أشبه بالرحى في في دورانها حتى كأنها تطحن من يقع فيها كما تطحن الرّحى الحبوب، فضلاً عن استعارها وشدّة حرّها وقد ساق الإمام هذا الحديث في مقام الترهيب والترغيب رغبة في إعادة الخليفة (عثمان) الى سبيل العدل بين الناس بعدما جار عليهم بتسليطه الأمويين من قراباته على رقاب الناس كما تذكر المدونات التأريخية (7)فجاء وعظ


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 384.

2) نهج البلاغة : خ / 119 : 221.

3) البوائق جمع (بائقة)، وهي الداهية الشديدة. ينظر : لسان العرب (بوق) : 30/10.

4) نهج البلاغة : خ/ 151: 263.

5) لم أعثر على هذا الحديث في المدونات الخاصة بالحديث النبوي، وقد نقلته المصنفات التأريخية التي تحدثت عن حالة الخليفة (عثمان بن عفان) وإكثار الناس القول القول فيه وتوسط الإمام علي الحديث معه. ينظر : تاريخ الطبري : 645/2، والبداية والنهاية : لابن كثير : 168/7.

6) نهج البلاغة : خ / 164 : 292، 293.

7) ينظر : تاريخ الطبري : 643/2 وما بعدها، والبداية والنهاية : 7 / 166 وما بعدها.

الإمام له بأسلوب يعتمد تذكيره بأقوال النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وتحذيره من النار لعل ذلك يحرّك الأوبة والرجوع الى الحق في نفسه، ولهذا قال له الإمام ناصحاً : ((فَلاَ تَكُونَنَّ لِمَرْوَانَ سَيِّقَةً يَسُوقُكَ حَيْثُ شَاءَ بَعْدَ جَلَالَ السِّنِّ وَتَقَصّي الْعُمُرِ. فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: كَلَّمِ النَّاسَ فِي أَنْ يُؤَجِّلُونِي، حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْهِمْ مِن مَظَالِمِهِمْ، فَقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) مَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَلَا أَجَلَ فِيهِ، وَمَا غَابَ فَأَجَلُهُ وُصُولُ أَمْرِكَ إِلَيْهِ.))(1).

ثانياً : الدلالة على الثَّراء والنماء وكثرة الرزق

وجاءت هذه الدلالة في سياق كلامه عن الفضل الذي جاء به النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) للعرب، وما سببه لهم من خير في الجانبين (الديني والاجتماعي)، إذ يقول : ((فَإِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلى اللّه عليه وآله)، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً، وَلاَ يَدَّعِي نُبُوَّةً وَلا وَحْيِاً، فَقَاتَلَ بِمَنْ أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ، يَسُوقُهُم إِلَى مَنْجَاتِهِمْ، وَيُبَادِرُ بِهِمُ السَّاعَةَ أَنْ تَنْزِلَ بِهِمْ، يَحْسَرُ الْحَسَيرُ، وَيَقِفُ الْكَسِيرُ فَيُقِيمُ عَلَيْهِ حَتَّى يُلْحِقَهُ غَايَتَهُ، إِلَّا هَالِكاً لاَ خَيْرَ فِيهِ حَتَّى أَرَاهُمْ مَنْجَاتَهُمْ وَبَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ، فَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ وَاسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ (2)...))(3). وخصَّ المقطع الأول من كلامه بفضيلة النبي في نشر الدين الإسلامي، وتوحيد اللّه تبارك وتعالى، بعدما كان شائعاً بينهم الشرك وعبادة الأصنام فجاءهم النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بنبوة وَوَحي يهديهم الى سبل السَّلام والرشاد حتى أرشدهم الى خلاصهم من عذاب اللّه جل جلاله، ووضعهم في طريق معرفته، وأنزلهم منزلتهم التي وصلو إليها، وأكسبهم احترام الأمم وتقديرها، ثم أشار الى ارتفاع مستواهم المعيشي، مستعملاً لذلك تعبير (استدارت رحاهم)، فإنّه كان لمّا كان دوران الرّحى سبباً في الحصول على الخير المتحصل من طحن ما يكون من الغذاء كـ (القمح والشعير) بتلك الآلة، فكان دورانها علامة للرزق والنماء واكتفاء العيش. ويمكن أن يكون المراد باستداره رحاهم، الدلالة على أمرين ؛ الأول دوران حالهم واستمراره وتكامله، وذلك أنّ الرّحا إنما تدور إذا تكاملت أدواتها واجتمعت الآتها (4). والثاني الدلالة على ارتفاعهم، علو شأنهم كما ترتفع القطعة من الأرض (5). فإنّ أداة الطَّحن هذه ترتفع عن الأرض التي توضع عليها ارتفاعاً بارزاً، فتبدو من ذلك علامة ظاهرة للعيان، وهو ما يجعلها ظاهرة للناظر فكذلك هم العرب الذين ارتفع شأنهم بمجيئ النبي الأكرم. ويمكن أن يتضمن تعبيره الإشارة الى اجتماع العرب وتآلفهم على دين واحد ورابطة اجتماعية جمعهم عليها النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، فإنهم ما زالوا متفرقين أيادي سبأ قبل بعثته (صلوات اللّه عليه).

ويحتمل أن يكون المراد بقوله أنهم قويت شوكتهم، ودارت رحى قوتهم، فأصبحوا، باجتماعهم وتوحدهم، قادرين على مواجهة أعداء الإسلام والوقوف بوجه التحديات التي تقف بوجه الدين ؛ وهذا الأمر أصبح بداية لظهور الأمة الإسلامية التي صنعها النبي محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، للوقوف بوجه الحضارات المعاصرة لها ؛ و حتّى الأسبق منها زمناً. وبهذا يكون الإمام قد استعار لفظ (رَحَاهم) للدلالات المتقدمة،


1) نهج البلاغة : خ/ 164 : 293.

2) القناةُ الرّمح. وقيل : بل هي كل عصا مستوية. ينظر : المحكم (قنو) : 568/6.

3) نهج البلاغة : خ/ 104 : 189.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن ابي الحديد) : 11/7.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 3/ 499.

جاعلاً من النبي الأكرم اليد التي أدارت هذهِ (الرَّحى) وقامت على جمع أجزائها وأدواتها وتهيئة لوازمها، ومن ثم الشروع بعملها. معبّر عن تساوق أمرهم هذا واستمرار اعتداله وتقويمه بقوله : ((استقامت قناتهم))، كأنّه يومىء بذلك الصراط المستقيم الذي وضعهم النبي عليه

قُطب

قُطب الرّحى هي الحديدة الواقعة في الطبق الأسفل من الرّحيين التي يدور عليها الطبق الأعلى (1).

وقد استعملت لفظة (قُطب) ست مرات في نهج البلاغة ؛ مرتان منها جاءت اللفظة فيهما محلاة بـ(ال) التعريف، وثنتان مجردة منها، في حين وردت اللفظة نفسها مرتين مضافاً اليها ضميرة المفردة الغائبة(2). وذلك للدلالة على مركز الشيء ورأسه الذي تدور عليه الأمور. ومن ذلك تشبيه محلّه في الأمة بمحمل (القُطب) من الرّحى في سياق كلامه عن (الخلافة) في قوله : ((أَمَا وَاللّه لَقَدْ تَقَمَّصَها فُلانٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلَّيَ مِنْهَا مَحَلُّ القُطْبِ مِنَ الرَّحَا..)) (3). فشبه مكانه بالنّسبة الى الأمة والخلافة بموضع قُطب الرّحى التي لا فائدة فيها وفي دورانها بغير قُطب، فكذلك نسبته (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى الخلافة من دونه، فإنها لا تقوم الأ به، ولا يدور أمرها الا عليه. فلا يقوم مقامه في أمرها وأمر الإمامة إلا هو (4). وتعبيره المتقدم من ضروب التشبيه المحض الخالص حسبما يرى ابن أبي الحديد (5)، فقد تضمّن كلامه أضرباً من التشبيه؛ الأول تشبيه محله بمحمل القطب من الرَّحى، وهو تشبيه للمعقول بالمعقول، فالقُطب هو نظام أحوال الرّحى، فلا تقوم الرحى الا به. والثاني تشبيه نفسه بالقُطب، وهو تشبيه المحسوس بالمحسوس. فيكون المراد بقوله المتقدم أنّه من الخلافة في الصميم، فهو في وسطها وبحبوحتها، كما أنّ القطب في مركز الرحى ووسطها (6). ويزاد على ذلك بأنّ الإمام لا يقصد بقوله المتقدم محله من الخلافة فحسب، إنّما يتعدى ذلك الى كونه قطب الأمة جميعاً. ومما يدلّ على ذلك قوله الذي يتحدث فيه عن مكانته في الناس منكراً انصرافهم عن الجهاد معه قائلاً : ((وَإِنَّمَا أَنَا قُطْبُ الرَّحَى، تَدُورُ عَلَيَّ وَأَنَا بِمَكَانِي، فَإِذَا فَارَقْتُهُ اسْتَحَارَ (7)مَدَارُهَا...)) (8). فاستعار لنفسه لفظ (القُطب)، تشبيهاً بهذا الشاخص الذي يمثل قلب الرّحى ومركزها بمنزلة حجريجا علاً الإسلام بمنزلة حجري الرّحى اللذين يدوران حول القُطب. ويتضمن كلامه هذا الدلالة على الثبات والاستقرار وعدم الاضطراب والحيرة ؛ لأنّ (القُطب) ثابت لا يزول عن مكانه بخلاف أجزاء الرّحى الباقية التي يمكن نقلها وتحريكها من موضع الى آخر. ولهذا جعل نفسه بمنزلة (القطب) بلحاظ الثبات والقيام بالأمور والتقدمة فيها. وبهذا يكون (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد وسّع من دلالة المفردة المتقدمة، وجعلها دالة على السيّد المقدّم في قومه العلم فيهم في السياقات المتقدمة، مثلما جعلها دالة على رأس الفتنة وزعيمها. وقد جرى ذلك في (خ/ 146)، التي استعمل فيها مفردة (قُطباً)،


1) ينظر : العين (قطب) : 5 / 108.

2) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 375.

3) نهج البلاغة : خ/ 3 : 28.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 1/ 156، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 1/ 174.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 1/ 156.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 1/ 156.

7) استحار وقف واضطراب متحيراً. ينظر : تهذيب اللغة (حير) : 5/ 149.

8) نهج البلاغة : خ / 119 : 221.

للدلالة على الزعامة في جيش الأمة الإسلامية، وكذلك مفردة (قُطبها) التي أفادت الدلالة – كما قلتُ سلفاً – على زعامة الفتنة ورأسها، وذلك في (خ/ 108، 151).

ثِقَالُها

التَّفال - بالكسر – الجلدة التي توضع تحت الرَّحى (1). والثَّفال وقاء للرّحى من الأرض، ويقال له الثُّقْل بالضم أيضاً، كما يذكر ابن سيده (2).

وجاءت مفردة (ثِفَالها) مرة واحدة في نهج البلاغة (3)، دالة على الحجر الأسفل من الرَّحى. وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يتحدث فيه عن منزلته في الأمة، إذ يقول : ((وَإِنَّمَا أَنَا قُطْبُ الرَّحَا، تَدُورُ عَلَيَّ وَأَنَا بِمَكَانِي، فَإِذَا فَارَقْتُهُ اسْتَحَارَ مَدَارُهَا، وَاضْطَرَبَ ثِفَالُهَا ...)) (4).ولم يرد الإمام بذكر مفردة (ثفالُها) دلالتها على الجِلْدة التي تُوضع أسفل الرّحى كما تذكر المدونات المعجمية التي نقلت حديثه (عَلَيهِ السَّلَامُ) المتقدم (5). وإنما المراد هو الحجر الأسفل منها الذي يُسمّى (ثِقَالاً) أيضاً (6).

أقول : والرواية التي ذكرها ابن الأثير لكلام الإمام تختلف عما في (نهج البلاغة)، فالنّص الذي نقله هو : ((وَفي حديث علي رضي اللّه عنه : ((وتدقهُمُ دَقُّ الرّحا بثِفَالها))...)) (7). وعلّق على معنى كلمة (ثفالها) بقوله : ((الثَّفالُ - بالكسر - جلده تبسط تحت رحا اليد ؛ ليقع عليها الدّقيقُ ويُسمّى الحجر الأسفل ثِقالاً بها، والمعنى أنها تدقهم دقّ الرّحا للحبّ اذا كانت مُثفِلَة، ولا تُثْفِل الا عند الطَّخن)) (8). ويبدو لي أنّ المراد (باضطراب ثفالها)، هو اضطراب الحجر الأسفل منها الذي يُطلق عليه في اللغة (الثِفَال) أو (الثُفَال) وعند ذاك تضطرب الجلدة التي توضع أسفل الرحى أيضاً ؛ لأنّ هذا (الاضطراب) سيؤدي الى تغيّر حركة الرحى باجزائها جميعاً، مما سيؤثر على عملية الطحن، وهي الغاية التي تدور من أجلها هذه الآلة. إنَّ هذه العملية بأجمعها تمثل الحال التي كان عليها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع أصحابه يوم دعاهم الى الجهاد، فسكتوا و ما لِبثُوا أن طلبوا اليه الخروج معهم (9)، فلهذا تكلّم بهذا الكلام مبيّناً وجه المفسدة في خروجه معهم بنفسه ؛ لأن ذلك يستلزم تركه المصالح يقوم بها في إدارة الدولة ونظامها، من الإشراف على الجند وشؤون البلد وبيت المال، وجباية الأرض، والقضاء بين المسلمين وغيرها من الأمور الهامة (10). ولهذا شبّه الإسلام وه بالرّحي، التي تضطرب باجزائها اذا أُهملت أو تُركت، وهكذا هو الحال اذا أُهمل المسلمين بخروجه الى الحرب (11).


1) ينظر : مقاييس اللغة (ثفل) : 380/1.

2) ينظر : المحكم (ثفل) : 152/10، وتاج العروس (ثفل) : 28 / 154.

3) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 75.

4) نهج البلاغة : خ / 119 : 221.

5) ينظر : لسان العرب (حير) : 11 / 85، وتاج العروس (ثفل) : 28/ 154.

6) ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر : 1/ 215.

7) ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر : 1/ 215.

8) نفسه.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 551/3.

10) نفسه.

11) نفسه.

ج - أدوات الطبخ وما ينصب عليه
القدر
إشارة:

القدر - بالكسر - معروفة (1)، وهي آنية يطبخ بها (2).

وقد استعملت مفردة (القذر) بصيغ المفرد مرتين في نهج البلاغة، فجاءت لفظة (قُدُرها) بصيغة الجمع على (فُعُول) مرة واحدة (3)، للدلالة على القدر الذي يُطبخ فيه الطعام. ولكن الإمام أراد بذكر هذه المفردة، إبراز معنيين :

الأول : إظهار معنى الاختلاط والاضطراب

و قصد الإمام هذه الدلالة في سياق كلامه عن اضطراب الناس وغربلتهم في ما سيعرض لهم من البلايا أذ يقول : ((...أَلَا وَإِنَّ بَنِيَّتَكُمْ قَدْ عَادَتْ كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ بَعَثَ اللّه نَبِيَّهُ (صلى اللّه عليه وآله)، وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً، وَلَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً، وَلَتُسَاطُنَّ سَوْطَ القِدْرِ، حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلَكُمْ أَعْلَاكُمْ، وَأَعْلَاكُمْ أَسْفَلَكُمْ...)) (4). (وسوط القِدْر)، يعني خلط ما فيه بعضه ببعض بالمسواط، وهي خشبة يحرّك بها القِدْر (5).

أقول : إنَّ حركة ما يطبخ في القدر من طعام واختلاط بعضه بالبعض الآخر، بسبب من تحريكه، وإضرام النار تحته كل هذا يؤدي الى اضطراب القدر بما فيه. وقد أفاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) من هذه الصورة، موظفاً إياها في بيان الحالة التي يصل إليها الناس في ما استشرفه لهم من المستقبل، وذلك بأن يمروا بمرحلة (البَلْبَلة)، وهي مرحلة اختلاطهم، وامتزاج خصالهم، ومن ثَم مرحلة (غُربلتهم) ليميز بعضهم عن الآخر، وبعد ذلك مرحلة (سَوْط القدر)، وهي آخر المراحل التي تمثل عملية اختبارهم وابتلائهم كما يُختبر الطعام في القدر عند طبخه، بتقليب أسفله الى أعلاه.

وقد شبّه الإمام ما يمر الناس به من تقلبات واضطرابات تجعل سافلهم عاليهم وبالعكس بـ(سَوْط القدر)، وذلك لتسلّط أئمة الجور عليهم وتقليبهم بسائر أسباب الإهانة والتحقير (6). ويتضمن استعماله لفظة (قدر) إيحاء بالدلالة على التضيق والحصر، في إشارة الى جعل حياتهم أشبه بالقدر الذي يُقدّر فيه الطعام المراد طبخه فكأنّ الذي يُساط في هذا القدر، يشمله التضييق والضغط وتقدير الرزق عليه، حتى لا يتمكن من إيفاء ما لديه من لوازم حياته. وربما أشارت المفردة المتقدّمة الى مسألة الاعتقال والحبس التي يمارسها الظالمون على الناس، بحيث يكون سجنهم في أماكن ضيّقة مقدرة مساحتها بقدر لا يمكن فيه لأحد أن يتحرك فيها.

ثانياً : إظهار معنى عدم القيمة والفائدة في طائفة من الناس

وعمد الإمام في هذا المعنى الى استعمال تعبير (ثقالة القذر)، وذلك في سياق كلامه عن فتنة بني أميّة التي يقودها قائد خارج من المِلَّة. يقول الإمام: ((رَايَةً ضَلالة قَدْ قَامَتْ عَلَى قُطْبِهَا قَائِدُهَا خَارِجٌ مِنْ الْمِلَّةِ، قَائِمٌ


1) ينظر : تهذيب اللغة (قدر) : 9 / 40، ولسان العرب (قدر) : 74/5.

2) ينظر : المصباح المنير (قدر) : 2/ 492.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 364، 366.

4) نهج البلاغة : خ / 16 : 44.

5) ينظر : لسان العرب (سوط) : 325/7.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2/ 205.

عَلَى الصّلة؛ فَلاَ يَبْقَى يَوْمَئِذٍ مِنْكُمْ إِلَّا ثُفَالَةٌ كَثْفَالَةِ الْقِدْر...)) (1). والسياق - هنا - سياق إظهار فتنة عمياء تخبط الناس وتدوسهم. وهو ما يتطلب نتائج لهذا الافتتان والسَّحْقِ، فذكر (عَلَيهِ السَّلَامُ) تعبير (ثفالة القِدْر) ؛ لإظهار قيمة هؤلاء الذين خبطتهم الفتنة وعَرَكتُهم، فهم - يؤمئذ - كبقية ما يتساقط من قدر الطبخ من زاد، وما يلبث فيه من عُكارة قعره.

أقول : وهذا الضرب من التعبير من أعلى كلمات البلاغة وأمكنها في الدلالة على معنى (الرّذالة والسَّفَالة)؛ فقد أراد أنّ هذه الفتنة لا تُبقي من الناس إلا الأراذل والسفلة ؛ لأنها تستخلص المؤمن استخلاص الطير الحبَّةُ البطينة من بين هزيل الحبَّ (2)، وذلك بقتل المؤمنين وتشريدهم.

وقد وظف الإمام مفردة (ثُقَالة)، وهي من مفردات بقايا الأشياء التي تجيء على زنة (فُعَالة) مثل: (النُّخَالَة) و (الصُّبابَة) (3)، وهي تدل على عدم قيمة هذا الضرب من الناس، فمن لا خير فيه منهم، شَبَّهه (بثفالة القدر) في كونه غير معتبر ولا ملتفت اليه (4). ونظير الدلالة المتقدمة، ما ورد في (خ/ 190).

أَثَافِي

الأنفية حجارة تنصب عليها القُدور (5).

واستعمل الإمام لفظة (أثافي) جمع (أُثِفية) مرة واحدة في نهج البلاغة (6)، للدلالة على القرآن الكريم، وذلك في قوله الذي يتحدث فيه عن منزلة (الكتاب) : ((فَهُوَ مَعْدِنُ الإِيمَانِ وَبُحْبُوحَتُهُ (7)، وَيَنَابِيعُ الْعِلْمِ وَبُحُورُهُ، وَرِيَاضُ الْعَدْلِ وَغُدْرَانُهُ، وَأَثَافِيُّ الإسلام وَبُنْيَانُهُ ...)) (8)يصف الإمام القرآن بكونه أساس الإيمان ووسطه. كأنه يومئ بذلك إلى أنّه قلب الإسلام الذي لا يمكن أن يعيش بدونه. وأمّا وصفه بأنّه (أثافي) الإسلام، فذلك إشارة الى كونه الركيزة التي يُنصَبُ عليها الدّين، فاستعار (عَلَيهِ السَّلَامُ)المفردة المتقدمة ونقلها من استعمالها المتعارف عند النّاس من أنّها الحجارة التي توضع عليها القدر، الى الدلالة على (القرآن الكريم) الذي يمثل الركيزة التي يستند إليها الدين الإسلامي، فهو - في ذلك - كأثافي القدر التي يعتمد عليها استقرار قدر الطبخ ونضجه كذلك ؛ فمتى ما اضطربت هذه (الأثافي) كان ذلك علامة على احتراق الطعام وعدم تمامه، وحتّى إذا تم الطبخ، فهذه الحجارة باقية علامة نزول الناس في هذا المكان، فضلاً عن دلالة ذلك على كرم أصحابها، لأنّ وجود آثار النّار وانتصاب حجارتها دال على السّخاء والجود، فأينما وجدت الأثافي، فهي رمز للإطعام والقرى. وكذلك القرآن الكريم الذي يمثل المنصب الذي تنتصب عليه أركان الإسلام وأحكامه التي شرعها اللّه في كتابه الكريم، فهي باقية مُؤتَّفَة لا تبرح مكانها كما الأثافي التي لا تنمحي آثارها. ويتضمن التعبير المتقدم الدلالة على فضيلة القرآن الكريم في الإسلام، فمنه أخذ المسلمون تعاليم دينهم، فلولا وجوده ما


1) نهج البلاغة : خ/ 108 : 197.

2) إشارة الى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((وتَدُوسُكم دَوسَ الحَصِيدِ، وتَسْتَخلِص المُؤمِنَ مِن بَيْنِكُم اسْتِخْلاصَ الطَّيرِ الحَبَّةَ البَطِينَة من بينِ هَزِيلِ الحَبَّ)). نهج البلاغة : خ / 108.

3) ينظر : مع نهج البلاغة : 98.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 3/ 513.

5) ينظر : العين (ثفي) : 245/8، ولسان العرب (أثف) : 3/9.

6) ينظر المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 75.

7) بُحْبُوحَه كل شيء وسطه. ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 205/2.

8) نهج البلاغة : خ / 198 : 397، 398.

بقي للإسلام عين ؛ لتضمّنه أصول الدين وقوانينه التي شرعها اللّه تبارك وتعالى فيه، فيما أخذ على النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) الجهر بالإسلام وتفصيل تلك الأحكام. ولهذا يجوز أن نقول أنّ المراد (بالأثافي) فى هذا السياق، ما تضمنه القرآن الكريم من أحكام وأركان وأصول يقوم الدّين عليها (1).

د - أدوات القطع
المُدَى

المُدْيَة والمِدْيَة هي الشَّفْرة والسِّكِّيْن (2). وربّما قالوا (المَدْيةُ)، بفتح الميم، وهي لغة ثالثة فيها (3). ويبدو ويبدو أنّ هذه اللفظة التي تسمّى بها السكين، مأخوذة من دلالة مادة (مَدَى) على مَدَى الغاية والأجل، وهو مُنْتَهاه في اللغة(4). والعرب تقول : هو مِنّي مدى البصر (5). أي: الى نهايته وغايته. وذكر بعض اللغويين أنّ المُدية أنما سُميّت بذلك ؛ لأنَّ بها انقضاء المدى والأجل (6).

واستعملت مفردة (المُدى) مرّتين في نهج البلاغة بصيغة الجمع على (فُعَل) (7)، للدلالة على السِّكين التي تستعمل في الذَّبح والجرح. وقد وظف الإمام هذه اللفظة في سياقين ؛ الأول منها سياق الموعظة و التذكير باللّه تبارك وتعالى، والغاية التي خلق الإنسان. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((أَيُّهَا الغَافِلُونَ غَيْرُ الْمَغْفُولِ عَنْ وَالتَّارِكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ، مَالي أَرَاكُمْ عَنِ اللّه ذَاهِبِينَ، وَإِلَى غَيْرِهِ رَاغِبِينَ : كَأَنَّكُمْ نَعَمْ أَرَاحَ بِهَا سَائِمٌ إِلَى مَرْعِيَّ وبي (8)، وَمَشْرَب دَوِيّ، وَإِنَّمَا هِيَ كَالْمَعْلُوفَةِ لِلْمُدَى لاَ تَعْرِفُ مَاذَا يُرَادُ بِهَا !...)). وأراد بـ (الملعوفة للمدى) النَّعَم التي تُغلف وتدارى لأجل ذبحها، وهو بهذا يُريد تذكير الناس وإلفات نظرهم الى قيمة الإنسان في الحياة ومكانته عند اللّه تبارك وتعالى ؛ لأنهم غير مغفول عنهم في كل أفعالهم وحركاتهم وسكناتهم. فلا يكون جُلّ همهم هو المأكل والمشرب والابتعاد عن أوامر اللّه تبارك و تعالى، فيصيرون في ذلك كالبهائم التي تُعْلَف وتُسْمن، ومن ثُمّ تؤخذ للذبح.

ويبدو أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أراد من هذا التشبيه، بيان حالة الجهل التي تطغى على الإنسان عندما يكون همه الأكل والشرب والركون الى الدّعة، ومن ثَمّ ما يلبث أن تكون نهايته الى الموت الذي يلاقي فيه أهوالاً من


1) وقد ورد عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قوله : ((أثافي الإسلام ثلاثةُ الصَّلاة، والزَّكَاةَ، والولايةُ ؛ لا تصح واحدة منها إلا بصاحبتها)). وسائل الشيعة : 8/ 8، ومنهاج البراعة : 275/12. وهذه التي ذكرها الإمام هي الأركان الهامة في الإسلام، فضلاً ركن (التوحيد). و في كل واحدة من هذه الأركان المتقدّمة تفاصيل أخرى تمثل (أثاف) فرعية جزئية تتفرع عن الأصول الأصيلة التي ذكرها الإمام.

2) ينظر : العين (مدي) : 88/8، ولسان العرب (مدي) : 15/ 272.

3) ينظر : لسان العرب (مدی) : 272/15.

4) نفسه.

5) نفسه.

6) نفسه.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 419.

8) نهج البلاغة : خ/ 175 : 314.

العذاب والعقاب ؛ بسبب من إغفاله طاعة اللّه تبارك وتعالى، وإيثاره إشباع لذاته وشهواته على رضا اللّه، فلا فرق حينئذ، بينه وبين البهائم التى تُعلف لأجل ذبحها، والإفادة من لحمها وسائر بدنها.

أما السياق الثاني الذي وردت فيه لفظة (المدى)، فهو سياق الحديث عن يوم القيامة والقصاص فيه من المذنبين. يقول الإمام بعد كلامه عن أنواع الظُّلم : ((... الْقِصَاصُ هُنَاكَ شَدِيدٌ، لَيْسَ هُوَ جَرْحاً جَرْحاً بِالْمُدَى، وَلاَ ضَرْباً بِالسَّيَاطِ، وَلكِنَّهُ مَا يُسْتَصْغَرُ ذلِكَ مَعَهُ)) (1). وقد اتخذ الإمام في هذا النص (الجرح بالمدى) أنموذجاً لإظهار شدّة القصاص الذي يكون يوم القيامة، نظراً لما في الجرح بالمدى من إيلام يستشعره الناس ويحسونه رأي العين، لهذا اتخذه الإمام سبيلاً للموازنة بين قصاص القيامة، حيث عَدلُ اللّه تبارك وتعالى، وبين القصاص في الدنيا، حيث جور الحاكمين وظلمهم وأذاهم.

أقول : إنّ استعمال الإمام مفردة (مدى)، للدلالة على أداة الجرح في هذا الموضع، وأداة الذبح في الموضع الأول الذي تقدم ذكره، يوحي بأنّ لفظة (مدى) أكثر تعبيراً وإيفاء للمعنى في هذه السياقات من مفردة (سِكّين) مثلاً، التي تؤدي الوظيفة نفسها في (الذِّبح والجرح). بل إن مفردة (مدى) تؤدي دلالة انتهاء الغاية في حسم الأجل، أي الذبح، وتحقيق الغاية أيضاً في الجرح بحيث يكون (الجارح بها) قد حقق أقصى غايته في إصابة عدوه. ولهذا أُوثِرَت هذه المفردة في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على سواها فيما أحسب.


1) نفسه: خ / 176 : 320.

المبحث الثاني: ألفاظ الشرب وأدواتها

1 - أدوات حمل الماء وحفظه.

الكأس
إشارة:

الكأس في اللغة القَدَح (1). وتسمّى الخَمْر كأساً أيضاً (2). وذكر اللغويون أنّه لا يسمّى الكأس بذلك إلا إذا كان فيها شراب، وإلا فهي زجاجة (3). وثَمة تفصيل في المدونات اللغوية عن (الكأس). فهو الإناء إذا كان فيه الخَمْرِ (4). وربّما أريد بلفظ (الكأس) ما فيها من الشّرَاب (5).

وقد جاءت لفظة (كأس) مجردة من (ال) التعريف خمس مرات في نهج البلاغة، في حين وردت مرة واحدة محلاة بـ (ال)، ومثلها منصوبة (كأساً)(6)، وذلك للدلالة على ما يأتي :

أولاً : الدلالة على كأس المنية، أو الموت، والظلم.

فقد استعمل الإمام مفردة (كأس) دالة على هذا المعنى في سياق كلامه عن مشاركته والصحابة مع النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في قتال المشركين مع كونهم من القرابات القريبة. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((ولَقَد كُنّا مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) (نَقْتُلُ آباءنا وإخواننا وأعمامِنَا ما يَزِيْدُنَا ذَلكَ إلا إيماناً وتَسْلِيماً وجِداً في جِهَادِ العَدُوّ. ولقد كانَ الرَّجُلُ مِنَا والآخَرُ من عَدُوّنا... يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسُهُمَا أَيَهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كأسَ المَنُوْنِ)(7). ويلحظ أنّ الإمام قد جنح بلفظة (كأس) من مجالها الدلالي إلى مجال آخر، بإضافتها إلى مفردة (المَنُون)، لتدل على (المَوْت) أو (القتل). موطئاً لهذه الدلالة بذكر مفردة (يَسْقِي) التي تدل على سقي (الشّرب). جاعلاً الموت شراباً يتناوله الأعداء بالكأس، كما يُسقَى الشارِيون شِرْبَهم بالكأس أيضاً. وهذا الاستعمال بإضافة كلمة (الكأس) إلى مفردة (المنيّة) أو (الموت)، وغيرها من المكاره، يفهم منه الدلالة على تهيئة لوازم الأذى وعواقبه. فكأنّما هَيّاً كُل طرف لصاحبه كأس حتفه الممتلئة. وقد جعل (عَلَيهِ السَّلَامُ) المنون في السياق المتقدم أشبه بالشراب الذي ينهل منه الأعداء الذين يتربّص بعضهم بالبعض الآخر الدوائر. وهذا الضرب من التعبير لا يتّسق معه قول اللغويين من أنّ (الكأس) لا تسمى بذلك إلا إذا كان فيها شراب (8)، فلا يستقيم هذا الوجه إلا إذا كانت (المَنُون) شراباً أو بمنزلة الشّراب. وربّما أشار بالكأس هنا الى ما فيها على أساس إعداد المنون على سبيل استعارة هذه المفردة لجميع ضروب المكارة (9). أما إيثار المفردة المتقدمة دون غيرها من الألفاظ الدالة على أدوات الشرب في الدلالة المتقدمة، فراجع - فيما يبدو - الى إيحاء هذه الكلمة فيما تحمله


1) ينظر : العين (كأس) : 393/5.

2) نفسه.

3) ينظر : فقه اللغة (الثعالبي) : 1/ 4.

4) ينظر : لسان العرب (كأس) : 1896.

5) نفسه.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 392.

7) ينظر : نهج البلاغة : خ/ 56 / 96.

8) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 4 / 137.

9) ينظر : المحكم (كأس) : 7 / 78.

من سعة وامتلاء لما يوضع فيها من شراب، ولاسيما إذا كان ذلك الشراب معنوياً وليس مادياً، ففي الكلمة ضرب من الإحساس بالنّشوة والارتواء، لارتباطها بالإناء الذي يوضع فيه الخمر الذي يضفي على النّفس نوعاً من الارتواء، فكأنّما إذا حظي المسلمون بالشهادة فهي أشبه عندهم بالنشوة التي يضفيها شراب الكأس على النّفس، في حين أن سقي الكفَّار كأس المنون يجعلهم يتيهون في الطيش الذي تسببه الخمرة في رأس شاربها. كأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يريد من ذلك الدلالة التي قصد إليها القرآن الكريم في قوله تعالی (1). فضلاً عمّا تتمتع به هذه المفردة من جرس الصوتي لصوتي (الكاف) و (الستين) بوصفهما من الأصوات ذات الوقع في أذن المتلقي. وهذه الدلالة هي التي أعانت على كثرة استعمال تعبير (كأس المنية) أو (كأس الموت)، للدلالة على شرب الموت والارتواء من المنايا كما يبدو. ونظير هذه الدلالة ما ورد في (خ / 3، 93) من نهج البلاغة.

ثانياً : الدلالة على المعرفة والحكمة

إذ جعل لهما الإمام كأساً يَرتوي منها أصحاب هذا الضرب من المعارف. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق كلامه عن أهل المعرفة والحكمة الذين تجلى بالتنزيل أبصارهم: ((ثُمَّ لَيُشْحَذَنَّ فِيهَا قَوْمٌ شَحْذَ الْقَيْنِ النَّصْلَ تُجْلَى بِالتَّنْزِيلِ أَبْصَارُهُمْ، وَيُرْمَى بِالتَّفْسِيرِ فِي مَسَامِعِهِمْ، وَيُغْبَقُونَ كَأْسَ الْحِكْمَةِ بَعْدَ الصَّبوح)) (2). فجعل للحكمة كأساً يشربونها بعد الصبوح. فكأنما الحكمة ومن قبلها (التنزيل والتفسير) شراب يلتذْ به شَارِبه، ويَفزع إليه طالبه ؛ لأنّه ليس كل شراب، فساقيه هو اللّه تبارك وتعالى، بقرينة قوله (يُغْبَقُون) الذي استعمله الإمام مبنياً للمجهول، ليَزيد - فيما أحسب - من شوقِ السَّامع وتَعَلُّقه بهذا المعنى، فيتّسع تأمله بالمشروب والشَّارب.

وثَمة موضع آخر جعل فيه الإمام للعلم كأساً، وهو قوله في صفة العلماء : ((وَاعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَ اللّه الْمُسْتَحْفَظِينَ عِلْمَهُ، يَصُونُونَ مَصُونَهُ، وَيُفَجِّرُونَ عُيُونَهُ، يَتَوَاصَلُونَ بِالْوِلايَةِ، وَيَتَلاقَوْنَ بِالْمَحَبَّةِ، وَيَتَسَاقَوْنَ بِكَأْس رَوِيَّة، وَيَصْدُرُونَ بِرِيَّة ...)) (3). مشيراً بذلك الى تبادل العلوم والمعارف بين العلماء. وكانت سبيله الى ذلك توظيف مفردات: (يَتَساقُون) و (كأس رَوِيَّة) و (يَصْدُرُون)، في سياق واحد يوحي بالاشتراك في الاستقاء بـ) كأس) واحدة، هي (كأسُ المعرفة)، حسبما يذكر ابن أبي الحديد، الذي يقول في بيان كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((ويَتَساقون بكأس. أي بكأس المعرفة، والأُنس باللّه يأخذ بعضهم عن بعض العلوم والأسرار، وكأَنَّهم شربٌ يتَسَاقُون بكأس من الخَمرِ)) (4). ويومئ بذلك إلى استعارة الإمام مفردة (الكأس)، للدلالة على العلم لإظهار معنى إفادة هؤلاء العلماء من بعضهم البعض الآخر تمام الإفادة، حسبما يشير الى ذلك الشارح البحراني(5).

إن استعماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (كأس) بدلالة (العلم)، يرجع – فيما أحسب الى اشتراكهما في الدلالة على مَحَلِّ الارتواء وموضعه. فكما أنّ (الكأس) محل للشرب واحتوائه، فالعلم والمعرفة محل أيضاً للعلوم التي يَنْهل منها العلماء.

ونظير هذا التوظيف الدلالي استعمله الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في (خ / 91).


1) الدخان/49.

2) نهج البلاغة :خ/ 150 : 261.

3) نفسه :خ/ 214 : 416.

4) شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 11 / 62.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحريني) : 4 / 25.

غَرْب
إشارة:

الغرب الدَّلو العظيمة الكبيرة التي يُسْتَقَى بها (1). وذكر الخليل أنّ الغرب أعظم من الدلو (2). كأنه يومئ الى اختلافها عن الدلو في السّعة، فضلاً عن الشكل كما يبدو. وتتَّخذ (الغرب) من جلد ثور، ويستعمل بعد ذلك في الاستقاء (3). وذكر بعض اللغويين أنّ (الغَرْب) هي الرَّاوية التي يحمل فيها الماء (4).

واستعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (غَرْب) خمس مرات في نهج البلاغة، ثنتان منها مجردة من (ال) التعريف، وواحدة محلاة بها، وثنتان أخريان مضافة فيها إلى كاف المخاطب (5)، للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على طُولِ اللسان وإسرافه في التجاوز على الناس.

وهو أكثر الدلالات شيوعاً في استعمال مفردة (غَرْبَ)، ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق وعظ (مالك الأشتَر) ونُصحه : ((اِمْلُكْ حَمِيَّةَ أَنْفِكَ (6)، وَسَوْرَةَ (7)

والحد : منتهى كل شيء، والعرب تصف اللسان بالحَدِّ فتقول : السنة حداد إذا كانت مؤذية، ينظر : لسان العرب (حدد) : 140/3.

حَدَّكَ، وَسَطْوَةَ يَدِكَ، وَغَرْبَ لِسَانِكَ...))(8). وفي هذا النص وصايا أربع أولها النهي عن التكَبَّر والزَّهو، وآخرها مَلْك اللسان عن التجاوز على الناس بالقذف والسُّباب، مما يؤدي به إلى الوقوع في رذيلة التّهوّر، ويلزمه الظلم حينذاك (9). و ميل الإمام إلى استعمال مفردة (غرب) في التعبير عن طول اللسان وسعته في التجاوز على الآخرين من الرعية يناسب دلالة مفردة (غَرب) (10)على الدلو الواسعة العظيمة، وذلك أنّ أصل المفردة المتقدمة يدل على التمادي واللجاجة في فضلاً عن الجدة (11).وهذه الدلالة تدفع إلى القول إنّ هناك علاقة بين دلالة هذهِ الكلمة على السَّعَة وتجاوز الحَدِّ في التّطاول وبين لفظة (غَرْب) التي تدل على الدَّلو العظيمة التي يجمع الماء فيها. بلحاظ سعتها وامتلائها. وبهذا فيكون اللسان أشبه بـ (الغرب)، من جهة اشتماله وتضمّنه أنواع القَذْف والسُّبَابِ فيمكن أن يكون مملوء بالرذائل كما يكون الغرب مملوءاً بالماء. ولهذا أمر الإمام (مالكاً) بأن يملك نفسه عن تلك الصفات الذميمة التي ينبغي تنزيه اللسان عنها.

ومثل هذه الدلالة استعملها الإمام في (ك / 44، 53)

ثانياً : وثَمة استعمال آخر وظف فيه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (غَرْبَ) في الدلالة على السِّعَةِ.

وهو قوله في سياق كلامه عن صفة خَلْق الإنسان وخصاله التي يقول فيها : ((أَمْ هذَا الَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ... ثُمَّ مَنَحَهُ


1) ينظر : تهذيب اللغة (غرب) : 8 / 116.

2) ينظر : العين (غرب) : 4 / 409.

3) ينظر : لسان العرب (غرب) : 642/1. ولسان العرب (غَرْبَ) : 1 / 642.

4) ينظر : تهذيب اللغة (غرب) : 8 / 116.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 334.

6) حمية أنفك كناية عن الأنفة والتكبر والفخر، ينظر : الديباج الوضي : 5 / 2605.

7) السورة : هي السطوة، والعرب تقول للمُعزبد : سَوَّار، ينظر : لسان العرب (سور) : 4 / 384.

8) نهج البلاغة : ك / 53: 568.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 5 / 360.

10) ينظر : العين (غرْبَ) : 4 / 409، ومقاييس اللغة (غَرْبَ) : 420/4.

11) نفسهما.

قَلْباً حَافِظاً، وَلِساناً لافِظاً... لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً، وَيُقَصِّرَ مُزْدَجِراً ؛ حَتَّى إِذَا قَامَ اعْتِدَالُهُ، وَاسْتَوَى مِثالُهُ، نَفَرَ مُسْتَكْبِراً، وَخَبَطَ سَادِراً (1)، ماتحاً (2)فِي غَرْب هَوَاهُ، كَادِحاً سَعْياً لِدُنْيَاهُ...)) (3). وقد ضَمّن الإمام في كلامه المتقدم مفردات تمثل حال الإنسان، بعد تفضل اللّه تبارك وتعالى عليه بالخَلْقِ والإنشاء، فما يلبث هذا المخلوق أن يجحد هذه النّعمة. فيصير مستكبراً وهائماً متحيراً، ومن ثَمّ مُسْتقِياً أو مَالِئاً غَرْبه من المآثِم والذنوب التي استحلّها في صحائف أعْمَاله (4). ويلحظ الشارح البحراني استعارة الإمام مفردة (الغَرْبَ) للهَوَى، بجعل الهَوى كالغَرْب المملوء ماءً لِيُسْقَى بها. وكأنّ الإنسان إذا كان سائراً في تيه وضلال، جعل هواه وغيه أشبه بالغرب الذي يعد لملئ الماء والاستقاء به (5). فكأنّه الماتح المستقي الذي يكون جلّ همه الحصول على الماء ولو كان ذلك على حساب قيمه وأخلاقه. ومثل هذه الدلالة استعملها الإمام (خ / 240).

النوط
إشارة:

النّوط التَّعليق (6). ونُطْت القربة بِنيَاطها، أي عَلَّقتها (7). والنُّوط جُلَيْلَة صغيرة تسع خمسين مَنْاً تُستَحْفٌ لحمل الزَّادِ في السّفّر وتعلَّق في البعير (8). والأنواط المعاليق (9). والنَّوط ما يُعلّق بِرحْل الراكب من قَعْبِ و غيره (10). وقد أخذ اللغويون هذه الدلالة من كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما سيأتي. والأنواط ما نُوّط على البَعيْر إِذا أُوْقِر. والتَّنْواط ما يُعَلِّق أو يُزَيَّن به الهَوْدَج (11). وقد وردت مفردة (النَّوْط) و (نوطا) مرة واحدة منهما في نهج البلاغة (12)، للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على شدّة القرابة :

واستعمل الإمام مفردة (نَوْطاً) لإظهار معنى التَّعَلُّق من جهة القرابة و النسب، وذلك في مقام وصفه لعلاقة أهل البيت (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالنبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، ودفع النَّاس لهم عن مقامهم ومحاولة إبعادهم عنه. يقول الإمام : ((... أمَّا الاسْتِبْدادُ عَلَيْنَا بِهذَا الْمَقامِ وَنَحْنُ الْأَعْلَوْنَ نَسَباً، وَالاشَدُّونَ بالرَّسُولِ نَوْطا، فَإِنَّهَا كَانَتْ أَثَرَةً (13)شَجَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ...))(14). أقول : ويتضمن


1) السَّادِر هو المتحيّر، وهو مأخوذ من قولهم : سَدَرَ البعير، وذلك تحير من شدّة الحَرِّ. ينظر : لسان العرب (سدر) : 4 / 354.

2) الماتح، هو الجاذب الدَلْوَ من البئر ليستقي بها. ينظر : لسان العرب (متح) : 2 / 588.

3) نهج البلاغة : خ / 83 : 132، 133.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2 / 393.

5) نفسه.

6) ينظر : العين (نوط) : 455/7 .

7) نفسه.

8) ينظر : العين (نوط) : 4557، لسان العرب (نوط) : 418/7.

9) ينظر : لسان العرب (نوط) : 418/7.

10) نفسه.

11) نفسه.

12) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 464.

13) الأثرة لاستئثار بالشيء والاستبدادية، ينظر : لسان العرب (اثر) : 8/4.

14) نهج البلاغة : خ/ 162 : 288.

فَخراً بعلوّ النَّسب، وشِدَّة التَّعَلّق برسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في إشارة إلى أنّ منزلتهم هي منزلة النبي نفسها ؛ لقربهم منا نسباً وسبباً. فاستعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (نَوْطاً) ؛ للدلالة على القرابة والاختصاص. كأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يصف منزلتهم ومنزلته من النبيّ بمنزلة (النِّياط) من (القَلْب)، فهم العِرق الذي قد علّق القلب به(1). يشير بذلك إلى ما ذكره القرآن الكريم في قصة (المُباهلة) من جعل الإمام بمنزلة نفس النبي. يقول تبارك و تعالى (فَمَنْ حَاجَكَ فِيهِ * مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللّه عَلَى الْكَاذِبِينَ) (2). وقد ذكر المفسرون، وفي صدارتهم الزمخشري، فضل (أصحاب الكساء). يقول الزمخشري في توجيه الآية المتقدمة وبيان دلالتها : ((وفيه دليل لاشئ أقوى منه على فضل أصحاب الكساء (عليهم السلام))) (3). وقد وصف المفسرون مشهد (المُباهلة) وقدوم النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وهو مُحْتَضن حسيناً، وأخذاً بيد الحسن، ومن خلفهم فاطمة تمشي، ومعهم الإمام علي (عليهم السلام) لمباهلة نصارى نَجْرَان (4).

ثانياً : ما يُعَلَّق بِرَحْل الراكب من قَعبٍ أو قَدَح وما أشبهه

وجاءت هذه المفردة في سياق كتاب الإمام الذي وجّهه (لزيادٍ ابن أبيه) مُحَذِّراً إيّاه من خديعة معاوية له. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَيْكَ يَسْتَزِلُ لُبَّكَ... فَاحْذَرْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ الشَّيْطَانُ يَأْتِي الْمَرْعَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ... وَقَدْ كَانَ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَلْتَهُ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ، وَنَزْغَةٌ مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَان، لاَ يَثْبُتُ بهَا نَسَبٌ، وَلاَ يُستَحَقُّ بهَا إرْثَ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِهَا كَالْوَاغِلِ (5)إِرْتٌ، الْمُدَفَّعِ، وَالنَّوْطِ الْمُذَبْذَبِ)) (6). والنَّوْط - هنا - ما يُنَاط بِرَحْل الراكب من قَعب أو قدح وما أشبهه حسبما يقول السيد الشريف الرّضي (7). والمُذَبْذَب المُضطَرب الذي لا يزال يتقلقل من حركة الجَمَل واستعجاله في سَيْره فيكون التّوْط حينئذ متحركاً من جهة إلى جهة.(8). وقد ساق الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هاتين اللفظتين على وجه التشبيه بين حال ابن زياد، وهو الراغب في التعلّق بنسب أبي سفيان، وبين الوَاغِل المُدفّع والنَّوّط المُذَبْذَب. ووجه الشَّبَه عدم الثبات والاستقرار في أمر نَسَبه، فمازال قلقا كالنَّوْط المُعلّق بالرَّحل (9). وذلك لما كان من حاله في ضعف النّسب، وقلّة الحظ من الشَّرَف والكرامة. فهو كالدَّاخل في هذا الأمر دخول المستعجل الموغل في طلب النسب والرفعة.


1) ينظر : العين (نوط) : 7 / 456.

2) آل عمران / 61.

3) الكشاف : 1/ 397.

4) ينظر : المحرر الوجيز : 4471، والتسهيل لعلوم التنزيل : 1/ 109، والتفسير الكبير : 718، ومنهاج البراعة : 10/ 8.

5) الواغل الذي يهجم على الشرب ليشرب معهم، وليس منهم. ينظر : العين (وغل) : 448/8.

6) نهج البلاغة : ك / 44 : 528. وقد نقلت المدونات اللغوية قول الإمام (الواغل المدفع) و (النوط المذبذب). ينظر : النهاية في غريب الحديث : 5/ 208، لسان العرب (وغل) : 11 / 730.

7) ينظر : نهج البلاغة : ك / 44 : 529، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 16 / 137، والديباج الوضي : 2439/5.

8) ينظر : نهج البلاغة : ك / 44 : 029، والنهاية في غريب الحديث : 208/5، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 16 / 137، والديباج الوضي : 2439/5.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 310/5.

أقول : إنّ أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يصور حال ابن زياد بـ (المُذَبْذَب) الذي لا يستقر على أمرٍ في نَسَبه تَسَاوقاً مع القرآن الكريم الذي استعمل مفردة (مُذَبْذَبِيْنَ) في الدلالة على تقلقل المنافقين واضطرابهم (1). يقول تبارك وتعالى في وصفهم: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) (2).

الإداوة

الإدَاوَة مَطْهَرة للماء (3). وهي إناء يُتَطَهِّر به. وسُمّيت بذلك، لأنها مأخوذة من إداوة الشئ وهي آلته (4). ويصف اللغويون (الإداوة) بأنها إناء صغير يُصْنَع من جلد أو من جِلْدَيْنِ يقابل أحداهما بالآخر، تُتَّخَذ للماء، وتكون منبسطة كالسَّطيح (5). وعدّها الثعالبي وعاء من أوعية الماء التي تستعمل في السَّفَر، وَأَوّلها (الرَّكوة)، و(المَطْهَرَة) ومن ثَمَّ (الإداوة) (6). ويُفهم من كلامه أنّها ليست من الأدوات التي يُتطهر بها، وإنما هي من الأدوات التي يحفظ فيها الماء في السَّفَر التي ربّما يُشرب منها أيضاً. و ذكره مفردة (مَطْهَرة) قبل (الإداوة) يؤيد هذا الوجه.

وقد وردت مفردة (الإداوة) مرة واحدة في نهج البلاغة (7)، دالة على الوعاء الذي يتطهر به. يقول الإمام في سياق كلامه عن تَصَرّم الدنيا وضرورة الزّهد فيها : ((أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَصَرَّمَتْ، وَآذَنَتْ بِانْقِضَاءِ، وَتَنَكَّرَ مَعْرُوفُها... وَقَدْ أَمَرَّمِنْها مَا كَانَ حُلْوا، وَكَدِرَ مِنْهَا مَا كَانَ صَفْواً، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا سَمَلَةٌ كَسَمَلَةِ الأدَاوَةِ، أَوْ جُرْعَةً كَجُرْعَةِ الْمَقْلَةِ...)) (8). والسَّمْلَة، بقية الماء الذي يبقى في أسفل الإناء وغيره (9)، وأما (الإداوة) فقد ذكروا أنها الإناء الذي يُتطهَّر به (10). وقد استعارها الإمام للدلالة على قلّة شأن الدنيا، وحقارتها، فكأنّها لمن أرادها وعطش إلى الرّي منها كبقية الماء في الإداوة التي يُتطهر بها (11).

أقول : ويمكن أن تكون مفردة (الإداوة) دالة على الإناء الذي يُرْتوَى منه، ولكن لما قل فيها ذلك، أضحت بمنزلة ما حُضَّر من الأدوات الخاصة بذلك، لِقِلّة شأن ما فيه.

الإبريق

الإبريق ضرب من الأواني المخصصة لحمل المياه والخمر (12). وذهب بعض اللغويين إلى أنّ الإبريق الكوز. وقيل : هو مِثْل الكوز (13). والإبريق من الألفاظ الفارسية المعربة.(14). وهو على زِنَة (إِفْعِيْل) وجمعه


1) ينظر : البحر المحيط : 4 / 302.

2) النساء / 143.

3) ينظر : العين (إداوة) : 8/ 95، ولسان العرب (إداوة) : 4 1/ 24.

4) ينظر : لسان العرب (إداوة) : 14 / 24.

5) نفسه.

6) ينظر : فقه اللغة : 57/1.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 23.

8) نهج البلاغة : خ/ 52 : 92.

9) ينظر : لسان العرب (سمل) : 11/ 345، ومعارج نهج البلاغة : 1/ 335، ومع نهج البلاغة : 68.

10) ينظر : مع نهج البلاغة : 68.

11) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2/ 316.

12) ينظر : المحكم (برق) : 401/6، ولسان العرب (برق) : 10/ 17.

13) نفسهما.

14) ينظر: المحكم (برق) : 401/6، ولسان العرب (برق) : 10/ 17، وتاج العروس (برق) : 25/ 44 ومما تجدر الإشارة إليه أن هذه اللفظة لم يذكرها الجواليقي ينظر : المعرب : (باب الباء) : 93-131.

(أَبَارِيْق) (1). ومفردة (إبْرِيق) من ألفاظ القرآن الكريم التي وردت في قوله تعالى : (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ) (2). أَمَّا في نهج البلاغة، فقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة الإبريق) مرة واحدة (3)، دالة على الإناء المعروف الذي يستعمل في سَقّي الناس وذلك في مقام تشبيه عنق الطاووس بالإبريق، في سياق كلامه على بديع خلْقَة (الطاووس) وجمال صُنْعه. يقول الإمام : ((... وَمَخْرَجُ عَنُقِهِ كالإِبْرِيْقِ...)) (4). فشبّه مَخْرج عُنُق هذا الطَّيْرِ بالإبريق، لشدَّة مَغْرزه وحُسْن قِوامه، فضلاً عن طوله واستقامته. والإبريق كذلك يمتاز بطول رقبته التي يُصَبٌ منها (5). ويبدو أنّ الإمام أراد أيضاً بهذا التشبيه إظهار بَرِيْق عُنُق الطاووس ولمعانه أيضاً، ويُفهم ذلك من خلال نوع المعدن الذي يصنع منه (الإبريق)، فإنّه يعمل من النُّحاس أو الصفر (6). فيكون لامعاً بَرَاقاً، ولاسيما عد سقوط الضوء عليه ويبدو أنّ هذا الأمر هو الذي دفع العرب إلى تشبيه أباريق الخَمْر برقاب طَيْرِ الماء في التّراث الأدبي (7). مقاربة منها بين هذين الأمرين. ولكن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) خالف هذه الفكرة، فشبّه عُنُق الطاووس بالإبريق الذي يتميز بطول رقبته التي يصب منها الماء وهو يومئ بذلك الى دِقَّة خَلق هذا الطير من هذه الجهة. أي أنّ محلّ خروج عُنقه كمحل خروج عنق الإبريق (8). ويقاد من المدونات المعجمية لتوكيد هذا الأمر، وذلك أنهم ذكروا أنّ المفردة المتقدمة تستعمل فى دلالة على حُسْن الجسم والمنظر. إذ يقال : ((جَارية إبْرِيق)) أي : حسناء برّاقة الجسم واللون (9). كما أنّهم يَصِفُون السيوف بـ (البَرِيق والإبريق) للمَعانِها (10).

قَعْب

القَعْب القدح الغليظ (11). ويصنع هذا الضرب من الأقداح من الخشب، ويكون مُقعراً حسبما يذكر اللغويون (12). وذكر ابن الأعرابي ترتيباً للأقداح بحسب سِعَتِها، وأولها عنده (الغُمَر)، وهو أصغر الأقداح حجماً، إذ لا يَبْلغ رِيّ الرجل. وثانيها هو (القَعْب)، وسعته قدر ريّ الرَّجلِ. وربّما يروي الاثنين والثلاثة. وآخرها (العُسُّ) (13). وهو كما يبدو أكبرها حجماً.


1) ينظر : لسان العرب (برق) : 10 / 17، وتاج العروس (برق) : 25/ 44.

2) الواقعة / 17.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 165.

4) نهج البلاغة : خ/ 165 : 298.

5) ينظر : الديباج الوضي : 3/ 1372.

6) نفسه.

7) ينظر : لسان العرب (برق) : 10/ 15.

8) ينظر : منهاج البراعة : 48/10.

9) ينظر : لسان العرب (برق) : 15/10.

10) نفسه.

11) ينظر : العين (قعب) : 1/ 182، ولسان العرب (قعب) : 1/ 683.

12) ينظر : لسان العرب (قعب) : 1/ 683.

13) نفسه.

وقد وردت مفردة (قَعْب) في نهج البلاغة مرة واحدة (1)، دالة على القدح الغليط الذي يعمل من الخَشَب. وقد ذكر ذلك في سياق ذم أصحابه وضَجَره من تثاقلهم عن الجهاد ضد معاوية وأعوانه : يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((... وَإِنِّي وَاللّه لَأَظُنُّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ سَيُدَالُونَ مِنْكُمْ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقَّكُمْ، وَبِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ فِي الْحَقِّ، وَطَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ فِي البَاطِلِ، وَبِأَدَائِهِمُ الْأَمَانَةَ إِلَى صَاحِبِهِمْ وَخِيَانَتِكُمْ، وَبِصَلَاحِهِمْ فِي بِلاَدِهِمْ وَفَسَادِكُمْ فَلَو انْتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَى قَعْب لَخَشِيتُ أَنْ يَذْهَبَ بِعِلاقَتِهِ)) (2). يريد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن أصحاب معاوية ملتزمون بأداء الأمانة له، والأمانة - هنا - هي ولاؤهم له، وثباتهم على طاعته وأداء كل ما عليهم له، على الرغم من قيادته لهم بالقوة والقهر والخديعة. في حين أنّ أتباع الإمام الذين يخاطبهم في هذا السياق دون ذلك الأمر في الولاء والثبات على طاعته، وهو ما يعجب منه الإمام، لكثرة ما كان منه من مخاطبتهم وإصلاحهم. ولكنّهم خالفوا الإمام، وصاروا خونة ومُخَادِعين. ولهذا صوّر حالهم في حفظ الأمانة بأنّه لو ائتَمَنَهم على أدنى الأشياء، وهو (القَعْب)، لخشي أن يذهبوا به وبما يعلق به من ليف أو ما شابه ذلك عند غسله. وقد استعملت مفردة (عَلاقته) في هذا النص، للدلالة على حقارة الأشياء وقلة شأنها ؛ لأنّ (العَلَاقَة) هي ما يَعْلَق بالأواني والأدوات من قذر أو ليف وغيره. وجاءت هذه المفردة لتعضد الدلالة على تضييع هؤلاء القوم الأمانة وخيانتها، ولو كانت قدحا علق به شيء من القذر. وقد ذكر الشرَّاح أنّ استعمال الإمام مفردتي (فَعْب) و (علاقته) يراد منهما المبالغة في ذمّ هؤلاء الجماعة، ووصفهم بالخيانة، فجاءت اللفظتان المتقدمتان كناية عن خيانتهم الأمانة في عهد الإمام إليهم بأوامر اللّه تبارك وتعالى(3).

2 - الآبار ومتعلقاتها.

الرَّكِي

الرَّكِيَّة هي البِثْر التي تُحْفَر (4). وهذه المفردة من الألفاظ التي أصل إلفها واو، لأنها مأخوذة من (رَكَوْت) ومعناه حَفَرْت (5). و (الرَّكِيّ)، في اللغة، جمع (رَكِيَّة)(6).


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 377.

2) نهج البلاغة : خ/ 20 : 57، 58.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2/ 23، ومنهاج البراعة : 309/3.

4) ينظر : العين (ركو) : 402/5، وتهذيب اللغة (ركو) : 1911، ولسان العرب (ركا) : 334/14.

5) ينظر : لسان العرب (ركا) : 334/14.

6) ينظر : تهذيب اللغة (ركو) : 191/10.

استعملت لفظة (الرَّكِيَّ) في نهج البلاغة مرة واحدة (1)، دالة على البر. وذلك في سياق كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أصحابه ومَللِه منهم، بَعْدَما خالفوا أمره يوم التحكيم، إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((... أَمَا وَاللّه لَوْ أَنِّي حِينَ أَمَرْتُكُمْ بِما أَمَرْتُكُمْ بِهِ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الْمَكْرُوهِ الَّذِي يَجْعَلُ اللّه فِيهِ خَيْراً، فَإِنِ اسْتَقَمْتُمْ هَدَيْتُكُمْ وَإِنِ اعْوَجَجْتُمْ قَوَّمْتُكُمْ وَإِنْ أَبَيْتُمْ تَدَارَكْتُكُمْ، لَكَانَتِ الْوُثْقَى وَلَكِنْ بِمَنْ وَإِلَى مَنْ؟ أُرِيدُ أَنْ أُدَاوِيَ بِكُمْ وَأَنْتُمْ دَائِي... اللّهمَّ قَدْ مَلَّتْ أَطِبَّاءُ هَذَا الدَّاءِ الدَّوِيِّ، وَكَلَّتِ النَّزْعَةُ بِأَشطَانِ الرَّكِيّ))(2). والرَّكِي - هنا - هي البئر المضطربة الحفر التي تنزل بها الحبال القوية الفتل حتى لا تنقطع. وقد ضرب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا التعبير مثلاً لحاله مع هؤلاء القوم الذين يريد تقويمهم وإصلاحهم حتى كَلَّتِ النزعة بمن يسحب حبال الرَّكِيّ. و(النَّزْعة) هم الذين يجذبون حبال البئر وينتزعونها لإخرج الماء من البئر. وهذه استعارة، قصد منها الإمام تشبيه أصحابه في بُعْدِهم عن الإصلاح بمن وقع في قعر بئر عميق، وقد كُلَّ عن جذبه وإخراجه (3). والعِلة في ذلك راجعة إلى عدم استجابة هؤلاء للإعانة والنّصح والارشاد الذي يقدّمه الإمام لهم، وليس إلى ضعف الإمام وعدم قدرته على جذب هؤلاء وإرجاعهم الى الطريق القويم. ويشبّه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) نفسه في هذا التعبير بـ(النّازع) الذي ينتزع الحبال من البئر، مستعيراً، لنصائحه وكلامه، لفظة (الأَشْطَان)، وهي الحِبال التي تُجرُّ بها دِلاء الآبار. فكأن كلامه ونصائحه لهم بمنزله هذه الأشطان. في حين أنّه استعار مفردة (الرّكِيّ)، لحال هؤلاء الناس من جهة وصف ضلالهم وتيههم، وكأنهم في بئر عميقة مظلمة مُضْطَربة الحَفْر، وهم بحاجة إلى مَنْ يُنجِيهم منها. والجامع في ذلك هو إحياء هذه النفوس المريضة، وإعادة الوعي اليها، كما يصنع المُسْتَقِي الذي يخرج الماء من الآبار ؛ ليحيي بها الأرض الموات، فإن أتعبته الأرض وكَلَّت نفسه عن سَقيها أثر ذلك في إحيائها (4).

الطَّوِيِّ

الطَّي في اللغة - نقيض النَّشر (5). والطَّوِي هي البئر المطوية بالحجارة (6). وهي التي تبنى بالحجارة من رأسها. ومفردة (طَوِيّ) في الأصل صفة مشبهة على زنة (فَعِيل) بمعنى (مَفْعُول)، ولهذا جمعوه على وزن (أفْعَال)، فيقولون (أطْوَاء)، وقد صح جمعها هكذا لانتقالها من باب الوصفية إلى باب الاسمية (7).


1) المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 194.

2) نهج البلاغة : خ/ 121، 224.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 3/ 555.

4) ينظر : منهاج البراعة : 8/ 119.

5) ينظر العين (طوي): 466/7، ولسان العرب (طوي): 18/15.

6) نفسهما.

7) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 146/3، ولسان العرب (طوي) : 18/15. ومعاني الأبنية :61.

وقد وردت لفظة (الطَّوِيّ) مرة واحدة في نهج البلاغة (1)، دالة على البئر العميقة البعيدة القَعْرِ المَطْوِيَّةِ بالحجارة التي يُسْتَقَى منها الماء. واستعملها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق كلامه من عِلمه المكنون الذي اسْتأثر به قلبه مخافة على القوم من سَمَاعِه، لأنّهم لا يتحملون نتائجه وآثاره عند البَوْح به. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((... بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ، لَأَصْطَرَبْتُمُ اضْطِرَابَ الأُرْشِيَةِ فِي الطَّوِيِّ البَعِيدَةِ)) (2). وقد وظف الإمام مفردة (الطَّوِيّ) في هذا السياق، للدلالة على البئر المطويّة التي رُصَّ رأسها بالحجارة ؛ لتبقى دائمة، ولا تسقط فيها الحجارة أو الرّمال، فتصيب ماءها وتدل المفردة المتقدمة على ثبوت الوصف في الدلالة على البئر المَطْوِيِّ بالحجارة. فلا حاجة عند ذاك إلى الأخذ بما ذهب اليه ابن الأثير الجزري من أنّ هذهِ اللفظة كانت في أصلها صفة مشبهة بوزن (فَعِيْل) يراد بها (مَفْعُول) (3). إنما هي (فَعِيل)، فحسب دون حاجة الى مجاوزتها دلالة صيغتها الأصلية. والدليل على ذلك أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أراد من استعمالها بيان دلالة البئر التي تُطوى بالحجارة، ليقام عمدها ويحافظ عليها لعمقها وبُعد قَعْرها. إذ يفهم من كلامه أنّه أراد ثبوت صفة (طَيّها) وليس (طُرُوئها) وتغيّرها ؛ لأن بناء) فَعِيْل (إذا جاءت بمعنى (مَفْعُول)، فَسَيَنتقل الوصف بها من الثبوت والدوام الى معنى قريب من الثبات والحدوث أيضاً (4).

أقول : و لو عُمِد إلى الموازنة بين مفردتي (طَوِي) التي تقدمت دلالتها، وبين مفردة (قَليْب) مثلاً بوصفها دالة على البئر أيضاً، لوجد أن (قَلْيِباً) يُراد بها البئر قبل أن تطوى، فهي البئر العادية القديمة التي لا يعلم لها ربّ أو حافِر، والتي قد تكون ذات ماء أو غير ذات ماء (5). ويبدو من كلام اللغويين أنها ليست بعيدة القعر. ويفهم من ذلك أن (الأُرشِيَة)، وهي حبال الدّلاء، لا تضطرب إلا في (الطَّوِي) البعيدة القعر بسبب من عمق هذا النوع من الآبار التي تتطلب حبالاً طويلة. ولهذا وظف (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا التعبير مؤثراً فيه استعمال مفردة (الطَّوِيّ) لمناسبتها السياق الذي انتظمت فيه. فإنّها مع وصفها بلفظ (البعيدة) تتضمّن الإشارة الى موضع العلم العميق والبعيد الأثر، الذي تنطوي عليه نفسه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فكأنه يومئ بذلك الى عمق علمه وغزارته وصفائه، بشكل لا يمكن لأحد النّهل منه الا من كان مستعداً لتحمّل مشاق الغوص في أعماقه، بوصفه موضع الارتواء الذي تُحيى به عقول الناس.

القليب

القَلِيْب اسم من أسماء البئر البَدِيء العادِية القديمة، مطوية كانت أو غير مطوية، فيها ماء أو لم يكن فيها ماء (6). وقيل : بل هي البئر قبل أن تطوى، فَإن طُويت، فهي البئر الطُّوي (7). وتُسمّى البئر قليباً ما كان


1) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 280.

2) نهج البلاغة : خ / 36: 6. وقد نقلت المدونات اللغوية قول الإمام المتقدم ينظر: النهاية في غريب الحديث : 132/2، ولسان العرب (طوي): 18/15.

3) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 146/3.

4) ينظر: معاني الأبنية : 61.

5) ينظر : لسان العرب (قلب): 285/1.

6) ينظر : تهذيب اللغة (قلب) : 144/9.

7) ينظر : العين (قلب) : 170/5، ولسان العرب (قلب) : 1/ 689.

فيها عين ماء وإلا فلا تسمّى بذلك (1). وخصّ اللغويون هذا النوع من الآبار التي تُسمى (قليباً)، بكونها غير معروفة الحافر الذي حفرها (2). وذكروا أنّ علّة تسميتها بـ (القليب) ترجع الى أن حافرها قَلَب تَرابها (3). وقد وردت لفظة (القَليْب) في نهج البلاغة مرة واحدة (4)، دالة على القليب، وهو بئر الماء غير المطوية، وخصّ بها - هنا - قليب بدر التي سيطرح فيها قتلى المشركين في وقعة بدر. يقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق كلامه عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وموقف قريش منه ذاكراً رفقته مع النبي : ((وَلَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ(صلى اللّه عليه وآله وسلم) لَمَّا أَتَاهُ المَلأُ مِنْ قُريْش، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ قَدِ ادَّعْيْتَ عَظِيماً لَمْ يَدَّعِهِ آبَاؤُكَ وَلَا أَحَدٌ مِن بَيْتِكَ، وَنَحْنُ نَسَأَلُكَ أَمْراً إِنْ أَجَبْتَنَا إِلَيْهِ وَأَرَيْتَنَاهُ، عَلِمْنَا أَنَّكَ نِبِي وَرَسُولٌ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ عَلِمْنَا أَنَّكَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ فَقَالَ (صلى اللّه عليه وآله وسلم): وَمَا تَسْأَلُونَ؟ قَالُوا : تَدْعُو لَنَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ حَتَّى تَنْقَلِعَ بِعُرُوقِهَا وَتَقِفَ بَيْنَ يَدَيْكَ. فَقَالَ (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : إِنَّ اللّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَإِنْ فَعَلَ اللّه ذلِكَ لَكُمْ، أَتُؤْمِنُونَ وَتَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ؟ قَالُوا: نَعَمْ خَيْرِ، وَإِنَّ فِيكُمْ مَنْ يُطْرَحُ فِي الْقَلِيبِ، وَمَنْ يُحَذِّبُ الْأَحْزَابَ)) (5). فنقل أمير المؤمنين هذا الخبر ذاكراً نص الحوار بين النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) والمشركين من ريش، حتى ذكر لهم ما سيحصل في قابل الأيام من عدم رجوعهم الى الإسلام وطريقة، ومن يُطرح منهم في (القليب). في إشارة منه الى غزوة (بَدْر)، التي قُتِل فيها جمهور كبير من المشركين، وجمع هؤلاء القتلى في هذهِ البئر بعد ذلك، حتى ذكرت الروايات التأريخية خطاب النبي الأكرم لهم عند وقوفه على تلك القليب، مخاطباً القتلى ومذكراً لهم بوعد اللّه تبارك وتعالى (6).

أشْطان
إشارة:

الشَّطن - في اللغة - الحبل الطويل الشديد القتل الذي يُستقى به (7). وربما استعمل هذا الحبل في شدّ. الخيل (8). والشَّطن الحبل الذي يُشطن به الدلو (9)والشَّطون البعيد (10). ومنه بئر شطون أي بعيدة القعر وتكون ملتوية عوجاء متّسعة من الأعلى ضيّقة من الأسفل (11). ويبدو أنّ الأصل في دلالات هذا الجذر اللغوي هو


1) ينظر : لسان العرب (قلب) : 1/ 689.

2) ينظر : لسان العرب (قلب) : 1/ 689، والمحكم (قلب) : 425/6.

3) ينظر : تهذيب اللغة (قلب) : 144/9، ولسان العرب (قلب) : 1/ 689.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 379.

5) نهج البلاغة : خ/ 192 : 379.

6) ينظر : السيرة النبوية (ابن هشام : 1877/3، 188 - وسيرة ابن إسحاق : 301/3 وما بعدها - والمقتفى من سيرة المصطفى، لابن حبيب : 1/ 130، 131.

7) ينظر : العين (شطن) : 6 / 236، والمحكم (شطن) : 17/8، ولسان العرب (شطن) : 13/ 237.

8) ينظرك المحكم (شطن): 17/8.

9) ينظر : المحكم (شطن) : 17/8، ولسان العرب (شطن) : 13/ 237.

10) نفسهما.

11) نفسهما.

النأي والبعد. يقال : شَطَنَت الدار شُطوناً. أي: بعدت (1). وردت مفردة (أشطَان) و(أشطانها) في نهج البلاغة مرة واحة لكل منهما (2)بصيغة الجمع على زنة (أفْعَال) للدلالة على ما يأتي :

أولاً : الدلالة على حبل البئر

وهو الحبل المفتول الطويل. وقد ذكر الإمام هذه الدلالة في قوله الذي يَتَضَجِّرُ منه من أمر أصحابه وحالهم حينما أشار عليهم بعدم قبول التحكم في صفتين (3)إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((... أَمَا وَاللّه لَوْ أَنِّي حِينَ أَمَرْتُكُمْ بِما أَمَرْتُكُمْ بِهِ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الْمَكْرُوهِ الَّذِي يَجْعَلُ اللّه فِيهِ خَيْراً، فَإِنِ اسْتَقَمْتُمْ هَدَيْتُكُمْ وَإِنِ اعْوَجَجْتُمْ قَوَّمْتُكُمْ وَإِنْ أَبَيْتُمْ تَدَارَكْتُكُمْ لَكَانَتِ الْوُثْقَى وَلَكِنْ بِمَنْ وَإِلَى مَنْ؟ أُرِيدُ أَنْ أُدَاوِيَ بِكُمْ وَأَنْتُمْ دَائي... اللّهمَّ قَدْ مَلَّتْ أَطِبَّاءُ هذَا الدَّاءِ الدَّوِيِّ، وَكَلَّتِ النَّزْعَةُ بِأَشْطَانِ الرَّكِيّ.)) (4). ويلحظ تَذمره (عَلَيهِ السَّلَامُ)من مخالفة أصحابه واضطرابهم عليه، ولذلك صوّر حاله معهم بمن يَكِلُّ من جَذْب أشْطَان البئر، وهي الحِبَال التي يُجْذب بها الدَّلْو. مُستعيراً لذلك مفردة (النَّزْعَة) لنفسه، فكأن أصحابه في قعر بِئْر عميقة، وقد كَلَّ وجزع من جَذْبِهِم الى الطريق القويم (5). مع أنه لم يَأْلُ جهداً في نُصحهم ودلالتهم على الأمر الذي فيه صلاحهم، ولكنّهم أَبَوا إلاّ مخالفته (6).

أمَّا مَزِيّة مفردة (أشْطَان) في هذا السياق على غيرها من الألفاظ التي تدل على حِبَال البئر التي تجذب دَلْوه فيبدو لي أنها تناسب المعنى العام للنص الذي قصد فيه أمير المؤمنين، بيان حال أصحابه وانخراطهم عن رأيه ومشورته، وهم في ذلك كالصَّعب النفور من الدوّاب الذي يكون بحاجة الى حَبْل شديد القَتْل يمكن أن يُعِين على جَذْب الفرس الصَّعْبَة، فضلا عن ربطها بهذا النوع من الجِبَال التي ذُكِر أنّها تُشدّ بها الخيل (7). فضلاً عن أنّ هذا الضَّرب من الحبال مختص - كما يبدو - بنوع من الآبار، وهي البئر البَعِيدة القعر الشديدة العمق التي تُوْصَف في التراث العربي بأنها (شَطُون) . وذلك إذا كانت ملتوية عَوْجَاء ضيقة القعر (8). وقد عزّز الإمام هذه الدلالة، بذكر مفردة (الرَّكِيّ) التي تدل على البئر المحفورة التي لم تَطْوَ (9). وهي بذلك غير منتظمة الحفر.

أقول : ولا يخفى لمن تبصر في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) المتقدم أنّ حال أصحابه تشابه الحال التي عليها هذا الضرب من الآبار التي تكون بحاجة الى (أشْطَان) متعددة لجذب الماء منها، بسبب من عدم انتظام حفرها واعوجاج باطنها. فلهذا استعملت مفردة (أشْطَان) بصيغة الجمع ؛ لِيُظهر حال القوة والجهد الذي يَبْذَله مع هؤلاء القوم الذين يَعْصُونِهِ و يَمْتَنِعُون عليه عند جَذْبِهم الى الطريق القويم التي يرشدهم إليها. ولعلنا نفهم هذه الدلالة من


1) ينظر : لسان العرب (شطن) : 13/ 238.

2) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 240.

3) ينظر : الديباج الوضي : 2/ 996.

4) نهج البلاغة : خ/ 121 : 223، 224.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 555/3، ومنهاج البراعة : 8/ 119.

6) ينظر : الديباج الوضي : 2/ 998.

7) ينظر : المحكم (شطن) : 17/8.

8) ينظر : المحكم (شطن) : 17/8، ولسان العرب (شطن) : 13/ 238.

9) ينظر لسان العرب (ركو) : 14 / 334، والمعجم الوسيط: 371/1.

تفسيرات اللغويين لكلمة (الشَّطن)، التي تعني الحَبْل الطويل الشديد الفتْل، فإذا كانت كلمة (الشَّطن) لفظاً مفرداً دالة على الحبل شديد القتل، فكيف إذا كانت تلك (الأَشْطَان) جمعاً عند ذلك.

ثانياً : الدلالة على الحبال التي تجذب بها الأغمار.

فقد جعل (عَلَيهِ السَّلَامُ) (الأَشْطَان) بمنزلة الحبل التي يخلج به الموت الأعمار. يقول في وصف ذلك : ((وَخَلَقَ الأجَالَ فَأَطَالَها وَقَصَّرَهَا، وَقَدَّمَها وَأَخَّرَهَا، وَوَصَلَ بَالْمَوْتِ أَسْبَابَهَا، وَجَعَلَهُ خَالِجاً (1)لأشْطَانِهَا، وَقَاطِعاً لمَرائِر أَقْرَانِهَا))(2). والخَالِج - هنا – هو الموت الذي يَجْذب الأرواح ويسلبها بأمر اللّه تبارك وتعالى. فاستعار لفظ (الخَالِج) للموت وجعل مفردة (أشْطَانِها) هي القرينة الدالة على وجه الاستعارة. ووجه المشابهة ما يستلزمه الموت من قرب الأجل، مثلما يستلزم الجاذب قرب ما يجذبه اليه، فقدّر (عَلَيهِ السَّلَامُ) الموت جاذباً لآجال الناس بحباله (3)أمّا. إيثاره مفردة (أشْطَان) على غيرها من الألفاظ التي تدل على (الحبل)، فأحسبه يرجع الى ايحاء اللفظة المتقدّمة وتأثيرها في نفس المتلقي من شدّة غلظتها وقوة قتلها، فضلاً عن طولها الذي يومي الى امتدادها ووصولها الى أبعد مخلوق يراد أخذ أجله. وقد عزّز الإمام التعبير المتقدم، بذكره مفردات دالة على الحبال أيضاً، ومنها مفردة (مَرَائرِ)، وهي ضَرب من الحِبال اللطيفة الدقيقة الموصوفة بالطول وشدّة الفتل (4)ومفردة (أَقْرَان) أيضاً التي تدل على الحبل المفتول المتخذ من لحاء الشجر (5)، أو الذي يُقْرن به البَعِيران بعضمهما الى البعض الآخر (6).

أقول : لقد جعل (عَلَيهِ السَّلَامُ) الموت قاطعاً لمرائر أقران الحياة التي ترتبط بها لوازمها وسبلها، موظفاً المفردتين المتقدّمتين على سبيل الاستعارة، ناقلاً مفردة (مَرَائر) من مجالها الدلالي الذي تدل فيه على الحبال الدقيقة القوية الفتل، الى الدلالة على العلاقة التي تربط الناس بعضهم بالبعض الآخر، جاعلاً منها كالمَرَائِر من الحِبَال التي يُربط بعضها ببعض، كاشفاً عن ذلك بقرينة لفظية، وهي كلمة (أقْرَان) التي تدل - كما تقدم - على الحبل الذي يربط به البِغيْر الى بَعِيْر آخر معه. للدلالة على اقترانهما وجمعهما معاً، وهو ما أراد النص إظهاره - فيما يبدو - من خلال الإشارة الى أن الموت يسعى الى قطع علاقات الإقتران والقرابة بين الناس سواء كانت علاقات أخوة أو صداقة وغير ذلك من الأسباب التي تؤدي الى اجتماع الناس وتقاربهم (7).

الأرشية

الرِّشاءِ رَسَن الدَّلو كما يذكر الخليل (8). وهو الحبل الذي يسحب به تلو البئر (9). وأَرْشَيت الدَّلْو ؛ إذا جعلت له رُشاء (10). ومن النّكت اللغوية ما ذكره بعض اللغويين فى علّة تسمية رَسَن الدَّلْو رِشَاء، فقد ذكر أنّ


1) الخَلْجُ الجَذْبُ، والخالج الجاذب. ينظر : لسان العرب (خلج) : 2/ 256.

2) نهج البلاغة : خ/ 91 : 165.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2/ 465.

4) ينظر : المحكم (مرر) : 251/10، وتاج العروس (مرر) : 109/14.

5) ينظر : تاج العروس (قرن) : 530/35.

6) ينظر : المحكم (قرن) : 364/6.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 466/3.

8) ينظر : العين (رشو) : 281/6.

9) ينظر : لسان العرب (رشا) : 14/ 322، وتاج العروس (رشو) : 38/ 153.

10) ينظر : النهاية في الغريب الحديث : 2/ 226، ولسان العرب (رشا) 323/14.

ذلك يرجع الى التوصل به الى الماء كما يوصل بالرُّشوة الى ما يطلب من الأشياء (1). ويقال لأغصان الشجر يرجع وخيوط الحنظل واليَقْطِين أَرْشِيَة ؛ لأنها تمتدُّ كما يمتد الحَبْل (2). وذكر الأصمعي أنّه إذا امتدَّت أغصان الحنظل. قيل : أرْشَت، أي صارت كالأرشية، وهي الحبال (3). وتجمع هذه المفردة على (أفْعِلَة)، فيقال فيها (أرْشِيَة)(4).

وقد استعمل الإمام لفظة (الأرْشِيَة) بصيغة الجمع مرة واحدة في نهج البلاغة (5)، دالة على رَسَن الدَّلْو وهو حبله الذي يُرسل به الى سُرّة البئر. وقد ذُكِرت هذه المفردة في سياق كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن مَكْنُوْن عِلمه، وما سيحصل للناس لو بَاح به. إذ يقول : ((... بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لَأَضْطَرَبْتُمُ اصْطِرَابَ الأَرْشِيَةِ في الطُّوِيِّ البَعِيدَةِ))(6). يريد أن ارتباكهم وعدم استقرارهم، سيكون بسبب من سماعهم (مكنون علم) لا يعرفون كُنهه، هذا أولاً. وثانياً أن اضطرابهم سيكون شبيهاً باضطراب الحِبال التي تمسك الدلو عند إنزاله الى قعر البئر، لأنها لا تستقيم على حال عند استعمالها في جذب الماء من الآبار. وقد ذكر الشارح البيهقي أنّ هذا الاستعمال الذي أورده الإمام يدل على حال هؤلاء النّاس عند سَمِاعهم هذهِ الأسرار التي أشار اليها الإمام ؛ لأنها ستؤدي الى انفعال أنفسهم انفعالاً يليق بهذه الأسرار (7). ويحتمل أن يكون المراد من اضطرابهم الإشارة الى تَشَتُت آرائهم عندما يكشف لهم ما يكون أمر الخلافة والى من ينتهى، وما سيؤول إليه حال الناس مما أعلمه به الرسول الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، فشبه اضطراب آرائهم باضطراب (الأرشية) التي تمسك الدلاء عند إرسالها في الآبار مبالغة في بيان حال الناس.

واختلافهم الشديد عند بوحه بهذا العِلم (8)، وذلك أنّ البئر كلما كانت عميقة بعيدة، كان اضطراب الأرشية أشد وأكثر بسبب من طولها. وثمّة عِلّة أخرى أشار إليها بعض من نقل عنهم البحراني، وهي علّة تغيّر سبب الاضطراب، وتحيله الى اضطراب من خوف اللّه وخشيته، وذلك أنهم رأوا أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أراد القول إنّه انطوى على مكنون العلم بأحوال الآخرة وما شاهده من نعيمها وبؤسها مما لو كشفه لهم، لاضطربوا اضطراب الأرشية في الطَّوِي البعيدة، خوفاً من اللّه ووجلاً من عتابه وشوقاً الى ثوابه، ولَذْهِلُوا عمّا هم فيه من المنافسة في شؤون الدنيا (9).

3- المشرب المُرّ.

إشارة:


1) ينظر : لسان العرب (رشا) 323/14.

2) ينظر : تهذيب اللغة (رشو) : 279/11.

3) نفسه.

4) ينظر : العين (رشو) : 6 / 281، والمغرب في ترتيب المعرب : 1/ 331.

5) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 188.

6) نهج البلاغة : خ/ 5 : 36.

7) ينظر : معارج نهج البلاغة : 1/ 242.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 1/ 1917، ومنهاج البراعة : 3/ 124.

9) نفسهما.

أَجَاج

الأجاج الماء المُرّ المِلْح (1)، وأجَّ الماء يؤجّ أُجُوجاً، إذا صار مالحاً (2). وقيل ماء أُجَاج. أي مالح شديد المرارة أو شديد الحرارة (3). وهذه الصفة تنطبق على ماء البحر الذي يكون مالحاً الى درجة المرارة (4). والأُجَّة شِدَّة الحَرّ وتوهّجه. ومن هذا المعنى يوصف الماء أحياناً بأنَّه شديد الحرارة، إذا كان أُجَّاً والعرب تقول :. إنتَجَّ الحَرّ إئتجاجاً، وحرَّق الحرّ أُجَاجاً إي. اشتدَّ وتوهّج (5).

ومفردة أجاج من مفردات نهج البلاغة التي استعملها الإمام مرتين (6)، دالة على الماء المِلْح الذي لا يُستساغ طَعْمه. واستعمل الإمام هذه الدلالة لتأكيد أنّ الحياة لابد أن يكون فيها ما يُنَغصها من قدر وألم. وجاء هذا التعبير عند الإمام في سياقين مختلفين كل منها يدل على فَرَادَة المعنى وتميّزة، ومن ذلك قوله الذي يتحدث فيه عن (المُرِيْدِيْنَ للّه الرّاغِبين فيه)، وهم الذين هاموا في حبّ اللّه تبارك وتعالى ؛ فَنَسوا اللذَّات و الشهوات. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : (وَبَقِيَ رِجَالٌ غَضَّ أَبْصَارَهُمْ ذِكْرُ الْمَرْجِع، وَأَرَاقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ الْمَحْشَرِ، فَهُمْ بَيْنَ شَرِيد نَادِّ وَخَائِفِ مَقْمُوعِ... قَدْ أَخْمَلَتْهُمُ التَّقِيَّةُ، وَسَمِلَتْهُمُ الذُّلَّةُ، فَهُمْ فِي بَحْرٍ أَجَاجٍ، أَفْوَاهُهُمْ ضَامِزَةٌ (7)، وَقُلُوبُهُمْ قَرحَةٌ، قَدْ وَعَظُوا حَتَّى مَلُوا، وَقُهِرُوا حَتَّى ذَلُّوا، وَقُتِلُوا حَتَّى قَلُّوا)) (8). يصف الإمام حال الراغبين في اللّه، ويذكر تشديدهم وقمع السلطة لهم، وكيف بَرَاهم الخوف والتَّقِيّة من الظالمين، ما يجعلهم خاملين من التقية، لا جزاء لهم الا القهر والقتل. وهذا كله بعدما وَعَظُوا الناس حتى مَلُّوا منهم.

أقول : وهذه الأوصاف تناسب أن يكون حالهم كحال الغارق في بحر أُجَاج شديد الملوحة. فاستعمل الإمام هذا التعبير للدلالة على الدنيا وأحوالها، متّخِذاً تعبير (بَحْرٍ أجاج)، لبيان أحوال الدنيا ومرارتها، فكما أنّ الدنيا لا تصلح للاستمتاع بها ؛ لأنها سبب العذاب في الآخرة، فكذلك البحر الأجاج الذي لا يمكن لمن يسبح فيه أن يَرْتَوِي منه، ويَلتذْ بمائه لشدَّة مِلْحه (9). ويبدو أن لفظة (أُجاج) المضافة الى (بخر) لم تقتصر على إظهار طعم الدنيا المُرّ فحسب، وإنما يُفهم من استعمالها أيضاً حالُ الغَرَق في هذهِ الدنيا، وما فيها من مُنَغْصات وآلام. والمعروف أنّ الذي يَسْبح في بحر مالح ويَلْبَث فيه مدة طويلة، يتعرض جسمه الى التشقق والتقرّح بسبب شِدّة ملوحة البحر، فضلاً عن آلام هذهِ القروح لجريان الملح فيها. وهذا الضرب من المعنى محتمل أيضاً في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ولمّا كان للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) رأي في الدنيا، فهي عنده - فانية زائلة لا قيمة لها. لهذا نجده يذمَّها ويُظهر مَسَاوِئها، ويعمد الى تبصير المُعْتَرين بها بأنَّ كل ما فيها من غضارة ماهو الأرهَق وألم. ومن أساليبه التي


1) ينظر : تهذيب اللغة (أجج) : 159/11.

2) ينظر : تهذيب اللغة (أجج) : 159/11، ولسان العرب (أجج) : 206/2.

3) ينظر : تهذيب اللغة (أجج) : 159/11.

4) نفسه.

5) ينظر : لسان العرب (أجج) : 206/2.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 14.

7) الضّمْز، في اللغة، هو إمْسَاك البعير عن الإرْغاءِ. والفائز هو الذي يمسك فاه فلا يتكلم، ينظر : لسان العرب (ضمز) : 365/5.

8) نهج البلاغة : خ/ 32 : 71.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 273/2، والديباج الوضي : 386/1.

يُظهر بها هذا الوجه، قوله في سياق ذَمّها : ((... وَمَنِ اسْتَكْثَرَ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِما يُوبِقُهُ... كُمْ مِنْ وَاثِقِ بِهَا قدفَجَعَتْهُ، وَذِي طُمَأْنِينَة إِلَيْهَا قَدْ صَرَعَتْهُ... سُلْطَانُهَا دُوَّلٌ، وَعَيْشَهَا رَنِقٌ، وَعَذِّبُهَا أُجَاجٌ...))(1)وتَضَمّن النص مفردة (أُجَاج) وصفاً لِعَذْبِ الدُّنْيَا، لتوكيد أنّ كل ما في (الدنيا) من حلو، وعَذْب، فهو في الأصل مرارة وكَدر. وذكر الشارح البحراني أن الإمام استعار لفظ (العَذَّب) للذَّات الدُّنيا، ولفظ (الأَجَاج) لبَيانِ ما يشوبها من الكدر والمَرَارة التي ترافق لذاتها (2).

الصبر
إشارة:

الصَّبِر - بكسر الباء، حسبما يذكر أبو حنيفة الدينوري (ت 281 هـ)، عُصارة نَبْتٍ شبيه بنباتِ السَّوسَن الأخضر، ولكنه أكثر ورقاً، إذ تؤخذ أوراقه، فَتُقْدَح في المعاصير، وتسيل عُصارتها، فتؤخذ وتُشمّس حتى تشتد (3). وذكر اللغويون أنّ ورق هذا النبات شبيه بِقُرب السكاكين فهي طِوَال غِلاظ كثيرة الماء، في خُضرتها غُبْرة تبدو مُقشَعِرة المنظر (4). وتمتاز عصارة الصَّبِر بِشِدَّةِ المرارة، وتستعمل دواءً في بعض الأحيان(5). وقد وردت مفردة (صَبِر) مرتين في نهج البلاغة ؛ الأولى مجردة من (ال) التعريف، والثانية محلاة بها (6)، للدلالة على المذاق المرّ. ويمكن بيان ذلك بحسب ما يأتي:

أولاً : الدلالة على مرارة الدنيا.

فقد وظف الإمام مفردة (صَبِر)، لإظهار شِدّة مرارة الدُّنْيا بِكُلِّ ما فيها من محاسنَ، فجعل حُلْوَها صَبراً مُرَّاً وذلك في سياق دم الدنيا الذي يقول فيه : ((سُلْطَانُهَا دُوَّلٌ، وَعَيْشُهَا رَنِقٌ، وَعَذْبُهَا أُجَاجٌ، وَحُلْوهَا صَبِرٌ..)) (7). ووصفها حلاوة الدنيا بأنّه (صَبِر)، إشارة الى شدّة مرارة الدنيا، فكما أنّ عُصارة الصَّبِرِ مُرَّة، فكذلك الدنيا بحلاوتها وذكره. مفردة (حُلوها) جاء لبيان انخداع البعض بها. فالمُنخَدِعون بالدنيا وما فيها من ملذات يعتقدون أنها حلوة زاهية، في حين أنّ حلوها في الحقيقة مُر يُشبه في مرارته طعم الصَّبِر (8). أمّا المَوضِع الثاني الذي سيقت فيه مفردة (الصَّبِر)، فهو كلامه عن رحلة بني أمية، في سياق الانتقام منهم.. إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذلك : ((وَسَيَنْتَقِمُ اللّه مِمَّنْ ظَلَمَ، مَأْكَلاً بِمَأْكل، وَمَشْرَباً بِمَشْرَب، مِنْ مَطَاعِمِ الْعَلْقَمِ، وَمَشَارِبِ الصَّبر وَالْمَقِر...)) (9). أراد أنّ النّصفة من اللّه تعالى تكون على جهة المساواة والاقتصاص مثلاً بمثل، فيُجازي بمآكل الظُّلْم ومَشارِبه بِمِثل فعله (10).

مَقِرة


1) نهج البلاغة : خ/ 111 : 207.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 538/3.

3) ينظر : المخصص : م /3 : س / 11 : 214، وتاج العروس (صبر) : 280/12.

4) ينظر : العين (صبر) : 115/7، ولسان العرب (صبر) : 437/4.

5) ينظر : لسان العرب (صبر) : 437/4، وتاج العروس (صبر) : 179/12.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 252.

7) نهج البلاغة : خ / 111 : 207.

8) ينظر : الديباج الوضي : 2/ 912.

9) نهج البلاغة : خ/ 108 : 279.

10) ينظر : الديباج الوضي : 1284/3.

مَقر الشيء - بالكسر - يَمْقر مَقْراً، إذا صار مُرّاً (1). والمقر الصَّبِر، وهو نبات ينبت ورقاً من غير أغصان (2). وهو دواء مُرّ معروف يؤخذ من شجر مُرّ (3). وقيل : إن المقر والصَّبِر مختلفان، وليسا من ضرب واحد من الشجر (4). وذهب لغويون الى عدّ المقر ضرباً من السُّم (5).

واستعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردتا (المَقِرَة) و(المَقِر) مرة واحدة لكل منها في نهج البلاغة (6)، للدلالة على المَشرَب والمَطعم المُرّ الذي لا يُستساغ. وجاء هذا الاستعمال في سياقين، الأول سياق الحديث عن دولة بني أميّة وانتقام اللّه تبارك وتعالى منهم وممن تابعهم مِنَ الذين سَاقُوا الأمر إليهم، ودفعُوا الإمام عنه. إذ يقول: ((أَصْفَيْتُمْ بِالأُمَرِ غَيْرَ أَهلِهِ، وَأَوْرَدْتُمُوهُ غَيْرَ مَوْرِدِهِ، وَسَيَنْتَقِمُ اللّه مِمَّنْ ظَلَمَ، مَأْكَلاً بِمَأْكُل، وَمَشْرَباً بِمَشْرَب مِنْ مَطَاعِمِ الْعَلْقَمِ، وَمَشَارِبِ الصَّبِرِ وَالْمَقِرِ...)) (7). ويُخبر الإمام عن انتقام اللّه تبارك وتعالى من الأمويين ومَن سَار في ركبهم، وأنَّ هذا الانتقام سيكون انتصافاً منه تبارك وتعالى على جهة المساواة والاقتصاص مَثَلاً بِمَثَل، فيُجازى بِمَآكِلِ الظُّلْمِ ومَشاريه (8). ولهذا استعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ)مفردات تدل على المطعم والمَشْرِب المُرِّين ؛ وهي مفردات (العَلْقَمِ، والصَّبِر، والمَقِر) التي يعرف عنها المخاطبون شِدَّة مرارتها، وعدم استساغة تناولها. وقد جعل (العَلْقَم) هو المطعوم منها، في حين عُدّ (الصَّبِرِ، والمقر)، هما المشرب المعروف بمرارته وشدّته. فأما لفظ (المقر)، فهو اسم جمعي يدل على الشراب المُرّ المُعروف الذي لا يقل مرارة عن بقية المفردات المتقدّمة، حتّى أنّه يصعب تجرّعه. وقد جمع الإمام بين اللفظتين المتقدمتين، اللذين يرى بعض اللغويين أنهما من جنس واحد، حتى ذهبوا الى عدّ الصبر هو المقر نفسه (9). لكن الظاهر من استعمال الإمام أنهما مختلفان، وإن كان يشتركان في مرارة الطَّعم، ولعلّ أشدّها في هذا الأمر هو (العلقم)، ثم (الصَّبِر)، ومن ثَمَّ (المقر)، الذي انتهى إليه قول الإمام، للدلالة على أنّ ما طاب لهؤلاء الظالمين من المآكل والمشارب، فإنّه سَيُستبدل بالمُرِّ الذي لم تعتد عليه أفواهم. وذلك كله على سبيل استعارة هذه المفردات في الإشارة الى ما يتجرّعه هؤلاء من مرارة القتل وزوا ل ملكهم ودولتهم (10).

أما السياق الثاني، فهو كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن زُهده في الدنيا الذي يقول فيه : ((فَوَاللّه مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً... ولا حُزْتُ من أَرْضِهَا شِبْراً... وَلَهِيَ في عَيْنِي أَوْهَى وَأَهْوَنُ مِن عَفْصَةٍ مَقِرَةٍ))(11). وقد جاءت لفظة مضافة الى لفظة (عَفْصَة)، وهي ضَرب من الشجر أو الثَّمر ذي الطَّعم المُر الذي يُتَّخذ منه الحِبْر، فضلاً


1) ينظر : المحكم (مقر) : 408/6.

2) ينظر : المحكم (مقر) : 408/6، ولسان العرب (مقر) : 182/5.

3) ينظر : المحكم (مقر) : 408/6، والنهاية في غريب الحديث : 347/4، ولسان العرب (مقر) : 182/5.

4) ينظر : ولسان العرب (مقر) : 5/ 182.

5) ينظر : المحكم (مقر) : 408/6.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 423.

7) نهج البلاغة : خ/ 158 : 279.

8) ينظر : الديباج الوضي : 1284/3.

9) ينظر : لسان العرب (مقر) : 182/5.

10) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 647/5.

11) نهج البلاغة : ك/ 45 : 530.

عن عده من الأدوية القابضة التي تشدّ الأعضاء الرَّخوة الضَّعيفة من البدن (1). ولهذا وصف الإمام مفردة (عَفْصة) بكلمة (مَقِرَة)، لتأكيد ذوقها المُرّ وعدم استساغة طعمها. وقد ناسبت هذه الدلالة السياق الذي ذكره الإمام، بجعل (الدنيا) بكل مافيها (أهْوَن)، و (أوهَى) من شجر العَفْص ومرارته.

أقول : إن الدنيا عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا تساوي شيئاً، فهي هَيِّنة واهية لا تُقِيم أود نفسها، كشجر العَفْصِ الذي يمتاز بالوَهْن ومرارة الطعم. فضلاً عن أنّ حلاوتها هي مرارة في الوقت نفسه. وقد أشار الى ذلك في مقولته : ((مَرَارَةُ الدُّنْيَا حَلَاوَةُ الْآخِرَةِ، وَحَلَاوَةُ الدُّنْيَا مَرَارَةُ الْآخِرَةِ))(2). وهذا هو منهاج الإمام في فهم الدنيا، فما يَعْرض له فيها من مِتَعٍ ونِعَمٍ ومُلْك، فهو لديه مرارة يعمد الى اتقائها وتَجَنّب شرورها، ليلاقي بها حلاوة الآخرة. في حين أنّ ذلك عند غيره من حلاوة الدنيا وطيبها. وقَد عَبّر الشيخ عباس القُمّي عن ذلك التضاد بين (الدنيا والآخرة) الذي أبدع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تصوير حلاوة الدنيا منه الذي وصفه بالوَهْن والوَهي والمرارة بقوله: ((لما كانت الدنيا ضد الآخرة، وجَبَ أن يكون مرارة آلآم الدنيا اللازمة عن ترك اللذة طلباً للآخرة مَسْتَلْزِمة لحلاوة الآخرة ولذاتها...))(3).

زُعَاقٍ

الزعاق ماء مُرّ غليظ لايطاق شربه من أجوجته (4). وبئر زَعِقة مالية الماء. وطعام زُعُاقٍ مَزْعُوق، إذا كثر مِلْحه، فَأَمرٌ (5). ويحتج اللغويون عند بيان هذه الكلمة ببيتٍ من الشعر ينسبونه الى الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعمل فيه المفردة المتقدمة، وهو قوله (6):

دُوْنَكَهَا مُتْرَعَةً دِهَاقاً ***كأساً زُعَاقاً مُرْجَتْ زُعَاقاً

وقد وردت لفظة (زُعَاق) مرة واحدة في نهج البلاغة (7)، للدلالة على الماء المُرّ ذي الملوحة الشديدة. وذلك في سياق ذمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأهل البصرة بعد وقعة (الجَمَل) قائلاً : ((كُنْتُمْ جُنْدَ الْمَرْأَةِ، وَأَتْبَاعَ البَهِيمَةِ... أَخْلاَقُكُم دِقَاق (8)، وَعَهْدُكُمْ شِقَاقٍ، وَدِيْنُكُمْ نِفَاقٌ، وَمَاؤُكُمْ زُعَاقٌ...)) (9). يعدد الإمام وجوه الذَّم التي يمتاز بها هؤلاء، حَتَّى يصل الى رداءة مائهم، فذكر ملوحته الشديدة حتّى أنّه أمر لشدّة ملحه. وفي ذكره صفة ماء أهل البصرة، ووصفه بـ(الزُّعَاق)، إشارة الى أن خصالهم المتقدمة ناتجة عن شربهم لهذا النوع من المياه، فهذه الخصال مرتبطة بطبيعة أرضهم ومائهم. ويحتمل أن يكون أنّه لمّا أراد التعبير عن سُوْء خصال هؤلاء ونفاقهم، وذكر هذه الصفات السيئة التي اشتهرت عن هؤلاء انتقل بكلامه الى وصف مائهم المعروف بالأُجُوجة والغِلظة


1) ينظر : لسان العرب (عفص) : 54/7، وتاج العروس (عفص) : 35/18، 36.

2) نهج البلاغة : قصا / 251 : 647.

3) شرح حكم نهج البلاغة : 165.

4) ينظر : العين (زعق) : 1/ 1337، وتهذيب اللغة (زعق) : 127/1، ولسان العرب (زعق) : 141/10.

5) ينظر : العين (زعق) : 1/ 133، ومقاييس اللغة (زعق) : 8/3.

6) ينظر : العين (زعق) : 1/ 133.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 201.

8) الدقاق الفُتَاتُ والكِسَر. ورجل دقيق قليل الخير، ينظر : لسان العرب (دقق) : 101/1.

9) نهج البلاغة : خ/ 13 : 41.

ملاحظة لبيان أثره في طبيعتهم المتقدمة ملمحاً الى أنّ العِلّة في ذلك هي سوء اختيارهم هذه الأرض التي نزلوا فيها على الرغم من سوء مائها وفساده.

أقول : وثمة قول للإمام يدعم الوجه المتقدم، وهو قوله في ذمّ أهل البصرة، ذاكراً فيه سوء أرضهم ؛ لقربها من الماء : ((أَرْضُكُمْ قَرِيبَةً مِنَ المَاءِ، بَعِيدَةً مِنَ السَّمَاءِ، خَفَّتْ عُقُولُكُمْ، وَسَفِهَتْ حُلُومُكُمْ...))(1)فَإِنَّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يشير الى فساد أرضهم بسب قربها من الماء، وهو ما يجعلها غير منتجة للثمار الطيّبة التي يتغذى عليها هؤلاء السكان. وقد ذكر الشرّاح أنّ أقوال الإمام في ماء البصرة وأرضها، راجع الى ملوحة مائهم، وسبب ذلك هو القُرب من البحر وامتزاجه به، ما يؤدي الى فساد تُربتهم وجعلها نتنَة عِفنة لكثرة ركوب الماء عليها. وهذا الأمر يفسّر لنا دخول ذلك الأمر في سياق ذَمّهم الذي يكون بسبب من سوء اختيارهم لهذا المكان والإقامة فيه مع فيه من ملوحة (2)فضلاً عما يسببه ذلك من العلل المرتبطة بسوء المزاج والبلادة وفساد الطحال(3). وقد ذكرت الدراسات الطبية أثر الملوحة الشديدة للمياه في بناء الإنسان ونموه وسلامة جسده وقدراته العقلية، وفي صدارة ذلك ملامح النّضج في الإنسان (4). وتعليقاً على ذلك أقول : إنّ تأثير الأرض والماء على نفسية الإنسان أمر أكده القرآن الكريم الذي يقول في بيان تأثير الأرض على الزرع: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ) (5).ويقول أيضاً في تأثير الماء عليها : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ)(6). وهذهِ الحقيقة بَيِّنَةٌ في أثر الأرض والماء على الكائنات جميعاً ومنها الإنسان، فما كان سَقْيه بماء طيّب عَذْب سيكون طيّباً ناضجاً. والنبات والإنسان في هذا سواء. وهذهِ الحقائق القرآنية والعلمية تؤيد وصف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأهل البصرة وسوءِ مائهم الذي كان له الأثر الكبير بيان خصالهم المتقدمة.

وثمة وجه آخر يحتمله التعبير المتقدم، مؤداه أن تكون كلمة (مَاؤُكم) لاتدل على الماء المعروف الذي يشرب منه، وإنّما يراد بها الدلالة على (الطَّبع) التي يتّصف بها هؤلاء الذين ذمّهم الإمام. فكأنه يصف طباعهم وأخلاقهم التي يتحلون بها بالماء الزّعاق ذي الطَّعم المرّ. يريد بذلك بيان سوء خصالهم وخفّة عقولهم حلومهم لما كان منهم من تطوّعهم في جيش (المرأة) واتباعهم للبهيمة التي اعتلتها في قتاله (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ولو صحت هذه الدلالة يكون الإمام منفرداً بهذا الوجه من المعنى الذي لم يلتفت اليه اللغويون والشارحون لكلامه.

4- المشرب الكبر اللون

الكدر
إشارة:


1) نهج البلاغة : خ/ 14 : 201.

2) ينظر : معارج نهج البلاغة : 258/1.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 199/1.

4) ينظر : تفسيرات فسيولوجية في نهج البلاغة، للدكتور عمار جاسم مسلم : 146، 148.

5) الأعراف / 58.

6) السجدة / 27.

الكَدَر نَقِيض الصَّفَاء. يقال : كَدِر الماء بالكسر - يَكْدَر كدْراً، إذا تَغَيَّر. وكدّره غيَّره (1)، وهذا هو الأصل في دلالة هذه اللفظة. والكُدْرة من الألوان ما نحا نحو السواد والغُبرة ؛ ولهذا ذهب بعض اللغويين الى جعل الكدرة في ما وصفاً خاصاً بالألوان (2). فإن قيل : ماءُ كَدِر، فهذا يعني أنه متغيّر اللون. واتسعت هذه الصفة لتشمل الماء والعَيْش معاً. فيقال : كَدِر الماء والعَيْش، بضم الدال وكسرها (3).

واستعملت مفردة (الكَذِر) محلاة بـ (ال) مرتين في نهج البلاغة، في حين جاءت مجردة منها مرة واحدة (كَدِر)، ومضافة الى ضمير الفاعل المفرد (كَدَرِه)، والی ضمیر جماعة الغائبين (كَدَرَهم)، وبصيغة اسم الفاعل (مُكَدِّر) مرة واحدة لكل منها (4)، للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على كَدَر الدنيا بكل ما فيها.

ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق كلامه عن الموت : ((فَإِنَّ الْمَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِكُمْ، وَمُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُمْ...)) (5). فجعل أمير المؤمنين الموت هادماً للذات، ومكدراً للشهوات التي يرغب الإنسان أن تكون صافية دائماً لا تشوبها شائبة تُعكّر صفوها. وبهذا نَبّه الإمام على أنّ الموت مكدّر لمَن ظَنَّ أن الدنيا ذات لذّات صافية له دائمة. ومثل هذهِ الدلالة وردت في (خ/52، ك / 31).

ثانياً : الدلالة على تغيّر الماء وطعمه

ومنه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق وصف حال العرب قبل بعثه النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : ((إِنَّ اللّه سبحانَه بَعَثَ مُحَمَّداً (صلى اللّه عليه وآله) نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ، وَأَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ العَرَبِ عَلَى شَرِّ دِين، وَفِي شَرِّ دَارٍ، مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَةِ خُشن، وَحَيَّات صُمِّ، تَشْرَبُونَ الْكَدِرَ، وَتَأْكُلُونَ الْجَشِبَ..)) (6). وأشار بقوله (تَشْرَبُونِ الكَدِرَ) الى عُسّر مائهم وكدره. فقد غيّرت بعثة النبي الأكرم من حال النّاس، ونقلت العرب من سوء حالهم الى حسن الحال ببركة حلول النبي فيهم. فنتج عن ذلك نقل العرب من حالهم الأول الى حالٍ أخرى في جانبي الدين والعيش. فقام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالتّعريض بالعرب وتذكيرهم بما هم فيهم من سوء حال ؛ حملاً لهم على العبرة والاعتبار، واصفاً بذلك سوء دياناتهم وفساد عقائدهم التي كانوا عليها قبل البعثة النبوية. معرّجاً على ذكر ديارهم وما كانوا فيه من شرّ يُغير بعضهم على البعض الآخر. ومن ثُمّ ذكر مشربهم ومأكلهم وما كانوا يقتاتون عليه من اليرابيع و الضّباب ويشربون الكدر من والمياه، وهو ما جعلهم قساة القلوب ذوي فضاضة وغلظة ؛ بسبب من حياة الصحراء التي كانوا يسكنون فيها مجاورين الحجارة والحيات الصمّ فضلاً عن حياة الجدب والقحط التي تشيع في بيئتهم. فأما وصف مَشْربهم (بالكَدِر)، فَلأَنَّ الغالب على المياه


1) ينظر : العين (كدر) : 325/6، ولسان العرب (كدر) : 134/5.

2) ينظر : لسان العرب (كدر) : 134/5.

3) نفسه.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 396.

5) نهج البلاغة : خ / 230 : 445.

6) نفسه: خ / 26 : 59.

التي يشربونها أن تكون كَدِرة لا يكاد غير المعتاد أنْ يُقبل عليها عند عطشه (1). فإنها متغيرة اللون والطعم فلهذا وصفها الإمام بالكدرة.

ومثل تلك الدلالة وردت في (خ / 100، 192).

آجن
إشارة:

أجِنَ الماء يَأْجِن أُجُوناً، إذا تغيّر لونه و طعمه (2). وأجن الماء – بالضم – إذا تغيّر ولكنّه شروب حسبما يذكر اللغويون (3). والآجِن الماء النَّتِن الذي لا يَشْربه أحد من نَتْنه (4).

واستعمل الإمام لفظة (آجن) و (أجناً) مرة واحدة لكل منها في نهج البلاغة (5)، للدلالة على ما يأتي :

أولاً : الدلالة على الابتعاد عن أهل البيت (عليهم السلام).

وقد أورد الإمام هذا المعنى في سياق كلامه عن أهل الضلال الذين ضلوا بابتعادهم عن أهل البيت. إذ يقول فيهم : ((آثَرُوا عَاجِلاً، وَأَخَّرُوا آجلاً، وَتَرَكُوا صَافِياً، وَشَرَبُوا آجِناً، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى فَاسِقِهِمْ وَقَدْ صَحِبَ الْمُنكَرَ فَأَلِفَهُ...))(6). يشير بقوله (تركوا صافياً) الى أنّ هؤلاء الضالين قد تركوا أهل البيت (عليهم السلام) وابتعدوا عن صُحبتهم والانتفاع بعلومهم ومعارفهم، فتركوا الصافي من المنابع التي ينهل منها الواردون اتلى العلوم الصحيحة الحقة التي يمثل أهل البيت (عليهم السّلام) مصدرها وموردها فكأنّ حال هؤلاء كحال العطشان الذي يقبل على الماء لينهل منه، ولكنّه ما يلبث أن يستبدل ما صفا منه بما كدر. وأما قوله (شَرِبوا اجنا)، فيشير به الى ارتواء هؤلاء من أنتن المياه وأشدها تغيّراً فى الطَّعم.والرّائحة مكنياً بذلك عن نهلهم فاسد الأخلاق ؛ لأنّهم صَحِبوا المُنكر فَألفوه حتى شابت عليه مفارقهم فتطبعوا بطبائعه وصار الشرّ وفساد الطبع جزاء من خلقهم. ومما يُسْتَدَلَّ به على هذا الوجه سياق النص، الذي صدره الإمام بذكر فضل أهل البيت (عليهم السلام)، ويشمل ذكره لفضلهم جملة من القرائن اللفظية التي تثبت ذلك. يقول الإمام : ((أَيْنَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ دُونَنَا، كَذِباً وَبَغْياً عَلَيْنَا، أَنْ رَفَعَنَا اللّه وَوَضَعَهُمْ، وَأَعْطَانَا وَحَرَمَهُمْ، وَأَدْخَلَنَا وَأَخْرَجَهُمْ. بِنَا يُسْتَعْطَى الْهُدَى، وَبِنَا يُسْتَجْلَى الْعَمَى...)) (7). ويُلحظ في النّص توكيده على مكانة أهل البيت، مستعملاً في ذلك أسلوب التضاد في ألفاظ (رَفَعنا ووَضَعَهُم)، (أعطانا وحَرَمهم)، (أَدْخَلنا وأَخْرَجَهُم). وهذه الثنائيات تمثل تثبيتاً لحق أهل البيت في (أنّهم الراسخون في العِلم)، وأنّ بهم (يُسْتَعْطى الهدى ويُستَجْلَى العمى).

أقول : لقد وظف الإمام هذا المعنى، ليكون مدخلاً لبيان موضع أهل الضلال الذين ارتووا من الآجِن وتركوا النَّبْعَ الصَّافي الذي لا شائبة فيه، وهم آل محمد (صلى اللّه عليه وآله). فقد ذكر الشارح البحراني أنّ قوله (


1) شرح نهج البلاغة (البحراني) : 1:246.

2) ينظر : تهذيب اللغة (أجن) : 138/11، ولسان العرب (أجن) : 8/13.

3) ينظر : نفسهما.

4) ينظر : تهذيب اللغة (أجن) : 138/11، وفقه اللغة (الثعالبي) : 62/10.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 16.

6) نهج البلاغة : خ / 144 : 253.

7) نهج البلاغة : خ / 144 : 253.

آثروا عاجلاً، وتَرَكوا صافياً)، يصدق على من تخلّف من الناس في زمان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ممن هو غير مَرضِيّ السيرة، وإن كان معدوداً من الصحابة بالظاهر، مثل (المغيرة بن شعبة) و (عمرو بن العاص)، و (مروان بن الحكم)، و (معاوية) ونحوهم من أمراء بني أمية ممن آثروا عاجل الدنيا، وأخروا أجل الآخرة بنبذه وراء ظهورهم وجنحوا الى اللذّات الأجنة. وقد استعار الإمام مفردة (الأجن) لتلك اللذات تشبيهاً لها بالماء الذي لايُساغ شربه لتغير طعمه (1). وقيل : إنّ المراد بذلك من سيجئ بعد الخلف ليصحب المنكر ويألفه (2). ويبدو أنّ الجمع بين الرأيين يُثري المصاديق التي ينطبق عليها قول الإمام، فالإشارة التي ألمح إليها الشرّاح تفيد أنّ كلّ من وصفه الإمام بالخصال المذكورة في كلامه، وهو مبتعد عن أهل البيت (عليهم السلام) معرضاً عنهم، يكون مشمولاً بشرب الأجن من كدر الأخلاق وشوائب الطباع السيئة. فليس ببعيد أن يكون المعنِّي بذلك حسبما يذكر الشارح ابن أبي الحديد - جمع ممن يطلق عليه لفظ (صحابي)، كالمغيرة بن أبي شعبة، وعمرو ابن العاص، ومروان بن الحكم، ومعاوية بن أبي سفيان، من الذين أغواهم الشيطان واستولت عليهم الدنيا (3).

وثمة استعمال آخر وردت فيه لفظة (آجن) بالدلالة المتقدمة نفسها، وذلك في (خ /17).

ثانياً : الدلالة على فتنة الخلافة.

فقد شبّه الإمام ذلك بـ (الماء الآجن) في سياق رَدِّه على دعوة (أبي سفيان والعباس بن المطلب) الى أن يبايعاه بالخلافة بعد حادثة (السقيفة) (4). فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) راداً على هذه الدعوة مُشبِّهاً السَّعي الى (الخلافة) والطماح إليها بالفتنة. إذ يقول : ((أَيُّها النَّاسُ، شُقُوا أَمْوَاجَ الفِتَنِ بِسُقُنِ النَّجَاةِ، وَعَرّجُوا عَنْ طَرِيقِ المُنَافَرَةِ، وَضَعُوا تِيجَانَ المُفَاخَرَةِ. أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٌ، أوِ اسْتَسْلَمَ فَأَراحَ، مَاءً آجِنٌ، وَلُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكِلُهَا..)) (5)أقول : إن العِلّة - فيما يبدو - من تشبيه أمر الخلافة بـ (الماءِ الآجن) و(اللقمة التي يَغَصُّ بها آكلها)، فيه إشارة من الى أنّ هذهِ القضية مشوبة بالكَدَر وعدم التَّقبل ؛ لأنّ الخِلافة عند الإمام لا تعنى الدنيا بما فيها من ملذات كما أنها لا تعني المَنْصِبَ والجاه والسُّلطة مثلما هو معروف عند غيره. وإنما هي السبيل الى الحق والعدل والإنصاف. ولهذا أحسب أنه جعلها بمنزلة الماء الآجن، لكونها متغيرة الطّعم واللون فلا يكاد يُسِيْغها ولا سيّما إذا كانت بيعة على بيعة وهو ما دعا إليه أبو سفيان. فعند ذلك تصير - الخلافة - فتنة دنيوية وماء آجن على الحقيقة. وهو ما يُوجِب النفور منها ويؤدي الى عدم الالتذاذ بأدائها، مثلما لا يُلتَذُ بالماء الآجن لأنه غير مستطاب الطعم بسبب تغيّره وفساده (6).


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 597/3.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 71/9.

3) نفسه.

4) ومما تجدر الإشارة إليه أن الدعوة الى بيعة الإمام بعد السقيفة، كانت محاولة من أبي سفيان لشق صفوف المسلمين وإيقاع الحرب بينهم، ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 189/1.

5) نهج البلاغة : خ/ 5 : 35، 36.

6) شرح نهج البلاغة (البحراني) : 5/ 190.

الرَّنَقِ
إشارة:

الرَّنِق تُراب في الماء من القَذى ونحوه (1). والماء الرَّنْقِ والرَّنِق بإسكان النون وكسرها الماء الكَدِر (2)والرَّنْقَةُ في اللغة الماء القليل الكَدِر (3). وتستعمل هذه اللفظة للدلالة على قدر غير الماء، ويوصَفُ بها العَيْش أيضاً. يقال : رَنِق عَيْشُه، أي كَدِر (4)والرّنق والتَّرَنّق من الإضداد، فهو يستعمل في الدلالة على الكَدَر والصَّفاء. والعرب تقول : رَنَّق اللّه قَذَاتك أَي صَفَّاها لك(5).

وجاءت لفظة (زنق) نكرة مرتين في نهج البلاغة، في حين أنها وردت محلاة بـ (ال) مرة واحدة (6)، للدلال على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على المَشْرَب الكَدِرِ

وهو أكثر المعاني وروداً في استعمال مفردة (رَنق)، ومنه قول الإمام في سياق وصف الدنيا ومشربها : ((فَإِنَّ الدُّنْيَا رَنِقٌ مَشْرَبُهَا، رَدِغَ مَشْرَعُهَا، يُونِقُ مَنْظُرُهَا، وَيُوبِقُ مَخْبَرُهَا)) (7). يصف الإمام هنا - شرب الدنيا بالرَّنق، وهو الكَدِر من الماء، فكأنّ ماءها الذي يُرْتوى منه كَدِرلا يُساغ شربه (8). وقد جعل الإمام هذا التعبير كناية عن كدر لذَّاتِ الدنيا التي تكون كدرتها بشوائب المصائب والهموم والأحزان وغيرها (9).

أقول : وقد جعل (عَلَيهِ السَّلَامُ) الدنيا بمنزلة الشَّريعة من الماء التي يرد إليها النَّاهل ليشرب، فإذا به يجد الكدر في ذلك المورد. وكانت سبيله الى بيان ذلك استعمال مفردة (ردغ)، لوصف مَشْرع الدنيا المَلِيء بالشوائب الوَحل الشديد (10)، وهو ما تدل عليه لفظة (رَدِغ) (11)، التي التي وظفها الإمام في هذا السياق، لبيان وصف الطريق الذي يُشرع منه في الورود من الدنيا. وأشار بذلك الى عدم سهولته ومنزلقه الذي لا تثبت به قدم(12). وإنما ذكر (رَنِق) في هذا السياق ؛ لأنّه ذكر (مشرب الدنيا)، فأراد وصف هذا المَشْرَب بالكدرة، فجاء بلفظة (رَنق) لهذه الدلالة كما يبدو.

واستعملت اللفظة نفسها وصفاً للماء الكدر في (خ/ 182) أيضاً

ثانياً : الدلالة على العيش الكدر.

وجاء ذلك في سياق كلامه عن الدنيا أيضاً، إذ يقول : ((سُلْطَانُهَا دُوَّلٌ، وَعَيْشَهَا رَنِقٌ، وَعَذِّبُهَا أُجَاجٌ...))(13). ولمّا كان السياق يتحدث عن تقلب الدنيا وأحوالها، لذلك وصف الإمام عيشها (بالرنق)، للدلالة على


1) ينظر : العين (رنق) : 144/5، ولسان العرب (رنق) : 126/10.

2) ينظر : تهذيب اللغة (رنق) : 90/9.

3) ينظر : لسان العرب (رنق) : 126/10.

4) ينظر : تهذيب اللغة (رنق) : 90/9، ولسان العرب (رنق) : 126/10.

5) ولسان العرب (رنق) : 127/10.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 195.

7) نهج البلاغة : خ / 83 : 122.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 195/6.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 376/2.

10) ينظر : معارج نهج البلاغة : 370/1.

11) ينظر : لسان العرب (ردغ) : 426/8.

12) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 376/2.

13) نهج البلاغة : خ / 111 : 207.

تكدّر هذا العيش، وعدم انتظامه على حالٍ واحد. وإنما آثر وصف العيش بالمفردة المتقدمة ؛ بعدما أتبعه بوصف عَذْبها (بالأجاج)، وهو وصف يصلح لما يشرب من الدنيا، أو يقرب من الشرب في هذه الدنيا من قبيل الأمراض والتَّغيُّرات والعِلل التي تؤلم من يعيش الدنيا وما فيها.

5 - اللبن من المشرب.

اللّبن

اللَّبَن اسم جنس، وهو خُلاص الجسد ومُستخلصه من بين الفرث والدّم، فهو كالعَرَقِ يجري في العُرُوق (1). وقد ذكر القرآن الكريم هذا المعنى في قوله تبارك تعالى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ) (2).

وقد استعملت لفظتا (اللَّبَن) و (لَبَنْها) المضافة الى ضمير الغائبة مرة واحدة في نهج البلاغة (3)، للدلالة على اللَّبَن الذي يَرضعه الصَّبِيِّ من أمه، واللبن الذي تدرّه الناقة. ومن ذلك قول الإمام في سياق ردّه على معاوية قائلاً : ((وَعِنْدِي السَّيْفُ الَّذِي أَعْضَضْتُهُ بِجَدِّكَ وَخَالِكَ وَأَخِيكَ فِي مَقَامِ وَاحِد وَالْأُوْلَى أَنْ يُقَالَ لَكَ : إِنَّكَ رَقِيتَ سُلَّماً أَطْلَعَكَ مَطْلَعَ سُوء عَلَيْكَ وَطَلَبْتَ أَمْراً لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ وَأَمَّا تِلْكَ الَّتِي تُرِيدُ فَإِنَّهَا خُدْعَةُ الصَّبِيِّ عَنِ اللَّبَن فِي أَوَّلِ الْفِصَالِ، وَالسَّلامُ لأهلهِ)) (4). أراد بقوله : (تلك التي تريد...)، محاولة معاوية دفع الإمام أن يقرّه على إمارة الشام. فَشَبّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه المسألة بخدعة الصبي باللَّبَن عند أوّل فطامه، ووجه المشابهة بين تينك المسألتين هو الضعف والوهن، فإنَّ خداع الصبي باللبن أمر ظاهر بيّن لكل أحد بنظره، وكذلك طلبة معاوية التي طلبها من الإمام (5). فتكون خُدعة الصَّبِي باللَّبَن أمر لا يحتاج الى تبصر ونظر. وقد ذكر الإمام مفردة لبنها) في (خ / 25) للدلالة على لبن الناقة.

خاثرك

الخُثُورة في اللغة ضد الرّقة ونقيضها (6). وأخْثَرت الزُّيْد وخَثَّرته، أي تركته خاثراً لم يُذَب (7). ولَبَن خاثِر. أي رَائِب (8)، وهو ما يُمخض من رَوْب فَيَخرج زُبده (9). وخثارة الشيء بقيّته، والخُثارة ما يبقى على المائدة من أكل (10).


1) ينظر : لسان العرب (لبن) : 372/13.

2) النحل / 66.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 407.

4) نهج البلاغة : ك / 65 : 583.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 375/5.

6) ينظر : لسان العرب (ختر) : 4 : 230.

7) نفسه.

8) ينظر : تهذيب اللغة (خثر) : 144/7، وفقه اللغة (الثعالبي) : 60/1.

9) ينظر : تاج العروس (روب) : 1/ 439.

10) ينظر : لسان العرب (خثر) : 230/4.

وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (خاثرك) مضافة الى كاف الخطاب مرة واحدة في نهج البلاغة(1)، دالة على الخاثر من الزُّبْدِ الذي يختلط غليظه برقيقه. وذلك كناية عن اختلاط الأمر واضطرابه على (أبي موسى الأشعري) الذي كتب إليه الإمام مُحذِّراً إياه بعدما بلغه عنه تثبيطه الناس في الكوفة عن الخروج مع الإمام الى حرب (الجمل) (2). يقول الإمام في ذلك : ((وَايْمُ اللّه لَتُؤْتَيَنَّ مِن حَيْثُ أَنْتَ، وَلَا تَتْرَكُ حَتَّى يُخْلَطَ زُبْدُكَ بِخَاثِرِكَ، وَذَائِبُكَ بِجَامِدِكَ...))(3). وقد كنى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله : (يخلط زبدك بخاثرك...) عن اختلاط أحوال (أبي موسى) الصافية بالتكدير، كانقلاب عزّته بذلته، وسروره بغته، وسهوله أمره بصعوبته وعسره (4). وذلك أنهم. يقولون للرجل إذا ضُرب حتى أُتَّخِن : إنّه اختلط زَبَدُه بخاثره، كأنّما اختلط ما رقّ منه، ولطف منه بما كَثُف وغلظ (5). فاستعار الإمام مفردة (زَبَدك)، للدلالة على صفاء الحال ونعومته، تشبيها لذلك برقة (الزّبد) وصفوته. في حين دلّ بلفظة (خَاثِرك)، على الغلظة والكدر، تشبيها له بالخاثِر من الرّوب الذي تبدو غلظته للعيان وفي النص إشارة الى ما سيؤول اليه حال هذا الرّجل من اختلاط الأمور عليه في يوم التحكيم اما خدعه (عمرو بن العاص، وألزمه خلع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذلك اليوم (6).

6- بقايا الماء.

سَمْلَة

السَّمَلة بقية الماء في الحَوْض (7). والسّمال و السَّمَل بقايا الماء(8). وقيل : السَّمَلة هي الماء القليل الذي الذي يبقى في أسفل الإناء (9). ويبدو أن أصل لفظة (سَمَل) هو الدلالة على الخَلِقِ من كل شيء وأولها الثياب. يقال : أَسْمَل الثوب وأخْلَق، إذا دَرَس وصار رَثّاً بالياً. ومن هذا المعنى قيل لبقية الماء (سَمْلَة) فكأنهم شبهوه لقلتِه ولما فيه من شوائب وكدر، بالثوب السَّمِل.

وقد وردت مفردة (سملة) مرتين في نهج البلاغة (10)، للدلالة على بقية الماء في إناء المطهرة، وذلك في توكيد منه على قلّة شأن الدنيا وحقارتها بما فيها من كَدَر وبلى. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق وصف الدنيا : ((... وَقَدْ أَمَرَّ فِيْها مَا كَانَ حُلُوا، وَكَدِرَ مِنْهَا مَا كَانَ صَفْواً، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلا سَمَلَةٌ كَسَمَلَةِ الإِدَاوَةِ...)) (11).

أقول : لقد أخذ اللغويين من الإمام دلالة لفظة (سَمَلَة) على بقايا الماء في الإناء وغيره، وضموه في مصنفاتهم، بوصفه استعمالاً مميزاً أنتج دلالة جديدة يضاف الى بقية معاني هذهِ المفردة بحسب ما يفهم من


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 133.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 371/5.

3) نهج البلاغة : ك / 63 : 58.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 372/5.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 188/17، ومنهاج البراعة في شرح نهج البلاغة : 324/20.

6) ينظر : منهاج البراعة : 324/20.

7) ينظر : المحكم (سمل) : 518/8.

8) ينظر : العين (سمل) : 267/7، والمحكم (سمل) : 518/8.

9) ينظر : المحكم (سمل) : 518/8، ولسان العرب (سمل) : 345/11.

10) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 225.

11) نهج البلاغة : خ / 52 : 92.

أقوالهم (1). فهذه المفردة لم تقتصر على الدلالة على الماء الباقي في الإناء كما هو أصلها المعجمي الذي اکتفی به اللغويون وبعض شُرّاح نهج البلاغة (2)، وإنما ضَمّت بين ثناياها إيحاء على القلّة والحقارة لما يبقى من هذه الدنيا لكل إنسان (3)، ولا سيما إذا كان نصيبه منها قدر هذه (السَّملَة) التي تكون مصحوبة غالباً بالكدر والطين. وهذا يمثل وجه الشَّبه بين المشبّه، وهو (الدنيا)، والمشبه به، وهو (سَمَلَة الإداوة)، فكما أنّ العطشان الذي لا تَروي عطشه سَمْلَه الماء في الإداوة (4)، فكذلك ما يبقى للإنسان من هذه الدنيا الفانية غير الدائمة. ولهذا ذكر الإمام عدم الانتقال من هذه البقية بقوله : ((لَوْ تَمَزَّزها (5)الصَّدْيَانُ (6)، لم يَنْقَعَ (7))) (8). وقد أشار بعض الشرَّاح الى أنّ مفردة (سَمْلَة) يمكن أن تكون دالة على مدة بقاء الإنسان في هذه الدنيا (9)، فكأنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يومئ الى حقارة العمر وقلّة أيامه ؛ لأنه كثيراً ما يكون مصحوباً بالكدر وسوء العيش

صُبَابة

الصُّبَابة بالضم - هي البقية اليَسِيْرة من الماء واللَّبَن التي تبقى في الإناء، وهي الصُّبّة أيضاً (10). واستعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (صُبَابَة) مرتين في نهج البلاغة (11)، للدلالة على بقية الماء في الإناء. وذلك في سياق حديثه عن الدنيا وتصرّمها. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((أَلا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ حَذَّاءَ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةً كَصَبَابَةِ الإِنَاءِ اصْطَبَّهَا صَابَهَا...)) (12). يشبه الإمام انقضاء الدنيا وسرعة زوالها بالصبابة الباقية في إناء الماء، فإنها لا تلبث أن تزول وتتلاشى، فضلاً عن عدم ريّها وإسقائها الناس، فكذلك حال الدنيا التي لا تنفك منها المساوئ. وإطلاق لفظة (الصُّبَابَة) في هذا السياق يمثل استعارة لبقية الدنيا القليلة. والقِلّة - هنا - هي القرينة الدالة على وجه الشبه بين الطرفين حسبما يذكر بعض الشراح (13).

7 - أدوات القرب والسقاء.

الوكاء
إشارة:

الوكاء رباط القِرْبة (14). وهو كل سَيْر أَو خَيْط يُشَدّ به فم السِّقاء أو الوعاء يقال : أوكيته بالوكاء إذا شَدَدته (15).


1) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 404/2، ولسان العرب (سمل) : 345/11، وتاج العروس (سمل) : 29 / 222.

2) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 404/2، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد : 263/3، والديباج الوضي : 465/1، ومع نهج البلاغة : 68.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 312/2.

4) نفسه.

5) التَّمزّز المص والشرْب قليلاً قليلاً، ينظر : تاج العروس (مزز) : 332/15.

6) الصديان العطشان، ينظر : لسان العرب (صدي) : 453/14.

7) النقوع ذهاب العطش، ينظر : لسان العرب (نقع) : 361/8.

8) نهج البلاغة : خ/ 52 : 92، 93.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 316/2.

10) ينظر : تهذيب اللغة (صبب) : 377/1، ولسان العرب (صبب) : 515/1.

11) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 250.

12) نهج البلاغة : خ / 42 : 84.

13) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2/ 296.

14) ينظر : العين (وكي) : 422/5.

15) ينظر : المحكم (وكأ) : 158/7، لسان العرب (وكي) : 15/ 405.

وقد جاءت لفظة (وِ رِكَاء) مرتين في نهج البلاغة، الأولى مجردة من (ال) التعريف، والثانية محلاة بها (الوكاء)، للدلالة على الرّباط أو السَّيْر الذي يُشدّ به فَمُ السَّقاءِ والوعاء. ولكن الإمام تجوّز به الى معان أخر يمكن إجمالها في الآتي :

أولاً : الدلالة على ضبط اللسان.

وقد جعل (عَلَيهِ السَّلَامُ) اللّسان بمنزلة الوِكَاء الذي يُشَدّ به السِّقاء فيحفظ ما فيه. وذلك في سياق وَصِيَّته التي يوصي بها الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) التي يقول فيها : ((وَتَلاَفِيكَ مَا فَرَطَ مِنْ صَمْتِكَ أَيْسَرُ مِنْ إِدْرَاكِكَ مَا فَاتَ مِنْ مَنْطِقِكَ، وَحِفْظُ مَا فِي الْوِعَاءِ بِشَدّ الْوِكَاء ..)) (1). والقيد الذي يشد به الوعاء في هذا السياق هو اللسان ؛ فقد فَسَّر الإمام عبارته المتقدمة ((...ما فَرَطَ مِنْ صَمْتِكَ أَيْسَرُ مِنْ إِدْرَاكِكَ مَا فَاتَ مِنْ مَنْطِقِكَ)). فجعل (الوعاء) هو (الفم) الذي يَصْدر منه الكلام، تشبيهاً له بالوعاء الذي يحوي الماء و أي شيء آخر. في حين جعل (اللسان) وكاء يُقيّد المَنْطِق ويمنعه من أن يُفْلِت منه ما يُشِين أو يعيب من الكلام. وهذه هي العِلّة في نصيحة الإمام التي تدعو الى كثرة الصمت والإقلال من الكلام ؛ لأنّ ما يَفْرط من صَمت أيْسَر من إدراك ما فات مِن خَطَلٍ و فُحش في الكلام (2). ولهذا فإنّ ترجيح الصَّمت، وإن استلزم الخطأ في الإفراط به، به، ولاسيما إذا كان سكوتاً عن قول الحق والحكمة، فذلك أهون من الإفراط في الكلام والهذر دون فائدة. ولهذا كان الغرض - هنا - التَّحفظ عن عَوْرات الكلام بالصَّمت ؛ فيكون ذلك كلاماً، في حين من غير الممكن أن يُجعل الكلام صَمتاً. وهذا الأمر يفسّر لنا كثرة ما كان يوصي به الإمام من الصَّمت الإيجابي، إذا صح القول، وليس الصمت السلبي الذي يخرج عن مجال التكلّم بالحق أو الكلام المصحوب بالتفكر وإعمال الذَّهَنِ ؛ فـ((مَنْ أَكْثَرَ أَهْجَرَ، وَمَنْ تَفَكَّرَ أَبْصَرَ))(3)، و((بِكَثْرَةِ الصَّمْتِ تَكُونُ الْهَيْبَةُ))(4). إِنَّ توظيفه مفردةً (وكاء) في كلامه المتقدم جاء - فيما يبدو - من تأثره بالفاظ الرسول الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وكلماته ؛ فقد وردت لفظة (وكاء) في بعض كلام النبي كما يظهر من تتبع كتب الحديث، ومن ذلك قوله : ((غَطُوا الإناءَ، وَأَوْكُوا السَّقَاءَ، فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً ينزِلُ فِيها وَبَاءً لَا يَمُرُّ بِإِناءٍ ليسَ عليه غِطاءً، أو سِقَاءٌ لِيْسَ عليه وكاءً إلا نَزَل فيه...)) (5)، وقد أفادت اللفظة - هنا – الدلالة على الرباط الذي يُشدّ به فَم السَّقَاءِ.

وأمّا في كلام أهل البيت (عليهم السلام)، وهم أهل الفصاحة والبلاغة، فقد وردت المفردة المتقدمة في كلام الإمام محمد بن علي الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يقول فيه : (واللّه لو أنَّ على أَفْوَاهِكُم أَوكية ؛ لأُخْبَرْتُ كلَّ رَجُلٍ مِنكُمُ ما لا يستوحش معه الى شئ، ولكِن قَد سَبَقَت مِنْكُم الإذاعةُ واللّه بالغُ أَمْرَه))(6). والأوكية – هنا - جمع


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 493.

2) نهج البلاغة : قصا / 224 : 642.

3) نهج البلاغة : ك / 31 : 509.

4) نفسه قصا / 224 : 642.

5) صحيح مسلم : 6/ 107.

6) خاتمة المستدرك، للميرزا النوري : 5 / 284.

جمع وكاء، واستعملت دالة على ضبط الألسنة يكتم الأخبار وسَتْرها. وهذهِ الدلالة قريبة من دلالة مفردة (وكاء) في قول الإمام السَّابق.

ثانياً : الدلالة على العَيْنِ

وهي عَيْن الإنسان البَاصِرة التي ذكرها الإمام في بعض حكمه التي يقول فيها : ((العَيْنُ وِكَأُ السَّهِ (1))) (2). وفي هذا القول ضرب من عجيب التعبير وأبلغه ؛ فقد جعل (عَلَيهِ السَّلَامُ) العين رباطاً للسَّه، وهو الأُسْت - هنا -، جاعلاً الأخير وعاء، والوكاء حافظاً له من أن ينطلق ما فيه. فكلما كانت العين يَقِظة، كان السَّته مُنضبطاً. وقد نقلت المدونات الخاصة بالحديث النبوي هذه المقولة عن النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وتمامها هو : ((الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتِ العَيْنُ اسْتَطلَقَ الوِكَاءُ))(3). ومن العلماء من نسب هذا القول الى الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومنهم محمد بن يزيد المُبَرِّد (ت 285هـ)، الذي نَصَّ على ذلك في (المقضب) (4).

أقول : إنّ نسبة هذا القول الى النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) لا يمنع أن يكون الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد تكلّم به متأثراً بالبلاغة النبوية وأسلوب النبي في التعبير. ويحتمل أن يكون قد نقله عنه على سبيل التَّمثل بأقوال النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم).

وقد وقف البلاغيون والسُّرَّاح بإعجاب إزاء هذا الضرب من التعبير سواء أكان القول للنبي أم للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد قال الشريف الرضي معلقاً عليه : ((وهذه من أحسن الاستعارات... فكأنه عليه الصلاة والسلام شبه السَّته بالوعاء، وشبّه العين بالوكاء، فإذا نامت العين انحلّ صرار السَّتَه، كما أنه إذا زال الوكاء دسع بما فيه الوعاء، إلاّ أنّ حفظ العين للسَّته على خلاف حفظ الوكاء للوعاء ؛ فإنَّ العَين إذا أُشرجت لم تحفظ ستَهَهَا، والأوكية إذا حُلّت لم تضبط أوعيتها)) (5). وفصل الشارح ابن أبي الحديد وجه المشابهة بقوله: ((فجعل العينين العينين وكاءً - والمواد اليقظة - للسَّته كالوكاء للقربة... وهذا من الكنايات اللطيفة))(6). إِنَّ بلاغة هذا النوع من التعبير، وتوظيف تلك المفردات فيه على سبيل التشبيه مع خفاء أداة التشبيه ووجه الشَّبَه أدى الى اتساع دلالات هذا القول الذي يشتمل على معان كثيرة محتملة تؤدي فيها لفظتا (الوِكاء، والسَّتهِ) مزيّة في الكشف عن دلالة التَّحصين والحفظ التي تؤديها (العين) بوصفها (الوكاء) الذي يمثل صمام الأمان (للقِرْبة، أو السِّقَاء)، وهي المشْبَهه به في هذا السياق. إذ تجاوز (عَلَيهِ السَّلَامُ) التصريح بهاتين اللفظتين، وانتقل الى لفظة (السَّهِ)، بوصفها الأس لذي يُراد حفظه والعناية به. ولهذا جُعِلت (العين اليَقِظَةُ) وكاء له ورباطاً. ولعل


1) السَّهِ هو حَلْقَةُ البر من العَجْز، وهو في الأصل (سَتَة) بزنة (فَعَل). وقد تحذف عَيْنُهُ، فيقال (السَّه)، أو تحذف لامه فيقال (السَّتَ) و (الأست). ينظر : لسان العرب (سَتَه) : 13/ 495.

2) نهج البلاغة (صبحي) : قصا / 466.

3) مُسند احمد : 111/1، والسنن الكبرى، للبيهقي : 118/1، وكنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، للمتقي الهندي : 342/9، والمجازات النبوية، للشريف الرضي : 258. وقد نقل (ابن الأثير الجزري) الحديث ولم ينسبه. ينظر : النهاية في غريب الحديث : 222/5.

4) ينظر : المقتضب : 34/1، 233، والمجازات النبوية : 259. وقد وهم (ابن أبي الحديد) المبرد في نسبة الحديث الى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ). ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 20/ 157.

5) المجازات النبوية : 208، 209. وقد عدّ الشريف الرضي هذه الاستعارة من الاستعارات العجيبة. ينظر : نهج البلاغة : قصا / 466 : 694. وقيل في شأنها أيضاً : إنّها من الكنايات اللطيفة العالية الرفيعة. ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 107/20، و الديباج الوضي : 3077/6.

6) شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 157/20.

ذكر العين – هنا - يمثل رمزاً للدلالة على اليقظة والانتباه والابتعاد عن الغفلة، بدليل أنّ ما يُطْلَق من السَّتَه لا تراه العين، وإنما يُحَسّ به ويُدْرَى. ولهذا كانت العين وكاء وعلامة على ضبط النفس ومنعها مما يُذْهِب هيبتها. وقد ذكر الدكتور عبد الكريم السَّعْداوي جُملة من المعاني التي يحتملها النص مشيراً الى أنها جاءت من حذف وجه الشبه بين المشبه والمُشَبّه به، فضلاً عن بعد القرائن بينهما، الأمر الذي جعل هذا الاستعمال يتّسم بالغرابة ؛ لأنّه تعبير بلاغي عن دلالة شرعية مؤادها (أنّ النَّوْمَ يُنْقِض الوضوء) ؛ لأنّه مُضْعِف لأداء الوكاء بزوال اليقظة والانتباه (1). ويبدو أنّ الدكتور السعداوي أفاد من تمام الحديث النبوي الذي نصه : ((... فإذا نامَتِ العَيْن اسْتَطلق الوكاء)). وهو نص في أنّ غَفْلَة العين ونومها مُنْقِض الوضوء من توضأ قبل نومه.

السقا

السّقاء القِرْبَة التي تستعمل للماء واللَّبَن (2).وقيل : بل هو ظَرْف الماء الذي يُصنع من الجِلْد (3). والسِّقَايَة الإناء الذي يُسْقَى به، وهو الصَّاع أو الصُّواع الذي يتخذ للشرب كما يذكر الخليل (4). وقد ذكر القرآن الكريم ذلك في قوله تبارك وتعالى : (فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) (5). ثم فسَّر (السِّقاية) بقوله (السِّقاية) بأنها (صُوَاع الملك) في قوله : (قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) (6). والسقاية أيضاً هي المَوْضِع الذي يتخذ فيه الشراب في موسم الحج (7)، قال تعالى : (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (8).

وقد وردت لفظة (السّقاء) مرة واحدة في نهج البلاغة (9)، دالة على السِّقاء الذي يُمْخَضِ فِيهِ اللَّبَن على على وجه التشبيه. وذلك في سياق قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يتحدّث فيه عن خلق العالم وخَلق الرّيح التي يقول الإمام في وصفها : ((ثُمَّ أَنْشَأْ سُبْحَانَهُ رِيحاً اعْتَقَمَ (10)مَهَبَّهَا... فَأَمَرَها بِتَصْفِيقِ (11)المَاءِ الزَّخَّارِ، وَإِثَارَةِ مَوْجٍ البِحَارِ، فَمَخَضَتْهُ (12)مَخْضَ السَّقَاءِ، وَعَصَفَتْ بِهِ عَصْفَهَا بِالْفَضَاءِ)). ويُشَبِّه الإمام تحريك الرّيح للأمواج بحركة السِّقاء الذي يُمْخض فيه اللَّبَن مَخْضاً، فتتلاطم في صفحات السّقاء أمواجه، وكذلك البحر الذي تحركه الريح، التي تتلاطم أمواجها ويصدر عنها صوت عالٍ ؛ بسبب من حركة الريح وسرعتها وتشبيه


1) ينظر : غريب نهج البلاغة : 398، 399.

2) ينظر : العين (سقي) : 189/5.

3) ينظر : لسان العرب (سقي) : 390/14.

4) ينظر : العين (سقي) : 189/5، والمحكم (سقي) : 488/6.

5) يوسف / 70.

6) يوسف / 72.

7) ينظر : لسان العرب (سقي) : 390/13.

8) التوبة / 19.

9) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 217.

10) الاعتقام مأخوذ من (العُقم)، وهو عدم الإنتاج و الإنجاب. ينظر : تهذيب اللغة (عقم) : 189/1.

11) الصَّفْق الاضطراب والتقلب يميناً وشمالاً. ينظر : لسان العرب (صفق) : 202/10.

12) مخض اللبن هو تحريك اللبن لجعله روباً. ينظر : لسان العرب (مخض) : 230/7.

مخض الرِّيح بـ(مخض السِّقاء) يُراد منه الدلالة على الاضطراب و شدّة الحركة (1)، فضلاً عن إظهار صورة الزَّبد الذي تنتجه آثارة الموج الزَّخَار، كما يبدو ذلك في مَخْضَ السَّقاء للبن الذي ينتج منه الزَّبد والرّوب.

أقول : وتحمل مفردة (السِّقاء) في هذا المقام، إشارة الى المنخفضات التي امتلأت بالبحار والمياه في سطح الأرض، فكأنها تشبه السّقاء المعروف من جهة ضمه للبن واحتوائه.

8- مشرب أهل النار.

صَدِيد

الصَّدِيد في اللغة- الدم والقيح الذي يَسِيل من الجَسَد (2). وخصه بعض اللغويين بالقيحُ والماء الرقيق والمِدّة التي تخرج من الجروح (3).

واستعملت مفردة (صديد) مرة واحدة في نهج البلاغة (4)، دالة على الدّم والقيح والمدة التي تخرج من جلود أهل النار، فتصير شراباً لهم. وقد أورد الإمام هذه اللفظة في سياق تحذيره من النار والوصية باتقائها، إذ يقول : ((وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ)) (5). و تصريحه بصفات النار واتخاذ أصحابها حلية وشراباً، سياق قرآني أخذه الإمام مما جاء في الذكر المبارك من أنّ شراب أهل جهنَّم هو (الصديد)، إذ يقول اللّه تبارك وتعالى : (صَدِيدِ) (6)و (الصديد) في الآية المباركة وفي كلام الإمام تدل على الدّم والقيح اللذين يشربهما أهل جهنّم وقيل: إنّها القيح الذي يحول بين اللحم والجِلْد (7).

أقول : ومفردة (صَديد)، بهذه الدلالة، من الألفاظ التي تقشعر منها النفس وتمجها ؛ لأنّ صورتها مكروهة في النّفس لما في (الدم و القيح و المدّة) من شكل مقزز وطعمٍ غير مستساغ. ولهذا أوردها الإمام ؛ لِيُنَفِّر بذكرها السامعين من النار، ويغرس في نفوسهم حالة من الترفع والابتعاد عنها ؛ تحذيراً من أن شربها سيكون من هذه المواد القذرة الممجوجة التي تشمئز منها النفس.

9 - أدوات تقسيم الماء في السفر.

المَقْلَة

المَقْلة - بالفتح - هي حَصَاة القَسْم، وهي حَصَاة تُلقى في المَاء لِيُعرف قَدْر ما يُسْقى منه، وذلك عند قِلَّته في السفر (8). ويصف اللغويون طريقة استعمال هذه (المَقْلة)؛ فذكروا أنها تُوضع في إناء الماءِ، ثُم يُصَبٌ يُصَبّ فيه من الماء قَدْر ما يغمر الحَصاة، فَيُعطى كل واحد منهم (9). وإنما قالوا لهذه الحَصَاة (مَقْلَة)،


1) ينظر : منهاج البراعة : 311/1.

2) ينظر : لسان العرب (صدد) : 246/3، وتاج العروس صدد) : 267/8.

3) نفسه.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 253.

5) نهج البلاغة : خ / 120 : 222، 223.

6) إبراهيم / 15، 16.

7) ينظر : مفردات ألفاظ القرآن (صدد) : 569/1.

8) ينظر : المحكم (مقل) : 442/6.

9) ينظر : المحكم (مقل) : 442/6، ولسان العرب (مقل) : 627/11.

بالفتح، أو (مُقْلَة) تشبيهاً لها بمُقلة العين التي تقع وسط بياض العَيْن (1). وأصل المَقْل، في اللغة، الغَمْس. يقال : مَقَلَه في الماءِ مَقْلاً. أَي غَمَسَه وغَطَّه(2).

واستعملت لفظة (المَقْلة) مرة واحدة في نهج البلاغة (3)، للدلالة على حَصاة القَسَم التي يُقسَّم الماء بها عند قلته. وذلك في سياق كلام الإمام الذي يتحدث فيه عن الزهد في الدُّنيا. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَصَرَّمَتْ، وَآذَنَتْ بِانْقِضَاء وَتَنَكَّرَ مَعْرُوفُها... فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلا سَمَلَةٌ كَسَمَلَةِ الأدَاوَةِ، أَوْ جُرْعَةً كَجُرْعَةِ الْمَقْلَةِ...)) (4). فشبه مدة الدنيا والمنفعة منها بـ (سَمْلَةِ الإداوة) و (جُرعة المَقْلَة). يريد من ذلك الدلالة على ازدراء الدنيا وقلّة النفع منها، وهو ما يجعلها قذرة كقذارة ماء المطهرة. وقلّة النّفع والرِّي فيها يشبه جُرْعَة القَسْم التي تستعمل فيه حَصَاة المَقْلة فيجرعه الصديان دونما نَقْعِ أو رِيّ. وهو ما أكده الإمام في قوله الذي يصف فيه حال من يتناول جُرْعة المَكَّلَة هذه، إذ يقول : ((لَوْ تَمَزَّزَهَا (5)الصَّدْيانُ لَمْ يَنْقَعْ)) (6). كأنّ النّقع منها يمثل ارتواءً وريّاً من هذه الشربة التي لا تتحقق للصادي بسبب من قلة الماء فيها. وقد علّق الشارح البحراني على قول الإمام المتقدم الذي وظف فيه مفردات (سَمْلَة، ومَقْلَة) فذكر أنها دلالات تفيد التقليل والتحقير لما بقي منها لكل شخص من الناس، فإنّ بقاء الدنيا له على حسب بقائه فيها. واستعار الإمام مفردة (السَّمْلَة) لبقية الدنيا وشبهها ببقية الماء فى الإداوة وبجرعة المَقْلَة، ووجه الشبه عدم وجدان العطشان الماء إلا كبقية السملة والجرعة المَقْلة، فكذلك حال طالب الدنيا المتعطش إليها، فإنه لا يجد منها تسكيناً لعطشه ورغبته فيها (7).


1) ينظر : لسان العرب (مقل) : 627/11.

2) نفسه.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 423.

4) نهج البلاغة : خ / 52 : 92، وقد نقلت المدونات اللغوية قول الإمام المتقدم برواية نقلها ابن الأثير الجزري نصها : ((لم يَبْقَ مِنْها جُرْعة كَجُرْعة المقلة)). ينظر : النهاية في غريب الحديث : 348/4، ولسان العرب (مقل) : 627/11.

5) المزّ في اللُّغَةِ هو القذر والفضل. ينظر : لسان العرب (مزز) : 307/5.

6) نهج البلاغة : خ/ 52: 92، 93.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 312/2.

المبحث الثالث: ألفاظ شرب الخمر وأوقاتها

الخَمْرِ

إشارة:

أصل الخَمْر - في اللغة - مأخوذ من السَّتر أو الحجب، فقد ورد عن العرب قولهم : أَخْمَره البيت. أي: سَتَره (1). واختَمَرت المرأة إذا سُتِرَت، وخَمَّرت الإناء إذا سَتَرته وغَطَّتُه (2). ومن هذه الدلالة أُخذ معنى الخمر الذي يعني السُّكر والنشوة، بحيث يكون شاربه ساتراً لنفسه وحاجباً لها عن الإدراك والوعي، فهي حجاب له عن العقل. فَتَصِيرُ خُمْرتُها غشية له من السُّكر (3). ويُسمّى ما يُصيب شاربها من الفَتْرة خُماراً (4).

والخَمْر ضرب من الشراب المُسكِر المتخذ من العِنَب وَعَصِيْره دون سائر الأشياء. ولهذا سمت العرب العِنب خَمْراً (5). وقيل فى سبب تسميتها بهذا الاسم إنّها تركت فاختمرت، فسُمّيت خمراً ؛ أو لأنها خامَرَت العقل وشابته (6). وقيل بل هي ما أسكر من عصير العنب (7). وذهب أبو حنيفة الدينوري (ت 282هـ) إلى جواز أن تتّخذ الخمر من الحبوب (8)، موسعاً بذلك من دائرة انحصارها بالعنب وعصيره. والمعتمده في ذلك هو عامل (الإسكار) الذي يُؤديه تناول هذا الضرب من الشراب. ولذلك اختارت الجمهور أن تكون مفردة (الخمر) عامة تشمل كل ما أسكر من عصير، لأنّ الأساس فى ذلك هو السُّكر وغياب العقل (9). فقد حُرّمت الخمر في القرآن الكريم، وما بالمدينة يومئذ من خَمْرٍ عِنب. وما كان شرابهم إلا البُسْر والتمر (10).

