القواعد الفقهیة و الاجتهاد و التقلید المحکم فی اصول الفقه جلد 6

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

بطاقة تعريف: الطباطبایي الحکیم، محمدسعید، - 1935

عنوان المؤلف واسمه: المحکم في اصول الفقه/ تالیف السید محمدسعید الطباطبایي الحکیم

تفاصيل النشر: دارالهلال - قم - مکتبة آیة ‌الله العظمی السید الحکیم، 1418ق. = 1997م. = - 1376.

رقم المجلدات 6ج

حالة الفهرسة: الفهرسة السابقة

لسان:العربية

ملحوظة:تم نشر هذا الكتاب من قبل ناشرين مختلفين في سنوات مختلفة

ملحوظة:فهرس

موضوع:أصول فقه الشيعة

تصنيف الكونجرس:BP159/8/ط2م3 1376

تصنيف ديوي:297/312

رقم الببليوغرافيا الوطنية:م‌77-6154

اشارة

المحکم في اصول الفقه

المحکم في اصول الفقه

تالیف محمدسعید الطباطبایی الحکیم

دارالهلال - قم - مکتب آیت‌الله العظمی السید الحکیم

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد واله الطيبين الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين. رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، أنت حسبي ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، عليه توكلت وإليه أنيب.

المقصد الثالث: في التعارض

اشارة

المقصد الثالث: في التعارض

أشرنا في تمهيد الكلام في الوظائف العملية الظاهرية إلى أنه لاوجه لجعل مبحث التعارض خاتمةً لمباحث الأصول، أو لقسم الوظائف الظاهرية - كما صنعه شيخنا الأعظم (قدس سره) - لعدم خروجه عن المقصد المهم بعد تضمنه تنقيح الكبريات للوظائف الظاهرية التي تقع في طريق الاستنباط، الذي هو معيار المسألة الأصولية.

ومثله إلحاقه بمباحث الطرق - كما صنعه بعض المعاصرين في أصوله - لعدم اختصاص بعض مسائله بها، بل يجري في الأصول أيضاً، كمسألة مقتضى الأصل في المتعارضين.

ومن هنا كان الأنسب جعله مقصداً في قبال المقاصد السابقة، كما جرى عليه المحقق الخراساني (قدس سره).

كما أن ما جرى عليه من جعل عنوان البحث هو التعارض أنسب مما جرى عليه شيخنا الأعظم (قدس سره) من جعل عنوانه التعادل والتراجيح، لأنه أخص.

ولاسيما مع عدم كون البحث في التراجيح عن أحكامها، بل عن

تشخيص مواردها التي هي من أحكام التعارض.

ومن ثم جرينا على ذلك، كما جرى عليه غير واحد ممن تأخر عنه.

وينبغي التمهيد لمحل الكلام بذكر أمور..

تمهيد بذكر أمور..

الأمر الأول: معنى التعارض

الأول: التعارض تفاعل من العرض. وقد ورد في استعمالات كثيرة بأنحاء مختلفة، وذكر له معاني متعددة قد يرجع بعضها إلى بعض. ولعل الأصل لغير واحد من تلك المعاني هو العرض المقابل للطول، حيث قد يرجع إليه استعماله بمعنى السعة في مثل قوله تعالى: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ(1). وقوله سبحانه: وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ(2).

كما قد يرجع إليه استعماله بمعنى المنع، تشبيهاً للمانع بما يقف في عرض الطريق ويصد عن النفوذ والمضي، كالخشبة المعترضة في النهر المانعة من جريان الماء فيه، كما تضمنه حديث سراقة: أنه عرض لرسول الله (ص) وأبي بكر الفرس. قال ابن الأثير:

«أي اعترض به الطريق يمنعهما من المسير».

ولعله لذا سميت الخشبة التي تمسك عضادتي الباب عارضة، وسمي الإيراد على المطالب العلمية والاستشكال فيها اعتراضاً.

وهذا هو المناسب لإطلاق التعارض في المقام، بلحاظ أن كلاً من المتعارضين يمنع من العمل بالآخر، فكأنه مانع له من تأثيره لمقتضاه، وهو المطابق للمرتكزات العرفية في وجه إطلاق التعارض في أمثال المقام.


1) سورة الحديد: 21.

2) سورة فصلت: 51.

ولا وجه مع ذلك لما يظهر من شيخنا الأعظم (قدس سره) من عدم المناسبة بين المعنى المقصود في المقام والمعنى اللغوي، حيث فسر المعنى اللغوي للعرض بالاظهار، ومثل له بعض الأعيان المحققين ب: عرض المتاع للبيع.

على أن تفسير العرض بالإظهار لا يخلو عن إشكال، بل الظاهر أن المراد به نحو من الملابسة بين الشيئين ترجع إلى تهيئة أحدهما للآخر وإعداده له، كما في المثال وفى قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ(1)، أو إلى نحو من الاتصال بينهما كما في قوله تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا(2)، أو غير ذلك مما قد يستلزم الإظهار ولا يطابقه مفهوماً.

ولا يبعد رجوع ذلك المعنى للمعنى المذكور آنفا، لمناسبة ما يكون في عرض الطريق له جداً. والأمر سهل.

الأمر الثاني: تعريف التعارض

اشارة

الأمر الثاني: عرَّف شيخنا الأعظم (قدس سره) التعارض في الاصطلاح بأنه تنافي مدلول الدليلين على وجه التناقض والتضاد، وظاهره وصريح بعض الأعيان المحققين (قدس سره) أن ذلك هو المشهور في تعريفه.

وعرَّفه المحقق الخراساني (قدس سره) في الكفاية بأنه: تنافي الدليلين أو الأدلة بحسب الدلالة ومقام الإثبات على وجه التناقض أو التضاد حقيقةً أو عرضاً.

وعلى ضوء هذين التعريفين يقع الكلام في جهات..

الكلام في جهات
الأولى: في تحديد التعارض

الأولى: أنه حيث تقدم أن إطلاق العرف للتعارض في أمثال المقام مبني على ملاحظة التمانع بين المتعارضين، فالتنافي بالتناقض أو التضاد


1) سورة الأحزاب: 72.

2) سورة غافر: 46.

لا يطابق التعارض بما له من المفهوم العرفي، بل هو منشأ له بلحاظ امتناع حجية المتنافيين والتعبد بهما وعدم صلوحها للعمل، حيث يكون كل منهما بسبب ذلك مانعاً من ترتب مضمون الآخر والعمل به.

والظاهر أن إطلاقه في كلام أهل الفن مبني على الجري على المعنى العرفي المذكور، لا على اختراع معنى خاص له مباين لذلك المعنى مفهوماً مناسب له يكون هو المصطلح في المقام، لاحتياجه لعنايةٍ يبعد ارتكابها مع الاستغناء عنها. غايته أن محل الكلام مختص بالطرق الظاهرية من أدلة أو أصول، تبعاً لاختصاص الغرض بذلك.

فالتعريفان المذكوران مبنيان على التسامح من هذه الجهة، وهما بضبط موارد التعارض أنسب

الثانية: ذكر التناقض والتضاد في تعريفه

الثانية: ذكر التناقض والتضاد في التعريفين إن كان لأجل التعميم للتضاد بلحاظ ظهور التنافي بدواً في خصوص التناقض، لأن النقيض نفي لنقيضه، دون الضد وضده، فمن الظاهر أن العدم نفي الوجود دون العكس، فلابد أن يراد من التنافي محض التعاند، وهو حاصل في الضدين.

وإن كان لأجل تخصيص التنافي في محل الكلام بالقسمين المذكورين دون غيرهما من أنحاء التنافي فلا وجه له.

وإرادة مطلق التعاند من التضاد - كما هو ظاهرهم - مستلزم للاكتفاء بذكر التنافي. على أن جميع أنحاء التنافي مستلزمة للتناقض بلحاظ الدلالة الالتزامية لكل من الدليلين التي هي حجة كالدلالة المطابقية.

وأما في الأصول التي هي غير حجة في لازم مؤداها فلا يكفي التضاد في تحقق التعارض، لأن العلم بكذب أحد الأصلين لا يخرجهما عن الحجية

إلا لمحذور خارج كلزوم الترخيص في المعصية ونحوه.

وبالجملة: ذكر التناقض يكفي في المقام، بل يكفي ذكر التنافي.

الثالثة: معنى التنافي

الثالثة: ذكر غير واحد أن اختلاف التعريفين في نسبة التنافي، حيث نسب للمدلول في الأول وللدلالة في الثاني، يوجب كون وصف الدليلين بالتعارض على الثاني حقيقياً، وعلى الأول مجازياً، من باب وصف الشيء بحال متعلقه.

ويشكل: بأنه لا مانع من كون تنافي المدلولين منشأ لاتصاف الدليلين اصطلاحاً أو عرفاً بالتعارض. بل ليس هو بأبعد من كون تنافي الدلالتين علة لذلك، مع وضوح كونهما من شؤون الدليلين أيضاً لا عينهما.

كما أنه ذكر غير واحد أيضاً أن اختلافهما في ذلك يوجب الفرق بينهما في دخول موارد الحكومة والجمع العرفي في التعارض على الأول، لاستقرار ظهور كل منهما في مدلوله بنحو ينافي الآخر، وخروجها على الثاني، لعدم حجية أحدهما إلا فيما لا ينافي الآخر.

وهو كما ترى! لوضوح أن الدلالة من سنخ العرض للمدلول، ولا يعقل اختلاف العرض والمعروض سعةً وضيقاً فيمتنع تحقق التنافي بلحاظ المدلول دون الدلالة.

وحمل الدلالة في الثاني على خصوص مورد الحجية ليس بأولى من حمل المدلول في الأول عليه. ولذا كان ظاهر شيخنا الأعظم (قدس سره) كصريح المحقق الخراساني (قدس سره) خروج الموردين المذكورين عن التعارض، مع اختلافهما في تعريفه. ويأتي الكلام في ذلك.

ثم إن نسبة التنافي للدلالتين في الثاني إنما هو بلحاظ تنافي المدلولين،

وإلا فلا تنافي بين الدلالات المختلفة على المدلولات المتنافية، لتعدد الموضوع.

إلا أن يراد بالدلالة ما يساوق الحجية، فيتحقق التنافي بين الدلالتين، لاستحالة التعبد بالمتنافيين.

لكن التنافي حينئذ ليس بالتناقض، لكون طرفيه وجوديين، كما نبه له غير واحد.

الرابعة: تعميم الخراساني (قدس سره) بين أكثر من دليلين

الرابعة: عمم المحقق الخراساني (قدس سره) في تعريفه المتقدم التعارض لما يكون بين أكثر من دليلين، كما لو دل دليل على وجوب القصر والآخر على وجوب الصيام، وثالث على الملازمة بين الإتمام والصيام.

وهو المناسب للمعنى المتقدم للتعارض، ولعموم الغرض من البحث في المقام، وإن اختصت بعض نصوص التعارض بالخبرين.

غايته أنه لابد من الكلام في عموم الأحكام التي تضمنتها تلك النصوص لذلك وعدمه.

ثم إن فرض التعارض الذي هو محل الكلام والغرض بين أكثر من دليلين إنما يتم لو لم يكن أحدها قطعياً، وإلا كان التعارض مختصاً بغيره، لحجيته على كل حال، ويدخل حينئذ في التعارض لأمرٍ خارجٍ الذي يأتي الكلام فيه، كتعارض دليلي وجوب الظهر ووجوب الجمعة، بضميمة العلم بعدم وجوب الجمع بينهما.

كما أنه لو كان مفاد كل من الدليلين في الفرض تعيين الصلاة الواجبة المفروض وحدتها بكل من الظهر والجمعة، لا محض الأمر بكل منهما، كانا متعارضين ذاتاً، لامتناع اتحاد الصلاة الواحدة مع كل منهما. غايته أن

التنافي بينهما بنحو التضاد الذي تقدم الكلام فيه.

الخامسة: تعميم التنافي في تعريف الخراساني

الخامسة: تقدم في تعريف المحقق الخراساني تعميم التنافي الذي يكون منشأ للتعارض للحقيقي والعرضي.

وقد حمل بعض شرّاح كلامه الأول على ما إذا كان التنافي عقلياً، والثاني على ما إذا كان بواسطة مقدمة شرعية خارجية، كتنافي دليلي وجوب الظهر والجمعة بضميمة العلم بعدم وجوب الجمع بينهما.

أما سيدنا الأعظم (قدس سره) فقد جعل القسمين من التنافي الحقيقي، وخص التنافي العرضي بما إذا علم بعدم ثبوت أحدهما مع إمكان ثبوتهما معاً شرعاً وعقلاً.

ويناسبه قول المحقق الخراساني مفرِّعاً على ذلك:

«بأن علم بكذب أحدهما إجمالاً، مع عدم امتناع اجتماعهما أصلاً»، كما يناسبه في الجملة ما في حاشيته على الرسائل، من دخول ذلك في التعارض وإن عبر عنه بالتعارض العلمي، لا العرضي.

وربما يحمل العرضي على التنافي لأمر خارج من مقدمة شرعية، أو علم إجمالي، ويخص الحقيقي بالتنافي الذاتي العقلي، وربما يناسبه ما في حاشيته على الرسائل، على اضطراب في كلامه. فراجع. ويأتي الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى.

الأمر الثالث: ما يعتبر في التعارض من تمامية موضوع الحجية في الدليلين

الأمر الثالث: لابد في تحقق التعارض في محل الكلام من تمامية موضوع الحجية في كلٍ من المتعارضين، فلو فقد في أحدهما أو في كليهما فلا تعارض.

وتوضيح ذلك: أنه حيث تقدم أن إطلاق التعارض مبني على فرض

التمانع بين الدليلين في ترتب مقتضاهما، ففرض التمانع مبني على المفروغية عن تمامية المقتضي في الممنوع للعمل، ومع فرض قصوره وعدم تحقق مقتضي العمل فيه لا تصل النوبة للمانع عرفاً، لتصدق المعارضة بما لها من المعنى المتقدم.

كما أن محل الكلام في المقام هو بيان حكم المتعارضين من حيثية التعارض، بعد الفراغ عن صلوحهما للعمل في أنفسهما، كما هو ظاهر الأدلة الخاصة الواردة في المقام.

نعم، لا يعتبر ذلك في تحقق التعارض من حيثية الكشف والبيان، لتمامية المقتضي في الكاشف والحاكي لذلك، وإن لم يكن حجة صالحة للعمل، ولذا يصدق التعارض بين مثل أخبار المؤرخين التي لا يراد منها إلا التعرف على الواقع والوصول إليه ولو ظنا، فالتعارض أمر إضافي يختلف باختلاف الجهة المقصودة من المتعارضين.

إلا أن ذلك خارج عن محل الكلام في المقام، لاختصاص غرض الأصولي بتنقيح الأدلة وتشخيصها، فالمنظور له هو تعارضها من حيث هي أدلةٍ صالحة للعمل. ومن ثم اختص الكلام بتعارض الوظائف الظاهرية لا غير.

ودعوى: أن لازم ذلك عدم صدق التعارض في فرض علاجه بالتخيير أو الترجيح، لفرض عدم التمانع بين الدليلين حينئذٍ وإن كان بينهما تمانع وتناف في مقام الكشف والدلالة.

مدفوعة: بأن العلاج المذكور لما كان من أحكام التعارض، فلابد من كون التعارض الذي هو محل الكلام هو التعارض في الرتبة السابقة عليه،

لا اللاحقة له، وهو التعارض بالإضافة لعموم دليل الحجية، لا بالنظر للأدلة الخاصة.

ثم إنه لا يفرق بين كون ما فقد شرط الحجية معلوماً بالتفصيل وكونه معلوماً بالإجمال، وسقوط كل منهما عن الحجية في خصوص مؤداه في الثاني ليس بملاك التعارض، بل لاشتباه الحجة باللاحجة، ولذا لا يسقط ما هو الحجة منهما عن الحجية في خصوص في مؤداه الإجمالي لو كان لحجيته فيه أثر عملي، كما لو كانا تكليفين، حيث يتنجز كل منهما بملاك العلم الإجمالي.

ومما ذكرنا يظهر أنه لا يتحقق التعارض الذي هو محل الكلام لو كان أحد الدليلين وارداً على دليل حجية الآخر، بأن يكون رافعاً لموضوع حجيته، وإن لم يكن رافعاً لموضوع الحكم الذي تكفله، كما هو الحال في موارد الجمع العرفي - كالجمع بين الظاهر والأظهر، ومنه بعض أقسام الحكومة، وهو ما لا يكون فيه أحد الدليلين ناظراً للدليل الآخر، بل لحكمه، على ما يأتي توضيحه في محله إن شاء الله تعالى - لأن مرجع الجمع بين الدليلين وتقديم أحدهما على الآخر حينئذٍ إلى أن حجية أحدهما في المورد مشروطة بعدم ورود الآخر، فمع وروده يسقط الأول عن موضوع الحجية، وإن انعقد ظهوره وبقي موضوع حكمه.

إذ التعارض بين الدليلين على هذا ليس في مرتبة حجيتهما، بل في مرتبة كشفهما وبيانيتهما لا غير، وقد عرفت خروج ذلك عن التعارض الذي هو محل الكلام.

ولا مجال لقياسه على ارتفاع التعارض بأدلة العلاج الذي تقدم أنه لا

يوجب خروج المورد عن التعارض الذي هو محل الكلام.

لأن ارتفاع التعارض هنا بالنظر لعموم دليل الحجية، لانحصار دليل حجية الظواهر ببناء العقلاء الذي يقصر في مورد الجمع العرفي، بخلافه هناك، حيث يكون المنشأ فيه الأدلة الخاصة، مع بقاء التعارض بالنظر لعموم دليل الحجية، كما سبق.

وعلى هذا جرى شيخنا الأعظم (قدس سره) وغير واحدٍ ممن تأخر عنه، كما سبق.

ولازم ذلك كون البحث في شؤون الجمع العرفي وضوابطه وما يتعلق بذلك من مبادئ مبحث التعارض، لرجوعه إلى تشخيص مورده وتنقيح صغرياته، لا إلى بيان حكمه، فيناسب جعله مقدمة للبحث المذكور، لا من مقاصده.

إلا أن أهمية البحث المذكور ومناسبته للمقام ووقوع نتائجه في طريق الاستنباط ملزم بجعله من مقاصد هذا المبحث، لتبعية سعة البحث لسعة الغرض، وليس ذكر الموضوع إلا لتحديد الغرض، فإذا كان الموضوع قاصراً عن استيفائه لزم التخطي عنه محافظة على استيعاب الغرض.

ويأتي إن شاء الله تعالى في آخر الكلام في تمهيد البحث في المقام التعرض لمنهج البحث وتعيين موضع الكلام في ذلك منه.

الأمر الرابع: توقف التعارض على تنافي المؤديين

الأمر الرابع: لا ريب في توقف التعارض على تنافي المؤديين، بحيث يمتنع التعبد بهما ظاهراً، كما يمتنع جعلهما واقعاً، ولا يكفي مجرد العلم بقصور دليل الحجية عن أحدهما لا من جهة تنافي مضمونيهما، كما في الماء النجس المتمم كراً بطاهر، بناء على أن مقتضى الاستصحاب في كل

منهما نجاسة الأول وطهارة الثاني وعدم اختلاف حكم أجزاء الماء الواحد ظاهراً، كما لا يختلف واقعاً، فإن مرجع ذلك إلى العلم بتخصيص عموم الاستصحاب بنحو لا يشملهما معاً، من دون أن يمتنع اجتماع مضمون كلا الاستصحابين، فإن أصالة العموم في دليل الاستصحاب وإن كانت تسقط في كل من الفردين، إلا أنه ليس بملاك التعارض بينهما، لعدم دخل كل منهما في سقوط الآخر، بل للعلم بكذبها الراجع للتخصيص وعدم تمامية موضوع الحجية الذي عرفت خروجه عن محل الكلام.

نعم، قد يصدق التعارض في إعمال أصالة العموم بالإضافة لكلٍ منهما، بخلاف فرض التنافي بين المؤديين المانع من التعبد بهما ظاهراً، لأن إثبات كل من المتنافيين مستند لدليله، وحيث كان التنافي مانعاً من التعبد بالمضمونين معاً كان سقوط كل منهما مستنداً للآخر، فصح نسبة المعارضة له عرفاً.

هذا، وعنوان التعارض وإن لم يؤخذ في أكثر أدلة الأحكام الخاصة من التخيير والترجيح، إلا أنه قد أخذت فيها عناوين مشابهة له كعنوان الاختلاف ونحوه مما هو كالتعارض لا يصدق إلا مع التنافي.

كما أنه ربما يشارك التخصيص بالنحو المذكور التعارض في بعض الأحكام كأصالة التساقط أو التخيير، على ما لعله يتضح في محله.

ثم إن كون التنافي بين المؤديين منشأ للتعارض حيث كان بسبب امتناع التعبد بالمتنافيين للتنافي بينهما عملاً، كان المعيار فيه تحقق التنافي العملي بين المؤديين، وحيث كان موضوع العمل عقلاً هو الأحكام التكليفية ثبوتاً، والتعبد بها - بقيام الحجة ونحوه - إثباتاً، توقف التنافي - الذي هو

منشأ للتعارض - على تنافي المؤديين في الحكم التكليفي أو في التعبد به، أو التضاد في ذلك، إما لكون المؤدى هو الحكم التكليفي أو التعبد رأساً، كما لو كان مفاد أحد التعبدين وجوب شيء، ومفاد الآخر عدم وجوبه أو حرمته، أو كان مفاد أحدهما حجية شيءٍ ومفاد الآخر عدم حجيته، أو لكون المؤدى موضوعاً لذلك، كما لو كان مفاد أحد التعبدين الملكية، المقتضية لجواز التصرف، ومفاد الآخر عدمها أو الوقفية، المقتضيين لحرمته، أو كان مفاد أحدهما عدالة الشاهد، المقتضية لحجية شهادته، ومفاد الآخر فسقه المقتضي لعدمها. من دون فرق في ذلك بين كون التعبدين مفاد طريق حاك عن الواقع وكونها مفاد أصل لا حكاية له.

أما إذا لم يكن بين المؤديين تناف في مقام العمل فلا يتحقق التعارض - الذي هو محل الكلام - وإن علم بكذب أحدهما وعدم مطابقة مؤداه للواقع. ومن ثم أمكن التفكيك بين المتلازمات في الأصول العملية - وان لم يسقطهما عن الحجية - إلا لمحذورٍ خارجي، كمخالفة

تكليف معلوم بالإجمال أو التفصيل، وإنما لم يمكن في الطرق كالبينات لأجل حجيتها في لازم المؤدى، فيلزم التناقض بين المؤديين، ولذا لا يجري ذلك في ما لا يكون حجة في اللازم، كاليد ونحوها.

وكأن هذا هو مراد المحقق الخراساني (قدس سره) من التنافي العرضي، فإن منشأ التنافي أمر خارجي، وهو العلم بعدم اجتماع المؤديين، المستلزم لتعارض الدليلين بلحاظ لازم المؤدى المفروض حجية الدليل فيه.

كما لعله هو المراد من التنافي الخارجي في كلام بعضهم، والتنافي الشرعي في كلام آخرين، بلحاظ أن عدم اجتماع المؤديين لمقدمة خارجية

مستفادة من الشارع.

وإن كان قد يظهر من المحقق الخراساني (قدس سره) في حاشيته على الرسائل أن المراد بالتنافي الشرعي أمر آخر في قبال ذلك داخل في التنافي الحقيقي.

ولعل المراد به ما إذا كان مقتضى الدليلين التفكيك بين الموضوع وحكمه، حيث يكون التلازم بينهما شرعياً، كما لو قامت إحدى البينتين على طهارة الثوب والأخرى على ملاقاته للنجاسة، فإن التنافي بين الطهارة والملاقاة ليس إلا شرعياً تابعاً لملازمة شرعية مجعولة للشارع، وليس ناشئاً من مجرد العلم الإجمالي بعدم ثبوت أحد الأمرين.

لكنه راجع للتنافي العقلي، لأن التعبد بالملاقاة يستتبع التعبد بالنجاسة، لرجوع التعبد بالموضوع للتعبد بحكمه، وهي مضادة للطهارة، بلحاظ تضاد أحكامهما التكليفية، فيمتنع اجتماعهما عقلاً.

وكيف كان، ففي فرض حجية الدليل في لازم المؤدى يكفي العلم بعدم ثبوت أحد المؤديين في تحقق التنافي الذي هو معيار التعارض في المقام، لما تقدم.

ولا مجال لما ذكره بعض الأعاظم (قدس سره) من خروجه عن التعارض ودخوله في اشتباه الحجة باللاحجة، لعدم تحقق التنافي.

بل هو لا يجتمع مع ما اعترف به من تحقق التعارض بين دليلي الظهر والجمعة، لامتناع اجتماع مؤدييها لأمر خارج، وهو العلم بأن الواجب هو إحدى الصلاتين، لعدم تعقل الفرق بينه وبين ما مثل

به للأول، وهو ما إذا كان مؤدى أحد الدليلين وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، ومؤدى الآخر وجوب دية الحر في قتل العبد المدبر، وعلم بكذب مضمون أحدهما.

إلا أن يكون مراده بدليلي الظهر والجمعة ليس مجرد ما تضمن الأمر بكل منهما، بل ما تضمن تعيين الصلاة الواحدة الواجبة بكل منهما. لكنه يدخل في التنافي الذاتي، لاستحالة اتحاد الأمر الواحد بالمتباينين، كما أشرنا إليه في الجهة الرابعة من الأمر الثاني.

نعم، مجرد العلم بعدم صدور أحد الخبرين لا يكفي في تنافي مدلوليهما الموجب لتعارضهما، لأن مضمون كل منهما هو الحكم غير المنافي لصدور الآخر، ليكون بمدلوله الالتزامي مكذباً له.

إلا أن التعارض يكون بين دليلي صدور كلٍ منهما، وهو إخبار الراوي عن المعصوم (ع) بلحاظ الملازمة المذكورة، فلا يشملهما دليل الحجية، لما تقدم من تحقق التنافي العملي مع الاختلاف فيها.

لكن هذا كله إنما يقتضي جريان أحكام التعارض العامة العقلية، أما الأحكام الخاصة المستفادة من الأدلة اللفظية فالظاهر قصورها عن التعارض في الصدور، لظهور أدلتها في التعارض في المضمون، لما هو المعلوم من أن موضوعها التعارض في خصوص أخبار المعصومين (ع) المتضمنة للأحكام، فتعارضها بتنافي مضامينها، وليس التعارض في الصدور تعارضاً في أخبارهم بل في الأخبار عنهم. من دون تناف بين الحكمين المنقولين عنهم في كل من المتعارضين.

بل الظاهر انصراف عموم أدلة الأحكام المذكورة عن التعارض الناشئ عن العلم بكذب أحد المضمونين اتفاقاً لملازمة خفية، بل يختص بما يكون ناشئاً عن وضوح التنافي بين المضمونين، بأن يستفاد نفي أحدهما من دليل الآخر عرفاً، بسبب وضوح التلازم بينهما إما لكونه مسوقاً لنفيه،

لنظره للتلازم بينهما، فيكون مدلولاً التزامياً له، أو بدون ذلك.

وعليه يتجه الفرق بين المثالين اللّذين ذكرهما بعض الأعاظم (قدس سره).

ثم إنه مما ذكرنا من لزوم التنافي بين المؤديين في تحقق التعارض يظهر عدم تحققه أصلاً في موارد التخصص والورود وبعض أقسام الحكومة، وهي المبتنية على نظر الحاكم للدليل المحكوم وتعرضه لبعض جهاته المتوقفة عليها استفادة الحكم منه، لعدم التنافي بين الدليلين حينئذ حتى بحسب الظهور

الأولي لكل منهما، لعدم تعرض الدليل لتنقيح صغرياته ولا للجهات التي يبتني عليها استفادة الحكم منه، ليكون معارضاً للدليل الآخر المتكفل بذلك، ويحصل التنافي بين مضمونيهما.

ومجرد اختلاف العمل المترتب على الدليل المورود أو المحكوم بسبب الدليل الآخر لا يكفي في تحقق التعارض الذي هو محل الكلام.

وعلى هذا جرى شيخنا الأعظم (قدس سره) وغير واحد ممن تأخر عنه. والمناسب لذلك جعل البحث في ذلك من مبادئ مبحث التعارض، لولا أهمية البحث المذكور ومناسبته للمقام، حيث يلزم جعله من مقاصده، نظير ما تقدم في آخر الأمر السابق. فراجع.

الأمر الخامس: التعارض وإن كان يشارك التزاحم في التنافي بين الحكمين والمؤديين بنحو يمتنع الجمع بينهما في الفعلية، إلا أنه يفارقه في أمور..

الأمر الخامس: الفرق بين التعارض والتزاحم

الفارق الأول:

الأول: أن التعارض يبتني على فرض الدليل على كل من الحكمين، بحيث يستلزم التنافي بين الحكمين ثبوتاً التكاذب بين دليليهما إثباتاً، أما التزاحم فلا يبتني إلا على محض التنافي بين الحكمين ثبوتاً وإن لم يكن

تكاذب بين دليليهما، لعدم قيام الدليل على فعلية كل منهما في مورده، بل على محض تمامية ملاكيهما.

الفارق الثاني:

الثاني: أن التزاحم يبتني على فرض تمامية ملاك كل من الحكمين، بنحو يقتضي تشريع الحكم على طبق كل منهما، وفعليته في فرض القدرة عليه، بحيث يكون مورد التزاحم واجداً للجهة المقتضية لجعل كل من الحكمين الموجودة في غير مورده، المستلزم لفعلية كل من الحكمين لولا المزاحمة، ولا يمنع عن وجوب امتثالهما معاً إلا العجز عن الجمع بينهما، بخلاف التعارض، فإنه يجتمع مع فرض العلم بعدم ثبوت أحد الملاكين ولو من دليلٍ خارج، أو الشك في ثبوت أحدهما أو كليهما، لفقد الدليل عليه بعد فرض تكاذب الدليلين في الحكم الفعلي المسقط لهما عن الحجية فيه وفي الملاك - وإن لم يتكاذبا فيه - بناءً على ما هو التحقيق من عدم حجية الدليل في لازم مؤداه بعد سقوطه عن الحجية في نفس المؤدى.

نعم، لا يعتبر فيه التكاذب بينهما في ثبوت الملاك، بل يجتمع مع فرض احتمال وجود الملاكين بل مع العلم بوجودهما - لدليل آخر - وإن تكاذب الدليلان في تعيين الحكم الفعلي الذي هو المعيار في تحقق التعارض.

وما ذكره بعض الأعيان المحققين (قدس سره) من اعتبار التكاذب في المتعارضين حتى في مرحلة الملاك والمقتضي.

غير واضح الوجه، لتحقق التكاذب بينهما بمجرد التنافي بين الحكمين وإن أمكن اجتماع الملاكين. إلا أن يريد من الملاك العلة التامة للحكم. لكنه مستلزم لسد باب التزاحم، لاستلزام اجتماع الملاكين لقصور أحدهما عن

تأثير حكمه وخروجه عن كونه تمام العلة له.

الفارق الثالث:
اشارة

الثالث: أنه لا بد في التزاحم من فرض اقتضاء كل من الحكمين صرف القدرة لامتثاله بنحوٍ ينافي مقتضى الآخر، ولذا يختص بالأحكام الاقتضائية في فرض العجز عن الجمع بينهما في الامتثال على ما يتضح في محله.

أما التعارض فلا يعتبر فيه إلا التنافي بين الحكمين عملاً بنحوٍ يمنع من جعلهما معاً وإن لم يكن امتثال أحدهما منافياً لمقتضى الآخر، لعدم كونه اقتضائياً، كالوجوب وعدمه، أو الوجوب والإباحة، أو لعدم تنافي مقتضيهما، كما في الموسعين.

لكن ذكر بعض الأعاظم (قدس سره) أن التزاحم لا يتوقف على العجز عن امتثال التكليفين، بل يتحقق في مورد العلم بعدم وجوب الجمع بينهما، وإن تحقق موضوعهما وأمكن امتثالهما، ومثل لذلك بما إذا ملك واجد النصاب في أثناء الحول ما يكمل به نصاب آخر، كما لو ملك في أول محرم خمساً وعشرين من الإبل، وملك في أول رجب السادسة والعشرين، وحيث كانت زكاة الخمس والعشرين خمس شياه، وزكاة الست والعشرين بنت مخاض، فامتثالهما ممكن بدفع الخمس شياه في أول محرم الثاني، ودفع بنت مخاض في أول رجب الثاني، إلا أن العلم بعدم وجوبهما معاً - لما دل على أن المال الواحد لا يزكى في العام الواحد مرتين - مستلزم لتزاحم التكليفين.

وهو كما ترى! لأن عدم وجوب الجمع بين التكليفين في فرض القدرة عليهما، إن رجع إلى حكم العقل بعدم وجوب الامتثال، فهو - مع عدم مناسبته للمثال الذي ذكره - غير متعقلٍ، لأن التكليف علة تامة لوجوب الامتثال، وإلا كان لاغياً. وإدراك العقل ما يمنع من وجوب الامتثال راجع

لإدراكه وجود المانع من جعل التكليف، كما في موارد العجز.

وإن رجع إلى تنازل الشارع عن الجمع بين التكليفين - كما في المثال الذي ذكره - خرج عن باب التزاحم ودخل في التعارض، لرجوعه إلى العلم بعدم جعل أحد التكليفين الموجب لتكاذب دليليهما وإن لم يكن بينهما تناف ذاتي، نظير التكليف بالظهر والجمعة.

ومنه يظهر الإشكال في ما ذكره سيدنا الأعظم (قدس سره) من أن المثال المذكور إنما يكون من باب التعارض لو لم يحرز المقتضي لكلٍ منهما، ولو أحرز يكون المقام من باب التزاحم.

لوضوح أنه لا مجال لإحراز المقتضي لهما، وإلّا امتنع تنازل الشارع عن أحدهما بعد فرض القدرة عليهما، فتنازله مستلزم لعدم تمامية المقتضي بمعنى الملاك الملزم بجعل الحكم في ظرف القدرة الذي هو المعتبر في التزاحم، وإن أحرز المقتضي بالمعنى المقابل لفرض المزاحم المانع من جعل الحكم، والذي قد يقطع معه بعدم جعل كلا الحكمين، والذي يتحقق في موارد التزاحم الملاكي الخارج عن محل الكلام، لأن الكلام في تزاحم التكليفين. فلاحظ.

ومما ذكرنا يظهر أنه قد يجتمع التعارض والتزاحم، كما في فرض إحراز الملاكين بالنحو الخاص والعجز عن الجمع بينهما، واستحكام ظهور دليل كل منهما في فعلية حكمه في فرض العجز المذكور، حيث يتحقق التزاحم بلحاظ ثبوت الملاكين والعجز عن الجمع بينهما، كما يتحقق التعارض بين دليليهما بلحاظ تكاذبهما في فعلية الحكم في المورد المذكور للعلم بعدم فعلية أحدهما.

وأما ما ذكره بعض الأعاظم (قدس سره) من عدم اجتماعهما في مورد، لأن التعارض إنما يكون باعتبار تنافي الحكمين المدلولين للدليلين في مقام الجعل والتشريع، والتزاحم إنما يكون باعتبار تنافيهما في مقام الامتثال بعد الفراغ عن تشريعهما معاً، فمع إحراز جعل كل منهما وتشريعه ينحصر الأمر بالتزاحم، وبدونه ينحصر الأمر بالتعارض وإن امتنع الجمع بينهما في مقام الامتثال. ورتب على ذلك عدم الحاجة لتمييز موارد التعارض عن موارد التزاحم.

ففيه: أن المراد من إحراز تشريعهما معاً إن كان هو تشريعهما على عنوانيهما في الجملة، فهو يحرز حتى في مورد التعارض في مثل العام والخاص والعامين من وجه، وإن كان هو تشريعهما بنحو يشمل مورد التصادق وصورة الاجتماع الموردي، فهو ممتنع حتى في مورد التزاحم، لاستحالة جعل التكليفين معاً في مورد العجز عن امتثالهما، وليس فيه إلا اجتماع الملاكين بالنحو الخاص.

ومن ثم كان تمييز إحراز الملاكين المقتضي للتزاحم مع فرض امتناع الجمع بين إطلاقي الدليلين الظاهرين في فعلية الحكمين في غاية الأهمية.

ومنه يظهر الإشكال في ما ذكره (قدس سره) من أنه يلزم في التزاحم كون التنافي بين كبريي الحكمين اتفاقياً لا دائمياً، وإلّا دخل في التعارض، لامتناع تشريع حكمين يلزم من امتثال أحدهما مخالفة الآخر دائماً.

لوضوح أنه لا أثر لكثرة الأفراد وقلتها في امتناع التشريع.

نعم، قد يكون دوام التنافي مانعاً من إحراز الملاك لكلا الحكمين، الذي عرفت لزومه في التزاحم، لاستحكام التعارض بين دليليهما بسبب قوة

ظهور كل منهما في غلبة فعلية حكمه وترتب العمل عليه، وهو يقتضي لزوم غلبة عدم التنافي، ولا يكفي فيه مجرد عدم دوام التنافي.

لكنه لا يمنع من فرض التزاحم لو أحرز الملاكان مع دوام التنافي بدليل آخرٍ، فيجري حكمه.

اللهم إلا أن يستفاد عدم صلوح أحد الملاكين حينئذ لجعل الحكم مما تضمن أن الأحكام قد جعلت بنحو يلائم طاقة غالبية الناس. إلا أنه أمر خاص بالأحكام الشرعية لا يرجع إلى امتناع الجعل.

ومثله تقريب عدم اجتماع التزاحم والتعارض في موردٍ بأن امتناع اجتماع الحكمين في باب التعارض ذاتي، لرجوعه إلى اجتماع النقيضين أو الضدين، لاتحاد الموضوع، وفي باب التزاحم عرضي بلحاظ قبح التكليف بما لا يطاق، مع الإمكان ذاتاً، لتعدد الموضوع، كما في مسألة الضد.

إذ فيه.. أولاً: أنه مع تعدد الموضوع ففي فرض ظهور كلٍ من الدليلين في فعلية مؤداه في مورد الاجتماع يتكاذب الدليلان بسبب امتناع فعلية كل منهما، فيلزم اجتماع النقيضين بلحاظ لزوم مؤدى كل منهما لعدم الآخر، ويكون المورد من موارد التعارض لأمرٍ خارج.

فلابد من دليل آخر لإحراز الملاكين بنحو ينحصر سبب عدم الفعلية لأحدهما بالتحذر والعجز عن الامتثال ليكون من باب التزاحم. ومعه يمكن فرض ذلك مع وحدة الموضوع، إذ مع فرض إحراز ملاك كلا الحكمين يتعين جريان حكم التزاحم في تقديم الأهم وإجزاء المجمع في مقام الامتثال ونحوهما.

ومن ثم كان المشهور صحة الصلاة في المغصوب جهلاً مع بنائهم

على امتناع اجتماع الأمر والنهي لمحذور اجتماع الضدين.

وثانياً: أن منشأ تضاد الأحكام وامتناع اجتماعها في الموضوع الواحد لما كان هو التنافي بينها في مقام العمل فهو جار مع تعدد الموضوع وتعذر الجمع بين الحكمين في مقام الامتثال.

ولذا امتنع التكليف مع العجز ذاتاً، لتقوم التكليف بالعمل، فلا ينتزع عقلاً مع تعذره، لعدم الموضوع له، وليس امتناعه لأجل القبح المشار إليه مع إمكانه في نفسه، ولذا يمتنع انتزاع التكليف حتى مع جواز العقاب عقلاً لتقصير المكلف وتعجيزه لنفسه. فتأمل.

بقي في المقام أمران:

بقي أمران:

الأول: في معيار التزاحم
اشارة

الأول: أنه قد يتوهم أن ما ذكرناه في معيار التزاحم من الاكتفاء بإحراز الملاكين لا يناسب ما هو المعلوم من أن الملاك بنفسه لا يصلح للإلزام عقلاً ما لم يترتب عليه جعل التكليف من قبل المولى، ولذا لا يجب عقلاً إطاعة الأوامر والنواهي الواردة بداعي الإرشاد للمصالح والمفاسد الواقعية، وينحصر وجوب الإطاعة بالأوامر والنواهي المولوية التي ينتزع منها التكليف. ومن ثم قيل بوجوب اللطف منه تعالى بجعل التكاليف حفظاً للملاكات الواقعية.

ولذا لا ينبغي التأمل في أن اجتماع مقتضيات الأحكام المختلفة في الموضوع الواحد - المعبر عنه بالتزاحم الملاكي - لا يقتضي جريان أحكام التزاحم الذي نحن بصدده، فليس للمكلف النظر في

ترجيح أحدهما بالأهمية، فضلاً عن احتمالها، ولا التخيير مع عدمها، بل الأمر موكول للمولى، فمع إحراز جعله الحكم على طبق أحدهما لأهميته بنظره، أو جعله

حكماً آخر غيرهما يتعين العمل عليه، ومع الجهل بذلك يتعين التوقف.

نعم، قد يكون العلم بأهمية أحدهما موجباً للعلم بجعل المولى للحكم على طبقه، فيكون العمل تابعاً للحكم الشرعي، لا للملاك. ومع ذلك لا وجه للاكتفاء في التزاحم الحكمي - الذي هو محل الكلام ومورد ما أشير إليه من الأحكام - بإحراز الملاكين وعدم اعتبار جعل نفس الحكمين اللذين هما موضوع العمل. كيف! ويمكن فرض التزاحم بناء على عدم توقف الأحكام على الملاكات كما هو مختار الأشاعرة. هذا حاصل ما يقال في المقام.

ولدفع هذا التوهم وتوضيح الفرق بين التزاحم الحكمي والملاكي نقول: - بعد الاستعانة به تعالى والتوكل عليه - ليس المراد بالملاك المصالح والمفاسد في متعلقات الأحكام، أو المصالح في نفس جعل الحكم التي لابد منها بناء على التحسين والتقبيح العقليين - كما هو مختار العدلية - بل مطلق المقتضيات الموجبة لجعل الأحكام والأغراض الداعية له، التي لابد منها فيه، كسائر الأفعال الاختيارية، حيث لا تصدر عن فاعلها إلا لغرض يدعو إليها، ولا يظهر من الأشاعرة إنكار ذلك، فلا يمنع ما ذكرنا من فرض التزاحم على مختارهم.

وحينئذٍ فعدم جعل الحكم إن كان لعدم المقتضي له خرج عن محل الكلام، وإن كان في ظرف وجود المقتضي له فهو يكون..

تارة: لقصور المقتضي عن التأثير في جعل الحكم لوجود المزاحم له في مرتبة سابقة على جعله، ولو كان هو مصلحة التسهيل على المكلف.

وهو راجع في الحقيقة إلى عدم تمامية موضوع التكليف، لأن

موضوع التكليف هو موضوع الغرض الداعي لجعله، فكل ما هو الدخيل في تعلق الغرض يكون دخيلاً في التكليف ومقوماً لموضوعه.

وأخرى: لعجز المكلف عن الامتثال في مرتبةٍ لاحقةٍ لفرض الجعل، فإنه وإن كان مانعاً من الجعل عقلاً، لما تقدم من تقوم الأحكام التكليفية بالعمل، إلا أن مانعيته لا ترجع لقصور في المقتضي عن الداعوية لجعل الحكم ولا في تعلق الغرض به، بل لقصور المكلف في مقام الامتثال، مع تمامية موضوع التكليف تبعاً لتمامية ما هو الدخيل في تعلق الغرض، نظير قصور المولى لو فرض عجزه عن الكلام أو الإيصال، حيث قد لا يجعل التكليف حينئذ مع تعلق غرضه به.

ولذا يصدق الفوت في هذه الصورة بالإضافة لمتعلق التكليف، ولا يصدق في الصورة الأولى بالإضافة إليه، وإن كان قد يصدق بلحاظ الجهة المقتضية له.

نعم، لو كان العجز موجباً لقصور المقتضي عن التأثير في الجعل ومانعاً من تعلق الغرض به، كان من النحو الأول وكان مانعاً من تمامية موضوع التكليف، كما هو الحال في جميع موارد تقييد التكليف بالقدرة شرعاً، حيث تكون كسائر القيود الدخيلة فيه وفي تمامية ملاكه وتعلق الغرض به.

ومنه يظهر حال ما ذكره بعض الأعاظم (قدس سره) من أن القدرة دخيلة في موضوع التكليف.

فإنه إن أراد به دخلها في موضوع الغرض لتكون من قيود التكليف شرعاً. فهو ممنوع جداً في غير موارد التقييد الشرعي بها، كما يظهر بأدنى

تأمل في المرتكزات العرفية والشرعية، وكذا لو أراد به دخلها في متعلق الغرض، بحيث تكون قيداً في المكلف به لا في التكليف، كما يظهر منه في مسألة الضد. لما ذكرناه هناك من دفع ما تشبث به.

وإن أراد به توقف فعلية التكليف عليها، لامتناع جعله عقلاً بدونها وإن كان الغرض فعلياً لتمامية موضوعه، وإطلاق متعلقه.

فهو في محله، ورجع إلى محض الاصطلاح في معنى الموضوع، ولا مشاحة فيه.

وإن كان التفصيل الذي ذكرناه هو الأنسب بلحاظ اختلاف الآثار العملية بين القسمين - تبعاً للاختلاف بينهما ارتكازاً الموجب لصدق الفوت في الثاني دون الأول، كما سبق - حيث يختلفان..

أولاً: في عدم قابلية المقتضي في الصورة الأولى للتقرب، لعدم تعلق الغرض به، بخلاف الملاك في الثاني، حيث يكون قابلاً للتقرب به تبعاً لفعلية الغرض، كما يظهر مما ذكروه في مسألة الضد من إمكان التقرب بالمهم حتى بناء على امتناع الترتب، لأنه نظير المقام.

وثانياً: في أنه يجوز للمكلف في الصورة الأولى إحداث ما يرفع التكليف - بتحقيق المزاحم للمقتضي - كما يجوز له الإخلال بسائر ما هو الدخيل في موضوع التكليف، لأن التكليف لا يقتضي حفظ موضوعه، أما في الصورة الثانية فلا يجوز له ذلك، لأن التكليف تبعاً للغرض يقتضي حفظ متعلقه، فيقتضي حفظ القدرة عليه، فلا يجوز للمكلف تعجيز نفسه عن الامتثال قبل الوقت، فضلاً عما بعده.

وثالثاً: في أن الشك في فعلية التكليف من الجهة الأولى للشبهة

الحكمية - الراجعة لاحتمال صلوح شيءٍ للمزاحمة - أو الموضوعية - الراجعة لاحتمال وجود المزاحم - مجرى للبراءة، أما الشك في فعلية التكليف من الجهة الثانية للشك في القدرة فلا بد معه من الاحتياط بمقتضى المرتكزات العقلائية المعوَّل عليها في أمثال المقام، على ما سبق التعرض له في مبحث البراءة.

ومن هنا كان الأنسب إطلاق موضوع الحكم على خصوص ما يكون دخيلاً في فعلية الغرض، دون القدرة غير الدخيلة فيه وإن كانت دخيلة في فعلية التكليف. ولا سيما مع كون بيان موضوع الغرض وظيفة للحاكم، بخلاف مثل القدرة مما يكون دخله في فعلية التكليف عقلياً لا يحتاج للبيان.

ولعله لذا أمكن إحراز عدم دخل القدرة في الغرض من إطلاق الخطاب، ولا يخرج عنه إلا ببيان الحاكم بمثل تقييد موضوع التكليف بها في دليل الخطاب به، كما في مثل الحج.

إن ثانيها لا مجال لإحراز عموم الملاك والغرض لحال العجز وعدم دخل القدرة فيهما من إطلاق الخطاب، إذ بعد ظهور الخطاب في فعلية التكليف والعلم بعدم فعليته مع العجز يكون الإطلاق مقيداً بالقدرة لباً، كما لو قيد بها لفظاً، وكما لو استفيد التقييد لفظاً أو لباً بدليل متصل أو منفصل بالإضافة إلى غير القدرة من القيود التعبدية، حيث يكون سقوط الإطلاق عن الحجية في الفعلية مانعاً من استفادة عموم الملاك والغرض منه، بناء على سقوط الدلالة الالتزامية عن الحجية تبعاً لسقوط الدلالة المطابقية عنها، كما هو التحقيق.

بل حتى بناءً على عدم سقوطها لا مجال لاستفادة عموم الغرض

من الإطلاق في المقام ونحوه مما كان وضوح التقييد فيه وارتكازيته بحد يلحق بالقرائن المحيطة بالكلام، حيث يكون مانعاً من انعقاد الإطلاق فلا يدل بالمطابقة على الفعلية في مورده، ليدل بالالتزام على الغرض فيه، إذ لا ريب في توقف الدلالة الالتزامية خارجاً على الدلالة المطابقية، وإن سلم التفكيك بينهما في الحجية في فرض العلم بكذب المطابقية.

نعم، لو بين الغرض بطريق آخرٍ غير الخطاب الظاهر في الفعلية أمكن إحراز عمومه لمورد العجز.

ثانيها رفع اليد عن الإطلاق بدليل التقييد إنما هو بلحاظ كونه قرينة عرفية على بيان المراد من الإطلاق وفهمه منه، فهو تابع للنظر العرفي في فهم الأدلة والجمع بينها.

ووضوح دخل القدرة في فعلية التكليف ارتكازاً إنما يكون قرينةً عرفاً على تقييد الإطلاق من حيثية الفعلية لا من حيثية الغرض والملاك، بل يكتفي العرف بالإطلاق في إحراز عدم دخل القدرة في الملاك والغرض، فيرتبون الآثار العملية الثلاثة المتقدمة، كما يظهر بأدنى ملاحظة لطريقتهم في فهم خطابات بعضهم لبعض وبالرجوع لمرتكزاتهم في فهم الخطابات الشرعية.

ولا يبتني على حجية الدلالة الالتزامية مع سقوط المطابقية بسبب العلم بكذبها، بل على تحكيم القرائن المحيطة بالكلام، حيث يلزم الرجوع للعرف في كيفية التحكيم.

كما لا مجال مع ذلك لقياسه بالتقييد اللفظي المتصل أو المنفصل أو اللبي في القيود التعبدية، لعدم خضوع المرتكزات العرفية للقياسات

والمحاسبات، وإنما يتشبث بها لتقريب المرتكزات فيما لو طرأ عليها الالتباس، لا في مثل المقام مما كانت فيه من الوضوح بحد يستغني عن ذلك.

على أنه قد يكون منشأ الفرق: أن ظاهر الخطاب وإن كان هو الفعلية، إلا أن ظاهر حال الحاكم أيضاً هو بيان موضوع غرضه بخطابه، فعدم تقييده بالقدرة اتكالاً على الارتكاز المذكور ظاهر في اعتماده على مفاده، وهو خصوص تقييد الفعلية، والا كان مخلاً ببيان غرضه.

أما مع التقييد بها فحيث كان تقييد الفعلية مستغنى عن بيانه فتصديه له ظاهر في الحاجة إليه لبيان موضوع غرضه.

وكذا بقية القيود أما المتصلة فلأنها لو لم تكن لبيان الغرض لزم الإخلال ببيان موضوع الغرض، لعدم انعقاد الإطلاق في بيانه معها. وأما المنفصلة فلأنها تكشف عن كذب الإطلاق وعدم وفائه ببيان ما سبق له من موضوع الفعلية، فيسقط عن الحجية في الفعلية والغرض معاً.

بل يمتنع تقييد الفعلية بقيد غير القدرة لا دخل له في الغرض، لاستلزام فعلية الغرض مع القدرة على تحصيله السعي له بجعل التكليف، ولا يكون التوقف عن جعله إلا مع عدم فعلية تعلق الغرض به.

غايته أنه قد يكون لعدم الغرض أصلاً، وقد يكون لعدم فعلية غرض الإلزام الذي سيق له الكلام، مع بقاء الرجحان، ولا معين للثاني إلا بقرينة من ارتكاز أو نحوه.

إن ثانيها لا ينعقد للكلام إطلاق في بيان موضوع الغرض، لأن البيان طريق لتحصيل الغرض، وهو إنما يكون ببيان الحكم الفعلي، لا

ببيان موضوع الغرض، فلا غرض في بيان عموم الغرض لمورد العجز، ليستكشف بالإطلاق.

ثانيها عموم موضوع الغرض من حيثية القدرة وتقييده بها لما كانا يختلفان عملاً بلحاظ وجوب حفظ القدرة في الأول دون الثاني ونحوه، كان بيان موضوع الغرض دخيلاً في تحصيله على أن الظهورات العرفية لا تناط بتعلق أغراض المتكلم ببيان مؤدياتها، بل هي تابعة للمرتكزات العرفية التي عرفت حالها.

ثم إنه قد أطال بعض الأعاظم (قدس سره) في مسألة الضد في تقريب استفادة عدم دخل القدرة في الملاك من الإطلاق مع التزامه بدخلها في الموضوع بوجهٍ هو أقرب للتدقيقات العقلية منه بالاستظهارات العرفية.

وهو - مع عدم وضوحه في نفسه - مستغنى عنه بما ذكرنا، فلا مجال لإطالة الكلام فيه.

هذا، والإنصاف أن غلبة عدم دخل القدرة في الغرض وكونها آلةً لتحصيله يوجب ضعف ظهور التقييد بها لفظاً في دخلها فيه، وقرب حمله على متابعة ما هو المرتكز من دخلها في الفعلية، بحيث قد يحتاج بيان دخلها في الغرض إلى مؤنة في البيان، وليست كسائر القيود التعبدية التي يفهم من مجرد التقييد بها دخلها في الغرض.

ولذا يكثر من العرف التسامح في التقييد بها مع عدم دخلها في الغرض، نظير تسامحهم في التقييد بالعلم، حيث يكثر ابتناؤه على ارتكاز طريقيته وتنجيز متعلقه الذي يتوقف عليه، من دون أن يكون دخيلاً في موضوع الحكم ثبوتاً.

إذا عرفت هذا كله ظهر لك حقيقة التزاحم الحكمي الذي هو محل الكلام والفرق بينه وبين

حقيقة التزاحم الحكمي

التزاحم الملاكي، فإن التزاحم الملاكي يكون في مورد الاجتماع والتزاحم بين المقتضيات المتنافية الآثار، التي لم يحرز في كل منها بلوغه مرتبةً يكون مورداً للغرض الفعلي المقتضي لجعل الحكم على طبقة، فلا تكون موضوعاً للطاعة ولا المعصية، فلا يجب موافقة أحدها تخييراً، ولا الترجيح بينها بالأهمية، لأن المقتضي بنفسه لا يقتضي الموافقة عقلاُ ما لم يحرز فعلية الغرض على طبقه، كما لا مجال لاستكشاف تعلق غرض المولى بالمقتضيين تخييراً أو تعييناً، لإمكان إدراكه المانع من جعل كلا الحكمين.

نعم، لو علم بعدم المانع من ذلك وبجعل الحكم على طبق أحدهما كشفت أهمية أحدهما عن تعلق الغرض به تعييناً وجعل الحكم على طبقه، لقبح ترجيح المرجوح على الراجح، فيكون ملاك عمل المكلف هو الحكم المستكشف من فرض فعلية الغرض، لا نفس المقتضي في مرتبة اقتضائه.

وملاك التنافي بين المقتضيات في المرتبة المذكورة هو تنافيها في أثرها، وهو الحكم الذي تقتضيه، لاقتضاء كل منها حكما مضاداً للآخر غير قابل للاجتماع معه، ولا يعتبر التنافي بين الحكمين المقتضين في مقام الامتثال، بأن يكون كل منها اقتضائياً، فضلاً عن أن يكون إلزامياً.

بل قد يكون الغرض الفعلي على طبق مقتضي الإباحة لإقوائيته، وإن لم تصلح الإباحة لمزاحمة غيرها في مقام الامتثال، لأن التزاحم ليس بين الحكمين ولا بين الملاكين، لمساوقة الملاك للغرض - كما سبق - بل بين المقتضيين، ولا مانع من مزاحمة مقتضى الإباحة لمقتضي الإلزام وتأثيره

دونه، لقوته، كما في موارد الحرج.

أما التزاحم الحكمي فهو لا يكون إلّا للاجتماع والتزاحم بين الملاكات الفعلية المتنافية التي يكون كل منها مورداً للغرض الفعلي البالغ مرتبة جعل الحكم، وإن لم يجعل الحكم على طبق كلٍ منها، لتعذر استيفائها بسبب عجز المكلف.

فعدم الجعل فيها ليس لقصور في الملاك ولا لعدم فعلية الغرض، بل للعجز المانع عن استيفائه، نظير العجز المانع عن استيفاء الملاك الواحد المانع من جعل الحكم على طبقه، كما سبق.

وملاك التنافي بين الملاكات هنا هو تنافيها في مقام الامتثال، حيث لابد أن يكون كل منها مقتضياً صرف القدرة لامتثاله، أما ما لا اقتضاء فيه لذلك - وهو ملاك الإباحة - فلا يصلح للتعجيز عن امتثال الآخر كي يزاحمه.

ومن ذلك يظهر أن إطلاق التزاحم الملاكي والحكمي ليس بلحاظ التزاحم بين الملاكين في الأول وبين الحكمين في الثاني - كما يظهر من بعضهم - لامتناع اجتماع الملاكين في الأول، لمساوقة الملاك للغرض الفعلي، الذي لا يجتمع مع فرض المزاحم، وامتناع جعل الحكمين في الثاني، لما سبق من امتناع الجعل مع العجز.

بل هو في الأول بلحاظ التزاحم بين المقتضيات في مقام تأثيرها في فعلية الغرض، الذي هو الملاك في الحقيقة، وفي الثاني بلحاظ التزاحم بين الأغراض والملاكات في مقام تأثيرها في فعلية الحكم وجعله، بسبب تعذر امتثالها.

الوجه في لزوم ترجيح الأهم

ومما سبق يظهر الوجه في لزوم ترجيح الأهم والتخيير مع التساوي

في التزاحم الحكمي، فإنه حيث فرض فعلية الملاك والغرض على طبق كل منها، وكان الغرض الفعلي لازم الحفظ - ولذا لا يجوز التعجيز عنه كما سبق - كان في إهمالهما معاً تفويت كلا الغرضين في ظرف القدرة على حفظ أحدهما، وهو قبيح عقلاً بملاك قبح تفويت الغرض الواحد مع القدرة على حفظه المسانخ لقبح معصية التكليف، بل يلزم عقلاً حفظ أحدهما مخيراً مع التساوي، لقبح الترجيح بلا مرجح، ومعيناً مع الأهمية، لأن المرتبة الزائدة في مورد الأهم من الغرض اللازم الحفظ، على ما يأتي في محله إن شاء الله تعالى.

هذا كله مع غفلة المولى عن العجز الموجب للتزاحم، أما مع التفاته لذلك فلابد من جعله الحكم بالنحو المذكور، جرياً منه على غرضه وحفظاً منه له، فيكون العمل بالنحو المذكور امتثالاً للحكم المجعول تبعاً للغرض، نظير امتثال الحكم غير المزاحم.

إن ثانيها علم المولى بتعذر استيفاء كلا الغرضين بالامتثال مع أهمية أحدهما يستلزم عدم فعلية تعلق الغرض بالمهم تقديماً لأقوى المقتضيين، وليس الغرض الفعلي إلا بالأهم، نظير مزاحمة المقتضي بما يمنع من تعلق الغرض على طبقه في التزاحم الملاكي، لوضوح أن المزاحمة بالأهم لا توجب تعذر استيفاء المهم في حق المولى، بل العدول عنه. وكذا الحال مع التساوي، حيث يمنع التزاحم من تعلق الغرض بكلٍ منهما تعييناً، بل ليس في البين إلا غرض واحد بأحدهما تخييراً.

نعم، مع جهل المولى بالمزاحمة لتخيل سعة القدرة يبقى كل منهما مورداً للغرض الفعلي، وينحصر التزاحم بمقام الامتثال.

ثانيها عدم فعلية تعلق الغرض بكل منهما أو بأحدهما في المقام ليس لقصور الموضوع بل لتعذر استيفاء كلا الغرضين الملزم للمولى بتحصيل ما يمكن منهما، فالغرض الفعلي في المقام في طول الغرضين المتزاحمين، لا مناف لهما.

وليس هو كالمزاحمة بين المقتضيات في الموضوع الواحد، التي تستلزم قصور الموضوع عن تعلق الغرض على طبق المقتضي، إذ لا معنى لتعلق الغرض بكلٍ من وجود الشيء وعدمه، كما لا معنى لتعلق الغرض بالإلزام بالشيء مثلاً وبعدم الإلزام به أو الإلزام بعدمه.

وبعبارة أخرى: موضوع الغرض والتكليف هو أفعال المكلف، لا المقتضيات الموجودة فيها من المصالح والمفاسد، بل هي من سنخ العلة لتعلق الغرض بها، فمع تعدد أفعال المكلفين يمكن تعدد الغرض، وإن تزاحمت الأغراض المتعددة، أما مع وحدة الفعل فيمتنع تعدد الغرض وإن تعددت المقتضيات، بل تتزاحم المقتضيات في تأثيرها في كيفية تعلق الغرض به، فلا يكون فيه إلا غرض واحد مسبب عنها في فرض تزاحمها.

ومن هنا كان تفويت كلا الغرضين في المقام أشدّ قبحاً بمقتضى المرتكزات العقلائية من تفويت الأهم وحده، كما يكون المهم صالحاً للتقرب حال ترك الأهم. ويتعين التخيير مع العلم بوجود الأهم والجهل بتعيينه، مع احتمال كون ما يختاره المكلف هو الّّرجوح الذي لا يتعلق به الغرض والتكليف الفعليان.

وما ذلك إلّا لأن سقوط الغرض الأولي بكل منهما أو بالمرجوح منهما عن الفعلية ليس كسقوطه بسبب المزاحم للمقتضي في التزاحم

الملاكي.

هذا بناءً على امتناع الأمر الترتبي بالمهم، أما بناء على ثبوته فلا أثر للإشكال، إذ في ظرف ترك الأهم يكون المهم مورداً للغرض الفعلي المستتبع للأمر الفعلي. وتمام الكلام في ذلك في مسألة الضد.

هذا، وحيث ظهر أنه يلزم في التزاحم الملاكي وحدة الموضوع وكونه مجمعاً للمقتضيات المتزاحمة في كيفية تعلق الغرض الواحد به، وفي التزاحم الحكمي تعدد الموضوع تبعاً لتعدد الغرض، فلكل من تعدد الموضوع واتحاده صغريات واضحة وأخرى متشابهة يتضح الحال فيها مما يأتي عند الكلام في الفرق بين التعارض والتزاحم، إذ لا أثر للتزاحم الملاكي ليهتم بتشخيص موارده، وإنما ذكرناه هنا تبعاً لبيان حقيقة التزاحم الحكمي.

لكنه حيث كان راجعاً إلى عدم قابلية المورد إلا لأحد الحكمين المستلزم للتكاذب بين دليليهما كان من موارد التعارض، فما يأتي في الفرق بين التعارض والتزاحم الحكمي ينفع في الفرق بين التزاحم الملاكي والتزاحم الحكمي.

نعم، هو يمتاز عن بقية موارد التعارض بلزوم تحقق كلا المقتضيين المتنافيين في تعلق الغرض بالمورد، ولا مجال للبحث في ذلك بعد عدم الضابط له وعدم الأثر المهم في مقام العمل.