وذكر أبو حاتم الرازي (ت 322هـ)، فيما نقل عنه، أنّ أهل الجاهلية كانوا يُفرّقون بين الخمر والنبيذ، وأنّهم عرفوا الخمر المتخذ من البُسْر والتّمر، وأمّا المصنوع من عصير العنب فكان يُنسب إلى أهل فارس (11). ويصير العنب وغيره من المتخذات وسيلة لصناعة الخمر بطريقة الغلي، وهذه الطريقة تؤدي إلى إنتاج ضربين من السوائل، الأول هو (الخمر) المُسكر المحرّم، ومن ثَمّ الخَلّ وهو السائل الحلال، لأنه يخرج من منزلة الخمرة، وأوصافها، وقد شرطوا له أن يكون متناءٍ في الحموضة، وأن تفارقه النشوة (12).


1) ينظر : العين (خمر) : 263/4، وتهذيب اللغة (خمر) : 160/7.

2) نفسهما.

3) نفسهما.

4) ينظر : تهذيب اللغة (خمر) : 160/7.

5) ينظر : المخصص : م / 3 : س / 11:72، ولسان العرب (خمر) : 255/4.

6) ينظر : لسان العرب (خمر) : 255/4.

7) ينظر : المخصص : م/3 : 11/2 : 72، وألفاظ الحضارة (زوين) : 506/1.

8) ينظر : تاج العروس (خمر) : 208/11.

9) نفسه.

10) ينظر : القاموس المحيط (خمر) : 208/1.

11) لم أعثر على رأي أبي حاتم الرازي) في كتابه (الزينة في الكلمات الإسلامية)، غير أن الدكتور (علي زوين) نقله عنه موثقاً ذلك عن المصدر المتقدم. ينظر : ألفاظ الحضارة (زوين) : 506/1.

12) ينظر : ألفاظ الحضارة (زوين) : 506/1.

وأما بالنسبة للنص على حُرمَة (الخَمْر)، فقد ورد ذلك في القرآن في قوله تعالى شأنه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (1). وصرّحت الأحاديث الشريفة بذلك أيضاً، فعن النبي (صلى اللّه عليه وآله) أنّه قال : ((إنّ في جهنّم وادياً يستَغيثُ أهل النار كلّ يوم سبعين ألف مرة منه... فقيل له لمن يكون هذا العذاب؟ قال: لشارب الخمر من أهل القرآن وتارك الصلاة))(2).

وقد وردت مفردة (الخمر) بصيغة اسم الجنس، و (الخُمُور) بصيغة الجمع على (فُعُول) في نهج البلاغة، وكان نصيب الأولى منها موضعين، في حين حظيت الثانية بموضع واحد فحسب (3)، للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على الخمرة المعروفة المذهبة للعقل.

وجرى إيراد هذا المعنى عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في موضعين : الأوّل منهما في سياق حديثه الذي يروي فيه ما أخبره النبي (صلى اللّه عليه وآله) به عن الفتن التي ستقع بعد وفاته، وفيه يبيّن حال القوم الذين يُفتنون بأموالهم، ويمُنّونَ بدِينِهِم على اللّه تبارك وتعالى يقول الإمام : ((إنّه لمّا أَنْزَلَ اللّه سبحانه قوله: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) (4). عَلِمْتُ أَنَّ الْفِتْنَةَ لاَ تَنْزِلُ بِنَا وَرَسُولُ اللّه (صلى اللّه عليه وآله) بَيْنَ أَظْهُرِنَا. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّه، مَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتي أَخْبَرَكَ اللّه بِهَا؟. فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ مِنْ بَعْدِي إِنَّ الْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِهِم، وَيَمُنُّونَ بِدِينِهِم عَلَى رَبِّهِمْ، وَيَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ، وَيَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ، وَيَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ الْكَاذِبَةِ، وَالأهْوَاءِ السَّاهِيَةِ، فَيَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِالنَّبِيذِ وَالسُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ، وَالرِّبَا بِالْبَيْعِ)) (5). وهذا النّص إخبار من النبي إلى الإمام صاغه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأسلوبه كما يبدو من النّص (6). فقد استعمل(الجاهلية) مفردتي (النَّبِيْذ) و (الخَمر). والنّبيذ هو ما نُبِذَ من عصير ونحوه مما يُتخذ من التمر أو العنب أو العسل، أو الحنطة والشعير، فَيُنبَذ في وعاء فيه ماء، ويترك حتّى يفور، فيصيرَ مُسْكِراً، بل حتّى غير المسكر منه فهو نَبِيذ أيضاً (7). والعرب تُسمّي الخَمْرة المُعتَصَرة من العنب نبيذاً، مثلما يقولون للنّبيذ خمراً (8). وبهذا يكون المراد من كلام الإمام ((يَسْتَحِلُّوْنَ الخَمْرَ بالنَّبِيذ))، إباحتهم شرب الخمر، بدعوى أنّها نبيذ غير مُسكرٍ. والدليل على ذلك قوله : ((... السُحْت بالهَدِيّة، والرَّبا بالبَيْع)). فالذي يأخذ السُّحت من الأموال، يحاول تسويغ ذلك بِعَدِّها هدية، كما أنّ الذي يتعامل بالرِّبا، يُسوّغ لنفسه ذلك مدعيّاً أنّها معاملة بيع أو شراء فهؤلاء يستحلون شرب الخمر المحرّمة بدعوى أنّا نَبِيذ على أساس أن النّبيذ حلال في حين أنّ له صفات تقرب من أوصاف الخمر.


1) المائدة : / 90، 91.

2) وسائل الشيعة : 149/4.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 146.

4) العنكبوت/ 2.

5) نهج البلاغة : خ / 156 : 275.

6) ولم تنقل المدونات بالحديث النبوي هذا الحديث ؛ أمَا مَنْ نقله من المصنفين، فقد روي عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من كلامه الوارد في نهج البلاغة، ينظر : وسائل الشيعة : 151/18.

7) ينظر : لسان العرب (نبذ) : 511/3.

8) نفسه.

وأمّا الموضع الثاني الذي استعمل فيه الإمام مفردة (الخمر)، فهو في سياق بيان العِلَّة من فَرْض بعض الواجبات في الإسلام، وفي صدارتها (الإيمان)، فضلاً عن بيان السبب في ترك المحرمات، ومنها (الخَمْرة) التي تُعَدّ مذهبة للعقل والإدراك. والخمر المقصودة الإمام النص، هي (خمر) الدنيا التي لا سبيل إلى اجتماعها مع العقل. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): (فَرَضَ اللّه الأيمَانَ تَطْهِيراً مِنَ الشَّرْكِ، وَالصَّلاَةَ تَنْزِيهاً عَنِ الْكِبْرِ... وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ إعْظَاماً لِلْمَحَارِمِ، وَتَرْكَ شُرْبِ الْخَمْرِ تَحْصِيناً لِلْعَقْلِ)) (1).وتحصين العقل هو الدافع المهم في وجوب تحريم شرب الخمر ؛ لأنّ علّة (الإسكار) فيها تمنع الإنسان من التّمتّع بعقله عند شربها، ولهذا وقع شارب الخمر تحت طائلة العقاب ؛ لأنّه سعى إلى إذهاب عقله بإرادته.

ثانياً : الدلالة على خمر الآخرة.

وهذا الضرب من (الخُمور) يختلف عن الخمر الذي يمكن أن تسميته بـ (خمر الدنيا) المحرم، بإزاء ما يمكن تسميته (خمر الجنّة) الذي يذكره الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند وصفه الجنّة التي يصفها بقوله : ((فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرٍ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَى الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا، وَزَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا، وَلَذَهِلَتْ بِالْفِكْرِ فِي اصْطِفَاقٍ أَشْجَارٍ غُيِّبَتْ عُرُوقُهَا فِي كُثْبَانِ الْمِسْكِ...، وطلوع تِلْكَ الْثمارِ مُخْتَلِفَةً فِي غُلُفِ أَكْمَامِهَا، تُجْنَى مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفَ فَتَأْتِي عَلَى مُنْيَةٍ مُجْتَنِيهَا، وَيُطَافُ عَلَى نُزَّالِهَا فِي أَفْنِيَةِ قُصُورِهَا بِالْأَعْسَالِ الْمُصَفَّقَةِ، وَالْخُمُورِ الْمُرَوَّقَةِ))(2). والنص صريح في أنّه يُطاف على نُزِّال الجنّة بالأعسال والخمور، بحيث تروق أصحابها. والرّوقة والمُروّق الخيار من الأشياء (3). والخمور المروّقة هي أصفى الخُمور التي تكون صافية خالية من الكدر. وقد ساق الإمام لفظة (خمور) بصيغة الجمع (فُعُول)، ومن قبلها مفردة (أعْسَال) على زنة (أفْعَال)، ليدل - فيما يبدو - على كثرتها وعدم نفادها في الجنّة فخمر الجنّة ليست من خمر الدنيا أبداً، فقد اختارها اللّه تعالى لعباده الصالحين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت. في حين أنّ (خمر) الدنيا شراب الخارجين الآبقين عن أمر اللّه تبارك وتعالى. وشتّان ما بين هذه وتلك وقد استعمال الإمام المفردة المتقدمة متّسقاً مع استعمال القرآن الكريم لكلمة (خمر) التي ذكرها اللّه تعالى في سياق وصفه الجنّة التي وعدها

المتقين، إذ يقول فيها : (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) (4). فهذه الخمر ليست بأوصاف خمر الدنيا، فليس فيها سكر أو ذهاب عقل، فهي شراب طهور لايسكر شاربه ولا يصدعه، فهي كما يقول البارئ جل جلاله: (وَسَقَهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) (5). ويقول في موضع آخر: (لَا فِيهَا غَوْلُ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ) (6)، وقد ذكر المفسرون أنّ (خمر الجنّة) لا تُلحق الرأس صداعاً، ولا يفارق شاربها عقله عند شربها، فضلاً عن عدم نقصانها ونفادها (7).


1) نهج البلاغة : قصا / 252 : 647.

2) نفسه : خ / 165 : 300، 301.

3) ينظر : لسان العرب (روق) : 131/10.

4) محمد / 15.

5) الإنسان/ 21.

6) الصافات / 47، وتنظر : الواقعة / 19.

7) ينظر : المحرر الوجيز : 242/5.

الصبوح

الصبوح الخمر التي تشرب بالغداة فما دون القَائِلة (1). وهو خلاف (الغَبُوق) التي تُشرب بالعَشِيَّ(2). ولم. تكن هذه التسمية – كما يبدو – دالة على شرب الخمر، وإنّما تدل على ما يُشرب من اللبن في هذا الوقت. فقد ذكر اللغويون أنّ (الصبوح) هي الناقة التي تُحلب في ذلك الوقت، ويسمّى لبنها (صَبُوحاً) أيضاً ؛ لأنّه يُصطَبح به. والعرب تُسمّي النّوق بحسب أوقات حلبها، إذ يقولون ناقة (صَبُوحِي)، إذا كانت تحلب صباحاً، وناقة (غَبُوقِي) للتي تُحلب في العَشِيّ (3).

وقد وردت لفظة (الصَّبوح) مرة واحدة في نهج البلاغة (4)، للدلالة على النّهل من الحكمة والعلوم بالغداة، وذلك في قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يصف فيه (قوماً) : ((... تُجْلَى بِالتَّنْزِيلِ أَبْصَارُهُمْ، وَيُرْمَى بِالتَّفْسِيرِ فِي مَسَامِعِهِمْ، وَيُغْبَقُونَ كَأْسَ الْحِكْمَةِ بَعْدَ الصَّبُوح)) (5). ووصفه لهذه النّخبة دقيق، وذلك فإنّ اللّه تبارك وتعالى لا يشحذ همم فئة إلا إذا كان عندها الاستعداد لتلقي المعارف والعلوم. ولهذا قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) ((تُجْلَى بِالتَّنْزِيلِ أَبْصَارُهُمْ)). يريد : أنّها تنكشف لها آفاق المعرفة والعلم بوساطة التنزيل، مشيراً بذلك إلى القرآن الكريم. كأن (الأبصار) - هنا - تحتمل دلالتين : الأولى البصر الحقيقي الذي تؤديه حاسة النّظر، والآخر البصر العلمي المعرفي الذي تعقله القلوب التي في الصدور. وقد ذكر الشارح المعتزلي أنّ (جلاء الأبصار) يمثل إشارة إلى كشف الغطاء عن تلك القلوب بالقرآن وتلاوته (6). كأن - في ذلك - تهيئة إلى (رَمْي (التفسير) في مسامعهم إشارة إلى منحهم أسرار القرآن ومعارفه وتأويله بما يتضمنه من أسرار ومعارف إلهية أوردها اللّه جل جلاله في القرآن الكريم.

أقول : وقد كنّى الإمام بمفردة (يُزمى) عن معنى إلقاء هذه العلوم والأسرار فيهم، كأن تحصيلهم لهذه المعارف يكون بإلهام اللّه تبارك وتعالى، مصدقاً لقوله تعالى في كتابه العزيز : (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) (7). وقد أشار الإمام إلى أوقات تلقي هذه النخبة التي اختارها اللّه جل جلاله للحكمة والمعارف القرآنية، فذكر تعبير (وَيُغْبَقُونَ كَأْسَ الْحِكْمَةِ بَعْدَ الصَّبُوحٍ)، مصوّراً تلك العلوم بصورة الشراب الذي يُنهل منه صباح مساء، تعبيراً عن أخذهم العلم والحكمة ومواظبتهم على تلقيهما وتلقّفهما (8). مستعيراً مفردة (الصبوح)، للوقت الذي يتلقون فيه تلك الحكمة، كأنّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يشبه تلقهيم هذا بمن يشرب اللبن (الصَّبوحي) قبل القائلة من النهار، في إيماء منه إلى ما يضفيه هذا الضرب من الشّراب على شاربه من اللذة والارتواء وطيب الطّعم الذي يضفي عليهم النّشوة واللذة التي لا مثيل لها، فتلقيهم الحكمة يضفي عليهم استطابة


1) ينظر : العين (صبح) : 125/3، وتهذيب اللغة (صبح) : 155/4.

2) ينظر : لسان العرب (غبق) : 281/10.

3) ينظر : تهذيب اللغة (صبح) : 156/4، ولسان العرب (صبح) : 503/2.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 250.

5) نهج البلاغة : خ / 150 : 261.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 99/9

7) الكهف / 65.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 613/3.

و منفعة لأرواحهم وعقولهم وأبدانهم. فقصد الإمام أن يصوّر هذه الحالة فيهم عن طريق استعمال المفردات الخاصة بوقت شرب اللبن أو الخمر التي تعد من أفضل الأوقات التي عند هؤلاء الشاربين، وذلك من باب المقاربة في تحصيل المنفعة والمتعة في الارتواء والنّهل.

وقد تباينت آراء الشارحين في تحديد (القوم) الذين يتحدث عنهم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فمنهم من ذهب إلى أنّهم العارفون الذين جمعوا بين الزهد والحكمة والشجاعة، وهم من أنصار ولي اللّه (المهدي)) (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يكون خاتمة الأولياء. وقد صرّح بهذا الوجه الشارح ابن أبي الحديد (1). في حين ذهب فريق آخر من الشارحين إلى أنّ هؤلاء هم علماء الأمة المستجمعين لكمالات النفوس والسالكين سبيل اللّه، المرضيين عنده وعند الأئمة (2). وقيل :بل هم قوم من عباد اللّه الصالحين (3). وتعليقاً على ذلك أقول : بل المحتمل الأقوى أن يكون هؤلاء القوم هم أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين يمثلون أعلى مستوى من مستويات المعرفة التي وهبها اللّه تبارك وتعالى لهم، فهم المثال الذي يُقاس عليه من يبتغي الحكمة والمعارف القرآنية.

يُغْبَقُون

الغَبْق والتَّغَبُّق والاغتبَاق والغُبُوْق ألفاظ تدل على الشرب بالعَشِيِّ عند اللغويين (4).

والظاهر أنّ أصل المفردة مأخوذ من اغتِبَاقِ الإِبل والغَنَمِ، وهو سَقيها أو حَلبها بالعَشِيِّ (5). ومنه أُخِذ الغَبُوق، وهو ما شُرب حاراً من اللبن بالعَشِيّ (6). وذهب بعض اللغويين إلى عدّ الغبوق ما أمسى عندهم من شرابهم فشربوه (7)، وهو اللبن الذي فَضْل عندهم من الصبوح، فَتُرِك حتَّى العَشِيِّ. وتُسمّى الناقة عند العرب (غَبُوقة)، إذا كانت تُحلَب بعد المغرب (8). واستعملت هذه المفردة للدلالة على شرب الخمر مساء (9)، على سبيل تخصيص المعنى، فأضحت تنصرف عند إطلاقها على الضرب من الشرب.

وقد ورد الفعل (يُغْبَقون) في نهج البلاغة مرة واحدة (10)، للدلالة على شرب كأس الحكمة)، وهو النّهل من العلم والحكمة ومعارف القرآن الكريم مساءً، وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((... ثُمَّ لَيُشْحَذَنَّ فِيهَا قَوْمٌ شَحْذَ الْقَيْنِ النَّصْلَ تُجْلَى بِالتَّنْزِيلِ أَبْصَارُهُمْ، وَيُرْمَى بِالتَّفْسِيرِ فِي مَسَامِعِهِمْ، وَيُغْبَقُونَ كَأْسَ الْحِكْمَةِ بَعْدَ الصَّبُوح)) (11). واستعمل الإمام هذا الفعل مبنياً للمجهول، للدلالة على تلقيهم العلم وشربهم كأسه بطريق الإلهام والإلقاء كما يُلقى اللبن في جوف شاربه عَشيّةً. وهنا تتضح الدلالة الزمنية التي أفادها الفعل (يُغبَقون) الذي أشرت إلى تآزره مع مفردة (الصبوح)، لإظهار المعاني العديدة التي يمكن تصوّرها من خلال المفردات المستعملة في النّص،


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 99/9.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 613/3، ومنهاج البراعة : 130/9.

3) ينظر : الديباج الوضي : 1196/3.

4) ينظر : العين (غبق) : 356/4، وتهذيب اللغة (غبق) : 38/8، ولسان العرب (غبق) : 281/1.

5) ينظر : لسان العرب (غبق) : 281/10.

6) نفسه.

7) نفسه.

8) نفسه.

9) ينظر : ألفاظ الحضارة (زوين) : 520/1.

10) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 333.

11) نهج البلاغة : خ / 150 : 261.

ومنها الدلالة على وقت تلقي العلم والحكمة، وهي - كما يبدو من قول الإمام - أوقات إلهية حددها الباري الذي يُغْبِق في أذهانهم كأس الحكمة، فهذا النوع من العلم يمثل أعلى درجات المعرفة وأنقاها، وأكثرها منفعة ؛ لأنه علم تنزيل كتاب اللّه وتفسيره، ليدلل على أنّ هذا النوع من العلوم ليس علماً شخصياً أو إنسانياً، وإنّما هو علم إلهي يُعلِّمُه اللّه لخاصة أوليائه. ولهذا قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ثنايا كلامه : (يُرمَى بالتفسِير في مَسَامِعِهم)، في إشارة إلى إلقاء العلم في أذهانهم وبنّه فيهم. ومن بديع التّوسّع الدلالي أنّ الإمام جرّد مفردتي (يُغْبقون) (الصبوح) من دلالتيهما الاجتماعية المتعارفة عند الناس، وصرفهما إلى دلالة أخرى هي الدلالة على الشراب المعنوي غير المادي (المُحلّل)، فليست (الغَبُوق) هي الخمرة المعروفة، وليست (الصبوح) خمرة الإصباح وإن كان لابد من حدّ لهذه النشوة، فهي سُكر العلم والحكمة ونشوتيهما.

النَّبيذ

النبيذ هو الشّراب الذي يُتَّخذ من التمر أو الزّبيب الذي يُنبَذ أو يُترك في وعاء أو سِقاء، ويجعل عليه الماء، ثم يترك ليفور، فيصير مُسْكراً (1). وربّما عُمِل هذا الشراب من العسل، أو الحنطة والشعير، فضلاً عن التمر والزبيب (2). وتسمّى الخَمرة المُعتصَرة من العِنب نَبِيذاً، كما يسمّى النبيذ خمراً (3). ويذكر اللغويون أنه. إِنَّما سُمّي النبيذ نبيذاً ؛ لأنّه يترك في الماء ليصير مُنبَذاً متروكاً مدة من الزمن (4).

ويعامل (النَّبِيذ) في الإسلام معاملة (الخمر) في الحُرمة والنّجاسة. وتروي الروايات أنّ قوماً سألوا النبي (صلى اللّه عليه وآله) عن النَّبيذ، فقال لهم : (صِفُوه لي، فقالوا : يؤخذ من التَّمر، فيُنبَذ في إناءٍ، ثم يُصَبُّ عليه الماء حتى يمتلئ، ويُوقَد تَحتَه حَتَّى يَنْطَبخ، فإذا انطَبَخَ أَخَذُوه فألقوه في إناءٍ آخرَ، ثم صَبّوا عليه ماءً، ثم يُمرَسُ صَفْوُهُ بِثَوب، ثم يُلقى في الإناء، ثم يُصب عليه من غكر ما قبله.... فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله)، يا هذا قد أكثرت أَفَيُسكر؟ قال : نعم، فقال : فكل مُسكِرٍ حَرَام ...))(5).

وقد وردت مفردة (النّبيذ) في نهج البلاغة مرة واحدة (6)، للدلالة على الشّراب المتخذ من التمر. وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يخبر فيه عن النبي (صلى اللّه عليه وآله) حال الذين يستحلون الحرام بالشبهات، يقول : ((... فَيَسْتَحِلُونَ الْخَمْرَ بِالنَّبِيذِ، وَالسُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ وَالرِّبَا بِالْبَيْعِ)) (7). ومن أولى شبهات هؤلاء أنهم يستحلون (الخمر) بدعوى أنّه (نَبِيذ)، معتبرين هذا الضرب من الأشربة المحللة لاتخاذها من التمر، فحكموا بحلّيته على أساس أنّ الحُرمة مخصوصة بـ (الخمر)، فذَمّهم الإمام تنبيهاً على فساد رأيهم، لأنّ النبيذ و الخمرة سواء في الحرمة ؛ لاشتراكهما في الإسكار. وقد ورد عن النبي الأكرم قوله : ((الخَمْرُ من خَمْسَةِ : العَصِيْرُ من الكَرِمِ،


1) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 6/5، ولسان العرب (نبذ) : 512/3.

2) نفسهما.

3) ينظر : لسان العرب (نبذ) : 512/3، وقد ورد عن الفقهاء أنّ الغالب عليها اتخاذها من التمر، ينظر : منهاج البراعة : 256/9.

4) نفسهما.

5) جواهر الكلام، للشيخ محمد حسن : 22/6.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 434.

7) نهج البلاغة: خ / 156 : 275.

والنَّقِيعُ من النَّبِيبِ، والبُتْعُ من العَسَلِ، والمُرزُ مِنَ الشَّعِيرِ، والنّبِيذُ من التَّمر))(1). ولهذا أنكر على هذه الفئة مراوغتها ومحاولتها إيهام الناس بأنّ النبيذ محلل، فذكر أنّهم يُسوّغون أعمالهم المحرّمة من خلال إلباسها لباس الحلال ؛ ليُظهروا صلاحهم، وهم مفسدون بلا شك

وثمّة نوع من النّبذ عمد إليه أهل (المدينة) في تحلية مائهم الذي يشربون منه، فذكروا ذلك للنبي (صلى اللّه عليه وآله)، فأمرهم أن ينبذوا. أي يضعون تمرة أو تمرتين في الماء، ليتغير طعمه ويحلو. وهذا الضرب من التحلية يختلف عن النبيذ المصنوع أو المعدّ من التمر وغيره بالغليان، فهذا النوع ملحق بالخمر في الصفة والإسكار. ولهذا أراد هؤلاء أن يُشبهوا الخمر التي يشربونها بالنبيذ المتخذ من تميرات يزال بها طعم الماء غير المقبول، وفاتهم أنّ فقدان العقل وذهابه يعد علامة فارقة من علامات السكر.


1) الكافي، للكليني : 392/6، ومنهاج البراعة : 256/9. وثمة أحاديث كثيرة وردت في حرمة (النّبيذ) في المدونات الخاصة بالأحاديث النبوية، ينظر على سبيل المثال : وسائل الشيعة : 281/25، 212، وبحار الأنوار، للمجلسي : 488/63. ومنهاج البراعة : 256/9، 257.

الظواهر اللغوية

• استعمل الإمام (عليه السلام) بناء (فَاعل) في هذا المجال الدلالي ممثلاً بالفاظ (آجن، وأجناً) و (خاثرك) في حين ورد البناء نفسه المأخذ ومن الرباعي (مُكَدِّر) مرة واحدة.

• في حين استعمل اسم الجنس في لفظتين، وهما لفظة (مقرة) وجمعها (المَقِر)، ولفظة (سَمْلَة).

• ورد من أبنية الجموع في هذا المجال الدلالي بناء (أفْعَال) الذي جاءت على وزنه لفظة (أَعْسَال) جمع (عسل) دالة على (أعْسَال) الجَنَّة في مقام الوصف.

• وقع الترادف الجزئي بين ألفاظ متعددة في هذا الحقل الدلالي. وذلك بين مفردات (کدر، وزُعَاق وآجِن) وبين (رَنِق، وأُجَاج) وبين (سَمْلَة، وصُبَايَة)، و (الصَّبِر، والمقر)، و (خاثِرك، و اللَّبَن).

• استعملت لفظة (كدر) و اسم الفاعل منها (مُكَدِّر) للدلالة على تَعَكَّر الحياة، ومكترها، فضلاً عن وصف الإمام للموت بأنه مكدّر الشهوات في إشارة الى كونه القائم بتغيير صفو الدنيا ولذتها وذلك في ضرب من الاتساع لدلالة مفردة (كدر) واشتقاقاتها وطوّر الإمام من دلالة مفردة (آجن) فجعلها دالة على سُوء الخُلُق، وفساده، فضلاً عن انحراف العقائد وذلك في مقام وصف أهل الضلال وابتعادهم عن أهل البيت.

• وساق الإمام لفظة (العسل) و (الأعسال) للدلالة على أطايب الغذاء، في الدنيا والآخرة.

• تطور مفردات (سَمْلَة) و (صُبَابَة) فساقها الإمام (عليه السلام) نحو الانحطاط عندما استعملها للدلالة على حقارة الدنيا وقلة شأنها.

• استعملت مفردة (صَدِيد) دالة على ما يشربه أهل النار من قَيْحٍ ودَمٍ في جهنّم جزاء بما كسبوا وذلك على سبيل التهكم والتحذير من سوء عاقبة أمثال هؤلاء.

• طغت دلالة عدم الصفاء واختلاط الأمر على لفظة (خَاثِرك) التي وظفها الإمام في كلامه لهذهِ الغاية.

• وردت ألفاظ (أشْطَان) و (أَرْشِيَة) مجموعة جمعاً غير سالم على وزن القلة فالأولى جاءت على (أَفْعَال) الثانية على (أفْعِلَة).

• استعملت لفظة (المَقْلة) اسم جنس بصيغة المفرد.

• استعملت لفظة (كأس) مهموزة في الموضع كُلها التي استعملت فيها.

• استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بناء (إفْعِيْل)، وهو بناء غير عربي ربما اشتُقَّ من (أفْعَل) مثل (إبليس) من (أبْلَس) كما يقول الخليل. وقع الترادف الجزئي بين ألفاظ (كأس) و (قَعْب) و (النّوط)، وبين (عَزْب) و (السَّقاء)، وبين (الرَّكي) و (الطُّوي) و (القليب)، وبين (أَشْطَان) و (أرشية).

• ثَمة علاقة جزء بكل بين لفظتي (الوِكَاء) و (السِّقاء).

• استعمل الإمام لفظة (إبريق)، وهي من الألفاظ المعرّبة للدلالة على تشبيه عُنُق الطاووس بمخرج الإبريق المعروف للدلالة على دقة الخلق وجماله الصنع.

• انزاحت جمهرة من الألفاظ في هذا الحقل الدلالي من مجالاتها الدلالية الأصلية الى مجالات أُخر ومن ذلك انتقال لفظة (كأس) من دلالتها على الأداة التي يُشرب بها الى جعلها أداة لشرب المنيّة وشرب الحكمة والجامع بينهما هو الإعانة على الارتواء. ويعد هذا الضرب من المجاز من الكنايات اللطيفة الفريدة في لغة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما نقل الإمام مفردة (غَرْب) الى الدلالة على الحدّة في اللسان وسطوته واستعملت لفظة (الرَّكي (الدالة على البر في مجال آخر، وهو الدلالة على البعد و الإسراف في الوقوف في الظلمات التي لا مَنجى منها إلا بالاستماع لوصايا الإمام والالتزام بها، مثلما وظّف الإمام مفردة (الطَّوِي)، للدلالة على علمه العميق، وسعته تشبيهاً له بالبئر المطوية البعيدة القعر.

• واستعملت لفظة (الأرشية)، للدلالة على الوصايا والنصائح التي كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوجهها للناس ويستنقذهم بها.

• أُصيبت بعض الألفاظ بالانحطاط الدلالي. فقد ازدرِيَت لفظة (قَعْب) التي جعلها الإمام دالة على القدح المصنوع الخشب الذي أصابه القذر، وذلك في مقام وصف بعض أصحابه بالخيانة وعدم إمكان إئتمانهم ولو على هذا النوع من الأقداح كما انحطت دلالة لفظة (قَليْب) التي تدل على البئر، بعدما نقلت من كونها مخصوصة بتوفير الماء الى جعلها مقبرة، أو مدفناً لقتلى المشركين في معركة (بذر).

جدول دلالي يبيّن شيوع ألفاظ الأكل والشرب ومتعلقاتها مرتبة بحسب كثرة كل مفردة على الأخرى

أولا : ألفاظ الأكل ومتعلقاتها ويشتمل على ما يأتي

1 - عامة الغذاء والأدام : الغذاء، إدامة، بقلة، مأدبة، وليمة

2 - ألفاظ الخبز وما يصنع منه : القرص، برّة، شعيرة، خبزاً، القمح

3- ألفاظ الغليظ من الطعام : جشوبة، العلقم، الملح

4 - ألفاظ الحلو من الأطعمة : العسل، التّمر، ملفوف

5 - قطع الطعام وبقاياه: اللّمظَة، ثُقَالة، يُلقمنية

6- ألفاظ أدوات الطبخ ومتعلقاتها ويشتمل على ما يأتي :

أ. أدوات الطعام : وعاء، الإناء، الجفان، مائدة

ب. بأدوات الطحن ومتعلقاتها : الرحى القطب، ثفالها

ج. أدوات الطبخ وما ينصب عليه : القدر، أثافي

د. أدوات القطع : المُدَى

ثانياً: ألفاظ الشرب وأدواتها :

1 - ألفاظ أدوات حمل الماء وحفظه: الكأس، غرب، النوط، الأداوة، الأبريق، قعب

2 - ألفاظ ألفاظ الآبار ومتعلقاتها: الرَّكِيّ، الطَّوِيِّ، القَلِيْب، أَشْطَانِ، الْأَرْشِية

3- ألفاظ المشرب المُرّ: أجَاج، الصَّبِرِ، مَقِرة، زُعَاق

4 - ألفاظ المشرب الكدر اللون : الكَدِرِ، آجِن، الرَّئَقِ

5 - ألفاظ اللبن من المشرب: اللبن، خاثرك

6 - ألفاظ بقايا الماء: سَمْلَة، صُبَابة

7- ألفاظ أدوات القرب والسّقاء: الوِكَاء، السِّقاءِ

8- ألفاظ مشرب أهل النار: صَدِيد

9 - ألفاظ أدوات تقسيم الماء في السفر: المَقْلة

ثالثاً : ألفاظ شرب الخمر وأوقاتها :الخمر، الصبوح، يُغْبَقُون، النَّبيذ

الفصل الرابع: ألفاظ الزينة ومتعلقاتها

إشارة:

المبحث الأول: ألفاظ الجواهر والحلي

زَخَارِفَها

أَصل الزُّخرُف الذَّهب (1). وهو الزينة أيضاً (2). وبيت مزخرف أي : مُزَيَّن (3).. ومن ثَمّ شبّه كلَّ مُموَّهٍ ومُزوَّرٍ بالزُّخرُف (4).

وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ألفاظ (زَخَارِفَها) ثلاث مرات في نهج البلاغة، و (زَخْرَف) مرتين. في حين وردت ألفاظ (زُخْرُفه، وزخارف، وزَخَارِفِك، ومُزَخْرَفة) مرة واحدة لكل منهما،(5)للدلالة على الزينة بعامة.، وقد شاعت هذه الدلالة في كلام الإمام حتى ارتبطت عنده السياقات التي يَذُم فيها أمير المؤمنين الدنيا وما فيها، فضلاً عن بیانه موقف النبي الأعظم (صلى اللّه عليه وآله) من الدنيا وتجنبه الدنيا وابتعاده عنها ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ابتعاد النبي عن الدنيا وزَخَارِفَها ((وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) مَا يَدُلُّكُ عَلَى مَسَاوِئِ الدُّنْيَا وَعيُوبِهَا إِذْ جَاعَ فِيهَا مَعَ خَاصَّتِهِ (6)وَزُوِيَتْ (7)عَنْهُ زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِيمٍ زُلْفَتِهِ)) (8). ولمّا كان السِّياق يتحدث عن النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله) وعلاقته بالدُّنيا ؛ لهذا أراد الإمام بيان مساوئ الدنيا ببيان موقف النبي منها، فذكر جُوْعه فيها، مع كونه من أخصّ النّاس وأقربهم منزلة إلى اللّه تبارك وتعالى. ولهذا نُجِّيَت عنه زَخَارِف الدنيا وكل زينتها المُمَوّهَة الخادعة. على الرغم من تَهَافُتِ النّاسِ اليها وطلبها، ولكن اللّه تبارك وتعالى أكرم نبيه بهذا الأمر، فمن طَمِعَت نفسه في الدنيا، فقد أهانها. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذلك : ((فَلْيَنْظُرْ نَاظِرْ بِعَقْلِهِ : أَكْرَمَ اللّه مُحَمَّداً بِذَلِكَ أَمْ أَهَانَهُ ؟ فَإِنْ قَالَ أَهَانَهُ : فَقَدْ كَذَّبَ. وَاللّه الْعَظِيمِ... وَإِنْ قَالَ أَكْرَمَهُ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللّه قَدْ أَهَانَ غَيْرَهُ حَيْثُ بَسَطَ الدُّنْيَا لَهُ، وَزَوَاهَا عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهُ)) (9).

أقول: وقد تكرر تعبير الإمام في وصف انزواء الدنيا عن النبي في (خ / 160(2))، فضلاً عن استعمال الإمام مفردة (زَخَارِف) بصيغة الجمع في هذا السياق، للدلالة على كثرة ما في الدنيا من زينة وزخارف ولكن النبي مال عنها وأَعْرَض ؛ رغبة في الآخرة وما فيها. فقد دَلَّت مفردة (زَخَارف) على الزينة الخادعة في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((... أَيْنَ الْأُمَمُ الَّذِينَ فَتَنْتِهِمْ بِزَخَارِفِكِ فَهَا هُمْ رَهَائِنُ الْقُبُورِ...)) (10). وجاءت مفردة (فَتَنْتِهِمْ) في النّص.


1) ينظر : تهذيب اللغة (زخرف) : 271/7، والمحكم (زخرف) : 336/5.

2) ينظر : العين (زخرف) : 338/4، ولسان العرب (زخرف) : 132/9.

3) ينظر : المحكم (زخرف) : 336/5.

4) ينظر : لسان العرب (زخرف) : 132/9.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 200.

6) اختص بالشيء، وخصه. أي أفرده به دون غيره. ينظر : لسان العرب (خصص) : 7 / 24.

7) زوى الشيء يزويه. إذا نحاه، فتنحى. ينظر : لسان العرب (زوي) : 14 / 363.

8) نهج البلاغة : خ / 160 : 284.

9) نفسه : خ / 160 : 285.

10) نهج البلاغة : ك / 534:45.

والفِتْنَة الابتلاء والاختبار (1). ومن هذا المعنى يفهم أنّ (زَخَارِف) الدنيا ما هي الا فِتْنَةٌ واختبار للناس، ليُمَيّز بها أصيلهم الذي لا يؤخذ بها ولا يغتَر، ومخدوعهم الذي غرّته الحياة الدنيا بزينتها الكاذِبَة. فكأنّها تختبِرهم كما يُختبر الذهب والفضة بإذابتها بالنّار، وهذا هو الأصل في معنى مفردة (الفِتْنَة) (2). وقد وردت لفظة (زُخْرُف) دالة على الزينة المُموّهة في: (خ / 32، 74، 128،165، ك /3).

الذهب

الذَّهَب التّبر، والقطعة منها ذَهَبَة (3). والذَهَبَةُ المطرة الجيدة (4). والذهب مكيال لأهل اليمن (5).

وقد وردت لفظة (ذَهَب) بصيغ متعددة في نهج البلاغة، فقد استعملت مفردة (الذهب) أربع مرات ولفظتا (ذَهَبَك) و (الدُّهْبَان) مرة واحدة لكل منهما (6)، للدلالة على الذهب المعروف. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق وصيَّته لبعض عماله على الصدقات كان يكتبها لمن يستعمله عليها. يعلمهم فيها آداب جباية الصدقات من الرّعيّة : ((... ثُمَّ تَقُولَ : عِبَادَ اللّه، أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ وَلِيُّ اللّه وَخَلِيفَتُهُ، لِآخَذَ مِنْكُمْ حَقَّ اللّه فِي أَمْوَالِكُمْ، فَهَلْ لِلَّهِ فِي أَمْوَالِكُمْ مِنْ حَقٌّ فَتُؤَدُّوهُ إِلى وَلِيِّهِ ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلَ : لَا. فَلَا تُرَاجِعْهُ، وَإِنْ أَنْعَمَ لَكَ مُنْعِمٌ، فَانْطَقْ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَخِيفَهُ أَوْ تُوعِدَهُ أَوْ... فَخُذْ مَا أَعْطَاكَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَاشِيَةٌ أَوْ إِبِلٌ فَلَا تَدْخُلْهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ...)) (7). والمراد بالذهب المعدن المعروف بقرينة لفظة (الفضة) التي تُعد القسيم (للذهب) حسبما معروف، وهما مما تكون فيه الزكاة.و يسمّيهما الفقهاء بـ (النَّقْدَيْن)؛ إذ لا تجب فيهما الزكاة إلا ببلوغهما النَّصَاب الشرعي (8). وقد وردت لفظة (الذهب) بصيغة الجمع على (فُعْلان) في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يتحدث فيه عن حالِ الأنبياء وشَظف عَيْشهم : ((.. وَلَوْ أَرَادَ اللّه سُبْحَانَهُ لِأَنْبِيَائِهِ حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ الذِّهْبَان... لَفَعَلَ، وَلَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ الْبَلَاءُ، وَبَطَلَ الْجَزَاءُ...)) (9). وأراد باستعمال صيغة الجمع على (فعْلان)، وهي إحدى صيغ جمع التكسير، الإشارة إلى صنف الذَّهب خاصة دون غيره من المعادن، فضلاً عن بيان أَن كَثْرة (الذُّهْبَانِ) التي توحي بأنّ اللّه تبارك وتعالى لو أراد أن يُسبغ على أنبيائه (الذُّهْبَانِ) على كثرتها لفعل ؛ لأنّهم يستحقون ذلك، فيما لو تعلق الأمر بالأمور المادية، وجعلها سبيلاً لنعمائه عليهم. ولهذا استعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (كُنُوز) جمعاً على (فُعُول)، التي توحي - أيضاً - بالغنى والزينة والثراء المادي، فالكنز – في اللغة - اسم للمال المدفون (10). ويبدو أنه غلب عليه معنى الجمع والاقتناء والحفظ، ولهذا قيل : إن الكنز اسم للمال


1) ينظر : لسان العرب (فتن) : 13 / 317.

2) نفسه.

3) ينظر : العين (ذهب) : 40/4، والمحكم (ذهب) : 296/4.

4) ينظر : العين (ذهب) : 40/4.

5) نفسه.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 172، 173.

7) نهج البلاغة : ك / 25 : 482.

8) ينظر : نهاية الأحكام، للعلامة الحلي : 2012. والنصاب في الذهب بلوغه عشرين مثقالاً، وفي الفضة بلوغها مائتي درهماً كما تذكر المدونات الفقهية.

9) نهج البلاغة : خ / 192 : 367.

10) ينظر : لسان العرب (كنز) : 5 / 401.

إذا أحرز في وعاء (1). والعرب تسمي كل كثير مجموع كنزاً (2). أما عند الإمام، فمفردة كنوز جاءت للدلالة على على (كُنُوزِ الذِّهْبَانِ). ويمثل هذا الاستعمال ضرباً من تخصيص الدلالة. بمعنى أنّ مفردة (كُنُوز) انتقلت من دلالتها على المال المدفون أو المجموع إلى دلالة أخرى هي الدلالة على الذهب المجموع أو المُخْرَز في وعاء لحفظه، وذلك إشارة إلى معنى الغنى والثراء الذي توحيه هذه اللفظة، فكيف إذا صار المكْنُوزِ (ذُهْبَاناً) وههنا يظهر تأثير التآزر الدلالي - إذا صَحَ التَّعبير بين صيغتي (فُعُول) التي سيقت على وزنها لفظة (كُنُوْز)، وبين صيغة (فغلان) التي جمعت عليها لفظة (ذُّهْبَان) فكلاهما تدلان على الكثرة في الجمع، فضلاً عن إيحائهما بالمبالغة والتكثير، حسبما يفهم من النّص، وذلك يرجع إلى إضافة أحدهما إلى الآخر، وهو ما يخلق نوعاً من التَّعَجَّب لدى المخاطب الذي سيعجب من قدرة اللّه تبارك وتعالى على فتح (كُنُوزِ الذِّهْبَانِ) وغيرها من العجائب، ولكنه (جل حلاله) أوْقَف ذلك كُلّه لِئَلَّا يَبْطُل الجزاء ويسقط البلاء والتكليف، فلو جرى ذلك لما استحقَّ المؤمنون ثواب المحسنين، ولما وجب للقابلين أجور المبتلين كما يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3). أقول : يبدو أن الإمام قد أفاد من التعبير القرآني في صياغة قوله (كُنُوز الذهبان) من خلال قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (4). فقد جعل القرآن الكنز للذهب والفضة. وعلى هذا النَّسَقِ جرى الإمام في قَولَه بجعل (الذُّهبان) (كُنُوزاً). هذا من جهة، ومن جهة ثانية : فالقرآن الكريم استعمل صيغة الجمع (فُعْلان) الدَّالة على الكثرة، (للقلة النسبيّة) حسبما يعبر الدكتور فاضل السامرائي، الذي يقول مُتحدّثاً عن بناء (فُعْلان) ومجيئة للقلة أنه مع موضوع للكثير، وبيان العِلّة في ذلك : ((وقد استعمل القرآن هذا الجمع للقلّة النسبيّة قال تعالى في وصف عباد الرحمن : ((وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمَّا وَعُمْيَاناً)). فقد وردت لفظة (عُمْيَان) مرة واحدة وهي هذه، وردت لفظة (عُمي) في سبعة مواطن هي قوله : (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) (5). وقوله : (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (6). وهي كما نرى كلها في وصف اهل الكُفْر والضلال، وأرى أنَّ سبب هذا التغير ما ذكرته، وهو أنّ عباد الرحمن أقل من الكفرة دائماً كما يصرّح القرآن الكريم في مواطن عديدة قال تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (7)... فجاء بهذا اللفظ مع عباد الرحمن الذين هم قلة، للدلالة على القلّة النِّسْبِيّة)) (8). ومن خلال عقد موازنة بين استعمال القرآن الكريم لهذه الصيغة، وبين استعمال الإمام لها، يتضح أنّ السياق القرآني هو المسوّغ لتحول دلالة (فعلان) من الكثرة


1) ينظر : لسان العرب (كنز) : 5 / 401.

2) نفسه.

3) ينظر : نهج البلاغة : خ / 192 : 367.

4) التوبة / 34.

5) البقرة / 18.

6) البقرة / 171.

7) سبأ / 13.

8) معاني الأبنية : 158.

إلى القلّة النِّسْبِيَّة ؛ لارتباطها بالدلالة على (النُّخْبَة) من الناس، وهم عباد الرحمن. في حين أنّ السياق الذي وردت فيه لفظة (ذُهْبَان) في كلام الإمام هو سياق يتحدث فيه عن حال النَّبِيِّ مُؤسَى بن عمران وهَارُوْنُ (عليهما السلام) وعدم امتلاكهم الإمام والكنوز، مقارنة بحال فرعون الذي يملك الكنوز والإمام ولهذا ذكر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ اللّه تبارك وتعالى، لو أراد أن يفتح لأنبيائه (كُنُوز الذِّهْبان)، وغير ذلك من الأمور التي لا يتّسع لها ذهن الناس وتصورهم لفتح، فالمسألة متعلقة بالمشيئة الإلهية. فجاء ذلك مناسباً لاستعمال لفظة (الذِّهْبَانِ) على زِنة (فعلان) ؛ لاظهار الكثرة والنَّمَاءِ والثراء الذي لو أراده اللّه تعالى لأنبيائه لصنعه لهم، وجاءت صيغة (فُعُول) معزّزة لهذا المعنى.

وقد استعملت مفردة (الذهب) في نهج البلاغة بالدلالة المتقدمة نفسها في (خ / 192).

الحلي

إشارة:

الحَلْي - بالفتح - ما يُتزيَّن به من مصوغ المعدنيات أو الحجارة.(1). وذكر الخليل أن الحلي كلّ جلية حليت بها امرأة أو سيفاً أو نحوه (2). و الحلي - بالفتح - للمرأة، وما سواها، فلا يُقالُ له حِلْيَةٍ، سواء أكان ذلك للسَّيف و غيره (3). وذكر ابن الأثير الجزري أن الحلى اسم لكل ما يُتزيَّن به من مصاغ الذهب والفِضَّة (4). وثمة دلالة أخرى لهذه الكلمة منها أن الحلية هي الخِلْقَة والصفة والصورة (5).

وقد استعمل الإمام لفظة (الحِلْيَة) مرتين في نهج البلاغة. في حين استعملت ألفاظ (حِلْيَتها) و(الحُلِيُّ)، و (حَلْي) مرة واحدة لكل منهما للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على الخلقة والصورة التي يتميز بها الناس

واستعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الدلالة في سياق كلامه على صفات اللّه تبارك وتعالى وتنزيهه عما لايليق به إذ يقول : ((كَذَبَ الْعَادِلُونَ بِكَ إِذْ شَبَّهُوكَ بِأَصْنَامِهِمْ وَنَحَلُوكَ حِلْيَةَ الْمَخْلُوقِينَ بِأَوْهَامِهِمْ)) (6). (والحِلية) - هنا - هي الخلقة أو الصورة التي يتصف بها خلق اللّه. ولهذا أراد الإمام أن يُبيّن ما صنعه هؤلاء (الْعَادِلون) الذين أعطوا اللّه جل جلاله صفات المخلوقين ومنحوه صورهم. فجعلوا اللّه عديلاً وشريكاً (7). وهذا من الكفر كما يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأنه سَاوى اللّه يخلْقِه، فَعَدَلَ بهِ : ((وَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ سَاوَاكَ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ، وَالْعَادِلُ بِكَ كَافِرٌ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَمَاتُ آيَاتِكَ...)) (8).

ثانياً : الدلالة على صفة الغدر والاغترار.


1) ينظر : المحكم (حلي) : 3 / 441، وتاج العروس (حلي) : 37 / 469.

2) ينظر : العين (حلي) : 296/3.

3) نفسهما.

4) ينظر : النهاية في غريب الحديث والأثر : 4351، ولسان العرب (حلي) :14 / 195.

5) ينظر : المحكم (حلي) :3 / 441.

6) نهج البلاغة : خ / 91 : 152.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2/ 434.

8) نهج البلاغة : خ/ 91 : 152.

وهذه الدلالة متفرعة من الدلالة الأولى، وقد وظف الإمام مفردة (حِلْيَة) في هذا السياق للدلالة على أوصاف (الْمُغْتَرِّينَ) وذلك في كلامه عن فضل اهل البيت (عليهم السلام) على غيرهم : ((بِنَا اهْتَدَيْتُمْ فِي الظُّلْمَاءِ، وَتَسَنَّمْتُمْ ذُرْوَةَ الْعَلْيَاءِ... مَا زِلْتُ أَنْتَظِرُ بِكُمْ عَوَاقِبَ الْغَدْرِ... مَا زِلْتُ أَنْتَظِرُ بِكُمْ عَوَاقِبَ الْغَدْرِ، وَأَتَوَسَّمُكُمْ بِحِلْيَةِ الْمُغْتَرّينَ...)) (1). ويشير (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أنه كان يتَرقَّب الغدر منهم، وأنّ موقفهم معه موقف عاقبته الغدر ؛ إيماء منه إلى غدرهم بعد بيعتهم له ؛ فقد كان يلوح له من أفعالهم وأحوالهم هذا الأمر بحسب فراسته فيهم (2). ومما يؤيد ذلك استعماله لفظة (أتوسَّمكم) التي تدل على تَفَرُّس الإنسان ومعرفته حقيقة الأمر بسمته وأوصافه(3). والمعنى أنّه تفرّس فيهم من خلال سماتهم الظاهرة، صفة المُغترين، وعلم فيهم ذلك ؛ بما لاح له من صفاتهم الدالة (4). فجاء بتعبير (أَتَوَسَّمُكم)، وعدّى الفعل بنفسه، ولم يَقُل (أَتَوَسَّم فيكم)، ما يوحي بشدة ارتباط صفة الاغترار بهؤلاء حتى صارت جزءاً لا يتجزأ منهم. وبهذا تكون المفردة عند الإمام قد أصابها اتساع في الدلالة، فانتقلت من الدلالة على الزينة أو الجواهر إلى الدلالة على الصفة والخُلُق غير المقبول.

ثالثاً : الدلالة على زينة الكعبة وجواهرها.

وجاءت هذه الدلالة في سياق نصيحته (عَلَيهِ السَّلَامُ) للخليفة عمر بن الخطاب الذي سأله عن (حلي الكعبة) وجواز أخذه لتجهيز جيوش المسلمين به (5). فقال له : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ (صلى اللّه عليه وآله وسلَّم) وَالأموال أَرْبَعَةً : أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ، فَقَسَّمَهَا بَيْنَ الْوَرَثَةِ فِي الْفَرَائِضِ، وَالْفَيْءُ فَقَسَّمَهُ عَلَى مُسْتَحِقَّيهِ، وَالْخُمُسُ فَوَضَعَهُ اللّه حَيْثُ وَضَعَهُ، وَالصَّدَقَاتُ فَجَعَلَهَا اللّه حَيْثُ جَعَلَهَا. وَكَانَ حَلْيَ الْكَعْبَةِ فِيهَا يَوْمَئِذٍ فَتَرَكَهُ اللّه عَلَى حَالِهِ وَلَمْ يَتْرُكْهُ نِسْيَاناً، وَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مَكَاناً ؛ فَأَقِرَّهُ حَيْثُ أَقَرَّهُ اللّه وَرَسُولُهُ)) (6). ((فَقَالَ عُمَرُ : لَوْلَاكَ لَافْتَضَحْنَا. وَتَرَكَ الْحَلْيَ بِحَالِهِ)) (7). و(الحَلْي)، في النص، هو زينة الكعبة وما يهدي اليها من جواهر وبُرُد، ومايزينها من ذهب أو فضة. وإنما أراد الإمام من قولته هذه منع التصرف بهذه (الحَلْي)، لما مرّ من أنّ اللّه تعالى لم يشر اليها فى موطن من مواطن صرفها أو انفاقها في جهة معينة، واقتداء بما فعله رسول اللّه من عدم التصرف بها (8). وقد تخصصت المفردة المتقدمة بمقتنيات الكعبة وحليها دون غيرها من الجواهر والبرد وكنوز الذهب والفضة التي تهدى إلى الكعبة المقدّسة. وقد اكتسبت المفردة في هذا السياق ضرباً من التشريف والاجلال ؛ لاختصاصها بمقتنيات الكعبة الشريفة.

رابعاً : الدلالة على فصوص الجواهر المُنَطَّقة باللُّجَيْنِ.


1) نهج البلاغة : خ / 4 : 34.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 1/ 187.

3) ينظر : تاج العروس (وسم) : 34 / 46.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 1/ 187، والديباج الوضي : 1/ 231.

5) ينظر : نهج البلاغة : قصا / 270 : 257، 658.

6) نفسه.

7) نفسه : قصا / 270 : 658.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 466/5.

وهذه الفصوص ضرب من الحُلي التي تستعمل في الزينة. وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) متحدثاً عن خلقة الطاووس وجماله : ((وَإِنْ شَاكَلْتَهُ بِالْحَلِيِّ فَهُوَ كَفُصُوصٍ ذَاتِ أَلْوَانِ قَدْ نُطْقَتْ بِاللُّجَيْنِ المُكَلَّلِ...)) (1). ويفسر الإمام الحُلي - هنا - بالفصوص الملونة التي أدير عليها اللجين المكلّل، والمُشاكلة التي يقصدها الإمام في هذا السياق، هي المُشابهة والمماثلة. يقصد بذلك إنه لو أريد مُشاكَلَة هذا الطائر ومشابهته بالحُليّ، فإنَّ ذلك يجعله كَفُصوص مُلَوَّنَة. والفصوص ضَرب من الجواهر حسبما هو معروف، ونطاق اللُّجَين هو نطاق الفضة الذي يُتَّشح به، أو تَتَمَنطَق به المرأة في الزينة، ولهذا جعله مشاكلاً للحُلّي.

خامساً : الدلالة على حلية النار، وهي الحديد.

ويلحظ أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد مال بدلالة هذه اللفظة من دلالتها على الجواهر والمصوغات وما يُتزيَّن به من الذهب والفضة، إلى دلالة جديدة غير معهوده في هذه اللفظة، فمنحها معنى آخر لم يُشر اليه اللغويون. وجاءت هذه الدلالة في سياق الوعظ والارشاد والتحذير من النار في الآخرة، مُنَفِّراً منها ومُخوّفاً من عاقبتها ؛ إذ يقول : ((وَاتَّقُوا نَاراً حَرُّهَا شَدِيدٌ، وَقَعْرُهَا، بَعِيدٌ وَحِلْيَتُهَا حَدِيدٌ، وَشَرَابُهَا صَدِيدٌ...)) (2). والنص يفصل خصائص (نارِ جهنّم)، وأولى خصائصها حرّها الشديد، وقَعرها البعيد. وهو وصف يدل – كما يبدو – على اتساعها وبعدها الموحي باستيعابها وقدرتها على الامتلاء، وهو ما يقول عنه اللّه تبارك وتعالى : (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَاتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ) (3). وأما (حِلْيَتُها)، فهي (الحديد). وذلك أنّ ما يُعد لاهل النار في الآخرة، هو الحديد الذي تُصنع منه الأصفاد والأغلال والسلاسل التي تكون حلية يحلّى بها المجرمون (4). وهذه الدلالة مأخوذة من قوله تبارك وتعالى : (وَأَوْلَئكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأَوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (5). ويقول جل جلاله : (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ) (6). و تظهر هذه النّصوص المباركة الوسائل التي يسحب بها اهل النار، والتي جعلها أمير المؤمنين بمنزلة (الحِلي) التي يتزَيَّن بها أصحاب النار. و يفهم من هذا التعبير الدلالة على التهكم والاستهزاء بهؤلاء، فقد جعل الأصفاد بمنزلة (الحِلْيَة) لاهل النار، في مقابل حِلْيَة المؤمنين التي يذكرها القرآن الكريم، التي تشتمل على أنواع متعددة من الجواهر والألبسة التي يصفها اللّه تبارك وتعالى بقوله : (أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا) (7). أقول : ويبدو الفرق واضحاً بين هذا الوصف، والوصف السابق الذي يذكر فيه حال أصحاب النار. فالذين آمنوا يحلّون من أساور من ذهب، ويلبسون أرقى


1) نهج البلاغة : خ/ 165: 297.

2) نهج البلاغة : خ / 120 : 222، 223.

3) ق / 30.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 553/3.

5) الرعد / 5.

6) غافر / 71.

7) الكهف / 31، وينظر / 23، وفاطر / 33.

الثياب وأكثرها بهاء، في حين أن حلية اهل النار ستلحق بهم الأذى والعار، فالمعروف أن الحديد يكون مطاوعاً للنار التي تصهره و تشد من حرارته، فيصير شديد الإيذاء، فكيف إذا صهرته النار، وصار يذيب جلد الإنسان جاعلاً منه (صَدِيداً) مكوناً من الدّم والقيح الذي ينتج من شدّة النار وحرّها. وبهذا يصبح (الصديد) شراباً لاهل للنار ينهلون منه ومما تساقط من جلودهم. ومن هنا يتضح معنى النَّهكُّم الذي أفاده كلام الإمام لمن عصى اللّه تبارك وتعالى وعصى النبي، وضرب صَفْحاً عن قيم الإسلام وتعاليمه، فيكون حظه نار جهنم بحليتها. فكأنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يريد القول لمن آثر النّار على الجنّة، ما قاله اللّه تبارك وتعالى (للأثيم) : (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) (1). استهائة وهزواً بما صار اليه من حال، وما ذاقه من وبالٍ.

زِبْرِجِهَا

الزِّبْرِج الوَشي (2). الزبرج الذهب (3)، وقد جمع بعض اللغويين بين المعنيين.

فذهب إلى أنّ الزّبرج هو الزينة من وشي أو جوهر ونحو ذلك (4). وقيل : هو النَّقْش(5). وأصل الزبرج في اللغة، حسبما يفهم من أقوال اللغويين، السَّحاب النَّمِر الذي يجمع بين السَّوَاد والحُمرة المُخَيَّل للمطر (6).

وقد وردت مفردة (زبرجها) مرتين في نهج البلاغة، في حين جاءت لفظة (زنرجه) مرة واحدة (7). فأمّا اللفظة الأولى، فقد استعملها (عَلَيهِ السَّلَامُ) للدلالة على زبرج الدنيا وزينتها الخادعة. وذلك في قوله الذي يتحدث فيه عن التنفير من الدنيا، وعدم الانخداع بها، إذ يقول : ((...مَنْ رَاقَهُ زِبْرِجُهَا أَعْقَبَتْ نَاظِرَيْهِ كَمَها (8))) (9). و (زِبْرِجُهَا) زينتها وَوَشْيها الخادع الذي لاقيمة له ؛ لأنّه حُطام بِرُمّته. والملاحظ أنّه الإمام نقل هذه المفردة من الدلالة على الزينة من الوشي و الجوهر، إلى الدلالة على الزينة المتعلقة بالدُّنْيا من طمع الإنسان بأن يحوز ما فيها من متع ولذات وأمور مادية فضلاً عن أنّنا نَفهم من تعبيره المتقدم أنّ (زبرجها) - هنا - يشير إلى المظاهر الخادعة للدنيا ؛ لأنّ (زبرجها) كالنَّقْش المُزوّر الذي يخدع الناظر اليه. ولهذا استعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) تعبير (أعْقَبَت نَاظِرَيْهِ كَمَها)، للدلالة على أنّ المخدوع بها سيناله العمى وضعف البصر منها ومن شهواتها، لما يقوم به المتصدي و المتعلّق بها من طماح وسعي إلى التعلّق بها ويحتمل أن يكون المراد بـ (زبرج) الدنيا في هذا السياق، هو (غُرورها) كما فَسّر اللغويون ذلك، عندما ذكروا قول الإمام في سياق آخر يقول فيه : ((...


1) الدخان / 49.

2) ينظر : لسان العرب (زبرج) : 2/ 285.

3) ينظر : لسان العرب (زبرج) : 2/ 285، وتاج العروس (زبرج) : 5/6.

4) ينظر : تاج العروس (زبرج) : 5/6.

5) ينظر : لسان العرب (زبرج) : 2/ 285.

6) نفسه.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 200.

8) الكمه العمى. ينظر : لسان العرب (كمه) : 13 / 536.

9) نهج البلاغة : قصا / 367 : 674.

وَلَكِنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِم وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا...))(1). فذكروا أنّ : زبرجها هو غرورها وزينتها (2). فالمعجب بزبرج الدنيا سيعقب ناظريه العمى، كأنّه يعمى منصرفاً عمّا فيها من العبر والاعتبار (3). أمّا مفردة (زبرجه)، فقد استعملها الإمام للدلالة على زبرج الخلافة وزينتها ومَخْيَلتها، وهي أيضاً وَشي خادع كاذب يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) مخاطبا القوم لما عزموا على مبايعة الخليفة عثمان : ((لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا مِنْ غَيْرِي، وَاللّه لَأَسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً الْتِمَاسِاً لِأَجْرِ ذَلِكَ وَفَضْلِهِ وَزُهْداً فِيمَا تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وَزبْرجِهِ))(4). وأشار بـ (زُخرُفه وزيرجه) إلى بيعة الخليفة (عثمان بن عفان)، فعدل من عود الضمير على الخلافة في صورة التأنيث إلى عوده بضمير الغيبة على المذكر، في كلامه عن (الزخرف والزبرج)، وذلك – فيما أحسب - إيماء إلى أنّ أمر البيعة والملك هو ضرب من الخداع والتزوير ولتوكيد هذا الأمر استعمل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظتا (زُخْرُف، وَزِبْرِج)، وهما من الألفاظ الدالة على الزينة فالزُّخْرُف فى الاصل هو الذهب، ثُم استعمل في الدلالة على كلّ مموه ومزوَّر منه (5). وبهذا نفهم دلالة لفظة (زنرجه) التي تدل – هنا- على الوشي والزينة الوهمية المزوّرة أيضاً، وقد أخذت هذه الدلالة من مفردة (زُخْرُف) المجاورة لها.

العقْيَان

إشارة:

قال الخليل بن أحمد (ت170هـ): ((والعِقْيَان ذَهب يَنْبت نَباتاً، وليسَ مما يُذاب من الحجارة)) (6). وقيل: بل هو الذهب الخالص (7).

وقد وردت لفظة (العِقْيَان) ثلاث مرات في نهج البلاغة (8)، للدلالة على ضرب من المعادن النفيسة، وهو الذهب الخالص الذي يَنْبت نَبَاتاً دون أن يُذاب من الحجارة. وقد اختلفت الدلالات التي أوردها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من توظيف هذه المفردة، ويمكن إجمال ذلك فيما يأتي

أولاً : الدلالة على لون العقيان ونقائه وصفائه.

ونص (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ذلك في سياق كلامه عن خلقة الطاووس وتنوع الوانه : ((تَخَالُ قَصَبَهُ مَدَارِيَ مِنْ فِضَّةٍ، وَمَا أُنْبِتَ عَلَيْهَا مِنْ عَجِيبِ دَارَاتِهِ، وَشُمُوسِهِ خَالِصَ الْعِقْيَانِ)) (9). وإنما قال: (خَالِصَ الْعِقْيَانِ). ولم يكتف بلفظة (العِقْيَان) وحدها ؛ لأنه أراد فيما يبدو - النّص على صفاء لون هذا النوع من المعادن النفيسة ولاسيما


1) نهج البلاغة : خ / 3 : 32، وقد نقل قول الإمام هذا في لسان العرب (زبرج) : 9 / 285، وتاج العروس (زبرج) : 5/6.

2) ينظر : تاج العروس (زبرج) : 5/6.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 488/5.

4) نهج البلاغة : خ / 74 : 113، 114.

5) ينظر : لسان العرب (زخرف) : 9/ 132.

6) العين (عقي) : 2 / 178، وينظر : لسان العرب (عقي) : 15 / 81.

7) ينظر : لسان العرب (عقي) : 15 / 81، وتاج العروس (عقي) : 39/ 77.

8) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 313.

9) نهج البلاغة : خ / 165 : 296.

(العِقْيَان) الموصوف بخلّوه من الشوائب، فهو أنقى أنواع الذَّهب. وبهذا يكون لونه خالصاً صافياً من كل ما يَعْلَق به من المعادن الأخرى.

ثانياً : الدلالة على القيمة المادية للعقيان بوصفه واحداً من الكنوز الثمينة

ولهذا أشار الإمام إلى أنّ اللّه تبارك وتعالى لو أراد أن يفتح لأنبيائه الكنوز لفتحها عليهم. يقول أمير المؤمنين في سياق كلامه عن دخول النبي (موسى وهارون) (عليهما السلام) على (فرعون) بملبسهما المتواضع. واحتقار فرعون لهيئتيهما. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((وَلَقَدْ دَخَلَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ (عليهما السلام) عَلَى فِرْعَوْنَ، وَعَلَيْهِمَا مَدَارِعُ الصُّوفِ وَبِأَيْدِيهِمَا الْعِصِيُّ، فَشَرَطَا لَهُ إِنْ أَسْلَمَ بَقَاءَ مُلْكِهِ وَدَوَامَ عِزّهِ. فَقَالَ : أَ لَا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَيْنِ يَشْرِطَانِ لِي دَوَامَ الْعِزَّ وَبَقَاءَ الْمُلْكِ، وَهُمَا بِمَا تَرَوْنَ مِنْ حَالِ الْفَقْرِ وَالذُّلِّ، فَهَلًا أُلْقِيَ عَلَيْهِمَا أَسَاوِرَةً مِنْ ذَهَبٍ (1)، إِعْظَاماً لِلذَّهَبِ وَجَمْعِهِ، وَاحْتِقَاراً لِلصُّوفِ وَلَبْسِه...))(2). ويَرُدّ أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على قَوْلَةِ (فِرْعَون) الذي جعل (مَدَارِع الصُّوف)، لباساً دالاً على الفقر وقلّة الشأن، بإزاء (الذَّهَبِ) وجمعه الذي عدّه علامة على علو الشأن والغنى والمُلك. يقول : (وَلَوْ أَرَادَ اللّه سُبْحَانَهُ لِأَنْبِيَائِهِ حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ الذِّهْبَانِ، وَمَعَادِنَ الْعِقْيَانِ، وَمَغَارِسَ الْجِنَانِ وَأَنْ يَحْشُرَ مَعَهُمْ طُيُورَ السَّمَاءِ وَوُحُوش الأرضينَ لَفَعَلَ ...)) (3)فقدم مفردات دالة على الكنوز والمعادن الثمينة على قوله (مَغَارِسَ الْجِنَانِ و طُيُور السَّمَاءِ) ؛ مراعاة لما كان يتصوره فرعون من قيمة للذهب والجواهر. ورداً على إعظامه للذهب وجمعه، ولهذا أراد الإمام بيان أنّ اللّه تبارك وتعالى لا يعجزه أن يفتح كنوز الأرض لأنبيائه من الذِّهْبَانِ، وَ العِقْيَانِ.

أقول : ومفردة (العقيان) أكثر دلالة و إيحاء على الخالص من الذهب ؛ ولغرض تحقيق دلالة التكثير والاستزادة في فتح اللّه لهذه الكنوز على أنبيائه، استعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (الذِّهْبَان) بصيغة الجمع، وعطف عليها مفردة (عِقْيَان) التي تجانسها صوتياً ؛ تعضيداً لقيمتهما المادية، وتحقيقاً للانسجام الصوتي بينهما، فكلاهما بجرس صوتي متقارب. وقد التفت بعض الشُّرَّاح إلى جمع الإمام بين لفظتي (الذِّهْبَان) و (العِقْيَان) في هذا السياق، فذكر أنّه إنما جمع بينهما مع كونهما من جنس واحد، لاختلاف نوعيهما، فالعِقْيَان الذهب الخالص الذي لا يحتاج إلى إخلاص أو تنقية بالكير (4). وفسَّر اللغويون دلالة مفردة (العِقْيَان) في كلام الإمام ذاكرين أنها تدل على خالص الذهب (5). كأنّهم يشيرون بذلك إلى صفائه وفضيلته على الذهب وبقية أنواعه.

ومما تجدر الإشارة إلى أنّ هذه اللفظة جاءت بالدلالة المتقدمة نفسها في (خ / 91).

الدُّر

إشارة:


1) إشارة الى خطاب فرعون الذي وجهه لقومه عند مناظرته مع النبي موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله تعالى : (فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ) الزخرف / 53.

2) نهج البلاغة : خ / 192 : 367.

3) نهج البلاغة : خ / 192 : 367. وقد نقلت المدونات اللغوية قول الإمام المتقدم.ينظر: النهاية في غريب الحديث : 3/ 283، و لسان العرب (عقي) : 15 / 81.

4) ينظر : الديباج الوضي : 2004/4.

5) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 3/ 283، ولسان العرب (عقي) : 15 / 81.

الدرة هي الحَبّةُ العظيمة من اللؤلؤ (1). وتجمع هذه اللفظة على (فعل)، و (فعل)، فَيُقال: دُرّ، دُرَر (2).

وجاءت لفظة (الدُّرُّ) مرّة واحدة في نهج البلاغة، هي ولفظة (دَرَاريّها) (3)، للدلالة على ما يأتي :

أولاً : الدلالة على الحَبِّ من اللؤلؤ.

يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق وصف قدرة اللّه تبارك وتعالى وكرمه : ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَفِرُهُ (4)الْمَنْعُ وَالْجُمُودُ وَلَا يُكْدِيهِ (5)الْإِعْطَاء، وَالْجُودُ إِذْ كُلُّ مُعْطٍ مُنْتَقِصٌ سِوَاهُ وَكُلُّ مَانِعِ مَذْمُومٌ مَا خَلَاهُ... عِيَالُه الْخَلَائِقُ، ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ، وَقَدَّرَ أَقْوَاتَهُمْ... وَلَيْسَ بِمَا سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَمْ يُسْأَلْ... وَلَوْ وَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ، وَضَحِكَتْ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ، مِنْ فِلِزّ اللُّجَيْنِ وَالْعِقْيَانِ وَنُثَارَةِ الدُّرْ... مَا أَثَرَ ذَلِكَ فِي جُودِهِ)) (6). يتحدث الإمام عن جود اللّه جل جلاله وإنعامه على الخلائق، حتى يصل (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وَصف عطاء اللّه إلى أنّه لو وهب ماتَنَفَّسَت عنه معادن الجبال، وضحكت عنه أصداف البحار من كل الجواهر والدّرّ، ما أثر ذلك في وجوده، وما أنقصه ذلك. وكانت سبيل الإمام إلى بيان هذا المعنى توظيفه التعبير القرآني في إظهار كرم اللّه تعالى وجوده فاستعمل مفردة (تنفَّست)، لإظهار ما يخرج من الجبال من الذهب أو الجواهر. وغير ذلك من الكنوز. متأثراً بالقرآن الكريم الذي استعمل (التَّنفس)، لانفلاق الصباح وشروق شمسه، في قوله تبارك وتعالى : (7). ثُمّ استعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (ضَحِكَت) للدلالة على ما تُنْتِجه أَصْدَاف البِحَار من الجواهر النفيسة واللؤلؤ. فجاء بمفردة (ضحكت) للإشارة إلى فتح هذه الأصداف وإخراج ما فيها من دُرّ ولؤلؤ.فكأنه يشبه هذه الأصداف بفم الإنسان الذي يتبسّم ضاحكاً، فتبدو منه الأسنان البيضاء التي تشبه الدر.

وقد عني شُرّاح النهج بالتعبير المتقدم، فذكر بعضهم أنّ قوله : ((تَنَفَّسَتْ عَنْه مَعَادِنُ الْجِبَالِ))، استعارة لما أخرجته الجبال وولدته من المعادن، فكأنها لما أخرجته وولدته كالحيوان الذي يَتَنَفَّس، فيخرج الهواء من صدره. والأمر نفسه في (ضَحِكَت) التي تدل على تفتح الأصداف وانشقاقها (8). ووجه الشبه بين الأمرين انفتاح الصدفتين وإسقارهما عن اللؤلؤ الشبيه في ظهوره بأسنان الإنسان عند ضحكه (9). وذهب بعض الشراح إلى أنّه إنما أضاف التَّنفّس إلى المعادن، والضحك إلى البحار مع نفاسة كل منهما ؛ فما يخرج من البحار هي الأحجار الجوهرية مثل اللؤلؤ والياقوت والزّمُرِّد. فوصفها بالضحك لما فيها من الصفاء والرّقة والنعومة، بخلاف ما يخرج من المعادن من الذهب والفضة وغيرها ؛ فإنها لا توصف بكونها جواهر، فجاء وصفه (عَلَيهِ السَّلَامُ)


1) ينظر : جمهرة اللغة (دره) : 641/2، والمحكم (درر) : 265/9.

2) ينظر : المحكم (درر) : 265/9.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 153.

4) يفره، يزيده ويكثره. والوفر من المال الكثير منه. ينظر : لسان العرب (وفر) : 5/ 287.

5) الكدية هي شدة الدهر، ينظر : تاج العروس (كدي) : 39 / 380.

6) نهج البلاغة : خ / 91 : 149، 150.

7) التكوير / 18.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 5/ 92.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2/ 433.

لها بالتَّنفُس، وهو الخروج الذي لا يَصْحَبه الجوهر (1). وكلا الرأيين اللذين ذهب اليهما الشُرَّاح يلتقيان في نفاسة ما يخرج من البرّ والبحر من الجواهر والنفائس، من الذهب والدّر والمرجان وغيرها. ويبدو الوجه الثاني أقلّ دلالة من المذهب الأول الذي يرى المناسبة بين التنفس والضحك وما يخرج من البر والبحر من جواهر.

ثانياً : الدلالة على النجوم والكواكب

وهي تبدو في السماء كأنّها الدرر التي علقت بكيد السَّماء. وأورد الإمام هذه الدلالة في سياق وصفه السماء وما فيها. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((وَأَمْسَكَهَا مِنْ أَنْ تُمُورَ (2)فِي خَرْقِ الْهَوَاءِ... وَأَمَرَهَا أَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلِمَةً لِأَمْرِهِ، وَجَعَلَ شَمْسَهَا آيَةً مُبْصِرَةً لِنَهَارِهَا، وَقَمَرَهَا آيَةً مَمْحُوَّةً مِنْ لَيْلِهَا...ثُمَّ عَلَّقَ فِي جَوِّهَا فَلَكَهَا، وَنَاطَ بِهَا زِينَتَهَا مِنْ خَفِيَّاتِ دَرَارِيهَا، وَمَصَابِيح كَوَاكِبِهَا...))(3). يصوّر الإمام السماء، بوصفها آية من آيات اللّه تبارك وتعالى التي يبصرها الإنسان ويلحظ مافيها من نجوم وبهاء تنتجه هذه النجوم. وثبات السماء وإمساكها في موضعها يعد آية قائمة برأسها، فضلاً عما يعتريها من النور والظُّلْمة، وانكشاف هذه الظلمة بشروق الشمس.

الزَّبرجد

الزَّبَرْجَد الزُّمُرّذ (4). وربما قيل : الزَّبَرْدج (5). وذكر الزّبيدي (ت 1105 هـ) أنّ الزَّبَرجد جوهر معروف، وهو من أنواع الزمرّذ (6)، و فرع منه، فالزّمرّد عام يشتمل على أنواع عدة من الأحجار الكريمة منها الزبرجد. وقد ذكرت كتب الجواهر أن الزَّبرجد معدن قَريب من الزمرّذ، وتقرب منافعهما من بعض، من حيث الجودة والندرة. فهما معدنان مترادفان لا ينفصل بعضهما عن البعض الآخر. و(الزَّبَرجد) من الألفاظ غير العربية، فهو لفظ أعجمي معرّب، حسبما يذكر الجواليقي (ت 540 هـ) الذي نص على أعجميته مع الزمرد بقوله : ((والزِّبَرجد معروف والزمرّذ... وهما أعجميان معرّبان)) (7).

ومفردة (الزَّبَرْجد) من ألفاظ نهج البلاغة التي استعملها الإمام مرتين (8)، دالة على جوهر الزبرجد المعروف ولونه وذلك في سياق كلامه عن عجيب خلقه الطاووس وجماله. فمن استعمال المفردة دالة على حجر (الزبرجد) قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) واصفاً ريش الطاووس : ((تَخَالُ قَصَبَهُ مَدَارِيَ مِنْ فِضَّةٍ، وَمَا أُنْبِتَ عَلَيْهَا مِنْ عَجِيبٍ دَارَاتِهِ، وَشُمُوسِهِ خَالِصَ الْعِقْيَانِ، وَفِلَذَ الزَّبَرْجَدِ)). يشبه الإمام دارات ريش الطاووس عند فَرْشِها وانفتاحها مشكّلة نصف بدر، كأنها هالات القمر، أو شموس شبيهة بالشمس الاستدارة والاستنارة حسبما يذكر


1) ينظر : الديباج الوضي : 2/ 682، 683.

2) المور التردد في الذهاب والمجيء. ينظر : لسان العرب (مور) : 5 / 186.

3) نهج البلاغة : خ / 11 : 154، 155.

4) ينظر : العين (زبرجد) : 6 / 210، ولسان العرب (زبرجد) : 3/ 194.

5) ينظر : لسان العرب (زبرجد): 3 / 194، وتاج العروس (زبرجد) : 140/8.

6) ينظر : تاج العروس (زبرجد) : 140/8 .

7) المعرب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم : 223.

8) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 200.

بعض الشُّرَّاح (1). ويلحظ أنّ الإمام استعمل مفردتي (الْعِقْيَانِ) و (الزَّبَرْجَدِ)، وهما من الألفاظ الدالة على الحلي والجواهر، مناسبة للسياق الذي يشبه فيه الإمام ريش الطاووس المتعدد الألوان بهذه الجواهر، فأخذ من العِقْيَانِ لونه الأصفر ليشبه الألوان التي تعلوا أطراف ريش الطاووس ببريقها اللامع وصفرتها الفاقعة (2). وأخذ من الزَّيَرجد الشكل الذي يكون عليه هذا الحجر الكريم بلونه الأخضر المتميّز، كأنها قطع تتوسط ريش هذا الطائر (3). وخصّ مفردة (الزَّبَرْجد) بالحجم والشكل الذي يشبه القطع أو الأحجار المميزة بشكلها وحجمها. مستعملاً لها مفردة (فِلَذَ) جمع (فِلْذَة)، وهي القطعة من المال أو الذهب أو الفضة، التي تدل على قطع الكنوز المدفونة تحت الأرض (4). فكأنه يصف تنضيد الوان هذا الطائر بالكنوز التي تكون مدفونة في التراب، كناية عن خفائها في أجزاء ريشه، ولكنها ما تلبث أن تبدو للعيان عند نشر ريشه بألوانه الزاهية التي تتوسطها فِلَذ من الزبرجد الأخضر الذي تُطَوَّم به قصباته، فكأنها كنوز من الجواهر. فما كان منها أخضر اللون فهو الزَّبَرْجَد بعينه (5). وذلك على نحو التشبيه. وقد أكد الإمام ذلك في موضع آخر من كلامه عن خلقة الطاووس، ذاكراً أنّ شيوع اللون الأخضر في ريشه، يمنحه لون الزبرجد وخضرته، فضلاً عن بقية الألوان التي تنتضد في ريشه من صفرة، وحُمرة وغير ذلك. إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): (وَإِذَا تَصَفَّحْتَ شَعْرَةً مِنْ شَعَرَاتِ قَصَبِهِ أَرَتْكَ حُمْرَةً وَرْدِيَّةً وَتَارَةً خُضْرَةً زَبَرْجَدِيَّةً...)) (6). والنّص على الوان الأحجار الكريمة - هنا - إشارة منه إلى تميزه بالجمال والروعة وحسن التنضيد في الطاووس.

ويفهم من هذا الوصف أنّ تنوّع الألوان وتواردها في هذا الطائر، علاوة على هذا التنضيد العجيب في توزيع هذه الألوان، يُظهِر قدرة اللّه تبارك وتعالى، وغلبته في الخلق والإبداع وتبكيت للمخلوقين وإثباتاً لعجزهم في عدم القدرة على الخلق فضلاً عن عدم القدرة على وصف هذا المخلوق الذي أظهره تبارك وتعالى للعيون لادراكه ومعرفة عجيب صنّعه (7).

أَصْدَاف

((الصَّدَف غِشَاءُ خَلْقٍ فِي البَحْرِ، تَضُمُّهُ صَدَفَتانِ مفروجتان عن لحم فيه روح يسمى المحارة فيه اللؤلؤ)) (8). و الصَّدَف غلاف اللؤلؤ (9).


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 3/ 668.

2) نفسه.

3) نفسه.

4) ينظر : لسان العرب (فلذ) : 502/3.

5) ينظر : الديباج الوضي : 3/ 1368.

6) نهج البلاغة : خ / 165 : 299.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 3 / 668.

8) العين (صدف) : 101/7.

9) ينظر : لسان العرب (صدف) : 9/ 188.

وقد وردن لفظة (أَصْدَافُ) في كلام الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في نهج البلاغة مرتين (1)للدلالة على المحار الذي يضم اللؤلؤ. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق حديثه عن عظيم خَلْقِ اللّه تبارك وتعالى في البر والبحر : ((وَمَا أَوْعَبَتْهُ (2)الْأَصْدَافُ وَحَصْنَتْ عَلَيْهِ أَمْوَاجُ الْبِحَارِ...)) (3).

وأشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالأَصْدَاف - هنا - إلى المَحَّار الذي يَضمّ الدُّر أو اللؤلؤ، وعبر عن قيمة ما تحويه هذه الأصداف وغرابته وجماله، بمفردة (أَوْعَبَتْه) أي : ضَمَّتْه وجمعته حَتَّى لم تترك منه شيئاً. والدلالة نفسها المفردة (أصْدَاف) وردت في (خ/ 91) أيضاً.

الفضة

الفضة ضرب من الجواهر معروف (4). والمفضض هو المُمَوّه بالفضة (5). ونجمع هذه اللفظة على (فَضَضَ) عند اللغويين (6).

واستعملت لفظة (الفِضَّة) مرتين في نهج البلاغة، دالة على الفضّة المعروفة، المعدودة من الجواهر ومن ذلك قوله الإمام في سياق وصيته إلى عماله على الصدقات في كيفية جباية الصدقات من الناس. يقول فيها : ((... ثُمَّ تَقُولَ : عِبَادَ اللّه، أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ وَلِيُّ اللّه وَخَلِيفَتُهُ، لِآخَذَ مِنْكُمْ حَقَّ اللّه فِي أَمْوَالِكُمْ، فَهَلْ لِلَّهِ فِي أَمْوَالِكُمْ مِنْ حَقٌّ فَتُؤَدُّوهُ إِلى وَلِيّهِ ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لَا. فَلَا تُرَاجِعْهُ، وَإِنْ أَنْعَمَ لَكَ مُنْعِمٌ فَانْطَلِقْ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخِيفَهُ أَوْ تُوعِدَهُ أَوْ... فَخُذْ مَا أَعْطَاكَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ...)) (7). ونظير هذه الدلالة ما ورد في (خ 165).

اللُّجَيْن

اللُّجَيْنِ الفِضَّة (8). وقيل : هو اسم من أسماء الفِضَّة (9).


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 254/4.

2) أوعب الشيء، أي لم يدع منه شيئاً. ينظر : تاج العروس (وعب) : 4/ 350.

3) نهج البلاغة : خ / 91 : 167.

4) ينظر : المحكم (فضض) : 161/8، ولسان العرب (فضض) : 7 / 208.

5) ينظر : المحكم (فضض) : 161/8.

6) ينظر : لسان العرب (فضض) : 2/ 208.

7) نهج البلاغة : ك / 25 : 482.

8) ينظر : العين (لجن) : 124/6، وتهذيب اللغة (لجن) : 56/11.

9) ينظر : ألفاظ الحضارة (زوين) : 1 : 579.

وقد جاء هذا اللفظ مرتين في نهج البلاغة (1)، دالة على الفِضَّةِ التي تُعَدُّ القسيم لَمَعْدِنِ الذَّهَبِ.ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق وصف الطاووس وجماله : ((... وَإِنْ شَاكَلْتَهُ بِالْحَلِي فَهُوَ كَفُصُوصٍ ذَاتِ أَلْوَانِ قَدْ نُطْقَتْ بِاللُّجَيْنِ الْمُكَلَّلِ...)) (2). يصف الإمام الطاووس في هذا النص، مُشبِّهاً إياه بالفصوص المُرَصَّعَةِ بِصَفَائح الفِضَّة الْمُكَلَّلَة بذلك التَّرقيع (3).

والدلالة نفسها لمفردة (اللُّجَيْنُ) وردت في (خ/91)

نُطقت

كل شيءٍ شددت به وسطك (4)والنطاق شبه إزاء فيه تكة كانت المرأة تنطق به (5).

وذكر بعض اللغويين وصفاً للنطاق بأنه شقة تلبسها المرأة وتشد وسطها ثم ترسل الأعلى منه على الأسفل إلى الرّكبة (6).

وقد استعملت مفردة (نُطَّقت)، و (نطاقة) المضافة الى ضمير الغائب في نهج البلاغة مرة واحدة لكلٍ منهما (7). وكانت اللفظة الأولى بدلالة النطاق الذي يحيط وسط الجسم، بيد ان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعملها للدلالة على ما يحيط وسط (الطاووس) من أزاهير والوان، فكأن هذا النطاق الذي طوق به هذا الطير مصنوع من اللجينة المكلل. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((وَإِنْ شَاكَلْتَهُ بِالْحُلِي فَهُوَ كَفُصُوص ذَاتِ أَلْوَانِ، قَدْ نُطْقَتْ بِالنُّجَيْنِ الْمُكَلَّلِ)) (8).

وقد أخذ الإمام مفردة نطقت لإظهار الطوق الذي يتحلى به الطاووس، فيكون زينة له، فقد نقل الإمام اللفظة المتقدمة للدلالة على النصوص الملونة ليظهر جمال هذا الطير. واستعار الإمام لفظة (نطاقة) ليضمنها كلامه سياق إجابته من سأله عن قول النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : ((غيروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود)) (9). فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) ((إِنَّمَا قَالَ (صلى اللّه عليه وآله) ذلِكَ وَالدِّينُ قُلْ فَأَمَا الْآنَ وَقَدِ اتَّسَعَ نِطَاقُهُ. وَضَرَبَ بِجِرَانِهِ فَامْرُؤٌ وَمَا اخْتَارَ.)) (10)وقد دل (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله (اتسع نطاقه) على السعة والانتشار، وذلك على سبيل الكناية (11)، وهو كالنطاق المتسع العظيم وسط صاحبه.

فقد صور الإمام نطاق الإسلام بالحد الذي يحيط به. ومن ثم يتسع، فيكون اكبر مما أحاط به، كأنه يُشبهه بالنطاق الذي يشد المسلمين الى بعضهم البعض الآخر.

الورق


1) ينظر المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 407.

2) نهج البلاغة : خ / 165 : 297.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 3/ 668.

4) ينظر : العين (نطق) : 104/5، ولسان العب (نطق) : 355/10.

5) ينظر : العين (نطق) : 104/5.

6) ينظر : تهذيب اللغة (نطف) : 24/9، ولسان العرب (نطق) : 355/10.

7) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 444.

8) نهج البلاغة (صبحي) : خ : 165 : 297.

9) الجامع الصحيح (سنن الترمذي) : 232/4، والمعجم الاوسط : 50/2، والديباج الوضي : 2735/6.

10) نهج البلاغة: قصا / 17 : 601.

11) ينظر : لسان العرب (نطق) : 354/10، ونهج البلاغة : قصا / 17 : 601 هامش (8).

والوَرق بالكسر - الفِضَّة.(1). وربما سُكِّنَتِ الرّاء فقيل وَرْق (2). وقيل : بل الورق هو المضروب من - الفِضَّة (3). وكذلك الرّقَّةُ التي تدل عند اللغويين على الفِضَّةِ والذهب (4). ووسعها بعضهم حتى جعلها دالة على المال أيضاً (5). والوَرَق - بالفتح - المالُ من الإبل والغَنَم (6).

واستعمل الإمام لفظة (الورق) في كلامه الوارد في نهج البلاغة مرَّتين (7)، للدلالة على مَعْدِنِ الفِضَّة المعروف الذي يُعدّ أحد الكنوز، ومن علامات الغنى أيضاً، ولاسيما إذا اجتمع مع الذَّهب.ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق انكاره على بَعِضٍ عُمَّالِه الذي بَنَى بِنَاءً فَخماً عظيماً، فقال الإمام في ذلك : ((أَطْلَعَتِ الوَرِقُ رُؤُوْسَهَا إِنَّ الْبِنَاءَ يَصِفُ لَكَ الْغِنَى)) (8). فأورد مفردة (الوَرِق)، وهي في اللغة الفِضَّة (9)، أو المَضْرُوب منها (10)على هيأة المال فاستعملها الإمام في سياق إنكار البَذْخِ والتَّرَف الذي بَانَ على بَعْضٍ عمّاله، فَصَارت المفردة مُتَّسعةَ الدلالة، إذ وسع الإمام من دلالتها ؛ لتصبح دالة عنده على كثرة المال والغنى.

وقد مَال شُرَّاح النهج إلى المعنى المتقدم أيضاً، فعدوا مفردة (الوَرق) كناية عن كثرة المال، وهو اشارة إلى عُلُوّ البناء واطلاعه باعتبار أن البناء يُنْبِيءُ عن الغِنَى (11).

أقول : وكذلك عدَّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (الوَرِق، والذَّهَب) من الخَزَائِن المكنوزة التي لابُدَّ أَنْ تُحْفَظَ وَتُمْنَع مُشَبِّهاً بها (اللسان) الذي يتكلم به الإنسان، في اشارة للحفاظ عليه من عثرات الكلام، وسَقَطَاته. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق بيان أثر الكلام وقيمته : ((الْكَلَامُ فِي وَثَاقِكَ (12)مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ، فَإِذَا تَكَلَّمْتَ بِهِ صِرْتَ فِي وَثَاقِهِ فَاخْزُنْ لِسَانَكَ كَمَا تَخْزُنُ ذَهَبَكَ وَوَرِقَكَ، فَرُبَّ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ نِعْمَةً وَجَلَبَتْ نِقْمَةً)) (13). يشير إلى قيمة اللسان وما يتكلّم به ؛ لأن المِقْوَل جزء مهم في أحكام القَوْلِ، فما زال الكلام محكوماً ممنوعاً حتى يَنْطِقُ به اللسان، فعند ذلك يَصِيْر المرء رَهْن كلامه إن خيراً فَخَيْر، وإن شراً فَشَر. ولهذا أكّد الإمام على ضرورة خَزْنِ اللسان كما يَخْزَنِ الذَّهب والفِضَّةُ، ويمنعان عن الغَيْر بسبب من قيمتها العالية، وإن المرء لا يخرجها إلا في المواضع التي يستحق انفاقها والبِدَار إلى صرفها، لأنهما من الكنوز التي يحرص الإنسان على عدم التفريط بها. وكذلك ينبغي أن يكون الحرص على (اللسان / القول) فربما خرجت منه كلمة أصابت من الإنسان مقتلاً.و (الوَرِقُ)


1) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 174/5.

2) نفسه.

3) ينظر : المغرب في ترتيب المعرب : 2/ 350.

4) ينظر : المحكم (ورق) : 557/6.

5) نفسه.

6) ينظر : تهذيب اللغة (ورق) : 9/ 221.

7) ينظر المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 481.

8) نهج البلاغة : قصا / 355 : 671.

9) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 174/5.

10) ينظر : المغرب في ترتيب المعرب : 2/ 350.

11) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 5/ 484، والديباج الوضي : 6/ 2985.

12) الوثاق اسم لما يوثق به ويحكم كالحبل وغيره. ينظر : لسان العرب (وثق) : 371/10.

13) نهج البلاغة : قصا / 381 : 979، 680.

في هذا السياق هي الفضّة، بقرينة مفردة (ذَهَبَكَ) التي جاورتها، وصرفتها من الدلالة على الأموال إلى الدلالة على معدن الفِضَّة - كما يبدو -.

تِبْراً

التّبْر الذهب كُلُّه (1). وذهب بعض اللغويين إلى أن التّبْر هو جميع جواهر الأرض من ذهب وفضة و نحاس وصفر وغير ذلك مما استخرج من المعدن قَبْل أَنْ يُصَاغ أو يستعمل (2). وقيل هو الفتات من الذَّهَبِ والفِضَّة قبل أَن يُصَاغا، فإذا صِيْغَا فهما الذَّهَب والفِضَّة. وأكثر اختصاص (التبر) عند اللغويين بالذَّهَب(3)، سواء أكان مضروباً أم غير مضروب، حتّى ذهب بعضهم إلى أنّ لَفْظَةَ (التَّبْر) لا تُقَالَ إِلَّا للذَّهب (4). ومال بعضهم إلى عَدّها فرعاً في غير الذَّهَبِ من المعدنيات كالنّحاس والحديد التي يقال لها (تبر) على سبيل التجوز (5).

أقول : ويبدو أنّ هذه المفردة مأخوذة أصلاً من الدلالة على (التَّبار)، وهو الهَلاك في اللغة (6)، فهم يقولون : تَبَّرَه تَثْبِيراً. أي: اهلكه و كَسَّره (7). وقَد سُمِّي كل مُكَسَّر تِبْراً. وتبدو أنّ هذه الدلالة قريبة من قوله تبارك وتعالى: (وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا) (8). ويجمع أغلب المفسرين على أن التثبير، في الآية المباركة، هو التَّفْتِيْت والهلاك (9).

ولفظة (تبراً) من ألفاظ نهج البلاغة التي وردت في كلام الإمام مرة واحدة (10)، دالة على الذَّهَبِ والفِضَّة اللذين لم يُضربا بعد. واستعمل أمير المؤمنين هذه المفردة في سياق كلامه على زُهْدِه وورعه وتقواه عمّا تَضُمُّه الحياة الدنيا من مَلَذّات. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((فَوَاللّه مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً، وَلَا ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً (11)...)) (12). ولفظة (تبراً) تفيد الدلالة على الذهب غير المضروب الذي يُمَثَّل كنزاً من الكُنُوز، ولهذا استعمل الإمام مفردتي (كَنَزْت) و (غَنَائِمِهَا)، وهما من الألفاظ الدالة على حيازة الأموال والجواهر. فالكنز اسم للمال إذا أُخرِز في وعاء أو مكان ما (13)، وتطلق المفردة أيضاً على الذَّهَب والفِضَّة (14). وهو ما يَعْضد دلالة


1) ينظر : لسان العرب (تبر) : 4 / 88.

2) نفسه.

3) نفسه.

4) نفسه.

5) نفسه.

6) نفسه.

7) نفسه.

8) الفرقان / 39.

9) ينظر : تفسير البيضاوي : 4/ 218، والمحرر الوجيز : 4 / 411.

10) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 70.

11) الوفر من المال والمتاع، الكثير الواسع. ينظر : لسان العرب (وفر) : 5 / 287. وقد أورد اللغويون كلام الإمام المتقدم. ينظر : لسان العرب (وفر) : 5 / 287.

12) نهج البلاغة : ك / 45 : 530.

13) ينظر : لسان العرب (كنز) : 401/5.

14) نفسه.

لفظة (تبراً) على المعدنين المتقدمين في هذا السياق. أما مفردة (غَنَائِمِهَا)، فهي من الألفاظ التي توحي بحيازة الغنائم في الحروب والغزوات، (فالغنيمة والغنائم)، ما أُصيب من أموال اهل الحرب، وَأَوْجَف عليه المسلمون الخَيْلَ والركاب (1). ولهذا يلحظ في هذه المفردة انضمامها إلى مجال الألفاظ الإسلامية، بوصفها من ألفاظ الغنائم المخصوصة بالجهاد في الإسلام، فضلاً عن أن الإمام اتبعها بلفظة (وَفْراً)، والوَفْر – في اللغة – هو المال الكثير. وبهذا يكون الإمام قد أعلن أنّه لم يكنز في دنياه ذهباً ولا فضة، سواء أكان بواسطة موقعه، بوصفه خليفةً للمسلمين، أو بوصفه قائد الجيش الإسلامي، فيحوز من غنائم الحرب التي يقودها يمكن له أن يَحُوْزَ الكثير منها، فهو أجَلّ وأتقى من أن يُفَكِّر في ذلك البتَّةَ.

تيجان

التيجان في اللغة جمع تاج، أو أتواج، والفعل منه التتويج (2). والتاج الاكليل، وتوجه أي البسه التاج (3). والتاج من البسة الرأس التي يستعملها غير العرب من ملوك العجم (4). ويكون التتويج ايضاً علامة على تسويد الرجل، يقال. توجه أي : سوّده (5). ولهذا غالباً ما تصنع التيجان من الذهب والجوهر (6). ويتخذها الملوك رمزاً للسلطة (7). وربما استعملتها النساء للزينة (8).

وتعد هذه المفردة من الالفاظ المعربة في العربية، وهي بحسب اللغويين - من الالفاظ الفارسية المعربة ؛ اذ استعملت عندهم بوزن (فعل تَوّج) للدلالة على بعض الاماكن والمدن.(9). وذهب بعض الباحثين الى ان اصل لفظة (تاج) في الفارسية (تاك) (10).

وان هذه المفردة عربية الاصل، ولاسيما انها ذات جذر عربي. ولعل ميل اللغويين الى جعلها من الالفاظ غير العربية هو اشتهار الاعاجم بلبس (التيجان)، وجعلها علامة على ملكهم وزينتهم، ومما يرجح ذلك عند الباحث ان البناء الذي جمعت عليه هذه المفردة، وهو بناء (تيجان) بوزن (فِعْلان)، وهو من أبنية الجمع في العربية، فلو لم يكن في هذه اللفظة دلالة على اصالتها في العربية لما اختير لها هذا البناء ولمنعت من التصرف ايضاً تحقيقاً لهذه المسألة.

وقد استعملت لفظة (تيجان) بصيغة الجمع مرة واحدة في نهج البلاغة (11)للدلالة على اكاليل التكبر والمفاخرة التي نهى عنها الإسلام. وجاءت هذه المفردة في سياق كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي ينهى فيه عن الفتنة


1) نفسه (غنم) : 446/12.

2) ينظر : العين (توج): 170/6.

3) ينظر : العين (توج) : 17/6 : تهذيب اللغة (توج) : 112/11.

4) ينظر : البيان والتبين : 443/1.

5) ينظر : تهذيب اللغة (توج) : 113/11، والمصباح المنير : 78/1.

6) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 199/1، ولسان العرب (توج) : 219/2.

7) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 199/1، والفاظ الحضارة (زوين) : 542/1.

8) ينظر : الفاظ الحضارة (زوين) : 542/1.

9) ينظر: المعرب : 637.

10) ينظر : الفاظ الحضارة في القرن الرابع الهجري (دراسة في ضوء مروج الذهب للمسعودي) رجب عبد الجواد ابراهيم : 63.

11) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 74.

التي فهمها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من دعوة (ابي سفيان والعباس) للأمام الى بيعته بالخلافة بعد حادثة السقيفة. إذ يقول : ((أَيُّها النَّاسُ، شُقُوا أَمْوَاجَ الفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ، وَعَرِّجُوا عَنْ طَريقِ المُنَافَرَةِ(1)، وَضَعُوا تِيجَانَ الْمُفَاخَرَةِ. أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٌ، أوِ اسْتَسْلَمَ فَأَراحَ...)) (2).

ويبدو أن الإمام أراد من ذكر مفردة (تيجان) مناسبتها لموضوع الكبر والمفاخرة الذي ينهى عنه، ولهذا استعار الإمام لتكون علامة على الفخر والعنت والكبر الذي يبدو فيمن يتقلد هذا الضرب من الأكاليل المصوغة من الذهب والجواهر، فضلاً عن دلالتها على السلطة والزعامة، وهو موضوع أشار اليه الإمام في خطبته هذه التي خطبها لما قبض رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم)، وقد خاطبه (العباس) و (ابو سفيان) في ان يبايعا له بالخلافة بعد ان تمت البيعة لابي بكر في السقيفة (3)، ولهذا نهى فيها عن الفتنة، وأشار الى ترك المفاخرة والاعتزاء بالقديم بوضع (التيجان)، لانها مما يعظم به قدر الانسان(4).

وقد قرأ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الأزمة الفتنة وأحس بقربها ؛ ولذلك قال معلقاً على مَنْ دعاه الى البيعة : ((هذا مَاءً آجِنِّ (5)، وَلُقْمَةٌ يَغْصُّ بِهَا آكِلُهَا، وَمُجْتَنِي الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا كَالزَّارِعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ.)) (6).

فإن قيل : لِمَ استعملت لفظة (تيجان) ولم تستعمل لفظة (عمائم) بدلاً عنها.؟. وللإجابة على ذلك أقول: إن لفظة (عمامة) أو (عمائم) لا تناسب السياق الذي ساقه الإمام، ولا تلائم المعنى الذي قصد اليه ؛ لان العمامة لا تدل على ما تدل عليه (التيجان) فهي البأس عز وشرف، وهي تدل على السيادة والمنزلة العالية والمعمم - عند العرب - هو السيد الذي يقصده الناس، ليكون معيناً لهم في أمورهم، وهذه من علامات الرفعة والتواضع.

في حين أن (التاج) مقترن بالفخر والكبر، والزّهو وهذه الأمور بعيدة عن التواضع والقرب الى الملك والاستعلاء، وهو ما ناسب المقام الذي تحدث فيه الإمام الذي أحسه من خطاب هذين الرجلين له، ودعوتهم اليه بالبيعة وأحسب أن استعمال الإمام لمفردة (تيجان) بصيغة الجمع بدلاً من مفردة (تاج) يناسب حال مَنْ دعاه الى طلب الخلافة، لانهما كانا يتمثلان الملك والدعوة اليه دون ان تكون غايتها الدعوة الى ارجاع الحق في الخلافة الى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكأنهم يدعونه الى البيعة بغضاً بغيره، وازدراء له في اخذه الخلافة، وهو من غير بني هاشم. ولهذا منع الإمام من الدعوة في اخذه الخلافة، وهو من غير بني هاشم. ولهذا منع الإمام من الدعوة الى الافتخار والدعوة الى المنافرة والفرقة، مستعيراً لفظة (تيجان) التي تدل على ما يعظم به قدر الانسان من جهة ملكه الى توظيفها فيما يعظم به المرء من الافتخار وذكر القديم (7).


1) المنافرة التفرّق : ينظر لسان العرب (نفر) : 224/5.

2) نهج البلاغة : خ / 5 : 35.

3) نفسه : خ : 35.

4) شرح نهج البلاغة (ابن ابي الحديد) : 29/1.

5) الآجن الماء المتغير الطعم واللون. ينظر : لسان العرب (أجن) : 8/13.

6) نهج البلاغة : خ / 5 : 35، 36.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن ابي الحديد) : 1/ 206 وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 189/1، 190.

جواهر

الجَوْهَر معروف، وهو كل حَجرٍ يُسْتَخْرَج منه شيء يُنْتَفَع به (1). وجَوْهَر كُلِّ شيء ما خُلِق عليه أو جِبِلَ (2).

ومفردة (جَوَاهِر) من ألفاظ نهج البلاغة التي وردت فيه مرة واحدة (3)، دالة على الجَوْهر الذي خُلِق عليه الإنسان وجِبِلَ، وهو مَعْدِنه وأَصلُه. وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يذكر فيه موضع اختبار الإنسان وبيان أصله. إذ يقول : ((فِي تَقَلُّبِ الْأَحْوَالِ عِلْمُ جَوَاهِرِ الرِّجَالِ)) (4). يريد (عَلَيهِ السَّلَامُ): أن تقلب أحوال الدُّنيا وتصرفها على المرء كَرِفْعَتِه بعدما كان وَضِيعاً قليل الشأن، وبالعكس، ونزول الشدائد به. يُفيدُ العِلْمَ بأحواله ومعدنه وما فيه من خَيْرٍ أو شَر، وجَلَادة وضَعْف، وفَضِيلَة أو رَذِيْلَة (5)، فيكون مَحَكَاً لجواهرهم وأصولهم

حِجْلَها

الحِجْل بالفتح والكسر الخَلْخَال (6). وهو ضرب من الزينة التي تُطِيْف بالسَّاقِ (7). وهو من حلي النساء (8). وأصْلُ (الحِجْل) في اللغة هو القَيْدُ (9). وهو ما تقيَّدُ به الدَّابَّةُ أو الإنسان، والحَجْل - بالفتح - مَشْي المُقَيَّد (10). ولذلك قيل : ((القُيُود حُجُول الرّجال، والحُجُول لرَبّات الحِجال))(11). أي : القيود خَلاخِيل الرجال، والخَلاخيل للنّساء أصلاً (12). وتجمع لفظة (حِجْل) على (أَفْعَال)، و(فُعُول)، فيقال : (أَحْجَال)،


1) ينظر : العين (جهر) : 3 / 39، ولسان العرب (جهر) : 4 / 152.

2) نفسه.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 97.

4) نهج البلاغة : قصا / 217 : 642.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 454/5، والديباج الوضي : 2887/6.

6) ينظر : العين (حجل) : 79/3، وتهذيب اللغة (حجل) : 4 / 88.

7) ينظر : مقاييس اللغة (حجل) : 140/2.

8) ينظر : كفاية المتحفظ في اللغة : 1/ 56.

9) ينظر: تهذيب اللغة (حجل) : 4 / 88، وتاج العروس (حجل) : 28 / 281.

10) ينظر : تهذيب اللغة (حجل) : 4 / 88.

11) تاج العروس (حجل) : 28 / 281.

12) تاج العروس (حجل) : 28 / 281.

وقد استعمل الإمام لفظة (حِجلها) بصيغة المفرد مرة واحدة في نهج البلاغة، للدلالة على الخلخال الذي تلبسه المرأة في رجلها للزينة. وذلك في سياق كلامه الذي يستنهض فيه الناس لقتال المغيرين من أصحاب معاوية على الأنبار (1). يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((أَلَا وَإِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَيْلًا وَنَهَاراً، وَسِرّاً وَإِعْلَاناً وَقُلْتُ لَكُمُ اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ، فَوَاللّه مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا، فَتَوَاكَلْتُمْ (2)وَتَخَاذَلْتُمْ حَتَّى شَنَّتْ عَلَيْكُمُ الْغَارَاتُ، وَمُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الْأَوْطَانُ وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَة وَالآخرى الْمُعَاهِدَةِ، فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا، وَقُلُبَهَا، وَقَلَائِدَهَا وَرُعْثَهَا، مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلَّا بِالِاسْتِرْجَاعِ وَالِاسْتِرْحَامِ...))(3). والنّص يحتفل بذكر المفردات الدالة على زينة المرأة ؛ فقد أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يظهر ماجرى على هؤلاء النسوة من سَبْيِ وَسَلْبٍ ونَهْبٍ، لاستثارة الناس وتحريك هممهم والنهوض لردّ غارات معاوية وجنده على المدن والأمصار التي تقع تحت حكم الإمام. ولهذا وصف ورود خيل الأمويين على مدينة (الأنبار) وقتل واليها وما جرى على المسلمات والمعاهدات من سَلْبٍ مؤكداً على هذه المسألة ليظهر للمخاطبين أنّ هم اهل الشام القتل وتدمير البلاد وسَلْبِ النُّسوة الضعيفات والاستقواء عليهن. في حين أنّ الذين يخاطبهم يتواكلون على بعضهم البعض الآخر، بسبب تَفَرُّقِهم عن حَقَّهم، واجتماع أولئك على باطلهم.

أقول : ويظهر النّص الحال التي كان عليها الإمام من قعود أصحابه عن استرجاع حقوقهم، وما يراه من هَتْكِ للمسلمات والمعاهدات، وهو ما يَجْلب الهم والحزن له.

رُعُثَها

الرعاث –عند الخليل - ضَرْب من الخرز والحلي (4). و هي الأقراط وكل مغلَاقٍ يُعَلَّق في الأُذُنِ (5)، وهو من حلي النساء (6). و تَرَعَّثَت المرأة إذا تَقَرَّطَت (7). وقد سُمِّيت القلادة - عند بعض اللغويين - رِعْثا أيضاً (8). والظاهر أنّ أصل هذه المفردة مأخوذ من (رِعْثَة الدِّيْك)، وهي عُثْنونُه النّاتِئُ تحت مِنْقاره ، وهو لِحْيَتُه (9).

وقد وردت لفظة (رُعُثَهَا) بصيغة الجمع على (فُعُل) مرة واحدة في نهج البلاغة، دالة على الأفراط التي تَتَزَيَّن بها المرأة في أُذنَيْها. وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق استنهاضه همم الناس لصدّ غارات الشامِيِّين على الأمصار والمدن التي تقع تحت حكم الإمام. يقول أمير المؤمنين : ((وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ


1) الأنبار، عند المصنفين في البلدان، أنباران ؛ الأولى تقع قرب (بلخ)، وهي قصبة ناحية جوزجان، وتقع على الجبل، ولها مياه وكروم وبساتين كثيرة. والثانية الأنبار التي تقع على الفرات غربي بغداد، وبينهما عشرة فراسخ. وكان (الفرس) يسمونها (فيروز سَابُور)، نسبة الى أول من عمرها، وهو (سَابُور بن هرمز ذو الأكتاف). وجددها (أبو العباس السفاح) الذي بنى فيها قصوراً، وأقام فيها الى أن مات. وقيل : إنّها سمّيت بذلك، لأنّه كان يجمع فيها (أنابير) الحنطة والشعير والقت والتين. ينظر : معجم البلدان : 1/ 257.

2) تواكلهم : أي أتكل كل واحد منهم على الآخر. ينظر : لسان العرب (وكل) : 735/11.

3) نهج البلاغة : خ / 27 : 61، 62.

4) ينظر : العين (رعث) : 2/ 106.

5) ينظر : جمهرة اللغة (رعث) : 11312، وتهذيب اللغة (رعث) : 2/ 196.

6) النهاية في غريب الحديث : 2 / 234، ولسان العرب (رعث) : 152/2.

7) ينظر : لسان العرب (رعث) : 152/2.

8) ينظر : لسان العرب (رعث) : 152/2.

9) ينظر : تاج العروس (رعث) : 5 / 259.

عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَالْأخرى الْمُعَاهِدَةِ، فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا، وَقُلْبَهَا، وَقَلَائِدَهَا وَرُعْثَهَا، مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلَّا بِالِاسْتِرْجَاعِ وَالِاسْتِرْحَامِ...)) (1). ولفظة (رُعُثَهَا) لفظ جمع على وزن (فعل) وظفَها الإمام، للدلالة على الأقراط التي تلبس في أذان المرأة، بوصفها مما تتزيّن به النّساء. وخص الإمام هذه المفردة بالأقراط دون (القلائد)، التي أدخلها بعض اللغويين ضمن ما تدل عليه لفظة (رُعُث) (2)، وذلك على سبيل التوسع في دلالة اللفظة.

وثَمة رواية في مفردة (رُعُثَهَا)، نقلتها بعض شروح النّهج، فقد رُوِيَت المفردة بصيغة (رِعَاثَها)(3). على زِنَةِ (فِعَال) من أبنية القِلَّة كأن هذه الرواية توحي بعدد هذه الأقراط التي توضع في الأُذُنين، فأقل شئ تتزيّن به المرأة، هي هذه الرّعاث. وفي ذلك إشارة إلى ضعف حال هؤلاء النسوة وفقرهن، بحيث أن الغزاة لم يبقوا لهن حتى هذه الأقراط القليلة القيمة، أمّا لفظة (رُعُثَهَا)، فإنها جمع بوزن (فعل)، وبناء من أبنية الكثرة، واستعماله في السياق المتقدم يرجع - فيما أحسب - إلى أنّ النّسوة اللواتي سُلِبْن كُنَّ من الكثرة بحيث زاد ما سُلب من حِلِيهِنَّ ومصوغاتِهِنَّ، فلم يُبقي الأعداء لهنّ حتى الأقراط التي غالباً ما تكون تحت خُمُرهن، ولهذا استعملت لفظة (رُعُثَهَا) ببناء الكثرة، للدلالة على كثرة ما انْتُزع من النساء من أقراط وجواهر.

زمردة

الزُّمُرُّذ - بالذُّال - ضَرب من الجواهر معروف (4). وقيل : هو الزَّبَرْجَد (5). وقد ذكره اللغويون بالذال (6)، وقيل بل هو بالدَّال المُهْمَلَةَ (7). وأجاز بعض اللغويين الوجهين معاً (8). والزُّمُرُّد من الألفاظ المعرّبة (9)، وأنّ الزَّبَرْجَد هو تعريب الزُّمُرُّزُ (10). وقد ضَبَط الجواليقي مفردة (الزمرد) عند كلامه عليها، قائلاً : ((الزِّمَّرْدَة بِكَسر وفَتْح الميم... أعجمي معرّب، وهو وصف للمرأة التي تُشبه الرّجال في الخَلْقِ والخُلُق...)) (11).

وقد وردت لفظة (زُمُرُّدة) مرّة واحدة في نهج البلاغة (12)، دالّة على حجر الزمرد المعروف. وذلك في سياق كلامه على (الكعبة المقدّسة) واختيارها بأؤعر بقاع الأرض، وكونها من الحجارة المعروفة. يقول الإمام


1) نهج البلاغة : خ / 27 : 62.

2) ينظر : لسان العرب (رعث) : 152/2.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 1/ 249، والديباج الوضي : 301/12، ونهج البلاغة (عبده) : 1/ 65، ونهج البلاغة، تحقيق السيد هاشم الميلاني: 120.

4) ينظر : لسان العرب (زمرد) : 493/3 .

5) نفسه.

6) ينظر : تاج العروس (زمرد) : 415/9.

7) نفسه.

8) نفسه.

9) ينظر : تاج العروس (زمرد) : 415/9.

10) نفسه.

11) المعرب : 216.

12) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 202.

: ((وَلَوْ كَانَ الْإِسَاسُ الْمَحْمُولُ عَلَيْهَا وَالأحجار الْمَرْفُوعُ بِهَا بَيْنَ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ وَيَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ وَنُورٍ وَضِيَاء لَخَفَّفَ ذَلِكَ مُصَارَعَةَ الشَّكٌ فِي الصُّدُورِ وَلَوَضعَ مُجَاهَدَةَ إِبْلِيسَ عَنِ الْقُلُوبِ...)) (1).

وقصد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ اللّه تبارك وتعالى لو أراد أن يجعل أساس بَيْتِه الحرام من الزُمُرُّد الأَخْضَرِ واليَاقُوت الأحمر وهما من الأحجار الكريمة النفيسة المنيرة، لَفَعَل ذلك ولأدّى إلى زوال شَكٍّ النفوس في أن له بيتاً وأنبياء يحملون تعاليمه إلى الناس ؛ فرؤية الناس، ولاسيما الجاحدون منهم، الكعبة الشريفة مبنيةً من حجارة معروفة لديهم ليست ذات قيمة، فضلاً عن رؤيتهم الأنبياء بحال من الفقر والمسكنة وتواضع العيش وجشوبته، يعزز فيهم هذا المعنى ؛ لأنهم يتصوّرون أنّ الأمور المرتبطة باللّه تبارك وتعالى ينبغي أن تكون من أُثْمَنِ الأَشياء فينبغي على أنبيائه أن يكونوا من أغْنَى الناس وأحسنهم حالاً في الأمور المادية، وفاتهم أن ذلك يخالف أرادة اللّه الذي تكون عِزَّة بَيْتِه الحرام وعزّة أنبيائه ورسله مرتبطة بتواضع الحال وقلة المادة، ولهذا كان الأنبياء أكثر الناس فقراً وشظفاً في عيشهم، وكان بيته الحرام الذي جعله مثابةً للناس من أحجار معروفة لدى الناس، وليست من تلك الجواهر الثمينة الخضراء والحمراء. وقد بيّن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) العِلّة في ذلك بقوله : ((وَلَكِنَّ اللّه يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ وَيَتَعَبَّدُهُمْ بِأَنْوَاعِ الْمَجَاهِدِ وَيَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ الْمَكَارِهِ إِخْرَاجاً لِلتَّكَبُرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَإِسْكَاناً لِلتَّذَلُّلِ فِي نُفُوسِهِمْ...)) (2). فإنّه (جل جلاله) لم يَجْعل الكعبة المقدسة قائمة على (الزمرد واليَاقُوت) لكى تلهى الناس بجمالها، وتجعلهم يقصدونها انبهاراً بما فيها، ولكنه جعلها بهيأتها المعروفة ؛ ليكون أعلى همهم أن يقصدوا اللّه في بيته، ويؤدون شعائرهم طاعة له وابتغاء لرضوانه.

أقول : أما أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) خص (الزُمُرّد والياقوت) بالذكر - هنا - دون غيرهما من الأحجار الكريمة، فذلك راجع - كما يبدو - إلى منزلة هذين الجوهرين على غيرهما من الجواهر، فالزمرّد من أجل الأحجار الكريمة فضلاً عن لَوْنَه الأَخَّاذ الجميل، وقد ذُكر أنّه كُلّما ازدادت خُضْرَتُه، ازدادت جَوْدَتُه وصَفَاؤه (3). ولهذا وظف أمير المؤمنين هذا الحجر مع ذكر لَوْنِه ؛ ليدل فيما يبدو - على أنّ اللّه (جل جلاله) لا يُعْجِزه أَن يَجِيء بأَجود الأحجار الكريمة وأصفاها لوناً، لتكون أُسَّاً للكعبة المقدسة ومرتكزاً وأما (الياقوت)، فهو من أكثر المعادن صلابَةً بعد المَاسِ، وهو ذو لَوْنِ مُشرَّب بالحُمْرَةِ (4). وقصد به الإمام الإشارة إلى قوة أساس الكعبة فيما لو جعله أساساً لها.

أسَاوِرة

السّوار سِوَار المرأة (5)، وهو القُلب، بضم فسكون، الذي تستعمله المرأة في يديها (6). ويصنع هذا النوع من الحلي من الفضة غالباً.(7). وتسميته مأخوذة من الاستدارة والإحاطة بالشيء فيما يبدو. فالسّوّار هو الرجل الذي


1) نهج البلاغة : خ / 192 : 370.

2) نهج البلاغة : خ / 192 : 370.

3) ينظر : المعجم الوسيط : 1/ 830، وألفاظ الحضارة في القرن الرابع الهجري (دراسة في ضوء مروج الذهب للمسعودي) / د. رجب عبد الجواد أبراهيم : 206.

4) ينظر : المعجم الوسيط : 2/ 1056.

5) ينظر : العين (سو) : 7/ 289، وتهذيب اللغة (سور) : 13 / 37، ولسان العرب (سور) : 387/4.

6) ينظر : تاج العروس (سور) : 12/ 103.

7) نفسه.

يسور في رأسه الشَّراب (1)كأنما يحوطه ويدور عليه و ذكر الزَّبيدي أنّ مفردة (السوار) من الألفاظ الفارسيّة المعرّبة، وهي بالفارسية (دِسْتوار) (2). وتجمع هذه اللفظة على (سُوُر، و أَسْوِرَة، وأَسَاوِر) (3).

ولفظة (أَسَاوِرة) من ألفاظ نهج البلاغة التي استعملت فيه مرة واحدة (4)، للدلالة على السوار المصنوع من الذهب الذي يُلْبَس في اليَد. وذلك في قول الإمام الذي يتحدث فيه عن موقف (فرعون) مع النبي (موسى و هارون) (عليهما السلام)، لما دخلا عليه وعليهما مدراع الصوف وبأيديهما العصيّ، فقال فِرْعَوْن – كما ينقل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مقالته : ((أ لَا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَيْنِ يَشْرِطَانِ لِي دَوَامَ الْعِزَّ، وَبَقَاءَ الْمُلْكِ، وَهُمَا بِمَا تَرَوْنَ مِنْ حَالِ الْفَقْرِ وَالذُّلّ، فَهَلًا أُلْقِيَ عَلَيْهِمَا أَسَاوِرَةً مِنْ ذَهَبٍ، إِعْظَاماً لِلذَّهَبِ وَجَمْعِهِ وَاحْتِقَاراً لِلصُّوفِ وَلُبْسِهِ...)) (5). فجعل (فِرْعَون) القاء (أَسَاوِرَة الذَهَب)، علامة للغنى والملك ونقيضاً لحال الفقر والذلة وخُصّت (الأَسَاوِر) بالذِّكر دون غيرها من ألفاظ الزينة ؛ لأنها - كما يبدو - رمز للغنى وأثر من آثاره التي تبدو على لابسه، ولاسيما إذا كان من الذَّهب. إذ كان من عادة الرجال التَّزين بهذه الأساور يومذاك، حتّى كان علامة فارقة فيهم، بخلاف الصوف الذي يعدّ شعاراً للفقر. وهو ما حمل (فِرْعَوْن) على الاستكبار على النبي (موسی و هارون) (عليهما السلام)، وإظهار الاحتقار لهما (6). والملاحظ استعمال مفردة (أسَاوِرَة) بصيغة اسم الجنس، لبيان الفخامة وحال الثَّراء والترف والغنى الذي توحي به المفردة المتقدمة، فضلاً عن الإشارة إلى كونها من مظاهر الملك والسلطة (7). ويحتمل أن يكون إيثار هذه الكلمة ببنائها المتقدم راجع إلى فَرَادَتِها وتميزها عن بقيّة ألفاظ الجمع الخاصة بهذه المفردة، فبناء (أساورة) يمكن أن يجذب ذهن لذهن السامع ويجعله يقف عنده متأملاً الموقف موازناً بين حال التواضع والكفاف الذي يمثله النبي (موسی و هارون) (عليهما السلام)، وحال التكبر والغنى، والميل إلى جمع الذهب والفضة والجواهر وكنزها بوصفها السبيل إلى المُلْكَ والنَّسَلَّط. وقد ذكر أنّ هؤلاء القوم كانوا إذا سوّدوا رجلاً طوقوه بسوار من الذهب، للدلالة على ملكه (8). وهذا الموقف يمثله (فرعون) وملئه.

أقول : وقد استعمل القرآن الكريم لفظة (أَسْوِرَةُ) في القصة نفسها التي ينقلها الذكر الحكيم في موقف ملوك

فالنبي (موسى) (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع (فِرْعَون). إذ يقول تبارك وتعالى: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ


1) ينظر : العين (سور) : 289/7.

2) ينظر : تاج العروس (سور) : 12/ 103.

3) ينظر : جمهرة اللغة (سور) : 2/ 1065.

4) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 229.

5) نهج البلاغة : خ/ 192 : 367.

6) ينظر : المحرر الوجيز : 159/5.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 4/ 161.

8) ينظر : تفسير البيضاوي : 148/5.

ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ) (1). وقد ذكر المفسرون أن قوله (أَسْوِرَةٌ) تدل على مقاليد المُلْك والحكم (2). وقد ذكر أنّ هؤلاء القوم كانوا إذا سوّدوا رجلاً طوقوه بسوارٍ من الذهب، للدلالة على ملكه (3). فكأنّ المفردة المتقدمة تمثل ضرباً من الدلالة على السلطة والإمارة، فهي بمنزلة التاج الذي يضعه الملوك فوق رؤوسهم علامة على ملكهم وسلطانهم.

عَسْجَدِيَّة

العَسْجِدِ الذَّهَبِ(4). وقيل : العَسْجَدُ اسم جامع للجَوْهَرِ كُلُّه من الدُّرّ والياقوت (5). و العَسْجَدِيَّةُ هي الإبل التي تحمل الذَّهَبَ (6).

واستعمل الإمام لفظة (عَسْجَدِيَّةً) مرة واحدة في كلامه الوارد في نهج البلاغة (7)، وذلك للدلالة على صفرة الذهب ولونه. في سياق وصفه شعر الطاووس. إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((... وَإِذَا تَصَفَّحْتَ شَعْرَةً مِنْ شَعَرَاتِ قَصَبِهِ أَرَتْكَ حُمْرَةً وَرْدِيَّةً وَتَارَةً خُضْرَةً زَبَرْجَدِيَّةً وَأَحْيَاناً صُفْرَةً عَسجَدِيَّةً)) (8). والملاحظ في النص شيوع ألفاظ الألوان فيه، فألفاظ (حُمْرَة، ووَرْدِيَّةً، وخُضْرَة، وصُفْرَة)، كلّها إشارة إلى الوان ريش هذا الطائر المتعدّدة التي تُحِيْلُه إلى حديقة غَنّاء. وقد أكد الإمام بذكره لوني (الخُضْرَة، والصُفْرَة) أنها الوان ناشِئَةٌ من أحجار كريمة، فالخُضْرَةِ لَون يَمْتَاز به حجر (الزَّبَرْجَد) الذي كلما ازداد خضرة كلما زاد نقاءً وجودةً، ولهذا وصف الإمام الخُضْرة إلى الزَّبَرجد على جهة النَّسَب اليه، إشارة إلى كون خُضْرة ريش الطاووس مَنْسُوبَة، أو مأخوذة من الزَّبَرجد الذي كأنما يُرّصع ريشه، وكذلك الصُّفْرة التي تزدهي بها قَصَابَاته، فإنها صُفْرة العَسْجَد، وهو الذَّهب. وذكر شُرّاح النهج أنّ الخُضْرة والصُفْرَة مَنْسُوبتان إلى هذه الأحجار، فالخضرة منسوبة إلى الزُّمُرّد والصُفْرَة إلى العَسْجَدِ، وهو الذَّهَبُ (9).

فُصُوص

الفَصُّ للخاتم (10)، وهو ما يُلْصَق به (11). من زينة. وإنما قيل له فَصُّ ؛ لأنه ليس من نفس الخاتم بل هو مُلْصَقٌ به (12). وفَصُّ الأمر أصله وحقيقته وكُنْهُه (13). وأصل الفصّ - في اللغة - مَفاصِل ركبة الفرس فكل ملتقى عظمين منه، فهو فَصِّ (14).


1) الزخرف / 51-53.

2) ينظر : تفسير البيضاوي : 148/5.

3) نفسه.

4) ينظر : لسان العرب (عسجد) : 3/ 290.

5) نفسه.

6) ينظر : تاج العروس (عسجد) : 3/8.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 303.

8) نهج البلاغة : خ / 165 : 299.

9) ينظر: شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 9/ 212، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 666/3.

10) ينظر : لسان العرب (فصص) : 66/7، وتاج العروس (فصص) : 18/ 72.

11) ينظر : مقاييس اللغة (فص) : 440/4.

12) ينظر : لسان العرب (فصص) : 66/7.

13) نفسه.

14) نفسه.

وجاءت لفظة (قُصُوص) مرة واحدة في نهج البلاغة (1)، بصيغة الجمع على (فُعُول)، للدلالة على ضَرْب من الحَلِي المُلونة التي شبّه بها الإمام جمال خلقة الطاووس. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): (وَإِنْ شَاكَلْتَهُ بِالْحُلِيِّ فَهُوَ كَفُصُوصٌ ذَاتِ أَلْوَانِ قَدْ نُطْقَتْ بِالنُّجَيْنِ المُكَلَّلِ نُطَقَتْ بِالنُّجَيْنِ المُكَلَّلِ...)) (2). والمشاكلة - هنا - التشبيه. أي أنه إذا شُبِّه بالحُلِيِّ، فإنّه يبدو كَفُصُوْصٍ ملونة جعلت في نطاق من اللُّجَينِ، وهو الفِضة المُكلَّلة بالجواهر والحُلي التي يُزَيِّن بعضها البعض الآخر. ويلحظ أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسّع - في هذا السياق - من دلالة مفردة (قُصُوص) وجعلها تدل على فصوص الجواهر التي يُصنع منها نطاق الفِضة الذي يُتَزَيَّن به. فكأنما هذه الفُصوص أشبه بحدقات العيون التي تُسَمَّى فصوصاً أيضاً (3). فضلاً عن ألوانها المتعددة التي تضفي عليها بريقاً وجمالاً.

فلز

الفلز، بكسر فسكون، النحاس الأبيض الذي تُصنع منه القُدُور العِظام (4). وذكر أبو عبيد القاسم بن سلام (ت 224هـ) أن الفِلِزّ لفظ يُطِلَق على جواهر الأرض من الذهب والفضة والنُّحاس وأشباه ذلك (5). وقيل: بل هو خَبَث ما أُذِيْبَ من الذهب والفضة والحديد وما يُنْفِيهِ الكِيْرُ مما يذاب من جواهر الأرض (6).

وقد استعمل الإمام لفظة (فِلِزّ) في كلامه الوارد في نهج البلاغة مرة واحدة (7)، للدلالة على جَوْهَر الفِضَّة والذَّهَب وهو أصلها الذي يؤخذ منه. وذلك في سياق وصف اللّه تبارك وتعالى وجوده وكرمه. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((...وَلَا كَانَ فِي مَكَانٍ فَيَجُوزَ عَلَيْهِ الانْتِقَالُ وَلَوْ وَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ وَضَحِكَتْ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبحَارِ مِنْ فِلِنّ اللُّجَيْن وَ الْعِقْيَانِ وَ نُثَارَةِ الدُّرْ وَحَصِيدِ الْمَرْجَانِ مَا أَثَرَ ذَلِكَ فِي جُودِهِ...)) (8).

ويَنُصّ القول المتقدم على أنّ مفردة (فِلِزّ) - هنا - تدل على جوهر (اللُّجَيْنِ والْعِقْيَانِ)، وهما الفِضَّةِ والذَّهب الذي ينبت نباتاً وليس مما يذاب من الحجارة.(9). وقد أطلق الإمام تسمية (الفِلِزّ) على هذين المعدنين، في أن اللغويين يذهبون إلى عدّ (الْعِقْيَانِ) من الذهب الذي ينبت نباتا، أو يخرج من الأرض دون إذابة. وبحسب هذا تكون مفردة (فِلِزّ) دالة على أصل كل شيء من جواهر الأرض من الفِضَّة والذَّهَب والنُّحَاسِ والآنَك (10). ولكنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قيد دلالتها، بجعلها خاصة بالفِضَّة والذَّهَب. ويُلمس في المفردة المتقدمة دلالتها على الشِّدَّة


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 351.

2) نهج البلاغة : خ / 165 : 299.

3) ينظر : لسان العرب (فصص) : 66/7.

4) ينظر : العين (فلز) : 368/7، وتهذيب اللغة (فلز) : 13 / 147.

5) ينظر : تهذيب اللغة) فلز) : 13 / 147.

6) ينظر : مقاييس اللغة (فلز) : 451/4، ولسان العرب (فلز) : 5/ 392.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 356.

8) نهج البلاغة : خ / 91 : 149، 150. وقد نقلت المدونات المعجميّة كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المتقدم. ينظر : لسان العرب (فلز) : 392/5.

9) ينظر : العين (عقي) : 2/ 178.

10) ينظر : معارج نهج البلاغة : 401/1.

والصلابة والقوّة أيضاً. ولعله الإمام أراد الإشارة إلى قوة هذين المعدنين وجودة صلابتهما، علاوة على نفاستهما أيضاً فجاء بالمفردة المتقدّمة لبيان ذلك، حتّى أنّ العرب كانت تصف الرّجل الشديد القوي بأنّه (فِلِزّ)، دلالة على شِدَّتِه وغلظته (1).

قُلْبَها

القلب سوار المرأة (2).

وقد وردت لفظة (قُلْبَها) مرّة واحدة في نهج البلاغة (3)، للدلالة على السوار الذي تَتَزَيَّن به المرأة، وذلك في قول أمير المؤمنين الذي يتحدث فيه عن غزو اهل الشام للمدن التي تقع تحت حكم الإمام. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَالآخرى الْمُعَاهِدَةِ، فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا، وَقُلْبَهَا وَقَلَائِدَهَا وَرُعُثَهَا، مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلَّا بِالِاسْتِرْجَاعِ وَالِاسْتِرْحَامِ...)) (4).

قلائدَهَا

القِلَادَة ما جُعِل في العُنُقِ من الحُلْي و الأوسمة ونحوها (5). وهم يستعملون ذلك في الزينة التي تختص بها المرأة. وربّما كانت هذه القلادة للحيوان أيضاً (6)، فقد كان من عادة العرب أن تُقلَّد الدواب ؛ فَيُعلِّقون في عُنُقِ البُدْنِ عُرُوةَ مِزادة، أو خَلَقُ نَعْلٍ، لِيُعْلَمَ أَنَّها هَدْي (7).

ولفظة (قَلَائِدَها) من ألفاظ نهج البلاغة التي استعملت فيه مرة واحدة (8)، للدلالة على القلائد التي تَلْبَسها المرأة في عُنُقِها مُتَّخِذَةً منها زينة لها. وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَالآخرى الْمُعَاهِدَةِ، فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا، وَقُلُبَهَا، وَقَلَائِدَهَا وَرُعُثَهَا، مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلَّا بِالِاسْتِرْجَاع وَالِاسْتِرْحَامِ...))(9).

كَبَائس

الكَبَائِس جمع كبَاسَة، وهي عِذْق النَّخْلَة التّامِ بِشَمَارِيخه ورُطَّبِه (10). وهو من التَّمْر بمنزلة العُنْقُود من العنب (11).


1) ينظر : لسان العرب (فلز) : 5/ 392.

2) ينظر : المحكم (قلب) : 424/6، ولسان العرب (قلب) : 688/1.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 379.

4) نهج البلاغة : خ / 27 : 62.

5) ينظر : لسان العرب (قلب) : 366/3، والمعجم الوسيط : 2/ 754.

6) لسان العرب (قلب) : 366/3.

7) ينظر : تهذيب اللغة (قلب) : 9/ 47.

8) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 379.

9) نهج البلاغة : خ / 27 : 62.

10) ينظر : العين (كبس) : 316/5، ولسان العرب (كبس) : 291/6.

11) ينظر : لسان العرب (كبس) : 291/6.

ومفردة (كَبَائس) من ألفاظ نهج البلاغة التي استعملت فيه مرة واحدة (1)، دالّة على عذُوق اللُّؤْلُؤ تشبيهاً لثمار أشجار الجَنَّة بِعُذُوقِ من اللؤلؤ والأحجار الكريمة. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق وصف الجَّدَة ((فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَمَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا، لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إلى الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا وَفِي تَعْلِيقِ كَبَائِسِ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ فِي عَسَالِيجِهَا (2)وَأَفْنَانِهَا (3))) (4). ويصف النّص ذُهول الإنسان عمّا في الدنيا، وتفكره في أشجار الجَنّة التي تزدهي بما لا عين رأت ولا أذن سمعت. فكأنّ عُذُوق أشجارها كعذوق لؤلؤ رَطْبٍ تنمو في غصونها وأفنانها. وفسّر الشريف الرضي مفردة (كَبَائس) في قول الإمام بـ(العِذْوق) عاداً إيّاها من الألفاظ الغريبة في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ)(5). ومال أغلب شُرَّاح النهج إلى هذا الوجه(6)، الا الشارح البحراني الذي عدّ مفردات : (اللؤلؤ الرّطب، والثَّمار)، ومتعلقاتها ومنها لفظة (كبائس)، استعارات لما يفيض من الملائكة من العلوم والكمالات. جاعلاً ذلك من باب التأويل والمجاز الذي يمكن أن يحتملها النّص(7). ويبدو ذلك غير مناسب للسياق الذي يصف فيه الإمام الجَنّة وما فيها أشجار وثمار التي دعا إلى التَّفكر فيها والتَّبَصُّر بأحوالها ترغيباً فيها وحثاً إلى الوصول اليها، مؤكداً ذلك بقوله : ((فَلَوْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ بِالْوُصُولِ إِلى مَا يَهْجُمُ عَلَيْكَ مِنْ تِلْكَ الْمَنَاظِرِ الْمُونِقَةِ ؛ لَزَهِقَتْ نَفْسُكَ شَوْقاً إِلَيْهَا، وَلَتَحَمَّلْتَ مِنْ مَجْلِسِي هَذَا إِلى مُجَاوَرَةِ، اهل الْقُبُورِ اسْتِعْجَالًا بِهَا)) (8). وتُظهر عبارة (الْمَنَاظِرِ الْمُونِقَةِ) جمال المناظر التي تزدهي بها الجنّة. والمنظر في اللغة هو الشيء الذي يُعْجِب النّاظر، إذا نظر اليه (9).

المُكَلّل

الإكليل هو كل ما احتف بالشيء من جوانبه (10). والإكليل شبه عصابة مزينة بالجواهر (11). والعرب تسمّي التّاج إكليلاً (12). وكلّله. أي: ألبسه الإكليل (13).

وقد وردت لفظة (المُكلّل) مرة واحدة في نهج البلاغة (14)، للدلالة على نطاق الزينة المكلل باللجين والجواهر. وذلك في سياق كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ)عن الطاووس بقوله : (وَإِنْ شَاكَلْتَهُ بِالْحُلِي فَهُوَ كَفُصُوصٌ ذَاتِ أَلْوَانِ


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 393.

2) العُسلوج الغصن الناعم. ينظر : لسان العرب (عسلج) : 2/ 324.

3) الفنن الغصن المستقيم من الشجر. ينظر : لسان العرب (فنن) : 13 / 327.

4) نهج البلاغة : خ / 165 : 300. وقد نقلت المدونات المعجمية قول الإمام المتقدم. ينظر : لسان العرب (كبس) : 291/6.

5) نهج البلاغة : خ / 165.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 9/ 213، 214، والديباج الوضي : 3/ 1382.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 669/3.

8) نهج البلاغة : خ / 165 : 301.

9) ينظر : العين (نظر) : 155/8.

10) ينظر : لسان العرب (كلل) : 594:11.

11) نفسه.

12) ينظر : لسان العرب (كلل) : 11 : 594، وتاج العروس (كلل) : 30/ 347.

13) ينظر : لسان العرب (كلل) : 594:11.

14) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 402.

قَدْ نُطْقَتْ بِاللُّجَيْنِ المُكَلَّلِ)) (1). وتبدو دلالة لفظة (المُكَلَّلِ) متآزرة مع بقية مفردات النص، موحية أنّ نطاق اللُّجَيْنِ من الفضة كالعصابة التي يحتف بها هذا الطائر، فتطوّقه بما فيها من الوان منضدة تنضيداً عجيباً.

النُّوْلُوْ

اللؤلؤ الدُّر (2). وإنما سمي لؤلؤاً لضوئه ولمعانه (3)وهو يتكون في الأصداف من رواسب أو جوامد لمّاعة مستديرة في بعض الحيوانات المائية (4).

واستعملت لفظة (اللُّؤْلُؤ) مرّة واحدة في نهج البلاغة (5)، للدلالة على اللؤلؤ المعروف. وجاءت هذه المفردة في سياق كلامه عن الجنة وما فيها من روائع الأشجار والثّمار مشبها ثمارها بـ (كبائس اللؤلؤ الرطب). يقول (:(فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا، لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِع مَا أُخْرِجَ إلى الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا وَزَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا، وَلَذَهِلَتْ بِالْفِكْرِ فِي اصْطِفَاقٍ أَشْجَارِ غُيِّبَتْ عُرُوقُهَا فِي كُثْبَانِ (6)الْمِسْكِ عَلَى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا، وَفِي تَعْلِيقِ كَبَائِسِ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ فِي عَسَالِيجِهَا وَأَفْنَانِهَا، وَطُلُوعِ تِلْكَ الثَّمَارِ مُخْتَلِفَةً فِي غُلُفِ أَكْمَامِهَا (7)...)) (8). وقد جعل الإمام اللؤلؤ على هيأة عذوق، كأنّها عناقيد تطلع من غلف الأكمام التي ينتج فيها طلع النّخل. واللؤلؤ في هذا السياق كناية عن ثمار تلك الأشجار. ولعل وصف هذه الثمار باللؤلؤ، إنما جاء بجامع اللمعان الذي يتميز به الدّر، فضلاً عن منزلته بين الجواهر من حيث كونه ينتج أصلاً في البحار ناشئاً في أصداف تضمّه، فهي بهذا الوصف، كالأكمام بالنسبة لأكمام الشجر أو النخل، وهو ما تصوير تلك الثّمار بهيأة اللُّؤْلُو الرَّطْب. ووصف (اللُّؤْلُؤ) بـ (الرَّطْب) في هذا السياق يوحي بلينه ونعومته، فالرّطب في اللغة - نقيض اليابس، والرّطب النّاعم أيضاً (9). ويقال للروضة رطبة مادامت خَضراء (10). وبهذا تكون ثمار أشجار الجنة وعساليجها وغصونها كاللؤلؤ الرَّطّب النّاعم في روضة خضراء.

أقول : وتبدو لفظة (لؤلؤ) في كلام الإمام مميزة عن غيرها من المفردات، ليس لأنها من ألفاظ الجواهر إنما لأنها من المفردة ذات البناء الغريب حسبما ذكر ذلك ابن عطية الغرناطي (ت 541هـ) الذي ذكر غرابة بناء المفردة المتقدمة، مشيراً إلى أنّه لا يحفظ منه سوى خمسة أبنية في كلام العرب هي: ((اللؤلؤ، والجُوْجُؤ، والدُّوْدُؤ، واليُؤيؤ، والبُؤبؤ)) (11). وغرابة. هذا البناء منحت المفردة مزيّة في السياق المتقدم، وبخاصة أنها من


1) نهج البلاغة : خ / 165 : 297.

2) ينظر : لسان العرب (لألأ) : 150/1.

3) ينظر : تاج العروس (الألأ) : 411/1.

4) ينظر : المعجم الوسيط : 810/2.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 406.

6) كثبان جمع كثيب، وهو الرمل المستطيل المحدودب. ينظر : لسان العرب (كتب) : 703/1.

7) أكمام الزرع، غلفها التي يخرج منها. وأكمام النخلة ما غطى جمارها من السعف والجذع. ينظر : لسان العرب (كمم) : 12 / 526.

8) نهج البلاغة : خ / 65.

9) ينظر : لسان العرب (رطب) : 1 : 419.

10) نفسه.

11) ينظر : المحرر الوجيز 5/ 228.

الألفاظ التي استعملها القرآن الكريم في قوله تعالى: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) (1). وقد ذكر المفسرون أن المراد بـ (للؤلؤ) في الآية المباركة كبار الدّرّ (2).

المَرْجَانِ

المَرْجَانِ اللُّؤْلُو الصَّغَار (3). وذهب بعض اللغويين إلى أنّه اللؤلؤ العِظَامِ الكِبَار (4). وقيل : بل هو خَرَز أحمر (5)، وهو المشهور في عُرف الناس (6). فالمَرْجَان هو البُسذ، وهو جَوْهَر أحمر (7). والبُسَّد، بالدَّال أو الذَّالِ، هو أصل المَرْجَانِ عند اللغويين (8)، وهو ينبت في البحر، وليس في المعَادِنِ مايُشبِه النَّبات غيره (9). وقد نقل الفيومي (ت770هـ) أَنّ المَرْجَان هي عُرُوْق حُمْر تَطلع من البَحْر كأصابع الكفّ (10).

وقد استعملت لفظة (المَرْجَان) مرة واحدة في نهج البلاغة (11)، للدلالة على ضرب من الجواهر الكريمة الحمراء اللون التي تُعَدُّ نوعاً من صغار اللؤلؤ. يقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق وصف اللّه تبارك وتعالى وجوده وكرمه على الناس : ((... وَلَوْ وَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ، وَضَحِكَتْ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ مِنْ فِلِزّ اللُّجَيْن وَالْعِقْيَانِ، وَنُثَارَةِ الدُّرّ، وَحَصِيدِ الْمَرْجَانِ، مَا أَثْرَ ذَلِكَ فِي جَوْدِهِ، مَا أَثْرَ ذَلِكَ فِي جُوْدِهِ...)) (12). والسياق يشير إلى جُود اللّه تبارك وتعالى وكرمه في أنه لو وهب كل ما ضمته الجبال من معادن، وما حوته أصداف البحار من الفضة والذهب والدر والمرجان لما أثر في كرمه تعالى. وقد ذهب شُرّاح نهج البلاغة مَذْهَبين في بيان دلالة مفردة (المَرْجَانِ)، وهل هي من النبات أم من الجواهر التي تنشأ في أصداف البحار. فاختار بعضهم أن يكون (المَرْجَانِ) مما ينبت في قرار البحر، وعدّه شِبه شجرة ذات أغصان وأصول ينشَعِب بعضها من بعض، وهو يحصد حصاداً بالحديد، ويقوم بذلك غوّاصون، يُخْرِجُونه، ومن ثَمّ يُحلُّ على حجر أصمٌ (13). ولهذا ذهب


1) الرحمن/ 22.

2) ينظر : تفسير البيضاوي : 275/5.

3) ينظر : العين (مرجن) : 6 / 209، والمحكم (مرجن) : 423/7.

4) ينظر : تاج العروس (مرج) : 6 / 210.

5) نفسه.

6) نفسه.

7) ينظر : لسان العرب (مرج) : 2 / 366، و تاج العروس (مرج) : 6/ 210.

8) ينظر : تاج العروس (بسد) : 7/ 432.

9) نفسه.

10) ينظر : المصباح المنير : 2/ 567.

11) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 420.

12) نهج البلاغة : خ / 91 : 149، 150.

13) ينظر : معارج نهج البلاغة : 401/1.

الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى وصفه بـ (بالحَصِيد) ؛ لأنه شبه شجرٍ يحصد حصاداً. ويبدو هذا الوجه معتمد على حقيقة أنّ المرجان الذي يقال إنه مما ينبت في البحار.

وذهب الشارح ابن أبي الحديد (ت 656 هـ) إلى أن الإمام أراد بلفظ (المَرْجَانِ) صِغَارِ اللُّؤْلُو (1). وإنما وصفها بـ (الحَصِيد) ؛ كأنه أراد المُتبدِّد منه، كما يَتَبَدِّد الحَبِّ المَحْصود (2). وقد اتفق مع ابن أبي الحديد في هذا الوجه الشارح البحراني أيضاً (3). ويُفهم من كلام صاحب (الديباج الوضي) أن (المَرْجَانِ) ضرب من الدُّرّ ووصف الإمام له بـ (الحَصِيْداً) يعود إلى شكله وإحكامه وتقديره وتَدْوِيْره وتربيعه. فجعله نثارة مرة، ثم أحكم صُنْعَه في أخرى، وكل ذلك يخرج من البحار (4). وقد اعتمد الشارح في هذا الوجه على ما تفيده لفظة (حَصِيد) من دلالات، آخذاً منها الدلالة على الإحكام وجودة الصُّنْع، في قولهم : دِرْع حَصْدَاء. أي صَلِبَة شديدة مُحْكَمةٌ (5)وقولهم : اسْتَحْصد الحَبْل. إذا اسْتَحْكُم (6).

أقول : إنّ أصل (المَرْجَان) متعددة، ولكنّ الغالب فيه هو كونه نوع من الدُّرَّ بلون أحمر، وهو مما ينبت في بطون البحار ويحصد حصاداً، ورُبّما ابتعدت بنا أصول هذا النوع من الأحجار الكريمة إلى القول بأنه نوع من الحيوانات البحرية. كما يذكر مصنفو المعاجم الحديثة، الذين ذكرو أنَّ (المَرْجَان) جِنس حيواناتٍ بحريّةٍ من طائفة (المَرْجَانيات) التي لها هَيْكَل وكِلْس أحمر يُعد من الأحجار الكريمة (7). ويشير هؤلاء إلى تميزه عن الدُّرِّ بلونه الأحمر، فضلا عن طريقة تكوّنه التي تجعله نوعاً خاصاً من الأحجار، وتبعده عن كونه قسيماً للدُّرّ. وأمّا وصف الإمام له بأنه (حَصِيْد)، فيحتمل أنّه أراد حصاده على وجه الحقيقة، وهي الطريقة التي يجمع فيها هذا الحجر من البحر. وفي ذلك إشارة إلى أنّ (المرجان) نوع من النبات (8).

ويمكن أن يستفاد من إيحاءات مفردة (حَصِيد) في الإشارة إلى حصاد الخَيْر والنعمة ؛ لأنّ مصطلح الحَصِيد والحَصاد مُقْتَرِن بِجَزّ (البُرّ والحنطة) وغيرها من النبات والزرع الذي يحصد حصاداً (9). وهذه الأصناف من البر والقمح تدل على النّعمة والرّزق والغنى في العيش. وكذلك الحال في (حصيد المَرْجان) الذي يمكن أن يدل على كثرة ما وجد من هذه الأحجار الكريمة التي تدل الغنى ورفاه الحال وهو ما أشار اليه ابن أبي الحديد (10). فضلا عن دلالتها على الاحكام وشدّة الفَتْل والقوة.


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 312/6.

2) نفسه.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2/ 433.

4) ينظر : الديباج الوضي : 2/ 683.

5) ينظر : لسان العرب (حصد) :152/3.

6) نفسه.

7) ينظر : المعجم الوسيط : 2 / 861، وألفاظ الحضارة في القرن الرابع الهجري : 215.

8) ينظر : نهج البلاغة : خ / 91 : 100 هامش (1).

9) ينظر : لسان العرب (حصد) : 151/3.

10) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 312/6.

أقول : وقد وردت لفظة (المَرْجان) في القرآن الكريم، وذلك في قوله تبارك وتعالى : (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) (1).

وشاحة

الوِشاح من حَلي النّساء، وهو كِرْسَان (2)من لُؤْلُؤِ وجوهر منظومان مخالف بينهما، ومعطوف أحدهما على الآخر، تتوشح به المرأة (3). ويُنسج الوشاح من أدِيمٍ عريض، ويُرصَّع بالجواهر والخرز، وتشدّه المرأة بين عاتِقَيها وكَشحَيها (4). ومن هذه الدلالة أخذ قولهم : تَوشَّح الرجل بثوبه إذا تأبط به، وتوشح بسيفه، إذا وضع حمائله على عاتقه الأيسر (5).

وقد وردت لفظة (وِشاحه) مرة واحدة في نهج البلاغة (6)، للدلالة على جمال ريش الطاووس الذي يُغَطِّي جناحيه. يقول الإمام في سياق كلامه على خلقة الطاووس : ((...وَيَتَصَفَّحُ ذَنَبَهُ وَجَنَاحَيْهِ فَيُقَهْقِهُ ضَاحِكاً لِجَمَالِ سِرْبَالِهِ وَأَصَابِيغِ وِشَاحِهِ ...)) (7). يشير (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا النص إلى صورة من صور هذا الطائر الذي يختال بجمال لباسه وذَنَبِه (8). فضلاً عن روعة وشاحه. وقد كنّى الإمام بالوشاح عن جَنَاحي الطاووس اللذين يبدوانِ كالوِشاح المرصع بالجواهر والحُلي واللآلئ الذي تتَّشِح به المرأة على عاتقيها وكَشْحِهَا (9). فكأنّ هذا الطير يَتَّشِح بوِشَاحٍ ملونٍ، عَبر الإمام عن جمال الوانه بلفظة (أصَابِيْغ)، والصبغ في اللغة هو ما يُصْطَبَغُ به من الإدام (10). تُلوّن به الثياب وغيرها.(11). وقد أورد الإمام هذه المفردة للدلالة على تعدد الوان هذا الطائر الوان جناحَيْه اللذين جعلا بمنزلة الوِشاح له. واللافت أنّ الإمام استعمل مفردة (أَصَابِيْغ) ببناء جمع الجَمْعِ ليدل -فيما يبدو - على كثرة أصباغ هذا الطائر وتعدد ألوانه التي يزدهي بها. ولعل توظيف لهذا الضَّرب من الصياغة الصرفيّة يوحي بتفرّد التعبير للمتلقي، فيَستَوقفه وينزع به نحو التفكر بدرجة الخُيَلَاء التي ينماز بها هذا الطائر على غيره من الطيور. ولهذا ذكر الإمام لفظة (أصَابِيْغ) على بناء منتهى الجموع، في حين جاء بلفظة (وِشاحه) بصيغة المفرد، ليظهر التنوّع في مكونات هذا الوشاح وتفرّده في الصياغة، ليبدو أنّه فرد لا نظير له من حيث ألوانه وأشكال الأحجار الكريمة التي يزدهي بها.


1) الرحمن / 22.

2) الكَرْس النّظم. والمتكرّس هو الذي نظم بعضه فوق بعض. وتلاوة ذات كرسين. أي ذات نظمين. ينظر : لسان العرب (كرس) : 1936.

3) ينظر : العين (وشح) : 263/3، ولسان العرب (وشح) : 632/2.

4) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 5 / 186، ولسان العرب (وشح) : 632/2.

5) ينظر : تهذيب اللغة (وشح) : 5/ 95.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 483.

7) نهج البلاغة : خ / 165 : 297.

8) ينظر : الديباج الوضي : 1370/3.

9) نفسه.

10) ينظر : لسان العرب (صبغ) : 8 / 437.

11) نفسه.

أقول : وتتضمّن المفردة المتقدمة عدم فائدة هذه الزينة التي يتوشّح بها الطاووس، وذلك من خلال دلالتها على الألوان غير الدائمة أو الثابتة التي سيزول بريقها مع مرور الوقت، ويدعم هذا الوجه أنّ مفردة (أصَابِيغ) وهي مأخوذة من (الصبغ)، تدل على في اللغة على التَّغيير (1)والصبغ الغمس بالماء، وصبغت الناقة مَشَافِرِها، إذا غمستها في الماء (2). والمعلوم أنّ الماء لايدوم صبغه على الشفاه والمشافِر طويلاً. فأحسب أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أراد بوصف هذا الطائر واختياله بألوان وشاحه، الإشارة إلى خيلائه وكبره وغروره، فإنّه يزدهي بنفسه، ويَتِيه اذا نَظَر فى أعطافه ورأى ألوانه المختلفة، فإذا نظر إلى سَاقَيه، وَجَم وانكسر نشاطه وزهوه. فَصَاح صياح العَوِيل لِحُزنه ؛ بسبب من دِقَّة ساقيه ونتوء بعض أصابعه (3). وكذلك المغرور من الناس المتكبّر على أبناء جِلْدَته، فإنّه ما يَلْبَث أن يسقط في يده من غروره وتكبّره، وبخاصة إذا عرف قدر نفسه واستصغار شأنه.

يَاقوتة

الْيَاقُوْت من الجواهر معروف (4). وهو أقسام كثير ؛ أَجْوَدِهِ الْأَحْمَرِ الرُّمَّانِي (5).

ويُعد اليَاقُوت من أقوى الأحجار الكريمة وأكثر صلابة، بعد الماس (6). وهو ذو لون شَفَّاف مُشَرِّب بالحُمْرة، أو الزُّرْقَةِ، أو الصُّفْرَةِ. ويستعمل في الزينة. و(اليَاقُوْتَ) لفظ بوزن (فَاعُوْل) (7)، واحدته (يَاقُوْتَة)، وجمعه (يواقيت)(8). وهو من الألفاظ الفارسية المعربة التي تكلمت بها العرب (9). والظاهر أنّ اللغويين الذين حكموا بأعجميّة هذه المفردة كان مسوّغهم في ذلك كونها على بناء (فَاعُول)، وهذا البناء من الأبنية غير العربية، إذ تخلو العربية القديمة منه حسبما يذكر الباحثون (10)الذين ذكروا أن هذا البناء من الأبنية الكثيرة الورود في اللغة السريانية، وقد استعملته العرب والحقته بأبنية الآلة والمبالغة (11).

ولفظة (يَاقُوْتَة) من ألفاظ نهج البلاغة التي استعملها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مرة واحدة (12)، دالة على (اليَاقُوْت) الأَحْمَرِ، وهو أحد الأحجار الكريمة. وذلك في سياق كلامه عن الكعبة المقدسة، والعِلّة التي من أجلها لم يجعل اللّه أساسها من (الزُمُرُّدِ الأَخْضَر، واليَاقُوت الأحمر). يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((وَلَوْ كَانَ الْأَسَاسُ الْمَحْمُولُ عَلَيْهَا


1) ينظر : لسان العرب (صبغ): 8 / 437.

2) نفسه.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 9/ 209، و شرح نهج البلاغة (البحراني) : 668/3.

4) ينظر : تاج العروس (يقت) : 5 / 150، والقاموس المحيط (فصل الياء) : 209/1.

5) نفسه.

6) ينظر : المعجم الوسيط : 2/ 1065، وألفاظ الحضارة في القرن الرابع الهجري : 208.

7) ينظر : تاج العروس (يقت) : 5 / 150.

8) نفسه.

9) ينظر : المعرب : 404، ولسان العرب (يقت) : 109/2، وتاج العروس (يقت) : 5 / 150. وقد سكت الدكتور علي زوين عن ذكر أعجمية هذه اللفظة. ينظر : ألفاظ الحضارة في الشعر العربي في القرن الثاني الهجري :1/ 582.

10) ينظر :الطاغوت في العربية، د - رشيد العبيدي، بحث منشور في مجلة المورد (م/30-ع/1):14.

11) ينظر : ليس في كلام العرب، لابن خالويه : 268، ومعاني الأبنية : 166، والطَّاغوت في العربية : 14.

12) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 500.

، وَالأحجار الْمَرْفُوعُ بِهَا، بَيْنَ زُمُرُّدَةٍ خَصْرَاءَ، وَيَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، وَنُورِ وَضِيَاءٍ، لَخَفَّفَ ذَلِكَ مُصَارَعَةَ الشَّكٍّ فِي الصُّدُور... وَلَكِنَّ اللّه يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ، وَيَتَعَبَّدُهُمْ بِأَنْوَاعِ الْمَجَاهِدِ إخْرَاجاً لِلتَّكَبَّر مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَإِسْكَاناً لِلتَّذَلُّلِ فِي نُفُوسِهِمْ...))(1). يعني (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه لو كانت القواعد التي وضع عليها البيت المقدس، والأحجار التي شُيّد بين زُمُرُّدة خَضْرَاء، وياقُوتة حمراء لأدّى ذلك إلى نفي الشَّكُ من نفوس الناس الذين يعتبرون الوجاهة والجواهر والأموال ضرورة من ضرورات الأنبياء ولازمة من لوازمهم، فضلاً عن بيوت اللّه تبارك وتعالى التي ينبغي عندهم أن تكون مُشتَمِلة على أغلى الجواهر والمعادن. فإن اللّه تبارك وتعالى لو وضع بيته في أطيب بقاع الأرض وأعظمها نضارة، و زيَّنه بالجواهر واليواقيت واللآلئ والذهب والفضة ؛ لكان تَوَجُّه الناس اليه طمعاً في نضارته وزينته ومكانه الجميل الطَّيِّب الزّرع. وليس لأجل أن يكون ذلك تقرباً إلى اللّه جل شأنه وطلباً لوجهه (2).

أقول : إنّ اللّه تبارك وتعالى قادر على أن يجعل بيته بأطيب بقاع الأرض، وليس عسيراً عليه أن يجعل أساس بيته الحرام من أجود الجواهر والأحجار الكريمة المنزلة. ولكنه أثر أن يكون بيته المبارك من أحجار معروفة للناس، وقصد أن يكون مَحَطَّ البيت الحرام بِأَوْعَر بقاع الأرض ؛ لاختبار عباده بأنواع الشدائد ويتعبدهم بأنواع المجاهدة وضروب المكاره ؛ إخراحاً للتكبّر من قلوبهم، وإسكاناً للتذلل في نُفُوسِهم. فرقاً بينهم وبين (إبليس) الذي نازع اللّه رداء الجَبْريّة وادّرع لباس التَّعزُّز (3). وفَاتَه أنّ العِزّةَ اللّه جميعاً (4).

وبالرجوع إلى النّص، نلحظ أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) اختار ضربين من الأحجار الكريمة ليكونا على - سبيل الفرض - أساساً لبيته الحرام، وهما (الزُمُرُّد الأَخْضَر) و (الياقوت الأحمر)، وذكرهما، لأنهما من أَرْفَع الأحجار النفيسة قَدْراً وأعزّها ثَمَناً، فضلاً عن تفاوت لونَيْهما، فالزُمُرُّد ذو خُضْرَة عالية، واليَاقُوْت مُشَرِّب حُمْرة. علاوة على كونهما من أكثر الأحجار الكريمة نُدْرَةً، فلا يوجد منهما إلا فصوص قليلة (5). ومما يمكن أن يزاد على ذلك أنّ الياقوت يعد من أقوى المعادن وأشدها صلابَةً بعد الماس حسبما تذكر المعاجم (6). فضلاً عن نص الإمام على حُمْرة هذه الياقوتة يقود إلى اختياره نوعاً من أجود أنواع الياقوت وأعلاها قيمة، وهو الياقوت الأحمر (7).


1) نهج البلاغة : خ / 192 : 370.

2) ينظر : الديباج الوضي : 4 / 2018.

3) إشارة الى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شأن إبليس ((الذي وضع أساس العصبية، ونازع اللّه رداء الجبرية، واذرع لباس التّعزز...)). نهج البلاغة : خ / 192 : 360.

4) إشارة الى قوله تبارك وتعالى : (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)). النساء / 139 وينظر : يونس / 65.

5) ينظر : الديباج الوضي : 2017/4.

6) ينظر : المعجم الوسيط : 2/ 1065.

7) ينظر : تاج العروس (يقت) : 5 / 150.

المبحث الثاني: ألفاظ الزينة ومتعلقاتها

صِبْغ

إشارة:

الصبغ والصباغ ما تُلون به الثياب (1). وصبغ التّوب لونه (2). والأصل في دلالة الصبغ التغيير، فصبغ الشيب تلوينه، وهو ما يستلزم تغيير لونه وإزالته من حالته إلى حالة أخرى من سواد أو حمرة (3).

وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردات (صُبِغ) بالبناء للمجهول ثلاث مرات، منها مرة واحدة متصل به ضمير التأنيث (صُبِغَت)، في حين وردت المفردة المتقدمة بصيغة المصدر (صبغ)، وبوزن منتهى الجموع (أصَابِيْغ) مرتين لكل منهما في نهج البلاغة (4)، للدلالة على ما يأتي

أولاً : الدلالة على تنوّع ألوان الطيور وتعددها.

فقد وردت اشتقاقات متعددة لمفردة (صبغ) في إشارة إلى تعدد الوان الطيور من الطواويس وغيرها. ومن ذلك قوله في وصف خلق الطيور : ((... وَنَسَقَهَا (5)عَلَى اخْتِلَافِهَا فِي الْأَصَابيعْ بِلَطِيفِ قُدْرَتِهِ، وَدَقِيقِ. صَنْعَتِهِ ؛ فَمِنْهَا مَغْمُوسٌ (6)فِي قَالَبِ (7)لَوْنٍ لَا يَشْوبُهُ غَيْرُ لَوْنِ مَا غُمِسَ بهِ، وَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي لَوْنِ صِبْغِ قَدْ طَوْقَ (8)بِخِلَافِ مَا صُبِغَ بِهِ)) (9).

ويتخذ الإمام من (الطّيور) سبيلاً لبيان قدرة اللّه تبارك وتعالى في بديع الخلق، ولا سيّما من جهة ترتيب ألوانها، فمنها ما يكون بلون واحد غير مشوب بآخر، ومنها ما يكون مغموساً بصبغ رقابها التي تُطوّق بخلاف ما صُبغ به بقية الرّيش، وهذا أمر شائع في الطيور. فكثير منها أعطاها اللّه جل جلاله هذه الأطواق التي تخالف


1) ينظر : العين (صبغ) : 374/4.

2) ينظر : المحكم (صبغ) : 5 / 425.

3) ينظر : لسان العرب (صبغ) : 438/8.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 252.

5) نسقها ربُّبها على نظام واحد. ينظر : لسان العرب (نسق) : 10 / 352.

6) الغَمْس إرساب الشيء في الشيء السَّيال أو النّدِي من ماءٍ أو صبغ. ينظر : لسان العرب (غمس) : 6 / 156.

7) القالب هو الشيء الذي تفرغ فيه الجواهر ليكون مثالاً لما يصاغ منها ينظر : لسان العرب (قلب) : 1 / 689.

8) الطوّق كل شيء استدار وأحاط بالعنق. ينظر : لسان العرب (طوق) : 10 / 31.

9) نهج البلاغة : خ 165 : 296.

ما عليها من لون أو ألوان متعددة. فكأنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يشير إلى تَحَلَّى الطيور بتلك الأطواق متخذة إياها زينة لها (1). ولا بد من الإشارة إلى أن الإمام قد وظف مفردة (صبغ)، ومن قبلها لفظة (أَصَابِيْغ) في كلامه المتقدم للدلالة على (اللون) الذي يتغير من طير إلى آخر، بل يتغير في الطير نفسه. وقد تضمّن كلامه استعمال مفردة (أَصَابِيْغ) بوزن (أَفَاعِيْل)، وهذا البناء يصنّف عند الصرفيين بكونه من أبنية جمع التكسير الخاص بمنتهى الجمع كما يبدو من كلام سيبويه الذي ذكره عند حديثه عن بناء (أَفْعَال) - وهو من أبنية جموع القلة – إذ أشار إلى أنّ ما كان على هذا البناء، فأنّه يُكسّر على (أَفَاعِيْل)، وضرب مثالاً لذلك بجمع (أَنْعَام) على (أَنَاعِيْمٍ) (2). وبالاستعانة بهذا الوصف يمكن القول أنّ الإمام لما أراد التعبير عن تعدد أشكال الطيور وتنوع ألوانها، استعمل هذا البناء من أبنية (جمع الجمع) (3)، للدلالة على هذا التنوع والتعدد مناسبة لتعدد أصباغ ريش الطيور وغمس بعضها في البعض الآخر، بحيث تبدو أشبه باللباس المزخرف المزدهي بالألوان. وتبدو لفظة (أَصَابِيْغ) أَلْيَقِ من إيراد لفظة (أَصْبَاغ)، لما في البناء الأول من فخامة وامتداد في الصوت متأتٍ - فيما أحسب - من المقطع الصوتي (بيغ) الذي منحها امتداداً وسعة في النطق يناسب المقام الذي يتحدث فيه الإمام عن كمال قدره اللّه وعجيب صنعه لتنبيه الناس وإرشادهم إلى التدبر في خلق اللّه وإبداعه.

وقد جاءت مفردة (أصَابِيْغ) بالدلالة المتقدمة نفسها، وذلك في سياق وصفه الطاووس في (خ / 165). في حين وردت لفظة (صبغ) بصيغة المصدر، للدلالة على الألوان التي تكون في الطيور، ومنها الطاووس، وجاء ذلك كله في (165 (4)).

ثانياً : الدلالة على تغيير الأخلاق

واستعمل لهذه الدلالة مفردة (صُبِغَت) بصيغة الفعل الماضي المبني للمجهول، وذلك في كلام الإمام الذي يذَمّ فيه اهل الضلال الذين خالفوا اهل البيت (عليهم السلام)، إذ يقول : ((... كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلى فَاسِقِهِمْ وَقَدْ صَحِبَ الْمُنْكَرَ فَأَلِفَهُ، وَبَسِئَ (4)بِهِ وَوَافَقَهُ حَتَّى شَابَتْ عَلَيْهِ مَفَارِقُهُ (5)، وَصُبِغَتْ بِهِ خَلَائِقُهُ...)) (6). يصف النص الفُسّاق من اهل الضلال الذين ألفوا المنكر وصحبوه، حتى صار سجية من سجاياهم وطبعت أخلاقهم به، وأضحى علامة من علاماتهم. وصوّر الإمام امتداد صحبة هؤلاء للمنكر، بذكر شيب مفارقهم وهو ما تشعب من شعر رؤوسهم، ليدل بذلك على قضاء كونهم قضوا أعمارهم في طاعة الشيطان وهوى النفس. ومن خلال هذا الوجه يمكن فهم دلالة مفردة (صُبِغَت) التي أفادت هنا - الدلالة على تغيّر الأخلاق وانطوائها على هذه الفاسدة التي صارت ملكة وطبعاً وخلقاً فيهم (7). أما إيثار المفردة المتقدمة مبنية للمجهول،


1) ينظر : كتاب سيبويه : 3 / 218، و 4 / 247.

2) ينظر : كتاب سيبويه : 3 / 218، و 247/4.

3) ينظر : تاج العروس (صبغ) : 22 / 523.

4) بَسئ أي أنس به ومَرِن. ينظر : لسان العرب (بسأ) : 1 / 34.

5) أصل (المفرق) تشعب الطريق. ينظر : لسان العرب (فرق) : 10 / 301. والمراد هنا هو الشيب الذي أصاب ما تشعب من شعر الرأس.

6) نهج البلاغة : خ / 144: 253.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد): 70/9، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 597/3.

فيبدو في ذلك إشارة إلى تعدد تلك الخصال ومؤثراتها التي غيّرت أخلاق هذا الصنف من الناس، وأدّت بهم إلى الفسوق والعصيان، ومنها استعداد أنفسهم إلى سلوك سبيل الباطل واتخاذه منهجاً لهم.فكأنّما أضمر الفاعل في المقام المتقدم، بسبب من تعدد العلل التي أدت بهؤلاء إلى أن تتغيّر أخلاقهم وصفاتهم السلوكية. ويفهم من كلام الإمام أنّ للمسلمين (صِبْغَة) معينة، فإذا فسق الفاسق خرج عن هذه الصبغة وتغير لونه وسَمْتُه من حال الإسلام إلى حال ولون آخر.

أقول : واجد فى كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أثراً قرآنياً، فهو قريب من قوله تبارك وتعالى : (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) (1). فكلمة (صبغة) في الآية المباركة تدل على سُنَّة اللّه تعالى وفطرته فكأنّها استعيرت - هنا - للدين من حيث ظهور آثاره وسَمْته على المُتَدَيِّن كما يظهر الصبغ في الثوب(2). أو هو من جهة المشاكلة، كما يقال لمن يغرس الأشجار : أغرس كما يُغْرَس. أي : إصنع الكَرَم، كأن ذلك دلالة على صبغ المسلمين بالإيمان (3).

الكُحْل

إشارة:

الكُحْل عند الخليل ما يُكتَحَل به (4)، وهو ما يُوضع في العَيْنِ، لتشفى به عن طريق تسويد مواضع الكحل منها (5).

وجاءت لفظة (اكتَحَلَتْ) مسندة إلى ضمير المؤنثة، و (الكُخل)، و (كُحْلُهم) مضافة إلى ضمير الغائبين مرة واحدة لكل من المفردات المتقدمة في نهج البلاغة (6)، للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على اكتحال العين ومنابت أشفارها بالتراب كما يعلوه الكُحْل

ووردت هذه الدلالة في سياق وصفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) حال الموتى في القبور الذين يقول فيهم : ((... وَاكْتَحَلَتْ أَبْصَارُهُمْ بِالتُّرَابِ، فَخَسَفَتْ)) (7). إذ يشير النص إلى انمحاء محاسن هؤلاء الأموات بعدما أضجِعُوا في قبورهم حتى اكتحلت أبصارهم بالتّراب، فخُسِفت محاجرهم وفُقِئت عيونهم بعد امتلائها بتراب القبور. كأنّ الإمام يشير بقوله هذا إلى اندثار أبصار الإنسان وحواسه التي كان يصول بها ويجول، فبدلاً من أن تكتحل عيونهم بالكحل المعروف الذي طالما استعملوه في حياتهم الدنيا لتقوية أبصارهم ومداواة أبصارهم به، فضلاً عن اتخاذه زينة لهم أيضاً، لكنهم اكتحلوا بالتراب الذي خسف عيونهم ومحا معالمها ومحاسنها. وقد جرى كلامه هذا على نحو التهكم بحال الناس الذين يعرفون نهاية أمرهم، ولكنهم لم يعدوا العدة لذلك اليوم الذي يهلك من هلك فيه عن بيّنة ويحيى من حي عن بيّنة.


1) البقرة / 138.

2) ينظر : المحرر الوجيز : 216/1، والتفسير الكبير : 78/4.

3) ينظر: الكشاف : 222/1.

4) ينظر : العين (كحل) : 62/3، و تهذيب اللغة (كحل) : 62/4.

5) ينظر : المحكم (كحل) :410/3.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 396.

7) نهج البلاغة : خ / 221 : 428.

أقول : وقريب من هذه الدلالة استعماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (كُخْلُهم) للدلالة على (دموع أتباع الشيطان) من اهل الفتن والضلال. يقول الإمام : ((أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ، فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ، وَوَرَدُوا مَنَاهِلَهُ... فِي فِتَنِ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِهَا... فَهُمْ فِيهَا تَائِهُونَ حَائِرُونَ جَاهَلُونَ مَفْتُونُونَ. فِي خَيْرِ دَارٍ وَشَرٌ جِيرَانِ. نَوْمُهُمْ سُهُودٌ (1)وَكُحْلُهُمْ دُمُوعٌ..)) (2).والنص في سياق حديثه عن الجاهلية، وحال الناس قبل بعثة النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله)، فذكر (عَلَيهِ السَّلَامُ) طاعة هؤلاء للشيطان وحرصهم في أن يسيروا على نهجه ويسلكوا سبيله ثم انتقل الإمام إلى وصف حالهم في الفتن التي استعار لها مفردة (أخفاف) جمعاً على (أَفْعَال)، وهي الإبل مصوراً إياها بهيئة الجمل الذي يسحق بأخفافه ما يلاقيه. حتى صار الناس في تيْه وحَيْرة وجهل وافتتان، لما لا قوه من أهوال.

وقد اختلف الشراح في قول الإمام : ((فِي خَيْرِ دَارٍ وَشَرِّ جِيرَانِ نَوْمُهُمْ سُهُودٌ وَكُخْلُهُمْ دُمُوعٌ)). فمنهم من ذهب إلى أنه أراد بـ (خَيْرِ دَارٍ) (الكوفة أو العراق، بـ (وَشَرٌ جِيرَانِ) اهلها وفيهم أصحابه (3). وقيل: بل أراد بذلك الشام، وبالجيران أصحاب معاوية (4). وبهذا يكون تعبير : (نَوْمُهُمْ: سُهُودٌ، وَكُحْلُهُمْ دُمُوعٌ) خاصاً بأصحاب معاوية الذين لا ينامون طوال الليل سعياً في ترتيب أمر صاحبهم وتهيئة مستلزمات ملكة وسطوته على الناس، وتكون مفردة (كُخْلُهُم) - هنا - دالة على نفاقهم و تغيّر خصالهم، فكأنّ بكاءهم يكون من هول ما يدبرون من ظلم وأذىً للناس. وأما إذا كان المقصود بـ (خَيْرِ دَارٍ وَشَرٌ جِيرَانٍ) هم اهل الكوفة، فإنّ مفردة (كحلهم) - حينذاك - علامة على خوفهم من عدم طاعتهم الإمام في أوامره ونواهيه وطاعتهم أهواءهم وأنفسهم الأمارة بالسوء. وبهذا يصبح التعبير المتقدم دالاً على شكوى الإمام وجزعه (5). وذهب الشارح البيهقي الأنصاري إلى أنّ المراد بـ (خَيْرِ دَار) الدنيا بوصفها محل العمل (6). وأن أكثر الخلق بها أشرار جهال. ويبدو.

أقول : ويلحظ من آراء الشراح في كلام الإمام المتقدم اعتماد دلالة تعبير (كُحْلُهُمْ دُمُوعٌ) على معنى التعبير الذي يسبقه. ولمّا كان الإمام يتحدث عن حال اهل الجاهلية قبل بعثة النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله)، فليس ببعيد أن يكون في كلامه إشارة إلى قول النبي (صلى اللّه عليه وآله) لمّا حكى حاله مع اهل مكة في بدء البعثة النبوية قائلاً: ((كُنْتُ فِي خَيْرِ دَارِ وَشَرِّ جِيرَانِ))(7)؛ يعني (مكة) و (قريشاً). وبهذا تكون دلالة مفردة (كُحْلُهُم) دالة على جحود قريش مع النبي (صلى اللّه عليه وآله)، كأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يشير بقوله المتقدم إلى عدم إنصاف هؤلاء النبي الأكرم، فلو أنه طلب اليهم الجود وبذل النفس، لجادوا عليه بالبكاء والذي تكتحل عيونهم به، أو كأنهم بتخليهم عنه، وخذلانهم له ملؤوا قلبه أسى وحسرة من ذلك. وعلى حد تعبير الشارح ابن


1) السُّهاد الأرق وقلّة النوم. ينظر : لسان العرب (سهد) : 3 / 224.

2) نهج البلاغة : خ / 2 : 26، 27.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد): 143/1، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 167/1.

4) نفسهما.

5) نفسهما.

6) ينظر : معارج نهج البلاغة : 224/12، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 168/1.

7) لم أعثر على هذا الحديث في ما توافر لدي من كتب الحديث النبوي، وقد نقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : 143/1.

أبي الحديد أنه (صلى اللّه عليه وآله) لو استماحهم النَّوم، لجادوا عليه بالسهود عوضاً عنه، ولو طلب منهم الكحل، لكان كُحْلُهُم الذي يصلونه به الدموع (1).

أقول: وغير بعيد عن ذلك ما لقيه الإمام من بعض المتخاذلين من أصحابه ممن جاورهم وصحبهم واجتهد في تربيتهم، فلقي منهم ما لقي من قبيل انصرافهم إلى معاوية، وبذل ولائهم له في سبيل العطايا والأموال. ولم يكن الإمام بعيداً عن النبي وما شهده معه من سوء معاملة قريش وإيذائهم له بشتى السبل، فلما أحس الإمام بما صار اليه الناس يوم (صفّين)، تحدث بقوله المتقدم الذي ذكر فيه الناس وحيرتهم وجهلهم الذي رجعوا اليه بعد الإسلام أيام (صفّين)، فجاء لفظ (كُخْلُهُم) عاماً في كلامه، ليشمل الناس في أصحابه وأصحاب معاوية ومن عناه أمر الحرب ودخل فيها، فبالغ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصف هؤلاء بالسُّهود والأرق، لخوفهم من الحرب وشدتها، فضلاً عن حال التّيه والضلال التي صار عليها الناس، ولاسيما الذين انصرفوا إلى معاوية الذي اجتهد في إيهام الناس وإيقاعهم في الفتن، أو بذل الأموال لهم لجذبهم إلى جانبه وإيقاعهم في الفتن الضّالة (2).

أما قوله (كُحْلُهُمْ دُمُوع)، فالظاهر منه التشبيه بين دموعهم التي تجري من حيرتهم وضلالهم، أو من خوفهم وخشيتهم الحرب، أو من مفارقتهم الإمام وانضمامهم إلى معاوية، فصارت تلك الدموع أشبه ما تكون (بالكُحْل) الذي يلازم الأجفان، بوصفها وسيلة من وسائل التداوي والإبراء من الأذى، فعكس الإمام التشبيه، جاعلاً (الكحل) هو (الدموع)، بلحاظ الملازمة وكثرة اعتياد عيونهم عليه(3). ويبدو لي أن الإمام أراد القول: إن (سُهُود) هؤلاء النمط من الناس واكتحال عيونهم بالدموع لا يجديهم نفعاً بسبب من تفريطهم بإمامهم، وتخاذلهم عنه. وهذا الامر يمثل إنصرافاً عما أمرهم اللّه تعالى به.

ثانياً : الدلالة على قلة البقاء والمكث في الأرض

وجاءت هذه الدلالة في سياق كلام الإمام من الملاحم وفتنة بني أمية وما يفعله معاوية بالناس يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((وَاللّه لَيُشْرِّدَنَّكُمْ (4)فِي أَطْرَافِ الأَرض حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْكُمْ إِلَّا قَلِيلٌ كَالْكُحْلِ فِي الْعَيْنِ...)) (5). شَبّه الإمام لَبْتْ هؤلاء وبقائهم في مدنهم وأماكنهم التي يقومون فيها شبه ذلك بالمُدّة التي يبقى فيها (الكُحل) في العين، وهي فترة قصيرة، فما يلبث الكحل أن يزول من العين بغسلها أو مَسْجِها أو عند نزول العرق من الجَبِيْن عليه. وهذه المؤثرات تمثل عللاً في زوال ذلك أثر الكحل في العين.

وقد ذكر الشرّاح أنّ الإمام يشبه البقية الباقية من الناس الذين يُشَرِّدهم صاحب الفتنة في أطراف الأرض ببقية الكحل في العين في إشارة إلى القِلّة والحقارة و الخِفَّة، فكأنّ من يبقى من هؤلاء الناس لا قيمة له من جهة أثره ومكانته في المجتمع، فضلاً عن قلة الشأن. وذلك أن قادة الفتنة استأصلوا كبار المجتمع وقتلوا


1) ينظر: شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 13/18، ومنهاج البراعة: 237/2.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني): 168/1.

3) نفسه.

4) التشريد، الطرد والتفريق. ينظر : لسان العرب (شرد) : 237/3.

5) نهج البلاغة : خ / 138 : 247.

رموزه وقادته من اهل المنزلة العالية، فما بقي غير الضعاف من الناس ممن لا شأن لهم إلّا الخوف والالتجاء إلى السكوت وعدم المعارضة.

الخضاب

الخِضاب ما يُخْتَضَب به من حِنّاء وكَتَم وَوَسْمَة (1). والخِصَاب كلّ شيءٍ غُيّر لونه بِحُمْرةٍ كالدّم ونحوه، فهو مخضوب، ومنه خضاب الشَّيْب (2). وأوّل من خُضِب بالسواد من العرب هو عبد المطلب (3).

وقد وردت لفظة (الخضاب) مرة واحدة في نهج البلاغة (4). دالة على ما يختضب به من حناء أو غيره مما يغير به الشيب. وذلك في سياق جواب الإمام لمن طلب اليه أن يغير شيبه. فقال : ((الخِصَابُ زِينَةً وَنَحْنُ قَوْمٌ فِي مُصِيبَةٍ)) (5). وقد جعل الإمام الخضاب زينة ؛ ولهذا وضعه بإزاء (المُصِيبَة)، مشيراً إلى عدم جواز الخضاب في المصائب، وقد أشار الشريف الرضي إلى أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قصد بـ (المُصِيبَة) وفاة النبي (صلی اللّه عليه وآله) (6). وهي فاجعة عظيمة نأى الإمام عن الاختضاب بسببها. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإنّ عد الخضاب زينة راجع إلى جمال الحنّاء والوسمة وما يخلط معها لأجل تغيير لون الشيب. ولهذا ذكر اللغويون إن تغير الشيب بغير خضاب بالحِنّاء لا يسمّى (خضاباً) وإنما صبغاً (7).

مَدارِي

المِدْرَى مفردة أعجمية، ومؤنثها (مذراة)، وهي حديدة يُحَكُ بها الرأْس، يقال لها بالأعجمي (سَرْخارَة) (8). ويشبه بها (المِدْراةُ) قَرْنُ الثور (9)ويُعْمَل (المِدْرَى) من حديد أو خَشَبٍ على شكل سنِ من أسنان المشط يسرَّح به الشَّعر المُتلبِّد (10).

ولفظة (مَدارِي) من مفردات نهج البلاغة التي استعملت فيه مرة واحدة (11). بصيغة اسم الجنس الجمعي للدلالة على المشط الذي يُرجَّل به الشَّعر. وجاء ذلك في سياق تشبيه الإمام قصب ريش الطاووس بالمَدَارِي. إذ


1) ينظر : تهذيب اللغة (خضب) : 56/7.

2) ينظر : العين (خضب) : 4 / 178، و تهذيب اللغة (خضب) : 55/7.

3) ينظر : الروض الأنف ؛ للسهيلي : 24/10، و لسان العرب (خضب) : 357/1.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 138.

5) نهج البلاغة : قصا / 473 : 696.

6) نفسه.

7) ينظر : لسان العرب (خضب) : 1/ 359.

8) ينظر : العين (دري) : 61/8، وتهذيب اللغة (دري) :113/14.

9) نفسه.

10) النهاية في غريب الحديث : 115/2.

11) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 154.

يقول: ((تَخَال) قَصَبَهُ مَدَارِيَ مِنْ فِضَّةٍ..))(1). أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ)بكلمة (قَصَبَه) الدلالة على قَصَب الريش الذي يُجلّل هذا الطائر، والتي تبدو - عند نشرها - كأنها أسنان المَدَارِي وهي مغروزة في جسمه.

وذلك إشارة إلى عظيم خلق اللّه تبارك وتعالى ودقته من جهة، فتنظيم هذه (القصبات) واتساقها في جناحه يجعلها تبدو كأسنان المشط، فضبطت أصولها وأشرج بعضها إلى بعض في نظام واحد (2).

وأما تشبيه هذه القصبات (بالفضّة)، فيرجع إلى أنّ عظام أجنحة الطاووس بيضاء بلون الفضة(3)، فناسب ذلك النسق في اللون بين قوادم قصباته، وبين المشط الفضي الذي يُسَرّح به الشَّعر و يُرجَّل.

العظلم

قال الخليل: ((العِظْلِم عُصَارة شَجَرٍ لونه أخْضَر إلى الكُدْرة)) (4). والعِظلم شجيرة غبراء تنبت وتدوم خضرتها، وترتفع على ساق نحو الذراع ولها فروع، وفي أطرافها نَوَرٌ كَنَورِ الكُزْبَرة (5). وهذا الضرب من الشجر هو (الوَسْمَة) ذو اللون الأسود (6). وقيل : بل لونه أحمر (7). يستعمل في الخضاب (8).

وردت مفردة (العظيم) مرة واحدة في نهج البلاغة (9)، للدلالة على اللون الأسود المأخوذ من العُصارة التي يُصْبَغ بها. وذلك في سياق حديثه عن إمْلَاق (عقيل ابن أبي طالب) وجوع صبيانه. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((وَاللّه لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلًا وَقَدْ أَمْلَقَ حَتَّى اسْتَمَاحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً، وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ الشُّعُورِ، غَيْرَ الْأَلْوَانِ، مِنْ فَقْرِهِمْ، كَأَنَّمَا سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ...)) (10). ويلحظ تشبيه وجوه هؤلاء الصبية بلون العظيم وأثره، من.. ذكر مفردة (سُوّدَت) التي تتناسب مع ما يؤديه (العِظْلِم) من تأثير في لون ما يصبغ به، إذ إنّه نَبْت يُسَّود به (11). فيكون ما ذكره الإمام من الجمع بين مفردتي (سُودَتْ) و (العِظْلِم) من قبيل الجمع بين السبب والمُسَبِّب. والملاحظ أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد نقل المفردة من الدلالة على اللون المستعمل في التّزيّن ولخضاب إلى الدلالة على السواد الذي يلطخ به الوجه ويسوّد علامة على الإنهاك وعدم المقدرة من الضعف الذي يسببه الجوع والفقر


1) نهج البلاغة : خ / 165 : 296.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد): 2090208/9، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 667/3.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن ابي الحديد): 208/90، 209.

4) ينظر : العين (عظم) : 342/2، و تهذيب اللغة (عظم) : 229/3.

5) ينظر : المحكم (عظم) : 461/2، و لسان العرب (عظم) : 412/12.

6) نفسهما.

7) ينظر : لسان المعرب : 355/2.

8) ينظر : تهذيب اللغة (كحل) : 62/4.

9) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 307.

10) نهج البلاغة : خ / 224 : 437.

11) ينظر : الديباج الوضي : 1812/4.

الوَسِمَة

الوَسْم والوَسْمَة شجرة ورقها خضاب (1). وتُسَمّى الوَسْمَةُ (العِظْلِم)، وهو نبت يُصْبَغ به أيضاً (2). والوَسْمَة من النباتات العشبية الزراعية التي تستعمل في الصباغ، وهو من الفصيلة الصليبية (3). وكلام العرب الفصيح في هذه اللفظة هو بكسر السين (الوسمة)، وتسكينها لغة (4).

ولفظة (الوسمة) من ألفاظ نهج البلاغة التي استعملها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مرة واحدة (5). دالة على صبغ الخضاب الذي يلون به الشعر وغيره. في مقام تشبيه ريش عنق الطاووس بلون (الوسمة اليمانية). يقول الإمام : ((... وَمَغْرِزُهَا إِلى حَيْثُ بَطْنُهُ كَصِبْغِ الْوَسِمَةِ الْيَمَانِيَّةِ...))(6). وهذا المقطع من كلام الإمام خاص بوصف لون ريش الطاووس المحيط بعنقه الذي يكون بلون أسود، كأنه متلفع بملحفة سوداء، فضلاً عن شدة البريق والخضرة الناضرة. ولهذا شبّه الإمام ألوان هذا الطير بلون صبغ (الوسمة اليمانية) التي يختضب بها لغرض إضفاء السواد على الشعر كما تذكر المدونات الأدبية (7). يريد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يصف شدة السواد الضارب إلى الخضرة في ريش هذا الطاووس، حتى يبدو مذهاماً من الامتزاج بين الخضرة والسواد. ولما كانت هذه السمة تحققها (الوَسِمة) التي يُكسَر بها لون البياض والحمرة إلى الدُّهمة (8)، فقد استعمل الإمام المفردة المتقدمة لهذا المعنى فضلاً عن الإشارة إلى كونها تمثل علامة مميزة لهذا الطائر تميزه عن غيره من الطيور.


1) ينظر : العين (وسم) : 321/7، و تهذيب اللغة (وسم) : 336/4.

2) ينظر : لسان العرب (وسم) : 637/12.

3) ينظر : المعجم الوسيط : 2 / 989.

4) ينظر : لسان العرب (وسم) : 637/12.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 483.

6) نهج البلاغة : خ / 165 : 298.

7) ينظر : مشارق الأنوار : 2/ 295.

8) ينظر : مشارق الأنوار : 2/ 290، ومنهاج البراعة : 10 / 48.

المبحث الثالث: ألفاظ العطر والرياحين

طِيْب

الطَّيْب ما يُتَطَيَّب به من العطر الذي تكون فيه رائحة طيبة (1). وهو على وزن فِعْل (2).

واستعملت مفردة (طيب) خمس مرات في نهج البلاغة (3)، للدلالة على الرائحة الطيبة الزكية، إلا في موضع واحد استعملها الإمام فيه بدلالة الطَّيِّب من الطعام. فأمّا المعنى الأول، فمنه قوله متحدثاً عن خَلْقِ آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وسبب خلق اللّه له من طين دون أن يكون من نور : ((وَلَوْ أَرَادَ اللّه أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُورٍ يَخْطَفُ الْأَبْصَارَ ضِيَاؤُهُ وَيَبْهَرُ الْعُقُولَ رُوَاؤُهُ وَطِيْبٍ يَأْخُذُ الْأَنْفَاسَ عَرْفُهُ لَفَعَلَ...))(4). والطيب العطر الذي يُبهر ويعظم وَقْعه في النّفس، لقوّة عَبْقَهِ ونفوذهِ. ويدعم ذلك إيراده (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (عَرْفُه) في السياق المتقدم، والعَرْف الرائحة الطَّيِّبة والمُنْتِنَة معاً (5)، ولكنّه لما استعمل كلمة (طِيْب) في النص، دَلّ بذلك على تخصيصه بالرائحة الطيّبة. ومن هذا المعنى أيضاً قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديثه عن (المسك)، وهو ضَرب من الطَّيْب: ((نِعْمَ الطَّيبُ الْمِسْكُ خَفِيفٌ مَحْمِلُهُ عَطِرٌ رِيحُهُ))(6). والدلالة نفسها استعملها الإمام في (قصا / 104، 400). إما الدلالة الثانية، فهي استعمال مفردة (طِيْب) دالة على الطيب من وجوه الطعام الحلال. وذلك في كتابه الذي يخاطب فيه عامله (عثمان بن حنيف الأنصاري) (7). يقول فيه الإمام : ((فَانْظُر إِلى مَا تَقْضِمَهُ مِنْ هَذا المَقْصَمِ، فَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ، فَالْفِظْةُ، وَمَا أَيْقَنْتَ بِطِيْبٍ وُجُوْهِهِ، فَنَلْ مِنْهُ))(8). والسياق - هنا – سياق تحذير وتوجيه يوجب فيه الإمام ضرورة التثبت من حلال المطعم واجتنب حرامه بورعٍ واجتهادٍ. ولهذا عَطَف (عَلَيهِ السَّلَامُ) على كلمته المتقدمة قوله : ((ألا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ وَيَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ أَلَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ أَلَا وَإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ))(9). وتأكيداً لهذا المعنى ينصح الإمام عامله على التيقن


1) ينظر : أساس البلاغة (طيب) : 1 / 400، و لسان العرب (طيب) : 1 / 563.

2) ينظر : لسان العرب (طيب) : 1 / 563.

3) ينظر : نهج البلاغة : خ/ 192 : 360.

4) ينظر : الديباج الوضي : 4 / 2977.

5) ينظر : لسان العرب (عرف) : 9 / 236.

6) نهج البلاغة : قصا/ 397: 682.

7) هو عثمان بن حنيف بن واهب بن عكيم بن الحارث بن عوف الأنصاري الأوسي، بعثه الإمام علي والياً على البصرة، فلم يزل عليها، حتى قدم عليه (طلحة والزبير)، فقاتلهما، ثم توادعوا حتى يقدم عليهم الإمام، فما كان من أصحاب (طلحة إلا أن دخلوا عليه وقتلوا حرسه، ونتفوا لحيته وجفون عينيه وسجنوه، ثم سرقوا بيت المال. ينظر : سير أعلام النبلاء : 320/2 - 322، والإصابة في تمييز الصحابة : 449/4.

8) ينظر : نهج البلاغة : ك / 530/529:45.

9) نفسه.

من (طِيْب) وجوه مَأْكله. أي: التثبت من مصادر هذا المأكل، والتأكد من حِلَّه و طِيْب وجه اكتسابه (1). وتبدو لفظة (طِيْبِ) في هذا السياق مرادفة لفظة (الحلال) أو تساويها في الدلالة.

رَيْحَانَةٌ

الرَّيْحَان نبت معروف، وهو بَقْلُ طَيِّب الرِّيح (2)، واحدته (رَيْحَانَة) (3). وقيل : الرَّيْحَانِ أطراف كل بَقْلةٍ طيّبة الريح إذا خرج عليها أوائل النّور (4). والرَّيْحَان اسم جامع للرياحين الطيّبة الريح (5).

واستعملت مفردة (رَيْحَانَة) بصيغة المفرد المؤنث مرتين في نهج البلاغة، في حين استعملت اللفظة نفسها بصيغة الجمع على (فَعْلان) مضافة إلى ضمير الغائب (رَيْحَانَهُ) مرة واحدة (6)، للدلالة على الغضاضة وطيب الرائحة وصفاً للمرأة التي وصفها الإمام بكونها (رَيْحَانَة) في سياق حديثه عن (المرأة) من وصيته للإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) التي يقول فيها : ((... وَلَا تُمَلْكِ الْمَرْأَةَ مِنْ أَمْرِهَا مَا جَاوَزَ نَفْسَهَا فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةً وَلَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ)) (7). ووصفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) المرأة بـ (الرَّيْحَانَة) بيان إلى أنها غَضَة طَرِيّة طيبة النَّفْس والروح، وهذه هي الفطرة الإلهية التي فُطرت عليها. فاستعار لها لفظة (الرَّيْحَان)، لكونها محلاً للطيب و اللذة والاستمتاع (8).. يعضد هذا الوجه استعمال الإمام مفردة (قَهْرَمَانة) نقيضاً وضداً للفظة (رَّيْحَانَة)، كأنه يومئ بذلك إلى دلالة الطَّيْب والغضاضة والرّقة بذكر النقيض الذي يمثل جانب التسلّط والشدّة والقهر، ومجانية العدل فضلاً الرغبة في التملك، وإدارة الأمور وتعبير الإمام المتقدم يرشد إلى عدم تمكين المرأة من السيطرة على الرّجل، والتَّجَبّر عليه، من خلال أخذ صلاحياته التي خوّله الباري جل جلاله في القوامة على المرأة بما فضل اللّه بعضهم على بعض. فامتلاك المرأة أو منحها الحقوق التي ليست لها سَيَجُرّها إلى القهر والغلبة، ويخرجها من غضاضة شأنها وطِيْب نَفْسها و نَفسها. وفي التعبير العلوي قضية اجتماعية، فنفيه صفة الـ(قَهْرَمَانَة) عن المرأة بيان إلى أنّها لم تُخْلَق لتكون حاكمة متسلطة، وإنّما خلقت لتكون زوجة محكومة بطاعة زوجها فيما يرضي اللّه تبارك وتعالى. فإنها خُلِقَت للرّقة والحنان والدّعة والاطمئنان (9). وهذا الأمر يدعونا إلى أن فهم الفارق بين كونها (رتنبغي أيحانة) أي طيّبة محبوبة كما هو الرّيحان الذي يتصف بالغضارة وطيب الرائحة، فكذلك المرأة التي ينبغي أن تكون محبوبة مصانة ينبغي أن تعامل برقة، ليكون لها حضورها العاطفي في قلب الزوج (10).


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 5 / 313، والديباج الوضي : 5 / 2442.

2) ينظر : تهذيب اللغة (روح) : 177/2، لسان العرب (روح) :455/2.

3) ينظر : لسان العرب (روح) : 455/2.

4) نفسه.

5) نفسه.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 196.

7) ينظر : نهج البلاغة : ك513/31.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن ابي الحديد): 96/16، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 291/5.

9) ينظر : في ضلال نهج البلاغة : 531/3، والمرأة في نهج البلاغة : د. نجوى صالح الجواد : 224.

10) ينظر : المرأة في نهج البلاغة : 225.

أمّا الموضع الثاني الذي جاءت فيه مفردة (رَيْحَانَة)، فهو قوله، لمّا سُئل عن (قُريش) وبني (مَخْزُوم)، فقال: ((أَمَّا بَنُو مَخْزُومٍ، فَرَيْحَانَةُ قُرَيْشٍ نُحِبُّ حَدِيثَ رِجَالِهِمْ وَالنِّكَاحَ فِي نِسَائِهِم...)) (1). وسياق حديثه (عَلَيهِ السَّلَامُ) سياق موازنة بين هذه القبيلة وبني (عبد شمس) و (اهل البيت)، وقد عبّر عن هذا الضرب من المدح لبني (مَخزُوم) بوصفهم بأنّهم (ريحانة قريش) أي: لُبّها وصفوتها. وبنو مخزوم بطن من قريش، وهو مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب ابن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك (2). و كان لمخزوم هذا ريح طيّبة كالخُزامي ولون كَلونه. ولعل هذا المعنى هو الذي دعاهم إلى أنّ يسمّوا هذا البطن من لؤي بن غالب بن قريش (ريحانة قريش) لريحه الطيبة (3). ويبدو أنّ هذهِ الدلالة أو التسمية الغالبة على بني مخزوم كانت شائعة، ولهذا ضَمّنها الإمام في كلامه، فضلاً عما تدل عليه مفردة (ريحانة) من معنّى يشتمل على طيب الرائحة والمنزلة بين الأشجار، فيكون المعنى الذي قصد إليه الإمام أنّ بني مخزوم في قريش بمنزلة الرّيحان في الأشجار (4). وذهب بعض الشراح إلى أنّ قوله : (بنو مخزوم ريحانة قريش) ليس وصفاً من إنشاء الإمام، وإنما كان مقولة سائدة قبله وفسّره الإمام بتفسير حَسنِ، فلم يُقْصر الأمر على حب النكاح في نسائهم، بل زاد عليه حب حديث رجالهم. واستدل على ذلك بالحوار الذي دار بين بعض بني مخزوم وبني تميم، لما افتخر بعضهم على البعض الآخر، فذكر المخزومي سبب وصف قبيلته بـ (رَيْحَانَةُ قُرَيْش)، معللاً ذلك بحظوة نسائهم عند الرجال (5).

أقول : وهذا يتناسب مع دلالة مفردة (الرَّيْحَان) على الغضاضة والرّقة، فضلاً عن طيب الرائحة وجاء الموضع الثالث الذي استعمل فيه الإمام لفظة (رَيْحَانَةُ) بصيغة الجمع في سياق حديثه عن النبي (عيسى) (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو بدلالة المأكول الطَّيِّب المَطْعَم : ((وَإِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ وَيَلْبَسُ الْخَشِنَ وَيَأْكُلُ الْجَشِبَ وَكَانَ إِدَامُهُ الْجُوعَ وَفَاكِهَتُهُ وَرَيْحَانُهُ مَا تُنْبِتُ الأَرض لِلْبَهَائِمِ)) (6). وفي كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعارة، إذ استعير لفظا (الفاكهة والرّيحان) لما تنبته الأرض (7). من طَيِّب المأكول طعماً ورائحة.

عَرْفه

العَرْف الرِّيْحُ الطَّيِّب (8). وقيل : بل هو الرائحة طيبة كانت أو مُنْتَنِةً، وأكثر استعماله في الرّيح الطَّيِّبَةِ. وهذا اللفظ من الأضداد، فإنّه يدل على الرائحة الطَّيِّبَة والمُنْتَنِة فى الوقت نفسه (9).


1) نهج البلاغة : قصا : 622/120، 623.

2) ينظر : نسب قريش : 97/1، شرح نهج البلاغة (البحراني) : 428/5.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 428/5.

4) ينظر : الديباج الوضي : 2811/6.

5) ينظر : ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، للثعالبي : 1/ 298، وربيع الأبرار للزمخشري : 1/ 463. وقد نقل صاحب (العقد الفريد) عن بعضهم أنّ التسمية المتقدمة لاتدل على الفخر وإنما تدل على الذّم، فذلك يدل على خَوَر رجالهم، ولين نسائهم وضعفهن. ينظر : العقد الفريد 46/4.

6) نهج البلاغة : خ/ 16: 283.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 653/3.

8) ينظر : العين (عرف) : 122/2.

9) ينظر : لسان العرب (عرف) : 240/9.

وقد وردت لفظة (عَرْفُه) مرتين في نهج البلاغة (1)، للدلالة على الرّائحة الطَّيِّبَة الزكية التي تأخذ الأنفاس. وكان الاستعمال الأول منهما في سياق حديثه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن خَلْق آدم الذي يقول : ((وَلَوْ أَرَادَ اللّه أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُورٍ يَخْطَفُ الْأَبْصَارَ ضِيَاؤُهُ، وَيَبْهَرُ الْعُقُولَ رُوَاؤُهُ، وَطِيبٍ يَأْخُذُ الْأَنْفَاسَ عَرْفهُ، لَفَعَلَ...)) (2). والعزف ما يُشمّ من رائحة طيّبة، وقد أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) - هنا - الرائحة الطيبة التي يَعْظُم وَقْعُها في النفوس، ويَعْظم تأثيرها في الخياشيم من عَبْقَة ريحها ونفوذه (3).

وأمّا المعنى الآخر، فهو في سياق حديث الإمام عن علاقته بالنبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله) وقُربه منه، بعد حديثه عن شجاعته وفضله. إذ يقول : ((أَنَا وَضَعْتُ فِي الصِّغَرِ بِكَلَاكِلِ الْعَرَبِ... وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللّه (صلى اللّه عليه وآله) بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ، وَالْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ، وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنَا وَلَدٌ يَضُمُّنِي إِلى صَدْرِهِ، وَيَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ، وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ، وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ)) (4). وقد اتخذ (5)من هذه المفردات الواردة في النص سبيلا لبيان قوة ارتباطه بالنبي الأكرم لِيُبَيِّن أنّه رَبيْب رسول اللّه. فذكر قوله (وَيُشِمُّنِي عَرْفَه)ُ، الذي ساقه لبيان تمتّعه بطيب عطر النبي ورِيْحُهُ الطَّيِّبة الزكية التي تنبعث من جسم (صلى اللّه عليه وآله) ومجِيئُوه بالتعبير المتقدم يدل على شدة قربه من النبي الخاتم الذي كان الإمام يعيش في كنفه ملاصقاً له، حتى مس جسده جسد النبي، في إشارة إلى حصول تبرّكه بملامسة جسم الرسول له، كأنّه يوحي بأن أنفاسه هي أنفاس النبي وبدنه جزء من بدن النبي أيضاً، لحصول البركة بملامسته النبي الأكرم، سواء أكانت هذه الملامسة على سبيل القرب المادي أم القرب المعنوي ويبدو لي أنّ الإمام يشير بكلامه المتقدم إلى قول النبي (صلى اللّه عليه وآله) الذي يبيّن فيه فضيلة من مس جسمه جسم النبي بقوله : ((مَنْ مَسَّ جِسْمُهُ جِسْمِي لم تَمَسُّسُّهُ النار)) (6). وقوله (صلى اللّه عليه وآله) (مَنْ مَسَّ دِمِي دَمَهُ لم تُصِبْهُ النار)) (7). كأنَّ النبي يريد بذلك الحثّ على ملازمته والجلوس في مجلسه، فضلاً عن الوقوف معه في مواقف السلم والحرب. وقد ذهب بعض الشرّاح إلى تفسير مفردة (عرفة) في قول الإمام بـ (عَرَقه). في إشارة إلى كونه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يشم رائحة عرق جسم النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله). وهذا أمر محتمل، لأنّ عَرق جسمه بمنزلة (عرفه) وكلاهما من البركة بمكان. وفي ذلك كله إشارة إلى سكون الإمام إلى النبي وشدّة اختصاصه به، بحيث تطمئن نفسه وتطيب أساريره عنده.


1) ينظر : تهذيب اللغة (عرف) : 240/2، و المحكم (عرف) : 2/ 111.

2) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 300.

3) نهج البلاغة : خ : 192 : 360.

4) ينظر : الديباج الوضي : 4/ 1977.

5) نهج البلاغة : خ : 378/192.

6) لم أعثر على هذا الحديث في ما توافر لدي من كتب الحديث النبوي. وقد ذكره صاحب (الديباج الوضي) في شرحه لنهج البلاغة : 4/ 2051.

7) السيرة النبوية (ابن هشام) : 29/4، والديباج الوضي : 2051/4 هامش (4).

المسك

المِسْك - بكسر الميم – معروف، وهو الطَّيب (1). واحدته (مِسْكه) (2). ويقال لكل قطعة منه (حَصَاة) (3). وغالباً ما يؤخذ من نبات البرّ الذي يسمونه (نبت البَر) الذي تكون ريحه أطيب من الخُزامى (4).

والمسك من الألفاظ الفارسية المعربة في العربية كما نص على ذلك غير واحد من اللغويين (5). وقد أومأ إلى ذلك الخليل الذي ذكر أنه لفظ ليس بعربي محض (6). ويُذكَر أنّ العرب كانت تُسَمِّي هذا الضرب من الطيب، المَشْمُوم (7).

واستعملت مفردة (المسك) مرتين في نهج البلاغة (8)، للدلالة على المسك ذي الرائحة الطيبة الجليلة. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صفة الجنة، وما فيها من روعة وبهجة : ((فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَمَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَى الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا وَزَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا وَلَذَهِلَتْ بِالْفِكْرِ فِي اصْطِفَاقِ أَشْجَارٍ غُيِّبَتْ عُرُوقُهَا فِي كُثْبَانِ الْمِسْكِ عَلَى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا)) (9). ويبين الإمام، في هذا النص، صورة من من صور الجنّة، موظفاً أسلوب الاستعارة في إظهار هذا الوجه من جمال الجنّة، فجعل (كثبان المسك) أرضا تنبت فيها عروق أشجار الجنّة. وهذه الأرض مكونة من المسك ذي الرائحة الطيبة بدلاً من التراب المعروف فكأنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يومئ إلى طيب هذه الأشجار وطيب ثمارها، وهذا كله متأتٍ من طيب منبتها وشرفه.

وثَمة موضع آخر امتدح فيه الإمام (المسك)، واصفاً إياه بخفّة المحمل وعِطر الرائحة وجمالها. وذلك في (قصا / 397).

عَطِر

العِطر اسم جامع الأشياء الطَّيْب (10). وبَيّاعُه (العطار)، وحرفته (العطارة) (11). يقال : رجل عَطر وامرأة عَطِرة، إذا كانا طَيِّبَي الرّيح من تعاهد أنفسهما بالطَّيْب من العِطر (12).


1) ينظر : العين (مسك) : 5/ 218، و تهذيب اللغة (مسك) : 2/10.

2) ينظر : المخصص : م /3 : س / 11 : 199.

3) نفسه: 200.

4) ينظر : لسان العرب (مسك) :487/10.

5) ينظر : العين (مسك) : 5/ 218، و تهذيب اللغة (مسك) : 52/10، والمعرّب : 373، و لسان العرب (مسك) : 487/10، و تاج العروس (مسك) : 27 / 31. ومن الجدير ذكره ان محقق كتاب (المعرب) قد ذكر أنّه لم يجد من قال بأعجمية هذه اللفظة غير الجواليقي. ينظر : المعرب : 373: هامش (4) غير ان الكثير من اللغويين ممن سبق الجواليقي أو جاء بعده قد أشار إلى اعجميتها.

6) ينظر : العين (مسك) : 5/ 218.

7) ينظر : لسان العرب (مسك) : 487/10.

8) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 421.

9) نهج البلاغة : خ/ 165 : 300.

10) ينظر : العين (عطر) : 8/2، و تهذيب اللغة (عطر) : 97/2.

11) نفسهما.

12) نفسهما.

وقد وردت مفردة (عَطِر) مرة واحدة في نهج البلاغة (1). دالة على الرائحة الطيبة المنبعثة من (المسك)، وذلك عند مدح الإمام هذا الضرب من الطَّيِّب. يقول الإمام : ((نِعْمَ الطَّيْبُ المِسْكَ، خَفِيفٌ مَحْمِلُهُ، عَطِرٌ رِيحُهُ))(2). يذكر النص جملة من الصفات التي ينماز بها (المسك)، فهو من الطيب الخفيف المحمل على النفس من جهة وزنه وحجم ما يوضع فيه من أواني، فضلاً عن الخفّة في قوّة نفاذه إلى النّفس التي تطيب إليه وترتاح من حمله وبنّه في البدن. ولهذا وصفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكونه عَطِر الرّائحة ثناء منه على تلك الخصال المتقدمة. كأنّه يومئ إلى تَفَرّد هذا الطَّيْب عن بقية العطور بِخِفّة المَحْمل وكريم الرائحة.

أقول : ومما يلفت النظر في هذا التعبير المتقدم استعماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (عَطر) بوزن (فَعِل). وهذا البناء من أبنية الصفة المشبهة الذي يصاغ من (فَعِلَ) اللازم (3). وأكثر ما يشيع فيه هذا البناء هو الدلالة على الأدواء الباطنة العارضة غير الثابتة من الأوجاع وغيرها، نحو (مَرِض وتَعِب وبَطِر، وفَرِح) (4). وقد اختلفت دلالة هذا البناء في كلام الإمام الذي استعمل مفردة (عَطِر) بدلالة مختلفة عما أورده الصرفيون الذين ذكروا دلالات هذا البناء فذهبوا إلى أنّه من الأبنية التي تدل على العرض الحادث الذي لا يكون راسخاً مستقراً فيها فإنه مما يحصل ويسوغ زواله (5)، ويغلب فيما يكره أمره من الأوجاع والعيوب، و ما يعسر من المكروهات بعامة (6). وهذه الوجوه تخالف ما الدلالة التي وظف بها الإمام البناء المتقدم، إذ ألبَسَه معنى الثبوت لما وُصف به ؛ فإنه قصد بقوله (عَطِرٌ رِيْحُه) الدلالة على كون (ريح المسك) ثابتة دائمة غير عارضة، وهذه دلالة يلمح فيها الثبات وعدم الطُّرُوء، فضلاً عن ورودها فيما لا يُكره أمره من الأوجاع والعيوب التي المح اللغويون إلى انحصار البناء المتقدم بها. بل وجدتُ العكس في كلام أمير المؤمنين الذي ساق هذا البناء فيما يُحبّ ويُستطاب من المَشمُوم، وهو (المِسْك) الذي يتّسم بطيب رائحته ونفاذ عطره. وهو أمر ثابت فيه لاينفك عنه. كما أنه فى المحبوب المرغوب دون المكروه.


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 306.

2) نهج البلاغة : قصا / 682:397.

3) ينظر : معاني الأبنية : 78.

4) نفسه : 78، 79.

5) ينظر : شرح الشافية : 1 / 72، و معاني الأبنية : 82.

6) ينظر : كتاب سيبويه : 4 / 21، و معاني الأبنية : 83.

الظواهر اللغوية

• شاعت ألفاظ الحلي والجواهر والأحجار الكريمة في (خ / 165)، وهي الخطبة الخاصة بوصف (الطاووس) إذ وظف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه المفردات في مقام التشبيه، في إشارة إلى مجال هذا الطائر وبديع خلقه.

• استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الكثير من أبنية الجمع في هذا الحقل الدلالي بحيث شاعت تلك الأبنية في هذا المبحث، فجاءت لفظة (أسَاوِرة) بصيغة منتهى الجموع، ولفظة (رُعُثها) بوزن (فعل)، و (فُصوص) بوزن (فُعُول)، و (كبائِس)، و (قَلائِد)، كلاهما بوزن (فَعَائِل)، وهو من أبنية الرباعي المختوم بالتاء الذي ثالثه حرف مد.

وقد كان نصيب الأبنية الغريبة القليلة الاستعمال في العربية بنائين ؛ الأول هو بناء (لُؤْلُؤً) وهو اسم جنس جمعي يفرّق بينه وبين مفردة بـ (التاء)، ومفردة (لُؤْلُؤة) وهذا البناء من الأبنية القليلة الغريبة في العربية كما يذكر ابن عطية الغرناطي، وهو يجمع على (فَعَالِل)، فيقال فيه (لآلئ). أما البناء الثاني، فهو بناء (يَاقُوت) بوزن (فَاعَول)، وهو من الأبنية غير العربية، ويبدو أنّ اللغويين حكموا بأعجميّة لفظة (يَاقُوت)، لكونها على هذا الوزن الذي يعد من الأبنية غير العربية أصلاً.

• استعمل الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (ذُهْبَان) بَوْزن (فُعْلان) جمعاً مكسراً، وهو من أبنية جموع الكثرة ولكن مجيء (ذُهْبَان) بهذه الصيغة من الاستعمالات القليلة في اللغة ؛ حتى أنّ اللغويين لم يذكروا هذا اللفظ جمعاً لمفردة (ذَهَب)، إلا الزمخشري والفيومي منهم.

• ورد لفظ (لُجين) بوزن التصغير على (فُعَيْل)، للدلالة على الندرة والجودة

• وردت في كلام الإمام جملة من المصادر الصناعية في هذا المبحث، منها لفظة (زَبَرْ جَدِيَّة)، (عَسْجَديّة).

• وقوع ظاهرة الترادف الجزئي بين ألفاظ (تبر)، ذَهَب، (العِقْبان)، وبين (الفِضَّة، اللجين، الوَرِق) و (الزبرجد والزُّمُرد)، و (اللؤلؤ، والدّر، والمَرْجان)، و (زبرج و زخرف) و (المُكَلّل والوِشاح)، (أساورة، وقُلْبُها).

• ثَمة علاقة تقابل دلالي بين الألفاظ التي أوردها الإمام مُريداً بها الدلالة اللونية، فإن لكل جوهرة لون يميزها عن غيرها، ولهذا فإنَّ لفظة (خُضْرَة زَبَرْجَدِية) تقابل (صُفْرَةً عَسْجديّة)، وهذا ناشيء من اختلاف لون كل حَجَرٍ منهما.

• تبين من خلال البحث وجود علاقة تضام، أو اشتمال بين ألفاظ (الحلي)، والذهب، والفضة، وجواهر). و (فلز، والذهب، والفضة، الحلي).

• ورد في كلام الإمام جمهرة من الألفاظ المعرّبة، وهي (الزَّبَرْجد، والزُّمُرّد، وأَسَاوِرة، ويَاقوتة).

• استعملت ألفاظ (حجلها، ورعثها، وقلبها، وقلائدها) بدلالتها الحقيقية على الحلي التي تستعملها النساء في الزينة.

• تطورت بعض الألفاظ التي استعملها الإمام ؛ فانتقلت لفظة (الورق) من دلالتها على الفضة إلى الدلالة على المال أو على الفضة المضروبة مثلما انتقلت لفظة (جواهر) من دلالتها على ضروب الحل- والزينة إلى الدلالة على جواهر الرجال ومعادنهم التي جبلوا عليها، ومثلما صارت لفظة (تبرا) دالة عند الإمام - على جواهر الأرض جميعاً بعدما كانت تستعمل في الدلالة على الذهب خاصة. وضيّق الإمام لفظة (فلز) فجعلها دالة على (اللجين والعقيان) بعدما كانت تدل على جواهر الأرض من الذهب والفضة والنحاس وغيرها.

• انزاحت مجموعة من الألفاظ من دلالتها الحقيقية إلى دلالة أخرى، ومن ذلك لفظة (زبرج) التي نقلها من الدلالة على (الذهب) إلى الدلالة على الملك الخادع المموه تشبيهاً له بالزخرف من الحلي الكاذبة المموهة. وشبيه بذلك لفظة (كبائس).

جدول دلالي يبيّن شيوع ألفاظ الزينة ومتعلقاتها مرتبة بحسب كثرة كل مفردة على الأخرى

الجواهر والحلى : زخرفها، الذهب، الحلي، زبرجها، العِقْيَان، الدر، الزبرجد، الفضة، اللجين، نطقت، الورق، تبراً، تيجان، جواهر، حجلها، رُغثَها، زُمُرَدة، أساورة، عَسجَدِيَّة، فصوص، فلز، قُلْبَها، قَلَائِدَهَا، كَبَائِس، المُكَلّل، اللُّؤْلُوَ، المَرْجَانِ، وشَاحُة، يَاقوتة

ألفاظ الزينة :صبغ الكحل، الخضاب، مداري، العظلم، الوسمة

العطر والرياحين : طِيْبٍ، رَيْحَانَة، المِسْكَ، عِطْرِ

الفصل الخامس: ألفاظ الألبسة ومتعلقاتها

إشارة:

المبحث الأول: ألفاظ ألبسة الجسم

1 - الثياب النّاعمة من الحرير وغيره.

الرِّيَاش

الرِّيش كُسوة الطائر، واحدته ريشة (1). والرِّياش اللباس الحَسِن الفاخر (2). وقيل بل الرِّياش كلّ اللباس، أو ما ظهر من اللباس (3). ويقال فلان حسَن الرِّيش أي حسن الثياب (4). و الرِّياش، أيضاً، الأثاث من المتاع وما كان من لباس أو فِرَاش (5).

وقد استعملت لفظة (الرّياش) محلاة بـ (ال)، ومفردة (رياشاً) مرتين لكل منهما في نهج البلاغة (6)للدلالة على اللباس ونعومة العيش ورفاهيته ومن ذلك ما جاء في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فى مقام ذكر نعم اللّه تبارك وتعالى على العباد الذي يقول فيه: ((أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللّه بِتَقْوَى اللّه الَّذِي أَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ وَأَسْبَغَ عليكم الْمَعَاشَ...)) (7). و السياق سياق وصيّة بتقوى اللّه وذكر فضله على العباد من الْبَاسِ الناس وإنزال الأرزاق عليهم، فوظف الإمام مفردة (الرّياش)، في إشارة الى ضروب النّعم في إكسائهم بشتى أنواع الثياب والألبسة الناعمة التي توحي بالستر والزينة التي يزدهي بها بنو آدم.ويمكن أن تحتمل المفردة المتقدمة الدلالة على أنواع متعددة من لوازم العيش الرغيد من المتاع والفرش التي يحوزها المرء له ولبَيْته. وليس ببعيد أن تدل المفردة على نعومة الحياة ورفاهها، وهو ما توحي به لفظة (الرّياش). أما لفظة (المعاش)، فهي مأخوذة من (العيش)، والمعاش، والمعيشة ما يُعاش به (8)، ويغلب ذلك على الملبوس و المطعوم من المأكل أيضاً حسبما يذكر بعض الشرّاح (9). وربما دلت هذه المفردة على (المال) الذي يعتاش به ووفرة أسباب الحياة. فكأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ساق الكلمة المتقدمة لبيان مظاهر الخصب والنّماء والترف الذي أعده اللّه تبارك وتعالى للناس ؛ ليتمكنوا من العيش في الحياة الدنيا. ويلحظ أن الإمام أراد أن ينبّه المخاطبين الى عدم دوام الحياة واستمرارها مع كل ما فيها من لوازم وأسباب لهذه الحياة. وبهذا يكون الإمام قد وسّع من دلالة هذه اللفظة لتكون دالة على لوازم لحياة الإنسان، من أثاث وفراش وبُسُط وغيرها. ويبدو الأثر القرآني واضحاً في استعماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه المفردة ؛ ولاسيما قوله وتعالی: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ


1) ينظر : العين (ريش) : 283/6.

2) نفسه.

3) ينظر : تهذيب اللغة (ريش) : 120/4.

4) ينظر : لسان العرب (ريش) : 308/6.

5) ينظر : تهذيب اللغة (ريش) : 120/4.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 198.

7) نهج البلاغة : خ / 821 :331.

8) ينظر : لسان العرب (عيش): 321/6.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني): 714/3.

لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (1). فكلامه يتّسق مع الآية المباركة، ويتّضح ذلك من خلال افتتاح كلامه بالوصية (بالتقوى) والآية الكريمة المتقدّمة عدّت (اللباس والرّيش) ضرباً من (التقوى).

وقد ذكر المفسرون أن (الرِّيش)، في الآية، هو لباس الزينة، وهو مستعار من ريش الطيور؛ لأنه لباسه وزينته الذي يكتسي به. والمعنى : أنه أنزل على بني آدم لباسين ؛ لباس تواري به السوءة، ولباس آخر للزينة (2). وذلك يعني أن لباس المواراة هو السّتر الذي يستر به الإنسان معايبه ومساوئه. وهو أيضاً لباس الورع والخشية من اللّه تعالى (3). في قبالة اللباس المادي الذي تمثله الألبسة التي يرتديها المرء وغيرها من لوازم الحياة ومتاعها. وقد ذهب ابن عباس الى تفسير (الرّيش) في الآية بالمال (4).وهذا الوجه مأخوذ من الدلالة اللغوية للمفردة المتقدمة. يؤيدها قراءة قوله تعالى : (وَرِيْشًا) بـ (وَرِياشًا)، جمع رِيش.(5). وذكروا أنّ هذه القراءة تدل على سعة الرزق ورفاهية العيش، فضلاً عن الدلالة على الملبس (6).

أقول : وليس ببعيد أن تكون لفظة (الرّياش) في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمنزلة الرّيش للإنسان على أساس كونه كسوة له، ومن جهة اعتباره زينة. الذي يستوحى منه معنى الستر. وهذا كله يتضمن الدلالة على التفضّل والإنعام (7).

أقول : ولم يبعد شراح نهج البلاغة عما ذكره اللغويون والمفسرون في دلالة لفظة (الرّياش)، فقد ذهب الشارح ابن أبي الحديد الى أنها تدل على اللباس (8). وزاد بعضهم عليه بأن جعلها مخصوصةً بالفاخر من اللباس والكسوة.(9). وقيل : بل هي دالة على الزينة (10). وقد وردت لفظة (الرّياش) و (رياشا) بالدلالة المتقدمة نفسها في (خ/ 83، 109،160).

دِيبَاج
إشارة:

الدَّبْج- في اللغة - النَّقْش والتزيين (11)، ودَبَجَ المطر الأرض يَدْبُجها. إذا رَوَّضها وزيَّنها (12). والدِّيباج. ضَرب من الثياب المتخذة من الإِبْرِيْسَم وهي ثياب منسوجة مُلوّنة الواناً (13).

أمّا أصل هذه المفردة، فقد ذكر اللغويون أنّ أصلها (دبَّاج) بـ (بَاءَيْن)، فقلبت إحداهما ياءً، وهي نظيرها كلمة (دينار) التي أصلها (دِنَّار) على سبيل المخالفة الصوتية. ولهذا جمعت مفردة (دِيْبَاج) على (دَبَابِيْج)


1) الأعراف /26.

2) الكشاف : 9 : 93/2.

3) نفسه.

4) ينظر : الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للسيوطي : 3 / 434.

5) ينظر : الكشاف : 93/2، والمحرر الوجيز : 2/ 388.

6) ينظر : المحرر الوجيز : 2/ 388.

7) نفسه.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 74/10.

9) ينظر : الديباج الوضي : 1308/3، ونهج البلاغة (عبدة) : 235/2 هامش (6)، ومصادر نهج البلاغة وأسانیده: 371/2هامش (3).

10) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 651/3.

11) ينظر : المحكم (دبج) : 347/7، والمخصص: م/1 :س/4 : 76.

12) ينظر : المحكم (دبج) : 347/7.

13) ينظر : لسان العرب (دبج) : 262/2.

حسبما يذكر اللغويون (1). و فُسّر هذا الإبدال بين (الباء والياء) ؛ بأنّه استثقال لتضعيف الباء (2). وقد ذكر اللغويون أنّ (الدِّيباج) - بكسر الدال - أكثر صواباً من الفتح (3)لأن الفتح مُوَلَّدٌ (4).

ويجمع اللغويون على أن لفظة (الدِّيباج) من الألفاظ الفارسية المعربة التي استعملها العرب (5). وأصل اللفظة في الفارسية هو (ديوباف). ومعناه : نِسَاجة الجِنِّ (6). وقيل : إنّما هو (دِيْباري)، وعُرّب بإبدال الياءِ الأخيرة (جيماً). وذهب بعض اللغويين الى أنّ أصله (ديباً)، وعُرِّب بزيادة (الجيم) العربية، فصار (دِيْبَاج) (7). وقد تبنى هذا الوجه الاخير (ادي) شِير)، الذي ذكر أنّ (دِيْبَا) في اللغة الفارسية مركّب من (ديو)، ومعناه (جِنٌ) و (بَاف)، وهو النَّسْج (8).

استعملت مفردة (دِيْباج) مرتين في نهج البلاغة محلاة بـ (ال)، والثانية مجردة منها و مضافة الى ضمير الغائب (9)، للدلالة على ما يأتي

أولاً : الدلالة على اللباس المُزَّيِّن المتخذ من الإبريسم

وهو ضرب من الثياب العالية التي يتزيا بها أصحاب الثراء والنّماء. يقول أمير المؤمنين في وصف الْأَتْرَاكَ : ((كَأَنِّي أَرَاهُمْ قَوْماً... يَلْبَسُونَ السَّرَقَ وَالدِّيبَاجَ وَيَعْتَقِبُونَ الْخَيْلَ الْعِتَاقَ...))(10). والسَّرَقِ والديباج كلاهما من الثياب المصنوعة من جيد النسيج وأغلاه، فالأول هو شقاق الحرير الأبيض، وهو أجود أنواعه، وهو لفظ معرّب من الفارسية أيضاً (11). والثاني من الفاظ الألبسة هو الإبرسيم المنقوش المُزيّن الذي لا يقل شأناً عن الحرير. ويلحظ أنّ الإمام قد استعمل هاتين المفردتين، وهما من الألفاظ المعرّبة، وذلك – فيما أظن - ملاءمة لنسق المُتَحدَّث عنهم بوصفهم من الأعاجم، فضلاً عن إظهار صورة البذخ والإسراف فيهم. وهي عادة لا يشجع عليها الدين الإسلامي الحنيف وينبذها حتّى أنه حرّمها على المسلمين من الرجال دون النساء ويبدو أنّ ذكر هذين الضربين من ألفاظ ألبسة الحرير جاء إشارة إلى تنوع لباس هؤلاء الأتراك وتعدده، فإنهم يلبسون الناعم من الحرير ذي اللون الأبيض، فضلاً عن الخشن المنقوش منه، وهو (الديباج)

ثانياً: وأمّا الدلالة الثانية، فهي روعة التنظيم وحسنه، فضلاً عن تناسق الألوان


1) ينظر : تهذيب اللغة (دبج) : 483/3.

2) ينظر : تهذيب اللغة (دبج) : 356/10، ولسان العرب (دبج) : 262/2.

3) ينظر : العين (دبج) : 88/6، والمخصص : م/1 :س/4 : 76.

4) ينظر : لسان العرب (دبج) : 262/2.

5) ينظر : كتاب سيبويه : 3 / 234، والمخصص : م/1 : س / 76:4، والمعرب : 188.

6) ينظر : المعرب : 188، و تاج العروس (دبج) : 544/5.

7) ينظر : تاج العروس (دبج) : 544/5.

8) ينظر: الألفاظ الفارسية المعربة، لادّي شير : 60، والمعرّب : 188 هامش (4).

9) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 151.

10) نهج البلاغة : خ / 234:128.

11) ينظر : لسان العرب (سرق) : 155/10.

يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق وصف الطاووس : ((قَلَّ صِبْغَ إِلَّا وَقَدْ أَخَذَ مِنْهُ بِقِسْطِ وَعَلَاهُ بِكَثْرَةِ صِقَالِهِ وَبَرِيقِهِ وَبَصِيصِ دِيبَاجِهِ وَرَوْنَقِهِ، فَهُوَ كَالْأَزَاهِيرِ الْمَبْثُوثَةِ...)) (1).

يريد : أنّ ريش هذا الطَّيْر مُتَناسِقٍ مُنتظم، كأنّه مُدبّج بعضه مع البعض الآخر، وهو ما يزيده لمعاناً وحُسْناً. وقد انتقل معنى المفردة المتقدمة الى الدلالة على الزينة والحُسْن في النّظم. وهذا التعبير يشتمل على إظهار أنّ نَسْجِ ريش الطاووس كَنَسْجِ الديباج المخلوط بالحرير وغيره من الروائع المنسوجة (2).

رَيْط

الرَّيْطة مُلاءة كلّها بِنَسج واحد، وجمعها رياطٌ (3). وقيل : هي كلّ ثوب لَيِّن رقيق (4). والرَّيْطة لا تكون إلا بيضاء اللون (5). ويشرط اللغويون في تسميتها بذلك (الرَّيْطة) أن تكون غير ذات لَفْقَين. أي : أن لا يُضَمِّ بعضها الى بعض الآخر بخيط أو نحوه (6).

ومفردة (رَيْط) من الفاظ الإمام علي الواردة في نهج البلاغة ؛ فقد استعملت فيه مرة واحدة (7). وبدلالة اللباس المتعدد الالوان الذي اكتست به الأرض، وليس الانسان، ومن خلال ما خرج من الأرض من عُشْبِ وأزهار. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((فَلَمَّا أَلْقَتِ السَّحَابُ بَرْكَ بِوَانَيْهَا (8)، وَبَعَاعَ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ مِنَ الْعِبْءِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا، أَخْرَجَ بِهِ مِنْ هَوَامِدِ الأَرض النَّبَاتَ، وَمِنْ زُعْرِ (9)الْجِبَالِ الْأَعْشَابَ، فَهِيَ تَبْهَجُ بِزِينَةِ رِيَاضِهَا، وَتَزْدَهِي بِمَا أُلْبِسَتْهُ مِنْ رَيْطِ أَزَاهِيرِهَا...)) (10). وقد وظف الإمام مفردة (رَيْطِ) الدالة على اللباس الناعم الأبيض اللون ؛ لإظهار زِيّ الأرض بعد هطول المطر عليها، فصوّرها بصورة اللباس المزدهى بألوان من أزاهير متعددة كلّها خضرة وبهاءً وناسباً الازدهاء واللبس الى الأرض، تشبيها لها بالمرأة المُتبجِّحَة بما عليها من فاخر الثياب (11)فكأن الإمام لما ذكر أزاهير الأرض، وصفها بـ (النَّوْر)، وهو الزّهر الأبيض الذي يشبه الأقحوان المختلط بألوان متعدّدة، فجَسَّد الأرض وجعلها بمنزلة المرأة التي ترتدي هذا الضرب من الملاءات. ويظهر أن هذه المفردة لم تكن بالدلالة التي اقتصر عليها اللغويون، وإنما تجاوز بها الإمام الى الدلالة على جمال الأرض وخضرتها التي تتنوّع الوانها لتعدد أزاهيرها، غير أن الغالب عليها هو اللون الأخضر الذي تكتسي


1) نهج البلاغة :خ / 165 : 298.

2) ينظر : الديباج الوضي : 1375/3.

3) ينظر : العين (ريط) : 448/7، والمحكم (ريط) : 216/9.

4) ينظر : لسان العرب (ريط) : 307/7.

5) ينظر : تهذيب اللغة (ريط) : 420/4، و لسان العرب (ريط) : 307/7.

6) ينظر : وتاج العروس (ريط) : 317/19، و المغرب : 357/1.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 198.

8) البعاع ثقل السحاب من الماء. ينظر : لسان العرب (بعع) : 17/8 .

9) الزّعر شعر الرأس، ويطلق على ريش الطائر أيضاً. ويشبه الإمام - هنا - الأعشاب التي تنمو في الجبال بزعر الشعر. يريد القليلة النبات تشبيهاً لها بقلة الشعر في الرأس. ينظر : لسان العرب (زعر) : 323/4. وقد نقلت المدونات اللغوية هذه المفردة ودلالتها عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ). ينظر : النهاية في غريب الحديث :303/2، و لسان العرب (زعر) : 323/4.

10) نهج البلاغة :خ / 91 : 164.

11) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 458/2، و 460.

به الأرض. وبهذا تكون المفردة المتقدمة غير مقتصرة على اللون الأبيض الذي شرط اللغويون أن تكون لوناً للريطة من الألبسة. وفي ذلك ضرب من التوسع الذي لم يلتفت اللغويون اليه.

حلل
إشارة:

الحُلَّة (1)رداء وقميص تمامه العمامة (2). ويسمى فاخر القماش حُلَّة أيضاً من الوَشْي، والحِبرَة والخَرُّ والقَزُّ، والقُوهِيُّ، والحرير (3). ويقال للثوب الجديد حُلَّة أيضاً، وكل ثوب جَيّد جديد يلبسه المرء، رقيقاً كان أو غليظاً، فهو حُلَّة (4). وتتكون الحُلّة من ثوبين من جنس واحد ؛ وهما الإزار والرداء. ولا تسمّى الحُلّة بذلك الّا إذا كانت مكونة من ثوبين (5). وربّما تكونت من ثلاثة ثياب، القميص والإزار والرِّداء (6). والحُلَل بُرود يؤتى بها من اليمن ومواضع مختلفة منها (7).

وقد وردت مفردة (حُلَل) بصيغة الجمع مرّتين في نهج البلاغة، الأولى مجردة من (ال) التعريف، والثانية محلاة بها (8)، للدلالة على مايأتي:

الأولى : دلالتها على الحُلَّة المَنقُوشة المُنَمنمة

وهي ضرب من ثياب الحرير الغالية وهذا المعنى استعمله الإمام في سياق حديثه عن (عجيب خِلْقه الطاووس)، الذي صوّر جمال ريشه وروعته بقوله : ((وَإِنْ ضَاهَيْتَهُ بِالْمَلَابِسِ فَهُوَ كَمَوْشِيِّ الْحُلَلِ، أَوْ كَمُونِقِ (9)عَصْبِ الْيَمَنِ...)) (10). وفي النص ضروب من التشبيه بين ريش الطاووس، وهذه الألبسة المذكورة في النص، ووجه الشبه بينهما اجتماع الألوان ونضارتها وبهجتها (11). واستعمل الإمام لفظة (حلل) بصيغة الجمع. على (فعل)، كأنه يرتدي حُللاً لا حُلَّةً واحدة ؛ بسبب من تعدد الوانه وتنوعها، فمن ينظر اليه يحس أنه يرتدي أنواعاً من الوَشْي الأرقم الملون والحرير والبرود البيض الغالية (12). ولهذا قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((أَوْ مُونِقٍ عَصْبٍ الْيَمَنِ)). وعَصْب اليمن ضرب من البرود المنسوبة إلى بلاد اليمن. وهي من جميل النسج وجيده.

ثانياً : دلالتها على الآداب، والقيم الخلقية التي يتحلى بها المرء.


1) ينظر : تهذيب اللغة (حلل) : 283/3، ولسان العرب (حلل) : 172/11.

2) نفسيهما.

3) ينظر : تهذيب اللغة (حلل) :283/3.

4) ينظر : العين (حلل) : 2/3، و تهذيب اللغة (حلل) : 283/3، وكفاية المتحفظ : 226/1.

5) ينظر : تهذيب اللغة (حلل) : 283/3.

6) ينظر : تهذيب اللغة (حلل) : 283/3، و لسان العرب (حلل) : 172/11.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 122.

8) المونق المُعجب. ينظر : لسان العرب (أنق) : 10 / 392.

9) نهج البلاغة : خ/ 165 : 297.

10) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) :668/3.

11) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 209/9، والديباج الوضي : 1369/3.

12) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 209/9.

وقد أورد الإمام هذه المفردة للدلالة على الآداب التي يتحلى بها الإنسان، فهي كالحُلّة التي يلبسها ويتزين بها. يقول الإمام : ((الْعِلْمُ وِراثَةٌ كَرِيمَةٌ، وَالْآدَابُ حُلَلٌ مُجَدَّدَةً، وَالْفِكْرُ مِرْاَةً صَافِيَةٌ)) (1). فجعل هذه (الحُلل) مُجَدَّدة لا تَبْلَى كما تَبْلَى بقية الثياب من الحلل وغيرها. وإنما شبه الآداب بهذا النوع من المنسوجات ؛ لأنه أراد الإبانة عن فخامة مكارم الأخلاق التي يتحلّى بها الإنسان بشكل لا يقل شأناً عن فخامة الألبسة التي يتزيا المرء بها، فمثلما يلبس الحلل والقمص الفاخرة، فإنّه يلبس الأخلاق الرفيعة العالية التي تستره عن كل ما يُشِين ويستقبح. وقد استعار الإمام لفظ (الحُلّل) للأخلاق ؛ باعتبار دوام زينتها له، وتجدد بهائه وحسنه بها، فضلاً عن الإشارة الى تعدد الحلل وتنوعها، وهو ما يلمح الى الخصال الحميدة وتنوعها، فكلما تحلّى الإنسان بواحدة منها تجددت مكارمه وأخلاقه (2). ولهذا وصف (عَلَيهِ السَّلَامُ) (الآداب = الحُلل) بلفظة (مُجَدّدة)، في إشارة إلى هذا الضرب من التنوع والتعدد الذي يضفي تنوعاً وتكاملاً في الوقت نفسه لهذه الآداب على المرء، ولاسيما إذا اقترنت بالعلم والفكر معاً.

مَوشِى
إشارة:

الوَشْي تعدد الوان الشيء (3). وقيل : هو خَلط لون بلون آخر (4). وهو في الثياب نقش وتزيين وتحسين تعرف به، فتُسمّى الثياب موشّاة، إذا كانت مرقُومة منقوشة (5).

ومفردتا (مَوْشِيّ)، و (مُؤشّاة) من الفاظ نهج البلاغة التي استعملت فيه مرة واحدة واحدة لكل منهما (6)، للدلالة على الألوان المتناسقة التي تصير كالنقش عند اجتماعها في الثياب وغيرها. وقد ورد ذلك عند الإمام في نهج البلاغة بالدلالات الآتية:

أولاً : استعمال مفردة (مَوْشِيّ) بالدلالة المتقدمة،

وصفاً للحُلَل التي تلبس بنقشها ونمنمها المُزخرف، وذلك على نحو من التشبيه عند وصفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الطاووس الذي يقول فيه : ((وَإِنْ ضَاهَيْتَهُ بِالْمَلَابِسِ فَهُوَ كَمَوْشِيِّ الْحُلَلِ)) (7). إذ يُشَبّه ريش هذا الطير من حيث تناسق ألوانه وتنضيدها بشكل متناسق بـ (الْحُلَل الموشاة المنقوشة). ولتوكيد جمال نقشها ونمنمتها قدم مفردة (مَوْشِيّ) على (الحلل) عناية بها، لأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قصد فيما يبدو - التركيز على نظام الوان الطاووس وحسن نسجها وبديع ترتيبها، حتى بدت للناظر كالموشى من الحلل المتخذة من الإبريسم والحرير. ولهذا استغني عن تقديم مفردة (الحُلّل) على (المُوشّاة) في قوله المتقدم ؛ لأنّ المراد تشبيه الوان ريش الطاووس بالموشي من الحُلل وليس بالحلل المُوشّاة، رغبة، فيما يبدو، في إظهار جمال النقش واللون معاً، ولاسيما إذا كان ذلك على هيأة حُلَّة بهذا الوصف ؛ لأن الحُلَل قد تكون مَرقُومة أو غير مَرقُومة، والأَوْلَى أجمل وأكثر روعة.


1) نهج البلاغة : قصا / 5: 599.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 393/5، و الديباج الوضي : 2729/6.

3) ينظر : لسان العرب (وشي) : 15 / 392.

4) نفسه.

5) ينظر: المحكم (وشي) : 139/8، والنهاية في غريب الحديث : 522/2، و لسان العرب (وشي): 392/15.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 483.

7) نهج البلاغة : خ / 165 : 297.

ثانياً : استعملت مفردة (مُوَشَّاة)؛ للدلالة على النقش الذي يبدو في عرف الطاووس.

وذلك في وصفه الإمام لـ (قُنْزُعَة) الطاووس التي تظهر في موضع العُرْف منه التي يقول في وصفها : ((وَلَهُ فِي مَوْضِعِ الْعُرْفِ قُنْزُعَةٌ خَضْرَاءُ مُوَشَاةً...)) (1). ومفردة (المُوَشَّاة)، وصف لألوان هذه الخصلة الخضراء التي تبدو كأنّها منقوشة نقشاً وسط هذه الجمهرة من الأصابيغ التي يتحلى بها هذا الطير. وقد أوحت المفردة المتقدمة على النقش المُنمنم المُلوّن. وأمّا وصفها بـ (الخَضْرَاء) تشبيه لها بلون حجر الزبرجد (2). وهو ما ناسب مجيء كلمة (المُوَشَّاة) بالدلالة على النّقش

حَرِيرَة

الحَرِيْرَة واحدة الحَرِير، وهي ثياب مصنوعة من الإبرَيْسَم (3). ويقال : إن كل ثوب من الإبرسيم، فهو حرير (4). وهذا الضرب من المنسوجات من أنعم الألبسة وأكثرها بروقاً (5). وقد استعملتها العرب منذ الجاهلية. وقد حرّم الإسلام لبس هذا النوع من الألبسة للرجال، وأحلّها للنساء. وقد روي أنّ النبي (صلى اللّه عليه وآله) لم يُجِز لبس الحرير لأحدٍ من الرجال إلا لـ (عبد الرحمن بن عوف) (6)؛ لأنه كان رجلاً قَمْلاً ذا شَرْي (7). وقد كانت العرب تستورد هذا النسيج من إيران في الغالب، ولهذا نجد أنّ أغلب أسمائه وصفاته معرّبة من الفارسية (8)، وقد دخلت صناعته للعرب بعد الصدر الإسلامي الأول من الصين عن طريق إيران(9).

وقد استعمل القران الكريم مفردة (حَرِير) ؛ للدلالة على روعة هذا النوع من اللباس الذي جعله من لباس الجنة، وذلك في قوله تعالى : (إِنَّ اللّه يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ جَنَّتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يحلونَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) (10).

وقد جاءت مفردة (حَرِيرَة) مرة واحدة في نهج البلاغة (11)، للدلالة على الريش الذي يكتسي به الطاووس الشبيه بالحريرة النّاعمة. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((... وَمَخْرَجُ عَنُقِهِ كَالْإِبْرِيقِ وَمَغْرِزُهَا إِلَى حَيْثُ بَطْنُهُ كَصِبْغِ الْوَسِمَةِ


1) نهج البلاغة : خ / 165 : 297.

2) ينظر : الديباج الوضي : 1372/3.

3) ينظر : المخصص : م/1 : س/69:4، و لسان العرب (حرر) : 184/4.

4) ينظر : فقه اللغة (للثعالبي) : 11/1، و المخصص : م/1 :س/4 : 69.

5) ينظر : لسان العرب (زخر) : 21/3.

6) هو عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب، وكان اسمه في الجاهلية (عبد عمرو)، فغيّره النبي (صلى اللّه عليه وآله). ولد بعد عام الفيل بعشر سنين، وهو أحد الستة من اهل الشورى، أسلم قديماً، وهاجر الهجرتين وشهد بدراً. ينظر : الطبقات الكبرى : 14/3، و 130/3، والإصابة في تمييز الصحابة : 4 / 346، والفاظ الحضارة (زوين) : 547/1.

7) قمْلاً أصابه (القمل)، وهو من صغار الدواب التي تصيب شعر الإنسان. ينظر : لسان العرب (قمل) : 568/11 وأما (الشري)، فخراج صغار لها لذع شديد. ينظر : لسان العرب (شري) :430/14.

8) ينظر : تاريخ الحضارة الإسلامية : 112، والفاظ الحضارة (زوين) : 547/1.

9) نفسهما.

10) الحج /23.

11) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 107.

الْيَمَانِيَّةِ أَوْ كَحَرِيرَةٍ مُلْبَسَةٍ مِرْآةَ ذَاتَ صِقَالٍ...)) (1)والمعنى أنّ شكل جسمه المغطى بالريش ذي الألوان المتعددة كصبغ الوسمة اليمانية، أو كلون الحرير النّاعم الأسود اللون.

السَّرَق

والسَّرَق الشَّقَّق البيض من الحرير (2)، وهو أجود الحرير كما يذكر الخليل (3).

وهذه المفردة من ألألفاظ غير العربية، فهي من الألفاظ الفارسية المعرّبة (4). وأصلها، بحسب أبي عبيد القاسم بن سلام، (سَرَهُ) بالهاء، ومعناه (الجيّد)، فعُرّب بـ (القاف)، فقيل (سَرَق) بإبدال (الهاء) مثل كلمة (الإسْتَبْرَق)، وأصله بالفارسية (اسْتَبْرَه) (5).

وقد وردت لفظة (السَّرَق)، بصيغة اسم الجنس الجمعي المحلى بـ (ال) مرة واحدة في نهج البلاغة (6)، للدلالة اللباس المصنوع من شقق الحرير الأبيض. وجاء ذلك في سياق وصف الأتراك) في قوله : ((كَأَنّي أَرَاهُمْ قَوْماً كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُ الْمُطَرَّقَةُ يَلْبَسُونَ السَّرَقَ وَالدِّيباج)) (7). يصف (عَلَيهِ السَّلَامُ) أشكال هؤلاء واستدارة وجوههم وتطرقها، كما يُطرق النّعل المجعول بعضه على بعض. كناية عن سعتها وكبرها وخشونتها. ثُمّ ذكر لباسهم الذي يصفه بأنّه من (السَّرَق) و (الدِّيباج)، وكلاهما من الحرير، فالسَّرَق هو شقق الحرير الأبيض خاصة، في إشارة إلى تَرَفهم وتَنَعمهم، وتنوّع البستهم التي يلبسونها. ولهذا فصل الإمام في ذكر هذين الضربين من الحرير، ولو أراد الاقتصار على نوع النسج فحسب، لقال (يَلْبَسُون) (الحَرير)، ولكنه أراد ذكر أنواع لباسهم المصنوع من الحرير، فمنه الناعم الأبيض، وهو أغلى الحرير وأجوده، ومنها الخشن الأقل جودة، وهو (الدِّيباج).

بُرْدَيه

البُرد ثوب من برود العَصْب والوَشْي (8). وهو شَمْلَة مخططة (9).


1) نهج البلاغة : خ/ 165 : 298.

2) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 4 / 241، وتهذيب اللغة (سرق) : 307/8، والمخصص :م/1 : س/ 4 : 68.

3) ينظر : العين (سرق) : 76/5، والمحكم (سرق) : 231/6.

4) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد): 4 / 242، وتهذيب اللغة (سرق) : 307/8، والمحكم (سرق) : 232/6، والمعرب :230.

5) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 4 / 242، غريب الحديث ابن قتيبة : 2/ 339، و تهذيب اللغة (سرق) : 307/8، والمعرب : 230، والنهاية في غريب الحديث : 362/2.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 214.

7) نهج البلاغة :خ / 128 : 234.

8) ينظر : العين (برد) : 29/8، و تهذيب اللغة (برد) : 76/14، والمحكم (برد) : 323/9.

9) ينظر : تهذيب اللغة (برد) : 76/14.

وقد وردت مفردة (بُرْدَيه) مرة واحدة في نهج البلاغة (1)، للدلالة على الثوب المتخذ من برود العصب ذي الوشي المخطّط. وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) واصفاً اختيال المنذر بن الجَّارُود العبدي) وزهوه : ((إِنَّهُ لَنَظَارُ فِي عِطْفَيْهِ، مُخْتالُ فِي بُرْدَيْهِ..))(2). فوصفه بالتفاخر والزّهو، وعدم رعايته الناس ؛ لكثرة مبالغته في العناية بنفسه ولباسه من العُجب والاختيال، ولهذا وصفه الإمام بكثرة النظر إلى جانبيه ؛ زهواً وإعراضاً، كأنه الفرد الذي لا يجارى. وذكر الإمام في المقطع الثاني من كلامه إعجاب هذا الرجل بـ (بُرْدَيْهِ) اللذين يرتديهما، وهما من البُرُود العَصْب ذي النّمط الغالي المُزدهي بالوشي، وهو ما يدل على فخش هذا الرجل وعنايته بالدنيا، وبعده عن التواضع ومبالغته في التأنق في ملبسه الذي اختار منه أجود الأنواع علامة على تكبّره وإنفاقه، وابتعاداً عن صفة التواضع التي يكون عليها المرء المسلم، فضلاً عن عدم الاقتداء بإمامه في شظف عيشه وبساطة للباسه عليه (عَلَيهِ السَّلَامُ).

عَصْبٍ

أصل العصب - في اللغة - الفتْل والطَّي الشديد واللي (3). والعَصاب الغزال الذي يقتل الغزل ويَغْزِله (4). ويقال لا طناب المفاصل (أعصابٌ) لأنها تلائم بينها وتشد بعضها ومن مع البعض الآخر (5). وهذه الدلالة أخذت فيما أحسب من معنى القتل والطّي.

والعصب ضرب من اللباس يسمى البرود تنسب الى اليمن (6). وهو ما يُعْصَب غَزْلُه، ثم يُصْبغ ويُحاك، وإنّما سُمّي عَصْباً ؛ لأن غَزّله يُعْصَب. أي: يُجْمع ويُشدُّ، ومن ثَمّ يتم صبغه ونسَجه، فيأتي مَوْشِيّاً ؛ لبقاء ما عُصِب منه أبيض لم يأخذه صبغ (7). وقيل إنما هي برود مخططة.(8). ويذكر اللغويون أنّ هذه المفردة لا تجمع، وإنما يقال فيها بُرْد عَصْبٍ، وبُرُود عَصْب، وبُرُدٍ عَصْبِ بالتنوين (9). وقد وردت المفردة المتقدمة في الحديث النبوي الشريف، ومن ذلك ما جاء في قوله (صلى اللّه عليه وآله) : ((لَا يُحَدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا الْمَرْأَةَ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَى زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، لَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوعًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ وَلَا تَكْتَحِلُ...)) (10).


1) لم ترد هذه المفردة في المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة، ولعل ذلك راجع إلى عدم اعتبارها من مفردات (النهج)، على الرغم من أن الشريف الرضي نقلها ناصاً على كونها من ضمن قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في (المنذر بن الجارود).

2) نهج البلاغة : ك / 71 : 591.

3) ينظر : لسان العرب (عصب) : 602/1، وتاج العروس (عصب): 763/1.

4) نفسهما.

5) نفسهما.

6) ينظر : الصحاح (عصب) : 159/1.

7) ينظر : لسان العرب (عصب) : 602/1.

8) نفسه.

9) نفسه.

10) مسند أحمد : 299/5، وهو في النهاية في غريب الحديث : 482/3 برواية : ((المعتدة لا تَلْبِسُ المُصَبَغَةُ إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ)).

وقد استعملت مفردة (عصب) في نهج البلاغة مرة واحدة (1)وبدلالة التشبيه بالبرود اليمنية، وذلك في سياق حديث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الطاووس وجماله : ((وَإِنْ ضَاهَيْتَهُ بِالْمَلَابِسِ فَهُوَ كَمَوْشِيِّ الْحُلَلِ أَوْ كَمُونِقِ عَصْبِ الْيَمَنِ)) (2). يشبّه الإمام جمال ريش هذا الطائر بالبرد اليمانية المنقوشة الملونة أو المخطّطة الموشاة ووجه المشابهة بين ريش الطاووس الضربين من الألبسة هو اجتماع الألوان مع نضارتها وبهجته.

القزو

الفرو لباس كالجبة يصنع من الجلد الذي يكون عليه الوَبَرُ أو الصوف (3). فإن لم يكن عليها الوَبَر أو الصوف ؛ لم تُسَمَّ فروة حيئذ (4).

وقد استعمل الإمام لفظة (الفرو) بصيغة اسم الجنس الجمعي مرة واحدة في نهج البلاغة (5)، للدلالة على لبس (الفَرْو) مقلوباً على وجهه. وذلك في سياق كلامه عن الملاحم والفتن التي تحدث في آخر الزمان، ومنها فتنة بني أمية التي يقول فيها : ((فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ الْبَاطِلُ مَآخِذَهُ، وَرَكِبَ الْجَهْلُ مَرَاكِبَهُ... وَتَوَاخَى (6)النَّاسُ عَلَى الْفُجُورِ وَتَهَاجَرُوا عَلَى الدِّين... فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ... استعملتِ الْمَوَدَّةُ باللَّسَانِ وَتَشَاجَرَ النَّاسُ بِالْقُلُوبِ، وَصَارَ الْفُسُوقُ نَسَباً، وَالْعَفَافُ عَجَباً، وَلُبِسَ الإسلام لُبْسَ الْفَرْوِ مَقْلُوباً)) (7). وكلامه يظهر تقلب الأحوال وانقلابها على وجهها. يقصد بذلك ما يفعله اهل الفتن والنفاق بالقيم والأخلاق الإسلامية التي يقلبها هؤلاء بباطلهم وطغيانهم وإشاعتهم الجهل بين الناس، من خلال إظهارهم الباطل بلباس الحقِّ. وقد عدّد الإمام ضروباً من القيم التي قلبها هؤلاء بفتنهم، ومنها مؤاخاة الناس على فجورهم، كأنهم أقرب إلى بعضهم البعض الآخر متفقون على الفُجُور، متهاجرون متعادون على الدين، حتى صار الانتماء إلى الفاسقين نسباً يُفْتَخر به، والعفاف غريباً عجيباً بين الناس لقلته بينهم (8)، ولذلك ختم (عَلَيهِ السَّلَامُ) كلامه بقوله: ((وَلُبِسَ الإسلام لُبْسَ الْفَرْوِ مَقْلُوباً)). في إشارة إلى اضطراب فهم الناس لهذه الأحكام والقيم، وقلب اهل الفتن لمصاديقها في الأذهان. فشبه الإسلام بالفرو المقلوب على لابسه. ووجه الشبه أن أصحاب الباطل والنفاق، قلبوا أحكامه وأغراضه التي أنله من أجلها، فطبقوه قوانيه بشكل مخالف لأصوله التي فرضها اللّه تبارك وتعالى، فالأصل فيه أن يكون متمكناً من المرء في ظاهره وباطنه، بحيث يكون أمره فيه قولاً وعملاً. ولكن هؤلاء اتخذوا أقوالاً دون الأفعال. وهو بهذا أشبه (الفرو) الذي يلبسه الناس، من جهة أنّ الأصل فيه أن يكون الجلد ملاصقاً


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 304.

2) نهج البلاغة: خ / 165 : 297.

3) ينظر : العين (فرو) : 278/8، و تهذيب اللغة (فرو) : 142/5.

4) ينظر : تهذيب اللغة (فرو) : 142/5 ولسان العرب (فرو) : 15 / 151.

5) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 350.

6) التواخي المؤاخاة، وأصله (تآخي)، فابدلت الهمزة واواً كأنه مأخوذ من (الوخاء). وقد ذكر الخليل أن (واخى) لغة لطَّيّء. ينظر : العين (وخى) : 319/4، و شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 150/7.

7) نهج البلاغة : خ / 108 : 197، 198.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 150/7.

للبدن، والوبر أو الصوف ظاهر إلى الخارج (1). فصوّره الإمام بهيئة الفرو بضرب من التعبير عدّه الشراح من أحسن التشبيه وأبلغه(2).

أقول : والإمام بهذا الضرب من التشبيه (بلبس الفرو) يريد الإشارة إلى مخالفة أصحاب الفتن والأباطيل لأصول الإسلام وأحكامه، فمن يلبس (القزو) بهذه الهيأة، يمثل علامة فارقة في المخالفة، وعدم الانتفاع بملبسه، فضلاً عن إثارته السخرية والاستهزاء في نفس من يراه. ولهذا فإنّ اتخاذ أحكام الإسلام مقلوبة. يظهر عدم الانتفاع بها بهذا الشكل، مع إثارة استغراب من يرقب هذا الأمر، من عدم التساوق بين المبادئ الإسلامية وتطبيقاتها عند هؤلاء. مع ملاحظة مسألة مهمة تتعلق بمفردة (الفَزو) نفسها التي استعملت في هذا السياق دون غيرها من الألفاظ الخاصة باللباس، وذلك - فيما أحسب - راجع إلى أنّها من الألبسة التي تستعمل في تدفئة الجسم من البرد (3)، فضلاً عن أنها توحي بغنى صاحبها ووفرة ماله حسبما يفهم من المعجميين (4). فكأنّ الذي يرتديها مقلوبة يُبعدها من غايتها ووظيفتها، فيكون كمن أظهر سوء وجهه دون بساطته. وكذلك الإسلام الذي يُراد منه أن يُزّين الإنسان ويحسّن خلقه. لا أن ينكَفِئ ويعود إلى الجاهلية كما كانت العرب عليه من قبل.

القز

القَزّ ضَرب من النِّسيج يُسوَّى منه الإبريسم (5). وقيل : بل هو الإبريسم نفسه (6). وقد نقل الفيومي في بيان العلاقة والفارق بين (القَزّ و الإبريسم) أنّها كالعلاقة بين الحِنطة والدقيق (7). في إشارة الى أنّهما شئ واحد أو أنّ القَزّ هو أصل للإبريسم. فالقَزِّ ضَرب من أنواع الحرير، أو هو اسم من أسمائه أو صفاته (8). والطبيعي منه تقزّه دودة تسمّى دودة القَزّ (9).

وقد اختلف اللغويون في عربية هذه المفردة، فمنهم من ذهب إلى عُجمتها، فنقل الأزهري عن الخليل القول بأنها معرّبة (10). وتابع الخليل في ذلك الأزهري، وابن سيده، وابن منظور، و الزَّبيدي (11). وانفرد ابن دريد (ت 321هـ) بأن عدّ (القز) لفظ عربي صحيح (12). ويبدو رأيه وجيهاً ؛ لأنّ اللفظة المتقدمة ذات أصل عربي معروف. ولعله مأخوذ من قولهم : (رَجُلٌ قَزٍّ)، إذا كان ظريفاً متقززاً عن المعاصي و العيوب والذنوب (13)،


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 515/3.

2) نفسه.

3) ينظر : أساس البلاغة (فرو) : 472/1.

4) ينظر : أساس البلاغة (فرو) : 472/1، وتاج العروس (فرو) : 226/39.

5) ينظر : تهذيب اللغة (قزز) : 3 1ذ / 119.

6) ينظر : المصباح المنير : 552/2.

7) ينظر : تاج العروس (قزز) : 3786/1.

8) ينظر : ألفاظ الحضارة في الشعر العربي (زوين) : 548/1.

9) ينظر : القاموس المحيط (قزز) : 389/2، و المعجم الوسيط : 2/ 733.

10) ينظر : تهذيب اللغة (قز) : 214/8.

11) ينظر : تهذيب اللغة (قز) : 214/8، والمحكم (قزز) : 107/6، ولسان العرب (قزز) : 394/5.

12) ينظر: جمهرة اللغة (زقق): 130/1.

13) ينظر : لسان العرب (قزز) : 394/5.

ومن ثَمّ أخذت المفردة لتدل على هذا الضرب من الحرير الإبريسم. أو ربما أخذ من أصل نسجه، وهي الدودة المعروفة بـدودة القز) التي تنسج هذه الخيوط وتقزّها قزاً كأنها تُوفِزه وتُلقيه من فمها.

ومما تجدر الإشارة اليه أنّ المصنفين في المعرّب من الألفاظ، ومنهم الجواليقي لم يذكر لفظة (القز) في كتابه، وإنما ذكر لفظة قريبة منها، وهي (القهز)، بفتح القاف وكسرها، مشيراً الى أنّها أعجميّة معرّبة (1). ولعله خلط بين (القَزْ) و (القَهْز) ؛ فمن اللغويين من ذكر أن (القَهْز) هو (القَز) بِعَيْنه (2). وذهب فريق من اللغويين إلى أنّه اسم آخر (للقزّ)، وأصله في الفارسية (كَهْزَانَة) (3).

ويبدو الخلط واضحاً في هذا التوصيف ؛ لأن (القَهْز) على رأي أغلب اللغويين يختلف عن (القز) ؛ فهو ضَرب من الثياب التي تتخذ من الصوف المَرْعِزي التي ربما خالطها الحرير (4). واختلفوا في لونها، فذهب أبو عبيد القاسم بن سلام الى أنها ثياب بيض (5). وقيل : بل هي من صوف أحمر (6).

وقد وردت لفظة (القزّ) بصيغة اسم الجنس الجمعي مرة واحدة في نهج البلاغة (7)، للدلالة على نسائج القَزّ، وهي أصوله التي يصنع منها نسيج من خيوط هذا الضّرب من حرير الإبرسيم، بوصفه من أجود الحرير وأغلاه. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ)في سياق كلامه عن زهده وتقواه وانصرافه عن ملذات الدنيا، إذ يقول : ((وَلَوْ شِئْتُ لَاهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُصَفَّى هَذَا العَسَلِ، وَلُبَابِ هَذَا القَمْح، وَنَسَائِجِ هَذَا القَزّ، وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ ...)) (8). ويذكر في النص أطيب المأكول والملبوس، في إشارة إلى تنوّع الأمور المادية في الحياة التي يسعى الإنسان اليها. فجعل (مُصفى العَسَل) و (وَلُبَاب القَمْح)، وهو خلاصة هذه الأشياء وصفوتها، دلالة على ما زهد فيه الإمام ؛ لكونها مما يطلب ويشتهي عند الناس في حين أنه استعمل تعبير (نَسَائِجِ القَزّ) في الإشارة إلى الثياب الغالية المنسوجة من الحرير الإبريسم التي توحي بترف لابسها وغناه، وهو ما ابتعد عنه الإمام، وآثر عليه (الخَشِن) و (الطّمر) من الأكل والملبس تَرفّعاً عن الدنيا وملذاتها.

2 - عامة الثياب

لَبَس
إشارة:


1) ينظر: المعرب : 311.

2) ينظر : جمهرة اللغة (قهز) : 2 / 24، والمخصص : م/1 :س / 4 : 68، وتاج العروس (قهز) : 292/15.

3) ينظر : لسان العرب (قهز) : 398/5، وتاج العروس (قهز) : 292/5.

4) ينظر: العين (قهز) : 362/3، والمخصص : م / 1 : س / 4 : 69.

5) ينظر: غريب الحديث (أبو عبيد) : 462/3، وتهذيب اللغة (قهز) : 256/5، والنهاية في غريب الحديث : 129/4.

6) ينظر : لسان العرب (قهز) : 398/5.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 371.

8) نهج البلاغة : ك/ 531:45.

اللباس ما وارى الجسد (1). وهو ما يُلْبَس من الثياب وغيرها

وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مادة (لَبَس) باشتقاقات متعددة بلغت جميعاً ستاً وأربعين مرة (2)، للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على التباس الأمور واختلاطها.

وهذه دلالة شائعة في كلام الإمام الذي توسع في استعمالها. ومن ذلك قوله في كتاب أرسله إلى عامله على (مكّة) يحدّره فيه من ذوي النفاق من اهل الشام الذين أرسلهم (معاوية) لخلط الأمور على الناس. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((أَنَّهُ وُجِّهَ (3)إِلَى الْمَوْسِمِ (4)أُنَاسٌ مِنْ اهل الشَّامِ الْعُمْيِ الْقُلُوبِ الصُّمَّ الْاسْماعِ الْكُمْهِ الْأَبْصَارِ الَّذِينَ يَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَيُطِيعُونَ الْمَخْلُوقَ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ)) (5). والنص في وصف اتباع معاوية من اهل الشام الذين لا يُبصرون بقلوبهم ولايسمعون الحق بآذانهم، فهم صم بكم عمي لا يعقلون يمتهنون خلط الحق بالباطل وتصويره بصورته، ويطيعون معاوية في معصية اللّه تبارك وتعالى. وهؤلاء النمط أرسلهم معاوية إلى (الحج) لخداع الناس وتضليلهم ؛ لصرفهم عن الحق، وإدخالهم في الشبهات. فاستعمل الإمام مفردة (يَلْبِسُون) في بيان صفة هؤلاء الذين يجتهدون في إلباس الناس الشبهات ويخلطون الأمور عليهم، كأنّهم يَحُوكُون الأمور كما تُحاك الملابس ؛ لأجل التغطية على عقول الحجيج ومواراة تفكيرهم وخلط الأمور عليهم فكأنّ هذا هو الأصل في دلالة مفردة (يلبسون) التي يذكر اللغويون أنّها تدل على المخالطة والمداخلة (6). وأزيد على ذلك أنّ المادة اللغوية المتقدمة تفيد الدلالة على التّغطية والمواراة. فكأن الذي يلبس ثياباً أو غيرها يريد مواراة نفسه وسترها بهذه الثياب، أمّا الذي يُلبس الأمور على الآخرين، فإنّه يسعى إلى ستر الحقيقة ومواراتها عن الناس، بإظهار غيرها.

أقول : ونظير الدلالة المتقدمة، ماورد في (خ / 10، 17، 50، 127، 137 (2)، 151، 108، 174، 179، 215، 230، ك / 31 (2)، 65، قصا / 405)

ثانياً : الدلالة على اللباس الذي يواري الجسد ويستره

ومن ذلك قول الإمام في وصف زهد النبي (عِيسَى) (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وما يرتديه من خَشِن الثياب بقوله : ((فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ، وَيَلْبَسُ الْخَشِنَ)) (7). والنص يصوّر حال النبي (عيسى) وزهده مكتفياً بالحجر وسادة له، وبالخشن من الصوف لباساً له ؛ تَرفّعاً عما يبعده عن الولاء اللّه تبارك وتعالى، وزهداً في ما تتنافس فيه غيره من رغبة في الدنيا وملذاتها. ولبسه للخشن فيه إشارة الى أن راحته واطمئنانه تكون بهذا النوع من الألبسة شأنه


1) ينظر : العين لبس : 7 / 262.

2) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 406، 407.

3) وُجّه إلى كذا، أي أرسل. ينظر : لسان العرب (وجه) : 13 / 557.

4) المؤسم موسم الحج ومجتمعه. ينظر : المحكم (وسم) : 8 / 628.

5) نهج البلاغة : ك/ 515:33.

6) ينظر : مقاييس اللغة (لبس) : 5 / 230.

7) نهج البلاغة : خ/ 283:160.

في ذلك شأن غيره من الأنبياء والأوصياء الذين دأبوا على اتخاذ الصوف لباساً لهم يواري حاله التي لايعلم بها إلا اللّه تبارك وتعالى.

وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الفاظ (لَبِسَ، ولُبْس) و (يَلْبَسُون)، في (خ / 108، 128، 165 (2)، 192) بالدلالة المتقدمة نفسها.

ثالثاً : الدلالة على لباس العز والكرامة والتحلي بالحكمة

وتنقسم هذه الدلالة على قسمين؛ الأولى للدلالة على لباس العز والكبرياء، وهذا الضرب مخصوص باللّه تبارك وتعالى، فلا يستأثر به إلا هو. فوصفه الإمام في سياق الحمد والثناء : ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَبِسَ الْعِزَّ وَالْكِبْرِيَاءَ وَاخْتَارَهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ خَلْقِهِ...)) (1). ولم تدل مفردة (لبس) في هذا السياق وأمثاله مما هو اختص باللّه جل جلاله على لبس الثياب وارتدائها، أو المواراة وستر البدن بها ؛ فهذه المعاني لاتصدق عليه جلّ جلاله ولهذا تنصرف المفردة المتقدمة إلى الدلالة على معنى الاشتمال والتحلي بصفتي (العزّ والكبرياء) اللتين جعلهما الإمام بمنزلة ما يلبس ؛ تحقيقاً لمعنى اتصافه الخالق بتينك الصفتين. إشارة إلى علمه و كماله وشرفه وعِزّته وكبريائه على عباده وعبيده جميعاً. لهذا عدَّ الشُّرَّاح مفردة (لبس) مجاز واستعارة مكنية لتحقيق الدلالة على إحاطة كماله وعزه وكبريائه به واشتمالها عليه كما يُحيط القميص والرداء بجسد لابسه (2). ويمكن أن يكون المراد بـ (لبس) اتصافه (جل جلاله) بهذين الوصفين فيكونا من قبيل اختصاصه وتفرده بالعز والكبرياء مع عدّ المفردة من باب المجاز (3).

إن استهلال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لكلامه المتقدم بحمد اللّه ولبس (العِزّ والكبرياء) تعبير من صميم توحيد الخالق وتنزيهه عمّا لا يليق به من الحَدِّ والجسم. وقد أخذه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من القرآن الكريم الذي تكرّر فيه كثيراً اختصاص العزة باللّه تبارك وتعالى. ومن ذلك قوله تعالى : (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) (4). أما صفة (الكبرياء)، فقد وردت في القرآن الكريم مختصة به أيضاً، وذلك في قوله تعالى : (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ) (5). وبهذا يكون (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد وظف النص القرآني توظيفاً يرقى إلى مستوى توحيد الخالق واشتماله بكماله كله على (العِزّ والكبرياء). ولم يغب عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) التعبير النبوي عند توظيف مفردة (لبس) في سياق حمد اللّه تبارك وتعالى، فقد ورد في المأثور عن النبي (صلى اللّه عليه وآله) قوله : ((قَالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالعِزَّةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ)) (6). وهذا الحديث يدل على اختصاص الكبرياء والعزة باللّه تعالى الذَّيَنْ صورهما النص بصورة


1) نهج البلاغة: خ / 192 : 359.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 141/4، و الديباج الوضي : 4/ 1972.

3) ينظر : منهاج البراعة : 226/11.

4) النساء / 139، و ينظر : يونس / 65، فاطر / 10، الصافات / 180، المنافقون / 8.

5) الجاثية / 37.

6) مسند أحمد بن حنبل : 248/2، وفي رواية أخرى : ((... وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي...)). ينظر مسند أحمد بن حنبل : 376/2، وسنن أبي داوود : 59/4. وثمة رواية أخرى أوردها (الطبراني) نَصَها عن النبي (صلى اللّه عليه وآله) : ((إنّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ يقول : العِزَّةُ إِزارِي والكِبْرِيَاءُ رِدَانِي فَمَنْ نَازَ عَنِيهما أعذبه)). المعجم الأوسط : 3/ 352.وهناك رواية قريبة مما نقله (ابن حنبل) أوردها الشارح ابن أبي في شرحه للنهج : 13 / 98.

(الرداء والإزار)، وهما من الألبسة. وذلك بجامع الإحاطة والشمول والاتصاف بهذين اللُّبَاسَيْن كما يتّصف المرء بلباسه، فكأنّ هذين (اللباسين) من أهم خصائصه جل جلاله.

وقد أورد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعمالاً آخر مشابهاً لهذا التعبير، وذلك عند توظيفه مفردة (لباس) للدلالة على اختصاص اللّه جل جلاله (بالكرامة)، وذلك في (خ / 192).

ووسع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من هذا التعبير - بعدما أكد فيه (وحدانية اللّه) تبارك وتعالى (1)مستعملاً اشتقاقات متعددة لمفردة (لَبِسَ) لإظهار (إِلْبَاس) اللّه الناس ألبسة مختلفة من (النعم والبلاء) كل بحسب عمله وسَعيه ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق الوصية بالتقوى وذكر إنعام اللّه وتفضله على عباده : ((أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللّه بِتَقْوَى اللّه الَّذِي ضَرَبَ الْأَمْثَالَ... وَأَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ ...)) (2). والتعبير يظهر النّعم التي أسبغها اللّه تعالى على النّاس تعملاً مفردة. فذكر الإمام لفظة (الرِّيَاسَ) التي تدل على الوثارة والتَّنَعُم والنّعيم ونعومة اللباس ورقته مستعملاً مفردة (أَلْبَسَكُمُ) بصيغة الفعل الماضي المتّصل بـ (كاف) الخطاب، الذي يدل على وقوع الفعل ومضيه لتحقيق دلالة الحدوث وثباته، من أجل تخصيص الإلباس بهم. ومجيء التعبير بـ(ألْبَس) بوزن (أَفْعَل) يراد به – فيما يبدو – الدلالة على نسبة وقوع الفعل إلى اللّه تبارك وتعالى واختصاصه به، فضلاً عن الدلالة على التصيير والإعانة، وهذه من الدلالات التى تفيدها الصيغة المتقدّمة (3).

وبهذا يكون معنى قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أنّ اللّه تعالى جعلكم ذوي نعم وترفٍ، وهيّأ لكم أرزاقكم، وأعانكم على تحصيلها.

أقول : وقد وجدت في نهج البلاغة نظائر لهذا الاستعمال، من ذلك ما جاء في : خ/ 109،182، ك/ 53 (2)). فقد حاكي الإمام هذا الضرب من التعبير، وذلك في مقام ذكر فضله وعدله في الناس الذي يقول فيه : ((وَوَقَفْتُكُمْ عَلَى حُدُودِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَأَلْبَسْتُكُمُ الْعَافِيَةَ مِنْ عَدْلِي)) (4). يريد : أنه أشاع في هم (دَفْع المكاره) عنهم، بعدله. فجعل – العافية ههنا - بمنزلة اللباس الذي يلبس لأجل الستر والمواراة فضلاً الزينة مع ملاحظة اشتماله على تمام بدن الإنسان، كأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يريد الإبانة عن شيوع العدل فيهم في مدة ولايته عليهم بحيث صار مشتملاً عليهم مثلما يشملون بألبستهم.

وقد ورد نظير هذا التعبير بصيغة فعل الأمر (الْبَس) في سياق نصحه بعض عماله بضرورة الرفق بالرعيّة في (ك / 19).

أقول : إن استعمال الإمام مفردة (لباس) ومشتقاتها في سياقات لا تدل على ارتداء الألبسة الحقيقية يعد من ضروب التعبير القرآني، فقد ورد في القرآن المبارك قوله تعالى : (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (5). وقوله : (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ


1) يشير (مرتضى مطهري) إلى أننا يمكن أن نعد البحوث التوحيدية في نهج البلاغة، من أعجب البحوث ؛ لأنها - دون مبالغة - تقرب من حدود الإعجاز. ينظر : في رحاب نهج البلاغة، مرتضى مطهري : 35، و الأثر القرآني في نهج البلاغة دراسة في الشكل والمضمون، د. عباس علي الفحام :352.

2) نهج البلاغة : خ / 83 : 121 وينظر : خ / 183 : 331.

3) أدب الكتاب، لابن قتيبة : 354/1، و الإعجاز الصرفي في القرآن الكريم : 58، 59.

4) نهج البلاغة : خ / 87 : 143.

5) الأعراف /26.

فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (1). وكنّى القرآن عن (الجماع) بقوله : (2). (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (3). والجامع في ذلك اشتمال كل واحدٍ منها على الآخر ومخالطته وملابسته. وكلّما أراد القرآن الإشارة إلى هذه المعاني استعمل لفظة (لباس). وعدّ المفسرون هذا الضرب من التعبير من قبيل الاستعارة (4). فأما قوله تعالى : (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (5). ففيه وجه وقف عنده المفسرون، وهو أنّ (اللباس) لايُذاق، بل (يُلْبَس). وهو عندهم من عجيب التعابير القرآنية (6). وقد وضعوا لهذا التعبير توجيهات متعددة في طليعتها أنه لما كان الجوع شديداً عليهم، صار كأنه أحاط بهم من كل الجهات كما يحيط اللباس بالبدن، ومن ثَمّ أضحى في حالة كأنّها ذوق لهم وطعم (7)، فيكون المراد التعبير عن إحساسهم بالأذى والجوع الذي ذاقوا شدّته ومرارة أذاه. وربما أريد بلفظ (لباس) الدلالة على المساس والإحساس بالشيء، فالذي يَلْبَس شيئاً من الثياب يُحس بها ويشعر بوجودها ومما يقوي هذا الوجه مفردة (أذَاقَها) التي تدل على شدّة إحساس هؤلاء بما أصابهم من جوع وخوف (8).

وعلى هذا الأساس شاع في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) نظائر للتعابير القرآنية، ومنها ما ورد في (خ/ 17، 27، 83، 87، 108، 221، ك/ 65).

وثَمة مفردة اشتقَّها الإمام من كلمة (لَبِسَ)، وهي (لَبُوس) التي استعملها في سياق وصفه الناس وحالهم يوم القيامة الذي يقول فيه : ((... أَخْرَجَهُمْ مِنْ ضَرَائِحِ الْقُبُورِ مُهْطِعِينَ إِلَى مَعَادِهِ... عَلَيْهِمْ لَبُوسُ الْإِسْتِكَانَةِ، وَصْرَعُ (9)الإِسْتِسْلَام...)) (10). لقد اختار (عَلَيهِ السَّلَامُ) المفردة المتقدمة بوزن (فَعُول)، لتحقيق الشِدَّة في خضوع هؤلاء واستكانتهم أمام جبار السماوات والأرض. وهذه الكلمة تدل في اللغة على (الدروع) التي تلبس في الحرب (11). وقيل: بل هي الثياب (12). وصياغتها على هذا البناء يظهر الميل إلى المعنى العالي الذي تتضمنه المفردة، فكان يمكن أن يأتي الإمام بمفردة أخرى غيرها لهذا السياق، مثل كلمة (لباس) بوزن (فعال). فجاء بناء (فَعُول) لتحقيق الثبات والمبالغة في الوصف الذي يكون عليه الناس يوم القيامة. ويرى الصرفيون أنّ البناء المتقدّم لايجيء في تعبير إلَّا لإظهار من دام منه الفعل أو كَثُر (13). فضلاً عن تشديد الشيء والمبالغة فيه


1) النحل / 112.

2) الرَّقْث الجماع وغيره مما يكون بين الرجل وامرأته من التقبيل والمغازلة في حالة الجماع. ينظر : لسان العرب (رفت) : 2 / 153.

3) البقرة / 187.

4) ينظر : الكشاف : 2 / 93، و المحرر الوجيز : 3/ 427، و التفسير الكبير : 20 / 130.

5) النحل / 112.

6) ينظر : التفسير الكبير : 20 / 103.

7) ينظر : الكشاف : 2 / 097، و التفسير الكبير : 20 / 3.

8) ينظر : التفسير الكبير : 20 / 103.

9) الصَرَع الخضوع والذل. ينظر : لسان العرب (ضرع) : 8 / 221.

10) نهج البلاغة : خ/ 83 : 123، 124.

11) ينظر : تهذيب اللغة (لبس) : 12 / 307.

12) ينظر : لسان العرب (لبس) : 203/6.

13) ينظر : كتاب سيبويه : 1 / 110 و 381/3، و معاني الابنية : 114.

(1). وهذا الكلام يدل على أنّ في (فَعُول) معنىً ليس في (فِعَال)، وبيان ذلك أنّ (لبوساً) تشير إلى أنّ (الاستكانة) في هؤلاء تكون بمنزلة الطبع والسّجية فيهم، في حين أن (لِبَاساً) على (فِعَال) تمثل حالة طارئة غير لازمة لصاحبها، فاللباس متغيّر حتى إن لازم صاحبه مدة من الزمن، على العكس من (اللبوس) الذي يتضمن التَّلَبّس بالوصف. وثمة أمر آخر، وهو أن المفردة توحي بأنّ هذه النّخبة من النّاس قد تحصنت بـ (الخضوع والاستكانة) أمام الباري تبارك وتعالى، وتدّرعُوا بها ؛ اتقاء من غضب اللّه تبارك وتعالى،كما يلبس الدراع دِرْعه في الحرب ؛ اتقاء من الجراح والأذى. فكأنّ الموتى يَتَمَنّون أن تكون استكانتهم وذلّهم أمام اللّه تعالى درعاً من غضبه وحصناً من عقابه. وهذا المعنى قريب من التوظيف القرآني لمفردة (لَبُوس) التي يبدو أنّ الإمام أفاد من ورودها في الذكر الحكيم الذي مال بها إلى دلالة لا تبتعد كثيراً عن دلالتها في قوله تعالى : (صَنْعَةَ لَبُوسِ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُم) (2). وقد اتفق المصنفون فى غريب القرآن ومفرداته (3)، والمفسرون على تفسير مفردة (لَبُوس) بالدّرع (4). ويبدو أنّ ميلهم إلى هذا التفسير راجع إلى حال النبي داوود (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يُرى أنّه كان أوّل من صنع (الدروع) المُسَمَّاة بـ (الزرد) (5)، وكان ممن يشتغلون بالحديد، حتّى حكي القرآن الكريم أنّ اللّه جل جلاله ألآنَ له الحديد إذ يقول: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) (6).

ثَوْب
إشارة:

الثوب واحد الثياب (7)، وهي اللباس عامّة (8). ويجمع هذا اللفظ على (أثْوُب) جمع قلةٍ على زنة (أفعل) وبعض العرب يهمزه، فيقال (أثْؤُبٌ) (9)، واستعملت لفظة (توبه) مضافة إلى ضمير الغائب المفرد ثلاث مرات في نهج البلاغة، في حين جاءت الفاظ (ثَوْب) مجردة من (ال) التعريف مرة، ومحلاة بها مرة، ومنصوبة مرة أخرى (ثَوْباً) ومضافة إلى (ياء) التكَلَّم (تَوْبي) مرة أخرى. وذلك كله بصيغة المفردة. أما صيغة الجمع، فقد ورد منها لفظ (التِّياب) بوزن (فِعَال) مرة واحدة فحسب (10)، للدلالة على ما يأتي

أولاً : دلالتها على الثياب.


1) ينظر : كتاب سيبويه : 384/3.

2) الأنبياء / 80.

3) ينظر : غريب القرآن ابن عُزَيز السجستاني : 1 / 403، و مفردات الفاظ القرآن : 735، والبيان في تفسير غريب القرآن، لابن الهائم المصري : 1 / 296.

4) ينظر : الكشاف : 130/3، و تنوير المقباس : 1 / 274، و البحر المحيط : 6 / 308.

5) ينظر : البحر المحيط : 6 / 308.

6) سبأ / 10.

7) ينظر : العين (ثوب) : 246/8.

8) ينظر : تهذيب اللغة (ثوب) : 114/5، ولسان العرب (ثوب) : 243/1.

9) ينظر : لسان العرب (ثوب) : 143/1.

10) ينظر المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 78.

ومن ذلك قول الإمام في سياق كلامه عن زهد رسول اللّه وتواضعه : ((وَلَقَدْ كَانَ (صلى اللّه عليه وآله) يَأْكُلُ عَلَى الأَرض، وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ، وَيَخْصِفُ (1)بيَدِهِ نَعْلَهُ وَيَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ...)) (2). يبيِّن النَّص خُلق رسول اللّه وتواضعه، مع كونه النبي الخاتم، فكان مع ذلك كأنّه العبد الذي يقف بين يدي مولاه. واستعمل الإمام هذا التعبير لبيان شدة خشوعه وتواضعه وإعراضه عن الدنيا. فقد كان يتولّى أعماله بيده ومن ذلك (خَصْف النَّعْل)، إشارة إلى قيامه بخرزه وإصلاحه بيده، مع ما في هذه المسألة من ازدراء عند الناس ؛ بوصفها من الأمور التي يتولاها ذوو الشأن الوضيع، فهي محتقرة عند أصحاب المنزلة والرفعة، فإنهم يتركون عملها الى الفئة المحتقرة من المجتمع. ولكنّه (صلى اللّه عليه وآله) أراد إزالة الكبر و العنت في نفوس الناس من خلال إعطائهم أمثلة عالية في التواضع وازدراء الكبرياء والتّعزز، إذ لم يكن العرب معتادون على القيام بأعمالهم بأنفسهم إلا أن يتخذوا خدماً تكفيهم ذلك وكان رسول اللّه مع ذلك كله يرقع ثوبه بيده و يلحم أجزاء لباسه المُتخَرِّق بنفسه أيضاً، فما كان همه في استبدال لباسه أو نعاله، وإنما كان يستعملها حتى يتخرّقا، فترقيع ثوبه يفهم منه أنّ لباسه كان من التواضع والبساطة حتى إذا أصابه التمزيق لم يكن يستبدله بثوب آخر جديد، بل يعمد إلى ترقيعه ولحم أجزائه بعضها إلى البعض الآخر حسبما تدل مفردة (يَرْقع) في المعجم (3).

أقول : وشبيه بذلك ما ذكره الإمام عن زهد نفسه وتواضعها. إذ يقول : ((فو اللّه مَا كَنَزْتُ (4)مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً... وَلَا أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً)) (5). يريد : أنّه لم يحرز من هذه الدنيا أو يكنز من المدخرات وغيرها اي شئ، ولم يُعد لما رَبَّ من ثَوْبِه طِمْراً بالياً من الأطمار. والمفارقة في ذلك أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يُهَيِّئ لنفسه حتَّى الخَلِق من الثياب البالية (6)في إشارة الى زهده وتقواه وورعه عمّا حرم اللّه.

أقول : إن استعمال الإمام لمفردة (ثَوْبه)، و (ثَوْبي)، وإيثارهما على غيرها من الألفاظ الدالة على اللباس، يفهم منه الدلالة على مطلق الثياب ؛ فالتّوب لفظ عام يدخل فيه الكثير مما تسمى الثياب، مثل (القَمِيص، والجُبَّة والسِّرْبال)، وغيرها من الألفاظ الأخرى. فلما أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) التّعبير عن ذلك آثر مفردة (الثَّوْب) على غيرها رغبة في رفضه الأنواع المختلفة من الثياب.

وقد وردت مفردة (الثياب) بصيغة الجمع، للدلالة على الثياب المتداعية المتهالكة على سبيل تشبيه الإنسان الضعيف المتهالك بها في (خ/69).

ثانياً : الدلالة على نقاء النفس وطهارتها.


1) خَصْفَ النعل هو مظاهرة بعضها على البعض الآخر. ينظر : لسان العرب (خصف) : 71/9.

2) نهج البلاغة: خ / 160 :284.

3) ينظر : لسان العرب (رقع) : 131/8.

4) الكنز المال المُدَّخر، أو المدفون. ينظر : لسان العرب (كنز) : 401/5.

5) نهج البلاغة : ك :530:45.

6) ينظر : المحكم (طمر) : 164/9.

وقد وظف الإمام مفردة (الثّوب) لهذه الدلالة، وذلك في مقام مدح بعض أصحابه ورثائه قائلاً : ((لِلَّهِ بَلَاءُ فُلَانٍ، فَلَقَدْ قَوَّمَ (1)الْأَوَدَ (2)... وَخَلَّفَ (3)الْفِتْنَةَ ذَهَبَ نَقِيَّ الثَّوْبِ، قَلِيلَ الْعَيْبِ)) (4).و(نقاء الثوب) كناية عن حُسن حاله ونقاء نفسه وطهارتها من الدنس. فاستعار (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (الثَّوْب)، للدلالة على (العِرْض) و (النَّفْس) وإشار إلى نقاوته من المذام (5). والتعبير المتقدم شائع في اللغة، فكثيراً ما يُكنّى بلفظ (الثّيَاب) عن (النَّفْس) (6)، فإن كان المرء طيب السريرة حسُنَ الخُلُق قيل عنه : إنه طاهر الثياب. ويبدو الأثر القرآني واضحاً في تعبير الإمام ؛ إذ يقول اللّه تبارك وتعالى : (وَثِيَابَكَ فَطَهِرْ) (7). وقد أشار جمهور المفسرين إلى أنّ المراد بتطهير الثياب في الآية المباركة، تنقية الأفعال والنَّفْس والعِرْض، باستعارة اللفظ للنفس والأفعال والعرض (8). ويدخل فى ذلك - أيضاً - الدلالة على وجوب تطهير الثياب من النجاسات أيضاً (9).

أقول : إن استعمال (نقي (الثَّوْب) في مقام المدح يفهم منه الدلالة على نظافة سَرِيرَة الشخص الذي مدحه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ، فضلاً عن نقاء ظاهره، وهو ما يناسب صلاح هذا الرَّجل، وحُسْن ظاهره أمام الناس، فنقاوة ثوبه تدل على براءته من العيوب ؛ لأن (نقاء الثَّوب) علامة على براءة من الشتم والعيب (10). وصفاء من تلبّس صاحبه بأيَّة خصلة أو صفة غير محمودة. وهي إشارة إلى عدم التَّلبس بالقبائح بحسب تعبير بعض شُرَّاح النهج (11). وقريب من ذلك استعمال أمير المؤمنين تعبيره (مَنْ كَسَاهُ الْحَيَاءُ) في قوله : ((مَنْ كَسَاهُ الْحَيَاءُ ثَوْبَهُ، لَمْ يَرَ النَّاسُ عَيْبَهُ)) (12). فجعل (الحَياء) - هنا - بمنزلة (الثَّوْب) الذي يَكْسِي الإنسان ويستره عن الناس، فضلاً عما يشينه من القبائح والرذائل، بحيث يكون حاجباً بينه وبين سُلطة المعائب التي تُدَنّسه. وكانت سبيل الإمام إلى هذا المعنى استعارة لفظ (الثَّوْب) لما يشتمل عليه الإنسان من (الحياء) والحِشْمَة (13). فيصير (الحياء) بمنزلة ما يُخفي العيوب ويسترها عن أعين الناس (14).

أقول : و (الحياء) ضرب من الخصال الحميدة التي دعا إليها الإسلام، ففي الحديث عن النبي (صلى اللّه عليه وآله) في وصيّته : ((يَا عليُّ الإسلام عُرْيَانٌ وَلِبَاسُهُ الحَياءُ، وَزِيْنَتُهُ العفاف)) (15). فالحياء في بمنزلة اللباس للإنسان الذي يستره عن أعين الناس.


1) قوّم الشيء، إذا عدّله واستقامه. ينظر : لسان العرب (قوم) : 232/1.

2) الأود العوج. ينظر : لسان العرب (أود):75/3.

3) التخلف التأخر والترك. ينظر : لسان العرب (خلف) : 83/9.

4) نهج البلاغة :خ 228 : 443.

5) شرح نهج البلاغة (البحراني) : 61/4.

6) ينظر : لسان العرب (ثوب): 246/1.

7) المدثر / 4.

8) ينظر : المحرر الوجيز 5 / 392، و التفسير الكبير: 30 / 169.

9) نفسهما.

10) ينظر : لسان العرب (عرض): 165/7.

11) ينظر : الديباج الوضي : 1831/4.

12) نهج البلاغة : قصا/ 642:223.

13) شرح نهج البلاغة (البحراني) : 455/5.

14) معارج نهج البلاغة : 253/2، و الديباج الوضي : 2888/6.

15) وسائل الشيعة : 232/15، و 248.

ونظير ذلك مجيء لفظة (ثَوْب)، للدلالة على ارتداء (الذُّل) والإهانة في (خ/27).

ومما ورد في الدلالة على السَّتر استعماله لفظة (ثوْباً) دالة على الستر وصَرْف النظر عن (الخلافة) وذلك في قوله : ((...فَسَدَلْتُ (1)دُونَها ثَوْبَا...)) (2). يعني (الخلافة) التي أخذت منه. فعبر عن زهده فيها ورغبة عنها، بإسدال الثَّوب. وإرخاؤه، حتى كأنّه ستر نفسه عنها. كمَن التحف بثوبه، وأَدخَل يديه فيه كناية عن إحتجابه عن طلبها بحجاب الإعراض والابتعاد، مستعيراً لفظ (الثوب) للحجاب (3). وكلامه بالصياغة المتقدمة يدل على زُهده (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا المنصب ورغبته عنه (4).

ثالثاً : الدلالة على التَّهَيُّو و الاستعداد.

وجاءت هذه الدلالة في قول الإمام في بيان أصناف الناس : ((...وَمِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ، وَلَا يَطْلُبُ الْآخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنْيَا. قَدْ طَامَنَ (5)مِنْ شَخْصِهِ، وَقَارَبَ مِنْ خَطْوِهِ، وَشَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ...)) (6). والخصال المتقدمة من أوصاف المنافق الذي يعيش مع الناس عيشة الأتقياء، ولكنه في سِرّه ينهج نهج المنافقين. فاستعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ)صفات (السَّكينة، ومقاربة الخَطَّو، وتَشْمِير التَّوْب، والتّزَيُّن بالأمانة)، وكلها أوصاف مستعارة لهذا النوع من الناس الذين يُظهرون الإيمان، ويُبْطِنون النّفَاق والمُرَاءات بين الناس. فكأنّما هذه الصفات تشير الى ما يظهر على هؤلاء من الخصال التي يخدعون بها الناس، لأنها من علامات الصلحاء والمؤمنين، ولكنّهم يضمرون خصالاً تختلف عنها في أنفسهم.

أقول : وتَشْمِير الثَّوب في هذا السياق كناية عن التّهَيّؤ والاستعداد للقيام بأمر ما. وقد جعله الإمام - هنا - علامة على الاستعداد لطلب المعاصي والآثام في الدنيا في غير السّر دون العلن.

الشعار
إشارة:

الشَّعَار هو ما اسْتُشعِر من اللباس تحت الثياب حسبما يذكر الخليل (7). وسمّى بذلك ؛ لأنّه يلي شَعْرِ البدن دون ما سواه من اللباس (8).

واستعمل الإمام مفردة (شعار) في كلامه في نهج البلاغة مجردة من (ال) التعريف ثلاث مرات، في حين وردت محلاة بـ (ال) مرتين. وجاءت المفردة مضافة إلى ياء المتكلّم (شعاري)، والى ضمير الخطاب الدال على الجماعة (شعاركم)، وضمير الغائبة المفردة (شعارها) مرة واحدة لكل منها (9)، للدلالة على ما يأتي :

أولاً : دلالتها على لباس الخوف


1) سَدَل الثوب، أرخاه. ينظر : لسان العرب (سدل): 333/11.

2) نهج البلاغة : خ / 3 : 28.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 175/1.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 154/1.

5) طامَنَ خفض وأسكن. ينظر : لسان العرب (طمن) : 268/13.

6) نهج البلاغة : خ / 32 : 70.

7) ينظر : العين (شعر) : 250/1، و تهذيب اللغة (شعر) : 267/1.

8) نفسهما.

9) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة :241.

واستعملت مفردة (شعار) في هذه الدلالة بوصفها لباساً يدل على الخوف. ومن ذلك قول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق وصف الدنيا : ((وَالدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ... عَابِسَةً فِي وَجْهِ طَالِبِهَا، ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ، وَطَعَامُهَا الْجِيفَةُ، وَشِعَارُهَا الْخَوْفُ، وَدِثَارُهَا السَّيْفُ ...)) (1). ومفردة (شِعَارُهَا) في هذا السياق نقلت من الاستعمال المادي، وهو كونها من البسة الإنسان إلى جعلها لباس خَوْفٍ للدنيا. كأنها لما فيها من شرور وآثامٍ ترتدر هذا الضرب من الألبسة التي تمثل علامة على الخوف الذي يعرض لها. ومما يدل على هذا المعنى مجيئه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمفردة (دِثار) التي تدل على اللباس الذي يُلْبَس فوق الشعار (2). لبيان حال الدنيا وتصويرها بأنها تلبس الخوف شعاراً والسيف دثاراً. مستعيراً هاتين اللفظتين للدنيا جاعلاً منهما علامة على ازدرائها وأذاها، فـ((لفظ الشَّعار للخوف والدِّثار للسيف، ووجه الاستعارة الأولى أنّ الخوف، وإن كان من العوارض القلبية، إلا أنه كثيراً ما يستتبع اضطراب البَدَن وانفعاله بالرعدة، فيكون شاملاً شمول ما يتخذه الإنسان شعاراً. ووجه الثانية أنّ الدِّثار والسيف يشتركان في مباشرة المدثر والمضروب من فوقهما)) (3).

أقول : إن جعله (الخوف والسيف) شعاراً ودثاراً للدنيا، يلمح إلى منزلة كل منهما بين الناس في الدنيا، فلما كان الشعار هو أقرب الألبسة إلى جسد الإنسان، والدِّثار مما يُلْبَس فوقه، فقد تناسب ذلك مع تقدم (الخوف) على (السيف) ؛ لأنّ الأول أقرب إلى النفس والقلب من جهة الاحساس والشعور، والسيف الذي يمثل رمزاً للقوة والشجاعة، يجيء بعده. وعُدّ هذا التعبير من بديع الكلام وجيد الصناعة في رأي الشراح (4). ومما يمكن إضافته على ذلك أنّ مفردة (شعار) يمكن أن تدل على العلامة على الخوف والشعور به في هذا المقام.

وقد وردت لفظة (شعار) بالدلالة المتقدمة نفسها في (خ/ 158). في حين وردت المفردة نفسها مضافة إلى ضمير الخطاب الخاص بالجماعة (شِعاركم) بالدلالة نفسها في (خ / 198).

ثانياً: الدلالة على القرابة من النبي (صلى اللّه عليه وآله).

وجاءت مفردة (الشَّعار) لبيان قُرب منزلة اهل البيت (عليهم السّلام) من النبي الأكرم، وشدة علاقتهم به دون غيره. وذلك في سياق ذكره فضائل أهل البيت واختصاصهم بالنبي الخاتم. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((نَحْنُ الشَّعَارُ، وَالْأَصْحَابُ، وَالْخَزَنَةُ، وَالْأَبْوَابُ، وَلَا تُؤْتَى الْبُيُوتُ إِلَّا مِنْ أَبْوَابِهَا فَمَنْ أَتَاهَا مِنْ غَيْرِ أَبْوَابِهَا سُمِّيَ سَارِقاً)) (5). والنص رد على من ينازع اهل البيت في قربهم وقرابتهم من الرسول وصحبتهم له.

وقد وظف (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردات تدل على شِدّة الصَّلة بين النبي وآله. فوظف مفردة (الشعار) التي تدل في الأصل على اللباس الملاصق للبدن (6)، ليدل بها على التصاق اهل البيت بالنبي الكريم وقُربهم منه، كَقُرب الشَّعار من الألبسة الى البدن. ويُفْهَم من هذا التعبير شدّة اختصاص النبي بـ (آله) (7)، فضلاً عن اختصاصهم بـه


1) نهج البلاغة : خ/ 89 : 145، 146.

2) ينظر : لسان العرب (دثر) : 276/4.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 424/2.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن ابي الحديد) : 301/6.

5) نهج البلاغة : خ/ 154 : 270.

6) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 311/1.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) :128/9.

وملازمتهم له دون غيرهم من الأصحاب كما يلزم الشعار الجسد (1). والإمام يُصحح في هذا السياق المفهوم المتداول عند الناس لمفهوم (الصُّحْبَة) وملازمة الناس للنبي من غير اهل البيت، فذكر قوله المتقدم للدلالة على اختصاصه هو وأئمة اهل البيت بالرسول، مستعملاً بناء القلّة الذي جمعت عليه لفظة (أَصْحَاب)، وهو (أَفْعَال)، ليدل على نُّدرة من يوصف بهذه الصفة من الناس وقلتهم. تصويباً وتصحيحاً – فيما يبدو – لنظرية (الصُحْبَة) التي وُسعت حتى شملت (أصحاباً) من أمثال (أبي سفيان) وغيره. وقد ورد في المأثور من أنّ النبي قال للأنصار : ((أنتُمُ الشَّعار والنَّاسُ الدِّثار)) (2). وفسّر اللغويون دلالة مفردتي (الشَّعار والدِّثار) في النص، بالدلالة على أنّهم الخاصة، وغيرهم من الناس العامَّة (3). كأنه (صلى اللّه عليه وآله) عبّر بلفظة (الشعار) عن قرب المكانة منه. ومع فضيلة هؤلاء النّخبة من المسلمين، فلا أحسب أنّ النبي يؤثرهم على اهله المطهرين فجاء كلام الإمام شبيهاً بصياغته بألفاظ الحديث النبوي المتقدّم، ولاسيما في توظيف مفردة (الشَّعار) ؛ ليبيِّنَ أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) واهل البيت، هم (الشعار، والأصحاب، والخَزَنة و الأبواب). فاللفظ الأول وُظّف لبيان القُرب والاختصاص والقرابة، والثاني للمصاحبة والرّفقة، و (الخَزَنة)، للدلالة على وقوفه على علم النّبي وإحرازهم له، فضلاً عن كونهم خزنة القرآن الكريم وحفظته بكل ما فيه من علوم ومعارف. فصاروا بذلك خزنة العلم وأبوابه (4). وأما لفظ (الأبواب)، فيومئ به إلى قول النبي (صلى اللّه عليه وآله) : ((أنَا مَدِينَةُ العِلْمِ وَعَلَيٌّ بَابُهَا فَمَنْ أَرادَ المَدِينَةَ، فَلْيَأت الباب)) (5). وقد نص على هذا المعنى غير واحد من شُرّاح النهج. وفي طليعتهم الشارح ابن أبي الحديد (6)، وغيره من شارحي النهج (7).

أقول : ويحتمل أن تكون مفردة (الشَّعار) الواردة في قول الإمام تتضمّن الدلالة على (العَلَم) الذي يُتَّخذ شعاراً يهتدي به الضالون في الفلوات، وكذلك العلامة، وهي الأثر الذي يُهتدى به (8). فيكون المعنى بحسب هذه الدلالة أن الإمام علي وأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) هم العَلامَة والشعار الذي اتخذه النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله) لهداية الناس وإرشادهم إلى الطريق القويم، فهم الأعلام والعلامة الفارقة في الإسلام التي يهتدي بها المسلمون وغيرهم الى الطريق القويم، وهم أعلام القوم وساداته الذين امتازوا عمّن سواهم من المسلمين بالقرابة


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 632/3، ومنهاج البراعة : 9 / 207.

2) النهاية في غريب الحديث : 480/2، ولم أعثر على هذا الحديث في ما راجعته من كتب الحديث الشريف. وقد نقله اللغويون في معاجمهم. ينظر : تهذيب اللغة (شعر) : 267/1، و لسان العرب (شعر) : 276/4.

3) النهاية في غريب الحديث : 480/2، و لسان العرب (شعر) : 276/4.

4) الخَزْن في اللغة - إحراز الشيء وجعله في خزنة. ينظر : لسان العرب (خزن) : 139/13. ولعل الإمام يشير، بهذا اللفظ، إلى ما ورد عن النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله) من أنّه (خازن علمه)، أو (عَيْبَة عِلمه)، بحسب ما ينقل الشارح ابن أبي الحديد، كأنه يشير بذلك إلى كونه واهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) هم خزنة الجنة وأبوابها. ينظر : تفصيل ذلك فيما رواه اللغويون في الحديث الذي خُصَّ به الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكونه قسيم الجنة والنار في : غريب الحديث (ابن قتيبة) : 150/2، والفائق : /190، والنهاية في غريب الحديث : 11/4. فضلاً عما ورد من ذلك في كتب التفسير، وشروح نهج البلاغة، ومنها : التبيان في تفسير القرآن، للطوسي : 411/4، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي : 211/7، والكشف والبيان، للثعلبي النيسابوري : 4/ 36. وروح المعاني : 123/8، ومن شروح نهج البلاغة : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 128/9 - 136، ومنهاج البراعة : 207/9.

5) المعجم الكبير : 65/11، المستدرك على الصحيحين : 137/3 و شرح نهج البلاغة (البحراني) : 362/3، والديباج الوضي : 1242/3.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 9/ 128.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 362/3، والديباج الوضي : 1242/3، ومنهاج البراعة : 207/9.

8) ينظر : لسان العرب (شعر) : 4 / 414/413.

والاختصاص بالرسول صلوات اللّه عليه وقد وردت مفردة (شِعاري) دالة على القرب والاختصاص في (ك / 41).

ثالثاً : الدلالة على القرآن الكريم.

وقد جعله الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمنزلة (الشعار) من الثياب الذي يكون قريباً من الجسد، في قوله الذي يصف فيه الزاهدين : ((... أُولَئِكَ قَوْمٌ اتَّخَذُوا الأرض بِسَاطاً وَ تُرَابَهَا فِرَاشاً وَ مَاءَهَا طِيباً وَ الْقُرْآنَ شِعَاراً وَ الدُّعَاءَ دِثَاراً...)) (1). فإنّه لما أراد التعبير عن مخالطة القرآن لهم، وقربه من أرواحهم، استعمل له مفردة (شعاراً) ؛ باعتبار ملازمتهم له، دراسة وفهماً وقراءة كما يُلازم الشعار الجسد (2).

أقول : ومما يعضد هذه الدلالة ورود لفظة (دِثار) وما سبقها من الألفاظ الدالة على لوازم متاع الإنسان ومعاشه، مثل لفظة (بساطاً) و (فراشاً) و (طيباً). فكأنّ هذه المفردات قرائن في عد القرآن الكريم علامة من علامات هؤلاء الزّاهدين ولازمة من لوازمهم التي ينمازون بها، كأنهم جعلوه علماً لهم يَهْتَدون به في حياتهم وعلامة من علاماتهم التي يفترقون بها عن الآخرين.

رابعاً : الدلالة على الفُرقة والحكم بما لم ينزل اللّه جل جلاله

واستعمل الإمام مفردة (الشَّعار) دالة على ما يُنادَى به من دعوة إلى التَّفْرِقة والحكم بالباطل. وذلك في سياق كشفه السُّبْهَة التي وقع فيها (الخوارج) من حكم الحكمين. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((... وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّاذَّ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ... أَلَا مَنْ دَعَا إِلَى هَذَا الشَّعَارِ فَاقْتُلُوهُ، وَلَوْ كَانَ تَحْتَ عِمَامَتِي هَذهِ، فَإِنَّمَا حُكِّمَ الْحَكَمَانِ لِيُحْيِيَا مَا أَحْيَا الْقُرْآنُ، وَيُمِيتَا مَا أَمَاتَ الْقُرْآنُ، وَإِحْيَاؤُهُ الِاجْتِمَاعُ عَلَيْهِ، وَإِمَاتَتُهُ الِافْتِرَاقُ عَنْهُ...)) (3). أراد بـ (الشعار) الدعوة إلى تفريق جمع الناس من خلال اتخاذ القرآن الكريم سبيلاً إلى التفرقة والسّعي الى إضلالهم من خلال صرف القرآن الكريم عن معانيه الحقيقية، ولهذا أمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقتل من يدعو إلى ذلك، فلو كان الأمر مُقتَصِراً على شعار التفرقة، لما كان ذلك مدعاة إلى قتل من يدعو الى ذلك، لكن لارتباط ذلك بالفتنة والإضلال وتفريق الجمع والدّعوة الى التكفير، صار ذلك مسوّغاً لقتل من يدعو إلى ذلك، وكان مصداق هذه الدّعوة عند الإمام شعار الخوارج (لاحكم إلا للّه) الذي دعا إليه رؤوسهم لما رفعت المصاحف في (صفّين). ولهذا قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ختام كلامه : ((... إِنَّمَا اجْتَمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ عَلَى اخْتِيَارِ رَجُلَيْن، أَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَلَّا يَتَعَدَّيَا الْقُرْآنَ فَتَاهَا عَنْهُ، وَتَرَكَا الْحَقَّ وَهُمَا يُبْصِرَانِهِ، وَكَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا فَمَضَيَا عَلَيْهِ...)) (4). فكأن استبداد الحكمين برأيهما، وغَلَبة الهوى عليهما مثل شعاراً من شعارات التفرقة بين الناس والدعوة إلى خداعهم (5). ولدرء ذلك استعمل الإمام صلاحياته الشرعية، بوصفه إمام الأمة وخليفتها المفترض الطاعة، لقطع الطريق أمام من يهادن أمثال هؤلاء من الخوارج وغيرهم، لئلا تتخذ الشعارات المُضَلَّلة وسيلة لإضلال الناس وصرفهم عن الصراط المستقيم، مثلما صار شعار الخوارج كلمة حق يُراد بها باطل


1) نهج البلاغة : قصا /104 : 618.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 421/5، والديباج الوضي : 2793/2، ومنهاج البراعة : 178/21.

3) نهج البلاغة :خ 127 : 233.

4) نهج البلاغة : خ / 127 : 233.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 565/3.

سَرَابيل
إشارة:

السِّرْبَال القميص، وجمعه سَرَابِيل (1). وسَرْبَلتُه أَلْبَستُه السِّرْبال (2)وكلّ ما لبس، فهو سِربَال (3). و تطلق هذه اللفظة على الدرع أيضا (4). وهذه اللفظة من الألفاظ الفارسية المعربة، وأصله فيها (شلْوَار) (5). وربّما استعمل هذا اللفظ في بعض الألسن العربية الدارجة على القلب، فقيل (شروال) (6).

وقد وردت الفاظ (سَرَائِيل) بصيغة الجمع على (فَعَالِيل) مجردة من (ال) التعريف ثلاث مرات في نهج البلاغة، ومحلاة بـ (ال) مرة واحدة. في حين استعملت مفردة (سِرْبَال) بصيغة المفرد مرتين ؛ الثانية منهما مضافة إلى ضمير الغائب المفرد (سرباله). ووردت لفظة (مُتَسَربلين) مرة واحدة (7)، للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على الدروع، ولباس الحرب

وجاءت هذه الدلالة في سياق تحذيره (المعاوية) الذي يقول: ((...وَأَنَا مُرْقِلٌ (8)نَحْوَكَ فِي جَحْفَلٍ (9)مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَالْأَنْصَارِ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ شَدِيدٍ ؛ زِحَامُهُمْ مُتَسَرْبِلِينَ سَرَابِيلَ الْمَوْتِ، أَحَبُّ اللقَاء إِلَيْهِمْ لِقَاءُ رَبِّهِمْ ...)) (10)والمقام - كما سلف - مقام تحذير ووعيد، أراد فيه الإمام بيان شدّة ولع أصحابه قتال الأعداء من اهل الباطل، فاستعمل لهم لفظ (مُتَسَرْبِلين) بصيغة اسم الفاعل المجموع، للدلالة على ارتدائهم لباس الموت، في كناية عن أكفان الموت، كأن هؤلاء لشدّة رغبتهم في مقارعة العدو ومنازلته دون وجل من الموت، ارتدوا لِبَاسهم الذي يَدُلّ في هذا السياق على أمرين ؛ الأول هو الدروع وعدّة الحَرب التي يلبسها المقاتل عند عزمه على القتال. ولهذا احتمل الشرّاح هذه الدلالة المتقدمة جاعلين تعبير (سَرَابِيل الموت) كناية عن هذه الأدوات (11). أما الاحتمال الثاني الذي تحتمله اللفظة المتقدمة، فهو الدلالة على الأحوال التي وَطَّنوا أنفسهم عليها من استعدادهم إلى القتال والقثل بين يدي إمامهم (12). كناية عما يكون في صدورهم من السّعة والانشراح بالقتال والقتل (13).

أقول : وثمّة احتمال آخر يستفاد من دلالة مفردة (سربال) على (القميص). وهو أن تكون الكلمة دالة على (الأكفان) التي يلبسها من يُوَطِّنون أنفسهم إلى القتل. فجاء إيراد الإمام لهذه المفردة مناسب لحال هذا


1) ينظر : العين (سربل) : 344/7.

2) ينظر : جمهرة اللغة (سربل) : 2 / 1120.

3) ينظر : المحكم (سربل) : 8 / 252. لسان العرب (سربل) : 11 / 355.

4) نفسهما.

5) ينظر : مع نهج البلاغة : 203.

6) نفسه.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 213.

8) الإرقال الإسراع. ينظر : لسان العرب (رقل) : 11 / 293.

9) الجحفل الجيش الكثير. ينظر : لسان العرب (جحفل) : 11 / 102.