الأمر الثاني: في تحديد مورد التزاحم
اشارة

الأمر الثاني: الكبريان المتنافيان اللتان تتضمنها الأدلة الشرعية إن اتحد موضوعهما واختلف حكمهما فلا إشكال في كونهما مورداً للتعارض دون التزاحم الحكمي - الذي هو محل الكلام - لما سبق من توقف التزاحم على تعدد الموضوع ليمكن تعدد الغرض والملاك بتبعه.

وإن تعدد موضوعهما فتنافيهما إن كان لمقدمة شرعية خارجية كانا مورداً للتعارض أيضاً دون التزاحم، للتكاذب بينهما بضميمة المقدمة المذكورة، كما في دليلي وجوب القصر ووجوب التمام، وكذا إن كان لتعذر الجمع بينهما في مقام الامتثال دائماً أو غالباً، لما سبق من ابتناء الأحكام الشرعية على ما يلائم طاقة غالب الناس.

وكذا مع قلة موارد تعذر الجمع بينهما في مقام الامتثال لكن كان ظهور كل من الدليلين في فعلية حكمه في مورد الاجتماع مستحكماً، للتكاذب بينهما المسقط لهما عن الحجية في ثبوت الحكم، وفي لازمه وهو الملاك. إلا أن يحرز الملاك من الخارج، فيكون مورداً للتعارض والتزاحم معاً، كما سبق.

وإن لم يكن له ظهور في ذلك أو كان له ظهور بدوي فيه يمكن رفع اليد عنه بمقتضى الجمع العرفي بين الدليلين كان المورد من موارد التزاحم دون التعارض.

ومن هنا كان اللازم النظر في ضابط تعدد الموضوع، الذي يكون معياراً في التزاحم والتعارض.

وتوضيح ذلك: أن موضوعي الكبريين في دليليهما..

وجوه موضوعي الكبريين المتنافيين

تارة: يتحدان بحسب العنوان والمعنون، كما لو دل أحد الدليلين على وجوب إكرام النحويين والآخر على حرمته.

وأخرى: يختلفان بحسبهما معاً، كما في دليلي حرمة التصرف في المغصوب، ووجوب إنقاذ الغريق.

وثالثة: يختلفان بحسب العنوان ويتحدان بحسب المعنون.

والأول من أوضح أفراد الاتحاد الموجب للتعارض، والثاني من أوضح أفراد التعدد المعتبر في التزاحم، والاشتباه إنما هو في الثالث، لاختلاف أنحاء العناوين.

فإن العناوين الحاكية عن فعل المكلف تكون..

تارة: عناوين أولية حاكية عنه بذاته، كعنوان المشي والنوم والتكلم والأكل والسب والمدح وغيرها.

وأخرى: عناوين ثانوية منتزعة عنه بلحاظ أمرٍ خارج عنه، كالعناوين التسبيبية المنتزعة من ترتب بعض الأمور عليه، كعنوان الإحراق والإيذاء والتأديب والتكريم والإنقاذ وغيرها، والعناوين الإضافية المنتزعة من نحو إضافة بينه وبين غيره، كالمقابلة والمعاندة والإطاعة والمعصية والمتابعة والمشابهة وغيرها.

والظاهر أن مرجع التكليف بالعناوين المذكورة إلى كون موضوع الغرض والملاك هو منشأ انتزاعها الذي هو المعنى الاسمي الاستقلالي المفاد بمادة العنوان.

وليس التكليف بالفعل إلّا لكونه آلةً لذلك ومقدمةً له، لأنه الأمر المستند للمكلف في تحقيق منشأ الانتزاع، كما يناسبه استفادته من الهيئة التي تتكفل بالمعاني الحرفية الآلية التبعية.

وبعبارة أخرى: موطن الغرض والملاك هو المعنى الاسمي الاستقلالي الذي يتضمنه العنوان ويكون منشأً لانتزاعه، سواء كان هو فعل المكلف بذاته، كما في العناوين الأولية، أم الأمر الخارج عنه، كما في العناوين الثانوية.

ومن هنا يظهر أن اختلاف العنوانين مع وحدة المعنون الذي هو فعل المكلف إن كان لتعدد منشأ انتزاع العنوان في الخارج، بأن يكون أحدهما أولياً منتزعاً من الذات، والآخر ثانوياً منتزعاً من أمر خارج عنها، كعنواني المشي والإيذاء، أو كلاهما ثانويين مختلفين في منشأ الانتزاع، كعنواني الإيذاء

والإطاعة، كان راجعاً لتعدد الموضوع المعتبر في التزاحم، لأن فعل المكلف وإن كان واحداً، إلا أنه ليس متعلقاً لأحد التكليفين أو كليهما إلا تبعاً لتعلق الملاك والغرض بمنشأ انتزاع عنوانه.

ولذا كان المرتكز أن عمومات استحباب إيناس المؤمن، أو قضاء حاجته، أو وجوب إنقاذه لا تعارض مثل عموم حرمة الغناء، أو الغيبة، أو الكذب، وإن كان نسبة كل واحدٍ من تلك العمومات مع كل واحد من هذه هي العموم من وجه، حيث قد يجتمع العنوانان في فعلٍ واحدٍ. بل يكون مجمع العنوانين مورداً للتزاحم، بسبب تحقق الملاكين معاً كل في موضوعه، فيرجح الأقوى ملاكاً، وإن كان أضعف دليلاً.

ومثله استحباب أو وجوب إطاعة الأب وإطاعة الأم لو فرض كون فعلٍ واحدٍ إطاعة لأحدهما ومعصيةً للآخر ونحو ذلك.

أما إذا كان منشأ اختلاف العنوانين اختلاف قيودهما التابعة للخصوصيات الخارجة عن منشأ الانتزاع كخصوصيات الزمان والمكان والمتعلق وغيرها، مع اتحاد منشأ الانتزاع في الخارج، ولو لكون منشأ انتزاع أحدهما أخص من الآخر، كان المورد من موارد التعارض، سواء كان العنوانان أوليين، كعنوان الذكر وعنوان الكلام حال التخلي، وكعنواني النوم في المسجد والنوم بالليل، أم كانا ثانويين كعنواني إكرام العلماء وإكرام

الفساق.

لعدم سوق القيود والخصوصيات المذكورة إلا لتحديد موضوع الغرض ومورد الملاك مع قيام الغرض والملاك بمنشأ الانتزاع في ظرف تحقق القيد من دون أن تكون القيود مورداً للغرض، فمع اجتماع القيود والخصوصيات ذات الأحكام المتباينة في فرد واحد يمتنع شمول إطلاق حكم كلتا الخصوصيتين له، لامتناع تعدد الغرض فيه، ليكون من موارد التزاحم، بل لا بد من تكاذبهما المساوق لتعارضهما.

وهذا هو مورد ما اشتهر من تعارض العامين من وجه في مورد الاجتماع، وأن مرجع تقديم أحدهما فيه إلى إخراجه عن الآخر تخصيصاً بنحو لا يحرز بقاء ملاكه فيه.

نعم، إذا كانت خصوصية كلٍ من العنوانين دخيلةً في ثبوت حكمه ولو بمقتضى المناسبات العرفية بين الحكم والموضوع، كان مورد الاجتماع من موارد التزاحم الملاكي الذي تقدم أنه من موارد التعارض، لتنافي المقتضيين فيه، كما لعله يجري في مثل وجوب إكرام العلماء وحرمة إكرام الفساق.

ولذا يلتزم بالتأكد مع اتحاد سنخ الحكمين، كما لو وجب إكرام العلماء، ووجب إكرام العدول، حيث يكون وجوب إكرام العالم العادل مؤكداً، لتعدد المقتضي له. فتأمل.

هذا إذا كان مرجع التكليف بالعنوانين المتحدين في منشأ الانتزاع خارجاً المختلفين بالخصوصيات والقيود إلى التكليف بالذات الواجدة لأحد القيدين، بمفاد كان التامة.

أما إذا كان مرجعهما أو مرجع أحدهما إلى التكليف بنفس القيد في

ظرف وجود الذات - الذي هو مفاد كان الناقصة - من دون أن تكون الذات بنفسها مورداً للتكليف، خرج عن محل الكلام ودخل في تعدد العنوان والمعنون معاً الذي هو من أوضح أفراد التزاحم، لفرض عدم الاتحاد خارجاً بين العنوانين إلا في الذات المفروض خروجها عن موضوع أحد التكليفين أو كليهما، وليس الموضوع إلا تحقيق النسبة بين الذات والخصوصية، وهو أمر مباين مفهوماً وخارجاً للذات، ولتحقيق النسبة بينها وبين الخصوصية الأخرى، كما لو فرض ورود كراهة النوم في المسجد، واستحباب النوم على التراب، وكان مرجع الثاني إلى استحباب جعل النوم على التراب، من دون أن يدعو إلى تحقيق النوم، بل إلى تحقيق الخصوصية له في ظرف وجوده، ولا يقع التزاحم بينهما إلا في فرض انحصار التراب في المسجد، مع اضطرار المكلف للنوم، واختياره في الكون في المسجد.

ثم إن الظاهر أن موضوع مسألة اجتماع الأمر والنهي الذي فرض فيه تعدد العنوان ووحدة المعنون هو القسم الأول دون الثاني.

وبهذا كان موضوعها وسطاً بين التزاحم والتعارض، فهو بلحاظ تعدد موضوع الغرض والملاك يجري مجرى التزاحم، وبلحاظ وحدة المعنون خارجاً وهو فعل المكلف - قد يشتبه بسائر موارد العامين من وجه المفروغ ظاهراً عن تحقق التعارض فيها.

ولذا كان ظاهر المشهور القائلين بالامتناع وتقديم جانب النهي المفروغية عن تحقق ملاك الأمر في مورد اجتماع العنوانين، حيث يصح عندهم ويتحقق به الامتثال لو أتي به مع عدم تنجز النهي لغفلة ونحوها، مع ما هو المعلوم من أن العامين من وجه متعارضان لا طريق مع تقديم أحدهما

لإحراز ملاك الآخر.

بل مفروغيتهم عن تقديم جانب النهي لا وجه له إلا ما ذكرنا من إلحاق المورد بالتزاحم ارتكازاً. وإن وقع من غير واحد الكلام في وجه ذلك وأطالوا فيه بما لا مجال للتعرض له هنا، بل يوكل لمحلّه.

الأمر السادس: الكلام في قاعدة الجمع أولى من الطرح

الأمر السادس: تعرض شيخنا الأعظم (قدس سره) إلى الكلام في قاعدة: الجمع مهما أمكن أولى من الطرح، المدعى عليها الإجماع من بعضهم.

وقد أطال الكلام فيها بما لا يسعنا متابعته فيه بعد إجمال المراد من القاعدة المذكورة وعدم الدليل عليها غير الأدلة العامة المحكمة في العمل بالأدلة.

والذي ينبغي أن يقال: إن الجمع إن كان راجعاً إلى تحكيم أحد الدليلين على الآخر وحمله عليه بالنحو الذي تقتضيه أدلة الحجية العامة، كما في موارد الجمع العرفي، فهو المتعين أخذاً بدليل الحجية المقتضي له، كما يؤخذ به في العمل بالدليل الواحد الذي لا معارض له. وهو في الحقيقة خارج عن التعارض بين الدليلين، كما تقدم في الأمر الثالث.

وإن كان راجعاً إلى محض تأويل أحدهما بما لا ينافي الآخر وإن لم تساعده أدلة الحجية. فإن أريد بذلك مجرد رفع التنافي بين الدليلين دفعاً لتوهم صدور المتنافيين عن المعصوم (ع). فهو مستغنى عنه في حق من يعتقد عصمته، وإنما يحتاج له لدفع النقض على عصمته ممن لا يعتقد بها. ولا أثر له إلا الإقناع بوجه خطابي غير علمي، دفعاً لشبهته بمثلها.

لأن دليل العصمة إن لم يكن أقوى من مثل هذه الشبهة المستندة لظهور الكلام لم يصلح التأويل غير المناسب لأدلة الحجية لدفع التنافي

بعد استناده لظاهر الكلام الذي هو حجة في كشف مراد المتكلم، وإن كان دليل العصمة قطعياً أقوى من الشبهة المذكورة كان مانعاً من ورودها علمياً، فإيرادها تهريج بخطابيات مردودة بمثلها.

نعم، قد ينفع التأويل في منع استحكام الشبهة في حق ضعيف البصيرة من المؤمنين، كما قد ينفع في استيضاح العمل بأحد المتعارضين إذا اقتضاه دليل الحجية، لأن طرح الآخر للجهل بحاله أثقل على النفس من تأويله بما يلائم مقتضى الحجية، لأن الناس أعداء ما جهلوا. وقد تعرض لأكثر ما ذكرنا الشيخ في مقدمة التهذيب.

لكن اللازم حينئذٍ ذكر التأويل احتمالاً تجنباً لمحذور القول بغير علم ولا حجة، الذي هو مورد للخطر، بل للهلاك إذا كان في كلام المعصومين (ع) الذين هم حجج الله تعالى على خلقه وبهم قوام دينه.

وأشكل من ذلك ما لو أريد بالتأويل العمل بمقتضاه، كما قد يناسبه المقابلة بالطرح، فإنه قول وعمل بغير علم. ومن ثم ورد الأمر بإرجاع ما اشتبه أمره إليهم (ع) والنهي عن القول فيه بالرأي.

الأمر السابع: في منهج البحث

الأمر السابع: ذكرنا في الأمر الثالث أن التعارض لا يتحقق إلا مع تمامية موضوع الحجية بحسب الأدلة العامة في كل من المتعارضين في ظرف اجتماعهما، حيث يكون كل منهما مانعاً عن العمل بالآخر في ظرف تمامية المقتضي له فيه. كما ذكرنا في الأمر الرابع أنه لابد فيه من التنافي بين المؤديين.

وأنه يترتب على الأول عدم تحقق التعارض في موارد الجمع العرفي بين الأدلة، لارتفاع موضوع الحجية في أحدهما بسبب الآخر. كما يترتب

على الثاني عدم تحققه في موارد التخصص والورود وبعض أقسام الحكومة.

ومن ثم كان البحث في الأمرين خارجاً عن التعارض الذي هو محل الكلام، إلا أن أهمية البحث فيهما وارتباطه بمحل الكلام ملزم بتعميم البحث بنحو يشملهما، كما سبق.

ومن هنا كان المناسب جعل موضوع البحث الأدلة التي يكون لبعضها أثر في العمل بالآخر بالنظر لعموم دليل الحجية، إما لكونه دخيلاً في كيفية العمل به من دون أن ينافيه في المؤدى - على ما سيأتي توضيحه - أو لكونه منافياً له بحسب المؤدى رافعاً لموضوع حجيته بالنظر لعموم أدلة الحجية،

أو لكونه مانعاً من العمل به مع بقاء موضوع حجيته بالنظر للعموم المذكور، حيث يستند قصوره عن الحجية حينئذ لاستحالة عمومها عقلاً، لا لعدم الموضوع، وهو ينحصر بالمتعارضين.

ولأجله يكون البحث في بابين، يبحث في الأول منهما عن الأدلة التي يكون بعضها دخيلاً في العمل بالآخر، من دون تمانع بينها في الحجية، إما لعدم التنافي بينها في المؤدى، أو لعدم بقاء موضوع الحجية في أحدها بسبب الآخر، وإنما جمعاً في باب واحد لتداخل جهات البحث فيهما. ويكون البحث في الباب الثاني عن الأدلة المتعارضة التي يكون بعضها مانعاً من حجية الآخر مع تمامية موضوع الحجية فيه.

كما أن المناسب إلحاق البحث في المقام بخاتمةٍ يبحث فيها عن الوظيفة في الحكمين المتزاحمين من حيثية التخيير والترجيح، وعلاج التزاحم من الناحيتين الثبوتية والإثباتية.

لأن خروج ذلك عن محل الكلام وعدم وضوح الجامع بينهما مانع

من جعله من مقاصد البحث. كما أن أهميته وشدة مناسبته للمقام وارتباطه به في بعض الجهات - كما يظهر مما تقدم ويأتي - مانع من إهماله وملزم بإلحاقه به تتميماً للفائدة. ونسأله سبحانه وتعالى العون والتوفيق والتأييد والتسديد إنه حميد مجيد. وهو حسبنا ونعم الوكيل.

الباب الأول: في الأدلة التي يكون لبعضها دخل في العمل بالآخر بلا تمانع في الحجية

اشارة

وقد أشرنا إلى شمول ذلك لما لو لم يكن بين الدليلين تناف في المؤدى، ولما لو كان بينهما تنافٍ في المؤدى مع ارتفاع موضوع الحجية في أحدهما بالآخر.

إذ من الظاهر أن ترتب العمل على الدليل المفروض حجيته في نفسه موقوف على أمور لا يتكفل هو بها، بل تحرز من جهات أخر، كتشخيص ظهوره وإحراز إرادة الظهور وصدور الكلام لبيان المراد الجدي وإحراز موضوع الحكم.

فإن كان الدليل الآخر الدخيل في العمل به غير متعرض لمضمونه، بل كان متكفلاً ببعض هذه الجهات ومتعرضً لها نفياً أو إثباتاً لم يكن منافياً له في المؤدى، وكان من القسم الأول.

أما لو تعرض لمضمونه فمع كونه منافياً له فيه إن كان وروده موجباً لارتفاع موضوع الحجية فيه كان من القسم الثاني. وإلّا خرج عن القسمين ودخل في التعارض، الذي يأتي الكلام فيه في الباب الثاني.

وقد أشرنا إلى أن تداخل جهات البحث في القسمين المذكورين هو الموجب لجمعهما في بابٍ واحدٍ.

والكلام في كلٍ من القسمين..

تارة: في أنحاء دخل بعض الأدلة في العمل بالآخر وأقسام النسب بين الأدلة غير المتعارضة حسبما هو مصطلح عليه بين أهل الفن، حيث يقع الكلام في تحديد تلك النسب وتوجيه تحكيم أحد الدليلين على الآخر في كلٍ منها.

وأخرى: في توجيه تقديم بعض أنواع الأدلة التي بأيدينا على بعض كالطرق على الأصول وبعض الأصول على بعض، وتحقيق نوع النسبة التي يبتني عليها ذلك من بين النسب المذكورة. ومن هنا يقع الكلام في مقامين..

المقام الأول: في أقسام النسب بين الأدلة غير المتعارضة

اشارة

حيث عرفت أن هذا النوع من الأدلة قد لا يكون بين أطرافه تناف في المؤدى، لتعرض أحدها للجهات الدخيلة في العمل بالآخر، وقد تتنافى مع ارتفاع موضوع الحجية في أحدها بسبب الآخر، فقد تكرر في كلماتهم بعض العناوين مصطلحين بها على بعض أنواع النسب في الأول، وهي التخصص والورود والحكومة.

ولعل الأخيرين من مصطلحات شيخنا الأعظم (قدس سره) التي جرى عليها من بعده، وإن وقعا في كلام بعض من تقدمه - كصاحب الجواهر - غير مراد بهما مصطلح خاص، بل مطلق تقديم أحد الدليلين على الآخر وتحكيمه عليه.

وأما الثاني فصغرياته كثيرة، كتقديم البينة على اليد، والإقرار على البينة، إلا أن الذي وقع مورداً للكلام بينهم من حيثية وجهه وصغرياته هو الجمع العرفي الراجع لتقديم أقوى الظهورين على الآخر في استكشاف الحكم والمراد الجدي.

ومن هنا يكون التعرض للنسب الأربع في ضمن فصولٍ ثلاثةٍ..

الفصل الأول: في التخصص والورود
اشارة

وإنما جمعناهما في فصلٍ واحد لأن معيار الفرق بينهما محتاج لبعض الكلام، بل قد يكون الأول منهما خارجاً عن محل الكلام وهو النسب بين الأدلة.

وقد سبق أن أشرنا إلى توقف العمل بالدليل على تحقق موضوع حكمه وإحرازه.

وبيان ذلك: أن الأحكام الشرعية التي تتكفلها الأدلة لما كانت مجعولةً كبروياً بنحو القضايا الحقيقية الفرضية الموضوع ففعليتها في الخارج تدور ثبوتاً مدار فعلية موضوعاتها في الخارج وجوداً وعدماً.

كما أن إحرازها بنحوٍ يصلح لإحداث الداعي العقلي للعمل - الذي هو تابع للتنجز - يدور وجوداً وعدماً مدار إحراز موضوعاتها وعدمه، ومن الظاهر عدم تكفل دليل الحكم بتحقيق موضوعه ثبوتاً، ولا بإحرازه إثباتاً، بل هما تابعان لأسبابهما التكوينية أو التشريعية.

وقد تنهض بعض الأدلة بتنقيح موضوعات بعض الأحكام..

تارة: لكون الدليل بنفسه محققاً لموضوع الحكم ثبوتاً - لا بلحاظ

مدلوله - كما في الأحكام التي يؤخذ في موضوعاتها قيام الحجة، كجواز القضاء والفتوى، حيث يكون قيام الدليل على الحكم محققاً لموضوعها بنفسه. وكما في الأصول العقلية التي يكون موضوعها عدم البيان كالبراءة والاشتغال، حيث يكون قيام الدليل على التكليف أو الامتثال رافعاً لموضوعها.

وأخرى: لكشفه عن تحقق الموضوع أو عدمه بما له من وجود خارجي حقيقيٍ تابع لأسبابه التكوينية، كالبينة القائمة على عدالة إمام الجماعة أو عدمها، بالإضافة لجواز الائتمام.

وثالثة: لكشفه عن تحقق الموضوع أو عدمه بما له من وجودٍ اعتباري، تابع للجعل والتشريع، مثل ما دل على أسباب التملك أو الخروج عن الملك، كالميراث والبيع والشراء، بالإضافة لأحكام الملك، كوجوب الزكاة، والحج.

للفرق بين التخصص والورود

إذا عرفت هذا فالمعروف أن التخصص عبارة عن قصور عموم الحكم في مورد لعدم تحقق عنوانه فيه، كقصور عموم وجوب إكرام العلماء عن الجاهل، في قبال التخصيص الذي هو عبارة عن

قصوره في موردٍ لدليلٍ مخرجٍ عنه مع تحقق عنوانه، كقصور العموم المذكور عن النحويين لقيام دليل على حرمة إكرامهم.

أما الورود اصطلاحاً فهو عبارة عن خروج المورد عن موضوع الحكم بسبب التعبد، كقيام الدليل على التكليف الموجب لخروج المورد عن موضوع البراءة العقلية، وهو عدم البيان، على ما تقدم في الصورة الأولى.

وقد تكرر في كلام غير واحدٍ أنه من سنخ التخصص وأنه ليس

الفارق بينهما بعد اشتراكهما في خروج المورد حقيقةً عن موضوع الحكم إلا في استناد الخروج في الورود للتعبد، لكون الموضوع أمراً قابلاً للجعل والاعتبار، وعدم استناد الخروج في التخصص له، لكون الموضوع أمراً حقيقياً تابعاً لسببه التكويني.

بحيث قد يبدو أن التقابل بينهما للفرق المذكور ناشئ عن التنبه أخيراً للورود وتحديده، لأن التخصص كمصطلح سابق لم يؤخذ فيه عدم دخل التعبد في الخروج عن الموضوع، وإنما أخذ فيه ذلك متأخراً للفرق بينه وبين الورود.

فالمقابل للورود هو التخصص بالمعنى الأخص، وأما التخصص كمصطلحٍ سابقٍ في قبال التخصيص فهو الجامع بين القسمين.

لكن الظاهر أن المقابلة بين الورود والتخصص والتفريق بينهما بذلك ناشئان عن الخلط بين قصور الحكم كبروياً في مقام الجعل عما عدا موضوعه، وقصور موضوع الحكم وعنوانه في الخارج صغروياً عن شمول الفرد.

توضيح الفرق بينهما

توضيح ذلك: أنه إذا حكم الشارع بوجوب إكرام العالم، وكان زيد جاهلاً، فهناك أمران..

الأول: قصور الحكم في مقام الجعل عن شمول زيد لكونه جاهلاً كما يقصر عن سائر الجهال.

الثاني: قصور العالم في الخارج عن شمول زيدٍ وصيرورته جاهلاً.

والتخصص عبارة عن الأول، لأنه الذي يصح جعله مقابلاً للتخصيص، ولا معنى للترديد فيه بين أن يكون للتعبد ولغيره، بل ليس

هو إلا عبارة عن عدم شمول الحكم لغير موضوعه، وما يقبل الترديد بين الأمرين هو الثاني، بلحاظ أن موضوع الحكم إن كان حقيقياً له ما بإزاء في الخارج استند تحققه للأسباب التكوينية، وإن كان اعتبارياً - كقيام الحجة - استند عدم تحققه للجعل والتعبد، الذي هو مورد الورود، فقيام الدليل على التكليف في المثال المتقدم إنما يوجب خروج المورد صغروياً عن عدم البيان الذي هو موضوع البراءة العقلية وبه يتحقق الورود، وأما التخصص فهو خروجه بذلك عن حكم البراءة، لقصور الحكم كبروياً عن صورة وجود البيان.

فالتخصص يجتمع خارجاً مع الورود، ويكون في طوله وإن باينه موضوعاً ومفهوماً، وليس مقابلاً له ولا أعم منه مفهوماً.

وليس المقابل للورود إلا الخروج عن عنوان موضوع الحكم بالسبب التكويني، كصيرورة زيد جاهلاً في المثال المتقدم لتركه التعلم ونسيانه ما تعلم، وهو أجنبي عن التخصص، وإن كان مجتمعاً معه كالورود.

إلا أن يخرج بالتخصص عن المصطلح المعهود المقابل للتخصيص، فيراد منه المعنى المقابل للورود، ولا مشاحة في الاصطلاح. إلا أنه لا يظهر منهم في المقام تبديل الاصطلاح فيه، بل الجريان على المعنى المعهود له، على أنه لا موجب لتبديله ولا ثمرة فيه.

ثم إن التخصص بالمعنى الذي ذكرناه لا يصلح لأن يكون نحو نسبةٍ بين الأدلة، لأن قصور الحكم عن غير أفراد العنوان المأخوذ في دليله معنى قائم بالحكم أو بدليله والأفراد المذكورة، ونحو نسبة بينها، ولا يتوقف على فرض دليل آخر، ليكون طرفاً لتلك النسبة.

ولو فرض ورود دليل فيه متضمن لحكم مضاد له فالنسبة بين الدليلين التباين، كما لو كان حكمه مماثلاً له، لعدم دخل أحدهما في العمل بالآخر. فما يظهر من بعضهم من كون ذلك من موارد التخصص بين الدليلين في غير محله.

وكذا لو أريد من التخصص المعنى المقابل للورود - الذي تقدم الكلام فيه - لأن خروج الفرد عن عنوان الموضوع نحو نسبة بينه وبين الموضوع قائمة بهما وليس الدليل طرفاً لها.

نعم، قد يكون سبباً له، كسائر الأسباب التكوينية، حيث قد يوجب الدليل تبدل حال المكلف من الشك لليقين، أو من القلق للاطمئنان، أو من الحب للبغض.

لكن هذا لا يجعله طرفاً للتخصص، ليكون التخصص من أقسام النسب بين الأدلة، كالورود.

ومنه يظهر أنه حتى لو فرض تعميم التخصص لإحراز انسلاخ عنوان الموضوع عن الفرد بتعبد ظاهري، نظير ما تقدم في الصورة الثانية ويأتي في الورود لم يصلح لأن يكون نسبةً بين الدليلين، لأن دليل التعبد سبب للتخصص لا طرف له.

وبالجملة: التخصص (تفعُّل) وهو نحوٍ نسبةٍ بين نفس الحكم أو دليله أو موضوعه، وبين الفرد، ولا يكون الدليل طرفاً له، وإن أمكن أن يكون سبباً وعلةً له. ومن هنا لم يبعد كون ذكر غير واحد له في المقام لتوضيح الورود وتحديده، للبناء على التقابل بينهما، لا لكونه من أقسام النسب بين الأدلة التي هي محل الكلام في المقام.

وأما الورود فكونه من النسب بين الأدلة ظاهر، لأن الدليل الوارد لما كان رافعاً لموضوع حكم الدليل المورود وكان الدليل مرتبطاً بحكمه صح جعله طرفاً للنسبة الاصطلاحية، لأن النسب متقومة باللحاظ ويكفي فيها أدنى مناسبة.

ومصحح الاصطلاح المذكور هو كون محل الكلام الأدلة التي يهتم بتعين ما يتعارض منها عن غيره.

ولا ينبغي التأمل في تقديم الدليل الوارد، لعدم منافاته للمورود، لأن حكم المورود إنما جعل في ظرف تحقق الموضوع من دون أن يقتضي تحققه، لينافي مضمون الوارد، بل يكون الوارد متقدماً عليه رتبةً تبعاً لتقدم مضمونه، ومقتضى عموم دليل الحجية العمل بكل منهما في مضمونه.

المراد من الموضوع في الورود

ومن هنا يتجه كون المراد بالموضوع الذي يكون رفعه محققاً للورود هو الموضوع الواقعي بما له من خصوصيات وقيود، سواء استفيدت من عموم دليل الحكم أم من التخصيصات والتقييدات المنفصلة، وليس هو كالتخصص الذي يكون المعيار فيه عدم تحقق عنوان العام، فإذا وجب إكرام العالم الذي لا حجة على فسقه كانت الحجة على فسق عالمٍ واردةً على دليل الحكم المذكور، سواء استفيد

دخل القيد المذكور في الحكم من عموم دليله أم من تخصيص منفصل، لعدم الفرق في الجهة المذكورة لوجه التقديم الملحوظة في اصطلاح عنوان الورود بين الوجهين، ولا موجب لتخصيصه بأحدهما وإن كان قد يناسبه مقابلتهم الورود بالتخصص.

كما أن الجهة المذكورة بعينها تقتضي تقديم الدليل المحقق لموضوع حكم الدليل الآخر، الذي هو أحد فرضي الصورة الأولى من الصورة

المتقدمة، لأن الحكم كما لا يقتضي تحقق موضوعه لا يقتضي عدمه، فكما لا يكون الدليل الرافع للموضوع منافياً له لا يكون الدليل المحقق له منافياً له، بل يكونان معاً متقدمين عليه رتبةً. ومن ثم قد يحسن تعميم اصطلاح الورود لذلك أيضاً.

كما قد يحسن تعميمه للصورتين الأخيرتين من تلك الصور أيضاً اللتين فرض فيهما كون أحد الدليلين محرزاً لموضوع حكم الدليل الآخر أو لعدمه ظاهراً، لنظير الوجه المذكور، فإن دليل جعل الحكم كما لا يقتضي تحقق موضوعه ولا عدمه، كذلك لا يقتضي إحراز أحد الأمرين، فلا ينافي الدليل المحرز لأحد الأمرين.

ولعل إلحاقهما بالورود أولى من إلحاقهما بالحكومة(1)- وإن كان لا مشاحة في الاصطلاح - لأن التعبد بالموضوع وإن كان مستلزماً للتعبد بحكمه، إلّا أنه لا يبتني على النظر للحكم ولا لدليله الذي هو المعيار في الحكومة بقسميها الآتيين.

ولا فرق في ذلك بين الصورتين، لأن أثر الدليل هو إحراز الموضوع أو عدمه ظاهراً المشترك بينهما، لا تحقيق الموضوع أو رفعه واقعاً، ليقصر عن الصورة الثانية، بلحاظ استناده فيها للسبب التكويني، ويتجه إلحاقها بالتخصص، بناء على مقابلته للورود، على ما سبق، بخلاف الثالثة التي فرض فيها كون موضوع الحكم خاضعاً للجعل والاعتبار.

وعلى هذا يكون الورود عبارة عن كون أحد الدليلين رافعاً لموضوع


1) كما قد يظهر من بعضهم. بل صريح بعض الأعاظم (قدس سره) أن الأصل المحرز لموضوع الحكم حاكم على دليله حكومة ظاهرية.

حكم الآخر أو محققاً له واقعاً في عالم الجعل والاعتبار، أو محرزاً ظاهراً لتحقق موضوع حكمه أو لعدمه في عالم التكوين أو الاعتبار.

ولنخص الثاني باسم الورود الظاهري، فرقاً بينه وبين الأول، الذي هو المتيقن في الجملة من مصطلحهم في الورود.

ثم إن ارتفاع الموضوع ظاهراً وإحراز عدمه في الصورة الثالثة وإن استند لدليل التعبد، إلا أنه لا بد أن يكون الرافع له واقعاً نفس المجعول المتعبد به، وهو الحكم الشرعي المحرز به، كالحكم بخروج المال عن الملك ببيعه الذي يكون رافعاً لوجوب الزكاة المأخوذ فيه الملكية. ومن هنا قد يتوسع وينسب الورود لنفس الحكم، ويراد منه الورود الواقعي، وإن كان الورود في مصطلحهم نسبته بين الدليلين لا بين الحكمين.

وقد يكون ذلك بين حكمين من الطرفين، بأن يكون كل منهما مقيداً بقيد يرفعه الآخر، ويعبر عنه بتوارد الحكمين، كما لو تعلق النذر ونهي الأم بشيءٍ واحدٍ، فإنه حيث يعتبر في انعقاد النذر رجحان المنذور يكون عموم مرجوحية معصية الأم محرزاً لارتفاع موضوع وجوب الوفاء بالنذر، كما أنه حيث يعتبر في مرجوحية معصية الأم أن لا يكون متعلق أمرها محرماً شرعاً يكون عموم وجوب الوفاء بالنذر محرزاً لارتفاع موضوع مرجوحية معصية الأم.

ولا مجال للترجيح بالأهمية وما يشبهها، ككون أحد الحكمين إلزامياً دون الآخر، لأنه مختص بتزاحم التكليفين في ظرف إحراز ملاك كل منهما تبعاً لتمامية موضوعه، ويتعذر ذلك في المقام، لأن التوارد بين الحكمين مستلزم لارتفاع موضوعيهما معاً في المرتبة اللاحقة لتحقق عنوانيهما،

فلا يحرز ملاكاهما، ليقع التزاحم بينهما، وأهمية أحدهما ثبوتاً لا تقتضي إحرازه إثباتاً مع عدم تحقق موضوعه.

إن ثانيها عدم تمامية موضوعيهما في المرتبة اللاحقة لحدوث عنوانيهما ومقتضييهما إنما يمنع من فعليتهما في هذه المرتبة، أما في المرتبة الثالثة اللاحقة لها، فيتم موضوع كل منهما، لفرض تحقق قيده بسبب سقوط كلٍ منهما عن الفعلية في المرتبة السابقة عليها، فلا يكون رافعاً لموضوع الآخر، ومع تمامية موضوعيهما يتم ملاكاهما، ويتعين إجراء أحكام التزاحم عليهما.

ثانيها بعد بطلان المقتضيين وامتناع تأثيرهما في المرتبة اللاحقة لحدوثهما لعدم تمامية موضوعيهما فلا مجال للبناء على فعلية أثريهما في المرتبة الثالثة، لظهور أدلتهما في اتصال أثريهما بهما، لا انفصالهما عنهما، بل هو محتاج لدليلٍ خاصٍ، نظير العقد الفضولي الذي يكون أثره فعلياً بالإجازة المنفصلة عنه.

على أن تحقق قيد كل منهما في المرتبة المذكورة - نظير تحققه في المرتبة السابقة على حدوث عنوانيهما ومقتضييهما - لا ينفع في تمامية موضوعيهما بنحوٍ يترتب عليه فعلية الغرض مع التوارد بينهما في جميع الموارد، لأن تمامية موضوعيهما في كل مرتبة تستلزم ارتفاعهما في المرتبة اللاحقة لها، فلا يصلح كل منهما لأن يكون موضوعاً للغرض الفعلي الصالح للداعوية، ليكون من صغريات التزاحم.

ما ذكره السيد الحكيم (قدس سره) في الترجيح بالسبق الزماني

هذا، وقد تكرر من سيدنا الأعظم (قدس سره) في مستمسكه الترجيح بالسبق الزماني، مدعياً أنه مقتضى الجمع العرفي قال:

«تنزيلاً للعلل الشرعية منزلة

العلل العقلية، فكما أن العلل العقلية يكون السابق منها رافعاً للاحق، كذلك العلل الشرعية، فيلغى احتمال كون اللاحق رافعاً لموضوع السابق، وإن كان احتمالاً معقولاً في العلل الشرعية، لكنه لا يُعتنى به في مقام الجمع بين الدليلين»(1).

أقول: احتمال كون اللاحق رافعاً لموضوع السابق وإن كان معقولاً - كما ذكره (قدس سره) - إلا أنه مخالف لفرض التوارد بين الحكمين وتوقف تمامية موضوع كلٍ منهما على عدم فعلية الآخر، لأن مقتضاه اعتبار عدم كل منهما في مرتبة سابقة على فعلية الآخر، كما هو الحال في سائر قيود الموضوع، بحيث لو كان موجوداً كان مانعاً منه، فلا يكون اللاحق فعلياً كي يرفع السابق في المرتبة اللاحقة لحدوثه.

ولو فرض رفع اللاحق للسابق لزم كون موضوع اللاحق مطلقاً بالإضافة إلى السابق غير مقيد بعدمه، كي يمكن فعليته مع وجوده ليرفعه في المرتبة اللاحقة، وهو خارج عن مفروض الكلام.

فالترجيح بالسبق الزماني لابد منه في مفروض الكلام من توارد الحكمين، وليس مبنياً على الجمع العرفي. ولا يظن من أحد التشكيك فيه.

وما وقع من بعضهم من المنع منه في بعض الموارد مبني على إنكار الصغرى بدعوى أن الورود فيه من أحد الطرفين، لا من كليهما.

وليس الكلام في المتواردين إلا في صورة التقارن التي يكون مقتضى القاعدة فيها التساقط، لعدم تمامية موضوع كلٍ من الحكمين في المرتبة


1) مستمسك العروة الوثقى، كتاب الحج، المسألة الثانية والثلاثون من فصل شرائط وجوب حجة الاسلام، ج: 10 ص: 119،

اللاحقة لتحقق مقتضييهما.

ومما ذكرنا يظهر أنه لا تنافي بين الدليلين ليحتاج للجمع العرفي بينهما، لأن إطلاق كل منهما إنما يقتضي فعلية حكمه في المرتبة اللاحقة لتمامية موضوعه، لا مطلقاً، فعدم فعلية اللاحق لعدم تمامية موضوعه في المرتبة السابقة لحدوث عنوانه ومقتضيه لا ينافي إطلاقه، كما أن عدم فعليتهما معاً في صورة التقارن لارتفاع موضوعيهما في المرتبة اللاحقة لحدوث عنوانيهما بسبب مانعية كل منهما من الآخر ورفعه لموضوعه لا ينافي إطلاقيهما معاً.

ومن هنا يخرج المورد عن التعارض والتزاحم معاً، لعدم تحقق شرطهما، وهو التنافي بين الحكمين، لعدم تمامية موضوعيهما.

نعم، لو علم من الخارج بفعلية أحدهما إجمالاً فحيث كان مرجع ذلك إلى تقييد إطلاق شرطيته بالخصوصية المرتفعة بالآخر كان من صغريات التعارض لأمرٍ خارج، للعلم بكذب أحد الإطلاقين من دون تناف بينهما لذاتيهما.

كما أنه لو كان مرجع تقييد موضوع كل من الحكمين بالقيد المرتفع بالآخر هو اعتبار وجوده في مرتبة المقتضي له وإن ارتفع بعد ذلك، بأن يكون كل منهما مانعاً من تمامية موضوع الآخر لا رافعاً له بعد تماميته، لتمّ موضوع كل منهما في فرض تقارنهما المستلزم لتمامية ملاكه، ودخل المورد في التزاحم إن تحققت بقية شروطه، وإلّا دخل في التعارض.

لكن الظاهر خروج ذلك عن محل الكلام في توارد الحكمين بل لعلَّه لا وجود له في الخارج.

بقي في المقام أمران:
بقي أمران..
الأول: فيما لو كان أحد الحكمين مؤثراً حدوثاً وبقاءً‌

الأول: أنه لو كان أحد المقتضيين مؤثراً بحدوثه فقط، والآخر مؤثراً بحدوثه وبقائه تعين فعلية أثر الثاني مع تقارن حدوثهما، لأن عدم تمامية موضوعيهما في المرتبة اللاحقة لاجتماعهما إنما يمنع من فعلية تأثير حدوثهما، فيؤثر الثاني ببقائه، لعدم الرافع لموضوعه بعد فرض سقوط تأثير الأول بحدوثه وعدم تأثير بقائه.

أما مع سبق أحد المقتضيين فالأثر له مطلقاً، لأن فعلية أثره تبعاً لحدوثه كما تمنع من تأثير الآخر بحدوثه لعدم تمامية موضوعه تمنع من تأثيره ببقائه لذلك أيضاً.

والظاهر أن مثل النذر والإجارة من الأمور المتقومة بالجعل والإنشاء من الأول، بل لا بقاء في الحقيقة للمقتضي فيها، كما أن مثل ملكية الزاد والراحلة في الاستطاعة للحج من الثاني، وكذا مثل أمر الوالدين ونهيهما، لأن ملاك رجحان المأمور به ومرجوحية المنهي عنه ارتكازاً هو موافقة الإرادة والكراهة القابلين للبقاء، وليس الأمر والنهي إلا كاشفين عنهما، ولذا لو حدثت ملكية الزاد والراحلة أو أمر الوالدين في حال فقد شرط تأثيرهما - كما في الصبي - ثم تحقق الشرط أثراً ببقائهما، بخلاف مثل النذر والإجارة.

الثاني: في توارد الحكمين

الثاني: أنه قد يتوهم أن توارد الحكمين مستلزم لتقدم كلٍ منهما على الآخر رتبة، بل للدور، حيث يكون وجود كل منهما رافعاً للآخر ومن أجزاء علة عدمه وعدمه شرطاً له ومن أجزاء علة وجوده.

ويندفع بأن الحكم ليس معلولاً للموضوع حقيقة، بل للجعل

والاعتبار الشرعي، واعتبار كلٍ من الحكمين مباين لاعتبار الآخر، وليس الموضوع إلا ظرفاً لاعتبار كل من الحكمين، ولا مانع من عدم جمع الشارع للحكمين بجعلهما في عرضٍ واحد، لعدم فعلية غرضيهما وملاكيهما كذلك، المستلزم لكون فعلية كلٍ من الحكمين ظرفاً لعدم الآخر وعدمها شرطاً في تحقق الآخر، وإذا لم يكن الحكم معلولاً للموضوع أمكن كونه علة له في المقام دون أن يلزم محذور الدور.

الفصل الثاني: في الحكومة
اشارة

سبق أن موضوع الكلام هو الدليلان الدخيل أحدهما في ترتب العمل على الآخر، وحيث تقدم في الفصل الأول الكلام فيما لو كان أحد الدليلين متكفلاً بتنقيح موضوع حكم الدليل الآخر ثبوتاً أو إثباتاً يبقى الكلام في بقية الأقسام في المقام، وهي ثلاثة..

في أقسام الحكومة:
الأول: الحكومة التفسيرية

الأول: أن يتكفل أحد الدليلين ببيان بعض الجهات التي يبتني عليها استفادة الحكم الذي يترتب عليه العمل من الآخر مما لا يتكفل هو به، بل يستند لجهات أخر، كتعيين معاني المفردات وظهور الكلام ومراد المتكلم منه أو بيان بعض القرائن المحيطة بالكلام الموجبة لتبدل ظهوره، أو جهة صدوره كالتقية، مثل ما في صحيح عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (ع): «سألته عن رجل لم يدر ركعتين صلى أم ثلاثاً. قال: يعيد. ثانيها أليس يقال: لا يعيد الصلاة فقيه؟ فقال:

إنما ذلك في الثلاث والأربع»(1).

وحديث علي بن المغيرة: «قلت لأبي عبد الله (ع): جعلت فداك الميتة ينتفع منها بشيء؟ فقال: لا. ثانيها بلغنا أن رسول الله (ص) مرَّ بشاة


1) الوسائل، ج: 5، باب: 9 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، حديث: 3.

ميتة فقال: ما كان على أهل هذه الشاة إذ لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها [بجلدها. خ. ل]: قال: تلك شاة لسودة بنت زمعة زوجة النبي (ص) وكانت شاة مهزولة لا ينتفع بلحمها فتركوها حتى ماتت، فقال رسول الله (ص):

ما كان على أهلها إذ لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها. أي: تذكى»(1)، وغيرهما.

ومن الظاهر أن هذا السنخ من الأدلة متفرع على الدليل المتعرض له تفرع المفسِّر على المفسر.

كما أنه يكون ناظراً إليه من حيثية دليليته إما تفصيلاً - كما في الخبرين المتقدمين - أو إجمالاً، كما في ما يتضمن بيان معاني المفردات، كما ورد في تفسير المذي والوذي والودي(2)، لوضوح رجوعه إلى بيان ما هي ظاهرة فيه في جميع موارد استعمالها، وإن لم يرد لشرح دليل خاص.

ومن ثم لا يلزم تأخره عنه زماناً، بل يمكن تقدمه عليه مع نظره إليه إجمالا وتفسيره له على فرض وجوده بنحو القضية التعليقية.

كما أنه حيث كان ناظراً للدليل من حيثية دليليته فلا يلزم نظره للحكم المدلول له ولا تحديده وشرح حاله، بل غاية ما يقتضيه تحديد دلالة الدليل على الحكم ومدى استفادته منه، وإن كان الحكم في الواقع أوسع أو أضيق من مدلول الدليل. فمثلاً ما تضمنه الخبر المتقدم من شرح قصة الشاة الميتة إنما يمنع من استفادة حلية الانتفاع بجلد الميتة من كلام النبي (ص) ولا ينافي جواز الانتفاع بها لدليلٍ آخر.


1) الوسائل، ج: 2 باب: 61 من أبواب النجاسات حديث: 20.

2) الوسائل، ج: 1 باب: 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 6.

نعم، قد يقتضي ذلك لخصوصية فيه زائدة على النظر للدليل وشرحه، كما هو الحال في الخبر المذكور، لوروده في مقام الردع عن جواز الانتفاع بالجلد.

الثاني: الحكومة البيانية

الثاني: أن يكون أحد الدليلين ناظراً للحكم الذي تضمنه الآخر ومبيناً لحاله بنحو خاص، كأدلة التنزيل الموسعة للموضوع، كالنبوي: «الطواف بالبيت صلاة»(1)أو المضيقة له، مثل قوله (ع):

«لا سهو في نافلة»(2)لوضوح ابتناء التزيل بين المتباينين على ملاحظة أحكام المنزل عليه والتشريك فيها، وابتناء نفي العنوان عن فرده على ملاحظة حكمه ونفيه عنه. وكذا أدلة الرفع الثانوية مع الأحكام الأولية، كأدلة رفع الضرر والحرج والإكراه ونحوها، لوضوح ابتناء الرفع على فرض ثبوت الحكم اقتضاء، فهو يبتني على النظر للحكم المذكور وبيان حاله وأنه ليس فعلياً في حال وجود العنوان الثانوي المذكور.

وهو كسابقه يكون نظره للحكم تفصيلياً تارة، وإجمالياً أخرى، كما يمكن تقدمه عليه زماناً لأجل ذلك، بأن يكون مبيناً لحاله على تقدير تشريعه، كما هو الحال في أدلة أحكام العناوين الثانوية الرافعة.

وإنما يختلف عنه في أنه حيث كان النظر فيه لنفس الحكم الذي تضمنه الدليل دون الدليل بما هو دليل فلا يكون متكفلاً ببيان المراد من الدليل وشرح مؤداه ولا يتصدى لذلك، وإن كان قد يستفاد منه تبعاً، بلحاظ أن كون الحكم بوجه خاص ثبوتاً مستلزم لعدم إرادته على خلاف


1) حكي عن سنن البيهقي: ج 5 ص 87 وعن كنز العمال ج 3 ص 10 رقم 206 وذكره في الخلاف والمسالك مرسلا في مسألة مس المحدث للقران.

2) الوسائل ج: 5 باب: 24 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة حديث: 8.

ذلك الوجه من دليله بعد فرض عدم النسخ.

نعم، الاستفادة المذكورة مختصة بالأدلة المضيقة إما للموضوع كدليل نفي السهو في النافلة، أو للحكم كأدلة الرفع الثانوية، ولا تتم في أدلة التنزيل الموسعة، لوضوح أن ثبوت أحكام المنزل عليه للمنزل لا تستلزم عموم أدلة أحكام المنزل عليه له، فمشاركة الطواف للصلاة في وجوب الطهور مثلاً لا يستلزم كون المراد بالصلاة في قوله (ع): «لا صلاة إلا بطهور» ما يعم الطواف.

هذا، ولازم الفرق المذكور بين هذا القسم وما قبله في كيفية النظر رجوع هذا القسم إلى بيان قضية تشريعية تستند للحاكم بالحكم المنظور إليه، كجريان أحكام الصلاة على الطواف وعدم جريان أحكام السهو على السهو في النافلة ورفع الأحكام الضررية، ولا أثر لها لو استندت لغيره، بخلاف القسم الأول، فإن مرجعه إلى بيان أمرٍ واقعي يمكن أن يكشف عنه كل أحد من دون خصوصية للحاكم فيه.

الثالث: من أقسام الحكومة المتصورة

الثالث: أن يستقل كل من الدليلين في بيان ما يتكفله من دون نظر من أحدهما للآخر ولا للحكم الذي تضمنه، ويكون مدلول أحدهما منافياً لمدلول الآخر بدواً، وإن امتاز أحدهما بخصوصية تقتضي أقوائية دلالته بنحوٍ يكون قرينةً عرفاً على المراد من الآخر - وإن لم يسق لذلك - فيقدم عليه في مقام العمل، فيخرج الآخر معه عن الحجية في مورد التنافي، ليخرج بذلك عن التعارض على ما سيأتي توضيحه، كالعام والخاص وغيرهما من موارد تعارض الظاهر والأظهر.

وتقديم الأقوى وإن كان راجعاً إلى تفسير الأضعف به وتعيين المراد

الجدي منه بسببه، إلا أنه ليس لسوقه لتفسيره - كما في القسم الأول - ولا لنظره لمدلوله - كما في القسم الثاني - بل لمحض بناء العرف على ذلك، تبعاً لمرتكزاتهم المعوَّل عليها في فهم مراد المتكلم من كلامه والعمل عليه.

خروج القسم الثالث من الحكومة

إذا عرفت هذا، فلا إشكال في خروج القسم الثالث عن الحكومة، وإنما هي مرددة بين القسمين الأولين، لاضطراب كلماتهم في تحديدها ولا سيما شيخنا الأعظم الذي هو الأصل لهذا المصطلح، فقد قال (قدس سره) في مبحث التعارض:

«وضابط الحكومة أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي متعرضاً لحال الدليل الآخر، ورافعاً للحكم الثابت بالدليل الآخر عن بعض أفراد موضوعه، فيكون مبيّناً لمقدار مدلوله ومسوقاً لبيان حاله متفرعاً عليه».

وقد يظهر من ذلك اختصاصها بالقسم الأول، بل ببعض أفراده، وهو خصوص ما كان مسوقاً لشرح الموضوع وتفسيره، إلا أن تمثيله بأدلة أحكام الشكوك بالإضافة لما دل على أنه لا حكم للشك في النافلة، أو مع حفظ الإمام، أو المأموم، أو بعد الفراغ من العمل، وتعرضه لنظير ذلك في تقريب حكومة أدلة نفي الحرج والضرر على أدلة الأحكام الأولية، وجعله تقديم الأمارة على الأصل بملاك الحكومة يأبى ذلك جداً، بل يناسب كون القسم الثاني منها، كما هو الظاهر من كلام جمع ممن تأخر عنه بل صريح بعضهم.

توجيه النائيني (قدس سره)

وقد حاول بعض الأعاظم (قدس سره) توجيه العبارة بما يناسب ذلك بحمل التفسير فيها على نتيجة التفسير بلحاظ ما أشرنا إليه آنفاً من أن كون الحكم الذي تضمنه الدليل المحكوم بالوجه الخاص الذي بين في الحاكم يستلزم ارادته من الدليل المحكوم على ذلك الوجه، فيكون شارحاً له تبعاً وإن لم يسق لشرحه.

وربما استشهد لذلك بأنه (قدس سره) فرض التفسير بنحو يرجع إلى عدم ثبوت الحكم لبعض أفراد الموضوع - كما هو الحال في القسم الثاني - لا بنحوٍ يرجع إلى بيان المراد بالموضوع، كما هو الحال في القسم الأول، وبأنه (قدس سره) ذكر بعد ذلك أن مفاد الدليل الحاكم تخصيص بعبارة التفسير.

ومن هنا قد يدعى اختصاص الحكومة عنده بالقسم الثاني، كما يناسبه ما صرح به بعضهم وقد يظهر من آخرين من أن مبنى التقابل بين الورود والحكومة على فرض ارتفاع الموضوع فيه حقيقة، وفرض بقائه فيها، وإن كان مرتفعاً ادعاء أو تعبداً.

لكن كلامه (قدس سره) آبٍ عن ذلك جداً، لأن فرض كون الحاكم متعرضاً لحال المحكوم بمدلوله اللفظي ومسوقاً لبيان حاله صريح في إرادة القسم الأول.

ومجرد فرضه رافعاً لحكمه عن بعض أفراد موضوعه لا ينافيه، لأن التفسير قد يتضمن ذلك، حيث قد يتعرض المفسر صريحاً لإرادة الخاص من العام، على خلاف ظاهر الكلام.

ومن ثم ذكر بعض المحشين - في ما حكي عنه - أنه (قدس سره) ضرب في الدورة الأخيرة على العبارة الدالة على إرادة القسم الأول.

ولعل منشأ ما ذكره (قدس سره) من كون الحاكم مفسراً للمحكوم بمدلوله اللفظي ومسوقاً لذلك هو اختلاط ورود أحد الدليلين لتفسير الآخر بما إذا استفيد شرحه منه تبعاً، والخلط بين نظره إليه ونظره لمدلوله، كما اختلط ذلك على غيره، حيث يظهر منهم المفروغية عن لزوم نظر الحاكم للمحكوم، مع عدم النظر في الموارد المذكورة ونحوها من موارد التنزيل - التي هي من

أظهر موارد الحكومة عندهم - إلا لحكم أحد الدليلين، دون الدليل نفسه.

هذا، وحيث لا مشاحة في الاصطلاح فالمناسب تعميم الحكومة للقسمين معاً، لاشتراكهما في لزوم العمل بالحاكم، ولأنه أنسب بالجمع بين تحديد الحكومة وأمثلتها في كلام شيخنا الأعظم (قدس سره) الذي هو الأصل في الاصطلاح.

وعليه فالمعيار في الحكومة على كون أحد الدليلين ناظراً للدليل الآخر بنفسه أو بمدلوله، ومسوقاً لبيان حال أحدهما.

ولتخص الأولى باسم الحكومة البيانية، لسوق الحاكم فيها لبيان حال نفس الدليل المحكوم، والثانية باسم الحكومة العرفية، لأن منشأ التحكيم فيها هو العرف، على ما يأتي توضيحه إن شاء الله تعالى.

وليس هذا بمهم بعد أن كان راجعاً لمحض الاصطلاح. وإنما المهم ما رتب عليه من الأثر العملي، وهو لزوم تقديم الدليل الحاكم على المحكوم من دون نظر للمرجحات، حيث ذكر ذلك شيخنا الأعظم (قدس سره) وتسالم عليه من بعده.

ولا ينبغي التأمل في ذلك في الحكومة البيانية، لعدم التنافي بين الحاكم والمحكوم في المضمون أصلاً، لفرض عدم تكفل المحكوم ببيان الجهة التي يبتني عليها استفادة الحكم منه، والتي فرض تعرض الحاكم لها، بل المتكفل بها طرق آخر من أصول عقلائية أو غيرها، فلا مانع من شمول إطلاق دليل الحجية لهما معا، مع تقديم الحاكم، لتقدمه رتبةً.

نعم، قد يكون مفاد الحاكم منافياً لمقتضى الطرق الأخرى التي يرجع إليها في استفادة الحكم من المحكوم لولا الحاكم، كأصالة عدم القرينة، أو

عدم النقل، أو الجهة، أو نحوها.

فإن كان وارداً عليها - كما هو الحال في الأصول المذكورة - فلا إشكال، وإلا كان معارضاً لها بدواً ولزم الرجوع للقواعد المرعية من الجمع بينها وبينه أو ترجيح أحدهما أو التساقط، كما هو الحال لو تضمن أحد الخبرين تكذيب الآخر وعدم صدوره عن المعصوم (ع) فإن الكلام وان لم يتضمن صدور نفسه، فلا ينافي الدليل المكذب لصدوره، إلا أن سنده لما كان متكفلاً بإثبات صدوره كان منافياً للدليل المكذب لذلك، ومن الظاهر أن الدليل المكذب لا ينهض برفع موضوع السند، ولا برفع موضوع حجيته، فيتعارضان.

وتوهم عدم التعارض بينهما، لأن التكذيب لما كان صادراً عن المعصوم الذي يقطع بصدقه، فلا مجال معه لحجية السند الحاكي عن الصدور.

مدفوع بأن القطع بصدق المعصوم لا يوجب القطع بكذب ما ورد تكذيبه عنه، لأن صدور التكذيب وإرادة ظاهره ليسا قطعيين، فينهض سند الخبر الذي ورد تكذيبه بمعارضتهما، ويتعين التساقط. فلاحظ.

الكلام في الحكومة العرفية

وأما الحكومة العرفية التي هي موضوع تمثيلهم ومحل كلامهم فقد وقع الكلام في وجه التقديم فيها في فرض اختلاف مقتضى الحاكم عن مقتضى المحكوم.

توجيه النائيني (قدس سره)

وقد وجهه بعض الأعاظم (قدس سره) بعدم التنافي بين مفاد الحاكم ومفاد المحكوم، لأن المحكوم إنما يثبت الحكم على تقدير وجود موضوعه - كما هو مفاد القضية الحقيقية - من دون أن يتكفل بإثبات الموضوع، لينافيه

الدليل الحاكم النافي للموضوع.

المناقشة فيه

لكنه - كما ترى - إنما يصلح أن يكون وجهاً للتقديم في الورود بقسميه المتقدمين، وهما الواقعي والظاهري، ولا يجري في ما نحن فيه مما فرض فيه رفع الموضوع ادعاء وتنزيلاً مع بقائه حقيقة، فإن مقتضى إطلاق الدليل المحكوم ثبوت الحكم حينئذٍ تبعاً لثبوت موضوعه حقيقة، فيكون الدليل الحاكم منافياً للإطلاق المذكور.

على أن ذلك مختص ببعض أفراد الحكومة، وهي المبنية على سلب عنوان الموضوع، دون حكومة مثل أدلة الرفع الثانوية على أدلة الأحكام الأولية، لوضوح عدم تكفل الحاكم برفع موضوع حكم الدليل المحكوم ادعاء فضلاً عن رفعه حقيقةً.

ومن ثم أكمل بعض مشايخنا وجه تقديم الحاكم - بعد ذكره لما سبق من بعض الأعاظم - بوجه التقديم في مثل ذلك، وهو أن الأدلة المذكورة لما كانت ناظرة للأدلة الأولية وشارحة للمراد بها وأن الأحكام الضررية والحرجية غير مجعولة في الشريعة المقدسة، فلا يقع التصادم بينهما أصلاً.

ويظهر الإشكال فيه مما سبق، من أن الأدلة المذكورة غير ناظرة لأدلة الأحكام الأولية، لتكون شارحة لها ورافعة لمقتضى أصالة الظهور فيها، بل هي ناظرة لما تضمنته من الأحكام وحاكمة بقصورها عن حال طروء العناوين المذكورة، فينافي إطلاق أدلة تلك الأحكام، ويقع التصادم بينها، وإنما يتم ذلك في الحكومة البيانية، كما لا يخفى.

ومنه يظهر حال ما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) في وجه الفرق بين التخصيص والحكومة، بنحوٍ يرجع لخصوصية الحكومة في التقديم. قال:

«والفرق بينه وبين التخصيص أن كون التخصيص بياناً للعام بحكم العقل الحاكم بعدم جواز إرادة العموم مع العمل بالخاص، وهذا بيان بلفظه ومفسر للمراد من العام، فهو تخصيص في المعنى بعبارة التفسير».

ولعله إليه يرجع ما قيل من أن تقديم الأظهر على الظاهر في موارد الجمع العرفي يبتني على كون الأظهرية قرينةً عرفيةً نوعية على تحديد المراد من الظاهر، من دون إعداد من المتكلم نفسه، بخلاف تقديم الحاكم، فإنه ناشئ من إعداد منه له للقرينية على المحكوم وبيان المراد الجدي منه، وللمتكلم تحديد مراده من كلامه متى شاء.

فإنه يظهر بما تقدم أن ذلك يتم في الحكومة البيانية، دون العرفية التي هي محل كلامهم.

هذا، وقد يدعى أن الملزم بتقديم الحاكم على المحكوم بعد اشتراكهما في التعرض للحكم والتنافي فيه هو اشتمال الحاكم على الخصوصية الزائدة، المقتضية لنظره للحكم الذي تضمنه المحكوم وتحديده وشرحه، ككونه بلسان رفعه في فرض وجود مقتضيه أو بلسان رفع موضوعه أو نحوهما.

لكنه لم يتضح صلوح الخصوصية المذكورة بنفسها للتقديم مع قطع النظر عن الأظهرية الملزمة بالتقديم في سائر موارد الجمع العرفي.

ودعوى: أن تقديم الحاكم لا يبتني على أظهريته، لأن النسبة بينه وبين المحكوم غالباً هي العموم من وجه الموجب للتعارض والتساقط.

وجه أظهرية الدليل الحاكم
اشارة

مدفوعة: بأن كون النسبة بين الدليلين هي العموم من وجه لا ينافي أظهرية أحدهما بنحو ملزم بتقديمه عرفاً. فالمناسب الكلام في وجه أظهرية الحاكم.

ولا يبعد أن يكون منشؤه أحد أمرين..

أولهما: كون ظهور الدليل الحاكم في خصوصية عنوانه أقوى من ظهور الدليل المحكوم.

أولهما: ظهوره في خصوصية عنوانه

وتوضيح ذلك: أن الألسنة التي تتضمنها الأدلة الحاكمة واردة غالباً في مورد خصوصيةٍ ارتكازيةٍ مناسبةٍ لمقتضاها، فإن لساني التنزيل والنفي اللذين هما من مورد الحكومة العرفية وإن كانا متقومين بالمشاركة في الحكم والمخالفة فيه، ولذا كانا مبنيين على النظر له - كما سبق - إلا أنهما كثيراً ما يردان في الأفراد المشتملة على خصوصية تناسب أحد الأمرين، كتنزيل الطواف منزلة الصلاة المناسب لمسانخته لها في نحو العبادية، وتنزيل المطلقة رجعياً منزلة الزوجة، المناسب لبقاء العلقة فيها، ونفي العلم عن غير العامل بعلمه المناسب لانتفاء الأثر المقصود من العلم عنه، ونفي السهو في النافلة المناسب لعدم أهميتها، أو عن كثير الشك المناسب للزوم العسر من جريان أحكامه فيه، أو عن الإمام أو المأموم مع حفظ الآخر، المناسب لوجود الأمارة المرجحة لأحد طرفي الشك وغير ذلك مما يشتمل مورده على خصوصية مناسبة لعموم الحكم أو قصوره.

وكذا الرفع في مثل الصبا والحرج والضرر والإكراه مما يكون مناسباً عرفاً للتخفيف، فإن الأدلة المذكورة حيث كانت منبهة للمناسبة المذكورة ولجري الشارع على مقتضاها كان ظهورها في خصوصية موردها أقوى من ظهور الدليل المحكوم في خصوصية عنوانه في فعلية الحكم، المستلزم لثبوته في مورد الدليل الحاكم.

ولو فرض ورود الألسنة المذكورة في مورد خال عن المناسبة العرفية، بحيث يكون مقتضاه تعبدياً متمحضاً في نفي الحكم أو ثبوته، فلا يبعد فقده

للخصوصية المقتضية للتقديم، بل يكون كسائر موارد التخصيص أو التقييد، كما لعله في مثل قولهم (ع):

«لا صلاة إلا بطهور»(1)، و:

«من لم يقم صلبه في الصلاة فلا صلاة له»(2). بل لعله غير منظور لهم في اصطلاح الحكومة، ويختص نظرهم بالقسم السابق.

ثانيهما: عدم كونه طرفاً للنسبة

ثانيهما: أن الحاكم ليس طرفاً للنسبة مع دليل حكم واحد، بل مع أدلة أحكام متعددة، والنسبة بينه وبين كل منها وإن كانت العموم من وجه، إلا أن النسبة بينه وبين مجموعها هي العموم والخصوص المطلق، ولا مجال لتقديمه على بعضها دون بعض، لأنه بلا مرجح عرفي، ولا لتقديمها بأجمعها عليه، لأنه موجب لالغائه رأساً، فيتعين تقديمه عليها بأجمعها، وإعمالها في غير مورده من دون أن يلزم إلغاؤها، كما هو الحال في أدلة الرفع الثانوية.

وربما تكون هناك بعض الجهات الأخر الموجبة لأقوائية ظهوره غير ما ذكرنا تحتاج لاستقصاء الأدلة والنظر فيها بنحو لا يسعه المقام.

وبالجملة: الظاهر أن التقديم في مورد الحكومة العرفية مبني على الجمع العرفي بين الحاكم والمحكوم بلحاظ خصوصية في الحاكم تقتضي أقوائية دلالته وتقديمه، لا بلحاظ عدم التنافي بين

الحاكم والمحكوم ولا بلحاظ تقدم الحاكم رتبة، بخلاف الحكومة البيانية. ومن ثم أطلقنا على الحكومة المذكورة اسم الحكومة العرفية، كما أشرنا إليه آنفاً.

بقي في المقام أمور..

بقي أمور..

الأول: عدم توقف الحكومة البيانية على أقوائية الحاكم

الأول: أنه مما تقدم يتضح عدم توقف الحكومة البيانية على كون


1) الوسائل ج: 1 باب: 1 من أبواب الوضوء حديث: 1.

2) الوسائل ج: 4 باب: 2 من أبواب القيام من كتاب الصلاة حديث: 1.

الحاكم أقوى دلالةً من المحكوم، لعدم التعارض بينهما في مقام البيان، بسبب عدم التنافي بين مؤدييهما، كي يحتاج للمرجحات الدلالية، بخلاف الحكومة العرفية، فإنها حيث كانت مبنيةً على قرينية الحاكم عرفاً على المحكوم مع التنافي بينهما بدواً، بملاك الجمع العرفي، فلا بد من فرض أقوائية دلالة الحاكم، ليتعين للقرينة على المحكوم دون العكس.

الثاني: في إجمال الدليل الحاكم

الثاني: أنه قد أشير في كلماتهم إلى أن إجمال الحاكم هل يسري للمحكوم، فلا يعمل به في مورد الإجمال، أو لا، بل يقتصر في الخروج عنه على المتيقن الذي يكون الحاكم حجةً فيه، كما هو الحال في إجمال الخاص بالإضافة للعام؟

الظاهر اختلاف الحال باختلاف الموارد، من دون فرق بين قسمي الحكومة.

فإن كان مقتضى الحاكم انقلاب ظهور المحكوم إلى مقتضاه، إما لتبدل المفهوم أو لقرينة محتفة بالكلام، تعين سريان الإجمال للمحكوم، لعدم حجيته بسبب الحاكم في ما هو ظاهر فيه بدواً، ليكون متبعاً في مورد الإجمال، نظير حمل الرطل الذي يفرض ظهوره في العراقي على الرطل المكي، أو حمل الكلام الظاهر في الجنس على العهد.

وإن كان مقتضى الحاكم التفكيك بين مراتب الظهور في المراد الجدي، نظير العام والخاص، تعين عدم سريان الإجمال للمحكوم، بل يكون حجة في مورد الإجمال، ويقتصر في الخروج عنه على مورد اليقين الذي يكون الحاكم حجة فيه.

وأولى بذلك ما لو كان مرجع إجمال الحاكم إلى الشك في مقدار

الأدلة التي يحكم عليها وينظر إليها، حيث لا إشكال حينئذ في حجية أدلة تلك الأحكام، للشك في حكومته عليها.

نعم الظاهر عدم ارتفاع إجمال الحاكم في القسمين، بنحو ينفع في الأحكام الأخرى، لأن ترتب حكم المحكوم في مورد وإن كان مستلزماً لقصور الحاكم عنه ثبوتاً، إلا أن ملاك ترتبه إثباتاً في المقام خروج المورد عن المتيقن من دليل الحاكم، لا عن المراد الواقعي به، فهو لا ينهض بإثبات الخروج عنه واقعاً.

هذا كله فيما إذا كان الدليل الحاكم منفصلاً بعد انعقاد ظهور المحكوم، أما لو كان متصلاً به فهو يمنع من انعقاد ظهوره في مورد الإجمال، فلا يكون حجة فيه بلا إشكال، كما هو الحال في إجمال الخاص المتصل.

وكذا لو كان منفصلاً مع رجوع الإجمال للتردد بين المتباينين لا بين الأقل والأكثر.

الثالث: اختصاص الحكومة بالأدلة اللفظية

الثالث: لما كانت الحكومة بقسميها مبنية على نظر أحد الدليلين للآخر أو للحكم الذي تضمنه، بنحو يقتضي تبدل مفاده، فهي تختص بالأدلة اللفظية المتميزة بلسان خاص يبتني على النظر والشرح، والتي تكون ظنية الدلالة بنحو تخضع للبيان والتفسير.

أما الأدلة اللبية فلا مجال لفرض الحاكم فيها، لأن المنظور فيها واقع الحكم، من دون أن تكون ذات لسان صالح للشرح والبيان بالإضافة للأدلة الأخرى.

كما لا مجال لفرض المحكوم فيها، لأنها قطعية المضمون. ومثلها في ذلك الأدلة اللفظية القطعية الدلالة.

نعم لو كان إحراز الموضوع ظاهراً من صغريات الحكومة - كما ذكره في الجملة بعض الأعاظم - اتجه وقوعها في الأدلة اللبية، لأن الدليل اللبي قد ينهض بالتعبد بموضوع حكم غيره وإحرازه ظاهراً. كما أن موضوعه قد يحرز ظاهراً بدليل آخر.

لكن سبق منا إلحاقه بالورود وتخصيصه باسم الورود الظاهري. فراجع.

الرابع: الحكومة العرفية من صغريات الجمع العرفي

الرابع: حيث كانت الحكومة العرفية مبنية على تحكيم العرف الحاكم على المحكوم، لأقوائية دلالته، فهي من صغريات الجمع العرفي، فيلحقها ما يأتي في الفصل الثالث من الكلام في وجه العمل

عليه وعدم لزوم التعارض بالنظر لعموم أدلة الحجية معه، فليس الكلام فيها إلا صغروياً بعد الفراغ عن حكمه كبروياً.

الخامس: تحقق الحكومة في موارد اعتبار الشارع للعنوان وعدمه

الخامس: أشرنا فيما سبق إلى تحقق النظر الذي هو المعيار في الحكومة في موارد التنزيل الشرعي الحاصل بحمل أحد المتباينين على الآخر، كالحكم بأن المطلقة رجعياً زوجة، أو نفي العنوان عن بعض أفراده، كنفي الشك عن النافلة لتقوم التنزيل بالأحكام المستلزم للنظر إليها وإثباتها أو نفيها.

ويظهر مما ذكره بعض الأعاظم (قدس سره) في مفاد الطرق والأصول الإحرازية وفي وجه حكومتها على ما تأخر عنها من الأصول تحقق الحكومة أيضاً في مورد اعتبار الشارع للعنوان وجعله في مورد مباين له ذاتاً أو نفيه وإلغائه عن بعض أفراده تعبداً، كجعل الأمارة علماً وإلغاء الشك معها تعبداً بتتميم كشفها وطريقيتها للواقع، فتترتب عليها أحكام العلم وترتفع عنها أحكام

الشك.

لكنه إن رجع إلى جعل أحكام العنوان أو نفيها بلسان حمله أو نفيه رجع إلى التنزيل الذي سبق الكلام فيه. وليس مورد الجعل والتعبد في الحقيقة حينئذ هو العنوان بل أحكامه.

وإن رجع إلى جعله بنفسه أو نفيه اعتباراً، بحيث يكون المورد حقيقة من أفراده أو مباينا له حقيقة بسبب الجعل والتعبد. فهو - مع اختصاصه بالماهيات الجعلية غير المتأصلة، كالملكية، دون الحقيقية المتأصلة كالعلم والشك، كما سبق عند الكلام في مفاد الطرق - يكون من صغريات الورود، ويخرج عن الحكومة حيث لا يتوقف على النظر لأحكام العنوان الشرعية، بل لو فرض كون العنوان مما يترتب عليه الأثر بنفسه وإن لم يكن له أحكام شرعية - كالعلم والشك - صح جعله أو نفيه تعبداً ولم يكن لاغياً. فلاحظ.

الفصل الثالث: في الجمع العرفي
تمهيد
اشارة

من الظاهر أن للمتكلم أن يلحق بكلامه ما شاء من القرائن في مقام بيان مراده، وإن كانت على خلاف مقتضى الظهورات الأولية العامة المستندة للأوضاع أو الانصرافات الناشئة من كثرة الاستعمال أو نحوها، فتمنع من انعقاد الظهور الشخصي للكلام على طبقها، بل يكون على طبق القرائن التي اشتمل عليها الكلام.

من دون فرقٍ بين ما يعده المتكلم للقرينية كتوصيف المشترك بما يعين معناه، وما يعده لغرضٍ آخر ولو مع الغفلة عن قرينيته ودخله في بيان المراد، كالحكم عليه بما يناسب أحد معانيه، كالإخبار عن العين بأنها تدمع، الملزم بحملها على الباصرة.

فإذا فرغ المتكلم من كلامه انعقد ظهوره في بيان مراده الجدي على ما يناسب الجمع بين الظهورات الأولية العامة ومقتضى القرائن الخاصة المقالية والحالية التي يحتف بها الكلام، ويستقر الظهور المذكور ولا يرتفع بظهور المعارض له في المدلول وإن كان أقوى منه ظهوراً، فلا بد من النظر في مقتضى القاعدة عند تصادم الظهورات التي ينفصل بعضها عن بعض.

ما ذكره النائيني (قدس سره) من خروج الشارع عن الطريقة العرفية

هذا، ولكن يظهر من بعض الأعاظم (قدس سره) في غير موضع من كلامه المنع من ذلك في بيانات الشارع الأقدس، لدعوى: استقرار طريقته على إبراز مقاصده بالقرائن المنفصلة، كما يظهر بملاحظة النصوص المروية عن الأئمة (ع) لمصالح هم أعرف بها، فقبل الفحص عن القرائن المذكورة لا مجال للجزم بظهور الكلام التصديقي، وهو الظهور في المراد الجدي، وإن علم بظهور الكلام التصوري الذي هو مفاد حاق الكلام، والذي لا يكون موضوعاً للحجية، كظهور صدر الكلام قبل الفراغ منه. كما أنه بالعثور على القرائن المذكورة لا يلزم التعارض بين الظهورين، بل منع القرينة المنفصلة عن الظهور الأولي للكلام، كما هو الحال في القرائن المتصلة.

المناقشة فيه

ويشكل.. أولاً: بأن كثرة التخصيصات والقرائن المنفصلة لا تستلزم كون طريقة الشارع الاعتماد عليها، بنحو لا يتم الظهور التصديقي بدون الفحص عنها، لقرب رجوع ذلك إلى اختفاء القرائن المتصلة الكاشفة عن مراد المتكلم بكلامه، أو عدم كون المتكلم في مقام البيان من بعض

الجهات، أو نحو ذلك مما يوجب مخالفة الظاهر للمراد، فالقرائن المنفصلة تكشف عن ذلك لا عن قصور بيان المتكلم حين صدوره لاعتماده على القرائن المنفصلة.

وإلّا فمن البعيد جداً خروج الشارع عن الطريقة العرفية واعتماده في بيان مراده على القرائن المنفصلة مع عدم الضابط لها ثبوتاً وإثباتاً، لتوقف حصولها على تحقق الدواعي لبيانها، كسؤال السائل المتفرع على التفاته وحاجته لمعرفته حكم المسألة، وتحقق المناسبة المقتضية للبدء بالبيان، وعدم حصول الشبه الموجبة للخلاف في المسألة بنحو يستلزم وضوح

المراد وانعقاد الإجماع الصالح للخروج به عن مقتضى الظهور الأولي التصوري للكلام، ونحو ذلك مما لا ضابط له، وتوقف وصولها على تقدير حصولها على تحقق دواعي النقل، وضبط الناقل، وثبوت وثاقته ليكون نقله حجة صالحاً للبيان، وعدم ضياع الرواية بتلف الكتاب أو نحوه، وغير ذلك مما لا ضابط له أيضاً.

ومع ذلك كيف يخرج الشارع عن الطريقة العرفية في بيان مراده ويتكل على القرائن المنفصلة. ولاسيما مع انفصالها عن الكلام بعشرات السنين، إذ، قد يرد العام عن النبي (ص)، أو الوصي (ع)، ويرد الخاص عن الأئمة المتأخرين (ع) أو يستند للإجماع الحاصل من اتفاق العلماء بعد الغيبة.

وهل يمكن الالتزام بعدم البيان في تلك المدة الطويلة وأن الشارع قد تعمد بيان الحكم على خلاف الواقع؟!

نعم، لا إشكال في كثرة بيان المراد لتقية أو نحوها، إلا أنه ليس للخروج في البيان عن طريقة العرف والاعتماد على القرائن المنفصلة، بل لطروء المحذور المانع من بيان الواقع والملزم ببيان خلافه حتى مع تعذر إقامة القرينة المنفصلة، كما قد يتحقق ذلك في بيانات العرف من دون أن يمنع من انعقاد الظهور أو يسقطه عن الحجية.

ومجرد كثرة ذلك ونحوه مما يرجع لعدم إرادة الظاهر في بيانات الشارع الواصلة لنا.

لا يصلح للفرق بينها وبين بيانات العرف بنحو يمنع من انعقاد ظهورها، لعدم تبعية الظهور والحجية لموافقة الواقع، بل لموافقة الطرق

العقلائية في البيان الحاصلة بمجاراة أهل اللسان، أو بيان الخروج عن طريقتهم من قبل المتكلم نفسه، وحيث لم يثبت الثاني من الشارع، بل يعلم بعدم صدوره، وإلا لظهر وبان لتكثر الدواعي لحفظه وتوافر الأسباب لانتشاره، تعين الأول. على أن الكثرة بمجردها لو كانت مانعة من الظهور لزم توقفه على عدم المعارض المستحكم المعارضة والذي لو اجتمع معه في كلام واحد كان مجملاً، لأنه كثير في كلام الشارع أيضاً، فيلزم جريان حكم المجمل بالعثور عليه، لا حكم التعارض، ولا يظن من أحدٍ البناء على ذلك.

وثانياً: بأن لازم ذلك عدم حجية العموم ونحوه حتى بعد الفحص، لاحتمال ضياع القرائن التي اعتمد المتكلم عليها، فلا يحرز الظهور التصديقي للكلام إلّا بعد القطع بعدم القرينة المنفصلة.

وقد أطال (قدس سره) في تقريب اندفاع هذا الإشكال، حيث ادعى أنه بعد الفحص يصح للعبد أن يحتج على المولى بذلك الظهور، لأنه حجة ما لم يجد قرينة على خلافه، فلو لم يطابق الظهور المراد الواقعي كان ذلك ناشئاً من عدم إلقاء المولى كلامه بنحو يفي ببيان المراد، لا من تقصير العبد في فحصه عن بيان المولى لمراده.

لكنه كما ترى، لأن لازم ما ذكره من خروج الشارع عن الطريق العرفي احتمال استيفاء بيان الشارع لمراده بالوجه الآخر وعدم تقصيره في ذلك، وإن ضاعت علينا القرائن التي اعتمد عليها، ولا مجال للرجوع لما وصل من كلامه، لعدم إحراز ظهوره التصديقي بعد احتمال الضياع المذكور.

كما لا مجال للرجوع لأصالة عدم القرينة المنفصلة لإحراز الظهور

المذكور، لأن أهل اللسان إنما بنوا على الأصل المذكور في بياناتهم التي يتم ظهورها التصديقي، وتكون البيانات المنفصلة المنافية لها من سنخ المعارضات، ولم يثبت بناؤهم عليه في بيانات الشارع المفروض عدم إحراز ظهورها التصديقي، لكون البيان المنفصل المحتمل مقوماً لظهورها لا معارضاً له، بل هو نظير ما لو شك في فراغ المتكلم عن كلامه، أو صرح باعتماده على القرائن المنفصلة واحتمل عدم استيفائها بالفحص، حيث لا مجال للبناء على أصالة عدم القرينة المتصلة في الأول والمنفصلة في الثاني، لإحراز الظهور التصديقي. فلاحظ.

وبالجملة: لا ينبغي التأمل في أنه بعد فراغ المتكلم من كلامه ينعقد ظهوره التصديقي ويستحكم، ولا يكون ورود البيان المنفصل مانعاً من ظهوره ولا رافعاً له، إلا مع تصريح المتكلم باعتماده على القرائن المنفصلة وخروجه في كلامه عن طريقة العرف في استيفاء البيان بالظهور، وهو خارج عن محل الكلام.

ومن هنا يكون الكلامان المتنافيان بحسب ظهور كل منهما متعارضين بحسب الدلالة والبيان.

إذا عرفت هذا، فالظاهران وإن كانا متنافيين بحسب المؤدى ومتعارضين في مقام البيان، إلا أن العرف قد يجمع بينهما بحمل أحدهما على الآخر وتنزيله عليه، لكونه بنظرهم قرينة صارفة له عن ظاهره، وكاشفاً عن عدم مطابقة ظاهره لمراد المتكلم الجدي، لا بمعنى أنه معد للقرينية من قبل المتكلم نفسه، حيث قد يقطع بعدم إعداده له، لعدم نظره لذي القرينة، أو غفلته عنه، أو اعتقاده وفاءه بالبيان. بل بمعنى تعويل العرف وأهل اللسان

عليه في فهم المراد منه، كما يعولون على القرائن المتصلة المسوقة لغرضٍ آخر غير القرينية.

وحيث كان دليل العمل بالظهور واستكشاف المراد الجدي به منحصراً بسيرة العرف الارتكازية - كما تقدم في مبحث حجية الظواهر - كان توقفهم عن العمل به وتنزيله على ما يطابق الظهور الآخر في موارد الجمع العرفي مانعاً من حجيته وملزماً بحجية مجموع الكلامين على مقتضى الجمع المذكور.

ولازم ذلك عدم التعارض بينهما في مقام الحجية بحسب عموم أدلتها. ومن ثم ذكرنا آنفاً خروج ذلك حقيقة عن التعارض، لأن المهم من التعارض ليس هو التعارض في مقام البيان، بل في مقام الحجية بالنظر لأدلتها العامة.

ومما ذكرنا يظهر أن القرينة الموجبة لرفع اليد عن الظاهر عرفاً وتنزيله على مقتضاها رافعة لموضوع حجية الظاهر حقيقة، لقصور دليل حجيته - وهو السيرة الارتكازية - عن صورة وجود القرينة، فتكون واردة عليه، لكون ارتفاع الموضوع بسبب التعبد بمؤداها.

نعم، لو كانت القرينة موجبة للقطع بعدم إرادة المتكلم للظاهر كان ارتفاع موضوع حجيته تكوينياً لا تعبدياً، فيكون من صغريات التخصص. كما أنه لو فرض كون دليل صدور القرينة ظنياً لا قطعياً كان وارداً على دليل حجية ظهور ذي القرينة وروداً ظاهرياً، لارتفاع موضوع الدليل به ظاهراً.

ولا مجال لتوهم حكومة دليل حجية القرينة على دليل حجية ذي القرينة، لما سبق من أن الحكومة لا تكون بين الأدلة اللبية القطعية المتعرضة

لواقع الحكم، من دون أن تتميز بلسان خاص يتضمن النظر والشرح.

ما ذكره العراقي (قدس سره)

هذا، وقد ذكر بعض الأعيان المحققين (قدس سره) أن تقديم القرينة في موارد الجمع العرفي ليس لارتفاع موضوع حجية ذي القرينة، لعموم حجيته لحال وجودها، بل من باب تقديم أقوى الحكمين ملاكاً اللازم عند تزاحمهما في فرض عموم دليليهما وتحقق ملاكيهما، وذلك لأن ملاك حجية كل من القرينة وذيها ليس إلا الكشف عن مراد المتكلم نوعاً، وحيث كانت القرينة أقوى كشفاً لزم تقديمها عند التزاحم.

وفيه: أن امتناع التعبد بالحجتين المتنافيتين مضموناً ليس من جهة تعذر الجمع بينهما في مقام الامتثال مع تمامية ملاك الحجية في كلٍ منهما، ليكون من صغريات التزاحم، ولذا يمتنع وإن لم يكن أحدهما اقتضائياً، بل لاستحالة الجمع بين المتعارضين في الحجية، لاستلزامه التعبد بالنقيضين - كما يأتي إن شاء الله تعالى - ولازم ذلك قصور موضوع حجية أحدهما عن صورة فعلية حجية الأخر، المستلزم لوروده عليه، كما هو الحال في القرينة مع ذيها.

غاية ما يدعى أن قصور موضوع حجية ذي القرينة في مورد ورود القرينة ليس لعدم المقتضي رأسا، بل لوجود المانع، وهو لا ينافي الورود. ولعل ذلك هو مراده، بأن يريد بالتزاحم التزاحم الملاكي. والأمر سهل.

وحيث انتهى الكلام إلى هنا فالمناسب التعرض لأمور..

المناسب التعرض لأمور
الأمر الأول: المعيار في الجمع العرفي
اشارة

الأمر الأول: الظاهر أن المعيار في الجمع العرفي على تقديم الأظهر على الظاهر وتنزيله على ما يطابقه، فتعين أحد الدليلين للقرينية على الآخر عرفاً منوط بأظهريته منه دلالة، وما اشتهر من تقديم الخاص على العام

والمقيد على المطلق وغيرهما راجع إلى ذلك، فلو فرض أظهرية العام من الخاص لزم تنزيل الخاص عليه، مثلاً لو كان ظهور العام في عموم الرخصة أقوى من ظهور الخاص في الإلزام تعين تقديم العام وتنزيل الخاص عليه بحمله على الاستحباب أو نحوه.

ما ذكره النائيني (قدس سره) في تقديم الخاص

لكن صرَّح بعض الأعاظم (قدس سره) بلزوم تقديم الخاص مطلقاً وإن كان أضعف ظهوراً، لأن الخاص بمنزلة القرينة على العام، كما يتضح بفرض وقوعهما في مجلس واحد، وأصالة الظهور في القرينة حاكمة على أصالة الظهور في ذيها، فلا يحتاج تقديمها لملاحظة الترجيح الدلالي، كما يظهر من قياس ظهور «يرمي» في قولنا: «رأيت أسداً يرمي»، في رمي السهام على ظهور «أسد» في الحيوان المفترس، حيث لا إشكال في أقوائية الثاني من الأول، لأنه بالوضع وذاك بالإطلاق، مع أنه لا تأمل في حكومة أصالة الظهور في الأول على أصالة الظهور في الثاني، ولا وجه له إلّا كون الأول قرينةً على الثاني.

الإشكال عليه

ويشكل: بأن تعيّن أحد الكلامين للقرينية على الآخر إنما يتجه فيما لو كان ناظراً إليه ومسوقاً من قبل المتكلم لبيان المراد منه، فيكون حاكماً عليه حكومة بيانية، ولا يتوقف تقديمه عليه حينئذ على أقوائية ظهوره، كما ذكرناه في الفصل الثاني، وأما في سائر موارد تعارض الظاهرين في مقام البيان فلا يتعين أحدهما للقرينية على الآخر إلا بقوة ظهوره، حيث يكون رفع اليد عن الظاهر لأجل الأظهر متعيناً عرفاً.

بل ذلك هو المعيار في تعيين القرينة المتصلة أيضاً من أجزاء الكلام الواحد، حيث سبق في أول الفصل أن المراد بها ليس خصوص ما يعده

المتكلم للقرينية.

وخصوصية الخاص بدون ذلك في القرينيّة ممنوعة حتى مع ورودهما في مجلس واحد.

وكذا ما ذكره من تعين «يرمي» للقرينة، وتحكيم ظهوره على ظهور «أسد» مع أقوائية الثاني.

للمنع من عموم أقوائية الظهور الوضعي من الظهور الإطلاقي، بل يختلف الحال باختلاف الموارد، حيث قد يضعف الظهور الوضعي بمألوفية الخروج عن الوضع، كما يقوى الظهور الإطلاقي لو لم يرجع إلى لإرادة الشياع والسريان من الماهية، بل لإرادة خصوص بعض الأفراد لكون الفرد الظاهر المتعين عند حذف المتعلق، لوضوح أن إرادة الفرد الخفي الذي لا يشيع الاستعمال فيه حينئذ بعيدة جداً، ومنه المقام. بل حمل الرمي على نشر التراب أو الحصى وبعثرته حين إسراع الأسد في الجري يتبخر على نحو من التوسع والمجاز عرفاً.

على إن المثال المذكور ليس من الأمثلة العرفية، بل شاع بين أهل الفن التمثيل به للمجاز من دون إن يهتموا بتحديد ظهوره العرفي.

وبالجملة: لا وجه لتعيين الخاص للقرينة، بل هي تابعة إما لتعيين المتكلم، لخصوصية في كلامه - كما في موارد الحكومة البيانية - أو لأقوائية الظهور، حيث يكون الأقوى ظهوراً قرينةً عرفيةً صالحة لرفع اليد عن الأضعف، وإن لم تُعَد من قبل المتكلم لذلك.

نعم، الظاهر عدم الاكتفاء بمجرد الأظهرية في الجمع العرفي، بل لا بد معها من كون الأضعف ظهوراً صالحاً عرفاً للتأويل والتنزيل على طبق

الأظهر، بحيث يكون مفاد الجمع بينهما ملائماً لهما معاً عرفاً، ولو لم يصلح لذلك فليس بينهما جمع عرفي، بل يتعين التوقف وإجراء حكم التعارض لو لم يكشف الأظهر عرفاً عن خلل في الظاهر، وإلا تعين العمل بالأظهر وإهمال الظاهر، لصيرورته بحكم المجمل.

ويتوقف توضيح ذلك بالأمثلة على استيعاب الأدلة والنظر في خصوصياتها، ولا تسعه هذه العجالة، بل يوكل للفقه عند الابتلاء بذلك. والله سبحانه ولي التوفيق.

تتميم..

ذكرنا أن الأظهرية هي المعيار في تعيين الكلام للقرينة حتى في المتصلين.

أما مع تساوي الظهورين الأولين في الكلام الواحد وإمكان تنزيل كل منهما على الآخر فهل هناك مرجع آخر في تعيين القرينة، أو يلزم الإجمال لعدم المرجح؟

ربما يدعى تعيين ذيل الكلام وما يكون فضلة فيه للقرينية على صدره وما هو العمدة فيه، دون العكس، لمناسبته لشأن القرينة، لابتنائها على النظر لذي القرينة وبيان المراد منه، حيث يناسب تقرره قبل ورودها، لأن النظر لما لم يوجد بعد ولم يتجدد مخالف للطبع جداً.

وفيه - مع أن ذلك إنما ينهض ببيان وجه تعيين المتأخر للقرينيّة دون الفضلة -: أن المناسبة المذكورة لو كانت من الظهور بحد تصلح لأن تكون من القرائن المحيطة بالكلام، فهي إنما تقتضي تعيين المتأخر للقرينية في القرينة المبينة على النظر لذيها وشرحه - لو فرض

التردد فيها - دونما يستعين

به المتكلم لبيان مراده مما لا يبتني على النظر والشرح، لأن رفع مقتضى ظهور الكلام السابق بالكلام اللاحق ليس بأولى من منع تحقق ظهور الكلام اللاحق بالكلام السابق.

وأظهر من ذلك ما لا يعده المتكلم لبيان مراده من كلامه، بل لغرضٍ آخر، مع منافاة ظهوره الأولي لظهور كلامه الآخر، حيث تكون قرينته عرفية لمحض الجمع بين أجراء الكلام الواحد، فإن العرف لا يدرك أولوية الاعتماد على المتأخر في شرح المتقدم من العكس.

بل قد يدعى أن العكس هو الأولى، لأن سبق الصدر يوجب أُنس الذهن بظهوره، فيحتاج رفع اليد عنه لما هو الأقوى منه، وإلا كان مقتضى الطبع تنزيل ما لحقه عليه واستحكم ظهوره. وهو لا ينافي ما اشتهر من عدم استحكام ظهور الكلام إلا بعد الفراغ منه، فإن المراد منه توقف الظهور التصديقي النهائي للكلام على الفراغ منه، وأن تنافي الظهورات الأولية لأجزاء الكلام لا يرجع إلى تعارض الظهورين التصديقيين، بل إلى إجمال الكلام، أو حصول ظهور واحد من الجمع بينها، من دون نظر لكيفية الجمع، وأنه يبتني على ترجيح الصدر أو الذيل، أو انحصار المرجح بالأقوائية.

وإن كان اللازم التأمل في ذلك واستيعاب الأدلة.

الأمر الثاني: تحكيم أصالة الصدور على أصالة الظهور
اشارة

الأمر الثاني: التعارض بين الظهورين إنما يكون موضوعاً للجمع العرفي بينهما بلحاظ امتناع إرادة كل منهما، حيث يلزم تنزيل أحدهما على الآخر والحكم بإرادة مقتضاه، لامتناع إرادة المتنافيين، ويتعين التصرف في الأضعف ظهوراً، لأنه أهون من التصرف في الأقوى منهما.

ومرجع ذلك إلى رفع اليد عن الظهور الأضعف لقيام دليل أقوى منه

على عدم إرادة مقتضاه. وعلى هذا الملاك تتحدد مصاديق الجمع العرفي سعة وضيقاً. فهو كما يجري في كلامي متكلم واحد يجري في كلامي متكلمين يمتنع اختلافهما، كالمعصومين (ع)، وكذا لو علم بعدم اختلافهما في القضية الخاصة لسبب اتفاقي.

كما يتعين جريانه فيما لو لم تكن القرينة لفظية، بل لبية يعلم بعدم مخالفة المتكلم لمضمونها حيث يتعين رفع اليد عن ظاهر كلامه وتنزيله على ما لا ينافيها.

ومنه يظهر جريان الجمع العرفي في كلام علماء الرجال عند اختلاف ظواهر كلامهم لو كان ما ينقله أحدهم بنحو لو كان ثابتاً لم يخف على الآخر، ولا ينقل خلافه، حيث يلزم العمل بمن كان كلامه أظهر بعد فرض وثاقته في نفسه، عملاً بأصالتي الصدور والظهور، وتنزيل كلام الآخر عليه جمعاً، ولا يستحكم التعارض.

كما ظهر أن احتمال عدول المتكلم الواحد في الحدسيات - بل أخباره الحسية أيضاً - في أحد كلاميه عما كان عليه في الآخر - بحيث يمكن قصده لظاهر كل منهما عند صدوره وإن كانا متنافيين - مانع من الجمع العرفي بين كلاميه، لأن أصالة الظهور إنما تقتضي إرادته حين الكلام ولا تمنع من العدول عنه.

وأصالة عدم عدول صاحب الرأي عن رأيه وإن كانت من الأصول المعوّل عليها عند العقلاء، إلا أنها لا تصلح لرفع اليد بها عن أصالة الظهور في كل من الكلامين، بنحو تكشف عن عدم إرادة أحدهما الملزم بالجمع العرفي بينهما، بل هي مورودة لهما، حيث يصلح الكلامان بضميمة أصالة

الظهور فيهما دليلاً على عدول المتكلم رافعاً لموضوع أصالة عدمه.

ومن هنا لا مجال للجمع العرفي في كلامي المجتهد الواحد اللذين يتنافى ظهوراهما لو احتمل عدوله عن مفاد أحدهما ولو لغفلته عن مدركه من دون ظهور خطأ له فيه.

الجمع العرفي في كلام الجتهد الواحد

وكذا لو احتمل النسخ في الحكم الذي تعرض له المتكلم بنحو البداء الحقيقي، فإن أصالة عدم النسخ وإن كانت من الأصول العقلائية، إلا أنها لا تنهض برفع اليد عن أصالة الظهور في كل من الكلامين، نظير أصالة عدم العدول في الحدسيات، فلا تصل النوبة للجمع العرفي في الظهورات العرفية الصادرة، لبيان أحكامهم، إلا أن يعلم بعدم النسخ فيها من الخارج.

بل قد يشكل الأمر في الظهورات الشرعية، لورود احتمال النسخ فيها أيضاً وإن لم يكن بنحو البداء الحقيقي، لما تقدم في الفصل السادس من المقام الثالث في الاستصحاب من أن نسخ الحكم الشرعي لا يستلزم صدور دليله لا بداعي بيان المراد الجدي، ليكون مقتضى أصالة الجهة فيه نفيه الملزم بالجمع العرفي بين الظهورين، ولا مخالفاً لظهوره اللفظي، ليكون الظهور المذكور طرفاً للمعارضة مع الظهورين المفروض تعارضهما في المقام ويقع الكلام في تعيين الأقوى من الظهورات المذكورة - كما يظهر من شيخنا الأعظم (قدس سره) وغيره في مسألة دوران الأمر بين النسخ والتخصيص - بل لا دافع لاحتمال النسخ إلا الأصل، الذي لا ينهض برفع اليد عن ظهور كل من الكلامين في إرادة مضمونه، فلا تصل النوبة للجمع العرفي.

لكن البناء فيها على النسخ - مع بعده في نفسه، لاستلزامه كثرة النسخ، ومن المعلوم قلته، خصوصاً من الأئمة (ع) بناءً على ما هو الظاهر من إمكانه

منهم(1)- مستلزم لاضطراب نظام الفقه القائم وتأسيس فقه جديد، إذ كثيراً ما يكون الظهور الأقوى سابقاً زماناً على الظهور الأضعف، فلو بني على النسخ لزم البناء على مقتضى الظهور الأضعف لنسخ الأقوى به، ولو فرض الجهل بالتاريخ لزم التوقف عنهما معاً، للعلم الإجمالي بنسخ أحدهما بالآخر، ولا يظهر منهم البناء على ذلك، بل دأبهم على العمل بالأظهر مطلقاً وتنزيل الأضعف عليه للجمع العرفي بينهما، ولا يذكر النسخ إلا في نادر من كلماتهم احتمالاً لتوجيه النصوص التي يبنى على إهمالها.

توجيه النائيني (قدس سره) في مسألة الدوران بين النسخ والتخصيص

وقد حاول بعض الأعاظم (قدس سره) توجيه سيرتهم المشار إليها في مسألة دوران الأمر بين النسخ والتخصيص بعدم جريان أصالة العموم في نفسها بسبب العثور على الخاص، لصلوح الخاص لأن يكون بياناً للعام وتخصيصاً له، سواء كان متقدماً أم متأخراً، إذ تقديم البيان على وقت الحاجة ليس قبيحاً ذاتاً، ويرتفع قبح تأخره عنه بوجود مصلحةٍ مزاحمةٍ للمصلحة الأولية المقتضية لتعجيله.

الإشكال عليه

وفيه: أن المانع من جريان أصالة العموم مطلقاً ليس هو مطلق البيان ولو كان منفصلاً، بل خصوص البيان المتصل المانع من انعقاد الظهور، وأما البيان المنفصل فحيث لا يمنع من انعقاد الظهور - كما تقدم في أول هذا الفصل - لا مجال لرفع اليد به عن أصالة الظهور والعموم، إلا أن يتعذر البناء على العموم معه للتنافي بينهما - كما سبق - ومع احتمال النسخ لا يحرز التنافي بينهما، كي يتعين رفع اليد عن أصالة العموم.


1) بمعنى تحققه منه تعالى في عصرهم وانما ينسب لهم بلحاظ علمهم به - ولو من طريق النبي (ص) وتبليغهم بالحكم الناسخ، كما هو الحال في نسبته للنبي (ص).

نعم، يتجه بناء على ما سبق منه (قدس سره) في أول هذا الفصل من أن البيان المنفصل مانع من انعقاد الظهور التصديقي لكلام الشارع، حيث يكثر اعتماده على القرائن المنفصلة، مخالفاً بذلك طريقة العرف من استيفاء بيان المراد والغرض بالكلام من دون اعتماد إلا على القرائن المتصلة.

لكن سبق أن كثرة القرائن المنفصلة في كلام الشارع لا تستلزم اعتماده عليها وخروجه عن طريقة العرف بنحو يمنع العثور عليها من انعقاد الظهور لكلامه.

بل كثرة القرائن المنفصلة في كلام الشارع فرع المفروغية عن عدم النسخ، الذي هو محل الكلام هنا، إذ لو كانت الخصوصات المنفصلة الكثيرة ونحوها من الظهورات القوية ناسخة للظهورات الضعيفة أو منسوخة بها لم تكن منافية لها ولا قرائن على التصرف فيها، ليتسنى البناء على اعتماده عليها وخروجه عن طريقة العرف في ذلك.

ولعل الأولى في دفع إشكال احتمال النسخ أن العمدة في البيانات الشرعية هي الأخبار الصادرة عن الأئمة المعصومين (ع)، وهي ظاهرة في كون مضمونها الأحكام الثابتة من عصر النبي (ص)، فإن ذلك هو الذي يقع مورداً للسؤال من السائلين، فإن النسخ منهم (ع) وإن كان ممكناً، إلا أنه مغفل في مقام السؤال والجواب، ولذا تضمن كثير من النصوص الاستشهاد بكلام النبي (ص) من الإمام أو استفسار السائل عن وجه الجمع بين الجواب وما روي عنه (ص) أو عن الأئمة المتقدمين، وتكذيب الإمام روايات العامة المخالفة لأحكامهم، أو التنبيه على عدم مخالفتها لها، حيث يظهر من ذلك ونحوه المفروغية عن كون الحكم الصادر منهم (ع) مشرعاً من عصر النبي (ص).

وقد يشير إليه ما ورد عن أمير المؤمنين (ع) في توجيه اختلاف الناس في الدين(1)، حيث لم يذكر فيه تحقق النسخ بعد النبي (ص)، فإن عدم بيانه لذلك وإن أمكن أن يكون لعدم تقبل الناس له، إلا أنه ظاهر في المفروغية عن ثبوت أحكامهم (ع) من عصر النبي (ص) وإن اختفت لبعض الأسباب.

كما قد يشهد به أيضاً نصوص العرض على الكتاب، وكذا النصوص الواردة في تعارض الأخبار، لأن فرض التعارض بينها والترجيح، من دون إشارة للنسخ والترجيح بما يناسبه من تأخر الزمان ظاهر في وحدة الحكم في الواقعة التي يرد فيها المتعارضان.

نعم، ورد في بعضها ترجيح الرواية عن الحي(2)، وترجيح المتأخر من أحاديث الإمام الواحد(3)المختلفة.

إلا أن ظاهر بعض هذه الأحاديث وصريح آخر عدم إحراز الحكم العام الأولي به، بل الحكم الفعلي - وإن كان ثانوياً ثابتاً بمقتضى التقية - لأن إمام الزمان أعرف بما يناسبه، على ما يأتي تفصيل الكلام فيه في المرجحات المنصوصة.

وأما ما تضمن تحليلهم الخمس ونحوه لشيعتهم، وإيكال صرف الزكاة للمكلف نفسه من دون أن يدفعها للإمام، وتجويز المعاملة مع ولاة الجور على أموال الخراج والمقاسمة ونحو ذلك فليس هو نسخاً للتحريم الثابت بالأصل، بل إعمال لسلطنتهم في ما لهم أو في مالهم الولاية عليه،


1) الوسائل ج: 18 باب: 14 من أبواب صفات القاضي حديث: 1.

2) الوسائل ج: 18 باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 8.

3) الوسائل ج: 18 باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 7 و 17.

ولذا يختص بمن خصوه به، مع وضوح اشتراك الأحكام بين الكل.

وبالجملة: لا ينبغي التأمل بعد النظر في النصوص الواردة عنهم (ع) في سوقها لبيان الحكم الثابت في عصر النبي (ص)، وإن وقع خلاف ذلك فهو مبني على نحو من الخروج عن الظاهر المستند للقرينة العامة المعوَّل عليها.

ويؤيد ذلك خبر سليمان الديلمي: «سألت أبا عبد الله (ع)، فثانيها جعلت فداك سمعتك وأنت تقول غير مرة: لولا أنا نزاد لأنفدنا. فقال: أما الحلال والحرام فقد والله أنزله على نبيه (ص) بكماله. وما يزاد الإمام في حلال ولا حرام. قال: فثانيها فما هذه الزيادة؟ قال: في سائر الأشياء سوى الحلال والحرام»(1)

ص: 92 باب: 3 من أبواب علومهم (ع) حديث: 18.

. بل قد يعضده صحيح محمد بن مسلم: «قلت لأبي عبد الله (ع): كلام سمعته من أبي الخطاب. فقال: اعرضه علي: قال: إنكم تعلمون الحلال والحرام وفصل ما بين الناس. فلما أردت القيام أخذ بيدي فقال (ع): يا محمد كذا علم القرآن والحلال والحرام يسير في جنب العلم الذي يحدث بالليل والنهار»(2)

ص: 94 باب: 3 من أبواب علومهم (ع) حديث: 27.

، لظهوره في أن ما يحدث بالليل والنهار غير علم القرآن والحلال والحرام. ومن الظاهر أن النسخ إنما يكون بما يحدث بالليل والنهار، فإذا كان ما يحدث بالليل والنهار مبايناً لعلم الحلال والحرام لزوم عدم صدوره منهم (ع). إلا أن يحتمل كون النسخ في الوقت المحدد مما عهد لهم من النبي (ص) في حياته وتوارثوه عند إمام بعده إمام. فلاحظ.

نعم يشكل الأمر في الأحاديث النبوية، لعدم تمامية القرينة المذكورة فيها. ومجرد كون الخروج عن الظاهر أكثر وأشهر من النسخ - لو تم


1) بحار الأنوار ج: 26

2) بحار الأنوار ج: 26

فيها - ليس من القرائن العرفية المحيطة بالكلام الموجبة لاستفادة استمرار مضمونه.

ولعلَّه لذا ورد من الأئمة (ع) التعريض بالعامة حيث أخذوا بأحاديث النبي (ص) من دون تمييز للناسخ من المنسوخ(1)وتوجيه اختلافهم فيما بينهم ومخالفة حديثهم عنه (ص) لأحاديث الأئمة (ع) بأن الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن(2).

لكن الإشكال المذكور مختص بما روي من غير طريق المعصومين (ع) أو من طريقهم في غير مقام بيان الحكم الشرعي، أما ما ورد من طريقهم في مقام بيان الحكم الشرعي فظاهر حكايتهم له استمراره وعدم نسخه، فيلحقه ما تقدم في أحاديثهم.

ومن هنا يهون الأمر في هذا الإشكال لندرة الأحاديث النبوية المعتبرة السند المروية من غير طريقهم (ع) والتي يحتمل فيها النسخ، بنحو يكون له الأثر في مقام العمل، بل لا يبعد عدم وجودها.

الأمر الثالث: البناء على الجمع العرفي مع عدم قطعية صدور الأظهر

الأمر الثالث: حيث ذكرنا أن ملاك الجمع العرفي الترجيح بقوة الظهور فهو متجه في فرض المفروغية عن إحراز صدور الأظهر لبيان الحكم الحقيقي والمراد الجدي بالقطع أو التعبد، من دون أن يتكفل ما تقدم ببيان وجه المفروغية عن ذلك.

وقد أشرنا آنفاً إلى أن وجه تقديم أصالة الصدور هو ورود دليله على


1) الوسائل ج: 18 باب: 13 من أبواب صفات القاضي حديث 23.

2) راجع الوسائل ج: 18 باب: 14 من أبواب صفات القاضي والكافي في باب اختلاف الحديث: ج 1 ص 62.

أصالة الظهور في الظاهر وروداً ظاهرياً، لرجوع بناء العرف على الجمع بين الظاهر والأظهر - بتنزيل الأول على الثاني - إلى عدم حجية الظاهر في ظرف ورود الأظهر، وارتفاع موضوعها به، فيكون دليل صدور الأظهر محرزاً لارتفاع موضوع حجية الظهور في الظاهر.

بل قد يدعى أن وروده عليه واقعي، لأن الشرط في حجية أصالة الظهور هو عدم وصول الأظهر، الذي يرتفع واقعاً بدليل الصدور، لا عدم وجوده واقعاً، الذي يحرز ظاهراً بالدليل المذكور، وإلا فمن المعلوم حجية الظهور مع عدم وصول الأظهر له وإن كان موجوداً واقعاً.

لكن الظاهر أن الرافع لحجية الظهور هو وجود الأظهر واقعاً، وأن البناء على حجيته مع عدم وصوله لأصالة عدمه، نظير أصالة عدم المعارض وأصالة عدم القرينة المعوّل عليها عند العقلاء، لا لتحقق موضوع الحجية واقعاً، فقيام الدليل على وجود الأظهر محرز لارتفاع موضوع حجية الظهور ظاهراً، كقيام الدليل على فسق الشاهد، وليس وروده إلا ظاهرياً. فتأمل.

وأما عدم التعويل على احتمال عدم صدور الأظهر لبيان المراد الجدي فلأن أصالة الجهة وإن كانت من الأصول العقلائية كأصالة الظهور، إلا أنها متقدمة عليها طبعاً بمقتضى المرتكزات، لأقوائيتها. إلا أن تقوم بعض الأمارات العرفية على خلافها فيشكل البناء عليها حينئذ، وهو خارج عن محل الكلام.

ولعل هذا هو الوجه في قيام سيرة الفقهاء في مقام الاستدلال على الأخذ بمقتضى الجمع العرفي ولو مع عدم قطعية صدور الأظهر أو جهته، حيث لا يظهر منهم الرجوع في ذلك لأدلة خاصة تعبدية، بل الجري على

مقتضى المرتكزات العقلائية في الجمع بين الأدلة وتقديم بعضها على بعض.

الأمر الرابع: تعارض العموم والإطلاق
اشارة

الأمر الرابع: حيث سبق أن ملاك الجمع العرفي ترجيح أقوى الظهورين وتنزيل أضعفهما عليه، فتشخيص ذلك موكول لنظر الفقيه عند الابتلاء بالأدلة، لعدم انضباط القرائن الداخلية في ظهور الكلام بنحو يتيسر إعطاء الضوابط العامة المستوعبة، وقد تكفلت بعض مباحث الأصول اللفظية بيان القاعدة في خصوص بعض الظهورات كالعام والخاص، والمطلق والمقيد.

كما تعرض غير واحد في مباحث التعارض للكلام في بعض أخر وقواعد خاصة لم تُبوَّب هناك، لعدم اختصاصها ببعض تلك المباحث، بل هي ببحث الجمع العرفي أنسب..

منها: تعارض العموم الوضعي والإطلاقي

منها: تعارض العموم الوضعي والإطلاقي بنحو العموم من وجه، حيث يدور الأمر بين تقييد المطلق وتخصيص العموم.

فقد جزم شيخنا الأعظم (قدس سره) بترجيح التقييد، بناءً على عدم استلزامه المجاز في المطلق، لعدم إفادة الإطلاق العموم بالوضع، بل بمقدمات الحكمة، كما هو المعروف عند محققي المتأخرين.

ومرجع ما ذكره في توجيه ذلك إلى أن مقتضي البناء على العموم لما كان هو الوضع فلا مجال لرفع اليد عنه بالإطلاق الذي يكون مقتضي البناء على العموم فيه مقدمات الحكمة، لعدم تمامية المقدمات المذكورة مع العموم، لأن منها عدم البيان، والعموم - بعد تمامية مقتضيه وعدم ثبوت المانع منه - بيان، فلا يبقى معه مقتضي الإطلاق.

وقد دفعه المحقق الخراساني (قدس سره) بأن عدم البيان الذي هو من مقدمات الحكمة هو عدم البيان في مقام التخاطب المفروض عدمه في المقام لا عدم البيان مطلقاً ولو منفصلاً، بل البيان المنفصل من سنخ المانع من الإطلاق بعد تمامية مقتضيه، كالتخصيص المنفصل للعام، فلا يكون العام في الفرض رافعاً لمقتضي الإطلاق، بل كل منهما مانع من تأثير مقتضي الآخر بعد تماميته، ولابد في الترجيح بينهما من مرجح.

ثم إن بعض الأعاظم (قدس سره) أنكر ذلك مشيراً إلى مبناه في مبحث الإطلاق من أن عدم البيان الذي هو من مقدمات الحكمة هو مطلق عدم البيان ولو كان منفصلاً، فيتم ما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) من أن البيان المنفصل بيان رافع لمقتضى الإطلاق.

لكن ما ذكره (قدس سره) في مبحث المطلق والمقيد في وجه مانعية البيان المنفصل من استكشاف مراد المتكلم من الإطلاق راجع إلى ما تقدم عنه في أول هذا الفصل من عدم انعقاد ظهور الكلام التصديقي بالعثور على البيان المنفصل، وهو - لو تم - لا يفرق فيه بين العموم والإطلاق، ولا سيما بناء على ما ذكره (قدس سره) في مبحث العموم من أن استفادته موقوفة على تمامية مقدمات الحكمة في مدخول أدوات العموم، إذ يرجع العموم للإطلاق حينئذ، ويحتاج الفرق بينهما إلى وجهٍ آخر غير ما تقدم.

وكيف كان، فلا مجال لما ذكره (قدس سره) في البيان المنفصل، بل هو من سنخ المعارض للإطلاق.

أما بعض مشايخنا فهو مع اعترافه بعدم انقلاب ظهور المطلق بسبب العام المنفصل ادعى رفع العام لموضوع حجية الإطلاق في الكشف عن

المراد الجدي، لدعوى: أن نسبة العام إلى المطلق نسبة الإمارة إلى الأصل، فكما أن الأصل حجة ما لم تقم أمارة على خلافه، كذلك المطلق إنما يكون ظهوره حجة ما لم يرد العام على خلافه، لعدم جريان مقدمات الحكمة مع ورود العام، فإذا ورد العام سقط عن الحجية. وقد تقدم في مبحث مقدمات الحكمة من التقريرات ما قد يناسب ذلك.

لكن تقييد حجية المطلق بذلك غير ظاهر المأخذ بعد كونه كالعموم تام الظهور، غاية الأمر تقييد حجية الظهور بعدم ورود ظهور أقوى منه يتعين عرفاً للقرينية عليه، وهو مشترك بين العموم والإطلاق، ويحتاج تقديم العموم وتعيينه للقرينية لفرض ترجحه بالأقوائية أو نحوها ولم يشر في كلامه لذلك.

في وجوه ترجيح العموم الوضعي ودفعها

هذا، وقد استدل في كلام شيخنا الأعظم (قدس سره) وغيره على ترجيح العموم الوضعي على الإطلاقي بعد فرض تمامية مقتضي الحجية في كلٍ منهما..

تارة: بأن التقييد أغلب من التخصيص.

وأخرى: بأن دلالة العموم أقوى من دلالة الإطلاق وإن قلنا إنها بالوضع.

وثالثة: بأن ظهور العموم الوضعي لما كان مستنداً لوجود ما يدل عليه في الكلام فهو أقوى من ظهور العموم الإطلاقي المستند لسكوت المتكلم عن ذكر القيد.

ويندفع الأول: بأن الغلبة بنفسها - بعد تسليمها في المقام - لا توجب أقوائية الظهور ما لم يكن لها ظهور عرفي بحيث تكون من قرائن الأحوال

المحيطة بالكلام، ولم يتضح ذلك في المقام.

وأما الأخيران فهما وإن كانا قريبين في الجملة، إلا أن في بلوغهما حداً يصلح لضرب القاعدة العامة نحو خفاء، فلابد من الاستظهار لهما بالتأمل في خصوصيات الموارد، واستحصال ما يمكن من القرائن المؤيدة للترجيح المذكور.

بقي شيء، وهو أن ما سبق من احتمال كون ظهور الإطلاق أضعف من ظهور العموم إنما يتجه في الإطلاق المبني على نحو من الشياع والسريان المقابل للتقييد الراجع لتضييق الحكم أو الموضوع، حيث لا منشأ للظهور في مقتضى الإطلاق إلا مجرد عدم البيان.

أما الإطلاق المقتضي للحمل على خصوص بعض الوجوه، إما لأنه الوجه المناسب للموضوع، كحمل تحريم الأعيان على تحريم خصوص بعض المتعلقات كالنكاح في النساء، وإما لأنه الوجه

الظاهر ولو لخصوصية في المورد فلا مجال لجريان ما سبق فيه، لعدم استناد ظهوره لمجرد عدم البيان، بل للمناسبة والظهور المفروضين اللذين هما من قرائن الأحوال، حيث لا مجال لدعوى قصور القرائن الحالية عن مفاد العموم الوضعي في اقتضاء الظهور الكلامي، بل يختلف الحال باختلاف المقامات، ولا ضابط لذلك.

منها: تعارض الإطلاق البدلي والشمولي

ومنها: تعارض الإطلاق البدلي والشمولي، حيث يظهر من شيخنا الأعظم (قدس سره) تقديم الشمولي على البدلي، وأصر عليه بعض الأعاظم (قدس سره) لوجوه.

وجوه تقديم الشمولي الوجه الأول والمناقشة فيه

الأول: أن الإطلاق الشمولي لا يحتاج إلى أزيد من ورود الحكم

على الطبيعة غير المقيدة، حيث يسري الحكم إلى الأفراد قهراً، أما الإطلاق البدلي فهو يتوقف زائداً على ذلك إلى إحراز تساوي الأفراد في الوفاء بالغرض حتى يحكم العقل بالتخيير بينها، ومع الإطلاق الشمولي لا مجال لإحراز ذلك، لصلوحه لبيان اختلافها، فيكون الإطلاق الشمولي حاكماً على الإطلاق البدلي، وإن كان ظهوره منعقداً في حد نفسه، لكون القرينة منفصلة.

وفيه: أن تساوي الأفراد في الوفاء بالغرض المستتبع لحكم العقل بالتخيير إن استفيد من نفس الإطلاق، لكونه مقتضى مقدمات الحكمة كان الإطلاق - بعد فرض انعقاد ظهوره - معارضاً للإطلاق الشمولي المفروض، لا محكوماً له، وإن لم ينهض به الإطلاق فلا محرز له، ولزم التوقف في سائر موارد الإطلاق البدلي.

إلا أن يدعى إحراز العقل له بالأصل. ولو سلم ذلك كان الإطلاق الشمولي وارداً على الأصل المذكور، لا حاكماً على الإطلاق البدلي، الذي هو فرع التعارض البدوي بينهما.

ما ينبغي أن يقال

والذي ينبغي أن يقال: حكم العقل بالتخيير بين الأفراد في مورد الإطلاق البدلي، إن أريد به التخيير بلحاظ امتثال التكليف الذي تضمنه الإطلاق، لوفاء كل فرد بغرضه وملاكه، فهو لا يحتاج إلى أزيد من تعلق التكليف والغرض بالطبيعة غير المقيدة، كالإطلاق الشمولي، لوضوح تحقق الطبيعة التي هي موطن الغرض بكل فرد فرد، وهو مستلزم لتساوي الأفراد في الوفاء بالغرض، ولا وجه لتقديم الإطلاق الشمولي عليه في فرض تعارضهما.

وإن أريد به التخيير بلحاظ الموانع الخارجية، حيث قد يمنع العقل من الامتثال ببعض الأفراد - مع وفائه بغرض التكليف - لابتلائه بتكليف آخر مزاحم، فهو لا يتوقف على إحراز تساوي الأفراد في الوفاء بالغرض - الذي هو مقتضى الإطلاق - بل لا ينفع فيه ذلك، وإنما يتوقف على إحراز عدم المانع الخارجي المذكور - وهو التكليف المزاحم - في بعض الأفراد، والإطلاق الشمولي إنما يمنع من ذلك وينهض بإحراز المانع الخارجي المذكور في فرض حجيته، لعدم التكاذب بينه وبين الإطلاق البدلي، مع تحقق التزاحم بين حكميهما، حيث يتعين حينئذ متابعة حكم الإطلاق الشمولي لو كان إلزامياً وامتثال حكم الإطلاق البدلي بغير مورد المزاحمة.

لكنه خارج عن محل الكلام، لوضوح أن الكلام في تعارض الإطلاقين، لا تزاحم الحكمين.

بل هو لا يناسب فرض كون الإطلاق الشمولي قرينة على البدلي، لوضوح أنه لابد في القرينية من منافاة مفاد القرينة لمفاد ذي القرينة البدوي، بحيث توجب صرفه عن ظاهره.

وكأن ما ذكره مبني على اختلاط التزاحم بالتعارض.

ولعله هو المنشأ لما ذكره من أن الإطلاق الشمولي حاكم على البدلي، مع التسليم بانعقاد ظهوره في حد نفسه، لكون القرينة منفصلةً بأن يكون ناظراً للحكومة في مقام العمل والامتثال في فرض التزاحم، لا الحكومة بين الأدلة في التعارض البدوي، والا فهو مناف لما سبق منه من أن القرائن المنفصلة تمنع من تمامية مقتضي الإطلاق.

هذا، ولو أريد من تساوي الأفراد في الغرض المستتبع للتخيير

تساويها في مرتبة منه، بحيث لا يتأكد الغرض في بعضها فلا ينهض كلاالإطلاقين بإحرازه لعدم توقف التخيير والسعة في مقام الامتثال عليه، بل يبقى مع اختلاف الأفراد في مراتب الغرض بلحاظ اشتراكها في أصله، ولا أثر للتأكيد في بعض الأفراد إلا أفضليتها.

لكن الظاهر عدم إرادته له، وإن أوهمه كلام بعض من تعرض لما ذكره.

الثاني ودفعه

الثاني: أن الإطلاق البدلي يقتضي رفع اليد عن بعض مدلول الإطلاق الشمولي، وهو حكمه الانحلالي الثابت في المجمع، أما الإطلاق الشمولي فهو لا يقتضي رفع اليد عن شيءٍ من مدلول

الإطلاق البدلي، إذ مدلوله حكم واحد ثابت في الأفراد على البدل، وهو لا ينافيه فيه، بل غاية ما يقتضي تضييق دائرته بعد سعتها.

وفيه أنه بعد فرض التنافي بين سعة دائرة حكم الإطلاق البدلي، وثبوت حكم الإطلاق الشمولي في مورد الاجتماع يتحقق التعارض بينهما، والمدار في تقديم أحد المتعارضين على قوة دلالته، لا سنخ مدلوله.

نعم، لو فُرض عدم استفادة سعة دائرة الحكم من نفس الإطلاق البدلي، بل من أمرٍ آخر، كان الإطلاق الشمولي مصادماً لذلك الأمر لا للإطلاق البدلي. لكن لا مجال لذلك، لأن فرض تعلق الحكم بالماهية غير المقيدة - الذي هو مفادالإطلاق - يقتضي سعة دائرته لتمام أفرادها، كما سبق.

كما أنه لو فرض عدم التنافي بينهما كان المورد من صغريات التزاحم لا التعارض، وقد سبق أنه خارج عن محل الكلام.

الثالث ودفعه

الثالث: أن حجية الإطلاق البدلي تتوقف على عدم المانع في بعض الأفراد عن التخيير العقلي، والإطلاق الشمولي صالح للمانعية، فلو توقف عدم صلاحيته للمانعية على وجود الإطلاق البدلي لدار.

وفيه: أن التخيير العقلي إذا كان متفرعاً على تساوي الأفراد في الوفاء بالغرض، لتعلقه بالماهية غير المقيدة، الذي هو مقتضى الإطلاق، فلا يرتفع إلا بسقوط الإطلاق عن الحجية والإطلاق الشمولي إنما يصلح للمانعية من حجية الإطلاق البدلي بلحاظ التعارض بينهما، وهو يقتضي صلوح كل منهما للمنع من حجية الآخر.

نعم، لو كان التخيير العقلي مقتضى أصل آخر من دون أن يستند لمفاد الإطلاق تعين مانعية الشمولي عنه، لوروده عليه، كما سبق. لكن سبق المنع من ذلك.

كما أنه لو فرض عدم التعارض بين الإطلاقين، بل التزاحم بين حكميهما كان حكم الإطلاق الشمولي الإلزامي مانعاً من العمل على طبق حكم البدلي في مورد الاجتماع. وقد سبق أنه خارج عن محل الكلام.

وبذلك ظهر تقارب الوجوه الثلاثة التي ذكرها وابتناؤها على مباني غير تامةٍ في أنفسها.

وعليه لا يتضح وجه تقديم الإطلاق الشمولي بخصوصيته، بل المدار في التقديم على قوة الظهور والدلالة.

نعم، لا يبعد كون الإطلاق الشمولي أقوى من الإطلاق البدلي، لأن التسامح في نسبة الحكم البدلي للماهية بلحاظ ثبوته لها في الجملة أقرب من التسامح في نسبة الحكم الشمولي لها بلحاظ ثبوته لبعض أفرادها، لما

في الثاني من بيان المقتضي في غير مورده، بخلاف الأول، حيث لا يتضمن إلا بيان حال المقتضي على خلاف ما هو عليه من الضيق.

وبعبارة أخرى: ما سبق في الوجه الثاني من استلزام التصرف في الإطلاق البدلي رفع اليد عن سعة الحكم، واستلزام التصرف في الإطلاق الشمولي رفع اليد عن نفس الحكم في المجمع، وإن لم ينهض بترجيح التصرف في الإطلاق البدلي ذاتاً، إلا أن من القريب اقتضاءه قوة ظهور الإطلاق الشمولي، لصعوبة التصرف في مفاده جداً.

لكنه - لو تم - مختص بما إذا كان مفاد الشمولي اقتضائياً.

على أن إعطاء الضابط العام في باب الظهورات لا يخلو عن تكلف، فاللازم التأمل في خصوصيات الموارد، والاستظهار فيها بالقرائن.

ثم إنه بعد أن كان ملاك ترجيح الشمولي - لو تم - قوة دلالته لا خصوصية مدلوله فلا مجال للتعدي لتعارض العموم الشمولي والعموم البدلي، لعدم وضوح أقوائية العموم الشمولي من العموم البدلي بعد أن كان كل منهما مستنداً للوضع ومبنياً على ملاحظة الأفراد والتعميم لها رأساً، لا الاقتصار على الماهية بنفسها، واستفادة التعميم للأفراد تبعاً لذلك، كما في الإطلاق.