10) نهج البلاغة : ك / 28 : 493.

11) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 245/3.

12) نفسه.

13) ينظر : الديباج الوضي : 2262/5.

الجحفل الذي يقوده لقتال معاوية ؛ فكأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يريد الإشارة إلى إسراع جيشه إلى الموت من خلال ارتدائهم هذه (السَرَابِيل) إشارة إلى حبّهم لقاء اللّه جل جلاله (1).

أقول : ومفردة (سَرَابِيل) بهذه الدلالة قريبة مما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى في مقام تفضّل اللّه على الإنسان : (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ)(2). وقد ذكر المفسرون أن لفظ (السَّرَابِيل) لفظ عام يقع على كلِّ ما كان من حديد أو غيره. وهو في الآية دال على الدّروع والجَواشِن (3). وهي أشبه بالسِّربال الذي يستعمله الجنود في الحروب اتقاءً للطعن حفظاً لأنفسهم (4).

ثانياً : الدلالة على التقوى وترك الآثام.

ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيان صفات المتقين : ((إِنَّ مِنْ أَحَبّ عِبَادِ اللّه إِلَيْهِ عَبْداً أَعَانَهُ اللّه عَلَى نَفْسِهِ فَاسْتَشْعَرَ الْحُزْنَ وَتَجَلْبَبَ الْخَوْفَ... قَدْ خَلَعَ سَرَابِيلَ الشَّهَوَاتِ وَتَخَلَّى مِنَ الْهُمُوم ...)) (5). والإمام يصف المتقين الذين يعدّون من أحب العباد إلى اللّه تبارك وتعالى. وأُولَى خصائصهم إعانة اللّه لهم على أنفسهم وكبح جماحها، وصدّ شهواتها. فجاء تعبير (سَرَابِيل (الشَّهَوَات) للتجسيد الشهوات وإنزالها منزلة اللباس الذي يرتديه المرء. والشَّهوات جمع (شهوة)، وهي اشتياق النّفس إلى الشيء ونزوعها إلى ما تريده من المعاصي والآثام (6). فلمّا كانت هذه (الشَّهوات) تلبس الإنسان وتشتمل عليه، وهو يرتديها كما يرتدي (سَرَابِيله) ؛ لهذا استعارها الإمام للشهوات التي تبدو كاللباس في الإنسان (7).وإنما جاء بها على بناء الجمع مناسبة للتعددها وكثرتها في الإنسان. ولمّا كان المراد، في هذا المقام، وصف المتقين ومدحهم، لهذا أبان الإمام عن تقوى هؤلاء وخلاصهم مما يبعدهم عن طاعة اللّه عن طريق (خَلَعهم) ألبسة شهواتهم وطرحها. و(الخَلْع) النّزع والطّرح (8)، كناية طرح الشهوات والانشغال بالطّاعة والعِبادة (9).

أقول : وتبدو مفردة (خَلَع) مناسبة لقوله (سَرَابِيلَ الشَّهَوَاتِ) ؛ فـ (الشَّهوة) أمر مرتكز في نفس الإنسان وغريزته، و (السّربَال) من الفاظ الألبسة التي تكون ظاهرة للعيان، لذلك جاء التعبير بلفظ (الخَلْع) لائقاً لمعنى تَخلّي المرء عن شهواته ورغباته غير الصالحة الحميدة المرتبطة بنفسه الأمارة بالسوء، والانتقال بها نحو الطاعة والإيمان. ويمكن إظهار الدّقة في اختيار الإمام لمفرداته، من خلال قوله في سياق كلامه عن (الحَجِّ) والطقوس التي يقوم بها (الحَجِيج) بقوله : ((...فَصَارَ مَثَابَةً (10)لِمُنْتَجَع (11)أَسْفَارِهِمْ، وَغَايَةً لِمُلْقَى رِحَالِهِم


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 245/3.

2) النحل / 81.

3) ينظر : الكشاف : 584/2، و المحرر الوجيز : 412/3.

4) نفسهما.

5) نهج البلاغة : خ / 87 : 140، 141.

6) ينظر : تاج العروس (شهو) : 402/30.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 411/2.

8) ينظر : لسان العرب (خلع) : 8 / 76.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 411/2.

10) المثابة المجتمع الذي يثوب اليه الناس، وهو البيت الحرام. ينظر : العين (ثوب) : 8 / 246.

11) المنتجع مأخوذ من (النجعة) وهي الذهاب في طلب الكلأ. ينظر : لسان العرب (نجع) : 347/8.

.. قَدْ نَبَذُوا السَّرَابِيلَ ورَاءَ ظُهُورِهِم...)) (1). فاستعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا السياق تعبير (نَبَذُوا السَّرَابِيلَ)، والنَّبذ طرح الشيء من اليَد إلى الإمام أو الى الخلف حسبما يذكر اللغويون (2). فهؤلاء الحجيج يقصدون اللّه تبارك وتعالى في بيته تاركين كل شيء خَلْفَهم من لوازم الدنيا و متعلقاتها، ومنها (السَّرابيل)، وهي ألبستهم التي يرتدونها، فيخلعونها مرتدين بدلاً عنها إحرام الحج فجعل (عَلَيهِ السَّلَامُ)ملابس هؤلاء سرابيل ينبذوها خلفهم وأمامهم في سفرهم الى اللّه جل جلاله، راجعين إليه كما خلقهم أوّل مرّة.

أقول: وتوحي المفردة المتقدّمة بالدلالة على الكبر والعلو وسوء الخلق وهي خصال ينبغي نبذها والتخلّي عنها القصد الى بيت اللّه الحرام الذي حُرِّم فيه كل سوء وأذى ورفث وفسوق وجدال. يقول تبارك وتعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) (3). فكأن أمير المؤمنين بنذ هذه (السّرابيل) الى قوله تعالى المتقدّم. فجاء بلفظتي (خَلَعَ) و (نَبَذُوا)، فالأولى منهما مخصوصة بنزع الخصال الذميمة وطرحها، والثانية لترك السرابيل من الألبسة والشهوات من الرّفث والفسوق والجدال وراء ظهورهم، فضلاً عن نبذ الدنيا وما فيها. فكأنّ الإمام يشير إلى ما نُبذ من أمور الدنيا التي ينبغي أن يتخلّى عنها الذاهبون إلى اللّه تبارك وتعالى. والمشترك في المعنى المتقدم هو مفردة (سَرَابِيل) التي توحي بالدلالة على ما يكون في المرء من خصال العنت والكبر والخيلاء والشدة، فضلاً عن الفسوق في نهج البلاغة ويبدو ذلك واضح في قول الإمام الذي يصف فيه حال اهل المعصية يوم القيامة : ((وَأَمَّا اهل المَعْصِيَةِ، فَأَنْزَلَهُمْ شَرَّ دَارٍ، وَغَلَّ الْأَيْدِيَ إِلَى الْأَعْنَاقِ... وَأَلْبَسَهُمْ سَرَابِيلَ القَطِرَانِ وَمُقَطَّعَاتِ النِّيرَانِ...)) (4). فقال: (سَرَابِيلَهُم من قَطِرَان) ولم يقل، على سبيل المثال، (لِبْسُهُم من قَطِرَان). أو (ثِيَابُهم من قَطِرَان)، لما سبق من تضمّن هذه المفردة دلالة الذَّم، فلهذا جاء الإمام بلفظة (البَسَهُمْ)، لإظهار الدلالة على اكتسائهم بهذا الضرب من ثياب العذاب وألوانه. و(القَطِرَان) ما يَتَحَلَّب من شجر الأبْهَل والأرز الذي يطبخ لتُهَنَّأ به الإبل(5). فتعالج به الإبل من الجَرَب وغيره. ويتَّخذ القَطِران من نبات العَرْعَر والعُتُم الذي تكون الابل أقل صبراً عليه (6)؛ لشدته عليها، إذ تؤدّي هذه العُصارة إلى اشتعال النار في جلودها (7).

أقول: ويبدو الأثر القرآني واضحاً في كلام الإمام فقد وصف القرآن الكريم حال المجرمين يوم القيامة وما يجري عليهم من العذاب في قوله :(وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ) (8). وذكر المفسرون أنّ المعنى هو جعل قُمُص اهل النّار من القَطِرَان الذي تُهَنَّأ به الإِبِل إذ يكون للنار فيه اشتعال شديد، فجعله اللّه تبارك وتعالى سرابيلاً لهؤلاء تكسى أجسادهم به وتهنأ (9)، وذلك


1) نهج البلاغة : ك / 192 : 369.

2) ينظر : لسان العرب (نبذ) : 1 / 511.

3) البقرة/ 197.

4) نهج البلاغة : خ / 109 : 203.

5) ينظر : العين (قطر) : 96/5، والمحكم (قطر) : 265/6.

6) ينظر : المخصص : م/2: س / 7 : 164.

7) ينظر : لسان العرب (قطر) : 5 / 105.

8) إبراهيم / 49، 50.

9) ينظر : المحرر الوجيز : 348/3.

علاجاً لهم ومداواة الغرض منها إصلاحهم مما كانوا فيه من الذنوب والمعاصي. وثمّة أمر مُميّز في التعبيرين القرآني والعلوي ل- (سَرَابِيلُهُم مِن قَطِرَانِ) و (سَرَابِيلَ القَطِرَان)، فالفارق بينهما في تركيب الكلام، إذ جاء بلفظ (قطران) مجروراً بـ (من)، في حين أنّ الإمام استعمل تركيب الإضافة بين مفردتي (سَرَابِيل) و (القَطِران). ومن هذين التعبيرين يمكن بيان العلاقة بين (السّرَابيل) وهذا النوع من العلاج الذي تعالج به الدواب. فـ(القَطِرَان) طلاء تُطلى به جلود الإبل والدواب التي يصيبها الجرب (1)، في حين استعمل القرآن هذا الضرب من المراهم طلاء تُطلى به جلود اهل النار، فيصير لهم كالسَّرابيل لإحاطته بجلودهم واشتمالهم به كما يشتمل باللباس ولمّا كان (القَطِرَان) مميّزاً بِحِدَّته وشدّة حرارته على الجلد، حتى أنّها تبلغ جوف من يطلى به، وتكون عاملاً من عوامل اشتعال النار والإحراق بها (2)، فضلاً عن لونه الأسود المُنتن (3). ولهذا كان (القَطِرَان) مجمعاً لهذه الأوصاف المؤذية من اللذع والحرقة والإسراع في الاشتعال، فضلاً عن قذارة اللون والرائحة، فجعل عقاباً لاهل لقوته في الأذى وإسراعه في النار في جلود المخلدين في النّار. واستعمله الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تصوير شدة الأذى الذي يتعرض له أصحاب المعاصي والآثام في الآخرة.

أقول : وثَمة فارق بين (سَرَابِيلَ قَطِرَان) الدنيا) و (سَرَابِيلَ القَطِرَان) في الآخرة مما لا يمكن تصوّر أذاه وشدّته. ومع ذلك فهو حقيقة من حقائق القرآن الكريم المتعددة التي تظهر ما سيكون عليه حال المجرمين في الآخرة، واللّه أعلم بكل شيء من ذلك.

وقد أشار شُرَّاح النهج إلى أن مراد الإمام من قوله (سَرَابِيلَ القَطِرَان) هو جعل عذاب هذه الفئة من الناس العاصين بمنزلة الطلاء بالقطران الذي يمثل ضرباً من اللباس لهم، مع اجتماع الخصال الأربع لهذا الطلاء، وهي اللذع والحرقة، والإسراع في النار واشتعال الجلد بها، وقذارة اللون ونتن الرائحة (4). والتفت الشارح البحراني إلى دلالة أخرى لمفردة (سَرَابِيلُهُم) فجعلها مستعارة لهيئات البدن وجواهر النفوس، ووجه المشابهة بينهما الاشتمال بهذه الخصال، كما يشتمل السّربال بالبدن، وأما نسبتها إلى (القَطِرَان)، فهو إشارة إلى شِدّة استعدادهم للعذاب، وأمّا علّة توظيفه، فراجعة إلى كونه يسمح باشتعال النار بشكل أشد من غيره (5).

رابعاً : الدلالة على ريش الطاووس.

وهذه الدلالة قريبة مما ذكرتُه من أن لفظة (سِرْبَال) ضَرْبٌ من الإيحاء والزَّهْو والخُيَلاء. وقد تجسد ذلك في وصف أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لجمال الطاووس بقوله : ((...يَمْشِي مَشْيَ المَرِح (6)المُخْتَالِ (7)، وَيَتَصَفَّحُ ذَنَبَهُ وَجَنَاحَيْهِ فَيُقَهْقِهُ (8)ضَاحِكاً لِجَمَالِ سِرْبَالِهِ...)) (9). يصف (عَلَيهِ السَّلَامُ) زَهو هذا الطائر وكثرة اختياله،


1) ينظر : الكشاف : 531/2.

2) ينظر : الكشاف : 531/2، ولسان العرب (قطر) : 5 / 105.

3) نفسهما.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 7 / 165، والديباج الوضي : 890/2.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 527/3.

6) المَرَحُ شِدَةُ الفرح والنشاط. ينظر : لسان العرب (مرح) : 2 / 591.

7) الاختيال والخيلاء والكبر والعجب. ينظر : لسان العرب (خيل) : 11 / 228.

8) القهقهة ضرب من الضحك، وهو اشتداده. ينظر : لسان العرب (قهقه) :13 / 531.

9) نهج البلاغة : ك / 165 : 297.

وخِفَّتِه ونشاطه، وهو ما يدعوه إلى القهقهة والضحك. والمراد بهما صياحه الذي شبهه الإمام بذلك مستعيراً اللفظين المتقدمين، لبيان زهوه وكثرة اختياله، فهو كالمتكبّر الذي اغتر بنفسه، فيقهقه ضاحكاً من غروره وخيلائه. أمّا لفظة (سِرْبَاله)، فالمراد بها ريشه الذي يكتسي به، وهو ضرب متعدد الألوان والأشكال، فناسب أن يصفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بـ (السّربال) تشبيهاً له باللباس المتعدد الألوان الذي يرتديه المرء المرح المختال المَزْهُو بنفسه

نَسَائِج
إشارة:

النَّسْج نسج الثوب وغيره، وأصله ضَمُّ الشيء إلى الشيء (1). وقد كثر في كلامهم حتى قالوا نَسَجت الريح الترابَ، إِذا سَحَبَت بعضه إِلى بعض (2). ونَسَجَ الحائِكَ التّوبَ يَنْسِجُه، إذا حاكَه بضَمِّ السَّدَى إلى اللُّحْمة من آلآت النَّسْج (3). ويقال للثوب نَسيجُ وحده، وذلك إذا لم يُنسج على مِنْواله ثوب غيره لدقته، فيصير نفيساً كريماً لا نظير له (4). وأصبحت هذه الكلمة مثلاً يُضرب في الرَّجل المحمود الذي لا عيب فيه (5).

استعمل الإمام مفردات (نسج) بصيغة المصدر، و (النَّسَّاج)، و (نَسَائج) بصيغة الجمع، و (مَنْسَجِه) اسماً للمكان مضافة إلى ضمير الغائب المفرد المذكر مرة واحدة لكل منها الألفاظ في نهج البلاغة (6)، للدلالة على ما يأتي :

أولاً : الدلالة على حياكة العنكبوت لبيته

وجاءت هذه الدلالة مثلاً في الوَهْن و الضعف. وذلك في مقام وصف أبغض الخلق إلى اللّه تبارك وتعالى، وهم صنفان ؛ فمنهم : ((رَجُلٌ قَمَش (7)جَهْلًا مُوضِعَ فِي جُهَّالِ الْأُمَّةِ... فَإِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى الْمُبْهَمَاتِ هَيَّأَ لَهَا حَشْواً رَتَّا مِنْ رَأْيهِ... فَهُو مَنْ لَبِسَ الشُّبُهَاتِ فِي مِثْلِ نَسنج الْعَنْكَبُوتِ...)) (8). يريد بـ (القَمَش) من الرّجال المتخبّط الذي لا يميّز بين الجيّد والرّدئ من الأمور، المتسرّع الذي لا يُبصر الخروج من مبهمات الأمور فكأنّ وقوعه في الشبهات كيف يخرج التي يخرج بها من مبهمات الأمور، فكأنه في وقوعه في الشبهات مثل ما يقع في بيت العنكبوت، دلالة على عدم تبصره للأمور وادراكها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يمكن أن يدل التعبير المتقدم على ضعف الملكات العقلية والقدرات الفكرية، ما يؤدي الى أن يكون القمش من الرّجال ضعيف الحجة والبرهان، ذي مذهب واءٍ كنسج العنكبوت. والمقام - هنا - مقام تنفير وتحذير من الوقوع في


1) ينظر : العين (نسج) : 55/6، وتهذيب اللغة (نسج) : 312/10.

2) ينظر : العين (نسج) : 55/6.

3) ينظر : لسان العرب (نسج) : 376/2.

4) ينظر : تهذيب اللغة (نسج) : 313/10.

5) ينظر : تهذيب اللغة (نسج) : 313/10، و مقاييس اللغة (نسج) : 424/5.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 440.

7) القمش جمع الشيء من هنا وهناك. وهو الرّديء من كل شيءٍ. ينظر : لسان العرب (قمش) : 338/6.

8) نهج البلاغة : خ / 47046:17.

الشبهات الواهية، واتخاذها موئلاً للفتن، فوظّف الإمام مفردة (نَسْج) لتشبيه اختلاط الأمور واشتباكها على الجاهل، من جهة ضعف الرأي والحيرة التي يقع فيها، بنَسْج العنكبوت الذي يمتاز برقة خيوط بيته ودقة حياكتها، ويصحب هذه الدقة يصاحبها اختلاط نسج هذه الخيوط وعدم الاهتداء إلى أصلها الذي بدء به، فضلاً عن الضعف والوَهْن، الأمر الذي يجعل لا يصمد أمام الخطر. فكأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يشير إلى ضعف الملجأ الذي يأوي إليه هذا الجاهل.

ثانياً : دلالتها على مكان النسج ومحله.

واستعمل الإمام مفردة (مَنْسَجِهِ)، وذلك في سياق حديثه عن صفة الغوغاء إذا اجتمعوا أو تفرّقوا، فشبّههم بأصحاب المهن، عند تفرقهم الى عملهم. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((...رَجْعَ أَصْحَابُ الْمِهَنِ إِلَى مِهْنَتِهِمْ، فَيَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهِمْ، كَرُجُوعِ الْبَنَّاءِ إِلَى بِنَائِهِ وَالنَّسَاجِ إِلَى مَنْسَجِهِ...)) (1). والمَنْسَج مكان عمل النَسِيج وصناعته.

ثالثاً : دلالتها على ما يُنسج من ملابس فاخرة مصنوعة من القزّ.

وجاءت هذه الدلالة في حديثه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن تقواه وامتناعه عن ملذات الدنيا وزخرفها يقول: ((وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى ؛ لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الْخَوْفِ الْأَكْبَرِ... وَلَوْ شِئْتُ لَاهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُصَفًّى هَذَا العَسَلِ، وَلُبَاب هَذَا القَمْح، وَنَسَائِج هَذَا القَزّ، وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ ...)) (2). والنِّسَائِج، جمع (نسج)، وهي ما يُحاك من خيوط لصناعة القزّ و الحرير الذي تنسج منه ألبسة شتّى فاخرة. وتدل المفردة المتقدمة على (الثياب) الفاخرة المأخوذة من الديباج الإبرسيم، بوصفها من أعلى المنسوجات وأشرفها.


1) نهج البلاغة : قصا / 199 : 639.

2) نفسه.

رداء

الرِّدَاءِ الثَّوْب أو البرد الذي يضعه الإنسان على عاتقيه وبين كتفيه فوق ثيابه (1). و قد فرّق اللغويون بين ضروب الألبسة التي يرتديها الإنسان، وميّزوا بين نوعين منها، وهما (الرِّداءَ) و (الإزار)، فالرِّداء ما يَستُر أعلى البَدَن، وهو ما على العاتق والظهر في حين أنّ (الإزار) مخصوص بما يَستُر أسفل البَدَن، وكلاهما غير مخيط.(2). ولهذا قيل : إنّ الرِّداء - عند العرب - ما يُلْبَس فوق الثياب كما تُلْبَس الجُبَّة والعباءة (3).

ويكنّى بـ (الرِّداء) عن الكرم وسعة المعروف، إذ يقال : (فلان غَمْرُ الرِّداء). إذا كان كثير المعروف واسعه، وإن كان رداؤه صغيراً (4). قال كثير عزّة (5):

غَمْرُ الرّداءِ إِذا تَبَسَّمَ ضَاحِكاً ***غَلِقَتْ لضحْكَتِه رقاب المالِ

ويسمّى الدَّيْن رداءً أيضاً، وهذه الدلالة أخذها اللغويون عن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) (6). فقد نُقِل عنه القول : ((مَن أَرَادَ البَقَاءَ، ولا بَقَاءَ، فَلْيُخَفَّفِ الرِّدَاءَ. قيل: وما خِفَّةُ الرِّدَاءِ ؟ قال: قِلَّة الدَّيْنش)) (7). وإنّما سمّاه رِدَاء ؛ لأنَّه يقع في موضع لبس الرِّداء، من المنكِبَين ومجمع العنق كما يبدو فإنّه يثقل عاتق المرء ويجهده. والعرب تقول في ضمان الدين : هذا لك في عُنُقي، ولازم في رقبتي (8). فجعلوه واقعاً موضع النّحر منهم، في إشارة الى أنّ حفظه وأداءه كحفظ المرء لنفسه وحرصه عليها. ومعنى كلامه : فلْيُخَفَّف ظَهْره ولا يُثْقِله بالدِّين (9). ويسمى السيف والقوس رداءً أيضاً ؛ لأنّ من تقلّدها كأنّه تردّى بها (10).

وجاءت مفردة (رِدَاء) مرتين في نهج البلاغة (11)، وبدلالتين ؛ الأولى منها ساقها (عَلَيهِ السَّلَامُ) للدلالة على (الجَبرِيَّة) الذي يختص به اللّه تبارك وتعالى، وذلك في قوله الذي يتحدث فيه عن (إبليس) : ((...عَدُوُّ اللّه إِمَامُ الْمُتَعَصَبِينَ وَسَلَفُ الْمُسْتَكْبِرِينَ الَّذِي وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِيَّةِ وَنَازَعَ اللّه رِدَاءَ الْجَبْرِيَّةِ...)) (12). وليس المراد بـ(رِدَاءَ الْجَبْرِيَّةِ) الرداء المعروف الذي يمثله اللباس المادي، وإنما ما جلّل اللّه به نفسه من جبروت وعظمة لا يملكها غيره. وقد عصى إبليس اللّه تعالى وادَّرع العزّة بالإثم لباساً له، وأراد انتزاع رداء الجبروت الذي يستأثر به الحق تعالى، فلهذا أُخْرِج مذموماً مدحوراً. والظاهر أنّ مفردة (رِدَاء) قد انتقلت بالوصف المتقدم من الدلالة المادية إلى الدلالة الحسيّة التي لا يمكن تصوّرها إلا بما يلاحظه الإنسان من قوّة وقهر وسطوة اللّه تبارك وتعالى التي تبدو آثارها في الحياة الدنيا. وقد كنّى الإمام عن ذلك كلّه بمفردة (رِداء) التي أضاف اليها كلمة (الجبرية)،


1) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 217/2.

2) ينظر : تاج العروس (ازر) : 2452/1.

3) ينظر المعجم الوسيط : 706/1، وألفاظ الحضارة (رجب عبد الجواد) : 275.

4) ينظر : تهذيب اللغة (ردي) : 119/14.

5) ديوانه : 288، و تهذيب اللغة (ردي) : 119/14.

6) ينظر : النّهاية في غريب الحديث :2/ 519.

7) نفسه.

8) ينظر : تهذيب اللغة (ردي) : 119/14، و النهاية في غريب الحديث : 217/2.

9) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 217/2.

10) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 217/2، ولسان العرب (ردي) : 316/14.

11) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 185.

12) نهج البلاغة : خ / 192 : 360.

وهي مفردة تدل على الجبّار المتكبر الذي لا يرى لأحد عليه حقاً (1). وهذه الصفة من الصفات المخصوصة باللّه جل جلاله، وقد ورد في الحديث عند الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صفة (العِز) الذي تجلّل به الخالق تبارك وتعالى : ((العزُّ رِدَاءُ اللّه وَالْكِبْرِيَاءُ إِزَارُهُ، فَمَنْ تناوَلَ شَيئاً مِنْهُ أَكَبَّهُ اللّه في جَهَنَّم)) (2).

أمّا المعنى الثاني الذي جاء به الإمام لمفردة (رِدَاء)، فهو دلالتها على ما يرتديه الناس على عواتقهم. وجاء ذلك في سياق وصف (بَيْعته بالخلافة)، وما جرى على النّاس من تدافع وازدحام عليه : ((وَبَسَطْتُمْ يَدِي فَكَفَفْتُهَا... ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكَ الإِبلِ الهيمِ عَلَى حِيَاضِهَا يَوْمَ وِرْدِهَا حَتَّى انْقَطَعَتِ النَّعْلُ وَسَقَطَ الرِّدَاءُ وَوُطِئَ الضَّعِيفُ...)) (3).

والرداء - هنا - هو اللباس المعروف الذي يستعمله الناس. و قد كنّى الإمام بسقوط ردائه عن شِدّة الزّحام والتدافع عليه، وهو ما يدل على رغبة الناس فيه وميلهم إليه. ولمّا كان الرِّداء مما يعتنى به عند المرء فلهذا أشار إلى سقوطه في هذه الحادثة، ليدل على عدم عناية النّاس بمظاهرهم وهيأة لباسهم، لعنايتهم ببيعته واندفاعهم نحوه، حبّاً وسروراً ببيعتهم له (4).

كسوة
إشارة:

الكِ سوة بالكسر والضم - اللباس (5).

و (كَساهُ) و (كِسْوَة) من مفردات نهج البلاغة التي وردت مرة واحدة لكل منهما (6)، للدلالة على ما يأتي: وبدلالتين.

الأولى : الدلالة على السثر

واستعملت في هذه الدلالة مفردة (كَساه) في قوله : ((مَنْ كَسَاهُ (7)الْحَيَاءُ ثَوْبَهُ لَمْ يَرَ النَّاسُ عَيْبَهُ)) (8). ويفهم من النّص أنّ (الحياء) هو الذي (كَسى) المرء (ثَوْبه)، فهو الكاسي الساتر للإنسان، ومفردة (كَسَاه) قرينة على الاستعارة التي استعمل فيها الإمام مفردة (التّوب) لما يشمل الإنسان من الحياء ويستره(9).

الثانية : دلالتها مَلْبَس الإنسان وحاجياته.


1) ينظر: المحكم (جبر) : 406/7.

2) وسائل الشيعة : 374/15.

3) نهج البلاغة : خ / 443:229، 444.

4) ينظر : الديباج الوضي : 1833/4.

5) ينظر : العين (كسو) : 391/5، ولسان العرب (کسا) : 223/15.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 400.

7) رويت هذه الحكمة عند الشارح (البحراني) :(: ((مَنْ كَسَا الحَيَاءُ ثَوْبَهُ...)). ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 455/5 .

8) نهج البلاغة : قصا /223 : 642.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 455/5.

وقد أورد الإمام هذا المعنى في وصاياه إلى عماله على الخراج التي يقول فيها : ((...وَلَا تَبِيعُنَّ لِلنَّاسِ فِي الْخَرَاج كِسْوَةَ شِتَاءٍ وَلَا صَيْفٍ ...)) (1). ومفردة (كِسْوَة) تدل على المَلْبَس ومتعلقاته من حاجات الإنسان من اللباس الخاص بالشتاء والصيف وغير ذلك من مؤونة الإنسان من الألبسة ولوازمها.

تَقَمَّصَهَا

القميص ضرب معروف من الملابس(2)، وهو ثوب مخيط بِكُمين غير مفرج،يُلْبَس تحت الثياب. ولا يكون إلا من قُطن أو كتان (3). وقيل : بل هو الشعار الذي يُلبس تحت الدثار (4). ويطلق لفظ القميص في العصر الحديث على اللباس الرقيق الذي يرتدى تحت السترة غالباً.(5). والقميص لفظ مذكر، فإن أُنَّتْ، فقد أُريد به الدرع (6).

ومفردة (تَقَمَّصَها) بصيغة (تفعل) المتصلة بضمير الغائبة من ألفاظ نهج البلاغة التي استعملت فيه مرة واحدة (7)، للدلالة على اتخاذ الخليفة (أبي بكر) الخلافة قميصاً. وذلك في سياق كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الشكوى من أمر الخلافة التي يقول فيها : ((أَمَا وَاللّه لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلَانٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَا ...)) (8). ولفظة (تَقَمَّصَهَا) وردت على بناء (تَفَعّل)، وهو بناء يدل على التكثير والمبالغة، كأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أراد بيان مبالغة الخليفة (أبي بكر) في الاستيلاء على (الخلافة)، حتى جعلها كقميصه الذي يلبسه من جهة اشتماله على بدنه واستتاره به (9)وتلفّعه به فكأنّه اتخذ الخلافة رداءً يكسو بدنه ويستره. وذلك على جهة استعارة لفظ (القميص) للخلافة والكناية به عن تَلَبّس (أبي بكر) بها (10)، والضمير في (تَقَمَّصَهَا) عائد على الخلافة. وقيل : بل عائد على (الإمامة) (11).

أقول : إن استعمال الإمام بناء (تَفَعّل) في الدلالة المتقدمة جاء مناسباً لحال الخليفة أبي بكر الذي تحقق لديه أنّه مستحق لهذا المنصب. فاستعمل الإمام بناء (تَفَعّل) ليدل به على معنى التلبس وصيرورة الصفة في صاحبها. ويذكر الصرفيون أنّ البناء المتقدم يؤتى به عندما يريد المرء أن يدخل نفسه في أمر حتى يضاف إليه ويكون من اهله، نحو : تَبَصَّر، وتَحَلَّم : أي صار ذا بصيرة وحلم (12). ويكون ذلك في المحبوب المطلوب من الأمور دون المكروه منها.(13). وبحسب هذا الوجه يكون لفظ (تقمَّص) حاكياً عن حال الخليفة


1) نهج البلاغة : ك / 51 : 542.

2) ينظر : لسان العرب (قمص) : 82/7.

3) ينظر : تاج العروس (قمص) : 128/18.

4) ينظر : المعجم الوسيط : 759/2.

5) نفسه.

6) ينظر : العين (قمص) : 5/ 70، و تهذيب اللغة (قمص) : 298/8.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 381.

8) نهج البلاغة : خ/ 3 : 28.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 154/1، وشرح نهج البلاغة (البحراني): 173/1.

10) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 174/1، والديباج الوضي : 201/1.

11) ينظر : الديباج الوضي : 201/1.

12) ينظر : كتاب سيبويه : 71/4.

13) ينظر : كتاب سيبويه : 71/4.

(أبي بكر) الذي يكون في ظنّه أنّه اهل للخلافة، كأنّه هو الأجدر بها دون غيره. وقد تضمّن هذا البناء الدلالة على عدم استحقاق هذا المنصب، فضلاً عن بطلان هذه الخلافة المتقمَّصة (1). في إشارة إلى أنّ (التَّقَمُّص) غير مقتصر معنى الارتداء المجازي، وإنما يتضمّن النُّزُوِّ والتَّسلَّط الذي قام به الخليفة (أبو بكر). كأنّ الإمام يلمح إلى أنّ خلافة أبي بكر أمر دُبر بليل، فَقُمِصَ على حقٍّ الإمام فيها كما يَقْمُص الفَرَس حين يرفع يديه ويطرحها أرضاً عند نزوّه (2). فضلاً عن ذلك، ففي المسكوت عنه في كلام الإمام ولفظة (تَقَمَّص) إيحاء ودلالة على ماتستر به عورات الإنسان وخُلّته. كأنَّ الساعي إلى تقلّدها كمن يرغب في التعويض عما فيه من طماح إلى السلطة وزهوها واتخاذها درعاً يلوذ به كما يلوذ الدراع بالحديد في الحرب

3- الثياب البالية.

رَقَعْت

الرُّقْعَة الخِرْقة، وهي التي يُرْقع بها الثَّوب (3)، واسْتَرْقَع الثوب، إذا حانَ له أَن يُرْقَعَ في المواضع التي انْهَجَت منه (4)بـ(إِلْحَامِ خَرْقِه) وإصلاحه بسَدّها.(5). ولهذا قيل لكل ما سُدّ من خلّة إنها رُقّعَت (6).

وجاءت مفردة (رَقَّعْت) و (يَرْقَع) مرة واحدة لكل منهما في نهج البلاغة (7)، للدلالة ترقيع خلّة المَلْبَس البالي الخَلِق. إذ استعملت مفردة (رَقَّعْت) مع لفظة (مِدرعة) في قوله الذي يصف فيه زهده وتواضعه : ((وَاللّه لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِي هذه حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا وَلَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ أَ لَا تَنْبِذُهَا عَنْكَ ؟...)) (8). أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) الإبانة عن شظف عيشه و بِلَى ثيابه وإنهاجها، فاستعمل اللفظة المتقدمة بصيغة (فَعَّل) دلالة على كثرة المرات التي الْحَمَها فيه. وهذه الصيغة الصرفية التي استعملها الإمام دلّت على التكثير مناسبة لتعدد ترقيع مدرعته وكثرته. وذكر الإمام في موضع آخر تواضع النبي في قوله : ((وَلَقَدْ كَانَ (صلى اللّه عليه وآله) يَأْكُلُ عَلَى الأرض...وَيَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ وَيَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ ...)) (9). وتوحي لفظة (يَرْقَعُ) بالدلالة على أمرين ؛ الأول تواضع النبي من خلال قيامه بتلك الأعمال بنفسه، والثاني عدم عنايته بالألبسة المزخرفة والحُلل المدرّجة وركونه إلى التواضع واكتفائه بلباس يستر بدنه، بحيث أنه لا يميل إلى استبداله، وإنما يعمد إلى ترقيعه.

كأن لفظة (يَرْقَع) توحي بالدلالة على أمرين ؛ الأول تواضع النبي وقيامه بتلك الأعمال بنفسه، والثاني عدم عنايته بالألبسة المزخرفة والحُلل المدرّجة، وركونه إلى التواضع واكتفائه بلباس يستر بدنه، بحيث أنه لا يميل إلى استبداله وإنما يعمد إلى ترقيعه.


1) ينظر : منهاج البراعة : 41/3.

2) ينظر : مقاييس اللغة (قمص) : 27/5، ولسان العرب (قمص) : 82/7.

3) ينظر : مقاييس اللغة (رقع) : 429/2، ولسان العرب (رقع) : 131/8.

4) نفسه.

5) ينظر : لسان العرب (رقع) : 131/8.

6) ينظر : تهذيب اللغة (رقع) : 108/1، ولسان العرب (رقع) : 131/8.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 881.

8) نهج البلاغة :خ / 160 : 285.

9) نفسه :خ/ 160 : 284.

طمره

الطَّمْر الثوب الخَلِق (1). وخُص الطُّمْر بالكِساءَ البالي من غير الصُّوف (2).

واستعمل الإمام لفظة (طِمْراً) نكرة منصوبة، و (طمره) مضافة إلى ضمير الغائب، و (طِمْرَيَّة) بصيغة التثنية مضافة إلى ضمير الغائب المفرد مرة واحدة لكل منها الألفاظ في نهج البلاغة (3). وقد خص الإمام نفسه بهذه الدلالة، في مقام الحديث عن زهده وتقواه، وعدم اغتراره بالدنيا وزخرفها، مُوَجِّهاً كلامه إلى بعض عماله ((أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ، وَيَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ. أَلَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ، وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ...)) (4). ويقول في موضع آخر : ((فَوَ اللّه مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً، وَلَا ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً، وَلَا أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً، وَلَا حُزْتُ مِنْ أَرْضِهَا شِبراً)) (5). والمراد بفردة (طِمْرَيْهِ) ثوبه الخَلق المتواضع، واستعماله لفظ التثنية يحتمل أمرين ؛ فأما لأنهما إزار ورداء يَسْتران الجسد والرأس (6). وقيل: بل هما ثوب واحد من جزأين لا يستغنى عن أحدهما معاً، وكلاهما يَستُران البدن (7). أو أنّه لم يكن يمتلك سوى هذين الثَّوبَين البالِيَين اللذين يستبدل أحدهما بالآخر وكلاهما بال ومما يستدل على ذلك قوله: (وَمِن طُعْمه بِقُرِصَيهِ). فـ (القُرْصَان) من الخبز هما قُرْص واحد، ولكنه أراد بتثنيته ما يأكله (عَلَيهِ السَّلَامُ) من خبز في الوجبة الواحدة، كأنه يريد القول أنه لا يأكل الا مرتين في اليوم الواحد فحسب زهداً وورعاً. أو كما قال بعض الشُرَّاح رَغيِف بُكرَةٍ ورغيف عَشِيْاً دون زيادة (8).

وأَما قوله : (لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً)، فـ(الطِمْر) هو الثوب البالي، وهو ما ركن اليه الشُرَّاح عند تفسير قوله المتقدم (9). ويلحظ أنّ إيثاره (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمفردة (طمر) في النصين المتقدمين راجع إلى ما توحيه المفردة من دلالة على طمر النّفس ودفنها به (10). كأنَّ المراد من هذين الطَّمْرين بالنسبة للإمام هو ستر البدن بهما لا غير دون النظر إلى حُسْن الثوب وزخرفته و نقشه. علاوة على أنّ (الأطمار) تمثل علامة من علامات الفقر والزهد (11). فاكتفى الإمام بثيابه البالية التي يلبسها، ولم يَعُدّ لها ثوباً طِمراً يستبدله بهما، أو ثوباً قشيباً جديداً كما يفعل الناس (12). ويرى بعض السُّرَّاح أنّ قصد من : (وَلَا أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً)، أنّه لم يُعد طِمْراً للزينة والتَّجَمُل البالي فحسب (13). وحاول صاحب (الديباج الوضي) على هذا المعنى بيان الفارق بين قولي الإمام: ((قَدِ


1) ينظر : العين (طمر) : 7 / 424، وجمهرة اللغة (طمر) : 417/1.

2) ينظر : لسان العرب (طمر) : 502/4.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 276.

4) نهج البلاغة : ك 531:45.

5) نفسه.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 14 / 20، والديباج الوضي : 2443/5.

7) ينظر : نهج البلاغة (عبده) : 447/3 هامش (10)، ونهج البلاغة (صبحي) : 530 هامش (3).

8) ينظر : الديباج الوضي : 2443/5.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد): 16 / 160، ومصادر نهج البلاغة وأسانيده :368/3 هامش (3).

10) من الدلالات التي تفيدها مادة (طمر) في المعجم، الدلالة على دفن النّفس وطمرها. ينظر : لسان العرب (طمر): 502/4.

11) وقد ورد في الحديث الشريف : ((كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللّه، لأَبَرَّهُ...)). سنن الترمذي : 692/5.

12) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 16 / 160.

13) ينظر : الديباج الوضي : 2444/5.

اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِعِمْرَيْهِ)) و ((لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً) بأن سأل : ((كيف قال - هنا - : يسوّى بالي ثوبي، وقال فيما تقدّم : (قد قنع من الدنيا بِطِمْرَيْهِ)، فما وجه ذلك ؟ وجوابه : لَعَلَّه تارة يَلْبَس الرِّداء، وتارة يَلبَس الإزار، فغيَّر على ما يقتضيه الحال من لباسه لأحدهما دون الآخر)). ويبدو أن الأمر ليس كذلك، فيمكن أن يكون الإمام مكتفياً بِطِمرين، هما لباسه الذي يستعين به في دنياه، وهو مكوّن من (طمرين) يستبدل أحدهما بالآخر عند الحاجة الى ذلك كيلى بعضهما واندثاره. ولذلك ذكر الإمام أنّه لم يُعدّ أي طمرٍ غير (طِمْرَيْهِ) المذكورين.

أقول : وقد وردت الدلالة نفسها في (خ / 192).

رَثاً

الرَّثُّ الثوب البالي (1). ورجل رَثّ، إذا كانت هيأته وملبسه رَثّة (2). وكل شيء أخلق فهو رَثٌ (3). والرَّثِيثُ الخَلِقِ الخَسِيس البالي من كل شي (4).

وجاءت لفظة (رثا) مرتين في نهج البلاغة (5)، للدلالة على الخلق البالي القديم، ولم يُرد بذلك اللباس وإنما قصد في الموضع الأول الذي وردت فيه مفردة (رثا) الرأي. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق حديثه عن أصناف الناس : ((... فَإِنْ نَزَلَت بِهِ إِحْدَى الْمُبْهَمَاتِ هَيَّأَ لَهَا حَشْواً رَثًّا مِنْ رَأْيِهِ ثُمَّ قَطَعَ بِهِ...))(6). يريد بـ (حَشُواً رَثا) الرأي و الكلام الذي لا مَنْفَعَة منه ولا جديد فيه، فهو منطق رَثٌ بالٍ لا فائدة منه. وتقترب مفردة (رثا) في هذا النص من (الثياب) الرَّثة البالية، فوظف (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه المفردة ليس للدلالة على الثياب البالية، وإنّما وصفاً للعقل عند هذه الفئة من النّاس، كما يبدو، بوصفه الموجّه لتفكيرهم وآرائهم مشبّهاً إياه بـ (الرَّثّ) البالي من الثياب كما تبلى الثياب القديمة. ومما يقوي هذا الوجه عندي قوله بعد النص السابق : ((فَهُوَ كَمَنْ لَبِسِ الشُّبُهَاتِ فِي مِثْلِ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ...)) (7). فجاء بمفردة (ليس) الدالة على الارتداء والاشتمال بالشئ، مناسبة لكلمة (رثا) التي خرجت لمعنى الضعف والوَهْن. وبهذا تكون مفردة (رثا) متسعة الدلالة في نهج البلاغة، فقد نقلت من مجال الدلالة على بلى الثياب واخلاقها، إلى الدلالة على بلى الرأي واخلاقه وخساسته، بل الحشو الرّث من الرأي والفكر الذي لا قيمة له. التعبير ألمح اليه المعجميون الذين ذكروا أنّ مفردة (رَثّ) تدل على الخَلِق الخسيس البالي من كل شيء، وأنها أكثر ما تستعمل في اللبس.(8). وأما المعنى الثاني لهذه اللفظة، فهو الإشارة بها إلى بلَى الدُّنيا وما فيها، فينتقل جديدها ليصير رَثاً خَلِقاً كالمَلْبُوس وغيره مما هو عرضة للتلف


1) ينظر : العين (رثث) : 212/8، وتهذيب اللغة (رثث) : 44/15.

2) نفسهما.

3) ينظر : لسان العرب (رثث) : 151/2.

4) ينظر : المحكم (رثث) : 126/10.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 179.

6) نهج البلاغة : خ 47:17.

7) نفسه.

8) ينظر : المحكم (رثث) : 126/10.

يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الدنيا : ((... فَإِنَّ الدُّنْيَا مَاضِيَةٌ بِكُمْ عَلَى سَنَنٍ... وَانْصَرَمَتِ الدُّنْيَا بِاهْلَهَا، وَأَخْرَجَتْهُمْ مِنْ حِصْنِهَا، فَكَانَتْ كَيَوْمٍ مَضَى، أَوْ شَهْرِ انْقَضَى وَصَارَ جَدِيدُهَا رَثَّاً، وَسَمِينُهَا غَثّاً...)) (1).

أهْدَام

أَهْدام جَمْع هدم، وهو الثوب الخَلق البالي (2). وأصل من الهدم و قلع البيوت، وإزالتها، وهو نقيض البناء (3)، ومن ثم استعمل هذا المعنى للدلالة على الثياب البالية كما يبدو، وخصت هذه الكلمة بالكساء البالي المصنوع من الصوف دون بقية الثياب (4). وقيل : بل الهدم الثوب الخَلِق المُرقّع مطلقاً، أو هو الكساء الذي تضاعَفَت رقاعُه (5). يقال : هَدَمْت الثوبَ، إذا رَقَّعْتُه (6)، أي أصلحته بستر خرقه.

ووردت مفردة (أهدام (بصيغة الجمع على (أَفْعَال) مرة واحدة في نهج البلاغة (7)، للدلالة على لباس الموت الذي يَبْلَى مع بلى الأجساد. وقد استعمل الإمام هذا المعنى في سياق حديثه عن الموتى، إذ يقول فيهم : ((... فَقَالُوا : كَلَحَتِ الوُجُوهُ النَّوَاضِرُ وَخَوَتِ الأَجْسَامُ النَّوَاعِمُ، وَلَبِسْنَا أَهْدَامَ البِلَى...)) (8). ينقل (عَلَيهِ السَّلَامُ) إجابات الموتى ووصف تغير حالهم من الحُسن الى القُبح ومن القوة الى الضعف ومن جيّد اللباس الى الى (ثياب البلى)، وهي الأكفان التي يكفّن بها الموتي بعد انتقالهم الى القبر وإضافتها الى مفردة (البلى) يوحي بنسبة هذه الأكفان الى كونها خاصة بالموتي فحسب هذا من جهة، ومن جهة أخرى يوحي بأنّها تفنى بفناء الميت وتحوّل جسده الى تراب، فيَبْلى البدن وما لُفٌ به من (أهدام)، واختياره (عَلَيهِ السَّلَامُ) المفردة المتقدمة لهذه الدلالة ببناء (أَفْعَال) الخاص بجمع القلّة يشير الى أمرين ؛ الأول إيحاء هذه المفردة بالدلالة على الهدم والفناء والزّوال، كما يُهدم البناء بقصد إزالته، وكذلك الموت الذي يبلى به المرء وتنهدم أركانه وتخلق محاسنه وتعود قوته ضعفاً، وهذا هو معنى الفناء أو البِلَى الذي يُعيِي الإنسان ويهلكه، والمراد بذلك الموت كما يبدو. وذهب بعض الشرّاح الى أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) جعل للبِلَى أَهْدَامَاً على سبيل الاستعارة، مثلما جعل للخوف والجوع لباساً (9)، في قوله تعالى : (10). وهذا وجه محتمل لكنه لا يمثل الدلالة الرئيسة لمفردة (أَهْدَامَ) التي تدل على لباس الموت والفناء أمّا. وجه استعمال المفردة المتقدمة ببناء الجمع، فظاهرة الدلالة على عدم فخامة اللباس الذي يُكفّن به الأموات عند انتقالهم الى اللّه تبارك وتعالى، فما هي إلا خرق بيضاء


1) نهج البلاغة : خ 190 :353، 354.

2) ينظر : العين (هدم) : 31/4.

3) ينظر : العين (هدم) : 31/4، و لسان العرب (هدم) : 603/12.

4) ينظر : لسان العرب (هدم) : 603/12.

5) نفسه.

6) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 251/5.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 467.

8) نهج البلاغة : خ / 221 : 127، 428. وقد أوردت المدونات اللغوية قول الإمام : ((لبسنا أهدام البلى)). ينظر : النهاية في غريب الحديث : 573/5، ولسان العرب (هدم) : 604/12.

9) ينظر : الديباج الوضي : 4 / 1776.

10) النحل / 112.

يُلفّ بها بديلاً عمّا كان يرتديه الإنسان في حياته الدنيا من فاخر الألبسة والثياب التي تتعدد وتتنوّع بتنوّع أصحابها وارتفاع شأنهم. وهو ما يفسر لنا استعمال بناء (أَفْعَال) في كلام الإمام السالف ذكره.

أقول : ويرى شرّاح النّهج أنّ مفردة (أهْدَامَ) تحمل ضرباً من الاستعارة التي قصد بها الدلالة على التغيّر والتَّقشف والتمزيق الذي يعرض له بدن الميت على سبيل تشبيه بلى العظام والأجساد بالأهدام البالية(1). ولم يستبعد الشراح أن تدل اللفظة المتقدمة على الأكفان (2). وزاد بعضهم، وهو الشارح الخوئي (ت 1324 هـ) احتمالاً آخر لتعبير (أهْدَامَ البلى)، ذاهباً الى أن في التعبير ضرب من التشبيه، فلفظة (أَهْدَامَ) مشبه به، والمشبه هو البلى الذي يحيط بالأموات في القبر (3). وبحسب هذا الوجه تصبح كلمة (البلى) دالة على أبدان الموتى التي تكون عرضة للفناء والإخلاق تشبيهاً لها بالأهدام البالية الرّثة. ويستتبع ذلك أن تكون لفظة (لَبِسْنَا) مستعارة للدلالة على الإحاطة والشمول. ويكون تركيب أَهْدَامَ البِلى دالاً) على إحاطة اللباس بالبدن، فكأنّ (الموت = البلى) قد أحاط بالموتى الذين لَبِسُوه كما يلبس المرء أهدامه ويشتمل بها (4).

المُتَدَاعية

تَداعَى البناء والحائط، إذا تكسَّر وآذَن بالانهدام (5). وتَداعَت الإبل، فهي مُتدَاعِية، إذا تَحَطَّمت هُزَالاً، وتداعت الحَمُوْلة غذا طاحت.(6). ومن هذه الدلالات - كما يبدو - أخذ تداعي الثياب وإخْلَاقَها، إذ يقال للرجل إذا أخْلَقَت ثيابه : قد دعت ثِيابُكَ. أي: أنهَجت احتاج أن يلْبَس غيرها (7).

وكلمة (المُتَداعية) من ألفاظ الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) التي استعملها في كلامه في نهج البلاغة مرة واحدة (8)، وصفاً للثياب التي رثّت وأخلقت وصارت قديمة متهالكة.وجاء ذلك في قوله مُوَبِّخاً بعض أصحابه : ((كَمْ) أُدَارِيكُمْ كَمَا تُدَارَى البِكَارُ العَمِدَةُ، وَالثَّيَابُ المُتَدَاعِيَةُ كُلَّمَا حِيصَتْ (9)مِنْ جَانِبِ تَهَنَّكَتْ مِنْ آخَرَ...))(10). والثياب المُتَدَاعية هي الثياب التي أنهجت وتهتكت بلئ. وتوحي هذه الكلمة بسوء هذا النوع من الثياب التي تعد أكثر أنواع الثياب بلىً، فضربها الإمام مثلاً في المداراة والحاجة الى العناية مع قلة شأنها ؛ لأنها تكون أشد حاجة إلى العناية من غيرها، فكُلَّما خيطت من جانب تهتكت من الجانب الآخر فهي أسْمَال يدعو بعضها البعض الآخر إلى التداعي والانهدام (11). يريد (عَلَيهِ السَّلَامُ) من تصوير هذا النوع من الألبسة، وما يجري عليها من إصلاح وعناية وحذر من تهتكها، بيان حال أصحابه الذين يُشبه حال بعضهم بهذا الضرب من الثياب، فكلما


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 4 / 41، ومنهاج البراعة :212/14.

2) نفسهما.

3) ينظر : منهاج البراعة : 212/14.

4) نفسه.

5) ينظر : تهذيب اللغة (دعي) : 3/ 78، ولسان العرب (دعا) : 262/14.

6) ينظر : لسان العرب (دعا) : 262/14.

7) نفسه.

8) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 156.

9) الخوص الخياطة. ينظر : لسان العرب (حوص): 7 / 18.

10) نهج البلاغة : خ/ 29 : 107. ونقلت المدونات اللغوية قول الإمام : ((كلّما حيصت من جانب ...)).ينظر : النهاية في غريب الحديث : 461/1، ولسان العرب (حوص) : 18/7.

11) ينظر: شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 81/6.

دعاهم الى الصلاح وسلوك سبيل الحق وعدم الرّكون الى الباطل والوقوف بوجه الظلم من خلال جمعهم للجهاد، فَسَدوا وتداعى بعض آخر عليه (1).

أقول : لقد وسّع الإمام من دلالة مفردة (مُتَدَاعِية)، ونقلها من مجالها المعروف الذي تستعمل فيه، وهو انهيار البناء وانهدامه، ووصف الإبل الهزيلة الضعيفة، إلى الدلالة على تهدّم حال أصحابه وانهيار عزيمتهم وتخرّق صفوفهم وانقسامها ؛ بسبب من ضعفهم وضعف إيمانهم، مع كثرة مداراته لهم وعنايته بإصلاحهم. لهذا وصفهم، مشبها حالهم، بالعمدة من الإبل، والثياب المتهالكة البالية في إشارة إلى سوء حالهم وضعف نصرتهم للإمام.

مُقَطَّعَات

المُقَطَّعَات من الثياب هي شبه الجباب ونحوها من الخَزّ والبز والألوان حسبما يذكر الخليل (2). وقال غيره إنها الثياب المختلفة الأوان التي تكون على بدن واحد، وتحتها ثوب من لون آخر (3). وذهب بعض اللغويين أنّها الثياب القصار (4). وقيل : إنّ المُقَطَّعَات لفظ عام يشمل كلَّ ما يُفصَّل أويُخاط من قميص أو غيره والجباب والسراويل التي تقطع ثم تُخاط، وتشمل أيضاً ما لم يُقطع أو يفصل كالأزر والأردية والمطارف والأربطة التي يُتَعَطَّف بها مره ويُتلقَّع بها أخرى (5). وذكر بعضهم أنها بُرود عليها وشي مُقَطَّع(6).

وهذه المفردة من الألفاظ التي لا واحد لها من لفظها (7)، وهي من أسماء الجمع التي تحمل معنى الجمع ، فلا يقال للجُبَّة القصيرة مُقطَّعة ولا للقميص مُقطع، وإنما يقال لها جميعاً مقطعات، وواحدها (ثؤب)(8).

وقد وردت لفظة (مُقَطَّعَات) مرة واحدة في نهج البلاغة (9)، للدلالة على الثياب المُقَطَّعة التي تخاط من النيران لاهل المعصية يوم القيامة. وذلك في سياق كلام الإمام عن (اهل المعصية) وما سينزل بهم يوم القيامة، إذ يقول : ((وَأَمَّا اهل المَعْصِيَةِ، فَأَنْزَلَهُمْ شَرَّ دَارٍ، وَغَلَّ الْأَيْدِيَ إِلَى الْأَعْنَاقِ... وَأَلْبَسَهُمْ سَرَابِيلَ القَطِرَانِ، وَمُقَطَّعَاتِ النِّيرَانِ، فِي عَذَابٍ قَدِ اشْتَدَّ حَرُّهُ...))(10). فأضاف (المُقَطَّعَات) إلى (النَّيْران)، لبيان نوع النَّسْج الذي تصنع منه هذه (المُقطَّعَات)، كأنه يومئ إلى أنّ هذه الثياب تقطَّع وتفصل وتخاط من (النّار) على مقاسات هؤلاء (11)، في إشارة إلى تلبّسهم بها واشتمالها عليهم ؛ كأنّها تمثل أرقى البستهم التي يزدهون بها وهم خالدون في النار إمعاناً في عذابهم تهكّماً بهم، فدخولهم النار كان ثمرة لسوء أفعالهم وعظيم ذنوبهم التي ارتكبوها في حياتهم الدنيا، فكما كانوا يتجلّلون في دنياهم بألبستهم البراقة وجبابهم بما عليهم من وشي ونقش،


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 346/2.

2) ينظر : العين (قطع) : 138/1.

3) نفسه.

4) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 161/1.

5) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 81/4، و لسان العرب (قطع) : 283/8.

6) ينظر : تهذيب اللغة (قطع) : 129/1.

7) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 82/4.

8) نفسه.

9) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 376.

10) نهج البلاغة : خ / 109 : 203.

11) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 7 / 165، والديباج الوضي : 891/2.

فيكون لباسهم في النار من مقطعات العذاب ونيرانه الحامية كأنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يريد أن يذكرهم بقوله تبارك وتعالى : ((خذوه فاعتلوه الى سواء الجحيم ثم صبّوا فوق رأسه من عذاب الحميم ذق إنّك أنت العزيز الكريم)) (1). ويبدو أن الإمام قد أخذ هذا التعبير من القرآن الكريم الذي يتحدث فيه اللّه جل جلاله عن عاقبة الذين كفروا قائلاً : (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) (2)) (3). فاستعمل القرآن الكريم لفظة (قُطِّعَتْ) بالبناء المجهول للدلالة على تهيئة هذا الضرب من الثياب المنسوجة من نار لتكون مناسبة لهم، في كناية عن مناسبة العذاب بالنار لذنوب هؤلاء حتى كأنها جاءت على مقاساتهم وأحجام أعمالهم. وهو مضمون كلام المفسرين الذين ذهبوا إلى أن اللّه تعالى كأنه ((يُقَدِّر لهم نيراناً على مقادير جُثَثِهِم تَشتمل عليهم، كما تقطع الثياب الملبوسة. ويجوز أن تظاهر على كل واحدٍ منهم تلك النيران كالثياب المظاهرة على اللابس بعضها فوق بعض)) (4).

4 - الخشن من الثياب.

مِدرَعَتِي
إشارة:

المدرعة ضرب من الثياب لا تكون ألاً من الصُّوف (5)الدرع ضَرب من اللباس، فدرع المرأة قميصها (6).

واستعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الفاظ : (أدرع) و (مِدْرَعتي) وجمعها (مَدَارِع) مرة واحدة لكل واحدة من هذه الألفاظ في نهج البلاغة (7)، للدلالة على مايأتي :

أولا : الدلالة على الثّوب المصنوع من الصُّوف

وجاءت هذه الدلالة في موضعين ؛ منها قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق الحديث عن زهده ونبذه الدنيا : ((وَاللّه لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِي هذه حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا ...)) (8). والمِدْرَعَة ضرب من الثياب التي لا تكون ألاً من الصُّوف. وقيل : بل هي جُبَّة مَشقوقة المُقدِّم وجمعها مَدَارِع (9). وهذا النوع من الألبسة يمثل – بحسب قول الإمام - علامة على الزّهد وكبح النفس عما تميل إليه من الملذات.

أقول : وقد أشار الإمام إلى بلى (مِدْرَعته) ؛ لدأبه على ارتدائها وعدم استبدالها، ولهذا ذكر كثرة ترقيعها ومداومته على ذلك. واستعمل الإمام لفظة (رَقَّعْت) على وزن (فَعَّل) للدلالة على الكثرة والمبالغة الحاصلة من تعدد مرات ترقيع (مدرعته). وذكر لفظ (اسْتَحْيَيْت) للإبانة عن حاله الذي صار إليه من تكراره


1) الدخان 47 – 49.

2) الحميم من المشترك اللفظي، فهو القريب وهو الماء الحار، أو كل شيء سُخّن. ينظر : لسان العرب (حمم) : 152/12، 153، وهو في الآية المباركة (الحار).

3) الحج / 19.

4) الكشاف : 150/3، وينظر : التفسير الكبير : 19/23.

5) ينظر : العين (درع) : 35/2.

6) ينظر : مقاييس اللغة (درع) : 2/ 268.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 153.

8) نهج البلاغة : خ / 160 : 285.

9) ينظر : المحكم (درع) : 9/2، والمعجم الوسيط : 281/1.

التردد على الرّاقع، وهو أمير المؤمنين الذي يملك البلاد برمتها، ولكنّه ربّ الزّهد والبعد عن زخارف الدنيا وملذاتها بعد رسول اللّه.

أقول : إنّ إصراره (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الاكتفاء بـ(م (درعته) وتكرار ترقيعها لا يُراد منه الدلالة على حال الذُّلِّ والفقر، وإنما يراد منه الإشارة إلى الدأب على الزهادة والتقى والرّغبة عن الدنيا وهذا من شأن الأنبياء والرسل و الأولياء من الأئمة المعصومين (عليهم السلام) الذين كانوا يلبسون الخشن من الثياب و يأكلون الجشب من الطعام. ومصداق ذلك ما ذكره أمير المؤمنين في وصف حال النبي (موسى) وأخيه (هارون) عندما دخلا على (فرعون)، فوصف (عَلَيهِ السَّلَامُ) حالهما بقوله : ((وَلَقَدْ دَخَلَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ عَلَى فِرْعَوْنَ وَعَلَيْهِمَا مَدَارِعُ الصُّوفِ وَبِأَيْدِيهِمَا الْعِصِيُّ...)) (1). فالنّص يحمل دلالات متعددة، من بينها استعمال الإمام لمفردة (مَدَارِعُ) بوزن (مَفَاعِل)، جمع (مِدْرَعة)، في إشارة إلى علامة الزهادة التي تمثل مظهر الأنبياء والصالحين. فكأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتخذ من المَدَرِاع شعاراً للفقر والزهد، في مقابل الذهب الذي يعد شعاراً الأغنياء والمتكبرين (2). وإنما آثر الإمام استعمال اللفظة المتقدمة مضافة إلى كلمة (الصوف)، مع أن المفردة نفسها توحي بالدلالة على كونها من الصوف الخشن، وذلك – فيما أحسب - توكيد لحال التواضع المقرون بالعِزّة للنبي (موسى) وأخيه، وذلك يتضمن الإشارة إلى ضربين من الناس : الأول وهم اهل التواضع والسكينة، وهؤلاء يمثلهم الأنبياء والأئمة، وعلامتهم خشونة اللباس والمأكل بوصفها من أهم مظاهر كسر هوى النفس وأمّا الصنف الثاني، فهو صنف الفراعنة المتجبرين المترفين الذين يعدّون الغنى، وكنز الذهب من أهم شعاراتهم.

أقول: ولم يبتعد الشراح عن التفسير اللغوي لمفردة (مدرعة) فذكروا أنّها الدُّرَّاعة (3).

ثانياً : الدلالة على لبس التكبر

و استعمل الإمام لهذه الدلالة لفظة (ادَّرَع) في وصف حال إبليس وتكبّره. إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((... فَعَدُوُّ اللّه إِمَامُ المُتَعَصِّبِينَ، وَسَلَفُ المُسْتَكْبِرِينَ، الَّذِي وَضَعَ أَسَاسَ العَصَبِيَّةِ، وَنَازَعَ (4)اللّه اللّه رِدَاءَ الجَبْرِيَّةِ وَادَّرَعَ لِبَاسَ التَّعَزُّزِ، وَخَلَعَ قِنَاعَ التَّذَلُّلِ...)) (5). ويصف الإمام موقف إبليس الذي انفرد عن بقية الملائكة بعدم تنفيذ أمر اللّه جل شأنه في السجود لآدم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فصار إماماً للعصبية والمتعصبين ؛ لافتخاره بأنه مخلوق من نار، وأنّ (آدم) مخلوق من طين. فهو أول من أنشأ هذا المبدأ في التعصب، الذي يصفه الإمام بأنّه (اعتراض للحمية) و (افتخار بالخلق). في قوله الذي يصف فيه اختبار اللّه تعالى للملائكة : ((... ثُمَّ اخْتَبَرَ بِذَلِكَ مَلَائِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ، لِيَمِينَ الْمُتَوَاضِعِينَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ((إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينِ


1) نهج البلاغة :خ/ 192 : 367.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 4 / 161.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 29 / 179، و شرح نهج البلاغة (البحراني) : 3 / 651.

4) نازعه الشيء غالبه عليه.. ينظر : لسان العرب (نزع) : 350/8.

5) نهج البلاغة :خ / 192 : 360.

فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ)) (1)اعْتَرَضَتْهُ (2)الحَمِيَّةُ (3)فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بِخَلْقِهِ، وَ تَعَصَّبَ عَلَيْهِ لِأَصْلِهِ...)) (4).

أقول : وكلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوحي بالمقابلة بين (اللبس) و (الخَلْع) من خلال استعمال مفردة (ادَّرَعَ) التي تدل على ارتداء الدرع ولبسه (5). فكأنّه يصور (إيليس) بهيئة من اتخذ التعزّز والتكبّر درعاً يستتر به عن غضب اللّه، متسربلاً بالتعالى والغرور في مقابل خلعه صفة التواضع والتذلل. اللذان يعدان من سيماء الملائكة. وأشار بمفردة (قِنَاع) إلى أنّ (إبليس) ماكان راغباً بهذا الضرب من التذلل والتواضع، وإنما جعله قناعاً له يستتر به. والقِنَاع ما تستتر به المرأة و تغطي رأسها (6). واستعار الإمام مفردتي (الرِّداء) و (ادرع) بوصفها من الفاظ الألبسة، مكنيّاً بهما عن (عظمة اللّه تبارك وتعالى، وجبروته* التي يستأثر بها على الخلق. وأشار بـ(المنازعة) إلى مخالفة (إبليس) أمر اللّه جل جلاله بالسجود لآدم، فتمرّد وأبى. موظفاً مفردة (ادرع) في كناية عن تلبس (إبليس) بالتعزّز والتكبّر كما يذكر الشارح البحراني (7). وأمّا إيثار مفردة (ادّرع) على غيرها من الألفاظ فلتضمّنها فيما يبدو - الدلالة على اتخاذ خصال التّعزّز درعاً له يَتَّقي به العودة إلى التّذَلُّل والتواضع الذي كان عليه قبل الأمر بالسجود لآدم (عَلَيهِ السَّلَامُ). ولا يخفى ما للصيغة الصرفية التي جاءت عليها لفظة (ادرع) من أثر في الدلالة التي قصد اليها.. فـ (ادَّرع) على وزن (افْتَعَل)، وهذه الصيغة يغلب عليها معنى المبالغة في الفعل (8)، فضلاً عن الدلالة على المطاوعة.(9). وهذه المعاني الصرفية تناسب السياق الذي أورد فيه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (ادّرع) التي أضفت عليها الصيغة المتقدمة الدلالة على أن لدى (إبليس) استعداد للشَّر ومطاوعة له في الخروج عن أمر اللّه تبارك وتعالى مع المبالغة في هذا الأمر والاجتهاد فيه. وسياق الكلام يُبَيِّن شِدّة سعي (إبليس) لمنازعة اللّه رداء عظمته وجبروته. ولهذا ذكر الإمام في ختام كلامه ما صنعه اللّه تعالى بـ(إبليس) قائلاً : ((...أَ لَا تَرَوْنَ كَيْفَ صَغَرَهُ اللّه بِتَكَبُرِهِ وَوَضَعَهُ بِتَرَفُّعِهِ فَجَعَلَهُ فِي الدُّنْيَا مَدْحُورًاً وَأَعَدَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ سَعِيراً))(10). وهذا الضرب من العقاب كان بسبب من عصيانه أمر اللّه تبارك وتعالى ؛ لأنه (نازع اللّه رِدَاءه) الذي استأثر به على الخلق. وقد حاء تعبير الإمام مناسباً لمقدمة الخطبة التي افتتحها (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله : ((الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَبِسَ العِزَّ وَالكِبْرِيَاءَ وَاخْتَارَهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ خَلْقِهِ... وَاصْطَفَاهُمَا لِجَلَالِهِ)) (11).

الخَشِن


1) ص / 72. وينظر : الحجر / 29.

2) اعتراض الشيء : تكلّفه. ينظر : لسان العرب (عرض) : 168/7.

3) الحِميّة المَنَعَة. ينظر : لسان العرب (حمي) : 198/14.

4) نهج البلاغة : خ/ 192 : 360.

5) ينظر : العين (درع) : 34/2.

6) ينظر : مقاييس اللغة (قنع) : 33/5.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 4 / 142.

8) ينظر : كتاب سيبويه : 4 / 74، والإعجاز الصرفي القرآن الكريم : 130.

9) ينظر : شرح ابن عقيل : 4 / 263.

10) نهج البلاغة :خ 192 : 360.

11) نفسه : خ / 192 : 309، 360، ومما تجدر الإشارة اليه أنّ الموضوع الرئيس لهذه الخطبة هو ذم إبليس وأتباعه من المتكبرين.

اخْشَوْشَنَ الرجل إذا لبس خشناً، أو قال قولاً فيه خُشُونة.(1). والخشونة في اللغة ضِدُ اللَّيْن (2). ويقال فلان خَشِن الجانب اذا كان صعباً لا يُطاق (3). هذا في الجانب المعنوي من الإنسان. أما الاستعمال المادي للمفردة، فتوصف الثياب باللَّيْن والخُشُونة، إذ يقال : ثَوب ذو خُشُونةٍ، ومُلاءةٍ خَشْناءَ (4).. ويبدو أن هذا المعنى مأخوذ من (الأرض الغليظة) ؛ وذلك أنها توصف بالخشناء، إذا كانت فيها حجارة ورمل (5). ومنه أُخِذ قولهم اخْشَوْشَنَ الرجل إِذا لَبِسَ الخَشِن وتَعَوَّده أو أكله أو عاش به (6).

استعمل الإمام مفردة (خَشِن) مرتين في نهج البلاغة ؛ الأولى مجردة من (ال) التعريف، والثانية محلاة بها (7). وبدلالتين ؛ الأولى الدلالة على خُشُونة المَلبَس، وذلك في سياق حديثه عن النبي (عيسى) (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يقول فيه : ((وَإِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فَلَقَد كَانَ يَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ، وَيَلْبَسُ الْخَشِنَ، وَيَأْكُلُ الْجَشِبَ...)) (8)وفصل الإمام مَلْبَس النبي ومأكله، وهما الأساس في بيان زهد الإنسان وَتَرفه. والمراد بخشونة الملبس ما غَلُظ من الثياب التي تدل على الزّهد والتواضع ومحاكاة الفقراء، مع كون النبي (عيسى) من الأنبياء الذين يمكنهم طلب أي شيء من اللّه، ولكنهم تركوا ذلك رغبة في الزهد وطلباً لرضا اللّه جل جلاله، ولاسيّما أنّ المتحدث الإنسان هو نبي يملك التمكّن من الاستمتاع بالدنيا والاستئثار بها، ولكنه ترك ذلك طوعاً؛ رغبه بما عند اللّه تعالى.

وأمّا الدلالة الثانية، فهي أوسع من الأولى، فخُشونة الثياب تخصيص لمعنى المفردة وحصر لها بهذا الأمر من البسة الجسم، ولكنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) جاء بمفردة (خَشُنَ) للإشارة إلى خُشُونة الحياة وصعوبتها قبل بعثة النبي (صلى اللّه عليه وآله)، إذ يقول : ((ثُمَّ إِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلى اللّه عليه وآله) بِالْحَقِّ حِينَ دَنَا مِنَ الدُّنْيَا الِانْقِطَاعُ، وَأَقْبَلَ مِنَ الآخِرَةِ الإِطْلَاعُ وَأَظْلَمَتْ بَهْجَتُهَا بَعْدَ إِشْرَاقِ، وَقَامَتْ بِاهْلَهَا عَلَى سَاقٍ وَخَشُنَ مِنْهَا مِهَادٌ، وَأَرْفَ مِنْهَا قِيَاد...)).(9). فخُشونة المِهَاد، إشارة إلى صعوبة الحياة في الآخرة، وعدم الراحة فيها من شِدَّةِ الأَلَمِ والشَّظف (10). وهذا الاستعمال من استعمالات الإمام المتفردة، وفيه سِعَة في المعنى، فإنّ خشونة المهاد تشمل الفراش وما عليه، وذلك كله كناية عن أهوال يوم القيامة وشِدَّته كما يبدو.

الصُّوف


1) ينظر : العين (خشن) : 4 / 170، وتهذيب اللغة (خشن) : 422/2.

2) ينظر : جمهرة اللغة (خشن) : 603/1، و لسان العرب (خشن) :140/13.

3) ينظر : لسان العرب (خشن) :140/13.

4) نفسه.

5) ينظر : لسان العرب (خشن) :140/13.

6) نفسه.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 136.

8) نهج البلاغة : خ/ 283:160.

9) نفسه : خ / 396:198، 397.

10) نفسه.

الصُّوف شعر الضأن (1)والصوف للغَنَم كالشَّعر للمعز، والوَبَر للإبل (2). وواحد الصُّوف صُوفة والجمع صُوْف وأصواف (3)، والصُّوف نوع من لباس العُباد الزهاد واهل الصَّوامِع، ولهذا سُمِّي (الصُوْفِيّة) بذلك ؛ نسبة إلى ملابس الصوف التي يرتدونها تَنَسُّكاً وتَعَبداً (4).

ومفردة (الصُّوف) من الفاظ نهج البلاغة التي وردت فيه مرتين بصيغة اسم الجنس الجمعي (5)، للدلالة على شعر الضأن الذي تصنع منه (المدارع). وذلك في سياق كلام الإمام عن لباس النبي (موسى) وأخيه (هارون)، إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((وَلَقَدْ دَخَلَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ (عليهما السّلام) عَلَى فِرْعَوْنَ وَعَلَيْهِمَا مَدَارِعُ الصُّوفِ... فَقَالَ : أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَيْنِ يَشْرِطَانِ لِي دَوَامَ الْعِزِّ وَبَقَاءَ الْمُلْكِ، وَهُمَا بِمَا تَرَوْنَ مِنْ حَالِ الْفَقْرِ وَالذُّلّ، فَهَلًا أُلْقِيَ عَلَيْهِمَا أَسَاوِرَةً مِنْ ذَهَبٍ. إِعْظَاماً لِلذَّهَبِ وَجَمْعِهِ، وَاحْتِقَاراً لِلصُّوفِ وَلُبْسِهِ ...)) (6). يشير بلفظة (صُوْف) الى نسج الـ (مدراع) التي كان يلبسها النبي وأخوه دلالة على هذا الضرب من المنسوج الذي يمثل لباس الزهد والتواضع المعدود من البسة الأنبياء والأئمة (عليهم السّلام) ؛ لما فيه من الخشونة والغلظة التي تؤذي الجلد. كأنّ ذلك علامة على خشونة المهاد وشظف العيش وسيماء الزهد والتّواضع. ولهذا صار لباساً للعباد والزُّهّاد وأصحاب النُّسك، حتّى اتَّخذه المُتَصَوّفة شعاراً لهم، فَنُسِبُوا اليه (7).

5 - ستر أعلى البدن.

جلابيب، مئزر
جَلَابِيْب

الجِلباب من ألبسة المرأة، وهو – بحسب قول الخليل : ((ثوبٌ أوسع من الخمار دون الرداء، تُغطّي به المرأة رأسها وصدرها))(8). ونقل عن بعض النّسوة أنّ جلباب المرأة هو مُلاءتها التي تشتمل بها (9). ويبدو من تتبع المدونات اللغوية أنّ قميص الرجل يسمى جلباباً أيضاً.(10). وقيل : بل هو ما يلبس فوق الثياب كالملحفة (11).

وقد وردت لفظة (جلابيب) بصيغة الجمع على (فَعَالِيْل) أربع مرات في نهج البلاغة مرة منها أضيفت المفردة فيها إلى ضمير الغائبة (جَلابيبها)، في حين جاءت كلمة (جِلباباً) بصيغة المفرد المنصوب مرتين، ولفظة (جِلباب) مفردة مرفوعة مرة واحدة. ومثلها في العدد لفظتا (تَجَلْبَب) و (تَجَلْبَبوا) المسندة إلى ضمير


1) ينظر: العين (صوف) : 161/7، ولسان العرب (صوف) : 199/9.

2) ينظر : لسان العرب (صوف) : 199/9.

3) ينظر : العين (صوف) : 161/7.

4) ينظر : تاج العروس (صوف) : 42/24.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة :263.

6) نهج البلاغة : خ /192: 367.

7) ينظر : في ذلك : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 117/13، و تاج العروس (صوف) : 42/24.

8) ينظر : العين (جلب) : 132/6، وينظر : تهذيب اللغة (جلب) : 64/11.

9) ينظر : تهذيب اللغة (جلب) : 64/11، و لسان العرب (جلب) : 273/1.

10) ينظر : مقاييس اللغة (جلب) : 470/1، و لسان العرب (جلب) : 272/1، و المعجم الوسيط : 128/1.

11) ينظر : المعجم الوسيط : 128/1.

الجماعة (1)، للدلالة على الستر الخاص بالبدن من جهة الاشتمال باللباس أو الرداء وغيرها، وجاءت المفردات المتقدمة دالة على الستر المعنوي دون المادي. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذكر خصال مُحِبِّي اهل البيت (عليهم السّلام): ((مَنْ أَحَبَّنَا اهل الْبَيْتِ فَلْيَسْتَعِدَّ لِلْفَقْرِ جِلْبَاباً)) (2). وروت كتب غريب الحديث والمعاجم هذا القول للإمام بذكر مفردة (فَلْيعِد) بدلاً من (فَلْيَسْتَعِدَّ) (3). والجِلباب في قول الإمام الرداء الذي تستر به المرأة رأسها وجيدها وصدرها. وقد وظفه الإمام، ليكون ساتراً لنفس من أحب اهل البيت في تحمّل الفقر والأذى والصبر عليهما، بحيث يكون جلباب الفقر مانعاً من ظهور سيماء التكبر وسوء الخلق وضيق الصدر والأنفة، وغيرها من قبيح الأخلاق على محبّي اهل البيت وأتباعهم.(4). وذلك كله اقتداء بهم ؛ لأنهم اتخذوا الفقر شعاراً لهم ونبذوا الدنيا عنهم (5).

أقول : وقد عرض المصنّفون في (غريب الحديث) الى قول الإمام، فذهب أبوعبيد القاسم بن سلام إلى أنه لم يُرد الفقر في الدنيا، وإنما أراد فقر يوم القيامة. والمعنى أنّ من أحبّنا ؛ فليعد ليوم فاقته عملاً صالحاً ينتفع به على جهة الوعظ والنصيحة.(6). وهذا الوجه قاصر عمّا ذهب اليه ابن قتيبة (ت276هـ) فيما نقل عنه (7)الذي رأى أنّ المراد من ذلك الصبر على التقلّل من الدنيا والقناعة فيها (8). ثم ذكر وجه العلاقة بين (الصبر على الفقر) و (الجلباب) ؛ فالصَّبر يستر البدن كما يستر الجِلباب البدن (9). وهذ الوجه يوضح القاسم المشترك بين (الفقر والجلباب)، في كونهم يسثران المرء عما يشينه من قبائح إظهار البدن أو قبائح إراقة ماء الوجه في سبيل إسكات جوع النفس وطمعها. ولم يخرج الباقون من أصحاب الغريب عن هذا التأويل (10). في حين استعان شرّاح نهج البلاغة بالوجوه التي أشار إليها المصنّفون في الغريب التي مال بعضهم الى الجمع بينها، في حين عدّ بعضهم رأي ابن قتيبة أحسن الوجوه. وهذا هو رأي السيد المرتضى فيما نقله عنه شارحوا النهج (11).

أمّا سبب إيثار الإمام مفردة (جِلباب) على غيرها من ألفاظ الستر والألبسة ؛ فذلك راجع – فيما يبدو – إلى مزية هذا الضّرب من الأردية المختصة بستر بدن المرأة والمواضع يحرم عليها كشفها أمام الأجانب، فضلاً عن كون هذا اللباس مما يزين المرأة، ويبعد عنها طماح الأبصار، فلهذا وظفت المفردة المتقدمة لإيحائها بالستر والاستتار. وهما يعزز هذا الأمر ما جاء في القرآن الكريم من أمر للنساء بإدناء (جَلَابِيبِهِنَّ) في قوله


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 87.

2) نهج البلاغة : قصا / 112:221.

3) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 466/3، و غريب الحديث (ابن الجوزي) : 163/1، و الفائق : 229/1، و النهاية في غريب الحديث : 1/ 283، و تهذيب اللغة (جلب) : 64/11، ولسان العرب (جلب) : 273/1.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 424/5، والديباج الوضي : 2804/6، ومنهاج البراعة : 194/21.

5) ينظر : غريب الحديث أبو عبيد : 3 / 466، والديباج الوضي : 2804/6.

6) نفسهما.

7) لم أعثر على رأي ابن قتيبة هذا في كتابه (غريب الحديث).

8) ينظر : غريب الحديث (ابن الجوزي) : 12 / 163، و الفائق : 229/1، و النهاية في غريب الحديث : 1/ 283.

9) نفسهما.

10) نفسهما.

11) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 424/5، والديباج الوضي : 2804/6، ومنهاج البراعة : 194/21.

تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (1). فكأنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) - أراد بتوظيفه مفردة (جِلباباً) في الإشارة إلى إدناء من أحبَّ اهل البيت وتقريبهم إليهم ؛ لئلا تجذبهم متع الدنيا وزخارفها، فيكون ذلك سبباً في استحقاقهم العقاب والعذاب من اللّه تبارك وتعالى. ويفهم من هذا الأمر عدم الجمع بين حُبِّ اهل البيت والقيام بالأعمال المشينة القبيحة التي لا ترضي اللّه ورسوله وآله (عليهم السّلام). وقد وجدت عند ابن الأثير الجزري ما يشبه هذا المعنى ؛ إذ يقول : ((...وقيل إنما كنّي بالجِلباب عن اشتماله بالفقر أي : فَلْيَلبَس إزار الفقر ويكون منه على حالةٍ تَعُمُّه وتَشْمَلُه ؛ لأن الغنى من أحوال اهل الدنيا، ولا يتهيّاً الجمع بين حُبّ الدنيا وحُبّ اهل البيت)) (2).

أقول : وقد وردت الدلالة المتقدمة نفسها في (خ / 4، 66، 87، 153، 182، ك / 10،19، 65). إذ استعملت لفظتا (تَجَلْبَب، وتَجَلْبَبوا) دالة على الاشتمال بالسكينة والخوف في (خ / 66، 87) وألفاظ (جَلابِيب، و جلابيبها)، للدلالة على الاشتمال بالغفلة والظلمة والفتنة وطغيانها، فضلاً عن الدنيا وزينتها، وذلك في (خ / 153، 182، ك / 10).

في حين ساق الإمام مفردة (جِلْبَاب)، و (جِلْباً) للدلالة على الاستنار واللين والرفق والدين الذي عده الإمام وجهاً لاستتار المنافق به من جهة كونه يستر صاحبه بتظاهره بالدين الذي يشبه الجلباب، وذلك في (خ / 4، ك/ 19).

مِئْزَرك

الإزار المئزر (3). و الإزار الملحفة (4). ولم يذكر أكثر اللغويين معنى هذا الضرب من الألبسة، ولكنهم نقلوا عن ثعلب (ت 291 هـ) أنّ الإزار هو كل ما وَارَى وسَتَر.(5). ثم ذكر أنه ثوب يستر أسفل البدن، وهو غير مخيط (6). وفرّقوا بينه وبين (الرّداء)، فذكروا أنّ الأخير مخصوص بستر أعلى البدن، وكلاهما غير مخيط (7).

وقد وردت مفردة (مِنْزَرك) مضافة إلى ضمير الخطاب مرة واحدة في نهج البلاغة، في حين جاءت لفظة (مآزر) بصيغة الجمع على (مَفَاعِل) مرة واحدة أيضاً (8)، للدلالة على المئزر، وهو الثوب الذي يغطي أسفل البدن. وأورد الإمام هاتين اللفظتين للحثّ على الاستعداد والتهيؤ. ومن ذلك قوله الذي يخاطب فيه (أبي موسى الأشعري) (9)، الذي كان عامله على (الكوفة) لما بلغه تثبيطه الناس عن الخروج مع الإمام لحرب


1) الأحزاب / 59.

2) النهاية في غريب الحديث : 1/ 283.

3) ينظر : العين (أزر) : 382/7، وتهذيب اللغة (أزر) : 16/13.

4) ينظر : المحكم : 75/9، ولسان العرب (ازر) : 16/4.

5) ينظر : لسان العرب (ازر) : 16/4.

6) ينظر : تاج العروس (ازر) : 43/10، والمعجم الوسيط : 16/1.

7) نفسهما.

8) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 25.

9) هو أبو موسى عبد اللّه بن قيس بن حضار المذحجي، أسلم بمكة وهاجر إلى الحبشة، وأول مشاهده كان في (خيبر)، ولاه الخليفة عمر بن الخطاب البصرة، ثم عزله عنها، فنزل الكوفة وابتنى به داراً. ثم استعمله عثمان بن عفان عليها، فلما قتل بقي ابو موسى عليها ايام خلافة الإمام علي، فما زال معه، حتى حدثت حادثة التحكيم التي كان فيها الاشعري أحد الحكمين فيها. وقد مات أبو موسى سنة (42هـ). ينظر : حلية الأولياء : 57/1، والطبقات الكبرى : 16/6.

أصحاب (الجمل) (1): ((أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ قَوْلٌ هُوَلَكَ وَعَلَيْكَ، فَإِذَا قَدِمَ رَسُولِي عَلَيْكَ، فَارْفَعْ ذَيْلَكَ وَاشْدُدْ مِئْزَرَكَ، وَاخْرُجْ مِنْ جُحْرِكَ، وَانْدُبْ مَنْ مَعَكَ...)) (2). وفي النص تَشدِيد وإلزام من الإمام لعامله توبيخاً. وتأنيباً له، مستعملاً لذلك ضروباً من الكناية لحثه على النهوض والاستعداد. فقوله ((فَارْفَعْ ذَيْلَكَ، وَاشْدُدْ مِئْزَرَكَ)) يُراد منه : ارفع أطراف ثوبك واشدد مِنْزَرك استعداداً للقيام بما أمره الإمام به من البدار والمسارعة اليه لأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أحسّ بما عند (أبي موسى) من خور وتردد عن ذلك، فجاء كلامه توبيخاً وتقريعاً له (3). فكنّى برفع الذيل وشد المئزر عن التشمير والجِدّ في الأمر (4)، في حين أنّه كنّى عن الخروج من الجحر بالنهوض من حال الدعة الأمان الذي ركن إليه عامله المتقاعس عن نصرته. ومن الجدير بالذكر أنّ مفردة (مشئزَر) من الفاظ الحديث النبوي، التي وردت في كلام النبي (صلى اللّه عليه وآله) غير مرة، ومن ذلك ما ورد في حديث الاعتكاف الذي يقول : ((كان إِذا دَخَلَ العَشْرُ، أَحيا اللَّيْلِ وشَدَّ المِئْزَر...)) (5). وشدّ المئزر كناية عن التشمير للعبادة (6). وهذا المعنى الذي ورد في الحديث استعمله الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) نفسه، والفارق بين القولين السياق فقط، فكلام الإمام في سياق التقريع والتوبيخ، وسياق الحديث النبوي سياق عبادة وترغيب ونظير المعنى المتقدم ورد في نهج البلاغة بمفردة (مآزر) وذلك في (خ / 241).

6- هيأة اللباس

شَمَّر

الشَّمْر تَشْمِير الثَّوب ورَفعُه (7)والتسمير الإرسال من قولهم شَمَّرْت السفينة، إذا أرسلتها (8). والتّشمير و التَّشَمُّر التّهيُّؤ والمرو بجد واجتهادٍ (9). وشمر عن ساقه إذا خَفَّ مسرعاً (10). وفي الأمثال (شمّرَ ذَيلاً وادَّرَعَ ليلاً) (11). أي: تأهب للأمر وتَجَلّد لركوبه (12).

وقد استعمل الإمام لفظة (شمر) بوزن (فَعّل) ثلاث مرات في نهج البلاغة، في حين جاءت لفظة (شَمّر) بصيغة الأمر مرتين، واقتصرت ألفاظ (شمّرت) المسندة إلى ضمير المؤنثة، و (تَشمِيراً)، و (التشمير) على الورود مرة واحدة فحسب لكل مفردة منها (13)، للدلالة على الاستعداد والتأهّب. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تحذير (معاوية ابن أبي سفيان) : ((...فَاقْعَسْ (14)عَنْ هَذَا الأَمْرِ، وَخُذْ أُهْبَةَ (15)الحِسَابِ، وَشَمْرُ لِمَا قَدْ نَزَلَ :


1) نهج البلاغة (عبده) : ك /63 :486/3.

2) نهج البلاغة : ك /63 : 577، 578.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 371/5.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 187/17.

5) السنن الكبرى : 2/ 50، والنهاية في غريب الحديث : 44/1، وفيه : ((كان إذا دخل العشر الأواخرُ أيقظ اهله وشَدَّ المُئْزَرَ...)).

6) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 44/1.

7) ينظر : العين (شمر) : 261/6، ولسان العرب (شمر) : 424/4.

8) ينظر : تهذيب اللغة (شمر) : 250/11.

9) ينظر : لسان العرب (شمر) : 424/4.

10) نفسه.

11) ينظر : مجمع الأمثال : 362/1، والمستقصى في أمثال العرب : 134/2.

12) نفسهما.

13) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة (شمر) : 244.

14) أقعس تأخر. ينظر : لسان العرب (قعس) : 177/6.

15) الأهبة العدّة، و التأهب الاستعداد. ينظر : لسان العرب (أهب) : 217/1.

بِكَ...)) (1). يريد تحذير معاوية، ودعوته إلى نبذ الضغينة والحِقْد، و ترك ما هو ماض اليه من السعي لقتال الإمام. ولهذا أمره (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأخذ الاستعداد للحساب، إشارة إلى الحساب الذي سيلقاه في الآخرة وما سيناله من حساب في الدنيا، من مواجهة الإمام له بجيش لا قبل له به. ولهذا دعاه إلى أن يُشمّر من ثيابه لما قد نزل به من أمر يبعده عن النّصر في مواجهته الإمام. وجعل بعض الشَّرَّاح لفظة (شَمّر) في هذا السياق كناية عن الاستعداد لما ينزل به من الموت أو القتل (2).

وقد وردت ألفاظ (شمّر، و شَمِّر، و شَمّرتْ، و تَشْمِيراً، والتَّشْمِير) بالدلالة نفسها، وذلك في : (خ/ 32، 93، 223، ك 34، 36، قصا / 210 (2))

سدَلت

السَّدْل إرخاء الثوب وإسباله من المنكبين إلى الأرض.(3). ويكون ذلك دون أنْ يُضم جانبي الثوب، فإِن ضَمَّهما، فليس ذلك بسَدْلٍ (4). وكيفية (السَّدْل) أَن يَلْتَحِف المُصلِّي بِثَوبه، ويُدْخِل يديه من داخل، فيركع وَيَسْجد وهو كذلك (5). وقد ورد في النصوص كراهة السدل على الإزر بغير القميص، فأما عليه فلا بأس بذلك (6). وجاء في المدونات أنّ السدل من خصائص اليهود وقد كانت اليهود تفعله (7).

وقيل بل السَّذل هو وَضعُ وسَطَ الإزار على رأس المصلي ومن ثَمّ ارْسال طَرَفيه عن يمينه وشماله من غير أن يجعلهما على كتفيه (8).

واستعملت مفردة (سَدَلْتُ) بصيغة الفعل الماضي المسند إلى ضمير المتكلم مرة واحدة في نهج البلاغة (9). للدلالة على إرخاء الثوب بينه وبين (الخلافة)، وذلك في قَوْله الذي يصف فيه أخذ الخلافة منه مع كونه الأحق بها، ولكنه مع ذلك رغبَ عنها، وستر نفسه عن عوراتها. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((أَمَا وَاللّه لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلَانٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَا يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ، وَلَا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ، فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً، وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً (10)...)) (11). يفصل الإمام حال التسلط على الخلافة، وأخذها منه دون وجه حق. مشيراً بذلك الى الخليفة (أبي بكر) الذي تَسَنَّم الخلافة على أثر اجتماع (السقيفة) التي فصلت كتب السيرة والتأريخ أخبارها (12). ويعقد (عَلَيهِ السَّلَامُ) موازنة بين منزلته ومنزلة غيره ممن سعى إلى الوثوب على حقه وارتداه


1) نهج البلاغة : ك / 10 : 468.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 207/4.

3) ينظر: العين (سدل (: 228/7، وتهذيب اللغة (سدل) : 252/12.

4) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 3 / 48، و تهذيب اللغة (سدل) : 252/12.

5) النهاية في غريب الحديث : 355/2.

6) وسائل الشيعة : 4/ 383، و 402.

7) ينظر : النهاية في غريب الحديث :355/2.

8) النهاية في غريب الحديث : 355/2، ولسان العرب (سدل) : 11/ 333.

9) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 213.

10) الكشح مابين الخاصرة الى الضلع الخلف من لدن السّرّة الى المثن. ينظر : لسان العرب (كشح) : 571/2.

11) نهج البلاغة : خ /3 : 28.

12) ينظر : السيرة النبوية ابن هشام : 78/6 وما بعدها، وتاريخ الرسل والملوك : 234/2 وما بعدها.

كما يُرتدى (القميص) ويلبس، فذكر منزلته منها كمنزلة (القطب من الرّحى)، إشارة إلى كونه الأصل الذي تدور عليه أمور الناس التي تكون بحاجة اليه. أمّا وقوله (فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً)، فالسَّدْل إرخاء الثّوب من المَنكِب إلى الأرض.(1). فلما قصد الدلالة على رغبته عن (الخلافة) وستر نفسه عن زخرفها، فجاء بالمفردة المتقدمة : ((كِناية عن احتجاجه عن طلبها، والمبالغة فيها بحجاب الإعراض عنها، واستعار لذلك الحِجاب لفظ الثوب..)) (2). وضَربه السّدل بينه وبين الخلافة يشير إلى زهده فيها ورغبته عنها (3)مؤكّداً زهده هذا بقوله (وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً) كأنه قطع نفسه عنها، بإمالة كشحه وطويه عن غرورها وخداع منصبها، حتّى أنّه صام عنها ولم يُلْقِم نفسه إيَّاها على حدّ تعبير الشارح ابن أبي الحديد(4). الذي أفاد التعبير المتقدم من مفردة (طَوَيْت) التي تدل على ضمور البطن لقِلّة ما فيها من طعام (5). ويقال في اللغة (طوى كَشحَه) ؛ إذا أضمره (6). وهو معنى يليق بالسياق الذي تكلم.

فيه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهذا يدل على زهده فيما تهافت عليه غيره من المناصب التي يسعى الآخرون الى تحصيلها في حين أصحابها الجديرون بها طووا أنفسهم عن الخوض فيها، لما صار الحال إليها حال تسابق وغلبة.

7- لباس الموت.

أَكْفَان

الكَفَن معروف، وهو لباس الميت الذي يغطى به ويستر (7)والظاهر أن أصل (الكَفَن)، في اللغة، الدلالة على غَزل الصَّوف. يقال: كَفَنَ الرّجل إذا غزل الصوف (8). والكَفْن التغطية والستر. ومن هذا المعنى أخذت دلالة لفظة الكفن التي يراد بها الستر والمواراة.(9)وتجمع الكلمة المتقدمة على (أكفان) (10).

ولفظة (أكْفَان) من الفاظ نهج البلاغة، إذ وردت فيه مرة واحدة، في حين جاءت المفردة نفسها مضافة إلى ضمير الغائب المذكر (أَكْفَانِه) مرة واحدة أيضاً (11)، للدلالة الكفن الذي يدرج به الميت، ويلفّ به. ومن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) :...ثُمَّ أُدْرِجَ (12)فِي أَكْفَانِهِ مُبْلِساً (13)...)) (14). والإدراج الميت إلباسه كفنه، ليعود الى ربّه، فكما خرج من بطن أمه في أول حياته ولُفٌ في قماش أبيض، فإنّه يُطوى في كفنه، ويُضمّ عليه كالكتاب


1) ينظر : العين (سدل) : 228/7.

2) شرح نهج البلاغة (البحراني) : 1 / 175.

3) شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 1 / 154.

4) نفسه.

5) ينظر : لسان العرب (طوي) : 19/15.

6) نفسه.

7) ينظر : تهذيب اللغة (كفن) : 154/10، و المحكم (كفن : 7 / 60، ولسان العرب (كفن) : 35/13.

8) ينظر : العين (كفن) : 382/5، و تهذيب اللغة (كفن) : 153/10.

9) ينظر : تهذيب اللغة (كفن) : 154/10.

10) ينظر : المحكم (كفن) : 60/7.

11) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 401.

12) الإدراج الرجوع في الطريق الأول. ينظر : لسان العرب (درج) : 267/2.

13) الإبلاس الانقطاع والسكوت والندم. ينظر : لسان العرب (بلس) : 29/6.

14) نهج البلاغة : خ / 83 : 133.

وهو ساكت لا ينطق كأنّه ختم على فمه (1). وربّما أريد بلفظ (الأكفان)، في هذا المقام، التلفع واللف بها حتى تصير مشتملة على بدن الميّت كله. ومجيئ بصيغة الجمع ؛ يرجع لاعتبار هيأة التكفين وطريقته التي يقوم بها المشرفون على تجهيز الموتى. ويحتمل أن يكون المراد بلفظ الجمع الدلالة على تعدد صور التكفين التي يدرج بها الموتى، فمرّة يكفّن الميت بالكفن المعروف الذي يحاك من الصوف أو غيره من النسيج، وأخرى يكون تراب القبر كفنا للموتى، بلحاظ الإحاطة والاشتمال الذي ينطوي عليها البدن. وهذه الدلالة من الدلالات المميزة في نهج البلاغة، إذ استعملها أمير المؤمنين قول (عَلَيهِ السَّلَامُ):

((حُمِلُوا الى قبورهم... وجعل لهم من الصفيح (2)أجنانُ (3)، ومن التَّرَابِ أَكفانُ، ومن الرّفات جيران...)) (4). فكأنّ من أدرج في قبره كان كمن لُفَ في كفنه واستتر به، في إشارة الى أمرين، فإما أن يكون ذلك علامة على أن من أقبر يستلزم حينذاك أن يكون قد أُلْبِسَ الكفن، ومن ثَمّ وسّد في لحده، أو أن كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عاماً لا يخص الموتى من المسلمين الذين تشترط الشريعة الإسلامية أن يجهزوا عند موتهم بالأكفان ويلفوا بها بطريقة مخصوصة مع إجراء بعض من الطقوس المرافقة لذلك، وإنّما يكون معنى قوله أنّ الأموات من غير المسلمين سيكون التّراب بديلاً عن الأكفان لهم، فهو يحيط بهم من جميع جوانبهم، وهذا هو المراد من الكفن في معناه العام، الذي يدل على الستر والمواراة.

المبحث الثاني: ألفاظ لباس القدم ومتعلقاتها

النَّعْل

إشارة:

النَّعْل ما جَعَلْتَه وقاية من الأرض(5). ورجل ناعِل. أي ذو خُفَّ وَنَعل (6). وسُمِّيت النَّعْل بذلك ؛ لوقوعها أسفل القدم، سواء أكان ذلك في الإنسان أم في الحيوان (7).


1) ينظر : الديباج الوضي : 613/2، 614.

2) الصفيح العريض من كل شئ. ينظر : مقاييس اللغة(صفح): 293/3.

3) الأجنان جمع (جنن)، وهو القبر الذي يدفن به المرء فيستر بدنه. ينظر : لسان العرب (جنن): 93/13.

4) نهج البلاغة : خ/ 111 : 209.

5) ينظر : العين (نعل) : 2 / 142، و تهذيب اللغة (نعل) : 242/2.

6) ينظر : تهذيب اللغة (نعل) : 242/2.

7) نفسه : 445/5.

وقد وردت لفظة (النَّعْل) ثلاث مرات في نهج البلاغة، في حين استعملت المفردة المتقدمة مضافة إلى كاف الخطاب (نِعْلِك)، والى ضمير الغائب (نِعْلِه) مرة واحدة لكل منهما (1)، للدلالة (النَّعْل) المعروفة التي تُلْبَس حفاظاً على الرجلين، ووقاية لها من الأرض.

أولاً : الدلالة على عدم القيمة والفائدة.

وقد جاء هذا المعنى في سياق كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الإِمْرَة)، سواء أكانت أمْرَة الجيش أم أمرة الأمة بأجمعها وذلك بحوار له مع (عبد اللّه بن عباس)، عند خروجه لقتال اهل البصرة. يقول ابن عباس : ((دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بِذِي قَارِ وَهُوَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ فَقَالَ لِي : مَا قِيمَةُ هَذَا النَّعْل.؟ فَقُلْتُ : لَا قِيمَةَ لَهَا. فَقَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : وَاللّه لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إمْرَتِكُمْ، إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقَّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلًا...)) (2). واستعماله مفردة (النّعل) في هذا السياق، مع كونها لاقيمة لها، لارتباطها بالخبث والقذر الذي تطؤه الأقدام، فضلاً عما يَتَوَقَّى بها من عثرات الطريق. ولاقيمة لهذا النوع من البسة القدم لما فيه من معاني الوطئ والسحق، سوى فائدة واحدة، وهي الحفاظ على القدم من الأذى والوسخ، وهذا هو المعنى الذي أراد الإمام الإشارة إليه من تشبيه (الإمرة) بـ (النّعل)، فأما كونها أحب إليه، فلأنها تفيد في درء الأفذار ووقاية الرجل مما يصيبها من الأذى وغير ذلك، مع ملاحظة أنّ المرء يمكنه التصرّف بـ(نعله) كيفما يشاء، في حين أن (الإمرة) تقيد الحاكم وتمنعه من التصرف وفق الأحكام والقوانين الإسلامية، لعدم الرغبة الغالبة عند الناس في سيادة الحق.

أقول : وقد ناسب أن يصف الإمام (الإمرة) على رفعتها ومكانتها لدى الناس، ويوازن بينها وبين (النَّعْل) مفضلاً الأخيرة على الأولى على الرغم من قلة شأنها وازدرائها، في إشارة إلى ذلّ الإمرة وارتهان من يقع في أحضانها بها، حتى يصير بمنزلة العبد لها، ولاسيما إذا كان المرء مغتراً بالمنصب وإغراءاته المتعلقة بالجاه والسلطة والحكم. ولمّا كان (النَّعْل) علامة على الذل وعدم القيمة، لهذا كان ذُلّ النَّعْل أهون عليه من ذل الإمرة (3). وثمة دلالة أخرى يتضمنها قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي تشبيه إشاعة الحق ومنع الباطل من أن يسود بالنَّعل التي تكون لاقيمة لها إن لم تكن سبباً في حفظ القدم من الأذى ودفعه. فليس ثمة نفع في الإمرة إن لم يتمكن الحاكم بها من دفع الباطل وإنصاف الناس المظلومين.

وقد وردت لفظة (نَعل) في القرآن الكريم بدلالتها بالدلالة على لباس القدم الذي يتوقى به المرء من القذارة وغيرها، وقد ذكرت في سياق أمر اللّه تبارك وتعالى في دخول الوادي المقدس (طوى) يقول تعالى مخاطباً نبيه (موسى) (عَلَيهِ السَّلَامُ): (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَأَخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) (4). فإكراماً للمكان ومَنْ حلَّ به


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 447.

2) ينظر : نهج البلاغة : خ 33 : 73.

3) وقد ورد في مأثور الامثال أنهم يقولون : (أذلُّ من النَّغل)، للدلالة على قلة الشأن. ينظر : جمهرة الأمثال : 470/1.

4) طه / 12.

أمِرَ (موسى) يخلع نعليه ؛ لأنّ الحَفْوة تواضع اللّه تبارك وتعالى، واحتراماً للبقعة وتعظيماً لها وتشريفاً لقِدْسها (1)وكذلك ليباشر بقدميه بركة الوادي المقدس، حسبما روي عن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)(2).

ومن نظير هذه الدلالة في عدم المنفعة لما تسافل من الأشياء بشكل يكون النَّعل أكثر فائدة منه ما ورد في (ك / 71). وجاءت مفردة (النَّعْل) أيضاً دالة على النَّعْل الذي يُلبس في القدم في (خ / 229).

ثانياً : الدلالة عن الانحراف عن الجادة والزلل إلى الباطل.

وقد ورد هذا المعنى في موضع واحد استعمل فيه الإمام لفظة (النَّغل) إشارة إلى السقوط في الباطل، وهو أن يقع الإنسان في معضلة تقوده إلى مجانبة الحق ومفارقة حالته الأولى. وقد نَبّه الإمام إلى هذا المعنى بقوله الذي يرد به على من عاتبه في التّسْوِيَة في العَطَاء بين الناس، فخاطبهم قائلا : ((أَتَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلَّيتُ عَلَيْهِ...لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللّه... وَلَمْ يَضعِ امْرُؤٌ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقَّهِ وَلَا عِنْدَ غَيْرِ اهلهِ إِلَّا حَرَمَهُ اللّه شُكْرَهُمْ وَكَانَ لِغَيْرِهِ وُدَّهُمْ فَإِنْ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلِ يَوْماً فَاحْتَاجَ إِلَى مَعُونَتِهِمْ فَشَرُّ خَلِيلٍ وَأَلْأَمُ خَدِينٍ))(3). وفي هذا السياق يكنّي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الخطأ والعِثار، بِزَلَّة النَّعْل التي يتلوها السقوط لا محالة. (4). وبحسب السياق، فالإمام لا يريد من كلمته هذه الحديث عن النَّعْل، وإنما جعله من باب الإشارة إلى السقوط والوقوع في الخطأ. وقد ورد في المأثور من الامثال القديمة قولهم : ((زَلَّتْ به نَعْلُه)) (5)، وهو مثل يضرب لمن نُكِب وزالت نعمته (6). فكأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يريد القول : إنّ الذي يضع أموال الحقوق المفروضة من اللّه تبارك وتعالى وغير ذلك، في غير مستحقيها طلباً لوِدِّهم وزلفة لهم، ما يلبث أن ينصرف عنه هؤلاء الذين آثرهم على دينه، حتّى يصبح عندهم شر صاحب وخليل.

ثالثاً : الدلالة على خصف النعل وإصلاحه.

وجرى استعمال هذا المعنى في كلام الإمام في سياق حديثه عن صفة رسول اللّه التي يقول فيها : ((وَلَقَد كَانَ (صلى اللّه عليه وآله) يأكُلُ عَلَى الأرض، وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ العَبْدِ، وَيَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعَلَهُ، وَيَرْقُعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ ...)) (7). ونلحظ أن استعمال مفردة (نَعِلَه) قد جاءت ضمن سياق بيان تواضع النبي، وعدم إيكال أعماله الخاصة إلى غيره استئثاراً منه بأدائها، ليعلم الناس أن سلطة النبوة ورفعة شأنها لا تذهب هيبة صاحبها أو تنزل من قدره، وإنما تعزّ مكانته وتكبره في المجتمع. حتى أنّ الإمام، لما أراد التعبير عن هذا الأمر استعمل مفردة (بيده)، ليؤكد الواسطة التي يكون بها (خصف) النعل وإصلاحه، تحقيقاً لأداء النبي هذا العمل بيده دون الاستعانة بغيره.(8). مع كون هذا النوع من الأعمال مما يقلل الشأن عند الناس ؛ لارتباطه


1) الكشاف 99/2.

2) ينظر : البيان في تفسير القرآن (الطوسي : 162/7.

3) ينظر : نهج البلاغة : خ / 126: 231، 232.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 563/3، و الديباج الوضي : 3/ 1050.

5) ينظر : مجمع الأمثال : 563/1.

6) نفسه.

7) ينظر : نهج البلاغة : خ / 160 : 284.

8) وتقديم الجار والمجرور على (المفعول) مبحث له دلالات متعددة، وهو رهن السياق. وقد وقف عنده النحاة والمصنفون في التعبير القرآني وبينوا دلالته، ومن ذلك كلامهم في قوله تعالى شأنه في قصة موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) : [فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى ] طه / 67 الذي تقدم فيه الجار والمجرور، وهو قوله(في نفسه)، على المفعول به (خِيفَة)، وعُدّ ذلك من حسن التقديم، فلو قيل في غير القرآن (فَأَوْجَسَ خِيفَةً فِي نَفْسِهِ)، لاحتمل المعنى أن في نفسه خوفاً أحس به ثم أظهره، في حين أن المراد كما يبدو أنّ الخوف على سبيل المدح له ؛ لأنّه لم يعلم خوفه إلا اللّه تبارك وتعالى، ولذلك خاطبه تبارك وتعالى بقوله : [ولا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى ] (طه / (68). ولو كان الجار والمجرور متأخراً ؛ لدلّ ذلك على ذمّ موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؛ لأن نفسه حينذاك ستكون منطوية على الخوف مجبولة عليه. ينظر : الجملة العربية تأليفها وأقسامها ؛ للدكتور فاضل السامرائي : 54، 55.

بإصلاح (النعل) الذي تسحق به الأفذار والأوساخ وتقديم كلمة (بيده) على المفعول، جاء مناسباً لغرض المدح والثناء الذي يتضمنه النص، فلو تأخر (الجار والجرور) عن (المفعول به)، وهو قوله (نعله)، لكان المراد أنّه ربّما شاركه في ذلك غيره من الناس في ذلك، في حين أن تقديم الجار والمجرور يوجب اختصاصه بذلك.

يَخْصِف

الخَصْف القطعة مما يُخْصَف به النَّعْل (1)، والمِخْصَف مِثْقَبَه(2). وذهب ابن فارس إلى أن (الخاء والصاد والفاء) أصل يدل على جمع شيءٍ إلى شيءٍ، ومنه خَصْف النَّعْل، وهو أن يُطبَق عليها مِثْلُها (3).

ولفظة (يَخْصِف) من الفاظ نهج البلاغة التي استعملت فيه مرة واحدة (4)، للدلالة على خصف نعل رسول اللّه بيده وإصلاحه. وذلك في قول الإمام : ((وَلَقَد كَانَ (صلى اللّه عليه وآله) يأكُلُ عَلَى الْأَرض، وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ، وَيَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعِلَهُ، وَيَرْقُعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ ...)) (5)ويخصف (نَعِلَه)، أي : يخيطه ويُطْرِق بعض أجزائها على بعض. والنص في مقام التأسي برسول اللّه، ووجوب التخلق بأخلاقه، والابتعاد عن زخارف الدنيا ولذاتها، فضلاً عن ضرورة التواضع ومجانية التَّكبّر. وقد أفاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) من القرآن الكريم في توظيفه لمفردة (يَخْصِ)ف مع الفارق بين السياقين، فقد استعمل الذكر الحكيم مفردة (يخصفان) في حكاية (آدم وحواء) (عليهما السلام)، لمّا ذاقا من الشجرة التي نهاهم اللّه عنها. يقول تبارك وتعالى : (... فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ...) (6). والمراد بـ (الخَصْف) في السياق القرآني الستر، وذلك بلصق ورقة على ورقة أخرى بضمّ بعضها إلى بعض ؛ لستر عورتيهما (7).

أقول : وقد وردت مفردة (يخصف) في الحديث الشريف أيضاً بوزن الفاعل (خَاصِف)، وذلك في مقام مدح النَّبيِّ للإما علي في قوله : ((إِنَّ مِنْكُم من يُقَاتِلُ على تأويله كما قاتَلتُ على تنزيله. فقام أبو بكر وعمر. فقال : لا، ولكِن خَاصِفُ النَّعْل. وعليُّ يَخْصِفُ نَعْلَهُ ...)) (8). والحديث يشير الى الثناء على الإمام بالاختصاص بالنبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله) الذي خصه دون غيره بـ (خَصْفِ نَعْله)، في رواية من ذهب إلى أنه كان يخصف نعل رسول اللّه.


1) ينظر : العين (خصف) : 4 / 189.

2) نفسه.

3) ينظر : المقاييس : (خصف) : 149/2.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 137.

5) ينظر : نهج البلاغة (صبحي) : خ / 160 : 284.

6) الأعراف / 22. وينظر : طه / 121.

7) ينظر : مجمع البيان : 210/4، و المحرر الوجيز : 2/ 386.

8) مسند أحمد بن حنبل : 33/3، وينظر فضائل الصحابة، لأحمد بن حنبل : 1992، الذي أورد الحديث بالفاظ مختلفة، والخصال، للشيخ الصدوق : 1/ 283، ووسائل الشيعة : 1/15، و 27.

شِرَاكَيْه

الشرك سَيْر النَّعْل الذي يكون على ظهرها (1).

وقد وردت مفردة (شِرَاكَيْهِ) بصيغة التثنية مضافة إلى ضمير الغائب مرة واحدة في نهج البلاغة (2)، للدلالة على شراكي النَّغل في سياق وصف الإمام (المنذر بن الجارود العبدي) (3). يقول الشريف الرضي، بعد روايته كتاب الإمام إلى (المنذر)، الذي يُعَنّفه فيه على خيانته في بعض ما ولاه من أعمال: ((وَ المُنْذِرُ بن الجَارُوْدِ هذا هو الذي قال فيه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنَّهُ لَنَظَارٌ فِي عِطْفَيْهِ (4)، مُخْتَالٌ فِي بُرْدَيْهِ، تَفَّالٌ (5)في شِرَاكَيْهِ)) (6). يصف الإمام حال هذا الرجل الذي ينماز بالتعالي والاختيال والتكبر والزَّهو. وهو ما يفسّر استعمال أبنية المبالغة في السياق المتقدم ؛ للدلالة على الخيلاء التي يتصف بها هذا الشخص، فجاءت لفظتا (نَظّار) و (تَفَّال) ؛ لبيان كثرة نظره إلى نفسه ومبالغته في الإعراض عن الآخرين، بثني عطفه عنهم، كأنّه لا يليق بمثله أن يكون بمنزلة العامة من الناس. مشيراً بلفظة (تَفَّال) إلى كثرة عنايته (بشِرَاكَي نَعْله)، إذ كان دؤوباً في البصاق عليهما، كلما أصابها الغبار في محاولة منه لتنظيفهما ونفخ الغبار عنهما. وهذه الحالة لا يفعلها إلا المعجب المزهو بشراكيه (7)، على الرغم من قلة شأنهما، ولكنه اتخذ ذلك علامة على العناية بأكثر الأشياء دناءة وأقلها شأناً عند الناس. مبالغة في العُجب بنفسه، وانصرافه عن كرام الأمور وفي طليعتها رعايته حدود اللّه إلى العناية بملبسه ومظهره. وذلك دليل على حمقه وتخايله ورعونته (8).

أقول : واستعمال الإمام صيغ المبالغة في النص جاء مناسباً للدلالة على التكثير والمبالغة، فضلاً عن المداومة على الفعل، فمن وصف بها كانت حرفته تلك الأوصاف التي جيء بها على زنة (فَعّال) (9). ومثل ذلك بناء (مِفْعَال) الذي صيغت عليه كلمة (مُخْتَال) للدلالة على الكثرة والمبالغة في الاختيال والكبر

شسع

الشَّسع أحد أجزاء النعل و متعلقاته. وهو السَّير الذي تشدّ به النعل إلى زمامها تُشدّ به النعل إلى زمامها (10). وقيل : هو الذي بين الإصبعين. ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النَّعل في الزّمام (11).


1) ينظر : العين (شرك) : 293/5، ينظر : تهذيب اللغة (شرك) 1 /13.

2) لم ترد هذه المفردة في (المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة)، ولعل ذلك راجع إلى عدم اعتبارها من مفردات النهج، على الرغم من أن الشريف الرضي نقلها في ختام كتاب الإمام إلى (المنذر بن الجارود العبدي) في قوله المتقدم.

3) هو بشر بن عمرو بن حُبَيش بن المعلى العبدي. ولد في عهد النبي (صلى اللّه عليه وآله)، وكانت لأبيه صحبة. وقد جعله الإمام علي والياً على (اصطخر). وشهد مع الإمام وقعة (الجَمَل)، ثم تولى إمارة الهند في عهد يزيد بن معاوية، ومات بها سنة (61 هـ). ينظر : الإصابة في تتمييز الصحابة : 264/6.

4) العطف المنكب. وعطفا الرَّجل جانباه من لدى رأسه إلى وركه ينظر لسان العرب (عطف) : 552/1.

5) التّفال البصاق والزَّبد. ينظر : لسان العرب (تفل) : 77/11.

6) نهج البلاغة : ك 71 : 591.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 45/18.

8) ينظر : الديباج الوضي : 5/ 2700.

9) ينظر : كتاب سيبويه : 1/ 110، والمقتضب : 2/ 113، ومعاني الأبنية : 108، 109.

10) ينظر : العين (شسع) : 242/1، و لسان العرب (شسع) 180/8.

11) ينظر : لسان العرب (شسع) 8 / 180، وتاج العروس (شسع) : 21/ 271.

ومفرة (شّسع) من مفردات نهج البلاغة، إذ وردت فيه مرة واحدة (1)، للدلالة على سير النعل الذي يدخل بين الإصبعين، ومن ثَمّ يدخل في الثقب الذي في مقدمة النَّعل. وقد استعمل الإمام هذه اللفظة في سياق ذمه (المنذر بن الجارود العبدي) وتعنيفه: ((...فَإِذَا أَنْتَ فِيمَا - رُقّيَ (2)إِلَيَّ عَنْكَ - لَا تَدَعُ لِهَوَاكَ انْقِيَاداً وَلَا تُبْقِي لِآخِرَتِكَ عَتَاداً (3)؛ تَعْمُرُ دُنْيَاكَ بِخَرَابٍ آخِرَتِكَ، وَتَصِلُ عَشِيرَتَكَ بِقَطِيعَةٍ دِينِكَ. وَلَئِنْ كَانَ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ حَقَّاً. لَجَمَلُ اهلكَ وَشَسْع نَعْلِكَ خَيْرٌ مِنْكَ ...)) (4). يصف الإمام حال (المنذر بن الجارود) من خيانته وانصرافه إلى اتباع الهوى والتَّعلّق بالدنيا والانصراف عن الآخرة، بعدم أخذ الأهبة لها من طاعة اللّه تبارك وتعالى وعدم مخالفته، وهذا كله حاصل، بسبب من استيلاء هذا الرجل على حقوق الناس، واستغلاله الصلاحيات التي يمتلكها بوصفه والياً، في تحصيل الأموال وإيثار عشيرته وأقاربه بها على حساب غيرهم من الرعية، مخالفة لأمر اللّه جل جلاله، ووصايا إمامه، ولهذا حقره (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبالغ في ذمه، جاعلاً من (جمل اهله) و (شسع نعله) خيراً منه. واختياره لهذين الضربين المختلفين من الأمثلة التي جعلها مثلاً للموازنة بينها وبين (المنذر)، فيبدو أنه راجع إلى أن (الجمل) يمثل رمزاً للصبر والتحمّل عند العرب لطبيعة خلقته ومقدرته على السير لمسافات طويلة فأراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذمّ هذا الشخص تعريضاً به من خلال ذكر (الجَمَل) الذي يتصف بخصال متعددة، لعل أهمها الصبر و المقدرة على تحمل الأشغال والأحمال والسير لمسافات بعيدة. كأنه أراد القول أن (المُنْذر) لم يكن بتلك الخصال التي هي أدنى ما يطلب من الوالي الذي يتوجب عليه الصَّبر وتحمل الأمانة والوصول بها إلى الغاية المطلوبة من الحفاظ عليها و تسليمها الى مستحقيها ويحتمل أن يكون توظيفه التمثيل بهذا النوع من الدواب، لكون (الجَمَل) مما يُضرب به المثل في الهوان والذُّل عند العرب، على حدّ تعبير بعض الشرّاح، فإنه يتوارث من الأب إلى الابناء، وكل يسوقه حيث شاء، حتى يصير حقيراً ذليلاً عندهم (5). أمّا عدّ (شسع نعله) خيراً منه، فذلك متعلق بمكانة الشَّسع من النعل، فهو الأساس الذي يُشدُّ به النّعل إلى الزّمام، ويدخل فيه الإصبعان من الرّجل، فضلاً عن كونه يُمسك صدر النعل ويشدّه إلى الزّمام على حدّ وصف اللغويين. ومع ذلك كله فهو مرتبط بالرّذالة والسوء، فهو جزء من النّعل الذي يُلبس وقاية من الأقذار والأذى.

أقول : ولم يكن (المنذر بن الجارود) بمنزلة (شسع النّعل) الذي يمثل العماد في ثبات القدم في النعل، فلم يكن (المنذر) عماداً لحفظ الإمارة التي قلّده إيَّاها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ، فلهذا صار شِسْع نَعله) خيراً منه، فقد حفظ قدمه وصانها من العِثار إشارة إلى ما ذكره الإمام من عناية هذا الرجل بنفسه، وتكبّره واختياله على الناس ورعايته لمظهره، واجتهاده بتنظيف شراك نَعْله ونفض التراب عنه، فإنّه : ((مُخْتَالٌ فِي بُرْدَيْهِ، تَفَّالٌ


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 239.

2) الرُّقي الصعود والارتقاء. ينظر : العين (رقي) : 211/5 والمراد في كلام الإمام وصول الأخبار اليه عن المنذر بن الجارود العبدي.

3) العتاد العُدّة والاهبة والذخيرة. ينظر : لسان العرب (عتد) : 278/3.

4) نهج البلاغة : ك 71 : 591.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 44/18، و شرح نهج البلاغة (البحراني) : 385/4، و الديباج الوضي : 2699/5.

في شِرَاكَيْهِ)) (1)، وفي ذلك دليل على حمقه ورعونته وتقديمه التافه من الأمور على الأهم من تفريطه في شؤون البلد وعدم رعايته مصالح الدولة الإدارية والمالية التي تمثل، فضلاً عن الفساد الذي ساد في ظل هذا الرّجل.

المبحث الثالث: ألفاظ لباس الرأس ومتعلقاته

العمامة

العمامة معروفة، كما يذكر الخليل، وجمعها عَمَائِم (2). وهي ما يُلاث على الرّأس تكويراً (3)، ليلبسها الرجال (4). والعَمائِم بمنزلة (التِّيجَان) عند العجم (5). ولهذا قيل : ((العمائم تيجان العرب)) (6). وتذكر كتب


1) نهج البلاغة : ك / 71 : 591.

2) ينظر : العين (عمم) 1 / 94.

3) ينظر : تهذيب اللغة (عمم) : 89/1، و المخصص : م /1 :س / 4 : 82.

4) نفسهما.

5) ينظر : المحكم (عمم) 1 / 107.

6) ينظر : العين (عمم) 1 / 94، و السيرة النبوية ابن هشام : 182/3، و البيان والتبين : 257/1.

التراث أن العرب كانت أذا سوّدت رجلاً ألْبَسته العمامة، في إشارة إلى مكانة هذا الشخص وعلو منزلته (1). وورد في التراث اللغوي أن (المُعَمّم) هو السَّيّد الذي يقلّده القوم أمورهم، ويلجؤون اليه في حوائجهم (2).

وتتعدد الوان العمائم عند العرب ؛ فمنها البيضاء والسوداء، والصفراء والحمراء (3). وثمة فوائد كثيرة (للعمامة)، فقد أثر عن أبي الأسود الدؤلي (ت 69هـ) الذي عدد فوائدها قائلاً إنها : ((جُنّة في الحرب، ومكنة في من الحَرِّ، ومدفأة من القرّ، ووقار في الندى، وواقية من الأحداث الندى، وواقية من الأحداث، وزيادة في القامة))(4). وصار لبس (العِمَامة) عادة من عادات العرب بعد الإسلام أيضاً، وأضحت شعاراً للمسلمين، حتى عدت جزءاً من لباس المسلمين في الدولة الإسلامية (5).

واستعملت لفظتا (العِمَامة) و (عِمامَتِي)، المضافة إلى ياء التكلم مرة واحدة في نهج البلاغة (6)، للدلالة على لباس الرأس المعروف ومن ذلك قول الإمام مخاطباً (أنس ابن مالك) (7)، داعياً عليه بعدما بعثه الإمام إلى (طلحة والزبير) عند مجيئهما إلى البَصْرَة يذكرهما شيئاً مما سمعه عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) في معناهما، فلوى (أنس) عن ذلك ورجع اليه قائلاً : أني نسيت ذلك الأمر (8)فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((إِنْ كُنْتَ كَاذِباً فَضَرَبَكَ اللّه بِهَا بَيْضَاءَ لَامِعَةً لَا تُوَارِيهَا الْعِمَامَةُ)) (9). فدعا الإمام عليه بالبُرْصِ، وهو داء يصيب الجلد، فيجعل ما تحته كلحم الأصداف العديمة الدّم، وينبت عليه الشعر الأبيض (10). وقد ذكر الشريف الرضي أن أُصيب بهذا الدّاء فيما بعد في وجهه، فكان لا يُرَى إِلا مُبَرْقَعَاً (11).

وقد استعمل الإمام مفردة (العِمَامة) بوصفها لباساً من الألبسة التي يغطى بها الرأس. واختياره لهذه المفردة، أو هذا النوع من اللباس، لبيان عدم نفعها في ستر الداء الذي سيُصاب به هذا الرجل ومواراته والمواراة، فكأنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يريد القول أن لا قيمة لعمامتة ؛ لأنه لم يحترم نفسه ومكانته بين الأصحاب، فصارت عمته علامة على انحطاط قدره وانزلته إلى مراتب الذم والهجاء، بدلاً من كونها علامة من علامات السيادة والرّفعة، بسبب من ادعائه النسيان في ما اشتهر عن أقوال للنبي بحق الإمام ومنزلته، ومنها حديث (الغدير)


1) ينظر : تهذيب اللغة (عمم) : 88/1، و محاضرات الأدباء : 382/2.

2) ينظر : تهذيب اللغة (عمم) : 89/1.

3) ينظر: السيرة النبوية ابن هشام : 182/3، والبيان والتبين : 1/ 257.

4) ينظر : البيان والتبين : 1/ 236، وينظر : محاضرات الأدباء : 383/2.

5) ينظر : الفاظ الحضارة (زوين) : 1/ 566.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 324.

7) هو أنس بن مالك بن المنضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن النّجار. يكنى بأبي حمزة. كان خادماً لرسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله). وصار مفتياً مقرناً، روى عن النبي جملة من الأحاديث. وهو آخر من مات من الأصحاب. ينظر : الطبقات الكبرى : 17/7، و سير أعلام النبلاء :396/3.

8) نهج البلاغة : 664.

9) نفسه : قصا/ 311 : 664.

10) ينظر: الحاوي في الطب : 475/7.

11) ينظر : نهج البلاغة : 664. وقد نقل ابن قتيبة (ت 276هـ) حديث (البُرْص) ودعاء الإمام على (أنس ابن مالك) ؛ لما سأله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) فيه : ((اللّهم والِ مَن وَالاهُ و عَادِ مَن عَادَاه))، فقال أنس : كَبِرت سني و نسيت، فقال له الإمام : ((إِنْ كُنْتَ كَاذِباً، فَضَرَبَكَ اللّه بِبَيْضَاءَ لَا تُوَارِيهَا الْعِمَامَةُ)). ينظر : المعارف : 580/1 وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد): 179/19. ويظهر من هذه الحادثة أن سبب دعاء الإمام على (أنس) لم يكن لأنّه بعثه إلى (طلحة والزبير) كما يذكر الشارح ابن أبي الحديد، وإنّما لادّعائه نسيان حديث (الغدير).

ينبغي لمثل هذا الرجل نسيان مثل هذه الاحاديث، وهو الذي كان خادماً للنبي، حتى بكثرة الرواية عنه (1). وهو ما يفند إدعاءه النسيان. فضلاً عن أنّ (البُرْص) أكثر ما يكون أثره في الوجه، ولهذا يعمد مَن يُصاب بها إلى التَّقَنّع. ولهذا كان أنس كثيراً ما يرى مبرقعاً، ولكن تركيزه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان على بيان أثر دعائه على (أنس بن مالك) من الجانبين النفسي والخارجي، من خلال ما سيخلفه هذا المرض الجلدي من تأثير في نفس المصاب به، فضلاً عن نفار الناس منه وابتعادهم عنه، ولهذا أكد الإمام على موضع (العِمَامة) من الرأس، لمكانه الذي يتضمن العِزّة والشموخ والوقار في الإنسان، علاوة على اشتماله على السمع والبصر والعقل، ولهذا كانت العرب تقول : ((إنَّ شيئاً فيه السّمع والبصر، لحقيق بالصَّون)) (2). غير أن (أنساً) لم يَصُن، حسبما يفهم من قول الإمام، سمعه وبصره، وتناسى أشهر الأحاديث المأثورة عن النبي بحق الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

أقول: وقد وردت مفردة (عِمَامَتي) مضافة إلى (ياء المتكلّم)، للدلالة على عمامة الإمام علي التي قصد بها عدم اتخاذها موضعاً للاحتماء والتَّدَرّع لمن رفع شعاراً كشعار الخوارج من كلمة حق يراد بها باطل سواء احتماً به أو بغيره. وجاء ذلك في (خ / 126).

مُتَلَفِّع

اللفاع خمار المرأة الذي تستر به رأسها وصدرها (3). والتَّلفّع اشتمال الإنسان بالثوب حتى يجلّل جسده (4).

وقد استعمل الإمام لفظة (مُتَلَفِّع) بصيغة اسم الفاعل المفرد، وجمعها (مُتَلَفِّعون) مرة واحدة لكل منهما في كلامه الوراد في نهج البلاغة (5)، للدلالة على الالتحاف والاشتمال. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق تفصيل أحوال الملائكة، وخضوعهم لأمر الباري جل جلاله الذي يقول فيه : ((وَمِنْهُمُ الثَّابِتَةُ فِي الْأَرْضِينَ السُّفْلَى أَقْدَامُهُمْ... وَالمُنَاسِبَةُ لِقَوَائِمِ العَرْشِ أَكْتَافُهُمْ نَاكِسَةٌ (6)دُونَهُ أَبْصَارُهُمْ، مُتَلَفِّعُونَ تَحْتَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ...)) (7). والنص يصف الملائكة الذين يحملون عرش اللّه جل شأنه على أكتافهم، وهم خاضعون مطأطئي إبصارهم في إشارة


1) وقد وصف الحافظ الذهبي (ت 748 هـ) (أنسا) بـ(المُحَدِّث) و (راوية الإسلام)، وأنه (روى عن النبي علماً جماً). ينظر : سير أعلام النبلاء :396/3.

2) ينظر : البيان والتبين : 2571.

3) ينظر : العين (لفع) : 2/ 146.

4) ينظر : تهذيب اللغة (لفع) : 42/2، و لسان العرب (لفع) : 8 / 320.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 411.

6) الناكس المطأطئ رأسه من ذل. ينظر : لسان العرب (نكس) : 6 / 241.

7) نهج البلاغة : خ / 1 : 20.

الى كمال خشيتهم اللّه تعالى واعترافهم بقصور عقولهم عن إدراك ما وراء كمالاتهم المقدّرة لهم وعظمة المشاهدة في خلق عرشه (1). وتبدو صورة التلفّع التي وصف بها الإمام هيئات الملائكة أشبه ما تكون بصورة الطائر الذي يلتفّ بجناحيه عندما يستقر في مكانه الذي يؤوب إليه. وقد التفت الشارح البحراني الى هذا الضرب من التصوير الفني، ذاهباً الى أنّه ((لما استعار لفظ الأجنحة، اسْتَلزم ذلك أن يكون قد شَبِّهَهُم بالطائر ذي الجناح، ثم لمّا كان الطائر عند قبض جناحه يشبه المُتَلَفِّع بثوبه والملتحف به، وكانت أجنحة الملائكة التي هي عبارة عن كمالهم في قدرهم وعلومهم، مقبوضة قاصرة عن التعلق بمثل مقدورات اللّه ومبدعاته، واقفة دون جلاله وعظمته في صنعه، لا جرم أشبه ذلك قَبْض الأجنحة المشبه للتَلَفّع بالثوب، فاستعار (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظ التلفع أيضاً، وکنّی به عن كمال خضوعهم وانقهارهم تحت سلطان اللّه وقوته...))(2). وهذا الوجه من المعنى راجح، مع إمكان أن يحمل لفظ (مُتَلَفِّعُونَ) الدلالة على الحجب والاستتار عمّا لا يكون في حدود صلاحياتهم وقدراتهم التي وضعها اللّه فيهم.

وقد استعملت لفظة (مُتَلَفِّع) بالدلالة المتقدمة نفسها، وذلك في وصف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لرأس الطاووس واكتسائه بالألوان المتعددة وذلك في (خ / 165).

مِعْجَر

المِعْجَر عند اللغويين ثوبٌ تَعْتَجِر به المرأة، وهو أصغر من الرداء، وأكبر من المِقْنَعة(3). والعِجَار ثَوْب تَلُفّه المرأة على رأسها بشكل مستدير، ثم تنجَلْبَب فوقه بجلبابها (4).

وقيل : هي ثياب تكون باليمن (5). أما الاعتبار، فهو لفّ العِمَامة على الرأس من غير إرادة ما تحت الحنك(6). و مفردة (مِعْجَر) من مفردات نهج البلاغة التي وردت فيه مرة واحدة (7)بوزن (مِفْعَل) دالة على الاعتجار، وهو ما يُلَفُّ به رأس الإنسان مع وضع جلباب عليه. وقد استعمل الإمام هذه المفردة في وصف مخرج عنق الطاووس إلى بطنه من حيث تتعدد الوانه واستدارتها، إذ يقول : ((... وَمَخْرَجُ عَنُقِهِ كَالْإِبْرِيقِ وَمَغْرِزُهَا إِلَى حَيْثُ بَطْنُهُ كَصِبْعْ الْوَسمَةِ اليَمَانِيَّةِ أَوْ كَحَرِيرَةٍ مُلْبَسَةٍ، مِرْآةَ ذَاتَ صِقَالٍ، وَكَأَنَّهُ مُتَلَفِّعْ بِمِعْجَرٍ أَسْحَمَ (8))) (9).


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني): 1 / 117.

2) نفسه: 1 / 117، 118.

3) ينظر : العين (عجر) : 222/12، 293، ولسان العرب (عجر) 544/4.

4) ينظر : تهذيب اللغة (عجر) : 231/1.

5) ينظر : العين (عجر) : 222/1.

6) ينظر : العين (عجر) : 222/1، 293، وتهذيب اللغة (عجر) : 231/1.

7) المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 292.

8) الأسحم الأسود. ينظر : لسان العرب (سحم): 281/12.

9) نهج البلاغة : خ 165 : 298.

يبيّن الإمام في هذا الوصف الألوان التي يزدهي بها من قمة رأسه إلى حيث بطنه. ويصفه الإمام بهيأة المتلفّع الذي لفّ رأسه وعنقه باللفاع الذي تعتجر به المرأة وتشده على رأسها كالرداء (1). وهذا الضرب من المِعْاجَر أسحم ذو سوادٍ، حتى يُخَيّل للناظر اليه أنّ هذا الطير قد التحف بملحفة سوداء امتزجت بالخضرة، إشارة إلى كثرة رونقه وبريقه (2). حتى كأنّه قد تقنّع بهذا المِعْجر (3).

أقول : ويلحظ أن الإمام قد نقل هذه المفردة من دلالتها المادية إلى الدلالة على تآزر ألوان الطاووس وميلها إلى السواد المشوب بالخضرة. وهذا ضرب من توسع المعنى وتطوّره


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 210/9.

2) نفسه.

3) ينظر : الديباج الوضي : 1373/3.

الظواهر اللغوية

• استعمل الإمام الصيغ الصرفية الآتية في المجال الدلالي الخاص بالألبسة، وهي (افْتَعَل، فَعل، تَفَعَّل، تَفَعْلَل)، وهي لأغراض المبالغة والتكثير في الفعل، وجميعها من الابنية المزيدة. أمّا أبنية الجموع، فقد وردت منها صيغة (فَعَالِيْل، فعَل، ومَفَاعِل)، وهما من أبنية جموع الكثرة. في حين وردت صيغة (فَعُول) التي ساق الإمام على وزنها مفردة (لبوس).

• تبيّن من خلال تتبع المفردات في نهج البلاغة، وجود علاقة ترادف جزئي بين الألفاظ الآتية : (الجلباب و المئزر)، و (لباس، ثوب، رداء)، و (الرياش، حُلل، حريرة، القَزّ)، و (موشي ومؤشّاة، وديباج، وبُرْدَيْهِ، عَصْب)، و (حِمْريه، رَتَّا)، و (أهدام والمتداعية).

• ثمة علاقة بين تقابل دلالي بين لفظتي (شعار) و (دِثَار) فاللفظة الأولى تدل على اللباس القريب من الجسم، في حين أن (الدِّثار) تدل على ما يتدثر به من لباس فوق بقية الألبسة

• تبين وجود علاقة عام بخاص، وذلك بين الألفاظ (صوف، خشن)، (نسج، رداء، كسوة)، و الحريرة و السَّرَق)، و (الصوف، مدرعة)، و (لبس) وبقية مشتقاتها مع سائر الألفاظ الدالة على اللباس والأردية.

• وردت مجموعة من الألفاظ المعرّبة في هذا المجال الدلالي. وهي لفظة (السَّرق) التي تلفظ بالفارسية (سَرَه)، وهي ضرب من ضروب الحرير.

• انزاحت أكثر الألفاظ دلالتها الحقيقية، ومنها لفظة (لَبِسَ) التي دلّت لباس العز والكرامة، ولفظة (مِنْزر) التي استعملها الإمام كناية عن التأهب والاستعداد بقرينة لفظ (اشدد) فضلاً عن لفظتي (شمر) الدالة على رفع أطراف الثياب، و (سَدَلْت) التي استعملها الإمام للدلالة على إرخاء السّتر بينه وبين الخلافة، فقد أراد بذلك ضرب الصفح عن هذه القَضِيّة دون أن يراد باللفظة المتقدمة إرخاء الثوب حقيقة.

• وقد استعار الإمام لفظة (الشعار) الدالة على الثياب الملاصقة للبدن، ونقلها من تلك الدلالة إلى دلالة أخرى، وهي القرابة القريبة الخاصة لأهل البيت (عليهم السلام) من النبي الأكرم، مفيداً من إيحاء هذه اللفظة على التماس والقرب من البدن، كما استعملها أيضاً في الدلالة على القرب من القرآن الكريم.

• أورد الإمام تعبير (سَرابيل القطران) أخذاً إياها من القرآن الكريم في مقام ما يعرض له (المجرمون) من العذاب يوم القيامة بقرينة الاشتمال والتلفع بقطران العذاب.

جدول دلالي يبيّن شيوع ألفاظ الألبسة ومتعلقاتها مرتبة بحسب كثرة كل مفردة على الأخرى

أولا : ألفاظ ألبسة الجسم وتشمل ما يأتي :

1 - الثياب النّاعمة من الحرير وغيره: الرّياش، دیباج، ریط، حلل، موشي، حريرة، الشرق، برديه عَصب، الفرو، القزّ

2 - عامة الثياب : لبس، ثوبه، الشعار، سرابيل، نسائج، رداء، كساه، تقمصها

3 - الثياب البالية : رقعت، طمره، رثاً، أهدام، المتداعية، مقطعات

4 - الخشن من الثياب : مدرعتي، الخشن، الصوف

5 - ستر أعلى البدن : جلابيب منزر

6- هيأة اللباس : شمّر، سدل

7- لباس الموت :أكفان

ثانياً : الفاظ لباس القدم ومتعلقاتها : النَّعْل، يخصف، شراكية، شسع

ثالثاً : لباس الرأس ومتعلقاته : العمامة، متلفع، معجر

الفصل السادس: ألفاظ الأمراض والعلل ومتعلقاتها

إشارة:

المبحث الأول: الأمراض الخاصة بالنفس

جِنَّة

الجنون ضرب من المَسَّ. وأصله من الاختلاط والستر الذي يطغى على العقل حسبما يفهم من أقوال اللغويين (1).

وقد وردت لفظة (جِنَّة) بلفظ المفرد مرة واحدة في نهج البلاغة، ولفظة (الجُنُون) جمعاً بوزن (فُعُول) مرتين، الثانية منهما متصلة بضمير الغائب (جُنُونه) (2)، للدلالة على (الجُنُون) المعروف الذي يُصاب به المرء من المَسَّ. ومن ذلك قوله (في وصف الحِدّة) : ((الْحِدَّةُ ضَرْبٌ مِنَ الْجُنُونِ، لامَنَّ صَاحِبَهَا يَنْدَمُ، فَإِنْ لَمْ يَنْدَمْ فَجُنُونُهُ مُسْتَحْكِمْ)) (3). فـ(الحِدّة) في الأصل الطَّيش وما يعتري الإنسان من النّزق والغضب(4). وقد جعلها الإمام نوعاً من الجنون الذي يأخذ المرء، لما كان من عواقبها النّدم الذي يعقب الطيش والنّزق الذي يقوم به (المُحْتَد) المتسرّع بقوة ونشاط في الأمور والمضاء فيها، ولاسيما إذا كان ذلك بغير حق. فتكون عاقبة ذلك الندم. والظاهر أنّ الجامع بين (الجِدّة)، بوصفها ضرباً من الانفعال النفسي، و (الجنون)، وهو من موارد الشيطان ومَسّه هو الطّيش والنّزق. فالجنون حالة مخصوصة تعرض للإنسان بسبب خروجه عن العقل، والأخذ بأوامره (5). ويذكر المختصون بالطّب أنّ (الجنون) يكون مصحوباً بالتوتب والحركات السريعة القوية، فضلاً عن السهر والاختلاط الدائم في العقل من جرأة وإقدام وخبث نفس (6). وهذا الوصف يتفق مع ما يظهر على (المُحْتَدّ) من غضب وتسرّع ونزق وطيش، ولهذا جعله الإمام نوعاً من (الجنون)؛ فالأخير عام، وفرعه (الحَدّة). فغالباً ما يعود المُحْتَد الى صوابه عند ندمه، وإلا فهو مجنون مستحكم الجنون ودائمه. وهذا هو الفارق بين الأمرين. وقد وردت لفظة (جنّة)، و (جُنُونة) بالدلالة نفسها في (خ / 244، قصا / 255).

كآبة

الكآبة سوء الهيئة والانكسار من الحزن فى الوجه خاصة (7).

وقد وردت لفظة (كآبة) ثلاث مرات في نهج البلاغة (8). للدلالة على ما يظهر في الإنسان من انكسار وسوء هيأة وحزن مصحوب بالغم والأذى. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق الاستعاذة من الهم والغم والانكسار، لما عزم على المسير الى الشام : ((اللّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ (9)السَّفَرِ، وَكَابَةِ المُنْقَلَبِ، وَسُوءِ المَنظَرِ فِي


1) ينظر : العين (جنن) : 21/6، وتهذيب اللغة (جنن) : 267/10، 268، والمحكم (جنن) : 212/7.

2) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 92.

3) نهج البلاغة قصا / 648/255.

4) ينظر : تهذيب اللغة (حدد) : 3 / 270، ولسان العرب (حدد) : 141/3.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 463/5.

6) ينظر : الحاوي في الطب : 130/1.

7) ينظر : العين (كأب) : 5 / 418، وتهذيب اللغة (كآب) : 217/10.

8) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 392.

9) الوَعْث الدهس والمشي الذي يشتد فيه على صاحبه. ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 220/1.

الأهل وَالْمَالِ َوالْوَلَدِ)) (1). يستعيذ الإمام من أذى السفر، وما يعرض فيه من التعب واشتداد المشي المصحوب بالدهس الذي يشق على صاحبه ويُنصبه (2). فضلاً عن الاستعاذة من (الكآبة) عند الإياب والمنقلب. فيرجع من سفره الى أهله بأمر يصيبه في سفره فيكتئب منه (3). والكآبة ضرب من الأذى الذي تصاب به النفس يكون مصحوباً بسوء الهيأة والانكسار من الحزن. ولا يكون المرء كئيباً إلا إذا وصل الى درجة تتتغيّر فيها نفسه من شِدّة الهَمَّ والغَمَّ والحزن. ولهذا شرط اللغويون أن تكون آثار الكآبة ظاهرة في الوجه خاصة (4). أقول : وقد تعرضت مفردة (كآبة) للتطور الدلالي، فانتقلت من دلالتها المتقدمة الى الدلالة على بعض الأمراض النفسية في الوقت الحاضر. ويكون هذا النوع من العلل مرتبطاً بالحزن والخوف والضجر وسوء الفكرة (5). وقد وردت اللفظة المتقدمة بالدلالة نفسها في (خ / 64). وثَمة استعمال وردت فيه اللفظة المتقدمة في بعض الأبيات الشعرية التي تمثل بها أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (في ك / 36).

مألوسة

الأُلس اختلاط العقل وذهابه (6). والمألوس الضعيف العقل (7). وزاد الخليل على ذلك بأنّ المألوس هو الضعيف شبه المُخَبّل (8).

واستعملت لفظة (مَأْلُوسَة) مرة واحدة في كلام الإمام الوارد في نهج البلاغة بصيغة اسم المفعول (9)، للدلالة على اختلاط القلوب وإصابتها بالجنون. وذلك في مقام ذم الناس وتأففه منهم، لشدّة رغبتهم بالحياة الدنيا ورضاهم بالذّل بدلاً من العِزّ كلما دعاهم الى الجهاد. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((أُفٍّ لَكُمْ لَقَدْ سَئِمْتُ عِتَابَكُمْ ! أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ عِوَضاً وَبِالذُّلِّ مِنَ الْعِزّ خَلَفاً ؟ إِذَا دَعَوْتُكُمْ إِلَى جِهَادِ عَدُوِّكُمْ دَارَتْ أَعْيُنُكُمْ كَأَنَّكُمْ مِنَ الْمَوْتِ فِي غَمْرَةٍ، وَمِنَ الذُّهُولِ فِي سَكْرَة، فَكَأَنَّ قُلُوبَكُمْ مَأْلُوسَةً، فَأَنْتُمْ لَا تَعْقِلُونَ)) (10). أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصفهم بالانصراف عن دعوته الى الجهاد، بما يظهر عليهم من الذهول والتظاهر بعدم الوعي والتحيّر فشبه قلوبهم بالجنون والاختلاط وذهاب لُبَّها. فأنزلها منزلة العقل، مع كونها محل للعواطف والانفعال. فلا يوصف المرء بالألس إلا في عقله، ولكنه لما أراد إظهار كرههم للجهاد، وميلهم نحو الحياة الدنيا وذُلّها، لهذا عمد الى استعمال هذه المفردة في الإبانة عن ضعف تفكيرهم وقلة شأن الآخرة عندهم، وتفضيلهم الدنيا عليها. وبهذا يدخل في ايحاءات المفردة المتقدمة الدلالة على الغش والكذب والخيانة والسرقة وتغيّر الخلق (11)، فضلاً


1) نهج البلاغة : خ / 46 : 87. وقد نقلت المدونات الخاصة بغريب الحديث قول الإمام المتقدم. ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 220/1، والنهاية في غريب الحديث 137/4.

2) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 1 / 219.

3) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 1 / 220، والنهاية في غريب الحديث : 4 /137.

4) ينظر : العين (كأب) : 418/5، وتهذيب اللغة (كأب) : 217/10.

5) ينظر : الحاوي في الطب : 62/1، وينظر : 399/3.

6) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 4 / 495، وتهذيب اللغة (ألس) : 49/13. والمحكم (ألس) : 549/8.

7) ينظر : المحكم (ألس) : 549/8.

8) ينظر : العين (ألس) : 302/7.

9) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 28.

10) نهج البلاغة : خ / 34 : 75.

11) ينظر : مع نهج البلاغة : 72.

عن اختلاط العقل وضعفه، حتى يكون صاحبه بمنزلة المخبّل. وهذه علامة على حيرة هؤلاء وترددهم في إجابة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

مُخْتَبِط

الخَبْط الضَّرْب (2). والخَبْط المَسُّ (3). وخبطه الشيطان، إذا مسه بأذى و خَبَله وأجنّه (4).

وقد وردت لفظة (مُخْتَبط) بصيغة اسم الفاعل مرة واحدة في نهج البلاغة، للدلالة على من أُصيب بنظام عقله فأخذ يتصرّف على غير هدى. وساق الإمام هذه المفردة وصفاً (للأشعث بن قيس) الذي طرق الإمام ليلاً بملفوفة في وعائها، فأنكرها عليه الإمام إنكاراً شديداً بقوله : ((وَأَعْجَبُ مِنْ ذلِكَ طَارِقٌ طَرَقَنَا بِمَلْفَوفَة فِي وِعَائِهَا، وَمَعْجُونَة شَيْئتُهَا، كَأَنَّمَا عُجِنَتْ بِرِيقِ حَيَّة... فَقُلْتُ : أَصِلَةٌ، أَمْ زَكَاةً، أَمْ صَدَقَةً؟ فَذلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْنَا أهل الْبَيْتِ : فَقَالَ: لاَ ذَا وَلاَ ذَاكَ، وَلكِنَّهَا هَدِيَّةٌ، فَقُلْتُ: هَبِلَتْكَ الْهَبُولُ ! (5)أَعَنْ دِينِ اللّه أَتَيْتَنِي لِتَخْدَ عَنِي؟ لِتَخْدَعَنِي؟ أَمُخْتَبِطَ أَنْتَ أَمْ ذُوجِنَّةٌ، أَمْ تَهْجُر...)) (6). يصف(عَلَيهِ السَّلَامُ) (الأشعث بن قيس) بعدّة أوصاف بعد ما قدّم له ضرباً من الحلواء بقصد (الرُّشا). فذَمّه الإمام أشدّ الذَّمَ، ووصفه بـ (المُخْتَبط)، وهو الذي ضربه المَس من الشيطان فَخَبله، وصار لا يعرف ما يفعل من اختلاط الأمور عليه ؛ لما غلب عليه المَسَّ، فبدا كأنه يخبط ما حوله ويَهْدمه كما يفعل البعير عندما يخبط ما أمامه. فاستعار (عَلَيهِ السَّلَامُ) صفة من أوصاف الدواب لهذا الرجل، لأظهار شدة الوطئ والاضطراب الذي يُنتجه الخبط الذي أصيب به.وجاء التعبير المتقدم على سبيل الاستفهام الذي أخرجه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لغرض الإنكار (7). وهو من الأغراض التي يخرج اليها الاستفهام، لتنبيه السامع ليرجع الى نفسه، فيخجل ويرتدع ويعيا ؛ لأنّه هم بفعل غير مقبول، وجوّز أمراً لا يكون حسبما يذكر البلاغيون (8). ولهذا استحق هذا الرجل توبيخ الإمام وتقريعه، لما قام به من عمل أنكره (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيّما إنكار، لأنه لا يرتضي شراء الدّمم التي يمارسها أمثال هذا الرجل.

دنف


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 278/2، والديباج الوضي : 395/1.

2) ينظر : العين (خبط) : 233/4.

3) نفسه.

4) ينظر : العين (خبط) : 4 /223، وتهذيب اللغة (خبط) : 113/7.

5) الهبل النكل. ينظر : لسان العرب (هبل) : 686/11.

6) نهج البلاغة خ / 224 : 438.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 4 / 55.

8) ينظر : دلائل الاعجاز، لعبد القاهر الجرجاني : 105/1.

الدّنف المرض المخامر اللازم (1). وقيل : بل هو المرض ما كان واستمر (2).

والمفردة المتقدمة من مفردات نهج البلاغة التي استعملها الإمام مرة واحدة في كلامه(3)، دالة على المريض الذي خامرته العلّة والألم. وذلك في كلامه الذي يصف فيه حال أخيه (عقيل) ؛ لما أملق فيقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) واصفاً كيفية نهر أخيه: ((...ثُمَّ أَدْنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا، فَصَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَفَ مِنْ أَلْمِهَا...)) (4). والنص وصف لحال عقيل لمّا أحس بحرارة (الحديدة) المُحْماة التي أحماها الإمام وأدناها منه ليعتبر بحرارتها وأذاها، مذكَّراً له بعذاب القيامة الذي سيلاقيه إذا ما أعطاه مما ائتمن عليه من حقوق الرعية. وذلك إشعار منه لأخيه وغيره بأهمية الحفاظ على الأمانة من القائمين عليها، وعدم التصرف بها على أيَّ وجه كان إلا لمن استحق ذلك. فضلاً عن وجوب أداء الحقوق الشرعية الى أصحابها وعدم المحاباة بها.

وأمّا إيثار الإمام مفردة (دَنِف) دون سواها من الألفاظ في هذا السياق ؛ فيبدو أنّ ذلك راجع الى كونها دلالتها على المبالغة في العِلّة المصحوبة بالحُزن، فاللفظة المتقدمة على بناء (فَعَل)، وهذا البناء من الأبنية التي تفيد المبالغة باسم المفعول (5). كأن مراد الإمام من استعمال هذه المفردة، الدلالة على تغلب الأذى ودوامه في (المُدْنِف) الذي أصابته العلة ؛ وهو ما يناسب الحال التي يكون عليها المعذبون في النار يوم القيامة الذي يدوم بهم هذا الحال من العذاب في الآخرة، حتى يُستوفى منهم الحق الذي أخذوه في الدنيا، وهو ما يريد الإمام التذكير به، ولعله أراد القول إن الحال في الآخرة يشبه حال المديف في الدنيا الذي أعيته العلل الملازمة لبدنه، فأصبح نحيلاً هزيلاً لا يقوى على شئ وأثر ذلك على سلامة نفسه التي جرى عليها البؤس والشقاء، وهو ما زاد في سوء حاله.

علز

قال الخليل : ((العَلَزُ شبه رغدة تأخذ المريض، كأنّه لا يَسْتقر من الوجع)) (6). ويقال للمريض على الشيء الذي تأخذه الرغدة فيما يحرص عليه بأنّه عَلِز (7). والعَلَز القلق والضجر (8)، والكرب عند الموت(9). ويوصف الذي ينزل به الموت بالعلز (10).

ومفردة (علز) من مفردات نهج البلاغة، التي استعملها الإمام مرة واحدة (11)، للدلالة على هَلع المريض ورعدته عند نزول المرض أو الموت به. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق الحديث عن هَرَم الإنسان، وتسارع العِلل إليه


1) ينظر : العين (دنف) : 48/8، وتهذيب اللغة (دنف) : 97/14.

2) ينظر : المحكم (دنف) : 349/9.

3) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 159.

4) نهج البلاغة : خ / 224 : 438.

5) ينظر : معاني الأبنية : 73.

6) المعين (علز) : 355/1، ولسان العرب (علز) : 380/5.

7) ينظر : تهذيب اللغة (علز) : 82/2، ولسان العرب (علز) : 380/5.

8) ينظر : لسان العرب (علز) : 380/5.

9) نفسه.

10) نفسه.

11) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 313.

: ((...فَهَلْ يَنْتَظِرُ أهل بَضَاضَةِ (1)الشَّبَابِ إِلَّا حَوَانِي (2)الْهَرَمِ؟. وَأهل غَضَارَةِ (3)الصَّحَّةِ إِلَّا نَوَازِلَ السَّقَمِ ؟ وَأهل مُدَّةِ الْبَقَاءِ إِلَّا آوِنَةَ الْفَنَاءِ؟ مَعَ قُرْبِ الزِّيَالِ (4)، وَأَزُوف الانتِقَالِ، وَعَلَزِ الْقَلَقِ...)) (5). يشير الإمام في كلامه الى عاقبة الحياة التي يُطمح اليها، ويمثل هذا الأمر بما يلقاه أهل غضارة الشباب الذين يتمتعون بالصّحة وسلامة البدن والقوّة، ولكِنَّ مصيرهم فيما بعد سيكون الى (الهرم)، الذي يضعف فيه كل شيء في البَدَن، وكذلك حال من كان يَنْعُم بِسَعة من العافية وصحة الجسد، فلابد أن تنزل به العلل والآفات، حتّى ينتقل الى (آونة الفَنَاء). وقد عبّر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن اقتراب هذا الفناء ونزوله في الإنسان بمفردة (الزيال)، وهي الفراق وأزوف الحياة. وعند ذاك يبدأ الراغبون فى البقاء ودوام العيش فى الدنيا، بالاضطراب والتضجّر وسوء الحالة النفسية، لقرب نزول الموت بهم هذا من جهة. ومن جهة أخرى يبدو أن مرحلة (العلز) التي يمر بها هذا النوع من الناس، راجعة الى أنّهم لم يكونوا يتوقعون الخروج من هذه الدنيا التي أملوا فيها طول البقاء ودوام المكث فيها. فضلاً عن عدم توقعهم فقدان الغضارة والنضارة التي يكونون عليها بوصفها علامات من علامات الشباب والفحولة وقوة البدن.

أقول ومفردة (علز) توحي بالدلالة على أعلى مرحلة من مراحل القلق، فهي حالة أشدّ من (القلق) ؛ ولهذا لا أجد أنّها تدل على (القلق) حسبما ذهب بعض اللغويين (6)، بدليل أنّ الإمام استعمل مفردة (العلز) مضافة الى كلمة (القلق)، ما يعني أنهما حالتان مختلفتان، فإن أردنا التقريب بينهما، قلنا أن العلاقة بينهما هي من قبيل علاقة الجزء بالكل، أو علاقة الخاص بالعام. فالقلق عام، و (العلز) أخص منه، بوصفه حالة أعلى من القلق مع زيادة تصل بالمرء حد الهلع.وقد أكد هذا المعنى شُرّاح نهج البلاغة الذين ذهبوا الى عدّ (العلز) هو الوجع الذي يُصيب الإنسان عند المرض أو الموت (7)؛ فيكون المرء هَلعاً خائفاً (8). أقول : فكأنما (العَلَز) إحساس عند المرء بدنو أجله وقُرب ارتحاله الى الآخرة. فالاضطراب والهلع اللذان يُصيبان المُعتل يُمثلان علامة على أزوف حياته وانتهائها في علة الموت.

تَهْجُر


1) البَضَاضَةُ كثرة اللحم في الجسم. والبضاضة أيضاً رقة الجلد ونعومته. ينظر لسان العرب (بضض) : 118/7.

2) الحينُ الدهر، والحواني نوازل الدهر. وتجمع عند اللغويين على (حَوَائن). ينظر لسان العرب (حين) : 136/13. ولكن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) جمعها على (حَوَانِي). وهو مما انفرد به (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلم أجد إشارة عند المعجمين على هذه الصورة من الجمع. هذا اذا كانت اللفظة مأخوذة من الدلالة على الزمن أو الحين، فأما اذا دلّت على الانحناء وتحدب الظهر وطأطأة الرأس، فمفردة (حَوَاني)، عندئذ، جمع (حَانِيَة)، وهي انحناء ظهر الشيخ وتحدّبه بسبب من الرهم. ينظر : تاج العروس (حنو) : 492/37.

3) أصل الغضارة الطَّيْن الحُرُّ، ثم صار اللفظ متسعاً دالاً على النَّغمة وسعة العيش والخصب في كل شيء. ينظر لسان العرب (غضر) : 23/5.

4) الزّيال الفراق والمباعدة. ينظر : لسان العرب (زيل) : 317/11.

5) نهج البلاغة : خ / 83 : 128. وقد نقلت المدونات اللغوية كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المتقدم برواية أخرى هي: ((هل يَنْتَظرُ أهل بضاضةِ الشباب إلا عَلَى القلق)). النهاية في في غريب الحديث والأثر : 287/3، لسان العرب (علز) : 380/5.

6) ينظر : تهذيب اللغة (علز) : 82/2.

7) ينظر : معارج نهج البلاغة : 370/1، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 207/6.

8) نفسهما.

الهَجْر هذيان المُبَرْسَمِ والمَحْمُوم (1). وقد وردت لفظة (تَهْجُر) في نهج البلاغة مرة واحدة (2). دالة على الهَذْي والفعل المستقبح المنكر. وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يتحدث فيه عن (الاشعث بن قيس) قائلاً ((أَمُخْتِبطَ أَنْتَ، أَمْ ذُو جِنَّةٍ، أَمْ تَهْجرُ)) (3)أراد الإمام : أنّ المخاطب وصل بفعله هذا حد الهذيان. فكما أنّ أنّ المحموم المعتل يهذي بكلامٍ لا يعرف معناه. فكذلك هذا الرجل الذي ابتغى رشوة الإمام ومساومته على دينه. وتحمل هذه المفردة في ثناياها الدلالة على الفحش والبذاءة في الكلام واللّغو فيه، فضلاً عن قول غير الحق (4).


1) ينظر : العين (هجر) : 387/3، تهذيب اللغة (هجر) : 28/6.

2) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 466.

3) نهج البلاغة : ح / 224 : 438.

4) ينظر : تهذيب اللغة (هجر) : 28/6، والمحكم (هجر) : 157/4.

المبحث الثاني: ألفاظ الهزال والضعف

يَعْيَا

إشارة:

الإعياء الكَلال (1)، والداء العياء هو الذي لا دواء له من الحُمْق وغيره (2). ويقال : عَيّ فُلان بالأمر إذا عجز عنه وأعيا الرّجل إذا عجز عن الضراب (3)واستعمل الإمام مفردات (يَغيا) بصيغة الفعل المضارع، و (العِيَّ) مرتين في نهج البلاغة، في حين وردت الفاظ (أَعْيَتنا)، و (أغيتُهُم)، و (عَيُّوا)، و (العياء)، و (تَعايا) مرة واحدة لكل واحدة منها (4)للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على العجز عن القيام بالشيء

وهو أكثر المعاني استعمالاً في النهج. وتنقسم هذه الدلالة على قسمين أيضاً هما :

1- العجز عن الكلام والإبانة. وهو خلاف البيان والفصاحة. وشاع هذا المعنى في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ). ومن ذلك قوله في عهده إلى (مالك الأشتر) في سياق وصاياه بالعناية بالرّعية، إذ يقول : ((... ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ مِنْهُمْ وَالْعِيَّ، وَنَحْ عَنْكَ الصّيقَ وَالأنف، يَبْسُطِ اللّه عَلَيْكَ بَذلِكَ أَكْنَافَ رَحْمَتِهِ)) (5). والسياق – هنا – سياق وصية بتحمل الناس وما يصدر عنهم من تصرفات ومنها الخُرق، وهو الحُمق والرّعُونة (6). والعِيّ، وهو عدم القدرة على الكلام المستقيم أو المُهدِّب، بحيث لا يفصح عن حاجته أو يُبين عنها. ومما يدل على ذلك مجيئ مفردة (مُتَتَعْتِعِ) في السياق المتقدم، إذ استعملها الإمام في السياق نفسه، للدلالة على التردّد في الكلام والاضطراب والعجز عن الإبانة بسبب من العي والخوف (7). فكأنّ هذا الضرب من الناس أعيوا وتردّدوا عن ذكر حاجاتهم، لما فيهم من الخوف والاضطراب الذي يصيبهم عند لقائهم الوالي. وربّما دخل مع هؤلاء أصحاب العاهات والعيوب النطقية التي تمنعهم من الإبانة عمّا وقع في نفوسهم من مطالب تعرض على الولاة. ومن هذه الدلالة ما ورد في (خ / 2، ك / 53، قصا / 347)

وعلى النقيض مما تقدم نجد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعمل مفردة (يَعْيَا) المسبوقة بـ(لا) النافية، للدلالة على نفي صفة العجز عن الإبانة والإفصاح وعدم الإفهام عن القرآن الكريم. وذلك في كلامه الذي يصف القرآن : ((وَكِتَابُ اللّه بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نَاطق لا يَعْيَا لِسَانُهُ، وَبَيْتٌ لاَ تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ، وَعِةٌ لا تُهْزَمُ أَعْوَانَهُ)) (8). ووصفه القرآن بـ(الناطق الذي لا يَعْيًا لسانه) يراد به الدلالة على عدم ضيق مفردات القرآن الكريم وقصور دلالاتها، فالقرآن ناطق لا يعجز عن الإفصاح والبيان، وهو المتكلّم الذي لا يَكِلّ كما تكل وتعيا ألسنة الفصحاء الذين نزل فيهم القرآن ليكون معجزاً لا يستطيعون مجاراته ومحاكاة أساليبه وطرائقه في النظم والبيان. فالكثير من مفردات القرآن الكريم


1) ينظر : العين (عيي) : 2 / 22.

2) نفسه.

3) ينظر : لسان العرب (عيا) : 15 / 111.

4) ينظر المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 332.

5) نهج البلاغة : ك / 562:53.

6) ينظر : لسان العرب (خرق) : 73/10.

7) ينظر : تهذيب اللغة (عت) : 73/1، وشرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد : 68/17.

8) نهج البلاغة : خ / 133 : 241.

معروفة في لغة العرب، غير أن اللّه تبارك وتعالى صنع من هذه المفردات تراكيب عجز الفصحاء من قريش وغيرهم عن أن يأتوا بمثلها.

أقول : واستعماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (النّاطق) مأخوذة من القرآن الكريم نفسه الذي وظف المفردة المتقدمة، للدلالة على شهادة الكتاب الكريم على الكافرين بالحق. يقول تبارك وتعالى : (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (1). ونطق الكتاب هو شهادته عليهم بالحق من غير زيادة ولا نقصان(2). ومال البعض من المفسرين إلى عد ثبوت هذه الأعمال التي في الكتاب بمنزلة النّطق بالحق (3). والمعنى أنّ البيان الشافي في هذا الكتاب هو بمنزلة النّطق.(4). وأما مفردة (لِسَان)، فمستعملة بكثرة في القرآن الكريم أيضاً، وفي صدارة ذلك قوله جل جلاله في صفة القرآن وبيانه : (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) (5). أقول : إن هذه الصفات القرآنية، وهي (النطق واللسان) استعملها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لوصف القرآن الكريم بعدم العجز عن البيان والإفصاح مهما تقادم الزمن أو تطاول الأمد عليه. ولعلّه يومئ بذلك إلى نفسه في كونه القرآن الناطق الذي لايكِلّ عن أداء القرآن الكريم وتلاوته، وهو بمنزلة (الكتاب) الذي لا يفْتُر ولا يقصر عن بيان دلالته ومقاصده (6). فضلاً عن تطبيق أحكامه على الناس جميعاً دون تمييز، ومعرفته مصاديق الخير والشر في الحياة الدنيا من خلال القرآن الكريم وأحكامه. ومال بعض شرّاح النهج إلى عدّ مفردة (ناطق)، وقوله : (لسان لا يَعْيا) استعارات كنّى بهما عن بيان الكتاب على مرور الأوقات (7). وهذا الوجه قريب مما ذهب اليه المفسّرون في تفسير قوله تعالى: (عَلَيْكُم بِالْحَقِّ...) (8). ومما يدعم ذلك ما ورد في المأثور من كونه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (القرآن النَّاطِق)) (9). ويرى المفسرون أنّ الإمام المعصوم يعد تجسيداً عملياً لكتاب اللّه تبارك وتعالى، فمنه يؤخذ التفسير والتأويل (10). وكثيراً ما كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يؤكد في كلامه الوارد في (نهج البلاغة) على أنّ القرآن الكريم (صَامِت نَاطِق) ومن ذلك قوله : ((... فَهُو بَيْنَهم شَاهِدٌ صَادِقٌ، َوصَامِتٌ نَاطِقَ))(11)، ويقول في موضع آخر : ((فَالْقُرآنُ آمِرٌ زَاجِرٌ، وَصَامِتْ نَاطِقٌ حُجَّةُ اللّه عَلَى خَلْقِهِ...)) (12). وفضلاً عن وصفه القرآن (بالصامت الناطق)، فإنه وصف النبي الأكرم وآله (عليهم السلام) بذلك. فقال في صفة النبي : ((... كَلَامُهُ بَيَانٌ، وَصَمْتُهُ


1) الجاثية / 29، وينظر : المؤمنون / 62.

2) ينظر: الكشاف : 296/4، ومجمع البيان : 133/9.

3) ينظر التبيان (الطوسي) : 262/9.

4) ينظر : مجمع البيان: 133/9.

5) النحل / 103.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 3 / 576.

7) نفسه.

8) الجاثية / 29.

9) موسوعة المصطفى والعترة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، حسين الشاكري : 325/13.

10) ينظر : الأمثل في تفسير كتاب اللّه المنزل، للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: 380/18، وموسوعة المصطفى والعترة : 325/13.

11) نهج البلاغة : خ / 147 : 258.

12) نفسه: خ/ 183 : 334.

لِسَانُ)) (1). كما قال ذلك في اهل البيت (عليهم السلام): ((...هُمُ الَّذِينَ يُخْبِرُكُم حُكْمُهُم عَن عِلْمِهِم، وَصَ- عَن مَنْطِقِهِم ...)) (2). ولعل كثرة تداوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأمثلة الثنائية مثل (الصمت والموت)، يوحي بأنّ(الصمت) هو نطق بحد ذاته، وأنّ (الصامت) لا بد له من مترجم يتولى بيانه والإفصاح عما يريد قوله.

ثانياً : الدلالة على الداء الذي لا يمكن شفاؤه.

وهذه الدلالة الثانية من حيث الشيوع التي وردت في نهج البلاغة، وقد أفادت فيها مفردتا (العياء وتَعَايا) الدلالة على المرض والداء الذي يُعجز عن الشفاء فمن استعمال المفردة الأولى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق كلامه عن المنافقين وصفاتهم : ((... يَمْشُونَ الْخَفَاءَ وَيَدِبُّونَ الصَّرَاءَ. وَصْفُهُم دَوَاءٌ وَقَوْلُهُمْ شِفَاءٌ، وَفِعْلُهُم الدَّاءُ الْعَيَاءُ. حَسَدَةُ الرَّخَاءِ، وَمُؤَكِّدُو الْبَلاءِ، وَمُقْنِطُو الرَّجَاءِ.)) (3). والعياء المرض الذي الأطباء (4). والإمام يريد بهذا التعبير بيان صفة هؤلاء المنافقين في هذا المقطع من كلامه فأقوالهم هؤلاء كأقوال الزاهدين العابدين في الموعظة والتقوى، وأفعالهم أفعال الفُسّاق الضالين من معصية اللّه تبارك وتعالى(5). وهذا هو الداء الأكبر الذي عبّر عنه الإمام بـ (الدّاء العياء). ونظير هذه الدلالة وردت في (خ/ 221).

ثالثاً : العجز عن المحاول وتحقيق المطالب.

ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق خطبته له عن الاستسقاء والطلب إلى اللّه تعالى بإنزال الغيث والرحمة. يقول الإمام : ((اللّهمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ نَشْكُو إِلَيْكَ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْكَ، حِينَ أَلْجَأَتْنَا الْمَصَابِقُ الْوَعْرَةُ، وَأَجَاءَ تْنَا الْمَقَاحِطُ الْمُجْدِبَةُ، وَأَعْيَتْنَا الْمَطَالِبُ الْمُتَعَسِّرَةُ...)) (6). وأعيَتْنا - هنا - أعجزتنا المطالب التي تعشرت علينا. ومثل هذه الدلالة وردت في (خ / 191).

نَهَكَتكُم

إشارة:

النّهك التَّنَقُّص (7). يقال : نَهكته الحُمَّى أَجْهَدْته وأنقَصَت لحمه ورُئي أثرها وأثر الهزال عليه من المرض (8). والظاهر أنّ دلالة النقص في هذه الكلمة آتية من قولهم : (نَهَكت الناقَةَ حَلْباً)، إذا أنقصتها، فلم يبق في ضَرعِهَا لبن (9).

وقد استعمل الإمام مفردات: (أَنْهَك)، (نَهكَتْكُم) و (مَنْهكَةٌ) و (النَّواهِك.). ولكل منها موضع واحد في نهج البلاغة (10)، للدلالة على ما يأتي:


1) نهج البلاغة : خ/ 96 :176.

2) نفسه : خ/ 147: 258.

3) نفسه : خ / 194 : 386. وقد نقلت كتب الغريب قول الإمام ((وفعلهم الداء العياء)). ينظر : النهاية في غريب الحديث : 334/3.

4) ينظر : النهاية في غريب الحديث : ص 3 / 334، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 3/ 738.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 3 / 738.

6) نهج البلاغة : خ/ 143 : 251.

7) ينظر : العين (نهك) : 3 / 379، ولسان العرب (نهك) : 10 / 499.

8) ينظر : العين (نهك) : 3 / 379.

9) ينظر : لسان العرب (نهك) : 10 / 499.

10) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 459.

أولاً : ضعف القوة البدنية وإنقاص العدد والعُدّة.

وهو الضعف الناتج عن الحرب واشتدادها. وقد استعمل له الإمام الفعل (نَهَكَ) المتصل بكاف الخطاب، وصيغة أفعل التفضيل (أنهك). وذلك في سياق حديثه عن حال الناس واضطرابهم في أمر الحكومة يوم (صفّين). إذ يقول : ((أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ أَمْرِي مَعَكُمْ عَلَى مَا أُحِبُّ، حَتَّى نَهَكَتْكُمُ الْحَرْبُ، وَقَدْ، وَاللّه أَخَذَت مِنْكُمْ وَتَرَكَتْ، وَهِيَ لِعَدُوِّكُمْ أَنْهَكُ))(1). وقوله (نَهَكتُكُم) أي : أضعفت قوة بدنكم، فضلاً عن إنقاص عددكم وعُدَّتِكم. ولهذا قال موضحاً كيفية الإنهاك: ((وَقدْ - واللّه - أَخَذَتْ مِنْكُم وتَركَتْ)). ولكنه أظهر لهذه الجماعة التي يخاطبها انّ (الإنهاك) الذي أصابهم، كان أقلّ من ما أصاب عدوهم. ولهذا استعمل مفردة (أنْهَك)، وهي بوزن (أفعل) التفضيل، للدلالة على شدة إنهاك الحرب للعدو حتى أجهدته. وجاء استعمالها لإظهار الفارق بين ضعف اهل العراق الذين شاركوا مع الإمام في الحرب، ومستوى الضعف الذي وصل اليه أعداؤه في العدد والعُدّة. فقد ذكر المؤرخون أنّ القتلى من أصحاب معاوية يوم (صفّين) كانوا أكثر من القتلى من أصحابه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد ذكر نصر بن مزاحم (ت 212هـ) أنّ الذين أُصيبوا بـ (صفَّيْن) من اهل الشام خمسة وأربعون الفاً، في حين أن عدد من أُصِيب من اهل العراق هم خمسة وعشرون الفا (2). وقد ذهب بعض شراح النهج إلى تفسير مفردة (نهكتكم) في كلام الإمام بـ (الإخلاق)، كأنّه يومئ إلى تشبيه حال الناس في الحرب بالثوب المُنْهَك الذي أخلقه اللبس (3). وهذه التفاتة غير بعيدة مستوحاة من الدلالة اللغوية لمفردة (أنهك)، فالإنهاك بالنسبة للإنسان أشبه (بالإخلاق) بالنسبة للثياب، فكلاهما بمنزلة البلى والتخّرق. ونظير الدلالة المتقدمة ما جاء في (ك / 53).

ثانياً : الدلالة على المُبْلِيات، وهي التي تُخْلِق جسد الميت بعد موته.

وجاءت هذه الدلالة من خلال إيراد مفردة (نَوَاهِك) التي استعملها الإمام بزنة (فَوَاعِل). يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق كلامه عن الموتى : ((هَلْ دَفَعَتِ الْأَوَقَارَبُ، أَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحِبُ، وَقَدْ غُودِرَ فِي مَحَلَّةِ الأموات رَهِيناً، وَفِي ضِيقِ الْمَضْجَعِ وَحِيداً، قَدْ هَتَكَتِ الْهَوَامُ جِلْدَتَهُ، وَأَبْلَتِ النَّوَاهِكَ جِدَّتَهُ، وَعَفَتِ الْعَوَاصِفُ آثَارَهُ وَمَحَا الْحَدَثَانُ مَعَالِمَهُ)) (4)(والنَّوَاهِك) في هذا النص هي المُنْهِكات التي تُخلق جسد الأموات وتبليه. ولهذا قال الشارح البحراني : ((أَنْهَكه : أَخْلَقَهُ وَأَبْلاَهُ)) (5). والبناء الذي استعمله الإمام لهذه المفردة هو (فَوَاعِل)، المعدود من أبنية جمع الكثرة (6). ويوحي هذا البناء بالدلالة على ثبوت النقص والهزال في الموتى بعد موتهم. فكأن هذه الكلمة (النّواهك) أبلغ من سواها في هذا السياق، لكونها تدل على ثبوت الوصف في هؤلاء، فضلاً عما تشير اليه من الكثرة والمبالغة في تعدد هذه المبليات التي تصيب الإنسان وتُخْلِق جسده، مع اشتمال ذلك على الاستمرار


1) نهج البلاغة : ح / 208 : 407، 408.

2) ينظر : وَقْعَة صفين، لنصر بن مزاحم : 558.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 14/4.

4) نهج البلاغة : خ/ 83 : 128، 129.

5) شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2 / 385.

6) ينظر: معاني الأبنية : 155.

والمداومة. وقد أشار الدارسون إلى أن (فَوَاعِل) أقرب إلى جمع الأسماء منه إلى جمع الصفات، وهو أدل على الثبوت وأقلّ فى الحركة (1). يريدون بالحركة الدلالة على التكثير والاستمرار كما يبدو. وهذه الخصائص إن لم تكن متوافرة في أغلب المفردات التي تصاغ على هذا الوزن، فأحسب أنها موجودة في مفردة (النّوَاهِك) التي استعملها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) التي يُلحظ فيها معنى الاستمرار والتجدد والتكثير في وصف حال الموتى الذين أبلت النّوَاهِك جدتهم وأخلقتهم، وهذه الفكرة تعزز الإشارة إلى عذاب القبر الذي يعرض للإنسان في قبره.

هُزَاله

إشارة:

الهُزَالَ نَقِيض السَّمن (2)، والهَزيْلَة اسم مشتق من الهزال، وهي الناقة التي أصابها الضعف وقلّة اللحم (3). يقال : أهْزَل القَوْم إذا ضَعَفت ماشِيَتهُم، فهم مَهْزُولُون (4)وأصل الهُزَالِ مأخوذ منة قلة اللحم في البدن حسبما يذكر ابن دريد (5).

وقد استعمل الإمام مفردتا (هُزَاله) بوزن (فُعَال)، مضافة إلى ضمير الغائب، و (هَزِيل) بوزن (فَعِيْل)، مرة واحدة لكل منهما في كلامه الوارد في نهج البلاغة (6)، للدلالة على ما يأتي:

اولاً : الدلالة على هزيل الحَبَّ.

وهذه الدلالة مختصة بالحَبّ الحصيد، من (القمح والشعير) وغيرها. وقد وصفها الإمام – هنا - بتعبير(هَزِيل الحبَّ)، في سياق كلامه عن فتنة بني أُميّة، التي تدوس الناس دوس الحصيد. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((... رَايَةُ ضَلالة قَدْ قَامَتْ عَلَى قُطْبِهَا، وَتَفَرَّقَتْ بِشُعَبِهَا، تَكِيلُكُمْ بصاعها. قائدها خارج عن الملة... تَعْرُكُكم عَرْك الْأَدِيمِ، وتَدُوسُكُم دَوْسَ الحَصِيدِ، وتَسْتَخلِصُ الْمُؤْمِنَ من بينكم استِخْلاصَ الطَّيْرَ الحَبَّةَ البَطِيْنَةَ مِن بَيْنِ هَزِيل الحَبِّ...)) (7). وهزيل الحبَّ هو الفارغ الذي لا مادة فيه من حُبوب الطعام، وهي (الحنطة، والشعير، والرز). ويسمى هذا الحب (بالهَزيل) عند الزُرّاع الآن بـ (الصَّنف). وأصله – في اللغة مأخوذ – فيما أحسب – من قولهم : صَنَّف الشَّجَر، بفتح الصاد، إذا بدأ يورق يصنفين، صنف قد أَوْرَقَ، وآخر لم يُورِق كما يذكر المعجميون (8). أما ما ذكره الإمام، في قوله (هَزِيلُ الحَبّ)، فهو إشارة إلى الناس من غير المؤمنين الذين ستصيبهم آثار الفتنة الأموية التي ذكرها الإمام. وقصد بقوله (الحَبّة البطينة) (المؤمنين) الذين سَيَتَتَّبِعُهم اهل الفتنة للإيقاع بهم. وقد عمد (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى هذا الضّرب من التعبير بوساطة (التشبيه)، للإبانة عن كيفية تتبع الأمويين الناس من ذوي الإيمان الراسخ، فعقد مشابهة بين استخلاص الطير للحب الممتلئ وتركه لـ (هَزِيل الحَبَّ)، وبين تتبع الفئة الضالة للمؤمنين. ووجه الشبه بين هذين الطرفين هو الدقة في الأخذ والتتبع فضلاً عن استطعام هؤلاء القضاء على المؤمنين ومحو أثرهم. وقد وظف الإمام في هذا السياق مفردة (هَزِيل)


1) ينظر: معاني الأبنية : 155.

2) ينظر : العين (هزل) : 14/4.

3) نفسه.

4) ينظر جمهرة اللغة (هزل) : 827/2.

5) نفسه.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 469.

7) نهج البلاغة :خ / 108 : 197.

8) ينظر : لسان العرب (صنف): 198/9.

بصيغة (فَعِيل)، وهي بناء من أبنية الصفة المشبهة التي تدل عند الصرفيين على ثبوت الوصف فيمن وصف بها مع لزومه ودوامه (1). كأنّ من ثبتت فيه صفة هزال العقيدة وضعف الإيمان، يكون بعيداً عن طلب الأمويين وتتبعهم، كما تكون (الحبّة الهزيلة) بعيدة عن نظر الطير وعنايته لعدم انتفاعه بها. وقد علّق الشارح البحراني على قول الإمام، ذاهباً إلى أنّه استعار لفظ (الدَّوْس) ؛ لإهانتهم وشدّة امْتِهَانِهم بالبلاء، مشبّهاً ذلك بدوس الحصيد من الحنطة وغيرها، ثم أشار إلى تتبع اهل تلك الصّلالة المؤمنين، واستقصائهم للإيقاع بهم فشبه ذلك باستخلاص الطير الحبة السمينة الممتلئة من الفارغة الهزيلة، فالطيور ترتاز بمناقيرها سمين الحَبّ من هزيله، متخلّياً عن الهزيل منه (2).

ثانياً : الدلالة على ضعف الجسم وقلة لحمه.

واستعملت هذه الدلالة في سياق حديثه عن النبي موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وزهده إذ يقول : ((وَلَقَدْ كَانَتْ خُضْرَةُ الْبَقْلِ تَرَى مِنْ شَفِيفِ صفَاقِ بَطْنِهِ، لِهَزَالِهِ وَتَشَذَّبِ لَحْمِهِ)) (3). والهُزال الذي يقصده الإمام هو ضعف جسم كليم اللّه، وقلَّة لحمه ؛ لأنه لا يُقيم للطعام والنَّهم وزناً، فيأخذ منه ما يقيم به أوده ويعينه على العبادة والتقوى، فهولم يسأل اللّه الا خبزاً يأكله. حسبما يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ). وجاء استعماله مفردة (هُزَال) بصيغة (فعال)، وهذا البناء هو من الأبنية الدالة على الأعراض والعلل والأصوات (4). كأنّه لما أراد التعبير عما في النبي (موسى) (عَلَيهِ السَّلَامُ) من زهد وعدم عناية بالأكل والشبع، جاء بمفردة (هُزَال) على البناء المتقدم، لبيان العلل والأعراض التي تبدو عليه من قلّة أكله، مع ملاحظة أنّ الإمام لم يُرد بهذه الصيغة، الدلالة على ضعف القدرة العقلية والبنية الجسمية للنبي (موسى)، كما يفهم من دلالة بناء (فعال)، وإنما أراد الإبانة عن عدم بطئته وانصرافه إلى الأكل والشرب ؛ لأنّه لم يُعنَ بطيب الطعام والشراب زهداً وورعاً.

وَصَب

الوَصَب المرض و الأوجاع (5). والوَصَب شدّة التّعب وكثرة الأوجاع مع فتور البدن ونحوله ؛ بسبب من المرض والمشقة (6). واستعمل الإمام مفردتا (وَصَب)، و (أأَوْصَاب) جمعاً على (أَفْعَال) مرة واحدة لكل منها في نهج البلاغة (7)، للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على الأمراض و التعب والنصب

وجاء ذلك في سياق كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يتحدث فيه عن الموتى وحالهم عند رجوعهم إلى بارئهم يقول : ((وَالْمَرءُ فِي سَكْرَة مُنْهِيةٌ، وَغَمْرَةٍ كَارِثَةٌ، وَأَنَّةٌ مُوجِعَة، وَجَذْبَةٌ مُكْرِبَة وَسَوْقَةٌ مُتْعِبَةٌ ثُمَّ أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ مُبْلِساً،


1) ينظر : معاني الأبنية : 74.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 513/3.

3) نهج البلاغة : خ / 160 : 282.

4) ينظر : شرح ابن عقيل : 125/3.

5) ينظر : العين (وصب) : 168/72، وتهذيب اللغة (وصب) : 12/ 178.

6) ينظر : تهذيب اللغة (وصب) : 178/12، ولسان العرب (وصب) : 797/1.

7) ينظر المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 483.

وَجُذِبَ مُنْقَاداً سَلِساً، ثُمَّ أُلْقِيَ عَلَى الأَعَوادِ رَجِيعَ وَصِبٍ، وَنِصْوَ سَقَم، تَحْمِلُهُ حَفَدَةُ الْوِلْدَانِ...)) (1). يصوّر الإمام - كما يبدو من النص - حال الميّت وانقياده إلى قبره (رَجيعَ وَصبٍ) راجعاً من سفره في الحياة الدنيا إلى حياة الإقامة الدائمة، كما ترجع الدواب من سفرها (2). ويخلّف هذا السفر تعباً ومشقة في الأبدان، ولهذا عبّر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن هذه الأوجاع والآلام الدائمة بمفردة (وَصَب)، التي تلزم البدن طول الحياة، باعتبار أن الحياة الدنيا تعب ونصب ومشقة، فضلاً عما تشتمل عليه من المعاناة التي تخلّفها أمراض الحياة. واستعمال هذه المفردة يمثل ضرباً من تأثره بمفردات القرآن الكريم، فهذه الكلمة وردت في الذكر الحكيم بدلالتين ؛ الأولى هي الدلالة على التوجّع والألم. وذلك في قوله تبارك وتعالى: (3). وأما الدلالة الثانية، فهي الدلالة على دوام الدين واستمراره حسبما يذكر الرّاغب (4)، في قوله تعالى شأنه: (وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبا أَفَغَيْرَ اللّه تَتَّقُونَ) (5). وقد أفاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) -كما يبدو - من تينك الدلالتين باستعمال المفردة المتقدمة للدلالة على استمرار الأوجاع والعلل ودوامها، فضلاً عن الدلالة على الضنك والتعب والمشقة وهذه كلّها تؤدي إلى المرض والاعتلال. وقد أفاد شُرَّاح نهج البلاغة من ذلك، فذهبوا إلى تفسير مفردة (وَصَب) بالوجع والمرض (6)، مستعينين - فيما يبدو - بالدلالة المعجمية لهذه المفردة في بيان معناها السياقي الذي ورد وقد وردت مفردات في قول الإمام تعضد المعنى وتقويه، من قبيل : (غَمَرَات الآلام) و (طَوَارِق الأوجَاعِ) و (الأَسْقَام)، و(أَنَّة مُوجِعَة). وفي سياق آخر، وردت مفردة (أَوْصَاب) بصيغة الجمع على (أَفْعَال)، في كلام الإمام عن اختيار الأنبياء واحتجاجهم على النّاس بالتَّبليغ، بأن : ((وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ: مِنْ سَقْف فَوْقَهُمْ مَرْفُوع، وَمِهَاد تَحْتَهُمْ مَوْضُوع وَمَعَايِشَ تُحْيِيهِمْ، وَآجَال تُفْنِيهِمْ، وَأَوْصَابٍ تُهْرِمُهُمْ، وَأَحْدَاث تَتَابَعُ عَلَيْهِمْ)) (7).

وقد دلّت مفردة (أَوْصَاب) على الأمراض التي تصيب الناس حتى تهرمهم. فهي ترافقهم منذ النشأة إلى آواخر أعمارهم فيتوجعون منها ألماً. ويعانون منها سهراً وحُمى وتتضمن المفردة أيضاً الدلالة على التعب والضّنك الذي يمر به المرء في حياته، بسبب مما يمر به من سوء في أحواله وأوضاعه. وهو ما يدفعني إلى عد العلل والآفات النفسية واقعة ضمن دلالة مفردة (أوْصَاب) على المرض ؛ لأن هذه العوارض النفسية، ومنها الغضب والروع والفزع والحزن من أسباب الهرم. ومن أشدّها وقوعاً هو (الهَمُّ) الذي يصاحبه الحزن والغضب. ولهذا جعل الإمام (الهَمَّ) علة لـ (الهَرَم) في قوله : ((الهَمُّ نِصْفُ الهَرَمِ)) (8). أمّا استعماله مفردة (أوْصَاب)، جمعاً على (أَفْعَال)، فقد أعان على كثرة هذه (الأوصاب) وتنوعها وتعدّدها بالنسبة إلى الإنسان الذي تتابع عليه


1) نهج البلاغة : خ / 83 : 133 : 13.

2) ينظر : لسان العرب (رجع) : 114/8.

3) الصافات / 9.

4) ينظر : مفردات الفاظ القرآن : 872.

5) النحل / 52.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 6 / 214، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 2 / 393.

7) نهج البلاغة : خ / 1 : 23.

8) نهج البلاغة : قصا / 143 : 628.

الهموم والمتاعب بشتى أنواعها، فضلاً عن دوامها واستمرارها فهذه العلل والمتاعب دائمة لازمة لا تنفك الحياة منها.

شَحِبَة

الشحوب هو تغيّر اللون بسبب من السفر أو الهزال والهم والعمل (1). وقد خُصّ الشُّحوب في الجسم بتغير اللون، فضلاً عن ضعف البدن وهزاله (2).

وجاءت مفردة (شَحِبَة) مرة واحدة في نهج البلاغة (3)، للدلالة على شُحُوبة الجَسَد وتغيُّره في مَضْجَع الموت. يقول : ((وَقَدْ عُودِرَ فِي مَحَلَّةِ الأموات رَهِيناً، وَفِي ضِيقِ الْمَضْجَعِ وَحِيداً، قَدْ هَتَكَتِ الْهَوَامُ جِلْدَتَه.. وَصَارَتِ الْأَجْسَادُ شَحِبَةً بَعْدَ بَصْتِهَا، وَالْعِظَامُ نَخِرَةً بَعْدَ قُوَّتِهَا...) (4). فالأجساد التي وصفها الإمام بـ(شَحِبَة)، هي أجساد الموتى التي فقدت نضارتها وقوتها بعدما كانت غضة طريّة ناعمة. وتبدو مفردة (شَحِبة) أملك بالسياق الذي تكلّم فيه أمير المؤمنين الذي قصد الإبانة عن ثبات التغيّر في أجساد الموتى وشدته. وهو ما يعبّر عنه باتّصاف صاحب الصّفة بها فهذه الكلمة تبين حال تلك الأجساد بعد الموت وزوال ما فيها من الحسن والغضاضة. في حين أنّه لو أتى بالمفردة المتقدمة على وزن (فَاعِل)، فقال (شَاحِبة) لما تحقق المعنى المتقدم ؛ لما في اسم الفاعل من الحدث والحدوث، وعدم الملازمة لفاعله (5). فانتهاء هذه (الأجساد) إلى الموت والهلاك، يؤكد ثبات الصفة المتقدمة فيها وملازمتها لها. ولهذا أجد ما ذهب اليه الشارح ابن أبي الحديد من دلالة لكلمة (شَحِبة) في قول الإمام، وتفسيرها بـ (الهالكة) (6). مخالف لسياق النّص الذي يتجه نحو الثبات والدوام وعدم الحدوث.

نَحيْفة

النَّحيف الضَّرِب الجسم، القليل اللحم (7). والنَّحافة الهزال (8). وقيل : بل هي قلة اللحم خلقه، وليس بسبب من الهزال (9).

ومفردة (نَحِيفَة) من مفردات نهج البلاغة التي استعملها الإمام مرة واحدة (10)، للدلالة على الأجساد الضعيفة الدقيقة التي هَزُلَت من كثرة العبادة وقلة الزاد. وذلك في سياق وصفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) المتقين الذين يقول فيهم: ((قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ، وَشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ، وَأَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةً، وَحَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ، وَأَنْفُسُهُمْ عَفيفَةً))(11). ووصفهم بنَحافَة الأجساد، للدلالة على عدم انشغالهم بالملذات والانصراف إلى تخيّر الأطعمة والأشربة، فكنَّى


1) ينظر : العين (شحب) 3 / 98، والمحكم (شحب) : 3 / 117.

2) ينظر: لسان العرب (شحب) : 1 / 484.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 235.

4) نهج البلاغة : خ/ 83 : 128، 129.

5) ينظر : معاني الأبنية 26، وما بعدها.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 6 / 206.

7) ينظر : العين (نحف) : 249/3، وتهذيب اللغة (نحف) : 5 / 72.

8) ينظر : لسان العرب (نحف) : 324/9.

9) المحكم (نحف) : 383/3.

10) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 436.

11) نهج البلاغة : خ / 193 : 381.

عن زهدهم بمفردة (نَحِيفة) ؛ لأنهم إنما ((عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذِّبُونَ)) (1). فرقضُوا أنفسهم رياضة، ووضعوا لها منهجاً يوصلهم إلى رضا اللّه تبارك وتعالى. ولهذا شغلتهم العبادة والخوف من المعصية عن الأكل الذي يلهيهم عن الطاعة فـ ((قَدْ بَرَاهُمْ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ، يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ الْنَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى، وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضِ ...)) (2). وذلك هو سبب ضعفهم ونحافة أجسادهم. وبهذا يكون الإمام قد وسّع من دلالة المفردة المتقدمة، فضمنها الدلالة على الزهد والورع، فضلاً عن التقوى ؛ لأن نحافة أجسادهم كانت بسبب من هذه الخصال التي يتميزون بها. وبهذا تكون لفظة (نَحِيفة) - في هذا السياق - دالة على التغير في الجسم وتحوله من حال الامتلاء إلى حال أخرى علامتها قلّة اللحم وهزال الجسم وانصرافه عن تخيّر الأطعمة والاشربة.


1) نفسه.

2) نفسه: 382.

المبحث الثالث: ألفاظ علل النطق ومتعلقاتها

بَكْمَاء

إشارة:

الأَبْكَم الأَخَرْس الذي لا يتكلّم (1)، ويقال للمُمْتَنِع من الكلام جَهْلاً أو تعمّداً إنه بكم عنه(2). وقيل : الأبكم هو الذي كان أخرساً من ولادته (3). وذهب بعض اللغويين إلى عدَّ (البكم) عاماً يشمل فقد حواس الإنسان جميعاً من نطق وسمع وبصر (4). وفرّق الأزهري بين (الأخْرَس والأبْكَم)، فالأخرس هو الذي خُلِق ولا نُطق له، كالبهيمة العجماء، في حين أن الأبكم هو الذي للسانه نُطق، ولكنه لا يَعْقِل الجواب(5). وهذه الصفة تعني (العِيَّ) عندهم. والعَيِيُّ هو الأَقْطَعُ الأبكم اللسان (6).

ووردت مفردات (تُبكُم) و (بَكْماء)، و (بكم) في نهج البلاغة، وكان نصيب كل واحدة منها الاستعمال مرّة واحدة (7). إلا مفردة (بُكْم) بصيغة الجمع على (فعل) التي استعملها الإمام مرتين (8). وجاءت هذه المفردات للدلالة على ما يأتي :

اولاً : الدلالة على العِيّ، وهو السكوت والامتناع عن الكلام

وهذه الدلالة التي جاءت بها مفردة (تُبكم) تعني أنّ جميع الخلق من البشر سي بكمون ولا يقدرون على الإفصاح والإبانة يوم القيامة. وجاء ذلك في سياق حديثه عن يوم القيامة الذي يُفلح فيه المُتَّقون في يوم تشخص فيه الأبصار (9): ((ويُنْفَخُ فِي الصُّوْرِ فَتَزْهَقُ كُلُّ مُهْجَةٍ، وَتَبْكَمُ كُلُّ لَهْجةٍ ...)) (10). و يعجز في هذا اليوم كل فصيح عن الكلام بحضرة البارئ جل جلاله، ولاسيما أولئك الذين باعوا آخرتهم بدنياهم. فاستعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) جملة (تَبْكَمُ كَلٌّ لَهْجَةٍ)، لإظهار هذا المعنى فتعبير (كلُ لهجة) إشارة الى تعدد لغات العالم والمتكلمين بها الذين (سَتُبْكَمُ) السنَتِهم عن الكلام بهذه اللّهجات التي يتكلمون بها. ومما يُلفت النظر استعماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة لهجة، للدلالة على الناطقين المتحدثين من إنَّس وغيرهم، فضلاً عن اللّهجة نفسها التي ستكون غير قادرة على إعانة المتكلمين بها أو تمكينهم من استعمالها. ولهذا قال الإمام : (وتَبْكَمُ كلُ لَهْجَةٍ)، فجعل اللّهجة هي الفاعل في الكلام وليس الناطقين بها في إشارة الى كونها هي التي تعيا عن النطق وأداء الجواب. والمراد باللّهجة


1) ينظر : العين (بكم) : 5 / 387.

2) نفسه.

3) ينظر : لسان العرب (بكم) : 53/12.

4) ينظر : المحكم (بكم) : 72/7.

5) ينظر : تهذيب اللغة (بكم) : 10 / 163.

6) نفسه.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 60.

8) نفسه.

9) اشارة الى قوله تعالى : (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللّه غَفَلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ) إبراهيم / 42.

10) نهج البلاغة : خ / 195 : 390.

هنا - هي اللُغَة التي جُبِل عليها النّاس، فاعتادها ونشأ عليها (1). و مال بعض شُرَّاح نهج البلاغة الى تفسير مفردة (تَبْكَمُ) بـ (تَخْرس) (2). مستفيداً - فيما يبدو - من الدلالة المعجمية لمفردة (بكم).

ثانياً : الدلالة على عدم الفهم والعقل

وهذه الدلالة قرآنية المنشأ عند الإمام، إذ اختارها من أساليب القرآن الكريم. ويمكن لحاظ هذا التأثير في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق الدم : ((ما لي أَرَاكُمْ أَشْبَاحاً بِلا أَرْوَاحٍ، وَأَرْوَاحاً بِلا أَسْبَاحٍ، وَنُسَاكاً بِلَا صَلَاحٍ، وَتُجَّاراً بِلاَ أَرْبَاحٍ، وَأَيْقَاطاً نُوْماً،...وَنَاظِرَةً عُمْيَاءَ، وَسَامِعَةً صَمَّاءَ، وَنَاطِقَةً بَكْماء !...)) (3). ويصف (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الطائفة من الناس بالصفات المتضادة في ظاهرها، المجتمعة فيهم في حقيقة الأمر (4). فذكر منها صفتي (النّطق والبكم)، فضلاً عن اجتماع النُسْك فيهم من دون الصلاح، وهو بهذا يؤكد عدم إفادتهم من هذه الجوارح ؛ فهم من الأحياء (الناطقة) التي لا تعي ولا تعقل، شأنهم في ذلك شأن كل ما نطق من الحيوان (5). فلا فائدة في نُطْقِهم ؛ لأنهم يتحدثون بما لا قيمة له من الكلام. وإنّما وصفوا بهذه الأوصاف، لعدم ترتب آثارها عليهم فإنهم يسمعون بآذانهم دون أن يحصل فيهم أثر من سمعهم هذا الذي ينبغي أن يكون سمعاً واعياً مفيداً وينطقون بألسنتهم، ولكنهم بكم المشاعر والأحاسيس (6). وبالعودة الى استعمالات القرآن الكريم، نلحظ أنّ المعنى الذي قصد اليه الإمام يتفق مع قوله تعالى : ((مَثلُ الذَّيْنَ كَفَرُوا كَمَثلِ الَّذِي يَنْعَقَ بما لا يَسْمْع الاّ دُعَاءً ونِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهَمُ لاَ يُعقِلُون)) (7). ونفي العقل عنهم هو تفسير لفقدانهم تلك الحواس التي مَتَّعَهم اللّه بها، لكن دون توظيف صحيح لها. وثمة دلالة استعملها الإمام - هنا - وهي توظيفه أسلوب الالتفات، وهو الأساليب البلاغية التي ينقل فيها الخطاب من الحضور الى الغيبة وبالعكس (8). فعدل (عَلَيهِ السَّلَامُ) من خطاب من الجمع المذكر في قوله (أشباحاً، ونُساكاً، وتجاراً، وأيقاظاً، وشُهُوداً) الى خطاب المفردة المؤنثة، في قوله (نَاظِرة عَمياء، وسَامِعَة صَمّاء، ونَاطِقَة بَكْمَاء)، لأنه قصد بذلك معنى الجماعة أو الطائفة، فضلاً عن التَّفنُّن في الصياغة (9). ويبدو لي أنه عدل في خطابه ؛ لأنّه قصد بذلك وصف جوارحهم بالأوصاف المتقدمة، وهو ما دفع الى الانتقال من الجمع المذكر الى المفرد المؤنث، كأنّه يومئ الى أنّ عيونهم وقلوبهم وآذانهم وألسِنَتِهم بعيدة عن الحق والصواب الذي ينبغي أن تكون عليه هذه الجوارح. فكأن هذه الأبصار ناظرة العيون، ولكنّها عمياء البصيرة، وسامعة الآذان، ولكنهم صُمّ القلوب، وناطقة الألسن بكماء المشاعر، فاستعار لهم الفاظ


1) ينظر : لسان العرب (لهج) : 2 /359.

2) ينظر نهج البراعة : 18/12.

3) نهج البلاغة : خ/ 108 : 196.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 3 / 34.

5) ينظر في دلالة مادة (نطق) لسان العرب (نطق) : 10 / 354.

6) ينظر : منهاج البراعة : 240/7.

7) البقرة / 171 وينظر : الأنعام / 39.

8) ينظر: التعريفات للشريف الجرجاني: 10/1.

9) ينظر : بهج الصباغة : 56/9.

العمى والصمم والبكم مع وصفهم بأضدادها، إشارة الى بيان تقصيرهم وقصور نظرهم في آيات اللّه وسماع ندائه وكلامه (1).

ومما يمكن به تسويغ الإنتقال في الخطاب التوطئة للحديث عن (الفِتْنَة) التي قدّم لها الإمام بقوله : ((رَايَةُ ضَلالة قَدْ قَامَتْ عَلَى قُطْبِهَا، وَتَفَرَّقَتْ بِشُعَبِهَا ...)) (2). و مفردة (الفتنة) وصفاتها التي ذكرها (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الألفاظ المؤنثة ومن خلال الجمع بين قوله: ((نَاظِرة عَمْياء، وسَامِعَة صَمّاء، ونَاطِقَة بَكْمَاء). وقوله (رَايَةً ضَلالٍ ...) يصبح المعنى، أنكم مع وجود هذه الحواس فيكم، فإنكم غير منتفعين بها، فتُبِصْرُون (راية الضلال) التي قامت على قُطبها، وتتبعونها على مع ما فيها من ضلال، ولا تُبِصْرُون راية الحق، و الأشد من ذلك أنَّكم تسمعون لقائد هذه الراية الضالة وتجيبونه الى ضلاله، و تَبْكُمون ألْسِنَتِكُم عن إجابة صاحب الحَقَّ و، هو الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ، فـ((أَيْنَ تَذْهَبُ بِكُمُ الْمَذَاهِبُ، وَتَيهُ بِكُمُ الْغَيَاهِبُ، وَتَخْدَعْكُمُ الْكَوَاذِبُ؟ وَمِنْ أَيْنَ تُؤْتَوْنَ، وَأَنَّى تُؤْفَكُون...، فَاسْتَمِعُوا مِنْ رَبَّانِيِّكُمْ، وَأَحْضِرُوهُ قُلُوبَكُمْ، واسْتَيْقِظُوا إِنْ هَتَفَ بِكُمْ...)) (3). وثَمة دلالتان شبيهتان بالدلالة المتقدمة وردتا في (خ/ 97، خ 108).

خَرَسُوا

الخَرَس ذهاب الكلام خِلقة أوعِيّاً.(4). والأخرس هو الذي لا صوت له (5). ومنه قولهم : كتيبة خَرْسَاء وهي التي لا يسمع لها صوت ولا جَلَبة (6).

وقد وردت الفاظ (خَرسُوا) و (يُخْرِس)، و (خُرْساً) و (مُخْرَسُون) في نهج البلاغة مرة واحدة لكل مفردة منها (7)، للدلالة على العِيّ وعدم القدرة على الكلام. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق ذم الفقر وما يفعله بالناس : ((... والفَقْرُ يُخْرِسُ الفَطِن (8)عن حُجَّته ..)) (9). فلمّا كان (الفَقْر) عاملاً في عدم انتباه الإنسان، ومقدرته على التبصر في الأمور ؛ بسبب من انشغال الفقير بلوازم عيشه وحاجاته الضرورية، لهذا وصفه الإمام بأنّه (يُخْرِس) النَّبِه من الناس عن بيان حُجَّته. لكونه يذل المرء ويؤثر في قدراته العقلية والذهنية ويجعله منشغلاً في كيفية تحصيل قوته وقوت عياله. فوظف الإمام المفردة المتقدمة (للفَطِن) من الناس الذي يصيبه (الفقر) (والإقلال) في عيشه، بلحاظ الشبه بينه وبين (الأخرس) في عدم القدرة على الإبانة والإفصاح عن حجته (10).

وقد استعملت مفردات (خَرَسوا) و (خرساً) و (مُخْرَسُون) بالدلالة على العي وعدم المقدرة على الكلام في (خ / 119، 221).


1) ينظر : منهاج البراعة : 240/7.

2) نهج البلاغة : خ 108 : 197.

3) نفسه.

4) ينظر : العين (خرس) : 195/4، والمحكم (خرس) : 73/5.

5) نفسهما.

6) نفسهما.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 135.

8) الفَطِن الفهمُ. ينظر : لسان العرب (فطن) : 323/13.

9) نهج البلاغة : قصا /3 : 599.

10) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 392/5.

مُتَعْتِع

إشارة:

التعتع والتّعتَعَة الفَأفَأة (1). وهي صفة في الكلام تعني التردُّدُ فيه، بسبب من الحَصرِ والعِيَّ (2). وهذا التلكؤ في الكلام مأخوذ أصلاً من تردد الدابة وعدم قدرتها على السير في الرّمل. يقال : تَعْتَع البعِير وغيره من الدواب، إذا سَاخ في وُعُوثَة الرَّمال (3). وقد أخذ هذا الوجه من التَّعَثّر، فوصف به الكلام الذي لا يقدر عليه صاحبه وذلك بأن يَعْيًا بكلامه ويتردد (4). واتَّسَع هذا المعنى الذي تدل عليه المفردة، فصار يستعمل في وصف وصف من يقع في تخبُّطٍ أو وَحْل. يقال : وَقَع القوم في تَعَاتِع، وذلك إذا وَقَعوا في أراجِيف وتَخْلِيطِ (5).

وجاءت مفردة (مُتَعْتِع) بصيغة اسم الفاعل في نهج البلاغة في موضعين، في حين وردت لفظة (تَعْتَعُوا) مرة واحدة (6). ويفهم من السياقات التي وردت منها هذه المفردات انها تدل على ما يأتي :

أولاً : الدلالة على التردد والتَّعَثُر في الكلام بسبب من الخوف.

وقد افاد الإمام من السياق النبوي في توظيف مفردة (مُتَتَعْتِع) بصيغة اسم الفاعل في كلامه، لغرض إبانة دلالة التردد والتلكؤ في الكلام. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كتابه الى (مالك الأشتر) : ((وَاجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ، وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامًا، فَتَتَواضَعُ فِيهِ اللّه الَّذِي خَلَقَكَ، وَتَقعِد عَنْهُم جُنْدَكَ وَأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَشُرَطِكَ، حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غير مُتَعْتِعٍ)) (7). ومن خلال السياق تبدو دلالة التلكؤ في الكلام عند مخاطبة الوالي بسبب من الخوف من سُلطته وسطوة حرّاسه وشُرطه، وليس بسبب من العي وعدم الإفصاح. ويحتج الإمام في صياغة التعبير الأخير من هذا المقطع الذي ضمنه مفردة (مُتَتَعْتِع) بما ورد عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في هذا الشأن، إذ يقول : ((فإني سَمِعْتُ رَسُولَ اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يَقُولُ في غير مَوْطِنٍ : ((لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةً لا يُؤْخَذُ ِللصَعِيْفِ فيها حَقَّهُ من القَوِيَّ غَيْرَ مُتَتَعْتِع)) (8)...)) (9). وأمّا دلالة المفردة في حديث النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، فقد أبان عنها المصنّفون في (غريب الحديث)، فذهبوا الى دلالتها على عدم القلق والإزعاج حين التكلّم، والتَّظلُّم عند الحاكم (10). وتحمل المفردة المتقدمة - أيضاً - الدلالة على التردّد والاضطراب في الكلام نتيجة للعي والخوف الذي يصيب الضعيف من الناس (11). أقول : وهذه الدلالة ليست بعيدة عمّا عليه في كلام الإمام، لتقارب السياقين من جهة، فضلاً عن كونه أخذ اللفظة المتقدمة من كلام


1) ينظر : تهذيب اللغة (عت) : 73/1.

2) نفسه.

3) ينظر : تهذيب اللغة (عت : 73/1، ولسان العرب (تعع) : 35/8.

4) ينظر : لسان العرب (تعع) : 35/8.

5) نفسه.

6) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 73.

7) نهج البلاغة : ك / 53 : 562.

8) السنن الكبرى، للبيهقي : 93/10، وفيها : ((إنّ اللّه لا يقدّس أمةً، لا يأخذ الضعيف حقه من القوي، وهو غير متعتع)). وينظر : مسند أبي يعلى : 344/2، والنهاية في غريب الحديث : 1/ 190، والديباج الوضي : 2577/5.

9) نهج البلاغة : ك / 53 : 562.

10) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 190/1.

11) شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 68/17.

النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، فالمُتَتَعْتِع - عند الإمام - هو الذي يُزعج ويُقْلَق (1). خوفاً على حاجته ونفسه من من الحاكم وأحراسه. وربما يكون الخوف والقلق النفسي الذي يصيب هؤلاء راجع الى حرصهم على عدم الفشل في الكشف عن حوائجهم وطلباتهم، فتصيبهم الدهشة والتردد وعدم القدرة على الكلام. وقد آثر بعض شرّاح النهج الركون الى الدلالة اللغوية في تفسير مفردة (مُتَتَعْتِع) عند الإمام، فجعلها منحصرة في التردد الحاصل من حصر أو عِيّ (2).

ثانياً : الدلالة على عدم الافصاح والإبانة عن المراد

وهذه الدلالة متعلقة بعدم قدرة المتكلم على أن يكون بليغاً فصيحاً لسناً وموجزاً في قوله. وهذه الدلالة - عندي - أخص من انعدام القدرة على التكلّم والتلكؤ والتّعثّر فى الكلام عند شروعهم في الحديث، أو خوفهم من السلطان وأعوانه. في حين أنّ الخلل في صياغة النصوص أو التكلم بفصيح الكلام، أمر خاص مُتعلّق بالإحاطة بقواعد اللغة وقوانينها. وبالعودة الى النص الذي استعملت فيه مفردة (تَعْتَعُوا)، يُلحظ أنّها استعملت بالدلالة المتقدمة نفسها. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق ذكر فضائله على غيره من الناس : ((فَقُمْتُ بِالْأَمْرِ حِينَ فَشِلُوا.... ونَطَقْتُ حِينَ تَعْتَعُوا، وَمَضَيْتُ بِنُورِ اللّه حِينَ وَقَفُوا، ومَضَيتُ بِنُورِ اللّه حِينَ وقَفُوا، وَكُنْتُ أَخْفَضَهُمْ صَوْتاً، وأَعْلاهُم فَوتاً...)) (3). وفي ضوء إيحاءات هذا النص. أقول : إنّ غرض الإمام في إنشاء هذه الخطبة الخطبة بيان فضله ومنزلته، فمال بمفردة (تَعتَعوا) الى عدم قدرة غيره على الإفصاح والمنطق السليم من الإبانة عن المعاني وعلو اللغة. وذلك عندي رهن بالثنائيات التي صنعتها للتفرقة بين مواقفه، ومواقف غيره ممن هم دونه شرفاً ومنزلة وسابقة الى الإسلام والدفاع عنه، فاستعمل لفظة (نَطَقْتُ) المتصلة بضمير المتكلم، وقابلها بمفردة (تَعْتَعُوا) التي جعلها ضداً لها. ولو رجعنا الى الدلالة المعجميّة لمفردة (نَطَقْت) ؛ لوجدنا أنّها تدل على المِنْطِيْقِ البَليْغ من الناس (4). وهذا هو المعنى الذي قصد اليه الإمام في قوله (نَطَقْت). يريد نَطَقْت بالحق بليغاً بليغاً مُفصِحاً، ولكنّكُم تعتعتم، وأصابكم العِيّ وعدم الإبانة والفصاحة في القول، لأنكم ركبتم الباطل وجانبتم الحق.

أَثْرَم

الثَّرَم انكسار سِن من الأسنان، ولا يكون إلا من الأسنان المتقدمة مثل الثنايا والرباعيات (5). وقيل: بل الثَّرم هو انكسار السَّنَّ من أصلها، ومنها الثنايا التي وُصف الثَّرَم بأنّه انكسارها خاصة دون بقية الأسنان (6).

وقد استعمل الإمام مفردة (أثْرم) مرّة واحدة في نهج البلاغة (7). في وصف (البُرْج بن مُسْهِرٍ الطَّائي) من من الخوارج (8)، لما خاطب الإمام بـ (صفّين) قائلاً (لا حُكم الا للّهِ). فقال له الإمام : ((اسْكُتْ قَبَحَكَ اللّه


1) شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 68/17.

2) ينظر : الديباج الوضي : 2076/5، ومع نهج البلاغة : 94.

3) نهج البلاغة : خ / 37 : 80.

4) ينظر لسان العرب (نطق) : 216/2.

5) ينظر : جمهرة اللغة (ثرم) : 1 / 423.

6) ينظر : لسان العرب (ثرم) : 12 / 76.

7) ينظر : معجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 75.

8) هو البُرْج - بالباء المضمومة، والمُسهر - بضم الميم وكسر الهاء -. بن جلاس بن الأرث الطائي، أحد بني جديلة من جديلة طيّئ. شاعر معمّر من معمّري الجاهلية، كانت إقامته في ديارهم بنجد وهو من شعراء الخوارج الذين نقل عنهم أبو تمام أبياتاً من شعرهم. وقد نادى بشعار الخوارج، بحيث يسمعه الإمام، فزجره (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ينظر: شرح ديوان الحماسة، للخطيب التبريزي : 1 / 186، والأعلام للزركلي : 47/2، ونهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 103/10، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 726/3.

يَا أَثْرَمُ، فَوَاللّه لَقَدْ ظَهَرَ الْحَقُّ فَكُنْتَ فِيهِ صَئِيلاً شَخْصُكَ، خَفِيّاً صَوْتُكَ...)) (1). والنص في ذمّ هذا الرجل بذكر صفة من صفاته، وهي (الثرم)، وهي (الثَّرم)، فقد كان البرْج ساقط الثنيّة)، فقد كان البزج ساقط الثنية (2). فأهانه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأن دعاه بها كما يُهان الاعور بأن يقال له يا أعور (3). يريد بذلك تمييز هذا النفر من الناس عمّن سواه، بذكر الصفة التي تميّزه فضلاً عن وصفه بضآلة شخصه وخفاء صوته تعريضاً به في عدم الالتفات الى أقواله وحقارته، فكأنه برز دون شرف أو شجاعة أو قِدَم كما يطلع قَرْن الماعِز. وهذا من البلاغة بمكان، فمن البليغ، تشبيه مَن يُراد إهانَتَه بما كان مهيناً حقيراً من الأوصاف، وتشبيه مَن يُراد تعظيمه بالعظيم الخطير على حد قول الشارح البحراني (4).

عَقَابِيل

العُقْبول ما يَبثُر بالشفتين، بسبب من الحُمَّى، وواحدتها عُقْبُولة (5). وقيل بل هي قُرُوحٍ صِغار تَخرج بالشَّفَة من بقايا المرض أو العشق أو العداوة والبغضاء (6).

وقد وردت لفظة (عَقَابِيْل) جمعاً على (فَعَالِيْل) مرّة واحدة في نهج البلاغة (7). دالة على الصعاب والمَشَقَّة في تَحَمّل الفاقة وآثارها التي تخلّفها على الإنسان من تعب وجهدٍ. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق الحديث عن الأرزاق وتقديرها : ((وَقَدَّرَ الأَرْزَاقَ فَكَثَّرَهَا وَقَلَّلَهَا، وَقَسَّمَهَا عَلَى الصّيقِ والسَّعَةِ... ثُمَّ قَرَنَ بِسَعَتِهَا عَقَابِيلَ فَاقَتِهَا، وَبِسَلَامَتِهَا طَوَارِقَ آفَاتِهَا، وَبِفْرَج أَفْرَاحِهَا غُصَصَ أَتْرَاحِهَا)) (8). والعَقَابِيل جمع عُقْبول، وأصلها القروح التي تخرج على الشفاه من بقايا الأمراض والعلل. وقد وسّع الإمام من دلالة هذه المفردة، مضفياً عليها الدلالة المشقة والفاقة التي تخلفها آثار العوز وهي جزء من أحوال العيش في الحياة الدنيا ؛ لأنّ اللّه تبارك وتعالى قسّم الأرزاق وقدّرها ضيقاً وسَعَة، فمن وَسِع عليه رزقه أنفق من سَعَته كما يقول اللّه جل جلاله في الآية المباركة : (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (9). وهذا المعنى القرآني صاغ منه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قولته المتقدمة، ليظهر أنّ اليُسر والعُسر كلاهما ابتلاء لأجل بيان شكر غنيها وصبر فقيرها، ومن ثُمّ قابل الإمام بين الأضداد، فجعل (عَقَابِيل) الفاقة


1) نهج البلاغة : خ / 184 : 337.

2) نفسه.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 103/10.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة : (البحراني) : 726/3.

5) ينظر : العين (عقبل) : 301/2.

6) ينظر : لسان العرب (عقبل) : 466/11.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 311.

8) نهج البلاغة : خ / 91 : 165. وقد نقلت المدونات اللغوية كلمة الإمام المتقدمة تضمنت لفظة (عَقَابيل). ينظر : النهاية في غريب حديث : 3 / 269، ولسان العرب (عقبل) : 11/ 466.

9) الطلاق / 7.

ملازماً للسّعَة. وطوارق الآفات نقيضاً للسّلامة. وقد ذهب المصنفون في (غريب الحديث) وبعض شرّاح النهج الى تفسير مفردة (عَقَابِيل) في قول الإمام بالدلالة على آثار المرض (1).

ويبدو أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قصد من توظيف الكلمة المتقدمة الدلالة على الآثار التي تتركها وتخلّفها (العقابِيل) في الإنسان عند العلة، ولاسيما في (شفتيه) من أثر الحمّى وغيرها، فتبدو كأنها حلاً وقروح مؤلمة. ولما كان سياق الكلام يتحدث عن الأرزاق وتقسيمها على الناس من جهة الكثرة والقلة اختباراً للناس بالشكر والصبّر، لهذا جعل الإمام مفردة (عَقَابِيل) في قبالة (العُسر والضّيق والفاقة) التي تعرض للإنسان، حتى تبدو عليه علامات الأذى والعلة الناتجة من شدائد الأمور وسوئها، فصور العواقب التي تعرض للمرء بصورة (العقابيل) التي تظهر على آثارها على الشفتين عند الحمّى، بوصفها علامة من علامات السقم والمرض. وثمة قضية أخرى تتميز بها هذه المفردة، وهو إيحاؤها الصوتي الذي يناسب دلالتها المعجمية، فاجتماع صوتي (العين والقاف) فيها. وهذان الحرفان إذا اجتمعا في كلمة أضافا عليها حُسْناً وقوّة، نظراً لنصاعة (العين) ولذاذة مَسْمعها، وقؤة (القاف) وصحة جرسها على حد تعبير ابن جني (2). والجمع بين هذين الصوتين يناسب دلالتها على الشدة والقوّة فضلاً عن الدلالة على صعوبة الحال وسوء العقبة وشدتها.


1) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 3 / 269، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 8 / 19، والديباج الوضي : 2/ 745.

2) ينظر : سر صناعة الإعراب : 1 / 65.

المبحث الرابع: ألفاظ أدوات العلاج

حَدِيْدة

يذكر اللغويون (الحديد) في مصنفاتهم، وهو عندهم جوهر معروف منيع القطع واحدته حديدة (1). وصاحبه الحدّاد المشتغل به (2)وأصل اللفظ مأخوذ من (الحَدَّ). وأصل اللفظ مأخوذ من (الحَدَّ)، وهو المَنْع، فيُسمّى السَجَّانُ حَدّاداً ؛ لأنَّه يمنع المسجون عن الحركة (3).

وقد وردت لفظة (حديدة) مرتين في نهج البلاغة (4)للدلالة على الحديد المعروف الذي يُصنع منه (المِوْسَم) الذي يُكوى به المريض عن اعتلاله، وتُوسَم به الحيوانات. واستعمل الإمام هذه المفردة في سياق حديثه عن زهده وورعه، وموقفه مع أخيه (عقيل ابن أبي طالب) الذي يقول في إملاقه : ((وَاللّه لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلاً وَقَدْ أَمْلَقَ، حَتَّى اسْتمَاحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً، وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ الشُّعُورِ، غَيْرِ الأَلْوَانِ مِنْ فَقْرِهِمْ... فَأَحْمَيْتُ لَهُ حَدِيدَةً، ثُمَّ أَدْنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا، فَضَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَفْ مِنْ أَلْمِهَا، وَكَادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيسَمِهَا، فَقُلْتُ لَهُ : ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ يَا عَقِيلُ : أَتَئِنُّ مِنْ حَدِيدَة أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلْعِبه، وَتَجُرُّنِي إِلَى نَارِ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ! أَتَئِنُّ مِنَ الأَذَى وَلاَ أَئِنَّ مِنْ لَظئ ؟)) (5). والحديدة التي أحماها (عليه السلام) كانت بداعي الاختبار والاعتبار. فقد أراده أن يعتبر بها من نار الآخرة.متَّخِذاً. منها وسيلة لمداواة علل النفس وأمراضها التي لا تبرأ الا بالكَيّ، شأنها في ذلك شأن الأمراض التي تحتاج الى استعمال المكواة في إيرائها. فمع كل ما يصاحب هذه الأداة من ألم وأذى عند استعمالها، فهي وسيلة للعلاج الموجع الذي يراد منه إبراء المريض من علته.

مَيْسَمِها

الوَسْم أثر الكَيّ (6). وبَعِير مَوْسُوم بسِمة يُعرف بها من قطع أذن أو كي (7). ويقال لأداة الوَسْمِ (الميسم)، وهي المكواة التي يُوسم بها، وجمعها مَوَاسِم (8)، أو مَيَاسِم (9). وأصله (مِوْسَم)، فقُلبت الواو ياء مراعاة لكسرة الميم (10).

واستعمل الإمام مفردتا (مَيْسَمِها)، و (مَوَاسِم) مرة واحدة لكل منها في نهج البلاغة (11)، للدلالة على الأدوات التي تستعمل في الكَيَّ، بوصفه طريقة من طرائق العلاج. ومن ذلك قوله (عليه السلام) في وصف النبيّ


1) ينظر : العين (حدد) : 3/ 19، 20، والمحكم (حدد) : 504/2.

2) ينظر : العين (حدد) : 3 / 19، 20.

3) ينظر : جمهرة اللغة (حدد) : 95/1.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 5104.

5) نهج البلاغة : خ/ 22 : 437، 438.

6) ينظر : العين (وسم) : 321/7.

7) ينظر : العين (وسم) : 321/7، وتهذيب اللغة (وسم) : 13 / 77.

8) نفسهما.

9) ينظر : لسان العرب (وسم) : 12 / 635.

10) نفسه.

11) ينظر المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 483.

الأكرم: ((طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبّهِ، قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ، وَأَمْضى مَوَاسِمَهُ، يَضَعُ من ذلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ...)) (1). وذلك أنه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يعرف متى يستعمل (مَرَاهِمه) ومع أيّ شخص، فضلاً عن معرفته طريقة الإبراء بهذه (المَوَاسِم)، وهي الأدوات التي تُحمى لمداواة وكيّها. فَثَمَّة من تكون حاله بحاجة الى هذه (المَواسِم)، أي الى أساليب العقاب والشدَّة دون اللين، حتّى يعود الى رُشْده وسبيله. وهناك من يكون بحاجة الى ما هو أخفّ من هذه السُبُل في إعادته الى الصواب فكأنّه (عليه السلام) نقل المفردات المتقدمة من دلالتها المعروفة الى الدلالة على الطرائق التي يتَّخِذها النبي الأكرم في ترغيب الناس وهدايتهم الى اللّه تبارك وتعالى فأما من كان مكنهم عاصياً ضالاً عن سواء السبيل، فاتخاذ الترهيب لازم معه حينئذٍ.

أمّا مفردة (مِيْسمها)، فقد جرى استعمالها في قوله : ((وَاللّه لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلاً وَقَدْ أَمْلَقَ حَتَّى اسْتمَاحَنِي مِنْ بُرْكُمْ... صَاعاً، وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ الشُّعُورِ، غَيْرَ الْأَلْوَانِ، مِنْ فَقْرِهِمْ، كَأَنَّمَا سُوّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ، وَعَاوَدَنِي مُؤَكِّداً، وَكَرَّرَ عَلَيَّ الْقَوْلَ مُرَدّداً... فَأَحْمَيْتُ لَهُ حَدِيدَةً، ثُمَّ أَدْنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا، فَضَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَفْ مِنْ أَلْمِهَا، وَكَادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيسَمِها...)) (2). وزهده (عليه السلام)، واجتنابه التصرف بأموال المسلمين، هو الذي دفعه الى القيام بالرّد على (عقيل) بالطريقة التي يذكرها، مع كونه من المُملِقِين بحسب وصف الإمام له بيت المال، بوصفه واحداً من الرّعية الذين يستحقون العطاء لاسيّما وأنه من الفقراء المملقين. لكنّ الإمام أحمى له تلك الحديدة التي كاد يحترق من لظاها وهو لما يَسِمُه بها، وإنّما أدناها منه فحسب، فآذاه مِیسَمُها بسبب قربها، قاصداً بذلك - فيما يبدو - تعليم النّاس أنّ التّصرّف بأموال الدولة ليس بالأمر الهين، والأخذ منها يوجب غضب اللّه تبارك وتعالى، ولاسيما إذا كان ذلك على جهة المحاباة والحظوة، بأن يؤخذ من هذه الأموال ما يراد به تقريب الناس الى الحكام محاباة وأثرة، وبخاصة إذا كان الطرف المُعطى فقيراً ضعيف الحال، فيستغل القائمون على الحكم ضعفه وجوع عياله لتسخيره الى غايات دنيئة كأن يجعل من هذا النوع من الناس جواسيس ورقباء على المؤمنين، فيوجب ذلك غضب اللّه تبارك وتعالى، ويلقى القائمون بذلك في نار الآخرة التي يسجرها الجبار لهذا النوع من الأمناء على أموال المسلمين. ويفهم من كلام شُرّاح النّهج أن الإمام قرب هذا الميسم من يد أخيه حتّى بانّ موضع أثرها في يده (3).

مَرَاهمه

المَرْهَم عند اللغويين - ألين ما يكون من الدواء الذي يُضمَّد به الجراح (4). يقال مَرْهَمْت الجراح إذا طليته بالمَرْهم (5).

وجاءت مفردة (مَرَاهِمه) في نهج البلاغة مرة واحدة (6). بصيغة الجمع على (مَفَاعِل) مضافة الى ضمير الغائب، للدلالة على الأدوية التي يُعالج بها النبي (صلى اللّه عليه وآله) مرضاه، وهم مرضى العقول والقلوب


1) نهج البلاغة : خ / 196:108.

2) نفسه : خ / 224 خ / 224 : 437، 438.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 189/11.

4) ينظر : العين (مرهم) : 4 / 128، ولسان العرب (مرهم) : 12 / 559.

5) ينظر : تهذيب اللغة (مرهم) : 283/6.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 195.

. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : (طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبّهِ، قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ، وَأَمْضى مَوَاسِمَهُ، يَضَعُ من ذلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، مِنْ قُلُوب عُمْيِ، وَآذَان صُمّ، وَأَلْسِنَة بُكْم؛ مُتَتَبَّعْ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ)) (1). يصف النّص النبيَّ بـ(الطيب) ؛ على أساس أنّه بُعِث لمعالجة الحال التي كان الناس عليها في جاهليتهم، فجعله (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمنزلة الطبيب، لما يقدمه من إعانة في في علاج الناس وإبرائهم، ويكون على يديه إخراجهم من السقم الى الصحة. فناسب ذلك استعماله مفرده (مَرَاهِمه) التي تناسب صفة (الطَّبيب)، الذي ينبغي عليه إحكام صنعته وتهيئة لوازم العلاج وإحكامها، فضلاً عن ضبط مقاديرها وتراكيبها لتكون نتائجها ذات أثر في إبراء المرضى وشفائهم. وهو ما تفيده مفردة (مَرَهم) التي تذكر المدونات الطبية أنها تعمل من الشحوم و المركبات الأخرى لتكون دواء يعين على الإبراء (2). وقد نقل الإمام مفردة (مَرَاهِمة) من دلالتها على العلاج المعروف ناقلاً إياها الى الدلالة على الطرائق التي يستعملها (صلى اللّه عليه واله وسلم) في إبراء الناس مما أصابهم من علل العقول والقلوب وسقمها. وذلك بإرشادهم الى اللّه تبارك وتعالى، وتعليمهم طاعة النبي وآله (عليهم السلام) والاهتداء بهم الى مكارم الأخلاق. متتبعاً في ذلك مواضع الغفلة في نفوسهم وتنبيههم عليها بلطيف القول وطيب الكلام مع مداراة الناس. فجاءت مفردة (مَرَاهِمه) أنسب لهذا السياق ؛ لتضمنها الدلالة على اللين والرّقة وحسن المعاملة. فهذه الكلمة تدل - بحسب تعبير اللغويين - على ألْيَن ما يكون من الدواء الذي يضمد به الجرح. فجاءت مفردة (مَرَاهِمه) مناسبة لما يقوم به النبي واهل البيت من سبل في الآنة قلوب الناس وهدايتهم، ونقلهم مما هم فيه من عمى القلوب والآذان وبكم الألسِنَة، فيتتبعه النبي وآله بقصد علاجه ومداواته (3). وتحتمل المفردة المتقدمة الدلالة على العلوم ومكارم الأخلاق التي يختص بها النبي. ولهذا أشار بعض الشرّاح الى أن الإمام استعار الكلمة المتقدمة، مكنّياً بها عن تلك الخصال التي يحملها النبي (4).

الكَي

الكيّ مصدر كَويت الجرح أكويه كيّاً، والكي هو إحراق الجلد بحديدة ونحوها (5). وتسمّى الحديدة التي يُكَوَى بها المكواة، في حين يقال لموضع الكَيّ في الجسم كيّة (6). والكي بالنار من العلاج المعروف في كثير من الأمراض. وقد جاء في أحاديث كثيرة النّهي عنه، وإنما نُهي عنه من أجل أَنَّهُم كانوا يُعظَّمُون أمره ویرون أنّه يَحسِم الدَّاء فإذا لم يُكْو العضو من الجسم عطب وبطل، فنهي عن ذلك المعنى، وأبيح لهم إذا جُعِل الكيّ سبباً للشفاء لا علة له، فاللّه هو الذي يُبْرئ ويشفي (7).

واستعملت مفردة (الكَي) مرة واحدة في نهج البلاغة (8)، للدلالة على القصاص بوصفه آخر وسائل العقوبة. يقول الإمام بعدما بويع بالخلافة، وطلب اليه بعض الناس عقاب من أجلب على (عثمان بن عفان)،


1) نهج البلاغة : خ / 108 : 196.

2) ينظر : الحاوي في الطب : 118/1.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة ابن أبي (الحديد) : 7 / 143 والديباج الوضي : 2 / 856.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 3 : 510، 511.

5) ينظر : العين (كوي) : 421/5.

6) نفسه.

7) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 394/2، ولسان العرب (كوي) : 15 / 235.

8) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 405.

تسكيناً لفتنة (طلحة والزبير) بعد نكثهما بيعته (عليه السلام) وتَشَتُّت كثير من الناس عنه(1). فأجابهم قائلاً: ((... إنّي لست أجهل ما تَعْلَمُون، ولكِن كَيْفَ لِي بِقُوّة والقَوْمِ الْمُجْلِبُون... يَمْلِكُونَنَا وَلا تَمْلِكهم، وهَاهُم هَؤُلاءِ قد ثَارَت مَعهُم عبدَانِكم، والتفت إليهم أعْرابُكم... فَاهْدَوْا عَنّي وانْظُرُوا مَاذَا يَأْتِيكُم بِهِ أَمْرِي... وسأُمْسِكُ الأمرَ مَا اسْتَمْسَكَ، وَإِذَا لَمْ أَجِد بُدَاً، فَآخِرُ الدَّواءِ الْكَيُّ))(2). وقوله (آخر الدواء الكي) يراد به أنه آثر الصبر على ما قام به (طلحة والزبير) حتى يرى آخر أمرهما، وإلاّ فقِتال اهل البغي والنّكث آخر الدواء. فكنّي عن جهاد هؤلاء وقتالهم بمفردة (الكيَّ). وهذه الكلمة تدل على نوع من العلاج الذي تتبعه العرب في مداواة الجراح والعلل والآفات. وهو منتهى الأدواء التي يُعمد اليها إذا عَضُل الداء واستصعب علاجه. وكذلك الحرب وقتال العصاة عند الإمام، فإنها آخر سبيل يسلكه مع هذه الطائفة الناكثة (3). وإلا فتأخره عن القصاص من قتلة (عثمان) كان لما ذكره في صدارة خطبته المتقدمة من كثرة القوم وقوة بأسهم بإزاء قلة أصحاب الإمام وهو عذر مقبول عند اللّه تعالى، فضلاً عن أنّ القصاص - هنا - لا يصلح بارتكاب أمر أكبر منه، وهو قتال المجلبين على الخليفة (4). وتذكر المدونات أنّ الإمام (عليه السلام) لعن قتلة الخليفة عثمان بقوله : ((اللّهم أَلْعَنْ قَتَلَةَ عثمانَ في البر والبَحْرِ والسَّهْل والجبل)) (5). ومن الجدير بالذكر الإشارة الى أنّ قوله: ((آخر الدواء الكيُّ)) هو من الأمثال العربية التي استعملتها العرب (6). وقد تَمَثَّل به (عليه السلام) مناسبة لمقام الخطاب الذي يتكلّم فيه الإمام ؛ فـ (الكَيْ) ضرب من العلاج الذي يعمد اليه عند سوء حال المريض واشتداد العلة فيه. وكذلك (الكيّ)، وهو - هنا - المواجهة العسكرية التي جعلها الإمام آخر السبل التي سيلجأ اليها للخلاص من سطوة هذه الفئة التي عاشت في الأرض فساداً.


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني): 675/3.

2) نهج البلاغة : خ / 168 : 305، 306.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 3 / 675، والديباج الوضي : 3 / 1408.

4) ينظر : الديباج الوضي : 1408/3.

5) نفسه.

6) مجمع الأمثال : 292/12، وجمهرة الأمثال : 97/1، والمستقصى في أمثال العرب : 3/1.

المبحث الخامس: ألفاظ أمراض السمع

أصَمَّتَهُ

إشارة:

الصمم في اللغة - مأخوذ من قولهم (حجر أصمّ)، أي صلب مُصَمت (1). أو من قولهم صمام القارورة، وهو سِدَادها. وصَمَمْت القارورة. أي سَدَدْتُها (2). والصَّمم ضرب من العلل تصيب الأذن في الإنسان (3). وهي تمثل المرتبة الثانية من مراتب فقدان السمع عنده، فإنها تجيء بعد (الوَقْر) الذي يعد أول مراحل ضعف السمع، ومن بعده يجئ (الصَّمم) بحسب ترتيب اللغويين (4). والصَّمم عندهم انسداد الأذن وثقل سمعها وذهابه (5). ومن هذا المعنى وصفت الفتنة بأنها (صمّاء عمياء)، وهي التي لاسبيل إلى تسكينها ؛ لأنها كالأصم من الناس الذين لا يسمعون الاستغاثة (6). وكانت العرب في الجاهلية تسمّي (رجباً) شهر اللّه الأصم ؛ لأنه كان لا يُسمع فيه صوت مستغيث ولا حركة قتال أو قعقعة سلاح ؛ لأنه من الأشهر الحرم (7).

وقد وردت مفردات (الصُّم) بصيغة الجمع ست مرات في نهج البلاغة ومفردة (يَصُمّ) التي استعملت مرتين في حين جاءت مفردات (أصَمَّتْهُ، َوتَصَام، ويصمه، والصمّاء وصَمَما) مرة واحدة لكل منهما (8)للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على صمم الأذن وعدم السمع بها.

وهو أكثر المعاني وروداً في كلام الإمام. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق حديثه عن النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ومكانته السَّامية، وأثره في شفاء مرضى الكفر. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ، قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ، وَأَمْضى مَوَاسِمَهُ يَضَعُ من ذلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، مِنْ قُلُوب عُمْيِ، وَآذَان صُمّ، وَأَلْسِنَة بُكْم...)) (9). فالنبي - في النّص - طبيب يعالج مرضى الحواس وآفاتها من عمي البصر والبصيرة، والذين صمت آذانهم عن سماع الحق وندائه وقد جعل الإمام العمى في قوله للقلوب، والحال أنّه للعيون، لكنه لما أراد وصف جوارحهم بالعلل والآفات التي تعرض لها الحواس، لهذا وصف جوارحهم بالعلل والآفات التي تصاب بها الحواس، في إشارة إلى ما أصيب به هؤلاء من تغاض وإغفال عن الحق وانصرافهم عن مبدأ التفكير والتفكر الذي ينبغي أن يُعملوا فيه أبصارهم وبصائرهم وقلوبهم وأسماعهم التي تحتاج إلى الدربة على قول الحق. وقد أفاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) من التعبير القرآني في صياغة المعنى الذي قصد إليه. فقد وصف القرآن الكريم القلوب بالعمى، بعدما نفى العمى عن الأبصار، لأن القلوب هي محل العقل والتفكّر. يقول تبارك وتعالى :


1) ينظر : لسان العرب (صمم) : 12/ 342.

2) نفسه.

3) ينظر : جمهرة اللغة (صمم) : 1 / 144.

4) ينظر : فقه اللغة (الثعالبي) : 1 / 22.

5) ينظر : لسان العرب (صمم) : 12 / 342.

6) نفسه.

7) نفسه.

8) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 260، 261.

9) ينظر : نهج البلاغة : خ / 108 : 196.

الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَاذَانُ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (1). وقد شرح المفسرون معنى الآية المباركة، فذكر الزمخشري أن معناها : ((أنّ أبصارهم صحيحة سالمة لا عمى بها. وإنما العمى بقلوبهم. أو لا يُعتدّ بعمى الأبصار، فكأنه ليس بعمى بالإضافة إلى عمى القلوب. فإن قلت : أي فائدة في ذكر الصدور ؟ قلت : الذي قد تعورف واعتقد أنّ العمى على الحقيقة مكانه البصر، وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها. واستعماله في القلب استعارة ومثل، فلما أريد إثبات ما هو خلاف المعتقد من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة ونفيه عن الأبصار، احتاج هذا التصوير إلى زيادة تعيين وفضل تعريف، ليتقرّر أنّ مكان العمى هو القلوب لا الأبصار، كما تقول : ليس المضاء للسيف ولكنه للسانك الذي بين فكيك، فقولك : «الذي بين فكيك» تقرير لما ادعيته للسانه وتثبيت ؛ لأنّ محلّ المضاء هو هو لا غير، وكأنك قلت : ما نفيت المضاء عن السيف وأثبته للسانك فلتة ولا سهواً منى، ولكن تعمدت به إياه بعينه تعمداً))(2). وهذا النهج القرآني اتبعه الإمام في استعمال آخر وردت فيه مفردة (صُمٌّ) دالة على فَقد السَّمع، في طائفة من الناس من ذوي الأسماع، وهذا الأمر من بديع التعبير الذي يصف فيه (أهل الكوفة) الذين كان يعاني منهم ومن مواقفهم غير الثابتة مع كثرة نُصحه وإرشاده لهم. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : (يَاأهل الْكُوفَةِ، مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلَاتْ وَاثْنَتَيْنِ: صُمٌّ ذَوُوأَسْمَاعِ، وَبُكُمْ ذَوُو كَلاَم وَعُمْيٌ ذَوُو أَبْصَارِ لا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اللقَاءِ، وَلاَ إِخْوَانُ ثِقَة عِنْدَ الْبَلاءِ))(3). والسياق في توبيخهم وذمَّهم، فأراد أن يُظهر سوء حالهم، فوصفهم بأنهم (صُم ذوو أسماع). في إشارة إلى أن آذانِهم مُعطَّلة عن الاستجابة إلى الحق، فهي لا تسمع سوى الباطل، وتصم عن الحق. ومثلها بقية جوارحهم. وكلامه هذا تفسير لقوله الذي تقدّم على هذا النص الذي يدعوهم فيه إلى الجهاد قائلاً: ((اسْتَنْفَرْتُكُمْ لِلْجِهَادِ فَلَمْ تَنْفِرُوا، وَأَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا، وَدَعَوْتُكُمْ سِرّاً وَجَهْراً فَلَمْ تَسْتَجِيبُوا ...)) (4). ينص الإمام على أنه أسْمَعهم ولكنهم تَغَافَلُون عن قوله ولم يسمعوا له، أو يتبصروا به. وهذا الوجه من توظيف الألفاظ لإظهار الدلالة عدم الإسْماع، فوجود في القرآن الكريم الذي اتخذه (عَلَيهِ السَّلَامُ) معتمداً في صياغة نصوص كلامه وتنسيق مفرداته. فالقرآن الكريم يقول في سياق الحديث عن اليهود والنصارى الذين يحرَّفون الكلم عن مواضعه : (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) (5). وقولهم (سَمِعْنا وعَصَيْنا) هو بمنزلة (صُمٌ ذوو أسماع) ؛ لانّ السَّامع الذي يَعْصي ما يسمع أصَمٌ، مع كونه يسمع ما يُقال. وربما يكون هذا المعنى من جهة الصمم في العقل لا من صمم الآذان، فالسَّمع للأُذن، والصّمم للعقل والأذهان. كأن سماع الأقوال يكون من جانب الأذن، والتبصر بهذه الأقوال ومعرفة معانيها ودلالاتها يكون من جهة العقول. وهذا الوجه الأخير يمكن الإفادة منه في تفسير قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق حديثه عن (الحكمة) والقرآن الكريم الذي هو ((حَيَاةً لِلْقَلْبِ الْمَيِّتِ، وَبَصَرٌ لِلْعَيْنِ


1) الحج / 46.

2) الكشاف : 164/3.

3) نهج البلاغة : خ 97 : 177.

4) نفسه.

5) النساء /46.

الْعَمْيَاءِ، وَسَمْعَ لَلأذُنِ الصَّمَّاءِ، وَرِيٌّ لِلظَّمْآنِ كِتَابُ اللّه تُبْصِرُونَ بِهِ، وَتَنْطِقُونَ بِهِ، وَتَسْمَعُونَ به...)) (1). فالقرآن وحكمته بصر وسمع، فضلاً عن كونه حياة للقلب الميت ووسيلة للسمع أيضاً. كأنه لمّا اشتمل على قوانين الحياة جميعاً من الحكمة والموعظة والإحسان والعدل ونبذ الجور والتسلّط والبغضاء والمنكر والبغي على الناس، فضلاً عن أصول التوحيد ونفي الشركة عن اللّه تبارك وتعالى، لهذا كان بمنزلة الحياة للقلوب الميّتة بالظلم والعسف والجور على الناس، وبمنزلة البصر الذي يهتدي به المرء، والسّمع الذي يتحسس به الإنسان ما صدر عن غيره من أقوال وثَمة دلالات أخرى من هذا الوجه وردت في : (خ/ 4، خ / 108، خ / 176، خ / 221، ك 33).

ثانياً : الدلالة على الصَّخْر الأصم الصَّلْب

وهي كناية عن القلوب في هذه الدلالة. وقد جنح الإمام بمفردة (صُمّ) إلى دلالة أخرى وهي الدلالة على الصخر الأصم المصمت الشَّديد. وذلك في موضعين من نهج البلاغة، منها قوله في سياق حديثه عن تخاذل الناس وتفرّقهم بعد قضية التحكيم : ((أَيُّهَا النَّاسُ، الْمُجْتَمِعَةُ أَبْدَانُهُمْ، الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ، كَلامُكُم يُوهِي الصُّمَّ الصَّلابَ، وَفِعْلُكُمْ يُطْمِعُ فِيكُمُ الْأَعْدَاءَ...)) (2). ويُوهِي. أي يُضعف الحجارة الصلاب الشديدة القوة. وفي (الصُمِّ الصَّلاب) استعارة، فقد أخذ (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا الوصف من أوصاف الحجارة، وجعلها وصفاً للقلوب التي تضعف من سماع كلام هؤلاء النفر (3). وهذا الضرب من المشابهة الذي استعمله الإمام قريب من تشبيهات القرآن الكريم الذي وصف القلوب بأنها (قاسية)، أو كـ (الحجارة) من حيث القسوة. يقول تبارك وتعالى: ((ثُمَّ قَسَتْ قُلُوْبِكُم من بَعْدِ ذلك فهي كالحِجارة أو أشَدُّ قَسْوَةً وإِنَّ مِنَ الحجارة لِمَا يَتَفَجَّرُ منه الأَنْهَارُ وإِنَّ مِنها لِمَا يَشْقَقُ فَيَخْرُجُ منه الماء)) (4). وبهذه الدلالة البلاغية، يكون المفردة (الصُمّ) معنى آخر علاوة على المعنى القريب الذي يفهمه المتلقي من ذكر هذه المفردة، فيكون تعبير (الصُمّ الصَّلاب) يدل على الصخر الأصم، و المراد به القلب القوي الذي يوهيه كلام هذه الطائفية من الناس الذين ذَمَّهُم الإمام في قولته. وأما ما ركن اليه البحراني من ذكر تشبيه القرآن الكريم للقلوب بالحجارة، وانّ قول الإمام واستعارته تماثل هذا الاستعمال القرآني، ففيه نظر ؛ لأنّ القلوب إنما تكون قاسية، أو كالحجارة إذا سُلِبَت منها الرحمة والعاطفة، وليس كذلك قلبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهو القلب العطوف ذو الرحمة. ولعل الشارح البحراني أراد بذلك أنّ شجاعة قلبه وجَلَده تكون كالحجارة القاسية الصلبة، لأنّه يتحمل المواقف الصعبة جميعاً بلا وَهْي أو كللٍ.

ومن دلالة الصُّمَ على الصخر الصلب، وهو كناية عن أولئك النفر الذين يعالجون نكباتهم بالكبر والخيلاء، ما ورد في (خ / 195).

ثالثاً : الدلالة على الحيّات الصّمّ التي لا تنهر بِزَجْرِها


1) نهج البلاغة : خ / 133 : 242.

2) نفسه : خ / 29 : 66.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2 / 261.

4) البقرة / 74.

واستعمل الإمام هذه المفردة وصفاً للأفاعي التي لا تَسْمَع الزجرَّ، فكأنها صمّاء. وهذا الوصف جاء في سياق حديثه عن حال العرب قبل بعثة النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم). يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((أَنَّ اللّه سُبحانَه بَعَثَ مُحَمَّداً نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ، وَأَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ العَرَبِ عَلَى شَرِّ دِين، وَفِي شَرِّ دَارٍ، مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَة خُشن، وَحَيَّات صُمٌّ، تَشْرَبُونَ الكَدِرَ، وَتَأْكُلُونَ الْجَشِبَ، وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ...)) (1). والنص وصف لحال العرب وبيئتهم التي كانوا عليها قبل البعثة النبوية، و هذا النص يمثل الوصف الحقيقي لحالتهم في العيش، ومجاورتهم تلك الأفاعي الصّم التي تعدّ أدهى الحَيّات ؛ لعدم انزجارها بالأصوات التي تسمعها (2). ويتضمن النص بيان اللّه ورسوله عليهم، الذي أبدلهم بما كانوا عليه من سوء. ونقلهم إلى ريف المهاد ولينه فضلاً عن عبادة من يستحق العبادة وهو اللّه تبارك وتعالى (3)، بعدما كانوا يعبدون الآلهة التي لا تغني عنهم شيئاً. ويمكن أن تكون لفظة (صُم) وصفاً للأعداء، على سبيل الاستعارة والكناية عن المكر والدهاء الذي يصدر منهم، فجعلهم بهذه المنزلة إشارة إلى دهائهم وشدّة أذاهم كما تكون عليه (الحيات الصُّم) من الأذى. كما يستفاد من ذلك عدم انزجار هذا الصنف من الناس المؤذين وانصياعهم إلى قول الحق والرجوع إلى الصراط المستقيم.

رابعاً : الدلالة صَمَمِ الديار

وهذا من الدلالات المجازية عند الإمام، فقد عبّر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند كلامه عن أهل القبور بعد تلاوته قوله تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) (4). أقول : عبّرت عن حالهم وحال ما بقي من ديارهم بقوله : ((وَإِنَّمَا كَانُوا جَمِيعاً فَتَشَتَّتُوا، وَآلافاً فَافْتَرَقُوا وَمَا عَنْ طُولِ عَهْدِهِمْ، وَلَا بُعْدِ مَحَلِّهِمْ، عَمِيَتْ أَخْبَارُهُمْ، وَصَمَّتْ دِيَارُهُمْ، وَلكِنَّهُمْ سُقُوا كَأْساً بَدَّلَتْهُمْ بِالنُّطْقِ خَرَساً، وَبِالسَّمْع صَمَماً...)) (5). وصمم الديار كناية عن فراغها منهم، وكونها خالية إلا من أجسادهم دون حركاتهم وسكناتهم وأصواتهم. فيكون صمم من لا يعقل، وهي الديار في قوله دليل على موت أصحابها الذين سُقوا كأس المنية، فأبدلهم ربّهم بالنطق خرساً، وبالسمّع صَمَاً وبالحركات سكوناً. وإسناده الصمم إلى الديار مجاز، فهو كقولهم (نَهَارُه صَائِم، ولَيلُه قَائِم) (6). فالنهار لا يصوم والليل لا يقوم، وإنما الذي يصوم النهار ويقوم الليل هو الإنسان الموصوف بهذا الوجه من العبادة والظاهر أن (صَمم الديار) يراد منها أنزالها منزلة من يعقل ؛ فإذا نوديت ولم تُجِب، فهي صمّاء لا محالة، كأنها لا تسمع مثلما لا يسمع البشر اذا أصاب أذنه شيء من الخلل أو الإعراض عن المنادي. ولهذا يحتمل تعبير (صمَّت دِيَارهم) الدلالة على (صَمْتِ الديار) لا على (صَمَمِها)، وتقدير المعنى – حينذاك-خَرَست ديارهم عن الإجابة عندما نُودِيت، لأنها مفتقرة إلى أصحابها الذين غادروها إلى الحياة الأخرى.

استکت


1) نهج البلاغة : خ / 26 : 59.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن ابي الحديد) : 12 / 18.

3) نفسه.

4) التكاثر / 1، 2.

5) نهج البلاغة : خ / 221 : 426، 427.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 4 / 40.

أصل السَّك، أو السّكَك صغر قَوْف الأذن، وضيق صماخها ولزوقها بالرأس (1)، ومن ثمَّ وُصف به الصَّمَم. (2)

وقد استعملت مفردات (اسْتكَّت) و (تُسْتَكَ) و (اسْتِكَاك) في نهج البلاغة، وكان نصيب كل واحدة منها من الاستعمال مرة واحدة (3)وأمّا دلالتها، فقد استعملها الإمام جميعاً بدلالة استكاك الأسماع و فقدان السَّمْع. وقد ورد موضعان من تلك المواضع في سياق حديثه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الموتى وحياة القبور، في حين انفراد استعمال واحد بمجيء مفردة (تستك) في سياق حديثه عن الموت والاستعداد له ومن هذه الدلالة قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((وَبَادِرُوا الْمَوْتَ وَغَمَرَاتِهِ، وَامْهَدُوا لَهُ قَبْلَ حُلُولِهِ.... فَإِنَّ الْغَايَةَ الْقِيَامَةُ، وَكَفَى بِذلِكَ وَاعِظاً لِمَنْ عَقَلَ، وَمُعْتَبَراً لِمَنْ جَهِلَ : وَقَبْلَ بُلُوغ الْغَايَةَ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ هَوْلِ الْمُطَّلَعِ، وَرَوْعَاتِ الْفَزَعِ، وَاخْتِلَافِ الْأَضْلاعِ، وَاسْتِكَاكِ الأَسْمَاعِ، وَظُلْمَةِ اللَّحْدِ)) (4). والإمام يشير في قوله إلى أهوال (القبر) وعواقبه، ومنها (اسْتِكَاك الأَسْمَاع). وهذا الضرب من فقدان السمع يمثل - لدى المتلقي - دلالة نفسية تؤدي به إلى تصور أهوال القبر وعذابه، بوصفه مرحلة من مراحل الانتقال إلى الباري تبارك وتعالى، فتمتع الإنسان (بالسَّمْع) والمقدرة على سماع الأصوات والكلام يجعله بشراً متكاملاً. فكيف به إذا فقد حواسه واحدة تلو الأخرى، ومنها سمعه الذي يستكّ من انسداد أُذنيه بتراب القبر، وهذه الصورة يمكن أن تفسر لنا استعماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (اسْتِكاك) في السياقات التي يتحدث فيها عن الموت و عواقب القبر وأهواله. فإنّ انطباق التراب على جسد الميت وتدثره به، يؤدي إلى ضغط جسمه و وامتلاء حواسه بالتراب، ومنها الأذن التي تنضغط بقوفها الذي يضيق شيئاً فشيئاً، حتى يلتصق بالتراب مُستَكّاً في القَبْر. فكأنّ سمعه وحواسه الباقية تك وتلتصق برأسه إشارة إلى انشقاقها واندثارها فيه. ويبدو أنّ مفردة (اسْتِكاك) أو الجذر (سكّ) بصورة عامة يحمل دلالة صوتية أدّت به إلى تفضيله على بقية المفردات التي تعبر عن حال فقدان السمع، كمفردة (الصَمَم) أو (الطَّرش) مثلاً فبنية المفردة زادت من قيمتها الدلالية، فثمة تدرج في الصّمم وفقدان السمع توحي به كلمة (اسْتِكَاك) التي تشعر بحدوث انغلاق مفاجئ في الأذن يؤدي إلى انحسار السمع واندثاره، فكأنّ ذلك أشبه بغلق باب مفتوح بِدَفعه بقوة، ومن ثُمَّ غلقه بسرعة دفعه واحدة. وهكذا أتصور دلالة (اسْتِكَاك الأذن). وأمّا شُرّاح النهج، فقد فسّروا مفردة (اسْتكَّت) بالدلالة على صمم الأذان (5)فلم يتعد فهمهم لها سوى المعنى المتقدم. وفي مجال الموازنة بين القيمة الدلالية للمفردة المتقدمة وبقية المفردات التي تتضمن الدلالة على فقد السّمع، نجد أنّ الاستكاك يمثل أعلى مرتبة من مراتب الصمم، بخلاف (الطرش) مثلاً الذي يدل على أهون الصمم (6)، فلا يكون المصاب بالطَّرش مُسْتَكَ السَّمع، فهو يسمع الصوت والكلام العالي. ولهذا لم يستعمل الإمام مثل هذه الألفاظ في المواضع التي أراد أن يعبر بها عن


1) ينظر : تهذيب اللغة (سكك) : 3 / 300، ولسان العرب (سكك) : 10، 439.

2) ينظر : لسان العرب (سكك) : 10 / 439.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 217.

4) نهج البلاغة : خ / 190 : 353.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 121/5.

6) ينظر : لسان العرب (صمم) : 2 / 342.

فقدان السمع في القبر، وفي عالم خلق الملائكة الذين يُسبحون اللّه تبارك وتعالى، بحيث تُسْتكُ الأسماع من زَجَلِهم وتسبيحهم له والمعنى نفسه استعمل في (خ/ 91، خ / 221).

وُقرَ

إشارة:

الوقر ثقل في الأذن إذا ثقلت عن السمع (1). وقيل: بل هو ذهاب السَّمْع كله دون ضعف الأذن ؛ لأنّ ثِقل السَّمْع أخفٌ من ذهابه كله (2). وعد الثعالبي (ت 495 هـ) الوقر من أول مراتب الصَّمم، فإذا زاد، فهو صُمُمٌ، فإن زاد، فهو الطرش (3).

وجاءت مفردات (وُقِرَ)، و (وَقْراً)، و (الوَقِرة) في نهج البلاغة مرة واحدة لكل مفردة منها (4)، للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة في فقدان الفهم والتبصر في الكلام

وهو أعلى درجة من درجات الصّمَمِ. ومنه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق الدعاء بوقر أذن من لم يسمع (الواعية): ((بِنَا اهْتَدَيْتُمْ في الظُّلْمَاءِ، وَتَسَنَّمْتُمُ العِلْيَاءَ، وبِنَا انْفَجَرْتُم عَنِ السّرَارِ، وَقِرَ سَمْعٌ لَمْ يَفْقَهِ الوَاعِيَةً، وكَيْفَ يُرَاعِي النَّبْأَةَ مَنْ أَصَمَّتْهُ الصَّيْحَةُ ؟)) (5). والإمام يريد بقوله : (وُقرِ سَمْع لم يَفْقه الواعية) الدعاء بفقدان سمع من لم يسمع صوت النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بذكر منزلة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) التي الذي صرّح بها النبي غير مرة. وقيل : بل الدعاء بالوقر إشارة إلى عدم فقههم بيانه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعدما سمعوه منه من زواجر ونواهي ومواعظ (6).

ويحتمل أن تكون كلمة الإمام المتقدمة جملة خبرية ليس المراد منها الدعاء، وإنما الإخبار عن وقدر سَمْع من لم يَسْمع الواعية، وهي أوامره ونصائحه لهم. ولو مِلْنا إلى عدَّ لفظة (وُقِر) من باب الدعاء بالوقر على أسماع هؤلاء الذين لا يفهمون النصح ولإرشاد الذي يصدر عن أمير المؤمنين، فحق عند ذاك – أن تكون اللفظة المتقدمة دالة على الصَّمم. وليس على ضعفه ؛ والمراد بالصمم - هنا - عدم الفهم والفقه. ولهذا أجرى کلامه مجرى الدعاء عليهم بالوقر وعدم الفقه وليس بعدم (السماع). وبيان ذلك أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما كان متيقناً من كونهم لا يفهمون كلامه، ولا يدركون مواعظه ؛ لهذا دعا عليهم بالوقر من جهة الفقه والفهم ؛ فالعلة في هؤلاء ليست في أسماعهم التي تسمع، وإنما في عقولهم التي دعا عليها بـ (الوَقْر) والصمم، ولهذا قال : ((وكيف يراعي النبأة من أصمته الصيحة)) (7). كأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقسّم (الوقر) و (الصمم) قسمين، الأول مخصوص - عنده – بعدم الفهم، والثاني مخصوص بالأذن الفاقدة لسمعها. وقد تنبه إلى هذا الضرب من التعبير الشارح الخوئي الذي أشار إلى أنّ المقصود بالسّمع ليس مجرد السّماع والاستماع، بل الفقه والفهم والاتعاظ بالمواعظ


1) ينظر : العين (وقر) : 5 / 206، ولسان العرب (وقر) : 5/ 289.

2) ينظر لسان العرب (وقر) : 5 / 289.

3) ينظر : فقه اللغة (الثعالبي) : 1 / 221.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 490.

5) نهج البلاغة : خ / 34:4.

6) ينظر : منهاج البراعة: 3 / 110.

7) نهج البلاغة : خ / 4 : 34.

والنصائح بعد إدراك سمعها، فإن أدركها السامع ولم يفقهها ويعمل بها، فهو حري بالدعاء بالوقر (1). أقول : كأن قول الإمام : ((وكيف يُراعي النبأة من أصمته الصيحة)) (2). إشارة إلى عدم فهمهم كلامه واتعاظهم به، فأستفهم متعجباً من عدم مراعاة هؤلاء الصوت الهادي بعدما صرخ فيهم، وأعلى لهم صوته حتى صموا، ولكنهم - مع كل ذلك - لم يفهموا ويعتبروا. ونظير ذلك ما ورد في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي استعمل فيه مفردة (وقراً)، للدلالة على الوقر والضعف وعدم السمع والفهم معاً. يقول أمير المؤمنين : ((اضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ، فَهَلْ تُبْصِرُ إِلا فَقِيراً يُكَادُ فَقْراً، أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللّه كُفْراً، أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْعِ الْمَوَاعِظِ وَقْراً!. أَيْنَ خِيارُكُمْ وَصُلَحَاؤُكُمْ...)) (3).

ويبدو أنّه وظّف الاستعمال القرآني في قوله هذا، من خلال إيراد مفردات (كأنّ، ووَفْراً) التي وردت في قوله تعالى شأنه: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)(4). زال القرآن الكريم يكرر هذه المفردة (وقراً) غير مره ويذمّ من لم يفقه آيات اللّه تعالى. وذلك لبيان عاقبة من لم يَسْمع المواعظ، والرجوع إلى نص الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلا يبدو أنّ المراد من مفردة (وقرا) في النص ضعف السَّمْع فحسب وإنما يتعدى ذلك إلى وقر محل الإفهام وهي العقول.

ثانياً : الدلالة على ضعف السمع

وهذه الدلالة تمثل الأصل في معنى مفردة (وقر)، وقد استعملها الإمام في سياق حديثه عن قوله تعالى شأنه : (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ)(5). وعن (الذكر) الذي يقول فيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((إِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ جَعَلَ الذِّكْرَ جِلاءَ لِلْقُلُوبِ، تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْوَقْرَةِ، وَتُبْصِرُ بِهِ بَعْدَ الْعَشْوَةِ، وَتَنْقَادُ بِهِ بَعْدَ الْمُعَانَدَةِ)) (6). والوْقَرَةِ هي المرة الواحدة من الوَقْر. وهو ثقل السَّمع (7). والذكر - هنا - هو السبب في زوال (الوقرة) من الآذان، كأَنَّ ذكره تبارك وتعالى بمنزلة الدواء الذي تزال به أعراض الحواس وعللها من (الوَقْر)، و (العشو) في العين وغير ذلك.


1) ينظر : منهاج البراعة : 3 / 110.

2) نهج البلاغة : خ / 4 : 34.

3) نفسه: خ / 129 : 236.

4) لقمان / 7، ينظر : الأنعام / 25، والإسراء / 46، والكهف / 57.

5) النور / 37.

6) نهج البلاغة : خ / 222 : 431. وقد نقلت المدونات اللغوية قول الإمام الذي استعمل فيه لفظة (الوقرة). ينظر : النهاية في غريب الحديث : 5 / 212 ولسان العرب (وقر) : 5 / 289.

7) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 5 / 212، ولسان العرب (وقر) : 5 / 289.

المبحث السادس: ألفاظ أمراض البصر

أعشى

إشارة:

الأعشى هو الذي لا يُبصر بالليل، وهو بالنهار بصير (1). وقيل : هو الذي ساء بصره من غير عمى(2). وقد جاءت مفردة (العشوة) ثلاث مرات في نهج البلاغة، في حين جاءت لفظة (عَشَوات) مرتين، وألفاظ (عَشِيتْ)، و (أعشت) و (أعشى)، و (عشا)، و (عَشاها)، و (عَاشٍ) واحدة لكل منها في النهج (3)وذلك للدلالة على ما يأتي :

أولاً : الدلالة على عشا الأبصار

ويشتمل ذلك ضربين ؛ الأول منهما عشى أبصار الناس. ومنه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصف جلاء عشى الْبَصَر عن الأَعْيُن في مقام التذكير بضروب نعم اللّه تبارك وتعالى على الخلق. ((جَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِيَ مَا عَنَاهَا، وَأَبْصَاراً لِتَجْلُوَ عَنْ عَشَاهَا))(4). أراد بـ (عَشَاها) الدلالة على عدم القدرة على الإبصار بالعيون، حتى جلا اللّه تعالى عنها ذلك. إذ يولد الإنسان غير قادر على البصر والمعاينة، حتى تمر عليه مدة من الزمن، فتبدأ حواسه بالعمل ومنها البصر الذي يبدأ انكشاف عشاه فاستعمل الإمام مفردة (تَجْلو) الدالة على الانكشاف والفُرج (5). مشيراً بذلك إلى الطريقة التي يمنح اللّه تبارك وتعالى بها (شبكية العين) القدرة على الإحساس بالضوء من خلال (المَخَارِيط) المسؤولة عن الرؤية في الضوء (6). ولما كان الإنسان بحاجة إلى الرؤية في الظلام. لهذا أعطى اللّه تبارك وتعالى القدرة (للعُصَيْبات) الموجودة في (الشَّبَكِيّة)، لتمكّن العين من الرؤية في الظلام بطرائق متعددة، منها آلية تحول الأصْبِغَة) في (العُصيبَات) إلى أصبغة حسّاسة للضوء، وآليّة تغيّر حجم (حَدَقة العين)، ومن ثمّ بوساطة (التّلازم العصبي) بين (الشبكية والدماغ)، فيتم جلاء العشا عن العين، ويرفع اللّه البصر تلك الظلمة ويمنحه القدرة على الإبصار في الظلام كما في النّور (7).

أقول: وهذه الظلمة التي يكون معها الإنسان غير قادر على الإبصار ليلاً، هي علة (العشا). وبهذا تكون المفردة المتقدمة مناسبة لمعنى عدم (الإبصار ليلاً)، فضلاً عن تضمنها الدلالة على عدم (التبصر) و (التفكّر) و (الاهتداء)، فمَنّ اللّه تبارك وتعالى على الإنسان بـ(جلاء) كل هذهِ الظلمات التي أعشى المرء عنها.

أما الضرب الثاني الذي وردت فيه لفظة (عشِيت)، فهو سياق بيان قدرة اللّه تبارك وتعالى على (إغشاء) عين (الخفافيش) وعدم إبصارها ؛ إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((وَمِنْ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ، وَعَجَائِبٍ خِلْقَتِهِ، مَا أَرَانَا مِنْ


1) ينظر : العين (عشو) : 188/2، وتهذيب اللغة (عشا)، 35/3.

2) نفسهما.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 303، 304.

4) نهج البلاغة : خ / 83 : 127.

5) ينظر لسان العرب (جلو) : 6 / 181.

6) ينظر : تفسيرات فسيولوجية في نهج البلاغة، للدكتور عمار جاسم مسلم : 59.

7) نفسه: 59.

غَوَامِضِ الْحِكْمَةِ فِي هَذِهِ الْخَفَافِيشِ (1)الَّتِي يَقْبِضُهَا الصِّيَاءُ الْبَاسِطُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَيَبْسُطُهَا الظَّلَامُ الْقَابِضُ لِكُلِّ حَيَّ، وَكَيْفَ عَشِيَتْ أَعْيُنُهَا عَنْ أَنْ تَسْتَمِدَّ مِنَ الشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ نُوراً تَهْتَدِي بِهِ فِي مَذَاهِبِهَا))(2). يشير الإمام في هذا النص إلى جملة من القضايا العلمية الخاصة بهذا النوع من الطير، فوصفها بالانقباض والانبساط كناية عن استتارها في النهار، ورغبتها في السكون في ما أظلم من المواضع، على العكس من بقية المخلوقات التي تطير في النّهار وتستتر بالليل. وانتشار هذه الطيور بالليل يظهر رغبتها في الاستثار وعدم الميل إلى النور ويعلل الإمام ذلك بعجزها عن أخذ النور من الشمس المضيئة نهاراً، فهذا الضرب من الطيور ضعيف قوى البصر، فلا يبصر ليلاً ولا نهاراً ؛ لأنه قليل شعاع العين الذي يصدر من ناظرها ؛ وعدم ظهوره في النهار راجع إلى أنّ بصر ناظره يلتمع في شدّة بياض النهار، فالنور المتلألئ ضار لعيون الموصفين بحدة البصر (3). أما ظهوره في الليل فلاحتياجه الكسب والطعام، فيلتمس الوقت الذي لا يكون فيه الظلام غامراً قاهراً غالباً، ولا الضياء معشياً رادعاً، وذلك في وقت غروب القرص وبقية الشفق، لأنه وقت هيج البعوض وأشباهه، فيخرج الخفّاش لطلب الطّعم في هذا الوقت (4). ولهذا عدّ من أعاجيب الخلق. وقد وصفه الإمام وصفاً علمياً دقيقاً، مختصراً ذلك كله بتعبير (عَشِيت أعْيُنَها)، الذي دلّ به على عدم قدرة هذه الطيور على الإبصار ليلاً ونهاراً، فجعلها بمنزلة من ساء بصره ناقلاً. المفردة المتقدمة من الدلالة على عدم الإبصار بالليل والإبصار بالنهار، إلى الدلالة على عدم الإبصار بالليل والنهار معاً. فوسّع من دلالة هذه المفردة، وجعلها مخصوصة بهذا النوع من الطيور.

وقد وردت لفظة (أعْشَت) بصيغة الفعل الماضي المتّصل بتاء التأنيث، للدلالة على عدم القدرة على التميز والإبصار في (ك / 65). في حين جاءت مفردة (عشا) بالدلالة نفسها في (ح / 198) أمّا مفردة (عَاشِ) بصيغة اسم الفاعل فقد وردت دالة على الجاهل الذي يركب ما التبس عليه من الأمور التي لا يعرف وجهها، فهو في ذلك كالأعشى الذي ضعف بصره، فما عاد يبصر ما أمامه. وجاء ذلك في (خ / 17).

ثانياً : الدلالة على الظلمات والمبهمات من الأمور.

واختصت بهذه الدلالة مفردات (العِشْوَة) وجمعها (عَشَوات). ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصف (الجاهل) وتحيره واضطرابه : ((جَاهِلٌ خَبَّاطُ جَهلات، عَاشِ رَكَّابُ عَشَوَاتٍ)) (5). ولفظة (عَشَوات) جمع (عِشْوة) مثلثة الحرف الأول (6). وهي - في اللغة - أول ظلمة الليل (7). ومنها أخذت الدلالة على (العشا)، بوصفها علة من العلل الخاصة بالبصر. ولما أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصف حال (الجَاهِل)، ومبالغته في الاضطراب وعدم


1) الخفاش طائر شديد الطيران، كثير التكفَّي في الهواء سريع التقلب فيه، يتميز بخلوه من الريش واقتصار جلده على اللحم، ومن أعاجيبه أنه لا يطير في ضوء، لأنه قليل شعاع العين كما يذكر الجاحظ. ينظر : الحيوان : 3 / 526، 527.

2) نهج البلاغة : خ / 100 : 271.

3) ينظر : الحيوان : 527/3.

4) نفسه.

5) نهج البلاغة : خ / 17 : 47. وقد نقلت مصنفات (غريب الحديث) قول الإمام المتقدم برواية مختلفة، وهي (خَبّاط عشوات). ينظر : غريب الحديث (ابن قتيبة) : 2/ 123، وغريب الحديث (ابن الجوزي) : 262/1، والنهاية في غريب الحديث : 242/3.

6) ينظر : تارج العروس (عشو) : 39/ 45.

7) ينظر : تهذيب اللغة (عشو) : 3 / 38.

التبصر في الأمور، استعمل – في ذلك - لفظتي (جَهَالات) و (عَشوَات) بصيغة الجمع المؤنث، للدلالة على كثرة إلمام هذا النفر من الناس بالجهل والحيرة، موظفاً صيغ المبالغة لهذين المعنيين، فكلمتا (خَبّاط) و (ركّاب) كلاهما بوزن (فَعّال) الذي يدل على كثرة تكرار الفعل والمبالغة فيه عند الموصوف به. فكأنه لكثرة مزاولته للفعل أصبح صنعة ملازمة له (1). فضلاً عن دلالة هذا البناء على النّسب والصُحبَة (2). فإذا قيل (رَكاب عَشَوات) - حسبما عبّر الإمام - فهذا يعني أنّه ذو عشوة مصاحب لها وهي ملازمة له، حتى صارت كأنها سجية وطبيعة من طبائعه. وإنما أضاف الإمام هذه الصيغة إلى مفردة (عشوات) يفهم منه الدلالة على وصف الجاهل بالتخبّط والحيرة وركوب الأمور على غير بيان وهدى (3). فجاء استعمال المفردة المتقدمة لما فيها من إيحاء على الظلام والتغطية أولاً، فضلاً عن ارتباطها بالدلالة على من يمشي في الليل بلا نور يهتدي به فيتحيّر ويضل (4). ويوحي هذا التعبير بدلالات متعددة لعل في صدارتها عدم الاهتداء إلى الدين الحق فيبقى (الجاهل) راكباً ظلمة الكفر، تائهاً في عقائد الضلال والفتن.

أقول : وقد استعمل الإمام نقيضاً لهذا التعبير، وهو قوله (كشاف عشوات) الوارد في (خ/ 87)، للدلالة على (المتقي) من الناس الذي يُبصر طريقه ويسلك سبيله إلى الإيمان والحق، فضلاً عن استعماله مفردة (العُشوة) في الدلالة على الظلمة التي لا يهتدى بها، وذلك في (خ / 151، 22، 222)

كَمَها

الكَمه العمى الذي يولد عليه ابن آدم، فيكون متحيراً غير مبصرٍ (5).

واستعملت لفظتا (كَمَها)، و (الكُمه) بصيغة الجمع على (فعل) مرة واحدة لكل منهما في نهج البلاغة (6)، للدلالة على عمى البصيرة والضّلال. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق تحذير عامله على (مكة) من أناس بعثهم (معاوية) إلى موسم الحج لخداع الناس وتضليلهم. إذ يقول : ((إِنَّ عَيْنِي بِالْمَغْرِبِ كَتَبَ إِلَيَّ يُعْلِمُنِي أَنَّهُ وُجّهَ إلى المَوْسِمِ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ الْعُمْيِ الْقُلُوبِ الصُمَّ الأَسْمَاعِ، الْكُمْهِ الْأَبْصَارِ، الَّذِينَ يَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ...)) (7). يحذر الإمام عامله على مكّة من جمهرة من النّاس الشاميين الذين بعثهم معاوية جواسيس للخداع والتضليل وإثارة الفتن بين الناس في موسم الحج. ويصف الإمام هؤلاء الجماعة بأنّهم (عُمي القُلوب، صُمّ الأسماع، كُمْه، الأبصار). فأسند (العمى إلى القلوب)، و (الكُمْه إلى الأبصار) والأصل أنّ (العمى والكُمه) کلاهما للبصر، لكنه أنزل قلوبهم منزلة (العيون)، لبيان ضعفها وعدم تمييزها، في كونها طبعت على الفتن والصّلال. فكما أنّ (العين) تعمى وتضعف من فقد البصر، فكذلك تضعف القلوب ويقل تمييزها حتى تصير ذات غلظة من القسوة وعدم الرّأفة والتمييز بين الحق والباطل.


1) ينظر : شرح الشافية : 84/2، 85، ومعاني الأبنية : 108.

2) ينظر : معاني الأبنية : 173، 174.

3) ينظر : تاج العروس (عشو) : 45/39.

4) ينظر : غريب الحديث (ابن قتيبة) : 2 / 123، وغريب الحديث (ابن الجوزي) : 1 / 262 والنهاية في غريب الحديث : 242/3.

5) ينظر : العين (كمه) : 3 / 383، وتهذيب اللغة (كمه) : 21/6.

6) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 404.

7) نهج البلاغة : ك / 33 : 515.

أمّا إسناده (الكُمه) (للأبصار)، فيُراد منه الدلالة على ما هو أبعد من الدلالة المعجمية لمفردة (كمه) التي تدل على العمى الذي يصاب به المرء منذ الولادة. ففي هذا التعبير دلالة على وجود ضرب من الاستعداد الفطري في هؤلاء على الضلال والإضلال هذا من جهة، ومن جهة أخرى تتضمن المفردة الدلالة على عمى البصيرة أيضاً، وهي عدم القدرة على التمييز والتفكير و التدبر في الأمور. فكأنّ هؤلاء لما كانوا فاقدين التمييز بين الحق والباطل، لذلك وصفهم الإمام بـ (الكُمْه الأبصار). فهم بمنزلة الأعمى الذي فقد القدرة على النظر، فأصبح ضالاً حائراً لا يقدر على شيء، فيؤدي به ذلك إلى سحق كل ما يلاقيه، لعدم علمه بالأشياء التي تصادفه، فضلاً عن عدم تحصيلهم العبرة بها من آثار اللّه سبحانه وتعالى(1). والإمام بهذا التعبير وغيره – كأنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يشير إلى فساد هذا النوع من الناس وعدم صلاحهم حتى وإن أُرشدوا إلى الحق والصواب ؛ لأنّهم باعوا دينهم وعقيدتهم وفقدوا الإحساس بالنصائح الإرشادات والعبر التي يسمعوها. ولذلك يكون هذا الصنف من الناس من الخطورة بمكان على المجتمع، ولهذا أبلغ الإمام عامله بالحذر من هؤلاء.

أقول : إنّ استعمال مفردة (الكُمْه) بصيغة الجمع جاء مناسباً - فيما يبدو - لتعدد أنواع العمى الذي كان عليه هؤلاء الناس، ففيهم (عَمَى القُلُوب)، و (عَمَى الأبصار)، فضلاً عن الإشارة إلى تعدد هؤلاء وكثرتهم. فناسب ذلك مجيئ المفردة المتقدمة بصيغة الجمع. ويُلحظ أثر التعبير القرآني في قول الإمام المتقدم، فقد استعمل الذكر الحكيم مفردة (الأكْمَه) بالدلالة على الأعمى حقيقية، وذلك في قوله تبارك و تعالى الذي يتحدث فيه عن النبي (عيسى) (عَلَيهِ السَّلَامُ): (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (2). وقد ذكر المفسرون أن الأكْمَة هو الأعمى على الإطلاق (3). وأخذ الإمام هذه الكلمة ونقلها من دلالتها على العمى الحقيقي إلى العمى المتضمّن لعدم التمييز والتبصر من خلال الاستعانة بقوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (4). الذي وظفه الإمام من خلال الأخذ ببعض الفاظه ومعناه العام في نسق كلامه، فأتى بمفردة (العَمَى) مع (القلوب) ؛ لأنّ القلوب هي محل العقل - بحسب نظر القرآن الكريم الذي يقول (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (5). فلما جاء (العمى) مخصوصاً بـ(القلوب) خَصّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) (الكَمه) (بالأبصار) في إشارة إلى فقد هؤلاء التمييز بين الخير والشر.

وقد وردت لفظة (كَمَها) بالدلالة المتقدمة أيضاً، فضلاً عن تضمّنها معنى الانخداع بلذات الدنيا وزينتها الخادعة وذلك في (قصا / 367).

مُعوراً


1) ينظر : شرح نهج البلاغه (البحراني) : 295/5.

2) آل عمران / 49، ينظر : المائدة / 110.

3) ينظر : المحرر الوجيز : 439/1.

4) الحج / 46.

5) الحج / 46.

المُعْوِر الذي ذهب بصر إحدى عينيه وحسّها (1). والمُغور الضعيف الجبان الذي لا خير فيه(2). وهو القبيح السّريرة الذي حاجته في ذبره ؟ أيضاً (3).

واستعملت لفظة (مُعوِراً) مرة واحدة في نهج البلاغة (4)، دالة على الرجل الضعيف الجبان الذي اعتصم بعورته ليُكفّ عن قتله. وذلك في سياق وصيته (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعسكره قبل لقاء العدو بـ (صفّين)، إذ يقول : ((لا تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدَأُوكُمْ، فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ اللّه عَلَى حُجَّةٌ، وَتَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدَأُوكُمْ حُجَّةٌ أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا كَانَتِ الْهَزِيمَةُ بإذن اللّه فَلاَ تَقْتُلُوا مُذبراً، وَلاَ تُصيبُوا مُعوراً، وَلاَ تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيح...)) (5). وتتضمن مفردة (مُعْوِراً) عدّة دلالات ؛ ولكن الأقرب فيها إلى السياق، هو ما ذكرته من كونها تدل على مَن استعصم بِعُورَته واستنجد بها ليكف القتل عنه (6). دلالة على ضعفه وجبنه وقبيح سريرته التي دعته إلى إظهار (دُبُره وقبله) ليكونا حرساً وحماية له. ويعد هذا الصنف من الناس من أسوأ الرجال وأقلهم شكيمة وعزماً في الحرب. وتحمل المفردة المتقدمة بين ثناياها دلالات أخرى يمكن أن تحمل الباحث على ترجيحها بإزاء الدلالة المتقدمة التي يُعين عليها السياق المتضمن الوصية بالكفَّ عن قتل (المدبر) الذي يفر في الحرب، فضلاً عن عدم الإجهاز على (الجريح) الذي عقره جرحه عن القيام. وعدم (إهاجة) النساء بأذى. وهذه جميعاً من أخلاق الحرب عند أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) التي تعلمها من القرآن الكريم والنبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم).

أقول : وتتضمن مفردة (مُعوراً) الدلالة على الذي فقد حس إحدى عينيه في الحرب، فأصبح غير قادر على البصر، فيدخل - حينذاك - ضمن دائرة الجرحى الذين أصيبوا في الحرب، ولهذا أمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن لا يجهز على هذا النوع من المصابين. كما تتضمن المفردة الدلالة على الشخص الغريب المُريب الذي لا دخل له بالحرب ودخل فيها، فَظُنَّ أنّه من طرف الأعداء (7). فنهى الإمام من إيذاء هذا النوع من الناس ممن لاعلاقة لهم بالحرب، فضلاً عن عد أتباعهم أو لحاقهم عند ابتعادهم عن الميدان. وهذه الوصية من وصايا الحرب الفريدة التي دعا الإمام إلى الأخذ بها ويفهم منها ضرورة التبصر بالحرب وعدم الاندفاع وراء غريزة الانتقام والقتل في الحرب، فمن الضروري أن يتحلى المقاتل بأخلاق الإسلام عند مبارزة العدوّ ومناجزته، فلا يجهز إلا على من يتربص به القتل، مع ضرورة التمييز بين الأعداء وغيرهم من الداخلين في الحرب دون أن يكون لهم شأن فيها، كالمغرر بهم والمُسَاوَمِين على أموالهم وأعراضهم. وهذه الوصية من الوصايا الدقيقة التي تدعو إلى التأتي في أمور القتال، فليس من السهل التمييز بين من هو مع العدو أو ليس معه إلا لمن تبصر في شأن الطرف المقابل، وتمرس في معرفة أغراض الآخرين. فكأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يطلب من جيشه أن لا يتسرّع إلى القتل دون نظر وروّية، حتى لا يهرق دم من لا شأن له بالحرب. ومما ينبغي إلفاتُ النظر اليه أنّ تعدد دلالات


1) ينظر : العين (عور) : 2 / 235، والمحكم (عور) : 340/2.

2) ينظر لسان العرب (عور) : 616/4.

3) نفسه.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 328.

5) نهج البلاغة : ك / 14: 472.

6) ينظر : شرح البلاغة (ابن أبي الحديد) : 79/10. وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 213/4.

7) نفسهما.

هذه المفردة راجع إلى كونها من (المشترك اللفظي) الذي تشترك في اللفظة الواحدة معانٍ متعددة يكون السياق فيصلاً في توجهها. وهو ما أدى إلى أن تزيد المعاني التي تحتملها كلمة (معوراً)، ما دفع الشُّرَّاح إلى التّوسّع في توجهها. ومن ذلك ما ذهب اليه الشارح البحراني الذي فسّر المفردة بـ (المُتَمكَّن منه)، وهو الذي أمكنت الفرصة من قتله بعد انكسار العدو. فشبهه بـ (المُعْوِر من الصَّيْد)، وهو ما أمَ كَن نفسه للصياد (1). وهذا المعنى مأخوذ – فيما يبدو - من الظهور والبدو الذي تتضمنه مفردة (يُعور) في قولهم : أعور له الشيء يُعور، إذا ظهر (2). فكأن (المُعوِر) هو الذي يُظهر نفسه للقاتل ليجهز عليه. وهذا الأمر من المسائل المذمومة في الناس، فمن الذل أن يسلم المرء نفسه لعدوّه بسهولة، فيعد ذلك من الرذائل ؛ ولهذا منع الإمام أصحابه من أن ينالوا من هذا الضرب من الناس.

مرة

المره خلاف الكُحل (3). والمَرْهَاء المرأة التي لا تتعهد عينها بالكحل (4). والمره والمَرْهة بياض في العين. العين تكرهه عين الناظر (5). وعَيْن مَزهاء، إذا كانت تضرب إلى البياض. (6). وهذا الضرب من البياض في العين يمثل مرضاً في العين بسبب من تركها الكحل. (7)

و جاءت مفردة (مُره) بصيغة الجمع على (فعل) مرة واحدة في نهج البلاغة (8)، للدلالة على ذهاب سواد سواد العين وسقمها بسبب من كثرة البكاء، وذلك في سياق وصفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) المسلمين الأوائل الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرؤا القرآن فأحكموه. إذ يقول مستغيثاً بهم فى مقام التعريض ببعض أصحابه بعد ليلة (الهَرِير) (9)بـ(صِفِّين) : ((أَيْنَ الْقَوْمُ الَّذِينَ دُعُوا إِلى الإِسْلَامِ فَقَبِلُوهُ ؟ وَقَرِوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ وَهِيجُوا إِلَى الْجِهَادِ الْجِهَادِ فَوَلَّهُوا اللَّقَاحَ أَوْلَادَهَا، مُرْهُ الْعُيُونِ مِنَ الْبُكَاءِ، خُمْصُ الْبُطُونِ مِنَ الصِّيَامِ...))(10). أراد بقوله (مُره العيون)، وصف المؤمنين من المسلمين الأوائل الذين كانت عيونهم تبكي من خشية اللّه تبارك وتعالى، حتى ابيضت من الدّمع. فعبّر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن حالهم تلك بلفظة (مُرْه) جمع (أُمْرَه) مؤثراً إياها على غيرها من المفردات؛ لأنه قصد بها بيان كثرة بكاء هؤلاء المؤمنين، حتى اعتلت عيونهم، وأضحت بيضاء قليلة السواد من كثرة


1) ينظر : المحكم (عور) : 344/2.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 4 / 213.

3) ينظر : العين (مره) : 4 / 51، وتهذيب اللغة (مره) : 6 / 160.

4) نفسها.

5) ينظر : تهذيب اللغة (مره) : 160/6.

6) نفسه.

7) ينظر : لسان العرب (مره) : 540/13.

8) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 421.

9) وهي ليلة من ليالي وقعة (صفين)، فقد زحف الجيشان مُرْتَمِين بالنبل حتى فنيت، وبالرماح حتى تكسرت، ومشى بعضهم الى بعض بالسيوف وعمد الحديد، فما سُمِع الا وقع بعضها على بعض. وكان ذلك أشدّ هولاً في صدور الرجال من الصواعق. حتى افترق الجيشان عن سبعين الف قتيل في ذلك اليوم وتلك الليلة التي كان فيها (الأشتر) على ميمنة الجيش، و (ابن عباس) على مسيرته، والإمام أمير المؤمنين في القلب. ينظر : وقعة صفين، لنصر بن مزاحم : 475. وتسمية هذه الليلة بـ (الهرير) مأخوذ من صوت (الكلب) إذا نبح، و (الذئب) اذا عوى، وهما مكشرات عن أنيابهما. فشبه نظر (الكُماة) بعضهم بذلك. ينظر : لسان العرب (هرر) : 5 / 261، والمصباح المنير : 2/ 637.

10) نهج البلاغة : خ / 121 : 224.

الدّمع، كأنها صارت كالأرض (المَرْهاء) التي لا شجر فيها (1). فضلاً عن كونه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قصد بها استعاضة هؤلاء هؤلاء المسلمين بالدمع بديلاً عن (الكُحل) الذي يزيد في صحة العين وقوّة إبصارها، فصارت الدموع علامة زينتهم وكحلهم. وذلك كله من خشية اللّه تبارك وتعالى. ولهذا ذكر اللغويون أنّ (المَرَه) خلاف الكحل. في العين (2)والأمْره هو الذي لا يتعهد عينه بالكحل، فيؤدي ذلك إلى أن تضرب عينه إلى البياض بسبب من ترك التكحل (3).

أقول : ويلحظ من استعمال اللفظة المتقدمة أنّ الإمام يشير إلى قوله تعالى في وصف حال النبي (يعقوب)، لما فقد ولده (يوسف) (عليهما السلام): (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) (4). وذكر المفسرون أنّ مفردة (أبْيَضّت) تدل على كثرة استعباره وبكائه، ومن ثَمّ مَحَقت عبراته سواد العين وقلبته إلى بياض كدر حتى عمي بصره (5). ولا يشتدّ بكاء المرء إلا إذا كانت خشيته شديدة على ما حرص عليه. وكلما ازدادت منزلة هذا الشيء زاد الاستعبار والبكاء عليه، ولهذا وُصِفَ هؤلاء القوم بـ (المُره)، في إشارة إلى شدة خوفهم من اللّه، وحرصهم ورغبتهم في كسب رضاه (6).

المبحث السابع: ألفاظ أمراض الجلد

مَجْذُومٍ


1) ينظر : تاج العروس (مره) : 500/36.

2) نفسه.

3) ينظر : العين (مره) : 51/4.

4) يوسف/ 84.

5) ينظر : الكشاف : 476/2.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 229/7.

الأجذَم المقطوع اليد (1). مأخوذ من الجذم، وهو القطع(2). بل هو سرعة القطع (3). والجذام عِلّة تقطع منها الأصابع (4). وقيل : بل الجذام داء يعترض في الرأس و يتشوّه منه الوجه(5).

واستعمل الإمام مفردة (مَجْذُوم) بصيغة (مَفْعول) مرة واحدة في نهج البلاغة (6)، للدلالة على من أصابته عِلَّة (الجُذام)، وذلك على سبيل تشبيه سوء الدنيا وهوانها عند الإمام بعظم خِنْزِير في يد مجذُوم. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((وَاللّه لَدُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَهْوَنُ فِي عَيْنِي مِنْ عِرَاقِ خِنْزِير فِي يَدِ مَجْذُومٍ)) (7). وبلغ من هوان الدنيا عنده أن جعلها بمنزلة بـ (عُرَاق خنزير) في يد مجذوم. و(العُرَاق) جمع (عَرق)، وهو العظم الذي يقشر عنه معظم اللحم ويبقى عليه بقية (8). وإنما إضاف الإمام المفردة المتقدمة الى كلمة (خِنْزِير) من باب إضافة النسبة ؛ كأنّه لما أراد بيان بيان النُّفْرة والاشئمزاز من هذا الضرب من العظام أضافه الى (الخِنْزِير) الذي يعد من الحيوانات المحرمة في الإسلام بكل أجزائه، ولهذا جعل العظم المنزوع اللحم الذي تبقى فيه بقيّة من اللحم الرّقيق عظم خنزير، إظهاراً لنفرته وكرهه لهذا النوع من الأطعمة، فإنّ العظم المنزوع اللحم يُعَدّ من أطيب اللُّحْمَانِ عند العرب على حدَّ تعبير الزبيدي، إذا كان من النّعم المحللة الأكل المذبوحة وفقاً للأحكام الشرعيّة، فإذا كُسِرت هذه العِظام وطُبِخَت، وأُكِلَ ما عليها من لحم رقيق كان ذلك من أطيب الطعام والذّه (9)، فأزال الإمام طيب هذا النوع من المآكل بجعلها، من عظام الخنزير، وهو من أشد أنواع العِظام حرمة، لأن (الخنزير) من الحيوانات المحرّمة في الإسلام ومما زاد من هوانها وسوئها جعلها في يَدِ مَجْذُوم أصابه الجُذام الذي يعد من أسوأ الأمراض وأكثرها أذىً ؛ فهذا المرض ينتشر في البدن كلّه، فَيُفسد مزاج أعضائه وهيأتها، ويقطع اتصالها فتتآكل وتسقط سقوطاً عن تقرّح حسبما يذكر الرئيس ابن سينا (ت 428هـ) (10). ويبدو هذا المرض أشبه بالسرطان العام في البدن ويصحب المعلول به زمناً طويلاً، وربّما يصاحبه التقرّح، فضلاً عن كونه من العلل المُعدية (11). وبهذا يتضح سبب استعماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا الضرب من الوصف، بَعدَّ (عِراق الخنزير) في يَدِ (المجذوم) كأنّه أراد الجمع بين حَرْمَة ما ل من الدنيا وزخرفها، وبين عِللها وأمراضها المُغدية التي لا يستقيم معها حال الإنسان فضلاً عن عدم دوامها. وذلك كله غاية ما يكون من التنفير من هذه الدنيا وبيان حقارتها في عينه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونفرته منها (12). ويحتمل أن يكون التعبير عن بقايا اللحم في العظم من قبيل الإبانة عن حقارة شأنه وقلته، فضلاً عن عدم الفائدة منه، فيكون هذا مناسباً لشأن الدنيا عند الإمام وحقارتها لديه. ومن نافلة القول الإشارة الى أنّ لفظة


1) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) 2 : 48/3.

2) ينظر: النهاية في غريب الحديث : 251/1.

3) ينظر : تهذيب اللغة (جذم) : 14/11.

4) ينظر : مقاييس اللغة (جذم) : 439/1، وجمهرة اللغة (جذم) : 454/1.

5) ينظر : غريب الحديث (الحربي) : 430/2.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 81.

7) نهج البلاغة : قصا / 236 : 645.

8) ينظر : العين (عرق) : 154/1، وغريب الحديث (ابن الجوزي) : 88/2.

9) ينظر : تاج العروس (عرق) : 26 / 136.

10) ينظر : القانون في الطب : 188/3.

11) نفسه : 111/1.

12) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 61/19، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 8/5.

(عُرَاق) التي استعملها الإمام عدّها اللغويون من الفاظ الجمع النادرة ؛ فبناء (فعال) - بضم الأول - من أبنية الجموع العزيزة النادرة التي لم يجيء عليها إلا بضعة أحرف مثل : (تُؤام جمع تَوْأم، ورُبَاب، وظُؤار وعُراق). (1)


1) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 220/3، وتاج العروس (عرق) : 26 / 137.

الظواهر اللغوية

• استعمل الإمام بناء (فَوَاعِل) في جمع مفردة (نَواهِك) بوصفه أحد أبنية جمع القلة للدلالة على سعة النواهك وكثرتها. وجاء بناء (أفعال) مجموعاً عليه لفظة (أوْصَاب).

كما أورد (عليه السلام) من أبنية الجمع (فَعَاليْل) الذي جمع عليه لفظة (عقابيل) فضلاً عن بناء (فعل) الذي اتت عليه لفظتا (كُمْه) و (مُرْه) وهما من الألفاظ الدالة على علل العيون.

• وردت صيغة (فعال) التي صيغت عليها لفظة (هُزال)، وهي من الصيغ الدالة على العلل والأمراض، و (فَعِيْل) التي جاءت عليها لفظة (هَزِيل).

• وقد ورد من أبنية الأفعال بناء (فَعْلَل)، وهو من أبنية الأفعال الرباعية التي لا زيادة فيها.

• لاحظت وجود علاقة ترادف جزئي بين الفاظ : (مَأْلُوسة، وكآبة) و (مختبط، وحِنّة) و (دَنِف، والعَلَز، و تَهْجر). وبين (النواهك، والهُزال وهزيل) وثمة ترادف جزئي أيضاً بين (الأوصاب، والشحوب)، (البكم والخرس). في حين ترادف الفاظ (مُتعتِع) و (اعيى) في الدلالة على التردد وعدم الكلام ؛ بسبب من الخوف. و (الحديدة ومواسمه، ومَرَاهمه) بوصفها أدوات للعلاج والبرء. وبين (الأعشى، وكُمْه) و (الصمم والوَقْر) وجود علاقة جزء بكل بين (الحِدة) و (الجُنون)، فالحِدّة (ضَرْبُ من الجنون)، وهو ما يفهم منه أنّ الجنون عام، والحِدَّة اخص منه ؛ لاشتراكها في الانفعال والتّسرّع. وظهر وجود علاقة خاص بعام بين لفظة (حديدة)، وهي لفظة عام. و (مواسم) وهي أداة من الحديد يوسم بها المرض.

• اختصت مفردة (كآبة) بالدلالة على الانكسار وسوء الهيئة والحزن المصحوب بالغم مبتعدة - بذلك - عن دلالتها التي انتهت اليها في الوقت الحاضر بوصفها مفردة دالة على سوء الفكر والخوف بحسب ما يذكره المتخصصون بالطّب.

• مال الإمام (عليه السلام) بمفردة (مَأْلُوسَة) الى استعمال متفرّد لم ينتبه له اللغويون وذلك انه وصف (القلوب) بأنها (مَأْلُوسة) منزلاً إياها منزلة العقل الذي يصاب (بالأُلس) وليست القلوب.

• اتسعت دلالة مفردة (الاخرس) من الدلالة على مَنْ لا صوت له الى الدلالة على العِيَّ وعدم المقدرة على الإفصاح والإبانة في الكلام مثلما اتسعت لفظة (عقابيل) من دلالتها على بقايا آثار الحمى من الشفتين الى الدلالة على آثار الصعاب والمشقة والفاقة التي يمر بها الانسان.

• استعمل الإمام لفظة (أثرم) للدلالة على سقوط الثنية على سبيل الإهانة.

• انفردت مفردة (مُرْه) بالدلالة على سقم العين وزوال سوادها، واتساع بياضها بسبب من كثرة البكاء. وبهذا يُشمّم من ذلك وقوع الترادف الجزئي في المعنى بين قوله تبارك وتعالى ((وأبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ من الحُزن)) وبين لفظة (مُرَّه) التي استعملها الإمام بالدلالة المتقدمة.

• أعاد الإمام علي لفظة صَمَم الى دلالتها الأولى، وهي الدلالة على (الصَّخْر الأصمّ المُصَمت)، ومن ثَمّ دَلّ بها على (الحَيّاتِ الصُّمَّ القاتلة التي لا تنزجر)، و (صمم الديار). وهو عدم إجابتها.

• انحصرت دلالة لفظة (سَكَ) بَشقّ قَوف الاذن، وضيق صماخها، وهو ما يؤدي الى ضعف السمع أو فقده.

جدول دلالي يبيّن شيوع ألفاظ الأمراض والعلل ومتعلقاتها مرتبة بحسب كثرة كل مفردة على الأخرى

الأمراض الخاصة بالنفس :جنّة، كآبة، مألوسة، مختبط، دَنف، علز، تَهْجر

الهزال والضعف : يَعْيا، نَهَكَتكُم، هزاله، وصب، شجبة، نحيفة

علل النّطق ومتعلقاتها :بكماء، خرسوا، مُتَتَغْتع، عَقابيل

أدوات العلاج : حَدِيْدة، مَيْسمها، مراهمه، الكَيّ

أمراض السمع :أصَمَّته، تستك، وقرَ

ألفاظ أمراض البصر :العُشْوة، كَمَها، مُعوراً

ألفاظ أمراض الجلد :مجوم

الفصل السابع: ألفاظ العلاقات الاجتماعية

إشارة:

المبحث الأول: ألفاظ الأسرة

أهل - آل

إشارة:

أهل الرجل زوجه وأخص الناس به (1).

وقد شاع استعمال لفظة (أهل) في نهج البلاغة حتى بلغ عددها مائتين وثمان وخمسين مرة. باشتقاقات مختلفة (2). والملاحظ أنّ هذه الكلمة لا تتضح دلالتها الا من خلال ما يضاف إليها من كلمات، فتكون دالة في هذا الحال. وقد أمكن من تتبع المواضع التي استعمل فيها الإمام لفظة (أهل) الوصول إلى الدلالات الآتية :

أولاً : الدلالة على مصاحبة الشيء والإقامة عليه

وهذه أكثر الدلالات سعة في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومن ذلك قوله في وصف أصحاب الدنيا : ((أَهْلُ الدُّنْيَا كَرَكْبٍ يُسَارُ بِهِمْ وَهُمْ نِيَامٌ.)) (3). أراد من إضافة (الدنيا) إلى (أهل) الدلالة على أصحابها المغتربين بها الذين يدينون بدينها. فكأنهم لشدة انتوائهم عليها، وانغماسهم فى زخارفها واسهم بها صاروا أهلها المخصوصين بها. ولهذا شَبّههم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالرَّكب الذي يتّخذ الدواب سبيلاً إلى غايته التي يحدو اليها، قاطعة بهم الفيافي وهم نيام لا يدرون ما مرَّوا به، وما عرض لهم عند مسيرتهم سوى ما يلاقونه من لذّة النّوم والرؤى التي تداعب أفكارهم أثناء نومهم، وما يلاقونه من مناظر عند ارتحالهم. فلمّا كان أهل الدنيا سائرون إلى الآخرة، وهم في غفلة عمّا سيلاقونه في رحلتهم هذه شبههم بالرّكب من هذه الجهة (4). ويتضمن كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الإشارة إلى ما يلاقيه المرء من أفراح وأحزان في حياته الدنيا، فإنّه لا يعلم ما سيلاقيه في مستقبله ؛ فالعلم بذلك مخصوص باللّه تبارك وتعالى. وهو ما أشار اليه الإمام بقوله : ((... يُسَارُ بِهِم وهُم نِيَام)) واستعماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (أهل) دالة على الصحبة وارد في النهج بكثرة، ومن ذلك ما جاء في : (خ / 83، 86، 87، 89، 91، 99، 108، 122، 134 (3)، 151، 165، 171، 189، 192 (3)، 217، 221، 222، 223، 226، 230، ك / 26، 27، 31، 53 (12)، 70، قصا / 64، 130، 369، 415، 416.

أقول : ومما يمكن أن يلحق بالدلالة المتقدمة ما أضيفت فيه لفظة (أهل) إلى اسم بلد من البلد أو مصر من الأمصار، فضلاً عن إضافة الخصال والصفات اليها، نحو (أهل الشّام)، أو أهل العراق)، و (أهل الأمانة) أو (أهل الغَدْر). وغير ذلك من التعابير التي تقرب من هذه الصياغة، مثل (أهل البلاء). وذلك كثير شائع في النهج أيضاً. ومنه قوله ((موازناً بينه وبين معاوية وأصحابه : ((وَأَمَّا اسْتِوَاؤُنَا فِي الْحَرْبِ والرِّجَالِ، فَلَسْتَ بِأَمْضَى عَلَى الشَّكٌّ مِنِّي عَلَى الْيَقِينِ، وَلَيْسَ أَهْلُ الشَّامِ بِأَحْرَصَ عَلَى الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى الأَخِرَةِ.)) (5). يريد : أنّ معاوية لا يسبقه في المُضِيَّ على اليقين ؛ فهو ماض في الشك وضعف


1) ينظر : العين (أهل) 4 / 89، وتهذيب اللغة (أهل) : 6 / 220. ولسان العرب (أهل) : 11 / 28.

2) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 40-34.

3) نهج البلاغة: قصا / 64 : 611.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 410/5.

5) نهج البلاغة : ك / 17 : 474.

الإيمان باللّه تبارك وتعالى، ولم يبلغ مرحلة الثبات والمُضي على اليقين التي عليها الإمام، وهو مع ذلك لم يصل إلى الحد الذي بلغه الإمام في الآخرة والفوز بها، فضلاً عن كون حرص (أهل الشام) على الدنيا أقل من حرص (أهل العراق) على الآخرة. فالموازنة التي عقدها الإمام بين أصحابه وأهل الشام قائمة على أساس السبق والثبات في العقيدة والمُضي على البصيرة واليقين التي يقوم عليها أمير المؤمنين. وبهذا يكون وصفه هو وصف المتقين، في قبالة وصف الشاك و تعبيره المتقدم تكذيب للمساواة التي أدّعاها معاوية في كتابه إلى الإمام (1). ومن هذه الاستعمالات ما ورد في (خ / 31، 43، 55، 71، 84، 91، 97 (2)، 107، 108، 109، 111، 140، 147، 173 (2)، 160، 176، 191، 192، 193 (2)، 199 (2)، 216، 218، ك / 1، 17، 19، 31، 32، 33، 42، 45، 54، 55، 58، 61، 74، قصا / 80).

ثانياً : الدلالة على أهل بيت النبي (عليهم السلام)

وقد استعمل الإمام في هذه الدلالة لفظتي (آله) و (أهل) مضافاً إليها كلمة (البيت). وكان نصيب اللفظة الأولى من الورود في نهج البلاغة مائة وست عشرة مرة (2). في حين وردت لفظة (أهل) بهذه الدلالة خمس عشرة مرة. فضلاً عن موضعين استعمل فيها الإمام مفردة (أهلك) بالدلالة المتقدمة.

وقبل الإبانة عن إيحاءات اللفظتين المتقدمتين وإظهار ما أضافته من معان إلى سياقات الخطاب العلوي نحتاج إلى بيان العلاقة بين تينك الكلمتين من جهة تركيبها. فالنحويون يرون أنّ الأصل فيهما هو كلمة (أهْل)، وأن كلمة (آل) تكونت من إبدال الهاء في (أهل) همزة، فصارت (أأل) بهمزتين؛ أبدلت الثانية منهما الفاً ومُدت (3). ويحتج النحاة لذلك بتصغير الكلمة على (أهيْل) لمحاً لأصلها (4). وأما المقصود بتركيب (آل البيت) أو (أهل البيت) أو (آله). فالفرق الإسلامية مختلفة في ذلك ؛ إذ يذهب الشيعة الإمامية إلى أنّ المراد من (أهل / آل البيت) عترة رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وهم (علي وفاطمة والحسن والحسين وذريتهم "عليهم السلام"). ويحتجون لذلك بجمهور كبير من النصوص القرآنية والنبوية، فمن الكريم قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (5). ومما يتعلق بهذه الآية من أحاديث، كـ(حديث الكساء). الذي نقلته المدونات الخاصة بالحديث النبوي فقد ورد في الحديث أنّ النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : ((قال لفاطمةَ إئتني بزوجك وأبنَيْكِ. فجاءت بهما، فألقى عليهم كساءً فَدَكيًا ثم وضع يده عليهم، ثم قال : اللّهم إنَّ هؤلاء آل محمدٍ فأجعل صلواتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد إنك حميد مجيد. فقالت أم سلمة (6): فَرَفَعْتُ الكِسَاءَ لأَدْخُل مَعَهم فجذبه، من يدي وقال : إِنَّكِ على خَيْرِ)) (7).


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 4 / 217.

2) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 34.

3) ينظر : الحجة في القراءات السبع، لابن خالويه : 303/1، وسر صناعة الإعراب، لابن جني : 1/ 100، والمباحث اللغوية في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (أطروحة دكتوراه)، هادي عبد علي هويدي : 101، 102.

4) ينظر : سر صناعة الإعراب : 102/1، والمباحث اللغوية في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 102.

5) الأحزاب / 33.

6) هي السيدة المحجبة أم المؤمنين هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم من المهاجرات الأوائل. كانت قبل زواجها بالنبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) تحت أخيه من الرضاعة (أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي). ودخل بها النبي سنة (4) من الهجرة. وكانت من أشرف النساء نسباً. وهي آخر من مات من أمهات المؤمنين، فقد عمّرت تسعين سنة، حتى بلغها مقتل الإمام الحسين الشهيد (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فوجمت لذلك وغشي عليها وحزنت عليه حزناً كبيراً ولم تلبث بعده إلا يسيراً. وقد روت أحاديث كثيرة عن النبي، وروي عنها أيضاً. ينظر : طبقات ابن سعد : 86/8، 87، وسير أعلام النبلاء : 201/2، 202.

7) مسند أحمد : 323/6، وفضائل الصحابة : 602/2، ومسند أبي يعلى : 456/12، والمعجم الكبير : 53/3، و 9 / 25. وثمة أحاديث أخرى في هذا الشأن، منها حديث (الثقلين) الذي يفسر فيه النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) المراد بـ (أهل البيت) بقوله : ((إني تارك فيكم الثقلين أحَدُهما أكْبَرُ من الآخرِ ؛ كِتابُ اللّه حَبِلٌ مَمْدُودٌ من السَّمَاءِ الى الأرض، وعِتْرتي أهل بَيْتِي، وإنّهُما لَن يَفْتَرِقا حتى يردا عليَّ الحوض)). مسند أحمد : 3 / 14، 17، وفضائل الصحابة : 585/2، وسنن الترمذي : 662/5، 663.

أما بقية الفرق الإسلامية ؛ فمنهم من يذهب إلى أنّ المراد بالتعبير المتقدم ازواج النبي (صل اللّه عليه وآله وسلم) (1). ومنهم من يذهب إلى إدخال أزواج النبي مع عترته من أولاد علي وفاطمة وذريتها (عليها السلام) (2). وصفوة القول أنّ جمهور المسلمين يرون أن المقصود بـ (أهل / آل البيت) هم عترة رسول اللّه (علي وفاطمة والحسن والحسين)، حتى نقل المفسرون أنّ قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (3). قد نزلت فيهم (4). أقول : وفي مقام التفريق بين استعمال الإمام لتعبيري (أهل البيت) و (آل محمد) يظهر وجود ترادف تام بينهما، إلا في دلالات جزئية دقيقة تكون مرهونة بالسياق. فالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يستعمل هذين التعبيرين إلا في الدلالة على أهل بيت النبي، وهم (علي وفاطمة والحسن والحسين وذريتهما). وكثيرا ما كان يستعمل في هذه السياقات الضمائر المنفصلة التي تؤكد الدلالة وتخصصها. نحو قوله متحدثاً عن فتنة بني أمية، وكون أهل البيت بمنجاة منها : (نَحْنُ أَهْلَ الْبِيْتِ مِنْهَا بِمَنْجَاةَ، وَلَسْنَا فِيهَا بِدُعَاة ...)) (5). فاستعمل الضمير (نحن) لإفادة اختصاصهم بصفة النّجاة وعدم الدعوة إلى الفرقة والفتنة، فضلاً عن أن النجاة من هذه المحن لا تكون إلا بهم وبطريقتهم المُثلى. ويقول في موضع آخر : ((مَنْ أَحَبَّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَلْيَسْتَعِدَّ لِلْفَقْرِ جِلْبَاباً...)) (6). ويلحظ أنّه يستعمل التعبير المتقدم في السياقات التي تتحدث عن الدعوة إلى التعلّق بهم (عليهم السلام) والارتباط بهم ولزوم مَذْهبهم وسَمْتهم. ومن ذلك قوله في مقام الحث على لزومهم : ((انْظُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ فَالْزَمُوا سَمْتَهُمْ (7)، وَاتَّبِعُوا أَثَرَهُمْ فَلَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُديَّ)) (8). وقد دأب الإمام على استعمال تعبير (أهل البيت) في المواضع الآتية : (خ / 26، 93، 97، 120، 199، 217، 224 ك / 2، 9، 28، 31، 41، 47، 62، قصا / 112، 453) ومما يلحق بهذا الاستعمال إيراده لفظة (أهلي) مضافاً اليها ياء المتكلم، للدلالة على أهل بيت الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهم في الوقت نفسه أهل بيت النبي الخاتم (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وذلك في (ك / 41، 47). فضلاً عن


1) ينظر : روح المعاني : 13/22. واللافت للنظر أن المفسر الآلوسي صرف دلالة مفردة (البيت) في قوله تعالى : ((إنّما يُرِيدُ اللّه لِيُذْهِبَ عنكُم الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ...)). الأحزاب / 33 الى الدلالة على البيت المادي المعروف المصنوع من الخشب أو الطين الذي يتخذ سكناً. فليس المراد عنده بـ (أهل البيت) بيت القرابة والنسب. وهذا تأويل بعيد لا يستقيم مع السياق القرآني.

2) ينظر : المحور الوجيز : 383/4.

3) الأحزاب / 33.

4) ينظر : تفسير الطبري : 6/22-8 والمحرر الوجيز : 384/4.