منها: انقلاب النسبة

ومنها: انقلاب النسبة الذي كثر النقض والإبرام فيه بينهم. وموضوعه التعارض بين الدليلين لا بلحاظ أنفسهما، بل بلحاظ دليل ثالث. ومرجعه إلى أن الجمع بين الدليلين هل يبتني على ملاحظة نسبة كل منهما للآخر في نفسه وبملاحظة مدلوله الظاهر فيه، من دون أن تنقلب النسبة بينهما بملاحظة الثالث، أو بعد ملاحظة النسبة بينه و

بين الثالث، بأن تلحظ النسبة بين الدليلين بلحاظ ما يكون كل منهما حجةً فيه من مدلوله بسبب الجمع بينه وبين الثالث، لا في مدلوله الظاهر فيه في نفسه، فتنقلب النسبة بينهما بسبب الثالث.

ويختلف الحال كثيراً بين الوجهين، كما يتضح في فرضين..

الأول: لو ورد عام وخاصان مخالفان له بينهما عموم من وجه، مثل أكرم العلماء،: لا تكرم العالم الفاسق، و: لا تكرم العالم الذي لا ينفع بعلمه.

الثاني: لو ورد عامان متباينان وخاص موافق لأحدهما مخالف للآخر، مثل: ثمن العذرة سحت، و: لا بأس ببيع العذرة، و: لا يحل بيع عذرة ما لا يؤكل لحمه.

فإن ملاحظة النسبة بين الدليلين في نفسيهما وبملاحظة مدلوليهما يقتضي في الأول تخصيص العام بكلا الخاصين وإن كان بينهما عموم من وجه، فيخرج أفرادهما على تداخلها عن حكمه، ويبقى حجة في الباقي، فلا يجب إلا إكرام العالم غير الفاسق الذي ينفع بعلمه.

ويقتضي في الثاني العمل بالخاص في مورده، وفي بقية الموارد طرح العامين معاً والرجوع للأصل أو التخيير بينهما على الكلام في حكم التعارض.

أما ملاحظة النسبة بين الدليلين بلحاظ ما يكون كل منهما حجةً فيه من مدلوله، فهو يقتضي في الأول ملاحظة النسبة بين أحد الخاصين والعام بعد تحكيم أحد الخاصين عليه، وقصره على غير مورده، حيث تكون النسبة العموم من وجه، وإن كانت النسبة بينهما العموم المطلق بالنظر لمدلول العام بنفسه، وفي الثاني تخصيص

العام المخالف للخاص به، ثم تخصيص العام الآخر بما يبقى العام المخصص حجة فيه بعد التخصيص، لأنه يكون أخص بعد التخصيص، وإن كان مبايناً له في نفسه.

عدم اختصاص انقلاب النسبة بالعام والخاص

هذا، وحيث كان مبنى الكلام في انقلاب النسبة على نحو من الجمع العرفي بين الأدلة المتعارضة بدواً لاستكشاف مراد المتكلم منها، فهو لا يختص بالعام والخاص، وإن كانت أمثلتهم تدور عليهما، بل يجري في غيرهما من الظهورات المتعارضة، كالمطلق والمقيد والمفاهيم وغيرها. مثلاً إذا ورد: أكرم زيداً إن حج، وورد: لا يجب إكرام الشخص لحجه، وفرض دوران الأمر في الجمع بينهما بين تخصيص الثاني بالأول، وحمل الأول على الاستحباب بقرينة الثاني من دون ترجيح لأحد الوجهين، نظير العامين من وجه، حيث يتردد الأمر في حمل كل منهما على الآخر، فبالعثور على دليل مرخص في ترك إكرام زيد عند حجه يرتفع التردد المذكور ويتعين الثاني على القول بانقلاب النسبة، لصلوح الدليل المذكور للقرينية على حمل الأول على الاستحباب، فلا يكون حجة في الوجوب، كي ينافي العموم المذكور، ويتردد في كيفية الجمع بينهما، وعلى القول بعدم انقلاب النسبة لا أثر لدليل الترخيص المذكور في رفع التردد المذكور، لفرض عدم المرجح لظهور كلٍ منهما في نفسه. فتأمل.

كيفية الجمع العرفي فيها

إذا عرفت هذا، فمن الظاهر أن كيفية الجمع العرفي في النسب المختلفة بين الدليلين، كحمل العام على الخاص والمطلق على المقيد وتنزيل الأمر على الاستحباب لأجل دليل الترخيص وغير ذلك، لا تبتني على خصوصية النسب بأنفسها، بل على تحكيم أحد الظهورين على الآخر، لأقوائيته وصلوحه للقرينية عليه عرفاً.

كما أن توقف العرف عن الجمع بين الدليلين في بعض النسب مبني على عدم إدراك العرف ذلك فيها، إما لعدم إمكان الجمع بينهما عرفاً - كما في بعض صور المتباينين - أو لصلوح كل منهما للقرينية على الآخر من دون مرجح، لعدم أقوائية أحدهما الملزمة بتحكيمه، كما في العامين من وجه.

وجميع ذلك راجع إلى تحكيم العرف في فهم الأدلة بمجموعها، كما يكون هو المحكم في فهم كل دليل بنفسه مع قطع النظر عن غيره.

وعلى ذلك فكما يكون للعرف الجمع بين الدليلين بالنظر لحالهما في أنفسهما يكون له الجمع بينهما بملاحظة الدليل الثالث، حسب المناسبات العرفية والخصوصيات الكلامية من دون تقيد بانقلاب النسبة ولا بعدمه، بل..

تارة: تبتني ملاحظة النسبة بين الدليلين والجمع بينهما على مفاد كل منهما بحسب ظهوره من دون نظر للدليل الثالث، لعدم صلوحه بنظر العرف للتحكم في نحو النسبة بينهما، فلا يكون دخيلاً في قرينية كل منهما على الآخر.

وأخرى: تبتني ملاحظة النسبة بينهما والجمع بينهما على ملاحظة الثالث، لدخله في قرينية أحدهما على الآخر عرفاً، ولا ضابط لأحد الوجهين، بسبب اختلاف النسب واختلاف خصوصيات

الألسنة، وليس هناك جهة ارتكازية ملزمة بأحد الأمرين، ليكون المعوَّل عليها بحسب الأصل في مقام الجمع بين الأدلة.

ومما ذكرنا يظهر ضعف تقريب انقلاب النسبة بأن التعارض والجمع العرفي بين الدليلين إنما يكون بعد فرض حجية كلٍ منهما لولا المعارضة،

فبعد سقوط ظهور أحدهما عن الحجية بسبب الدليل الثالث وحجيته في خصوص ما يقتضيه الجمع العرفي بينه وبين الدليل المذكور لا معنى لكون ظهوره طرفاً للنسبة مع الدليل الثاني، بل لابد من كون نسبته معه بلحاظ خصوص ما هو حجة فيه.

وجه الضعف: أن مرجع عدم انقلاب النسبة في بعض الموارد على ما ذكرنا ليس إلى ملاحظة الظهور طرفاً للنسبة مع الدليل الثاني بعد فرض عدم حجيته بسبب الدليل الثالث للجمع العرفي بينهما في مرتبة سابقة، بل إلى توقف العرف عن الجمع بينهما وتحصيل المراد الجدي من الظهور بسبب المعارض، وعدم الجمع إلا بملاحظة مجموع الأدلة، فإن أمكن الجمع عرفاً كان المجموع حجة في المتحصل منها بأجمعها، وإلّا لزم التوقف.

كما ظهر أيضاً اندفاع ما قد يقال في وجه عدم انقلاب النسبة من أن النسبة إنما هي بملاحظة الظهورات، لأن معيار تقديم الدليل قوة ظهوره ومجرد سقوط الظهور في بعض الأفراد عن الحجية لا أثر له في قوته وضعفه، كما لا أثر فيها للدليل الثالث بعد فرض كونه منفصلاً.

وجه الاندفاع: أن انقلاب النسبة في بعض الموارد - على ما ذكرنا - راجع إلى دخل الدليل الثالث في قرينية أحد الدليلين على الآخر عرفآ، وإن لم يكن له أثر في مرتبة ظهور كل منهما، فهو يقتضي..

تارة: استحكام التعارض بينهما مع إمكان الجمع العرفي بدونه.

وأخرى: إمكان الجمع العرفي بينهما مع استحكام التعارض بدونه.

وثالثة: تبدل مقتضى الجمع العرفي بينهما، وكما يكون للعرف الجمع بين الدليلين بالنظر لأنفسهما يكون له الجمع بينهما بعد حمل أحدهما على

ما يناسب الدليل الثالث إذا كان دخيلاً بنظره في قرينية أحدهما على الآخر.

فروض انقلاب النسبة
اشارة

وحيث ظهر عدم الضابط لذلك فالمناسب التعرض لبعض الفروض المذكورة في كلماتهم، لأهميتها وإن لم يسع المجال التعرض لجميع ما ذكروه.

الفرض الأول

الأول: ما إذا ورد عام وخاصان بينهما عموم من وجه، وهو أول الفرضين المتقدمين في صدر المسألة.

ولا ينبغي التأمل في تخصيصه بهما معاً، لأن ظهوره في استيعاب أفراد كل منهما أضعف من ظهور كل منهما في استيعاب أفراده، وهو ملاك التقديم في سائر موارد التخصيص.

ولا يخل بذلك اجتماعهما في بعض الأفراد، أما مع عدم تنافيهما فيه لاتفاقهما في الحكم - كما في المثال المتقدم - فظاهر، وأما مع تنافيهما فيه لاختلافهما في الحكم - كما لو ورد: يجب إكرام العلماء، ويستحب إكرام العالم الذي لا ينتفع بعلمه، و: يحرم إكرام العالم الفاسق - فكذلك لو كان أحد الخاصين أقوى ظهوراً من الآخر ومقدماً عليه في مورد الاجتماع، لاستلزام ذلك أقوائيته من العام وتعينه لتخصيصه والحجية في مورده.

وأما لو تساويا وتساقطا في مورد الاجتماع فلأن سقوط كل منهما عن الحجية في مدلوله المطابقي لا ينافي حجيتهما معاً في نفي حكم العام المخالف لهما.

وما تكرر منّا من عدم حجية المتعارضين في نفي الثالث مختص بالمتعارضين المتصادمين عرفاً، اللذين لا يصلح كل منهما عرفاً لبيان المراد من الآخر والقرينية عليه، ولا يجري في مثل العامين من وجه مما كان كل

منهما صالحاً للقرينية على الآخر وحمله على ما يناسبه، والتوقف عنهما لعدم تعين أحدهما للقرينية لعدم الأظهر في البين، إذ في مثل ذلك يصلحان عرفاً لبيان نفي الثالث، لأنه المتيقن من مدلولهما، كالكلام الواحد المجمل المردد بين وجهين الذي هو بيان على نفي الثالث. ولعله يأتي التعرض له في محله.

نعم، إذا لزم من تقديم كلا الخاصين على العام كثرة التخصيص المستهجن له كان التعارض بينه وبينهما مستحكماً، كما هو الحال في سائر موارد التخصيص ودخل في التعارض بين أكثر من دليلين، الذي يأتي الكلام فيه في محله إن شاء الله تعالى.

ثم إنه لا مجال لدعوى انقلاب النسبة في المقام، بدعوى: أنه بعد تخصيص العام بأحد الخاصين تكون النسبة بينه وبين الخاص الآخر العموم من وجه.

وذلك لعدم دخل أحد الخاصين في قرينية الآخر على العام بعد عدم صلوح كلٍ منهما لتفسير الآخر، لفرض كون النسبة بينهما العموم من وجه.

على أن ما سبق من الوجه لانقلاب النسبة إنما يقتضيه في فرض سقوط العام عن الحجية في مورد أحد الخاصين في رتبةٍ سابقة على ملاحظة النسبة بينه وبين الآخر، ولا مجال لذلك في المقام بعد عدم تقدم أحدهما على الآخر رتبة، ليكون التخصيص به سابقاً على التخصيص بالآخر، بل هما في رتبة واحدة في مقابل العام.

ولا وجه لترجيح مقطوع المضمون أو الصدور منهما بعد مشاركة المظنون له في الحجية، فإن القطعي إنما يقدم على الظني عند تعارضهما،

لا في مقام تأثيرهما في الدليل المعارض.

وكذا ترجيح الأسبق زماناً، لعدم الأثر لسبق الخاص زماناً في استكشاف مراد المتكلم من العام.

ولا فرق في ذلك بين ما صدر عن الأئمة (ع) وما صدر عن النبي (ص) بعد فرض كونه مخصصاً، خلافاً لما يظهر من بعض مشايخنا من توجه انقلاب النسبة في فرض اختلاف الزمان في ما صدر عنه (ص)، وأنه يتعين تخصيص العام أولاً بالخاص الأسبق فتنقلب النسبة بينه وبين الخاص المتأخر.

غاية الأمر البناء على النسخ في ما صدر عنه (ص) بالوجه المتقدم في الأمر الثاني، فيتعين العمل بالمتأخر على كل حال. فلاحظ.

نعم، لا إشكال في انقلاب النسبة إذا كان أحد الخاصين متصلاً، لمنعه من انعقاد ظهور العام في العموم، بل ليس هو من انقلاب النسبة حقيقة، إذ النسبة بين العام والخاص الآخر هي العموم من وجه من أول الأمر، إلا أنه لا يبعد غلبة أقوائية ظهور الخاص الآخر في شمول مورد الاجتماع من ظهور العام المخصص حينئذ، فيقدم عليه، كما لو كان أخص منه مطلقاً، ولا أثر لانقلاب النسبة.

الفرض الثاني

الثاني: ما إذا ورد عامان متباينان وخاص موافق لأحدهما مخالف للآخر، وهو ثاني الفرضين المتقدمين في صدر المسألة.

والظاهر صلوح الخاص لأن يكون شاهد جمع بين العامين وقرينة على حمل الموافق له على مورده، والمخالف له على غير مورده، كما لو ورد دليل مفصل بين أفراد العامين، لأن الخاص وإن لم يوجب أقوائية ظهور

العام المخالف له في غير مورده من العام الموافق له فيه، إلا أن يكون قرينةً عرفاً على حمل العام المخالف على غير مورده، فيصلح العام المذكور بضميمته لأن يكون قرينة على حمل العام الموافق على مورد الخاص، فيرتفع التعارض بينهما بسببه ولا يستحكم.

وهو أولى عرفاً من سقوط العامين في تمام أفرادهما والرجوع للخاص في مورده، وللقواعد الأخر في بقية أفراد العامين، ولا سيما إذا كان الخاص مشعراً بخصوصية عنوانه في الحكم بمناسبة ارتكازية ونحوها حيث يسهل تنزيل كلا العامين عليه جداً.

وهذا من موارد انقلاب النسبة عندهم، لأن العام المخالف للخاص بعد أن كان في نفسه معارضاً للعام الموافق يصلح بسبب الخاص لأن يكون مخصصاً له. فتأمل.

نعم، إذا كان مقتضى الجمع المذكور كثرة التخصيص لأحد العامين بنحو مستهجن، إما لقلة أفراد الخاص، بنحو يلزم من الجمع المذكور كثرة التخصيص للعام الموافق، أو لكثرتها، بنحو يلزم كثرة التخصيص للعام المخالف، لم يصلح الخاص لأن يكون شاهد جمع بين العامين ويستحكم التعارض بينهما. بل في الثاني يكون الخاص معارضاً للعام المخالف له، كالعام الآخر، كما هو ظاهر.

هذا، ولو فرض مخالفة الخاص لكلا العامين في الفرض لم يصلح لأن يكون شاهد جمع بينهما، وتعين استحكام التعارض بينهما، فيرجح الأقوى أو يخير أو يتساقطان ويكون الخاص في مورده حجة على كل حال، لكونه مرجعاً بعد تساقطهما أو مخصصاً للحجة منهما، ويخرج عن محل

الكلام في انقلاب النسبة، لعدم الأثر للخاص في النسبة بين العامين، كما هو ظاهر.

الثالث: ما إذا وردت أدلة ثلاثة أحدها أخص من الآخر مطلقاً.

الفرض الثالث

والظاهر تخصيص الخاص منها لما فوقه مما خالفه في الحكم مطلقاً، سواء اختلفت كلها في أحكامها أم اتفق اثنان منها وخالفهما الثالث، كان المخالف هو الأعم أو المتوسط أو الأخص، كل ذلك لملاك التخصيص في سائر الموارد وعدم دخل تعدد الأدلة في ذلك. كما أن المتفقين لا تنافي بينهما ملزم بالتخصيص بل يتعين العمل بالأعم منهما إذا لم يخصص بمخالف.

وقد يتوهم انقلاب النسبة في بعض الصور المتقدمة، كما لو اتفق المتوسط والأخص في الحكم على خلاف الأعم، بدعوى: تخصيص الأعم بالأخص أولا، فتنقلب النسبة بينه وبين المتوسط للعموم من وجه.

ويندفع: بأن تخصيص الأخص للأعم لا أثر له عرفاً في قرينية المتوسط عليه بنحو لا يشمله ملاك التخصيص.

مضافاً إلى عدم الوجه لتخصيص الأعم بالأخص أولاً قبل تخصيصه بالمتوسط، بل هو مخصص بهما معاً في رتبة واحدة، نظير ما سبق في الفرض الأول.

نعم، إذا كان الأخص متصلاً بالأعم في الفرض تعين انقلاب النسبة بينه وبين المتوسط، نظير ما سبق، ويتوقف تقديم أحدهما في مورد الاجتماع على أقوائية ظهوره، ولا ضابط لذلك، بل هو موكول لخصوصيات الموارد حسبما يدركه الفقيه عند النظر في الأدلة.

كما أنه لو كان الأخص ظاهراً في الحصر كان بمنطوقه مخصصاً للأعم وبمفهومه مخصصاً للمتوسط أو معارضاً له، فيقتصر في الخروج عن الأعم على مورد الأخص، ولا يبقى للمتوسط أثر.

هذا كله إذا لم يلزم من التخصيص محذور مانع ككثرة التخصيص، وإلا تعين التوقف أو الجمع بوجهٍ آخر حسبما تقتضيه خصوصية المقام، وقد أطالوا الكلام في ذلك بما لا يسعنا مجاراتهم فيه بعد ما عرفت من الضابط في المقام.

الفرض الرابع

الرابع: ما إذا ورد عامان بينهما عموم من وجه، وخاص مخالف لهما معاً في محل الاجتماع.

ولا إشكال في تقديمه عليهما معاً والعمل بكل منهما في ما ينفرد فيه. وقد جعله غير واحد من موارد انقلاب النسبة، بدعوى انقلابها بينهما بسبب الخاص المذكور إلى التباين ويرتفع التعارض بينهما، لتعدد الموضوع، كما لو اختص كل منهما ابتداءً بما ينفرد فيه.

لكن الظاهر عدم توقف تقديمه في مورد الاجتماع والعمل بهما في مورد الإنفراد على ذلك، بل لو فُرض عدم انقلاب النسبة واستحكام التعارض بينهما للزم العمل بكل منهما في مورد الانفراد، لعدم المعارض، والعمل بالخاص في مورده، لكونه مخصصاً للأقوى منهما لو كان، ومرجعاً بعد تساقطهما لو تساوياً.

نعم، انقلاب النسبة هو الأقرب للمرتكزات العرفية في مقام الجمع بين الأدلة، لأن الخاص المذكور صالح للقرينية عرفاً عليهما بملاك التخصيص الجاري في كل عام وخاص ولا تصل النوبة للتعارض.

ومجرد كونه مخصصاً للعمومين لا لعامٍ واحدٍ لا أثر له في ذلك، نظير ما تقدم في الفرض الثاني.

ومنه يظهر الحال لو كان الخاص مخصصاً لأحد العامين المذكورين في مورد الافتراق، حيث يكون قرينة على حمل العام المذكور على مورد الاجتماع وتقديمه على العام الثاني فيه، لئلا يبقى بلا مورد، وحمل العام الثاني على مورد انفراده.

واليه يرجع ما قيل من أن الخاص المذكور سبب لانقلاب النسبة بين العامين إلى العموم المطلق، وهو أولى من بقاء العامين على ما هما عليه من التعارض في مورد الاجتماع والعمل بالخاص في مورده، وبالعام الآخر في مورد انفراده، المستلزم لسقوط العام المخصص عن الحجية مطلقاً في مورد انفراده لتخصيصه، وفي مورد الاجتماع لمعارضته بالعام الثاني.

وأما لو ورد خاصان في الفرض، كل منهما مخصص لأحد العامين في مورد الافتراق فمن الظاهر أنهما لا يصلحان للقرينية على العامين ورفع التعارض بينهما، لأن تخصيصهما بهما مستلزم لحملهما معاً على مورد الاجتماع، فيتعارضان فيه، كما هو الحال قبل ورود الخاصين، وإنما الكلام في أن التعارض يختص بالعامين مع حجية الخاصين في موردهما، أو يشاركهما الخاصان أيضاً، فتسقط الأدلة الأربعة؟

وجهان.. اختار أولهما بعض الأعاظم (قدس سره) في ما حكي عنه، لدعوى: أن الخاصين غير متعارضين، لا بأنفسهما، لتعدد موضوعيهما، ولا بالنظر للعامين، لفرض كونهما مخصصين لهما.

وفيه: أن كلاً من الخاصين وإن كان مخصصاً لأحد العامين وحمله

على مورد الاجتماع بالنظر لنفسه، إلا أنه لا مجال للبناء على ذلك فيهما معاً في المقام، لاستلزامه حمل كلا العامين على خصوص المورد المذكور، وهو ممتنع، فلا يكون تحكيم الخاصين عليهما جمعاً عرفياً.

وبعبارة أخرى: تقديم الخاص على العام لما لم يكن تعبدياً، بل بملاك الجمع العرفي وبيان الخاص للمراد من العام فلا مجال له في المقام، للعلم بكذب أحد الجمعين.

ودعوى: أن تعارض العامين في مورد الاجتماع لازم على كل حال عمل بالخاصين أم لم يعمل بهما، فهما ساقطان عن الحجية في نفسيهما، فلا ينهضان بمعارضة الخاصين.

مدفوعة: بأن مرجع تعارضهما في نفسيهما صلوح كل منهما للقرينية على الآخر وحمله على مورد الانفراد مع حجية كل منهما في مورد الانفراد، ولا مجال لذلك بالنظر للخاصين، لاقتضائهما إخراج موردي الانفراد عنهما وحملهما معاً على مورد الاجتماع، وهو ممتنع، كما ذكرنا.

فيتعين كون التعارض بين مجموع الأدلة، للعلم الإجمالي بكذب بعضها - كما ذكره بعض مشايخنا - من دون مجال للجمع العرفي بينها، ولا مرجح للخاصين.

اللهم إلا أن يقال: كل من الخاصين وإن اقتضى صرف العام المخالف له إلى مورد الاجتماع، إلا أنه لا يقتضي استيعابه له، وإنما هو مقتضى عموم العام، وكما يمكن التنزل عن عموم العام بالإضافة لمورد الانفراد لأجل الخاص يمكن التنزل عن ظهوره في استيعاب أفراد مورد الاجتماع بلحاظ مجموع الأدلة.

وعليه يمكن الجمع عرفاً بين مجموع الأدلة بحمل كلا العامين على مورد الاجتماع، مع التنزل عن ظهور كل منهما في استيعابه، وإن تعين سقوطهما معاً فيه، لعدم القرينة على تعيين ما يراد بكل منهما من أفراده.

نعم، ذلك - مع توقفه على إمكان التفكيك بين أفراد مورد الاجتماع في الحكم - مشروط بأن يكون مورد الاجتماع كثير الأفراد بحيث لا يلزم من حمل كل من العامين على خصوص بعض أفراده التخصيص المستهجن، بأن يكون ظهور كل من الخاصين في مورده أقوى من ظهور كل من العامين في الاستيعاب لمقدار أفراد مورد الاجتماع، بنحو يكون قرينة عرفاً على صرفهما عن الظهور المذكور.

هذه بعض الفروض المذكورة في كلماتهم لانقلاب النسبة، وهناك فروض أخرى لا مجال للتعرض لها، كما لا مجال للتعرض لغيرها مما يمكن فرضه في المقام، لتعذر استيعاب موارد انقلاب النسبة، ولا سيما بعد ما سبق من عدم اختصاصه بالعام والخاص، وأنه يجري في سائر موارد الجمع العرفي. بل يتعين الاكتفاء بما سبق من الضابط المتقدم له مع إيكال تشخيص صغرياته لنظر الفقيه عند الابتلاء بالأدلة المتنافية.

والله سبحانه وتعالى ولي العصمة والتسديد.

المقام الثاني : في مراتب الأدلة

اشارة

من الظاهر أن استنباط الحكم والوظيفة العملية عن الأدلة التفصيلية كما يتوقف على معرفة الأدلة والوظائف الظاهرية يتوقف على معرفة النسب، بينها وتعيين مراتبها في ما بينها كي لا يرجع للمتأخر مع وجود المتقدم، لرجوع ذلك لتشخيص دليليَّة الدليل ومعرفة موردها.

ومن هنا كان البحث عن ذلك من مقدمات الاستنباط المهمة، كالبحث عن نفس الأدلة.

وقد سبق تعيين الأدلة والوظائف الظاهرية في المباحث السابقة من دون بحث عن النسب بينها وتشخيص مرتبة كل منها، عدا الاستصحاب، حيث تقدم الكلام في مرتبته، لخصوصية في دليله لا تجري في أدلة غيره.

ولما كان البحث في المقام الأول عن أصول النسب الأربع - وهي التخصص والورود والحكومة والجمع العرفي - وتعيين ضوابطها، وبيان وجه العمل عليها كان المناسب إلحاق ذلك بالبحث عن تشخيص النسب بين الأدلة والوظائف الظاهرية على ضوء ما تقدم، وقد عقدنا هذا المقام لذلك.

هذا، وحيث لا ريب في تقدم الأدلة القطعية رتبة، للغوية جعل الحجة على طبق القطع، واستحالة جعلها على خلافه - على ما تقدم في مباحث القطع - فيقع الكلام في غيرها مما لا يقطع معه بالحكم الشرعي الواقعي، إما لعدم تعرضه له - كما في الأصول - أو لعدم إفادته القطع به وإن كان متعرضاً له، كالطرق والأمارات.

إذا عرفت هذا، فالظاهر لزوم الرجوع للطرق والأمارات في المرتبة الأولى، ثم للأصول والقواعد الشرعية الإحرازية - كالاستصحاب - ثم للأصول الشرعية غير الإحرازية تعبدية كانت كأصالة الطهارة أم غيرها كالبراءة والاحتياط، ثم للأصول العقلية العملية.

كما أن الظاهر تقدم الأصول التعبدية الموضوعية، التي يحرز بها الحكم بضميمة الكبريات الشرعية وإن لم تكن إحرازية، على الأصول الحكمية وإن كانت إحرازية، وهو مرادهم بتقدم الأصل السببي على المسببي.

وعلى هذا جرى الأصحاب في مقام الاستدلال، بنحو يظهر منهم المفروغية عنه، بل صرح بعضهم بذلك.

نعم، قد يظهر من بعضهم الخروج عن ذلك في بعض الموارد، حيث يجمع في مقام الاستدلال بين المترتبين أو يعارض بينهما.

إلا أن الظاهر كون منشئه الغفلة عن الحال أو محض الاستظهار في مقام الاستدلال، وإلا فمن البعيد جداً خلافهم في ذلك.

وكيف كان، فاللازم التعرض لوجه ما ذكرنا.

وحيث كانت الأصول الإحرازية الجارية في الشبهات الحكمية

منحصرة بالاستصحاب كان بيان نسبتها هنا مستغنى عنه بما تقدم في الاستصحاب في توجيه تقديم الطرق عليه وتقديمه على بقية الأصول المأخوذ في موضوعها محض الشك.

وأما بقية الأصول والقواعد الإحرازية - كقاعدة اليد والفراغ والفراش وغيرها - فهي قواعد فقهية لا تجري إلا في الشبهات الموضوعية، الخارجة عن محل الكلام، ولا يسعنا استقصاء حالها، وإنما تقدم في خاتمة الاستصحاب التعرض لبعضها، وتقدم أنها مقدمة على الاستصحاب، فتقدم على ما تأخر عنه من الأصول بالأولوية.

كما لا مجال للتعرض لنسبتها مع الطرق والأمارات والقواعد الأخر، بل يوكل للفقه.

كما لا ينبغي التأمل في تأخر الأصول العقلية عن الطرق والقواعد والأصول الشرعية، لورودها عليها، حيث لا يحكم العقل بالوظيفة الظاهرية إلا عند التحير وعدم تصدي الشارع لبيانها، وإلا استغنى ببيانه، فيرتفع به موضوع حكمه.

وعلى هذا لا يبقى في المقام إلا الكلام في وجه تقدم الطرق والأمارات على الأصول، وفي وجه تقدم الأصل السببي على المسببي، فيقع البحث في أمرين..

البحث في أمرين..
الأمر الأول: في تقديم الطرق والأمارات على الأصول
اشارة

الأمر الأول: في تقدم الطرق والأمارات على الأصول الشرعية.

من الظاهر أن إطلاق أدلة الأصول شامل لصورة قيام الطرق والأمارات بعد فرض عدم إفادتها العلم بالحكم الواقعي، فهي بنفسها مع قطع النظر عن دليل حجيتها لا ترفع موضوع الأصول، وإلا لزم قصورها

في فرض عدم حجية الطرق والأمارات أيضاً، وهو خارج عن محل الكلام.

كما أنه لا إشكال في أن مفاد الطريق والأمارة لا ينافي مفاد الأصل، لتعدد الموضوع، بسبب حكايتهما عن الواقع، وعدم تعرض الأصل له، بل للوظيفة الظاهرية في ظرف الجهل به لا غير، وإنما التنافي بين دليل حجية الطرق والإمارات ومفاد الأصول، لتعرض كل منهما للوظيفة الظاهرية الفعلية.

ومن هنا كان محل الكلام في المقام هو النسبة بينهما، لا بين الأصل ونفس الطريق والأمارة، وان أوهمه عنوان المسألة.

إذا عرفت هذا، فربما يدعى ورود أدلة الطرق والأمارات على أدلة الأصول..

إما لدعوى: أن المراد من الشك والجهل في موضوعها هو عدم الحجة، فيرتفع موضوعها بقيام الطرق أو الأمارات بضميمة دليل حجيتها.

أو لدعوى: أن المراد به ما يقابل العلم ولو بالوظيفة الظاهرية، فيرتفع موضوعها بقيامها بضميمة دليل حجيتها أيضاً. وكلاهما مخالف للظاهر جداً، بل ظاهر الجهل والشك في موضوع أدلة الأصول الشرعية هو الأمر النفسي المقابل للعلم بالواقع، الباقي حتى مع قيام الطرق والأمارات وحجيتها، كما سبق نظيره في الاستصحاب.

وإنما يتجه الثاني في ما سيق من الأدلة مساق الأصول العقلية ومؤكداً لمفادها وهو خارج عن محل الكلام. وقد تقدم توضيح الفرق بين المفادين في أول الكلام في أدلة البراءة. ويأتي تمام الكلام في توجيه الورود في آخر الكلام في وجوه الجمع العرفي إن شاء الله تعالى.

هذا، والذي ادعاه شيخنا الأعظم (قدس سره) وجملة ممن تأخر عنه هو حكومة أدلة الطرق والأمارات على أدلة الأصول، لرفعها لموضوعها تعبداً أو تنزيلاً، بسبب تقييد موضوع الأصول شرعاً بالشك والجهل، وإطلاق موضوع أدلة حجية الطرق والأمارات من هذه الجهة. وهي وإن كانت قاصرة عن صورة العلم، إلا أن قصورها لما كان عقلياً بملاك استحالة جعل الحجية معه، ومختصاً بالعلم الوجداني، فلا مجال لفرض الحكومة فيه، لما سبق من عدم جريانها في الأدلة اللبية لتحديد موضوعها بنحو لا يقبل البيان والتفسير، بخلاف تقييد أدلة الأصول بالجهل، فإنه لما كان مستفاداً من تقييدها به شرعاً في الأدلة اللفظية أمكنت حكومة أدلة الطرق والأمارات عليها وبيانها لمفادها.

وقد أشير في كلامهم لتقريب حكومة الطرق والأمارات، بدعوى: أنها بضميمة دليل حجيتها تكون رافعة لموضوع الأصول - وهو الجهل - تعبداً أو تنزيلاً وإن كان باقياً حقيقة، لفرض عدم إفادتها القطع.

وقد سبق أن ذلك موجب للحكومة عندهم، وذكرنا أنه لا يوجب الحكومة البيانية بل العرفية، التي هي من صغريات الجمع العرفي.

لكن ما ذكروه من ارتفاع الجهل تعبداً أو تنزيلاً مبني على مختارهم في مفاد أدلة حجية الطرق والأمارات من تنزيلها منزلة العلم، أو جعلها علماً تعبداً، وهو ممنوع، بل ليس مفادها إلا حجية الطرق والأمارات اعتباراً بنحو تصلح لأن يعتمد عليها في البناء على ثبوت مؤداها عملاً كالعلم، على ما سبق الكلام فيه مفصلاً في مباحث القطع. فراجع.

وأما مجرد حجية الطرق والأمارات من دون أن تكون بلسان تنزيلها

منزلة العلم أو جعلها علما تعبداً فهو لا يكفي في الحكومة العرفية، فضلاً عن البيانية، لأن الحجية وإن اقتضت متابعة الحجة في مقام العمل بنحو تكون معذرة أو منجزة على خلاف الأصل، إلا أن الأصل بإطلاق دليله يقتضي التعذير والتنجيز المستتبعين للعمل على خلافها، ولا أولوية لأحدهما بعد فرض تحقق موضوع كلٍ منهما. وقد سبق نظير ذلك في مبحث الاستصحاب.

وجوه تقريب تقديم الطرق والأمارات على الأصول..

ومن هنا فالظاهر أن تقديم الطرق والأمارات على الأصول مقتضى الجمع العرفي بين أدلتها والمناسبات الارتكازية، مع التنافي بينها بدواً، فإنه وإن كان بين إطلاق كل منها عموم من وجه، إلا أن المتعين تنزيل أدلة الأصول على ما لا ينافي أدلة الطرق والأمارات.

وتقريب ذلك بوجوه..

الوجه الأول

الأول: أن تقديم أدلة حجية الطرق والأمارات على الأصول لا يوجب إلغاء دليل الأصول عرفا، لكثرة موارد فقد الحجة، بخلاف العكس، فإنه موجب لإلغاء أدلة الحجية عرفاً، إذ لا يبقى تحتها إلا الموارد التي تطابق فيها الأصل فيستغنى به عنها، والموارد التي لا يجري فيها الأصل الترخيصي كالبراءة، أو الإلزامي، كالاحتياط في الشبهة التحريمية عند الإخباريين، وهي نادرة.

ولا مجال للتفكيك بين الموارد، فتقدم الحجج على الأصول في بعضها، وتقدم الأصول في بعض، لعدم الفرق عرفاً بين الموارد من هذه الجهة، وعدم المرجح لبعضها بالإضافة للإطلاقات، بل لابد إما من تقديم الأصول في الجميع أو تقديم الحجج كذلك.

ومثله التفكيك بين الأصول، فتقدم الحجج على البراءة دون الاحتياط، أو دون قاعدة الطهارة مثلا، لعدم الفرق بين أدلة الأصول في ذلك بعد كون موضوعها محض الشك.

الوجه الثاني

الثاني: أن النظر في مجموع أدلة حجية الطرق والأمارات وأدلة الأصول شاهد بتقديم أدلة الحجية، إما للتصريح بذلك في أدلتها - كموثق مسعدة بن صدقة المصرح باستثناء صورة قيام البينة من عموم قاعدة الحل وغيره - أو لأنه المتيقن من بعض مواردها، لورودها في مورد الأصول الترخيصية أو الإلزامية.

ولا مجال لاستقصاء ذلك في المقام بعد وضوحه وقضاء المرتكزات العرفية به وجري الأصحاب عليه بمقتضى طبعهم من دون تكلف أو تعمل. فلاحظ.

الوجه الثالث
اشارة

الثالث: ما سبق في وجه تقديم الاستصحاب على الأصول غير الإحرازية، حيث يجري هنا - كما أشرنا إليه آنفاً - بتقريب أن مقتضى إطلاق أدلة الأصول هو فعلية مقتضاها والعمل عليه ولو مع قيام الطرق والأمارات المستلزم لعدم حجيتها، إلا أن مقتضى الجمع بينها وبين أدلة الحجية هو حملها على ثبوت مقتضاها من حيثية موضوعها وهو الشك، وإن لم يكن فعلياً لطروء أمرٍ زائد على ذلك مقتض لخلافه، وهو قيام الطرق والأمارات، كما هو الحال في سائر موارد الجمع بين أدلة الأحكام الأولية والثانوية.

وليس ذلك من مورد الحكومة البيانية ولا العرفية، لعدم نظر أدلة الحجية لأدلة الأصول ولا لمؤدياتها، ولذا لا تلغو حتى مع فرض عدم جعل الأصول شرعاً والبقاء على الأصول العقلية، كما فصلنا الكلام في نظيره

هناك.

إن ثانيها هذا لا يناسب ما تضمنه غير واحدً من نصوص الأصول من إناطتها بعدم العلم وجعله رافعاً لها، بعد ما سبق من ظهوره في العلم بالواقع لا بما يعم الوظيفة الظاهرية، ولا في مطلق قيام الحجة، ولذا لم تكن الطرق والأمارات واردة عليها.

ثانيها المتعين تنزيل ذلك بملاحظة الجمع المذكور على أن ذكر العلم ليس بما هو صفة خاصة، بل بما هو طريق كاشف عن الواقع ودليل عليه، فيقوم مقامه سائر الطرق والأمارات المعتبرة، وهو

راجع في الحقيقة إلى كون الرافع لموضوع الأصول هو ثبوت الواقع ولو بغير العلم، وأن ذكر العلم بما أنه الفرد الظاهر، كما سبق عند الكلام في قيام الطرق والأمارات مقام القطع الموضوعي من مباحث القطع.

ويناسبه ما في موثق مسعدة بن صدقة من الاقتصار على العلم في صدره ثم قوله (ع) في الذيل:

«والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة»(1). لكن ذلك في الحقيقة راجع إلى ورود الطرق على الأصول المخالفة لها، ورفعها لموضوعها حقيقة، لأنه إذا كان المراد بالعلم الرافع لمفاد الأصل ليس هو العلم بما هو صفة خاصة، بل بما أنه طريق للواقع المجهول، رجع ذلك الى كون الرافع لمفاد الأصل الذي به ينتهي موضوعه مطلق الطريق المخالف له وإن لم يكن علماً، فكما يرتفع موضوع الأصل بالعلم المخالف لمفاده يرتفع موضوعه بالطريق المخالف له، وهو عين الورود، وإن اختلف وجهه وتقريبه عما سبق. فلاحظ.


1) الوسائل ج: 12، باب: 4 من أبواب ما يكتسب به حديث 4.

تنبيهات..
الأول:

الأول: بناء على ورود أدلة الحجية على أدلة الأصول ورفعها لموضوعها - وهو الجهل - حقيقة - كما هو مقتضى ما تقدم منهم في تقريبه - لا مجال لجريان الأصل في مورد قيام الحجة حتى لو كان موافقاً لها، لعدم الموضوع له معها. أما بناء على ما تقدم منا في تقريبه من عموم الرافع لمفاد الأصل للطريق المخالف له عملاً، فهو لا يقتضي ارتفاعه مع قيام الطريق الموافق له عملاً، بل يتعين جريانهما معاً كما يأتي عند الكلام في مقتضى الوجه الثالث من وجوه الجمع العرفي.

وأما بناءً على الحكومة المبتنية على رفع الحجة لموضوع الأصل تعبداً أو تنزيلاً، فالمتعين عدم جريان الأصل مع الطريق له مطلقاً وإن كان موافقاً له عملاً. لرجوعها لباً إلى قصور موضوع الأصل عن صورة قيام الحجة وإن كان شاملاً لها لفظاً بمقتضى عموم دليله.

أما بناءً على ما ذكرنا من وجوه الجمع العرفي فقيام الحجة إنما يمنع من جريان الأصل المخالف لها دون الموافق. أما على الوجهين الأولين فظاهر، وأما على الثالث فلأن العنوان الثانوي الاقتضائي

إنما يمنع من تأثير العنوان الأولي غير الاقتضائي مع تنافي أثريهما، لا مع اتفاقهما، وإن كان الاستناد في البناء على الشيء إلى مقتضي إثباته أولى ارتكازاً من الاستناد فيه إلى مجرد عدم المقتضي لخلافه.

نعم، لو ابتلت الحجة الموافقة للأصل بمعارضة حجة أخرى مخالفة له لم يكن الأصل طرفاً للمعارضة بل يكون مرجعاً بعد تساقط الحجتين، لما هو المرتكز من أن اللامقتضي لا يكون طرفاً للمصادمة مع المقتضي وإن لم

يكن أثره فعلياً معه، بل ينحصر التصادم بالمقتضيين، وبعد سقوطهما يكون الأثر على طبق اللامقتضي لعدم المانع من فعليته.

وإن شئت ثانيها اللامقتضي وإن لم يكن متأخراً رتبة عن المقتضي الموافق له، إلا أنه متأخر عن المقتضي المخالف له لمانعيته من تأثيره، ففي مرتبة تعارض المقتضيين لا يكون اللامقتضي فعلي التأثير، لصلوح المقتضي المخالف له لمنعه، لعدم سقوطه في المرتبة المذكورة، وإنما يكون فعلي التأثير بعد سقوط المقتضيين في المرتبة الثانية للتعارض، لعدم المانع منه حينئذ.

الثاني:

الثاني: ما سبق من وجوه التقديم إنما يتجه فيما إذا كان لدليل الحجية عموم لفظي شامل لمورد الأصل، أما لو أخذ في موضوعها عدم الوظيفة الشرعية كان الأصل وارداً عليها. كما هو الحال في القرعة بناء على أنها من الأمارات وثبوت عموم أنها لكل أمر مشكل، لظهور أن الأصل رافع للإشكال.

كما أنه لو كان دليلها لفظياً لا عموم له أو لبياً، كحجية الظواهر ونحوها مما كان حجة ببناء العقلاء أو الإجماع فلا يجري فيه ما تقدم على إطلاقه، بل ينبغي التفصيل بين ما ثبتت حجيته بدليل تعبدي - كالإجماع والأدلة اللفظية التي لا عموم فيها - وما ثبتت حجيته ببناء العقلاء الذي لابد من عدم الردع عنه.

أما الأول فإن قطع بشمول دليله لمورد الأصل وجب العمل به وتقديمه إما بالورود - لو تم تقريبه المتقدم - أو بتنزيل عموم دليل الأصل عليه، نظير ما سبق في الجمع العرفي، ولا مجال لفرض الحكومة فيه إذا

كان لبياً، لما ذكرناه عند الكلام فيها من أنه لابد في الحاكم من أن يكون دليلاً لفظياً

متميزاً بلسان الشرح والنظر، ولا يتجه في اللبي الذي لا يفيد إلا واقع الحكم. نعم، قد يتجه فرضها في الأدلة اللفظية التي لا عموم فيها.

وإن لم يقطع بشموله لمورد الأصل لزم العمل بالأصل، لا لتقديمه عليه، بل لانفراده بالحجية بعد فرض الشك في حجية الطريق أو الأمارة، ولذا يعمل بالأصل حينئذ حتى بناء على ورود الطرق والأمارات - بلحاظ دليل حجيتها - على الأصول، لأن ورودها فرع الدليل على حجيتها.

وأما الثاني فإن قلنا بورود الطرق والأمارات على الأصل لم ينهض دليل الأصل للردع عن السيرة، لتأخره عن مفادها رتبةً لرفعها لموضوعه.

وإلا كان دليل الأصل صالحاً للردع عنها، على ما تقدم نظيره في مبحث حجية خبر الواحد عند الكلام في صلوح عموم النهي عن العمل بغير العلم للردع عن سيرة العقلاء على العمل بالخبر.

إلا أن يثبت إمضاء السيرة، فيكون دليل الإمضاء هو المقدم على دليل الأصل، ويلحقه ما سبق من التفصيل بين الدليل اللفظي واللبي، أو تكون السيرة من الوضوح بحد يغفل العرف عن شمول عموم دليل الأصل لموردها، على ما تقدم في مبحث حجية الظواهر وخبر الواحد. وقد تقدم نظير ذلك في الاستصحاب.

الثالث

الثالث: تقديم الطرق والأمارات على الأصول مختص بما إذا اتحد موضوعها، بحيث يكون الطريق أو الأمارة بياناً شرعياً في مورد الأصل، أما مع تعدد الموضوع وتباين الواقعتين مع العلم الإجمالي بمخالفة أحد الجعلين عملاً لمقتضى الواقع، فإن كان الطريق أو الأمارة حجة في لازم

المؤدى كان بياناً في مورد الأصل.

وإلا فإن لزم من العمل بكل منهما محذور في مخالفة العلم الإجمالي سقطاً معاً عن مقام العمل من دون مرجح للطريق أو الأمارة، لاختصاص الوجوه المتقدمة بما إذا كانا بياناً في مورد الأصل، وإلا لزم العمل بكلٍ منهما في مورده، نظير ما يذكر في الأصلين المعلوم كذب أحدهما إجمالاً.

الرابع

الرابع: الظاهر أنه لا فرق في الأصول غير الإحرازية بين التعبدية المبنية على التعبد بالمضمون والمقتضية للبناء عليه عملاً - كأصالة الطهارة والحل - وغيرها مما لا يتضمن إلا محض التعذير أو

التنجيز في مقام العمل - كالبراءة والاحتياط - ولا تتقدم الأولى على الثانية، لعدم الموجب لذلك بعد عدم تضمن الأولى إحراز المؤدى وبيانه، ليتوجه تقديمها بملاك تقديم الأصل الإحرازي الذي أشير إليه في وجه تقديم الاستصحاب على غيره من الأصول، بل هي مشتركة في أن موضوعها محض الشك.

الأمر الثاني: في تقديم الأصل السببي على المسببي
اشارة

الأمر الثاني: في تقديم الأصل السببي على المسببي.

والمراد بالأصل المسببي هو الأصل الجاري رأساً في الأثر الذي يترتب عليه العمل، أما السببي فهو الذي يقتضي التعبد بالأثر بتوسط التعبد بموضوعه وسببه الشرعي، لما سبق عند الكلام في الأصل المثبت من أن التعبد بالموضوع مستلزم للتعبد بأثره الشرعي عرفاً، فيتفرع التعبد بالأثر في مورد الأصل المسببي على ضم الصغرى المتعبد بها بمقتضى الأصل السببي للكبرى الشرعية المتضمنة للتلازم بين الموضوع والأثر.

ومنه يظهر أنه لابد في الأصل السببي من كونه أصلاً تعبدياً مقتضياً للبناء على مضمونه الذي هو موضوع الأثر، ليترتب عليه البناء على الأثر،

أما الأصل المتمحض في التعذير والتنجيز - كالبراءة والاحتياط - فهو لا يصلح للتعبد بالأثر بعد عدم تضمنه التعبد بموضوعه، ليكون مقدماً على الأصل المسببي الجاري في الأثر رأساً.

ولذا لا إشكال ظاهراً في أن جريان الاحتياط عند الشارع في التكليف قبل الفحص لا يقتضي ترتب آثار ذلك التكليف المنافية للاحتياط، بنحو يكون الاحتياط في التكليف منافياً للاحتياط في أثره، فلو وجب الاحتياط عند الشك في وجوب الإنفاق لم يسقط الاحتياط في التكليف المترتب على عدم وجوبه، كوجوب الحج.

فما ذكره بعض مشايخنا من فرض مثل أصل البراءة سببياً غير ظاهر.

نعم، لو كان للسعة أو الحرج في مقام العمل اللذين هما مقتضى الأصل التعذيري والتنجيزي لازم شرعي أو عقلي تعين ترتبه واقعاً، لتحقق موضوعه كذلك، كقابلية الفعل للتقرب مع جريان

البراءة فيه وإن كان محرماً واقعاً، وعدم قابليته له مع جريان الاحتياط فيه وإن لم يكن محرماً، وهو خارج عن محل الكلام.

وأما الأصل المسببي فلا يعتبر فيه شيء من ذلك، كما لا يعتبر في السببي أن يكون إحرازياً بل يقدم وإن لم يكن إحرازياً على المسببي وإن كان إحرازياً، كأصالة الطهارة في الماء التي يرفع اليد بها عن استصحاب نجاسة الثوب المغسول به، كما يرفع بها اليد عن أصالة البراءة من وجوب تطهير المسجد به لو انحصر به الماء.

نعم، مفروض كلام شيخنا الأعظم والمحقق الخراساني I ما في السببي والمسببي هو الاستصحاب، ونظرهما في استدلالهما على تقديم

السببي لدليل الاستصحاب.

لكن الظاهر أنه ناشئ من تحريرهما للمسألة في الاستصحاب، لا من اختصاص ملاك التقديم عندهما به. ومن ثم صرح غير واحد ممن تأخر عنهما بالتعميم.

إذا عرفت هذا، فما يستفاد من كلماتهم في تقريب تقديم السببي وجوه..

وجوه التقديم المذكور
الأول: ما يظهر من الشيخ الأعظم (قدس سره)

الأول: ما يظهر من شيخنا الأعظم والمحقق الخراساني I ما من أن تقديم السببي لا يستلزم تخصيص دليل الاستصحاب، بخلاف العكس، حيث يظهر من شيخنا الأعظم (قدس سره) أن السببي وارد على المسببي، لارتفاع موضوعه معه، دون العكس.

فإن كان ذلك منه مبنياً على أن موضوع المسببي هو عدم الدليل على ما يعم الوظيفة الظاهرية، والسببي صالح لبيان الوظيفة الظاهرية في مورد المسببي، بخلاف العكس، لأن التعبد بالأثر لا يقتضي التعبد بموضوعه إلا بناء على الأصل المثبت.

فهو في غير محله، بل موضوع المسببي - بمقتضى ظاهر دليله - هو الشك بالواقع، كما سبق في الأمر الأول، وهو باقٍ مع جريان السببي.

وإن كان مبنياً على أن نقض اليقين السابق في مورد المسببي بالسببي ليس نقضاً بمحض الشك، بل بتعبدٍ زائدٍ عليه في مورده، فلا يشمله النهي عن نقض اليقين بالشك، الذي تضمنه دليل الاستصحاب. أما نقض اليقين في مورد السببي فهو نقض بمحض الشك، لعدم صلوح التعبد بالمسببي لنقض اليقين في مورد السببي، إلا بناء على الأصل المثبت.

فهو - مع عدم كونه وروداً بالمعنى المتقدم - مختص بما إذا كان المسببي استصحاباً، على ما سيأتي - إن شاء الله تعالى - توضيحه. على أن ما ذكره - لو تم - جرى في الطرق والأمارات، مع أنه (قدس سره) صرح ببقاء موضوع الأصل معها، وأن وجه تقديمها منحصر بالحكومة، كما سبق.

نعم، لا مجال للنقض بذلك على المحقق الخراساني (قدس سره) فإنه وإن ذكر أن نقض اليقين في مورد المسببي بالسببي ليس من نقض اليقين بالشك، بل باليقين، بخلاف العكس، إلا أنه التزم بذلك في الطرق والأمارات أيضاً، على ما تقدم في الاستصحاب. لكن تقدم الإشكال عليه هناك أيضاً. مضافاً إلى ما أشرنا إليه هنا من اختصاص الوجه المذكور بالاستصحاب.

الثاني: ما يظهر من غير واحد في وجوه تقريبها

الثاني: ما يظهر من غير واحد من تقريب حكومة الأصل السببي على المسببي على اختلاف منهم في وجوه تقريبها..

أولها ما يظهر من تقرير الكاظمي (قدس سره)

أولها: ما يظهر من تقرير المرحوم الكاظمي لكلام بعض الأعاظم I من دعوى: أن الأصل السببي رافع لموضوع الأصل المسببي - وهو الشك - في عالم التشريع، لأن التعبد بمؤدى السببي بمدلوله المطابقي يقتضي إلغاء الشك في مورد المسببي، لأن التعبد بالشيء يقتضي التعبد بأثره، ولا معنى له إلا ذلك، بخلاف التعبد بمؤدى المسببي، فإنه لا يقتضي ذلك مطابقة، بل بضميمة الملازمة بين الأثر وموضوعه، ولا أثر لها إلا بناء على حجية الأصل المثبت.

فارتفاع موضوع السببي بالمسببي - مع ابتنائه على حجية الأصل المثبت المعلوم عدمها - موقوف على بقاء موضوعه معه، وقد فرض عدمه وأن ارتفاعه به مقتضى مدلوله المطابقي، ولا يكفي فيه البناء على حجية

الأصل المثبت، لوضوح أن حجية الأصل في لازم مؤداه فرع جريانه في نفسه وتحقق موضوعه.

لكن لا يخفى أنه مبني..

المناقشة فثيه

أولاً: على كفاية الإلغاء والرفع الشرعي التعبدي في الحكومة.

وثانياً: على أن مفاد الأصول التعبدية والإحرازية إلغاء الشك شرعاً بمعنى رفعه تعبداً. وقد تقدم في آخر الكلام في الحكومة الكلام في الأول.

كما تقدم في مبحث القطع الموضوعي إنكار الثاني، وأنه ليس مفادها إلا عدم العمل بأحد طرفي الشك في ظرف وجوده، وهو لا يكفي في الحكومة، لوضوح أن كلا التعبدين السببي والمسببي يقتضي العمل على خلاف ما يقتضيه الآخر، من دون مرجح لأحدهما بعد تحقق موضوعهما، وهو الشك.

وبالجملة: بعد فرض بقاء موضوع كلا الأصلين - وهو الشك - كما ذكرنا يدور الأمر بين إلغاء السببي في بعض آثاره وإلغاء المسببي بالمرة، وتعيين الثاني يحتاج إلى مرجح.

على أن ما ذكره من عدم جريان المسببي حتى بناء على حجية الأصل المثبت في غاية المنع، إذ لو فرض حجية الأصل المثبت فكل من الأصلين متحقق الموضوع مع قطع النظر عن الآخر، فيجري في نفسه ويرفع موضوع الآخر، ويكون من موارد توارد الأصلين، ولا وجه لفرض جريان السببي أولاً ورفعه لموضوع المسببي، لعدم تعرضه لمرجح له.

وكون التعبد بالأثر مقتضى المدلول المطابقي للأصل السببي - مع عدم وضوحه في نفسه - لا يصلح مرجحاً بعد فرض حجية الأصل في

المدلول المطابقي والإلتزامي معاً.

كما أن مجرد الترتب شرعاً بين موردي الشك في السببي والمسببي لا يقتضي الترتب بينهما في الدخول تحت عموم دليل الأصل، لوضوح أن الترتب بين الشيئين لا يقتضي الترتب بين الشكين المتعلقين بهما اللذين هما الموضوعان للأصلين الجاريين في كل منهما، بحيث يكون الشك في السبب سابقاً رتبةً على الشك في المسبب ليكون سابقاً عليه في الدخول تحت عموم الأصل، بل هما متلازمان، كالعلم بكل منهما، بل قد يكون العلم بالمسبب علة للعلم بالسبب وسابقاً عليه رتبة. فلاحظ.

ثالثها: ما يظهر من العراقي (قدس سره)

ثانيها: ما يظهر من تقرير بعض مشايخنا لكلامه، من دعوى: أن الأصل السببي رافع حقيقةً لا تعبداً لما هو الموضوع للأصل المسببي في لب الأمر والواقع.

بدعوى: أن موضوع الأصل ليس هو الشك بما هو صفة خاصة، بل من حيثية كونه موجباً للتحير والتردد والوقفة، ومع التعبد بالمشكوك بمقتضى الأصل السببي تتعين الوظيفة العملية ويرتفع التحير الذي هو الملاك في موضوعية الشك، فالأصل السببي وإن لم يرفع الشك بذاته، إلا أنه يرفع قيده وملاك موضوعيته للأصل حقيقة.

وفيه: أنه إن رجع ذلك إلى كون موضوع الأصل حقيقةً هو التحير المسبب عن الشك والمصاحب له طبعاً، لا نفس الشك، فلا يبقى مع بيان الوظيفة العملية وارتفاع التحير بمقتضى الأصل السببي، وإن بقي الشك.

فهو خروج عن ظهور الأدلة في كون الموضوع هو مجرد الشك وعدم العلم، المستلزم لعدم حجية ما عداه، ولذا ذكرنا في محله أن مقتضى أدلة ا

لأصول عموم عدم حجية غير العلم، بل هو خلاف ما اعترف به في بعض كلماته من أن ظاهر دليل الاستصحاب انحصار الناقض لليقين باليقين، وأن المراد بالشك مطلق عدم اليقين.

وإن رجع إلى أن الموضوع هو الشك بنفسه، لكن لا بما هو صفة خاصة، بل من حيثية عدم صلوحه لرفع التحير، نظير ما يذكر في القطع الموضوعي من أنه قد يؤخذ بما هو طريق، لا بما هو صفة خاصة.

فمن الظاهر أن بيان الوظيفة العملية بالأصل السببي لا يوجب صلوح الشك في مورد المسببي لرفع التحير، لوضوح أن ارتفاع التحير حينئذ بدليل الأصل المذكور لا بمحض الشك المفروض بقاؤه.

على أن هذا خروج عن مصطلحهم في الحكومة، بل مخالف لضابط الحكومة في الأحكام الواقعية عنده، حيث اعتبر فيها ارتفاع الموضوع تعبداً لا حقيقةً، بل هو من الورود، بناء على ما سبق من أن المعيار فيه ارتفاع الموضوع اللبي، لا ارتفاع عنوانه الذي تضمنته الأدلة اللفظية، وإن حاول (قدس سره) الفرق بين ما ذكره هنا وبين الورود بما لا يهم التعرض له لعدم المشاحة في الاصطلاح.

ثالثها: ما يظهر من العراقي (قدس سره)

ثالثها: ما يظهر من بعض الأعيان المحققين (قدس سره) من أن الأصل السببي وإن لم يكن رافعاً لموضوع الأصل المسببي وهو الشك - لا حقيقةً، ولا تعبداً ولا تنزيلاً - إلا أنه حاكم عليه بملاك النظر، الذي هو المعيار في الحكومة مطلقاً، لأن التعبد بالموضوع بمقتضى الأصل السببي ناظر لإثبات آثاره التي هي مؤدى الأصل المسببي، بخلاف التعبد بالأثر بمقتضى الأصل المسببي، فإنه لا يتكفل بالنظر للتعبد بالموضوع، ولا ينفي نظر الأصل السببي لمؤداه.

وكأنه إلى هذا يرجع ما ذكره بعض مشايخنا فيما إذا لم يكن الأصل السببي إحرازياً - كأصالة الطهارة - حيث لا إشكال عنده في عدم تكفله بإلغاء الشك تعبداً، له وإنما يختص ذلك عنده بما إذا كان إحرازياً، فيجري فيه ما تقدم في الوجه الأول.

دفعه

ويندفع: بأن ملاك الحكومة هو النظر للدليل أو لمؤداه، حيث يكون منشأً لحكومة الناظر على ذلك الدليل في الأول حكومة بيانية، وفي الثاني حكومة عرفية، كما سبق، والأصل السببي الجاري في الموضوع المقتضي للتعبد بآثاره لو كان ناظراً لتلك الآثار فهو حاكم على أدلتها الواقعية لا على دليل التعبد الظاهري بها، الذي هو مفاد الأصل المسببي، لعدم نظره لنفس التعبد ولا لدليله، وإنما يكون منافياً له، لامتناع التعبد بالمتنافيين، وهو لا يقتضي الحكومة، بل محض المعارضة.

وبعبارة أخرى: التعبد بالموضوع لو اقتضى النظر فهو يقتضي النظر لآثاره الواقعية - التي هي مفاد أدلتها الواقعية - والتعبد بها، لا النظر للتعبد الظاهري بالآثار المذكورة، الذي هو مفاد الأصل المسببي.

ولعل الأولى في وجه تقديم السببي على المسببي الرجوع إلى ما سبق في تقريب تقديم الطرق على الاستصحاب وغيره من الأصول.

توضيحه: أن المسببي إن كان استصحاباً فقد سبق في وجه تقديم الطرق والأمارات على الاستصحاب أن دليل الاستصحاب المتضمن عدم نقض اليقين بالشك إنما يقتضي عدم صلوح الشك بنفسه لرفع اليد عن مقتضى اليقين السابق، لا عدم نقض اليقين بغير الشك مما قارنه، ورفع اليد في مورد المسببي عن مقتضى اليقين السابق ليس بمحض الشك، بل

بالأصل السببي المبتني على خصوصية زائدة على الشك مقارنة له صالحة للعمل، وقد سبق هناك ما يتعلق بذلك من النقض والإبرام. فراجع.

ومن ذلك يظهر عدم الفرق في السببي بين الاستصحاب وغيره، كقاعدة الطهارة، لأن غير الاستصحاب - أيضاً - يبتني في مورد المسببي على خصوصية زائدة على الشك مقارنة له هي التي يكون بها نقض اليقين.

فهو وإن لم يكن إحرازياً بالإضافة لمضمونه، للحكم به بمجرد الشك الذي لا اقتضاء له في الإحراز إلا أنه إحرازي بالإضافة لأثره في مورد المسببي، لابتنائه على خصوصية زائدة على الشك صالحة للإحراز، وهي القياس الناشئ من ضم الصغرى المتعبد بها بالأصل السببي للكبرى الشرعية.

وإن لم يكن المسببي استصحاباً فمقتضى دليله وإن كان هو التعبد بمضمونه بمجرد الشك الشامل لحال تحقق موضوع الأصل السببي، إلا أن التعبد بمقتضى السببي في مورده لما كان مبنياً على خصوصية زائدة على الشك مقتضيةً له كانت نسبته للمسببي نسبة الحكم الثابت بالعنوان الثانوي الاقتضائي للحكم الثابت بالعنوان الأولي اللا اقتضائي، نظير ما سبق منا في الوجه الثالث للجمع العرفي في توجيه تقديم الطرق والأمارات على الأصول غير الإحرازية. وسبق منا أنه راجع إلى نحو من الورود.

ولعل ما ذكرنا هو الوجه في ارتكاز تقديم السببي عرفاً في مقام إعمال الأدلة الواردة في مقام التعبد، حيث لا يلتفت العرف إلى تطبيق الأدلة المذكورة على نفس الأثر في مقابل تطبيقها على موضوعه، بل يكون تقدم الموضوع على أثره طبعاً في مقام الثبوت منشأً لتقدم التعبد به على التعبد به

في مقام الإثبات بحيث يستغني به عنه لو كان موافقاً، ويقدم عليه لو كان مخالفاً. ومن ثم كان مفروغاً عنه بينهم، بحيث لو خرج عنه لزم تأسيس فقه جديد.

ثم إنه لو كان ملاك تقدم السببي على المسببي وروده عليه أو حكومته عليه بملاك رفع الموضوع حقيقة أو تعبداً أو تنزيلاً فلا مجال لجريان المسببي حتى لو كان موافقاً للسببي، لعدم الموضوع له معه، نظير ما سبق في تقديم الطرق والأصول غير الإحرازية.

أما بناء على ما ذكرنا فاللازم الاقتصار في التقديم على صورة الاختلاف بينهما عملاً أما مع الاتفاق بينهما فيجريان معاً، لتحقق موضوعيها. وإن كان الاعتماد على السببي أولى ارتكازاً.

أما إذا كان المسببي استصحاباً فلأن الاعتماد في إحراز بقاء الشيء على ما يحرز عدم ارتفاعه - وهو السببي - أولى من الاعتماد فيه على عدم إحراز ارتفاعه في فرض أنه من شأنه البقاء - كما هو مفاد المسببي - لأن نسبة الأول للثاني نسبة المقتضي للّامقتضي.

وأما إذا لم يكن استصحاباً فلأن الاستناد في البناء على الشيء إلى مقتضي إثباته المحرز له - وهو السببي الذي عرفت أنه إحرازي في مورد المسببي مطلقاً - أولى من الاستناد فيه إلى عدم المقتضي لإحراز خلافه.

نعم، لو ابتلي الأصل السببي الموافق للمسببي بمعارض يمنع من جريانه لم يكن المسببي طرفاً للمعارضة معه، بل يكون مرجعاً بعد تساقط السببين، لما هو المرتكز من أن التصادم إنما يكون بين المقتضيين، ولا يكون اللّامقتضي الموافق لأحدهما عملا طرفاً للمصادمة معهما، كما ذكرنا

نظيره بتوضيح في التنبيه الأول من تنبيهات مسألة تقديم الطرق والأمارات على الأصول غير الإحرازية. فراجع وتأمل.

تتميم..
اشارة

تتميم:

فرض الدليل الثالث تأخر رتبة عن المتعارضين

لا يخفى أن تعارض التعبدين الظاهريين الموجب لتساقطهما إنما يقتضي الرجوع للثالث إذا كان متأخراً عنهما رتبة، كالأصلين عند تعارض الأمارتين، والأصل غير الإحرازي عند تعارض الإحرازيين.

أما إذا كان في رتبتهما فالمتعين كونه طرفاً للمعارضة معهما، فإن كان موافقاً لأحدهما كان المورد من موارد معارضة الدليلين للدليل الواحد، وإن خالفهما معاً كان من موارد تعارض أكثر من دليلين، لمشاركته لهما في الدخول تحت عموم دليل التعبد لولا المعارضة، وفي كونه طرفاً لها بالنحو المانع من شمول دليل الحجية له معهما، بل يقصر عن الكل، فلابد من جريان حكم المعارضة من الترجيح أو

التخيير أو التساقط، والرجوع للتعبد المتأخر عنها رتبة. ولا وجه لانحصار التعارض بهما ويكون الثالث مرجعاً في فرض تساقطهما.

لكن لا إشكال ظاهراً بين أهل الاستدلال - تبعاً للمرتكزات - في كون العام مرجعاً مع تعارض الخاصين وتساقطهما، مع مشاركته لهما في ملاك الحجية وهي الظهور، وفي كونه من الطرق التي هي في مرتبةٍ واحدة، كما تقدم.

وربما علل ذلك بأقوائية ظهورهما من ظهوره، بأن يكون المعيار في خروج الثالث عن التعارض ومرجعيته بعد سقوط المتعارضين كونه أضعف ظهوراً منهما، فيكون متأخراً رتبة عنهما، حيث يلزم تنزيله على ما هو الأقوى

دلالة لو عارضه، فيكون ملاك الترتب في المقام أقوائية الظهور. فمثلاً: لو تعارض دليلان نصان في الوجوب وعدمه، وكان هناك دليل ظاهر فيه، كان هو المرجع بعد تساقطهما، لا طرفاً للمعارضة معهما.

ويشكل: بأن تأخر الأضعف دلالة عن الأقوى رتبةً ولزوم حمله عليه إنما يكون عرفاً من باب ترجيح أقوى الحجتين وقرينية الأظهر على الظاهر في الكشف عن مراد المتكلم، وهو إنما يكون مع حجية الأقوى في نفسه، ومع معارضته بمثله لا وجه للحكم بحجيته، بل هو كالأضعف داخل في عموم حجية الظهور لولا المعارضة، وخارج عنه بملاحظتها.

اللهم إلا أن يقال: الأضعف ظهوراً وإن لم يكن متأخراً رتبة عن الأقوى الموافق له، إلا أنه متأخر رتبة عن الأقوى المخالف له إذا كان ذلك المخالف صالحاً عرفاً لتفسيره وحمله عرفاً على خلاف ظاهره. وحينئذٍ لا يكون الأضعف حجة إلا أن يسقط المخالف له عن الحجية، وحيث لا يسقط في المقام إلا بمعارضة الأقوى الموافق للأضعف تعين حجية الأضعف فعلاً بعد سقوطهما معاً بالمعارضة، لعدم المانع من حجيته في المرتبة المذكورة. نظير ما تقدم في التنبيه الأول في ذيل الكلام في تقديم الطرق على الأصول. مضافاً إلى ما قد يقال من أن تميز الخاصين المتعارضين عن العام ليس بمحض أقوائية الظهور، بل بدلالتهما على خصوصيةٍ زائدة على مفاده، وهي خصوصية موردهما في ثبوت الحكم وعدمه، لا من حيثية كونه فرداً للعام، فمع تكاذبهما في ذلك وسقوطهما بالمعارضة لا يبقى مخرج عن مفاده، وهو ثبوت الحكم في موردهما من حيثية كونه فرداً للعام، بل يبقى على حجيته في ذلك. فلاحظ.

ثم إن الكلام في مرجعية العام أو غيره من الأدلة مع تعارض الدليلين المساويين لهما في الرتبة إنما هو في فرض اقتضاء التعارض التساقط - الذي يأتي أنه الأصل في المتعارضين - أما في فرض عدم اقتضائه لذلك، إما للبناء على التخيير، أو لكون الثالث مرجحاً لأحد المتعارضين، كموافقة الكتاب الشريف في تعارض الخبرين، فلا موقع لما سبق، حيث يكون أحد المتعارضين بنفسه مرجعاً في المورد.

الباب الثاني : في الأدلة المتعارضة

اشارة

وهي التي يكون تعارضها بلحاظ عموم دليل الحجية، لتنافي مفادي الدليلين مع تمامية عموم دليل التعبد في كلٍ منهما.

ولا يكفي فيه تنافي مضمونيهما إذا استلزم قصور عموم دليل الحجية عن أحدهما بخصوصه، كما في موارد الجمع العرفي، بل يدخل ذلك في الباب الأول، كما سبق.

وينبغي تقديم أمورٍ تنفع في المقام..

في تقديم أمور تنفع في المقام

الأمر الأول: جريان الكلام في كل تعبدين

الأمر الأول: أن الكلام يجري في كل تعبدين متنافيين في مقام العمل - كما سبق في الأمر الرابع من التمهيد لبحث التعارض - من دون فرق بين الأدلة الاجتهادية والأصول العملية، ولا يختص بالأولى، فضلاً عن أن يختص بالأخبار، وإن اختصت بها بعض الأحكام تبعاً لاختصاص أدلتها بها.

نعم، لما كان منشأ استفادة التعبد الظاهري من الأصل منحصراً بتطبيق عموم دليل التعبد به على المورد كان مرجع التعارض بين الأصلين إلى التعارض في تطبيق عموم دليل التعبد، وينحصر علاجه برفع اليد عن

أحد التطبيقين الراجع إلى تخصيص عموم دليل التعبد.

أما الدليل الاجتهادي فحيث كانت استفادة التعبد الظاهري منه مبتنية على كل من أصالة الصدور والظهور والجهة، كان مرجع التعارض بين الدليلين الاجتهاديين إلى التعارض بين الأصول المذكورة بمجموعها في كل منهما، ويمكن علاجه برفع اليد عن أحدها في أحد الدليلين.

ومن ثم اختلفت المرجحات المذكورة في النصوص سنخاً.

ومنه يظهر أنه يمكن فرض التعارض في الدليل المقطوع صدوراً أو دلالةً أو جهةً، فإن القطع من بعض الجهات إنما يمنع من جريان الأصل الجاري في تلك الجهة، فينحصر التعارض في الجهات الأُخَر.

نعم، يمتنع فرضه في الدليل القطعي المضمون، والذي يكون قطعياً من جميع الجهات المذكورة، لاستحالة جعل الحجة في قبال القطع، كما يستحيل القطع بالمتنافيين، ومن ثم لا تكون الأدلة اللبية معارضة بمثلها ولا بغيرها.

الأمر الثاني: كفاية عدم وضوح كيفية الجمع في تحقق التعارض
اشارة

الأمر الثاني: أنه لا يعتبر في دخول الأدلة اللفظية في محل الكلام تعذر الجمع بينها لكون كل منها نصاً في خلاف ما يكون الآخر نصاً فيه، بل يكفي عدم وضوح كيفية الجمع بينها للعرف وإن كان ممكناً بنظرهم، لإمكان حمل كل منهما بنظرهم على ما لا ينافي الآخر.

وجوه تعارض الدليلين

وبعبارة أخرى: تعارض الدليلين يكون..

تارة: مع وضوح كيفية الجمع بينهما للعرف، كالعام والخاص.

وأخرى: مع تعذره بنظرهم، لكون كلٍ منهما نصاً في خلاف مفاد الآخر.

وثالثة: مع إمكانه بنظرهم، من دون أن يتضح وجهه عندهم، بل يتردد بين وجهين أو أكثر، كالعامين من وجه.

ولا إشكال في خروج الأول عن محل الكلام ودخوله في الباب الأول، كما سبق في بحث الجمع العرفي.

كما لا إشكال في دخول الثاني في محل الكلام. وهو الظاهر في الثالث أيضاً، لأن توقف العرف عن الجمع راجع إلى عدم ارتفاع موضوع أصالة الظهور في كلٍ منهما بسبب الآخر، فيتعارض الظهوران.

وما قيل: من أن الجمع بين الدليلين مهما أمكن أولى من الطرح، قد سبق الكلام فيه في الأمر السادس من التمهيد لبحث التعارض. فراجع.

نعم، قد يختلف هذا القسم عن القسم الثاني في بعض الخصوصيات، على ما يأتي الكلام فيه في محله إن شاء الله تعالى.

الأمر الثالث: المناسب الكلام في مقامين

الأمر الثالث: الكلام في الأدلة المتعارضة لما كان من حيثية حجيتها بعد فرض التعارض، فالمناسب الكلام..

أولاً: في مقتضى الأصل في المتعارضين بلحاظ أدلة الحجية الأولية، وأنها هل تقتضي التساقط أو التخيير أو الترجيح.

وثانياً: في مقتضى الأدلة الخاصة الدالة على حكم التعارض بين الأدلة وفي تحقيق مفادها.

فيقع الكلام في مقامين..

المقام الأول : في مقتضى الأصل في المتعارضين
اشارة

والظاهر أن مقتضى الأصل الأولي في المتعارضين التساقط، لا التخيير ولا الترجيح.

ووجهه ظاهر فيما إذا كان دليل حجيتهما لبياً أو لفظياً لا إطلاق له يشمل صورة التعارض، حيث يكون المرجع فيها أصالة عدم الحجية في كل منهما، سواء كان دليل الحجية تعبدياً كالإجماع، أم ارتكازياً كسيرة العقلاء على حجية الظواهر وأصالة الجهة، فإن الثاني وإن أمكن أن يحرز به تحقيق مقتضي الحجية في حال التعارض، إلا أن الغرض المهم في المقام لما كان هو إحراز الحجية الفعلية لزم الرجوع لدليلها فمع فرض عدم وفائه بها في فرض التعارض يلزم البناء على عدمها. وهذا في الحقيقة خارج عن محل الكلام، لما سبق من اختصاصه بما إذا كان دليل الحجية عاماً لكل منهما في مورد التعارض.

وكذا إذا كان مقتضى دليل الحجية في مورد التعارض التخيير أو الترجيح، حيث يكون نظيراً لما سبق في موارد الجمع العرفي من ترجيح أقوى الظهورين.

وأما إذا كان دليل الحجية لفظياً له عموم أو إطلاق يشمل صورة التعارض فلإمتناع حجية كلاً المتعارضين لاستلزامه التعبد الظاهري بالضدين، بل بالنقيضين بلحاظ المدلول الالتزامي لكل منهما، وهو ممتنع بملاك امتناع جعلهما واقعاً، لتقوم الأحكام التكليفية بنحو اقتضائها للعمل، وتضادها إنما هو بلحاظ اختلافها في ذلك، ومن الظاهر أن اقتضاء التعبد الظاهري بالحكم للعمل مماثل لاقتضاء نفس الحكم له، وإن كان في طوله بلحاظ طريقيته له، فيستحيل حجية كلا المتعارضين.

كما لا مجال لاختصاص الحجية بأحدهما، لعدم المرجح بالإضافة لعموم دليلها بعد فرض اشتراكهما في الدخول تحته لتحقق عنوانه في كل منهما، وفي الجهة المانعة من فعلية حكمه فيهما معاً، وهو التعبد بالضدين أو النقيضين، على ما يأتي توضيحه في التنبيه الثاني، فيتعين سقوطهما معاً عن الحجية الراجع لخروجهما عن عموم دليلها تخصيصاً.

وليس منشأ ذلك العلم الإجمالي بكذب أحد التعبدين، إذ هو لا يوجب ارتفاع موضوع التعبدين وهو الشك، ولا يمنع منهما إلا في ظرف لزوم مخالفة تكليف معلوم بالإجمال كما ذكر في محله.

وبالجملة: كما يمتنع جعل النقيضين أو الضدين في مقام الثبوت يمتنع التعبد بهما ظاهراً في مقام الإثبات.

إن ثانيها هذا إنما يمنع من حجية كلٍ منهما والتعبد بمضمونه تعييناً في فرض التعارض دون حجيتهما والتعبد بكلٍ منهما تخييراً، فيتعين البناء على ذلك أخذاً بعموم دليل الحجية والتعبد بالقدر الممكن، واقتصاراً في الخروج عنه على ما يتعذر البناء عليه وهو الحجية والتعبد التعيينيان.

ثانيها لما كان مفاد أدلة الحجية والتعبد هو الحجية والتعبد تعييناً، فالبناء على الحجية والتعبد التخييريين يبتني على أحد أمرين لا مجال للبناء عليهما..

ابتناء الحجية التخيرية على أمرين
الأول: كون التخيير شرعياً

الأول: كون التخيير في الحجية والتعبد شرعياً وفي مقام الجعل راجعاً إما إلى تقييد إطلاق الحجية في كل من المتعارضين بما إذا اختاره المكلف أو لم يختر الآخر، بحيث لا يكون حجةً مع عدم اختياره أو مع الأخذ بالآخر المعارض له.

وإما إلى جعل كل منهما حجة للمكلف في مقام التعذير ومجموعهما حجة عليه في مقام التنجيز، فله العمل على كلٍ منهما وليس له الخروج عنهما.

فإن التعبد والحجية وإن كانا نحو نسبةٍ اعتبارية بين المولى والعبد تقتضي التنجيز والتعذير معاً بمقتضى إطلاقها، إلا أنه لا يمتنع التفكيك بينهما في مقام الجعل، بأن تتمحض في التعذير فتكون حجة للعبد فقط، أو التنجيز فتكون حجة للمولى كذلك.

كما لا يمتنع الاختلاف بين الأمرين سعة وضيقاً، كما هو المدعى في المقام، بأن يكون التعذير منوطاً بكل من المتعارضين استقلالاً، فيجوز اعتماد المكلف عليه، والتنجيز منوطاً بمجموعهما فلا يجوز له الخروج عنهما معاً، وإن جاز له الخروج عن كل منهما مع متابعة الآخر، مع كون الحجية على هذا النحو من التفكيك فعلية غير منوطة باختيار المكلف للحجة ولا بعدم أخذه بغيرها.

ولعل هذا أقرب من الأول ارتكازاً في معنى الحجية التخييرية لو دل

الدليل عليها، لعدم مناسبة الحجية التي هي من شؤون المولى للتقييد باختيار المكلف ارتكازاً. بل الظاهر فعليتها وإن لم يختر لغفلته عن المتعارضين أو جهله بثبوت الحجية التخييرية لهما.

وربما يأتي عند الكلام في دلالة الأدلة الخاصة على الحجية التخييرية تمام الكلام في ذلك.

وكيف كان، فحيث كان عموم دليل الحجية ظاهراً في الحجية التعيينية كانت استفادة الحجية التخييرية في المتعارضين بأحد وجهيها منه موقوفة على كون امتناع حجيتهما تعيينا معاً قرينة عرفية غلى تنزيله على الحجية التخييرية فيهما، التي هي نحو من التقييد في الحجية.

لكنه غير ظاهر، بل الأقرب عرفاً خروج كلا المتعارضين عن الحجية الفعلية مع ثبوت الحجية الاقتضائية لكل منهما الراجعة إلى حجية كل منهما لولا المانع، لإن ذلك هو الأنسب بالقياس للحجج العرفية.

ومجرد كون الحجية التخييرية أقل تخصيصاً منه لما فيها من إعمال عموم الحجية الفعلية في المتعارضين في الجملة. لا يقتضي تعينها بعد أن لم يكن التنزيل عليها عرفياً، وإلا أمكن إعماله فيهما بوجوه أخرى، كإناطة تعيين الحجة منهما باختيار غير المكلف، أو بالقرعة، وإخراج أحدهما عن الإطلاقات وإبقاء الأُخَر تحتها بنحو يكون هو الحجة تعييناً، وإخراج أحدهما في بعض الأحوال والأُخر في أحوالٍ أُخر، إلى غير ذلك مما يرجع إلى إعمال العموم في المتعارضين في الجملة وعدم خروجهما معاً عنه رأساً، ولا معين للحمل على الحجية التخييرية من بينها مع اشتراكها في كون الحمل عليها غير عرفي، بل المتعين ما ذكرنا.

الثاني: كون التخيير عقلياً

الثاني: كون التخيير في العمل بالحجة عقلياً، بدعوى: أنه لما كان العمل بالحجة وإجباً وتعذر العمل بكلتا الحجتين المتعارضتين تعين عقلاً التخيير بين العمل بكل منهما ولم يجز إهمالهما معاً، كما هو الحال في سائر موارد التزاحم بين التكليفين.

وفيه: أن وجوب العمل بالحجة ليس شرعياً، بل هو عقلي طريقي تابع لمنجزيتها، متفرع على حجيتها، ولا مجال لثبوته في المتعارضين بعد ما سبق من امتناع حجيتهما معاً.

ولولا ذلك لزم اختصاص التخيير بما إذا تعذرت موافقة كلا المتعارضين، دون ما إذا أمكن الاحتياط بموافقتهما معاً، لكون أحدهما ترخيصياً لا يقتضي العمل، حيث لا يصلح إلا اقتضائي لمزاحمة الاقتضائي، بل يتعين فعلية الاقتضائي ومتابعة الحجة التي دلت عليه، وكذا لو كانا اقتضائيين

وكان أحدهما إلزامياً دون الآخر - كما لو دل أحدهما على حرمة شيءٍ والآخر على استحبابه - حيث يقدم الإلزامي عند التزاحم.

هذا، ولا يفرق في ما ذكرنا بين القول بالطريقية المحضة، والقول بالسببية بأنحائها من التصويب المنسوب للأشاعرة، والتصويب المنسوب للمعتزلة، والمصلحة السلوكية الراجعة إلى أن في متابعة الطريق مصلحة يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع في فرض الخطأ.

ومجرد كون قيام الطريق على السببية موجباً لحدوث ملاك مقتض للعمل على طبقه. لا يقتضي التزاحم - الموجب للتخيير عقلاً - عند تعارض الطريقين، لأن السببية بجميع وجوهها لا تقتضي لزوم متابعة الطريق بذاته، بل في فرض حجيته والتعبد الشرعي بمضمونه، فمع فرض استحالة حجية

المتعارضين وقصور دليل الحجية عن شمولهما لا مجال لفرض السببية التي يبتني عليها التزاحم المدعى.

ودعوى: أن الالتزام بالسببية إنما هو لتصحيح الأمر بسلوك الطريق والعمل على طبقه، إذ مع فرض حجية الطريق ووجوب العمل به في مرتبة سابقة على السببية لا يبقى ملزم بالسببية وموجب للبناء عليها، فلابد من كون موضوع السببية هو الطريق بذاته لا من حيثية حجيته، فامتناع حجية المتعارضين واستحالة التعبد بمضمونهما لا ينافي السببية في كلٍ منهما التي هي المنشأ لفرض التزاحم.

مدفوعة: بأن الالتزام بالسببية وإن كان لتصحيح حجية الطريق والأمر بسلوكه ومتابعته، إلا أنه لدفع محذور تفويت الواقع من العمل به مع فرض إمكان حجيته ثبوتاً وقيام الدليل عليها إثباتاً لولا ذلك، فمع فرض امتناع حجية المتعارضين مع قطع النظر عن محذور تفويت الواقع لا مجال لإحراز السببية ليحرز كون المورد من موارد التزاحم.

هذا، ولو غض النظر عن ذلك تعين كون المورد من موارد التزاحم الملاكي، بناء على السببية الراجعة لتصويب الأشاعرة أو المعتزلة المبنية على كون الملاكات والأحكام الواقعية على طبق الطرق. من دون فرق بين اتحاد موضوع المتعارضين - كما لو دل أحدهما على حرمة شيءٍ والآخر على وجوبه أو عدم حرمته - وتعدده - كما لو دل أحدهما على وجوب القصر والآخر على وجوب التمام - لرجوع

الثاني للأول - بلحاظ الدلالة الالتزامية لكل منهما، وقد سبق عند الكلام في التزاحم أنه مع اتحاد الموضوع يتعين كون التزاحم ملاكياً.

أما بناءً على السببية بمعنى المصلحة السلوكية فيكون التزاحم حكمياً مطلقاً، لأن موضوع الملاك هو متابعة الطريق والتعبد الشرعي، لا الواقع المحكي به، والمفروض تعدد الطريقين وإن اختلفا في حكم الموضوع الواحد.

ولازم ذلك تعين الطريق المؤدي للحكم الاقتضائي للعمل لو عورض بما يؤدي للحكم غير الاقتضائي، وتعين الطريق المؤدي للحكم الإلزامي لو عورض بما يؤدي للحكم غير الإلزامي، لأن متابعة الاقتضائي والإلزامي لا تنافي متابعة اللاقتضائي وغير الإلزامي. وينحصر التخيير بما إذا اشتركا في الاقتضاء والإلزام أو عدمهما.

هذا بناء على عموم المصلحة السلوكية واقتضائها العمل على طبق الطريق، أما بناء على اختصاصها بالطريق إذا فات الواقع بمتابعته، حيث يكون بها تداركه دون غيره مما لا يفوت به الواقع، لموافقته له أو لعدم متابعته، فالمتعين التخيير مطلقاً، لكن لا بملاك التزاحم، بل لأن متابعة كل من المتعارضين وإن لم يكن مضمونه اقتضائياً إما موجبة لتحصيل الواقع أو لتداركه، من دون أن تكون هناك مصلحة أخرى مزاحمةً له.

ودعوى: أن ذلك لازم حتى على فرض عموم المصلحة السلوكية واقتضائها العمل على طبق الطريق، فيتعين التخيير مطلقاً.

مدفوعة: بأن تدارك فوت الواقع بالطريق إنما يقتضي التخيير بين الطريقين من حيثية الواقع المفروض دوران الأمر بين تحصيله وتداركه.

أما من حيثية مصلحة السلوك المفروض تحققها في كلٍ من المتعارضين فالمتعين البناء على التزاحم المستلزم لترجيح الإلزامي

والاقتضائي، لما سبق.

ومن هنا لا يتجه البناء على التخيير العملي بين المتعارضين مطلقاً إلّا على الوجه الذي ذكرناه، المبتني..

وجه البناء على التخيير المبتني على وجوه باطلة

أولاً: على السببية الراجعة للمصلحة السلوكية.

وثانياً: على أن موضوعها ذات الطريق مع قطع النظر عن حجيته.

وثالثاً: على اختصاصها بالطريق إذا فات الواقع بمتابعته.

والأولان مخالفان للتحقيق، والثالث متفرع على الأول. ومن ثم لا ينبغي إطالة الكلام في ذلك بتعقيب ما ذكروه في المقام.

وقد تحصل مما تقدم أن عموم الحجية يقصر عن المتعارضين، وأن مقتضى المرتكزات العرفية البناء على ثبوت مقتضي الحجية فيهما، لتحقق موضوعها بالنظر للعموم المذكور، وإن كان التعارض مانعاً عن فعليتها في كل منهما، لاشتراكهما في المانع المذكور من دون مرجح لأحدهما، وهو الحال فيما إذا كان دليله لبياً ارتكازياً، وأما إذا كان لبياً تعبدياً فلا طريق لإحراز المقتضي فيه، إلا أنه ليس منه شيء من الحجج التي بأيدينا. كما تقدم أنه كالارتكازي خارج عن محل الكلام من فرض التعارض بلحاظ عمود دليل الحجية.

هذا، وقد أشار المحقق الخراساني (قدس سره) لتقريب أصالة التساقط في المتعارضين بأنه حيث يمتنع حجية معلوم الكذب من الطرق، وكان تعارض الطريقين مستلزماً للعلم بكذب أحدهما إجمالاً، لزم العلم بقصور عموم الحجية عن أحدهما دون الآخر، وحيث كان معلوم الكذب مردداً بينهما كان المورد من موارد اشتباه الحجة باللاحجة، الموجب لسقوط كل منهما

عن الحجية في خصوص مؤداه، وإن وجب ترتيب الأثر المشترك لحجية كل منهما، لفرض حجية أحدهما.

وبذلك يختلف عن الوجه الذي ذكرناه. كما يختلفان في أن عدم حجيتهما معاً على ما ذكرنا لوجود المانع مع تمامية المقتضي فيهما معاً، كما سبق، أما على ما ذكره فلعدم تمامية المقتضي في أحدهما، لخروجه موضوعاً عن عموم دليلها.

ويشكل: بأن مرجع العلم الإجمالي بكذب أحدهما إلى كون معلوم الكذب هو أحدهما على ما هو عليه من ترديد وإبهام من دون أن ينطبق على كل منهما بخصوصيته، بل كل منهما بخصوصيته محتمل الكذب لا غير.

وبعبارة أخرى: المتصف بالكذب وإن كان هو مصداق أحدهما بخصوصيته وواقعه، وهو قابل للجهل والاشتباه، إلا أن معلوم الكذب منهما ليس كذلك، بل هو لا ينطبق على كل منهما بخصوصيته لتعلق العلم الإجمالي بعنوان أحدهما على ما هو عليه من التردد والإبهام بنحو لا يقبل الإنطباق على كل من الخصوصيتين، كما اعترف (قدس سره) به في الجملة في مبحث الواجب التخييري، ومن الظاهر أن عموم الحجية إنما يقتضي حجية كل فرد من أفراد الطريق بخصوصيته من دون إبهام وترديد، فلا ينطبق معلوم الكذب إجمالاً على شيءٍ من أفراد العام ليمتنع شمول العموم له، وإنما ينطبق عليه الكاذب واقعاً.

ومجرد الكذب من دون أن يكون معلوماً لا يمنع عن الحجية، ليلزم تخصيص عموم الحجية وقصوره عن الفرد المذكور، ويكون المورد من موارد اشتباه الحجة باللّاحجة.

وإلا لزم قصور موضوع الاستصحاب عن بعض أطراف العلم الإجمالي وإن لم يكن منجزاً - لخروج بعض أطرافه عن محل الابتلاء - مع أنه (قدس سره) اعترف بتحقق موضوعه فيها مطلقاً وإن كان منجزاً.

ثم إن ما ذكره (قدس سره) لو تم مختص بما إذا احتمل كذب كلا المتعارضين، أما إذا علم بصدق أحدهما وكذب الآخر فاللازم خروجهما معاً عن عموم دليل الحجية، إذ كما يمتنع حجية معلوم الكذب يمتنع حجية معلوم الصدق، فإذا فرض انطباق معلوم الكذب على أحدهما كان معلوم الصدق منطبقاً على الآخر، فلا يشملهما العموم معاً.

وربما يظهر الأثر لذلك في بعض التنبيهات الآتية، على ما نتعرض له إن شاء الله تعالى.

وينبغي التنبيه على أمور..
الأول: منشأ التعارض بين أكثر من دليلين

وينبغي التنبيه على أمور..

الأول: التعارض بين أكثر من دليلين ينشأ..

تارة: من منافاة مؤدى كل منها لمؤدى غيره، كأدلة وجوب الشيء وحرمته وإباحته.

وأخرى: من منافاة مؤدى كل منها لمجموع مؤدى الباقي، كأدلة وجوب القصر ووجوب الصيام والتلازم بين القصر والإفطار.

أما الأول فلا ينبغي التأمل في جريان أصالة التساقط فيه بالوجه المتقدم، بل هو راجع للتعارض بين دليلين، غايته أن عدم المرجح لأحدها بالنحو الموجب لملاحظة التعارض بين اثنين منها وتساقطهما، ثم الرجوع للثالث، موجب لسقوط الكل.

وأما الثاني فالظاهر جريان أصالة التساقط فيه بالوجه المتقدم أيضاً..

أما على ما ذكره المحقق الخراساني (قدس سره) في تقريبها فظاهر، للعلم إجمالاً بكذب أحدها، المستلزم لخروجه عن الحجية، واشتباه الحجة باللّاحجة في المورد.

وأما على ما ذكرنا فلأن المدلول الالتزامي لكلٍ منها كذب أحد الأدلة الباقية إجمالاً، كما أن المدلول الالتزامي لمجموع الأدلة الباقية كذبه بعينه، فالتعبد به معها تعبد بالنقيضين. وبهذا يفترق المقام عن جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي، الذي تقدم في محله جوازه في الجملة، لعدم حجية الأصول في لازم مجراها، فلا تناقض بين المعلوم بالإجمال ومفاد الأصول.

ولو فرض حجيتها في لازم مجراها فالتناقض بينه وبين المعلوم بالإجمال وإن كان حاصلاً، إلا أن المعلوم بالإجمال ليس موضوعاً للتعبد الشرعي، ليلزم التعبد بالنقيضين. غاية ما يلزم هو العلم بكذب أحد الأصلين على ما هو عليه من الإبهام والترديد، من دون أن ينطبق على كل منهما بعينه، ليوجب خروجه عن موضوع الأصل.

نعم، بناءً على حجية الأصل في لازم مجراه قد يلزم في مورد العلم الإجمالي التكاذب بين الأصلين فيدخل في التعارض بين الدليلين.

هذا، ولو فرض ترجيح أحد الأدلة المتعارضة تمحض التعارض في الباقي، فلو فرض في المثال السابق ترجيح دليل التلازم بين القصر والإفطار كان دليل القصر بمدلوله الالتزامي مكذباً لدليل الصيام وبالعكس، إذ بعد فرض ثبوت الملازمة - بمقتضى فرض حجية الثالث - يكون الدليل على أحد المتلازمين دليلاً على الثاني ونافياً لضده.

ومن هنا يظهر أنه لا يعتبر في التعارض بين الأدلة كون مؤدى كل منها

مورداً للتعبد الشرعي، فلو فرض عدم كون بعضها مورداً للتعبد - إما لعدم وروده في أمر عملي، بل في قضية تاريخية تستلزم حكما شرعياً، أو لخروج مورده عن ابتلاء المكلف - كان طرفاً للمعارضة بلحاظ مدلوله الالتزامي المناقض لباقيها.

نعم، لابد من كونه حجةً في لازم مؤداه، وإلّا لم يجر الوجه المتقدم، لعدم التناقض ولا التضاد بين المؤديات، لوضوح أنهما إنما يقومان بطرفين لا أكثر، بخلاف التعارض بين دليلين، حيث يمكن تناقض مؤدييهما وإن لم يكونا حجةً في اللازم.

الثاني: تنافي التعبدين الظاهريين ينشأ..

الثاني: منشأ التنافي بين التعبدين

تارة: من تنافي مضمونيهما ثبوتاً، كما لو كانا متناقضين أو متضادين، ولو بلحاظ المدلول الالتزامي.

وأخرى: من مانع خارجي، كما في التعبد بالترخيص في تمام أطراف العلم الإجمالي، لوضوح أنه لا محذور في الترخيص في تمام الأطراف واقعاً، وإنما يمتنع ظاهراً بلحاظ منجزية العلم الإجمالي.

أما الأول فهو المتيقن من محل الكلام.

وأما الثاني فقد سبق في الأمر الرابع من التمهيد أنه لابد في صدق التعارض من تنافي المضمونين، ولازم ذلك عدم صدقه فيه، إلا أنه تكرر في كلماتهم إطلاقه. وكأنه بلحاظ تنافي الجعلين، لامتناع الجمع بينهما ولو بلحاظ المانع الخارجي المذكور.

وكيف كان، فالظاهر جريان ما سبق في وجه أصالة التساقط فيه، أما بناءً على ما ذكره المحقق الخراساني (قدس سره) فظاهر، للعلم بكذب أحدهما، كما

أشرنا إليه عند التعرض لكلامه، وذكرنا أن لازمه عدم تحقق موضوع أحد الأصلين مع العلم بكذب أحدهما إجمالاً مطلقاً وإن لم يكن منجزاً. فراجع.

وأما بناءً على ما ذكرنا فلأنه وإن لم يلزم من التعبد بهما معاً التعبد بالضدين أو النقيضين، إلا أن المفروض امتناع جعل كلا التعبدين، وحيث لا مرجح لأحدهما، لاشتراكهما في شمول عموم التعبد لهما ذاتاً، وفي الجهة المانعة من فعلية التعبد، وهي مخالفة العلم الإجمالي، تعين سقوط التعبد عن الفعلية فيهما معاً.

وقد سبق في أول الكلام في مباحث العلم الإجمالي تفصيل الكلام في قصور الأصول عن أطراف العلم الإجمالي. فراجع.

وهكذا الحال في سائر موارد عدم شمول العموم لكلا الفردين لجهة قائمة بهما معاً، فإن عدم المرجح لأحدهما يقتضي سقوط حكم العام عنهما معاً وإن كفى في رفع المحذور سقوطه عن أحدهما.

أما إذا كانت الجهة مانعةً من شمول أحدهما بعينه وخصوصيته وترددت بينهما، فإن مقتضى أصالة العموم بقاء أحدهما تحت العام، واقتصار التخصيص على أحدهما، ويكون من اشتباه الحجة باللّاحجة.

وكذا لو تردد حال الجهة الموجبة للتخصيص بين الوجهين، للزوم الاقتصار في التخصيص على المتيقن.

ولا مجال لتخيل أن عدم المرجح لأحدهما يقتضي قصور العموم عنهما معاً. لفرض المرجح لأحدهما يقينا في الأول، وبمقتضى أصالة العموم في الثاني.

غايته أنه لا طريق لتعيين الراجح، وهو لا يقتضي الحكم بالتخصيص

في كلا الفردين، بل عدم تعيين مورده منهما، الراجع لما ذكرناه. من اشتباه الحجة باللّاحجة.

بخلاف محل الكلام في المقام، لفرض العلم فيه بعدم المرجح لأحد الفردين في الجهة الموجبة للتخصيص، كما سبق.

نعم، قد يحتمل وجود مرجح لأحدهما خارج عن تلك الجهة قابل للاجتماع معها، بلحاظ أنها إنما تقتضي أولاً وبالذات عدم الجمع بين الفردين في الدخول في حكم العام، لا خروجهما معاً عنه، وحيث كان المرجح المذكور من سنخ المانع عن تأثير تلك الجهة، فلا مجال للتعويل عليه في الحكم بدخول أحد الفردين إجمالا تحت العام، بل يحكم بخروجهما معاً ما لم يثبت المرجح المذكور.

وإن شئت ثانيها حيث سبق أن المناسبات الارتكازية العرفية تقتضي البناء على حجية كل من المتعارضين اقتضاء لا فعلاً لمانعية الآخر له قياساً على الحجج العرفية، فترجيح أحدهما وثبوت الحجية الفعلية له لما كان مخالفاً للارتكاز المذكور احتاج لدليل.

وقد ظهر من ذلك: أن نفي المرجح في المقام لأحد الفردين إنما هو بلحاظ الجهة المانعة من العموم، لا مطلقاً ومن جميع الجهات، وإلا فهو محتمل لا محرز لعدمه. غاية الأمر أنه لا يعول على احتماله في البناء على دخول أحد الفردين إجمالاً تحت العام بعد اشتراكهما في الجهة المانعة من العموم لهما معاً. فلا حظ.

الثالث: عدم الفرق في التساقط بين التساوي في التخصيص والتفاضل فيه

الثالث: لا فرق في جريان أصالة التساقط في المتعارضين بين التساوي في التخصيص اللازم من سقوط كلٍ منهما عن الحجية والتفاضل فيه، لزيادة

أحد طرفي التعارض كميةً أو دليلاً، فكما يكون الأصل التساقط عند معارضة صحيحة لأخرى، يكون هو الأصل عند معارضة صحيحتين لصحيحة ثالثة، وعند معارضة صحيحة لموثقة، وإن كانت الصحيحة مشاركة للموثقة في أدلة الحجية وتزيد عليها بدليل حجية خبر العادل أو المؤمن.

لعدم وضوح مرجحية الكمية في نفس المتعارضين أو في دليل حجيتهما، وقد سبق في الأمر الثاني أن احتمال الترجيح ما لم يثبت لا يعتد به.

وما اشتهر من لزوم الاقتصار على أقل التخصيص عند الدوران بينه وبين الأكثر، إنما هو مع العلم بمورد التخصيص الأقل والشك في ما زاد عليه، حيث تسقط أصالة العموم بالإضافة للأقل بالعلم، ويشك في الخروج عنها في الزائد، لا مع الدوران بين تخصيصين أحدهما أكثر من الآخر، من دون مورد متيقن للتخصيص الأقل، كما هو نظير المقام.

نعم، إذا أوجبت الكثرة في أحد الطرفين ارتفاع موضوع الحجية في الآخر، للقطع بخطئه أو نحوه، تعين العمل بالأكثر. لكنه خارج عن فرض التعارض بين الحجتين.

الرابع: أصالة التساقط بين الأدلة المتعارضة على اختلافها

الرابع: لا فرق في جريان أصالة التساقط بالوجه المتقدم بين مقطوعي الصدور دون الدلالة، ومقطوعي الدلالة دون الصدور، ومظنوني الصدور والدلالة، والمختلفين.

غايته أن طرف المعارضة في المقطوع من إحدى الجهتين هو دليل الحجية في الجهة الأخرى، وفي المظنون منهما معاً هو دليل الحجية من الجهتين، وقد عرفت في الأمر الثالث عدم الترجيح بكمية أدلة الحجية.

ولا مجال لترجيح مقطوعي الصدور أو الدلالة على غيرهما بلحاظ

عدم صلوح المظنون لمعارضة المقطوع، لأن طرف التعارض في المقطوع لا يكون هو الجهة المقطوعة، من الدلالة أو الصدور، بل الجهة الأخرى غير المقطوعة.

نعم، يخرج عن ذلك موارد الجمع العرفي بالملاك المتقدم.

كما لا مجال لما يظهر من شيخنا الأعظم (قدس سره) من عدم التساقط في مقطوعي الصدور، مظنوني الدلالة، بل يجب الأخذ بهما معاً مع تأويلهما وصرفهما عن ظاهرهما، بل ظاهره الاتفاق على ذلك.

لأن صرفهما عن ظاهرهما إن كان بنحو الجمع العرفي خرج عن محل الكلام من فرض استحكام التعارض، ولم يختص بمقطوعي الصدور، وإن كان بنحو التأويل والجمع التبرعي، فلا دليل عليه، بل الدليل على عدمه، لما سبق عند الكلام في قاعدة: إن الجمع مهما أمكن أولى من الطرح.

والاتفاق إنما هو على عدم العمل بظاهرهما، لفرض تعارضهما، وعدم الحكم بكذب أحدهما، لفرض القطع بصدورهما، لا على العمل بهما بعد التأويل بنحوٍ يستكشف منهما مراد المتكلم، بل يتعين تساقطهما وعدم صلوحهما لبيان مراده، بل يرجع فيه لدليلٍ آخر إن كان.

الخامس: حجية المتعارضين فيما يشتركان فيه وهو نفي الثالث وعدمها

الخامس: أصالة التساقط في المتعارضين هل ترجع إلى سقوطهما عن الحجية مطلقاً أو في خصوص ما ينفرد به كل منهما مع حجيتهما في ما يشتركان فيه، وهو نفي الثالث؟

لا ينبغي التأمل في الثاني بناء على ما سبق من المحقق الخراساني (قدس سره) في تقريب أصالة التساقط من كون المورد من موارد اشتباه الحجة باللاحجة، لوضوح أن اشتباه الحجة منهما لا يوجب سقوطه في القدر المشترك بينهما،

فيكون هو الحجة على نفي الثالث، كما صرح به (قدس سره). بل عن بعضهم أن كلاً منهما يكون حجة عليه حينئذ بمقتضى مدلولهما الالتزامي، بناء على ما يأتي الكلام فيه من عدم تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في السقوط عن الحجية.

ويأتي الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى في المبنى المذكور.

وأما بناء على ما ذكرنا من سقوطهما معاً عن الحجية فلا ينبغي التأمل أيضاً في نفي الثالث لو علم إجمالا بصدق أحدهما. لكنه راجع للعلم بنفيه، لا لحجيتهما في ذلك.

فيما لو احتمل كذب الدليلين معاً

أما لو احتمل كذبهما معاً فقد اختلفت كلماتهم في ذلك فقد ذهب جماعة إلى حجيتهما في نفي الثالث، على اختلاف منهم في عموم ذلك والتفصيل فيه، على ما سيظهر.

ما استدل به السيد الحكيم (قدس سره)

قال سيدنا الأعظم (قدس سره): «لأنهما وإن سقطا عن الحجية معاً، لكن في خصوص ما يتكاذبان فيه... لا ما يتفقان عليه، لعدم تكاذبهما فيه فلا يسقطان عن الحجية فيه» وقد سبقه إلى ذلك بعض الأعيان المحققين (قدس سره).

وقد يستشكل في ذلك: بأن دلالتهما على ما يتفقان فيه وهو نفي الثالث فرع دلالة كلٍ منهما على ما ينفرد به، لكونه لازماً له، فإذا فرض تكاذبهما في ما ينفردان فيه وسقوطهما عن الحجية فيه تعيَّن سقوطهما عن الحجية في نفي الثالث تبعاً لذلك. ومرجع ذلك إلى سقوط الدلالة الالتزامية عن الحجية تبعاً للدلالة المطابقية. وقد أشار (قدس سره) إلى المنع من ذلك، كما هو مبنى غير واحد.

الكلام في عدم تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في الحجية

فقد ذكروا أن الدلالة الالتزامية وإن كانت تابعة للدلالة المطابقية في

الوجود، إلا أنها غير تابعة لها في الحجية، فسقوط الدلالة المطابقية عن الحجية بسبب التكاذب لا يقتضي سقوط الدلالة الالتزامية بعد فرض عدم التكاذب فيها، نعم، خصه (قدس سره) بما إذا ساعد عليه الجمع العرفي وجعل منه المقام. وحيث كان المبنى المذكور من أهم مباني المسألة التي تبتني عليها الأقوال فيها، كما يبتني عليه الكلام في غير مقام فالمناسب تحقيقه والنظر في المهم من كلماتهم فيه..

التحقيق في المقام

فاعلم أن عدم التلازم بين الدلالتين في السقوط عن الحجية هو الذي أصرّ عليه غير واحد، لدعوى: لزوم الاقتصار في الخروج عن عموم الحجية على المورد الذي يقتضيه دليل التخصيص، فقد ذكر بعض الأعاظم (قدس سره) أن الدلالة الالتزامية للكلام تتوقف على دلالته التصديقية، أي: دلالته على المؤدى، وأما كون المؤدى مراداً فهو مما لا تتوقف عليه الدلالة الالتزامية، فسقوط المتعارضين عن الحجية في نسبة المؤدى للمتكلم لا يقتضي سقوطهما عن الحجية في الدلالة الالتزامية التي يبتني عليها نفي الثالث.

وقد استشكل في ذلك غير واحد من مشايخنا..

تارة: بالنقض.

وأخرى: بالحل.

أما الأول: فقد ذكر بعض مشايخنا جملة من النقوض التي لا مجال لإطالة الكلام فيها وفي خصوصياتها، إلا أن شيخنا الأستاذ (قدس سره) ذكر أنهم لا يلتزمون بذلك في الموضوعات.

ولعل الأولى التمثيل لذلك بما يناسب ما ذكره هو وبعض مشايخنا وهو ما لو كان في يد زيد مال مدعياً ملكيته، وقامت بينة بأنه ملك عمرو،

وأخرى بأنه ملك بكر، حيث لا يظن منهم البناء على أنه بعد تساقط البينتين في إثبات ملكية من شهدت له يبقيان حجة في ما يتفقان فيه من المدلول الالتزامي وهو عدم ملكية زيد، فتسقط يده عن الحجية، ولا يجوز ترتيب أثر ملكيته له من جواز شرائه منه والتصرف فيه بإذنه. ويأتي في آخر الكلام في حجة القول الأول ما يتعلق بذلك.

وأما الثاني فبدعوى: أن المدلول الالتزامي لكل منهما ليس متحداً مع المدلول الالتزامي للآخر، إذ مدلول كل منهما ليس هو وجود اللازم مطلقاً، بل خصوص الحصة المقارنة للمدلول المطابقي، فهما يتكاذبان في المدلول الالتزامي كما يتكاذبان في المدلول المطابقي، فالمدلول الالتزامي لدليل الحرمة مثلاً هو عدم الإباحة المقارن للحرمة، لا مطلقاً، كما أن مدلول دليل الوجوب الالتزامي هو عدم الإباحة المقارن للوجوب، فمع فرض تكاذبهما في الوجوب والحرمة يتكاذبان في عدم الإباحة الملازم لكل منهما والمدلول لدليليهما. وكما يكون التكاذب مسقطاً لهما عن الحجية في الوجوب والحرمة يكون مسقطاً لهما عنها في الحصتين الخاصتين من عدم الإباحة.

هذا حاصل ما ذكره بعض مشايخنا وحكي عن شيخنا الأستاذ (قدس سره).

وأما دعوى: أن عدم الإباحة لا تحصص له في نفسه، وليس اللازم لكل من الوجوب والحرمة إلا ذاته، فيتفق فيها الدليلان معاً.

فهي ممنوعة، فإن عدم الإباحة متحصص في نفسه، ولذا لو صرح في كل من الدليلين بفرد منه لم يتفقا في مدلولٍ واحد.

والتلازم وإن كان نسبة بين الملزوم واللازم بذاتيهما، إلا أن ما يحكي

عنه الدليل على الملزوم هو خصوص ما يقارنه من أفراد اللازم.

نعم، قد يقال: التكاذب بين المتعارضين في كل من خصوصيتي اللازم لا أثر له، لعدم إناطة الآثار العملية بالخصوصيات، بل بذات اللازم - كعدم الإباحة - على ما هو عليه من سعة. وترتب أثر الذات على دليل الخصوصية، إنما هو لاستلزام الخصوصية للذات المطلقة.

وحينئذٍ إن بني على أن تكاذب الدليلين في الملزوم مانع من حجيتهما في اللازم لم يحتج لتحصص اللازم وإثبات تكاذبهما في حصصه. وإلّا لم ينفع تحصصه، لأنهما وإن تكاذبا في خصوصية حصصه متفقان في الحكاية عن ذاته التي هي موضوع الأثر على ما هي عليه من سعة.

ولذا لو صرح في دليل الحجية بحجية المتعارضين في نفي الثالث لم يكن ذلك راجعاً إلى حجيتهما في أمر خارج عن مؤداهما ولا في أمر يتكاذبان فيه، بل إلى التفكيك بين مؤدياتهما في الحجية وقصر حجيتهما على ما يتفقان فيه.

فلعل الأولى أن يقال: المدلول الالتزامي..

المراد من اختلاف حال المدلول الالتزامي

تارة: يراد به ما يساق الكلام لبيانه ببيان الملزوم، بأن يكون المتكلم في مقام الحكاية عنه، نظير الكنايات.

وأخرى: يراد به ما لا يستفاد من الكلام إلا لمحض الملازمة الواقعية بينه وبين مؤداه، من دون أن يكون المتكلم في مقام بيانه ولا بصدد الحكاية عنه، إما لاعتقاده عدم الملازمة، أو غفلته عنها أو عدم تعلق غرضه ببيان اللازم.

أما الأول فيصدق عليه عنوان الخبر والشهادة وظاهر الكلام ونحوها

من موضوعات الحجية، كما تصدق على المدلول المطابقي، ويشتركان معاً في الدخول تحت عموم الحجية.

فيتجه ما سبق، في توجيه التفكيك بينهما في السقوط عن الحجية من لزوم الاقتصار على المدلول المطابقي لاختصاص المانع عن الحجية به، ويبقى المدلول الالتزامي حجةً بمقتضى العموم بعد كونه فرداً آخر له في قبال المدلول المطابقي.

نعم لو لم يكن إخباره باللازم اعتماداً على الحس، بل على الحدس القريب من الحس، لوضوح التلازم بين الأمرين، أشكل عموم دليل الحجية له، بحيث يكون فرداً آخر للعموم في قبال الإخبار

بالملزوم، ليمكن التفكيك بينهما في الحجية، بل يأتي فيه التفصيل الآتي في القسم الثاني. لأن الإخبار عن اللازم اعتماداً على الملزوم لوضوح التلازم بينهما فرع ثبوت الملزوم، فمع عدم ثبوته للتعارض لا وجه للقبول بالخبر باللازم، فلاحظ.

وأما الثاني فلا تصدق عليه عناوين موضوعات الحجج من الخبر والشهادة ونحوهما، لتوقفها على قصد الحكاية وبيان المؤدى، وإنما بني على الحجية فيها توسعاً في إعمال عمومها في المدلول المطابقي وتبعاً له، بضميمة المرتكزات العقلائية التي يبتني عليها عموم الحجية، من دون أن يكون فرداً آخر للعموم في قبال المدلول المطابقي، على ما سبق التعرض له في لواحق مبحث الأصل المثبت في بيان الفرق بين الأمارة والأصل.

ومن هنا لا يتجه ما سبق من لزوم الاقتصار على المدلول المطابقي في السقوط عن الحجية، لاختصاص منشئه به، مع الرجوع في المدلول الالتزامي لعموم الحجية. لما عرفت من عدم كون المدلول الالتزامي فرداً

آخر للعموم، ليتعين الرجوع إليه فيه عند الشك في تخصيصه.

بل لابد من ملاحظة بناء العقلاء ومرتكزاتهم في عموم الحجية للازم أو قصورها عما إذا لم يكن الدليل حجة في المدلول المطابقي. والظاهر أنه يختلف باختلاف منشأ عدم الحجية فيه..

فإن كان ناشئاً من قصور في طريقية الطريق كان مستتبعاً لعدم حجيته في اللازم، لتفرع طريقيته عليه عندهم على طريقيته على الملزوم، سواء كان ذلك لعدم طريقيته رأساً، كما لو علم بكذبه فيه، وإن احتمل تحقق اللازم، أم لعدم طريقيته شرعاً، كما لو شهد كل من الشاهدين بأمر مباين لما شهد به الآخر، واشترك كلا الأمرين المشهود بهما في لازم واحد، أو شهدت البينة في الحسيات عن حدس، كالشهادة اعتماداً على الحساب بهلال شهر إذا استلزم تعيين هلال شهرٍ آخر، وغير ذلك.

أما إذا كان عدم حجية الطريق في المدلول المطابقي ناشئاً من خصوصية فيه يمتاز بها عن اللازم تمنع من ثبوته بالطريق من دون قصور في طريقية الطريق ولا في كاشفيته، فلا يكون مستتبعاً لعدم حجية الطريق في اللازم بعد فرض عدم اشتماله على الخصوصية المذكورة وصلوحه لأن يثبت بالطريق المذكور، كما لو أخذ في حجية الطريق عنوان لا ينطبق على المدلول المطابقي، كالإقرار المتقوم بكون موضوعه حقاً على المقر، حيث قد لا يتضمن الخبر حقاً على المخبر بمدلوله المطابقي، بل بلازمه.

أو فرق بين الموضوعات في حجية الطريق بنحو لا ينطبق على المدلول المطابقي، كما في السرقة التي هي موضوع الحد، حيث لا تثبت بالشاهد واليمين، لأن الحد من حقوق الله تعالى، فإنه حيث لا يرجع إلى

قصورٍ في طريقية الشاهد واليمين المتضمنين للسرقة، بل لخصوصيةٍ في السرقة تمنع من ثبوتها بهما، تعين ثبوت لازمها بها إذا كان حقاً للناس، كالضمان.

تحقيق حال التعارض بين الأدلة

إذا عرفت هذا، فالظاهر أن التعارض من القسم الأول، فإنه وإن كان سقوط الحجية معه لامتناع التعبد بالنقيضين المفروض اختصاصه بالمدلول المطابقي، إلا أنه موجب أيضاً لقصور طريقية الطريق عرفاً.

فهو من سنخ المانع من الطريقية وإن تم معه مقتضيها، فيتعين عدم حجية الطريق في اللازم تبعاً لسقوط حجيته في الملزوم. من دون فرق في ذلك بين اتفاقهما في لازمٍ واحد - كما في محل الكلام - وانفراد أحدهما بلازم لا ينافيه الآخر، كما لو قامت إحدى البينتين على مطر السماء المستلزم لوجود السحاب، ونفت الأخرى المطر من دون أن تنفي السحاب، أو دل أحد الدليلين على وجوب شيء المستلزم لثبوت الملاك الصالح للتقرب والذي هو المعيار في الإجزاء، ودل الآخر على عدم وجوبه من دون أن ينفي الملاك المذكور.

وإن ذكر سيدنا الأعظم (قدس سره) في مبحث اجتماع الأمر والنهي لزوم البناء حينئذ على ثبوت الملاك لحجية الدلالة الالتزامية.

وأما ما يظهر منه (قدس سره) هناك من أن التفكيك بين الدلالة الالتزامية والمطابقية في الحجية في ذلك وفي المقام مقتضى الجمع العرفي.

فهو كما ترى! لوضوح أن مرجع الجمع العرفي إلى صرف الكلام عن ظاهره واستكشاف مراد المتكلم منه بالنحو المناسب للقرينة، لا إلى عدم حجية الكلام رأساً تخصيصاً لعموم الحجية، ومن الظاهر أنه لا مجال لحمل ا

لكلام في المقام ونحوه على إرادة بيان اللازم دون المدلول المطابقي، بل ليس المفروض فيه إلّا سقوطه عن الحجية رأساً في المدلول المطابقي، وقد ذكرنا أن ذلك مستلزم لسقوطه عنها في المدلول الالتزامي، وعليه يبتني عدم حجية المتعارضين في نفي الثالث.

نعم، إذا كان منشأ التعارض خفاء وجه الجمع العرفي بين الدليلين مع صلوح كل منهما عرفاً للقرينية على الآخر، من دون أن يتعين أحدهما للقرينية، بحيث لا يتوقف العرف عن تحصيل المراد منهما رأساً، بل عن تعيينه مع تردده إجمالا بين وجهين، تعين حجيتهما في نفي الثالث، لخروجه عن طرفي الترديد، كما هو الظاهر في مثل العامين من وجه في مورد الاجتماع، لأن العرف وإن كان يتوقف عن تحصيل المراد منهما، إلا أنه لصلوح كل منهما بنظره لتخصيص الآخر والانفراد بمورد الاجتماع من دون أن يتعين المخصص منهما، لتساويهما في قوة الظهور، فمورد الاجتماع مردد بينهما، لا أنهما غير صالحين لبيان المراد رأساً.

ومرجع هذا في الحقيقة إلى عدم استحكام التعارض بينهما من جميع الجهات، بل إلى الجمع العرفي، الذي هو خارج عن محل الكلام، غايته أنه مردد بين الوجهين.

بقي شيء: تقريب الخراساني تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية

بقي في المقام شيء، وهو أنه يظهر من المحقق الخراساني (قدس سره) تقريب تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في السقوط عن الحجية بأن شمول دليل الحجية للمدلول الالتزامي إنما هو بتبع شموله للمدلول المطابقي، فمع قصوره عن المطابقي لا معنى لإعماله في الالتزامي.

بدعوى: أن دلالة وجوب تصديق العادل مثلاً على نفي ما ينافي ما

أخبر به لأجل دلالته على تصديقه في ما أخبر به، لا أنه يدل عليها في عرضٍ واحد.

ومن هنا ذهب إلى نفي الثالث بأحدهما فقط، بناء على ما سبق منه من أن التعارض يقتضي سقوط أحدهما عن الحجية لا غير.

لمناقشة فيه

ويشكل: بأن التصديق إن كان بترتيب أثر المدلول المطابقي فقط، فلا وجه لاستتباعه نفي ما ينافيه بعد عدم الإشكال في إمكان التفكيك بين المتلازمين في التعبد، وان كان بترتيب أثر المدلولين معاً، كانا في عرض واحد بالإضافة لدليل الحجية. فالعمدة ما ذكرنا.

ثم إن ظاهره أنه لولا الشبهة المذكورة لكان نفي الثالث بالدليلين معاً حتى بناء على ما سبق منه من أن الساقط عن الحجية أحد المتعارضين للعلم بكذبه.

وما عن بعضهم من أنه أنكر عليه دعوى استناد نفي الثالث إلى أحدهما فقط، بل يستند إليهما معاً، لعدم تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في السقوط عن الحجية.

إن رجع إلى إنكار التبعية التي سبق منه دعواها كان إشكالاً مبنائياً. وإن رجع إلى إنكار ذلك منه حتى بناء على عدم التبعية، فلا يظهر منه (قدس سره) دعوى استناد نفي الثالث إلى خصوص أحدهما بناء على عدم التبعية، بل ظاهره استناده إليهما معاً بناء على ذلك.

ما يظهر من العراقي (قدس سره)

وأما ما يظهر من بعض الأعيان المحققين (قدس سره) من أنه بناءً على ما سبق منه من سقوط أحد المتعارضين عن الحجية للعلم بكذبه يتعين البناء على استناد نفي الثالث إلى أحدهما فقط حتى بناء على عدم تبعية الدلالة الالتزامية

للمطابقية في السقوط عن الحجية، إذ مع العلم بكذب أحدهما لا يدخل في عموم دليل الحجية رأساً حتى يفكك بين مدلوله المطابقي والالتزامي.

ففيه: أن ذلك يتم لو كان المدعى كذب أصالة الصدور في أحدهما، لوضوح أن ما لم يصدر ليس من السنة الحجة.

الإشكال فيه

لكن لا مجال لدعوى ذلك، بل ليس المعلوم إجمالاً إلا كذب أحدهما مضموناً، بمعنى عدم تحقق مضمون أحدهما المانع من قيام الحجة عليه والتعبد به، ومن الظاهر أن معلوم الكذب هو المضمون المطابقي دون الالتزامي، فبناء على التفكيك بينهما في السقوط عن الحجية يتعين البناء على عدم حجية أحدهما في خصوص مضمونه المطابقي، مع حجيتهما في المضمون الالتزامي الذي يستند إليه نفي الثالث.

اللهم إلا أن يفرق بين السقوط عن الحجية للعلم بالكذب، والسقوط عنها لمحذور آخر - كالتعبد بالنقيضين اللازم في المتعارضين - فيلتزم بتبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في السقوط عن الحجية في الأول دون الثاني. فلابد من بيان الفارق بينهما. فلاحظ.

وكيف كان، فالمتحصل من جميع ما سبق: أن المتعارضين إن تصدى أحدهما أو كلاهما لنفي الثالث، بحيث يكون الكلام مسوقاً لبيانه، كان أحدهما أو كلاهما حجة في نفيه على التفصيل المتقدم، وإن استفيد نفيه منهما بمحض ملازمته لمضمون كل منهما، فإن كان تعارضهما بنحو يمكن الجمع بينهما عرفاً، لصلوح كل منهما لأن يكون قرينة على الآخر وإن لم يتعين أحدهما للقرينية، بل يكون المراد مردداً بينهما عرفاً، كانا حجةً في نفيه أيضاً.

وإن كان بنحوٍ يتوقف العرف عن تحصيل المراد منهما رأساً، لتعذر الجمع عرفاً بينهما، تعين عدم حجيتهما في نفي الثالث.

الأقوال في مسألة التبعية المذكورة
اشارة

إذا عرفت ما هو الحق في المقام، وما يبتني عليه الكلام من حديث تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في السقوط عن الحجية، فلنشر لبقية الأقوال في المسألة مما يبتني على الحديث المذكور وعلى غيره مما يظهر عند عرضها، وهي جملة أقوالٍ..

الأول: الحجية مطلقاً

الأول: الحجية مطلقاً، كما يظهر من بعض الأعيان المحققين وسيدنا الأعظم I أخذاً بالمدلول الالتزامي، بناءً منهما على عدم سقوط الدلالة الالتزامية عن الحجية. بتبع الدلالة المطابقية.

ويظهر ضعفه مما سبق من ضعف المبنى المذكور على عمومه، بل سقوط الدليل عن الحجية في المدلول المطابقي مستلزم لسقوطه عنها في المدلول الالتزامي إذا لم يكن المتكلم بصدد بيانه، بل يستفاد بمحض ملازمته لمضمونه. بل حتى إذا كان بصدد بيان اللازم إذا ابتنى إخباره به على محض الملازمة، لا على الاطلاع عليه من غير طريقها.

أما شيخنا الأستاذ (قدس سره) فقد بنى على عموم حجيتهما في نفي الثالث مع الاعتراف بما ذكرنا، فقد سبقنا إلى التنبيه على تقسيم المدلول الالتزامي إلى القسمين، أعني: ما يكون عليه دلالة مقصودة للمتكلم، وما لا يكون كذلك، بل يستفاد من الكلام بمحض ملازمته لمضمونه، وحكم بتبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في السقوط عن الحجية في الثاني، وفي الأول أيضاً إذا لم تكن الدلالة الالتزامية حجة بنفسها، لكون اللازم أمراً حدسياً لا يرجع فيه للمتكلم، كما لو شهدت البينة بالملاقاة التي هي سبب النجاسة،

فإنه لو فرض قصد الشاهدين الإخبار عن النجاسة لا تقبل شهادتهما بها، لعدم حجيتها في الأحكام الشرعية، وإنما يبني عليها المشهود عنده - في فرض ثبوت الملازمة عنده باجتهاد أو تقليد - بتبع البناء على موضوعها - وهو الملاقاة - للتلازم بين التعبد بالموضوع والتعبد بالحكم، فمع معارضة البينة على الملاقاة بالبينة النافية لها وسقوطها عن الحجية في إثبات الملاقاة لا مجال للبناء على النجاسة، لعدم إحراز موضوعها.

أما إذا كان قول المتكلم مقبولاً في اللازم، وكان اللازم من القسم الأول - وهو الذي تكون عليه دلالة التزامية مقصودة للمتكلم - فقد ذكر (قدس سره) أن المتعين التفكيك بين الدلالة الالتزامية والمطابقية في السقوط عن الحجية، نظير ما سبق منا، وجعل من ذلك دلالة النصين المتعارضين على نفي الثالث اللازم لثبوت كل من الحكمين اللذين تعرضاً لهما بمدلولهما المطابقي لإمكان قصد الإمام (ع) من بيان الحكم نفي غيره، فيكون له دلالة التزامية مقصودة، وحيث كانت الدلالة المذكورة حجةً في نفسها لقبول قوله (ع) في اللازم، تعين عدم سقوطها عن الحجية وإن سقطت الدلالة المطابقية بالمعارضة.