5) نهج البلاغة: خ / 13 : 172.

6) نفسه : قصا / 112 : 621.

7) السَّمْت حسن النحو في مذهب الدين والفعل. ينظر : لسان العرب (سمت) : 2 / 46.

8) نهج البلاغة: خ / 97 : 178.

استعماله لفظة (أهْلك) الواردة في القرآن الكريم (1)، في حديثه عن (الصلاة). واصفاً اصطبار رسول اللّه عليها. وذلك في (خ / 199). أمّا استعماله لفظة (آل) مضافاً اليها اسم النبي (محمد) (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، فيجيء ذلك كلما ذكر النبي الأكرم، تطبيقاً لأمر النبي الذي سُئِل عن كيفية الصلاة عليه، فقال : ((إذا انْتُم صَلَّيْتُم عليَّ فَقُولوا : اللّهمَّ صَلَّ عَلى مُحمدٍ النّبي الأمي وعلى آل محمد، كما صَلَّيْتَ على إبراهيم وآل إبْراهيمَ ...)) (2). فضلاً عن استعماله تعبير آل محمد كلّما قصد بيان تفردهم وندرة وجود غيرهم في هذه الأرض : ((لا يُقَاسُ بِآلِ مُحَمَّد (عليهم السلام) مِنْ هذِهِ الْأُمَّةِ أَحَدٌ ...)) (3). يعني أنهم لا مثيل لهم في هذه الأمة أبداً ؛ لأنهم أساس الدين، وعماد اليقين ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصيّة والوراثة. وقد جاء كلامه المتقدم بعد ذَمّه قوماً ((زَرَعُوا الفُجُورَ، وَسَقَوْهُ الغُرُورَ، وَحَصَدُوا الثُّبُورَ.. (4)))(5). مشيراً بذلك إلى الفارق بين (آل محمد)، وغيرهم من أصحاب الفجور والهلاك في الدنيا والآخرة. وثَمة موضع آخر شبه فيه (آل محمد) بـ (نجوم السماء) في مقام مدحهم وبيان منزلتهم في الناس قائلاً : ((أَلَا إِنَّ مَثَلَ آلِ مُحَمَّد (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، كَمَثَلِ نُجُومِ السَّمَاءِ إِذَا خَوَى (6)نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ...)) (7). فوجود (آل محمد) بين الناس كوجود النجوم العالية في كبد السماء، والحاجة اليهم كالحاجة إلى النجوم التي تنير الظلمة وتسطع بأنوارها لأهل الأرض هذا من جهة، ومن جهة اخرى أنّه شبههم بالنجوم، لكونها علامات يهتدي بها الناس إلى الأماكن التي يقصدونها، ويَتبيّن بها بدايات الأنواء والمواسم التي تتعاقب على الأرض، فتشبيههم بنجوم السماء يشير إلى كونهم الهداة الذين يستضيء بهم المسافر ويهتدي طريقه في تيه البيداء، كما يسترشد بهم المقيم أيضاً فهم القادة إلى سبيل اللّه تبارك وتعالى وطريقه المستقيم الذي ينبغي على الناس الاهتداء إليه والمضي فيه على بصيرة من الأمر. وقد كنّى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن شهادة أحدهم و موته بخلو السماء من بعض النجوم البارزة فيها (8). ومن خلال هذه الموازنة يتبين الفارق الدلالي بين تعبيري الإمام بـ أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) و (آل) (محمد) اللذين وظف فيها مفردتي (أهل) و (آل)، للدلالة على (علي وفاطمة والحسنين وذريتهم من بعدهم (عليهم السلام)). وأجد من المناسب في هذا المقام أن أذكر ما ذهب اليه ابن جنّي الذي عمد إلى التفريق بين لفظتي (أهل وآل). مشيراً إلى أنّ مفردة (آل) أخص من (أهل)، فهي تختص بالدلالة على أشرف الأسماء وأخصها دون الشائع الأعم منها (9). واحتجّ لهذا الوجه باستعمالها في كلمة ((اللّهم صَلّ على مُحمّد وآلِ مُحَمّد)). وفي قولهم (آل اللّه)، فضلاً عن ورودها في مدح (مؤمن آل فرعون) في قوله تعالى : (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) (10). وهذا التوجيه


1) إشارة الى قوله تعالى : (وَأمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْتَلْكَ * نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَقِبَةُ لِلتَّقْوَى) - طه / 132.

2) صحيح البخاري : 1233/3، مسند أحمد : 119/4.

3) نهج البلاغة : خ / 2 : 27.

4) التبور الهلاك واللعن والعذاب. ينظر : لسان العرب (ثبر) : 99/4.

5) نهج البلاغة : خ / 2 : 37.

6) خوى – بالقصر - خلا. وأكثر ما يستعمل في خُلُق الفم من الطعام. ينظر : تاج العروس (خوي) : 23/38.

7) نهج البلاغة : خ / 100:182.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 491/3.

9) ينظر : سر صناعة الإعراب : 1/ 102، والمباحث اللغوية في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 102.

10) غافر / 28.

مقبول يمكن أن نفسر به استعمالات الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لتعبير (آل محمد) على جهة الإضافة إلى أشرف الأسماء وأخصها عند اللّه تبارك وتعالى وعند الناس، وهو اسم النبي محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم). ولكن هذا الوجه الذي ذهب اليه ابن جنّي لا يتفق مع السياق القرآني الذي استعمل لفظة (أهل) مضافة إلى كلمة (البيت) في مقام المدح والتشريف والاختصاص أيضاً في غير موضع من الذكر الحكيم كقوله تعالى : (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)(1)وقوله تعالى : (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (2)مع استعماله كلمة (آل)، للدلالة على الخاصة المقربين من الأنبياء وآلهم، في سياقات القصص القرآني الدال على العبرة والاعتبار من قبيل قوله تعالى: (إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ)(3). وقوله تعالى : (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (4). ولم يقتصر القرآن الكريم على ذلك، بل استعمل اللفظة المتقدمة مع كلمة (فرعون) في مقام الذَّم والتقريع في قوله تبارك وتعالى (وَلَقَدْ أَخَذْنَا وَالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَكَرُونَ) (5). وقد نهج الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) نهج القرآن الكريم في هذا التعبير، مستعملاً هذا التعبير، تركيب (آل فرعون) في قوله الذي يذم فيه من سار على سَمْت هؤلاء بقوله : ((قَدْ مَارُوا (6)فِي الْحَيْرَةِ، وَذَهَلُوا فِي السَّكْرَةِ، عَلَى سُنَّةٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ))(7). أقول : ويجوز أن يكون المقصود بتركيب أهل البيت وصفهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) بأنّهم عشيرة النبي وأقرباؤه المختصون به، الذين يمثلون امتداده بين القبائل من يَسْتأنس بهم النبي ويألفهم دون غيرهم. ولمّا كان أهل البيت (عليهم السلام) يألفون (البيت) بكل ما تحمله هذه المفردة من دلالات وإيحاءات على شرف المكان وقداسته، لهذا جاء تعبير (أهل البيت) دالاً على استحقاقهم وتأهلهم لنيل شرف الحظوة عند النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، حتى صار (البيت) مأهولاً بهم يألفهم ويألفونه. وهذه الدلالات حاضرة عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مقصودة في كلامه الذي استعمل فيه التعبير المتقدم. في حين أنّه أراد من قوله : (آل محمد) جميع ما تتضمنه لفظة (آل) من دلالات، كأنه يومئ بها إلى أنهم بمنزلة (إلّ) الخيمة وعمدها الذي تقوم عليه (8). وهم في الواقع كالعمد الذي يعين النبي في أداء رسالة اللّه تبارك وتعالى، وفي طليعتهم الإمام علي ((الذي ما ادخر وسعه في ذلك. ويحتمل أن يريد أيضاً الدلالة على العلو والارتفاع والإحاطة، فضلاً عن الصفاء واللمعان. وهذه من الدلالات التي يوردها المعجم العربي لمفردة (آل) وبقية اشتقاقاتها (9). فكلما أراد الإمام معنى التأهل والاستحقاق، فتراه يتخذ تعبير (أهل البيت سبيلاً إلى ذلك. وثَمة قضية أخرى أجدها مرتبطة بقوله (آل محمد)، وهي مسألة ترتبط بالجانب الصوتي لبنية (آل) واتساقها مع


1) هود / 73.

2) الاحزاب / 33.

3) الحجر / 59.

4) الصافات / 130.

5) الاعراف / 130.

6) المؤر التردد والتسرّع في الحَيْرة. ينظر : لسان العرب (مور) : 186/5.

7) نهج البلاغة : خ / 150 : 262.

8) ينظر : المحكم (ألل) : 393/10.

9) ينظر : المحكم (آلل) : 450/10، ولسان العرب (ألل) : 23/11.

دلالتها، فإنّ صوت المد الذي تفتح به الكلمة المتقدمة منحها ضرباً من الفخامة و الامتداد في ذهن السَّامع، الامر الذي اكسبها نوعاً من الايحاء بالعلو والارتفاع والامتداد. وهذا الأمر واضح في ارتباط لفظة (آل) بهذهِ المعاني في المعجم العربي (1). ومما يمكن أن يلحق بالدلالة المتقدمة، استعماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظة (أهل) دالة على أبناء الرجل وعائلته المقربة منه. وذلك في غير الدلالة على النبي وآله. فقد وردت تلك الدلالة في (خ / 46، 102 (2)، 108، 109، 111، 126، 127، 154، 172، 190، 209، 221، ك، 221، ك / 41، 53، 71، قصا / 257، 352).

ثالثاً : الدلالة على الزوجة.

وقد استعمل الإمام لهذه الدلالة لفظة (أهل) المتصلة بضمير الغائب (أهله) في سياق النصح والإرشاد، لمّا رأى قوماً يرمقون امرأة بأبصارهم، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((... إِنَّ أَبْصَارَ هَذهِ الفُحُولُ طَوَمِحٌ، فَإِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى امْرَأَة تُعْجِبُهُ فَلْيُلاَمِسْ أَهْلَهُ، فَإِنَّمَا هِيَ امْرَأَةٌ كَامْرَأَته.)) (2). أراد بالمُلامسة مجامعة الرجل لزوجته. فكنّى عن. ذلك بلفظ (المُلامسة) الذي استعمله القرآن الكريم كناية عن (الجماع) في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) (3). و يرشد الناس إلى الخلاص من فتنة النظر المحرّم بملامسة الزوجة ومقاربتها (4). فهي المؤهلة لنظر اليها نظر طماح في الشريعة الإسلامية دون بقية النساء اللواتي حرّم اللّه النظر اليهنّ بريبة.

ابن - ابنه

الابن الولد (5)، وهو المتولد من أبويه. والجمع أبناء (6)وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المفردة المتقدمة باشتقاقات متعددة، فقد وردت لفظة (ابن) سبعاً وستين مرة في نهج البلاغة. في حين وردت كلمة (بني) مصغرة ست عشرة مرة. تلتها مفردة (أبناء) التي جاءت ثلاث عشرة مرة. ولفظة (بنين) جمعاً على (فَعِيل) ثلاث مرات، و (بَنَات) مرتين. في حين جاءت الفاظ ابنكَ، ابنه، أبنائنا، أبناءها، بَنُون) مرة واحدة لكل واحدة منها (7)، للدلالة على ما يأتي :

اولاً : الدلالة على الأولاد وذوي القرابة في الرحم.

وهذه الدلالة شائعة في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فكثيراً ما يُستعمل تعبير (ابن أبي) أو (ابن آدم، أو (ابن أمي) ومن ذلك قوله الذي يذم فيه معاوية قائلاً : ((وَهَلُمَّ (8)الْخَطْبَ (9)فِي ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ...))(10). ونظير دلالة


1) ينظر : مقاييس اللغة (ألل) : 18/1، 19، والمحكم (ألل) : 10/ 450 ولسان العرب (ألل) : 23/11.

2) نهج البلاغة : قصا / 420 : 686.

3) النساء / 43. وينظر : المائدة / 6.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 5 /500.

5) ينظر : المحكم (بني) : 501/10، ولسان العرب (بني) : 89/14.

6) ينظر : المغرب في ترتيب المعرب : 88/1.

7) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 64، 65.

8) هَلُمَّ اسم فعل أمر بمعنى (أقبل) وهي مكونة من (الهاء) التي ضمت اليها (لم) فجعلت كالكلمة الواحدة. وهي تستعمل للواحد والاثنين والجماعة ينظر : كتاب سيبويه : 332/2، 24/1، 252، ولسان العرب (هلم) : 617/12.

9) الخطب الشأن او الامر صغرا وعظم. ينظر : لسان العرب (خطب) : 360/1.

10) نهج البلاغة : خ / 162 : 289.

لفظة (ابن) المتقدمة ما ورد في (خ / 3، 5، 19، 25، 27 2، 66، 31، 68، 84، 97، 123، 135، 160، 162، 164، 192، 182، 238 (2)، ، ك / 39، 75، 27، 35، 24 (3)، 50، 44، 53، 38، 13، 41، 44، 45، 63، 9، 36)، (قصا / 43 (2)، 147، 262، 192، 254، 267، 326، 379، 419، 454، 25). وقد استعمل الإمام لفظة (ابن) جمعاً على صيغتي (أَفْعَال)، و (فَعُول). فجاءت كلمة (أبْنَاء) ثلاث عشرة مرة - كما تقدم - فضلاً عن موضعين أضيفت فيهما الكلمة إلى ضمير المتكلمين (نا) (أبناءنا)، وضمير الغائبة (أبْنَاءَنا). في حين أنّه استعمل لفظتي (بنين) جمعاً في حالة النصب في ثلاثة مواضع، ولفظة (بَنُون) في موضع واحد فحسب. ويعمد الإمام إلى استعمال لفظة (أبْنَاء) - بهذا الوزن - للدلالة على (الأولاد) من الذرية المتولدة من الأب والأم، مثلما استعملها بالدلالة على (الأبناء) الذين يرتبطون بالدنيا وشرورها، فضلاً عمّن يرتبط بالآخرة. فمن دلالتها على الذُرّية قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق الحديث عن قتل الآباء والأبناء مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في سبيل الإسلام : ((فَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللّه (صلى اللّه عليه وآله)، وَإِنَّ الْقَتْلَ لَيَدُورُ بَيْنَ الآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ والإِخْوَانِ...))(1). مشيراً إلى أن أغلب المسلمين الأوائل كانوا يقاتلون قراباتهم من آبائهم وأبنائهم إلى جنب رسول اللّه طلباً لرضا اللّه تبارك وتعالى ورسوله، ومن أجل ثبات الإسلام وانتشاره. فاستعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) بناء (أفعال) المعدود من أبنيه جموع القلّة (2)للدلالة على الكثرة - فيما يبدو - ؛ لأنّ هذه الصورة من قتل الآباء والأبناء كانت شائعة في معارك الإسلام الأولى فناسب ذلك استعمال بناء (أفْعَال) لهذا السياق وتبدو هذه الدلالة مناسبة أيضاً للسياقات التي يتحدث فيها الإمام عن تنزيه اللّه تبارك وتعالى من اتخاذ (الأبناء) قليلهم وكثيرهم. وذلك في قوله في مقام توحيد الخالق وتنزيهه : (لَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْلُوداً، وَلَمْ يُولَدْ فَيَصِيرَ مَحْدُوداً، جَلَّ عَن اتِّخَاذِ الْأَبْنَاءِ، وَطَهُرَ عَنْ مُلاَمَسَةِ النِّسَاءِ)) (3). و (جَلَّ) أي : عظم قدره من أن يكون له أولاد البتة وكذلك في السياقات التي يتحدث فيها عن أحوال الأمم السالفة. ويجئ البناء المتقدم عند الحديث عن المودة بين القرابات بين الآباء الذي يستتبعه التقرب بين الأبناء أنفسهم. ووردت هذه الدلالة في المواضع الآتية من النهج : (خ / 1، 56، 83، 122، 182، ك / 28، قصا / 308).

أمّا الدلالة على (بُنُوّة) الناس للدنيا والآخرة وما يتعلق بها، فقد استعملها الإمام في غير موضع من النهج. ففي كلام له في سياق الوعظ والإرشاد يقول فيه محذراً الناس من الدنيا : ((أَلاَ وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ حَذَّاءَ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصَبَابَةِ الأنَاءِ اصْطَبَّهَا صَابَهَا أَلَا وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ، وَلِكُلِّ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ كُلَّ وَلَد سَيُلْحَقُ بِأُمِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ...))(4). أراد : أنها مُدبرة


1) نفسه خ / 122 : 225، 226.

2) ينظر : معاني الأبنية : 135.

3) نهج البلاغة : خ / 186 : 344.

4) نفسه : خ / 42 : 84. ولم اجد من اللغويين من ذكر أن (الحَذَاء) و (الحَذَّ) السرعة. سوى انهم ذكروا أنّ (الحَذَاء) هو صانع النَّعال. ولعل هذه الدلالة تليق بالسياق الذي استعمله الإمام لمناسبتها سوء الدنيا وفعلها بالناس. فهي كمن يصنع الأحذية لتدوسهم بها. ينظر : تاج العروس (حذو) : 413/37.

بسرعة. ولذلك وصفها (بالحَذاء) في إشارة إلى سرعة مضيّها وانقضائها حسبما يذكر السيد الشريف الرضي (1). وروي (جَذَّاء). أي مقطوعة كأنها قد قطعت خيرها ونفعها عن الناس، فليس فيها غير الشرّ والأذى. والملاحظ أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد أورد في هذا النص مفردة (بَنُون) جمعاً للدلالة على الأبناء كأنه يريد وصف من انغمس في ملذات الدنيا وزخارفها بكونه ابناً لها، كما أنه وصف من صرف نفسه إلى الآخرة، والعمل من أجلها، حتى صار كأنه ابنها. فوصفهم بأنهم (بنون) للدنيا والآخرة. فجاء بجمع كلمة (ابن) - في هذا السياق – على ضربين ؛ الأول منها جمع ملحق بالجموع السالمة، وتمثله مفردة (بَنُون)، والثاني من أبنية جموع القلة، وهو لفظة (أبناء). وليس المراد - فيما يبدو - بهاتين اللفظتين الدلالة على القلّة، مع أنّ الدارسين يعدونها كذلك، ولاسيما الجموع السالمة التي تدل عندهم على القلة (2). فالسياق يوحي بانصرافها إلى الكثرة ؛ مناسبة لحال الناس الذين غرّتهم الدنيا بما فيها من الشهوات، فصاروا أبناء لها تأخذهم أنّى شاءت. وهذا النمط من الناس كُثر وليسوا قليلين. في حين أنّ أبناء الآخرة الذين شغلوا بها، وضربوا صفحاً عن الدنيا، فيمكن أن يكونوا قليلين بإزاء (أبناء الدنيا) ؛ فالذين يعملون لآخرتهم هم أقل من أهل الدنيا. ولهذا ساق الإمام كلامه بنصح المخاطبين إلى أن يكونوا من (أبناء الآخرة) دون الدنيا. وعلل ذلك بأنّ كل ولد سيلحق بأمه يوم القيامة. في إشارة منه إلى أنّ من شأن (الولد) الميل إلى الأم ونزوعه اليها أُلفاً بها وطلباً لحنانها. ولهذا صوّر العلاقة بين الناس وطرائقهم في الحياة بصورة العلاقة بين الأبناء والآباء، مستعيراً لفظ (الأبْنَاء) للخلق، ولفظ (الدنيا والآخرة) للأم، ووجه الاستعارة الميل الذي تتضمنه نفوس الأبناء نحو أمهاتهم وآبائهم ؛ فمنهم من يميل إلى الآباء ومنهم من يميل إلى الأمهات (3). وقد أرشد (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى ضرورة أن يكون الإنسان من أبناء الآخرة الطالبين لها العاملين من أجلها ؛ ليتحقق القرب من اللّه تبارك وتعالى يوم القيامة، وليكونوا مرضيين عنده حينذاك. وقد استعمل الإمام نظير هذا التعبير في قوله الذي يتحدث فيه عن حُبَّ الناس للدّنيا، وذلك في قوله : ((النَّاسُ أَبْنَاءُ الدُّنْيَا، وَلاَ يُلاَمُ الرَّجُلُ عَلَى حُبّ أُمِّهِ.)) (4)، لأنها ترعاه وتمنحه حنانها وشفقتها. ولكنها لا تغني عنه من اللّه شيئاً حسبما يقول اللّه تبارك وتعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (5). وقد وردت دلالة لفظة (أبناء) و (بنين) نفسها في (خ / 23، 101، 143، 192).

صيغة التصغير (بنَي)

إشارة:

وكثرت هذه الصيغة في (نهج البلاغة) وقد استعملها الإمام كفي المواضع جميعاً في تركيب النداء، مخاطباً به ولده الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) سوى موضع واحد فحسب خاطب فيه ولده محمد بن الحنفية. ومن ذلك


1) نهج البلاغة : خ/ 42 : 84.

2) ينظر : معاني الأبنية : 145،144.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2 / 296.

4) نهج البلاغة : قصا / 303 : 663.

5) التوبة / 24.

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق نفي الشريك عن اللّه تبارك وتعالى : (وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ، أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكَ لَاتَتْكَ رُسُلُهُ، وَلَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ ...)) (1). وينفي الإمام الشركة عن اللّه تبارك وتعالى مستعملاً أسلوب الشرط بـ (لو) التي تدل على امتناع الشركة وانتفاؤها (2). فافتراض الشريك يلزم أن يكون له رُسُل تنبئ عنه، فضلاً عن ظهور آثار ذلك المُلك والسلطان. فلو كان ذلك لكان الشريك إلها مستجمعاً شرائط الإلهية جميعاً وإلا لم يصلح للشَّركة (3). أمّا خطاب الإمام لولده (عَلَيهِ السَّلَامُ) وندائه بلفظة (بُنَي) مصغراً كلمة (ابن)، فالغرض من تصغيرها – فيما يبدو - الدلالة على الإكرام والرحمة والتلطف بولده. وقد أشار اللغويون إلى هذا المعنى المتحصل من تصغير لفظة (ابن) على (بني). ويفهم من قوله المتقدم تعليمه الناس طرائق المخاطبة، وأساليب النّصح والإرشاد والتوجيه التي تحتاج إلى تقديم يتضمن الدَّقة في تخيّر الألفاظ التي توحي بالرقة والرأفة وحسن الرعاية للمخاطب. وهذه كلها عوامل مساعدة في تقبل النصائح والوصايا التي يراد من الآخر الأخذ بها وتطبيقها. و شاع هذا الاستعمال في وصاياه لأولاده الذين يخاطبهم في خطاباته لهم كلها بـ(يابني)، ولاسيما في وصيّته لولده الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) . ومن هذه المواضع ما ورد في (ك / 31 (13)، قصا / 38 (2)، 319).

استعماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظ ابنه / بنات) الدال على المؤنث

وقد جاءت لفظة (ابنة)، وجمعها (بنات) في نهج البلاغة. إذ استعملت مفردة (بنات) و (ابنتك) مرتين في نهج البلاغة، للدلالة على ما يأتي :

أولاً : الدلالة على السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)

وجاء ذلك في سياق مخاطبته (عَلَيهِ السَّلَامُ) للنبي محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، لمّا دفن سيدة نساء العالمين قائلاً : ((السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللّه عَنِّي، وَعَنِ ابْنَتِكَ النَّازِلَةِ فِي جِوَارِكَ، وَالسَّرِيعَةِ التَّحَاقِ بِكَ...)) (4). فنسبها الإمام في هذا المقام إلى رسول اللّه، مستعملاً مفردة (ابنتك) في إشارة إلى بيان درجة قرابتها منه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، قاصداً بذلك إنها أقرب الناس إلى النبي الأكرم، وتربطها به صلة (البنّوّة)، فضلاً عن كونها أسرع الناس لحاقاً به وآثر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أسلوب السلام على الرسول نيابة عنه وعن ابنته السيدة فاطمة (عليهما السلام) ؛ رعاية لآداب الخطاب مع النبي، ومواظبة على ندبه (5). وتعزيته بوفاتها. ووصفها بتعبير (النازلة في جوارك)، و (السَّريعة اللحاق بك). إيماء إلى كونه قد دفنها قرب أبيها، لتحظى بجواره مثلما حظيت به في الدنيا. كأنّ في ذلك تأكيد منه على أداء ما عليه من نحو النبي والزهراء (عليهما السلام) معاً في إنزالها قرب النبي (6). ومن ثم بيّن حالته بعد وفاة سيدة نساء العالمين قائلاً : ((قَلَّ يَا


1) نهج البلاغة : ك / 31 : 502.

2) ينظر : مغني اللبيب : 99/1.

3) ينظر : فقه اللغة (الثعالبي) : 91/1.

4) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 65.

5) ينظر : منهاج البراعة : 12/13.

6) وقد ورد في الحديث عن النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) أنّه : ((دَعا ابنَتِهِ فاطمة فَسَارّها، فَوَ بَكتْ ثم، سارّني فاخبرني أني أول من يتبعه من أهله فضحكت فضائل الصحابة : 754/2. وذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، لمحب الدين الطبري : 42/1. وشائع في المدونات الخاصة بالحديث النبوي انه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قال : ((ما بين قَبْري ومنبري روضة من رياض الجنّة)). مسند احمد : 64/3. وسنن النسائي : 489/2. أقول : ويبدو أنّ الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يشير بكلامه المتقدم الى موضع دفن السيّدة قاطمة الزهراء (عليها السلام) ؛ لانهم فسروا كلام النبي المتقدم بكونه الى إشارة موضع دفنها (عَلَيهِ السَّلَامُ).ينظر : منهاج البراعة : 12/13.

رَسُولَ اللّه، عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي، وَرَقَ عَنْهَا تَجَلُّدِي (1)...)) (2). واستعماله لفظة (قل) للصَّبر، تنبيه على تسليمه لقضاء اللّه (جل جلاله) ؛ فما وصف نفسه بفقد الصبر على الرغم من فداحة المصيبة التي نزلت به بوفاتها (عليها السلام) ؛ وإنما استعمل لفظ (قَلَّ)، كأنه كان يترقب وقوع هذا الأمر الذي أخبر به النبي الأكرم (3)ولهذا أعقب كلامه المتقدم بقوله : ((إلا أَنَّ لِي فِي التَّأْسِي بِعَظِيمٍ فُرْقَتِكَ، وَفَادِح مُصِيبَتِكَ، مَوْضِعَ تَعَزّ...)) (4). أمّا توظيفه مفردة (صَفّيتك) جاء للدلالة على كونها غنيمة رسول اللّه وصفوته التي وهبها تبارك وتعالى له. فـ (الصَّفِي) في اللغة مأخوذ من الصفاء وعدم الكدر. وهو النقي الخالص من كل شيء (5). وهي (عليها السلام) جديرة بأن تكون الصَّفِيّة النقية الخالصة من كل كدر التي اختارها اللّه جل جلاله، لتكون من ذرية النبي الأكرم، فهي صفوته وخاصته. وهذا الأمر يفسر استعماله لفظتي (ابنتك) و (صَفيّتك) مضافاً اليها (كاف) الخطاب، كأنّه يومئ إلى إحدى فضائل النبي بوصفه والد الزهراء (عليها السلام) أقول : وقد وردت لفظة (البنات) بالجمع دالة على جماعة البنات، وذلك في (خ/202).

ثانياً : الدلالة على هوام الأرض وما فيها من موارد وكائنات.

وقد استعمل لهذه الدلالة لفظة (بنات) مضافة إلى كلمة (الأرض). وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) مبينًا علم اللّه تبارك وتعالى : ((عَالِمُ السِّرّ مِنْ ضَمَائِرِ الْمُصْمِرِينَ... وَعَوْمِ (6)بَنَاتِ الأرضِ فِي كُثْبَانِ الرِّمَالِ...)) (7).

والنّص بيان لاطلاع اللّه وعلمه بكل شيء بحركاته وسكناته ؛ بوصفه الصانع المقدّر للكون. وقد استعمل الإمام تركيب (بَنَات الأرْض) للدلالة على ما تضمنته الأرض من هوام وحشرات في باطنها، مصوّراً (الأرض) بهيأة الأُم الودود لبناتها، مستعيراً مفردة (البنات) لهذه الهوام، إتماماً لنسق الاستعارة ووجه المشابهة بين (الأم) و (الأرض)، فلما كان من عادة الأولى الحمل والولادة، وتضمنها الجنين في بطنها، جاء بالتعبير المتقدم ليوحي بانطواء هذه الأرض على تلك الهوام وما صغر منها الدواب في باطنها، وخص ذلك بلفظ (بَنَات) دون غيرها من الألفاظ الدالة على الأبناء كلفظة (أولاد) وغيرها، مناسبة - فيما أحسب - للعلاقة الوشيجة بين البنت. فالبنات إلى الأُمَّهات أميل، وإلى سماع قولهن أرغب، وإنما تَطَّلع الأم على حال بناتها أكثر مما يطّلع الأب على ذلك (8). ويلحظ أنّ الإمام استعمل لفظة (عَوْم)، ليدل بها على انطواء هذه الهوام في باطن الأرض تشبيهاً تشبيهاً لذلك بالعَوْم في الماء على سبيل الاستعارة.


1) النَّجَلّد إظهار الجلد، وهو التَّصَبّر، وتكلّف الجلادة. ينظر لسان العرب (جلد) : 126/3.

2) نهج البلاغة : خ / 202 : 403.

3) فقد روت كتب الحديث النبوي الشريف انه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قال لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((سلام عليك أبا الريحانتين من الدنيا، فعن قليل يذهب ركناك واللّه خليفتي عليك. فلما قُبض النبي.. قال علي : هذا احد الركنين الذي قال رسول اللّه... فلما ماتت فاطمة. قال : هو الركن الآخرُ الذي قال رسول اللّه)). فضائل الصحابة : 623/2.

4) نهج البلاغة : خ / 202 : 403.

5) ينظر : لسان العرب (صفا) : 14 / 463.

6) العَوْم السباحة. ينظر : لسان العرب (عوم) : 432/12.

7) نهج البلاغة : خ / 91 : 167.

8) ينظر : لسان العرب : (أمر) : 30/4.

أقول : وثمة رواية أخرى ذكرها شُرَّاح النهج لتعبير الإمام (بنات الأرض)، فقد روي (نَبَات الأرض) (1). وبهذا يكون الاستعمال على أصله ؛ ويراد بهذا القول الدلالة على أصول النباتات والأشجار وعروقها التي تنطوي عليها الأرض، وتكون مغرساً لها ومغذياً لأجزائها. وبحسب هذه الرواية تكون مفردة (عَوْم) دالة على التّضمّن والاحتواء أيضاً. كأنه شبّه عروق هذه الأشجار بالكائنات التي تسبح داخل الماء.

ويبدو أنّ رواية (نَبَات الأرض) أليق بكلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأكثر إبلاغاً من رواية (نبات الأرض). فتعبير (بنات الأرض) يتضمن إيحاءات متعددة ؛ فهو يحتمل الإشارة إلى الأنهار الصَّغار، والغُدران التي تتضمن بقايا الماء حسبما يذكر بعض اللغويين (2)، فضلاً عن الدلالة على جراثيم الأرض وهوامها التي تكون في الرَّمال (3). وقيل إنّ بنات الأرض هي المواضع التي تخفى على الراعي عند بحثه عن المراعي الكثير العشب(4). وهذه الدلالة الأخيرة تشتمل أيضاً على النبات الذي تتغذى عليه الدواب، فيكون المراد من (بَنَات الأرض) النبات أيضاً (5).

أخو - أُخْت

إشارة:

الأخ هو من ولَدَه أبوك وأمك أو أحدهما، ويُطلق أيضاً على الأخ من الرَّضاع(6). والأخ أيضاً الصديق الصديق والصاحب (7). ووردت لفظة (الأخ) باشتقاقات متعددة في نهج البلاغة بلغ مجموعها جميعاً إحدى وثمانين مرة (8)، للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على الأخوة غير النَّسَبيَّة، وهي أخوة الصداقة أو الصحبة

وهي من أكثر الدلالات شيوعاً في نهج البلاغة، فقد استعملت كثيراً في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ). و يرجع ذلك إلى تركيز أمير المؤمنين على العناية بالعلاقة الاجتماعية الناشئة من المصاحبة واتخاذ الأخوان ؛ بوصفها الضرب الثاني من ضروب الأخوة بعد أخوّة النَّسب. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق وصيته إلى بعض عماله على الصدقات : ((آمَرهُ بِتَقْوَى اللّه فِي سَرَائِرِ أُمُورِهِ وَخَفِيَّاتِ عَمَلِهِ... وَآمَرهُ أَلَّا يَجْبَهُهُمْ (9)، وَلَا يَعْضَهَهُمْ (10)، وَلَا يَرْغَبَ عَنْهُمْ تَفَضَّلاً بِالْأمَارَةِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمُ الاخْوَانُ فِي الدِّينِ، وَالأعْوَانُ عَلَى اسْتِخْرَاج الْحُقُوقِ)) (11). فجاء بمفردة (الإخوان) بصيغة الجمع للدلالة على الأخوة غير النسبية، وهي أخوّة الدين التي يرى اللغويون أن


1) أورد هذه الرواية كل من : البحراني في شرحه : 457/2، وقد جعلها هي الرواية المعتمدة في حين اعتبر ورواية (بنات) الأرض الرواية الثانية. وسار على نهجه أيضاً صاحب الديباج الوضي : 700/2، ومنهاج البراعة : 38/7. في حين آثر الشارح ابن أبي الحديد تعبير (بنات الأرض). ينظر : شرح نهج البلاغة : 24/7، وتبعه في ذلك صاحب مصادر نهج البلاغة وأسانيده : 164/2، و د. صبحي الصالح : خ / 91 : 167.

2) ينظر : تهذيب اللغة (بسر) : 286/12، وفقه اللغة (الثعالبي) : 5/1.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 24/7.

4) ينظر : لسان العرب (بسر) : 57/4.

5) نفسه.

6) ينظر : تاج العروس (أخو) : 46/37.

7) ينظر : لسان العرب (أخا) : 19/14، وتاج العروس (أخو) : 46/34.

8) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 22/21.

9) جَبَههُ جَبْهَا، أي رَدَّه عن حاجته، واستقبله بما يكره. ينظر : لسان العرب (جبه) : 483/13.

10) العضهة البُهتانُ والإِفْكُ والنَّميمية. ينظر : لسان العرب (عضه) : 515/13.

11) نهج البلاغة : ك / 484/26.

المفردة المتقدمة مختصة بها. يقول ابن منظور في ذلك : ((وأكثر ما يستعمل (الإخوان) في الأصدقاء والإخْوَة في الولادة)) (1). ويبدو أنّ هذا الأمر رَهْن بالسياق. فإنَّ القرآن الكريم استعمل لفظة (إخوان) للدلالة على أخوّة الصحبة والصداقة، ومنه قوله تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) (2). و استعملها في موضع آخر للدلالة على الأخوّة في النَّسب، وهو قوله تعالى الذي يتحدث عن أحكام ستر النساء زِيْنَتَهنَّ عن الأجانب. (..لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا...)(3). وهذا الاختلاف في دلالة المفردة راجع إلى اختلاف سياقي الآيتين، فما كان الخطاب فيه لعموم المؤمنين المؤمنين والدلالة على الكثرة تستعمل فيه اللفظة دالة على أخوّة الصُّحبة والرّفعة، وإلا فهي دالة على أخُوَّة النّسب إذا أُريد التعبير عن خطاب الخاصة والدلالة على القلة (4). وعلى هذا النسق استعمل الإمام لفظة (إخوان) للدلالة على أخوّة الدين. ومجيء هذه الكلمة بصيغة جمع الكثرة يوحي بكثرة (إخوة الدين) الذين يُعزّ بهم شأن المرء المسلم. والملاحظ أن أمير المؤمنين قد اخذ من القرآن الكريم هذا التعبير، وهو قوله تعالى شأنه : (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (5). ونظير هذا التعبير ما ورد في (خ / 118، 122، 225، ك / 53، قصا / 289). وقد وصف الإمام إخوة الجور والظلم 225 /53 بـ (الإخوان). فقال في عهده إلى (مالك) الأشْتَر) لمّا نهاه عن تولية وزراء الأشرار، معللاً ذلك بقوله : (إِنَّ شَرَّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِلْأَشْرَارِ قَبْلَكَ وَزِيراً، وَمَنْ شَرِكَهُمْ فِي الْأَثَامِ، فَلَا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً (6)، فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الْأَثَمَةِ (7)، وَإِخْوَانُ الظُّلَمَةِ...)) (8). فجعل (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما من كان وزيراً للأشرار عوناً للأثمة وإخواناً للظلمة، فهم إخوانهم فيما توافَقُوا عليه من ظُلْم الناس والبَطْش بهم. فصارت لفظة (إخوان) - هنا - دالة على أخوّة (العمل والمنهج). ولمّا كان السياق سياق نهي وتنفير من اتخاذ هؤلاء الوزراء والأعوان شركاء في الإدارة ؛ فلهذا استعملها الإمام بالدلالة المتقدمة مناسبة للسياق، فضلاً عن الإشارة بها إلى القِلَّة بدلاً من الكثرة ؛ لأنّ هؤلاء ليسوا من الكثرة ؛ فهم فريق قليل جمعه. ولهذا وصفهم بلفظة (أعوان) و هي جمع على وزن (أفْعَال) من أبنية القِلّة. وصارت قرينة تصرف دلالة الكَثرة في (إخْوان) إلى جموع القِلّة. وقد فسَّر بعض الشرَّاح تعبير (إخوان الظُّلمَةَ) بأنَّهم المُؤاخون لهم على أخذ المظالم (9). ومثل هذا الضرب من التعبير بدلالته المتقدمة استعمله أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (في (خ / 192).


1) لسان العرب (أخا) : 20/14، وينظر تاج العروس (أخو) : 46/37.

2) الحجر /47.

3) النور / 31، وينظر : الأحزاب / 55.

4) ينظر : معاني الأبنية : 138.

5) التوبة / 11.

6) البطانة الدخلاء الذين يُنبسط اليم، ويُستبطنون. ينظر : تاج العروس (بطن) : 264/34.

7) الإثْمِ الذَنبُ، و (الأثَمَةُ) جمع (آثم). ينظر : لسان العرب (أثم) : 6/12.

8) نهج البلاغة : ك / 53: 849،548.

9) ينظر : الديباج الوضي : 252/5.

استعمال لفظة (إخوان) للدلالة على إخوة النَّسَبِ.

وورد هذا النوع من التَّعبير في قول الإمام الذي يتحدث فيه عن مواقفه مع بقيّة أصحابِ النَّبيَّ الخُلَّص في قتال المشركين. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((وَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللّه (صلى اللّه عليه وآله)، نَقْتُلُ آبَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَإِخْوَانَنا وَأَعْمَامَنَا، مَا يَزِيدُنَا ذلِكَ إِلا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً...) (1). وتحتمل ألفاظ القرابة الواردة في السياق الدلالة على القرابة القريبة، فتكون الفاظ) آباء، وأبناء، وإخوان، وأعمام) بحسب هذا الوجه على أصلها. ومن بين هذه الألفاظ مفردة (إخوان) التي تدل على الأخوّة في النَّسب، من أولاد الأب والأم، أو الأخوة من الأب، أو من الأم، ويدخل في ذلك الأخوة من الرَّضاعة. ويُبيَّن الإمام في هذا النص فضله وصنيعه مع بقية الصحابة المخلصين في الجهاد بين يدي رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، فكان كل واحدٍ منهم يقتل أباه وولده، وإخوانه طلباً لرضا اللّه تعالى وذَبَّاً عن دينه، فلا يزيده ذلك إلاّ إيماناً (2).

أقول : لو حُمِل النَّص على هذا الوجه ؛ لكان عدّ مفردات القرابة المتقدمة، ومنها لفظة (إخوان) على أصلها أدَلَّ في إظهار شدة التَّحمّل والطاعة لله تبارك وتعالى ولنبيه، فليس سهلاً على الإنسان أن يقتل أباه أو أخاه في سبيل شئ ما. ولكن الإسلام أذْهَب هذا الضرب من الحمِيَّة في النفوس، والعصبية للأهل والعشيرة في سبيل أن يضرب الإسلام بِجِرَانه ويتّسع امتداده. فصار جهادُ الأقارب وقتلهم ضرباً من الإيمان والتسليم لأمر اللّه تعالى. وتحمل هذه الألفاظ الدلالة على القرابة بعامة، وليس على نحو القرابة الخاصة، لفظة (إخْوان) تدل على أخوّة الصُّحْبة والصَّداقة، فيقتل المسلمون - حينذاك - قراباتهم البعيدة العامة، فضلاً عن إخوانهم من رفاقهم السابقين طمعاً في رضا اللّه ورسوله وحفاظاً على الإسلام. وقد أشار بعض شُرَّاح نهج البلاغة إلى هذا المعنى، ففسَّر ألفاظ القرابة الواردة في النص المتقدم بأنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أراد جميع الأقارب (3). و يُفهم من هذا التعبير عدم اختصاص تلك الألفاظ بدلالتها الحقيقية المعروفة.

تغبير (أخو / القبيلة)، (أخو / الحرب).

وهذان التعبيران شائعان في نهج البلاغة، فكثيراً ما أضاف الإمام مفردة (أخ) إلى (قبيلة) من القبائل وقد لاحظت أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يستعمل هذا التعبير في السَّياقات التي يتمثل فيها بالشعر الذي ينتقيه الإمام ليناسب الغرض الذي يسوقه للمتلقين. وثَمَّة موضع واحد استعمل فيه تعبير (أخو مذحج) إشارة إلى (مالك الأشتر). فمن ذلك قوله في سياق حديثه عن معصية الناس له ومخالفتهم رأيه في شأن التحكيم : ((... أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ مَعْصِيَةَ النَّاصِحِ الشَّفِيقِ الْعَالِمِ الْمجَرِّبِ تُورِثُ الْحَسْرَةَ، وَتُعْقِبُ النَّدَامَةَ، وَقَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ فِي هَذِهِ الْحُكُومَةِ أَمْرِي، وَنَخَلْتُ (4)لَكُمْ مَحْزُونَ رَأْيِي، لَوْ كَانَ يُطَاعُ لِقَصِير أَمْرٌ (5): فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ الْ مَخَالِفِينَ... فَكُنْتُ وَإِيَّاكُمْ


1) نهج البلاغة: خ / 56 : 96.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 320/2.

3) ينظر : الديباج الوضي : 478/1.

4) نَخَل الشيء، صَفًّاهُ. ينظر : لسان العرب (نخل) : 65/11.

5) هذا المثل من الأمثال المشهورة التي تمثل بها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا النص. و (قصير) هو مولى (جُذيْمَة الأبرش) الذي خَطَب (الزباء بنت عمرو بن طريف) التي كانت كانت على الشام والجزيرة من قبل الرّوم، فأجابته الى ذلك، وهم (جذيمة) بالرّحيل اليها، فنهاه (قَصِيْرُ) عن ذلك، فعَصاه وسار حتى وصلا بين (هيت والأنبار). فقال له (قصير) : ارجع وَدَمك في وجهك. فأبى وقال له : (لا يُطَاع لِقَصِير أمْر)، فذهبت هذه الكلمة مثلاً. ينظر جمهرة الأمثال : 23/1، ومجمع الأمثال : 233/1، والمستقصى في أمثال العرب : 126/1، وفيه (لا يطاع لقيصر رأي).

وَإِيَّاكُمْ كَمَا قَالَ أَخُو هَوَازِنَ (1)أَمَرْتُكُمْ أَمْرِي بِمُنْعَرَجِ اللّوَى فَلَمْ تَسْتَبِينُوا النُّصْحَ إِلا ضُحَى الْغَدِ (2)))(3). ما نهاهم. فيه أمر التحكيم، والركون اليه، عاقبةً سَيْئة لا يَعْقُبها خَيْر، لأنه نَصَحهُم وهو مُصيبٌ في رأيهِ، لكنهم أبوا عليه وخالفوه فكأنما يريد أن يقول لهم قولته الشهيرة أثرت عنه (وَلكِنْ لا رَأْيَ لَمِنْ لاَ يُطَاعُ)) (4)وهذه الكلمة لم تُسْمع من أحد قبل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي جارية مجرى المثل، وتعد من بديع الأمثال وغرائب الحكم (5). ولهذا أكَّدَ حاله مع هؤلاء الجماعة بما جاء في شعر (أخُو هوازن)، يريد بذلك الشاعر (دُرَيْد بن الصمة)(6)، وهو من قبيلة (هوازن) العدنانية. ولم يصرّح الإمام باسمه، وإنما ذكره بنسبه إلى قبيلته، دلالة على ملابسته لهم (7). وقرابته منهم أو أنّه من نسلهم ومن بين ظهرانيهم.

أقول : وجرى الإمام في هذا الوجه مجرى القرآن الكريم الذي استعمل هذا الضرب من التعبير في حديثه عن بعثة الأنبياء إلى الأمم التي أرسلوا اليها، ومن ذلك قوله تبارك وتعالى (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ) (8). وقوله : (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (9). وافترق المفسرون في معنى قوله تعالى (أخَاهُم) وهل هو من نحو أخوة القرابة بالقرابة القريبة، أو لا ؟. فذهب فريق من المفسرين إلى أنَّ هوداً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان واحداً من تلك القبيلة(10). وبيّن الزمخشري (ت 538هـ) العِلّة في ذلك بقوله : ((وإنما جُعِل واحداً منهم ؛ لأنَّهم أَفْهَم عن رَجُل مِنهم، وأعرف بحاله في صِدْقِه وأمانته)) (11). وليكون الأنس بكلام النبي وأفعاله أكمل وأليق (12)؛ فلا تكونَنَّ لهؤلاء القوم حُجّة في انه جاءهم رسول او نبي من غير جلدتهم. وهذا المعنى يناسب وصف الأنبياء بالأخوة فيمن بُعثوا فيهم. في حين ذهب فريق آخر من المفسرين إلى أنّ تعبير القرآن بمفردة (أَخَاهم) يراد به أخوّة الصحبة والمعاشرة. أنه صاحبهم ورسولهم (13)، ويحتج أصحاب هذا الوجه بأنّ هذا التعبير جاء على عادة العرب التي تسمّي صاحب


1) هوازن، وهم بطن من (قَيْس) العدنانية. وهم بنو هوازن بن منصور بن عكرمة بن خَصَنَفة بن قيس بن عيلان، ولهوازن بطون كثيرة منها : بنو سعد بن بكر بن هوازن، وبنو سلؤل. وقد قاتلت (هوازن) التبي يوم (حُنَيْن)، وكان قائد جيش المشركين يومذاك (مالك بن عون النَّصْري بن هوازن). ينظر : تاريخ الطبري : 166/2 وما بعدها، والعقد الفريد، لابن عبد ربه الأندلسي : 318/3.

2) البيت للشاعر دريد بن الصمة، وهو في ديوانه : 61. برواية: ((أمرتُهُم... فلم يستبينوا الرُّشد ..))، وينظر شرح نهج البلاغة (ابن ابي الحديد) : 164/2.

3) نهج البلاغة : خ / 35 : 78.

4) ينظر : نهج البلاغة : خ / 27 : 64.

5) ينظر : الديباج الوضي : 359/1.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 2 / 164، ودريد بن الصمة هو شاعر من شعراء الجاهلية، ينتسب الى قبيلة هوازن العدنانية، وهو من فرسان العرب الذين كانت لهم أيام وغارات، أدرك الإسلام ولم يُسلم، وشهد (حُنَيْناً) مع المشركين وكان يومذاك أعمى، وقد عمّر طويلاً حتى خَرفَ. ينظر : الأنساب للسمعاني : 185/4، والعقد الفريد : 318/3. والأعلام للزركلي : 339/2. والديباج الوضي : 407/1 هامش (4).

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 284/2.

8) الأعراف / 65.

9) الأعراف / 73 وينظر : الأعراف / 85، هو / 50، 61، 84، و النمل / 45، والعنكبوت / 36.

10) ينظر : التسهيل لعلوم التنزيل : 36/2، والتفسير الكبير : 125/14.

11) الكشاف : 2/ 110.

12) ينظر : التفسير الكبير : 125/14.

13) نفسه.

القوم أخا القوم، ومنه قوله تعالى : (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ) (1)وفسَّروا كلمة (أُخْتَها) بـ (صَاحِبتها) وشبيهَتِها (2).

أقول: و الظاهر أن القرآن الكريم أراد من وصف النَّبي هود (عَلَيهِ السَّلَامُ) بـ(أخي عادٍ مع كونهم كفاراً الدلالة على أُخُوَّة الجنس والعشيرة، والمصاحبة باعتبار ما سيكون عليه حال الأنبياء مع أقوامهم من صحبتهم ومعاشرتهم، فأما أخوة الجنس، فالمراد بها أنّه من جنسهم ونوعهم الإنساني. وأما أخوة العشيرة، فهى القرابة في النَّسب حتّى وإن كانت بعيدة ؛ فهو من الأُمّة نفسها التي بُعِثَ اليها. وبهذا يَتَّضِح الاستعمال القرآني الذي اختذى الإمام سَمْتَه ونهج طريقته مستعملاً تعبير (أخَا هَوَازن) أو (أخُو بني أسد)، للدلالة على نوع العلاقة والقرابة بين (القَبِيْلة) وبين من أطلق عليه لفظ (أخ)، فضلاً عن الدلالة على الاصطحاب والعِشرة.

أقول : وللتعبير المتقدم نظائر في نهج البلاغة نجدها في: (خ / 27، 128، ك / 36، 38، 64). أمّا التعبير بـ (أخا الحرب) فقد ورد في حتّه لأهل مصر بالنفير إلى قتال عدوهم قائلاً: ((.... انْفِرُوا. رَحِمَكُمُ اللّه. إِلى قِتَالِ عَدُوّكُمْ، وَلَا تَتَّاقُلُوا إلى الأَرْضِ، فَتَقِرُوا بِالْخَسْفِ (3)، وَتَبُوؤُوا (4)بِالذُّلِّ، وَيَكُونَ نَصِيبُكُمُ الأَخَسَّ (5)، وَإِنَّ أَخَا الْحَرْبِ الأَرِقُ (6)، وَمَنْ نَامَ لَمْ يُنَمْ عَنْهُ، وَالسَّلاَمُ.)) (7). والسياق كله حثّ على الاستعداد وعدم التثاقل في النفير إلى قتال العدو. ولهذا ناسب أن يستعمل الإمام عبارة (أخا الحرب)، للدلالة على صَاحِبها المُتأَهَّب لها، فمَن كانت همَّته كبيرة، وكان أهلاً للحرب، فمن لوزامه قلة النوم والسهر لإدراك الحرب (8)استعداداً لها واستقبالاً. وبإزاء ذلك يكون الضعيف المتواني عن الجهاد مُتَرَبَّصاً به مطموعاً في أخذه والقضاء عليه. لهذا أنشأ (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا التعبير ؛ لإبلاغهم أنّ من تَرَقَّبَ (الحرب) وانتظر شروعها، فهو أخوها وصاحبها الذي يرعاها بالانتظار والأُهْبَة وتهيئة العدد والعُدَّة ؛ فلا يُباغته العدو أو يُفاجأ به. ومن هنا كانت لفظة (الأخ) مناسبة للسياق الذي نظمه الإمام، للدلالة على الصُحْبة والملازمة (9). ولما كانت (الحرب) ومجاهدة ومجاهدة العدو من الأمور الهامة التي تتطلب المراقبة وعدم الغَفْلَة ؛ فقد وظف أمير المؤمنين لفظة (الرق) للدلالة على سهر (المترقب للحرب)، وعدم غضّ طرفه عن عدوّه. وهذه المفردة تدل على السهر وذَهَاب النوم


1) الأعراف / 38.

2) ينظر : التفسير الكبير : 125/14.

3) الخَسْف سُؤوخ الأرض بما عليها، والخَسف الهزال والذل وتحميل الانسان ما يكره. ينظر : لسان العرب (خسف) : 9 / 68.

4) أصل البَوَاءِ اللّزُوم، وباء بذنبه أي التزم به، واحتمله. ينظر : لسان العرب (بوأ) : 1 / 37.

5) الخَسَاسة الدَّناءة، والخَسَيْئ الدّه عَنيُّ الرَّذل. ينظر : لسان العرب (خس) : 6 / 64.

6) الأرقُ السهرُ، وهو ذهاب النوم بالليل. ينظر : لسان العرب (أرق) : 4/10.

7) نهج البلاغة : ك / 62 : 579.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2: 370/5، 371.

9) ينظر : لسان العرب (أخو) : 20/14.

باللَّيْل ؛ لعلَّة (1). وعِلَّة الأرق في قول الإمام (الحرب) أو (الجهاد)، وهي علة كافية لتكون سبباً في في ذهاب النوم وعدم الراحة.

ثانياً : الدلالة على الشَّقيق.

وهذه الدلالة كثيرة أيضاً في النهج. فاستعملت فيها لفظة (أخ) على أصلها في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) مجيباً بعض أصحابه الذي قاله له : ((وددتُ أنْ أخِي فُلاناً كانَ شاهِدِنا ؛ لِيَرَى مَا نَصَرَكَ اللّه به على أعدَائكَ)) (2). وكان. ذلك بعدما أظفره اللّه بأصحاب الجَمَل (3). فقال له الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((أَهَوَى (4)أَخِيكَ مَعَنَا فَقَالَ: نَعَمِ. قَالَ: فَقَدْ شَهِدنَا، وَلَقَدْ شَهِدَنَا فِي عَسْكَرِنَا هَذَا أَقْوَامَ في أَصْلَابِ (5)الرِّجَالِ، وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ، سَيَرْعُفُ (6)بِهِمُ الزَّمَانُ، ويَقْوَى بِهِمُ الْأيْمَانُ)) (7). و(الأخ) -هنا - هو الأخ الشقيق الذي يَنْشَق عن الآخر ليكون أخاً له (8). ولهذا الاستعمال نظائر وردت في (خ / 23، 183، 123، 124، 141، 192، ك / 10،31 4، 264).

ثالثاً : الدلالة على المؤاخاة

وأورد الإمام لهذه الدلالة مفردة (الإخاء) في سياق وصفه حال الموتى في مَضَاجِعِ القُبور. إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((جِيرَانٌ لَا يَتَأَنَّسُونَ، وَأَحِبَّاءُ لَا يَتَزَاوَرُونَ، بَلِيَتْ بَيْنَهُمْ غَرَى (9)التَّعَارُفِ، وَانْقَطَعَتْ مِنْهُمْ أَسْبَابُ الأرخَاءِ، فَكُلُّهُمْ وَحِيدٌ وَهُمْ جَمِيعٌ)) (10). والإخاء عند اللغويين المُؤاخاة والأُخُوَّة (11). ويفهم من النّص أنّ الموتى ربما تكون بينهم معرفة على سبيل القرابة الخَصِيصة، فيكون بعضهم إخوة على الحقيقة، أو أنّهم بعيدون في القرابة، ولكنهم إخوان على سبيل الرَّفقة والصُّحبة في الدنيا لما كانوا أحياء ويحتمل أن يكون المراد أن هؤلاء أصحاب ورُفقاء في قبورهم، لكنّما انقطعت بينهم أصول المؤاخاة في حالهم هذا ؛ لأنهم صَرْعى لا يَتَأَنَّسُ بعضهم ببعض، ولهذا وصف (عَلَيهِ السَّلَامُ) تلك الصورة بانقطاع (الإخاء) فيما بينهم. أقول : وكل الدلالات المتقدمة صالحة لأَنْ تؤخذ من مفردة (الإخاء)، فالدلالة على الإخاء والأُخُوَّة القريبة والنَّسبية تقويها القرائن اللفظية الواردة في السياق، من قبيل لفظة (أسباب). والسَّبّب في اللغة القَطع (12). وهو أيضاً قطعقطع الرقطع قطع الرَّحم (13)ويفهم من ذلك أن قطع الأسباب – هنا - يراد به قطع الأرحام، وهي علاقات القرابة بين الأموات ومن هذهِ القرابات قرابة الأخوّة في الرحم. وقد ذكر المعجميّون أنّ (الإخاء)، و (المُؤاخاة) الفاظ تدل على قرابة


1) ينظر : المحكم (أرق) : 472/6، ولسان العرب (أرق) : 4/10.

2) ينظر : مصادر نهج البلاغة وأسانيده : 341/1.

3) نفسهما.

4) الهَوَى إرادة النَّفْسِ. ينظر : تاج العروس (هوي) : 326/10.

5) الصُّلْب عَظم من لدن الكاهل الى العُجب، والجمع (أصلاب)، والصُّلْبُ الظُّهْرِ والجماع ؛ لأنَّ المَنِيَّ يَخْرِجُ منه. ينظر : لسان العرب (صلب) : 1 : 526، 527.

6) الرعاف دم يَسْبِقُ من الأنْفِ. ينظر : لسان العرب (رعف) : 29 / 123، وإنما اراد الإمام هنا الكناية عمّن يجيء بهم الزمان لاحقاً.

7) نهج البلاغة : خ / 12 : 40.

8) ينظر : لسان العرب (شقق) : 182/10.

9) العُرى جَمْعُ (عُرْوة) بالصَّمَّ، وهي المِقْبضُ من الدَّلْوِ والكوز : ينظر تاج العروس (عرو) : 25/39.

10) نهج البلاغة: خ / 221 : 427.

11) ينظر : تاج العروس (أخو) : 48/37.

12) ينظر : لسان العرب (سبب) : 455/1.

13) نفسه.

الإخاء والأخوة.(1). وأمّا الدلالة على قرابة الرّفقة والصحبة في اللّه، أو في الدين و في الخلق، فقرينتها في السياق المتقدم مفردة (التَّعَارُف) وهي في اللغة معرفة الناس بعضهم بعضاً (2)، بحيث تكون بينهم علاقات بسبب بسبب من هذه المعرفة التي وصفها الإمام في قوله بمفردة (بَلِيَت) أي انقطعت بينهم علائقِ التّعارف وَرَثّتْ (3)وتقادمت وعفا عليها الزمن فما عادت تشتد وتقوى كما كانت فى الحياة الدُّنيا. وهذه المفردات تعزز من كون هؤلاء الموتى ليسوا أقارب، وإنما معارف تربطهم العلاقات الاجتماعية من قبيل الصُحْبة والصداقة والحيرة وغير ذلك من العلاقات الاجتماعية.

أخواتها

الأُخت مؤنث الأخ(4). وهي صيغة على غير بناء المذكر كما يذكر اللغويون، و (تاؤها) بدل من الواو الواو في (أخُو) وليست علامة تأنيث (5). وتجمع هذه اللفظة على (أخوات)(6).

وقد وردت لفظة (أخواتها) بصيغة الجمع في نهج البلاغة مرة واحدة (7)، دالة على الأخوات من الخِصَال الخِصَال التي تكون في الرجال. وذلك في قوله الذي يتحدث فيه عن الخِصَال الرائعة في الرَّجالُ : ((إِذَا كَانَ فِي رَجُل خَلَةً رَائِعَةً فَانْتَظِرْ أَخَوَاتِهَا)) (8). والمراد بلفظة (أخَوَاتها) أخوات الخَلَّة الرائقة، وهي – بالفتح - الخَصْلَة التي تكون في الرَّجل (9). وغالباً ما تختص هذه (الخَلَّة) بالخَصْلَة الحَسَنة حسبما يذكر اللغويون (10). وقد وصف الإمام لفظة (الخَلَّة) بـ (الرَّائِقة). والرائق والرَّوقَة الجميل جداً من الناس (11). وراق الماء، إذا صَفَا (12). ويفهم من ذلك أنّ الخَصْلةَ الرائقة هي الجميلة الصافية التي في الانسان وتكون لها أخوات من الخِصَال الطيَّبة، التي ينبغي تَرَقُبها وانتظارها منه ؛ لأنّ الخلوق من النّاس لابد أن يكون فيه جملة من الأخلاق الفاضلة فَيُتوقع منه المزيد من تلك الخِلال، فَمن كان شأنه الصدق فلا بد أن ينتظر منه الوفاء وحُسْن الصحبة (13). ويحتمل أن يكون المراد من لفظة (أَخَوَاتِها) الدلالة على النظير والمشابه أيضاً

الأب

إشارة:


1) ينظر : تهذيب اللغة (أخو) : 254/7، ولسان العرب (أخو) : 22/14.

2) ينظر : لسان العرب (عرف) : 237/9.

3) نفسه (بلا) : 86/14.

4) ينظر : العين (أخو) : 319/4.

5) ينظر : المحكم (أخو) : 314/5.

6) نفسه.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 23.

8) نهج البلاغة : قصا / 445 : 690، ونقل هذه الكلمة عن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الميداني في (مجمع الأمثال) : 2 / 454. وينظر : مصادر: نهج البلاغة وأسانيده : 307/4.

9) ينظر : المحكم (خلل) : 515/4.

10) نفسه.

11) نفسه (روق) : 554/6.

12) نفسه.

13) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 505/5.

الأب الوالِد (1)، والاسم منه الأبُوَّة (2). والأب في كلام العرب يدل على التربية والتغذية. والعرب تقول : ماله أبٌ يَأْبُوه. أي يَغْذوه ويُرَبَّيْه (3). والأبوة الآباء، مثل العُمُومة والخُؤولة (4). ويجمع اللفظ على (أَبُوْن)، و (آباء)(5)، ويثنى على (أَبَوَان) (6). وربما أُطلِق هذا اللفظ على الأب والأُمَّ معاً على التّغليب (7).

وقد وردت لفظة (الأب) في نهج البلاغة بكثرة، فبلغ عدد مرات ورودها بصور مختلفة ثلاثاً وخمسين مرة (8). كان أكثرها شيوعاً صيغة المفرد المتكلم (أبي) باستعمالات متعددة من قبيل : (أباً)، و (أبو) و (أبوهم). ومن ثَم تلتها صيغ الجمع (آباء) وما خوطب بها مثل (آباؤك) وغيرها (9)، للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على الأب، وهو الوالد

وهي أكثر الدلالات شيوعاً في نهج البلاغة، وغالباً ما استعملت فيها لفظة (أب) دالة على الكُنْية، إشارة إلى ما كان مستعملاً من أنهم يُكنُّون الناس بِكُنى يشتهِرون بها، فتصير بمنزلة الأسماء عندهم. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق خطابه لـ (أبي ذر الغفاري) (10)لمّا أخرجه الخليفة (عثمان) إلى (الرَّبَذَة) (11): مُكَنَّياً إيّاه بكُنيته : ((يَا أَبَا ذَرِّ، إِنَّكَ غَضِبْتَ للّه، فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ، إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ، وَخِفْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ، فَاتْرُكْ فِي أَيْدِيهِمْ مَا خَافُوكَ عَلَيْهِ... وَسَتَعْلَمُ مَنِ الرَّابِحُ غَداً ...)) (12). أقول : وكنيته هذه أشهر من اسمه، وكان معروفاً بها، فهو (أبو ذَرَّ)، واسمه (جُنْدُب بن جنادة الغفاري) (13). ولا يخفى مالِ.

كنية (أبي ذر) من إيحاء ودلالة على الصَّبْر والنّزاهة وعدم الخوف في اللّه تبارك وتعالى، فضلاً عن الزهادة والعبادة والقنوت وصدق القول ومتابعة النبي وآله (صلوات اللّه عليهم جميعاً). ومن معززات هذا الضرب من الدلالة في السياق العلوي ذكر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) اسمه في تصدير كتبه إلى الولاة وغيرهم. ذاكراً كنية أبيه (أبي طالب) التي شاعت عنه بما توحيه من دلالة على المؤازرة والمعاضدة للنبي الخاتم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في نصرته على المشركين، فضلاً عما فيها من إشارة إلى الزعامة والسيادة وعلوم الهمة والمنزلة في قريش. يقول


1) ينظر : المحكم (أبو) : 562/10، ولسان العرب (أبو) : 7/14.

2) ينظر : المحكم (أبو) : 562/10.

3) ينظر : لسان العرب (أبو) : 8/14.

4) نفسه.

5) نفسه.

6) نفسه.

7) نفسه.

8) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 11، 12.

9) نفسه.

10) هو جندب بن جنادة الغفاري، أحد السابقين الأولين من نجباء النبي محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم). فهو العابد الزاهد القانت رابع الاسلام ورافض الأزلام، لم تكن تأخذه في الحق لومة لائم، ولا تفزعه سطوة الولاة والحكّام. كان من أصحاب الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) المخلصين ومات (بالرّبذة) التي نفي اليها. ينظر : حلية الأولياء، لأبي تعيم الأصفهاني : 156/1، وسير أعلام النبلاء، للذهبي : 46/2.

11) الرَبَذّة - بفتح أولها وثانيها - قرية من قرى المدينة التي تبعد عنها مسافة ثلاثة أيام على طريق الحجاز فيها موضع قبر أبي ذر الغفاري الذي توفي فيها سنة (23هـ). ينظر : معجم البلدان: 24/2.

12) نهج البلاغة: خ / 130 : 237.

13) ينظر : حلية الأولياء : 156/1، وسير أعلام النبلاء : 46/2.

(عَلَيهِ السَّلَامُ) هَذَا في بعض وصاياه : هذَا) مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللّه عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِب أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي مَالِهِ، ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللّه ...)) (1).

أقول : وفي قبالة هذا التوظيف لمفردة (أب) في تركيب الكُنّى، استعمل أمير المؤمنين كنية (أبي سُفْيَان) في خطاب معاوية دون أن يصرّح باسمه، وذلك في سياق كتاب بعثه إلى (عمرو بن العاص) يقول فيه : ((فَإِنَّكَ جَعَلْتَ دِينَكَ تَبْعاً لِدُنْيَا امْرىء ظَاهِر غَيَّهُ، مَهْتُوكَ سِتْرُهُ، يَشِينُ الْكَرِيمَ بِمَجْلِسِهِ، وَيُسَفّهُ الْحَلِيمَ بِخِلْطَتِهِ، فَاتَّبَعْتَ أَثَرَهُ، وَطَلَبْتَ فَضْلَهُ... فَإِنْ يُمَكِّنِ اللّه مِنْكَ وَمِنِ ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَجْزِكُمَا بِمَا قَدَّمْتُما...)) (2)ولم يرد الإمام التصريح باسم (معاوية) في هذا السياق، واكتفى بنسبته إلى أبيه (أبي سفيان)، دلالة على أنّه أخذ مكانته وخصاله من أبيه أبي سفيان الطَّليق يوم فتح مكة. وليس بخافٍ ما في أبي سفيان من خصال صار بها في طليعة أعداء الإسلام والنبي في بدء الدعوة الإسلامية. ومن دلالة لفظة (أب) وصيغها الأخرى على الأبوة التي بمعنى (الوالد) ما جاء في (خ/27 (2)، 34، 97، 123، 172، 5، 164، 187، 235، 42، ك / 18، 39، 44، 17، 35، 71، 43).

ثانياً : الدلالة على الأجداد

ويسميهم الإمام (الآباء)، وذلك إشارة إلى أنهم من أصلابهم. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق تذكيره بسير الناس على هدي آبائهم : ((أَوَلَسْتُمْ أَبْنَاءَ الْقَوْمِ وَالآبَاءَ، وَإِخْوَانَهُمْ وَالاقرِبَاءَ؟ تَحْتَذُونَ أَمْتِلَتَهُمْ... وَتَرْكَبُونَ قِدَّتَهُمْ (3)... فَالْقُلُوبُ قَاسِيَةً عَنْ حَظْهَا، لَاهِيَةٌ عَنْ رُشْدِهَا، سَالِكَةٌ في غَيْرِ مِضمارها...)) (4). وسياق التقرير بالاستفهام إشارة - هنا - إلى أنّ هؤلاء القوم هم أبناء من وصف الإمام حالهم وحال آبائهم الذين أصابهم الموت وفعل بهم ما فعل (5). فالإمام يصف قبل هذا النص حال المؤتى وما يجري عليهم بقوله : ((.. فَهَلْ دَفَعَتِ الْأَقَارَبُ، أَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحِبُ (6)وَقَدْ غُودِرَ فِي مَحَلَّةِ الأمُوَاتِ رَهِيناً (7)، وَفِي ضِيقِ الْمَضْجَع وَحِيدا...)) (8). مذكراً الناس بأنّهم أبناء القوم الذين وصف حالهم أو إخوتهم (9)، وهذا الوجه تنبيه منه للسامعين على أخذ العبرة من حال الماضين بالموت، فلابد أن يكوون الناس جميعاً أمثالاً لهؤلاء في الأحوال كلها (10). ومن دلالة (الأب) على الآباء الماضين والأجداد ما ورد في (خ / 1، 56، 89، 99، 106، 122، 192، 203، 221، ك/ 31، قصا / 131 / 389).


1) نهج البلاغة : ك / 24 : 480.

2) نفسه : ك/ 39 : 522.

3) القِدَّةُ الطريقة من الناس. ينظر : لسان العرب (قدد) : 344/3.

4) نهج البلاغة: خ / 83 : 129.

5) ينظر : الديباج الوضي : 595/2.

6) النَّحيْب رفع الصوت بالبكاء. والنواحب البواكي. وقد نقل ابن منظور كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي وردت فيه هذه المفردة، وأوضح دلالتها عنده. ينظر : لسان العرب (نحب) : 750/1.

7) الرَّهين المحبوس : وكل شيء رهنته، فقد حبسته. ينظر : لسان العرب (رهن) : 189/13.

8) نهج البلاغة : خ/83 : 128.

9) ينظر : الديباج الوضي : 595/2.

10) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 386/2، 387.

ثالثاً : الدلالة على نَفْي الكافي أو المُرَبَّي

وهو في هذا السياق بمنزلة (الأب)، وكثيراً ما استعمل الإمام هذه الدلالة في سياق الدعاء. ومن ذلك قوله مخاطباً أصحابه، مُستنهضاً هممهم، بعدما غزا أصحاب معاوية بعض المدائن التي تحت حكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ((مُنِيتُ (1)بِمَنْ لاَ يُطِيعُ إِذَا أَمَرْتُ وَلا يُجِيبُ إِذَا دَعَوْتُ لاَ أَبَا لَكُمْ مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ رَبَّكُمْ؟ أَمَا دِينَ دِينٌ يَجْمَعُكُمْ ...))(2). والتعبير بـ (لا أباكم) مركب من (لا) التي لنفي الجنس واسمها، وهو كلمة (أب) وخيرها مضمر إضمار (المكان) (3)، الذين يرون أنّه تُرِك استخفافاً به واستغناء عنه(4). وأصله (لا أبَ لَكَ) ؛ لأنّ (لا) لا تعمل إلا في النكرات (5)وإنّ إضافة الألف إلى كلمة (أب) لتصير (لا أبا لك)، يؤذن عندهم بالإضافة والتعريف والتنكير، وهذان الأمران متناقضان متدافعان كما يظهر (6). وقد ذهب النحاة مذاهب متعددة لتأويل هذا التناقض في التركيب، فذكروا - مثلاً - أنّهم قصدوا بنصب هذا المضاف المعرّف، وهو لفظة (أب) بـ(لا) من غير تكريرها تخفيفاً، لأن حق المعارف المنفية بـ (لا) الرفع مع تكرير (لا)، ففصلوا بين المتضايفين لفظاً حتى يصير المضاف بهذا الفصل، كأنه ليس بمضاف، فلا يستنكر عند ذلك نصبه(7). وهذا وهذا التوجيه يحمل نوعاً من التّعسّف ولهذا يبدو أنّ اعتبار هذا التعبير كلام جرى مجرى المثل يؤدي إلى التخلص منهذا الإشكال. وقد تكرر في كلام ابن منظور أنهم ركبوا هذا التعبير وجعلوه كالشيء الواحد (8). وذكر بعض من اللغويين أنّ استعمال التركيب المتقدم لا يعني نَفي (الأب) في الحقيقة، فهو تعبير خرج مخرج الدّعاء تقديره: أنّك عندي ممَّن يستحق أن يُدعى عليه يفقد أبيه (9).وقد روي عن الخليل أنه قال : إن (لا أبالك) تعني : لا كافي لك (10). أقول : وقد جاء هذا التعبير في نهج البلاغة غير مرة في سياق اللوم والتَّقريع الذّم وربّما ورد في سياقات المدح أيضاً كما يذكر الجوهري. (11). ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق ذَمَّ الرّاضِيْن بالتَّحْكِيمِ.((وَقَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ هَذِهِ الْحُكُومَةِ فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ المُنابذين (12)، حَتَّى صَرَفْتُ رَأْيِي إلى هَوَاكُمْ، وَأَنْتُمْ مَعَاشِرُ (13)أَخِفَّاءُ الْهَامِ (14)، سُفَهَاءُ الأحلامٍ (15)، وَلَمْ آتِ. لاَ أَبَا لَكُمْ. بُجْراً (16)، وَلَا أَرَدْتُ لَكُمْ


1) مُنِيتُ، من المَنيَّية، وهي الموتُ، ومُنِيْتُ. أي : أبْتُلِيْتُ. ينظر : لسان العرب (مني) : 292/15، 294.

2) نهج البلاغة : خ / 39 : 81، 82.

3) يقصدون بذلك أن تقدير الخبر هو (لا أباك مكان كذا موجود). ينظر الأصول في النحو : 402/1.

4) ينظر : الأصول في النحو : 402/1.

5) ينظر شرح الرضي على الكافية : 154/2.

6) نفسه.

7) نفسه.

8) ينظر : لسان العرب (ویل) : 737/11.

9) ينظر : الخصائص : 343/1، 344.

10) ينظر : تهذيب اللغة (أبي) : 254/5.

11) ينظر : الصحاح (أبا) : 3/1.

12) النَّبَذُ الطَّرْحُ ونَبَذ الشيء القاؤه، والمنابذة المقاتلة. ينظر لسان العرب (نبذ) : 511/3، وتاج العروس (نبذ) : 482/9.

13) المعشر هو الذي صارت إبله عشاراً، والمعاشِرُ أيضاً القريب والصَّدِيقُ. ينظر : لسان العرب (عشر) : 574/4.

14) الخفة ضد الثقل، ويكون في الجسم والعقل، والهامة والهام الرأس. والمراد - هنا - النص على خِفّة العقل وملّته. ينظر : لسان العرب (خفف) : 79/9، (وهوم) : 624/12.

15) السَّفَاهَةُ خِفَّةُ الحلم، وأصلها الخِفَّة والحركة، والجهل، والحِلْم – بالكسر – هو الأناة والعقل. ينظر : لسان العرب (سفه) : 497/13. و (حلم) : 146/12.

16) البُجر -بالضم - الشر والأمر العظيم. ينظر : تاج العروس (بجر) : 106/10.

ضرا)) (1). وقد استعمل الإمام تعبير (لا أبالكم) دعاء على هؤلاء القوم على سبيل ذَمَّهم ؛ لأنَّ نفي الأَبِ، وعَدَمِ الإِلْحاقِ به يَسْتَلْزِمُ العَارَ والسُّبَّةَ (2). ولمّا كان النص يتجه نحو تقريع المخاطبين وذَمَّمهم، فإن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (لا أبالكم) يتناسب مع الدعاء بأن لا يكون لهؤلاء أب يُعِزّهم، ويشدّ ظهورهم، فضلاً عن أن نفيه يَستلزم نفي العشيرة والنّسب أيضاً، فكأنه دعا عليهم بالذُّلَّ وعدم النّاصر كما يذكر السُّرَّاح (3). أقول : وقد تكرر التعبير نفسه - أعني قوله (لم آتِ - لا أباكم – بُجْراً) - في (خ / 127). في حين وجاء قوله (لا أبالكم) في (خ / 39) بالدلالة المتقدمة نفسها.

وثَمَّة استعمال آخر للإمام، وهو (لا أَبَا لِغَيْرِكُمْ أو لِغِيْرِك) بدلاً من (لا أبا لكم) جاعلاً كلمة (غَيْركم) بدلاً من (لكم). وقد ورد هذا التعبير في موضعين من نهج البلاغة، كلاهما سياق تقريع ولوم ومن خلال النص يَتَبيّن المعنى الذي يقول فيه الإمام في ذَمَّ العَاصِيْنَ من أَصْحَابِهِ : ((أَحْمَدُ اللّه عَلَى مَا قَضَى مِنْ أَمْرِ، وَقَدَّرَ مِنْ فِعْلِ، وَعَلَى ابْتِلَائِي بِكُم أَيَّتُهَا الْفِرْقَةُ الَّتِي إِذَا أَمَرْتُ لَمْ تُطِعْ، وَإِذَا دَعَوْتُ لَمْ تُجِبْ... وَإِنِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى إِمَامٍ طَعَنْتُمْ... لاَ أَبَا لِغَيْرِكُمْ ! مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ وَالْجِهَادِ عَلَى حَقَّ- عَلَى حَقَّكُمْ؟ الْمَوْتَ أَو الذُّلَّ لَكُمْ...)) (4). والتعبير في هذا النص مخالف لما استعمله أمير المؤمنين في السياقين السابقين، فالدعاء بنفي الأب - هنا - هو لغير العارضين من أصحابه، مع أنّ السياق سياق ذم وتقريع، فإنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع ضجره منهم، ومقته لمواقفهم وابتلائه بهم، قصد نفي الآبِ عن غيرهم، دعاء بالذل على غيرهم، تلطفاً بهم (5)، ورعايةً لحالهم ؛ لأنّ المعروف في التقريع هو استعمال (لا أبا لكم) دعاء بفقد الأب (6). ولكنه. ولكنه تلطَّف بهم فوجَّهَ الدُّعاء و الذَّم لغيرهم (7). وقد ذهب بعض الشرّاح إلى أنّ قوله (لا أبا لغيركم) تدل على المَدْحِ في سياق الذَّم فإنّه لمّا شَرع بلوم أصحابه وذمّهم، خاطبهم بقوله : (لا أبا لغيركم) مدحاً لغيرهم (8)تعريضاً بهم، في كونهم لا كافي لهم ولا أصل. في حين أنّ غيرهم لا أبَ لهم يُورثهم عاراً وخِزياً، وهم ينفردون بهذا عن غيرهم (9). أقول : ومع احتمال هذا المعنى، فلا يمكن الجمع بينه وبين دلالة التلطف بهؤلاء القوم التي ذهب اليها بعض الشراح، لنخرج بمعنى جامع يُظهر رأفة الإمام بهذه الفِرْقة من أصحابه ومدحه لغيرهم الذين انمازوا عنهم بطاعتهم أمرائهم ورغبتهم فيهم، ولا أظنّ أنّ الإمام يتلطَّف بهذه الجماعة التي ينمّها أَشدَّ الذَّم إلى حدّ أنّه دعا عليهم بالموت و الذُّلَّ. في حين أن أصحاب معاوية يتبعونه ويطيعونه طاعة عمياء. أقول : إن تعبير الإمام (لا أبا لغيركم) يوحي بدلالة الذَّم الذي يشبه المدح لهؤلاء الذين يعملون بإمرة معاوية وأتباعه، مُتَّخذاً من قضية


1) نهج البلاغة : خ / 36 : 79، 80 وقد نقلت المدونات المعجمية كلام الإمام (لم آتِ - لا أبا لكم - بُجْرا). ومنها : لسان العرب (بجر) : 41/4، وتاج العروس (بجر) : 106/10.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 287/2.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 287/2، والديباج الوضي : 412/1.

4) نهج البلاغة : خ / 180 : 325، 324.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 707/3.

6) ينظر : نهج البلاغة (محمد أبو الفضل ابراهيم) : 1 / 426 هامش (5).

7) ينظر : نهج البلاغة (عبده) : 286/2 هامش (1)، ونهج البلاغة (صبحي): 325. هامش (1).

8) ينظر : الديباج الوضي : 1458/3.

9) ينظر : معارج نهج البلاغة : 317/1.

اتباعهم له مجالاً للثناء على طاعتهم وكفايتهم له بأنفسهم دون عناء منه، مقارنة بما يبذله أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من جهد مع أصحابه، ولكنهم مع ذلك كله يعصونه ما أمرهم ويطيعون أنفسهم وثمة موضع آخر ورد فيه التعبير نفيه في (ك / 41) وبالدلالة المتقدمة نفسها.

ثالثاً : الدلالة على الكنية المَذْمُوْمَة.

ويجيء الإمام بالكُنية - هنا - للدلالة على ذم المكنّى بها. وإنزاله منزلة المحتقر بكنيته هذه. وقد وردت في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كُنْيَتان ؛ هما :

1 - أبو الأكْبش الأرْبَعة :

وجاءت هذه الكنْية في سياق ذمّه (مروان بن الحَكَم)، بعدما أخذ أسِيراً يوم الجمل، واستشفع الإمامان الحسن والحسين (عليهما السلام) له عند الإمام، فخلى سَبِيله وقد ذكر عنده أن يبايعه مروان (1)، فقال: ((أَفَلَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ؟ لَا حَاجَةَ لِي فِي بَيْعَتِهِ إِنَّهَا كَفَّ يَهُودِيَّةٌ، لَوْ بَايَعَنِي بِيَدِهِ لَغَدَرَ بِسُبَّتِهِ. أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةً كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ، وَهُوَ أَبُو الأَكْبُشِ الأَرْبَعَةِ، وَسَتَلْقَى الأدمَّة مِنْهُ وَمِنْ وَلَدِهِ يَوْمَاً أَحْمَرَ)) (2). ويذكر ويذكر الإمام في هذا النص خصالاً متعددة لـ(مروان بن الحكم) معلناً عدم الحاجة إلى بيعته ؛ لأنّ له كفاً يهوديّة. فكنّى بهذا التعبير عن صفة الغدر فيه. ناسباً كفه إلى اليهود المعروفون بالغدر والخُبْث (3)، مناسبة مناسبة لما يحمله هذا الرجل من خصال الغدر والدهاء والمكر والخديعة وناسب الإمام بين صفات اليهود وصفات (مروان بن الحكم) من خلال مفردة (سُبَّتِه)، وهي في اللغة الأست (4). فاستعملها (عَلَيهِ السَّلَامُ) إهانةً له وغِلظة عليه ؛ لأنّه لما اشتهر بالغدر المعدود من أقْبَح الرذائل، نسب ذلك إلى السُّبَّة، بوصفها الموضع الذي تخرج منه القذارة في الإنسان، مورداً هذا الوصف للإشارة إلى كون (مروان) منشأ للغدر والأخلاق الرذيلة ولمّا كان (الأست) مما يحرص الإنسان على إخفائه وستره، لهذا وظفه الإمام في كناية عن صفة الغدر الخفي (5). وقد ذكر الشارح ابن أبي الحديد أنّ كلام الإمام يمكن أنْ يُحْمل على الحقيقة لا المجاز ؛ لأنَّ الغادِر من العرب كان إذا عزم على الغَدْر بعد عهد عاهده، حَبَق (6)، استهزاءً بما كان قد أظهره من العهد سخرية وتهكُماً (7). وأما قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ))، فقد أراد بها قَصِر مُدَّة حَكَم مروان بن الحكم (8)فشبهها بلعقة الكلب لأنّفه ؛ وإنما خَصَه بِلعقة الكلب ؛ مناسبة لسياق الأم (9)، فضلاً عما في لعقة الكلب من قذر قذر ولعاب تشمئز منه النّفس وتضرب عنه صفحاً، في إشارة إلى ما حملته مدة حكم مروان على قصرها من


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 117/6، ومصادر نهج البلاغة وأسانيده : 72/2.

2) نهج البلاغة: خ / 73 : 113.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد : 6 / 117، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 355/2.

4) ينظر : تاج العروس (سبب) : 35/3.

5) ينظر : نهج البلاغة (عبده): 1/ 112، هامش (3)، ونهج البلاغة (صبحي): 113، هامش (3).

6) الحَبْقُ صَراط المغز والإبل، وقد يستعمل في الدلالة على ما يصدر من الناس من اصوات تخرج من الأسنتِ كما يذكر اللغويون. ينظر : العين (حبق) : 55/3، والمحكم (حبق) 22/3.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 118/6.

8) نفسه.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 355/2.

قتل وإيذاء للناس، فجاء استعمال هذا التعبير في وصف إمارته التي دامت أربعة أشهر حسبما يذكر المؤرخون(1)، فإنه بويع بالشام سنة (64 هـ) وهلك سنة (65هـ) (2). وقيل إنه حكم تسعة أشهر (3). وأما أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كنّاه بـ (أبي الأكْبُشِ الأَرْبَعَةَ)، فقد ذهب الشُّرَّاح إلى أن المُراد بهؤلاء الأكبُش مذهبين، فمنهم من يرى أن الإمام أراد بهم أولاد مروان لصلبه، وهم (عبد الملك الذي ولي الخلافة بعده، وعبد العزيز الذي وَلي مصر، ومحمد الذي ولي الجزيرة، وبشر، أو (الحَكَمُ) الذي وَلي (العراق) (4). و جوّز فريق آخر من السُّرَّاح أن يكون مُراده (عَلَيهِ السَّلَامُ) من تعبير (الأكبش الأرْبَعة) أحفاد (مروان بن الحكم)، وهم بَنُو وَلَده عبد الملك (الوَليْدُ، وسُلَيْمان، ويَزِيد، وهشام)، فإنه لَمْ يَلِ الخلافَةَ من بني أميَّة ولا من غيرهم أربعة إخوة إلا هم (5)، فعلى الوجه الأول تكون كلمة (أبو) دالة على الأب بمعنى الوالد و أبو الأبناء، في حين أنّ الأخذ بالمذهب الثاني، يؤدي إلى تغيير دلالة مفردة (أبو) من (ألاب - الوالد) إلى (الجَدَّ)، وهو أبو الآباء. ولهذا فإنني أميل إلى الأخذ بدلالة لفظة (أبو) على (الأب بمعنى الوالد)، وترجيح المذهب الأول الذي رَكَن اليه ابن أبي الحديد، والعلامة البحراني، وأبو الحسين يحيى بن حمزة الحسيني(6). فهو أولى الوجوه كما يذكر الشارح ابن أبي الحديد (7)، فظاهر التعبير يوحي أن المراد من مفردة (أبو) الأبوة الحقيقية، وليست الأبوة التي تشمل أبوة أبناء الأبناء ولهذا يكون االمقصود بـ (الأكبش الأربعة) أولاد مروان لِصُلبه، لا أنّهم أولاد ابنه عبد الملك. ولعلنا يمكن أن نستعين بالدلالة اللغوية لمفردة (الأكبش) لمعرفة انسجامها مع سياق النص، فالكَبْش فالكَبْش - في اللغة- فَحْل الضَّأن (8). ومن المجاز قولهم : (كَبْش القوم)، وهو رئيسهم و سيّدهم (9). أو حامِتُهم والمنظور إليه فيهم (10). وقد فَهِم بعض الشُّرَّاح من مفردة (الأكبش) الدلالة على (الأمراء) (11). في حين جنح ابن أبي الحديد إلى دلالتها على الأبطال الأنْجَاد (12). وبحسب هذا الوجه يكون الإمام أراد بذكر تعبير (الأكبش الأربعة) مدح هؤلاء والثناء عليهم بوصفهم أمراء وأبطالاً أنجاداً، أو رؤساء وسادة حسبما ورد في المدونات المعجمية. ولكن هذه الدلالات لايمكن الأخذ بها، وهي وإن قُبِلَت، فعلى ضعفٍ وتأويل ؛ لعدم استقامتها مع سياق الذم والتقريع الذي يتحدث فيه الإمام عن والد هؤلاء (الأكْبُش الأربعة)، ويصفه بأنّ له كفّاً يهودية وغدراً خفيّاً، وأنّ الأمّة سَتَلْقى منه ومن أولاده يوماً أحمر، إشارة إلى ما سَيُلحِقُونه بها من قتل وإهلاك للحرث والنسل هذا أولاً. وثانياً إننا يمكن أن نفهم من تعبيره (عَلَيهِ السَّلَامُ) المتقدم دلالات أخرى غير ما ذهب اليه الشرَّاح، فـ(الأَكْبُش) جمع بوزن (أَفْعُل)


1) ينظر : مروج الذهب، للمسعودي : 206/2.

2) ينظر : مروج الذهب : 386/1، والكامل في التاريخ، لابن الأثير : 200/2.

3) نفسهما.

4) ينظر : معارج نهج البلاغة : 356/1، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 118/22 وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 356/2، والديباج الوضي : 544/2.

5) ينظر شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 118/6. وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 356/2. ومصادر نهج البلاغة وأسانيده : 74/2.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 118/2، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 356/2، والديباج الوضي : 544/2.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 118/6.

8) ينظر : المحكم (كبش) : 691/6.

9) ينظر : تاج العروس (كبش) : 345/17.

10) نفسه.

11) ينظر : معارج نهج البلاغة : 356/1.

12) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 118/6.

، وهو من أبنية جموع القلة (1). وهو يوحي بالدلالة على قلّة شأن هؤلاء الأربعة، وليس قلة عددهم فحسب، وهم في ذلك كأولاد فحل الضأن الموصوفون باللين واسترخاء البطن والضعف، تشبيهاً لهم بأمهم الضأنة من النعاج (2). فإننا نَلْمَسُ في (الكبْش) دلالة على صغر العمر وحداثيته. فالمعجميون يذكرون أنّ (الحَمَل) إذا أثْنى، أو أرْبعَ. أي خرجت رُباعيته. صار كبَشاً.(3). ولعله (عَلَيهِ السَّلَامُ) أراد أنّهم لما يزالون في مُقْتَبَل عُمرِهم، ولا يخفى أنّ هذه المرحلة من العُمر تكون مشوبة بالنّزق والطيش وعدم الاتزان، فضلاً عن عدم النضج العقلي ويجوز في التعبير المتقدم وجه آخر، هو احتماله دلالة (التَّهَكُم)، فكأنّ الإمام يريد القول أنّ مروان وأبناءه وأحفاده، ما هم إلا قادَة لا تباعهم وأصحابهم ومن سار في ركبهم إلى النار ؛ لأنهم سَيُذيقون الأُمَّة أياماً حمراء بائسة مجدبة مملوءة بالظلم والطغيان، فهم سَادَة القوم ورؤساؤهم في هذا السبيل، وهم حُماة أصْحابهم ومَنَعَتُهم من الدخول إلى الجنَّة. وهم في كُلَّ ذلك أبطال أنجاد لا ينازعهم أحد في هذه الأمور

ثانياً : (أبا وَذَحة)

استعمل الإمام هذه الكُنْية إيماء منه إلى (الحَجَّاج بن يوسف الثقفي) (4)، حسبما يذكر السَّيَّد الشريف الرضي (5). وجاءت الكنية المتقدمة في سياق إخباره عن تسلّط (غُلام ثَقِيْف) على أهل العراق : ((أَمَا وَاللّه، لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ غُلَامُ ثَقِيفَ الذَّيَّالُ (6)الْمَيَّالُ (7)، يَأْكُلُ خَضِرَتَكُمْ (8)، وَيُذِيبُ شَحْمَتَكُمْ، إِيهِ أَبَا وَذَحَةَ (9))) (10). ويحتفل النص بأوصاف ذَمِيمة لـ (غُلام ثقيف) من صفتي التَّبختر والاستعلاء إلى الميل والذيل الشديدين، وهي من أوصاف المتكبرين. فقد كان هذا الرّجل مُتبختراً ميّالاً يُكثر من التمايل كبراً (11). وقيل بل أوصافه هذه تدل على غير الخيلاء والتكبّر، فالذُّيال التَّائه، والمَّيالُ الظَّالم (12). فكأنما المعنى : أنه يَتْيه في ظُلْمه دون أي شيء يُصده أو يمنعه. وكنّى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بلفظ (خَضِرَتكُم)، عن الأموال وحسن الأحوال وما هم عليه


1) ينظر : معاني الأبنية : 135.

2) ينظر تاج العروس (ضأن): 321/30.

3) نفسه : (كبش) : 345/17.

4) هو الحَجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود الثقفي أمير العراق. ولد سنة (40 هـ، أو 41 هـ) وكان فصيحاً بليغاً فاسقاً ظلوماً سافكاً للدماء، اتصل بعبد الملك بن مروان بعدما كان شرطياً عند بعض عماله، وأعجب به وولاه. وصار والغاً في دماء الناس، لا يصبر عن سفكها، حتى رووا أنه كان يُخبر عن نفسه بأنّ ذلك أكبر لذاته. ينظر : سمط النجوم العوالي في أبناء الأوائل والتوالي، لعبد الملك بن حسين الشافعي المكي : 295/3، والتحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة، الشمس الدين السخاوي : 265/1.

5) ينظر : نهج البلاغة: 219.

6) الذَّيْل آخر كل شيء، والذُّيال من الخَيْل المتبختر في مشيته. كأنه يسحب ذَيْل ذنبه.وذال الرجل، إذا تَبَخْتر. ينظر : لسان العرب (ذَذيل) : 260/11.

7) المَيْلِ العُدُول الى الشيء والإقبال عليه. ينظر : لسان العرب (ميل) : 636/11.

8) نقلت المدونات اللغوية قول الإمام المتقدم برواية أخرى نصها : ((اللّهم سَلّط عليهم فَتَى ثَقْيفِ الذِّيَّالِ المَيالِ، يَلْبِسُ فَرُوتها ويأكلُ خَضرتها)). ينظر : النهاية في غريب الحديث : 41/2، ولسان العرب (خضر) : 244/4، و (وذح) : 632/2. وقد نقل الأزهري رواية أخرى لقول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذلك برواية (الدَّيَّان المنان)، بدلاً من (الذيال الميال). ينظر : تهذيب اللغة (خضر) : 49/7، ومصادر نهج البلاغة وأسانيده : 209/2، وفيه (الذُّيال المنان) منقولة عن (التهذيب). في حين أن رواية التهذيب هي (الذيان). بالنون والذال المهملة.

9) الوذْح ما تعلّق بأصواف الغنم من البعر والبَوْل والقدر. والوَذَحةُ الخُنْفُساء من الوَدْح، وهو ما يتعلق بألية الشاه من البَعَر، فَيَجفَّ. ينظر : لسان العرب (وذح) : 632/2.

10) نهج البلاغة: خ / 116 : 219.

11) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 3 / 549، ومع نهج البلاغة : 169.

12) ينظر : شرح نهج البلاغة (أبن أبي الحديد) : 517/7.

من الأبهة وسلامة النفوس (1). واستعار لفظة (يأكل) (2)، للدلالة على زوال هذه النعم التي كانوا فيها قبل تسلطه تسلطه عليهم. فصار ثَمّة تناسب من قبيل التضاد بين مفردة (يأكل) و (خَضَرتكم)، التي تفيد الدلالة على النَّعمة.(3)فالأكل - في اللغة - الإطعام، وهو يدل على النقص في الوقت نفسه (4)، فكأنه يطعم نفسه من رفه عيشهم وغضاضته، ويُنقص ما عندهم من خير. وفسّر اللغويون قول الإمام : (يأكلُ خِضرَتها) بأنّه يأكل هَنيِئها، وغَضَّها وناعِمها (5). من لوازم الحياة ومعيشتها. أما قوله (يُذيب شَحْمتكُم)، فإنها استعارة لثرائهم وقوتهم (6)، ووصفه بالإذابة، للدلالة على إفنائهم بالقتل والإهانة (7). وتبدو هذه الدلالة أليق بالسياق ؛ فإذابة الشيء تعني تغييره (8)، وإحالته إلى شيء دخر غير ما كان عليه سابقاً. وهذا يستلزم الانهاك، وربما كالأذى أيضاً. وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (أبا وَذَحة)، فقد تقدّم أنّ (الوَذَح) في اللغة هو ما تعلّق بأصواف الغنم من البعر أو البول والقذر (9). وقيل هو ما تعلّق بألْيَة الكَبْش من هذا القَذَر (10). وقد فَسَّرَ الشريف الرضي لفظة (الوَذَحة) في النَّص بـ (الخُنْسَاء) (11)وهي كُنيتة أومأ بها (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الحجاج (12). وأنكر ابن أبي الحديد ما نقله السيد الشريف الرَّضي، (رحمه اللّه) ذاكراً أنّه لم يجد ذلك في كتاب من كتب اللغة، ولم يسمع به من شيوخ الأدب وأهله وأهله(13). فَأَمَّا أنّه لم يجد في كتب اللغة مثل هذه الدلالة، فذلك صحيح نسبياً، فإنّ المدونات الأولى لم تذكر هذا المعنى، فـ(الخليل، والأزهري، وابن دريد، وابن فارس والفيروزآبادي، والمُطَّرزي) لم يذكروا في مُصَنَّفاتهم أَنَّ الوَذَحة هي الخُنْفُساء (14).

أقول : وأمّا المدونات المعجمية التي ذكرت الدلالة المتقدمة، فكثيرة أيضاً، ولكنها صُنَّفت بعد وفاة ابن أبي الحديد، ومنها مُعْجَمي ابن منظور، والزبيدي (15). ومما يؤيد ذلك ما استدركه الزبيدي في مادة (وذح) إذ يقول : ((ومما يُستدرك عليه، الوَذَحةُ الخُنْفُساء من الوَذَح، وهو ما يتعلّق بِأَلْيَة الشَّاةِ مِن البَعرِ فيجف...)) (16). وهذا الاستدراك يدل على إغفال المعاجم لهذا المعنى، أو عدم تنبّه أصحابها إلى الدلالة


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 549/3.

2) نفسه.

3) ينظر : لسان العرب (خضر) : 244/4.

4) ينظر : مقاييس اللغة (أكل) : 122/1.

5) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 41/2، ولسان العرب (خضر) : 244/4.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 549/3.

7) نفسه.

8) ينظر : لسان العرب (ذوب) : 396/1.

9) ينظر : تهذيب اللغة (وذح) : 135/5، ولسان العرب (وذح) : 632/2.

10) نفسه.

11) نهج البلاغة : خ / 116 : 219.

12) نفسه.

13) ينظر : شرح نهج البلاغة (أبن أبي الحديد) : 218/7.

14) ينظر : العين (وذح) : 285/3، وتهذيب اللغة (وذح) : 135/5، وجمهرة اللغة (وذح) : 1 / 510، ومقاييس اللغة (وذح) : 99/6. والقاموس المحيط (وذح) : 310/1، والمغرب في ترتيب المعرب : 348/2.

15) ينظر : لسان العرب (وذح) : 632/2، وتاج العروس (وذح) : 207/7.

16) تاج العروس (وذح) : 207/7.

السالفة الذكر. أما كتب الغريب، فقد أوردت الدلالة المتقدمة، فقد ذكرها الخَطَّابي (ت 388هـ) (1)والزمخشري (ت 538هـ) (2)، وابن الأثير الجزري (ت 606هـ) (3)، فضلاً عن شُرّاح عِدّة لنهج البلاغة، وفي صدارتهم البيهقي الأنصاري (ت 565هـ) (4)وهو من المعاصرين - فيما يبدو - لابن أبي الحديد.

أقول : ورود هذه الدلالة عند شُرَّاح نهجه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يدل على وجودها في المدونات اللغوية التي عاصرت ابن أبي الحديد أو سبقته، ولعله لم يطّلع على هذه المدونات. وأقول في هذه الكنية ودلالتها ؛ فَمذهب ابن أبي الحديد أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنّما كنّاه بذلك على عادة العرب إذا أرادت تعظيم الإنسان، كَنَّته بما هو مَظَنَّة التعظيم، فيقولون: (أبو المِقْدام، وأبو المغوار)، فإن أرادت تحقيره والغَضّ منه، كنته بما يُستحقر ويُستهان به (5). ((فلما كان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعلم من حال الحجاج نجاسته بالمعاصي والذنوب، حَتى لو شُوْهِدت بالبَصَرِ ؛ لكانت بمنزلة البعر المُلْتَصق بشعر الشَّاء، كنّاه (أبو وَذَحة). ويمكن - أيضاً - أن يُكنِّيه بذلك لِدمامته في نفسه، وحقارة منظره، وتشويه خِلقته، فإنّه كانَ قَصيراً دَمَيماً نحيفاً أخْفَش العينين، مِعْوجُ السَّاقين مَجْدور الوَجْهِ... فكنَّاه بأحقر الأشياء، وهو البَعرة)) (6).

أقول : لمّا كانت دلالة (الوذحَة) في اللغة على الخُنْفُساء أو كنيتها، مرفوضة عند ابن أبي الحديد، فلهذا رَجّح أن تكون دلالتها على البعر والقدر الذي يلتصق بألية الشاة. وأزيد على ذلك بأنّها تدل على حَقارة هذا الشخص وسوء شخصه، ومما يدل على ذلك ما ذُكِر في قصة الحَجَّاج مع الخُنْفُساء التي كان يسميها بـ(وَذَح الشيطان) (7)، فتكون الكنية التي استعملها الإمام له أنسب للمعنى وأقرب، وتبقى – حينذاك - دلالتها على الاستخفاف به والإهانة والحقارة مستعملة دراجة، ولاسيما إذا عرفنا أنّ من شأن (الوَذَحَة) التعلّق و الارتباط بقذارة الدواب من شاة وغيرها، فتُعالج ذلك وتدفعه بأرجلها (8). وبهذا تكون علاقة (الوَذَح) أو (الوَذَحة) علاقة ارتباط بين القذارة وما يألفها ويعيش معها من دُوبيات. فناسب ذلك أن يكنّى بـ(أبي وَذَحة)، لما فيه من رذالة نفس، وسخف همة.

وثمة وجه آخر لهذه الكنية، يكون بالرُّكون إلى رواية مفردة (وَذَحة) بـ (وَدَجة) (9)، بالذال المُهملة و الجيم. من (الوَدَج)، وهو عِرْقٍ مُتَّصل في العُنُقِ (10). وقيل هما عِرْقان غليظان عن يمين ثغرة النَّحر ويسارها، وهما


1) ينظر : غريب الحديث (الخطأبي): 172/3.

2) ينظر : الفائق : 53/4.

3) نفسه : 169/5.

4) ينظر : معارج نهج البلاغة : 473/1.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 219/7.

6) نفسه.

7) ذكرت المدونات التأريخية قصصاً متعددة في حال الحجاج مع الخُنْفُساء، وأنه كان ينكر أن تكون من خلق اللّه، وقد نَسب خلقها الى الشيطان، وثمة رواية تشير الى سوء خُلقُ الحجاج، وهي تتعلق بالخنفساء أيضاً نضرب عنها صفحاً إجلالاً لمقام البحث. وقد نقل الكثير من العلماء هذه الروايات. ينظر : غريب الحديث (الخطابي) : 172/3، وغريب الحديث (للحربي) : 1191/3، والفائق : 4 / 53، والنهاية في غريب الحديث : 169/5، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد : 218/7، وشرح نهج البلاغة (البحراني) 550/3 والديباج الوضي : 974/2، ونهج البلاغة (محمد أبو الفضل ابراهيم) : 273/1. هامش (43).

8) ينظر : الديباج الوضي : 975/2.

9) اعتمد هذه الرواية وأثبتها في شرحه كل من : البيهقي الأنصاري في معارج نهج البلاغة : 1 / 473، وأبي الحسين يحيى بن حمزة بن علي الحسيني في الديباج الوضي : 974/2. وقد أشارا إلى الروايات الأخرى في هذه المفردة. في حين نقل هذه الرواية وذكر دلالتها كل من : ابن أبي الحديد في شرحه : 219/7، و ابن میثم البحراني في شرحه : 550/3، والسيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب في مصادر نهج البلاغة وأسانيده : 209/2، والسيد هاشم الميلاني في (نهج البلاغة) أيضاً : 304، فضلاً عن المدونات الخاصة بغريب الحديث، ومنها على سبيل المثال : النهاية في غريب الحديث والأثر : 129/5، ومن المعاجم أيضاً لسان العرب (وذح) : 632/2، وتاج العروس (وذح) : 207/7.

10) ينظر : لسان العرب (ودج) : 397/2.

من الجداول التي تجري فيها الدَّماء (1). ولو أخذنا بهذه الرواية، فإنّ كُنية الحجاج تدل - عند ذاك - على كونه قَتَالاً شديد السَّفْك للدماء ؛ فلا يتناهى عن قطع الأوداج وإباحة الدَّماء (2). وبهذا تكون كنيته بـ(أبِي وَدَجة) إيحاء على الأجرام والقتل وإهدار أرواح الناس. ويشهد لهذه الدلالة - عندي - قرائن لفظية وردت في سياق كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) منها ؛ لفظة (لَيُسلَّطَنَّ). والنَّسَلَّط في اللغة - مرتبط بالظلم والجور والقسوة والعُسف، وهو القهر والقَوَّةَ والصَّخَب والغلبة (3). أمّا القرينة الثانية فهي قرينة (القَسَم) الذي عَزَّز به الإمام الإخبار يتسلّط هذا الشخص على الكوفة. فضلا عن القرائن الخارجية التي تؤيد هذا الوجه. فإنّهم ذكروا وَلَع الحجاج بالدماء وسفكها، حتى أنّه كان يُخبر عن نفسه بأنّ ذلك أكبر لذَّاته (4)لأنّه لا يتناهى عن رؤية الدماء وإهدارها. وبهذا وغيره مما لم نورده من المرويات التأريخية في بيان شدة ظُلمه وغلبته على الرّعية، يظهر جواز تقبل السَّياق الرواية (أبا وَدَجَة) - أيضاً - بديلاً لمفردة (وذحة).

أمّة - أمّك

إشارة:

الأُم الوالدة (5). والأم في كلام العرب أصل كلَّ شيء (6). وتجمع هذه اللفظة على (أُمَّهات) و (الأُمَّات) (7). و يفرّق اللغويون بين هذين الجمعين، فـ(الأُمَّهات) بالهاء جمع لمن يعقل من النساء، في حين أنّ (أُمّات) بغير (الهاء) هي لَمَن لا يعقل (8). وإنما كانت التفرقة بين النوعين (بالهاء) ؛ لتكون الأخيرة علاقة للفظة (الأُمَّهات) الدَّالة على بنات آدم (9).

وقد استعملت لفظة (أُمَّهِ) خمس مرات في نهج البلاغة، في حين جاءت لفظة (أُمَّي) و (أُمّك) أربع مرات لكل واحدة منهما، ولفظة (الأمي) ثلاث مرات، واقتصرت لفظة (أُمَّهاتِك) على موضع واحد فحسب(10)، وذلك للدلالة على ما يأتي:


1) نفسه.

2) ينظر : معارج نهج البلاغة : 473/1، وشرح نهج البلاغ أبي أبي الحديد : 219/7.

3) ينظر : مقاييس اللغة (سلط) : 95/3، ولسان العرب (سلط) : 320/7.

4) ينظر : سمط النجوم العوالي : 295/3، والتحفة اللطيفة في تارخ المدينة الشريفة : 256/1.

5) ينظر : العين (أما) : 433/8.

6) ينظر : لسان العرب (امة) : 472/13.

7) ينظر : المحكم (امم) : 575/1.

8) ينظر : المحكم (امم) : 575/1.

9) ينظر : لسان العرب (امة) : 472/13.

10) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 34، 35.

أولاً : الدلالة على الوالدة.

وهو أكثر الدلالات شيوعاً في لفظة (أم) ومشتقاتها. ومن ذلك قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق النهي عن التكبر : (وَلَا تَكُونُوا كَالْمُتَكَبِّرِ عَلَى ابْنِ أُمِّهِ مِنْ غَيْرِ مَا فَضْلٍ جَعَلَهُ اللّه فِيهِ سِوَى مَا أَلْحَقَتِ الْعَظَمَةُ بِنَفْسِهِ مِنْ عَدَاوَةِ الْحَسَدِ ..)) (1). والمراد بـ (الْمُتَكَبِّرِ عَلَى ابنِ أُمِّهِ). في النّص (قَابِيْل) الذي قتل أخاه (هابيل) عن كبر وحَسَد (2). ووصفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بـ(ابن أمَّه) للدلالة على الأُخُوَّة بلحاظ الإشارة إلى كونهما خرجا من بطن واحدة بياناً بياناً لأثر الأم في حملهما، فضلاً عن إظهار عظيم قدرة اللّه تبارك وتعالى في قضية الولادة، والنزاع الذي تعانيه الأم عند الطَّلْقِ والولادة، وهو ما يُفسَّر لنا شيوع العاطفة لدى الأمهات على أولادهِنَّ، وتَعَلَّق الأبناء بأمهاتهم أكثر من الآباء، ولاسيما في أوائل أعمارهم. وإذا نظرنا إلى الأصل اللغوي لمفردة (أُمّ) بعين الاعتبار وعرفنا أنها تدل على الأصل في كل شيء (3)، يتضح أثرها أصل في النشأة ولو كان ذلك على سبيل العاطفة و و الحنان اللذين تحملهما الأم لأولادها في أصل خلقتها وتكوينها. ونظير دلالة لفظة (أم) على الوالدة ما جاء في (خ / 112، 163، 164، 187، 192، 235، ك / 41، قصا / 417).

التعبير بـ(وَيْلَ أُمَّه)

وهذا النوع من التعبير، دعاء على (الأم) بالوَيْلِ وفَقْد الابْنِ، فَأَمّا المعنى الأول فقد استعمله الإمام في سياق ذَمَ أهل العراق. يقول الإمام : ((... وَلَقَدْ وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَقُولُونَ : عَليٍّ يَكْذِبُ، قَاتَلَكُمُ اللّه فَعَلَى مَنْ أَكْذِبُ؟ أَعَلَى اللّه؟ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ أَمْ عَلَى نَبِيِّهِ؟ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ كَلاً وَاللّه، وَلكِنَّهَا لَهْجَةٌ غِبْتُمْ عَنْهَا، وَلَمْ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا، وَيْلُ أُمِّهِ (4)، كَيْلاً (5)بِغَيْرِ ثَمَن لَوْ كَانَ لَهُ وِعَاءٌ، (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حين) (6)...)) (7). وينكر الإمام على هؤلاء اتهامهم له بالكذب - وحاشاه من ذلك - وإنما قال :((ولكنّها لهجةً رغبتهم عنها)). للدلالة على صدق حديثه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعدم معرفتهم بدلالات ما يقوله لهم، والمَنَافِع المستفادة من أقوله (8)والمراد بـ (اللّهجة) اللُّغة التي جبل عليها الإنسان (9). واللّهجة - أيضاً - اللَّسَان، والصَّدْق (10). وبهذه الدلالات يمكن أن نفسر (اللّهجة) في قوله المتقدم بأنها لسان الصَّدْقِ الذي يتحدث به الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكلمة الحقَّ التي جُبل عليها، والتي انحرف عنها الناس وغابوا ؛ حتى صاروا يعدون الصدق كذباً، والكذب صدقاً ؛ لعدم تمييزهم بين صحاح الكلام وكذبه ؛ ولهذا قال لهم الإمام : ((وَلَمْ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا)). أما قوله (وَيْلُ أُمَّهِ) فَأَصلها عند اللغويين مركبة من (وَيْ) و (لأمَّهِ) فَحُذِفت الهمزة من كلمة (أُمَّه)، وألقيت حركتها على


1) نهج البلاغة : خ / 192.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 152/4 .

3) ينظر : لسان العرب (أمه) : 472/13.

4) نقل اللغويون قَوْلة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه، ومنهم : أبن الأثير في النهاية في غريب الحديث : 35/5.

5) الكيل المكيال، والكيل هو كَيْلُ البُرَّ ونحوه. ينظر : لسان العرب (كيل) : 604/11.

6) ص / 38.

7) نهج البلاغة: خ / 71 : 109.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (أبن أبي الحديد) : 106/6.

9) ينظر : لسان العرب (لهج) : 2 /359.

10) نفسه.

(اللام) من (لأمَّه) (1). فصارت الكلمة مركبة (وَيْلُمَّهِ). وقيل : إن (وَيْل) كلمة تامة، رُكبت معها كلمة (أُمَّه)، ثُم حُذِفت همزة (أُم) واتصلت اللام بالميم ؛ لكثر الكلام (2). أما دلالة هذا التركيب، فالأصل فيه الأم والدّعاء بِالوَيْلِ والنُّبور ؛ يدل على ذلك مفردة (وَيْل)، وهي في اللغة كلمة عذاب (3). وكل من وقع في هلكة، فإنَّه يَدعو بالويل (4). وقيل : الوَيْل الوارد في قوله تعالى : (5). هو وادٍ في جهنَّم من قيح ودمٍ (6). و (الوَيْل) كلمة عذاب تدل على الذَّمَّ والدعاء (7)، ومقتضى تركيبها مع لفظة (أُمَّه) يحوّل الدلالة إلى الدعاء على الأمّ بالويل والعذاب، وهذا هو الأصل فيها، وقد استعملها الإمام للدلالة على التَّعَجُّب واستعظام الأمر الذي سَمِعَه من (أهل العراق)، وما افتروه عليه اتهام بالكذب. فاستعملها (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مقام استعظام قَوْلهم تحقيراً لهم ولما ذهبوا اليه، ودعاءً على أم أصحاب هذا الوجه بالويل والثبور حسبما يبدو من النَّص.

ويحتمل أنّه أراد - بهذا التعبير - المناسبة لحال أهل العراق وما وقعوا فيه من خَطَلٍ وتَيْهِ وضلال فاستعمل لهم ولرأيهم هذه الكلمة التي يُشَتّم فيها الجفاء والخشونة كما يذكر المبرد (8)(ت 285هـ). إرادة ذممهم وذمَّ أفكارهم. ومما زاد في تقريعهم قوله : ((كَيْلاً بِغَيْرِ ثَمَن لَوْ كَانَ لَهُ وِعَاءٌ)). يريد : أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَكيْلُ لهم المواعظ والحكم والمعارف وسداد الرأي بَغير ثَمن. ولكن لا وعاء حافظ لهذه الجمهرة من الأفكار والحكم والآراء التي لا تعيها أذُن واعية. وقد ذكر الشُّرَّاح أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يفيض عليهم من الأخلاق الكريمة والحكم البالغة التي لا يريد بها جزاء ولا ثمناً، ولكنهم لا يفقهون ذلك، فاستعار لذلك لفظة (الكَيْل) ليكنَّي به عن كثرة ما يُلْقِيه عليه من الحكم والعلوم (9). ثم ختم كلامه المتقدم بآية من القرآن الكريم، مشيراً بها إلى ما سَيَلْقَوْنه من نتائج جهلهم وإعراضهم عما أمرهم به، وإنهم سيلقون غَيّاً وندامة على ما فرطوا في جَنْب اللّه (10). وقد اعتبر ابن أبي الحديد ختام كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالآية المباركة من أَحْسَن ما خَتَم به أمير المؤمنين كلامه (11).

ثانياً : الدلالة على النسبة إلى أُمَّ القُرَى

وجاء الإمام لهذه الدلالة بمفردة (الأمي)، وصفاً للنبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم). يقول في سياق الوعظ والإرشاد : ((فَأَفِق أَيُّهَا السَّامِعُ مِنْ سَكْرَتِكَ، وَاسْتَيْقِظُ مَنْ غَفْلَتِكَ، وَاخْتَصِرْ مِنْ عَجَلَتِكَ، وَأَنْعِم الْفِكْرَ فِيمَا جَاءَكَ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ الأمّيّ (صلى اللّه عليه وآله) مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ...))(12). وتوحي لفظة (الأمَّيَّ) بالدلالة على نسبته النّبي إلى (أُم القرى) التي كانت فيها دعوته ومسكنه، فهي من أمهات القرى


1) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 235/5، ولسان العرب (ويل) : 11/14.

2) ينظر : لسان العرب (ويا) : 418/15.

3) ينظر : تاج العروس (ويل) : 106/31.

4) نفسه.

5) الجاثية /7 وينظر : المرسلات : 10، 19، 24، 28، 34، 37، 40 وغيرها.

6) ينظر : تنوير المقابس من تفسير ابن عباس : 420/1، والمحرر الوجيز : 81/5.

7) ينظر : لسان العرب (ویل) : 739/11.

8) ينظر : الكامل في اللغة والأدب : 216/3 وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 106/6.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 350/2.

10) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 350/2.

11) ينظر : شرح نهج البلاغة (أبن أبي الحديد) : 106/6.

12) نهج البلاغة : ح / 135 : 268.

ولهذا نسب (صلى اللّه عليه وآله وسلم) اليها حسبما يروى عن الإمام محمد بن علي الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1). وقد وردت وردت اللفظة نفسها في (خ / 101، وقصا / 45). الذي استعملها وصفاً لنبي الخاتم (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وذلك في قوله تعالى شأنه: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (2). وقد اختلف المفسرون في دلالة لفظة (الأُمِي) في ألآيتين الكريمتين ؛ ويمكن أيجاز ذلك فيما يأتي :

1 - أنَّ الأُمَّيَّ هو الذي لا يقرأ ولا يكتب (3). وقد عدوا ذلك من أعظم دلائل نبوته (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، فكأنه أتى بالعلوم الجمَّة من غير قراءة ولا كتابة (4). ولذلك قال تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) (5).

2- أنّ (الأُمي) هو المنسوب إلى أُمة العرب وصفتهم فقد كان أكثرهم أُميون، لم يكونوا يكتبون ولا يقرؤون، وكان النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) كذلك، فلهذا السبب وصفه بكونه أمياً. (6)

3- وقال بعضهم : إن (الأُمَّي) منسوب إلى (الأم) والمعنى : أنّه ولدته أمه قبل تعلّم الكتابة (7).

4 - أن (الأُمّي) مَنسوب إلى (أم القرى)، وهي مكّة التي كانت من (أمهات القُرى)، فَنَسَبه اللّه تبارك وتعالى اليها (8). وهذا الوجه مَرْوي عن الإمامين أبي جَعْفَر محمد بن علي الباقر، ومحمد بن علي الرضا (عليهما السلام). فقد ورد في الخبر أنهم سألوا الإمام محمد بن علي الجواد بن الإمام علي بن موسى الرضا (عليهما السلام). قائلين : ((يَابْنَ رَسُولِ اللّه : لِمَ سُمَّيَ النَّبِيُّ الأُميّ ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : مَا يقولُ الناس ؟ قيل : يَزْعَمُون أَنّه إنّما سُمَّي الأُمي ؛ لأنَّه لم يُحْسِن أَنْ يَكْتُب. فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : كَذَبُوا. عليهِم لَعْنَةُ اللّه أَنَّى ذلك، واللّه يقول في محكم كتابه : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (9). فكيف يُعَلِّمُهُم ما لا يُحسن ؟ واللّه لقد كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يقرأ ويكتب بثلاثة وسبعين لساناً ؛ وإنما سُمَّي (الأُمَّي)، لأنّه كان من أهل مكة، ومكة من أمَّهاتِ القُرى، وذلك قول اللّه عزّ وجل : (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) * (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) (10)، (11).والأوجه المتقدمة في تفسير لفظة (الأُمَّي) تتباين في الضعف والقوة، ولكن


1) ينظر : علل الشرائع، للصدوق : 188/1.

2) الاعراف / 157، 158.

3) ينظر : مجمع البيان : 404/4، والتسهيل لعلوم التنزيل : 47/2.

4) ينظر : التسهيل لعلوم التنزيل : 47/2.

5) العنكبوت / 48.

6) ينظر : التفسير الكبير : 19/15.

7) ينظر : مجمع البيان : 4 / 404، والتسهيل لعلوم التنزيل : 47/2.

8) ينظر : علل الشرايع، للصدوق : 183/1، ومجمع البيان : 404/4.

9) الجمعة / 2.

10) الأنعام / 92، والشورى / 7.

11) علل الشرائع : 188/11، 189، ومجمع البيان : 404/4.

أقواها وأرجحها ما ذهب اليه الإمام محمد بن علي الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ)، في أن نسبة النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) إلى (مكة) بوصفها (أم القرى)، يوضح شدّة ارتباطه بمكان البعثة وأهلها الذين بعث اليهم ليخرجهم من الظلمات إلى النّور. ومن خلال هذا العرض للآراء يمكن القول إنّ لفظة (الأمي) في نهج البلاغة هي نفسها التي استعملها القرآن الكريم، فأخذها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) للدلالة على نسبة النبي إلى (أم القرى)، لعدم جواز وصف النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بالأُمَّية فيتعلم القراءة والكتابة، لأنها مدعاة إلى الجهل. وهو مما لا يجوز عليه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وبخاصة أنّ السياقات التي جاءت فيها المفردة المتقدمة في نهج البلاغة، هي سياقات إظهار لعلم النبي الخاتم واختباره بما سيقع. فليس من الجائز أن يخبر بالمعجزات (والغيبيات) من دون أن يكون متعلّماً.

رابعاً : دلالة لفظة (الأم) على (الدُّنيا)

وورد هذا الاستعمال في قوله الذي يتحدث فيه عن حب الدنيا ؛ إذ يقول : ((النَّاسُ أَبْنَاءُ الدُّنْيَا، وَلاَ يُلاَمُ الرَّجُلُ عَلَى حُبِّ أُمِّهِ))(1). وجعل (عَلَيهِ السَّلَامُ) الدنيا (أُمَّاً) للمفتون بها، وعدّ هؤلاء أبناء لها، على جهة الاستعارة باعتبار ميلهم اليها (2). وهذا التعبير توبيخ للناس وتعريض بهم على حب الدنيا والانغماس فيها (3). وأما قوله: (لا يُلام ...)، فتهكّم يومئ به إلى عدم لوم من انغمس فيما جبل عليه وصار عادة له. وفيه توبيخ لمن كانت طبيعته اللؤم. مثلاً - فيقال له : لا لوم عليك فيما جبلت عليه، لأنه طبعك وعادتك.

خامساً : الأم بمعنى القرابة من جانب النساء.

وفي هذه الدلالة تتسع مفردة (أمّ) ؛ لتكون دالة على الأمهات بصورة عامة، سواء أكانت (الأم) التي هي (الوالدة)، أم (الجدة)، و (العمة)، و (الخالة). من الغابرات والحاضرات يقول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق ردة على رجل سمعه يذم الدُّنيا : ((أَيُّهَا الذَّامُ للدُّنْيَا الْمُغْتَرُّ بِغُرُرِهَا الْمَخْدُوعُ بِأَبَاطِيلِهَا أَتَغْتر بالدُّنْيَا ثُمَّ تَذُمُهَا ؟... مَتَى اسْتَهْوَتْكَ، أَمْ مَتى غَرَّتْكَ ؟ أَبِمَصَارِعِ آبَائِكَ مِنَ الْبِلَى، أَمْ بِمَضَاجِعِ أُمَّهَاتِكَ تَحْتَ الثَّرَى..)) (4)فجاءت مفردة (الأمهات) بصيغة الجمع (بالهاء)، للدلالة على العاقلات كما يذكر اللغويون، الذين


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 474/5.

2) نفسه.

3) نفسه.

4) نهج البلاغة : قصا / 131 : 625، 626.

عدوا الجمع المتقدم مخصوصاً بالعقلاء، في حين أنّهم جعلوا مفردة (أُمات) خاصة بالدلالة على غير العاقل(1). و ساق الإمام التعبير المتقدم على سبيل الاستهزاء والتهكم بمن ذم الدنيا، وهو مغتر بها، تنبيهاً له على عدم الاغترار ؛ وذلك لسوء صنيع الدنيا بأهلها وأصحابها (2)، الذين صرعت آباءهم، وأضجعت أُمهاتهم تحت الثرى من قبلهم. وتوحي لفظة (أُمهاتك) بالدلالة على قرابات المخاطب بعامة، وفي صدارتهن (الأم) و هي والدته، ومن ثم بقية النسوة من أقربائه.

أسرته

الأسرة العشيرة والرَّهط الأدنون (3). وقيل : بل هم أهل بيت الرّجل (4).

وقد وردت لفظة (أسرته) مضافاً اليها ضمير الغائب مرتين في نهج البلاغة، في حين جاءت لفظة (أسره) و (الأُسر) بصيغة الجمع مرة واحدة لكل منهما (5)، للدلالة على أسرة رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وهم أصله وأهل بيته الأدنون منه من ذرية علي وفاطمة (عليهما السلام) ومن ذلك قوله أمير (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق مدح النبي الأكرم وآل بيته : ((ابْتَعَثَهُ بِالنُّورِ الْمُضِيءِ، وَالْبُرهَانِ الْجَلي... أُسْرَتُهُ خَيْرُ أُسرَة، وَشَجَرَتُهُ خَيْرُ شَجَرَة ...)) (6). ومفردة (أسرة) في هذا السياق تتضمن الدلالة على أهل بيت النبي من ولد الإمام علي والزهراء (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، فضلاً عن الإشارة بها إلى نسبه الطاهر الذي ولد منه. ولعل الدلالة الأولى أملك بالسياق من الثانية التي دلّ عليها قوله ((شجرته خير الشجر)) التي يومئ بها إلى أصله ونسبه على سبيل الاستعارة كما يذكر الشرّاح (7). مثلما استعار مفردة (أغصانها) لأشخاص أهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وهم علي وفاطمة وفاطمة وأولادهم (8). الذين وصفهم بـ (الأغصان المعتدلة) إشارة إلى شرفهم وفضلهم (9). ويستفاد من لفظ (أسرة) الدلالة على شد العضد والاستقواء. كأنّ هذا اللفظ مشتق من (الأسار)، وهو الرباط الذي يشد به الأسير (10). وقد وردت لفظة (أسرته)، و (الأسر) بالدلالة المتقدمة نفسها في (خ / 94 (2)).


1) ينظر : لسان العرب (أمة) : 472/13.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 433/5.

3) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 48/1، ولسان العرب (أسر) : 20/4.

4) نفسهما.

5) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 26.

6) نهج البلاغة : خ / 161 : 286. وقد ورد هذا التعبير نفسه في (خ / 94) من نهج البلاغة.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 656/3.

8) نفسه.

9) نفسه.

10) ينظر : العين (اسر) : 293/7، والنهاية في غريب الحديث : 48/1.

المبحث الثاني: ألفاظ القرابة القريبة

عَشِيرة

عشيرة الرجل بنو أبيه الأدنون (1). وقيل : هم القبيلة (2).

وقد استعمل الإمام مفردة (عَشيرة) ست مرات في نهج البلاغة، أربع منها أضيف الى اللفظة فيهما ضميرا الخطاب والغيبة (عَشِرَتك) و (عَشيرته) (3)، للدلالة على قرابة الإنسان وقبيلته الذين ينتمي اليهم، ويعتمد عليهم في الأمور شتّى. ومن ذلك قوله في سياق النصح والإرشاد موصياً ولده الإمام الحسن (عليهما السلام): ((وَأَكْرِمْ عَشِيرَتَكَ، فَإِنَّهُمْ جَنَاحُكَ الَّذِي بِهِ تَطِيرُ، وَأَصْلُكَ الَّذِي إِلَيْهِ تَصِيرُ، وَيَدُكَ الَّتِي بِهَا تَصُولُ.)) (4). ولفظ (العشيرة) - هنا - يجمع بين الخاص والعام، فإنّه يدل بحسب - خطاب الإمام - على أهل الإمام الحسن وقبيلته المعروفة. في حين يتجاوز هذا اللفظ الدلالة المتقدمة، إذا تحوّل الخطاب من الخاص الى السامعين جميعاً من غير الإمام الحسن، لأنّ كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عام لا يخصصه المورد الذي قيل فيه، فيشمل الناس جميعاً، فلا يخرج أحد من أن تكون له عشيرة وأصل يصير اليه، ولهذه العلة أمر الإمام بإكرام العشيرة لأنهم بمنزلة جناح المرء الذي يستعين به في الأمور جميعاً. فاستعار لهم لفظ الجناح ؛ كناية عن تعلّق أمر الارتقاء والعلو والرفعة التي ينالها المرء بهم ؛ فهم عصبته التي تسانده وتعينه على أمره. وهم يده التي يصول بها ويجول. وقيل إنما استعار لهم لفظ (الجناح)، لأنهم كونهم المبدأ نهوض الإنسان وقوته على الحركة(5). وقد وردت لفظة (عشيرة) و (وعشيرتك، وعشيرته) بالدلالة المتقدمة نفسها في(ك / 9، قصا / 418) و (ك / 71، خ / 23 (2)).

عترته

إشارة:

عترة الرجل أصله. وأقرباؤه من ولده وولد ولده (6). وعقبه من صلبه (7).

وقد استعملت مفردة (عِترته) مضافة الى ضمير الغائب مرتين في نهج البلاغة، في حين جاءت لفظة (عتَرة) اسم جنس، وجمعها (العِتَر) مرة واحدة لكل منهما (8)، للدلالة على ما يأتي


1) ينظر : المحكم (عشر) : 360/1، ولسان العرب (عشر) : 764/4.

2) نفسها.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 303.

4) نهج البلاغة : ك / 31 : 513.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة : ك / 31 : 513.

6) ينظر : العين (عتر) : 66/2.

7) ينظر : تهذيب اللغة (عتر) : 157/2.

8) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 219.

أولاً : الدلالة على أهل بيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)

ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) متحدثاً عن آل البيت في سياق مدح النبي وآله: ((عِتْرَتُهُ خَيْرُ الْعِتَرِ، وَأُسْرَتُهُ خَيْرُ الأسَرِ، وَشَجَرَتْهُ خَيْرُ الشَّجَرِ(1). أراد بـ (عِترته) أهل بيته (عليهم السلام) من ولد علي وفاطمة الزهراء (عليهما السلام). والعِترة في اللغة - كما ذُكِر سلفا - ولد الرجل وعقبه من صلبه. وعِثرة النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) هم ولد فاطمة البتول حسبما يذكر اللغويون (2)، الذين احتجوا لهذه الدلالة بقوله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : ((إنّي تارك فيكم الثَّقَليْن، كتب اللّه وعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتي)) (3). وعلّقوا على هذا الحديث : أنّه جعل العترة أهل البيت، وهم آله الذين حُرَّمت عليهم الصدقة المفروضة الذين لهم (الخمس) المذكور في سورة الأنفال (4)أمّا شُرَّاح النهج، فلم يبتعدوا عن تفسير لفظة (عِترته) بـ (أهل البيت) (عليهم السلام) من ولد علي وفاطمة (عليهما السلام)، وهم أخصُّ أقاربه الأدنون منه الذين أوصى بهم (صلى اللّه عليه وآله) بقوله المتقدم (5). ويبدو أنّ ابتداء الإمام بذكر أفضلية النبي من خلال التعبير بـ (عِترته خير العتر)، إشارة الى أنهم أخصّ به وأقرب منزلة، فضلاً عن كون هذه المفردة أكثر دلالة على هذا المعنى من لفظة (أُسْرة)، التي تبدو في هذا السياق بالمرتبة الثانية بعد مفردة (العِتْرة)، فالأُسرَة هي الأورمة التي ولد منها النبي الخاتم (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، في حين أنّ (عِترته) هم أهل بيته. ولهذا قال النبي (صلى اللّه عليه وآله) عندما أراد الوصية بما خلّفه في المسلمين : ((إني تارك فيكم الثَّقَلَيْن، كتابُ اللّه وعِتْرتي أهْلَ بَيْتي)) ولم يقل (أُسرتي) ؛ لأنه أراد الوصية بالأخص، وهذا الفارق بين اللفظتين تشير اليه المدونات اللغوية التي تذكر أن (الأسرة) هي عشيرة الرجل ورهطه الذين يُتقوى بهم (6). وقد التفت الشارح البحراني الى قصية تقديم كلمة (عِتْرَتِهِ) على كلمة (أسرته) في كلام الإمام، فذهب الى أنّ الأولى أخص من الثانية، وأقرب منها الى النبيَّ. واحتج لذلك بسياق الحديث النبوي (7). وتتضمن مفردة (عِترته) التي أضيف اليها ضمير الغائب العائد على النبي إيحاءات عديدة، فالعِترة - في اللغة - ساق الشجرة وأصلها (8). والعترة خشبة المسحاة ويدها (9). وهي - أيضاً - بقلة إذا قطع أصلها خرج


1) نهج البلاغة : خ / 94 : 174.

2) ينظر : تهذيب اللغة (عتر) : 2 / 107، ولسان العرب (عتر) : 4 / 538.

3) مسند احمد بن حنبل : 14/3، 17 وفيه : ((إني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب اللّه حبل ممدود من السماء الى الارض، وعترتي أهلُ بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحَوضَ)). وينظر في هذا الحديث : فضائل الصحابة : 2 / 585، 603 وسنن الترمذي : 22/5، 663، وسنن النسائي : 45/5، ومسند ابن الجعد : 397/1، والمعجم الصغير المسمى بـ (الروض الداني) : 1 / 226، والمعجم الكبير : 65/3، 66 و 154/5، والمستدرك على الصحيحين : 118/3، ومسند أبي يعلى : 165/22، 297، 303. وقد أورد هذا الحديث المعجميون أيضاً. ينظر تهذيب اللغة (عتر) : 107/2، ولسان العرب (عتر) : 38/4.

4) ينظر : تهذيب اللغة : 107/2. وآية الخمس التي في سورة الأنفال هي قوله تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الانفال / 41.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 475/2، والديباج الوفي : 777/2، ومنهاج البراعة : 84/7، 85.

6) ينظر : لسان العرب (أسر) : 2/4.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 475/2 / 476.

8) ينظر : تهذيب اللغة (عتر) : 157/2.

9) نفسه.

منها لبن، فينبت من حوالها شُعَب ست أو ثلاث يتداوي بـه (1)و (العُتُر) الشدّة والقوة، و (العتّار) الرجل الشجاع القوي على السير في المواضع الوُحْش الخُشن (2). والعِتْرة قطعة مسك خالصة (3). والعترة الصخرة العظيمة التي يتخذ الضّب عندها مأوى له وذلك لقلة هدايته واهتدائه الى مكانه. ولو قلبت المفردة المتقدمة بتقديم بعض حروفها على البعض على طريقة تقليبات الخليل ؛ لظهرت لدينا مفردة (تُرْعَة)، وهي الروضة على المكان الذي فيه تسلط وارتفاع (4). ومن خلال هذا التتبع المعجمي التاريخي للمفردة المتقدمة نلحظ أن أغلب معانيها تدور حول الأصل والشدة والقوّة والتفرّع وطيب الشيء وغَلاة ثمنه، فضلاً عن الروضة الغنّاء. وهذه الدلالات لا تخلوا منها مفردة (عترة) التي اختارها النبي الأكرم لوصف أهل بيته (عليهم السلام). وستظل هذه المفردة قابلة للاتساع الدلالي في إيحاءاتها التي تضيفها المفردة على مَن خُصّ بها من ذرية النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، فأهل البيت هم الأصل والشجرة الطيبة، وهم الشجاعة والقوة والثبات والروضة الغنّاء التي يؤى اليها في الدنيا والآخرة، وهم العلامة التي يهتدي بها الضالون المضلّلون.

وقد استعمل الإمام مفردة (عِترة) مضافة الى لفظة (النبي) بالدلالة المتقدمة نفسها في (خ / 87).

ثانياً : الدلالة على قرابة الرجل وأسرته الذين يعتمد عليهم.

وقد جاءت هذه الدلالة في سياق نصحه الناس، وإرشادهم الى ضرورة عدم إهمال أهليهم إذا استغنوا، وأصبحوا أغنياء، يقول (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي الرَّجُلُ. وَإِنْ كَانَ ذَا مَالَ. عَنْ عترَتِهِ، وَدِفَاعِهِمْ عَنْهُ بِأَيْدِيهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ ...)) (5). يريد (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ أن عترة الرجل من ذُرِّيته ونَسْله أقرب اليه من أمواله التي لابد أن تصير الى غيره لاحقاً، لأنهم أعطف عليه من غيره، إذا نزلت به نازلة، ولسانه المدافع عنه في الناس ؛ فلا يَعْدِلَنَّ الأغنياء وغيرهم عن القرابة الخاصة ؛ لأنّه سيحتاج اليهم لاحقاً.

الذَّمَارِ

الذَّمَّارِ الحَرَم، والأَهْل، والحَوْزة، والحَشَم (6)، والذَّمَار، هو كُلّ ما يلزم حمايته والدَّفْع عنه (7).. وإنما سُمَّي ذِمَاراً ؛ لأنه يجب على أهله التَّذَمُر له (8).

وقد وردت مفردة (الذَّمار) مرتين في نهج البلاغة (9)، دالة على ما يلزم حفظه من الحرم والأهل والمال يقول الإمام في سياق حَثّ أصحابه على القتال: ((...وَرَايَتَكُمْ فَلَا تُمِيلُوهَا وَلَا تُخِلُوهَا، وَلَا تَجْعَلُوهَا إِلَّا بِأَيْدِي شُجْعَانِكُمْ، وَالمَانِعِينَ الذِّمَارَ مِنْكُمْ...)) (10). يُشير الى مكانة (الراية) في الحرب، لأنها أصل نظام العسكر


1) ينظر : تهذيب اللغة (عتر) : 107/2، وتاج العروس (عتر) : 18/512.

2) ينظر : تهذيب اللغة (عتر) : 157/2.

3) ينظر : تهذيب اللغة (عتر) : 157/2، وتاج العروس (عتر) : 520/12.

4) ينظر : تهذيب اللغة (عتر) : 158/2.

5) نهج البلاغة : خ / 23 / 54.

6) ينظر : تهذيب اللغة (ذمر) : 310/14، ولسان العرب (ذمر) : 312/4.

7) نفسهما.

8) ينظر : لسان العرب (ذمر) : 312/4.

9) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 171.

10) نهج البلاغة : خ / 124 : 228.

الذي يدور عليه أمره، و يتشجع بها الجيش ما دامت قائمة (1). لهذا أمرهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن لا يُميلوها أو يُخلوها، وأن يجعلوها في أيدي الشجعان من الجُند، وهم المانعون الذُّمار، الذين لا تنكل عزيمتهم، ولا يكونوا مدعاة لتذَمُّر أهلهم وسخطهم ؛ فإنهم لا يَنْكَفِؤون على أعقابهم، ويموتون دفاعاً عن المحارم والعرض والمال، وكل ما يلزم حفظه والقتل في سبيله.

أقول : و فسَّر ابن أبي الحديد مفردة (الذَّمار) في كلام الإمام بأنّها ((ما وراء الرَّجُل مما يحق عليه أن يحميه، وسُمَّي ذماراً ؛ لأنه يجب على أهله التذمر له. أي الغضب)) (2). وما ذهب اليه الشارح المعتزلي هو مذهب اللغويين في دلالة هذه المفردة، فقد ذكروا نظير هذا الوجه من الدلالة في مدوناتهم المعجمية كما تقدم ذكره. وقد استعمل الإمام لفظة (الذُّمار) بالدلالة نفسها في (خ / 171).

الإل

الإلُ قُربي الرَّحم كما يقول الخليل (3). وقيل : بل الإلُّ العهد والذَّمة والحِلف (4). وقال بعض اللغويين هي اسم من أسماء اللّه تعالى (5).

وقد وردت لفظة (الإلّ) مرة واحدة في نهج البلاغة، دالة على الرحم والقُربى. وذلك في سياق ذمَّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (لعمرو بن العاص). الذي يقول فيه : ((إِنَّهُ لَيَقُولُ فَيَكْذِبُ، وَيَعِدُ فَيُخْلِفُ... وَيَخُونُ الْعَهْدَ، وَيَقْطَعُ الألَّ...)) (6). ويشتمل النص على جملة من الصفات الذميمة التي يتميز بها هذا الشخص، ومنها قطع (الإل) التي تدل في هذا السياق على القرابة والرَّحم ؛ كأنّه بأفعاله هذه يتعمد قطع الرحم والقرابة بينه وبين غيره. ودلالة هذه اللفظة في هذا النص على (القرابة) أحَق من دلالتها على (العهد) كما ورد عند اللغويون في دلالتها المعجمية ؛ فقد جعل الإمام (القطع) في النص للرحم أو الإلّ، في حين أنّه جعل (الخيانة) (للعهد) وهذا الأمر هو الفيصل في بيان الدلالة السياقية لمفردة (الإل). والإمام بهذا التعبير الدقيق يخالف ما ركن اليه الشعراء من جعل (القطع) مخصوصاً (بالرَّحم) و (الخيانة) بـ (الإلّ). فهاهم اللغويون ينقلون قول الأعشى الذي يذكر فيه القطع لـ (لرّحِم)، والخيانة لـ (إلّ) في قوله (7):

أبْيَضُ لَا يَرْهَبُ الهُزَالَ ولا ***يَقْطَعُ رَحِماً ولا يَخُونُ إِلا

وكلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الأفصح تعبيراً، والأجدر قبولاً من الشعر المتقدم. أمّا اختياره هذه المفردة دون بقية الألفاظ الدالة على الرّحم والقرابة، فيبدو أنّه راجع الى تأثره بالقرآن الكريم ومفرداته، وذلك أن القرآن الكريم استعمل اللفظة المتقدمة في قوله تعالى: (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) (8). وأبان المفسرون


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2 : 559/3.

2) شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 6/8.

3) ينظر : العين (ألل) : 360/8.

4) ينظر : تهذيب اللغة (ألل) : 312/15.

5) نفسه.

6) نهج البلاغة : خ / 84 : 136، 137. وقد نقل اللغويون قول الإمام المتقدم. ينظر : النهاية في غريب الحديث : 61/1.

7) دیوانه : 230. وينظر : جمهرة اللغة (ألل) : 1 / 59، والمحكم (ألل) : 394/10.

8) التوبة / 8، 10.

عن دلالات الآية المباركة، فذكروا أنّ المشركين لا يكون لهم عهد إذا ظهروا على المسلمين، لأنهم لا يراعون القرابة و العهد و أعراق الرّحم (1).

اقول : وقد أراد (عليه السّلام) من قوله - السالف الذكر - ما أشارت اليه الآية الكريمة وسابقتها التي يقول فيها اللّه تبارك وتعالى : (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) (2). كأنّه يصف (عمرو بن العاص) بهذه الأوصاف القرآنية المشتملة على الكذب، وخيانة العهد وقطع الصَّلات والحدود المتعلقة بالقُربى. أمّا المسوّغ الآخر لاستعماله مفردة (الإل)، فيبدو أنه راجع الى رغبته في إظهار الشدّة في قطع العلاقة السببية بين أطراف القرابة والرحم، و بين ذوي الصلات، سواء أكانت صلات نسبية سببية، أم صلات عهود ومواثيق، فاستعمل تلك المفردة لكونها تحمل تلك الدلالات بوصفها المشترك اللفظي الذي تتسع معانيه ذات السَّعة الدلالية التي تلائم السياق الذي انتظمت فيه. ولهذا يمكن أن تحتمل المفردة المتقدمة الدلالة على العلاقة بين المرء والخالق جل جلاله من جهة قُرْب (العَبْد) من (معبوده) من خلال سعيه الى كسب رضا اللّه تبارك وتعالى، فكلما أنجز الإنسان ما عليه من طاعات و عبادات، كلما اقترب وقرب من ربّه أكثر. وعلى هذا الوجه يكون (عمرو بن العاص) انموذجاً من نماذج قطع الصلة بين المرء وبين البارئ سبحانه وتعالى، فضلاً عن كونه أحد الأسباب التي تمنع الناس من طاعة اللّه وأداء أوامره، واجتناب نواهيه.

حَامَّتِكَ

الحميم القريب الذي تؤده ويؤدك (3). وحَامَّة الرَّجُل خاصَّة أهله، ومن يَقْرُب منه (4). وهم أَهله وولده وذو وذو قرابته (5).. ومن ذلك الحديث الذي نقلته كتب الغريب والمعاجم : ((أنّ النبيَّ (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قد جَنَّكَ عَلِيّاً وحسناً وحَسَيْناً وفاطِمَة كِسَاءَ، ثم قال : اللّهمَّ هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي وَحَامَّتي، اللّهمَّ أَذْهَب عَنْهُم الرَّجْسَ وطَهّرهُمْ تَطْهِيْراً)) (6).

وقد استعملت مفردة (حامتك) مرة واحدة في نهج البلاغة (7)، دالة على القرابة الخاصة للمرء، وهم أهله وأولاده. وجاءت هذه الدلالة في سياق عَهده (عَلَيهِ السَّلَامُ) لـ (مالك الأشتر)، ينهاه في بعضه أن يُقْطعَ لأحدٍ من حاشيته وحامَّتِه قِطعة أرض. يقول : ((وَلَا تُقْطِعَنَّ لأحَدٍ مِنْ حَاشِيتِكَ وَ حَامَّتِكَ قَطِيعةً))(8). ويتضمّن النّص


1) ينظر : المحرر الوجيز : 9/3 والتفسير الكبير : 184/15.

2) التوبة / 7، 8.

3) ينظر : لسان العرب (حمم) : 153/12.

4) ينظر : غريب الحديث (الحربي) : 079/1، والنهاية في غريب الحديث : 446/1، ولسان العرب (حمم) : 253/12.

5) ينظر : لسان العرب (حمم) : 153/12.

6) مُسند أبي يعلى : 451/12 والحديث في : الجامع الصحيح (سنن الترمذي): 5 / 351 دون لفظة (حامتي). وهو في : النهاية في غريب الحديث : 446/1، ولسان العرب (حمم) : 153/12 مبدوء بـ ((اللّهمَّ هَوْلاءِ أَهْلُ بَيْتِي...)).

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 126.

8) نهج البلاغة : ك / 53 : 564.

نهياً من تسليط الأقارب والحواشي والخواص على رقاب الناس، وأن لا يُمكّنهم من الاستئثار والتطاول عليهم (1). فاستعمل الإمام مفردة (حَاشِيتك) و (حامتِك)، لبيان نوعين من خاصة (الوالي)، فالأولى هم حواشي الوالي، و هم صغار الناس من ذوي المنزلة المتدنية، إذا انضموا الى جانب الولاة وغيرهم من عِلْيَة القوم(2). أما القسم الثاني، فهم الحَامّة والقرابة من أهل الوالي وأولاده. وقد أمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) واليه على مِصْرٍ، أَنْ لا يُسلَّط هذين الصنفين من المقربين اليه على الناس، أو يُقْطعهم القطائع من الأراضي، ليستأثروا بها على الرعية. محاباة لهم وأثرة على الرّعية.

العَصَبَة

أصل العَصَب أطناب المفاصل الذي يُلائم بينها (3). وعَصَبَة الرَّجُل أولياؤه الذُّكور من وَرَثته(4)، ومنهم ومنهم الأب والابن وهما طَرَف، والعَمّ والأخ، وهما جانب (5). والعرب تسمّي قرابات الرّجل أطرافه (6)، فلما أحاطت به هذه القرابات وعَصَبت بِنَسَبِه ؛ سُمُّوا عَصَبَة لأنّهم اسْتَكفوا بهذا النَّسَب (7). ويبدو أنّ هذا المعنى مأخوذ من الإحاطة بالشيء. فكل شيء استدار بشيء، فقد عَصَب به ؛ ولهذا يقال للعمائم عَصائب، واحدتها عِصَابة (8)؛ لأنها تعصب بالرّأس.

وقد وردت مفردة (العَصَبة) مرة واحدة في نهج البلاغة (9). دالة على عَصَبة المرأة من أوليائها، وهم الأب والابن، والعم والأخ، فهؤلاء هم عَصَبتها الذين أحاطوا بها. وعُصِبَت بقرابتهم لها. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بُلُوغ النساء : ((إِذَا بَلَغَ النِّسَاءُ نَصَّ الْحِ قَاقِ فَالْعَصَبَةُ أَوْلَى)) (10). وقد اختلف شُرَّاح كلام الإمام في دلالة مفردات هذا النَّص. فذهبوا الى أنّ كلمة (النَّصَ) تدل على مُنْتَهى الأشياء وأقصاها (11)ومنه قيل : نَصَصْتَ الرَّجُل إذا استقصيت مسألته، حتى يستخرج كل ما عنده، حتى يستخرج كل ما عنده (12). وذكر أبو عبيد القاسم بن سَلّدم (ت 224 هـ) أنّ المراد بـ (نَص الحقاق) الإدراك ؛ لأنّه مُنتهى الصَّغَر، وهو الوقت الذي يَخْرج منه الصغير إلى أن يصير كبيراً بالغاً (13). وعلى هذا يكون مراد الإمام أنّ النساء إذا بلغن ذلك الحال. فالعَصَبة أولى بالمرأة من أمّها (14).


1) ينظر : شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد : 75/17.

2) ينظر : المحكم (حشو) : 464/3، وتاج العروس (حشو) : 431/37.

3) ينظر : العين (عصب) : 308/1.

4) ينظر : تهذيب اللغة (عصب) : 30/2.

5) نفسه.

6) نفسه.

7) نفسه.

8) نفسه.

9) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 204.

10) نهج البلاغة : غ / 4 : 651. وقد نقل اللغويون كلمة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المتقدمة، ونسبوها اليه، وكثير منهم ممن سبق السيد الشريف الرضي، ومنهم أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي (ت 224 هـ) في كتابه (غريب الحديث) : 457/3 وقد تبعه في ذلك فصيل من اللغويين منهم (الأزهري) في تهذيب اللغة (حقق) : 16/2، وابن الجوزي في غريب الحديث : 227/1 و 412/22. والجوهري في الصحاح (نصص) : 212/2 والزمخشري في الفائق في غريب الحديث : 437/3، ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث : 563/5، وابن منظور في لسان العرب (حقق) 53/10، والزبيري في تاج العروس (نصص) : 181/18.

11) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 457/3.

12) نفسه.

13) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 457/3.

14) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 457/3.

والمراد بالعَصَبَة - هنا - أولياء المرأة من الذكور حصراً، وهم الأب والابن، وهما طَرَف، والعَمّ والأخ، وهما جانب من قرابات النَّساءِ (1).

ومَثَّل أبو عبيد (العَصبَة) في النص بأنهم مَحْرم المرأة من الأخوة والأعمام ؛ وليس لهؤلاء أن يزوجوا اليَتَيْمة - مثلاً - حتى تُدْرِك (2)حسب ما يفهم من قول الإمام. واستعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) الفعل (بَلَغ) مسنداً الى الفاعل المؤنث، وهو لفظة (النّساء)، ولكنّه لم يؤنث الفعل معها. ولم يلتفت شُرّاح النّهج الى هذا النوع من التركيب، وتنبه له الدكتور عبد الكريم السعداوي الذي عدّه من قبيل قوله تعالى : (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ) (3)؛ فعدم تأنيث الفعل مع كون الفاعل مؤنثاً حقيقاً، راجع الى أنّ الفاعل من أسماء الجمع (4). أو هو جمع لكلمة (المرأة) من غير لفظها حسبما يرى اللغويون (5). ولهذا صح معه تذكير الفعل مع أنّه مؤنث حقيقي. والفعل (بلغ) في هذا النّص، يتضمن الدلالة على البلوغ الشرعي في النساء، وهو أن ترى الفتاة ما تراه النساء من علامات البلوغ ومنها الحَيْض الذي تصير به الفتاة امرأة بحسب القوانين الشرعية. وسنّها عند ذلك هو سِنّ البُلُوغ. وهو ما أغفله أغلب اللغويين ؛ لأنهم عُنوا بمفردتي (نَصّ) و (الحقاق) دون بقية المفردات الواردة في النّص. وقد شرح السيد الشريف الرضي كلام الإمام من خلال بيان الدلالات المعجمية للمفردتين المتقدمتين أعلاه، فذكر أنّ (النّصّ) تدل على منتهى الأشياء ومبلغ أقصاها، كالنَّصَّ في السَّيْر عند الدَّابة، وهو وصولها الى أقصى ما تقدر عليه من السّير. وفسَّر عبارة (نَصَّ الحِقَاق) بالإدراك ؛ بوصفه منتهى الصغر، وهو الوقت الذي يخرج منه الصغير الى حد الكبر. و جعل هذا النوع من التعبير من أفصح الكنايات وأغربها (6). وأما (الحقاق) عنده، فهو مُحَاقّة الأُم للعصبة من أولياء المرأة في الجدال والخصومة، والتنازع بينهما في حق الولاية على المرأة. ومن ذلك قول أحدهما للآخر : ((أنا أحق منك بهذا)) (7). وقد اختار الشريف الرضي أن يكون المراد من قول الإمام (نَص الحقاق)، هو ((بلوغ المرأة الحَدَّ الذي يجوز فيه تزويجها وتصرّفها في حقوقها، تشبيهاً بالحقاق من الإبل، وهي جمع حِقَّة وحق، وهو الذي استكمل ثلاث سنين ودخل في الرابعة، وعند ذلك يبلغ الى الحَدَّ الذي يتمكن فيه من ركوب ظهره، ونَصَّه في السَّيْر)) (8).

أمّا موقف شُرّاح نهج البلاغة، فقد ضعف بعضهم ما ذهب اليه أبو عبيد القاسم بن سلام في دلالة الألفاظ في قول الإمام، فضلاً عما ذهب اليه الشريف الرّضي أيضاً، فقد عدّ ابن أبي الحديد كلامهما مما لا يشفي الغليل ؛ لأنهما فسرا معنى مفردة (النّص) بعامة، ولم يُفسرا تعبير (نَصَّ الحِقَاق)، ليتطابق معنى اللفظ


1) ينظر : تهذيب اللغة (عصب) : 302/22، والفائق : 437/3، والنهاية في غريب الحديث : 63/5.

2) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 457/3.

3) يوسف / 30.

4) ينظر : غريب نهج البلاغة : 306.

5) ينظر : لسان العرب (نسأ) : 321/15.

6) ينظر : نهج البلاغة : غ / ع : 651. ويبدو أن السيد الشريف أخذ هذا التفسير من أبي عبيد القاسم بن سلام، الذي شرح كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كتابه (غريب الحديث) : 457/3. وقد أشار السيد الشريف الى ذلك في شرحه. ينظر : نهج البلاغة : غ / 4 : 652.

7) ينظر : نهج البلاغة: غ / 4 : 652.

8) نفسه.

مع المعنى العام للمفردة حسبما يرى الشارح المعتزلي (1). ويظهر - عندي - أنّ الخلاف بين اللغويين شُرَّاح نهج نهج البلاغة في معنى قول الإمام، راجع الى مفردة (الحقاق) فحسب ؛ لأنّ لفظة (نَص) واضحة الدلالة في المدونات المعجمية، حتّى أنّ شُرّاح النهج استعانوا بها لتكون مُدخلاً لفهم مفردة (الحقاق)، التي تعددت دلالتها، فأرجعها بعضهم الى المُحَاقَقة والمُجادلة والخُصُومة. ومنهم من جعلها دالة على الحقاق من الإبل أو الحقة والحق، الذي استكمل ثلاث سنين ودخل في الرابعة، فبلغ أن يحمل عليه، فهو في ذلك حق(2). وهذه الدلالة اختارها الشريف الرضي لتكون فيصلاً في معنى كلام الإمام ووافقه في ذلك الشارح البحراني(3). ومنهم من روى هذه المفردة (نَصَّ الحَقَائِق) (4). وذكروا أنّ (الحَقَائِق) جمع الحَقِيقَة، وهي ما يصير اليه حدّ الأمر (5). واحتج ابن أبي الحديد على هذا المعنى، ذاكراً أنّ الحَقَائِق) جمع (حقاق)، وليس جمع (حَقِيقَة)، و(الحقاق) جمع (حق) (6).