وهذا، بخلاف تعارض البينتين في الشبهات الموضوعية، لعدم قبول قول الشاهدين في نفي الحكم الثالث، فلا يتوجه ما سبق من النقض بعدم بنائهم على حجية الأمارات المتعارضة في الموضوعات في نفي الثالث.

لكنه كما ترى! إذ مجرد إمكان قصد الإمام (ع) من بيان الحكم نفي غيره لا يستلزم أن يكون لكلامه دلالة التزامية مقصودة، بل لابد في إحرازها من ثبوت تصديه لذلك وسوق كلامه لبيانه، وهو أمر زائد على مفاد الكلام

مبني على مزيد مؤنة لابد في البناء عليها من ظهور الكلام فيها بضميمة قرينة مقالية أو حالية محيطة به، ولعل الغالب عدمه، ولا وجه معه لإطلاق حجية المتعارضين في نفي الثالث. على أن ما ذكره (قدس سره) يختص بما إذا علم بصدور الكلامين من الإمام، ولا مورد له مع الشك فيه، كما لعله ظاهر.

كما أن عدم حجية قول الشاهدين في نفي الحكم الثالث إنما يمنع من الحجية فيه، لا في نفي الثالث إذا كان موضوعاً منافياً لما شهدا به، كما لو شهدت كل من البينتين باصطياد شخص للحيوان،

وكان في يد ثالث يدعي اصطياده، لوضوح حجية البينة في نفي اصطياد شخص المذكور، لأنه من الموضوعات الحسية، وإن ترتب عليه الحكم بعدم ملكيته، مع عدم بنائهم على حجية البينتين في مثل ذلك بعد تساقطهما في ما شهدا به، على ما سبق، فيتجه النقض المذكور.

الثاني: عدم الحجية مطلقاً

الثاني: عدم الحجية مطلقاً، كما يظهر من بعض مشايخنا، لتبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في السقوط عن الحجية.

لكن المتيقن من مساق كلامه واستدلاله ما إذا استفيد نفي الثالث من كل من الدليلين بمحض ملازمته لكل من الحكمين اللذين تكفلا بهما، أما لو تصدى المتكلم لبيانه بكلامه، من باب بيان اللازم بذكر الملزوم، فلا يبعد انصراف كلامه عنه في المقام وفي حديث تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في السقوط عن الحجية.

الثالث: التفصيل الذي ذكره النائيني (قدس سره)

الثالث: ما يظهر من بعض الأعاظم (قدس سره) من أنهما إن كانا متعارضين في أنفسهما بالنظر لمدلوليهما كانا حجة في نفي الثالث، أخذا بالمدلول الالتزامي بناء منه على عدم سقوطهما عن الحجية فيه، على ما سبق الكلام فيه.

وإن كان تعارضهما لأمرٍ خارجٍ لم يكونا حجة في نفي الثالث فلو دل دليل على وجوب صلاة الظهر وآخر على وجوب صلاة الجمعة، وعلم من الخارج بعدم وجوب أكثر من صلاة واحدة تعارضاً وتساقطاً وجاز الرجوع لأصل البراءة والبناء على عدم وجوب كل من الصلاتين، إذ ليس لهما مدلول التزامي قاض بوجوب فريضة في اليوم، ليمتنع الرجوع للبراءة، بل كل منهما يقتضي وجوب كل من الفريضتين بخصوصها، ولا يدلان على وجوب القدر المشترك، فمع سقوطهما عن الحجية في الخصوصية لا وجه لحجيتهما في القدر المشترك، ولا عبرة بتحليل مفاد كل منهما إلى الجنس والفصل واشتراكهما في الجنس، فإن التحليل العقلي لا أثر له في باب الظهورات وما يستفاد من الألفاظ.

نعم، لو كان مفاد الدليلين وجوب فريضة في اليوم واختلفا في تعيينها امتنع الرجوع للأصل، لاشتراكهما في وجوب فريضة في الجملة.

وفيه: (أولاً): أن ذلك راجع للإشكال في الصغرى، حيث يرجع إلى منع دلالتهما على وجوب القدر المشترك بينهما، لمنع كونه لازماً لهما بسبب الأمر الخارج المفروض، ولا ينهض بمنع دلالتهما على نفي وجوب الثالث الذي هو لازم لهما بسبب الأمر الخارج، كما لو احتمل في المقام وجوب صلاة ثالثة غير الظهر والجمعة. ويظهر الأثر العملي لذلك لو كان وجوب الثالث مقتضى عموم أو أصل.

(وثانياً): أن المراد بالمدلول الالتزامي في محل الكلام ليس خصوص ما يكون موضوعاً لدلالة عرفية للكلام، بحيث يكون مراداً بالبيان بمقتضى ظاهر الكلام، ليتجه ما ذكره من عدم العبرة بالتحليل العقلي في باب

الظهورات، بل مطلق لازم مؤدى الكلام ولو لم يكن المتكلم بصدد بيانه، ومن الظاهر أن لازم وجوب إحدى الفريضتين بخصوصيتها وجوب فريضة في الجملة، كما لو صرح به في أحد الدليلين أو كليهما وتصدى المتكلم لبيانه.

اللهم إلا أن يقال: وجوب إحدى الفريضتين ليس لازماً واقعياً لمفاد الدليلين المطابقي، ليجري فيه ما سبق في المدلول الالتزامي، بل هو متحد معه حقيقة، وإن باينه مفهوماً مباينة المجمل للمبين، فمع فرض سقوط الدليل عن الحجية في المدلول المطابقي لا مجال لحجيته فيه.

كما أن وجوب القدر المشترك بينهما الذي هو الجنس بحسب التحليل العقلي ليس لازماً له أيضا، بل هو وجوب ضمني متحد مع وجوب كل من الخصوصيتين استقلالاً، الذي هو المفاد المطابقي لكل من الدليلين، فخروج المورد عن حديث بقاء الدلالة الالتزامية على الحجية ليس لعدم العبرة بالتحليل في باب الظهورات، كما ذكره (قدس سره) بل لرجوع التحليل للاتحاد، دون التلازم. نعم قد يدعى ابتناؤه على تبعية الدلالة التضمنية للدلالة المطابقية في السقوط، وهو خارج عن محل الكلام.

وأما التصريح في أحد الدليلين بوجوب فريضة في الجملة فليس هو تصريحاً باللازم، بل هو راجع إلى اشتمال الدليلين على مدلول إجمالي وآخر تفصيلي، وتكاذبهما في الثاني لا يوجب سقوطهما عن الحجية في الأول.

تذنيب..

تذنيب: في اختلاف النسخ

إذا تنجز أمر إجمالي إما بالعلم - كفريضة اليوم - أو بقيام دليلٍ خاص - كما في ما تقدم في تعقيب كلام بعض الأعاظم (قدس سره) - واختلف الدليلان في

تعيينه بوجهين مثلاً، فحيث يسقطان عن الحجية في تعيينه، فهما لا ينهضان بنفي طرف ثالث للإجمال لو فرض احتماله، بناء على ما سبق من عدم حجية المتعارضين في نفي الثالث.

ومن هنا يشكل الحال في اختلاف النُّسخ، لوضوح أن الأخبار بكل نسخةٍ وإن كان مبنياً على المفروغية عن وجود مضمون الكتاب الذي تحكي عنه النسخ، فهي تصلح لتنجيز الأمر الإجمالي، إلا أن عدم صلوحها لتعيينه بسبب التعارض موجب لعدم حجيتها في القدر المشترك بينها، وهو مخالف لسيرة العلماء في مقام الاستدلال، حيث لا يخرجون عن مفاد كلتا النسختين.

ولا مجال لدعوى ابتناء ذلك منهم على الخروج عن أصالة التساقط والعمل بأخبار العلاج المتضمنة للترجيح والتخيير.

لما يأتي في محله إن شاء الله تعالى من قصور أخبار العلاج عن اختلاف النُّسَخ ولزوم الرجوع فيه للأصل.

فلا يبعد أن يكون ذلك منهم للاطمئنان بصدق إحدى النسخ ولو بلحاظ مساق الكلام ومناسباته.

أو يقال: لما كان منشأ اختلاف النسخ منحصراً بالخطأ في إثبات النسخة أو قراءتها أو سماعها، فأصالة عدم الخطأ بنظر العقلاء تقتضي عدمه في إحدى النسخ إجمالاً، اقتصاراً فيه على المتيقن.

وليس الخطأ كغيره من الأمور التي يبتني استحصال الواقع من الطرق على عدمها - كمخالفة ظاهر الكلام، وصدوره لبيان غير المراد الجدي، وتعمد الكذب من الناقل - مما يبتني الخروج عنه على العمد الذي لو جاز

في أحد الطريقين جاز في كليهما. ولولا ذلك لأشكل الحال.

نعم، لا إشكال مع عدم أداء اختلاف النُّسَخ إلى اختلاف المعنى لو أمكن عرفاً حمل بعضها على بيان النقل بالمعنى وعدم التقيد بالألفاظ، لثبوت جواز ذلك.

وكذا لو كان الاختلاف بالزيادة بنحو لا يخل بالمعنى، بل يوجب زيادته لو أمكن عرفاً حمل الناقص على عدم التصدي والاهتمام بضبط تمام المضمون، حيث يخرج عن التعارض حينئذ، لعدم التكاذب.

وأولى بعدم الإشكال ما لو كان مرجع النُّسَخ إلى بيان محتملات نسخة الأصل لاشتباهها وتشوشها، من دون جزم ببعضها، لرجوعها إلى الأخبار بعدم خروج نسخة الأصل عن المحتملات المذكورة. فلاحظ.

الأمر السادس: تعارض القطعي الصدور مع قطعي الدلالة

الأمر السادس: تقدم تقريب أصالة التساقط في المتعارضين بالإضافة إلى ما لم يكن لدليل حجيته إطلاق بقصور دليله عن شمول حال التعارض، وبالإضافة إلى ما كان لدليل حجيته إطلاق بمانعية التعارض من حجية المتعارضين المستلزم لتخصيص عموم الحجية فيهما.

ولازم ذلك أنه لو تعارض أحد أفراد القسم الأول مع أحد أفراد القسم الثاني تعين الثاني للحجية عملاً بإطلاق دليله بعد فرض قصور دليل الأول عن صورة التعارض.

فلو تعارض قطعي الصدور الذي هو ظني الدلالة أو الجهة، مع قطعي الدلالة والجهة الذي هو ظني الصدور، كان الترجيح للثاني، لاستناد أصالة الصدور فيه لعموم حجية خبر الثقة واستناد أصالة الظهور والجهة في الأول لبناء العقلاء الذي لا عموم له يشمل حال التعارض.

اللهم إلا أن يقال: لم يتضح الدليل على عموم حجية خبر الثقة تعبداً، وإنما يستفاد مما كان وارداً مورد الإمضاء لسيرة العقلاء، فيشكل عمومه لصورة معارضة أصالة الظهور له، بل الارتكازيات العرفية تقضي بتساقطهما لمانعية التعارض من حجيتهما، على ما سبق في تقريب أصالة التساقط.

نعم، يتجه ذلك في موارد الجمع العرفي، بحمل ظني الدلالة على ما لا ينافي قطعيها، حيث يكون قطعيها بضميمة أصالة الصدور قرينة على التصرف في ظنيها، ويخرج عن باب التعارض على ما سبق توضيحه.

وأما توهم العكس وهو لزوم تقديم الدليل القطعي الصدور وإن كان ظني الدلالة على ظني الصدور وإن كان قطعي الدلالة، لدعوى قصور بناء العقلاء على حجية خبر الثقة عن صورة

معارضته لمقطوع الصدور، بخلاف بنائهم على حجية الظهور، لعدم رفعهم اليد عن الدليل القطعي معه إلا بيقين.

فلا مجال له، لعدم وضوح أقوائية أصالة الظهور عندهم من خبر الثقة، ولا سيما مع ثبوت كثرة مخالفته وقوة احتمال ضياع القرائن الموجبة لتبدل ظهوره، لعدم الإحاطة بظروف صدور الكلام وما يقارنه من قرائنٍ حاليةٍ ومقالية.

هذا، ونظير ما سبق ما ذكره بعض مشايخنا من أنه لو تعارض مقطوع الصدور - كالكتاب أو السنة المتواترة - مع مظنون الصدور، وهو خبر الواحد، تعين الأخذ بمقطوع الصدور لا للترجيح بينهما في ظرف حجية كلٍ منهما، بل لخروج مظنون الصدور عن موضوع الحجية بسبب التعارض لما استفاضت به الأخبار الكثيرة من عدم جواز الأخذ بالخبر المخالف للكتاب والسنة، وأنه زخرف وباطل لم يصدر عنهم (ع).

لكن ما ذكره إنما يتم إذا كان التعارض بنحو التباين الذي يتعذر معه الجمع العرفي، دون ما إذا كان بمجرد تصادم الظهورين، بنحو يمكن فيه تنزيل كل منهما على الآخر، كالعامين من وجه، إذ يخرج ذلك عن مفاد النصوص المشار إليها، كما سبق في أول الكلام في حجية خبر الواحد.

فلابد في توجيه تقديم قطعي الصدور بالترجيح المتأخر رتبة عن التعارض.

أما لو كان المعارض هو السنة فلدخوله في ما تضمن ترجيح المشهور روايةً معللاً بأن المشهور لا ريب فيه.

وأما لو كان هو الكتاب فلأن نصوص الترجيح وإن اختصت بتعارض الأخبار، إلا أن المستفاد عرفاً من الترجيح بينها بموافقة الكتاب هو ترجيح الكتاب عليها عند التعارض بينهما. بل قد يستفاد ذلك من التعليل المشار إليه في الترجيح بالشهرة في الرواية. فلاحظ.

المقام الثاني : في مقتضى الأدلة الخاصة في المتعارضين
اشارة

حيث سبق أن الأصل في المتعارضين التساقط فلا مخرج عنه إلا النصوص الواردة في تعارض الأخبار الواردة عن المعصومين (ع)، المتضمنة للترجيح والتخيير أو التوقف. بل ربما ادعي الإجماع على عدم الرجوع فيها لأصالة التساقط، على ما يأتي الكلام فيه.

ولا يخفى أن النصوص المذكورة - كالإجماع - مختصة بتعارض الأخبار، ولا تشمل معارضة غيرها لها، كما لا تشمل تعارض غيرها من الأدلة بعضها مع بعض، وإن أشرنا قريباً إلى إمكان استفادة ترجيح الكتاب على الأخبار في بعض الصور.

ويأتي في آخر الكلام في هذا المقام بعض الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى.

والظاهر عموم تعارض الأخبار الذي هو مورد النصوص المذكورة لتعارض الخبرين المظنوني الصدور والمقطوعي الصدور والمختلفين.

وما سبق من بعض مشايخنا من قصوره عن المختلفين قد عرفت الإشكال فيه على عمومه.

كما أن ما يظهر منه من قصوره عن القطعيين أيضاً وتعين الرجوع فيهما لأصالة التساقط واختصاص نصوص المقام بالظنيين، غير ظاهر الوجه أيضاً مع إمكان تحقق التعارض بين القطعيين بلحاظ عدم قطعية الدلالة أو الجهة فيهما، ومع إطلاق نصوص المقام، ولا سيما مقبولة ابن حنظلة،

التي فرض فيها التعارض بين الخبرين المشهورين مع ما تضمنته من أن المشهور لا ريب فيه، فإن ذلك لو لم يختص بتعارض القطعيين فلا أقل من كونه من أظهر أفراده.

غاية الأمر أنه لا مجال لجريان المرجحات السندية فيه، وهو غير مهم في محل الكلام.

هذا، وأما عموم نصوص المقام وخصوصها من غير هذه الجهة فالأنسب التعرض له بعد الكلام في مفاد نصوص المقام وتعيين ما عليه المعوَّل منها.

إذا عرفت هذا، فالمعروف وجوب الترجيح في الجملة، عملاً بنصوصه، ثم التخيير أو التوقف أو الاحتياط على ما يأتي الكلام فيه.

لكن ذهب السيد الصدر - في ما حكي عنه - والمحقق الخراساني (قدس سره) إلى عموم التخيير بين الأخبار المتعارضة، تقديماً لنصوصه على نصوص التوقف والاحتياط، وتحكيما لعمومه على نصوص الترجيح التي هي أخص، مع حمل نصوص الترجيح على الاستحباب أو تمييز الحجة عن اللاحجة، لا الترجيح بين الحجتين الذي هو محل الكلام.

والنظر في ذلك يستدعي الكلام في ثلاثة فصول، يتضمن الأول منها البحث في الترجيح دليلاً ومورداً، لتقدمه طبعاً، ويتضمن الثاني البحث في

حكم صورة عدمه، إما لعدم ثبوته أو لعدم تحقق المرجحات المعتبرة، وهو المراد بالتعادل في كلماتهم، ويتضمن الثالث البحث في مسائل تتعلق بمفاد الأدلة الخاصة الواردة في علاج التعارض لا يستغنى عنها. ونسأله سبحانه العون على ذلك والتسديد فيه.

الفصل الأول : في الترجيح
اشارة

والكلام فيه في مباحث..

المبحث الأول : في أدلته
اشارة

وحيث كان بعض الوجوه المستدل بها عليه ظاهر الوهن فلا ينبغي التعرض له وإطالة الكلام فيه.

وما ينبغي التعرض له وجهان..

الأول: ما أشار إليه شيخنا الأعظم (قدس سره) من الإجماع المحقق، والسيرة القطعية.

ما أشار إليه الشيخ الأعظم (قدس سره)

وكأن المراد بالسيرة سيرة العلماء في مقام الاستدلال، في مقابل إجماعهم القولي المستفاد من تصريحهم بالحكم عند التعرض للمسألة الأصولية، ومن إيداعهم نصوصه في كتبهم المبنية على حفظ الأخبار المعتمدة. وإلا فسيرة المتشرعة في مقام العمل لا مجال لها في المسألة

الأصولية التي ليس من شأنهم الرجوع إليها.

وقد أنكر المحقق الخراساني (قدس سره) الإجماع المذكور، فذكر أنه لا مجال لدعواه مع ذهاب مثل الكليني (قدس سره) للتخيير، حيث قال في ديباجة الكافي: «ولا نجد شيئاً أوسع ولا أحوط من التخيير».

لكن ما نقله عن الكليني لا يناسب كلامه في ديباجة الكافي، حيث قال:

«فاعلم يا أخي أرشدك الله أنه لا يسع أحداً تمييز شيءٍ مما اختلفت الرواية فيه عن العلماء (ع) برأيه، إلا على ما أطلقه العالم بقوله (ع): اعرضوهما على كتاب الله، فما وافى كتاب الله عز وجل فخذوه، وما خالف كتاب الله فردوه وقوله (ع): دعوا ما وافق القوم فإن الرشد في خلافهم، وقوله (ع): خذوا بالمجمع عليه فإن المجمع عليه لا ريب فيه. ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلا أقله. ولا نجد شيئاً أحوط ولا أوسع من رد علم ذلك كله إلى العالم (ع) وقبول ما وسع من الأمر فيه بقوله (ع):

«بأيهما أخذتم من باب التسليم وسعكم». وقد يسر الله - وله الحمد - تأليف ما سألت...».

فإن ظاهره لزوم الترجيح مع الاطلاع على المرجحات وأن الرجوع للتخيير عند الجهل بها توسعة منهم (ع). ومن هنا لا مجال لإثبات الخلاف وإنكار دعوى الإجماع من شيخنا الأعظم (قدس سره) المؤيدة بارتكازية الحكم ومعروفيته عند الأصحاب، تبعاً للنصوص الواردة به التي يبعد فهمهم منها ما ذكره المحقق الخراساني.

ودعوى: أن موافقتهم للنصوص مانعة من الاحتجاج بإجماعهم لو تم، لكونه مدركياً، بل يجب النظر في مدركه.

مدفوعة: بأن موافقتهم للنصوص التي هي في نفسها قابلة للتشكيك -

لو فرض - لا يمنع من حصول القطع من إجماعهم في الحكم الذي يكثر الابتلاء به ويمتنع عادة الخطأ فيه، حيث يكشف عن أن ما فهموه من النصوص هو المراد الواقعي للشارع، فتكون قرينةً قطعيةً على مطابقة ما فهموه منها للواقع.

نعم، ثبوت الإجماع بالنحو الموجب للقطع بالحكم والصالح للاحتجاج بهذا المقدار وإن كان قريباً، إلا أنه لا يخلو عن إشكال، لعدم شيوع التعرض منهم للمسألة الأصولية وعدم تيسر الاستيعاب لكلماتهم في الفقه في مقام الاستدلال بالنحو الكافي في معرفة اتفاقهم.

الثاني: النصوص المشتملة على المرجحات على اختلاف في تعدادها..

النصوص المشتملة على المرجحات
مقبولة ابن حنظلة

منها: مقبولة عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله (ع) الواردة في الخصومة، حيث قال السائل فيها بعد أن أمر الإمام (ع) بالرجوع لرواية أحاديثهم (ع): «فإن كان كل واحد اختار رجلاً من أصحابنا فرضياً أن يكونا الناظرين في حقهما، واختلفا في ما حكما وكلاهما اختلف في حديثكم [حديثنا. خ ل] فقال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر. قال: فثانيها فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل [ليس يتفاضل] واحد منهما على صاحبه. قال: فقال: ينظر إلى ما كان من روايتهما عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإن المجمع عليه لا ريب فيه... ثانيها فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر فما وافق

حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة.

ثانيها جعلت فداك إن رأيت إن كان الفقيهان عرفاً حكمه من الكتاب والسنة ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة والآخر مخالفاً لهم بأي الخبرين يؤخذ؟ فقال: ما خالف العامة ففيه الرشاد. فثانيها جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعاً.

قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر. ثانيها فإن وافق حكامهم الخبرين جميعاً؟ قال:

إذا كان ذلك فأرجئه حتى تلقى إمامك فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات»(1).

ما استشكله فيها السيد الخوئي (قدس سره) من ضعف السند ودفعه

وقد استشكل فيها بعض مشايخنا بضعف السند، لعدم النص على توثيق عمر بن حنظلة.

ولا مجال له بعد تلقي الأصحاب لها بالقبول، حتى عرفت بالمقبولة ورواها المشايخ الثلاثة معتمدين عليها، مع علو متنها واشتمالها على أحكام متعددة في القضاء والتعارض اعتمد عليها الأصحاب فيها.

مع أن عمر بن حنظلة وإن لم ينص على توثيقه في كتب الرجال، إلا أن القرائن تشهد بوثاقته وعلو مقامه..

منها: كثرة رواياته عنهم (ع) مع تلقي الأصحاب لها بالقبول وروايتهم لها في الأصول.

ومنها: رواية جماعة من الأعيان عنه فيهم غير واحد من أصحاب


1) الوسائل ج: 18 كتاب القضاء باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 1.

الإجماع، بل فيهم صفوان بن يحيى الذي قيل إنه لا يروي إلّا عن ثقة.

ومنها: بعض الروايات التي تشهد بوثاقته وعلو مقامه، وعمدتها معتبر يزيد بن خليفة - بناء على ما هو الظاهر من وثاقته، لرواية صفوان عنه -

«قلت لأبي عبد الله (ع): إن عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت. فقال أبو عبد الله (ع): إذاً لا يكذب علينا...»(1).

فإن ذلك بمجموعه موجب للركون إلى رواياته، بل بعضه حجة على ذلك، خصوصاً هذه الرواية المحتفة بما ذكرنا.

ومثله ما ذكره المحقق الخراساني (قدس سره) من أن موردها تعارض الحكمين في القضاء الذي لا مجال فيه للتخيير، لعدم فصل الخصومة به، ولذاأرجأ (ع) الأمر مع عدم الترجيح إلى لقاء الإمام، ولا وجه للتعدي عنه إلى الفتوى التي يمكن فيها التخيير من أول الأمر.

لاندفاعه: بأن لسان الترجيح فيها يأبى الجمود على مورد التخاصم، لظهوره في عدم صلوح المرجوح لأن يرجع إليه، كما هو المناسب لقوله (ع):

«فإن المجمع عليه لا ريب فيه»، وقوله (ع):

«ما خالف العامة ففيه الرشاد»، لوضوح أن لزوم ترك ما فيه الريب لما لا ريب فيه، وما لا رشاد فيه إلى ما فيه الرشاد، من القضايا الارتكازية التي لا تختص بالقضاء.

ولذا كان المستفاد منها عرفاً خطأ الحكم على طبق المرجوح، بحيث لا ينبغي لصاحبه العود له في واقعةٍ أخرى وإن لم يكن له فيها مخالف في التحكيم، لا صدور الحكم في محله لحجية مستنده وإن لم يجب تنفيذه بسبب الاختلاف.


1) الوسائل ج: 3 باب: 5 من أبواب المواقيت حديث: 6.

على أنه لا مجال لذلك بناءً على أن المرجع مع عدم الترجيح هو التوقف أو التساقط، لأن خصوصية القضاء لا تمنع منهما، بل من التخيير، وإلا فلا يحتمل حجية الراجح في القضاء والتخاصم، دون الفتوى، بحيث لا يسوغ للمكلف ترتيب الأثر عليه في حكم نفسه إلا في فرض وجود الخصم المنازع له المستدعي للترافع والحكومة.

ومما ذكرنا يظهر اندفاع ما استشكل به فيها أيضاً من اختصاصها بزمان الحضور، ولا تعم زمان الغيبة، بقرينة ما في ذيلها من الإرجاء مع التعادل إلى لقاء الإمام (ع) دون التخيير.

وجه الاندفاع: إباء لسان الترجيح عن الاختصاص بزمان الحضور، لما سبق، بل لا مجال له لإلغاء خصوصية المورد عرفاً - مع قطع النظر عما سبق - كما هو الحال في غيره من الأحكام التي تضمنتها، حيث كان بناء الأصحاب على شمولها لزمان الغيبة.

صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله

ومنها: صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله المروي في رسالة القطب الراوندي: «قال الصادق (ع): إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فردوه، فإن لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامة، فما وافق أخبارهم فذروه، وما خالف أخبارهم فخذوه»(1).

صحيح الحسن بن الجهم

ومنها: صحيح الحسن بن الجهم المروي في الرسالة المذكورة: «قلت للعبد الصالح: هل يسعنا فيما ورد علينا منكم إلّا التسليم لكم؟ فقال: لا والله لا يسعكم إلّا التسليم لنا. ثانيها فيروى عن أبي عبد الله (ع) شيء


1) الوسائل ج: 18، باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 29.

ويروى عنه خلافه، فبأيهما نأخذ؟ فقال: خذ بما خالف القوم وما وافق القوم فاجتنبه»(1).

هذا ما تيسر لي العثور عليه من النصوص المعتبرة السند. وهناك نصوص أخرى لا تبلغ درجة الاعتبار تصلح للتأييد.

خبر الحسين بن السري

منها: خبر الحسين بن السري المروي في الرسالة المذكورة بسند فيه إرسال:

«قال أبو عبد الله (ع): إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم»(2).

صحيح محمد بن عبد الله

ومنها: الصحيح عن محمد بن عبد الله المروي في الرسالة المذكور:

«قلت للرضا (ع): كيف نصنع بالخبرين المختلفين؟ فقال إذا ورد عليكم خبران مختلفان فانظروا إلى ما يخالف منهما العامة فخذوه، وانظروا إلى ما يوافق أخبارهم فدعوه»(3).

مرفوعة زرارة

ومنها: مرفوعة زرارة: «سألت الباقر (ع) فثانيها جعلت فداك يأتي عنكم الخبران والحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ؟ فقال: يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر. فثانيها يا سيدي إنهما معاً مشهوران مرويان مأثوران عنكم. فقال: خذ بما يقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك. فثانيها إنهما معاً عدلان مرضيان موثقان. فقال: انظر ما وافق منهما العامة فاتركه وخذ ما خالف، فإن الحق فيما خالفهم. فثانيها ربما كانا موافقين لهم أو مخالفين فكيف أصنع؟ قال: إذن فخذ ما فيه الحائطة لدينك واترك الآخر. فثانيها إنهما معاً موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف


1) الوسائل ج: 18، باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 31.

2) الوسائل ج: 18، باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 30.

3) الوسائل ج: 18، باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 34.

أصنع؟ فقال: إذن فتخير أحدهما فتأخذ به وتدع الآخر»(1).

وهناك نصوص أُخر ذكرها شيخنا الأعظم في نصوص الترجيح، بعضها ليس منها في الحقيقة، وبعضها مورد للكلام ربما يأتي التعرض له في محل آخر. والمهم ما ذكرنا وفيه الكفاية في إثبات الترجيح في الجملة.

ما استشكله الخراساني (قدس سره) في نصوص الترجيح

هذا، وقد استشكل المحقق الخراساني (قدس سره) في نصوص الترجيح..

تارة: بأن عمدتها المقبولة والمرفوعة وهما مختلفان في بيان المرجحات. مع ضعف سند الثانية، واختصاص الأولى بالقضاء وبعصر الحضور، فلا مجال للتعدي منهما للفتوى في عصر الغيبة.

وأخرى: بأنه لا مجال لتقييد إطلاقات التخيير الواردة من غير استفصال عن تعادل الخبرين وتفاضلهما بصورة تساوي الخبرين من جميع الجهات، لندرة ذلك بنحوٍ يستلزم التخصيص المستهجن.

دفع ما ذكره (قدس سره)

ويندفع الأول - مضافاً إلى ما سبق من إباء لسان المقبولة عن الجمود على المورد المذكور - بأن الأمر لا ينحصر بالمقبولة والمرفوعة، لوفاء غيرهما مما تقدم به مما هو تام دلالةً وسنداً.

وأما اختلاف المقبولة والمرفوعة فهو غير ضائر بعد ضعف المرفوعة.

على أنه يمكن الجمع عرفاً بينهما، كما يمكن الجمع بينهما وبين غيرهما على ما يأتي الكلام فيه عند الكلام في المرجحات.

كما يندفع الثاني: بأن المرجحات المنصوصة ليست من الكثرة بنحوٍ يمتنع حمل مطلقات التخيير - لو تمت - على صورة عدم وجودها، فغاية ما


1) الحدائق: ج 1 ص 93 في المقدمة السادسة، طبع النجف الأشرف.

يلزم عدم التعدي عن المرجحات المنصوصة، وليس هو محذوراً على ما يأتي إن شاء الله تعالى.

على أن ذلك لا يقتضي تعين نصوص الترجيح للسقوط، بل تقتضي التعارض بينها وبين نصوص التخيير، المقتضي للتساقط والبناء على الترجيح لأنه المتيقن.

وتنزيل نصوص الترجيح على الاستحباب يأباه لسان بعضها، كالمقبولة، فليس هو جمعاً عرفياً.

ثم إنه (قدس سره) حاول تنزيل نصوص الترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامة على تمييز الحجة عن اللاحجة، لا الترجيح بين الحجتين الذي هو محل الكلام. ويأتي الكلام في ذلك عند الكلام في المرجحين المذكورين إن شاء الله تعالى.

إلّا أن الظاهر أنه لا أثر لذلك في دفع إشكال تقييد إطلاقات التخيير، لأن حملها على صورة عدم التفاضل بين الخبرين في ذلك إن أمكن أمكن حتى مع تمامية موضوع الحجية في الخبرين المتعارضين، وإلا تعذر حتى مع فقد أحدهما لموضوع الحجية.

هذا، وربما يستشكل في نصوص الترجيح بمخالفتها لبعض النصوص، كصحيح ابن أبي يعفور أو موثقه:

«سألت أبا عبد الله (ع) عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به. قال: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب الله أو من قول رسول الله (ص) وإلّا فالذي جاءكم به أولى به»(1).


1) الوسائل ج: 18، باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 11.

وما عن مستطرفات السرائر من كتاب مسائل الرجال لعلي بن محمد: «أن محمد بن علي بن عيسى كتب إليه يسأله عن العلم المنقول عن آبائك وأجدادك (ع) قد اختلف علينا فيه، فكيف العمل به على اختلافه، أو الرد إليك في ما اختلف فيه؟ فكتب (ع): ما علمتم أنه قولنا فالزموه، وما لم تعلموا فردوه إلينا»(1)، ونحوه مكاتبة داود بن فرقد الفارسي(2).

ومرسل الاحتجاج عن سماعة بن مهران عن أبي عبد الله (ع): «ثانيها يرد علينا حديثان واحد يأمرنا بالأخذ به والآخر ينهانا عنه. قال: لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك فتسأله. ثانيها لابد أن نعمل بواحدٍ منهما قال: خذ بما فيه خلاف العامة»(3).

لظهور الأول في لزوم تحصيل الشاهد من الكتاب والسنة، والمكاتبتين في التساقط وعدم حجية غير العلم، والمرسل في وجوب التوقف عن كلا الخبرين، واختصاص الترجيح بمخالفة العامة بحال الضرورة.

ويندفع: بظهور الأول في إناطة أصل الحجية بوجود الشاهد من الكتاب والسنة، لا الترجيح بذلك عند التعارض بين الخبرين الحجة، لأن المفروض فيه التعارض بين خبر الثقة وغيره، فلو كان خبر الثقة حجة لم يصلح الثاني لمعارضته، فهو كسائر النصوص المانعة من حجية خبر الواحد التي تقدم في أول الكلام في حجية خبر الواحد عدم التعويل عليها.


1) الوسائل ج: 18، باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديت: 36 والموجود في مستطرفات السرائر يخالف ما أثبتناه عن الوسائل قليلاً.

2) مستدرك الوسائل باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 10 وبصائر الدرجات ج: 10، باب: 2، حديث 26 في ص 534.

3) الوسائل باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 42.

وأما المكاتبتان فهما وإن كانتا ظاهرتين في اختلاف الحجتين، لظهورهما في أن موجب التوقف والسؤال هو الاختلاف، لا احتمال قصور موضوع الحجية في أحدهما أو كليهما، إلا أنه لا مجال للتعويل عليهما - حتى لو تم سندهما - لظهور إعراض الأصحاب عنهما والعمل بنصوص الترجيح أو التخيير، وربما يحملان على صورة التحير لفقد المرجح، جمعاً مع نصوص الترجيح.

وأما الثالث فهو - مع ضعفه في نفسه - محمول على تيسير الوصول للإمام (ع) من دون حرج، أو على استحباب التوقف مع سهولته، جمعاً مع نصوص الترجيح التي يتعذر حملها على صورة الاضطرار للعمل، لندرتها، ولإباء بعضها عن ذلك كمقبولة ابن حنظلة الآتية الآمرة بالتوقف وإرجاء الأمر إلى لقاء الإمام عند فقد المرجحات. فلاحظ.

المبحث الثاني : في المرجحات المنصوصة
اشارة

النصوص المتقدمة مختلفة في تعيين المرجحات وتعدادها، كما أن هناك نصوصاً أخرى قد يستفاد منها مرجحات أخرى قد أهملت في هذه النصوص، فينبغي التعرض لكل مرجح تضمنته النصوص المتقدمة أو غيرها أو ادعي استفادته منها، والنظر في دليله وحدوده، وهي أمور..

الأول: صفات الراوي

الأول: صفات الراوي من الأعدلية والأفقهية والأصدقية والأورعية والأوثقية.

فإن ظاهر شيخنا الأعظم (قدس سره) اعتبار الترجيح بها، بل معروفية الرجوع إليها بين الأصحاب، حتى أنه بعد أن ذكر كلام الكليني (قدس سره) السابق الخالي عنها، قال: «ولعله ترك الترجيح بالأعدلية والأوثقية لأن الترجيح بذلك مركوز في أذهان الناس غير محتاج إلى التوقيف».

لكن وضوح المرجح لا يصحح إهماله.

وكذا ما احتمله في الحدائق حاكياً له عن بعض مشايخه من توجيه إهمال الكليني لذلك بأن اخبار كتابه كلها صحيحة، إذ فيه: أن الصحة بمعنى القطع بالصدور مما يبعد بناؤه (قدس سره) عليها، وبمعنى الوثوق المصحح للعمل

• لو تم بناؤه عليها - لا تنافي التفاضل بينها. بل ليس هو (قدس سره) بصدد بيان حكم تعارض أخبار كتابه فقط، بل في مقام بيان حكم تعارض الأخبار مطلقاً، كما يظهر بمراجعة تمام كلامه.

كيف! ولو كان في غنى عن الترجيح بصفات الراوي التي هي من المرجحات الصدورية لم يكن وجه لذكره الترجيح بشهرة الرواية.

كما أن ما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) من معروفية الرجوع للمرجح المذكور بين الأصحاب لم أتحققه فيما تيسر لي الاطلاع عليه من كلماتهم في أبواب الفقه عند الابتلاء بها.

مع أن الدليل على ذلك غير ظاهر، لعدم التعرض له في نصوص المقام عدا قوله في المقبولة: «الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر...» وقوله (ع) في المرفوعة: «خذ بما يقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك...»

لكن المقبولة ظاهرة في ترجيح الحكمين قبل الانتقال إلى ترجيح الروايتين اللتين استندا لهما، ولا وجه للتعدي من ذلك لترجيح نفس الروايتين.

ومثلها في ذلك موثق داوود بن الحصين، وخبر موسى بن أكيل(1)، الواردان في الترجيح بين الحكمين من دون تعرضٍ للترجيح بين الروايتين أصلاً.

وأما ما ذكره بعض الأعاظم (قدس سره) من أنه لما كان منشأ اختلاف الحكمين هو اختلاف الروايتين فيستفاد من ذلك أن المناط في ترجيح أحد الحكمين


1) الوسائل ج 18، باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 20، 45.

على الآخر بالصفات لكون مثل هذه الصفات مرجحة لمنشأ الحكم، وهو الرواية. ويؤيد ذلك أن الأصدقية إنما تناسب ترجيح الرواية لا نفس الحكم.

ففيه: أن ترجيح الحكمين بالصفات المذكورة قد يكون بلحاظ أنها تقتضي حسن الظن بالحاكم الأفضل في اختياره لمدرك حكمه وجريه فيه على أفضل الموازين التي يبتني الاستدلال عليها، فيستغنى بذلك عن تكلف النظر في مدركه، من دون أن يرجع إلى تصديقه في روايته. كيف وأصدقية أحد الحاكمين لا تستلزم أصدقية روايته، لإمكان ضعفها بلحاظ وسائط السند الأخرى أو القرائن المحيطة بها وبمعارضتها.

وأما المرفوعة فهي ضعيفة جداً، حيث لم يذكرها إلا ابن أبي جمهور الأحسائي في كتاب عوالي اللآلي عن العلامة مرفوعة إلى زرارة، وقيل إنه لم يعثر عليها في كتب العلامة قال في الحدائق: «لم نقف

عليها في غير كتاب عوالي اللآلي مع ما هي عليه من الرفع والإرسال وما عليه الكتاب المذكور من نسبة صاحبه إلى التساهل في نقل الأخبار والإهمال وخلط غثها بسمينها وصحيحها بسقيمها، كما لا يخفى على من وقف على الكتاب المذكور».

ومنه يظهر أنه لا مجال لدعوى انجباره بعمل الأصحاب - بناء على ما سبق من شيخنا الأعظم (قدس سره) - لتوقف ذلك على اشتهار الحديث عندهم وتداوله بينهم، كي يرجعوا إليه في مقام العمل، ولا يكفي في انجباره موافقتهم له من دون ذلك.

هذا، وقد قرب، شيخنا الأستاذ (قدس سره) الاعتبار بصفات الراوي بأنه لا يبتني على الترجيح بين الحجتين، بل على اختصاص موضوع الحجية بالأرجح، لارتفاع موضوع الحجية عن خبر الثقة بمعارضة خبر الأوثق له،

حيث يرتفع الوثوق به ويختص به خبر الأوثق.

ومن ثم كانت سيرة العقلاء - التي هي عمدة أدلة حجية خبر الثقة - على العمل بخبر الأوثق عند التعارض، ولا يحتاج لأدلة الترجيح الخاصة.

وفيه.. أولاً: أن هذا قد يتم فيما إذا كان مرجع الأوثقية إلى قوة ضبط الشخص في مورد احتمال الخطأ والغفلة، حيث يبتني العمل بخبر الضابط على أصالة عدمهما المعوّل عليها في من لم تقم أمارة على خطئه وعدم ضبطه، ولا يبعد كون معارضة خبر الأضبط لخبر غيره أمارة على عدم ضبط غيره في ذلك الخبر فيرتفع موضوع الأصل المذكور فيه، نظير معارضة الأعلم لغيره في الاجتهاديات والحدسيات، ولا يجري في الأوثقية الراجعة إلى الأصدقية المستلزمة لشدة التورع وقوة الدين، مع قطع النظر عن الضبط.

فإن تقديم أحد الخبرين المتعارضين في ذلك حيث يرجع إلى تكذيب الآخر فلا مجال له مع فرض وثاقته وصدقه في نفسه، وإلا لم يعمل بسائر أخباره حتى مع عدم المعارضة، إذ ليس بناء العقلاء على تصديق من ثبت كذبه، فلا يكون الترجيح به عقلائياً عرفياً، بل يكون تعبدياً محضاً محتاجاً إلى دليل خاص.

ومن الظاهر أن رجوع التعارض بين الخبرين إلى عدم ضبط أحد الراويين إنما يتجه في مثل اختلاف النسخ واختلاف رجال السند في الخبر الواحد ونحوهما مما يرجع لاحتمال التصحيف والخطأ، دون غيرها من صور التعارض مما لا يستند عرفاً لخطأ أحد الراويين وغفلته.

وثانياً: أن هذا إنما يتم إذا كان التعارض مستلزماً للعلم بكذب أحد الخبرين المتعارضين وعدم صدوره، دون ما إذا احتمل صدور كل منهما

واستناد التعارض بينهما لأمر ٍ‌آخر من تقيةٍ أو نحوها، كما هو الشايع أو الغالب في تعارض أخبار الثقات، حيث لا وجه لارتفاع الوثوق بخبر الثقة بمجرد معارضته بخبر الأوثق.

كما لا يتعين حينئذٍ بنظر العقلاء اللجوء للمرجح الصدوري، من الأوثقية ونحوها، بل هو أمر تعبدي محض محتاج إلى دليلٍ خاص.

وقد ظهر مما ذكرنا قوة الرجوع للأضبطية في مثل اختلاف النسخ مما كان منشأ الاختلاف فيه منحصراً بخطأ النقل وغفلة الناقل. وهو لا يختص باختلاف الناقلين، بل يجري في اختلاف كتابي الشخص الواحد إذا ابتنى النقل في أحدهما على مزيد الضبط والاتقان وشدة المحافظة على المتن بخصوصياته.

نعم، المتيقن من ذلك ما إذا كان التفاوت في الضبط بنحو معتد به، ولا يكفي أدنى مرتبة من التفاوت في ذلك. فلاحظ.

الثاني: الشهرة

الثاني: الشهرة.

وقد انفردت بها من النصوص السابقة مقبولة عمر بن حنظلة ومرفوعة زرارة، كما تضمنها مرسل المفيد الآتي في الترجيح بموافقة الكتاب، وحيث سبق عدم التعويل على المرفوعة، كما أن المرسل لا ينهض بالاستدلال ينحصر الدليل على الترجيح بها بالمقبولة.

ولا ينبغي التأمل في أن المراد بها الشهرة في الرواية، كما هو مقتضى إضافة الإجماع والشهرة إليها - لا إلى الحكم الذي تضمنته - في المقبولة والمرفوعة. بل ظاهر المقبولة أن المراد بالشهرة ما يساوق

الإجماع وإمكان تحققها في كلا المتعارضين مع وضوح امتناعه في الفتويين المتعارضتين

معاً، وإنما يمكن في الروايتين، بأن يكون كل منهما مجمعاً على روايته معروفاً عند الأصحاب مشهوراً بينهم.

ومن هنا استشكل بعض مشايخنا في كون الإرجاع إليها ترجيحاً بين الحجتين، بدعوى: أن شهرة الرواية توجب العلم بصدورها، فيكون المعارض لها مخالفاً للسنة القطعية ويسقط عن موضوع الحجية، لأن المراد بمخالفة السنة المسقطة للخبر عن الحجية مخالفة سنة المعصوم لا خصوص سنة النبي (ص) فالمقام من تعيين الحجة عن اللاحجة الخارج عن محل الكلام.

وفيه.. أولاً: أن حمل مخالفة السنة على مطلق سنة المعصوم لا يخلو عن إشكال بعد اختصاص النص بسنة النبي (ص)

وما تضمن أن كلامهم (ع) مأخوذ من كلامه (ص) وأنهم خلفاؤه المعبرون عنه والناطقون بعلمه، إنما ورد لبيان حجية كلامهم (ع) ووجوب الرجوع له ككلامه (ص)، ولا ينافي اختصاص العرض المقصود به جعل الضابط لحجية الأخبار بسنته (ص) التي لا يحتمل فيها التقية، والتي تمتاز بمكانة سامية في نفوس المسلمين تجعلها سببا للتشهير بمخالفها والتنفير عنه، بخلاف سنتهم (ع).

وثانياً: أن اللازم حمل ما تضمن بطلان الخبر المخالف لسنة النبي (ص) على المخالفة بنحو التباين، لتصادم الكلامين عرفاً، دون مثل العموم من وجه مما يرجع لتصادم الظهورين، لما سبق في أول الكلام في حجية خبر الواحد، وسبق نظيره في آخر المقام السابق، فيتعين كون الإرجاع للشهرة حينئذ ترجيحاً بين الحجتين، الذي هو محل الكلام.

وثالثاً: أن شهرة الخبر لا توجب القطع بصدوره، بل الاطمئنان به والركون إليه وإن كان خبر واحد في مقابل الشاذ النادر الذي أهمله الأصحاب، ولم تعرف روايته بينهم، حيث يرتاب فيه وإن كان راويه ثقةٌ في نفسه، لاحتمال دسه في كتابه أو نحوه.

ولا ينافي ذلك التعليل في المقبولة بأن المجمع عليه لا ريب فيه، لأن الريب كما يطلق على الشك المقابل للعلم يطلق على الظنة والتهمة، المقابلة للاطمئنان والركون، ولعل الثاني هو المعنى الأصلي له، وهو الأنسب بالمقابلة بالشاذ النادر.

ويؤيد ذلك الترجيح بصفات الراوي في مرفوعة زرارة بعد فرض كون الخبرين مشهورين، مع وضوح كون الصفات من المرجحات الصدورية التي لا موقع لها في القطعيين.

وحمل الشهرة في المرفوعة على الشهرة الفتوائية لأجل ذلك بعيد جداً عن ظاهرها.

نعم، لو كان شذوذ الخبر وندوره مساوقاً لهجر الأصحاب له عملاً خرج عن موضوع الحجية، على ما ذكرناه في محله، إلا أنه خارج عما نحن فيه إذ الكلام في شهرة الرواية بما هي مع قطع النظر عن العمل، ولذا لا يختص ذلك بالشاذ النادر، بل يجري في غيره.

هذا، وقد استشكل بعض الأعيان المحققين (قدس سره) في الاستدلال على الترجيح بالشهرة بالمقبولة بأنها بالإضافة للمرجح المذكور مهجورة عند الأصحاب في موردها، وهو القضاء والخصومة، إذ ليس بناء الأصحاب على النظر في مدرك الحكمين، بل مع تعاقبهما ينفذ الأسبق منهما، ومع

تقارنهما يتساقطان ويرجع إلى حاكمٍ ثالث، ومع ذلك لا مجال للتعدي عن موردها في الترجيح بالشهرة في تعارض الخبرين.

ويندفع: بعدم وضوح وهن نصوص الترجيح بين الحكمين بإعراض الأصحاب المدعى. لقرب صدور الترجيح المذكور قبل جمع الأخبار ومعرفة الضوابط في التعامل معها حين كان الفقيه يكتفي بما وصل إليه منها. أما بعد جمع الأخبار وتيسر وصول جميع الفقهاء إليها، ومعرفة الضوابط في التعامل معها، فلا موضوع للترجيح بين الحكمين بلحاظ النصوص التي اعتمد عليها الحكمان، بل يكون الترجيح من وظيفة الحاكم نفسه، واختلاف الحكمين لا يبتني على إغفالهما الترجيح، بل على اختلافهما في الضوابط المعول عليها في التعامل بين النصوص، ولا مرجح حينئذٍ، بل يتعين تساقط الحكمين. ولو غض النظر عن ذلك، وفرض منافاة الإجماع لمفاد المقبولة أمكن كشفه عن تبدل الجعل، لأن ولاية الحاكم الشرعي على القضاء ليست حكماً شرعياً كلياً، بل هي حكم جزئي مستند لنصب الإمام له بجعل خاص، وهو قابل للتبديل، وحينئذٍ لا يمنع ارتفاع الترجيح بين الحكمين من العمل بالمقبولة في الترجيح بين الخبرين بعد ظهورها في عدم خصوصية موردها. فلا حظ.

ثم إن المعيار في هذا المرجح على ما تضمنته المقبولة والمرفوعة من كون أحد الخبرين مشهوراً معروفاً بين الأصحاب والآخر شاذاً نادراً.

وأما مجرد كون أحدهما أكثر رواة من الآخر من دون أن يبلغ ذلك، فلا دليل على الترجيح به، وإن كان هو الظاهر من الشيخ (قدس سره) في الاستبصار ومحكي العدة، بل ظاهر كل من عبر بأشهرية أحد الخبرين.

ولعله يبتني على التعدي عن المرجحات المنصوصة، الذي يأتي الكلام فيه في الفصل الآتي إن شاء الله تعالى.

الثالث: موافقة الكتاب
اشارة

الثالث: موافقة الكتاب.

وقد تضمنته مقبولة ابن حنظلة وصحيح عبد الرحمن المحكي عن رسالة القطب الراوندي المتقدمان في نصوص الترجيح، والمرسل الذي تضمنه كلام الكليني المتقدم عند الكلام في الإجماع على الترجيح ومرسل المفيد المحكي عن رسالة العدد قال: «والمعروف قول أبي عبد الله (ع): إذا أتاكم عنا حديثان مختلفان فخذوا بما وافق منهما القرآن، فإن لم تجدوا لهما شاهداً من القرآن فخذوا بالمجمع عليه، فإن المجمع عليه لا ريب فيه، فإن كان فيه خلاف وتساوت الأحاديث فيه فخذوا بأبعدهما من قول العامة»(1).

وأما ما تضمن عرض الحديث على الكتاب والسنة وأنه لابد في العمل به من موافقته لهما أو وجود شاهد أو شاهدين منهما عليه، وأنه يطرح ما خالفهما.

فهو يقتضي عدم حجية غير الموافق ذاتاً لا بسبب المعارضة، وقد سبق في مبحث حجية خبر الواحد عدم التعويل على هذه النصوص.

كما أن ما تضمن أن المخالف لهما زخرف وباطل لم يصدر عنهم (ع) بل مكذوب عليهم، محمول على المخالف بنحو التباين، بحيث لا يمكن تنزيلهما عليه عرفاً بل يكون مصادماً لمضمون الكتاب والسنة لا لظهورهما، وإلا فيعلم بصدور المخالف بمثل العموم والخصوص والإطلاق والتقييد


1) مستدرك الوسائل باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث 11.

عنهم (ع) بنحو لا يناسب الألسنة المذكورة، على ما تقدم في مبحث حجية خبر الواحد، والمخالفة المذكورة موجبة لخروج المخالف عن موضوع الحجية ذاتاً، لا بسبب المعارضة.

ومن هنا يشكل الاستدلال بما في خبر العيون - الآتي عند الكلام في التخيير إن شاء الله تعالى - من قوله (ع): «فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب الله، فما كان في كتاب الله موجوداً حلالاً أو حراماً فاتبعوا ما وافق الكتاب، وما لم يكن في الكتاب موجوداً فاعرضوه على سنن رسول الله (ص) فما كان في السنة موجوداً منهياً عنه نهي حرام ومأموراً به عن رسول الله أمر إلزام فاتبعوا ما وافق نهي رسول الله (ص) وأمره، وما كان في السنة نهي إعافة...»(1).

وذلك لما تضمنه صدره من عدم مخالفتهم (ع) لنهي الكتاب والسنة التحريمي، حيث قال (ع): «فما جاء في تحليل ما حرم الله أو في تحريم ما أحل الله أو دفع فريضة في كتاب الله رسمها بين قائم بلا ناسخ نسخ ذلك، فذلك مالا يسع الأخذ به، لأن رسول الله (ص) لم يكن ليحرم ما أحل الله وليحلل ما حرم الله، ولا ليغير فرائض الله وأحكامه... وما جاء في النهي عن رسول الله (ص) نهي حرام ثم جاء خلافه لم يسع استعمال ذلك، وكذلك في ما أمر به، لأناّ لا نرخّص في ما لم يرخّص فيه رسول الله (ص) ولا نأمر بخلاف ما أمر به رسول الله (ص) إلا لعلة خوف ضرورة، فأما أن نستحل ما حرم رسول الله (ص) أو نحرم ما استحل رسول الله (ص) فلا يكون ذلك أبداً...».


1) الوسائل ج: 18، باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 21.

فإن ذلك قرينة على أن المراد بالمخالفة في الذيل المخالفة بنحو التباين الراجعة إلى تحريم ما أحلّ الله ورسوله (ص) أو تحليل ما حَرَّما.

ومثله في ذلك مرسلة الاحتجاج عن الحسن بن الجهم عن الرضا (ع):

«قلت له: تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة. فقال: ما جاءك عنا فقس على كتاب الله عزّ وجل وأحاديثنا، فإن كان يشبههما فهو منّا وإن لم يكن يشبههما فليس مناّ. ثانيها يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين ولا نعلم أيهما الحقّ. قال: فإذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما أخذت»(1).

لظهور عدم المشابهة في إرادة كمال المنافاة وعدم الملائمة، ومثلها في ذلك مرسلته الأخرى(2).

مضافاً إلى أن مقتضى السؤال في ذيلها عن حكم اختلاف الحديثين عدم ورود الصدر لبيانه، وذلك يوجب إجمال الصدر من هذه الجهة، أو يلزم بحمل اختلاف الأحاديث فيه على اختلافها في الخصوصيات من دون أن يفرض أداء ذلك للتعارض بينهما، كتباين مضامينها واختلاف خصوصيات رواتها ونحوهما، ويكون مسوقاً لبيان الضابط العام لأصل حجية الخبر مع قطع النظر عن التعارض، فيخرج عما نحن فيه.

المراد من إطلاق المخالفة

فالعمدة في الدليل على المرجح المذكور ما ذكرنا.

نعم، قد يستشكل في إطلاق المخالفة في النصوص المذكورة بنحو يشمل المخالفة لا بنحو التباين، وهي المخالفة لظاهر الكتاب بنحوٍ يمكن تنزيل الظاهر عليه، التي لا تسقط الخبر عن موضوع الحجية، لبعد التفكيك


1) الوسائل ج: 18، باب 9 من أبواب صفات القاضي من كتاب القضاء حديث: 1.

2) الوسائل ج: 18، باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 48.

بين النصوص المذكورة ونصوص طرح ما خالف الكتاب في معنى المخالفة، بل من القريب تفسير النصوص المذكورة بتلك النصوص، فترجع نصوص الترجيح إلى تعيين الحجة عن اللاحجة، كما سبق من المحقق الخراساني (قدس سره) ووافقه شيخنا الأستاذ (قدس سره)..

ولازم ذلك عدم الترجيح بموافقة عموم الكتاب، بل بناء على التخيير يجوز اختيار المخالف المخصص له، وعلى التساقط يسقط الخبران معاً ويكون المرجع هو العموم، دون الخبر الموافق له، بل قد يشكل على ذلك ترجيح عموم الكتاب لو عارضه عموم الخبر لا بنحو التباين، لأن ما سبق في آخر المقام الأول في وجه ترجيح عموم الكتاب يبتني على مرجحيته عند تعارض الخبرين.

ويندفع: بأن الاستبعاد المذكور لا يكفي في الخروج عن إطلاق المخالفة في نصوص الترجيح المتقدمة.

ولاسيما مع مقابلة المخالفة بالموافقة في المقبولة والصحيح ومرسل الكليني، مع وضوح صدق الموافقة بموافقة العموم الكتابي، وعدم اختصاصها بالمطابقة، بل لم يعبر في مرسل المفيد بالمخالفة، بل اكتفي فيه بوجود الشاهد من الكتاب، ولا ريب في صدق الشاهد بموافقة العموم الكتابي.

على أن ذلك لا يناسب تأخير الترجيح بموافقة الكتاب عن الترجيح بالشهرة في الرواية، مع وضوح أن شهرة الرواية إنما تقتضي عدم الريب في الخبر من جهة الصدور فقط في مقابل الشاذ الذي يرتاب في صدوره، أما المخالفة للكتاب بنحو التباين فهي تقتضي القطع ببطلان مضمون الخبر

وإن كان مشهوراً، بل مقتضى نصوص العرض أنه زخرف باطل مكذوب عليهم (ع) فالترجيح به أسبق.

بل ما فرض فيها أيضاً من معرفة الفقيهين الحكم من الكتاب والسنة لا يناسب المخالفة بنحو التباين، لعدم التباين بين مضامين الكتاب المجيد في أنفسهما، بل ولا بين مضامين السنة القطعية، ولا بين مضامين كل منهما على الظاهر.

كما أن ظاهر صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله أن المرجح المذكور إنما يرتفع موضوعه بعدم وجدان مضمون كل من الخبرين في الكتاب، وحمله على خصوص عدم الوجدان بنحو التنصيص بحيث يكون أحد الخبرين مخالفاً بنحو التباين بعيد جداً.

فالبناء على عموم نصوص الترجيح للمخالفة بنحو العموم والخصوص وأمثالها قريب جداً، بل هي كالمتيقن منها.

هذا، وفي المعارج: «إذا تعارض خبران وأحدهما موافق لعموم القرآن أو السنة المتواترة أو لإجماع الطائفة وجب العمل بالموافقة لوجهين، أحدهما: إن كل واحدة من هذه الأمور حجة في نفسه، فيكون دليلاً على صدق الخبر الموافق، الثاني: أن المنافي لا يعمل به لو انفرد عن المعارض، فما ظنك به معه!».

ويندفع الأول: بأن ما يوجب العلم بصدق مضمون الخبر من هذه الأمور هو الإجماع الموجب للعلم برأي المعصوم (ع) وما عداه لما كان قابلاً للتخصيص فليست دليليته على صدق الموافق إلاّ بلحاظ حجيته، وحيث كان الدليل المخالف حجةً أيضاً بمقتضى عموم دليل الحجية كان

تعيينه للسقوط ومرجحية الموافقة للعموم محتاجاً للدليل.

نعم، لو بني على تساقط المتعارضين تعين كون عموم الكتاب والسنة مرجعاً بعد تساقطهما، لا مرجحاً لموافقه منهما.

وأما الثاني فهو إنما يتم في الإجماع المذكور، حيث يعلم معه بكذب مضمون الخبر المخالف، وأما في عموم الكتاب والسنة فهو مبني على عدم تخصيصها بخبر الواحد، وهو خلاف التحقيق.

ثم إن مقتضى الجمود على قوله (ع) في المقبولة:

«ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به...» الاقتصار في مرجحية الكتاب على كون الموافق مخالفاً للعامة، دون ما إذا جهل حكمهم أو اختلف.

إلّا أن المناسبات الارتكازية تقتضي كون الكتاب مرجحاً مستقلاً، ولا سيما مع ما تضمنته بعد ذلك من مرجحية مخالفة العامة مستقلاً في فرض موافقتهما معاً للكتاب، إذ لو لم تكن موافقة الكتاب مرجحاً كذلك كان ضمها لمخالفة العامة لغواً.

كما قد يناسبه أيضاً اكتفاء الراوي وعدم سؤاله عن صورة موافقة أحد الخبرين للكتاب دون الآخر مع موافقتهما للعامة التي هي صورة شايعة.

فكأن منشأ السؤال عن مرجحية مخالفة العامة مستقلاً تخيل أن ضمها لموافقة الكتاب لمحض التأكيد بلحاظ معروفية مخالفتهم للكتاب بين الشيعة مع المفروغية عن مرجحية موافقة الكتاب مستقلاً.

كما أن الظاهر أن ضم السنة للكتاب مبني على الترجيح بكل منهما مستقلاً أيضاً، لما هو المرتكز من ابتناء الترجيح بهما على مرجعيتهما للأمة.

كما قد يناسبه فرض السائل بعد ذلك أخذ الفقيهين الحكم من الكتاب والسنة، مع وضوح إرادة الرجوع إليهما في الجملة ولو بالأخذ من أحدهما للاستغناء به.

هذا كله مضافاً إلى وفاء بقية نصوص المقام باستقلال مرجحية موافقة الكتاب، وعمدتها صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله.

الرابع: موافقة السنة.

الرابع: موافقة السنة

وينحصر الدليل عليه بمقبولة ابن حنظلة، بناءً على ما ذكرناه قريباً من أن ضم السنة للكتاب فيها مبني على استقلال مرجحية كلٍ منهما.

والمنصرف منها وإن كان هو خصوص سنة النبي (ص) إلا أنه لا يبعد تعميمه لسنة الأئمة (ع) بعد ما تضمن رجوعها لسنة النبي (ص) بلحاظ قرب كون منشأ الترجيح بالكتاب والسنة هو مرجعيتهما للأمة.

كما أن الظاهر الاختصاص بالسنة المقطوع بها، التي هي نظير الكتاب، لأنها هي الصالحة ارتكازاً للفصل في مورد الاختلاف، دون غيرها مما يكون كأحد المتعارضين ولا يزيد عليه. فلاحظ.

الخامس: مخالفة العامة.

الخامس: مخالفة العامة
اشارة

ويدل عليه جميع نصوص الترجيح السابقة، ومنها مرسل الاحتجاج عن سماعة بن مهران، ومرسل الكليني المتقدم عند الكلام في الإجماع على الترجيح، ومرسل المفيد المتقدم في الترجيح بموافقة الكتاب.

مضافاً إلى موثق عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (ع):

«قال: ما سمعته منّي يشبه قول الناس فيه التقية، وما سمعت مني لا يشبه قول الناس فلا تقية

فيه»(1)فإنه وإن كان مطلقاً شاملاً لصورة عدم التعارض، فيستلزم خروج الموافق لهم عن موضوع الحجية ذاتاً، إلا أن عدم إمكان البناء على عمومه لذلك ملزم بحمله على حال التعارض، فينفع في ما نحن فيه.

ومن هنا قد يستشهد أيضاً بمرفوع أبي إسحاق: «قال لي أبو عبد الله (ع): أتدري لم أمرتم بالأخذ بخلاف ما تقول العامة؟ فثانيها لا أدري. فقال: إن علياً (ع) لم يكن يدين الله بدين إلا خالف عليه الأمة إرادة لإبطال أمره، وكانوا يسألون أمير المؤمنين (ع) عن الشيء الذي لا يعلمونه، فإذا أفتاهم جعلوا له ضداً من عندهم ليلتبسوا على الناس»(2).

اللهم إلا أن يقال: المرفوع غير ظاهر في فرض وجود خبر مخالف لهم، وإلا فمن الظاهر أن مخالفتهم بنفسها ليست شرطاً في حجية الخبر، ولا دخل لها فيها، بل الأصل في خبر الثقة الحجية، وغاية ما قد يدعى مانعية موافقتهم منها، كما هو مقتضى إطلاق الموثق، ولا يقتضيه المرفوع، بل هو ظاهر في حجية نفس المخالفة.

نظير ما في خبر علي بن أسباط: «قلت للرضا (ع): يحدث الأمر لا أجد بداً من معرفته، وليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك. قال: فقال: ائت فقيه البلد فاستفته في أمرك، فإذا أفتاك بشيءٍ فخذ بخلافه، فإن الحق فيه»(3).

فلابد من حمله - بعد فرض حجيته في نفسه - على حال الضرورة - كما تضمنه الخبر - ولا سيما مع عدم الإطلاق له، لعدم وروده لبيان وجوب


1) الوسائل ج: 18، باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 46.

2) الوسائل ج: 18، باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 24.

3) الوسائل ج: 18، باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 23.

الأخذ بخلافهم، بل لتعليله مع المفروغية عنه، أو تأويله بما يناسب ما هو المعلوم من عدم وجوب مخالفتهم في كل شيء» كما هو الحال في معتبرة أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): «قال: ما أنتم والله على شيءٍ مما هم فيه، ولا هم على شيءٍ مما أنتم فيه، فخالفوهم فما هم من الحنيفية على شيء»(1)، حيث لا يبعد حمله على الردع عن تهيب مخالفتهم بسبب كثرتهم وسيطرتهم ودعاواهم العريضة، إذ قد يوجب ذلك قدسية لهم يستبعد معها اجتماعهم على الخطأ ويغفل عن ابتناء مذهبهم على الأصول الفاسدة والضلال عن الحق.

وأما الموثق فيشكل الاستدلال به بعدم كون المشابهة واللا مشابهة عبارة عن محض الموافقة والمخالفة لينفع فيما نحن فيه، بل الظاهر منهما معنى آخر راجع إلى نحو من المناسبة والمشاكلة بين كلامه (ع) وقول العامة أو المباينة بينهما، حيث قد يدرك المعاشر للعامة والمطلع على مذاهبهم والممارس لكلامهم وطرق استدلالهم نحواً من المعالم والمباني المميزة لها مضموناً أو استدلالاً، كمتابعة ولاة الجور واحترامهم والتسامح معهم واعتماد الأقيسة والاستحسانات في الأحكام ونحو ذلك، ويكون جري كلامه (ع) على ذلك معياراً في المشابهة لقول الناس والبعد عنها معياراً في عدمها، ولا مانع من الالتزام بمانعية ذلك من حجية الكلام مع قطع النظر عن التعارض.

ومجرد صعوبة إدراك ذلك لنا، لعدم ألفتنا لكلام العامة وبعدنا عنهم، لا يمنع من حمل الموثق عليه مع قرب تيسره للمخاطب.


1) الوسائل ج: 18، باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 2.

وبالجملة: الموثق بظاهره أجبني عما نحن فيه، وليس هو من سنخ المطلق المنطبق عليه، ليمكن حمله وقصره عليه.

فالعمدة في المقام: نصوص الترجيح المشار إليها المعتضدة بمعروفية الترجيح المذكور بين الأصحاب وجريهم عليه بنحو يقرب تحقق الإجماع منهم، حيث يبعد جداً مخالفتهم لمفاد هذه النصوص مع كثرتها ومعروفيتها بينهم وقرب مضامينها لأذواقهم ولظروف صدور الروايات، حتى لا يبعد كون المرجح المذكور ارتكازياً عند الطائفة المحقة مستغنياً عن الأخبار.

لكن قال المحقق (قدس سره) في المعارج: «قال الشيخ (قدس سره): إذا تساوت الروايتان في العدالة والعدد عمل بأبعدهما من قول العامة. والظاهر أن احتجاجه في ذلك برواية رويت عن الصادق (ع) وهو إثبات لمسألة علمية بخبر واحد، وما يخفى عليك ما فيه. مع أنه قد طعن فيه فضلاء من الشيعة، كالمفيد وغيره».

وهو كما ترى، لاستفاضة النصوص بذلك بنحو يبعد احتمال عدم صدور شيءٍ منها، فهي أشبه بالمتواتر الإجمالي، مع اعتضادها بما ذكرنا.

وكون المسألة علمية لا تثبت بخبر الواحد، مبني على ما اشتهر من عدم ثبوت المسألة الأصولية بالأدلة الظنية، وهو مختص بأصول الدين دون أصول الفقه.

وأما طعن المفيد فإن أراد به طعنه في التمسك بخبر الواحد في المسائل العلمية فقد عرفت حاله، وإن أراد به طعنه في المرجح المذكور فلعله يشير إلى ما حكي عن رسالة العدد، حيث قال بعد ذكر المرسل المتقدم في الترجيح بموافقة الكتاب: «وإنما المعنى في قولهم (ع): خذوا بأبعدهما

من قول العامة يختص ما روي عنهم في مدائح أعداء الله والترحم على خصماء الدين ومخالفي الإيمان، فقالوا (ع): إذا أتاكم عنا حديثان مختلفان أحدهما في قول [تولي. ظ] المتقدمين على أمير المؤمنين (ع) والآخر في التبري منهم، فخذوا بأبعدهما من قول العامة، لأن التقية تدعوهم بالضرورة إلى مظاهرة العامة بما يذهبون إليه من أئمتهم».

وهو كما ترى تكلّف لا مجال لحمل النصوص عليه، خصوصاً المقبولة، بل حتى المرسل، لوضوح الاستغناء بالترجيح بموافقة الكتاب عن الترجيح بمخالفة العامة في المسألة المذكورة.

على أنه لو تم إرادة ذلك منها فإلغاء خصوصية موردها والتعدي إلى ما نحن فيه هو الأنسب بالجهة الارتكازية التي أشار إليها. فلا ينبغي التأمل في المرجح المذكور.

ما ذكره الخراساني (قدس سره) من إرجاع المرجح المذكور إلى تمييز الحجة بلا حجة

هذا، وقد حاول المحقق الخراساني (قدس سره) تخريج المرجح المذكور على القاعدة بإرجاعه إلى تمييز الحجة عن اللاحجة، لا الترجيح بين الحجتين، ليحتاج للنصوص الخاصة.

بتقريب: أن أصالة الجهة لا تجري في الخبر الموافق لهم بعد الوثوق بصدور الخبر المخالف، للوثوق حينئذٍ بصدوره تقيةً.

وأما ما ذكره المحقق (قدس سره) في المعارج من احتمال أن يكون المخالف قد أريد به خلاف ظاهره لحكمةٍ مصححةٍ لذلك.

الإشكال فيه

ففيه: أن الاحتمال المذكور غير معتد به بالإضافة لاحتمال التقية في الموافق. فما ذكره المحقق الخراساني (قدس سره) لا يخلو عن وجه - ولذا لم يبعد كون المرجح المذكور ارتكازياً عند الطائفة، كما سبق - إلا أنه لا يبلغ

من الوضوح حداً يستغنى معه عن الأخبار الخاصة أو الإجماع القولي أو العملي، أو نحوهما من الأدلة التعبدية. بل قد ينافيه في الجملة نصوص الترجيح، لظهورها في تأخر المرجح المذكور عن الترجيح بموافقة الكتاب.

وإن كان الأمر غير مهم بعد عدم ظهور أثر عملي، للنزاع المذكور، لوجوب العمل بمخالف العامة وسقوط الموافق لهم عن الحجية على كل حال، إما بمقتضى القاعدة، لعدم جريان أصالة الجهة فيه حال المعارضة، أو تعبداً لأدلة الترجيح المذكورة.

وأشكل من ذلك ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) من عدم حجية موافق العامة ذاتاً حتى مع عدم المعارض له، إلا إذا احتف بقرائن، كقبول الأصحاب له وعملهم به، كما قد يستدل عليه برواية ابن أسباط المتقدمة.

لوضوح غرابة ما ذكره ومنافاته لأصالة الجهة المعوّل عليها عند العقلاء، فإن مجرد ابتلاء المتكلم بمن قد يتقيه لا يقتضي سقوط كلامه عن الحجية ما لم تقم أمارة على تقيته منه، ولولا ذلك لم تتأد التقية بالموافقة.

وأغرب من ذلك استدلاله برواية ابن أسباط، فإنها - مع ضعف سندها، وعدم ظهور انجبارها بالعمل، واختصاصها بحال الضرورة في مقام العمل وانسداد باب العلم - أجنبية عن مدعاة، إذ لا تدل على عدم حجية الخبر الموافق لهم، بل على حجية مخالفتهم على إصابة الواقع، فغاية ما يلزم تعارض الحجتين في مورد الخبر الموافق لهم، فيلزم حملها على حال فقد الخبر الموافق لهم، إما لاختصاصها به - كما ذكرنا - أو لأنه المتيقن من موردها.

وأما بقية ما تضمن الأمر بمخالفتهم، كمعتبرة أبي بصير المتقدمة،

فهي وإن كانت مطلقة، إلا أن اشتمالها على نفي كونهم من الحنيفية على شيءٍ مع العلم بإصابتهم لكثير من الأحكام الفرعية مانع من حملها على جعل طريقية مخالفتهم في الفروع للواقع بل لابد من تنزيلها على ما سبق أو نحوه مما يلائم ذلك.

وكان الأولى له الاستدلال بموثق عبيد بن زرارة المتقدم لولا ما عرفت من الإشكال في دلالته.

وبالجملة: لا ينبغي التأمل في حجية الخبر الموافق لهم ذاتاً، وتعينه للسقوط عن الحجية بوجود المعارض المخالف، وإنما الكلام في أن تعينه للسقوط مقتضى القاعدة الأولية وقد جرت عليها النصوص - كما سبق من المحقق الخراساني - أو تعبدي مستفاد من تلك النصوص - كما لعله الأظهر - ولا أثر لذلك في مقام العمل.

بقي في المقام أمور..

بقي أمور..
أولها: كون الموافقة موافقة لفتاوى العامة

أولها: أن مقتضى أكثر نصوص المقام أن المعيار في المرجح المذكور على موافقة فتاوى العامة وآرائهم ومخالفتها، كما هو مقتضى إطلاق الموافقة والمخالفة. ومقتضى صحيح عبد الرحمن أن المعيار على موافقة أخبارهم ومخالفتها.

والظاهر رجوعه للأول، لقضاء المناسبات الارتكازية بأن ذكر الأخبار بلحاظ كشفها عن رأيهم، لأنه المناسب للتقية التي يبتني عليها المرجح المذكور ارتكازاً، ولا تعم أخبارهم التي لا يعولون عليها ولا يعملون بها، كما يؤيده أنه كثيراً ما يوجد في رواياتهم ما يوافق مذهب الحق، وإن أهملوه.

وعلى هذا ينزل ما في خبر محمد بن عبد الله من قوله (ع):

«فانظروا

إلى ما يخالف منهما العامة فخذوه، وانظروا إلى ما يوافق أخبارهم فدعوه».

ثانيها: لابد من صحة نسبته للعامة

ثانيها: أن موضوع النصوص لما كان هو موافقة العامة والقوم ومخالفتهم، فلابد فيه من صحة نسبة الحكم لهم على عمومهم، والمتيقن منه صورة اتفاقهم عليه.

وقد يلحق بذلك ما إذا كان الحكم شايعاً بينهم مشهوراً عندهم، بحيث يعد المخالف فيه منهم لقلته وندوره شاذاً ولا يخل بنسبة الحكم إليهم عرفاً، إذ لا يبعد شمول النصوص له ولو بقرينة عدم خلو المسائل غالباً من الأقوال الشاذة النادرة، فلو حملت على الإجماع الحقيقي كان العمل بها نادراً، ولا سيما مع عدم تيسر الاطلاع على الإجماع بالنحو المذكور، حيث لا طريق غالباً لنفي الأقوال النادرة التي ليس من شأنها الظهور.

أما لو كان الخلاف بينهم ظاهراً، لتكافؤ الأقوال أو تقاربها أشكل تحقق المرجح المذكور لو كان أحد الخبرين موافقاً لأحد القولين أو الأقوال منهم في المسألة والثاني مخالفاً لإجماعهم.

اللهم إلّا أن يستفاد عمومه له من فرض موافقة الخبرين للعامة في المقبولة والمرفوعة، لظهوره في فهم السائل عموم الموافقة لموافقة بعضهم، لامتناع موافقتهما معاً لإجماعهم، وهو المناسب لارتكاز ابتناء المرجح المذكور على تحكيم احتمال التقية في الموافق دون المخالف، فإنه جار في الفرض المذكور، لعدم تأدي التقية مع اختلافهم إلا بموافقة بعض أقوالهم، فيتعين البناء على الترجيح فيه.

نعم، لا يعتد بموافقة الشاذ النادر، كما لا يخل موافقته بترجيح الخبر الموافق له المخالف للأقوال الشايعة على الموافق لها. فلاحظ.

ثالثها: عدم الفرق بين المعاصر لصدور الخبر والسابق عليها

ثالثها: حيث سبق أنه يكفي في الترجيح مخالفة الخبر لإجماع العامة وموافقة الآخر لبعضهم فلا يفرق في البعض بين أن يكون معاصراً لصدور الخبر وأن يكون سابقاً عليه ولا بين أن يكون منتسباً للسلطان بقضاءٍ ونحوه. وأن لا ينتسب له.

لإطلاق النص، بل مقتضى فرض موافقة الخبرين للعامة في المقبولة ثم الأمر فيها بترك ما حكامهم إليه أميل كون المراد من موافقة بعضهم ما يعم موافقة غير الحكام والقضاة.

مضافاً إلى عموم الجهة الارتكازية المشار إليها، لما هو المعلوم من أن مذهبهم في العصور السابقة على فتح باب الاجتهاد والاختلاف بمصراعيه فتتأدى التقية بموافقة أي منهم، وإنما يخشى من الفتوى المخالفة لإجماعهم، حيث تكون سبباً للتشهير والتشنيع بمخالفة المسلمين والشذوذ عنهم الذي ابتليت به هذه الطائفة.

نعم، يقصر الإطلاق عن الأقوال الحادثة لهم بعد صدور الخبر، لعدم تأدي التقية بها.

ومنه يظهر عدم الخصوصية للمذاهب الأربعة، لأن الحصر بها قد فرض عليهم في العصور المتأخرة عن عصور حضور الأئمة (ع)، بل بعضها قد حدث في أواخر عصورهم (ع) وربما كان في ما قبل ذلك ما هو أكثر شيوعاً وأجل قائلاً عندهم.

رابعها: ترجيح مخالفة ما حكام العامة إليه أميل والمراد منه

رابعها: تضمنت مقبولة ابن حنظلة رجوع الترجيح المذكور إلى ترجيحين طوليين: ترجيح مخالف العامة على موافقهم - الذي عرفت أن المراد به ما يعم موافق البعض - ثم ترك ما حكامهم وقضاتهم إليه أميل لو

وافقهم الخبران جميعاً.

وبه ترفع اليد عن إطلاق المرفوعة لو كانت حجة في نفسها. وحيث يختلف ميل الحكام باختلاف العصور فالمناسبات الارتكازية تقتضي ملاحظة عصر صدور الخبر، فلو وافق كل من الخبرين ما يميل إليه الحكام في عصر صدوره يسقط المرجح المذكور. وكذا لو جهل الحال. فلا حظ.

خامسها: الظاهر أن المراد بالعامة المخالفون الذين يتولون الشيخين ويرون شرعية خلافتهما على اختلاف فرقهم، لأن ذلك هو المنصرف إليه من العناوين المذكورة في النصوص.

نعم، يشكل شمولهم للخوارج، لأن تبرؤهم من سلاطين الجور المتأخرين وممن يدخل في جماعتهم ويمضي حكمهم على مر العصور أوجب نبذهم عند العامة ونظرتهم إليهم نظرة الشذوذ والمروق عن الجماعة، فينصرف عنهم الإطلاق، كما لا تتأدى التقية بموافقتهم.

ومثلهم في ذلك الزيدية البترية الذين يتولون الشيخين.

وكذا الفرق المخالفة للحق من الشيعة، لأن انتسابهم للشيعة أوجب عزلتهم عن جماعة المخالفين فلا يخشى جانبهم ولا يهتم بمجاملتهم، ولذا ورد الحث على مقاطعتهم ومباينتهم، بخلاف

العامة الذين لهم الحكم والسلطان. على أنه لم تسجل لهم غالباً آراء في الفروع يمتازون بها تكون معياراً في الموافقة والمخالفة في ما نحن فيه.

الساد س: الإجماع.

السادس: الإجماع

ففي الاحتجاج:

«وروي عنهم (ع) أيضاً أنهم قالوا: إذا اختلفت

أحاديثنا عليكم فخذوا بما اجتمعت عليه شيعتنا، فإنه لا ريب فيه»(1).

وظاهر الاجتماع هنا هو الاجتماع على العمل بالخبر والتعويل عليه الراجع إلى الإجماع في الفتوى، لا الإجماع على الرواية الذي قد يصاحب هجره عندهم ومفارقتهم له.

ولعلّه لذا لم يشر لاحتمال الاجتماع على الخبرين معاً، الذي هو ممكن في الإجماع على الرواية.

وحيث كان الإجماع على الفتوى من القرائن القطعية على مطابقة مضمون الخبر للواقع دون الآخر، فيخرج عن موضوع الحجية ذاتاً مع قطع النظر عن المعارضة فهو خارج عما نحن فيه من الترجيح بين الحجتين.

ولعله إنما نبّه على ذلك في الخبر لعدم وضوح هذا المعنى في الصدر الأول، وتخيل إمكان اجتماع الشيعة على الخطأ بسبب اختلاف الأخبار وابتلائهم بالتقية ونحوهما مما يوجب خفاء الواقع عليهم، على أن ضعف الخبر مانع من التعويل عليه لو كان مخالفاً للقواعد.

السابع: الأحدثية
اشارة

السابع: الأحدثية.

فقد تضمنت جملة من النصوص لزوم الأخذ بالأحدث. كمعتبر المعلّى بن خنيس: «قلت لأبي عبد الله (ع): إذا جاء حديث عن أولكم وحديث عن آخركم بأيهما نأخذ؟ فقال: خذوا به حتى يبلغكم عن الحي، فإن بلغكم عن الحي فخذوا بقوله قال: ثم قال أبو عبد الله (ع): إنا والله لا


1) الوسائل ج: 18، باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث 43، والاحتجاج: ج: 2 ص 109. طبع النجف الأشرف.

ندخلكم إلا في ما يسعكم»(1).

وخبر أبي عمرو الكناني: «قال لي أبو عبد الله (ع): يا أبا عمرو أرأيت لو حدثتك بحديث أو أفتيتك بفتيا ثم جئتني بعد ذلك فسألتني عنه فأخبرتك بخلاف ما كنت أخبرتك أو أفتيتك بخلاف

ذلك بأيهما كنت تأخذ؟ ثانيها بأحدثهما وأدع الآخر. فقال: قد أصبت يا أبا عمرو أبى الله إلا أن يُعبد سراً. أما والله لئن فعلتم إنه لخير لي ولكم، أبى الله عز وجل لنا في دينه إلا التقية»(2).

ومرسل الحسين بن المختار عنه (ع): «قال: أرأيتك لو حدثتك بحديث العام ثم جئتني من قابل فحدثتك بخلافه بأيهما كنت تأخذ؟ قال: كنت آخذ بالأخير. فقال لي: رحمك الله»(3).

ومرسل الكليني:

«وفي حديثٍ آخر: خذوا بالأحدث»(4).

ولم يتعرض شيخنا الأعظم (قدس سره) للمرجح المذكور مع تعرضه لنصوصه، وكذا من بعده من مشايخنا.

بل في الحدائق: «ولم أقف على من عد ذلك في طرق الترجيحات، فضلاً عمن عمل عليه غير الصدوق طاب ثراه في الفقيه...».

وقد أشار إلى ما ذكره في الفقيه في باب الرجلين يوصى إليهما، حيث ذكر حديثاً عن الإمام العسكري (ع) وآخر معارضاً له عن الإمام الصادق (ع) ثم قال: «لست أفتي بهذا الحديث، بل أفتي بما عندي بخط الحسن بن علي (ع).


1) الوسائل ج: 18، باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 8.

2) الوسائل ج: 18، باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 17.

3) الوسائل ج: 18، باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 7.

4) الوسائل ج: 18، باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 9.

ولو صح الخبران جميعاً لكان الواجب الآخذ بقول الأخير، كما أمر به الصادق (ع) وذلك أن الأخبار لها وجوه ومعان، وكل إمام أعلم بزمانه وأحكامه من غيره من الناس. وبالله التوفيق».

وفي الوسائل بعد أن ذكر مرسل الحسين بن المختار، «أقول: يظهر من الصدوق أنه حمله على زمان الإمام خاصة، فإنه قال في توجيهه: إن كل إمام أعلم بأحكام زمانه من غيره من الناس. انتهى. وهو موافق لظاهر الحديث. وعلى هذا يضعف الترجيح به في زمان الغيبة وفي تطاول الأزمنة. ويأتي ما يدل على ذلك. والله أعلم».

لكن حمل كلام الصدوق على ذلك لا يلائم رجوعه للمرجح المذكور في صدر كلامه.

كما أنه لا وجه لاستظهاره من الحديث المذكور، فإن مقتضى إطلاق الخبر وجوب العمل على الأحدث حتى بعد وفاة الإمام، بل هو كالصريح من خبر المعلّى، المتضمن وجوب العمل بقول الإمام السابق حتى يبلغ خلافه عن الحي.

التحقيق في أقربية الأحدث وعدمه

فالذي ينبغي أن يقال: من الظاهر أن تأخر الزمان لا دخل له في أقربية الدليل المتأخر للواقع وقوة كاشفيته. ومن هنا لم يكن المستفاد من هذه النصوص الترجيح إثباتاً بين الحجتين بلحاظ طريقيتهما للواقع، بل الترجيح ثبوتاً بين الحكمين المحكيين بهما من دون قصور في حجيتهما، بلحاظ جريان الأحدث على طبق الوظيفة الفعلية التي يدركها إمام الوقت، سواء كانت هي الحكم الواقعي الثانوي، لحدوث سبب التقية الرافع للحكم الأولي المبين بالدليل الأسبق، أو لتبدل مقتضى التقية، أم كانت هي الحكم

الأولي، لارتفاع سبب التقية التي كان الحكم الأسبق جارياً على مقتضاها.

كما هو مقتضى قوله (ع):

«إنا والله لا ندخلكم إلاّ في ما يسعكم...» قوله (ع):

«أبى الله إلا أن يعبد سراً...»، لمناسبتهما لتوجيه اختلاف نفس الحكمين المحكيين بالدليلين، لأنه هو الذي يسع الشيعة والذي يرجع إلى عبادة السر والتقية في مقام العمل، لا لتوجيه اختلاف نفس الدليلين في بيان الواقع، الراجع للتقية في الفتوى، التي هي من شؤون الإمام المختصة به.

كما يناسبه أيضاً ما تضمنه خبر الكناني ومرسل الحسين بن المختار من رجوع الراوي بطبعه للمرجح المذكور من دون أن ينبهه الإمام له، ومن الظاهر أن الأمر الارتكازي هو العمل على الحكم الأحدث الذي يدركه إمام الوقت، لا ترجيح الحجة الأحدث بلحاظ كاشفيتها.

وبالجملة: الترجيح بالأحدثية راجع للترجيح بين الحكمين ثبوتاً، لا بين الحجتين إثباتاً الذي هو محل الكلام، وعليه تجري المرجحات المتقدمة.

إذا عرفت هذا، فاختلاف الدليلين في الحكم إن كان مع وحدة الحكم الذي يكونان حجة عليه، وهو الحكم الأولي الثابت بأصل التشريع غير القابل للتبدل في فرض عدم النسخ، فلا موضوع معه للترجيح بين الحكمين ثبوتاً، بل يتعين التكاذب بين الدليلين الذي هو منشأ للتعارض بين الدليلين وموضوع للترجيح إثباتاً بينهما، كما تضمنته أكثر نصوص المقام.

وإن كان مع تعدد الحكم الذي يكونان حجة عليه، للحكاية بهما عن الحكم الفعلي الثابت حين صدور كل منهما، ولو كان ثانوياً، فلا موضوع

معه للترجيح بينهما إثباتاً، لعدم التكاذب ولا التعارض بينهما، بل يتعين معه الترجيح بين الحكمين ثبوتاً بالأخذ بالأحدث، كما تضمنته النصوص المتقدمة، فلا يجري الترجيح بالأحدثية مجرى سائر المرجحات، بل هو مختلف معها سنخاً وموضوعاً.

هذا، وحيث لا ريب في ظهور النصوص الواردة عن المعصومين (ع) في بيان الحكم الواقعي الثابت في أصل التشريع غير القابل للتغيير في فرض عدم النسخ، دون الأحكام الفعلية الثابتة لأجل التقية ونحوها القابلة للتغير، كان اختلافها في الموضوع الواحد موجباً لتعارضها في أنفسها ومورداً للمرجحات الإثباتية المتقدمة، ولا مجال فيها للترجيح بالأحدثية، نظير ما سبق في مباحث الجمع العرفي من عدم التعويل على احتمال النسخ.

ويتعين حمل نصوص الترجيح بالأحدثية على ما إذا احتف الكلام بما يناسب حمله على بيان الوظيفة الفعلية ولو كانت ثانوية، كالقطع بعدم كون مضمونه هو الحكم الأولي، مع ظهور الخطاب به في الجدية المستتبعة للعمل، نظير ما ورد من أمر الكاظم (ع) علي بن يقطين بوضوء العامة، حيث أدرك عليّ أن الأمر المذكور ثانوي لمخالفته لما عليه إجماع العصابة في كيفية الوضوء، كما صرح به في الخبر(1).

وربما يشير إليه ما في خبر الخثعمي: «سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: من عرف أناّ لا نقول إلاّ حقاً فليكتف بما يعلم مناّ، فإن سمع مناّ خلاف ما يعلم فليعلم أن ذلك دفاع مناّ عنه»(2)، فإن الفتوى التي تدفع عن المكلف هي


1) الوسائل ج: 1، باب: 32 من أبواب الوضوء حديث: 3.

2) الوسائل ج: 18، باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 3.

الفتوى بالحكم الثانوي المطابق لمقتضى التقية في حقه، لا الفتوى الصورية تقية غير المستتبعة للعمل مع العلم بحالها، فإنها تدفع عن المفتي لا غير.

وذلك هو المناسب لما تضمنه خبر الكناني ومرسل الحسين بن المختار من ترجيح الراوي الأحدث بطبعه من دون أن ينبهه الإمام (ع)، له لاختصاص الجهة الارتكازية المقتضية لذلك بما إذا أحرز أن كلاً من الخطابين متكفل بالوظيفة الفعلية وإن كانت ثانوية، دون ما إذا كانا واردين لبيان الحكم الأولي غير القابل للتعدد، لعدم الفرق بين الأحدث وغيره في احتمال مخالفة الواقع.

بل ما تضمنه خبر الكناني من فرض تعدد الاستفتاء من الشخص الواحد في الواقعة الواحدة مناسب لكون المسؤول عنه هو الحكم الفعلي القابل للاختلاف في عامين، إذ لا داعي غالباً لتكرار السؤال عن الحكم الأولي الذي لا يختلف.

وأما ما تضمنه هو ومرسل الحسين بن المختار من فرض اختلاف الحديثين المسموعين من الإمام، مع ظهور الحديث في ما يحكيه الإمام عن النبي (ص) أو الوصي مما هو ظاهر في الحكم الأولي الثابت بأصل التشريع.

فلابد من تنزيله لأجل ذلك على فرض قيام القرينة على كون نقل الإمام للحديث لبيان الوظيفة الفعلية وإن كانت ثانوية على خلاف ظاهره، لعدم المصلحة بالتصريح فيه بالتقية، فلا يمنع التعارض بين الحديثين من العمل بكل منهما بعد نقل الإمام له.

نعم، ذلك لا يناسب إطلاق خبر المعلى، لظهوره في اختلاف الحديثين المحكيين عن الإمامين الشامل لما إذا كان كل منهما ظاهراً في

بيان الحكم الأولي الثابت بأصل التشريع، وقد سبق أن ذلك هو الظاهر في عموم الأحاديث، وهي التي تكون مورداً للابتلاء والعمل.

ولا سيما مع توقف الراوي وسؤاله عن الوظيفة فيه، مع أن العمل بالأحدث في فرض ظهور الحديث في بيان الوظيفة الفعلية وإن كانت ثانوية أمراً ارتكازياً لا يحتاج إلى سؤال، فلابد أن يكون منشأ السؤال ظهور الأحاديث المسؤول عنها في بيان الحكم الأولي الموجب للتعارض والتحير.

ويكون الجواب بوجوب العمل بالأحدث كاشفاً عن ورود تلك الأحاديث لبيان الوظيفة الفعلية ولو كانت ثانوية، وإن كان ذلك خلاف ظهورها الأولي.

ولا مجال لحمله على الترجيح إثباتاً بالأحدثية بين الحجتين في فرض تعارضهما تعبداً، لعدم مناسبته لقوله (ع):

«إنا والله لا ندخلكم إلاّ في ما يسعكم».

فالخبر المذكور كاشف عن حال اختلاف الأخبار، وأنه ليس راجعاً إلى تعارض الحجتين إثباتاً في الحكم الواحد، كما هو مقتضى ظهورها البدوي، بل إلى تعدد الحكم ثبوتاً بلحاظ العناوين الثانوية

القابلة للتبدل، الذي يلزم معه الأخذ بالأحدث والجري عليه حتى يصدر خلافه، لأن إمام الوقت أعرف، بحكمه.

لكن ذلك مخالف للنصوص الكثيرة الظاهرة في حجية الأخبار في معرفة الحكم الشرعي الأولي ولزوم العمل عليها في ذلك، كما هو ظاهرها البدوي، كنصوص الترجيح والتوقف الظاهرة في رجوع اختلاف الأخبار

إلى تعارض الحجتين، ونصوص العرض على الكتاب والسنة الملزمة بطرح ما خالفهما، لوضوح أنه لو كان البناء على العمل بالخبر الأحدث لمطابقته للوظيفة الفعلية وإن كانت ثانوية لكان حكم المخالف مقدماً على حكم الكتاب والسنة.

مضافاً إلى ما هو المعلوم من سيرة الأئمة (ع) من عدم التصدي لبيان الوظيفة الفعلية الثانوية في حق جميع الشيعة، بنحو تتجدد البيانات العامة منهم (ع) باختلاف المناسبات والظروف، بل البناء على العمل بالأحكام الأولية بعد تشخيصها - كما هو مقتضى الوضع الطبيعي المناسب للأمر بالأخذ بخلاف العامة - وإيكال تشخيص الوظيفة الثانوية من حيثية التقية في حق كل شخص إليه - كما يشخصها من سائر الجهات، كالحرج والضرر - لاختلافها باختلاف الأشخاص والظروف غير المنضبطة عادة، ولذا ورد الحث على التقية مع وضوح الاستغناء عنه لو كان تشخيص مقتضاها من وظيفة الإمام (ع).

وإنما صدر منهم في مناسبات نادرة تشخيص الوظيفة الثانوية في حق بعض الأشخاص وخطابهم على طبقها، كقصة علي بن يقطين ونحوها.

ولا مجال مع ذلك للتعويل على خبر المعلى، ولا سيما مع معارضته لنصوص الترجيح والتخيير والتوقف التي يتعذر حملها على خصوص صورة الجهل بالأحدث، لندرتها في عصر حضور الأئمة (ع).

بل اللازم بناء عليه التوقف عن الترجيح حتى مع الجهل بالأحدث، لعدم صلوح المرجحات المذكورة فيها لتشخيص الوظيفة الثانوية المفروض اهتمام الأئمة (ع) ببيانها.

مضافاً إلى ظهور إعراض الأصحاب عنه في مقام العمل حتى في عصر ظهور الأئمة (ع)، لأن الجري عليه موجب لانقلاب مقياس الفقه بنحو لا يخفى عادة.

فلابد من حمله على ظروف خاصة أو بيانات خاصة نظير ما سبق في خبر الكناني ومرسل الحسين بن المختار، ولا يتخذ قاعدة عامة يعمل عليها، ولا سيما في عصر الغيبة المتطاول الذي يعلم بعدم بقاء مقتضي التقية فيه على النحو الذي بدأ.

ولعل هذا هو المنشأ الارتكازي لما تقدم من الوسائل من عدم الرجوع للمرجح المذكور في عصر الغيبة، ومن الحدائق من عدم تعرض الأصحاب له، فضلاً عن عملهم عليه. حتى أن الكليني مع روايته للنصوص المذكورة لم يعمل بها ولم يشر إليها في ما سبق من كلامه في ديباجة الكافي الذي يسجل رأيه في الترجيح.

هذا وفي صحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام:

«قلت له: ما بال أقوام يروون عن فلان وفلان عن رسول الله (ص) لا يتهمون بالكذب فيجيء منكم خلافه؟ قال: إن الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن». وهو إن لم ينصرف إلى خصوص حديث النبي (ص)، فلا أقل من لزوم حمله عليه بلحاظ ما تقدم عند الكلام في الجمع العرفي من أن المستفاد من أحاديثهم (ع) أنهم بصدد الأحكام الثابتة في عصر النبي (ص).

الثامن: موافقة الاحتياط.

الثامن: موافقة الاحتياط

وقد انفردت بها مرفوعة زرارة، التي تقدم عدم صلوحها للاستدلال. فلا يهم مع ذلك تحقيق المعيار في الموافقة والمخالفة، وأنه كيف يمكن

فرضهما في الخبرين معاً، كما تضمنته المرفوعة. فإنه وإن كان قد يصور موافقتهما معاً له فيما لو كان كل منهما مقتضياً للتكليف بشيءٍ، كما لو دل أحدهما على وجوب الجمعة والآخر على وجوب الظهر، بلحاظ أن متابعة احتمال الوجوب في كل منهما أحوط عملاً من البناء على عدمه.

كما قد تصور مخالفتهما معاً له فيما لو كان نافياً للتكليف، كما لو دل أحدهما على عدم وجوب الظهر والآخر على عدم وجوب الجمعة.

إلا أنه يشكل بأن دلالة كل منهما على التكليف أو عدمه إن لم تكن مع دلالة التزامية مناقضة لدلالة الآخر، لإمكان ثبوت التكليف على طبقهما معاً أو عدمه كذلك، لم يكونا متعارضين، وإلا كان كل منهما موافقاً للاحتياط من جهة ومخالفاً له من جهة أخرى.

وتنزيل الموافقة للاحتياط والمخالفة له على ما يعم ذلك - مع مخالفته لإطلاقهما - لا يناسب الترديد بينهما للتلازم بينهما حينئذ. إلّا أن يكون الملحوظ فيهما المدلول المطابقي فقط. والأمر سهل بعد ما ذكرنا.

التاسع: ترجيح المحكم على المتشابه.

التاسع: ترجيح المحكم على المتشابه

ففي الصحيح عن أبي حيون مولى الرضا عنه (ع):

«قال: من رد متشابه القرآن إلى محكمه فقد هدي إلى صراطٍ مستقيم. ثم قال: إن في أخبارنا محكماً كمحكم القرآن ومتشابهاً كمتشابه القرآن، فردوا متشابهها إلى محكمها، ولا تتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا(1)»، ولا يخفى أن المتشابه ليس حجة في عرض المحكم، سواء أريد به المجمل بدواً الذي لا يكون اتباعه إلا بالتأويل التحكمي الخالي عن القرينة، أم الظاهر الموهم


1) الوسائل ج: 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 22.

خلاف الواقع، والذي يعلم بعدم إرادة ظاهره بالنظر في القرائن العقلية أو النقلية، بحيث يكون النظر في القرائن موجباً لإجماله عرضاً بعد القطع بعدم إرادة ظاهره، أو لاستكشاف المراد الحقيقي به، كالظاهر مع الأظهر أو النص، ويكون اتباعه بالعمل بظهوره البدوي من دون تأمل في القرائن.

فليس العمل بالمحكم دون المتشابه من ترجيح إحدى الحجتين على الأخرى الذي هو محل الكلام.

وإنما ذكرناه هنا - كما ذكرنا بعض ما سبق - لاستقصاء مفاد النصوص التي عدت من نصوص الترجيح في كلام شيخنا الأعظم وغيره.

وقد تحصل من جميع ما ذكرنا: أن المرجحات المنصوصة تنحصر بالشهرة في الرواية، وموافقة الكتاب والسنة، ومخالفة العامة، وهي التي اقتصر عليها الكليني (قدس سره) تقريباً في ما سبق من كلامه. وأن ما عداها مما تعرضت له النصوص إما لا تنهض نصوصه بإثباته، لضعفها سنداً أو دلالة، أو لا يرجع للترجيح بين الحجتين المتعارضتين، بل إلى وجوب العمل بالحجة منهما. فلاحظ.

المبحث الثالث: في التعدي عن المرجحات المنصوصة
اشارة

أشرنا في التنبيه الثاني من تنبيهات المقام الأول في أصالة التساقط في المتعارضين إلى أن احتمال ترجيح أحد المتعارضين تعبداً لا يكفي في البناء على حجيته والخروج عن أصالة التساقط، بل لابد من إحراز ترجيحه وحجيته.

وأما بالنظر إلى الأدلة الخاصة فإن كان البناء على التساقط مع فقد المرجح ولو من جهة الأصل المذكور، فالأمر كذلك، للشك في حجية محتمل الرجحان.

وإن كان البناء على التخيير، فإن كان مبنياً على إطلاق يقتضي التخيير بين المتعارضين يصلح دليلاً على نفي الترجيح بينهما لزم الاقتصار في الخروج عنه على ما ثبت ترجيحه، والبناء على عدمه مع الشك وحجية محتمل المرجوحية أخذا بالإطلاق المذكور.

وإن لم يكن لدليل التخيير إطلاق، بل كان المتيقن عدم سقوط كلا المتعارضين، تعين الاقتصار في التخيير على صورة العلم بعدم المرجح لأحد الدليلين، لأنه المتيقن من مورد التخيير، ومع احتمال الترجيح يلزم

العمل عليه، للعلم بحجية محتمل الرجحان والشك في حجية الآخر الملزم بالبناء على عدم حجيته.

هذا، وحيث لا دليل على التخيير - لو تم - إلا النصوص التي يأتي الكلام فيها، والتي لها إطلاق في نفسها، فلا فرق بين القول بالتساقط والقول بالتخيير في عدم التعويل على احتمال الترجيح.

وأما ما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) في آخر تنبيهات دليل الانسداد من سقوط إطلاقات التخيير عن الحجية، للعلم بوجوب الترجيح إجمالاً وعدم وفاء المرجحات المنصوصة بالمقدار المعلوم بالإجمال، فيتعين الاكتفاء بالظن بالترجيح.

فهو كما ترى! إذ لو سلم العلم بوجوب الترجيح إجمالاً فالمرجحات المنصوصة وافية بالمعلوم بالإجمال، ولا يعلم بوجود غيرها، لتسقط إطلاقات التخيير عن الحجية.

ولو سلم ما ذكره لزم الاقتصار في التخيير على المتيقن، ووجب الترجيح بمجرد احتماله، للعلم بحجية محتمل الرجحان والشك في حجية محتمل المرجوحية، ولا وجه للاقتصار على الظن بالترجيح، فضلاً عن الترجيح بالظن بمطابقة أحد المتعارضين للواقع، كما لعله عليه عملهم، ويأتي ما يناسبه.

وقد أطال (قدس سره) في النقض والإبرام بما لا مجال لمتابعته فيه، بل نكتفي بما علقناه على كلامه. ولا مخرج عما ذكرنا من لزوم الاقتصار في الترجيح على المتيقن من دون فرق بين القول بالتساقط والتخيير.

المبحث الثالث: في المرجحات غير المنصوصة

إذا عرفت هذا، فالمعروف من جماعة من الأصحاب التعدي عن

المرجحات المنصوصة لكل مزية، بل نسب شيخنا الأعظم (قدس سره) إلى جمهور المجتهدين عدم الاقتصار على المرجحات الخاصة، وقد أشار في آخر تنبيهات الانسداد لبعض الكلمات الشاهدة منهم بذلك، بل نسب لبعض مشايخه استظهار الاتفاق على الترجيح بكل ظن، كما قال في مبحث الترجيح: «ادعى بعضهم ظهور الإجماع وعدم ظهور الخلاف على وجوب العمل بالراجح من الدليلين بعد أن حكى الإجماع عليه عن جماعة».

وربما يستدل بذلك في المقام، فقد ذكر شيخنا الأعظم (قدس سره) في آخر تنبيهات الانسداد: أن تتبع كلماتهم يوجب الظن القوي بل القطع بأن بناءهم على الأخذ بكل مزية، بنحوٍ يظهر منه قوة التعويل على ذلك من جهة الإجماع.

لكن لا مجال لدعوى الإجماع بعد ظهور كلام الكليني المتقدم في الاقتصار على المرجحات المنصوصة، بل لا يبعد استظهاره من جميع القدماء الذين لا طريق لمعرفة آرائهم إلا النصوص التي يروونها ويثبتونها في كتبهم، ولا أقل من عدم إمكان نسبة العموم إليهم. بل النظر في كلامهم في الفقه قد لا يناسب ذلك.

على أن بعض ما نقل عمن صرح بذلك منهم راجع إلى بعض الوجوه الاعتبارية التي لا تصلح للاستدلال، ولا يظهر منهم ابتناء ذلك على التعبد الشرعي الذي قد يخفى علينا ويستكشف من إجماعهم، حتى ظن بعض المتأخرين - في ما حكي عنه - ابتناء ذلك منهم على متابعة طريقة العامة.

وإن كان الأنسب حمل ذلك منهم على الاحتياط في تحري أقرب الدليلين للواقع إما لبنائهم على التخيير وعدم تساقط المتعارضين، مع

الغفلة - بسبب الأنس بارتكازية ذلك - عن ورود إطلاقات التخيير وعدم وجوب الاحتياط معها. وإما لبنائهم على التساقط، لكن مع الاقتصار على ما لابد منه، استيحاشاً من إهمال النصوص، مع الغفلة أيضاً عن أن مقتضى القاعدة عموم التساقط مع التعارض.

ولعله لبعض ما ذكرنا أنكر ذلك غير واحد من المتأخرين، خصوصاً المحدثين، قال في الحدائق: «وقد ذكر علماء الأصول من وجوه الترجيحات في هذا المقام بما لا يرجع أكثره إلى محصول، والمعتمد عندنا على ما ورد عن أهل بيت الرسول من الأخبار المشتملة على وجوه الترجيحات...».

وبالجملة: لا مجال لدعوى الإجماع على التعدي عن المرجحات المنصوصة، فضلاً عن الاستدلال به للخروج عن مقتضى الأصل المتقدم مع الشك في مرجحية بعض الأمور.

هذا، وقد حاول شيخنا الأعظم (قدس سره) إثبات ذلك من نصوص الترجيح بدعوى ظهور بعض الفقرات فيها في التعدي بالنحو المذكور.

ما ذكره الشيخ الأعظم من التعدي لكل مزية

منها: الترجيح بالأصدقية في المقبولة، وبالأوثقية في المرفوعة، لقضاء المناسبات الارتكازية بأن اعتبارهما ليس تعبدياً محضاً، كاعتبار الأعدلية والأفقهية، بل لأن الخبر الواجد لهما أقرب للواقع في نظر الناظر من دون خصوصية سبب فيتعدى منه لكل ما يوجب أقربية أحد المتعارضين من الآخر.

وفيه: في - مع أن الترجيح بالصفات لم يثبت في نفسه، كما سبق -: أن المناسبات الارتكازية إنما تقتضي كون الملحوظ للشارع هو الأقربية النوعية بنظره، وهي العلة لمرجحيتها، لا أن موضوع الترجيح هو الأقربية

الشخصية أو النوعية بنظر المكلف ليتعدى عن موردها.

نظير ما تضمن حجية خبر الثقة والصادق، حيث تقتضي المناسبات الارتكازية كون القرب للواقع نوعاً بنظر الشارع علة لحجيته، لا أن موضوع الحجية هو القرب الشخصي أو النوعي بنظر المكلف، ولذا لا يتعدى عن مورده لكل ما يقتضي ذلك ولو لم يكن خبراً.

الترجيح بالأصدقية والأوثقية

ومنها: تعليل الترجيح بالشهرة في المقبولة بقوله (ع): «فإن المجمع عليه لا ريب فيه» بدعوى: أن نفي الريب في المشهور ليس حقيقياً، إذ ليس المشهور قطعياً من جميع الجهات الصدور والدلالة والجهة، بل إضافي، بمعنى أن المشهور لا ريب فيه بالإضافة للشاذ، لأن الريب في الشاذ من حيثية الشذوذ غير وارد فيه، فيفيد الترجيح بكل مزية في أحد الخبرين، لأن في فاقد المزية منشأ لاحتمال مخالفة الواقع غير موجود في واجدها.

وفيه: أن مناسبة الحكم والموضوع تقتضي حمل نفي الريب على نفيه من حيثية الصدور فقط، فلا يمتنع البناء على كون نفيه حقيقياً، الراجع إلى الاطمئنان بالصدور والركون إليه، على ما سبق، في مقابل ما يكون مورداً للريب لشذوذه، فيدل على مرجحية عدم الريب في الصدور ولو بسبب غير الشهرة من القرائن المحيطة بالخبر، ولا يتعدى منه لكل احتمال ولو من غير جهة الصدور.

وإلا فإطلاق تقديم المشهور لذلك لا يحسن إذ كثيراً ما يكون الشاذ واجداً لمزية يفقدها المشهور، حيث يتعين حينئذ التوقف، لتعارض المرجحين.

استفادة ذلك من تعليل الترجيح بمخالفة العامة

ومنها: تعليل ترجيح الخبر المخالف للعامة بأن الحق والرشد في

خلافهم وأن ما وافقهم فيه التقية، فإن هذه كلها قضايا غالبية لا دائمية، فيدل بحكم التعليل على وجوب ترجيح كل ما كان معه أمارة الحق والرشد وترك ما فيه مظنة خلاف الحق والصواب.

وفيه: أن المقبولة لم تتضمن التعليل بذلك، بل الحكم به، وظاهره أنه دائمي واقعي في فرض التعارض الذي هو مورد التعليل، فإن ثبت خلافه تعين حمله على كونه دائمياً ظاهرياً، لأنه الصالح لأن يترتب عليه العمل، دون الغالبي الواقعي. وإنما استفيد التعليل بذلك من المرفوعة التي سبق عدم صلوحها للاستدلال.

مع أن التعليل المذكور لو لم يكن دائمياً في مورده وكان غالبياً فحيث لم يصرح بالغلبة في التعليل، بل كان لسانه قضية دائمية، فلا طريق للتعدي بمعيار الغلبة أو الظن، بل غاية الأمر كشف ذلك عن اكتفاء الشارع بالغلبة المذكورة علة للترجيح، وكونها مصححة بنظره لإطلاق القضية الظاهرة في الدوام، ولا طريق للتعدي عنها، للجهل بخصوصياتها المنظورة له. وهو راجع إلى كون التعليل حكمة، لا موضوعاً للحكم يطرد تبعاً له.

وأما ما تضمن أن ما وافقهم فيه التقية فقد سبق أنه ليس من نصوص المرجح المذكور، كما هو الحال في غير واحد من الألسنة التي تضمنتها بعض النصوص. فراجع.

استفادة ذلك من دع ما يريبك إلى ما لا يريبك

ومنها: قوله (ع): «دع ما يريبك إلى مالا يريبك»(1)، قال (قدس سره): «دل على أنه إذا دار الأمر بين أمرين في أحدهما ريب ليس في الآخر ذلك الريب يجب الأخذ به، وليس المراد نفي مطلق الريب، كما لا يخفى».


1) الوسائل ج: 18 باب: 12 عن أبواب صفات القاضي حديث: 56.

وفيه: أن ذلك ليس من نصوص الترجيح بين الخبرين، ليتعين كون موضوع الريب فيه ونفيه هو الخبر، كما قد يتعين حمل نفي الريب فيه على الإضافي، بل هو عبارة عن مرسل مستقل ظاهر في وجوب الاحتياط في مقام العمل باجتناب ما فيه الريب، ولا مانع من إبقائه على ظاهره وحمل نفي الريب فيه على الحقيقي بنحو السالبة الكلية في مقابل ما فيه ريب ولو من جهة واحدة بنحو الموجبة الجزئية.

ولذا سبق منه (قدس سره) عدّه من أدلة الاحتياط التي يحتج بها للأخباريين، كما هو ظاهر الوسائل أيضاً.

وقد تعرض (قدس سره) في التنبيه السادس من تنبيهات دليل الانسداد لبعض الوجوه الأخرى التي هي أوهن مما سبق لا مجال لإطالة الكلام فيها.

هذا كله مضافاً إلى إباء نصوص الترجيح الحمل على ذلك بعد ما تضمنته من الترتيب بين المرجحات والاقتصار على قليل منها، واشتمالها على ما لا يوجب الأقربية للواقع، كموافقة الاحتياط التي تضمنتها المرفوعة وإن لم تكن معولاً عليها عملاً.

كما قد تأباه نصوص التخيير والتوقف، لندرة التساوي بين الخبرين من جميع الجهات، وليس هو كتقييدها بالمرجحات المنصوصة، لكثرة تساوي المرجحات فيها وقرب الاعتماد في الإطلاق على وضوح بعضها، لارتكازيته في الجملة.

وأشكل من ذلك ما استقربه شيخنا الأعظم (قدس سره) من اعتماد من ذهب إلى التعدي عن المرجحات المنصوصة على الوجوه المتقدمة، مع ما هي عليه من الخفاء وعدم الإشارة في كلماتهم إليها، بل ظهور بعضها في الاعتماد

على بعض الوجوه الاستحسانية التي لا دخل لها بمفاد النصوص، كما سبق.

وأما ما ذكره (قدس سره) من أن التأمل الصادق في أخبار التخيير يقضي باختصاصها بصورة تكافؤ المتعارضين من جميع الوجوه.

فلم يتضح المنشأ له بعد إطلاقها وعدم الاستفصال فيها، بل عدم الإشارة في بعضها إلى التكافؤ أصلاً، والاقتصار في بعضها على صورة التكافؤ في خصوص المرجحات المنصوصة، كمرفوعة زرارة المتقدمة.

ومثله الاستدلال على ذلك بما في كلام بعضهم في وجه لزوم الترجيح من لزوم الأخذ بأقوى الدليلين.

فإنه إنما يتم لو أريد به ما هو الأقوى منهما بنظر الشارع، الراجع للزوم ثبوت الترجيح من قبله.

وأما لو أريد به ما هو الأقوى بنظرنا، لمزيةٍ فيه توجب أقربية للواقع والظن بمطابقته له.

فهو نظير حجية الظن لا دليل عليه، بل الدليل على عدمه بعد فرض تساوي الدليلين بالنظر لأدلة الحجية الشرعية، وأدلة التخيير والتوقف.

فلا معدّل عما يظهر من النصوص من لزوم الاقتصار على المرجحات المنصوصة وعدم التعدي عنها، الذي سبق في صدر المبحث أنه المطابق للأصل والقاعدة المعوّل عليهما في المقام.

بقي في المقام أمران..

بقي أمران..
الأول: المعيار في التعدي عن المرجحات

الأول: أن المعيار في التعدي عن المرجحات غير المنصوصة على ما يوجب أقربية مضمون أحد الخبرين للواقع وأبعدية الآخر عنه، سواءً كان

داخلياً قائماً بالخبر - كالنقل باللفظ وقرب السند - أم خارجياً حجةً بنفسه كالعموم، أو لا كالشهرة. لأن ذلك هو الذي تقتضيه الوجوه المتقدمة لو تمّت.

أما ما لا دخل له بالأقربية للواقع، كموافقة الأصل، وأولوية الحرمة من الوجوب، فالوجوه المذكورة تقصر عنه، بل لابد في الترجيح به من دليل آخر، وهو غير ظاهر.

فإن دليل الأصل إنما يقتضي كونه مرجعاً بعد تساقط المتعارضين، لا مرجحاً لأحدهما. كما أن أولوية الحرمة من الوجوب - لو تمت - مختصة بما إذا علم بثبوت أحدهما من دون حجة على كل منهما، على ما سبق الكلام فيه في مبحث الدوران بين الوجوب والحرمة، وهو إنما يتم مع العلم بصدق أحد الخبرين مع البناء على تساقطها، فتكون القاعدة مرجعاً كالأصل، لا مرجحاً، أما مع احتمال كذبهما معاً فلا دوران بين الحكمين. كما أنه بناء على التخيير يكون دليل الوجوب حجة تخييراً مؤمناً من احتمال الحرمة، فلا يتنجز معه احتمالها، ليتعين العمل عليه.

ولا مجال لإطالة الكلام في ذلك بعد ما سبق من عدم تمامية قاعدة الأولوية المذكورة.

كما لا مجال للكلام في ما أطال فيه شيخنا الأعظم (قدس سره) من تعداد المرجحات وأقسامها، لابتنائه على التعدي عن المرجحات المنصوصة، الذي عرفت أنه خلاف التحقيق.

الثاني: لو كان كل من الخبرين واجداً لمزية أو أكثر

الثاني: أنه بناء على التعدي عن المرجحات المنصوصة فلو كان كل من المتعارضين واجداً لمزيةٍ أو أكثر، وكانت المزايا في مرتبة واحدة، فلا

إشكال في عدم الترجيح مع تساويهما في عدد المرجحات وعدم حصول الظن على طبق أحدهما، بل يكونان متكافئين.

وإلا ففي الترجيح بحصول الظن بأحد المتعارضين، أو بزيادة المزايا في أحدهما، أو عدم الترجيح وجوه..

لا يبعد الأول، كما قد يظهر من شيخنا الأعظم (قدس سره) في التنبيه السادس من تنبيهات دليل الانسداد. لأن ذلك هو المناسب للوجوه المتقدمة للتعدي عن المرجحات المنصوصة، فإن الظن هو الملاك في الأقوائية العرفية التي تنزل عليها التعليلات المتقدمة، وليست مرجحية المزايا عرفاً إلا بلحاظ سببيتها له فلا أهمية لعددها.

نعم، لازم ذلك عدم الترجيح مع عدم حصول الظن من المرجحات حتى المنصوصة منها ولو انفرد بها أحد المتعارضين، وهو مما لا يناسب إطلاق الترجيح بها جداً. ومن ثم كان هذا موهناً آخر للقول بالتعدي عن المرجحات المنصوصة. فلاحظ.

المبحث الرابع : في الترتيب بين المرجحات
اشارة

لا يخفى أن مقتضى القاعدة الأولية بناء على الاقتصار على المرجحات المنصوصة هو الرجوع في الترتيب بينها لظاهر أدلتها، فلو اقتضاه لزم العمل عليه تعبداً به، فمع اشتمال كل من المتعارضين على فرد من تلك المرجحات فإن كان ما اشتملا عليه فردين لمرجح واحد، أو لمرجحين في مرتبة واحدة كانا متكافئين، وإن كان فردين لمرجحين في مرتبتين كان الواجد للمرجح المتقدم رتبةً هو الراجح المتعين للعمل ولا يُعتنى بالآخر.

أما بناءً على التعدي عن المرجحات المنصوصة فحيث كان مبنى التعدي إلغاء خصوصية المرجحات وأن المعيار على الظن بمضمون أحد المتعارضين وأقربيته للواقع عرفاً كان لازمه إلغاء خصوصية الترتيب بين المرجحات لو فرض ظهور النصوص فيه بدواً، فلا ترتيب بين المرجحات المنصوصة في أنفسها، ولا بينها وبين غيرها.

إذا عرفت هذا، فقد وقع الكلام بين الأصحاب في الترتيب بين المرجحات طبعاً بنحوٍ يخرج به عن مقتضى القاعدة المتقدمة وعدمه.

وقد ذكروا أن المرجحات المنصوصة وغيرها على أقسام..

الأول: المرجح الصدوري، وهو ما يوجب قوة الظن بصدور الخبر، كالأوثقية والشهرة في الرواية وقلة الوسائط.

الثاني: المرجح الجهتي، وهو ما يوجب قوة الظن بصدور الكلام لبيان الحكم الواقعي والمراد الجدي، في مقابل صدوره لغرضٍ آخرٍ من تقيةٍ أو نحوها، كمخالفة العامة على بعض الوجوه.

الثالث: المرجح المضموني، وهو ما يوجب قوة الظن بتحقق مضمون الخبر مما هو خارج عنه، سواء كان معتبراً في نفسه كعموم الكتاب، أم لا كالشهرة في الفتوى.

وقد وقع الكلام في الترتيب بين الأقسام المذكورة.

تقديم المرجح الدلالي على المرجحات الباقية

وأما المرجح الدلالي الراجع إلى قوة دلالة أحد الخبرين فهو خارج عن محل الكلام، إذ لا إشكال في تقدمه طبعاً على سائر المرجحات في مورد الجمع العرفي، لخروج الدليلين عن التعارض بسببه. وأما في غير مورد الجمع العرفي فالظاهر أنه مرجح مستقل. لكنه خارج عن محل كلامهم، وليس الكلام إلا في الأقسام الثلاثة المتقدمة. ولعل الحال فيه يتضح من الكلام فيها.

وقد ادعى المحقق الخراساني (قدس سره) أن المرجحات المتقدمة وإن اختلف موضوعها في بدو النظر، إلا أن الظاهر رجوع الترجيح بها لباً إلى الترجيح الصدوري، فليس مقتضاها إلا التعبد بصدور الراجح دون المرجوح.

ولا مجال لتخيل رجوع المرجح الجهتي لترجيح جهة أحد المتعارضين دون الآخر مع حجية سندهما معاً والتعبد بصدورهما، لامتناع التعبد بصدور ما لا يتعبد بجهته، بل يبنى على صدوره تقية، لعدم الأثر له.

ويظهر منه أنه رتب على ذلك عدم الترتب الطبعي بين أقسام المرجحات المتقدمة، لأنه فرع ترتب موضوعها، فمع رجوعها لموضوع واحد وهو الصدور تكون في رتبة واحدة، وإن اختلف منشأ الشك الذي تكون موضوعاً له.

لكن لا يخفى أن ترتب الأثر والعمل على الخبر لما كان موقوفاً على التعبد بصدوره ودلالته وجهته بنحو الارتباطية، وكان المصحح للتعبد الظاهري هو الأثر العملي، فلابد في جريان كل منها من جريان الباقي، فكما يمتنع التعبد بصدور ما لا يتعبد بجهته لعدم الأثر، كذلك يمتنع التعبد بجهة ما لا يتعبد بصدوره، فلا وجه لإرجاع جميع المرجحات للمرجحات السندية، بل هي بلحاظ ذلك راجعة للمرجحات من جميع الجهات.

ومعنى رجوع المرجح لإحدى الجهات ليس إلى سقوط التعبد بالمرجوح من تلك الجهة مع بقاء التعبد به من بقية الجهات، بل إلى عدم التعبد به من تلك الجهة بالأصالة لأنها موضوع الترجيح ثم سقوط التعبد من بقية الجهات بالتبع، لعدم الأثر له بسبب الارتباطية المذكورة.

فالفرق بين المرجح الجهتي والصدوري - مثلاً - أن سقوط جهة المرجوح في المرجح الجهتي بالأصل وسقوط الصدور بالتبع، وفي المرجح الصدوري بالعكس.

ومن هنا أمكن فرض الترتب بين المرجحات طبعاً تبعاً للترتب بين موضوعاتها، فلابد من النظر في وجه ما ذكره القائلون بذلك.

وقد ادعى شيخنا الأعظم (قدس سره) تقدم المرجح المضموني غير المعتبر في نفسه - كالشهرة في الفتوى - على المرجح الصدوري والجهتي.

بدعوى: أن ترجيح السند والجهة إنما اعتبر لأجل الأقربية للواقع، فإذا فرض اعتضاد المرجوح بحسب السند أو الجهة بالمرجح المضموني الموجب لأقربيته للواقع تعين تقديمه على الراجح بحسبهما لفعلية ملاك الترجيح فيه، وهو الأقربية.

وفيه: أنه كما يكون الاعتضاد بالمرجح المضموني موجباً للأقربية للواقع كذلك يكون اشتمال الدليل على المرجح السندي أو الجهتي موجبا لأقربيته للواقع، ومع تصادم الجهتين يلزم تقديم ما يكون مناط الترجيح فيه أقوى ويكون تأثيره فعلياً، لا تقديم المرجح المضموني رتبة. وكأن مبنى كلامه على كون المرجحات المضمونية أقوى ملاكاً في الأقربية بحيث تكون فعلية التأثير لها.

بل قد يدعى تأخر المرجح المضموني طبعاً، بلحاظ أن الأقربية للواقع لما لم تكن هي المناط في الحجية إذ لا إشكال في عدم حجية الظن بنفسه فلا يناسب كونها هي المعيار في الترجيح، بل لما كان مناط الحجية هو دليلية الدليل كان المناسب كون معيار الترجيح مع تعارض الدليلين هو أقوائية الدليلية في أحدهما بلحاظ المرجحات الداخلية التي هي من شؤون دليلية الدليل من صدوره وظهوره وجهته، ولا أثر للمرجحات المضمونية الخارجية التي لا دخل لها بدليليته.

نظير موافقة رأي المفضول للشهرة، فإنها وإن كانت موجبة لأقربيته للواقع إلا أنها لما لم توجب أقوائيته في الدليلية من رأي الأفضل، بل كان رأي الأفضل هو الأقوى فيها كان الترجيح له.

نعم، لو تساويا في الدليلية مع دوران الأمر بينهما يتجه الرجوع

للمرجحات المضمونية الخارجية، لانسداد طريق الترجيح بلحاظ الطريقية، نظير الرجوع للظن عند فقد الأدلة وانسداد باب العلم.

لكن هذا التأخر الطبعي ليس بنحو يمنع جري الشارع على خلافه، بل يمكن الخروج عنه لو اقتضته أدلة الترجيح.

وأما المرجح المضموني المعتبر في نفسه كموافقة عموم الكتاب فقد فضل فيه (قدس سره) تفصيلا طويلاً لعله يبتني على ما هو خارج عن محل الكلام ولا مجال للإطالة فيه.

كما أنه (قدس سره) ادعى أيضاً تقدم المرجح الصدوري على المرجح الجهتي، لدعوى: أن موضوع الترجيح الجهتي الخبران اللّذان لا يمكن رفع اليد عن صدور أحدهما بعينه لكونهما قطعيين أو متكافئين، وأما في فرض التعبد بصدور أحدهما دون الآخر لترجيحه سنداً فلا وجه لإعمال المرجح الجهتي فيه، لأن الجهة فرع الصدور، فمع عدم التعبد بصدور المرجوح لا معنى للتعبد بجهته وإن كان راجحاً بحسبها.

لكنه أيضاً لا يرجع إلى محصل، إذ لا وجه لاختصاص الترجيح الجهتي بصورة امتناع إلغاء التعبد بصدور أحد الخبرين دون الآخر، فإنه عبارة أخرى عن تقدم المرجح الصدوري رتبةً الذي هو المدعى في المقام، بل ليس ذلك بأولى من العكس، وهو اختصاص الترجيح السندي بصورة امتناع إلغاء الجهة في أحد الخبرين بعينه، لقطعيتهما أو تكافؤهما فيها.

وما ذكره (قدس سره) من أن مع عدم التعبد بصدور المرجوح سنداً لا معنى للتعبد بجهته، لتفرعها على الصدور، مبني على تسليم تقدم الترجيح الصدوري، حيث يكون أثره إلغاء التعبد بصدور المرجوح فيرتفع فيه

موضوع التعبد بالجهة، وإلا فلو فرض تقديم الترجيح الجهتي فمع عدم التعبد بالجهة في المرجوح لا مجال للتعبد بصدوره أيضا، لعدم الأثر له، كما سبق.