أقول : وقد ذكر الفيروزآبادي (ت 807هـ) أنّ مفردة (حقاق) بناء من أبنية جمع الجمع (7). ويمكن توظيف هذهِ هذهِ الوجه في ترجيح ما قصد الإمام اليه، فبلوغ النساء الغاية في تمام عَقْلِهِنَّ ومعرفة حقائق الأمور، يجعلهن قادرات على تمييز الصالح لهن من الطَّالح، ولاسيما في اختيار الأزواج والاستقرار البيتي. وهو ما يؤدي الى إمكان تزويجهنّ وجعلهنَّ ربّات حِجَال، قادرات على تحمل أعباء الزواج. ولهذا استعمل الإمام مفردة (حقاق) بصيغة منهى الجموع ؛ ليدل بها على الغاية في الحد الذي تبلغه المرأة من الكمال والوعي والبلوغ الشرعي و العقلي معاً. كما يدل جمع الجمع على منتهى الغاية في الجمع. وهذا المعنى لم يلتفت اليه الكثير الشُرّاح والدارسين حسبما أعتقد اليه الكثير من الدارسين. ولو جعلنا مفردة (حقاق) جمعاً لكلمة (حَقِيقَة)، لاتسق ذلك مع الوجه الذي أراه، فالحقيقية هي الوصول الى سِرّ الشيء وكُنْهه. وكذلك المرأة التي تصل (نَصَّ الحَقَائِقِ) فإنها تكون – عند ذاك - مُمَيِّزة لما ينفعها ويضرها، فتعرف حقيقة أمرها في هذه الحالة. ولو دلت مفردة (نَصّ) على منتهى بلوغ الشيء، وهذه واحدة من دلالات هذه الكلمة في المعجم، لاستقام المعنى الذي اختلف الشرّاح فيه الإبانة عنه. ولو عُدّت مفردة (نَصَّ) دالّة على الارتفاع والظهور حسبما يذكر المعجميون في دلالات مادة (نَصَ). كقولهم : (نَصّ الحديث نَصَّاً، إذا رَفَعَه)، ونَصَّ ناقَتَه، أي رفعها في السَّيْر، باستقصاء ما عندها من السَّيْر. وانتَصَّ السَّنَام إذا ارتفع (8). وبحسب هذا الوجه يكون الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعار لفظ (الحقاق) لأثْدَاء البِنْت الصغيرة، إذا نهدت وارتفعت، فيتحقق – هنا - شبهها بالحِقَّة في البروز، والظهور والارتفاع وكون المعنى - حينئذ - : إذا بلغت الفتاة حدَّ ارتفاع ثدييها، فأبوها وعمها أولى بتزويجها لمن أراد. وقد اختار


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 19 / 92،93. وأما ما ذهب اليه أبو عبيد وغيره من المصنفين في الغريب فهو في غريب الحديث (أبوعبيد): 457/3، والفائق : 37/3، والنهاية في غريب الحديث : 63/5، والديباج الوضي : 2917/6.

2) ينظر : المحكم (حقق) : 475/2.

3) ينظر : نهج البلاغة (البحراني) : 513/5.

4) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 457/3، وغريب الحديث، (ابن الجوزي) : 227/12 و 411/23، والفائق : 437/3.

5) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) 458/3، وغريب الحديث (ابن الجوزي) : 411/2. ومع نهج البلاغة : 133.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 93/20 وغريب نهج البلاغة : 311.

7) ينظر : القاص من المحيط (حقق) : 1130/1.

8) ينظر : تاج العروس (نصص) : 178/18.

هذا الشارح البحراني الذي رَبَّح كلام الشريف الرضي، وصحح له الوجه البلاغي الذي استعمل له الإمام عبارة (نَصَّ الحقاق)، إذ جعله الشريف الرضي تشبيهاً للمرأة بالإبل الحقاق، في حين أنّ هذا الضرب من التعبير هو من باب الاستعارة وليس التشبيه مع كون الاستعارة تعتمد التشبيه في أركانها.(1). ثُم قال البحراني : ((وقيل : يُحتمل أن يُراد بالنَّصّ الارتفاع. يقال : نَصَّت الصّبة رأسَها، إِذا رَفَعْته، ومنه مِنَصَّة العروس، لارتفاعها عليها. ويكون قد استعار لفظ الحقاق لأنْداءِ الصَّغيرة، إذا نَهَدت حدَّ ارتفاع أثدائهنّ، كانت العَصَبة أولى بَهِنَّ من الأم ؛ لأنه وَقْت إدراكهنَّ وعلامة صلاحيَّتِهِنَّ للتزويج)) (2). وقد اختار هذا الوجه - أيضاً - الباحث عبد الكريم السعداوي (3)، الذي أخذه فيما يبدو - عن الشارح البحراني.

أقول : ولو تَنَبَهنا الى مفردة (بَلَغَ) في صدارة كلام الإمام، لبَانَتِ المعاني المتداولة في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولم تكن هناك حاجة الى الوجوه المتقدمة. فمن دلالات لفظة (بَلَغ) البُلُوغ والوصول والانتهاء(4). ومن ذلك بلوغ الفتاة أو الجارية والصّبي سِنّ التكليف وهو بلوغهما وإدراكهما بشكل يتحقق معه تكليفهما الشرعي وتبرز في الفتاة علامات النساء الظاهرة، من قبيل بروز النّهدين، فتصير امرأة كَعَاب. وهو وصف يُطلق على الفتاة إذا نَهَد ثدياها وارتفعا (5). فضلاً عن علامات أخرى طبيعية. ولهذا كان الإمام دقيقاً جداً في استعمال الألفاظ في قوله المتقدم. فجاء بمفردة (بَلَغ) للدلالة على تحقق البلوغ الشرعي للمرأة (6)، وجاء كذلك بلفظ (النساء)، إشارة الى انتقال الفتاة أو الجارية من مرحلة عمرية الى مرحلة أخرى جديدة، وهي بلوغها مبلغ النّساء، واتّصافها بأوصافها الطبيعية. موظفاً تعبير (نَصَّ الحقاق) الذي يدل على بلوغ الإبل السنة الرابعة من أعمارها، ما يجعلها مؤهّلة للرّكوب والجدّ في السَّير. في حين جاء بمفردة (العَصَبة)، للدلالة على قرابات النّساء من محارمها الذين لهم الحق في تزويجها وكفالتها، وهم الأب والابن والعَم والأخ. وقد مَثَّل الشريف الرضي لهؤلاء بالأخوة والأعْمَام (7). وأضاف بعض الشرّاح الأخوال اليهم(8).

أما بالنسبة الى الولاية على المرأة، فقد ذكر الشريف الرّضي أنّ (الإخوة، والأعمام) أولى بالمرأة من أُمَّها في الولاية عليها (9). ويرى الفقهاء أنّ الولي الشرعي على المرأة هو الأب والجَدّ إذا كانت صغيرة، فأما إذا كانت كبيرة، فلا خلاف في عدم ولايتهم عليها (10).


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) 513:2.

2) نفسه.

3) ينظر : غريب نهج البلاغة : 314.

4) ينظر : لسان العرب (بلغ) : 419/8.

5) ينظر : تاج العروس (كعب) : 151/4.

6) وقد أشار ابن أبي الحديد الى هذه الفكرة إشارة عابرة، ذاكراً أنّ المرحلة أو الحد الذي تكتمل فيه المرأة والغلام ويتهيأ فيه للجدال والمناظرة، هو سن البلوغ : ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن ابي الحديد) : 93/20.

7) ينظر : نهج البلاغة : غ / 4 : 652، ومصادر نهج البلاغة وأسانيده : 206/4.

8) ينظر : الديباج الوضي : 29154/6.

9) ينظر: نهج البلاغة : 652.

10) ينظر : شرائح الإسلام في مسائل الحلال والحرام، للمحقق الحلي : 28/4، وغريب نهج البلاغة : 308.

أقول : ذكر الشريف الرضي (الأخوة والأعمام في الولاية على المرأة راجع الى ما ورد من دلالة معجمية لمفردة (العَصَبة)، وقد أخذ الشريف الرضي ذلك من المتن المعجمي الذي فسّر العَصَبة بالأب والابن والعم والأخ. ومن الطبيعي أن تكون الدلالة المعجمية للمفردة المتقدمة تختلف عن الدلالة الشرعية المتعلقة بأحكام الولاية على النساء، فضلاً عن أنّ الباحث نفسه اعتَّد - فيما يبدو - بدلالة لفظة (العَصَبة) على الأب والعم في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

لُحْمَتُه

اللُّحْمة - بالضَمّ - القرابة (2). يقال : بينهما لُحْمة ونَسَب. أي: قرابة (3). ولُحْمة النَّسب ما تشابك منه(4). ولُحْمة التَّوب، ما سُدِيَ به بين سَدي التَّوْب (5). وربّما كان هذا المعنى مأخوذاً من قولهم : لا حَمَ حَمَ الشيء بالشيء، اذا ألْزقَه به (6).

ومفردة (لُحْمتهِ) من مفردات نهج البلاغة التي استعملها أمير المؤمنين مرة واحدة (7)، للدلالة على القرابة. وذلك في بيان من هو وَلِيُّ النبيَّ وعدوّه. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : (إِنَّ وَلِيَّ مُحَمَّد مَنْ أَطَاعَ اللّه وإِنْ بَعُدَتْ لُحْمَتُهُ، وَإِنَّ عَدُوَّ مُحَمَّد مَنْ عَصَى اللّه وَإِنْ قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ)) (8). فجعل طاعة اللّه تبارك وتعالى ميزاناً في تحديد القرابة من النبي الأكرم، ومعصية اللّه تبارك وتعالى، عداوة له (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، حتى مع كون العاصي من قريباً من النبي. و(اللُّحْمَة) في النّص - النَّسَب والقرابة حسبما يذكر ابن أبي الحديد الذي لم يبتعد - في تفسير المفردة المتقدمة عن دلالتها المعجميّة (9). وزاد بعض الشرّاح على هذا الوجه وصف القرابة بالخصيصة (10).

وأمّا استعماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه المفردة دون غيرها ؛ فالسياق الذي صاغه الإمام يُراد به إظهار قوة العلاقة بين النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وبين المطيع اللّه تبارك وتعالى بكل ما تعنيه هذه الطاعة من معنى، وذلك بالأخذ بأوامره وأداء عبادته على أتم وجه، واجتناب نواهيه التي دعا الى الابتعاد عنها. فتحقق اللحمة في هذا المقام يكون بشرطه وشروطه كما يقال. ويقوم ذلك على معيار إيثار طاعة اللّه على طاعة هوى النفس وشيطانها، فضلاً عن طاعة الظالمين. فسَاقَ الإمام مفردة (لُحْمتة) للدلالة معنى الالتحام والتشابك في العلاقة بين شخصين، كما تشتبك أجزاء الثوب بعضها بالبعض الآخر، أو كما تلتحم أجزاء الجسد سوياً.


1) ينظر : غريب نهج البلاغة : 314.

2) ينظر : لسان العرب (لحم) : 538/12، وتاج العروس (لحم) : 403/33.

3) ينظر : تاج العروس (لحم) : 403/33.

4) ينظر : لسان العرب (لحم) : 538/12.

5) ينظر : لسان العرب (لحم) : 538/12، وتاج العروس (لحم) : 403/33.

6) ينظر : لسان العرب (لحم) : 538/12.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 408.

8) نهج البلاغة : قصا / 96 : 616.

9) ينظر : شرح نهج البلاغة : ابن أبي الحديد : 200/18.

10) ينظر : الديباج الوضي : 2785/6.

المبحث الثالث: ألفاظ العقب والأولاد والحفدة

العيال

إشارة:

عَيِال الرَّجُل من تكفّل بهم (1). ورجل مُعِيْل أي: ذو عِيالٍ (2).

وقد وردت لفظة (العيال) في نهج البلاغة أربع مرات (3)، للدلالة على ما يأتي :

أولاً : الدلالة على كثرة العِيال الذين يتكَفَّل بهم المرء

وذلك أنّ لفظة (عِيَال) من الفاظ الجمع على زنة (فعال) وهي من الفاظ الكثرة ؛ ويُقال لمن عنده أُسرة كبيرة يتكفّل بها وبعيشها (مُعِيل)، أي ذو عيال. وكثرة العيال مدعاة إلى التضييق على الإنسان المعيل، لهذا أمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عامله على (مَكَّة) أن يصرف ما اجتمع عنده من أموال على (ذوي العِيَال) و (المجاعة)، في قوله : ((وَانْظُرْ إِلى مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ مِنْ مَالِ اللّه فَاصْرِفْهُ إِلَى مَنْ قِبَلَكَ مِنْ ذَوِي الْعِيَالِ وَالْمَجَاعَةِ)) (4). وتوحي مفردة (العِيَال) في هذا النص بثقل المُتكفِّ وّل بهم على المُعيل، فكانوا سبباً في عوزه وفَقْرِه ومجاعته ؛ لأنه يُنْفق جُلَّ ما يملك عليهم. ويتضح ذلك ببيان دلالات أخر للجذر اللغوي (عيل)، فمنه (العالة)، وهي الفاقة (5). و(العَيْلة)، وهي الحاجة (6). ومنه العوز أيضاً (7). وهذه الدلالات جميعاً تفيد في بيان ضعف الحال الذي يعاني منه (ذو العِيَال). ولهذا عطف الإمام لفظة (المجاعة) على (العِيَال) في إشارة إلى أن المجاعة من أسباب كثرة (العيال) ؛ لأنها من لوازم الافتقار إلى التَّرف والرفاه في العيش. و ذِكَره (ذوي العيال)، وتقديمهم على (ذوي المجاعة) يؤيد ماتقدّم ؛ فقد رَتَّب (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذين الصنفين من الناس بحسب شِدّتهم في الاحتياج، مقدّماً (ذوي العيال) ؛ لأنّه يمثل الأكثر حاجة إلى ما يسد رمق عياله وأهله وقد أحس بعض الشُّرَّاح بهذهِ المسألة - فيما يبدو - فذكر أنّ أمر الإمام عامله بصرف المال على الرّعية، وأن يَتَوخّ في ذلك الأخْوَج، فالأحوج (8).

أقول : وقد ورد نظير للدلالة المتقدمة لمفردة (عِيَال)، في (قصا / 141).

ثانياً : الدلالة على التكفل والاعتماد

وتكون مفردة (عِيَال) في هذا النّص، دالة على المُتكفّل بهم من الناس من الذين يعتمدون على (المغيل) في حياتهم. وقد صوّر الإمام اعتماد المخلوقات جميعاً على اللّه تبارك وتعالى، أروع تصوير ؛ موظفاً في ذلك لفظة (عِيَال) في قوله الذي يصف فيه اللّه تبارك وتعالى : ((... وَهُوَ الْمَنَّانُ بِفَوَائِدِ النَّعَمِ، وَعَوائِدِ


1) ينظر : المحكم (عيل) : 245/2.

2) نفسه.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 328.

4) نهج البلاغة : ك / 67 : 586.

5) ينظر : تاج العروس (عيل) : 83/30.

6) نفسه.

7) ينظر : المحكم (عيل) : 246/2.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 379/5.

المَزِيدِ وَالْقِسَمِ، عِيَالَهُ الْخَلائِقُ، ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ، وَقَدَّرَ أَقْوَاتَهُمْ، وَنَهَجَ سَبِيلَ الرَّاغِبِينَ إِلَيْهِ...)(1). وهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَجْعَل من الخلائق كلها عيالاً لله جلّ جلاله ؛ لأنّه هو الذي يتكفل برزقهم وتدبير أحوالهم وتقدير أقواتهم، وهم يعتمدون عليه في ذلك كُلّه. فإنّه (جل جلاله) ((لاَ يَفِرُهُ الْمَنْعُ، وَلَا يُكْدِيهِ الأعْطَاء وَالْجُودُ)) (2)، كما يقول أمير المؤمنين. فلا يفتقر ولا تُغوزه كثرة (الخلائق)، كما هو شأن (ذوي العيال)، ولا يُصِيبه ما يُصِيب خَلْقه من قلّة الخير والعطاء حاشاه من ذلك. وقد أشار بعض السُّرَّاح إلى أن مفردة (عِیال) مستعارة استعارها الإمام للخَلْق بالنّسبة إلى رَبَّهم. ووجه المشابهة في ذلك : أنّ عِيَالَ الرَّجُل هم من جمعهم ؛ لجَلْب القوت لهم وإصلاح حالهم، وكذلك هم الخَلْق الذين خلقهم اللّه تبارك وتعالى وجمعهم تحت عنايته ؛ لإصلاح أحوالهم في معاشهم ومعادهم (3).

أقول : ويبدو الأثر النّبوي واضحاً في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقد ورد في الحديث الشريف أنّ : ((الخَلْقَ كلُّهم عِيَالُ اللّه، فَأَحَبُّ الخَلْقِ إلى اللّه أَنْفعَهم لعيالِهِ)) (4). ويبدو أنّه تأثر بهذا النوع من التعبير النبوي في صياغة فكرة أنّ الخلق جميعاً عيال اللّه تبارك وتعالى من جهة رعايته لهم وتكفله بأرزاقهم وحاجاتهم، فضلاً عن توفير أسباب الحياة لهم، من صحة وعافية ومأوى. والحديث النبوي وكلام الإمام كلاهما في الحثّ والترغيب على حسن القيام على العيال، وضرورة مداراتهم والسهر على شؤونهم وتوفير مستلزمات العيش لهم. ونظير الدلالة المتقدمة لمفردة (عِيَال) في الاعتماد والتكفّل، ما ورد في (ك 53).

الحفدة

إشارة:

الحفد الخِفَّة في العمل والخدمة (5). وهذا هو أصل الدلالة عند اللغويين (6). والحَفَدَة وَلَد الوَلَد (7). والحَفَدة الخَدَم عند العَرَب والأعوان أيضاً (8)؛ لأنهم يجتمع فيهم التَّجمُّع والتَّخفيف (9). أي تخفيف الحمل عن صاحبه. فكل من عمل عملاً أطاعَ فيه، فهو حَافِد (10). وقد وردت مفردة (حَفَدة) في القرآن الكريم في قوله تعالى : (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ) (11).


1) نهج البلاغة : خ / 91 : 149.

2) نفسه.

3) شرح نهج البلاغة (البحراني) : 431/2، والديباج الوضي : 680/2.

4) المعجم الكبير : 86/10، وبُغْيَة الباحث عن زوائد مسند الحارث المعروف بـ زوائد الهيثمي، للحارث بن أبي أسامة المعروف بالحافظ الهيثمي : 857/2، ومسند الشهاب، لأبي عبد اللّه القضاعي : 255/2، والديباج الوضي : 680/2.

5) ينظر : العين (حفد) : 180/3، ولسان العرب (حفد) : 153/3.

6) ينظر : تهذيب اللغة (حفد) : 247/4، ومقاييس اللغة (حفد) : 84/2.

7) ينظر : العين (حفد) : 185/3.

8) نفسه.

9) ينظر : مقاييس اللغة (حفد) : 84/2، ولسان العرب (حفد) : 153/3.

10) ينظر : تاج العروس (حفد) : 32/8.

11) النحل / 72.

وتعددت آراء المفسرين في لفظة (حَفَدَة)، فذهب ابن عباس إلى أنّ (الحَفَدة) هم بنو البنين (1). يريد بذلك أولاد الأولاد الذين هم أعوان الرّجل. وقيل : هم الخدم والأعوان (2). وذهب بعض المفسرين إلى أن (الحَفَدة) هم الأصْهَار (3). أو أختان الرَّجل على بَنَاته (4). والظاهر أنّ الذي جعل المفسرين يفترقون على هذه المذاهب في دلالة مفردة (حَفَدة)، هو كونها من (المشترك اللفظي)، الذي تتعد فيه دلالات الكلمة الواحدة. ولهذا كثرت لآراء في هذه الكلمة التي أعتقد أنها تدل في الآية المباركة على أولاد الأولاد، بقرينة لفظة (بنين) التي تدل على الأولاد من ذُرِّية الرَّجل (5). ولا يبعد أن يكون المراد من ذكرهم بهذا اللفظ، كونهم من خَدم الإنسان وأعوانه الذين يعتمد عليهم ويستكفي بهم في النُّصرة والمؤازرة، فضلاً عن كونهم أحفاده في الأصل (6). وهذا المعنى يرجّحه السياق الذي جاءت فيه الكلمة، فهو سياق تَفَضُّل وإنعام من اللّه تبارك وتعالى الذي هيّأ للإنسان لوازم الحياة بكل ما فيها. وقد أشار إلى ذلك المفسّر ابن كثير (ت 774 هـ) في تفسيره لفظة (حَفَدة) في الآية المباركة (7).

وبالعودة إلى كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ، فقد استعملت فيه المفردة المتقدمة مرتين في نهج البلاغة، وجاءت لفظة (حَافِد) بصيغة اسم الفاعل المفرد مرة واحدة (8)، للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على الأعْوَان

وقد وردت هذه الدلالة في سياق كلامه عن نهاية الشباب وأُزُوف الانتقال إلى الآخرة، وذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((فَهَلْ يَنْتَظِرُ أَهْلُ بَصَاضَةِ (9)الشَّبَابِ إِلا حَوَانِي (10)الْهَرِمِ (11)، وَأَهْلُ غَضَارَةِ (12)الصّحَّةِ إِلا نَوَازِلَ السَّقَمِ؟... مَعَ قُرْبِ الزِّيَالِ (13)، وَأُزُوفِ (14)الانتِقَالِ، وَعَلَزِ الْقَلَقِ، وَأَلَمٍ الْمَصَض... وَتَلَفْتِ الإِسْتِغَاثَةِ بِنُصْرَةِ الْحَفَدَةِ وَالأقْرِبَاءِ، وَالأعِزَّةِ وَالْقُرَنَاءِ))(15). وتبدو مفردة (الحفدة) في هذا السياق دالة على الأعوان الذين يُنْتَظَر منهم الإعانة والنُّصرة في المواقف العظيمة كموقف الموت وغيره. ومما يُعزز ذلك أنّ الإمام عطف


1) ينظر : تنوير المقباس من تفسير ابن عباس : 227/1، وغريب القرآن (السجستاني) : 410/1، والإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق (دراسة قرآنية لغوية وبيانية)، د. عائشة عبد الرحمن : 317.

2) ينظر : جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) محمد بن جرير الطبري : 14 /144، ومجمع البيان : 207/6.

3) ينظر : المحرر الوجيز : 408/3.

4) ينظر : مجمع البيان : 207/6.

5) ينظر: تاج العروس (بني) : 37/ 22.

6) ينظر : غريب الحديث (ابن قتيبة) : 474/1.

7) ينظر : تفسير القرآن العظيم، لابن كثير : 578/2، والفاظ العلاقات الاجتماعية في القرآن الكريم، دراسة تطبيقية لألفاظ الأسرة والقرابة، رسالة ماجستير، صالح هادي شمام : 121.

8) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ البلاغة : 114.

9) بَضَ الشيء، سال وخرج ماؤه، وبضاضة الشباب رقة اللون وصفاءه الذي يؤثر فيه ادنى شيء ينظر : لسان العرب (بضض) : 119/7.

10) الحواني جمع (حانية)، وهي التي تحني ظهر الشيخ وتُكِبَه. ينظر : النهاية في غريب الحديث : 455/1.

11) الهَرَمُ اقصى الكبر. ينظر : لسان العرب (هرم) : 607/12.

12) الغضارة النعمى والسَّعة في العيش. ينظر : لسان العرب (غضر) : 23/5.

13) الزيال الفراق والتباين. ينظر : لسان العرب (زيل) : 316/11.

14) الأزُوْف الاقتراب. ينظر : لسان العرب (أزف) : 4/9.

15) نهج البلاغة : خ / 83 : 128.

اللفظة المتقدمة كلمة (الأفربَاء)، ولو كان المراد بلفظة (الحَفَدة) أولاد الأولاد من أحفاد الإنسان، لما عطف عليها كلمة (الأقرباء) لأنّ هذه المفردة عامة يدخل فيها أولاد الأولاد أيضاً، لأنهم من قرابات الإنسان.

أقول : وقد أختار رُجلُّ شُرَّاح النهج تفسير مفردة (الحفدة) بالأعوان (1). ومع هذا، فإننا يمكن أن نُوسّع من دائرة مصاديق لفظة (الحَفَدة)، فنجعل كل مَنْ أعان وساعد الإنسان في أمرٍ عَسَيْر صَعْب، فهو من حَفَدَتهِ، وبهذا يصير أولاد الأول من الحَفَدة، وخدم الانسان وحاشيته منهم ايضاً وهذه الدلالات التي تحملها المفردة يمكن ان يحتملها النَّص، لسبب من أن لفظة (الحَفَدة) من المشترك اللفظي الذي تتعدد في معاني الكلمة الواحدة على سبيل اتفاق اللفظ واختلاف المعنى كما يسميه اللغويون (2). وثراء هذه الكلمة دلالياً، هو الذي يجنح بها إلى هذه الاحتمالات التي يكون السياق فيصلاً في تحديد دلالتها.

ثانياً : الدلالة على الأحفاد، وهم بَنُو البَنين

وهذه الدلالة وردت في سياق كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن تجهيز الميَّت ونقله إلى دار غُربته : ((.. ثُمَّ أُلْقِيَ عَلَى الأعوادِ رَجِيعَ (3)وَصِبٍ، وَنِضْوَ سَقَم، تَحْمِلُهُ حَفَدَةُ الْوِلْدَانِ، وَحَشَدَةُ (4)الأخْوَانِ، إلى دَار غُرْبَتِهِ...)) (5). وأشار بقوله (أَلْقِيَ عَلَى الأعوادِ)، إلى وضع الميّت في النَّعش، كأنه رجيع تعب عاد تواً من سَفَرِهِ مُنهكاً مهزولاً كالدابة التي ترجع من السفر، فَتُسَاق إلى سَفَر آخر. وهي لما تزَل بعد مُنهكة مهزولة، لكثرة تردادها في الأسفار. وكذلك حال ابن آدم، الذي يجيء من سفر الدُّنيا مِنْؤه الهزال لكثرة ما يحمله من الذنوب والخطايا، مُلقى على نَعشه تحمله (حفدة الولدان). يعني أحفاده من أولاد أبنائه وبناته أيضاً، لأنهم يدخلون في الأحفاد من قرابة الإنسان فضلاً عن أبنائه أنفسهم. ولاشَكٍّ أنَّ الأبناء وأبناء الأبناء ء هم المُقَدَّمون في حَمِل جنازة أبيهم عند موته، ولهذا يرجح أن يكون المراد بـ (حَفَدَة الوِلدان) - هنا - الأبناء وأبناء الأبناء. على الرّغم من أنَّ اللغويين يرون أنَّ مجيء صيغة (فَعَلَة) جمعاً لـ(فَعِيل) قليل الورود في اللغة(6). وهم يقصدون بذلك أنّ (حَفَدة) هي جمع (حَافِد)، وليست جمع (حَفِيد) ؛ لأنّ (حَفِيْداً) بوزن (فَعيل)، والكثير في (فَعِيْل) أن تجمع على (أفْعَال)، فيقال : حَفيد وجمعه أَحفاد. وقَلَّ أن يُقال (حَفَدَة) (7). وهذا الكلام راجع إلى أنّ صيغة الجمع (فَعَلة) تطَّرد في كل وصف لمذكر عاقل على وزن (فاعل) صحيح اللام، نحو كاتب وجمعها كَتَبةَ، وعَالِم وجمعها عَلَمَة (8).

إنّ المسألة المتقدمة ليست مُطّردة بحيث يكون جمع (فَعَلَة) مَقْتصراً على ما كان مفرداً بوزن(فاعل)، فقد ورد جمع (فَعِيْل)، وهو مفرد، على (فَعَلَة)، وأقرّ الدارسون المحدثون ذلك، ومنهم الدكتور


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) 206/6، وشرح نهج البلاغة (البحراني): 386/2، والديباج الوضي : 592/2.

2) ينظر : علم الدلالة، د. أحمد مختار عمر : 149.

3) أصل الرجوع الإنصراف. والرَّجْيع من الدواب ومن الإبل، ما أرجع من سَفَرٍ الى سَفْرِ، وهو الكال. ينظر : لسان العرب (رجع) : 116/8.

4) الحَشْدُ الجمع. ينظر لسان العرب (حشد) : 150/3.

5) نهج البلاغة : خ / 83 : 134.

6) ينظر : مع نهج البلاغة : 132.

7) نفسه.

8) ينظر : المقتضب، للمبرد : 125/1، ومعاني الأبنية : 150.

إبراهيم السَّامرائي الذي قال : ((أقول : وجَمْعُ (الحَفيد) أحفاد، وحَفَدَة. والكثير في جمع (فَاعِل) على (فَعَلَة) ...)) (1). هذا أولاً. وثانياً أنّ من اللغويين من ذكر أنّ بناء (فَعِيْل) يُجمع على (أفعلة)، للدلالة على القِلّة، مثل رغيف وأرغفة (2). وذكر بعض المحدثين من الصرفيين أنّ (فَعِيْلاً) ترد مجموعة على (أفعال) بقلّة، نحو : أَشْرَاف جمع شَرِيْف، وأَشْهَاد جمع شَهِيد (3).

أقول : ويمكن اعتماد أقوال الصرفيين المتقدمة في جواز مجيء كلمة (حَفَدَة) جمعاً لـ (حَفيد) ؛ لأن أبنية الجموع لا تخضع لمقياس محدد، فمنها ما يجيئ مجموعاً على بناء في سياق معين، في حين أنّها ترد مجموعة على بناء آخر في سياق آخر، فهذه القضية رهن بالمعنى الذي تُساق هذه الأبنية لأدائه. وليس ببعيد أن يكون هذا الخروج عن الاطراد في جمع صيغة (فَعيل) على (فَعَلة)، مختصاً بلغة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، بوصفه إمام الفصحاء بعد النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، فلا غرابة منه هذا الاستعمال الذي وظفه لمنح السّياق ضرباً من السّعة في الدلالة وإثراء المعنى ؛ من خلال إيثار جمع الكثرة على جمع القلّة، فإنّه لو استعمل لفظة (أحفاد) بدلاً من (حَفَدة)، لَفُهم من النص قلّة من يحمل الميَّت من أهله، ولاقتصر الذين يحملون نَعْشَه على أحفاده من أولاد أبنائه فحسب، في حين أنّ (حَفَدَة) تتسع لِتَشْمِل أولاد الأولاد، ومن هم في طليعة الأعوان والخَدم الذين يَسْتعين بهم المرء في السَّراء والضَّرَّاء وحين البَأْس. فضلاً عن دلالتها على بقيَّة الأصهار والأختان.

إنّ تخصيص لفظة (حَفَدة)، في هذا السياق، بأولاد الأولاد مع احتمالها دلالات أخرى ثانية، يعضده لديَّ استعمال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (حَشَدة بوزن (فَعَلة) في السياق نفسه أيضاً، لتحقيق الانسجام الصوتي بين اللفظتين، فضلاً عن تعزيز الدلالة التي سيقت اليها مفردة (حَفَدة). فـ(الحَشَدة) في اللغة جمع (حَاشِد)، وهم القوم المجتمعون المُخفُون في التَّعاون (4). وهذه الدلالة المعجمية تعضد المراد من لفظة (حفدة) التي رَبَّحتُ لها الدلالة على أبناء الأبناء وغيرهم من الأعوان من القرابات وغيرهم ولهذا اختار صاحب الديباج الوضي ما يقرب من هذا الوجه (5).

ثالثاً : الدلالة على الاسراع في الخدمة

واستعمل الإمام مفردة (حَافِد) بوزن اسم الفاعل المفرد لهذه الدلالة، وذلك في سياق كلامه عن الملائكة : ((... وَلَيْسَ في أَطْبَاقِ السَّمَاءِ مَوْضِعُ إِهَاب (6)إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكَ سَاجِدٌ، أَوْ سَاعٍ حَافِدٌ، يَزْدَادُونَ عَلَى طُولِ الطَّاعَةِ بِرَبِّهِمْ عِلْماً...)) (7). يُبيَّن النص ما يقوم به الملائكة من سجود وسعي في طاعة اللّه تبارك وتعالى. والملاحظ أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعمل صيغة (فَاعِل) للإبانة عن هذه الأفعال، وهي (السجود،


1) مع نهج البلاغة : 132.

2) ينظر : الأصول في النحو : 449/2.

3) ينظر : المهذب في علم التصريف، د. هاشم طه شلاش وصاحبه : 185.

4) ينظر : مقاييس اللغة (حشد) : 2 / 66، ولسان العرب (حشد) : 150/3.

5) ينظر : الديباج الوضي : 614/2.

6) الإهابُ الجِلْدُ. ينظر : العين (أهب) : 4 / 99.

7) نهج البلاغة : خ / 91 : 160.

والسَّعي، والحَفْد) ؛ لما فيها من دلالة على الدوام والثبوت، فضلاً عما تضمنها الحدث والحدوث وفاعلهما (1). فهذه الصيغة التي وصف بها الملائكة في أنّ كلّ واحدٍ منهم (سَاجِدٌ وسَاعٍ، حافَد) أليَق بحالهم ؛ لأنهم دائمو (السجود، والسَّعي، والحَفْد) في الأوقات كلّها، فضلاً عن ثبوت هذه الأوصاف فيهم - وهذه الدلالات مأخوذة من صيغة (فاعل)(2). وبالعودة إلى الدلالة التي أفادتها المفردة المتقدمة، فإن الشُرَّاح جعلوها دالة على الإسراع (3). في الامتثال لطاعة اللّه تبارك وتعالى (4). وهذه الدلالة هي الأصل في مادة (حَفَد) التي تدل على الإسراع والخفّة في العمل (5). و (الاحتفاد) هو السُّرعة في كل شيء(6). وبهذا يصير معنى كلامه الإمام : أنّ كلَّ واحد من الملائكة ساجد أو سَاع مُسرع مخت في عبادته اللّه تبارك وتعالى دون كلل أو ملل.

رَبِيْبٍ

إشارة:

((الرَّبيب ابن امرأة الرَّجل من غيره)) (7). والرَّبيبة الحاضنة (8)؛ وسميت بذلك ؛ لأنها تُصْلِح الشيء وتقوم به وتجمعه (9). والرَّبيب زوج الأم أيضاً (10).

ومفردة (رَبيْب) من الفاظ نهج البلاغة التي وردت فيه مرتين (11)، للدلالة على ما يأتي

أولا : الدلالة التربية والنَّشأة على العِزَّ والخَيْر

وجاءت هذه الدلالة في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يتحدث فيه عن الموتى وحالهم قبل الممات وبعده : ((...فَكَمْ أَكَلَتِ الْأَرْضُ مِنْ عَزِيزِ جَسَد، وَأَنِيقِ لَوْن، كَانَ فِي الدُّنْيَا غَذِيَّ تَرَفَ، وَرَبِيبَ شَرَف..)) (12). والنَّص يصور حال الموتى قبل وفاتهم، وعيشهم في الحياة الدنيا. فأشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى نعيمهم وترفهم الذي كانوا يَرْفلون به في الحياة الدنيا، التي ربّوا فيها على الشرفِ والعِز بالنعيم (13).


1) ينظر : معاني الأبنية : 46، 47.

2) نفسه : 51، 52.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد): 333/6، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 455/2، والديباج الوضي : 729/2.

4) ينظر : الديباج الوضي : 729/2.

5) ينظر : لسان العرب (حفد) : 153/3.

6) نفسه.

7) المحكم (ربيب) : 236/10.

8) ينظر : المحكم (ربيب) : 236/10، ولسان العرب (ربيب) : 405/1.

9) نفسهما.

10) نفسهما.

11) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 178.

12) نهج البلاغة : خ / 221 : 429.

13) ينظر : شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد) : 125/11.

ثانياً : الرَّبيب الكافل والمُربَّي

وقد وردت هذه الدلالة في وصف الإمام (محمد بن أبي بكر) (1)الذي قلّده (مِصْر)، فَقُتِل فيها.

يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذلك : ((وَقَدْ أَرَدْتُ تَوْلِيَةً مِصْرَ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ (2)، وَلَوْ وَلَّيْتُهُ إِيَّاهَا، لَما خَلَّى لَهُمُ الْعَرْصَةَ (3)، وَلَا أَنْهَزَهُمُ الْفُرْصَةَ، بَلاَ ذَمَّ لِمُحَمَّدِ بْنِ أَبي بَكْرٍ، فَلَقَدْ كَانَ إِلَيَّ حَبِيباً، وَكَانَ لي رَبِيباً)) (4). والنص في مَدْح (محمد بن أبي بكر)، الذي رعاه الإمام وربّاه، حتى صار القيم عليه والمُربّي ؛ فَسَّمي رَبِيْبه، وقد تزوّج الإمام بِأُمَّ (محمد)، فصار زوج أُمَّه. ويمكن أن يضاف إلى هذا المعنى أيضاً دلالة تلك المفردة الكفالة والتَّعَهَّد والحُنق على هذا اليتيم من زوج أُمَّه.

الدابر

الدَّابر العَقِب (5)، وهو مأخوذ - فيما يبدو، من ظهر الشيء و قفاه. فالدُّبْر والدُّبُر الظُّهْر (6). والدَّابر. من السّهام أو القداح، هو الذي لم يخرج، فهو خلاف الفائز فيها ؛ وسمّي بذلك لأنه ولي دُبُرَ صاحبه. (7)

وقد جاءت لفظتا (الدابر، ودَابري) في نهج البلاغة مرة واحدة لكل منهما (8)، للدلالة على العَقِب و الخَلف الذي يَخْلف المرء. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق الدعاء : ((الْحَمْدُ اللّه الَّذِي لَمْ يُصبِحْ بِي مَيِّتاً وَلاَ سَقِيماً، وَلَا مَضْرُوباً عَلَى عُرُوقِي بسوء، وَلَا مَأْخُوذاً بِأَسْوَا عَمَلِي، وَلَا مَقْطُوعاً دَابِرِي...)) (9). ويَحمد الإمام اللّه على ضروب النَّعم التي أنعمها عليه، وعدد منها الحياة، والصحة، والسلامة من الآفات، ومن الأخذ بالجريرة، ومن ثَمّ (قطع الدَّابر). وهو الظُّهْر والقفا و آخر كل شيء. وبه يُعبر عن نَسْل الإنسان وعقبه ؛ لأنّه يَخلفه من بعده ويحل في مكانه، ويكون تابعاً ومُلحقاً به في البنُوّة. فاستعمل أمير المؤمنين تعبير (ولا مَقْطوعاً دابري) للدلالة على عدم قطع نسله وعقبه (10). وقد احتمل الشارح البحراني أن يكون المراد بلفظ (دابري) الظَّهر بعينه. وتكون دلالة (القطع) - هنا كناية عن الرَّمي بالدَّواهي العظيمة التي من شأنها قصم


1) هو محمد بن أبي بكر القرشي التيمي، المكنى بأبي القاسم، ولد في حجة الوداع، وأمه (أسماء بنت عُميس)، مات عنها زوجها، فتزوجها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ). ونشأ محمد في حجره (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وشهد معه (صفين) و (الجمل)، ثم أرسله الإمام الى مصر أميراً عليها، فدخلها في شهر رمضان سنة (37هـ). ثم أرسل معاوية جيشاً بقيادة عمرو بن العاص الى مصر، فقاتلهم محمد حتى قتلوه في صفر سنة (38هـ). وكان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يثني عليه ويفضله ؛ لعبادته واجتهاده. وقد جعله على الرَّجَالة يوم صفين. ينظر : تهذيب التهذيب : 70/9، وتهذيب الكمال، لأبي الحجاج المزي : 541/24.

2) هو هاشم بن عتبة بن أبي وقاص القرشي الزهري، أبن أخي سعد أبن أبي وقاص، يُكنّى (بأبي عمرو). أسلم يوم الفتح، وكان من الفضلاء الأخيار، فقئت عينه يوم (اليرموك)، ثم اشترك في معركة (القادسية)، وأبلى فيها بلاء حسناً. وصحب الإمام علي وشهد معه (الجمل) و (صفين)، فكان بطلاً شجاعاً، حتى لقب (بالمرقال) لجرأته وشجاعته في الحرب، وكانت بيده راية الإمام يوم (صفّين، إذ كان فيها على الرَّجالة، فقاتل حتى قُطعت رجله، فما زال يقاتل وهو بارك، قائلاً : ((الفَحْل يَحْمي شؤله معقولاً)) وقتل يومذاك. ينظر : الاستيعاب في معرفة الأصحاب : 1546/4 والثقات، لأبي حاتم البستي : 437/3.

3) العرصة كل يقعة واسعة بين الدور وليس فيها بناء. ينظر : لسان العرب (عرص) : 52/7.

4) نهج البلاغة : خ / 68 : 106.

5) ينظر : لسان العرب (دبر) : 268/4.

6) نفسه.

7) ينظر : مقاييس اللغة (دبر) : 325/2.

8) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 151.

9) نهج البلاغة : خ / 215 : 417.

10) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 27/4.

ظهر وقطع القُوَّة والعضد (1). وهذا احتمال وارد، وهو غير بعيد عن دلالة مفردة (دابر) التي يراد بها النَّسْلِ والخلف ؛ فقطع النَّسْل يمثل مصداقاً من مصاديق قطع الدابر وقصم الظهر، فإنّها تنهك قدرة المرء وتمنعه من الأداء الطبيعي لتكوين النَّسْل. وقد وردت لفظة (الدَّابر) دالة على الخلف والعُقب ايضاً في (ك / 55).

عَقب

((عَقِبُ الرَّجُلِ وَلَدُهُ، وولد ولده الباقون من بَعْدِهِ)) (2). وقولهم : لا عَقِب له. أَي لم يَبْقَ له ولَد ذكر (3)وأصل العَقِب في اللغة هو آخر كل شيء (4)، ومنه قيل لولد الرجل عَقِبه (5).

واستعملت مفردة (عَقِب) مرتين في نهج البلاغة (6)، للدلالة على أبناء الناس ونسلهم. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق الوصية برعاية أولاد الناس : ((أَحْسِنُوا فِي عَقِبِ غَيْرِكُمْ، تُحْفَظُوا فِي عَقِبِكُمْ)) (7). يريد : أن الإحسان في نَسْل بقيّة الناس، كأولاد الأخوة وبقيّة القرابات، يكون مقدمة لحفظ عِقبكم وأولادكم الذين يعقبونكم الانصراف من هذه الدنيا، أو عند السفر وترك العِيال دون معيل ولعل إيثاره (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (عَقِب) بالدلالة، راجع إلى أنه كان يتحدث عن (العَقِب) الذين يَخْلفهم الرجل من بعده، سواء أكانوا يخلفونه بعد وفاته، فيكونوا عندئذ بحاجة إلى الإحسان والرعاية، أو من يخلفهم من وُلّده عند سفره و ارتحاله إلى مكان ما، ابتغاء العلم أو الحج مثلاً وهذه المعاني تستلزم أن يكون هؤلاء الأولاد عَقِباً يتركهم خَلْفه. مما يجعلهم بحاجة إلى الإحسان والحفظ. ولاسيما إذا كانوا صغاراً.

ويلمس في المفردة المتقدمة (عقب) الدلالة على شدة العلاقة بين الرَّجل وذريته أيضاً ؛ لأنهم صُلبه وعصبته، إذ تبين شدة العاطفة والشوق إلى الأبناء عند الارتحال عنهم وقد ذكر اللغويون أنّ من دلالات مفردة (عَقِب) دلالتها على (العَصَب) الذي يكون في المثنين والغلباء مرتبطاً بلحم الإنسان والبَغير، وهو من أصلب أنواع العَصَب وأمتَنِه (8). فكأنّ ارتباط الرّجل بعقبه كارتباط العَصَب الذي يكون في متن الإنسان من جسمه، فضلاً قوة هذا النوع من العَصَب الذي يشد به قوام المرء وبدنه.

سبطاً

السبط ولد الابن والابنة (9).

وقد وردت لفظة (سبطاً) مرة واحدة في نهج البلاغة (10)، للدلالة على الطائفة من الملائكة. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما عزم على لقاء القوم بـ (صفين) داعياً بهذا الدعاء : ((اللّهمَّ رَبَّ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ، وَالْجَوّ المَكْفُوفِ (11)،


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 27/4.

2) العين (عقب) : 178/1.

3) نفسه.

4) ينظر : تهذيب اللغة (عقب) : 179/12، ولسان العرب (عقب) : 611/1.

5) ينظر : تهذيب اللغة (عقب) : 179/1.

6) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 310.

7) نهج البلاغة : قصا / 264 : 656.

8) نفسه.

9) ينظر : المحكم (سبط) : 839/8، ولسان العرب (سبط) : 310/7.

10) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 209.

11) كفَّ الشيء يكفه، إذا جمعه، والمكفوف المجموع : ينظر : لسان العرب (كفف) : 9/.؟؟

الَّذِي جَعَلْتَهُ مَغِيضاً (1)لِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمَجْرِيَّ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَر... وَجَعَلْتَ سُكَّانَهُ سِبْطاً مِنْ مَلَائِكَتِكَ، لَا يَسْأَمُونَ مِنْ عِبَادَتِكَ ...)) (2). يشير الإمام في دعائه إلى آيات اللّه تبارك وتعالى، ومنها خلق السماء وجعل سكانها من طوائف الملائكة، الذين لا يفتُرُون عن عبادته، فاختار (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (سبطاً) ؛ للدلالة على طوائف الملائكة و جماعاتهم، لما في هذه المفردة من اتساع دلالي، بوصفها من الألفاظ المشتركة المعنى، فهي تدل على الجماعة، والطائفة، والفرقة، والامتداد فكأنما هؤلاء الملائكة جماعة ممتدون في طول السماء وعرضها، يطوفون بعرش اللّه تبارك وتعالى يطيعونه ويخضعون لأمره أنّى شاء ومتى شاء. والمفردة المتقدمة تناسب المعنى الذي يظهر قدرة اللّه جل جلاله وعظمته. ولو استعمل الإمام مفردة أخرى بدلاً من هذه المفردة، مثل لفظة (قبيلة) أو (جماعة)، لما أدّت هذه المفردات الدلالة المتقدمة فيما أحسب، لأنه قصد بها الإشارة إلى معنى كثرة هؤلاء الملائكة وامتدادهم في السّماوات والأرض، فضلاً عن بيان اجتماعهم وطوافهم بعرش اللّه.

أقول : ويبدو الأثر النبوي واضحاً في كلامه (عليه السلام) من خلال استعماله مفردة (سبط) الواردة في قول النبي (صلى اللّه عليه وآله) في واصفاً الإمامين الحسنين (عليهما السلام): ((الحَسَنُ والحُسَيْنِ سِبْطَانِ مِنَ الأسْبَاط)) (3). فهما حفيدا رسول اللّه (4)، من ابنته الزهراء (عليها السلام). وقيل : إنّ (سِبْطا) - هنا - تدل على الأمة أو الطائفة. أي : أنهما طائفتان وقطعتان منه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) (5). وهي تفيد في النّص المتقدم الدلالة على امتداد نسل رسول اللّه بالحسنين (عليهما السلام) ؛ فمفردة (سبط) مأخوذة من (السبوط)، وهو في اللغة - الطول والامتداد. ومنه قيل : (السَّاباط)، لما يحد بين الدارين من سقف. وكذلك قيل لبعض أنواع الشجر (سَبْط) ؛ لأنه طويل ممتد. فضلا عن أنّ السَّ بط في اللغة أيضاً يدل على الطائفة والجماعة (6). وقيل : أنّ اللفظ المتقدم يدل على معنى (القبيلة) عند اليهود، كما تدل مفردة (القبيلة) عن العرب (7). فهي تفيد الرجوع إلى أب واحد. وإنما سُمّي (سبطاً)، ليفرق بن ولد إسماعيل وولد اسحاق (عليهما السلام) (8). و نقل عن بعض اللغويين أنّ (السَّبط) في كلام العرب هم الأولاد (9).


1) غاض الماء بغيض مغيضاً إذا نقص : ينظر : لسان العرب (غيض) : 1/7.

2) نهج البلاغة : خ / 171 : 308، 309.

3) المعجم الكبير : 32/3، و 57/3، والمعجم الأوسط : 327/6، والمعجم الصغير : 75/1.

4) ينظر : لسان العرب (سبط) : 310/7.

5) ينظر : تهذيب اللغة (سبط) : 20/12، النهاية في غريب الحديث : 334/2.

6) نفسهما.

7) ينظر : المحكم (سبط) : 839/8، وتاج العروس (سبط) : 329/19.

8) ينظر : تاج العروس (سبط) : 329/19.

9) نفسه.

المبحث الرابع: ألفاظ القرابة والنسب والبطانة

الأرْحَام

إشارة:

الرَّحم هو بيت منبت الولد ووعاؤه في البطن. (1)ومنه أخذت الدلالة على (الرَّجم)، وهي القرابة القريبة (2). وقد عكس ابن فارس الفكرة المتقدمة، فذكر أنّه من دلالة لفظة (رحم) على القرابة القريبة أُخذت تسمية بيت منبت الولد بـ (الرَّحِم) (3). ويبدو الوجه الأول أكثر قبولاً ؛ لأنّ رَحم الأم يمثل مكاناً للرأفة والقرابة، وتقع به على كل من يجمع بينه وبين غيره نَسَب أيضاً (4). وتُطلق اللفظة المتقدمة على الأقارب من جهة النساء أيضاً (5).

واستعملت لفظة (رَحِم) في نهج البلاغة غير مرة، بحيث بلغت مرات ورودها بصيغها المختلفة ستّاً وعشرين مرة ؛ ثلاث عشرة منها بصيغة المفرد، و ثلاث عشرة بصيغة الجمع (6). وانقسمت دلالة هذه اللفظة على قسمين، وهي بحسب شيوعها كالآتي :

أولاً : الدلالة على القرابة

وهي أكثر الدلالات استعمالاً في كلام أمير المؤمنين، ومنها قوله في سياق الحدث على صِلَة الرَّحم، بوصفها واحدة مما يتوسل بها المتوسلون الى اللّه سبحانه ((... وَصِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ وَمَنْسَأَةٌ (7)في الأَجَلِ..))(8). وأراد بـ (الرَّحِم) - هنا - القرابة، بقرينة مفردة (صلة) التي تدل على الإحسان الى الأقربين من ذوي النَّسب والعطف عليهم والرفق بهم.(9). فكأنما (بِصَلَةِ الرَّحم يتحقق الوصل بما بين الأقرباء من علاقة القرابة والمصاهرة، وغيرها من درجات القُرب بين الناس. والضِدُّ من ذلك هو (قطع الرَّحم). وهو عدم التّواصل والمداومة بين الأرْحَام القريبة أو البعيدة.

وقد حَثّ الإسلام على إدامة الرَّحِم فيما بين الأقارب، وجعل له فوائد كثيرة فى صدارتها ما ذكره الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من كونه ثراء للمال، وإطالة للعمر ؛ ترغيباً لهم في توثيق الصلة بين القرابات.

وقد وردت لفظة (الرَّحم) دالة على القرابة بقسيمها (القريبة والبعيدة) في لنهج البلاغة في المواضع الآتية : (خ / (خ / 26، 139، 150، 151، 163، 164، 172، 209، 217، 231، ك / 18، 28 (2)، 36، قصا / 102، 247، 291).


1) ينظر : العين (رحم) : 224/3، وتهذيب اللغة (رحم) : 34/5.

2) ينظر : العين (رحم) : 224/3، ولسان العرب (رحم) : 232/12.

3) ينظر : مقاييس اللغة (رحم) : 498/2.

4) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 2/ 210، ولسان العرب (رحم) : 233/12.

5) نفسهما.

6) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 184.

7) المنسأة التأخير والإطالة، ينظر : لسان العرب (نسأ) : 166/1.

8) نهج البلاغة : خ / 110 : 200. ويبدو أنّ هذه الكلمة مأخوذة من الحديث النبوي : ((... فإنَّ صِلَة الرَّحم مَحَبَّة في الأهل مَثْراة في المال منسأة في الأثَرِ)). سنن الترمذي : 351/4، وهو في : النهاية في غريب الحديث : 43/5 ولسان العرب (نسأ) : 166/1، وتاج العروس (نسأ) : 461/1) دون قوله (محبه في الأهل).

9) ينظر : لسان العرب (وصل) : 728/11.

ثانياً : الدلالة على الرَّحم، وهو مكان ولادة الطفل في بطن الأم

وقد جرى استعمال هذه الدلالة عند الإمام في مواضع متعددة. منها قوله في سياق كلامه عن عِلْمٍ اللّه تبارك وتعالى : ((.... فَيَعْلَمُ سُبْحَانَهُ مَا فِي الْأَرْحَامِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، وَقَبِيحٍ أَوْ جَمِيل،...وَشَقيّ أَوْ سَعِيد...)) (1). وعَنى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بـ (الأرحام) هنا، الموضع الذي ينمو فيه الطفل في بطن أمَّه، فهو مستقر النشأة الأولى للإنسان حتى ولادته وجاءت لفظة (رَحِم) دالة على بيت مَنْبت الولد في بطن أمه في نهج البلاغة في المواضع الآتية. (خ/ 12، 83، 90، 94، 109، 128، 151، 163).

صهره

الصهْر حَرمَة الختُؤنة (2). والصهر هو المتَزوّج في القَوْمِ (3). ويبدو أنّ أصل هذه المفردة مأخوذ من القرابة والاتصال بالناس. يقال : ((أَصْهَرْت بهم، إذا اتصلت بم، وتَحرّمت بجوار أو نسبٍ أو تزوّج))(4). ولعل دلالة التقرّب والاتصال هذه انتقلت بعد ذلك، لتكون علاقة نَسَبٍ وزواج على سبيل القرابة الحقيقية، فصارت لفظة (صهر) تطلق على زوج بنت الرجل وزوج أُخْته (5). فهو الحَمَأ من قبل الزوج (6)، فأهل بيت المرأة أصْهَار، وأهل بيت الرجل أَخْتَان (7). والخِتن أبو امرأة الرّجل، أو أخو امرأته (8). وربما جعلوهم جميعاً أصهاراً أيضاً (9).

وقد وردت لفظة (صهر) ثلاث مرات في نهج البلاغة (10)، دالة على النَّسب والقرابة عن طريق الزواج من النساء. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق كلامه على الشورى : ((... فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ، وَشِدَّةِ الْمُحْنَةِ، حَتَّى إِذا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا فِي جَمَاعَة زَعَمَ أَنَّي أَحَدُهُمْ. فَيَاللّه وَلِلشُّورَى مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ، حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ (11)لكِنِّي أَسفَفْتُ (12)إِذْ أَسفُّوا، وَطِرْتُ إِذْ طَارُوا، فَصَغَا (13)رَجُلُ مِنْهُمْ لِضِغْنِه (14)، وَمَالَ الْآخَرُ لِصِهْرهِ، مَعَ هَن وَهَن.)) (15). يشرح الإمام حاله عندما اختير واحداً من أهل الشورى الذين اختارهم الخليفة (عمر بن الخطاب)، لمّا قَرُبت مَنيَّته جاعلاً الخلافة في سِتةٍ كان


1) نهج البلاغة : خ / 128 : 235.

2) ينظر : العين (صهر) : 411/3، ولسان العرب (صهر) : 471/4.

3) لسان العرب (صهر) : 471/4.

4) نفسه.

5) نفسه.

6) نفسه.

7) نفسه.

8) نفسه.

9) نفسه.

10) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 261.

11) النظائر جمع نظرة، وهي المثل والشبه في الأشكال والأخلاق والأفعال. ينظر لسان العرب (نظر) : 219/5.

12) أسفَّ الطائر إسفافاً، إذا طار على وجه الأرض، وأسفَّ السحاب اذا دَنا من الأرض. ينظر : جمهرة اللغة (سفف) : 1 /134.

13) صغا أي مال. ينظر : تاج العروس (صغو) : 38 / 423.

14) الضغن الحقد. ينظر : لسان العرب (ظفن) : 255/13.

15) نهج البلاغة : خ / 3 : 30.

الإمام واحداً منهم (1). ويستفهم (عليه السّلام) مُتَعَّجباً في أنّه متى اعترض الشكَّ فيه مع الخليفة الأول، حتى أنه يُقرن الى هذه النّظائر وأمثالها (2). فإنّه طَلب الأمر - أي الخلافة عندما كان مقروناً بكبار القوم، وقد قرنوه الآن بالأصاغر منهم. ثم انتقل الإمام الى بيان أحوال هؤلاء الرَّهط من أصحاب الشورى، الذين مالوا عنه، وجنحوا الى اختيار غيره للخلافة، فهم بين حاقد عليه وكاره له، وبين من يحوز الأمر الى قرابته. فأما الحاقد عليه والمُبْغض له، فالمراد به (سعد بن أبي وقاص) (3). حسبما يذكر الشارح البيهقي الأنصاري(4). أما الذي مال الى صهره ونَسِبه، فهو (عبد الرحمن بن عوف) (5). وقد أشار الإمام بكلمة (صهره) الى (عثمان بن عفان عفان)، الذي كان واحداً من أهل الشورى أيضاً، فَجنح إليه (عبد الرحمن بن عوف) لنَسَبٍ كان بينهما ومصاهرة. وقد ذكر الشُرَّاح أنّ زوج (عبد الرحمن بن عوف)، وهي (أُمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط)، وهي أخت عُثمان من أُمَّه.(6). وهذا هو السبب فيما يبدو - الذي دفع بالرَّجل الميل الى صهره ؛ لأنّه زوج أخته وزاد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من بيان هذا المَيْل الذي وصف به عبد الرحمن بن عوف بذكر الكناية بمفردة (هَنِ وهَن). وهي من الكنايات التي تستعمل في الدلالة على الأشياء القبيحة (7). وقصد بذلك أنّ ميل هذا الشخص لم يكن لمجرد المصاهرة بينهما فحسب ؛ وإنّما لأشياء أخرى يحتمل أن يكون منها الغبطة بوصول هذا الأمر اليه، أو (8)، أو الإفادة من حصول نسيبه لهذا المنصب الذي سيدر عليه الكثير من المغانم والفوائد والمكاسب الدنيوية. وقد وردت لفظة (صهر) دالة على المعنى نفسه في (خ / 162، 164)/

الوليجة

إشارة:

الوُلُوج الدُّخُول (9). الوَلِيْجة هي بِطَانة الرَّجُلِ ودخلته (10). وهم خاصة الإنسان (11). وهذه المفردة مأخوذة من الولوج، وهو الدخول كما يذكر اللغويون (12). والوَلِيجة اللصيْقُ بالناس المختص بهم، وهو ليس منهم(13). وتجمع هذه اللفظة على ولائج (14).


1) ينظر : تاريخ الرسل والملوك : 560/2، 561، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 181/1، 182.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 181/10.

3) هو سعد بن أبي وقاص، واسم أبوه هو مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب يكنى سعد بأبي اسحاق، وأمه (حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس)، وهو من السابقين في الإسلام، توفي سنة (55هـ). ينظر : الطبقات الكبرى : 137/3 تقريب التهذيب : 232/1.

4) ينظر معارج نهج البلاغة : 234/1، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 150/1 وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 179/1.

5) هو أبو محمد عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب، كان اسمه في الجاهلية (عبد عمرو)، ولد بعد عام الفيل بعشر سنين، وكان من السابقين الى الى الإسلام، وهو أحد الستة الذين اختارهم الخليفة عمر في الشورى. ينظر : الطبقات الكبرى : 124/3، وسير أعلام النبلاء : 68/1.

6) ينظر معارج نهج البلاغة : 1/ 234، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 185/1، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 179/1، والديباج الوضي : 217/1.

7) ينظر : الديباج الوضي : 217/1.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 179/1، 180.

9) ينظر : العين (ولج) : 182/6، والمحكم (ولج) : 7 / 554.

10) نفسهما.

11) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 223/5.

12) ينظر لسان العرب (ولج) : 400/2.

13) ينظر : تهذيب اللغة (ولج) : 131/1 وتاج العروس (ولج) : 262/6.

14) ينظر : تاج العروس (ولج) 6 / 262.

وقد استعملت لفظة (الوَليّجة) بصيغة المفرد، و (الولائج) بصيغة الجمع مرة واحدة لكل منهما في نهج البلاغة (1)، للدلالة على ما يأتي :

اولاً : الدلالة على كتمان أمر البَيْعة واسراره في النَّفْس

وجاء ذلك في قول الإمام الذي يتحدث فيه عن (الزبير) وبيعته للإمام : ((يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ بَايَعَ بِيَدِهِ، وَلَمْ يُبَايِعْ بِقَلْبِهِ، فَقَدْ أَقَرَّ بِالبَيْعَةِ، وَادَّعَى الوَلِيجَةَ، فَلْيَأْتِ عَلَيْهَا بِأَمْر يُعْرَفُ، وَإِلا فَلْيَدخُلْ فِيمَا خَرَجَ مِنْهُ))(2). ويريد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأدعى الوَليجة، أدعاء الزبير إسرار عدم رغبته في بيعة الإمام في قلبه، وإِنه بايع بيدهِ لا بِقَلْبه وإيمانه(3)حتى روي عنه أنه ورّى في البَيْعة تَؤرية (4). ولهذا ردّ عليه الإمام بأنّ ذلك إقرار للبيعة منه، وأنّ أدّعاءَهُ (الوَلِيْجة)، وإضماره أمراً آخر لا يقوم عليه دليل، مطالباً إياه بالدليل على ما أضمره في نفسه(5)والا فيلزمه الدخول فيما خرج منه.

اقول : وأصل (الوليجة) بطانة الرّجل ودخلته وخاصته (6). وهذه الدلالة مأخوذة من دخول الشيء في الشيء(7). ثم صارت اللفظة بعد ذلك دالة على دُخُول الشيء في الشئ، وهو ليس منه، ومن ثَمَّ أُطلِقْت على اللَّصِيْق من الناس (8)، وهو الداخل بين القوم دَخِيْلةً.

وقد وَسَّع الإمام من دلالة هذه المفردة في السياق المتقدم، فجعلها دالة على ما أضمره (الزُّبَيْر) في قَلْبه من أمر، فكأنما أَوْلَج أمره وكتمه في نفسه، وصيّره بطانة له وخاصة، وأظهر غيره للملأ ؛ لأن (الزئير) ادّعى الدخول فى البيعة مكرهاً (9). وأنه أضمر في نفسه غير هذا.

ومن الجدير بالذكر أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وظف هذه المفردة في كلامه، للتعبير عما قال (الزُّبَيْر)، متَّخِذاً من هذه المفردة القرآنية سبيلاً له لبيان هذا المعنى، فقد وردت المفردة في القرآن الكريم في قوله تعالى : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (10). أما في دلالة هذه الكلمة، فقد ذكر المُصَّنفون في غريب القرآن أنها تدل على البطانة الدخلاء من المشركين الذين يخالطهم المسلمون ويودّونهم (11). وفي الآية تعريض بالمنافقين الذين اتخذوا


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 493.

2) نهج البلاغة : خ / 8 : 38 وقد وردت هذه الكلمة مروية عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كتب اللغة، ينظر : النهاية في غريب الحديث : 223/5، ولسان العرب (ولج) : 400/2.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 217/1، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 194/1.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد) : 217/1.

5) نفسه.

6) ينظر : العين (وَلَج) : 182/6، والنهاية في غريب الحديث : 223/5.

7) ينظر : المحكم ولج) : 7 / 554.

8) ينظر : تهذيب اللغة (ولج) : 131/11.

9) ينظر : الديباج الوضي : 250/1.

10) التوبة / 16.

11) ينظر : غريب القرآن، (ابن عُزيز السجستاني) : 480/1، والبيان في تفسير غريب القرآن ؛ لشهاب الدين المصري: 222/1.

الولائج من الكفّار، ولاسيما عند فرض القتال (1). والولائج هم الدخلاء من المشركين الذين كان بعض المسلمين يوادونهم من دون اللّه ورسوله.

ثانياً : الدلالة على البطانة الداخلية لأكمام الشَّجَرِ.

واستعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهذه الدلالة لفظة (وَلاَئج) بصيغة الجمع، وأتى بها في سياق بيان قدرة اللّه تبارك وتعالى على العلْمِ والخَلْقِ. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((عَالِمُ السِّرِّ مِنْ ضَمَائِرِ الْمُضْمِرِينَ، وَنَجْوَى الْمُتَخَافِتِينَ (2)... وَهَمْس (3)الأقْدَامِ، وَمُنْفَسح (4)الثَّمَرَةِ مِنْ وَلَائِج غُلْفِ الأَكْمَامِ ...)) و (ولائج غُلُف الأكمام) أي ما كان داخلاً في بطانة أغلْفِةِ أكْمامِ الثَّمر في الأشجار. والغُلُف جمع غلافٍ، وهو الصوان، وما أشتمل على الشيء، كقميص القَلْبِ، وكِمامُ الزَّهر (5)والأكمام هي أغلفة الزَّرع التي يخرج منها، وأكمام النَّخْلِةِ ما غَطّى جُمَارها من السَّعْفِ واللَّيْف (6). وهو (الكِمُ) بالكَسْرِ (7). ومن هذا البيان اللغوي للمفردات المجاورة المجاورة للفظة (ولائج). يمكن الوصول الى دلالة هذه المفردة، فالولائج هي ما دخل في الشيء كما مر سلفاً، وهي – هنا- لا تعني ما دخل في الشيء وهو ليس منه، وإنما المراد بها بِطانَةً غُلُف اكمام الشَّجَرِ، وهو ما تَضُمِنّه الأكمام واغلفتها من بَرَاعِم. وقد ناسب استعمال هذه الكلمة بصيغة الجمع مع ما بعدها من مفردات استعملت بالجمع أيضاً، وهي لفظة (غُلُف) التي وردت مجموعة على (فعل)، والأكمام التي جمعت على (أفْعَال). وإنما أورد أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا التعبير للدلالة على أنّ اللّه تبارك وتعالى عالم بكل صغيرة وكبيرة في الكون.

أقول : وقد وردت لفظة (ولائج) دالة على البطانة والاعتصام في (خ / 150، 239). في حين دَلّت على الإسلام وطريقته في (خ /106).

الحَمأ

الحَمُو أبو الزَوْج وأخوه (8). وقيل : إنَّ كلّ من ولي الزوج من ذي قرابته، فهم أَحْمَاء المرأة (9). وكذلك أم أم الزوج، فهي حَمَاة الزَّوْجة (10). وربّما همزوا المفردة المتقدمة، فقالوا : حمؤ، وحَمَاً (11). وتجمع لفظة (الحَمَةُ) على (أحْمَاء) (12).


1) ينظر : المحرر الوجيز : 14/3.

2) النجوى إسرار الشيء. وأصله من النجاة بالسِّرَّ. والتخافت والخفوت هو ضعف الصوتِ. ينظر : تاج العروس (نجو) : 29/40، (خفت) : 30/2.

3) الهمس الحَفْيُّ من الصوت الوطئ وهَمْس الأقْدَامِ أخْفَى ما يكون من صوت الوطئ. وينظر : لسان العرب (همس) : 250/6.

4) الفُسْحَة السعة، ومراح مُنفسخّ، أي كثير النَّعَم. وينظر : لسان العرب (فسخ) : 543/2.

5) ينظر : لسان العرب (غلف) : 271/9.

6) نفسه (كمم) : 526/12.

7) ينظر : مقاييس اللغة (كم) : 122/5، والفاظ الشجر والنبات في القرآن الكريم (دراسة ومعجم)، رسالة ماجستير، أسعد جواد الخفاجي : 70.

8) ينظر : العين (حمأ) : 311/3، وتهذيب اللغة (حماً) : 5 / 176.

9) نفسهما.

10) ينظر : العين (حمو) : 311/3.

11) نفسه.

12) ينظر : المحكم (حما) : 411/3.

وقد وردت مفردة (الحَمَأ) بالهمز مرة واحدة في نهج البلاغة(1)، وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يتحدث فيه عن (طَلْحَة والزبير) قائلاً : ((وَاللّه مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً، وَلا جَعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ نَصِفاً. وَإِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقَّاً هُمْ تَرَكُوهُ، وَدَماً هُمْ سَفَكُوهُ، فَإِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ فَإِنَّ لَهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنْهُ، وَإِنْ كَانُوا وَلُوهُ دُونِي، فَمَا الطَّلْبِةُ (2)إِلَّا قِبلُهُم... وَإِنَّهَا لَلْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ (3)، فِيهَا الْحَمأُ وَالْحُمَةُ...)) (4). والسياق - هنا - سياق إنكار وردّ على طلحة والزبير، اللذين لم يُنصفا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حَقَّه، وادعوا عند خروجهم عليه أنهم يطلبون بدم الخليفة عثمان بن عفان) لهذا ردّ عليهم أمير المؤمنين بكلامه هذا، واصفاً إياهم بـ (الفئة الباغية) المكونة من (الحَمأ، والحُمَة) ومفردة (الحَمأُ) من الفاظ القرابة التي تدل على من تكون قرابته بسبب من الزواج بالنساء. فالحمأ هو أبو زوج المرأة أو أخوه (5). وقد ذكر شُرَّاح النّهج أنّ الإمام قد كنّى بالمفردة المتقدمة عن (الزُّبير) ؛ لأنه كان ابن عَمَّة رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله). وكل ما كان من النسب بسبب القرابة الرجل يقال له (حَمَأ) وجمعه (أحْماء). وما كان بسبب من المرأة، فهم الأختان (6). وقد ذهب بعض الشراح الى توسيع دلالة مفردة (الحمأ) بجعلها دالة في سياق كلام الإمام على القريب والنَّسيب مطلقاً (7). ويلحظ أنّ شُرّاح النهج الذين اختاروا أن تكون مفردة (الحمأ) كناية عن (الزبير)، اعتمدوا السياق الخارجي في بيان هذه الدلالة، وهو سياق الحديث النبوي ؛ فقد رُوي أنّ النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قد أخبر الإمام أنّه ستقاتله (الفئة الباغية) عند توليه الخلافة، فلما خرج عليه (أصحاب الجمل)، وفيهم (طَلحة والزبير، وأم المؤمنين عائشة)، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) قولته المتقدّمة، مستعملاً تعبير (الفئة الباغية)، وكأنّه يُوميء الى أنها الفئة التي أخبره النبي بخروجها عليه حتّى أنّه استعمل لفظة (الفئة) محلاة بـ (ال) التعريف التي دَلّتْ في هذا الموضع من كلامه على مَعْهُود بينه وبين رسول اللّه، حَتَّى لقد ذكر الشُّرَّاح أنّ لام التعريف في لفظة (الفئة) تشعر بأنّ نَصَاً قد كان عنده، أنّه ستخرج عليه فئة باغية، عَيّن له النبي بعض علاماتها، فلما لاقى أصحاب الجمل، ورأى تلك العلامات فيهم


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 123.

2) الطلب محاولة وجدان الشيء وأخذه، والطلبة - بكسر اللام ما طلبته من شئ. ينظر : لسان العرب (طلب) : 560/1.

3) (الفئة الباغية) مصطلح أو تسمية تطلق على (الناكثين) الذين نكثوا بيعتة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهم (طلحة والزبير). وقد أثر عن النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) – كما تروي المدونات الحديثية - أنّه أمر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (بقتال النّاكِثين)، وذلك في قوله لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((تُقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين)). ينظر - : المستدرك على الصحيحين : 150/3. أقول : والحديث المروي عن النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في ذلك هو قوله : ((ياعليُّ : سَتُقَاتِلُكَ الْفِئَةُ البَاغَيةُ، وَأَنْتَ على الحقِّ، فَمَنْ لَمْ يَنْصُرْكَ يومَئِذٍ قَليسَ مِنّى)). كنز العمال في سُنن الأقوال والأفعال، للمتقي الهندي : 282/11، وتاريخ مدينة دمشق وذكر فضلها وتسمية مَنْ حَلَ بها من الأماثل ؛ لأبي القاسم الشافعي : 473/42، والغدير، للعلامة الأميني : 3 / 204. ومن الغريب ما ذكره الدكتور إبراهيم السامرائي عند حديثه عن دلالة مفردة (الحما) في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ، وأنها تدل على مطلق القريب والنّسيب، وأنّ الإمام كنّى بها عن (النُّبيْر) فقال : ((..... وجاء في الأثر في كتب الشيعة، أنّ النبي أَخْبَرَ عَليّاً أنه ستبغي عليه فئة فيها بعض أخمائه وإحدى أزواجه...)). مع نهج البلاغة : 16 والحال أنّ هذا الخبر مروي عند غير واحدٍ من المسلمين، ومنهم من ذكرناهم آنفاً، فليس للدكتور السامرائي (رحمه اللّه) أن يقصر الخبر على كتب المسلمين الشيعة، وقد رواه (ابن أبي الحديد) الذي نص على ذلك بقوله ((... وقد كان النبي(صلى اللّه عليه وسلّم) أعلم علياً بأن فئة من المسلمين تبغي عليه أيّام خلافته، فيها بعض زوجاته وبعض أحمائه...)). ينظر : شرح نهج البلاغة : 9/ 28.

4) نهج البلاغة : خ / 137 : 244-245.

5) ينظر : العين (حمو) : 311/3، ومع نهج البلاغة : 136.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي يالحديد) : 28/9، ونهج البلاغة (عبدة) : 1 / 222 هامش (3)، ونهج البلاغة : 245 هامش (2) ومع نهج البلاغة : 136.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 28/9، ونهج البلاغة (عبده) 1 / 222 هامش (4).

قال: (إنّها الفِئة الباغية)، ولولا ذلك لقال الإمام (وإنّها لفِئةُ باغيةٌ) على التنكير (1).وقد صرّح بذلك غير واحد من الشراح، ومنهم محمد أبو الفضل إبراهيم الذي اختار أن يكون المراد بـ (الفئة الباغية) أصحاب الجمل جميعاً. وكأنّه يختار الوجه الذي ذهب اليه ابن أبي الحديد في ذلك (2). وبالرجوع الى دلالة مفردة (الحَمَأ) في سياق كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) نلحظ أنّها تحتمل دلالتين ؛ الأولى الدلالة على مطلق القرابة والنَّسَابة كما ذكر ذلك الشُرَّاح، فهي غیر مخصوصة بالنَّسيب الذي هو والد الزوج وأخوه، لأنّ المفردة المتقدمة لو كانت كناية عن (الزبير) فالزبير بحسب التوصيف الذي يذكره اللغويون، لا يكون من أحماء النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) أو الإمام، لأنّه ابن عمتهما معاً(3)، ولا يمكن قبول هذا الأمر من الشرّاح الذين ارتضوا بدلالة لفظة (الحَمَأ) على القرابة من النبي، إلاّ إذا وَسَّعنا من المعنى الذي تفيده المفردة المتقدمة، بجعلها دالة على مطلق القريب والنَّسب حسبما اختار ذلك بعض الشُرَّاح (4). أو أن تكون لفظة (الحَمَأ) لا يراد بها أن يكون (الزُّبَيْرِ) حَمَأ رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وإنما حَمَأُ لأمّ المؤمنين عائشة، من جهة قرابته من النبي الأكرم، بوصفه ابن عَمَّتِه، وهو من هذه الجهة بمنزلة الأخ لرسول اللّه. ولما كان أخو الزوج مما يطلق عليه لفظ (الحمأ) بالنسبة للزوجة أيضاً لهذا وظف الإمام المفردة المتقدمة في الاشارة الى هذا المعنى، وبذلك يصبح الزبير حَمَأ السيدة (عائشة) من جهة قرابته من النبي فحسب دون النظر الى بقية أسباب القُرْبى الأخرى التي تُربطه بالإمام علي أو مع (أم المؤمنين)، لأنّه زوج أُخْتِها (أسماء بنت أبي بكر) (5).

أقول : وثمة دلالة أخرى تدل عليها مفردة (الحَمأ) يمكن توظيفها في اسكناه معانٍ أخرى للسياق العلوي، فمن دلالات (الحَمأ) في اللغة الكدرة وفساد الرائحة. فضلاً عن الطَّيْن الأسْودِ المُنْتِن الذي خالطته الحَمَأَةُ فكَدُر وتغيّرت رائحته (6). ومن هذه الدلالة قوله تبارك و تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) (7)مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونِ (8)) (9).

أقول : وبهذا المعنى تصبح مفردة (الحَمَأ) في كلام الإمام، دالة على فَسَاد هذه الفئة وقذارتها، وسوء ما تفعله بالأمة من فتن. فكأنّه (عليه السّلام) يشبه أصحاب هذه الفئة وقادتها بالطيئة السوداء التي خالطتها الكدرة وغيّرتها حتى أصبحت ذات رائحة كريهة مُنتِنةٍ. وذلك - فيما يبدو - إشارة الى ما سَتُخلّفه هذه الطائفة


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد : 30/9، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 583/3، 584.

2) ينظر : نهج البلاغة (محمد أبو الفضل إبراهيم): 30/1 هامش (5).

3) لأنّ أمّ الزُبير) (صفية بنت عبد المطلب)، هي أُخْت (عبد اللّه) والد النبي محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وأخت (أبي طالب) والد أمير المؤمنين علي، فعلى هذا يكون الزبير ابن عمة النبي والإمام علي في الوقت نفسه، ويكون الزبير في إزاء ذلك ابن خال الإمام علي. وقد وقعت بعض شروح نهج البلاغة في غلط لعله بسبب من الطباعة، حينما ذكرت أنّ (الزّبير) هو ابن خالة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) .ينظر : نهج البلاغة، تعليق السيد محمد الحسيني الشيرازي : 257 هامش (1).

4) ينظر : نهج البلاغة : (عبدة) : 222/1 هامش (3)، ونهج البلاغة : 245 هامش (2)، ومع نهج البلاغة : 136.

5) هي أسماء بنت أبي بكر زوجة بن العوام، وأم أولاده، عبد اللّه وعروة بن الزبير. أسلمت بمكة، وبايعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم). عاشت مائة سنة، حتى ماتت سنة (73 هـ) أو (74 هـ). ينظر : الطبقات الكبرى : 249/8، ومعرفة الثقات : 449/2، وتقريب التهذيب : 743/1.

6) ينظر : المحكم (حما) : 411/3، ولسان العرب (حما) : 61/1.

7) الصلصال هو الطين اليابس الذي يصل منن يبسه. ينظر : لسان العرب (صلل) : 382/11.

8) المسنون المتغير الرائحة (المنتن). ينظر : المحرر الوجيز : 359/3.

9) الحجر / 26. ينظر الآيات : 28، 33.

من أذىً وقتل في المسلمين. وقد أشار الشارح البحراني الى هذا الوجه من الدلالة لمفردة (الحَمَأ) التي جعلها الإمام ((استعارة للغِلَّ والفَسَاد الذي كان في صدور هذه الفئة، ووجه الاستعارة استلزامه لتكدير الإسلام، وإثارة الفتنة بين المسلمين كما تكدّر الحَمَأ وتخبثه..)) (1).

أقول : وكما كنّى الإمام عن (الزُبير) بـ (الحَمَأ)، فإنّه استعمل مفردة (الحُمَة)، كناية عن السيدة (عائشة) التي تَزَمت أصحاب الجَمَل. حسبما ذكر ابن أبي الحديد (2)، والدكتور إبراهيم السامرائي الذي تابعه في ذلك (3). وأصل (الحُمّة) في اللغة إيرة العقرب والزنبور (4). وإنما هي سُمُّ كل شيءٍ يَلْدغ أو يلسع (5). ومن هذه الدلالة نلمس معنى الأذى والشدَّة والألم الذي تُسبيَّه (الحُمَة) للملدوغ بها، وهذه المعاني كلّها مُسَّوغات للكناية عمّا تفعله (الفئة الباغية وقادتها) في الإسلام والمسلمين من أذىً وقَتْل وألم كما يفعل سُمُّ العقرب بالملدوغ (6).

خَدَيْن

الخِدْنُ - في اللغة مُحدَّث الجَوَاري وصديقهن (7). وخِدْنُ الجارية مُحدّثها (8). وكانت العرب في الجاهلية لا يمْتَنِعون من خِدْنٍ يُحَدَّتْ جواريهم، فجاء الإسلام وهدم هذا الأمر (9). إذ قال تبارك وتعالى في بيان صفة الجواري من مُلْكِ اليَمِن :(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (10). والخَدِين مُخادِنُكَ الذي يكون معكَ في ظاهر أمرك وباطنه (11).

ومفردة (خَدِين) من الفاظ نهج البلاغة التي استعملها الإمام مرة واحدة في نهج البلاغة (12)، للدلالة على الصداقة والصُحْبة القريبة. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق ردّه على مَن عاتبه على تَسويته في العطاء: ((.... لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللّه. أَلَا وَإِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقَّهَ تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافٌ، وَهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا وَيَضَعُهُ فِي الآخِرَةِ، وَيُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ وَيُهِينُهُ عِنْدَ اللّه، وَلَمْ يَضَعَ امْرُؤٌ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقَّهِ وَعِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ إِلَّا حَرَمَهُ اللّه شُكْرَهُمْ وَكَانَ لِغَيْرِهِ وَدُّهُمْ، فَإِنْ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ يَوْماً فَاحْتَاجَ إِلَى مَعُونَتِهِمْ فَشَرُّ


1) شرح نهج البلاغة (البحراني) : 584/3.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 28/9.

3) ينظر : مع نهج البلاغة : 136.

4) ينظر : العين (حمي) : 313/3.

5) ينظر : العين (حمي) : 313/3، وتهذيب اللغة (حمم) : 14/4.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 584/3 .

7) ينظر : تهذيب اللغة (خدن) : 125/7، ولسان العرب (خدن) : 39/13.

8) ينظر : العين : (خدن) : 4/ 232، وتهذيب اللغة (خدن) : 125/7.

9) نفسه.

10) النساء / 25، وينظر اللفظ نفسه في المائدة / 5.

11) ينظر : العين (خدن) : 232/4، وتهذيب اللغة (خدن) : 25/7.

12) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 13.

خَلِيل وَأَلأمُ خَدِين)) (1). و(الخَدِيْن) في قوله : الصديق القريب. ولَعَلَّه أشدّ الأصدقاء قرباً ومودة، وبحسب السَّياق المتقدم، يكون اللفظ دالاً على أكثر الأصدقاء لوماً وعتاباً، فإنّ الذي تزلُّ النَّعْل به (القَدَم) عن طريق خَطَئِه وعِثاره نتيجة لما يمر به من ظروف ونوازل من الدهر، واحتاج الى مساعدة من يُنفق عليه المال، وهو من غير المُسْتَحقِين له، فهم تاركوه لا محالة في ضيقه وعُسره، فكأنما هو شَرُّ خليل لهم، وألأم صديق عندهم، فيبتعدون عنه عند شِدَّته. متناسين ما كان يقوم به من أجلهم من إسراف وتبذير في الأموال التي ليست من حَقَّهم، حتّى استغله أصحابه، فأصبح عند اللّه مهاناً، لما فرّط في أموال المسلمين مؤثراً بها غير المستحقين لها. ولهذا استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) تعبير (شَرّ (خليل) و (ألأم خدين) في الإشارة الى كُره أصحاب هذا النوع من الناس له وابتعادهم عنه ؛ لأن علاقتهم به علاقة منفعة و. بعدما كان مقدماً عندهم، فهو خَليلهم وصديقهم المخصوص المقرب منهم.


1) نهج البلاغة : خ/ 126 : 231، 232. وقد نقلت كتب الغريب والمعاجم قول الإمام في هذه الخطبة : ((... فَشَرُّ خَلِيل وَالأمُ خَدِين)). ينظر : النهاية في غريب الحديث : 15/2، ولسان العرب (خدن) : 139/13، والمعجم الوسيط : 222/1.

المبحث الخامس: ألفاظ أخوة الأب والأم والجد

عَمٌ

إشارة:

العَمُّ أخو الأب (1). والجمع أعمامٌ، وعُموم و عُمُومة (2).

وقد استعملت لفظة (عَمّك) ثلاث مرات في نهج البلاغة، في حين جاءت لفظة (عَمَّ). و(أعمام). (أَعْمَامنا) مرة واحدة لكل منها (3)، للدلالة على ما يأتي :

اولاً : الدلالة على أخوة الأب وغيرهم من أقربائه وصحبته.

ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) واصفاً وقفة المسلمين مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : ((وَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللّه (صلى اللّه عليه وآله)، نَقْتُلُ آبَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَإِخْوَانَنَا وَأَعْمَامَنَا، مَا يَزِيدُنَا ذلِكَ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً....)) (4). وتحتمل مفردة (أعْمَامِنا) - هنا - الدلالة على العم الذي هو أخو الاب، و هو المعنى الأول الذي تفيده الفاظ القرابة الواردة في هذا السياق، ومنها هذه اللفظة. أما المعنى الثاني الذي تقدمه هذه المفردة وأخواتها، فهو دلالتها على الأعمام من قرابة الأب بَعَامّة، ومنهم عَمُّ الأب، وأولاد عمومته، وهم بمنزلة الأعمام. ويتعدى الأمر الى أن يكون أبناء القبيلة الواحدة، والقبائل المتفرعة عنها أبناء عمومة أيضاً. وبهذا تصير مفردة (أعمام) في هذا السياق متسعة الدلالة. ويُسعفنا المعجم العربي في الإبانة عن ذلك ؛ فمن معاني مفردة (العَمَّ) الدلالة على الجماعة من الناس (5). وبهذا تكون المفردة المتقدمة موحية بالدلالة على الجماعة والعصبة التي كانت العرب تستقوي بهم عند الشدائد. فما لبث هؤلاء أن تحولوا الى أعداء يفصل الاسلام والإيمان بين صلاحهم وعدمه. فدخولهم تحت لواء الإسلام يبعد عنهم الحرب والمنازلة والبأس.

ونظير دلالة لفظة (العمّ) على القرابة بسبب من صُحبة الأب، أو العُمومة في العشيرة. ما ورد في (ك / 41).

ثانياً : الدلالة على أخوة الأب مطلقاً

وقي صدارة هذا المعنى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تذكير الناس أنّه ابن عم رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، في قوله الذي يحثّ فيه أصحابه على القتال يوم (صفين) : ((وأعْلَموا أنكم بِعَيْنِ اللّه، وَمَعَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللّه (صلى اللّه عليه وآله)، فَعَاوِدُوا الْكَرَّ (6)، وَاسْتَحْيُوا مِنَ الْفَرّ (7))) (8). فقصد بقوله (ابن عَمَّ رسول اللّه) نفسه، و (عَمُّ رسول اللّه)، هو أبو طالب سيد البطحاء. وخصَّ أمير المؤمنين نفسه بهذه التسمية، ولم


1) ينظر : لسان العرب (عمم) : 423/12.

2) ينظر : تاج العروس (عمم) : 33 / 143.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 324.

4) نهج البلاغة : خ/ 56 : 96.

5) ينظر : تاج العروس (عجم) : 145/33.

6) الكرُّ الرَّجوع على الشيء. ينظر : لسان العرب (كرر) : 5 / 135.

7) الفر الرَّوغانُ والهَرَبُ. ينظر لسان العرب (ضرر) : 50/5.

8) نهج البلاغة : خ / 66 : 104.

يستعمل مفردة أخرى بدلاً منها، مثل (أخي رسول اللّه) أو (علي بن أبي طالب) ؛ لأنه أراد – فيما يبدو – النص على قرابته من النبي الأكرم (صلى اللّه عليه واله وسلم) من خلال أبيه أبي طالب (رضوان اللّه عليه). والاشارة الى أبي طالب في هذا النص بكونه عم النبي تتضمن الإشارة الى مكانته وأثره في الحِرص على النبي، ومَنْع قريش من إيذائه. فلاقى ما لاقاه من قريش في سبيل ابن أخيه خاتم الأنبياء. ولهذا قصد (عليه السّلام) تذكيرهم بمنزلة أبيه، ومنزلتة من أخيه النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) الذي يمثل الحِصن لأصحابه في هذه المعركة كما كان عمه أبو طالب حِصناً للنبي ومَنَعة دونه. وبهذا يكون تأويل النص حسبما يفهم من كلام الإمام أنّهم سيكونون في منعة وحفظ مادام علي فيهم.(1). والسياق - هنا - يُخرج لفظة (عَمّ) مخرج المدح لمكانة من دلّت عليه، ومنزلة ابنه في القُرْب من خاتم الأنبياء من جهة القرابة السببية والنسبية، فضلاً عن أخوتهما في الإسلام.

ومما جاءت فيه لفظة (أعمام) في الدلالة على العمّ أخو الأب، ما جاء في (ك/ 64) الذي يدّم فيه الإمام معاوية وقرابته من أعمامه وخؤولته الذين قاتلهم للدخول في الإسلام.

خَالِك

الخال أخو الأُمّ (2). ويُجمع على (أخْوَال) (3)و (خُؤُولة) للكثير من الجمع(4).

واستعمل الإمام لفظة (خال) بصيغتي الإفراد والجمع. فجاءت لفظة (أخوالك) أربع مرات، في حين استعملت مفردة (أخوال) مرة واحدة فحسب (5)، للدلالة على (أخي الأُمَّ). سواء أكان لأمها وأبيها أو أخوها من القرابة البعيدة. فَمِن الدلالة على (أخي الأم) لأمها وأبيها، وهو الخال الصَّريح القريب، ما خاطب به الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) معاوية بن أبي سفيان مُذكَّراً إيّاه بمن قتلهم الإمام من قرابته : ((... فَأَنَا أَبُو حَسَن قَاتِلُ جَدِّكَ وَخَالِكَ وأَخِيكَ شَدْخاً (6)يَوْمَ بَدْر، ذلكَ السَّيْفُ مَعِي، وَبِذلِكَ الْقَلْبِ أَلْقَى عَدُوّي ....)) (7). والمراد بمفردة (خالِك) خَال معاوية لأمَّه من أبيها وأمَّها (الوليد بن عُتْبَة) أخو (هِنْد بنت عُتْبَة). الذي قتله أمير المؤمنين مع بقية أسلافه في معركة (بَدر) (8). وتشهد السياقات التي جاءت فيها لفظة (خَال) بصيغة المفرد، و (أخوال) بصيغة الجمع على انحطاط المعنى الذي تفيده هذه المفردات، واشتمالها على الذَّمَّ والتهكم بهؤلاء القرابات الذين يرتبطون بمعاوية من جهة الأم. ومِمّا يدل على ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) مخاطباً معاوية : ((... وَطَلَبتَ أَمْراً لَستَ مِنْ أَهْلِهِ وَلاَ فِي مَعْدِنِهِ، فَمَا أَبْعَدَ قَوْلَكَ مِنْ فِعْلِكَ !! وَقَريبٌ مَا أَشْبَهْتَ مِنْ أَعْمَام وَأَخْوَال! حملتهم


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2/ 841.

2) ينظر : المحكم (خول) : 5 / 300، ولسان العرب (خول) : 224/11.

3) ينظر : تاج العروس (خول) : 443/28.

4) ينظر : تهذيب اللغة (خول) : 7 / 228، وتاج العروس (خول) : 3/28.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 148.

6) الشدْحُ في كل شيء رطب. وقيل : هو التَّهْشيم، ويُراد به كسر اليابس كل شيء أجوف. ينظر : لسان العرب (شدخ) : 28/3.

7) نهج البلاغة : ك / 10: 468.

8) ينظر شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 62/15، 63، والديباج الوضي : 2661/5.

الشَّقَاوة (1)وتمنّي البَاطِلِ عَلَى الْجُحُودِ بِمُحَمّدٍ (صلى اللّه عليه وآله)، فَصرِعُوا مَصَارِعَهُمْ (2)....)) (3). يريد الإمام أنّ معاوية ليس أهلاً للخلافة وولاية أمر المسلمين ؛ لأنّه من الطلقاء والمنافقين الذين تخالف أفعالهم أقوالهم. ولهذا غمزه أمير المؤمنين بـ (أعْمَامِهِ وأخواله)، الذين كان لهم القدح المُعلَّى في الشَّقاوة ومعاندة الإسلام والوقوف بوجهه، وممارسة الأفعال المشينة، ولاسيما مُناوءتهم وجحودهم للنبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، حتى صرعوا في معاركهم ضد النبي والإسلام على يد أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

أقول : ومفردة (الشَّقاوة) في كلام الإمام تدل على معاناة هؤلاء وابتعادهم عن السعادة في الدنيا والآخرة ؛ لأنهم تكلّفوا الانحراف، واتخذوا العداوة والبغضاء للنبي سبيلاً لهم، فَغَلَبْت عليهم الخصال المتقدمة.

وذكر بعض شُرّاح النّهج أنّ المشابهة التي أشار اليها الإمام مرتبطة بأعمام معاوية وأخواله، فمن جهة العمومة أراد إخوة أبيه (أبي سُفْيان)، ومن الخُؤولة أراد (الوَليْدُ بن عُتْبة)، وهو وأبوه من قتلى بَدْر، وهم أهل الكُفر والطِّغْيان والمكابرة في الحقد (4). ويلحظ أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعمل لفظتا (أعمام) و (أخْوال) بصيغة الجمع على (أَفْعَال)، وهو بناء من أبنية القلّة يتضمن الإشارة الى قلة شأن أعْمَام معاوية وأخوَالِهِ فضلاً عن قلة عددهم فإنه لم يكن له أعمام وأخوال كثيرون حسبما يذكر الشارح البحراني (5)الذي تنبه الى استعمال مفردتي (أعمام، وأخوال) من حيث ورودهما على بِنَاء (أَفْعَال) مُنكَّراً، مشيراً الى أنّ التنكير هو الذي أدى الى إبراز معنى القِلَّة فيهما (6).

أقول : إنَّ الدلالة على القلة والكثرة رَهْن بالصيغة الصرفية التي يُوْرَد اللفظ عليها، فضلاً عن السَّياق الذي قد يصرف دلالة البناء من الكثرة الى القلّة وبالعكس. ولهذا إذا جاء الجمع نكرة دالاً على القلّة، فإن تنكيره يعزّز من دلالته على القِلّة، لا أن يكون هو الأصل في صَرف دلالة الجمع الى القلّة.

ومن دلالة لفظة (خَال) على الخؤولة القريبة أيضاً قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رسالته التي بعثها الى (الزبير ابن العَوَّامِ) (7). يَسْتَفيْئهُ (8)الى طاعته قبل (حرب الجمل) (9). يقول الإمام مخاطباً (عبد اللّه بن عباس)(10). الذي


1) الشقاوة خلاف السعادة. ينظر : مقاييس اللغة (شقو) : 202/3.

2) الصَّرْع الطرح في الارض والمصارع مواضع سقوط الناس عند الموت. ينظر : العين (صرح) : 2991/1.

3) نهج البلاغة : ك / 64 : 582.

4) ينظر : الديباج الوضي : 663/5 .

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 375/5.

6) نفسه.

7) هو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد الغُزّي بن قصي بن كلاب ابن عمة رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) (صفية بنت عبد المطلب)، وابن أخي (خديجة) زوج رسول اللّه. تزوج (أسماء بنت أبي بكر)، وشهد مع النبي بدراً وما بعدها، وهاجر الهجرتين وهو أحد الستة أصحاب الشورى. قُتل يوم الجمل، التي اشترك فيها، وقد لقية الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذكّره بما سمعه عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قائلا له : ((أنشدك اللّه أسمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يقول : ((انك تقاتل علياً، وأنت ظالم له)) . قال : نعم. فانصرف من المعركة)). فتبعه رَجُلٌ فقتله سنة (36 هـ). ينظر : الإصابة في تمييز الصحابة : 2 / 554، وتهذيب التهذيب : 426/12.

8) أصل الفيء ما كان شمساً فنسخه الظل، وإنما سُمّي بذلك، لرجوعه من جانب الى جانب. ويستفيئه يُرجعه. ينظر : لسان العرب (فيا) : 1 / 124، 125.

9) ينظر : مصادر نهج البلاغة وأسانيده : 410/1.

10) هو أبو العباس عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن عم رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له النبي بالفهم في القرآن الكريم، و التفقه في الدين وتعلّم التأويل، فكان يسمى (البحر) و (الحَبْر)؛ لسعة علمه، وهو من الفقهاء توفى سنة (68 هـ) بالطائف. ينظر : تفريب التهذيب : 309/1، وتذكرة الحفاظ : 40/1.

أنْفَذَه برسالته : ((لا تَلْقَيَنَّ طَلْحَةَ (1)، فَإِنَّكَ إِنْ تَلْقَهُ تَجِدْهُ كَالثَّوْر عَاقِصاً قَرْنَهُ (2)، يَرْكَبُ الصَّعْبَ وَيَقُولُ: هُوَ الذُّلُولُ، وَلَكِنِ الْقَ الزُّبَيْرَ، فَإِنَّهُ أَلْيَنُ عَرِيكَةً(3)، فَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ ابْنُ خَالِكَ : عَرَفْتَني بَالْحِجَازِ وَأَنْكَرْتَنِي بِالعِرَاقِ، فَمَا عَدَا مِمَّا بَدَا)) (4). وشبّه الإمام (طلحة بن عبيد اللّه) بالثور في عقص قرنه. في إشارة الى ضفر شعره ولَوْيِه كما يلوى قرن التّور. وفي هذا التعبير كناية عن تكبّر (طلحة) واستعلائه وغَطرسته وغروره (5)، فضلاً عن سُوء خُلُقه وشِحة نفسه (6). ويبدو أنّ هذه الخصال التي ذكر الإمام في (طلحة) غير موجودة في (الزبير)، ولهذا وصفه (عليه السّلام) بـ (أنّه أَلْيَنُ عَرِتكةً) ؛ كأنّه لمس فيه سهولة الجانب ؛ وسلاسة الطبع وعدم التكلّف والمجاذبة (7). وهذا المعنى مأخوذ من لين الجِلد بَعد عَرِكِهِ ودَبْغِه.

واستعمل الإمام أسلوب التذكير (بالقرابة والرّحم) ؛ لأجل استمالة (الزُّبير) وإرجاعه الى الحَقَّ ليس لحاجته الى هذا الرّجل، وإنّما رغبة في عدم تركه ينصرف الى الباطل، ولهذا رغب في تحريك الجانب الإيجابي فيه وإثارة الهمة فيه للرجوع الى الحق. وقد علّق شُرَّاح النهج على هذا التعبير، ذاكرين أنّه من لطيف القول وحُسن الاستمالة (8). فإنّه (عليه السّلام) أورد تعبير (ابن خالك) ؛ إشارة الى القرابة التي تربطه مع (ابن الزُّبير)، فإنَّ (با طالب بن عبد المطلب) والد الإمام علي، هو (أخو صَفِيّة بنت عبد المطلب)(9)، و (صَفِيّة) هي زوج (العوّام بن خويلد). وقد ولدت له (الزُّبَير)، وبهذا يكون (الزبير) ابن عمّة الإمام علي. فقصد الإمام إفاءته واستمالته عن طريق تذكيره بالقرابة التي بينهما، فلهذا الأمر وقع في القلب وتأثير في النّفس (10). وهذا الأسلوب من أساليب القرآن الكريم، فقد حكى لنا القرآن قول (هارون) للنبي (موسى) (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق استعطافه، وتذكيره بحق الأخوّة التي بينهما، وذلك في قوله جل جلاله : (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (11)... وقوله تعالى في سياق القصة نفسها : (قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) (12). فجاء (هارون) في


1) هو طلحة بن عبيد اللّه بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم القرشي التّيمي، كنيته (أبو محمد). وهو أحد السابقين الى الإسلام أسلم على يد أبي بكر، وهو أحد الستة أصحاب الشورى. شهد طلحة يوم الجمل محارباً لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ). وقد قتله مروان ابن الحكم الذي رماه ذلك اليوم فقتله ؛ لأنّه كان ممن حاصر (عثمان بن عفان) واستبد عليه، فقتله مروان، وقال بعد ذلك : ((لا أطلب بثأري بعد اليوم)) : ينظر: الاستيعاب : 766/2، والطبقات الكبرى : 214/3، والإصابة في تمييز الصحابة 529/3.

2) العَقْص التواء القرن على الأذنين الى المُؤخَّر وانعطافه. وهو مأخوذ من عَقْص الشعر، و لؤي الخِصْلَة منه، ومن ثَمَ عَقْدها وإرسالها مَصْفُورة. ينظر : لسان العرب (عقص) : 7 / 55، 456، 446.

3) العَرْك للأديم، الدَّلك والحَقُّ، والعريكة في الإنسان الطبيعية والسليقة التي عليها الإنسان. ينظر : لسان العرب (عرك) : 10 / 465.

4) نهج البلاغة : خ / 31 : 68، 69.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 267/2.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 129/2.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 2 / 129، والديباج الوضي : 1 / 377.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 130/2، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 267/2.

9) ينظر : الطبقات الكبرى : 743/7، والإصابة في تمييز الصحابة : 235/7، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 267/2.

10) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 130/2، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 2 / 267.

11) الأعراف / 150.

12) طه / 94.

خطابه النبي (موسى) (عَلَيهِ السَّلَامُ) بتعبير (يا أبن أم) وذكر المفسرون أن هارون استعمل هذا التعبير ؛ لأنه أدعى الى العطف والرَّقَّة، وأعظم للحقَّ الواجب بينهما، فذكّره بحقَّ الأُمَّ التى قاسَت فيهما الشدائد والمخاوف أيّام الحَمْل والنّفاس (1). وعلى هذا النَّسْقِ آثر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) التعبير بذكر الرَّحم، على وصف نفسه بـ(أمير المؤمنين) التي تمثل الوصف بالإمامة والإمارة، لمّا كان غرضه (عَلَيهِ السَّلَامُ) تقريب الزُّبَيْر واستمالته وإرجاعه الى جادة الحَقَّ، وتعريفه البَصيرة، ومنعه من الانصراف الى جانب البغي والشقاق (2).

جَدِّكَ

الجَدّ أبو الأب وأبو الأم (3). والجمع أَجداد، وجدود (4).

وجاءت لفظة (جَدِّك) ثلاث مرات في نهج البلاغة، ولفظة (جدكما) مرة واحدة (5)، للدلالة على (والد) الأُمَّ)، وهو خير الآباء لخير الأمهات رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، الذي وصفه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصيته للإمامين الحسنين (عليهما السلام) بـ(جَدَّكما) ؛ الذي يقول فيه : ((.... وَقُولاَ بِالْحَقِّ، وَاعْمَلاَ لِلاجْرِ، وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً، وَلِلْمَظْلُوم عَوْناً. أُوصِيكُمَا، وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي، بِتَقْوَى اللّه، وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ، وَصَلَاحٍ ذَاتِ بَيْنِكُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا. (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلَاةِ الصَّيَامِ.(6)

وتروي بعض المدونات الخاصة بالحديث النبوي الحديث بالرواية الآتية : (ألا أخبركم بافضل من دَرَجَةِ الصيام والصّلاة والصَّدقة. قالوا : بلى قال : إصْلَاحُ ذَاتِ البضين...)). ينظر : سُنن أبي داود، لسليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي : 280/4، والجامع الصحيح (سنن الترمذي) ، لمحمد بن عيسى الترمذي : 663/4.

)) (7). وقد اكتسبت مفردة (جَدِّكما) دلالة التشريف والرُّقي، من خلال من سمّي بها، وهو رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وإضافتها إلى الإمامين الحسنين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) ، في حين جاءت مفردة (جَدَّك) مُنحطَّة الدلالة عندما استعملها (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الإشارة إلى جدَّ معاوية بن أبي سفيان ؛ الذي قتله الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكثيراً ما غَمَز أمير المؤمنين (معاوية) بذكر جده وبقية أهله الذين قُتِلُوا على يد الإمام كفاراً، وكان الإمام يردد ذلك بِفَخرٍ، وهو يُكاتب معاوية قائلاً : ((وَعِنْدِي السَّيْفُ الَّذِي أَعْضَضْتُهُ (8)بِجَدِّكَ وَخَالِكَ وَأَخِيكَ فِي مَقَام وَاحِد...)) (9). يشير الإمام في قوله إلى أنّه لمّا يزل عنده السيف الذي ضرب به جَدَّ معاوية وخاله وأخيه. يريد بِجدّه (عُتْبة بن ربيعة بن عبد شمس)، وهو (أبو هند) زوجة (أبي سفيان بن حرب)، وجَدُّ معاوية لأمَّه (10).

وأمّا خَاله، فهو (الوَليْدُ بن عُتبة). وأمّا أَخُوه، فهو (حَنْظَلة بن أبي سُفْيان)، وكلهم قتلهم الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم بَدْرِ (11).


1) ينظر : الكشاف : 102/2، والتسهيل لعلوم التنزيل : 45/2.

2) ينظر : الديباج الوضي : 378/1.

3) ينظر : لسان العرب (جدد) : 107/3.

4) نفسه.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 80، 81.

6) مستدرك الوسائل، للميرزا النوري : 441/13، وجامع أحاديث الشيعة، للشيخ اسماعيل الملايري : 395/18.

7) نهج البلاغة : ك /47 : 538.

8) العضُّ الشَّدُّ بالأسنان على الشيء. وأغضضته بالسَّيْف. أي ضربته. ينظر : لسان العرب (عضض) : 188/7.

9) نهج البلاغة : ك / 64 : 582.

10) ينظر : الثقات : 439/3.

11) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 15 / 62، 3 6، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 208/4.

أقول : وكان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَفْتَخر بقتل هؤلاء ؛ لأنهم رأس العداوة للإسلام وللنبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم). فقد كان (عُتْبة بن ربيعة) قائد جيش المشركين (يَوْم بَدرٍ) (1). كما كان (أبو سفيان بن حرب) قائد جيش الكفّار يوم أحد (2). ولهذا قال الإمام (وعندي السَّيف ...)) ؛ تذكيراً له ببقاء ذلك السيف مجرداً لقتال أولاد هؤلاء القوم الذين نازعوا النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وحاولوا دفعه عن نشر الإسلام، وذلك كله في سياق الترهيب والتحذير لمعاوية من أن يُصيبه ما أصاب آباءه وأجداده (3). ونظير هذه الدلالة التي دَلّتْ عليها مفردة (جَدَّك)، ما ورد في (ك / 10، 28). وكلها خاصة بِجَدَّ معاوية لأُمَّه.


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 61/15.

2) نفسه.

3) نفسه.

المبحث السادس: الألفاظ الدالة على الزوج

بَعلها

إشارة:

البغل الزوج (1). وإنما سُمَّي زوج المرأة بَعْلاً ؛ لأنه سَيَّدها ومالكها، وبَعْل الشيء - في اللغة- مالكه وَربه (2). قال تعالى : (3)، (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) (4).

وفَسّر ابن عباس مفردة (بغل) في القرآن الكريم بـ (الرّب). ونُقل عنه أنّه لم يَدْر ما البغل في القرآن الكريم حتى سَمِعَ أعرابياً سأله عن صاحب الناقة، فقال له : أنا بَعْلُها. أي رَبُّهَا (5). وأما التَّبعل، فهو إطاعة المرأة لزوجها، وحُسْن العِشْرَة معه (6).

واستعمل الإمام لفظتا (بَعْلها)، و (التَّبِعُل) مرة واحدة لكل منهما في كلامه الوارد في نهج البلاغة (7)، للدلالة على ما يأتي :

أولا : الزوج

وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) متحدثاً عن خيار خصال النساء : ((خِيَارُ خِصَالِ النِّسَاءِ شِرَارُ خِصَالِ الرِّجَالِ: الزَّهْوُ (8)وَالْجُبْنُ وَالْبُخْلُ، فَإِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مَزْهُوَّةً لَمْ تُمَكِّنْ مِنْ نَفْسِهَا، وَإِذَا كَانَتْ بِخِيلَةً حَفِظَتْ مَا لَهَا وَمَالَ بَعْلِهَا، وَإِذَا كَانَتْ جَبَانَةً فَرِقَتْ (9)مِنْ كُلِّ شيء يَعْرِضُ لَهَا)) (10). يوازن الإمام بين خِصَالَ النساء، والرجال، فيذكر أن ما كان معيباً من هذه الخصال في الرجال، ومنقصة فيهم، يُعد من خيار الخصال في النساء، وخَصَّ أمير المؤمنين من هذه الخصال (الزَّهْو والكِبْر، والجُبْن، والبُخْل). فَمَن كان من الرجال متكبراً أو جباناً أو بخيلاً، فهو مذموم في المجتمع. في حين أنّ هذه الخصال لو صارت في المرأة أو كانت فيها ؛ فإنها لا تكون منقصة فيها، بل قد تكون حصانة لها كما هي خصلة الزَّهو فيها التي تمنعها من أن تمكّن نفسها للغَيْر كما يقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) . وأمّا بُخلها، فهو حصانة وحرص لِمَالِها ومال زوجها من الإسراف والتبذير في غير محله. ولكن يشترط أن تكون هذه الصفات غير طاغية على المرأة، بحيث تصير عاملاً موجهاً لتصرفاتها


1) ينظر : العين (بعل) : 129/2، ومقاييس اللغة (بعل) : 1 / 264.

2) ينظر : جمهرة اللغة (بعل) : 1 / 365، ولسان العرب (بعل) 58/11.

3) ومن نافلة القول الإشارة الى رأي النحويين في نصب كلمة (شيخاً) في الآية المباركة. فالبصريون يعدونه منصوباً على الحال من المشار اليه، وهو مفردة (بغلي) ينظر : إعراب القرآن، للنحاس : 102/2. ومشكل إعراب القرآن، لمكي بن أبي طالب : 370/1. أما الكوفيون فَيَروْن أن (شيخاً) منصوبة على التقريب، على سبيل إعمال اسم الإشارة عمل (كان) وأخواتها. ينظر : معاني القرآن (الفرّاء) : 12/1، ومجالس ثعلب، لأبي العباس ثعلب : 42/1، 43، وأسماء الإشارة في القرآن الكريم. دراسة لغوية ونحوية. رسالة ماجستير، حسام عدنان رحيم : 73، 74.

4) هود /72.

5) ينظر : جمهرة اللغة (بعل) : 1 / 365.

6) ينظر العين (بعل) : 19/2، والنهاية في غريب الحديث : 141/1.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 57.

8) الزَّهْوُ في اللغة المنظرُ الحَسَنُ، ثم صار دالاً على الكبر والنَّيْه والعظمة والفخر. ينظر تاج العروس (زهو) : 236،234/38.

9) الفِرقُ الخَوْفُ والجَدْعُ. ينظر : لسان العرب (فرق) : 304/10.

10) نهج البلاغة قصا / 234 : 645،644.

والتأثير فيها، فيُصيبها الغرور والتكبر على الناس جميعاً في غير المواضع التي يُحسن فيها استعمال هذه الأوصاف. أو أن يطغى عليها البخل فتصير مُقتَّرة حتى على أولادها مثلاً.

وتبدو مفردة (بَعْلها) في النص أنسب للسياق من لفظة (زوج) ؛ لأنّ لفظة (بَغل) توحي بالدلالة على الزوج الذي يمتلكها، فيكون لها بَعْلاً (زوجاً)، وسيّداً، أو رَبّاً. في حين أن مفردة (زَوْج) يُفهم منها الزوج الدلالة على عدم الإنفراد ومقارنة الشيء حسبما يذكر ابن فارس (1). فلما كان السَّياق الذي يتكلم فيه أمير المؤمنين سياق تمييز بين صفات كل من الرجال والنساء، ولم يكن الكلام مخصصاً لبيان العلاقة بين الرجل والمرأة، لهذا استعمل الإمام مفردة (بغل) التي تتضمّن سعة في المعنى أكثر مما تتضمنه كلمة (زوج). ولهذا استعمل القرآن الكريم لفظة (بَعْلي) على لسان (سَارَة) زوج النبيَّ (إبراهيم) (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله تبارك وتعالى: (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) (2). وقد ذكر المفسرون أنّ (بَعْلي)-هنا - تعني القائم بالأمر، فأطلق على الزوج ؛ لأنه يقوم بأمر الزوجة (3).

ثانياً : الدلالة على حُسن إطاعة الزوج وعشرته :

وساق الإمام لبيان هذه الدلالة مفردة (التَّبَعُل)، وذلك في قوله الذي يتكلم فيه عن أنواع العبادات في الإسلام وفوائدها ؛ إذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((الصَّلاَةُ قُرْبَانُ (4)كُلَّ تَقِي، وَالْحَجِّ جِهَادُ كُلّ ضَعِيف، وَلِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةً، وَزَكَاةُ الْبَدَنِ الصِّيَامُ، وَجِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُلِ (5))) (6)ويجمع الإمام في كلامه المتقدم جملة من الحكم الخاصة ببعض أركان الإسلام وعباداته، فوضع في صدارتها (الصلاة) التي يتقرب بها الأتقياء الى اللّه تبارك وتعالى طلباً للقُربِ منه (7). ثم أتى على (الحَجَّ)، الذي جعله بمنزلة الجهاد للضعفاء الذين لا يقدرون على أداء هذا الفريضة، فجعله جهاداً لهذا الصنف من النّاس ؛ لما في الحج من مشقة السفر ومجاهدة النفس الأمارة بالسّوء (8). وخص (عَلَيهِ السَّلَامُ) الضعفاء من الناس بهذه العبادة، فرقاً بين الجهاد والقتال، وبين الجهاد، هو حج بيت اللّه الحرام (9)فللأول رجال أشداء أقوياء الجسم والبدن، في حين أن الضعفاء الذين لا يقدرون على المنازلة في الحرب، فلهم أن يُنازِلوا شهواتهم وأنفسهم، فَيَكْبَحُون جماحها بالسفر الى اللّه، والنزول عند أوامره، يُعينهم في ذلك (الصَّوْم)، الذي لا يَقِلُّ شأناً عن الجهاد في الحج، فإنه إرغام للنفس على ترك المعاصي وتخليصها من الزّهو.

وقد خصَّ الإمام المرأة بنوع من الجهاد، فضلاً عما كُلفت به من عبادات، ومنها (الحج) الذي كلفت به أيضاً. فَأَمَّا جهاد المرأة، فهو (حُسْنَ التَّبعَّل) كما يقول الإمام. و (النَّبعَّل) في هذا السياق هو حُسْن مُعاشرة


1) ينظر : مقاييس اللغة (زوج) : 35/3.

2) هود / 72.

3) ينظر : تفسير البيضاوي : 246/3، وروح المعاني : 99/12.

4) القُربان ما يتقرب به الى اللّه تعالى ابتغاء القرب والوسيلة. ينظر العين (قرب) : 153/5.

5) الحديث مروي عن النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وهو في : مُسند الشهاب : 1 / 82، وشعب الإيمان : 73/2، 74، ومعارج نهج البلاغة : 834.

6) نهج البلاغة : قصا / 136 : 628.

7) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 32/4.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 435/5

9) نفسه.

المرأة لزوجها وطاعته، وحفظ ماله وعِرْضه، حسبما يذهب الشُرَّاح (1). ولعلّ المراد بـ (التَّبَعُل) هنا دلالة أوسع مما فهمه الشرّاح، ففى لفظة (التَّبعل) ضرب من المبالغة فى ترغيب المرأة على أداء ما عليها من طاعات للزوج. وقد أخذت دلالة المبالغة هذه، من الصيغة الصرفية لمفردة (تَبَغُل)، وهي (تَفَعَّل). وهذا البناء يُفيد فضلاً عن التنصيص على الكثرة، الدلالة على التكلّف والطَّلب والمطاوعة، كما يذكر النحويون(2).وتحمل المفردة أيضاً ظلالاً كثيرة من المعنى، منها الإشارة الى أنْ تَصِيْر المرأة سكناً لزوجها فتزيل همومه، وتحقق له فروض الطاعة التي تجعله سيداً مطاعاً في بيته وأهله، حسبما أمر به الشارع المقدس. ويبدو أنّ هذا المعنى مُقَدِّم عند اللغويين. بل أظنّ أنّ هذه المفردة كانت لا تستعمل عند العرب إلا في الدلالة على (حُسّن العِشرة في الحياة الزوجية)، من إرضاء المرأة لزوجها في الفراش حتّى ورد عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث أيام التشريق (3)في الحج قوله : ((إنَّها أَيَّامُ أَكْلٍ وشُرْبٍ وبِعَال)) (4). والبِعَال هو النكاح وملاعبة الرجل امرأته ومباشرتها (5). وتبعلها له هو حُسْن مصاحبتها وعشرتها له (6).

ويبدو أنّ هذا هو السبب الذي دعا بعض شُرّاح النهج الى تخصيص مفردة (تَبَعّل) بالدلالة على ((حُسْنِ الملاعبة و الدعابة له لتطييب نَفْسِهِ)) (7). ومن ثَمَّ اتسعت دلالة هذه المفردة، ولاسيما في النّص الوارد عن الإمام، فصارت تطلق على حُسْن معاشرة البغل وطاعته في كل شيء من أمور حياته، بشرط أن لا تكون هذه الطاعة خارجة عن حدود ما فرضه اللّه تبارك وتعالى. فَتُطيعه - مثلاً - في ما يُغضب اللّه رغبةً منها في حُسْنِ التَّبَعْلِ له فمن من أهم أسرار التَّبَعُلِ أن تكون الطاعة له فيما يرضي اللّه جل جلاله (8).

القيّم

إشارة:

القَيَّم في اللغة - مَن يَسُوس الأمرَ (9). وقَيَّم القَوْم هو الذي يَسُوسهم ويُقومُهم (10). وقَيَّم المرأة زوجها (11). وإنما قيل له قَيَّم ؛ لأنه يقوم بأمرها وما تحتاج اليه(12).

ولفظتا (القَيَّم)، و (قيّمتها) من الفاظ نهج البلاغة التي استعملت فيه مرة واحدة لكل منهما (13)، للدلالة على ما يأتي :


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 267/1، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 435/5.

2) ينظر : شرح ابن عقيل : 264/4.

3) وهي الأيام الثلاث التي بعد يوم النحر.

4) النهاية في غريب الحديث : 141/1، ومسند شمس الأخبار، لعلي بن حميد القرشي 438/1، والديباج الوضي : 2834/6.

5) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 141/1.

6) نفسه.

7) الديباج الوضي : 2834/6.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 435/5.

9) ينظر : العين (قوم) : 323/5.

10) نفسه.

11) ينظر : جمهرة اللغة (قوم) : 979/2، والنهاية في غريب الحديث : 135/4.

12) ينظر : النهاية في غريب الحديث : 135/4.

13) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 388.

أولاً : الدلالة على الحاكم والقائم بالأمر الذي يسوس أمر الناس ويحكمهم.

ووردت هذه الدلالة في سياق نُصْحِه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الخليفة (عمر بن الخطاب)، الذي استشاره في الشخوص لقتال الفرس بنفسه (1). فقال له الإمام: ((إِنَّ هذَا الأَمْرَ لَمْ يَكُنْ نَصْرُهُ وَلَا خِذْلانُهُ بِكَثْرَةِ وَلَا بِقِلَّةٍ، وَهُوَ دِينُ اللّه الَّذِي أَظْهَرَهُ، وَجُنْدُهُ الَّذِي أَعَدَّهُ وَأَمَدَّهُ، حَتَّى بَلَغَ مَا بَلَغَ، وَطَلَعَ حَيْثُ طَلَعَ، وَنَحْنُ عَلَى مَوْعُودِ مِنَ اللّه، وَاللّه مُنْجِزٌ وَعْدَهُ، وَنَاصِرٌ جُنْدَهُ وَمَكَانُ الْقَيِّمِ بِالْأَمْرِ مَكَانُ النّظامِ (2)مِنَ الْخَرَزِ يَجْمَعُهُ وَيَصْمُّهُ...)) (3). وافتتح الإمام إرشاده هذا بالإشارة الى الإسلام وما وعد اللّه سبحانه وتعالى المسلمين من إظهار الإسلام على سائر الأديان الأخرى كُلُّها وأَنّه مُنجز وَعْدَهُ، وناصر جُنْده. وهذه كلها دلالات قرآنية نظمها الإمام بصياغة عَلَوِيَّة أَرْدَفها بتَشْبيه (القَيَّم بالأمر)، وهو الحاكم أو الخليفة (4)، وهو الذي يَسُوس الناس ويتولّى أمورهم، شَبَّهَه بنظام الخرز وهو سِلكُها الذي ينظمها ويحفظها من التفرّق.

ثانياً : الدلالة على الزوج الذي يقوم بأمر المرأة.

وجاءت هذه الدلالة في قول الإمام الذي يذم فيه أهل العراق : ((...فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَالْمَرْأَةِ الْحَامِلِ، حَمَلَتْ فَلَمَّا أَتَمَّتْ أَمْلَصَتْ، وَمَاتَ قَيِّمُهَا...)) (5). والقيم - هنا - هو الزوج الذي يقوم بأمر امرأته و يتعهد شؤونها.. فهو القيم عليها من جهة كونه يسوس أمر البيت ويدبّر احتياجاته واحتياجات الزوجة فيه – وتشبيه الإمام لأهل العراق بـ (المرأة الحامل) التي مات قيمها، فيه إشارة الى تشتت أمرهم وانقطاع واسطة عقدهم التي يعتمدون عليها في شؤونهم. فكأنهم في ذلك بمنزلة المرأة التي لا تقدر على إدارة شؤونها دونما زوج يعينها ويسدّدها في ذلك فـ (الزوج / القيم) هو المتولي لأمور (المرأة / الزوجة)، وهو الذي يقضي ما لم تكلف به في الشريعة من أمور وحوائج. وكذلك هؤلاء الذين يذمهم الإمام بعدم وجود مدَبَّر لهم يسوسهم ويجمع شتات أمرهم ويتكفّل بأداء ما عليهم من أمور.


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 75/9. ونهج البلاغة (أبو الفضل إبراهيم) : 332/1.

2) النظام السَّلك الذي يجمع الخرز. ينظر : لسان العرب (نظم) : 578/12.

3) نهج البلاغة: خ / 146 : 255.

4) ينظر : الديباج الوضي : 1160/3.

5) نهج البلاغة : خ / 71 : 109.

الظواهر اللغوية

• استعمل الإمام بناء (أَفْعَال) جمعاً لكلمة (ابن)، وبناء (فَعُول) جمعاً آخر لكلمة (بَنُون)، في حين أنه أورد كلمة (بنين)، وهي وسابقتها من الأبنية الملحقة بالجموع السالمة. فضلاً عن استعمال وزن التصغير (بُنَي) بوزن (فُعَيْل)، للدلالة على الإكرام والتَّلطَّف والتّرحم بولده الإمام الحسن (عليه السلام)، فضلاً عن مجيئ كلمة (حَفَدة) بوزن (فَعَلَّه).

• استعمل الإمام لفظة (أخ)، للدلالة على أخوّة الدين والصحبة، مضيفاً الى هذا البناء دلالة جديدة، وهي الدلالة على أخوّة الصداقة والصحبة، فضلاً عن الدلالة على أخوّة الولادة. وقد تجاوز الإمام بهذه المفردة الى الدلالة على أخوّة (المنهج والعمل) معاً.

• استعمل الإمام بنائي (فُعْلة) و (فعل) والبناء الأول اسم جنس جمعي يفرّق بينه وبين واحدة بالتاء، إذ ينقل الى الجمع على (فعل) جمعاً على (أُسَر)، للدلالة على أُسرة الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم) التي تعد خير الأُسَر.

• استعمل الإمام بناء (فَعِيلة) التي سيق على وزنها كلمة (عَشِيْرة) التي تدل على عشيرة المرء وجناحه الذي يستعين به على الحياة. في حين جاء بناء (فِعْلَة)، وهو من أبنية الاسم المفرد وجمعها (عِتَر) على (فعل)، للدلالة على عِترة رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وهم أهل بيته وخاصته.

• جاءت مفردة (الذَّمار) بوزن (فِعَال) للدلالة على حرم الرجل وأهله وحوزته التي يدافع عنها ويمنعها من الأذى.

• استعملت كلمة (الإلّ) للدلالة على قُربى الرَّحم.

• وقوع الترادف الجزئي بين كلمات الذمار، الحاقة) و (العصبة) و (السبط، الحفدة).

• ثمة علاقة جزء بكل بين (الأب، الأبناء) و (العيال، الأم) و (الحفدة، بنين) (العقب، الوليجة) و (الحمأ، والعم) و (الخال، الجد)

• وقوع الترادف الجزئي بين كلمتي (بعلها، القيم)، فكلتماهما تدلان على زوج المرأة

جدول دلالي يبيّن شيوع ألفاظ العلاقات الاجتماعية مرتبة بحسب كثرة المفردات

ألفاظ الأسرة : أهل - آل، ابن - ابنة، أخو - أخت، الأب، أمّه - أمك، أسرته

ألفاظ القرابة القريبة :عشيرة، عترة، الذمار، الإل، حامتك، العصبة، لحمته

ألفاظ العقب والأولاد والحفدة : العيال، الحفدة، ربيب، دابر، عقب، سبطاً

ألفاظ القرابة والنسب والبطانة : الأرحام، صهره، الوَلِيجَة، الحَمأ، خَدين

ألفاظ أخوة الأب والأم والجد :عَمْ، خَالٍ، جَد

الألفاظ الدالة على الزوج : بعلها، القيم

الفصل الثامن : ألفاظ الأدوات والآلات

إشارة:

المبحث الأول: ألفاظ أدوات الضرب والقص

سَوطَاً

إشارة:

السَّوط في اللغة خلط الشيء بعضه ببعض.(1). والسَّوط ما يُجلد به وإنّما سُمِّي سَوطاً ؛ لأنّه إِذا سِيط به، إنسان أو دابّةٌ خَلَط الدم باللحم (2).

وقد وردت ألفاظ (تُسَاطُنَّ)، و (سَوْط)، و (سَوْطاً)، و (سَوْطُك)، و (سَوْطها)، و(سَوْطي)، و(السياط) في نهج البلاغة مرة واحدة لكل منها (3)، للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على السوط الذي يُجلد به.

وهي أكثر الدلالات شيوعاً في نهج البلاغة، ومنها قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياقة الوعظ والإرشاد : ((أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ الْمَوَاعِظَ الَّتِي وَعَظَ بِهَا الأَنْبِيَاءُ أُمَمَهُمْ، وَأَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ مَا أَدَّتِ الْأَوصِيَاءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، وَأَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِي فَلَمْ تَسْتَقِيمُوا، وَحَدَوْتُكُمْ بِالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا اللّه أَنْتُمْ أَتَتَوَكَّعُونَ إِمَاماً غَيْرِي يَطَأُ بِكُمُ الطَّرِيقَ، وَيُرْشِدُكُمُ السَّبِيلَ؟...)) (4). ويذكّر الإمام الناس بما وَعَظَهم من المواعظ التي بثتها الأنبياء في أممها، وما أدّاه إليهم من عهود الأوصياء، فضلاً عن تأديبهم بِسَوْطِه، إشارة منه إلى عدله الذي ساقهم به، أو دلالة على الحدود التي أقامها بينهم. وربّما استعمل الإمام لفظ (سوط) للدلالة على الظلم والقهر والغَلَبَةِ وذلك نحو قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق كلامه عن بني أمية : ((...حَتَّى يَظُنَّ الظَّانُ أَنَّ الدُّنْيَا مَعْقُولَةٌ (5)عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ، تَمْنَحُهُمْ دَرَّهَا، وَتُورِدُهُمْ صَفْوَهَا، وَلَا يُرْفَعُ عَنْ هذِهِ الأمَّةِ سَوْطَهَا وَلاَ سَيْفُهَا، وَكَذَبَ الظَّانُ لِذلِكَ. بَلْ هِيَ مَجَّةٌ (6)مِنْ لَذِيذِ الْعَيْشِ يَتَطَعَمُونَها بُرْهَةً، ثُمَّ يَلْفِظُونَهَا جُمْلَةً؟)) (7). والسياق في وَصفِ دوام حكم بني أمية وزواله حسبما يرى (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يشبهه بمجة من الشراب الذي ما يلبث أن يبصق من الفم. وأشار بذكر مفردة (سوطها) إلى ظلمها وتجبّرها، معززاً هذه الدلالة بذكر لفظة (سَيْفها)، في إيحاء إلى القتل والدماء التي سفكها الأمويون. فأما توظيف مفردة (سوط) في هذا السياق، فهو نهج سار فيه الإمام على غرار القرآن الكريم الذي يقول: (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ) (8). أي : عذاب عصيد : عذاب عصيب شديد ؛ لأنّ العذاب قد يكون بالسَّوْط ؛ لأنّه يقتضي التكرار والترداد في الضرب (9). وقد وردت لفظة (سوط) في مواضع أخر في نهج البلاغة بالدلالة المتقدمة في (خ / 176، ك / 51، 53).


1) ينظر : لسان العرب (سوط) : 325/7.

2) نفسه.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 229.

4) نهج البلاغة : خ / 182 : 332.

5) معقولة محبوسة، مأخوذ من قولهم عقله عن حاجته أي حبسه عنها كما يُعقل البعير. ينظر : لسان العرب : (عقل) : 459/11.

6) مَج الشرابَ إِذا رَمَاهُ. ينظر : لسان العرب (مجج) : 361/2.

7) نهج البلاغة : خ / 87.

8) الفجر / 13.

9) ينظر : المحرر الوجيز : 479/5.

ثانياً : الدلالة على الخلط كما يخلط الزاد في القدر ويُساط

وقد وردت هذه الدلالة مرة واحدة، وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق حديثه عن الفتن التي ستمر على الناس، ومنها فتنة الأمويين وغيرهم من أمراء الجور (1): ((أَلَا وَإِنَّ بَلِيَّتَكُمْ قَدْ عَادَتْ كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ بَعَثَ اللّه نَبِيَّه (صلى اللّه عليه وآله)، وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَة (2)، وَلَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً (3)، وَلَتُسَاطُنَّ سَوْطَ الْقِدْرِ، حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلَاكُمْ...)) (4). والسَّوطُ الخَلط والحرق. وإنما ضرب (عَلَيهِ السَّلَامُ) المثل بـ (سَوْط القدر) إشارة إلى ما يصيب الطعام من اضطراب في القدر مع الحرارة العالية فيتصلب الطعام فيه، كما إذا حركة أحد وأداره (5).

الجَلَم

الجَلَمُ أداة تستعمل في القَطْعِ والجَزّ (6). وهو ما يُجَزَّ به الشعر والصُّوْفُ، والجلمانِ شَفْرَتاه (7).

وقد وردت لفظة (الجَلَم) في نهج البلاغة مرة واحدة (8)، للدلالة على المِقْراض الذي يجز بها الصُّوف أو الشعر. وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يتحدث فيه عن التَّزهيد في الدنيا واحتقارها إذ يقول : ((فَلْتَكُنِ الدُّنْيَا أَصْغَرَ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنْ حُثَالَةِ (9)الْقَرَظِ (10)، وَقُرَاضَةِ الْجَلَمِ، وَاتَّعِظُوا بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ قَبْلَ أَنْ يَتَّعِظُ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ...)) (11)والإمام يدعو في قولته هذه إلى احتقار الدنيا والزهد فيها، ولهذا ناسب أن يصفها بِحُثالة القرظ، إشارة إلى الرديء من قِشر ما يُدْبَغ به من ثمر القرظ وما بقي من بعد الدّبغ (12)، وألمح بذكر (قُراضَةِ الجَلَم) إلى حقارة وقلّة شأن ما يُجَزُّ من صُوفٍ أو مَشعُر عند الجَزِّ. والغاية من هذا التصوير هو الابتعاد عن الدنيا وتركها ؛ لأنّ استحقار الشيء واستصغاره يكون دافعاً لتركه والإعراض عنه (13).


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 205/1.

2) البلبلة الخلط والهم والحزن، ينظر : النهاية في غريب الحديث : 150/1.

3) الغَرْبَلَةُ النَخْل والتنقية. ينظر : لسان العرب (غربل) : 491/11.

4) نهج البلاغة : ج / 16 : 44. وقد ورد قول الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةَ، وَلَتُغرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً) في النهاية في غريب الحديث :150/1.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 204/1.

6) ينظر : مقاييس اللغة (جلم) : 467/1.

7) ينظر : لسان العرب (جلم) : 102/12.

8) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 87.

9) الحُثالة الرديء من كل شيء، وقيل هو القشارة من التمر والشعير وما أشبهها، وكل ذي قشارة إذا نقَّي فهو حثالة، وحثالة القرظ نفايته، ينظر : لسان العرب (حثل) : 142/11.

10) القرظ نوع من الشجر الذي يُدبغ به الأدم، ينظر : لسان العرب (أدم) : 454/7.

11) نهج البلاغة : خ / 32 : 72.

12) ينظر : الديباج الوضي : 387/1.

13) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 274/2.

العصيّ

العَصَا العودُ.(1). وأصل العَصَا الاجتماع والائتلاف (2)، وقيل : إنّما سُمّيت (عصا) ؛ لأنّ الأصابع واليد تتجمع عليها من قولهم عَصَوت القوم، إذا جمعتهم (3).

وقد وردت لفظة (العِصِيّ) في نهج البلاغة بصيغة الجمع مرة واحدة (4)، دالة على العصي التي تستعمل في التَّوكُّيء. وذلك في سياق وصفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) دخول النبي (موسى وهارون) على (فرعون) : ((وَلَقَدْ دَخَلَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ (عليهما السلام) عَلَى فِرْعَوْنَ، وَعَلَيْهِمَا مَدَارِعُ الصُّوفِ وَبِأَيْدِيهِمَا الْعِصِيُّ...)) (5).

والسياق - هنا - يتحدث عن تواضع الأنبياء ورقة حالهم، ولهذا وصف أمير المؤمنين دخول النبي(موسى وأخيه هارون) وهما بهذه الحال، بما عليهما من مدارع الصوف، وهي لباس التواضع.ثم ذكر (العِصِيّ) التي تعد من لوازم النبي موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ لأنها وسيلته التي يتوكأ عليها. كما أنّه يعتمد عليها في أن يَهْضٌ بها على غَنمه. وهذه الدلالة مأخوذة من القرآن الكريم في قوله تعالى { وَمَا تِلْكَ بِيَمِنِكَ يَا مُوسَى. قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غَنَمي ولي فيها مآرب أخرى } (6). وقد قَدَم موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) غرض التَّوَكَّئ بالعصا على غيرها من الأغراض الأخرى ؛ لأنها وسيلته التي يستعين بها على المضيّ والقيام بأداء لأعمال. أقول : ولهذا وصف الإمام دخولهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) على فرعون وبأيدهم العصي، في إشارة منه إلى كونها من العلامات الفارقة التي يتميز بها النبي موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فضلاً عن كونها لازمة من لوازمه التي لا تفارقه لما فيها من مآرب عددها النبي نفسه كما ورد في النص القرآني المبارك حتى صارت بعد ذلك (حيّة تسعى) (7). وقد استعمل الإمام كلمة (العِصِيّ) في هذا السياق بصيغة الجمع، فإنّ (عِصِياً) جمع على (فُعُول) وأصله (عُصُوٌّ) (8)، ولكنّهم لما قلبوا الواو ياء (9)، كسروا الحرف الوسط من الكلمة، فصارت (عِصِي) - بالكسر - عند الجمع. وقد استعمل الإمام هذه اللفظة بصيغة الجمع مع أنّ الداخلين على (فرعون) كانا اثنين، وهما (موسى و هارون). ويبدو أنّ الغاية الدلالية من توظيف الجمع في سياق التثنية راجع إلى الفات النظر إلى حالهما وما دخلا به من تواضع، وقلة شأن فيما يلبسانه من ثياب أو يحملانه من عِصِيٌّ.

الفهر


1) ينظر : تاج العروس (عصو) : 52/39.

2) ينظر : لسان العرب (عصو) : 64/15.

3) ينظر : لسان العرب (عصو) : 64/5، وتاج العروس (عصو) : 152/3.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 305.

5) نهج البلاغة : خ / 192 : 367.

6) طه / 17، 18.

7) إشارة إلى قوله تعالى : ((فألقاها فإذا هي حية تسعى)).

8) ينظر : الصحاح (عصو) : 475/1، ولسان العرب (عصا) : 63/15.

9) إنّما قلبوها (ياءَ) ؛ لأنّ هذا الضرب من الجمع تُقلب واوه عند الجمع (ياء)، ينظر : لسان العرب (فتا) : 146/15.

الفِهْر الحَجَر قدر ما يُكسر به جوز أو يُدَق به من شيء.(1). وقيل : هو الحَجَر الذي يملأ الكفّ (2). وذكر الخليل أنّ عامة العرب تؤنث هذا اللفظ (3). ومفردة (الفهر) من ألفاظ نهج البلاغة التي وردت فيه مرة واحدة (4)، للدلالة على الأداة التي كانت تُضرب بها المرأة في الجاهلية حسبما يقول أمير المؤمنين في سياق كتابه الذي وجهه لعِسكره قبل لقاء العدوّ بـ (صِفِّيْن)، ناهياً إيّاهم عن قتل المُدْبِر، والإجهاز على الجريح، أو أن يُهيجوا النساء بأذىً. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): (لا تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدَأُوكُمْ، فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ اللّه عَلَى حُجَّةٌ فَإِذَا كَانَتِ الْهَزِيمَةُ بِإِذْنِ اللّه فَلَا تَقْتُلُوا مُدْبِراً، وَلَا تُصِيبُوا مُعْوِراً، وَلَا تَجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، لَا تَهِيجُوا النِّسَاءَ بِأَذِيَّ، وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ، وَسَبَيْنَ أُمَرَاءَكُمْ، فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ الْقُوَى وَالأنْفُسِ وَالْعُقُولِ إِنْ كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالْكَفَّ عَنْهُنَّ وَإِنَّهُنَّ لَمُشْرِكَاتٌ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَنَاوَلُ الْمَرْأَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْفِهْرِ أَوِ الْهِرَاوَةِ فَيُعَيَّرُ بِهَا وَعَقِبُهُ مِنْ بَعْدِهِ)) (5). والنص يشير إلى ضعف النساء بعامة، وكيف كان الرّجل يمتهن المرأة في الجاهلية إلى حد ضربها بالحجر والعصا، ولكنّ هذه الظاهرة كانت تلحق بصاحبها عاراً يُعَيّر به عَقِبه أيضاً كما يذكر الإمام. وإنّما خصّ (الفِهْر) - ههنا - لاظهار الأداة التي كانت تُضرب بها المرأة في ذلك الوقت (6).

الهرواة

الهراوة العَصَا (7). وقيل هي العَصَا الضَّخْمَة التي تستعمل في الضرب (8).

وجاءت هذه المفردة في نهج البلاغة مرة واحدة (9)، دالة على العصا الضخمة التي تُضرب بها المرأة في الجاهلية. وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((... لا تَهِيجُوا النِّسَاءَ بِأَذيَّ، وَإِنْ سَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ، وَسَبَيْنَ أَمَرَاءَكُمْ، فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ الْقُوَى وَالْأَنْفُسِ وَالْعُقُولِ، إِنْ كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالْكَفَّ عَنْهُنَّ وَإِنَّهُنَّ لَمُشْرِكَاتٌ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَنَاوَلُ الْمَرْأَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْفِهْرِ أَوِ الْهِرَاوَةِ فَيُعَيّرُ بِهَا وَعَقِبُهُ مِنْ بَعْدِهِ))(10). أقول: إن التوظيف الدلالي. لمفردة (الهراوة) يُومئ الى الطريقة التي كان الجاهلي يعامل المرأة بها، فضلاً عن شِدّة أَذَاهَا، فَإِنَّ (الفِهْرَ) و (الهِراوة) من وسائل الأذى الذي كان يصيبها، بوصفها من الأدوات والآلات الموجعة التي كانت تستعمل في الضَرب، فضلاً عن كونها توحي بضعف مستعملها الذي كان يستلط على النساء الضعيفات بهذه الوسائل ولهذا ذكر أمير المؤمنين أنَّ الرجل الذي يتناول المرأة بهذه الأدوات يُعيّر بذلك هو وعَقِبه من بَعده، إيماءً منه إلى بعد هذا الضرب من التصرفات ليس من سيماء الرجولة.


1) ينظر : العين (فهر) : 45/4، ولسان العرب (فهر) : 66/5.

2) ينظر : لسان العرب (فهر) : 66/5.

3) ينظر : العين (فهر) : 45/4.

4) ينظر : المعجم المفهرس للألفاظ نهج البلاغة : 357.

5) نهج البلاغة : ك / 14 : 472.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 213/4.

7) ينظر : المحكم (هرو) : 415/4.

8) ينظر : لسان العرب (هرو) : 360/15، وتاج العروس (هرو) : 299/40.

9) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 469.

10) نهج البلاغة : ك / 14 : 472.

المبحث الثاني: ألفاظ آلات الطرب واللّهو

القداح

إشارة:

القِدْح - بكسر القاف - قدْح السَّهم وجمعه قداح قِدْح السَّهم وجمعه قداح (1). يقال : قَدَح في القِدْح يَقْدَح، وذلك إِذا خَرَقَ فِي السَّهْمِ بِسِنْخ النَّصْلِ (2). والقِدْح في ترتيب صناعة السِّهام هو المرحلة التي يُراش فيها السَّهم وينصل فيسمّى قدحاً. فقد سمّت العرب المراتب التي يُهيَّأ فيها السَّهم لأن يكون سهماً يُرمى به. وأولها قطع الغصن الذي يصنع منه السَّهم، ويُسمّى - عندها - قطعاً، ومن ثَمّ يُبرى ويُقَوّم، فإذا قَوّم يُرَاش ويُنْصَل، وهو القِدْح حينئذ، فإذا ريش ورُكَّب نَصله صار نَصلاً وقدحاً للمَيْسَر (3). ويجمع لفظ (القِدْح) جمع تكسير على(فعال) و (أفعال) للقلة، و (أفاعيل). فيقولون فيها (قِدَاح)، و (أَقْدَاح)، و(أَقَادِيْح).

وقد جاءت مفردة (قِدَاحه) مرتين في نهج البلاغة، ينظر : نفسه. ومفردة (القداح) مرة واحدة (4)، وبصيغة الجمع على (فعال)، بدلالتين :

الأولى : الدلالة على القداح التي تستعمل في القمار، وهي قداح الميسر.

وقد استعملها الإمام مثلاً في انتظار الفوز الذي يأْمَلُه المُقامِر على نحو المقارنة بينه وبين المنتظر لداعي اللّه تعالى اللّه تعالى، وما عند اللّه خير وأبقى. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((...كَالْفَالِجِ اليَاسِرِ الَّذِي يَنْتَظِرُ أَوَّلَ فَوْزَةٍ مِنْ قِدَاحِهِ تُوجِبُ لَهُ الْمَغْنَمَ، وَيُرْفَعُ عَنْهُ بها الْمَغْرَمُ. وَكَذَّلِكَ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ البَرِيءُ مِنَ الْخِيَانَةِ يَنْتَظِرُ مِنَ اللّه إِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ : إِمَّا دَاعِيَ اللّه فَمَا عِنْدَ اللّه خَيْرٌ لَهُ، وَإِمَّا رِزْقَ اللّه فَإِذَا هُوَ ذُو أَهْل وَمَال)) (5)فشبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) انتظار المسلم البريء من الخيانة والذنب، وترقيه إحدى الحسنين من اللّه تبارك وتعالى بترقب الياسر القادح بالسّهام. في إشارة الى قرب فوزه برضا اللّه تعالى.

الثانية : الدلالة على الطريقة التي تُبرى بها السهام وتنحت.

وهي مرحلة من مراحل صناعة السِّهام التي تستعمل في الحرب وفي الميسر، فإنّها بعد قطعها تُبرى وتُقَوَّم قبل أن تُراش وتُنصل (6). وقد صوّر الإمام - بذكر مفردة (بَزي القِدَاح) - حال الأتقياء الذين قد بَرَاهم الخوف بري القداح عند تحتها وتهذيبها. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((وَأَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عَلَمَاءُ، أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ، قَدْ بَرَاهُمْ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ، يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ الْنَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى، وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَض...)) (7). وهؤلاء الأتقياء في نظر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنّما بَرَاهم (خوف اللّه) تبارك وتعالى، ولم يُقوّمهم أو يُهذبهم أحد غيره، فصارت أجسادهم نحيلة نحيفة، كأنها هي السَّهم الذي يُعدّ للقدح به. يقول الشارح البحراني في بيان وجه الشبه بين بري الخوف


1) ينظر : غريب الحديث (ابن قتيبة) : 60/1، ولسان العرب (قدح) : 554/2.

2) ينظر : لسان العرب (قدح) : 554/2.

3) ينظر : نفسه.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 364.

5) نهج البلاغة : خ / 23 : 54، وقد تكرر مثل هذا الكلام في (غريب كلامه/8) من النهج.

6) نفسه : خ / 193 : 382.

7) نفسه : خ/ 193 : 382.

للمتقين وبري القداح : ((وشبّه بَرْيَ لهم ببَزي القِدَاحٍ ووجه التشبيه شِدَّةُ النَّحافة، ويتبع ذلك تغيّر السحنات والضعف عن الانفعالات النفسية من الخوف والحزن حتى يَحْسَبُهُم النَّاظِرُ مَرضى وإن لم يكن بهم مرض))(1). ويُفهم من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (بَراهم خوف اللّه)، تطبّع هؤلاء على خصال يريدها الحق جل جلاله منهم ومن غيرهم، فهم قد هذبوا أنفسهم وأبدانهم وشدّبوها لتكون على نسق الطاعة والإيمان، فصاروا من الاستقامة والعفة والورع بمكان.

المزامير

يقال للذي يُغنّي الزَّامر والزَّمَّار، وأمّا القَصَبة التي يُزَمَّر بها، فهي زَمَّارة (2). والمِزمار واحد المزامير، وهو آلة من القصب يُزمّر بها و يُغَنَّى (3). والزّمار هو صوت النَّعام، وقد زَمَرَت النعامة تَزمر زِمَاراً (4).

وقد وردت لفظة (المزامير) في نهج البلاغة مرة واحدة (5)، دالة على مزامير النبي داوود (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وما كان يتلوه ويقرأه من (الزَّبُور) بصُحفه وأدعيته التي كان يدعو بها بصوت شجي يُسْجِرُ السامعين ويصف الإمام ذلك بقوله : ((وَإِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاوُودَ صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ، وقارئ أَهْلِ الْجَنَّةِ ...)) (6)(صاحب المزامير) الإشارة إلى الكتاب المقدّس للنبي (داوود)، وهو (الزبور)، فضلاً عن بديع صوت النبي عند قراءة هذه الزبور. فقد روي في المأثور التاريخي أنّ (داوود) (عَلَيهِ السَّلَامُ) أُعطِي من طيب النَّعم ولذة ترجيع القراءة ما كانت الطيور والوحوش تجتمع إليه لأجل صوته (7). وقد أكّد الإمام هذه الحقيقة، فذكر أنّه (صاحب المزامير)، وهي عبارة استعارها الإمام لصوت (داوود) كما يذكر الشارح البحراني (8)؛ لأنّه قارئ أهل الجنّة وصاحب الصوت الحسن الرشيق الذي يشبه المزامير في طيبها وحلاوة نغمها وسلاسته (9). فضرب (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظ (المزامير) مثلاً لحسن صوت النبي وحلاوة نغمته، كأنّه كأنّه في حَلْقه مزامير يَزَمّر بها أقول : والملاحظ في اللفظة المتقدمة أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) نقلها من الدلالة على النصوص المقدسة للنبي (داوود) إلى الدلالة على شجي الصوت والنهاية في روعته.

العَرْطَبة


1) شرح نهج البلاغة (البحراني) : 731/3.

2) ينظر : تهذيب اللغة (زمر) : 362/4، ولسان العرب (زمر) : 327/4 .

3) ينظر : لسان العرب (زمر) : 327/4.

4) ينظر : العين (زمر) : 365/7.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 202.

6) نهج البلاغة : خ/ 160 : 283.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 177/9.

8) ينظر: شرح نهج البلاغة (البحراني) : 653/3.

9) ينظر : الديباج الوضي : 1299/3، وقد ورد في المأثور عن النبي (صلى اللّه عليه وآله) أنّه وصف (أبا موسى الأشعري)، وكان حسن القراءة في القرآن بقوله : ((لَقَد أُوتي هذا مِزْماراً من مزامير آل داوود))، إشارة إلى إحرازه ضرباً من حلاوة الصوت التي يتميز بها النبي داوود (عَلَيهِ السَّلَامُ) ينظر : مسند أحمد : 351/5، وصحيح مسلم : 546/1.

العَرْطَبَة ضَرْب من أدوات الملاهي، وهي العُوْد عند اللغويين (1). وقيل : بل هي الطَّبْل، أو الطنبور (2). ويبدو أنّ هذا النوع من وسائل اللّهو له دلالتين، فالعَرْطبة عند الأحْبَاش هو الطبل، وهو ينسب إليهم في المعجمات العربية. فالعَرْطَبَة طَبْل الحَبَشة (3).وذهب الجواليقي إلى أنّ العَرطبة - بفتح العين والطاء وضمهما - اسم للعُودِ من أدوات الموسيقى في الملاهي (4). وهذه اللفظة من الألفاظ المعربة – كما يبدو - فقد ذكر الجواليقي أنّها لفظ فارسي معرّب تدل على الطنبور عندهم (5). وقيل : (6)بل هي الطنبور بلغة الروم.

وقد وردت هذه اللفظ في نهج البلاغة مرة واحدة (7)، وذلك في سياق كلامه عن الزهد والزاهدين و وعبادة اللّه تبارك وتعالى في جَوْف الليل. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((... إِنَّ دَاوُدَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَامَ فِى مِثْلِ هَذِهِ السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: إِنَّهَا سَاعَةً لَا يَدْعُو فِيهَا عَبْدٌ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَشَاراً أَوْ عَرِيفاً أَوْ شُرْطِيَا أَوْ صَاحِبَ عَرْطَبَة أَوْ صَاحِبَ كَوْبَة)) (8). والإمام ينقل قول النبي داوود (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيمن لا يستجاب دعاؤهم في تلك الساعة. ودلت مفردة (عَرْطَبَة) في هذا السياق على آلة اللّهو، وهي الطنبور حسبما يذكر شُرّاح النهج (9). وهي الآلة التي يُلعب بها في اللّهو. واستعمل الإمام هذه المفردة لتكون رمزاً للأدوات التي تستعمل في مجالس اللّهو والطرب المحرمين، بما في ذلك بقية الآلات الموسيقية الأخرى. ولعل شيوع هذه الآلة وكثرة استعمالها عند أصحاب الطرب الذين استعملوها في مواطن الطرب والغناء هو الذي جعلها تصير رمزاً لهذه الأمور المحرّمة في الشريعة الإسلامية، بل في الشرائع السابقة لها، ومنها شريعة النبي (داوود) الذي صدر منه هذا القول. ومن الجدير بالذكر أنّ هذا النص الذي صاغه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حواره مع بعض أصحابه، نص وارد عن النبي الأكرم فقد نقلت كتب غريب الحديث النبوي قوله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : ((إِنَّ اللّه يَغْفِرُ لِكُلِّ مُذْنِبٍ إِلَّا صَاحِبَ عَرْطَبَةٍ أو كوبَةٍ)) (10). ومن الطبيعي أن يكون الإمام قد تأثر في صياغة كلماته المتقدمة بقول النبي المتقدم.

كُوبَة


1) ينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 279/4، والنهاية في غريب الحديث : 216/3.

2) ينظر : غريب الحديث (ابن الجوزي) : 87/2.

3) ينظر : لسان العرب (عرطب) : 594/1.

4) ينظر : المعرّب : 282، و ألفاظ الحضارة (زوين) : 384/1.

5) ينظر : نفسهما : ومما تجدر الإشارة إليه أنّ (د. علي زوين) لم يشر إلى أعجمية هذه المفردة وفارسيتها.

6) معارج نهج البلاغة : 813/2.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 298.

8) نهج البلاغة : قصا / 104 : 618، 619.

9) ينظر : معارج نهج البلاغة : 813/2، ومع نهج البلاغة : 261.

10) النهاية في غريب الحديث : 440/3 و وينظر : لسان العرب (عرطب) : 594/1.

الكُوبَة - عند الخليل - قَصَبات تجمع في قطعة أديم، ثُمّ يُخرز بها و يُزمّر فيها (1). وإنّما سُميّت كوبة ؛ لأنّ بعضها كُوّب على بعض والزق (2). وقيل : بل الكوبَة الطَّبْل الصغير المُخَصّر (3). ووسع بعض اللغويين من دلالة هذه الكلمة، فذكروا أنّها تدل على الشطرنجة أو النّرد في كلام أهل اليمن (4). وتذكر بعض المدونات اللغوية أنّ هذه اللفظة من الألفاظ غير العربية فهي - عندهم - لفظة معربة (5).

وقد وردت هذه المفردة في نهج البلاغة مرة واحدة (6)، إذ استعملها الإمام في سياق حديثه عن الزاهدين، والذين لا ترد دعوته في الليل. واستثنى منهم فئات ذكرهم في حديث النبي داوود. يقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((... إِنَّ دَاوُدَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَامَ فِي مِثْلِ هذِهِ السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: إِنَّهَا سَاعَةٌ لاَ يَدْعُو فِيهَا عَبْدٌ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَشَاراً أَوْ عَرِيفاً أَوْ شُرْطِيّاً أَوْ صَاحِبَ عَرْطَبَة أَوْ صَاحِبَ كَوْبَة)) (7). والكُوبة – هنا - الطبل حسبما يذكر السيد الشريف الرضي في تعليقه على النص المتقدم (8). أو هي الطبل المُخصر كما ذكر اللغويون. وقد وسع الإمام من إيحاءات هذه المفردة لتكون عنده علامة على آلات اللّهو والطرب المحرّمة في الشرائع السماوية.


1) ينظر : العين : (كوب) : 417/5.

2) نفسه.

3) ينظر : نفسه، وجمهرة اللغة (كوب) : 378/1.

4) ينظر : العين (كوب) : 417/5، والمعرّب (كوب) : 343.

5) ينظر : المعرّب : 343.

6) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 404.

7) نهج البلاغة : قصا / 104 : 618، 619.

8) نفسه.

المبحث الثالث: ألفاظ أدوات الكتابة

القلم

إشارة:

القلم هو ما يكتب به.(1). وأصل القلم القطع والبَري(2). وإنّما سُمِّي القَلَم قلماً ؛ لأنه قُلّم مَرَّة بعد مرّة (3). وقد استعملت لفظة (الأقلام) بصيغة الجمع على (أَفْعَال) مرتين في نهج البلاغة، في حين جاءت لفظة (القلم) محلاة بـ(أل) ومضافة إلى (كاف) الخطاب (قلمك مرة واحدة لكل واحدة منهما (4)؛ للدلالة على ما يأتي

أولاً : الدلالة على الأقلام التي تُسجِّل بها أعمال العباد

وجاءت هذه الدلالة في سياق كلام الإمام عن (العمل) الذي يُكسب صاحبه رضا اللّه تبارك وتعالى وتُسَجِّله الملائكة الموكلة بالإنسان. وجاء ذلك في موضعين ؛ منهما قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((فَاعْمَلُوا وَالْعَمَلُ يُرْفَعُ، وَالتَّوْبَةُ تَنْفَعُ، وَالدُّعَاءُ يُسْمَعُ، وَالْحَالُ هَادِئَةٌ، وَالأقْلامُ جَارِيَةٌ....)) (5). والنّص تنبيه وإرشاد على وجوب العمل الصَّلح على ضرورتها في مقدّمة الخطبة بقوله : ((فَإِنَّ تَقْوَى اللّه مِفْتَاحُ سَدَاد، وَذَخِيرَةُ مَعَاد...)) (6). أما أمره بـ (العَمَل) ؛ فلأنّه مفتاح السداد الذي ينال به المرء جزاءه من اللّه، فإن كان عمله صالحاً جزاه اللّه به خيراً وإن كان طالحاً، فجزاؤه العقاب. ولهذا ذكر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ العَمَل (يُرْفع) إلى اللّه جل جلاله، ومن ثُمَّ اتبعه بذكر النَّفع الذي تفيده التَّوبة النصوح. وذلك إشارة إلى قبول التوبة ممن أذنب أو أعمل عملاً غير صالح. وأمّا مفردة (الأقلام)، فقد أشار بها الإمام إلى (أقلام) الكرام الكاتبين الذي يسجّلون أعمال النّاس (7). واستعمال هذه المفردة مقترنة بـ (أل) التعريف أفاد الدلالة على العهد الذي تدل عليه هذه (الأفلام)، فإنّها ليست من (أقلام) الدنيا المعروفة، وإنّما هي أقلام مخصوصة بـ (الحفظة) الذين يكتبون الأعمال (8).

وخلاصة قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ (العَمَل) باقٍ حتى منتهى حياة الإنسان، وهو نافع له يوم القيامة، والأفلام جارية بالكتابة حتى سقوط التكليف عن الإنسان بموته. أقول : إنّ توظيف الإمام لمفردة (الأفلام) يمثل إشارة إلى قوله تبارك وتعالى : (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) (9).والكتابة المعروفة تكون (بالقلم، فكأنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يومئ إلى المعنى القرآني المتقدم بذكر مفردة (الأقلام) التي تعد وسيلة الكتابة، سواء أكان إحصاء هذه الأعمال بتدوينها وكتابتها بالصورة المعروفة عند الإنسان، أم بشكل آخر يختلف عمّا يعرفه الإنسان من الكتابة. ولهذا ذكر المفسرون في تفسير


1) ينظر : تهذيب اللغة (قلم) : 148/9، ولسان العرب (قلم) : 490/12.

2) نفسهما.

3) نفسهما.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 381.

5) نهج البلاغة : خ/ 230 : 444.

6) نفسه.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 7/13.

8) نفسه.

9) آل عمران / 181.

الآية المباركة أنّ الكتابة هي في صحائف الحفظة متبوعاً بحفظ اللّه لهذه الأعمال، وإثباتها في أعمالهم بشكل يمنعها من تُنسى، وذلك على جهة الوعيد بأنّه تعالى لن يفوته أبداً إثبات الشيء وتدوينه (1).وقد وردت لفظة (الأقلام) بالدلالة المتقدمة نفسها في (خ / 94).

ثانياً : الدلالة على (القلم) المعروف الذي يكتب به.

وجاءت هذا الاستعمال في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لكاتبه عبيد اللّه ابن أبي رافع : ((أَلْق دَوَاتَكَ، وَأَطِلْ جِلْفَةً قَلَمِكَ، وَفَرِّجْ بَيْنَ السُّطُور، وقَرْمِطْ بَيْنَ الْحُرُوفِ...)) (2). والقلم الذي ورد ذكره في قوله هو القلم الذي يُكتب به. وقد أخذ الإمام من هذا (القلم) صفة الدّقة فيه، فَشَبَّه به الخَطَّ الذي يظهر عند فَتْقِ سَمع (الطاووس) ؛ إذ يقول في ذلك : ((... وَمَعَ فَتْقِ سَمْعِهِ خَطَّ كَمُسْتَدَقِّ الْقَلَمِ فِي لَوْنِ الأقْحُوَانِ (3))) (4)، يشبه بياضه بلون نبت (الأُقْحُوان) (5)الذي له - كما يذكر اللغويون - نورأبيض.(6). فكما أنَّ القلم إذا كان بري برياً جيداً فيُكتب به الخَطَّ المستقيم الدقيق، فكذلك الخَطَّ الذي يبدأ عند أذن الطاووس.

جِلْفَة

الجلْفَة من القلم ما بين مَبْراه وسنَّتِه (7). وقد وردت مفردة (جِلْفَة) مرة واحدة في نهج البلاغة (8)، للدلالة على سنَّة القلم وإطالتها. وذلك في قوله الذي يُرْشد فيه كاتبه (عُبيد اللّه بن أبي رافع) (9)، بأن يُهيِّئ ما ينفعه من لوازم التحسن خَطَّه. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((أَلِقْ دَوَاتَكَ، وَأَطِلْ جِلْفَةَ قَلَمِكَ، وَفَرِّجْ بَيْنَ السُّطُور، وقَرْمِط بَين الْحُرُوفِ، فَإِنَّ ذلِكَ أَجْدَرُ بِصَباحَةِ الْخَطَّ)) (10). ويرشد الإمام كاتبه إلى تهيئة شرائط حُسن الخَطَّ وجودة بيانه. متخذاً من مفردة (جلفة) الدالة على القطع والقشر (11)سبيلاً الى زيادة إطالة القلم، إشارة إلى إطالة هيئة فتحته


1) ينظر : الكشاف : 475/1.

2) نهج البلاغة : قصا / 315 : 665.

3) الأقحوان : نَبْت من نبات الرَّبيع دقيق العيدان له نور أبيض ورائحة طيبة، واحدته أقْحُوَانة)، تشبه به الأسنان ؛ لأنّه كثغر جارية حدثة السِّنّ، وذكر اللغويون أنّه المسمّى بـ(البابونج)، ينظر : لسان العرب (قحا): 171/15.

4) نهج البلاغة : خ/ 165 : 298.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 668/3.

6) نفسه.

7) ينظر : القاموس المحيط (جلف) : 1030/1، وتاج العروس (جلف) : 23 / 98، ومعجم أسماء الأشياء اللطائف في اللغة، لأحمد الدمشقي (جلف) : 326/1.

8) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 87.

9) هو عبيد اللّه بن أبي رافع المدني مولى رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، ومن خواص أصحاب الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكاتبه. حضر معه وقعة الخوارج بالنهروان، وكان ثقة كثير الرواية، وله مصنفات منها (كتاب في قضايا أمير المؤمنين)، و (كتاب تسمية من شهد مع أمير المؤمنين الجمل وصفين والنهروان من أصحابه) و (كتاب في فنون الفقه) ينظر : الطبقات الكبرى : 282/5، وتاريخ بغداد، للخطيب البغدادي : 304/10، وتهذيب التهذيب : 10/7.

10) نهج البلاغة : قصا / 315 : 665. وقد ورد هذا النص مروياً عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبل جمع الرضي لنهج البلاغة، فقد رواه أبو عبد اللّه محمد بن عبدوس الجهيشاري (ت331هـ) في : الوزراء والكتاب : 14،23، والشيخ المفيد محمد بن النعمان (ت413هـ) في كتابه الجمل : 138، والراغب الأصفهاني (ت في حدود 425 هـ) في كتابه محاضرات الأدباء : 133/1 في باب (الوصيّة بتقويم حروف الكتابة) برواية : ((... وأطل سنّ قَلَمِك...)) بدلاً من ((جلفة قلمك...)). وقد أشار إلى ذلك المتأخرون من الباحثين، ينظر : مصادر نهج البلاغة وأسانيده : 245/4، وغريب نهج البلاغة : 187. أقول : وقد ذكرت كتب النوادر هذا النص أيضاً مروياً عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً، وممن رواه أبو مسحل الأعرابي (ت 199 هـ) في نوادره : 129/1، وينظر : غريب نهج البلاغة : 187. فضلاً عما ذكره اللغويون وفي طليعتهم ابن الأثير والجزري وابن منظور والزبيدي من توثيق نسبة هذا القول لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذلك في مادة (قرمط) التي وردت في قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) . ينظر : النهاية في غريب الحديث : 50/4، ولسان العرب (قرمط) : 377/7، وتاج العروس (قرمط) : 22/20.

11) ينظر : مقاييس اللغة (جلف) : 474/1.

وسنانه التي يُستمد بها المداد، وهو ما يُعِين على الاستمرار بالكتابة على نهج غير متقطع. فأما إذا كانت (الجِلْفَة) قصيرة، فذلك يؤدي إلى قلة مِدَادها، وهو ما يقطع المفردات وحروفها، ويكثر التفاوت بينها (1). وبهذا يكون قِصَر (الجِلْفَة) مدعاة إلى رداءة الخطّ وخفاء حروف الكلمات. فاجتماع الشرائط المتقدمة في خط الكتاب يؤدي إلى صَبَاحته، وجمال رَسمِه.

دواتك

الدَّواة هي الأداة التي يجعل فيها المداد الذي يمدّ القلم، فيكتب منها (2). وتسمّى عند الكُتّاب المَحْبَرة (3)ولفظة (دَوَاتَك) من ألفاظ نهج البلاغة التي وردت فيه مرة واحدة (4)، للدلالة على الأداة التي يُجعل فيها مداد القَلَم. وذلك في قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((أَلِفْ دَوَاتَكَ، وَأَطِلْ جِلْفَةَ قَلَمِكَ.....)) (5). يريد : أصلح مداد مَحْبَرتِك وهيئها للكتابة لتكون مادة لقلمك بالحبر الذي يُستعان به في الكتابة.

ألق

لِيْقَة الدَّوَاة، ما اجتمع في وَقَبَتها (6)من السَّواد بمائها (7). وقد وردت مفردة (ألق) بصيغة فعل الأمر مرة واحدة في نهج البلاغة (8)

نهج البلاغة : قصا/ 315: 665.

، وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((أَلِق دَوَاتَكَ، وَأَطِلْ جِلْفَةً قَلَمِكَ، وَفَرِّجْ بَيْنَ السُّطُورِ، وقَرْمِطْ بَيْنَ الْحُرُوفِ، فَإِنَّ ذلِكَ أَجْدَرُ بِصَباحَةِ الْخَطَّ)) (9). وتذكر المدونات المعجمية دلالات متعددة لمفردتي (الليق، والّليْقَة)، فقد ذكر الخليل أن (الَّليْق) شيء يُجعل في دواء الكُحْل والقطعة منه (لِيْقَة) (10). ثم ذكر أنّ ليقة الدّواة هو ما اجتمع في نُقْرَتها من السواد المختلط بمائها.(11)كأنّه يومئ بذلك إلى مدادها الذي يلتصق بقطعة الصوف التي تَمُدّ القَلَمَ بالحبر، ومع ذلك كله، فإنّ اللغويين الأوائل لم يحددوا دلالة لهذه المفردة، واكتفوا بذكر التصريفات الخاصة بتلك الكلمة، كقولهم : ((لِقْتُ الدَّواةُ، فهي مَلِيْقَة، وَلُقْيُها فهي مَلُوْفَة مُلاقَة)) (12). وأمّا اللفظ (ألق) الذي استعمله الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيبدو أنّه مأخوذ من مفردة (ليقة) التي تدل على الصُّوفة المنقوشة التي تُعمل للدواة قبل أنْ تُبَل، وهي التي يُسَمِّها اللغويون البُوهَة (13). وهذه الصُّوفة هي التي تحمي سِنّ القلم من أن تصطدم بقعر الدواة، فضلاً عن أنّها تمتص الحبر من الدواة على نحو متساو، فحينما

1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 182/19، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 476/5، والديباج الوضي : 2959/6.

2) ينظر : لسان العرب (مدد) : 398/3، و(دوي) : 279/14، والمصباح المنير: 205/1.

3) ينظر : المعجم الوسيط : 306/1.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 166.

5) نهج البلاغة : قصا /315، 665.

6) الوَقَبَة : النُّقْرَة، ينظر : غريب الحديث (ابن قتيبة) : 370/6.

7) ينظر : العين (ليق) : 214/5، وتهذيب اللغة (ليق) : 234/9.

8) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 414.

9) ينظر : العين (ليق) : 214/5، وتهذيب اللغة (ليق) : 234/9.

10) ينظر : تهذيب اللغة (ليق) : 234/9.

11) ينظر : العين (ليق) : 214/5.

12) تهذيب اللغة (ليق) : 214/9 .

13) ينظر : تهذيب اللغة (بوه) : 234/6، ولسان العرب (بوه) : 479/13.

يغطس القلم فيها تعطيه من المداد بقدر حاجته.(1). وقد وجدت عند الأدباء ضرباً من خصائص لِيْقَة الدَّواة والقلم، وشرائطها لدى الكُتّاب ؛ فقد ذكروا أنّه يُسْتَحب فيها أن تكون طيّبة الريح، ومن الأولى عندهم أن تكون من الحرير الخشن ؛ لأنّ انتفاشها في المحبرة وعدم تلبدها أمكن للكاتب في أَنْ يُشِمَّها روق القلم. ومن المفيد أن تتعهد بالملح والكافور، فذلك أمن لها من التَّبَخُر (2)وأما أصل اشتقاق هذه المفردة التي استعملها الإمام، فهي مأخوذة من (ألق يُليق إلاقة)، كما يشير إلى ذلك اللغويون (3).

أمّا موقف شُرَّاح نهج البلاغة من مفردة (ألق) الواردة في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ، فإنّ أغلبهم فترها بالأمر بإصلاح مداد الدّواة (4)، فهي دعوة الى كاتبه بإعداد دواته، وتمكين ليقتها من المداد الذي في المحبرة. ويحتمل أن يتَّسِع ذلك إلى أن يكون الأمر مخصوصاً بتحسين (الليقة)، وجودة اختيارها أيضاً. كأنّه يوصي أن يكون كاتبه حَسُن الاختيار لِصُوْفَة دواته، كيما تجود في تَكْبِير القلم، وذلك إذا كانت (الليقة) من جيد الصُّوف، أو من الحرير الخشن كما يذكر الأدباء المختصون بهذا الضرب من أدوات الكتابة ولوازمها (5)، فذلك يُعين على عدم تلبدها بالجِبْر فيسهل أمر الكتابة، فضلاً عن جودة التصاق الجلفة بهذا الضرب من اللّيق. ومن هنا يتبيّن فرادة استعماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهذه المفردة التي تبدو عليها سيماء الغرابة وقلّة الاستعمال في المدونات الأدبية. وهو ما أشار إليه اللغويون الذين صَرّحوا بهذه الغرابة، وفي طليعتهم الخليل الذي يقول : ((ألَقْتُ الدّواة إلاقَةً، وَلِقْيُهَا لِيْقَةً والأولى أغرب)) (6). فضلاً من أنّهم أشاروا إلى دلالتها على الالتصاق ولزوم الشيء (7)، وبحسب هذا المعنى فإنّ أجود الليق هو ما لزق الحِبْر به. ولهذا ذكر الأدباء أنّ اللّيقة لا تسمّى بذلك حتى تلاق في الدواة بالمداد (8)، كأنّ ذلك علامة على لزوق الحِبْر بها. أقول : إنّ أمر الإمام كاتبه بتعهد دواته والعناية بليقتها وإصلاحها ووضع الصوفة فيها (9)لم يتخذ سبيل التعابير اللغوية المعتادة من خلال استعمال أي تعبير آخر يدل على العناية (بداوة المداد)، وصوفتها فإنّه قصد الى توظيف مفردة تتّسم بضرب من النّدرة والغرابة بوصفها من الألفاظ المخصوصة بصنعة الكتابة التي يتداولها جمهور خاص من المعروفين بهذا العمل، حتى أنّ بعض الدارسين قطع بعدم شياعها في شعر العرب ونثرهم قبل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما شاعت عندهم مفردات خاصة بصنعة الكتابة ولوازمها (10). وهذا الأمر يدل على تفرّده (عَلَيهِ السَّلَامُ) واختصاصه باستعمال هذه اللفظة بالدلالة المتقدمة، مع أنّ اللغويين لم يُفيدوا من استعمال أمير المؤمنين لهذه الكلمة، ولم يعتنوا بذكر النص الذي أوردها فيه مثلما صنعوا مع بقية المفردات التي ذكرت في هذه الدراسة.


1) ينظر : الآلة والأداة وما يتبعها من الملابس والمرافق والهنات، لمعروف الرصافي : 37، 321، وغريب نهج البلاغة : 189.

2) ينظر : ربيع الأبرار للزمخشري : 321/1، وصبح الأعشى في صناعة الإنشا، للقلقشندي : 499/2.

3) ينظر : العين (ليق) : 214/5، ولسان العرب (ليق) : 334/10.

4) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 182/19، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 476/5، والديباج الوضي : 2959/6.

5) ينظر : صبح الأعشى : 499/2.

6) العين (ليق) : 214/5، والقاموس المحيط (ليق) : 1191/1، وتاج العروس (ليق) : 368/26، وغريب نهج البلاغة : 188، 189.

7) ينظر : تهذيب اللغة (ليق) : 234/9، ولسان العرب (ليق) : 334/10.

8) ينظر : صبح الأعشى : 498/2.

9) ينظر : مع نهج البلاغة : 321.

10) ينظر : غريب نهج البلاغة : 189.

قرمط

القَرْمَطة دِقَّة الكتابة وتداني الحروف والسطور فيها حسبما يقول الخليل (1). وجاءت المفردة المتقدمة في كلام الإمام الوارد في نهج البلاغة مرّة واحدة (2)؛ للدلالة على دقة كتابة الحروف وإبانتها عند الكتابة، وذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((أَلِفْ دَوَاتَكَ، وَأَطِلْ جِلْفَةَ قَلَمِكَ، وَفَرِّجْ بَيْنَ السُّطُورِ، وَقَرْمِطْ بَيْنَ الْحُرُوفِ فَإِنَّ ذلِكَ أَجْدَرُ بِصَبَاحَةِ الْخَطَّ)) (3).

ومفردة (قرمط) التي استعملها الإمام مأخوذة، فيما يبدو، من القرمطة في المشي، وهو ضرب من تداني المشي وتقارب الخطو (4). قد وصفوا به مشي البعير أيضاً، فقالوا : قَرمط البعير، إذا قارب خُطَاه وتدانى مَشْيه (5). واستعمال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهذه المفردة يمثل ضرباً من التّوسّع في دلالتها ؛ لأنه جنح بها من الدلالة الأولى إلى الدلالة على المقاربة في رسم الحروف، وتدانيها بعضها من البعض الآخر، بحيث تكون الكلمة حسنة الهيئة دقيقة الضبط من حيث أشكال رسمها، فلا تكون الحروف طويلة في ذلك، وإنّما قصيرة عن الإطالة (6)، لئلاً تبدو الحروف بعيدة عن هيأة رسمها المعروفة عند القراء. ويبدو أنّ الإمام لم يقتصر في إيراده لهذه المفردة على المعنى المتقدم، وإنّما أضفى عليها ضرباً من الدلالة على جمال رسم الحروف ودقتها، كأنّ الذي يقرمط كتابته ينقشها نقشاً (7).


1) ينظر: العين (قرمط) : 258/5، وتهذيب اللغة (قرمط) : 104/9، والمحكم (قرمط) : 624/6.

2) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 362.

3) نهج البلاغة : قصا / 315 : 665.

4) ينظر : المحكم (قرمط) : 624/6، ولسان العرب (قرمط) : 377/7.

5) ينظر : لسان العرب (قرمط) : 377/7، وتاج العروس (قرمط) : 22/20.

6) ينظر : الديباج الوضي : 2959/6.

7) ينظر : جمهرة اللغة (نمنم) : 224/1.

الظواهر اللغوية

• استعملت كلمة (الجَلَم) دالة على المِقْراض الذي يُجزّ به الصوف أو الشعر، دلالة على حقارة الشيء المقروض وقلة شأنه.

استعملت مفردة (العِصِي) في الدلالة على ما يتوكأ عليه من الآلات التي يستعان بها في السير، وهي (عِصِيّ النبي موسى وأخيه هارون).

• جاءت كلمة (الفهر)، للدلالة على الحجر الذي كانت تضرب به المرأة في الجاهلية. ونظير ذلك مفردة (الهراوة)، وهي العصا الغليظة الضخمة التي كانت تضرب بها النساء في الجاهلية استضعافاً لهن.

• استعمل الإمام بناء (فِعَال) الذي أورد عليه مفردة (قداح)، وهي السهام التي تستعمل في لعبة القمار والميسر. في حين جاء بناء (مَفَاعِيل) جمعاً لكلمة (مزامير) التي دلت على ما كان يتلوه النبي داود (عليه السلام) من (الزّبور)، وهو كتابه الذي انزل عليه. استعملت مفردة (عرطبة)، وهي الطبل المعروف بـ (طَبْل الحَبَشة)، ومفردة (كُوْبة)، وهي الطَّبل المُختصر الذي كُوَّبَ بعض جلده على البعض الآخر وألزق بها، للدلالة على هاتين الأداتين من أدوات اللّهو والطّرب المحرّمتين. وجاءت اللفظتان مترادفتان ترادفاً جزئياً.

• استعملت أبنية (أفْعَال)، و(فِعْلة) جمعاً لمفردات (الأقلام) وهي الآلة التي يكتب بها، فضلاً عن (جِلْفَة) القلم، وهي ما بين مبراه وسَنَّتِه. إذ وقع بينهما نوع من علاقة (التضام)، وهي علاقة الجزء بالكل، فجلفة القلم جزء من القلم.

• استعملت مفردة (دواة) دالة على المحبرة التي يتزود منها القلم بالمداد.

• دلت مفردة (قَرْمِط)، وهي فِعْل أمرٍ، يدل على دقة أحرف الكتابة، وتداني حروفها وسطورها ليكون ذلك أجدر بصباحة الخط.

جدول دلالي يبيّن شيوع ألفاظ الأدوات والآلات مرتبة بحسب كثرة كل مفردة على الأخرى

أدوات الضرب والقصّ : سوطاً، الجَلَم، العِصِيّ، الفِهْرِ، الهراوة

أدوات الكتابة :الأقلام، ألق، جِلْفَةٌ، دَوَاتِكَ، قَرْمِط

آلات الطرب واللّهو :القداح، المزامير، عَرْطبة، كُوْبة

الفصل التاسع: ألفاظ الفرش والأغطية والنمارق

الفصل التاسع: ألفاظ الفرش والأغطية والنمارق

الْمَهْدِ

إشارة:

المهد المَوْضع الذي يُهيأ لينام فيه الصَّبي (1). وذهب اللغويون الى أن أصل المهد هو التوثير، وإنما يقال للفراش مهاد لِوَثَارَته (2)والمهاد البَسْط يقال : مَهدت الفراش إذا بسطته ووطأته : (3)والمهد والمهاد الفراش نفسه (4). واستعملت لفظة (المهد) في القرآن الكريم غير مرة، ومنها الدلالة على (مهد) الصبي، وذلك في قوله تبارك وتعالى في المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) : (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللّه يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) (5). وقد وردت لفظة (مهاد) في الذكر الحكيم للدلالة على موضع النوم والاستقرار، فجعل اللّه تبارك وتعالى الأرض مهاداً، في قوله: (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ).(6). ويلحظ أن الآية الكريمة تضمنت مفردة (مِهَاد) دالة على الاستخفاف بالظالمين الذين يخاطبهم اللّه في الآية المباركة بجعل جهنم مهاداً لهم، استهزاءً وتهكماً بهم. وقد وردت مفردة (مهد) باشتقاقات متعددة في نهج البلاغة، بلغت جميعاً اثني عشرة مرة (7). وبمعان يمكن حصرها في فيما يأتي :

أولاً: دلالتها على الأرض

استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (مَهَد) ومشتقاتها للدلالة على الأرض، بحيث شاع هذا المعنى عنده في سياقات متعددة، ولعل مرد ذلك – فيما أحسب – يرجع الى التأثر بالمنهج القرآني، الذي وصف الأرض بالمهاد في غير موضع من الذكر الحكيم (8). ومن المواضع التي جاءت فيها اللفطة بالدلالة المتقدمة، قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق حديثه عن الخالق جل شأنه وعظيم مخلوقاته : ((الحُمْدُ للهِ الْمَعْرُوفِ مِن غَيْرِ رَوِيَّةً والخالقِ من غيرِ رَوَيَّةٍ، الذي لم يَزَلْ قَائماً دائماً إِذْ لاسَمَاء ذاتُ أبْرَاج.... ولَا فَجَّ ذُو اعْوِجَاجٍ، وَلَا أَرِضٌ ذَاتْ مِهَاد ....)) (9). والمهاد - هنا - الوثير من الأرض التي هي كالفراش لأهلها، كأن هذه الأرض لم تكن مستقراً وثيراً مبسوطاً في بدء الخلق. ومن ذلك أيضاً، قوله متحدثاً عن عجيب صنعة الكون، وخلق السماء والأرض في قوله: ((فَسُبْحَانَ مَنْ أَمْسَكَها بَعْدِ مَوَجَانِ مَياهِهَا، َوأَجْمَدَهَا بَعْدَ رُطْوَبةِ أَكْنَافِهَا، فَجَعَلَها لِخْلِقِهِ


1) ينظر : العين (مهد) : 31/4 والمحكم (مهد) : 4 / 275.

2) ينظر : المحكم (مهد) : 275/4، ولسان العرب (مهد) : 410/3.

3) نفسها.

4) ينظر : لسان العرب : 410/3.

5) آل عمران / 45، 46. وينظر : المائدة / 110، ومريم / 29.

6) الأعراف / 41.

7) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 427، 428.

8) ينظر على سبيل المثال : آل عمران / 46، المائدة / 110، ومريم / 29، النبأ /6.

9) نهج البلاغة : خ / 90 : 146، 147.

مِهَاداً، وَبَسَطها لَهُم فِرَاشاً فَوْق بَحْرِ لُجَيِ رَاكِدٍ لا يَجْرِي...)) (1). أي جعلها لهم مهاداً مبسوطاً يفترشونه ويستقرون عليه. والإشارة - هنا - بلفظة (مهاداً) تدل على التّوثير، وتذليل الأرض للعباد منه جل جلاله، ولهذا قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد ذلك : ((وبَسطها لهم فراشاً...)). أي دحاها، وجعلها مبسوطة. كناية عن استقرارها ووطأتها، وعدم غلطتها عليهم ومن الدلالة المتقدمة ما جاء في (خ / 1، 91، 163، 198).

ثانياً: الدلالة على تهيئة الأمر

وذلك بأن ترد المفردة دالة على تهيئة الأمر وتنظيمه، ليتسنى أداء صاحبه لحوائجه. وهذه الدلالة أقل من سابقتها شيوعاً في كلام الإمام. ولعلها مأخوذة في أصلها من (المهاد) بمعنى (الفراش) أو (التّسوية) وذلك أن تهيأة الأمر تعني تمهيده وتسهيله. وقد ورد هذا المعنى في قوله (سلام اللّه عليه) في سياق وعظ الناس، وحتَّهم على العمل والعبادة : ((فَلْيَعمَل العَامِلُ مِنْكُم فِي أَيَّامٍ مَهْلِهِ، قَبْلَ أَرهَاق أَجَلِهِ، وفي فَرَاغِهِ قبل أَوَانِ شُغُلِهِ، وَفِي مُتَنفَسِهِ قَبْلَ أَنْ ُيؤخَذَ بِعَظَمِهِ وَلْيُمَهِّد لِنَفْسِهِ وقَدَمِهِ، وَلْيَتَزَوْد مِنَ دارِ ظَعْنِهِ، لِدارِ إِقَامَتِهِ))(2). ومهد - هنا - تعني التوطئة والتهيئة تسهيلاً لإدراك غايته. وقد أخذ (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا المعنى من قوله تعالى شأنه : (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ) (3). أي : يوطئون لأنفسهم منازلهم في الجنة (4). فكأن الذي يعمل لآخرته كمن يهيئ لنفسه، ويمهد لها الوثير من الفراش. وهناك مواضع آخر وردت بالدلالة نفسها هي : (خ / 153، 190).

ثالثاً: الدلالة على طهارة المولد وشرف المنبت

وهذه من الدلالات المميزة لدى الإمام ؛ فقد استعمل فيها مفردة (مَمَاهِد) دالة على طهارة مولد النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله) وشرف منبته. جاعلاً رحم النبي وعائلته مَهْداً طاهراً له. وذلك في قوله الذي يذكر فيه الرسول : ((مُسْتَقره خَيْرُ مُسْتَقَر، ومَنْبَته أَشْرِف مَنْبَت، فِي مَعَادِن الكَرَامِة، ومَمَاهِد السَّلامَةَ، قَد صُرِفَت نَحْوه أَفْئِدَة الْأَبْرَارِ ...)) (5). ويبدو أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد قصد بـ (مَمَاهد السّلامة)، الأحضان الطاهرة التي نشأ فيها النبي الخاتم (صلى اللّه عليه وآله) بقرينة قوله : ((مَنْبَتُه أَشْرَفُ مَنْبِت، في مَعادِنِ الكَرَامَة...)). والمنبت هو مكان مولد الذي يكنّى به عن ذلك وفي وصفها بـ (السّلامة) إشارة الى سلامتها من كل عيب ونقص.

وقد احتمل الشارح البحراني أن يكون مراد الإمام من قوله ((مَمَاهِد السلامة))، ما تقلب فيه النبي ونشأ عليه من مكارم الأخلاق التي مهدت لسلامته من سخط اللّه (6). أقول : وتقلب النّبي في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة، يستلزم أيضاً نشأته على مكارم الأخلاق التي مهدت له السلامة، ورضا اللّه جل جلاله. ويُحتمل أن يكون المُراد بقوله (مماهد السّلامة). كناية عن (مكة والمدينة)، وهما محال التوطئة التي مهدها


1) نفسه: خ/ 211 : 413.

2) نهج البلاغة : خ/ 86 : 138، 139.

3) الروم / 44.

4) ينظر : الكشاف : 537/1.

5) نهج البلاغة : خ/ 96 : 176.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 278/2.

اللّه تعالى لعبادته، وأعدّها للسلامة من عذابه (1). فكأنها للنبي الأمان في الأرض والحرم الآمن، فلهذا سلمت من كل شيء. وإنما خص النبي بها، لأنها موطنه ومحل أهله. وهذا الوجه من المعنى مبني عند بعض الشراح على قول الإمام : ((مستقره خير مستقر))، فإنه إشارة الى (مكة)، وكونها مستقر خلق اللّه ومحل كعبته (2).

رابعاً: الدلالة على صعوبة العيش وشدة الألم.

وجاء هذا المعنى في إشارة الى تصرّم الدنيا، وقرب اطّلاع الآخرة. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((ثُمَّ إِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلى اللّه عليه وآله) بالحَقِّ حِيْنَ دَنَا مِن الدُّنْيَا الْأَنقِطَاعُ، وَأَقْبَلَ مِنَ الْآخِرَةِ الاطِّلَاعَ وأَظْلَمَتْ بَهْجَتُها بَعْد إشراقِ وَقَامَتْ بِأهْلِهَا عَلى سَاقٍ، وَخَشْنَ مُنَهَا مِهَادٌ....))(3). وخشونة المهاد كناية عن شدة الألم في الدنيا (4)، وبَرَم أهلها بها بعدما ما سكنها الكفار وقادتها لشركهم باللّه جل جلاله.

خامساً : الدلالة على حياة الترف والبذخ

وهذا المعنى مخصوص - بحسب كلام الإمام الذي أنتج هذه الدلالة - بالفراش ولوازمه خاصة، فاستعملها في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في التَّنْفِير من الدنيا : ((وَاعْلَموا عِبَادَ اللّه أَنَّكُم وَمَا أَنْتُم فيه من هَذِهِ الدُّنْيَا على سَبِيلِ مَنْ قُدْ مَضَى قَبْلِكُم مِمَّنْ كَانَ أَطْوَلُ مِنكُم أَعْماراً... أَصْبَحَتْ أَصْوَاتُهُم هَامِدَةً وَرِيَاحُهُم رَاكِدَةً... فَأَسْتَبْدلُوا بالقُصَوْرِ المُشَيَّدَةِ، والنَّمَارِقِ الْمَمَّهدةِ الصَّخَوْرَ، والأَحْجَارَ الْمَسَّندَةَ والقُبُوْرَ اللاطِئَةَ...)) (5). والنص يتحدث عن خاتمة الدنيا، بما فيها من ملذات ومتع وسبل راحة. ولهذا أورد الإمام تعبير : ((القُصُور المُشيدة))، و ((النمارق الممهدة)) وإشارة الى هذه المظاهرة الدنيوية، التي تمثل رموزاً من حياة الترف والبذخ التي يعيشها الإنسان في الدنيا. فالقصور علامة على الغنى و الترف المفرط، وهو منتهى الغاية في ذلك ؛ لاشتماله على السّعة والتّحصن (6). كأن أصحاب القصور في الدنيا أرادوا تشييدها واسعة كالحصون، ليلوذوا بها من عذاب اللّه وقدرته (7). أمّا النّمارق المُمهدة، فإشارة الى وثارة منامهم وطيب عيشهم في هذه القصور التي لابد أن تكون نهايتها الى الصخور التي تتضمنها قبورهم، فليس لهم حينئذ الا التراب وسائد.


1) نفسه.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 278/2.

3) نهج البلاغة : خ / 198 : 399، 397.

4) نفسه. هامش (1).

5) نهج البلاغة : خ / 226 : 440، 441.

6) ينظر : لسان العرب (قصر) : 100/5.

7) وقد ورد في الذكر الحكيم إشارة إلى ذلك في مقام ذم أهل الكتاب. قال تعالى : (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) الحشر / 2.

فِرَاشاً

إشارة:

الفَرْش في اللغة البَسْط. يقال فَرشت الفراش، إذا بَسَطْتُه.(1). والفَرْش المفروش من مَتَاع البيت (2).

وجاءت الفاظ (فراشاً)، (فِرَاشه) مرتين في نهج البلاغة لكل منهما، في حين استعلمت الفاظ (فرش)، و (افتَرَشت)، و (فَرَشْتُكم)، و (الفِرَاش)، و (مُفتَرِشُون) مرة واحدة لكل مفردة منها (3). وذلك للدلالة على ما يأتي:

أولاً : الدلالة على الفراش الحقيقي

وهي دلالة تمثل الأصل في معنى مادة (فرش)، بحيث أريد بها في هذه المواضع الفراش الذي يبسط لينام المرء عليه. ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق ذكر علاقته بالنبي الاكرم (صلى اللّه عليه وآله) : ((وَقَدْ عَلِمْتُمُ مَوْضِعِي مِن رَسُوْلِ اللّه (صلى اللّه عليه وآله) بالقَرابَةِ القَرِيْبَةِ، والمَنْزِلَةِ الخَصِيْصَةِ، وَضَعَنِي فِي حِجْرِةِ وَأَنَا وَلَدٌ يَضُمَّنِي إِلى صَدْرِهِ، وَيُكْنفُنِي في فَراشِهِ، وَيَمُسنِى جَسَدُهُ...)) (4). ويحتمل قوله (ويُكْنِفُني) في فراشه معنيين، فهو أما أن يشير الى ضمه فراش النبي، ومبيته فيه (5). أو أنه كان ينام مع النبي يوم كان صغيراً ربيباً له. وبهذا تكون دلالة مفردة (فراشه) بيّنه على أن المقصود بها فراش النوم. وقد اكتسبت هذه المفردة أيضاً دلالة أخرى، هي دلالة التشريف والبركة، فلا ريب أن مكانة النبي ومكانه الذي يلبث فيه يكتسب البركة منه. أقول : ولعل البركة حاصلة أيضاً من ملامسته جسد رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله)، وهو ما نص عليه في الخطبة المتقدمة، فضلاً عن معنى البركة في مكثه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في فراش النبي. فذلك يمثل صيانة وحفظاً له، حسبما يذكر بعض الشراح (6). علاوة على ذلك كلّه، فالمفردة توحي بالدلالة على شدة القرب الذي حظي به أمير المؤمنين من لدن النبي الأكرم، وهو القرب المكاني والروحي بينهما الذي كنّى عنه الإمام بقوله (يكنفي في فراشه). ففي هذا التعبير إشارة الى عناية النبي بالإمام منذ صغره.وقد وردت مفردة (فراش) بالدلالة على الفراش الحقيقي المعروف وذلك في (خ/190،123).

ثانيا: الفراش بمعنى الأرض

وهذا المعنى شائع لديه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد جعله دالاً على التواضع والبعد عن الكبر. ومن ذلك قوله في سياق الحديث عن زهده وتقواه واجتنابه الدنيا : ((أَتَمْتَلِيءُ السَّائِمَةُ من رَعْيِهَا، فَتَبْرُكُ وَتَشْبَعُ الرَّبِيْضَةُ مِن عُشْبِهَا فَتَرُبضَ، وَيَأْكُلُ عَلى من زادِهِ فَيَهْيَج ؟! قرَّتْ اذا عَيْنُهُ إذا اقتدى بَعْد السنين المُتَطَاولة بالبَهِيمَةِ الهَامِلَةِ... طُوْبَى لِنَفْس أدّت إلى رَبِّها فَوْضَهَا... وَهَجَرَتْ فِي الَّليْلِ عُمْضَهَا حَتَّى إذا غَلَبَ الكَرَى عَلَيْهَا افْتَرَشَتْ أَرْضَهَا


1) ينظر : العين (فرش) : 6 / 250، ولسان العرب (فرش) : 326/6.

2) ينظر : لسان العرب (فرش) : 326/6.

3) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 348.

4) نهج البلاغة : خ / 192 : 378.

5) كما صنع في يوم هجرة النبي الخاتم (صلى اللّه عليه وآله) الى المدينة.

6) ينظر : الديباج الوضي : 4 / 2051.

وَتَوَسَّدَتْ كَفَّهَا فِي مَعْشَر أَسْهَرَ عُيُوْنَهُم خَوْفُ مَعَادِهِم...)) (1). يريد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن هذه النفس التي بهذه الخصال لا يكون لها كلفة في تهيئة فراش أو وِسَاد طيّب ترتاح حين تأوي اليه (2). وذلك من الزهد والترفع عن كل زينة وترف. لذلك تتخذ الأرض بترابها فراشاً لتنام عليه دون تهيئة للفراش الوثير؛ فراحتها في افتراش الأرض. وفي ذلك إشارة الى أنّ نهاية المرء ستكون الى التّراب. ولهذا صدَّر الإمام قوله الذي يذم فيه بعض عماله مشتبهاً من لا يكترث لأوامر اللّه بالبهيمة الهاملة التي همها علفها في حين أن التواضع والترفع عن البذخ هو غاية الإنسان المؤمن أقول : وهذا الاتجاه من المعنى أخذه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من القرآن الكريم في قوله تبارك وتعالى : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (3). وقد أشار المفسرون الى أن ذلك مجاز، فاتخاذ الأرض فراشاً يشير الى كونها شبيه بما كانوا يقعدون عليه وينامون (4)، وذلك إشارة الى تذليلها لهم، وتهيئتها للإقامة. والذي ذكره الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يدل على الزّهد والورع والخشية من اللّه تبارك وتعالى ؛ فليس لأحد أن يهنأ بتلك المظاهر، وهو بعيد عن طاعة الحق جل جلاله.وقد وردت مفردة (فراش) بالدلالة المتقدمة نفسها، وذلك في (خ / 211، قصا / 104).

ثالثاً: الدلالة على المعروف والخير

وقد جعله الإمام (فراشاً) في دلالة اتخذ فيها المعروف فراشاً يفرشه لغيره. وفي ذلك توسعة للمعنى الذي سيقت فيه المفردة. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق حديثه عن نفسه، في كونه حجة اللّه على الناس، ذاكراً فضله عليهم : ((أَيُّهَا النَّاسُ، خُذُوَها عن خَاتَمِ النَّبِيِّيْنَ... فَلا تَقُولُوا بما لا تَعْرِفُوْنَ، فَإِنَّ أَكَثْرَ الْحَقِّ فِيمَا تُنِكُرُوْنَ، وأعْذِرُوا مَنْ لاَ حُجَّةَ لكم عَلَيْهِ - وَهُوَ أَنَا - أَلَمْ أَعْمْلَ فِيْكُم بالثَّقْل الأكبر... قد رَكَزْتُ فِيْكُم رَايَةَ الإِيْمَانِ، وَوَقَفْكُمُ عَلى حُدُوْدِ الحَلَالِ والحَرَامِ، وَأَلْبْسَتُكُم الْعَافِيَةَ مِن عَدْلِي، وفَرَشْتُكُم المَعْرُوفَ مِن قَوْلِي وَفِعِلْي، وَأَرَيْتكُم كرائمَ الأَخْلاقِ من نَفْسِي ...)) (5). وقد استعار الإمام لفظ (الفرش) وجعله للمعروف ؛ لكونه – كما يقول بعض الشراح، إذا وطيت قواعده فإنه، يستراح به كالفراش.(6). فقد جعل لهم المعروف والإحسان من جهته (عَلَيهِ السَّلَامُ) فراشاً ممهداً (7)بعد أن جعل لهم العدل لباساً كلباس العافية لهم. وأحسب أن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (فَرَشْتُكم) أبلغ تعبيراً مما لو قيل (فرشنا لكم)، فهي أكثر دلالة على الإحسان والمعروف بهم من الإمام)، فضلاً عن اتساق المفردة صوتياً مع قوله (وقَفْتُكم، والبَسْتُكم، وأريتكم) التي انتظمت في سياق حديثه آنف الذكر، ولعل اتصال الخطاب بالفعل (فَرَش) وغيره من الألفاظ يوحي بأن المخاطب به أمر لا يستطيعه ولا يفعله غير الإمام لهؤلاء القوم. وقد بلغ كلام الإمام هذا من النضارة والحسن حداً : ((فقد دلَّ على التجنيس العجيب، و


1) نهج البلاغة : ك / 535:45، 536.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 5 / 321.

3) البقرة / 22.

4) ينظر : التسهيل للعلوم التنزيل، لمحمد بن أحمد الغرناطي : 1 / 40.

5) نهج البلاغة : خ/ 87 : 143.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 2/ 418.

7) ينظر : الديباج الوضي : 2 / 656.

اشتمل على المجاز الرشيق بذكر اللباس والفراش... فقد بذل من نفسه للامة ما أمر اللّه نبيه أن يبذله لأمته ويسير فيهم به إبلاغاً في الحجة، وقطعاً للمعذرة))(1).

رابعاً: الدلالة على افتراش مواضع السجود من الجسم.

وهذا الضرب من التعبير جاء به الإمام في سياق حديثه عن المتقين وصفاتهم وعبادتهم. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((أَمَّا اللَّيلِ، فَصَافَّوْنَ أَقْدَامَهُم تَالِيْنَ لأَجْزَاءِ القُرْآنِ يُرَتِّلُوْنَها تَرْتِيْلاً.... وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيْهَا تَخْوِيْنٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهم، وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيْرَ جَهَنَّمَ وَشَ هِيْقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِم، فَهُم حَانُوْنَ عَلَى أَوْسَاطِهِم مُفْتَرِشُوْنَ لِجِبَاهِهِم وَأَكُفَّهم وَرُكَبهم، وَأطْرَاف أقْدَامِهِم، يَطْلِبُوْنَ إِلى اللّه تعالى في فَكَاكِ رِقَابِهِم)) (2). واستعمل. الإمام في الإشارة الى الصلاة وهيأتها صيغة اسم الفاعل التي تدل على الدوام أو الذات والحدث ودوامه، فالمتقون دائبون على افتراش مواضع سجدوهم، وهي مواضع السجود السبعة التي أمروا بها، وهي التي ورد النص بها في حديث النبي الأكرم: ((أُمِرْتُ أنْ أَسْجُدَ على سَبْعَةِ أعضاء : اليَدَانِ، والرَّجْلَانِ، والرُّكْبَتَانِ والوجه))(3). وبهذا ضمّن الإمام حديث النبي المتقدم الذكر، و صاغة صياغة فنية بأن جعل الجبهة وبقية الأعضاء فراشاً يفترشه هؤلاء العبّاد في صلاتهم، وذلك - فيما أرى - توكيد لشدة وَلَعِهم بالصلاة، وخشوعهم عند أدائها، فهم كالفراش الملتصق بالأرض لا يميّز منهم سوى أبدانهم. وفي ذلك - أيضاً - دلالة على استشعار هؤلاء العباد لراحة الصلاة ولذتها، وهم يطلبون الى اللّه تعالى العفو والغفران، وفكاك رقابهم من النار. ومن هنا يجيء تفرّد استعمال هذه المفردة عنده (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسوقها لهذا المعنى.

خامساً: الدلالة على استحرار القتل، وكثرته.

وهذا المعنى صنعه الإمام بجعل (الرؤوس) فراشاً للأرض، في صياغة فنية استعمل فيها (4)الكناية، للدلالة على اشتداد والقتل واستمراره في سياق حديثه عن الملاحم، إذ يقول : ((كَأَنِّي بِهِ قَدْ نَعِقَ بالشَّامِ، وَفَحَصَ برايَاتِهِ فِي صَوَاحِي كُوْفَانَ، فَعَطَفَ عَلَيْها عَطفَ الضَّرُوسِ (5)وَفَرَشَ الْأَرْضَ بالرُّؤُوسِ...)) (6). أي غطاها بالرؤوس كما يغطي المكان بالفراش ن كناية عن كثرة قتله الناس فيها (7). فصارت الأرض - بهذا الوصف - مفروشة بالجماجم، وهو الفراش المجازي الذي اختلط فيه الدم بالمحاسن التي تمثلها الوجوه.ويُلمح في هذا التعبير معانٍ هامشية تتعلق بمفردتي (فَرَش) و (الرُّؤوس)، وهي معاني(الظلم، والكثرة) المستفادة من استحرار القتل الذي مارسه (عبد الملك بن مروان) الذي ظهر بالشام خليفة (المروان بن الحكم)، الذي سار لقتال مصعب بن الزبير الى الكوفة، ومن ثَمّ بعث (الحجاج بن يوسف) إلى قتال (عبد اللّه ابن الزبير) بمكة، فقتله، وهدم الكعبة (8)ومن نافلة القول اشارة الى ما ذكره بعض المؤرخين من أن (عبد


1) الديباج الوضي : 656/2، 657.

2) نهج البلاغة : خ/ 193 : 381، 382.

3) المعجم الكبير : 9/11، 49، والديباج الوضي : 1582/4.

4) الفحص شدة الطلب. ينظر : لسان العرب (فحص : 7 / 63.

5) الضروس هي الناقة العضوض السيّئة الخلق. ينظر : لسان العرب (ضرس) : 118/6.

6) نهج البلاغة : خ/ 137 : 247.

7) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 587/3.

8) ينظر : المختصر في أخبار البشر، لابن كثير الدمشقي : 136/1، شرح نهج البلاغة (البحراني) : 587/3.

الملك) امتعض لمّا أرسل (يزيد بن معاوية) الجيش لقتال اهل مدينة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وغزو الكعبة، وقال عند ذلك : ((ليت السماء انطبقت على الأرض))، فلما صار خليفة فعل مثل ذلك وأشد منه بحسب ما يذكره المؤرخون (1).

العرش

العرش في كلام العرب سرير المُلْك.(2). ويستدل اللغويون على اختصاص العرش بسرير الملك بما ورد في كتاب اللّه تعالى في وصف عرش ملكة سبأ. في قوله تعالى: (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) (3). وقد يستعار هذا اللفظ للدلالة على غير سرير الملك حتى قيل لكل سرير عرش (4). والعرش البيت أيضاً. ويقال لسقف البيت عرش أيضاً (5)، ومن ذلك ما ورد في قوله تعالى : (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (6). وقوله تعالى : (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) (7)قيل : أي ساقطة على سقوفها. التي خرت على الأرض ثم تهدمت حيطانها وذلك إشارة الى خلوها من الناس (8). واستعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة العرش ثلاث مرات في كلامه الوارد في نهج البلاغة، في حين جاءت اللفظة نفسها مُسندة إلى كاف الخطاب (عَرْشك)، وضمير الغائب (عَرْشه) مرة واحدة لكل منهما (9)، للدلالة على عرش اللّه جل شأنه. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق حديثه عن التقوى : ((أوصاكم بالتقوى، وجعلها منتهى رضاه، فاتقوا اللّه الذي انتم بعينه... واعلموا انه: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) (10). من الفتن... وينزله منزل الكرامة عنده في دار اصطنعها لنفسه، ظلها عرشه ونورها بهجته....)) (11)، والعرش هو عرش اللّه جل جلاله، والضمير في (عرشه) يعود اليه تبارك وتعالى. واما دلالة كلمة (عرشه) في قَوْل الإمام، فإنها لا تعني (العرش) بالمعنى المادي المعروف لدى السامعين، من انه


1) ينظر : الفخري في الآداب السلطانية، لابن الطقطقي : 44/1.

2) ينظر : العين : (عرش) : 250/1، ولسان العرب (عرش) : 313/6.

3) النمل / 23.

4) ينظر : لسان العرب (عرش) : 313/6.

5) نفسه.

6) البقرة / 259.

7) الحج / 45، وينظر : الكهف / 42.

8) ينظر : المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية الغرناطي : 348/1.

9) ينظر : المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة : 298.

10) الطلاق / 2 : وتنظر الايات : 4، 5 من السورة نفسها، ويوسف / 90.

11) نهج البلاغة : ح / 183 : 334.

سرير الملك مثلاً، أو انه مكان للجلوس، وإنما هو قدرة اللّه وملكه وعظمته. ومما يشهد على هذا المعنى ما ذكره الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله الذي يصف فيه الخالق تبارك وتعالى بقوله : ((.... وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيْدُهُ وَكَمالُ تَوْحِيدِهِ الإخلاص له، وكمالُ الإخلاص له نَفْي الصّفَاتِ عنهِ لشهادةِ كُلّ صِفَةِ أَنّها غير الموصوف وشهادة كل موصوف أنّه غير الصفَةِ.....)) (1). قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((الحمد لله الكائن قبل ان يكون كرسي او عرش، او سماء، او ارض، او جآن او انس....)) (2). واستعمال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمفردة (عرش) في نهج بلاغته يعد من تأثيرات القرآن الكريم في النّص (العلوي)، اذ استعملها الذكر الحكيم مراداً بها (عرش اللّه) (21) مرة، ومنها قوله تعالى : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (3). وقوله : (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (4). ويلحظ أن اللّه تبارك وتعالى كان كثيراً ما يصف نفسه بالعظمة فضلاً عن نفي الوصف عنه عندما يذكر آية فيها مفردة (عرش)، نحو قوله تعالى : (سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) (5). وفي هذا دليل على نفي الحد و (المكانية) عنه سبحانه. وهذا المنهج اتخذه الإمام سبيلاً له لنفي الصفة والحد عن الخالق جل جلاله، واتخذه أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) نهجاً وعقيدة. فقد سئل الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قوله اللّه تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (6). فقال : ((استوى في كل شئ أقرب اليه من شيء لم يبعد منه بعيد، ولم يقرب منه قريب، استوى في كل شيء)) (7). وقال العلامة الحلي (ت 841هـ) معلقاً على قول بعض المجسّمة : إن اللّه على العرش حقيقة : ((وهذه المذاهب كلها فاسدة ؛ لان كل ذي جهة، فهو مشار اليه ومحل للأكوان الحادثة، فيكون حادثاً، فلا يكون واجباً...)) (8). و غالت المجسمة والمشبهة في تجسيم اللّه وحده. وهو مذهب فاسد كما ذكر العلماء.

وقد استعمل الإمام مفردة (العرش) بدلالة عرش اللّه في الخطب الآتية (خ/ 1(2)، 91، 160، 182 (2)).

غِطَاء

إشارة:


1) نفسه : خ/ 1 : 17، 18.

2) نفسه : خ/182 : 330.

3) طه / 5.

4) الأعراف / 54، وتنظر : التوبة / 129، يونس / 3، يوسف : 100 وغيرها.

5) الزخرف / 82، وتنظر، الأنبياء / 22.

6) طه / 5.

7) أصول الكافي للكليني : 128/1 : 1/ 128.

8) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، للعلامة الحلي : 27/1.

الغطاء ما غطّيت به، أو تغطيت به (1)والتّغطية هي المواراة والسّتر. والغطاء هو ما يتغطى به ويُستَر (2). وتجمع هذه المفردة على (أفْعِلَة)، فيقال : أعْطِيَة (3).

وجاءت لقطة (غطاء) ثلاث في نهج البلاغة، في حين وردت المفردة نفسها مضافة الى ضمير العائية (غطائها) مرة واحدة، ولفطة (أغطية) بصيغة الجمع على (أفْعِلَة) مرة مرة واحدة أيضاً (4)للدلالة على ما يأتي :

أولاً: الدلالة على الحجب والمنع عن رؤية الآخرة

وهذا المعنى اكثر تداولاً في نصوص النهج، ومنه قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق حديثه عن أهل القبول وحالهم، اذ يقولون بحسب كلمة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((... وَتَنَكَّرَتْ مَعَارِفُ صُوَرِنَا، وَطَالَتْ في مَسَاكِنِ الْوَحْشَة إِقَامَتْنا وَلَمْ نَجِدْ مِن كَرْبٍ فَرَجاً، وَلاَ مِن ضِيْقٍ مُتَّسَعاً، فَلَوْ مَثَّلْتَهُم بِعَقْدِ أو كُشِفُ عَنْهُم مَحْجُوْبُ الغِطَاءِ لَكَ، وَقدِ ارتَسَخَتْ أَسْمَاعُهُم بِالهَوَامِ فَاسْتَكَتْ ...)) (5)والمراد بذلك الغطاء المعنوي الذي يحجب النظر الى عالم الموتى والبرزخ. فصار (الغشطاء) في قول الإمام دالاً على حجب النظر، فهو الحاجب والمانع من رؤية عالم ما بعد الموت. أقول : إن (الغطاء) المحجوب عن هؤلاء هي الموانع التي تحجب الرؤية عن إدراك حقيقة حال هؤلاء. وهذا (الغطاء) غطا معنوي، وليس غطاء مادياً.

ثانياً: الدلالة على حجب غطاء الدنيا :

وقد ورد هذا المعنى في قول الإمام الذي يتحدث فيه عن قدرة اللّه تبارك وتعالى، وكيف خلق الخلق واسكنهم الدنيا، ثم بعث فيهم رسُلاً يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((أَسكَنَ الدُّنْيَا خَلْقَهُ وَبَعَثَ إِلى الجِنِّ والإنس رُسُلَةَ ؛ لِيَكْشِفَوا لَهُم عَنْ غِطَائها، وَلْيُحَذِّرُوْهُم مِن ضَرَّائها...)) (6). يريد أنّ الرُّسل هم الذين يرفعون حُجب الدنيا ويبينون حقيقتها للناس حقيقتها. فكأن الدنيا مغطاة بغطاء، ولعله غطاء اللذات والشهوات الذي يمنع اتخاذها سبيلاً الى اللّه تعالى.

ثالثاً: الدلالة على ظهور الحقائق بعد خفائها يوم القيامة.

وقد عبر الإمام عن هذا المعنى في عهده الذي كتبه الى (مالك الأشتر) لما ولاه مصر يقول فيه : ((وإِيَّاكَ والاسْتِئْثَارِ بِمَا النَّاسُ فيه أَسْوَةٌ والتَّغَابِي عمّا تُعْنَى بِهِ مِمَّا قَدْ وَضَحَ لِلعُيُون، فَإِنَّهُ مَأْخُوذُ مِنْكَ لِغَيْرِكِ وعَمّا قَليلٍ تَنْكَشِفُ عَنْكَ أَغْطِيَةُ الأُمُوْرِ، وَيُنْتَصَفُ مِنْكَ للمِظَلُومِ...)) (7). وأغطية الأمور، هي ستورها التي تخفي الحقائق وتغطيتها، وقد ناسب الإمام بين المضاف والمضاف إليه، بأن جعلهما بصيغة الجمع، على زنة (أفْعِلَة) للدلالة على تعدد هذه (الحجب)، وكثرتها عند انكشافها، بحيث تظهر عدم ادراك المحجوبين بها.


1) ينظر : العين (غطي) : 435/4، والمحكم (غطي) : 8/6.

2) ينظر : لسان العرب (غطي) : 129/15.

3) ينظر : العين (غطي) : 435/4.

4) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 337.

5) نهج البلاغة :خ / 428:221.

6) نفسه: خ / 334:182.

7) نفسه : ك / 53: 568.

وهذا الضرب وما سبقة من (الأغطية) أغطية معنوية، وليس مما يعرف من أضاف الغطاء، بيد أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعمل هذه المفردة على سبيل الاستعارة، ونقلها الى مجال دلالي خاص بالأمور غير المادية ولغة العرب تعرف هذا المعنى، فأنهم يقولون في الدعا: الهم أغظ على قلبه. أي غش قلبه (1).

رابعاً : الدلالة على الحلم والتأتي

وهو معنى لطيف عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ، فقد جعل (الحلم) صفة تستر صاحبها عما يجول في نفسه يقول الإمام في حكمه له : ((الحِلْمُ غِطَاءَ سَاتِرِ، والعَقْلُ حُسَامٌ قَاطِعٌ، فَاسْتُر خَلَلَ خُلُقِكَ بِحِلْمِكَ، وَقَاتِل هَوَاكَ بَعْقِلِكَ)) (2). والغطاء - هنا – ذو ملح ايجابي، فإنه قيد يمنع صاحبه ويستره عما يُشِينُه من القبائح في حال انفلت زمام النفس، وبلغ بها الغضب حداً لا يمكن كبح جماحه معه، فعند ذاك يصير الحلم وقاءً لها وغطاء ؛ ((باعتبار أنّه يَسْتر بسورة الغضب، وقبيح ما يصدر من الأفعال)) (3). وهذا (الغطاء الساتر) يحمي صاحبه ممن ينافره ويعاديه ؛ لأنه بمنزلة العشيرة للمرء (4). وفي بيان مزية مفردة (غطاء) على ما سواها من المفردات التي تشابهها في الدلالة، تبدو هذه المفردة مناسبة للمقام ؛ لأن حلم الإنسان أشبة بالغطاء الذي ينشر عليه، ويمنع من كشف ما يسوء منه (5). حتى كأنه ستره ولهذه الدلالة أثر ستره ولهذه الدلالة أثر معجمي، فالغطاء- في اللغة - هو المواراة والستر ولهذا استعار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (الغطاء) للحلم وأنزله منزلة ما يستر من الأغطية (6)، فكأن الحلم غطاء مستور يكبح النفس ويمنعها من الانفلات، وظهور مساوئها للآخرين.

دثار

إشارة:

والدثار هو ما يُتَدَثَّر به. أي ما يتغطى به، يقال، تدثر أي تلقَّف في الدثار (7). ويذكر اللغويون أن الدثار، هو ضرب من الثياب التي تلبس فوق (الشّعار) وهو أول لباس يلبس فوق الجسم. فأما الدثار، فهو الذي يستدفأ به اتقاء من البرد (8). واستعملت لفظة (دِثار)، و (دِثاراً) مرة واحدة لكل منهما في نهج البلاغة. في حين أسندت اللفظة نفسها الى ضمير الخطاب (دِثَاركم)، وضمير الغائبة (دِثارها) مرة واحدة لكل منهما في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الوارد في نهج البلاغة (9)للدلالة على ما يأتي:

أولاً: دلالتها على السيف :

وهذا المعنى ساقه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبيان حال الدنيا قبل بعثه النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله)، وصور النص حال العرب التي كانت تقوم على القتل والسلب قبل بعثة رسول اللّه. يقول الإمام : ((أَرْسَلَهُ على فَتْرَةٍ


1) ينظر : المحكم (غطي) : 8/6.

2) نهج البلاغة : قصا/ 687:424.

3) شرح حكم نهج البلاغة، للعلامة الشيخ عباس القمي : 60.

4) إشارة الى قولة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((الحلم عشيرة)). ينظر : نهج البلاغة : قصا / 18 : 686.

5) ينظر : لسان العرب (غطي) : 15 / 135.

6) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 501/5.

7) ينظر : لسان العرب (دثر) : 4 / 276.

8) نفسه.

9) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 152.

منَ الرُّسُلِ، وَطَوّل هَجْعَةَ مِنَ الْأَمَمِ... وَتَلظ من الحُرُوْبِ، والدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّوْرِ ظَاهِرَةُ الغُرُوْرِ... ثَمَرُها الفِتْنَةُ، وَطَعَامُهَا الجِيْفَةُ، وَشِعَارِهَا الخَوف ودِثَارُها السَّيْفُ، فَاعْتِبَرُوا عباد اللّه...)) (1). ينص الإمام على أن (الدنيا) والمراد أهلها، متدثرة بالسيف. أي أنها جعلته لباسها الظاهر للعيان، فهو كالدّثار الذي يلبس فوق (الشعار) على جهة التشبيه البليغ. ولمّا كان السياق يظهر ذم الدنيا وبيان مساوئها؛ لهذا ناسب مجيئوه بتعبير) _دِثَارُها السذيف) ؛ للدلالة على اشتمالها على القتل والدماء. فاستعار لها لفظ (الدّثار) في إشارة إلى ظهوره واشتماله عليها كما يشتمل الإنسان بدِثاره (2). وقد علق الشارح ابن أبي الحديد على قول الإمام ((شِعَارُها الخُوْف، ودِثَارُها السَّيف) بقوله : ((ثم جعل الخوف والسيف شعارها و دثارها ؛ فالشّعار ما ولي الجسد، والدِثار فوق الشَّعار. وهذا من بديع الكلام ومن جيد الصناعة ؛ لأنه لما كان الخوف يتقدم السيف والسّيف يتلوه. جعل الخوف شعاراً ؛ لأنّه الأقرب الى الجسد، وجعل الدثار تالياً له))(3). كأنه لما كان الخوف متعلقاً بالقلب الذي يعد من مواضع الإحساس و الشعور في الإنسان، وهو من أقرب أعضاء الجسم الى البدن، جعله كالشعار الذي يلبسه المرء مخالطاً بدنه، بخلاف السيف الذي يكون منفصلاً عن ملاصقة الجسد فناسب أن يكون كالدِّثار فيه (4). أقول : ويحتمل أن تكون مفردة (دِثارها) دالة على (الوسخ) والقذارة في هذا المقام ؛ مناسبة لحال الدنيا التي يذمها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا السياق، فكأنما دِثار الدنيا – وهو السيف هنا - يمثل القذر والوسخ الذي تشمل عليه هذه الدنيا ؛ لما يسببه من قتل وأذى للناس، على الرغم من كون (السيف) يمثل أحد وسائل الدفاع عن النفس، فضلاً عن قيمته المادية في ذلك الزمن. ويستفاد هذا المعنى من المتن المعجمي الذي تذكر فيه دلالات متعددة لمفردة (دِثار)، ومنها الوسخ وكثرة الصَّدَأ (5). إذ يقال: دثر السيف، إذ صَدِئ وبعد عهده بالصقال (6). ولا يبعد أن تكون مفردة (الشعار) دالة على العلامة، لولا أن مفردة (دِثار) التي تعد قرينة على قرب الدلالة على الألبسة التي تتخذ شعاراً لذلك. أما الاستعمال الآخر، فقد صنعه الإمام مناسباً للمعنى المتقدم، فجعل (السيف) دثاراً، والمتحدث عنهم غطاؤه وحمائله. وسماه في النص (دثار السيف).يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصف دولة بني أمية وما فعلوه بالرّعية : ((فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يُبقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا وَأَدْخَلَهُ الظُّلَمَةُ تَرْحةً، وَأَوْلَجُوا فيه نِقْمَةً... وَسَيَنْتَقِمُ اللّه مِمَّنْ ظَلَمَ مَأكَلاً بِمَأَكْلٍ، وَمَشْرَباً بِمَشْرُبٍ، من مَطَاعم العَلْقَمِ وَمَشَارِبِ الصَّبر وَالمَقِرِ، وَلِبَاسِ شِعَارِ الخَوْفِ، وَدِثَارِ السَّيْفِ ...)) (7). ومفردتا (شعار)، و (دثار) من ألفاظ الألبسة، ولكنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) جنح بالمفردة نحو الدلالة على الخوف، وهي من الدلالات غير المادية لتي استعار لها لفظ (الشعار)، جاعلاً منه كالثَّوب الشعار الذي لا يكون تحت بقية الثياب ؛ لأنه مستور برداء فوقه يسمّى (الدّثِار). ولهذا استعمل الإمام هذه المفردة ونسبها للسّيف، لأنه ظاهر فوق أجسادهم وهم يرتدونه


1) نهج البلاغة : 8919 : 145، 146.

2) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 424/2.

3) شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) : 301/6.

4) ينظر : الديباج الوضي : 2 /668.

5) ينظر : لسان العرب (دثر) : 276/4.

6) نفسه.

7) نهج البلاغة : خ / 108 : 278، 279.

، فأضحى دِثَاراً لهم حسبما يذكر الشراح (1). و المعنى الذي يدل عليه هو الاستعداد والتأهب للانتقام. ويبدو أن شُرّاح النهج قد اقتصروا على الدلالة اللغوية لمفردتي (شعار) و (دِثار). في حين أن المراد من ذلك أبعد بحسب نص الإمام، فالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قصد بذكر هاتين المفردتين، للدلالة على أن انتقام اللّه جل جلاله من الظالمين سيكون على جهة المساواة والاقتصاص بالمثل، فيجازي آكل الحرام وشاربه بإذاقة المرّ من المطعم والمشرب، وأما من سلب الناس لباسهم ومتاعهم، فسيجعل لباسه الخوف ودثاره السّيف الذي يهوي به على الظالمين مسلّطاً بعضهم على بعض. ويبدو هذا المعنى أكثر رجاحة وقبولاً من المعنى السابق الذي ذكره الشراح.

ثانياً الدلالة على طاعة اللّه تعالى :

وفي هذه الدلالة هذا المعنى جعل الإمام طاعة اللّه تعالى اشبه باللباس الذي يرتديه الإنسان أيضاً وتدرج به من كونه (شعاراً) الى كونه (دثاراً)، وذلك بحسب مواضع كل ضرب من هذه الألبسة بالنسبة للجسم. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياق الوعظ والإرشاد ((فَاجْعَلُوا طَاعَةَ اللّه شِعَاراً دُونَ دِثاركُم، وَدَخِيْلاً دُوْنَ شِعَارِكُم، وَلَطِيْفاً بَيْنَ أَضْلاعِكُم، وَأَمِرْاً فَوْقَ أُمُوْرِكُم ...)) (2). ويُظهر النص توزّع الإنسان - بحسب رؤية الإمام علي- على مراتب وقدرات تدرّج فيها الإمام في نُصْحِه ووعظه بحسب حال البشر، وأمر أن لا تكون طاعة اللّه، وهي التقوى، دثاراً يتدثر به دون تفكّر وعناية ترتكز في النفس من لدن الإنسان ؛ وإنما يجب أن تكون لصيقة بالبدن مثلها في ذلك مثل (الشعار) بالنسبة الى غيره من الألبسة، ومن ثم تكون (دَخِيلاً) مخالطاً للجسد، بحيث تصير أقرب من شعار الجسم إلى الإنسان من مخالطته. ومتصير بعد ذلك (لطيفاً). أي: قلباً بين أضلاع المرء (3). وأميراً فوق الأمور كلها. أقول : ويبدو أن ذكره (عَلَيهِ السَّلَامُ) مراتب التقوى في نفس الإنسان يعود الى ترسيخ التزامها بالتقوى والدربة عليها، فليس من السهل أن يكون المرء تقياً ملتزماً بضوابط التقوى وآدابها. فضلاً عن أنّ من الناس من تكون تقواه في الظاهر فحسب دون انطوائها في نفسه واعتقادها في قلبه، فيكون بعيداً عن الورع والتقوى حينذاك. ولهذا بدأ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، في نُصحه، بنقل الإنسان في تقواه من مرحلة (الدِّثار)، وهي الحالة الظاهرة للإنسان تشبيهاً لها بالدِّثار الذي يرتديه المرء فيراه الناس ظاهراً على بدنه، من هذه الحالة الى مرحلة (الشعار)، وهي ملاصقة التقوى لجسد الإنسان مثلما يكون (الشعار) ملازماً للبدن، قريب منه. ومن ثَمّ بعد ذلك تكون (دَخِيلاً) في الجسد، حتى تصبح في (لطيفة)، وهو قلبه الذي بين جنبيه، فيكون الإنسان آنذاك تقياً.

ثالثاً: الدلالة على الدعاء :

وجعله (عَلَيهِ السَّلَامُ) خصله من خصال الزاهدين الذين قال فيهم علي مخاطباً بعض أصحابه : ((.... طُوبَى للزَاهِدِيْنَ فِي الدُّنْيَا، الرَّاغِبِيْنَ فِي الْآخِرَةِ، أُوْلَئِكَ قَوْمُ اتَّخَذُوا الْأَرْضَ بِسَاطاً، وَتُرَابَهَا فَرِاشاً، وَمَاءَهَا طِيْباً،


1) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن ابي الحديد) : 168/9، وينظر : 301/6. وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 648/3. ومن الجدير بالذكر أن هذا النص قد تكرر في موضعين من نهج البلاغة برواية مختلفة. ينظر : نهج البلاغة : خ / 145 : 146،89، وخ / 108 : 278، 279.

2) نهج البلاغة : خ/ 394:198.

3) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن ابي الحديد) : 18/10، وشرح نهج البلاغة (البحراني) : 749/3، والديباج الوضي : 1636/4.

والقُرآن شعاراً، والدُعَاءَ دِثَاراً...)) (1). وفي سياق الزهد وأصحابه اتخذ الإمام مفردات تناسب موضوع النّص وغايته، فجعلها (بُسُطاً، وفُرُشاً، وطِيْباً، وألْبِسَة) للزاهدين، والملاحظ أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)قد جمع بين (الشُّعار) و (الدثار)، وهما لباسان متلازمان عند الناس فجعل القرآن (شعاراً) للزاهدين أي اقرب اليهم من (الشعار) الذي يلامس الجسد مباشرة، ومن ثم علاه بدثار، وهو – هنا – الدعاء، الذي يعد وسيلة المضطر والمحتاج، وهو الأقرب للمرء والأكثر قرباً في مناجاة اللّه تعالى بعد القرآن الكريم، ولهذا صار بمنزلة (الدثار) كما يصفه الإمام.

وسدتك

الوِسَادَة المِخَدّة التي تُجْعل تحت الرأس (2). و الوِساد كل ما يوضع تحت الرأس، وإن كان من التراب أو الحجارة، وجمعه وُسُد (3). والوِسادَة المتكأ أيضاً (4).

واستعمل الإمام الجذر (وَسَد) ثلاث مرات بصيغة الفعل الماضي المضعف المسند الى ضمير المتكلم وكاف الخطاب (وسدتك)، وبالصيغة المتقدمة نفسها مسنداً الى ضمير المفردة المؤنثة (وَسَّدتُها)، فضلاً عن صيغة المضارع (يتَوَسّد). وكان نصيب كل واحد من هذه الاستعمالات من الورود مرة واحدة (5)، للدلالة على اتخاذ الأرض والحجارة والكف من اليد وسادة للاتكاء والنوم عليها. ومن ذلك ما ذكره ((من اتخاذ النّبي عيسى ((الحَجَر) وسادة له ؛ إذ يقول في مقام بيان زهده وتواضعه : ((كَانَ يَتَوسد الْحَجَرَ، وَيُلْبِسُ الخَشِنَ، ويأْكُلُ الْجَشِبَ ...)) (6). ويفهم من توسد النبي (عيسى) الحجر أنه ما كان يتخذ من الوسائد الناعمة المريحة متكأ له في نومه واضطجاعه، فكان يُؤثِر الحجر رغبة في التواضع، وتذليلاً للنفس وإبعادها عن متع الدنيا ؛ لأن الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ) كان يجدون راحتهم في ما يؤذي غيرهم من الناس من الأمور المادية. ومن هنا يلحظ أنّ راحة النبي (عيسى) في توسد الحجر دون غيره ؛ لانشغاله بالعبادة والطاعة دون العناية بالدنيا وما فيها وهذا. التعبير الذي أورده الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوحي بأن النبي (عيسى) ما كان يهجع في نومه، عند توسده على (الحجر). وكان جُلّ همّه التَّفكر والعبادة، وهو ما يشغله عن الأذى الناشئ من خشونة الحجر وأذاه.

اقول : إن ما ذكره الإمام من إسناده التّوسد الى الحجر، واستعمال الفعل (يتوسد)، للدلالة على اتخاذ (الحجر) وسادة في النوم والاتكاء عند النبي (عيسى) (عَلَيهِ السَّلَامُ) تعبير متفرّد لدى الإمام، وذلك أن اللغويين، ومنهم الخليل، ذكروا أن (المُتَوَسّد) من الأشياء إذا كانت من التراب والحجارة، فهي تُسَمّى (وِسَاد) (7). وهو، كما يبدو أعم من (الوِسادة) التي تستعمل في الدلالة على الوثير من المُتكئات.


1) نهج البلاغة : قصا / 104 : 618.

2) ينظر : لسان العرب (وسد) : 459/3.

3) ينظر : العين (وسد) : 7 / 284.

4) ينظر : لسان العرب (وسد) : 459/3.

5) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 482.

6) نهج البلاغة : خ/ 160 : 283.

7) ينظر : العين (وسد) : 284/7.

أمّا الضّرب الثاني من التّوسّد، فهو توسد (الكَفَّ). وقد ورد ذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يتحدث فيه عن النفس التي تؤدي فروض الطاعة اللّه تبارك وتعالى، وذلك في مقام مدحها. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((طُوبَى لِنَفْسٍ أَدَّتْ إِلى رَبِّها فَرضَها... وهَجَرَتْ في الليل غِمْضَها، حتّى اذا غاب الكرى (1)عليها، افْتَرَشَتْ أَرْضَهَا وَتَوَسَّدَتْ كَفَّها في مَعْسَرِ أَسْهَرَ عُيُونَهم خَوْفٌ مَعَارِهِم ...))(2). والنص في مدح هذا النوع من النفوس التي أنّها ذابت في اللّه تبارك وتعالى وانقادت الى طاعته، مؤدية ما عليها من فروض وعبادة بصورة تامة، حتى هجرت غِمْضَها وتجافت عن النوم، وأسهرت العيون للطاعة والعبادة. فإن تم لها ذلك وغلب عليها النّعاس، افترشت أرضها وتوسّدت كفها جاعلة منها وسادة تستريح عليها. ولا يخفى ما في (الأرض) و (الكَف) من أذى عندما تتخذان فراشاً ووسادة. ولكن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) جعل (كفها) بمنزلة (الوِسادة)، للدلالة على استكانة هذه النفوس و خضوعها إلى اللّه جل جلاله بالطاعة والعبادة والتفكّر في جلال الخالق ؛ فلم يكن لها شغل بتهيئة فراش أو وساد.

ثانياً: الدلالة على الدفن في القبر

وهذا المعنى مختص في كلامه بدفن النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه وآله)، فذكر مفردة (وَسَّدْتُك)، لافادة معنى إنزال النبي في القبر ودفنه. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذلك: ((فلقد وسدتكَ في مَلْحُودَة (3)قَبرِكَ وفَاضَت (4)بَيْنَ نَحْرِي وصَدْرِي نَفْسُكَ...)) (5). يريد بذلك الإشارة الى أنّه هو الذي هيّأ للنبي الأكرم (صلوات اللّه عليه) قبره، وهو الذي أنزله ووسده في مَلْحُودةِ قَبْره كأنَّ الإمام يشير بذلك الى توليه هذا الأمر دون غيره من الصحابة، وأنّه الذي اختص بالنبي و تفرد بتجهيزه دون سواه، وهو الذي كان آخر الناس عهداً بالنبي وفي ذلك دلالة على اختصاصه به وملازمته له حتى في هذا الموقف أقول : وفي تعبير الإمام ضَرْب من التقديم والتأخير في النّص. فالمعروف أنّ ذهاب النَّفْس، وموت الإنسان يسبق مرحلة دفنه، غير أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذكر أنّه (وَسَّدَ) النبي في قبره، ومن ثمّ أعقب ذلك بذكر قوله : ((وفَاضَتْ بَيْن نحري وَصَدْرِي نَفْسُكَ)). ويبدو أنّ ذلك راجع الى بيان عنايته بالنبي الأكرم، من خلال تهيئة موضع دفنه، وتولّي ذلك بنفسه، مقدّماً توسيده في قبره على وصف حال موته (صلى اللّه عليه وآله)، لانّ الاشتغال مجال الوفاة لا يدل على كونه المَعْنِي بتحضير مراسم دفنه وإنزاله في قبره الشريف، مع كون ذلك لا يقل أهمية عن دفن النبي.

النّمرقة

إشارة:

النُّمرُق الوِسادة، ومفردها نُمرقة (6)وهي ضرب صغير من الوَسَائِد (7). ويقال في هذه اللفظة (نمرقة) بالكسر، وهي لغة منسوبة الى بعض الكلابيين (8). وقد وردت لفظة (نمرق) في كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)


1) الكرى النعاس. ينظر : العين (كري) : 403/5.

2) نهج البلاغة : ك / 535:45، 536.

3) اللحد والملحود ما حفر في عرض القبر. ينظر : العين (لحد) : 182/3.

4) اصل الفيْض للماء والدمع، ثم اتسع ليدل على ذهاب النفس والموت.وقد ذكر اللغويون أنه لا يقال (فاضت نَفْسه)، و الصواب أن يقال : فاض الرَّجلُ، أو (فاظ) بالطاء إذا قصد موته. ينظر : لسان العرب (فيض) : 210/7، 211. ولكن استعمال الامام يظهر خلاف ما ذهب اليه اللغويون ؛ لأنه استعمل تعبير (فاضت نفسك) للدلالة على انتقال النبي الاكرم (صلى اللّه عليه وآله) الى الباري جل جلاله.

5) نهج البلاغة : خ / 202 : 402، 403.

6) ينظر : العين (غرق) : 265/5، ولسان العرب (نمرق) : 361/10.

7) ينظر : لسان العرب (نمرق) : 10 / 361.

8) ينظر : تهذيب اللغة (نمرق) : 310/9، ولسان العرب (نمرق) : 361/10.

الوارد في نهج البلاغة مرتين ؛ الأولى بصيغة المفرد المحلّى بـ (ال) (النّمرقَة)، والثانية بصيغة الجمع على (فَعَائل) (النَّمَارِق) (1)، للدلالة على مايأتي :

اولاً: الدلالة على أهل البيت (عليهم السلام)

فقد استعار الإمام مفردة (النُّمْرُقَة) له ولأهل البيت (عليهم السلام) تشبيهاً لهم بالوسادة الوسطى التي تتوسط بقية الوسائد. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ((نَحْنُ النُّمْرُقَةُ الوُسْطَى، بِها يَلْحَقُ التَّالي (2)وإِلَيْها يَرْجِعُ الغَالِي (3))) (4).أراد الإمام أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) بين الناس، بوصفهم أئمة الحقَّ، ومستند الخلق في تدبير شؤونهم، وأمورهم وكل ذلك على وجه العدل المتوسط بين طرفي الافراط والتفريط (5)، ولهذا جعل (التّالي)، وهو المتأخر عنهم المفرّط بهم، والمقصّر المتجاوز للحد والمفرّط في العدل راجع وهو اليهم في ذلك.

أقول : ويمكن أن نفهم من هذا الضرب من التعبير جعل الإمام أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) بمنزلة (النُّمْرقة الوُسْطَى) يوحي بأنّهم متكأ للناس، ومُعْتَمَدٌ في سائر أمورهم، فإنهم يتوَسَّطُون الناس على جهة العدل كأنهم میزان توزن به الأمور. وإنما وصف النَّمرقة (بالوسطى) إشارة إلى كون هذه النمرقة رئيساً بين النمارق المصفوفة ويمكن أن يستفاد من هذا التعبير ايضاً الدلالة على أن اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) مستند للناس، ومحل راحتهم، وذلك من جهة اطمئنان النفوس اليهم، واهتدائهم بهم فكما يرتاح الناس بأتكائهم على النمارق فكذلك يكون الراجع الى اهل البيت (6). ويحتمل أن تكون مفردة (النُّمْرقة) التي شبّه بها الإمام الأئمة (عليهم السلام) مأخوذة من (النُّمْرُقة) التي توضع على الرّحل ليرتاح عليها الراكب عند ارتقائه على البعير، وهي المسماة بالطَّنْفُسَة (7). فكأنها حسب هذا الوصف - تكون كالفكر الذي يؤمن به الانسان ويعتنقه مركباً له. كما يقولون ركب فلان الأمر، إذا اتخذه عقيدة له. فيحتمل أن تكون استعارة الإمام لهذه اللفظة إشارة الى ما يتخذه الانسان مذهباً له، أو عقيدة يركن اليها ويركبها مركباً يقوده الى اللّه تبارك وتعالى(8). وأما وصف هذه (النّمْرُقة) بـ (الوسطى)، فيراد به إما الدلالة على الأفضلية. بمعنى أنّهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) الطريقة الفضلى من بين بقية الطرائق التي تؤدي بهم الى الخيار الأعلى من العقائد التي يتخذونها عقيدة لهم، مصداقاً لقوله تعالى : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) (9).أي : جعناكم الخيار الأعلى.(10). ويحتمل أن تكون إشارة الى اتصال هذه


1) ينظر : المعم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 458.

2) التالي في اللغة التّابع. ينظر : مقاييس اللغة (تلو) : 351/1.

3) الغالي في اللغة هو تجاوز الحد والقدر، وهو ههنا المبالغ المتعمق في الأمر حتى يخرجه ذلك الى اكفار الناس كنحو مذهب الخوارج، وينظر : غريب الحديث (أبو عبيد) : 3/3 والمحكم (غلو) : 57/6.

4) نهج البلاغة : قصا / 620:109.

5) ينظر : شرح نهج البلاغة (البحراني) : 423/5.

6) ينظر : نهج البلاغة (عبده) : 524/4 هامش (4).

7) ينظر : لسان العرب (نمرق) : 10 / 361.

8) ينظر : شرح نهج البلاغة (ابن ابي الحديد) : 218/18.

9) البقرة/ 143.

10) ينظر : المحرر الوجيز: 219/1.

(النّمُرقة) بسائر النمارق الأخرى، من جهة توسطها المناهج المتطرّفة لبقية الفرق الديني. والوصف بذلك يومئ الى هذا المعنى (1). كأنهم (عليهم السّلام) يمدون أيديهم الى (التالي) و (الغالي)، سعياً الى إعانتهم على التخلص من حالة الافراط والتفريط التي أصابتهم

ثانياً: الدلالة على الوسائد الممهدة التي تستعمل في الاتكاء.

واستعمل الإمام لهذه الدلالة مفردة (النّمارق) بصيغة الجمع على (فَعَائِل)، وذلك في سياق كلامه عن الدنيا والتنفير منها. إذ يقول : ((وأَعْلَمُوا - عَبادَ اللّه - أنكم وما انتم فيه من هذهِ الدُّنْيا عَلى سَبِيلِ مَنْ قَدْ مَضى قَبْلَكُمُ أَصْبَحَت أَصْوَاتُكُم هَامِدَة... ودِيَارُهُم خاليةً... فَاسْتَبْدَلُوا بِالْقُصّورِ الْمَشَيَّدَةِ، والنَّمَارِقِ المُمَهَّدَةِ الصخور والاحجار المُسَنَّدَة (2)، والقبور اللاطِئَة (3)...)) (4). والنص في ذكر الدنيا، وتحذير الناس منها ؛ لأنهم تاركوها بكل ما فيها من متع دنيوية مادية ومعنوية. فذكر (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأمور المادية التي يزهو الإنسان بها في حياته الدنيا من قصور مُحَصَّنة واسعة وفُرش و نمارق مُمهَّدة. فاستبدل ذلك بـ (الصخور والأحجار) التي يستند بعضها الى بعض. وهذه الصخور تمثل البديل (للنمارق) التي كان يتوسدها المرء في الحياة الدنيا، بما فيها من وثارة وراحة ولين. ومن الجدير بالذكر الإشارة الى الأثر القرآني الذي بدا في كلام الإمام من خلال استعماله لفظة (نَمارق)، التي تعد إحدى مفردات الفاظ القرآن الكريم التي استعملها القرآن في سياق ذكر صفات الجنة التي وعد اللّه المتقين بها. يقول تبارك وتعالى : ((... فيها سرر (5)مرفوعة... ونمارق مصفوفة...)) و (النمارق المصفوفة) هي الوسائد المصفوفة بعضها الى البعض الآخر (6). وذكر هذه الأمور المادية جاء على جهة الوصف والترغيب بالجنة من خلال ذكر أعلى لوازم الحياة قيمة في ذهن الإنسان لتنجذب نفسه اليها.

بِسَاطاً

البَسْط نقيض القَبْض (7). والبساط - بالكسر - ما بسط على الأرض ونُشر. والبَسْطِ فَرْسَ الفِراش ومده (8)وفراش يبسط، إذا كان سابغاً واسعاً (9). وجاءت مفردة (بِساطاً) بصيغة المفرد في نهج البلاغة مرة


1) ينظر : نهج البلاغة (عبدة) : 527/4 هامش (4).

2) المسندة : أي التي استند بعضها الى بعض. ينظر : العين (سند) : 229/7.

3) اللَّطْءُ لذوق الشيء بالشيؤ. ينظر : لسان العرب (لطأ) : 102/1 : واللاطئة في قول الامام اللاصقة بالارض.

4) نهج البلاغة : خ / 226 : 441،440.

5) السرر جمع سرير، وهو ما يجلس عليه. وهو دلالة على النعمة وخفض العيش. ينظر : تاج العروس (سرر) : 14/12.

6) ينظر : المحرر الوجيز : 474/5.

7) ينظر : العين (بسط) : 217/7.

8) ينظر : جهرة اللغة (بسط) : 336/1.

9) ينظر : تهذيب اللغة (بسط) : 243/12.

واحدة (1)، للدلالة على الأرض التي تتخذ بساطاً تفرش عليه بقية الفُرش. وذلك في سياق حديثه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الزاهدين الذين يقول فيهم : ((... طُوبَى للزَّاهِدِينَ في الدَنْيَا، الرَّاغِبِيْنَ فِي الآخِرَةِ، أُولِئَكَ قَوْمٌ اتَّخَذُوا الْأَرضَ بِساطاً وتُرابُهَا فِرَاشاً، وَمَاءَ طِيْبَاً...)) (2). ومفردات النص، ومنها مفردة (بساطاً)، توحي بتأثر الإمام بالقرآن الكريم، ومفرداته. فكلمة (بساطاً)، بهذه الدلالة واردة في القرآن الكريم في قوله تعالى شأنه: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا) (3). وفسر المفسرون هذا اللفظ بإمكان التقلب على الأرض كما يتقلب الرجل على فراشه (4). ويبدو أنهم تلمسوا في ذلك معنى سهولتها والقدرة على التصرف بها. من خلال الزرع والحرث والانشاء. أمّا الدلالة التي أرادها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من تضمينه مفردة (بساطاً) في فتختلف عن المعنى القرآني ؛ فالقرآن الكريم أراد منها - كما يبدو – معنى الصيرورة والتذليل، ولاسيما أنه استعمل الفعل (جَعَلَ) الذي يدل على التطويع والتَّصيير ؛ ليكون الإنسان قادراً على التّمكّن والإفادة منها. وأما في (نهج البلاغة) فقد استعملها (عَلَيهَا السَّلَامُ) لتدل على البساط الذي يفرش على الأرض، ومن ثم يجعل فوقه فرشاً أخرى، وذلك بقرينة قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) ((وتُرَابها فِرَاشاً))، وهو المعنى الآخر الذي أعان على فهم دلالة لفظة (بساطاً). وليس شرطاً في قول الإمام - آنف الذكر - أن يكون هذا البساط سهلاً غير ذي حزن، وإنما يلحظ فيه دلالة الصعوبة وعدم المرونة، وهو شأن الأرض حينما تتخذ مناماً أو ما شابه ذلك، فضلاً عن أن هذه القيمة الدلالية أفادت الاتساق مع حال الزاهدين في الدنيا الذين لا يبالون بزخرفها وريشها.

سَفَائف الخُوْص

إسفاف الخوص نسج بعضه إلى بعض (5). وكل شيء ينسج بالأصابع، فهو إسفاف. (6). وسَفْ الحَصِيرِ، نَسَجَه (7). الخوص ورق النخل (8). وقد استعمل الإمام تعبير (سَفَائِف الخُوْص) مرة واحدة في نهج البلاغة (9)، للدلالة على نسج ورق النخل لعمل الحُصُر وما أشبهها من المنسوجات التي تستعمل في الفرش، وذلك في إشارة الى ما كان يعمله النبي داوود (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيده من سفائف ينسجها ليعيش بها. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ((وَإِنْ شِئْتَ ثَلَثْتُ بِدَاوَد (عَلَيهِ السَّلَامُ) صَاحِبُ المَزامير (10)، وقَارِئُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلَقَد كانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ الخُوص بِيَدِهِ ويَقُولُ لِجْلَسَائِه : أَيُّكُم يَكْفِيني بَيْعَهَا، ويأكُلُ قُرْصَ الشَّعِيْرِ من ثَمَنها)) (11).


1) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 51.

2) نهج البلاغة : قعا / 104: 618.

3) نوح /19.

4) ينظر : الكشاف : 125/1.

5) ينظر : العين (سف) : 201/7.

6) نفسه.

7) ينظر : لسان العرب (سفف) : 9 / 153.

8) ينظر : العين (خوص) : 285/4، وتهذيب اللغة (خوص) : 198/7.

9) ينظر : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 216، 147.

10) المزامير أداة يزمّر بها، واحدها (مزمار) وتصنع من القصب وهي - هنا - مزامير النبي داوود (عليه السلام) التي كان يتغنى به من الزبور، وضروب الدعاء، فشبه حسن صوته وحلاوة نغمته بصوت المزمار. ينظر : لسان العرب (زمر) : 327/4.

11) نهج البلاغة : خ/ 160 : 283.

فأضاف (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (الخوص) إلى (سَفائِف) التي تفيد الدلالة على النسج والقدرة على عمل هذا الضرب من الفرش وغيرها من الأدوات التي تُصنع من (سَفِّ الخُوص). فضلاً عما يفهم من هذا التعبير من دلالة على تواضع النبي داوود (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإصراره على العيش من كسب يده، في إيماء من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الحَثّ على العمل مهما كانت منزلة الإنسان.

الظواهر اللغوية

• استعمل الإمام مفردة (الممهدة) للدلالة على الأرض الممهدة تشبيهاً لها بالفراش الممهد الوثير وهو ما يمثل انزياحاً دلالياً أخرج الكلمة عن دلالتها المعروفة على الفراش المادي.

• في حين أنّه وظف لفظ (مَمَاهِد) على زنة (مَفَاعِل)، للدلالة على شرف المنبت وطيبه الأصل.

• جاءت لفظة (فرشتكم) دالة على فرش المعروف و الخير من القول والفعل.

• وقوع الترادف الجزئي بين كلمتي (مهد) و (فرش) في كلام الإمام، وبين كلمة (غطاء) و (دثار). وظف الإمام كلمة (الفرش)، للدلالة على عرش اللّه تبارك وتعالى، مبعداً المفردة من دلالتها المادية المعروفة، وهي الدلالة على عرش المُلك أو سريره الى دلالتها على ملك اللّه تعالى وعظمته على جميع البشر، أسوة بالدلالة القرآنية التي جاءت بها المتقدمة.

• استعمل الإمام بناء (أفْعِلَة)، وهو من أبنية جمع القلة مستعملاً على وزنه مفردة (أغطية)، للدلالة على ستور الحقائق وخوافيها.

• استعملت كلمة (الغطاء) دالة على الستر والحجاب الذي يمنع من الاطلاع على أهوال القيامة وما يجري على الموتى من وقائع في حياة البرزخ. فكأنّ هذا الغطاء هو الحوائل والموانع والذنوب التي تحجب المرء من أن يطلع على أسرار الآخرة.

• استعمل الإمام مفردة (غِطاء) دالة على صفة (الحِلْم) التي تستر هوى النفس وتكبح جماحها من الانفلات من أزمة الردى والعصبية واستعملت مفردة (دِثار) دالة على ما تعرض له الحياة الدنيا من أذى وقتل وتشريد ودمار، بسبب من شياع الحرب والقتال فيها، فهي متدثرة بالسيف بحسب تعبير الإمام.

• وظف الإمام بناء (فَعَائِل) مستعملاً على وزنه مفردة (النمارق)، للدلالة على ما يتوسد المرء من وسائد في الحياة الدنيا فضلاً عن استعماله مفردة (سفائف) بالبناء المتقدم على ما سيف منه من الحُصُر والبسط. في حين أنّه استعمل مفردة (نمرقة)، وهي اسم جنس جمعي للدلالة على أهل البيت (عليهم السلام) بوصفهم النمط الأوسط الذي يلحق بها التالي ويرجع اليها الغالي بوصفهم ميزان الأعمال.

جدول دلالي يبيّن شيوع ألفاظ الفرش والأغطية والتمارق مرتبة بحسب كثرة كل مفردة على الأخرى

ألفاظ الفُرُش والأغطية والنَّمَارِق :المَهْد، فِرَاشاً، العَرش، غِطَاء، دِثار، وسدتك النَّمْرقة، بِسَاطاً، سَفَائِفِ الخُوْص

الخاتمة

بعد الفراغ من هذه الدراسة التي تناولت جانب الألفاظ في (نهج البلاغة)، خلص الباحث الى جمهرة من النتائج التي يمكن تفصيلها بحسب ما يأتي :

• تبين من خلال الدراسة شيوع الفاظ الحياة الاجتماعية في (نهج البلاغة) بتفاصيلها جميعاً، بحيث بلغ مجموع الألفاظ الدالة عليها (أربعمائة وثمان وخمسين) مفردة عدا الاشتقاقات الصرفية التي استعملت فيها الألفاظ جميعاً. وهو ما يدل على عناية الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا الجانب من جوانب الحياة الإنسانية. ولهذا نلحظ التركيز واضحاً في هذا المجال من خلال كثرة الألفاظ الدالة على طبيعة الرؤية الاجتماعية والإصلاح الاجتماعي للإنسان الذي عُني به الإمام أيّما عناية. ولهذا وجدناه يوسع القول في تفاصيل (الحياة الاجتماعية) كلها من خلال إرشاداته ونصائحه للناس.

• وبناءً على ما تقدم يمكن القول : إن (نهج البلاغة) يمثل نظرية اجتماعية متكاملة للإنسان حرص الإمام على صياغتها ؛ لتكون منهجاً يسير عليه الإنسان المسلم وغير المسلم من جهة الحقوق والواجبات التي ينبغي القيام بها. وينطلق الإمام في ذلك من نظرة إسلامية، متخذاً من القرآن الكريم ومواقف النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله) ونظره هو (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى هذه الحياة، سبيلاً لتعريف الإنسان دوره فيها وما عليه القيام به وكيفية التعامل مع أفراد المجتمع، ليصل في ذلك الى مرضاة اللّه تبارك وتعالى.

• شیوع الألفاظ المتعلّقة بوسائط النقل في نهج البلاغة، فقد تصدرت هذه الألفاظ الدراسة بمجموع الفاظ بلغ عددها (مئة وثماني وعشرين) مفردة، كان في طليعتها (الفاظ الإبل ومتعلقاتها)، ومن ثم تلتها (الفاظ الخيل ومتعلقاتها)، و (الأتان والحُمُر، ومتعلقاتها)، ومن ثَمَّ (السفن ومتعلقاتها). ويفهم من هذه الكثرة في الاستعمال عنايته بهذا الضرب من المفردات التي اتخذها مثالاً يُفهم من خلاله الإنسان ما يعرض له من صعاب تتطلب الصبر وإحكام الأمر وعدم التفريط بالقيم الإسلامية والعقائدية.

• ولما كانت عناية الإمام تتجه نحو بناء المجتمع ؛ لهذا حظيت (ألفاظ طبقات المجتمع) بنصيب وافر من المفردات، التي بلغ مجموعها مائة وإحدى وعشرين مفردة. تناولت شتى فئات المجتمع وطبقاته التي فصل الإمام القول فيها، مقسماً إياها على مراتب بحسب أهمية كل واحدة منها وحاجة كل منها الى غيرها. ولعل عهده الى (مالك الأشتر) يمثل أنموذجاً لهذا التقسيم الطبقي الذي حرص الإمام فيه على عدم التفرقة بين هذه الفئات الاجتماعية. أمّا تقسيمه لها بالصور المتقدمة فإنما جاء ليظهر وظيفة كل طبقة من هذه الطبقات في المجتمع وخصائصها. فتقسيمه قائم على أساس التعدد والتكامل بين هذه الطبقات.

• وقد جاءت (الفاظ الأكل والشَّرب ومتعلقاتها) التي بلغت حصيلتها (ستاً وأربعين) مفردة بالمرتبة الثالثة، كان الغالب فيها المفردات الخاصة بالأكل وأنواعه، بوصفه جزءاً من حياة الإنسان الذي يقيم أود نفسه بهذه الأنواع من الأغذية. وقد حرص الإمام أن يضرب نفسه للناس مثلاً في العفة والزهد والكفاف من خلال إنصرافه عن تخير الأطعمة والأشربة وما لذَّ منها ؛ ليكون هو والأنبياء أنموذجاً فريداً في

القناعة وشظف العيش فالإسراف في تخيّر الأطعمة يعني التفريط في طاعة اللّه تبارك وتعالى ونسياناً للفقراء والمعوزين من ذوي الفاقة.

• وفي جانب التصوير الفني المشرق للحياة، وكائناتها، وردت في نهج البلاغة طائفة من الألفاظ الخاصة بالزينة والجواهر والطّيب بلغ عددها (إحدى وأربعين) مفردة. استعملت في الغالب في سياقات التصوير الفني لتشبيه بعض الكائنات التي أنعم اللّه بها على عباده، من قبيل (الطاووس) الذي حظي بوصف مميز عند الإمام في نهج البلاغة.

• جاءت (الفاظ الألبسة ومتعلقاتها) في المرتبة الخامسة من حيث شيوعها. فقد ورد منها (أربعون) مفردة جُلها نُقِل من دلالته الحقيقة الى الدلالة على النّعم التي أسبغها اللّه تبارك وتعالى على الناس.

• أما (الفاظ الأمراض والعلل)، فقد شغلت المرتبة السادسة من هذه الدراسة، بـ (إحدى وثلاثين) مفردة وظفها الإمام لما يعرض للإنسان من علل تصيبه في حياته الدنيا وفي صدارتها أمراض النفس الإنسانية من عمى البصر والبصيرة، فضلاً عن صمم الأسماع وغيرها. موضحاً طرائق علاج هذه الأمراض من خلال بيان وظيفة النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في إبراء الناس مما أصابهم بوصفه طبيباً معالجاً للعقائد والأفكار الفاسدة.

• وشغلت (الفاظ العلاقات الاجتماعية ومتعلقاتها) من الفاظ القرابة والنّسب المرتبة السابعة من حيث الشيوع، فبلغ مجموعها (تسعاً وعشرين) مفردة وظفت لبيان العلاقات التي تربط كل فرد من أفراد المجتمع مع الآخر. متحدثاً عن كثير من هذه الصلات ومنها قرابة أهل البيت (عليهم السلام) من النبي الأكرم (صلى اللّه عليه وآله وسلم) التي لا يجاريهم فيها أحد

• وتلا ذلك من حيث الشيوع كل من (الفاظ الأدوات والآلات) التي بلغ عددها (ثلاث عشرة) كلمة. والفاظ (الفُرُش والأغطية) التي اقتصرت على (تسع) مفردات فحسب.

أما النتائج الخاصة بالعلاقات والظواهر الدلالية بين المفردات، فيمكن بيانها بالآتي :

أولاً: بدا في استعمال الفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة ظهور بعض الظواهر الصوتية، من قبيل استعماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفردة (آل) التي افتتحت بصوت المد، وهو ما منح المفردة ضرباً من الامتداد والرسوخ في ذهن المتلقي مناسبة لحال الشرف ورفعة المنزلة التي ينماز بها أهل البيت (عليهم السّلام). ومن ذلك أيضاً مفردة (السوار) الدالة على السوار الذي يلبس في معصم المرأة، وهو من الألفاظ الفارسية المعربة، فقد ذكر أنّ أصله بالفارسية (دِسْتِوَار)، وليس الفارق بين اللفظ العربي والفارسي سوى في تحول المقطع الصوتي (دست) الى (السين) العربية.

ثانياً : وظف الإمام الكثير من الأبنية الصرفية في كلامه الوارد في نهج البلاغة، من قبيل بناء (فاعل) وهو من أبنية المشتقات المصوغ من الثلاثي الصحيح ومن ذلك كلمة (الظّالع) التي وردت اسم فاعل محلى بـ (ال). وكثر أيضاً استعمال بناء المصدر (فعل) الذي أفاد دلالة على الثبات مثل مفردة (ذَرْعك).

ثالثاً : كثرة أبنية جموع التكسير في قبالة الجموع السالمة في هذا المجال الدلالي، حتّى أنه عمد الى توظيف أبنية قليلة الاستعمال من قبيل بناء (فَعَالِيل) الذي منه مفردة (حَدَابِيْر) جمع (حِدْبار)، و (فعل) فضلاً عن بناء (مَفَاعِيل)، مثلما استعملت الأبنية الدالة على المبالغة كبناء (تَفَعَّل)، وأبنية الأفعال المزيدة مثل (اسْتَفْعَل).

رابعاً: ورود الأبنية الدالة على الأمراض والعِلل من قبيل بناء (فَغلاء) الذي سيق عليه لفظة (عَشواء) التي تدل على الناقة غير المبصرة طريقها.

خامساً : شاعت ظاهرة الترادف الجزئى بين الألفاظ بكثرة في مجال الألفاظ الاجتماعية، بحيث فاقت بقية الظواهر الدلالية الأخرى. ومما يلفت النظر أنّ كلامه (عليه السلام) لا يحتمل وقوع ما يسمى (الترادف التام) فهو من نمط الفصاحة العالية التي لا تحتمل وضع كلمة محل كلمة أخرى، ولهذا أميل الى استعمال مصطلح (الترادف الجزئي) على أساس وجود شئ من التقارب الدلالي بين المفردات كوقوعه بين كلمتي (الرصد والرقباء).

سادساً : ندرة ظاهرة المشترك اللفظي في المفردات موضوع الدراسة فقد كانت هذه الظاهرة أقل من حيث الورود من الترادف.ومن ذلك استعمال كلمة (مُعْوِر) في الدلالة على من استعصم بعورته، لانقاذ نفسه في الحرب أو غيرها، فضلاً عمّن أصيبت عينه في القتال.

سابعاً: ولم يكن نصيب التضاد اللغوي بأحسن من المشرك اللفظي في نهج البلاغة، فلم يرد منها إلا عدد ضئيل من الكلمات، من قبيل مفردة (سَائِم) التي دلّت على المال السائم الراعي وعلى السَّائم الذي يقوم بإسامة الإبل والدواب في المراعي وبإزاء ذلك شاعت ظاهرة التقابل الدلالي بين الألفاظ المتضادة في اللفظ والمعنى.

ثامناً: شيوع علاقة التضمين، وهي من علاقة الجزء بالكل كعلاقة مفردة (الأخلاف) بـ(الضرع)، فالأخلاف أصابع الضرع.

تاسعاً : وردت الكثير من الألفاظ المعربة في كلام الإمام. وكان أكثر هذه الألفاظ وروداً في الحقل الخاص بالفاظ الجواهر والحلي، والألبسة. ومن ذلك مفردات (الزّمرّد، العِقْيَانِ اللّجَيْنِ الزِّبَرجَد السّوار، دِيْبَاجِ، سَرَقٍ، حَرِير، إِبْرِيسَم، دَهَاقِين، قَهْرمَانَة).

عاشراً: طرأ تطوّر دلالي واسع على المفردات موضوع الدراسة. فقد ابتعد جمهور كبير من الألفاظ عن دلالته المعجميّة، مكتسباً دلالات أخرى أضافها الإمام الى هذه الألفاظ التي لم يلتفت المعجميون إليها، وضربوا عنها صفحاً، وذلك راجع فيما أحسب الى أمرين : الأول إغفالهم كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بدوافع كثير في صدارتها الشبهة التي أُثيرت حول عدم صحة ثبوت نهج البلاغة الى الإمام، وما قيل حول نسبته الى الشريف الرضي فرع عن ذلك من شبهات أخرى مازال البعض يرددها حتى الآن. أما الأمر الثاني، فيتعلق بموقف العلماء من الاحتجاج بالحديث والنصوص النثرية، وهو ما انعكس على إغفال هؤلاء كلام أمير المؤمنين (عليه السلام). وهذان الأمران أديا الى حصول نقص كبير في المدونة المعجمية واللغوية العربية من جهة تتبع التطور اللغوي و التأريخي للمفردات والمراحل التي مرت بها الكلمات. وهو ما يسعى الى توثيقه المعجم التأريخي.

حادي عشر : بدا تأثر الإمام واسعاً بالتعبيرين القرآني والنبوي، فجاء كلامه متضمناً الكثير من المفردات التي نظمها بأسلوب قرآني بليغ يتجه نحو الاقتباس مرة، ونحو التضمين مرة أخرى فكثيراً ما تضمن خطبه وكتبه

نصوصاً من القرآن الكريم. كما تضمنت الفاظاً قرآنية وظفها الإمام في إشارة الى المعنى القرآني في بعض السياقات. ولم يكن ذلك مقتصراً على الذكر الحكيم فحسب، وإنما تجاوزه الى توظيف النصوص والمقولات النبوية الشريفة التي لم يخلو كلامه منها. ويبدو أنّ الإمام أفاد أيضاً من كلام العرب من قبيل الأمثال العربية السائرة التي وظفها في غير موضع من النهج لبيان المواقف التي يتحدث عنها من قبيل احتجاجه بالمثل ((لا يُطَاعُ لِقَصِيرٍ أَمْر))، و ((كَنَاقِلِ التَّمْرِ الى هَجَر)).

ثاني عشر : أما على مستوى التصوير الفني، فلم يكن استعماله في نهج البلاغة أقل شأناً من الظواهر المتقدمة، فقد ظهر في كلام الإمام جمهور كبير من الأساليب البلاغية كالتشبيه والاستعارة والكناية وغير ذلك من الفنون البلاغية.

التوصيات والمقترحات

وبعد ذكر أهم نتائج هذه الدراسة، أرى من الواجب أن أسجل جملة من التوصيات والمقترحات التي ربما تكون معينة في إعادة قراءة (نهج البلاغة قراءة تتتبع خصائصه اللغوية والأسلوبية، موجزاً إيّاها فيما يأتي:

أولاً : اعتماد كتاب (نهج البلاغة) منهجاً في الدراسة الأكاديمية العالية، بوصفه أنموذجاً للألفاظ الفصيحة والبليغة، فضلاً عما فيه من تراكيب نحوية وأبنية صرفية. واقترح أن يكون ذلك في مراحل الدراسة الأولية أيضاً، ولاسيما في مادة الأدب التي تخلو مدوناته من الإشارة الى هذا الكتاب بذرائع متعددة، مع كونه أهم كتاب من كتب الخطابة التي حفظت لنا كلاماً لسيد الفصحاء وأمراء البيان بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وهو الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ثانياً : التوجه نحو تأسيس مركز خاص بدراسة (نهج البلاغة) وكلام أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وهم أهل الفصاحة والبلاغة الذين يصفهم الإمام علي : بأنّهم (أمراء الكلام)، فهم يمثلون مرحلة مهمة من مراحل التدوين اللغوي في العصر الإسلامي، لأنّهم عاشوا - وبحسب المعايير التي وضعها اللغويون - ضمن عصور الاحتجاج اللغوي التي قيدها علماء العربية، ولكنهم لم يثبتوا عليها، إذ نجدهم يحتجون بأقوال أكلة الضّباب واليرابيع، ويضربون صفحاً عن أقوال أئمة الفصاحة والبلاغة الذين تتلمذ عليهم جمهور كبير من النحويين واللغويين. ولهذا وجب العناية بأقوالهم وتوثيق كلامهم واستقرائه وجمعه من ثنايا الكتب وإعادة تدوينه في مدوّنات تشتمل على خطبهم وأحاديثهم لكي يطّلع عليها دارسو العربية وعلومها، ومن ثَمّ الشّروع بدراسته وبيان خصائصه التركيبية والأسلوبية والدلالية، للخروج بحصيلة جديدة يمكن أن تؤسس أو تغيّر الكثير من الأفكار التي جرى عليها الدرس النحوي واللغوي. واقترح أن يكون المركز باسم (مركز الدراسات اللغوية في كلام أهل البيت (عليهم السلام)).

ثالثاً : تشجيع طلبة الدراسات العليا على دراسة (نهج البلاغة)، واختيار موضوعات لرسائلهم في هذا المدوّن الذي ما زال ثرّاً غنياً بأساليبه البلاغية والإبلاغية.

رابعاً : تشجيع الدرس اللغوي المقارن الذي يوازن بين كلام الإمام (عليه السلام) والنّظم القرآني والنبوي، للتعرف على نقاط الالتقاء والافتراق بين التعبيرين (القرآني / النبوي) و (العلوي)، للتعرف على تأثير الإثنين معاً في كلامه(عَلَيهِ السَّلَامُ).

خامساً: العمل على ترجمة (نهج البلاغة) الى اللغات العالمية الحية، لتعريف العالم بهذا المدون الذي يمثل القمة في البلاغة والفصاحة بعد كلام اللّه تعالى وكلام نبيه الكريم فضلاً عن تعريفهم بطرائقه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الإدارة والحكم ومعاملة الرعية.

سادساً : العمل على وضع مستدركات على ما جمعه الشريف الرضي من كلامه (عليه السلام) في (نهج البلاغة)، وذلك أنّ الموجود بين دفتي (النهج) هو ما اختاره الشريف الرضي من كلام الإمام والظاهر أنّ نسبة ما موجود من كلامه فيه أقل مما في المدونات الأخرى. ففي استقراء متواضع لكتب السيرة والتأريخ والمدونات الأدبية واللغوية كالمعاجم وكتب غريب الحديث وجدتُ أنّها تحتفل بالكثير من النصوص التي وثق أصحابها نسبتها الى الإمام علي، ولكنّها لم ترد في النهج، أو أنّها وردت مقتطعة غير تامة، أو أنّ فيها

اختلافاً في بعض مفرداتها. وهو ما دفعني الى البدء بجمع بعض ما عرض لي فيها في حدود المصادر المتوافرة لدي.

سابعاً : تأسيس مركز أو مكتبة خاصة بالدراسات العلمية المعنية بتراث الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومنه (نهج البلاغة) لغرض إفادة الدارسين والباحثين من هذه النتاجات.

ثبت المصادر والمراجع

القرآن الكريم

الألف

• الآلة والأداة وما يتبعها من الملابس والمرافق، تأليف معروف الرصافي، تحقيق: عبد الحميد الرشودي، مطبعة العاني - بغداد، 1980م.

• الأحكام السلطانية والولايات الدينية، تأليف أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الماوردي (ت 405 هـ)، (د). (ط)، دار الكتب العلمية - بيروت، 1405 هـ / 1985م.

• أخبار القضاة وتواريخهم، لأبي بكر محمد بن خلف بن حيان بن صدقة الضّبي المعروف بـ (وكيع) (ت 306 هـ)، اعتنى بنشره : عبد العزيز المراغي، (ط /1) ، دار نهضة مصر، (دت) أدب الكاتب، لأبي محمد عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت 276هـ)، تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد (ط / 4، مكتبة السعادة - بمصر، 1963.

• أركيولوجية الفساد والسلطة في النصوص الأدبية والمدونات العربية القديمة دقصي الحسين، (د - ط)، دار ومكتبة الهلال، ودار البحار-بيروت، 2009م.

• الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تأليف يوسف بن عبد اللّه بن عبد اللّه بن محمد بن عبد البَرِّ (ت 463 هـ)، تحقيق : محمد علي البجاوي (ط/1)، دار الجيل - بيروت 1412هـ.

• أسس بناء الدولة الإسلامية في فكر الإمام علي (عليه السلام)، علي سعد تومان عدوة، نشر العتبة العلوية المقدّسة - مكتبة الروضة الحيدرية، العراق - النجف الأشرف، 1432 هـ / 2011 م.

• الإصابة في تمييز الصحابة، تأليف أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي (ت 854 هـ)، تحقيق: علي محمد البجاوي، (ط/1)، دار الجيل - بيروت، 1414هـ / 1992 م.

• الأصول في النحو، تأليف أبي بكر محمد بن سهل بن السراج النحوي البغدادي (ت316هـ) تحقيق : عبد الحسين الفتلي، (ط/ 3)، مؤسسة الرسالة - بيروت، 1408هـ / 1988م.

• الأصول من الكافي، لثقة الإسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي (ت 328هـ)، صححه وعلق عليه علي أكبر الغفاري، نهض بمشروعه الشيخ محمد الآخوندي، (ط/3)، دار الكتب الإسلامية - طهران، 1381هـ.

• الإعجاز الصرفي في القرآن الكريم دراسة نظرية تطبيقية في التوظيف البلاغي لصيغة الكلمة، تأليف الدكتور عبد الحميد أحمد يوسف هنداوي، (ط/1)، المطبعة العصرية - بیروت، 1422هـ / 2001م.

• الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق، للدكتور عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، (د- ط)، دار المعارف - مصر، (دت).

• الأعلام، تأليف خير الدين الزركلي، (ط/4)، دار العلم للملايين - بيروت، 1979م.

• الاقتصاد الهادي الى طريق الرّشاد، تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ)، (د -ط)، منشورات مكتبة جامع جهلستون بطهران - ق المقدسة، 1400هـ.

• الألفاظ الفارسية المعربة، تأليف أدي شير الكلداني، (ط / 2)، دار العرب للبستاني - القاهرة 1987م.

• الأمثل في تفسير كتاب اللّه المنزل، تأليف العلامة الفقيه الشيخ ناصر مكارم الشيرازي (د -ط)، نشر قسم الترجمة والنشر في مدرسة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إيران (د-ت).

• الأنساب، لأبي سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني(ت562هـ)، تقديم وتعليق : عبد اللّه عمر البارودي، (ط/1)، دار الجنان -بيروت، 1408هـ / 1988م.

• أنوار التنزيل وأسرار التأويل، لأبي الخير ناصر الدين عبد اللّه بن عمر بن محمد المعروف بالبيضاوي (ت 685 هـ)، (د -ط)، دار الفكر - بيروت، د-(ت).

الباء

• بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، تأليف العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي(ت1111هـ)، (ط / 2)، مؤسسة الوفاء - بيروت،1403هـ/1983م.

• البداية والنهاية، تأليف أبي الفداء اسماعيل بن عمر بن كثير (ت 774هـ)، مكتبة المعارف، بيروت، (د. ط)، (د. ت).

• بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث (زوائد الهيثمي)، الحارث بن أبي أسامة الحافظ نور الدين الهيثمي (ت 807هـ)، تحقيق : حسن أحمد صالح البكري، (ط / 1)، مركز خدمة السنة و السيرة النبوية - المدينة المنورة، 1413 هـ / 1992 م.

• بلاغة الإمام علي، الدكتور أحمد محمد الحوفي، دار نهضة مصر للطباعة والنشر بمصر، (د. ط) / 2000 م.

• البيان والتبيين، تأليف أبي عمرو بن بحر الجاحظت 255هـ)، تحقيق: فوزي عطوي، (د - ط)، دار صعب - بیروت، (دت).

التاء

• تاج العروس من جواهر القاموس، تأليف محمد مرتضى الحسيني الزبيدي (ت 1205هـ)، تحقيق : جماعة من المحققين، دار الهداية، (د. ت).

• تاريخ بغداد، تأليف أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت 463 هـ)، (د - ط)، دار الكتب العلمية-بيروت، (دت).

• تاريخ الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى، عبد المنعم ماجد، (دط)، دار الكتب القاهرة، 1973م.

• تاريخ الطبري، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310 هـ)، (د. ط) دار الكتب العلمية - بيروت، (د. ت).

• تاريخ مدينة دمشق وذكر فضلها و تسمية من حلها من الأماثل، تأليف أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة اللّه بن عبد اللّه الشافعي (ت 571 هـ)، تحقيق : محب الدين أبي سعيد عمر ابن غرامة العمري، دار الفكر - بيروت، 1995 م.

• التبيان في تفسير غريب القرآن، تأليف شهاب الدين أحمد بن محمد بن الهائم المصري (ت بعد 800 هـ)، تحقيق : فتحي أنور الدابلوي، (ط 1)، دار الصحابة للتراث - مصر، 1412هـ / 1992 م.

• التبيان في تفسير القرآن، تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي(ت460 هـ)، تحقيق وتصحيح : أحمد حبيب قصير العاملي،(ط/1)، دار إحياء التراث العربي-بيروت، 1409هـ.

• التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة، تأليف شمس الدين السخاوي (ت 902 هـ)، (ط /1)، دار الكتب العلمية بيروت، 1414هـ 1993م.

• تذكرة الحفاظ، لأبي عبد اللّه شمس الدين الذهبي (ت 748هـ)، (ط/1)، دار الكتب العلمية - بيروت، (دت).

• التسهيل لعلوم التنزيل، تأليف محمد بن أحمد بن محمد الغرناطي الكلبي (ت 741 هـ)، (ط / 4)، دار الكتاب العربي - لبنان، 1403 هـ / 1983 م.

• التطور الدلالي بين لغة الشعر الجاهلي ولغة القرآن الكريم، دراسة دلالية مقارنة، تأليف عودة خليل أبو عودة، (ط / 1)، مكتبة المنار - الزرقاء - الأردن، 1405 هـ / 1985 م.

• التعريفات، تأليف علي بن محمد بن علي الجرجاني المعروف بالشريف الجرجان (ت 816هـ)، تحقيق : إبراهيم الأبياري، (ط /1)، دار الكتاب العربي – بيروت، 1405هـ.

• تفسيرات فسيولوجية في نهج البلاغة، للدكتور عمار جاسم مسلم، (ط / 1)، منشورات دار الاجتهاد، ودار الغدير للطباعة والنشر والتوزيع - قم المقدسة 1430 هـ / 2009 م.

• تفسير القرآن العظيم، لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت 774 هـ) دار الفكر - بيروت، 1401 هـ تقريب التهذيب، تأليف أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي (ت 852هـ)، تحقيق: محمد عوامه، (ط / 1)، دار الرشيد-سوريا، (دت).

• تنوير المقباس من تفسير ابن عباس، تأليف مجد الدين الفيروز آبادي (ت 807 هـ)، دار الكتب العلمية - لبنان، (د. ت).

• تهذيب الأسماء واللغات، لمحيي الدين بن شرف النووي (ت 676 هـ)، تحقيق: مكتب البحوث والدراسات، (ط/1)، دار الفكر - بيروت، 1996م.

• تهذيب التهذيب، تأليف أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي (ت 825هـ)، (ط / 1)، دار الفكر - بيروت، 1404 هـ / 1984 م.

• تهذيب الكمال، لأبي الحجاج يوسف بن التركي عبد الرحمن المزي، تحقيق بشار عواد معروف، (ط / 1)، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1400 هـ / 1980 م.

• تهذيب اللغة، لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت 370 هـ)، تحقيق : محمد عوض مرعب، (ط/ 1)، دار إحياء التراث العربي - بيروت، 2001 م.

الثاء

• الثقات، لأبي حاتم محمد بن حبّان بن أحمد التميمي البستي (ت 354 هـ)، تحقيق : السيد شرف الدين أحمد، (ط/ 1)، دار الفكر، 1395 هـ / 1975 م/

• ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، لأبي منصور عبد الملك بن محمد بن اسماعيل الثعالبي (ت 429 هـ)، (د) - ط)، دار المعارف بالقاهرة، (د- ت).

الجيم

• جامع أحاديث الشيعة في أحكام الشريعة، للشيخ إسماعيل المعزّي الملايري، مطبعة مهر- قم المقدسة - إيران، 1411 هـو

• جامع البيان في تفسير آي القرآن، تأليف أبي جعفر بن محمد بن جرير بن زيد بن خالد الطبري (ت 310 هـ)، (د - ط)، دار الفكر، بيروت، 1405 هـ.

• الجامع الصحيح (سنن الترمذي)، تأليف أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي السلمي (ت 279 هـ)، تحقيق : أحمد محمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، (د - ت).

• الجامع الصحيح المختصر (صحيح البخاري)، تأليف أبي عبد اللّه محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي (ت 256 هـ) تحقيق : د. مصطفى ديب البغا، (ط /3)، دار ابن كثير بيروت، 1407 هـ / 1987 م.

• الجامع لأحكام القرآن، تأليف أبي عبد اللّه محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (ت 671هـ) (د - ط) دار الشعب بالقاهرة، (د - ت).

• الجملة العربية تأليفها وأقسامها، الدكتور فاضل صالح السامرائي، منشورات المجمع العلمي العراقي، بغداد، (د - ط)، 1419 هـ / 1998م.

• الجمل، للشيخ المفيد محمد بن النعمان (413 هـ)، (د- ط)، مطبعة مخللاتي إيران، 1368هـ.

• جمهرة الأمثال، للشيخ أبي هلال العسكري (ت 395 هـ)، دار الفكر، بيروت، 1408 هـ 1988م.

• جمهرة اللغة لأبي بكر محمد بن دريد (ت 321 هـ)، تحقيق : رمزي منير بعلبكي (ط / 1)، دار العلم للملايين / بيروت، 1987 م.

• جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، تأليف الشيخ شرائع الإسلام، تأليف الشيخ محمد حسن النجفي (ت 1266 هـ)، حققه وعلّق عليه : الشيخ عباس القرجاني، (ط/7)، دار الكتب الإسلامية، 1392هـ.

• الجيم، لأبي عمرو الشيباني (ت 206هـ)، حققه وقدم له : إبراهيم الأبياري، مراجعة : محمد خلف اللّه أحمد، (د -ط)، الهيأة العامة لشؤون المطابع، 1394هـ / 1974م.

الحاء

• الحاوي في الطب، تأليف أبي بكر محمد بن زكريا الرازي (ت 666 هـ)، تحقيق وعناية : هيثم خليفة طعيمي، (ط / 1)، دار إحياء التراث العربي - لبنان / بيروت، 1422 / 2002 م.

• الحجة في القراءات السبع، تأليف أبي عبد اللّه الحسين بن أحمد بن خالويه (ت 370هـ)، تحقيق : د عبد العال سالم مكرم، (ط/4)، دار الشروق - بيروت، 1401هـ.

• حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، تأليف أبي نعيم أحمد بن عبد اللّه الأصبهاني (ت430 هـ)، ط/4)، دار الكتاب العربي-بيروت، 1405هـ.

الخاء

• الخصائص، لأبي الفتح عثمان بن حني (ت 392 هـ)، تحقيق : محمد علي النجار عالم الكتب، بيروت، (د. ت)

الدال

• الدراسات اللّهجية والصوتية عند ابن جني، الدكتور حسام سعيد النعيمي، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، دار الرشيد للنشر - الجمهورية العراقية، 1980 م.

• درة التنزيل وغرَّة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب اللّه العزيز، لأبي عبد اللّه محمد بن عبد اللّه المعروف بالخطيب الإسكافي (ت 401 هـ)، برواية ابن أبي الفرج الأردستاني، (ط / 1)، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، 1416 هـ / 1995 م.

• الدر المنثور في التفسير بالمأثور، لعبد الرحمن بن الكمال المعروف بجلال الدين السيوطي (ت 911 هـ)، (د - ط) دار الفكر - بيروت، 1993 م.

• دلائل الإعجاز، تأليف الإمام اللغوي عبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ)، تحقيق : د- فايز الداية، ود-محمد رضوان الداية، (ط/2)، مكتبة سعد الدين – دمشق، 1407هـ / 1987م.

• الديباج الوضي في الكشف عن أسرار كلام الوصي (شرح نهج البلاغة)، تأليف الإمام المؤيد باللّه أبي الحسين يحيى بن حمزة بن علي الحسيني (ت 749 هـ)، تحقيق : خالد بن قاسم بن محمد المتوكل، إشراف الأستاذ عبد السلام بن عباس الوجيه، (ط / 1) مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية، صنعاء - الجمهورية اليمنية، 1424 هـ / 2003 م.

• ديوان أبي فراس الحمداني تقديم، وشرح : عبد القادر محمد مايو، مراجعة :أحمد عبد اللّه فرهود، (ط / 1)، دار القلم العربي سورية - حلب،1420هـ / 2000م.

• ديوان الأدب، تأليف أبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الفارابي (ت 350 هـ)، تحقيق : الدكتور أحمد مختار عمر، مراجعة : الدكتور إبراهيم أنيس (دط)، دار إحياء التراث - القاهرة، 1394هـ / 1970م.

• ديوان الأعشى الكبير ميمون بن قيس، شرح وتعليق : د - محمد محمد حسين، (د -ط)، مكتبة الآداب بالجماميز، والمطبع النموذجيّة-مصر، (د - ت).

• دیوان امرئ القيس، تحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم، (ط / 5)، دار المعارف القاهرة، 1990 م.

• ديوان دريد بن الصمة، تحقيق: د - عمر عبد الرّسول، (د- ط)، دار المعارف - القاهرة، 1985م.

• ديوان ذي الرمة، قدم له وشرحه أحمد: حسن بسج، (ط /1)، دار الكتب العلمية - بيروت، 1415هـ / 1995م.

• ديوان كثير عزّة، جمعه وشرحه الدكتور إحسان عباس، (د - ط)، نشر وتوزيع دار الثقافة بیروت - لبنان، 1971 م.

الذال

• ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربي تأليف محب الدين أحمد بن عبد اللّه الطبريت (ت694 هـ)، (د. ط)، دار الكتب المصرية مصر، (دت).

الراء

• الراعي والرعية (شرح عهد الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر النخعي) تأليف توفيق الفكيكي، صححه وضبط متونه سيد إياد الحسيني، (ط / 1)، دار الغدير للنشر ومطبعة معراج - قم المقدسة، 1429 هـ.

• رسائل الإمام علي في نهج البلاغة (دراسة لغوية) رملة خضير مظلوم البديري، نشر وإعداد مكتبة الروضة الحيدرية في العتبة العلوية المقدسة العراق - النجف الأشرف، 2011م.

• روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للعلامة أبي الفضل شهاب الدين السيد محمود الآلوسي البغدادي (ت 1270 هـ)، دار إحياء التراث العربي - بيروت، (د. ت).

الزاي

• الزينة في الكلمات الإسلامية العربية، تأليف أحمد بن حمدان الرّازي (ت 322هـ)، تحقيق: حسين بن فيض اللّه الهمداني، (د -ط)، مطبعة الرسالة، القاهرة، 1958م.

السين

• سر صناعة الإعراب، لأبي الفتح عثمان بن جني (ت 392 هـ)، تحقيق : الدكتور حسن هنداوي، (ط / 1)، دار القلم - دمشق، 1405 هـ / 1985 م.

• سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي، تأليف عبد الملك بن حسين بن عبد الملك الشافعي المكي، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، (د -ط)، دار الكتب العلمية-بيروت، 1419هـ / 1998م.

• سنن أبي داود، تأليف أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي (ت 275 هـ)، تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر - بيروت، (د. ت)

• السنن الكبرى، لأبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (ت 458 هـ)، تحقيق: د-محمد ضياء الرحمن الأعظمي، (دط)، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي - الكويت، 1404هـ.

سير أعلام النبلاء، تأليف أبي عبد اللّه محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 748 هـ)، :تحقيق شعيب الأرناؤوط، ومحمد نعيم العرقسوسي، (ط / 9)، مؤسسة الرسالة - بیروت، 1413هـ.

• سيرة ابن اسحاق (المبتدأ والمبعث والمغازي)، تأليف محمد بن اسحاق بن يسار (ت 152هـ)، تحقيق : محمد حميد اللّه، (د. ط)، معهد الدراسات والأبحاث التعريفية،(د. ت).

• السيرة النبوية، لأبي محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري(ت 318هـ)، تحقيق : طه عبد الرؤوف سعد، (ط / 1)، دار الجيل - بيروت، 1411 هـ.

الشين

• الشافية في علم التصريف، تأليف أبي عمرو جمال الدين عثمان بن عمر الدويني النحوي المعروف بابن الحاجب (ت 680 هـ)، تحقيق : حسن أحمد العثمان، (ط / 1)، المكتبة المكية - مكة، 1415هـ / 1995 م.

• شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، للمحقق الحلي جعفر بن الحسن (ت 676 هـ) تعليق السيد صادق الشيرازي، (ط / 2)، مطبعة أمير قم المقدسة، 1409 هـ.

• شرح ابن عقيل على الفية ابن مالك، تأليف قاضي القضاة بهاء الدين عبد اللّه بن عقيل العقيلي المصري الهمداني (ت 769 هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، (دط)، دار الفكر – سوريا، 1405هـ / 1985م.

• شرح حكم نهج البلاغة، للعلامة المحقق الشيخ عباس القمي (ت 1259 هـ)، (ط / 1)، دار جواد الأئمة، بيروت - لبنان، 1421 هـ / 1998 م.

• شرح الرّضي على الكافية، تأليف رضي الدين الاستراباذي (ت 686 هـ) تصحيح وتعليق : يوسف حسن عمر، منشورات مؤسسة الصادق / طهران، 1398هـ / 1978 م.

• شرح شافية ابن الحاجب، تأليف الشيخ رضي الدين محمد بن الحسن الاستراباذي النحوي، تحقیق: محمد نور الحسن وجماعته، دار الكتب العلمية - بيروت، 1975م.

• شرح المفصل، تأليف موفق الدين بن يعيش (ت 469 هـ)، (د - ط)، عالم الكتب بيروت، (دت).

• شرح نهج البلاغة، تأليف كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني (ت 679هـ)، (ط/ 1)، منشورات الفجر - لبنان - بيروت، 1430 هـ / 2009 م.

• شرح نهج البلاغة، لعز الدين أبي حامد عبد الحميد بن هبة اللّه مدائني الشهير بابن أبي الحديد (ت 656 هـ)، تحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم، (ط/ 1)، مكتبة الحكيم - دمشق، دار الكتاب العربي - بغداد، 1426 هـ، 2005م.

• شعب الإيمان، لأبي بكر أحمد بن الحسن البيهقي (ت 458 هـ)، تحقيق: السعيد بسيوني زغلول، ط/ 1)، دار الكتب العلمية - بيروت، 1410هـ.

الصاد

• صبح الأعشى في صناعة الإنشا، تأليف أحمد بن علي بن أحمد الفزاري القلقشندي (ت 821 هـ)، تحقيق: عبد القادر زكار، (د -ط)، وزارة الثقافة – دمشق، 1981م.

• صحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبان، لأبي حاتم محمد بن حبّان بن أحمد التميمي البستي (ت 354 هـ) تحقيق ش- عيب الأرناؤوط، (ط/2)، مؤسسة الرسالة بيروت، 1414هـ / 1993م.

• صحیح مسلم، تأليف مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت 261هـ)، تحقيق:محمد فؤاد عبد الباقي، (د - ط)، دار إحياء التراث بيروت، (د -ت).

• صور العادات والتقاليد والقيم الجاهلية في كتب الأمثال العربية من القرن السادس الى التاسع الهجري، للدكتور محمد توفيق أبو علي، (ط/1)، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر بیروت، 1999م.

الطاء

• الطبقات الكبرى، تأليف أبي عبد اللّه محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري (ت 230هـ)، دار صادر - بيروت، (د - ت).

العين

• العقد الفريد، لأحمد بن محمد بن عبد ربَّه الأندلسي (ت 328 هـ)، (ط / 1)، دار إحياء التراث، بيروت - لبنان، 1420 هـ / 1999 م.

علل الشرائع، للشيخ الجليل أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه الصدوق القمي (ت 381هـ)، تقديم محمد: صادق بحر العلوم، (ط / 1)، منشورات دار الزهراء، إيران قم المقدسة، ودار العطار الثقافية - العراق - النجف الأشرف، 1348هـ.

• علم الدلالة، الدكتور أحمد مختار عمر، (ط / 1)، مكتبة دار العروبة للنشر والتوزيع، الكويت، 1402هـ / 1982م.

الغين

• الغدير في الكتاب والسنّة والأدب، تأليف الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي، (ط/4)، دار الكتاب العربي-بيروت، 1397هـ /1977م.

• غريب الحديث، لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي (ت 224 هـ)، تحقيق: د. محمد عبد المجید خان، (ط / 1)، دار الكتاب العربي - بيروت، 1396 هـ.

• غريب الحديث، لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن الجوزي (ت 597 هـ)، تحقيق الدكتور عبد المعطي أمين القلعجي، (ط / 1) دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، 1405 هـ / 1985 م.

• غريب نهج البلاغة، أسبابه، أنواعه، توثيق نسبته، دراسته، تأليف عبد الكريم حسين السعداوي، (ط / 1)، مكتبة الروضة الحيدرية، منشورات فرصاد - طهران، والغدير للطباعة والنشر، 1429 هـ / 2008م.

الفاء

• الفائق في غريب الحديث، تأليف محمد بن عمر الزمخشري (ت 538هـ)، تحقيق : علي محمد البجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، (ط / 2)، دار المعرفة - لبنان، (د. ت).

• الفاظ الحضارة في الشعر العربي في القرن الثاني الهجري، دراسة ومعجم، د. علي زوين، (د. ط)، المجمع الثقافي - أبو ظبي - الإمارات العربية المتحدة، 1427 هـ / 2006 م.

• الفاظ الحضارة في القرن الرابع الهجري (دراسة في ضوء مروج الذهب للمسعودي)، الدكتور رجب عبد الجواد إبراهيم، (ط / 1)، دار الآفاق العربية - مصر، 1423هـ / 2003 م.

• الفروق اللغوية، لأبي هلال العسكري (ت 395هـ)، تحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين - قم المقدسة، (ط / 1)، 1412هـ.

• الفروق، المسمّى (أنوار البروق في أنواء الفروق)، لأبي العباس أحمد بن ادريس الصنهاجي القرافي (ت 648هـ)، تحقيق: خليل المنصور، (ط/1)، دار الكتب العلمية. بیروت، 1418هـ / 1998م.

• فضائل الصحابة، لأبي عبد اللّه أحمد بن حنبل الشيباني (ت 241 هـ)، تحقيق : د - وصي اللّه محمد عباس، (ط / 1)، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1403 هـ / 1983 م.

• فقه اللغة وسر العربية، لأبي منصور عبد الملك الثعالبي (ت 429 هـ) تحقيق ومراجعة : عبد الرزاق المهدي، (ط / 1)، دار إحياء التراث العربي / بيروت، 1431 هـ / 2010 م.

• في التعريب والمعرّب المعروف بـ(حاشية ابن برّي على المعرّب للجواليقي)، لأبي عبد اللّه بن برّي بن عبد الجبار المقدسي المصري (ت 582هـ)، تحقيق : د - إبراهيم السامرائي،(د- ط)، مؤسسة الرسالة - بيروت، 1405هـ / 1985م.

• في رحاب نهج البلاغة، مرتضى المطهري، ترجمة : هادي اليوسفي، دار التعارف للمطبوعات، بيروت - لبنان، 1978م.

• في ظلال نهج البلاغة، تأليف محمد جواد مغنية (ت1400هـ)، (ط / 3)، دار العلم للملايين بیروت، 1988م.

القاف

• القاموس المحيط، تأليف محمد بن يعقوب الفيروز آبادي (ت 817 هـ)، (د - ط)، مؤسسة الرسالة بيروت، (د – ت).

• قراءة ثانية لشعرنا القديم للدكتور مصطفى ناصف، (د - ط)، دار الأندلس-بيروت، 1981م.

الكاف

• الكاشف في معرفة من له رواية في الكتاب والسنّة، تأليف أبي عبد اللّه محمد بن أحمد الذهبي الدمشقي (ت 748هـ)، تحقيق: محمد عوامه (ط/1)، دار القبيلة للثقافة. جدة، 1413هـ / 1992م.

• الكامل في التاريخ، تأليف أبي الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني المعروف بـ(ابن الأثير) (ت 630 هـ)، تحقيق : عبد اللّه القاضي، (ط 2)، دار الكتب العلمية، بيروت 1415 هـ.

• الكامل في اللغة والأدب، لأبي العباس المبرّد (ت 285هـ)، تحقيق: محمد أحمد الدالي (د - ط)، مؤسسة الرسالة الكويت، (دت).

• كتاب الخصال، للشيخ الجليل الأقدم الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (ت 381هـ)، صححه، وعلق عليه : علي أكبر الغفاري، (ط/1)، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم المقدسة، 1403هـ.

• كتاب العين، تأليف الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 170 هـ) تحقيق : د. مهدي المخزومي، ود. إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال.

• كتاب غريب القرآن، لأبي بكر محمد بن عُزيز السجستاني (ت 330 هـ) تحقيق : محمد أديب عبد الواحد حمران، (د- ط)، دار قتيبة، 1416 هـ / 1995م.

• الكتاب المصنف في الأحاديث والأخبار، لأبي بكر عبد اللّه بن محمد بن أبي شيبة الكوفي تحقيق: كمال يوسف الحوت، (ط /1)، دار مكتبة الرشد – الرياض،1409هـ.

• الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، تأليف أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي (ت 538 هـ) تحقيق : عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، (د - ت).

• الكشف والبيان (تفسير الثعلبي)، لأبي اسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري، تحقيق : أبو محمد بن عاشور، مراجعة وتدقيق نظير الساعدي، (ط / 1)، دار إحياء التراث العربي - بيروت، 1422 هـ / 2002 م.

• كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، تأليف العلامة الحلي (ت 726هـ)، تحقيق : آية اللّه حسن زاده آملي، مركز الأبحاث العقائدية - إيران، (دت).

• كفاية المتحفظ في اللغة، تأليف أبي إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد بن عبد اللّه الطرابلسي (ت 470هـ)، تحقيق : السائح علي حسين، (د - ط)، دار إقرأ للطباعة والنشر - طرابلس. الجماهيرية الليبية، (د - ت).

• الكليات: معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، لأبي البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي (ت 1094 هـ)، تحقيق : د - عدنان درويش، و محمد المصري، مؤسسة الرسالة - بيروت 1419 هـ / 1998 م.

• كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، تأليف علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي (ت 975هـ)، تحقيق : محمود عمر الدمياطي، (ط / 1)، دار الكتب العلمية - بيروت، 1419 هـ / 1998 م.

اللام

• لسان العرب، تأليف محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري (ت 711 هـ)(ط / 1)، دار صادر - بيروت، (دت).

• ليس في كلام العرب، تأليف الحسين بن أحمد بن خالويه (ت 370هـ)، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، (ط/2)، دار العلم للملايين - بيروت، 1399هـ / 1979م.

الميم

• المجازات النبوية، لمحمد بن الحسين الشريف الرضي (ت 406 هـ) تصحيح مهدي هوشمند، (ط /1)، دار الحديث للطباعة والنشر - قم المقدسة. 1422هـ

• مجالس ثعلب، لأبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب (ت 291 هـ)، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، (ط/ 4)، دار المعارف مصر، 1400هـ / 1980م.

• مجمع الأمثال، لأبي الفضل أحمد بن محمد الميداني النيسابوري (ت 518 هـ)، تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد، دار المعرفة، بيروت، (د - ت).

• مجمع البحرين، للعالم الفقيه الشيخ فخر الدين الطريحي (ت 1085هـ)، أعاد بناءه على الحرف الأول من الكلمة محمد عادل، تحقيق: السيد أحمد الحسيني، (ط/2)، مكتب نشر الثقافة الإسلامية،1408هـ.

• مجمع البيان لعلوم القرآن، للإمام أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت 548 هـ) من كبار علماء الإمامية، (ط /1)، نشر رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية، طبع مؤسسة الهدى للنشر والتوزيع.

• مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، لعلي بن أبي بكر الهيثمي (ت 807 هـ)، (د. ط) دار الريان للتراث بيروت، ودار الكتاب العربي - القاهرة، 1407 هـ.

• محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، تأليف أبي القاسم الحسين بن محمد بن المفضل الأصفهاني (ت في حدود 425 هـ)، تحقيق : عمر الطبّاع، (د- ط)، دار القلم - بيروت، 1420هـ / 1999م.

• المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت 541 هـ)، تحقيق : عبد السلام عبد الشافي محمد، (ط / 1)، دار الكتب العلمية - لبنان 1431 هـ / 1993 م.

• المحكم والمحيط الأعظم، تأليف أبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيده (ت 458هـ)، تحقيق : عبد الحميد هنداوي، (ط / 1)، دار الكتب العلمية - بيروت، 2000م.

• المدخل الى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي للدكتور رمضان عبد التواب، (ط/3)، مكتبة الخانجي - القاهرة، 1417هـ / 1997م.

• المرأة في نهج البلاغة، تأليف الدكتورة نجوى صالح الجواد، معهد الدراسات العربية والإسلامية - لندن، 1419 هـ / 1999م.

• المزهر في علوم اللغة وأنواعها، لجلال الدين السيوطي (ت 911 هـ)، تحقيق: فؤاد علي مسور، (ط / 1)، دار الكتب العلمية، بيروت، 1418هـ / 1990م.

• المستدرك على الصحيحين، تأليف أبي عبد اللّه محمد بن عبد اللّه الحاكم النيسابوري (ت 405 هـ)، تحقيق مصطفى عبد القادر، ط / 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1411 هـ 1990 م.

• مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل، تأليف خاتمة المحدثين الحاج الميرزا حسين النوري الطبرسي (ت 1320 هـ)، تحقيق : مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لإحياء التراث، (ط / 2) مؤسسة آل البيت لإحياء التراث - بيروت، 1408 هـ / 1988 م.

• المستقصى في أمثال العرب، لأبي القاسم جار اللّه محمود بن عمر الزمخشري (ت 385 هـ)، (ط / 2)، دار الكتب العلمية - بيروت، 1987 م.

• مسند ابن الجعد، لأبي الحسن علي بن الجعد بن عبيد الجوهري البغدادي (ت 230 هـ)، تحقيق : عامر أحمد حيدر، (ط / 1)، مؤسسة نادر - بيروت / 1410 هـ / 1990 م.

• مسند أبي يعلى، لأبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي التميمي (ت 307 هـ)، تحقيق : حسين سليم أسد، (ط/ 1)، دار المأمون – دمشق، 1404 هـ / 1984 م.

• مسند شمس الأخبار المنتقى من كلام النبي المختار، تأليف الشيخ علي بن حميد القرشي وبهامشه حاشية كشف الأستار عن أحاديث شمس الأخبار للعلامة محمد بن حسين الجلال، (ط / 1)، منشورات مكتبة اليمن الكبرى صنعاء - اليمن، 1407 هـ / 1987 م.

• مسند الشهاب، لأبي عبد اللّه محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي (ت 454 هـ)، تحقيق : حمدي عبد المجيد السلفي، (ط/ 2)، مؤسسة الرسالة - بيروت، 1407 هـ / 1986 م.

• مشارق الأنوار على صحاح الآثار، للقاضي أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي المالكي (ت 544 هـ)، (د - ط)، المكتبة العتيقة، ودار التراث (د-ت).

• مشكل إعراب القرآن، تأليف أبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي (ت 437هـ)، تحقيق :د- حاتم صالح الضامن، (ط/2)، مؤسسة الرسالة - بيروت، 1405هـ.

• مصادر نهج البلاغة و أسانيده، تأليف السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب، (ط / 3)، دار الأضواء، بيروت - لبنان، 1405 هـ / 1985 م.

• المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، تأليف أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي (ت 770هـ)، المكتبة العلمية -بيروت (دت).

• معارج نهج البلاغة، لعلي بن زيد البيهقي الأنصاري (ت 565 هـ)، تحقيق : أسعد الطّيب، (ط / 1)، مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية، قم المقدسة، 1422هـ.

• المعارف، لأبي عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة (ت 276 هـ)، تحقيق : الدكتور ثروت عكاشة، (د - ط)، دار المعارف - القاهرة، (دت).

• معاني الأبنية في العربية، الدكتور فاضل صالح السامرائي، (ط / 1)، ساعدت جامعة بغداد على نشره، 1401 هـ / 1981 م.

• معاني القرآن، تأليف أبي زكريا يحيى بن زياد الفرّاء (ت208هـ)، تحقيق وتقديم ومراجعة: محمد علي النجار وأحمد يوسف نجاتي، (ط/2)، عالم الكتبـبيروت، 1983م.

• معجم أسماء الأشياء المُسمّى اللطائف في اللغة، لأحمد بن مصطفى الدمشقي، (د - ط)، دار الفضيلة - القاهرة، (دت).

• معجم البلدان، تأليف أبي عبد اللّه ياقوت بن عبد اللّه الحموي، (ت 626 هـ)، دار الفكر. بیروت.

• المعجم الصغير (الروض الداني)، لأبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني (ت 310 هـ)، تحقيق : محمد شكور محمود الحاج، (ط / 1) الكتب الاسلامي، دار عمار بيروت - عمان، 1405 هـ / 1985 م.

• المعجم في بقية الأشياء، لأبي هلال العسكري (ت 395 هـ)، أكمله وعلق عليه وضبطه إبراهيم الأبياري، وعبد الحفيظ شلبي، (ط / 1)، مطبعة دار الكتب المصرية - القاهرة 1353 هـ / 1934م.

• المعجم الكبير، لأبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، تحقيق :حمدي بن عبد المجيد السلفي، (ط / 2)، مكتبة الزهراء - الموصل، 1404 هـ / 1983 م.

• معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، تأليف أبي عبيد عبد اللّه بن عبد العزيز البكري الأندلسي (ت487هـ)، تحقيق : مصطفى السقا، (ط / 3)، عالم الكتب - بيروت، 1403هـ.

• المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة، لمحمد الدّشتي، والسيد كاظم المحمدي، (ط / 6)، مؤسسة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) للتحقيق - قم المقدسة، 1375 هـ.

• معجم مقاييس اللغة، لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا (ت 392 هـ)، تحقيق : عبد السلام محمد هارون (ط / 2)، دار الجيل - بيروت، 1420 هـ.

• المعجم الوسيط، تأليف إبراهيم مصطفى، وأحمد الزيات، و حامد عبد القادر، ومحمد النجار، دار الدعوة - مجمع اللغة العربية، (دت).

• المعرّب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم، لأبي منصور الجواليقي موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر (ت 540 هـ)، تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر، (ط / 2)، مركز تحقيق التراث ونشره، مطبعة دار الكتب 1389 هـ / 1969م.

• معرفة الثقات من رجال العلم والحديث ومن الضعفاء وذكر مذاهبهم وأخبارهم، تأليف أبي الحسن أحمد بن عبد اللّه بن صالح العجلي الكوفي، تحقيق: عبد العليم عبد العظيم البستوي، (ط / 1)، مكتبة الدار بالمدينة المنورة، 1405هـ / 1985م.

• مع نهج البلاغة دراسة ومعجم، تأليف د. إبراهيم السامرائي، (ط / 1)، دار الفكر للنشر و التوزيع - عمان، 1987 م.

• المغرب في ترتيب المعرب، تأليف أبي الفتح ناصر الدين المطرّزي(ت 610هـ)، تحقيق: محمد الفاخوري، وعبد الحميد المختار، (ط / 1)، مكتبة أسامة بن زيد -حلب - سورية، 1399هـ / 1979م.

• مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، لجمال الدين بن هشام الأنصاري (ت761هـ)، حققه وعلّق عليه: د. مازن المبارك، ومحمد علي حمد اللّه، مرجعة :سعيد الأفغاني، (ط/ 5)، مؤسسة الصادق للطباعة والنشر - قم المقدسة، (دت).

• مفاتيح الغيب أو (التفسير الكبير) للإمام فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي الشافعي (ت 606 هـ)، (ط / 1)، دار الكتب العلمية، بيروت 1421 هـ / 2000 م.

• المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، للدكتور جواد علي، (ط /4)، دار الساقي 1422هـ / 2001 م.

• المفصل في صنعة الإعراب، لأبي القاسم محمود بن عمرو بن أحمد جار اللّه الزمخشري (ت 538هـ)، تحقيق: د - علي بوملحم، (ط / 1)، مكتبة الهلال- بيروت، 1993م.

• المقتضب، لأبي العباس محمد بن يزيد المبرّد (ت 278 هـ)، تحقيق : محمد عبد الخالق عضيمة، عالم الكتب، بيروت، (د - ت).

• المقتفى من سيرة المصطفى (صلى اللّه عليه وآله) للإمام المؤرخ الحسن بن عمر بن حبيب (ت 779 هـ)، تحقيق : د. مصطفى محمد حسين الذهبي، (ط / 1) دار الحديث - القاهرة 1416 هـ / 1996م.

• المقنع في علوم الحديث، تأليف سراج الدين عمر بن علي بن أحمد الأنصاري، تحقيق : عبداللّه بن يوسف الجديع، (ط/1)، دار فواز للنشر - السعودية، 1413هـ.

• ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتَّعْطِيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل تأليف الإمام أبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي (ت 708 هـ)، وضع حواشيه عبد الغني محمد علي الفاسي، ط / 1، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان 1427هـ، 2006م.

• منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، تأليف العلامة الميرزا حبيب اللّه الهاشمي الخوئي (ت 1324 هـ)، ضبط وتحقيق : علي عاشور، (ط) / 1)، دار إحياء التراث العربي -بيروت، ومؤسسة المظفر الثقافية - النجف الأشرف، 1429هـ / 2008 م.

• المنهج الأمني في نهج البلاغة، تأليف محمد صادق الهاشمي، مركز العراق للدراسات العراق، (د - ت).

• المهذب في علم التصريف، تأليف الدكتور هاشم طه شلاش، والدكتور صلاح الفرطوسي، مطبعة جامعة بغداد، (د - ط)، د.ت.

• موسوعة المصطفى والعترة، تأليف حسين الشاكري، (ط / 1) نشر الهادي- قم المقدسة، 1417هـ.

• الميزان في تفسير القرآن، تأليف العلامة السيد محمد حسين الطبطبائي (ت 1412هـ)، (د- ط)، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية - قم المقدسة، (د - ت).

النون

• النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، تأليف جمال الدين أبي المحاسن يوسف بن تغري بردي الأتابكي (ت 874هـ)، (د - ط)، نشر وزارة الثقافة والإرشاد القومي -مصر،(د -ت).

• النهاية في غريب الحديث والأثر، لأبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري (ت 606 هـ) تحقيق، طاهر أحمد الزاوي، ومحمود محمد الطناجي، المكتبة العلمية - بيروت ، 1399هـ / 1979م.

• نهج البلاغة، تحقيق وشرح محمد أبو الفضل ابراهيم، (ط / 1) دار الجيل - بيروت، 1408 هـ / 1988م.

• نهج البلاغة، تعليق آية اللّه العظمى السيّد محمد الحسيني الشيرازي، (ط / 3)، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر، 1431 هـ / 2010م.

• نهج البلاغة، للشريف الرضي محمد بن الحسين بن موسى (ت 406 هـ)، تحقيق : السيد هاشم الميلاني، (ط / 1)، مكتبة الروضة الحيدرية في العتبة العلوية المقدسة - النجف الأشرف - العراق 1430 هـ / 2009م.

• نهج البلاغة، وهو ما جمعه السيد الشريف الرضي من خطب ووصايا وكتب وكلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، شرح الشيخ محمد عبده، خرَّج مصادره: فاتن خلیل اللبون، (ط / 1)، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، ومؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر (د - ت).

• نهج البلاغة، وهو مجموع ما اختاره الشريف أبو الحسن محمد الرضي بن الحسن الموسوي (ت 406 هـ (من كلام أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)،

ضبط نصه وابتكر فهارسه العلمية الدكتور صبحي الصالح، (ط / 1)، دار الهدى، إيران - قم المقدسة، 1426هـ.

• نهج الصباغة في شرح نهج البلاغة، للشيخ محمد تقي التستري، (د - ط)، مكتبة الصدر طهران، (دت).

• النوادر، لأبي مسحل عبد الوهاب بن حريش الأعرابي (ت199 هـ)، تحقيق :د- عزة حسن (د -ط)، دمشق، 1961م.

الواو

• الوافي بالوفيات، تأليف صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي (ت 764 هـ)، تحقيق : أحمد الأرناؤوط، وتركي مصطفى، دار إحياء التراث - بيروت، 1420 هـ / 2000 م.

• الوزراء والكتاب، لمحمد بن عبدوس الجهشياري (ت 331هـ)، تحقيق: د-مصطفى السقا وآخرين،(د -ط)، 1938م.

• وسائل الشيعة الى تحصيل مسائل الشريعة، تأليف المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (ت 1104 هـ) عني بتصحيحه وتذييله الشيخ عبد الرحيم الرباني الشيرازي، (د - ط)، دار إحياء التراث العربي-بيروت، (د - ت).

• وقعة صفين، لنصر بن عاصم المنقري (ت 212 هـ)، تحقيق وشرح : عبد السلام محمد هارون، (ط / 1)، مطبوعات دار الأندلس - النجف الأشرف، بيروت - لبنان، 1431 هـ / 2010 م.

ثانياً : الرسائل الجامعية

• أسماء الإشارة في القرآن الكريم (دراسة لغوية ونحوية)، رسالة ماجستير، حسام عدنان رحيم الياسري، كلية الآداب - جامعة القادسية، 1421 هـ / 2000 م

• الفاظ الشجر والنبات في القرآن الكريم (دراسة ومعجم)، رسالة ماجستير، أسعد جواد يوسف الخفاجي، كلية الآداب - جامعة القادسية، 1420 هـ / 1999 م.

• الفاظ العلاقات الاجتماعية في القرآن الكريم (دراسة دلالية تطبيقية لألفاظ الأسرة والقرابة)، رسالة ماجستير، صالح، هادي شمام القريشي، كلية الآداب - الجامعة المستنصرية، 1416هـ / 1995م.

• المباحث اللغوية في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، أطروحة دكتوراه، هادي عبد علي هويدي الفتلاوي، كلية الآداب - جامعة الكوفة، 1423 /2002 م.

ثالثاً: البحوث المنشورة في المجلات.

• الطاغوت في العربية، د - عبد اللّه الجبوري، بحث منشور في مجلة (المورد) التي تصدر عن دار الشؤون الثقافية، المجلد الثلاثون، العدد الأوّل، 1423هـ / 2002م.

Abstract

The present thesis is concerned with "The Utterances of Social Life in Imam Ali's Nahj El -Balagha" in an attempt to study and glossify these utterances. The choice of this particular book is due to its great significance in the Arabic literary tradition and the scarcity of linguistic studies on it because of the previous ragime's secterian bias against its author. The same book offered an important source of reference for Arabic lexicogrphers especially (Cultivating Language), (Arabs' Tongue), (The End in Strange Hadeeth and Heritage) written by Ibnil-Athear Al-Jazry (B.606 A.H). All these books heavily rely on Nahj El -Balagha in interpreting the meaning of words and their associations. A part, from this, Imam Ali's celebrated book is distinguished for its great eloqnence and rhetorical power which actually motivated Al-Shareef Al-Radhi to collect Al-Imam's literary heritage in this book.

The researcher adopted the "Theory of the Semantic Domain" to analyze social life utterances in the aforementioned book. According to this basis the researcher was able to identify the following categories of these utterances : transportation utterances (e.g: camels), (social classes utterances), (social relationships utterance and kinship), (clothes and rugs), (diseases and cures), and (other social environment aspects). The linguistic relationships between the members of each category have been anallyzed in terms of (synonomy, opposition, loan words and other linguistic phenomena).

It has been concluded that Nahj El-Balagha and its author represent the peak in eloquence, rhetorics and wit because Al-Imam Ali followed the example of the Glorious Quran and its linguistic excellence as the Word of God Al-Mighty. Another source from which Al-Imam Ali learned much is prophet Muhammed (peace and prayer upon him and his progeny) who brought up Al-Imam Ali and inspired him with great linguistic and religious knowledge. The research has come up with a number of conclusions, the following are the most significant ones:

1- The occurrence of partial synonymy among the utterances (scent), (fragrance) and (musk).

2- The utterance of (scent) is used to denote the unforbidden feature of food and that it is a synonym of (the unforbidden) being a partial synonym as it is used by the Imam.

3- The vocabulary item (basil) is used to denote the females (women) describing the woman as a basil which is the soft bough that has pleasant smell in addition to the Imam's (PBUH) use to denote the political and

social status of Beni Makhzoum tribe whom they are considered as (the basil of Quraish) i.e. its heart and core by him.

4- There is a general-specific relationship between the vocabulary item (scent) which is a collective name of all things that deals with scent and (musk) which is part of or some sort of it and there is a partial synonymy between (perfume) which is a general utterance and the vocabulary item (scent) which is more specific in its denotation as it seems.

The researcher: Hussam Adnan Raheem

University of Kufa

College of Arts

Department of the Arabic Language

Utterances of Social life in Nahjul Balagha

A Thesis

Submitted to the Council of the College of Arts / University of Kufa

By

Hussam Adnan Raheem

in Partial Fulfillment of the Requirements for the (Ph.D) Degree in Arabic Language and Literature

Supervised By

Prof. Hakim Habib Al- Greity, Ph.D.

1433A.H 2012A.D