ما استدل على تقديم المرجح الجهتي على المرجح الصدوري
اشارة

ونظير ذلك ما عن الوحيد (قدس سره) وبعض المتأخرين عنه من تقدم المرجح الجهتي على المرجح الصدوري. إذ ربما يستدل له بوجوه..

الاول: ترتب الصدر على الجهه و دفعه

الأول: أن الصدور لما كان متقدماً رتبة على الجهة، لأن الجهة من شؤون الكلام الصادر، وكان التعارض بين الخبرين مترتباً على جريان كل من أصالة الصدور وأصالة الجهة فيهما، فهو لا يستند لأصالة الصدور بالمباشرة، بل لأصالة الجهة، فيكون الترجيح في الجهة متقدماً طبعاً، ولا موجب للنظر في الترجيح الصدوري إلا بعد تعذره.

وفيه: أن استناد التعارض بالمباشرة لأصالة الجهة بالمعنى المتقدم لا يقتضي تقدم المرجح الجهتي طبعاً، لأن موضوع الترجيح هو موضوع التعارض، وحيث كان تكاذب المتعارضين موقوفاً على كل من صدورهما وظهورهما وجهتهما كان التعارض بين مجموع الأصول الجارية فيهما من دون ترتب بينها مستتبع لترتب الترجيح.

الثاني: إعمال المرجح الجهتي لا يستلزم إلغاء الصدور ودفعه

الثاني: أن إعمال المرجح الجهتي لا يستلزم إلغاء أصالة الصدور في المرجوح، بل الغاء أصالة الجهة فيه لا غير، أما إعمال المرجح الصدوري فهو كما يستلزم إلغاء أصالة الصدور في أحدهما يستلزم إلغاء أصالة الجهة فيه أيضاً، لعدم الموضوع لها معه، ورفع اليد عن أصالة الجهة وحدها أولى من رفع اليد عن الأصالتين معاً.

وفيه: أن سقوط أصالة الصدور بسبب إعمال المرجح الصدوري وإن

استلزم سقوط أصالة الجهة، إلا أنه ليس لعدم الموضوع لها، لأن الترجيح الصدوري لا يقتضي التعبد بعدم صدور المرجوح، وإنما يقتضي عدم التعبد بصدوره - كخبر الفاسق - من دون إلغاء لاحتمال صدوره الذي هو موضوع أصالة الجهة، بل لأجل عدم الأثر للتعبد بجهة ما لا يتعبد بصدوره، وهو جار في أصالة الجهة أيضاً، لعدم الأثر للتعبد بصدور ما لا يتعبد بجهته.

على أن رفع اليد عن أصالة الجهة لعدم الموضوع لها مع إلغاء أصالة الصدور - لو تم - ليس مخالفاً للأصل، ليلزم تقديم المرجح الجهتي، لعدم منافاته لعموم دليلها، وإنما المخالف للأصل هو رفع اليد عنها مع تحقق موضوعها، كما لا يخفى.

الثالث: وجوب المحافظة على أصالة الصدور ودفعه

الثالث: أنه يجب المحافظة على أصالة الصدور مهما أمكن أخذاً بعموم دليلها، وإن لزم رفع اليد عن الجهة، نظير رفع اليد عن ظهور الظاهر مع معارضته بالأظهر، حيث يقدم على الترجيح الصدوري بينهما.

ويندفع: بأن المحافظة على أصالة الصدور ليست بأولى من المحافظة على أصالة الجهة مع عموم دليلهما وتحقق موضوعهما.

ولا مجال لقياسه بحمل الظاهر على الأظهر، لأن ذلك لما كان بمقتضى الجمع العرفي، لكون الأظهر قرينة على المراد من الظاهر، فرفع اليد عن ظهور الظاهر لا يبتني على طرح عموم حجية الظهور، بل على قصور دليله عن المورد المذكور، فهو خارج عن عموم حجية الظهور تخصصاً، بل لا يصدق معه التعارض عرفاً، كما سبق بخلاف المرجح الجهتي، فإنه لا يقتضي سقوط أصالة الجهة في المرجوح تخصصاً، بل سقوطهما تخصيصاً، كسقوط أصالة الصدور بالمرجح الصدوري، فلا وجه لتقديمه عليه.

ولذا لو لم يمكن الجمع العرفي بين الظاهر والأظهر استحكم التعارض بينهما، وكانت قوة الظهور في الأظهر مرجحاً ولا دلالياً كالمرجح الجهتي، كما أشرنا إليه عند تقسيم المرجحات.

وحينئذ يجري فيه ما يجري فيه من عدم الدليل على تقدمه على المرجح الصدوري.

نعم، لو كان أحد الدليلين قرينةً عرفيةً على حمل الآخر على التقية مثلاً أو قام دليل آخر على حمله عليها سقطت أصالة الجهة فيه تخصصاً، فلا يصلح لمعارضة الآخر، ليحتاج للمرجحات الصدورية أو غيرها.

لكنه خارج عن محل الكلام من فرض التعارض - لتمامية موضوع الحجية في كلٍ منهما - ووصول النوبة للترجيح. فلاحظ.

وقد ذكر بعض الأعاظم وبعض الأعيان المحققين I ما وجوهاً للترتيب قد يرجع بعضها لما ذكرنا، ولا مجال لإطالة الكلام فيها.

حاصل ما تقدم عن وضوح لزوم الترتيب بين المرجحات

وقد تحصل من جميع ما ذكرنا: أنه لم يتضح الترتيب بين المرجحات، وانما يحتمل تأخر المرجح المضموني عن المرجحات الداخلية بوجه قابل لخروج الشارع عنه. ومن هنا لا يهم إثباته، بل المهم النظر في مفاد أدلة الترجيح، وحيث سبق أن البناء على التعدي عن المرجحات المنصوصة يستلزم إلغاء خصوصية الترتيب بينها.

فلو تم تأخر المرجح المضموني طبعاً لما سبق كان رفع اليد عنه موقوفاً على فهم إلغاء ترتبه وأن المعيار في الترجيح الأقربية - كما يظهر من شيخنا الأعظم (قدس سره) - لا الأقوائية في الدليلية.

والظاهر أن استفادة الترجيح بالمرجح المضموني من النصوص

تستلزم ذلك، إذ هو لا يجتمع مع ظهورها في كون المعيار في الترجيح على الأقوائية في الدليلية.

وكيف كان، فلا ينبغي إطالة الكلام في ذلك بعد ما سبق من لزوم الاقتصار على المرجحات المنصوصة تعبداً بظاهر أدلتها، حيث يلزمه التعبد به أيضاً في الترتيب وكيفيته.

ومن الظاهر أن أخص النصوص هي مقبولة ابن حنظلة، لاستيفائها جميع المرجحات، وهي تقتضي الترجيح أولاً بالشهرة، ثم بموافقة الكتاب والسنة - من دون ترتيب بينهما - ثم بمخالفة العامة، ثم بمخالفة ما حكامهم وقضاتهم إليه أميل. فيلزم العمل عليها وتقييد إطلاق النصوص المقتصرة على بعض المرجحات بها.

وأما ما ذكره المحقق الخراساني (قدس سره) من أن الظاهر كون المقبولة كسائر أخبار الترجيح بصدد بيان مرجحية المرجحات المذكورة فيها من دون نظر للترتيب بينها، لبعد تقييد جميع نصوص الترجيح على كثرتها بما فيها.

فهو كما ترى! لعدم كثرة نصوص الترجيح المعتبرة السند المقتصر فيها على بعض المرجحات.

مع أن ذلك لا يصحح الخروج عن ظاهر الترتيب في المقبولة، وليس تقييد نصوص الترجيح بها بالترتيب بأصعب من رفع اليد عن ظهور تلك النصوص في انحصار الترجيح بالمرجح الذي تضمنته، بحيث لا تزاحمه المرجحات الأخرى التي تضمنتها المقبولة وغيرها. بل ما ذكره (قدس سره) أصعب، لاستلزامه إهمال كلا المرجحين المترتبين عند التعارض، وهو أكثر تخصيصاً لأدلة الترجيح من إهمال أحدهما فقط.

ولا سيما مع اعتضاد المقبولة - في الجملة - بصحيح عبد الرحمن المتضمن تقديم موافقة الكتاب على مخالفة العامة، وتأيدها بمرفوعة زرارة المتضمنة تقديم الشهرة على مخالفة العامة، مع قرب كون إهمال بعض المرجحات في بعض النصوص لوضوح حالها، بنحو يكون كالقرينة على فرض التكافؤ فيها، واحتمال كون الاقتصار في بعضها على مخالفة العامة ناشئاً عن كونه المرجح المهم الذي يكثر الابتلاء به، ويغلب كونه منشأ الاختلاف بين النصوص.

وأما ما تضمنه مرسل المفيد - المتقدم في الترجيح بموافقة الكتاب - من تقديم موافقة الكتاب على الشهرة في الرواية، فلا مجال للتعويل عليه في قبال ما سبق.

المبحث الخامس: في الجهل بوجود المرجح
اشارة

سبق من الكليني (قدس سره) أنه بعد أن ذكر المرجحات قال: «ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلا أقله، ولا نجد شيئاً أحوط ولا أوسع من رد علم ذلك كله إلى العالم (ع) وقبول ما وسع من الأمر فيه بقوله (ع): بأيهما أخذتم من باب التسليم وسعكم...».

وظاهره اختصاص فعلية الترجيح بصورة العلم بالراجح. وهو مخالف لإطلاق أدلة الترجيح، كما هو الحال في سائر أدلة الأحكام في دورانها مدار تحقق موضوعاتها واقعاً، فيكون التخيير معه مخالفاً للاحتياط، لاحتمال عدم حجية ما يختاره المكلف، لكونه المرجوح واقعاً، ويكون التمسك بعموم أدلة التخيير فيه تمسكاً بالعام في الشبهة المصداقية من طرف الخاص أو العام.

اللهم إلا أن يستفاد ذلك في المقام بضميمة كثرة موارد الجهل بوجود المرجح، خصوصاً مخالفة العامة، لعدم تيسر الاطلاع على أقوالهم والجهل بما هو الشايع منها عند صدور الروايات، أو بضميمة ارتكاز ابتناء التخيير على وجود مقتضي الحجية في كلا المتعارضين، وأن المرجح من سنخ

المانع عن حجية المرجوح، ومع الشك في وجود المانع لا يرفع اليد عن مقتضي الحجية.

وكلاهما لا يخلو من إشكال.

فلعل الأولى ابتناء ذلك على الرجوع لأصالة عدم وجود المرجح بعنوانه المأخوذ شرعاً، لأنه حادث مسبوق بالعدم ولو كان أزلياً.

نعم، قد يشكل الحال بناء على التعدي عن المرجحات المنصوصة لعدم وضوح كون موضوع التخيير حينئذ هو عدم وجود المرجح بعنوانه، بل قد يكون موضوعه المستحصل من مجموع الأدلة هو تكافؤ الدليلين الذي لا يحرز بالأصل.

ما لو علم بوجود المرجح إجمالاً

وأشكل من ذلك ما لو علم بوجود المرجح إجمالاً وتعذر تعيين الراجح، لاشتباه الحجة باللاحجة المقتضي لتساقطهما وعدم حجية كل منهما في إثبات خصوصية مؤداه، وإن كانا حجة في القدر المشترك كنفي الثالث.

هذا كله بناءً على التخيير مع التكافؤ، وأما بناء على التساقط فالأمر سهل، لوضوح عدم جواز البناء على حجية محتمل الرجحان، كما لو علم بعدمه وتكافؤ المتعارضين.

نعم، لو علم إجمالا برجحان أحدهما كانا حجة في القدر المشترك بينهما - كنفي الثالث - بخلاف ما لو لم يثبت الترجيح بينهما، حيث سبق أن الأصل عدم حجيتهما في ذلك. والحمد لله رب العالمين.

الفصل الثاني: في تعادل الدليلين
اشارة

وهو إنما يكون لعدم البناء على الترجيح أو لعدم المرجح لأحد الخبرين. وحيث سبق أن الأصل في المتعارضين التساقط والرجوع لما يقتضيه العموم أو الإطلاق أو الأصل الجاري في المسألة فقد وقع الكلام في وجود المخرج عن ذلك عند التعادل من الأدلة الخاصة.

تصريح الكليني (قدس سره) بالتخيير

وقد صرح غير واحد من الأصحاب - كالكليني في كلامه المتقدم والشيخ في الاستبصار والعلّامة. في المبادئ وغيرهم - بالتخيير، ولعله المشهور بين الأصحاب، كما ادعاه شيخنا الأعظم (قدس سره) وغيره، ونسبه لجمهور المجتهدين، بل في المعالم وعن غيره: «لا نعرف في ذلك من الأصحاب مخالفاً». وقد يظهر من المرتضى في الذريعة.

ولا يخفى أن المراد بالتخيير..

وجها التخيير

تارة: هو ثبوت الحجية التخييرية لكل منهما، التي هي عبارة عن حجيته المعلقة على اختياره - كما قد يظهر من العلامة في المبادئ - أو الحجية الفعلية لهما، بنحوٍ يكون كل منهما حجة للمكلف معذراً له، ومجموعهما عليه، على ما سبق الكلام فيه في أول مبحث تقريب الأصل

في المتعارضين.

وأخرى: هو السعة في مقام العمل، فيجوز موافقة أحدهما وإن لم يكن حجةً، بأن يكون ورودهما سبباً للخروج عن مقتضى العموم أو الإطلاق أو الأصل الجاري في المورد مع قطع النظر عنهما.

وكلماتهم قد تظهر في الأول، وبعض الأدلة قد يناسب الثاني، ولا يهم تحقيق أحد الوجهين بعد عدم الفرق العملي بينهما، وإنما المهم إقامة الدليل على التخيير بأحد المعنين.

وقد يظهر من المرتضى في الذريعة ابتناؤه على العمل بإطلاقات أدلة الحجية، ولعله لذا يظهر منه عدم الاختصاص بالأخبار، بل يجري في كل دليلين متعادلين.

ويظهر ضعفه مما تقدم في تقرب الأصل في المتعارضين.

وأشكل منه ما في الاستبصار، قال:

«ولأنه إذا ورد الخبران المتعارضان، وليس بين الطائفة إجماع على صحة أحد الخبرين، ولا على إبطال الخبر الآخر، فكأنه إجماع على صحة الخبرين، وإذا كان [الإجماع. خ] على صحتهما كان العمل بهما جائزاً سائغاً».

لوضوح أن عدم الإجماع على إبطال أحد الخبرين بعينه لا ينافي الإجماع على بطلان أحدهما إجمالاً، فضلاً عن أن يرجع إلى الإجماع على صحتهما معاً، بل تمتنع صحتهما معاً مع تناقضهما ولو بلحاظ مدلولها الالتزامي، غاية الأمر إمكان حجيتهما معاً تخييراً، وهي تحتاج إلى دليل.

فالعمدة في المقام ما صرح به الكليني في كلامه المتقدم وذكره في الاستبصار وكذا جملة من المتأخرين من التمسك بالنصوص في ذلك، وقد

ادعى شيخنا الأعظم (قدس سره) استفاضتها، بل تواترها، فينبغي النظر فيها، وما يمكن الاستدلال به على ذلك جملة منها..

ما يستدل لما ذكره الكليني (قدس سره) من التخيير
الأول: موثق سماعة

الأول: موثق سماعة عن أبي عبد الله (ع):

«سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه أحدهما يأمر بأخذه والآخر ينهاه عنه كيف يصنع؟، قال: يرجئه حتى يلقى من يخبره فهو في سعة حتى يلقاه»(1)، بدعوى: ظهور السعة في السعة في العمل بكل من الروايتين الراجعة لحجيتهما تخييراً، أو السعة في العمل على طبقهما وإن لم يكونا حجة، على ما سبق في معنى التخيير.

وفيه.. أولاً: أنه لو سلم عدم كون المراد بالسعة السعة في البقاء على الجهل - كما لعله المناسب لتعليل الأمر بالإرجاء - بل السعة في العمل لدعوى كون منشأ السؤال ارتكازاً هو التحير في العمل وأن طلب العلم لأجله، إلا أن مقتضى إطلاقها السعة في العمل من حيثية الخبرين، بمعنى أنهما لا

يصلحان للتنجيز، لعدم الأثر لهما، وهو لا يقتضي التخيير المستلزم لعدم جواز الخروج عنهما بل التساقط.

وثانياً: أن ظاهر الحديث كون المسؤول عنه اختلاف المجتهدين في حق العامي، لا اختلاف الروايتين في حق المجتهد، والتخيير في الأول لا يستلزم التخيير في الثاني.

ومجرد استناد كل من المجتهدين لروايته لا يستلزم تحقق موضوع التخيير بين الروايتين في حق العامي، لإمكان عجزه عن تنقيح موضوع الحجية فيهما أو عدم المرجح لإحداهما.


1) الوسائل ج: 18، باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث 5.

هذا، وأما اضطراب متن الحديث، لعدم وضوح مرجع الضمير في «بأخذه» لأن الاعتقاديات تبين بأنفسها، ولا يبين وجوب أخذها، والعمليات تقع بنفسها موضوعاً للأمر والنهي، ولا يقع أخذها موضوعاً لهما.

فهو لا يخل ظاهراً بالاستدلال به، لوضوح المقصود منه وهو التعارض المسبب عن الاختلاف. فتأمل.

وهناك بعض الوجوه الأخرى من الإشكال في الاستدلال تعرض لها غير واحد لا مجال لإطالة الكلام فيها بعد ما سبق.

الثاني: صحيح ابن مهزيار

الثاني: صحيح علي بن مهزيار:

«قرأت في كتاب لعبد الله بن محمد إلى أبي الحسن (ع): اختلف أصحابنا في رواياتهم عن أبي عبد الله (ع) في ركعتي الفجر في السفر، فروى بعضهم أن صلهما في المحمل، وروى بعضهم: لا تصلهما إلّا على الأرض، فاعلمني كيف تصنع أنت لأقتدي بك في ذلك؟ فوقع (ع): موسع عليك بأية عملت»(1).

بدعوى ظهورها في الحجية التخييرية لكل من الروايتين، لأنها الظاهر من جواز العمل بكلٍ منهما.

وفيه: أنه لما كان وارداً في مورد خاص فلا مجال للتعدي عنه لغيره، لإمكان خصوصية الروايتين المذكورتين في عدم ابتناء اختلافهما على التكاذب والتعارض - كما يظهر من السائل توهمه - بل على الاختلاف في الفضل، المقتضي للسعة في العمل بكل منهما واقعاً، لا السعة الظاهرية الراجعة للحجية

التخييرية. بل ذلك هو الظاهر من الحديث، لصراحة كلام


1) الوسائل ج: 3 باب: 15 من أبواب القبلة حديث: 8 - ورواه أيضاً في ج: 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 44 ولكن أسقط منه قوله في السؤال «فاعلمني....».

السائل في السؤال عن الحكم الواقعي الذي عليه عمل الإمام (ع)، كما أنه المناسب لوظيفته (ع) بيان حكم الواقعة الخاصة العالم بحكمها الواقعي.

الثالث: مكاتبة الحميري

الثالث: مكاتبة الحميري التي رواها الشيخ (قدس سره) في كتاب الغيبة عن جماعة فيهم غير واحد من الثقات عن محمد بن أحمد بن داوود الثقة قال: «وجدت بخط أحمد بن إبراهيم النوبختي وإملاء أبي القاسم الحسين بن نوح [روح. ظ]... - إلى أن قال -: تسأل لي بعض الفقهاء عن المصلي إذا قام من التشهد الأول للركعة الثالثة هل يجب عليه أن يكبر؟ فإن بعض أصحابنا قال: لا يجب عليه التكبير ويجزيه أن يقول: بحول الله وقوته أقوم وأقعد.

الجواب: قال: إنّ فيه حديثين أما أحدهما فإنه إذا انتقل من حالةٍ إلى حالةٍ أخرى فعليه التكبير، وأما الآخر فإنه روي: أنه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية فكبر ثم جلس ثم قام فليس عليه للقيام بعد القعود تكبير، وكذلك التشهد الأول يجري هذا المجرى، وبأيهما أخذت من جهة التسليم كان صواباً»(1).

وجهالة أحمد بن إبراهيم النوبختي كاتب التوقيع لا توجب التوقف في حجية الخبر بعد إخبار ابن داوود بأن التوقيع بخطه وإملاء الحسين بن روح (رضى الله عنه) الذي يحتمل بل يقرب استناده للحس أو إلى مقدمات تقرب منه.

وأما الدلالة فتقريبها بعين ما سبق في صحيح ابن مهزيار.

كما يظهر الجواب عنه بملاحظة ما سبق فيه، حيث يتضح به ظهور التخيير في المقام في السعة الواقعية، لعدم كون الحديث الثاني مخصصاً


1) الوسائل ج: 4، باب 13 من أبواب السجود حديث 8، وكتاب الغيبة ص 232 طبع النجف الأشرف.

للأول، بنحو يقتضي عدم مشروعية التكبير، بل هي باقية مع ضعف ملاكه المستلزم لضعف مطلوبيته عما هي عليه في سائر موارده.

الرابع: مرسل الحارث بن المغيرة

الرابع: مرسل الحارث بن المغيرة عن أبي عبد الله (ع):

«قال: إذا سمعت من أصحابك الحديث وكلهم ثقة فموسع عليك حتى ترى القائم فترد إليه»(1).

بدعوى: ظهور التوسعة في التوسعة في العمل بكل من الأحاديث المتعارضة، أو على طبقها، على ما سبق الكلام فيه في معنى التخيير.

واستشكل فيه بعض مشايخنا: بأن مفاده حجية أخبار الثقات، من دون نظر إلى فرض تعارضها الذي هو محل الكلام.

وفيه: - مع أنه لا يحسن التعبير بالسعة عن أصل الحجية في غير فرض التعارض، لأن الحجية كما تقتضي التعذير تقتضي التنجيز المستتبع للضيق، بخلاف التخيير بين الخبرين في فرض حجيتهما ذاتاً، فإنه نحو من التوسعة - أن ذلك لا يناسب قوله (ع): «وكلهم ثقة» الظاهر في دخل وثاقة الكل بنحو المجموع في الحكم بالسعة، لأن حجية كل خبر منوطة بوثاقة راويه فقط، والذي يناط بوثاقة الكل هو السعة مع التعارض، إذ مع وثاقة البعض فقط يجب الاقتصار على روايته.

ومثله الإشكال بأن إطلاق السعة ظاهر في السعة من حيثية تلك الأخبار، وذلك يقتضي التساقط، لا التخيير المستلزم للضيق في الجملة بعدم جواز الخروج عنها عملاً، نظير ما سبق في موثق سماعة.

لاندفاعه: بأن التنبيه فيه على وثاقة الرواة لا يناسب عرفاً التساقط


1) الوسائل ج: 18، باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 41.

وإهمال الرواية، وإن لم ينافه عقلاً، بل هو قرينةً على تقييد إطلاق السعة وحمله على السعة في العمل بالرواية، لصلوحها لذلك بسبب وثاقة راويها، بخلاف موثق سماعة، حيث لم يتضمن إلا فرض التعارض والتكاذب بين الروايتين المناسب لتساقطهما. فدلالة المرسل على التخيير قريبة جداً، ولا أقل من إشعاره به بنحو يصلح للتأييد.

الخامس: مرسل الحسن بن الجهم

الخامس: مرسل الحسن بن الجهم عن الرضا (ع):

«ثانيها يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين ولا نعلم أيهما الحق. قال: إذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما أخذت»(1).

ولعله أظهر نصوص التخيير دلالة، ولا سيما بلحاظ التقييد فيه بعدم العلم بالحق من الخبرين، حيث لا يكون بذلك منافياً لنصوص الترجيح الصالحة للتعبد بتعيين ما هو الحق منهما، بل يكون محكوماً لها حكومةً عرفية.

السادس: مرسل الكليني

السادس: ما أرسله الكليني في كلامه المتقدم، وفي ذيل موثق سماعة السابق، حيث قال: «وفي رواية أخرى: بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك»(2). ودلالته ظاهرة.

السابع: مرفوعة زرارة

السابع: مرفوعة زرارة المتقدمة في نصوص الترجيح، حيث تضمنت التخيير بعد فرض عدم الترجيح حتى بالاحتياط.

الثامن

الثامن: الرضوي: «والنفساء تدع الصلاة أكثره مثل أيام حيضها، وهي عشرة أيام، ثم تغتسل، فإذا رأت الدم عملت كما تعمل المستحاضة. وقد


1) الوسائل ج: 18 باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 40.

2) الوسائل ج: 18 باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 6.

روي ثمانية عشر يوما. وروي ثلاثة وعشرين يوما. وبأي هذه الأحاديث أخذه من جهة التسليم جاز»(1).

وهو وإن كان وارداً في مورد خاص، إلا أن إلغاء خصوصية مورده قريب جداً، لاشتمال المورد على أحكام إلزامية مهمة، وكونه مورداً للعمومات والأصول المتأخرة عن الروايات المذكورة رتبة. ً

فالعمدة في وهن الاستدلال به عدم ثبوت نسبته للإمام (ع)، بل الاطمئنان بعدم كونه له. كما أن ما دل من النصوص السابقة ضعيف أيضاً لا يصلح للاستدلال حتى بلحاظ التعاضد، لعدم كثرة النصوص المذكورة بنحو يمنع من احتمال عدم صدور مضامينها، أو احتفافها بما يمنع من استفادة التخيير منها من القرائن الحالية والمقالية.

معارضة نصوص التساقط لنصوص التخيير
اشارة

ولو فرض صلوحها للاستدلال فهي معارضة بنصوص أخر ظاهرة في التوقف والتساقط، فينبغي النظر فيها أولاً، ثم النظر في كيفية الجمع بينها وبين نصوص التخيير، وهي جملة من النصوص.

الأول: مقبولة بن حنظلة

الأول: مقبولة ابن حنظلة، حيث قال (ع) بعد استقصاء المرجحات وفرض السائل التعادل فيها: «إذا كان ذلك فارجئه حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات»(2).

وقد يشكل الاستدلال بها..

تارة: بظهورها في زمان الحضور والتمكن من لقاء الإمام ولا تشمل عصر الغيبة.


1) مستدرك الوسائل باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 12 وقد حذف منه شيئاً.

2) الوسائل ج: 18، باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 1.

وأخرى: بأن موردها وهو الخصومة والقضاء لا يناسب التخيير، لأن كلاً من الخصمين يختار ما ينفعه فلا تفصل الخصومة، بل لابد فيه من الترجيح ومع تعذره يتعين التوقف، ولا ينافي التخيير في موارد إمكانه.

ويندفع الأول: بأن احتمال خصوصية زمن الحضور في وجوب التوقف عرفاً إنما هو بلحاظ قرب أمده الموجب لسهولته، وهو يختص بتمكن المكلف من لقاء الإمام، ولا تشعر به المقبولة، لأن مجرد جعل غاية التوقف لقاء الإمام لا يستلزم تمكن السائل منه، وإنما يستلزم صحة فرض وقوعه عرفاً المختص بزمان الحضور.

وبعبارة أخرى: المقبولة مختصة بزمان الحضور الذي لا دخل له عرفاً في الحكم بالتوقف، لا بحال التمكن من لقاء الإمام الذي يحتمل خصوصيته فيه عرفاً.

ولو فرض التشكيك عرفاً في ما ذكرنا وعدم استيضاح إلغاء خصوصية المورد المذكور لأجله أمكنت استفادة العموم لحال الغيبة من عموم التعليل فيها، لظهوره في عدم صلوح كل من الخبرين بسبب التعارض وعدم المرجح للحجية.

على أن الاختصاص بزمان الحضور إنما ينفع في ما إذا أمكن حمل نصوص التخيير على خصوص زمان الغيبة، ليتعين الجمع بينهما بذلك ويرتفع التعارض، ولا مجال له في النصوص المتقدمة، خصوصاً ما روي منهما عن الصادق والرضا (عليهما السلام) (لوضوح استلزام حملها على ذلك تخصيص المورد الممتنع.

ومما ذكرنا من عموم التعليل يظهر اندفاع الثاني، لأن خصوصية

الخصومة والقضاء إنما تناسب التعليل بتعذر التخيير، لا بأن الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، الحاصلة ارتكازاً من العمل بغير حجة الراجع لعدم صلوح كل من المتعارضين ارتكازاً للحجية بسبب التعارض حتى في عصر الغيبة.

نعم، لو كان مصب السؤال والجواب هو الترجيح مع المفروغية عن حجية الروايتين في الجملة كان التعليل منصرفاً إليه، وكان المراد من الاقتحام في الهلكة الترجيح بلا دليل، فلا تدل إلا على تعذر الترجيح، ولا تنافي التخيير مع إمكانه، كما في غير مورد الخصومة.

لكن لا إشعار في السؤال ولا في الجواب بذلك، بل الظاهر السؤال عن الوظيفة العملية في فرض التعارض، ولو كانت هي التساقط. فلاحظ.

الثاني والثالث: مكاتبتا محمد بن علي وداوود بن فرقد

الثاني والثالث: مكاتبتا محمد بن علي بن عيسى وداوود بن فرقد اللتان تقدم الكلام فيهما في أخر نصوص الترجيح المسؤول فيهما عن العلم المنقول عنهم (ع) وأنه قد اختلف فيه فكيف العمل به على اختلافه، وقد تضمنتا أنه كتب (ع):

«ما علمتم أنه قولنا فالزموه وما لم تعلموا فردوه إلينا»(1).

فإن مقتضى إطلاقهما وإن كان هو التوقف حتى عن الترجيح، إلا أنه لا يبعد تقييدهما بنصوص الترجيح، وحملهما على التعادل، كما أشرنا إليه هناك.

ومما سبق في مقبولة ابن حنظلة يتضح أن اختصاصهما بزمن الحضور - لو تم - لا ينفع في رفع التعارض بينهما وبين نصوص التخيير.


1) تقدم تخريجهما في آخر الكلام في نصوص الترجيح.

الرابع: موثق سماعة

الرابع: موثق سماعة المتقدم في نصوص التخيير، حيث سبق تقريب دلالته على التساقط.

لكن سبق تقريب وروده في وظيفة العامي عند اختلاف المجتهدين لا في وظيفة المجتهد عند اختلاف الأخبار.

الخامس: مرسلة عوالي اللآلي

الخامس: مرسلة عوالي اللآلي، حيث قال بعد ذكر المرفوعة: «وفي رواية أنه (ع) قال: إذن فأرجئه حتى تلقى إمامك فتسأله»(1).

هذا، وقد وقع الكلام بينهم في الجمع بين هذه النصوص ونصوص التخيير.

ما تعرض له في الحدائق من وجوه الجمع بين الطوائف
اشارة

وقد تعرض في الحدائق لجملةٍ من الوجوه المذكورة في كلماتهم، والتي ينبغي التعرض لها استقصاء للأقوال..

أولها: حمل أخبار التوقف على الفتوى وأخبار التخيير على العمل

أولها: حمل أخبار الإرجاء على الفتوى والحكم وأخبار التخيير على العمل. قال في الحدائق: «وبه صرح جملة من مشايخنا المعاصرين». وحكى عن بعضهم الاستدلال عليه بالخبر الثاني والثالث المتقدمين في نصوص التخيير. وقد سبق خروجهما عما نحن فيه.

على أن المراد بالحكم والإفتاء إن كان هو تعيين الحكم الواقعي والافتاء به فلا مجال له حتى مع عدم التعارض إذا احتمل الخطأ، وإن كان هو البناء على الحكم الظاهري الذي هو مؤدى الحجة والافتاء به فالخبران المذكوران - بناء على حملهما على التخيير الظاهري - صريحان فيه، كما أن أكثر

نصوص الإرجاء والتوقف ظاهرة في التوقف حتى في مقام العمل، كما هو مقتضى التعليل في المقبولة والسؤال عن العمل في المكاتبتين.


1) مستدرك الوسائل ج:، باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 2.

نعم، المتيقن منها النهي عن العمل بالخبرين المتعارضين والتعويل عليهما ولزوم التوقف من حيثيتهما، لعدم حجيتهما لأنه هو المنصرف من التعليل بالاقتحام في الهلكة في المقبولة ولأن موضوع السؤال في المكاتبتين العمل بالخبرين المتعارضين لا العمل في المسألة مع قطع النظر عنهما، فلا مجال للبناء على لزوم التوقف مطلقاً، لينافي العمل بالأدلة والأصول المتأخرة عنهما رتبة، بل يجوز الرجوع إليها، لتمامية موضوع حجيتها بعد فرض سقوط المتعارضين عن الحجية واليأس عن معرفة الواقع لتعذر الرجوع للإمام (ع).

ومنه يظهر أن مرجع التوقف والإرجاء إلى تساقط المتعارضين، لا انقلاب الأصل في موردهما إلى الاحتياط - كما قد يحكى في الجملة عن الأخباريين - بنحو لا يجوز الرجوع للبراءة أو عموم الرخصة لو كان، وإنما يتم ذلك بناء على ترجيح الموافق منهما للاحتياط، وقد سبق في مباحث الترجيح المنع من ذلك، كما سبق تحديده.

ثانيها: حمل أخبار التوقف على زمن الحضور وأخبار التخيير على زمن الغيبة

ثانيها: حمل خبر الإرجاء على زمن حضور الإمام وحمل خبر التخيير على زمن الغيبة وتعذر الوصول له (ع)، كما صرح به الطبرسي في الاحتجاج، وعن المجلسي في البحار استظهاره، وجرى عليه غير واحدٍ من المتأخرين.

فإن رجع إلى خصوصية زمن الحضور والغيبة - كما يقتضيه الجمود على ما حكي عن بعض الأعاظم - فيظهر ضعفه مما سبق في المقبولة من امتناع حمل نصوص التخيير على خصوص زمان الغيبة.

ومن الغريب ما يظهر من بعضهم من استيضاح عدم العمل بها في عصر الحضور ولزوم حملها على عصر الغيبة، فتكون أخص من نصوص

التوقف لو كان لها عموم.

لأن عدم العمل بها في عصر الحضور موجب لإجمالها، لا لحجيتها في عصر الغيبة.

وإن رجع إلى أن المعيار على التمكن من لقاء الإمام والاطلاع على الحكم الواقعي منه، وتعذر ذلك أو تعسره الذي قد يكون في عصر الحضور أيضاً - كما جرى عليه شيخنا الأعظم وقد يظهر من بعض الأعيان المحققين I ما - فهو جمع بلا شاهد، لأن اشتمال بعض نصوص التوقف على جعل الغاية لقاء الإمام لا يقتضي القدرة على لقائه، كما سبق في المقبولة، بل اشتملت بعض نصوص التخيير على ذلك أيضاً، كمرسل الحارث بن المغيرة المتقدم.

ثالثها: حمل أخبار التوقف على عدم الضرورة والأخرى على الضرورة

ثالثها: حمل خبر الإرجاء على عدم الضرورة للعمل بأحد الخبرين والتخيير على حال الاضطرار للعمل بأحدهما وقد حكاه في الحدائق عن ابن أبي جمهور الأحسائي في كتاب عوالي اللآلي.

وهو جمع تبرعي بلا شاهد، بل يبعد حمل نصوص التخيير على ذلك لندرته.

نعم، قد يستدل له بمرسل سماعة بن مهران المتقدم في آخر الكلام في نصوص الترجيح، الظاهر في اختصاص الترجيح فضلاً عن التخيير بصورة الاضطرار للعمل بأحد الخبرين.

رابعها: حمل التخيير على العبادات والتوقف على غيرها

لكن تقدم الإشكال في التعويل عليه ولزوم حمله على الاستحباب.

رابعها: حمل أخبار التخيير على العبادات المحضة، وأخبار الإرجاء على غيرها من حقوق الآدميين من دين، أو ميراث، أو فرج، أو زكاة، أو

خمس، فيجب التوقف عن الأفعال الوجودية المبنية على تعيين أحد الطرفين بعينه. كذا ذكره في الحدائق، وحكاه عن الاسترآبادي في الفوائد المدنية، وهو الذي احتمله في الوسائل.

ولا يخفى أنه جمع تبرعي لا شاهد له.

نعم، مقبولة ابن حنظلة التي هي عمدة نصوص التوقف مختصة بالتخاصم والقضاء، وقد سبق أنه لابد من إلغاء خصوصية موردها.

خامسها: حمل التوقف على الاستحباب

خامسها: حمل نصوص الإرجاء على الاستحباب ونصوص التخيير على الرخصة، وقد حكى في الحدائق عن المجلسي في البحار احتماله، وهو المناسب للجمع العرفي بين الأمر أو النهي والترخيص.

لكنه لا يناسب التعليل في مقبولة ابن حنظلة، بل لسانه آب عن ذلك.

مع أن مرجع الإرجاء إلى التساقط وهو قد يكون أوسع عملاً من التخيير.

سادسها: حمل التوقف على النهي عن الترجيح

سادسها: حمل نصوص الإرجاء على النهي عن الترجيح والعمل بالرأي وحمل نصوص التخيير على الأخذ من باب التسليم، حكى في الحدائق عن بعض مشايخه نقله احتمالاً.

لكن لا قرينة على صرف نصوص الإرجاء على الترجيح مع المفروغية عن الحجية، بل الظاهر منها بيان الوظيفة في المتعارضين مطلقاً، كنصوص التخيير، كما ذكرناه عند الكلام في المقبولة.

سابعها: حمل التوقف على غير المتناقضين

سابعها: حمل خبر الإرجاء على غير المتناقضين، وحمل خبر التخيير على المتناقضين. كذا ذكره في الحدائق، وقال: «نقله بعض شراح الأصول عن بعض الأفاضل».

وكأن مراده بالمتناقضين ما لا يمكن الجمع بينهما عملاً، كما لو تضمن أحدهما الأمر والآخر النهي، وإلا فالتعارض لابد فيه من التناقض ولو بلحاظ المدلول الالتزامي.

وكأن الوجه فيه: اختصاص موثق سماعة المتقدم في نصوص التخيير والآمر بالإرجاء بما إذا كان أحدهما آمراً والآخر ناهياً.

وفيه: - مضافاً إلى ما سبق من الإشكال في الاستدلال بالموثق على التخيير - أن حمل نصوص التخيير على خصوص ذلك متعذر عرفاً لندرته.

ثامنها: حمل التخيير على المستحبات

ثامنها: حمل أخبار التخيير على أحاديث المندوبات والمكروهات وأخبار الإرجاء على غيرها. احتمله في الوسائل، واستدل عليه بخبر الميثمي الآتي. لكن الظاهر أن الخبر المذكور لا يدل على ذلك بل على الوجه التاسع.

نعم، قد يستدل عليه باختصاص الخبر الثاني والثالث من الأخبار المستدل بها على التخيير، بناء على ما هو الظاهر من أن المراد بركعتي الفجر نافلته لا فريضته.

لكن سبق أنهما أجنبيان عما نحن فيه من التخيير الظاهري، بل هما متضمنان للسعة الواقعية، التي لا مجال لحمل نصوص التخيير عليها، لظهورها في السعة الظاهرية، بسبب اشتمال بعضها على أخذ الجهل في موضوعها، وآخر على الرد للإمام، وثالث على المرجحات المعلوم ورودها للترجيح الظاهري.

تاسعها: حمل التخيير على ما إذا كان النهي نهي إعافة

مضافاً إلى إباء عموم التعليل في المقبولة عن التخصيص.

تاسعها: حمل نصوص التخيير على ما إذا كان النهي في أحد الخبرين

المتعارضين نهي إعافة، فيحمل الإذن في الآخر على الرخصة ويتخير في العمل بينهما، وحمل نصوص التوقف على غير ذلك. وهو أحد الوجوه المذكورة في الحدائق.

ولا يخفى رجوعه إلى إهمال نصوص التخيير وعدم صلوحها للعمل، إذ مع إحراز كون النهي نهي إعافةٍ لا يحتاج إلى خبرٍ معارضٍ مرخص، فضلاً عن أن يحتاج لنصوص التخيير الموسعة في العمل بأيهما، ومع الشك فيه لا يحرز موضوع نصوص التخيير ليعمل بها، بل حيث كان ظاهر النهي الإلزام كان الظاهر عدم تحقق موضوعها.

مضافاً إلى أن التخيير يكون حينئذٍ واقعياً بين المؤديين لا ظاهرياً بين الحجتين، وقد سبق ظهور نصوص التخيير في التخيير الظاهري.

توجيه الحدائق الاستدلال المذكور بخبر الميثمي

نعم، يتجه ما في الحدائق من الاستدلال على الوجه المذكور بما في خبر الميثمي عن الرضا (ع) الوارد في اختلاف الحديث عن النبي (ص) والأئمة (ع) المتضمن في صدره تقسيم الأوامر والنواهي الواردة في الكتاب والسنة إلى أمر إلزام وفرض ونهي تحريم، وأمر فضل وندب ونهي إعافة وكراهة، وأن الأولين لا يمكن الخروج عنهما ولا يقبل الحديث المخالف لهما، لأنهم (ع) لا يستحلون ما حرم رسول الله (ص) ولا يحرمون ما استحل، بل هم تابعون له، كما كان هو (ص) تابعاً لله تعالى، وأن الذي يسع استعمال الرخصة فيه هو الأخيران، ثم قال (ع): «إذا ورد عليكم عنا الخبر فيه باتفاق يرويه من يرويه في النهي ولا ينكره وكان الخبران صحيحين معروفين باتفاق الناقلة فيهما يجب الأخذ بأحدهما أو بهما جميعاً أو بأيهما شئت وأحببت موسع ذلك لك من باب التسليم لرسول الله (ص)

والرد إليه والينا، وكان تارك ذلك من باب العناد والإنكار وترك التسليم لرسول الله (ص) مشركاً بالله العظيم.

فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب الله، فما كان في كتاب الله موجوداً حلالاً أو حراماً فاتبعوا ما وافق الكتاب، وما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن رسول الله (ص) فما كان في السنة موجوداً منهياً عنه نهي حرام ومأموراً به عن رسول الله (ص) أمر إلزام فاتبعوا ما وافق نهي رسول الله (ص) وأمره، وما كان في السنة نهي إعافة، أو كراهة ثم كان الخبر الأخير خلافه فذلك رخصة في ما عافه رسول الله (ص) وكرهه ولم يحرمه. فذلك الذي يسع الأخذ بهما جميعاً، وبأيهما شئت وسعك الاختيار من باب التسليم والاتباع والرد إلى رسول الله (ص)، وما لم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فردوا إلينا علمه فنحن أولى بذلك، ولا تقولوا فيه بآرائكم، وعليكم بالكف والتثبت والوقوف وأنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا»(1).

وسنده لا يخلو عن اعتبارٍ، لأن رجاله بين صحيح وموثق عدا محمد بن عبد الله المسمعي، الذي قال في حقه الصدوق بعد رواية هذا الخبر:

«كان شيخنا محمد بن الحسين بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه سيء الرأي في محمد بن عبد الله المسمعي راوي هذا الحديث، وإنما أخرجت هذا الخبر في هذا الكتاب لأنه كان في كتاب الرحمة وقد قرأته عليه فلم ينكره ورواه لي».

وحيث كان سوء الرأي لا يخلو عن إجمال، لإمكان رجوعه لجهات


1) الوسائل ج: 18، باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 21، عن عيون أخبار الرضا (ع).

لا تنافي الوثاقة كالغلو واعتماد المراسيل، فلا يخرج به عن ظاهر حال ابن الوليد في الاعتماد على حديثه، حيث لم يستثنه في ما حكي عنه من رجال كتاب نوادر الحكمة، ولاسيما مع ما صرح به الصدوق في كلامه المتقدم من رواية ابن الوليد للحديث المذكور الظاهر في اعتماده عليه، وأنه قد رواه من كتاب الرحمة الذي صرح في الفقيه بأنه من الكتب المشهورة التي عليها المعوَّل وإليها المرجع.

وأما دلالته فهو ظاهر في حصر المراد من أخبار التخيير في التخيير الواقعي في موارد الأمر والنهي غير الإلزاميين في مقابل الرخصة ولزوم التوقف في غير الموارد المذكورة. وهو راجع إلى تفسير حال التعارض وبيان منشئه فيها، لا إلى ضرب القاعدة العملية فيها، لما ذكرنا من عدم ترتب العمل على القاعدة المذكورة، للاستغناء عنها مع العلم بحال الأمر والنهي، وعدم إحراز موضوعها مع

الشك فيه، بل لابد من الرجوع للامام في تشخيص حالهما، فيكون تطبيق كبرى التخيير في مورد الشك من وظيفته، كما سبق في صحيح ابن مهزيار ومكاتبة الحميري، لا من وظيفة المكلف الشاك.

وحيث كان هذا الحديث متعرضاً لألسنة نصوص التخيير كان حاكماً عليها حكومة تفسيرية، فيتقدم عليها طبعاً ويكون كاشفاً عن خلل في ظهورها.

ومن ثم جعله شيخنا الأستاذ (قدس سره) مانعاً من البناء على التخيير والعمل بنصوصه.

اللهم إلا أن يقال: الحكومة المذكورة إنما تتم في مثل مرسل الكليني

القابل للحمل على السعة الواقعية، دون مثل مرسل الحسن بن الجهم الذي هو كالصريح في التخيير الظاهري، حيث فرض فيه سؤالاً وجواباً الجهل بالحق من الخبرين الظاهر في المفروغية عن مخالفة أحدهما له، ومرفوعة زرارة المفروض فيها لزوم الترجيح الذي لا مجال له في المورد المذكور.

فلا مجال لدعوى حكومة خبر الميثمي على الخبرين المذكورين ونحوهما حكومةً تفسيرية، ليتقدم عليها، بل هو معارض لها، كسائر أخبار التوقف.

على أنه ظاهر في أن الخبرين المشتمل أحدهما على الأمر أو النهي والآخر على الرخصة متعارضان يكونان مورداً للتخيير أو الرد مع العلم بحال الأمر أو النهي، وللتوقف مع الجهل بحالهما، مع وضوح بناء الأصحاب على الجمع بينهما مع الجهل بالحال بالحمل على الاستحباب أو الكراهة، وخروجهما بذلك عن المتعارضين عرفاً، فهو من هذه الجهة مهجور عند الأصحاب.

بل هو مناف لنصوص الترجيح، لقوة ظهوره في استيفاء حكم صور التعارض وفي عدم الوظيفة الظاهرية فيها، بل مع العلم بحال الأمر والنهي يتعين الرد أو السعة واقعاً، ومع الشك يتعين التوقف من دون إشارة للترجيح. وذلك موجب لوهن الخبر في نفسه ولزوم رد علمه لقائله (ع). ويبقى التعارض بين نصوص التخيير والتوقف مستحكماً.

ومن هنا فقد يدعى لزوم تقديم نصوص التخيير في المقام، لأنها وإن كانت ضعيفة السند مجبورة بعمل الأصحاب، ونصوص التوقف وإن كانت معتبرة السند مهجورة عندهم، حيث كان التخيير هو

المذكور في كلمات

قدماء الأصحاب ومتأخريهم، بل ادعي عدم الخلاف فيه، كما سبق، ولم يعرف التصريح بخلافه أو التفصيل فيه إلا من بعض المتأخرين.

لكن الإنصاف: أن الاكتفاء بذلك في البناء على حجية نصوص التخيير ولزوم البناء عليه في غاية الإشكال، لعدم وضوح عمل الأصحاب بالنحو الكافي في الجبر والوهن، لقلة تحرير المسائل الأصولية في كلامهم واضطراب عملهم فيها، ومنها هذه المسألة.

بل لا طريق لمعرفة رأي من دأبه الاقتصار على تدوين الأخبار من القدماء لأنهم دونوا نصوص التخيير والتوقف معاً، بل لعل نصوص التوقف أظهر تدويناً، لأن أظهر نصوص التخيير دلالة مرسل ابن الجهم ومرفوعة زرارة، ولم يدونا إلا في كتب المتأخرين.

بل يبعد بناء الأصحاب على التخيير في عصور الأئمة (ع) ومن القريب بناؤهم على الرجوع لهم (ع) في كشف الحال، لأنه مقتضى الطبع الأولي، وقد وردت به النصوص في كثير من الموارد، وقد سبق أن ذلك يوجب إجمال نصوص التخيير، لا حجيتها في عصر الغيبة.

بل لم يشر الشيخ (قدس سره) في التهذيب للتخيير، وإنما ذكر في آخر المرجحات ترجيح الخبر الموافق للأصل، وكأنه يرجع للعمل بالأصل بعد تساقط الخبرين، لما هو الظاهر من عدم صلوح الأصل للترجيح حتى بناء على التعدي عن المرجحات المنصوصة.

بل لعل بعض من صرح به قد اعتمد على بعض الوجوه الاعتبارية - نظير ما سبق من الشيخ في الاستبصار - أو على إطلاقات الحجية - كما سبق من المرتضى في الذريعة - أو على ما تضمن أنهم (ع) لا يدخلون

شيعتهم فيما لا يسعهم(1)، بتخيل دلالتها على ذلك، مع الغفلة عن أن المراد انه يسعهم واقعاً لعناوين ثانوية من تقية أو نحوها.

دعوى انجبار نصوص التخيير بعمل الأصحاب

وما أبعد ما بين دعوى: انجبار نصوص التخيير بعمل الأصحاب وما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) من وهنها بإعراضهم، فإنهم وإن ذكروا ذلك في الأصول إلا أنهم لم يجروا عليه في الفقه، بل مبناهم على الجمع بين النصوص أو ترجيح بعضها من دون إشارةٍ للتخيير.

وإن لم يبعد كون منشأ ذلك منهم التعدي عن المرجحات المنصوصة، ولو احتياطاً كما سبق، لا الإعراض عن التخيير بالنحو المانع من البناء عليه لو تمت نصوصه.

وكيف كان فلا مجال لإحراز اعتمادهم على نصوص التخيير المتقدمة وهجر نصوص التوقف بالنحو الموجب لانجبار الأولى ووهن الثانية.

ولذا لا مجال للبناء على التخيير، لضعف نصوصه دلالةً أو سنداً ومعارضتها بما هو أقوى منها.

هذا، وربما ينسب لبعضهم وجوب الاحتياط، لا بمعنى الأخذ بأحوط الخبرين، فإنه راجع لترجيح الخبر الموافق للاحتياط، الذي سبق الكلام فيه في بيان المرجحات، بل بمعنى التوقف المطلق في الفتوى المستلزم للاحتياط في مقام العمل، لعدم المؤمن، الراجع لتنجز احتمال التكليف على طبق كل من المتعارضين، بنحو يمنع من الرجوع للعموم والأصل المؤمن ونحوهما مما يكون متأخراً رتبةً عن كلا المتعارضين.

وكأن الوجه فيه: العمل بنصوص الإرجاء والتوقف بعد حملها على


1) الوسائل ج: 18 باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 8، 13.

التوقف المطلق.

وفيه: أن ظاهر النصوص المذكورة أو المتيقن منها هو التوقف من حيثية المتعارضين، بمعنى عدم التعويل عليهما لعدم حجيتهما، بل يرجأ معرفة الحق منهما إلى لقاء الإمام، ولا ينافي العمل في المسألة بما يكون متأخراً رتبة عن المتعارضين بعد اليأس عن معرفة الحق منهما، كما أشرنا إلى ذلك في الوجه الأول من وجوه الجمع بين نصوص التخيير والتوقف.

وقد تحصَّل من جميع ما تقدم: أنه لا مجال للخروج عما تقتضيه القاعدة في المتعارضين من التساقط. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم، ومنه نستمد العون والتوفيق، والحمد لله رب العالمين.

وينبغي التنبيه على أمور..

ينبغي التنبيه لأمور..
الأول: المراد من التخيير التخيير في المسألة الأصولية

الأول: أنه بناء على القول بالتخيير لا يراد به التخيير في المسألة الفرعية، بمعنى البناء على أن الحكم الشرعي الفرعي هو المطابق للسعة بين المؤديين، نظير التخيير بين القصر والتمام في المواطن الأربعة.

لأن التخيير في المسألة الفرعية إن كان واقعياً لزم انقلاب الحكم الواقعي بسبب التعارض، وهو خلاف ما تسالموا عليه من وحدة الحكم الواقعي في حق العالم والجاهل وإن كان ظاهرياً، فهو مخالف لكلا المتعارضين، بل يعلم بمخالفته للواقع فيما لو علم إجمالاً بصدق أحدهما، ولابد في الحكم الظاهري من احتمال مطابقته للواقع.

مع أن الحكم التخييري إنما يتجه مع تعدد المتعلق ووحدة الحكم، كما لو تعارض الدليلان في القصر والتمام أو الجهر والاخفات، ولا معنى له مع وحدة المتعلق وتعدد الحكم، كما لو تعارضاً في الوجوب والحرمة أو

غيرهما من الأحكام التكليفية أو الوضعية، إذ لا معنى للحكم بالتخيير بين الأحكام.

فلابد من كون المراد التخيير في المسألة الأصولية الراجع إما إلى محض السعة في مطابقة العمل لمفاد كل من الدليلين، نظير أصالة البراءة من كل من الوجوب والحرمة عند الدوران بينهما، أو إلى الحجية التخييرية لكل من الدليلين، على ما سبق في أول الفصل.

وإن كان ظاهر النصوص إرادة الثاني، لظهورها في السعة في العمل بكل من الدليلين والأخذ به، بحيث يكون طريقاً للواقع وحجة عليه في الجملة، وهو الذي يظهر من جماعة.

الثاني: هل التخيير للمفتي أو يعم المستفتي؟
اشارة

الثاني: هل التخيير وظيفة للمفتي الناظر في الأدلة، فإذا اختار أحد الخبرين المتعارضين لزمه الفتوى بمضمونه معيناً، وتعين على المستفتي العمل عليها، ولا موضوع للتخيير في حقه. أو للمستفتي أيضاً، فليس للمفتي إلا أن يخبر بوجود المتعارضين ويخير في العمل بأحدهما، ويكون الاختيار للمستفتي في مقام العمل؟

وجهان.. صرح بالأول بعض الأعاظم (قدس سره) مدعياً ابتناء ذلك على ما تقدم من كون التخيير في المسألة الأصولية.

لكنه غير ظاهر، لوضوح أنه لو كان المراد بالتخيير محض السعة في مقام العمل من دون حجية لأحد الخبرين فلا وجه لفتوى المجتهد بمضمون أحد الخبرين تعييناً، بل يلزمه الفتوى بالسعة الظاهرية نظير فتواه بها عند الدوران بين الوجوب والحرمة.

وكذا لو كان المراد به الحجية التخييرية، بناءً على ما سبق من تفسيرها

بكون كل من الخبرين حجة فعلاً للمكلف ومجموعهما حجة عليه، حيث لا وجه لإلزامه في مقام الفتوى بمضمون أحدهما مع عدم حجيته بعينه على المكلف، بل هو حجة له لا غير، وليس الحجة عليه إلا مجموعهما.

وأما لو كان المراد به حجية كل منهما تعييناً على تقدير اختياره، دون الآخر - كما هو الظاهر منهم - فما ذكره إنما يتم على أحد أمرين..

أولهما: كون وظيفة المجتهد الفتوى على طبق ما هو الحجة عليه، لا على المقلد، حيث لا إشكال في أن اختيار المجتهد لأحد المتعارضين موجب لحجيته عليه، فله الفتوى بمضمونه للعامي، وإن لم يكن حجة عليه، لعدم اختياره له.

ثانيهما: كون اختيار المجتهد لأحد المتعارضين موجباً لحجية ما يختاره حتى على المقلد، ففتواه على طبقه فتوى له بما هو الحجة في حقه أيضاً لا في حق نفسه فقط.

ويشكل الأول: بأنه لا وجه لعمل العامي بمقتضى الحجة الثابتة في حق المجتهد غير الثابتة في حقه، بل اللازم عليه العمل بمقتضى الحجة الثابتة عليه، غايته أن تعذر تشخيص مؤدى حجته عليه موجب لرجوعه للمجتهد فيه، ففتوى المجتهد بمقتضى سائر الحجج ليس لحجيتها عليه، بل لحجيتها على العامي أيضاً، بمقتضى إطلاق دليل الحجية الشامل لجميع المكلفين.

ولذا لو فرض اختلاف حجة المجتهد عن حجة العامي لم يجز للمجتهد الفتوى بمقتضى حجته، بل وجب عليه الفتوى بمقتضى حجة العامي. مثلاً لو كانت رواية المرأة حجة في حق النساء دون الرجال، وورد

عموم في رواية الرجل مخصص برواية المرأة، وجب على المجتهد الرجل العمل في حق نفسه والفتوى للرجال بمقتضى العموم، والفتوى للنساء بمقتضى الخاص.

ومجرد تعذر الرجوع للحجة على العامي لا يمنع من حجيتها عليه، لأن المتعذر الرجوع لها بالمباشرة والتعرف على مفادها، دون الرجوع لها بتوسط المجتهد وأخذ مفادها منه، وهو كافٍ في صحة جعلها عليه.

ومنه يظهر أن انفراد المجتهد بتعيين الحجج وتشخيصها ليس لاختصاصه بحجيتها، بل لاختصاصه بالقدرة على معرفتها، مع عموم الحجية التي يدركها للعامي، ولذا يفتي له بمؤداها.

وأما الثاني فهو مخالف لظاهر أدلة التخيير، لظهورها في كون الاختيار وظيفة للمكلف في مقام العمل بالمتعارضين، لا في مقام الفتوى على طبق أحدهما، فكما يكون للمجتهد الاختيار في مقام العمل يكون للمقلد. وقيام المجتهد مقام المقلد في الاختيار محتاج إلى دليلٍ مفقود.

وليس هو كقيامه مقامه في الفحص عن الأدلة وتعيينها، لأن الفحص عن الأدلة لا دخل له بحجيتها، بل هي حجة في حق الفاحص عنها وغيره، ولا أثر للفحص إلا إثبات موضوع الحجية، وتعذر الإثبات على العامي يقضي باتكاله على المجتهد فيه، بخلاف التخيير في المقام، حيث هو دخيل في حجية الخبر المختار ثبوتاً.

ودعوى: أن التقليد مختص بالأحكام الفرعية، لا بمقدمات استنباطها من المسائل الأصولية واللغوية وغيرها، والتخيير حكم أصولي فلا تقليد فيه، ولا في تنقيح موضوعه وهو التعارض.

ممنوعة، لعموم أدلة التقليد من السيرة العقلائية الارتكازية وغيرها.

ولذا لو فرض ظهور خطأ المقلد الأعلم لمقلده في بعض مقدمات الاستنباط، فحيث لا مجال لاعتماده على فتواه بالحكم الفرعي المبتنية على المقدمة المذكورة، لقصور أدلة التقليد عن صورة العلم بخطأ المستند، ولا على فتوى غيره ممن يخطئه هو في مقدمات اجتهاده ولم يظهر للمقلد إصابته فيها، لقصور الأدلة المذكورة أيضاً عن فتوى المفضول مع تخطئة الأفضل له، تعين للمقلد الاعتماد على ما توصل إليه من مقدمات الاجتهاد التي خطأ فيها الأعلم والرجوع له في بقيتها مما لم يظهر له خطؤه فيه من مسألة أصولية أو غيرها، ثم العمل على الحكم الفرعي المستنبط من المجموع وإن خالف ما استنبطه مقلده، كما استقربه بعض الأعيان المحققين (قدس سره) في آخر الكلام في التجري.

وليس الرجوع للمجتهد في بعض مقدمات الاستنباط إلا كرجوع المجتهد لعلماء الرجال أو اللغة، بناءً على أنه من الرجوع لأهل الخبرة. وإنما يعمل بفتوى المجتهد بالحكم الفرعي المستنبط من مجموع المقدمات الثابتة بنظره غالب العوام ممن لا يتيسر له الاجتهاد في شيءٍ من المقدمات.

ففي المقام حيث يتعذر على المجتهد الفتوى للعامي بالحكم الفرعي، لتوقف حجية الدليل الذي يعتمد عليه في الفتوى في حق العامي على اختيار العامي نفسه، تعين له بيان مقدمات الاستنباط المتيسرة له وإيكال الاستنباط للعامي بعد أن يستقل بالاختيار المتمم لمقدماته، كما تقدم في الوجه الثاني، وهو الذي اختاره شيخنا الأعظم (قدس سره)، وذكر أنه المحكي عن جماعة، بل قيل إنه مما لا خلاف فيه هذا كله في الفتوى.

وأما الحكومة والقضاء فقد استظهر شيخنا الأعظم (قدس سره) أن التخيير فيها وظيفة للحاكم.

معنى التخيير في الحكومة والقضاء

وما ذكره في محله، لا لما قيل من أن تخيير المتخاصمين لا ترتفع معه الخصومة، لعدم وضوح الخروج بذلك عما تقتضيه القواعد.

بل لما ذكره (قدس سره) من أن القضاء والحكم عمل له لا للغير فهو المخير. أما بالإضافة لكيفية الحكم وأحكام الدعوى فظاهر، إذ لا أثر لها بالإضافة لغيره من المتخاصمين أو غيرهما.

وأما بالإضافة للحق المتخاصم فيه فهو وإن كان مورداً لعمل المتخاصمين وغيرهما، إلا أن ذلك إنما يقتضي رجوع العامل لما هو الحجة في حقه في مقام العمل، فيتخير في المقام المذكور، لا في فصل الخصومة، الذي هو وظيفة للحاكم، بل اللازم فيه على الحاكم الرجوع لما هو الحجة في حقه، ولذا يجب عليه العمل بمقتضى الحجة الظاهرية في حقه من الطرق والأمارات والأصول الجارية في الشبهات الموضوعية والحكمية وإن علم بعدم حجيتهما في حق أحد المتخاصمين أو كليهما، لانكشاف الواقع لهما بالعلم الذي لا مجال معه للحكم الظاهري.

ما لو لزم من حكم الحاكم مخالفة إجمالية

نعم، قد يستشكل فيه بالنظر لما ذكروه فيما لو لزم من حكمه في واقعتين مخالفة إجمالية، كما في من أقرّ بعين لشخص، ثم أقرّ بها لآخر، حيث يحكم عليه بها للأول وبقيمتها للثاني اعتماداً على الإقرارين المعلوم كذب أحدهما، فإن العلم الإجمالي المذكور يسقط حجية الإقرارين في حقه، كما يسقطهما في مقام العمل لو ابتلي الحاكم أو غيره بالعين والقيمة معاً بميراث أو غيره.

لكن ذلك لا يكشف عن كون المعيار في الحكم على الحجة في حق المتخاصمين، لما أشرنا إليه من عدم العبرة بعلمهما التفصيلي، فضلاً عن الإجمالي.

دفع الإشكال بوجهين

وربما يدفع الإشكال المذكور بأحد وجهين..

أولهما: أن ابتلاء الحاكم بكل من الطرفين، لا يكون بمجرد الإقرار، بل بالتخاصم فيهما إليه وإرادة الحكم فيهما، وحيث كان الحكم فيهما تدريجياً فلا ابتلاء حين الحكم في كل طرف إلا به، فلا يصلح العلم الإجمالي للتنجيز حينئذ ليسقط الإقرار عن الحجية فيه.

ثانيهما: أن موضوع الولاية على الحكم والقضاء ليس هو الحق الواقعي، بنحو يكون العلم والحجج طرقاً محضة، كما هو الحال في أحكام الحق الأخرى، ليمتنع الحكم على خلاف العلم التفصيلي أو الإجمالي الذي هو حجة ذاتية، كما يمتنع العمل في أحكامه الأخرى على خلافه، بل موضوعه شرعاً العلم أو قيام الحجة بنحو لا يكون الحكم بدونهما مشروعاً واقعاً ولا نافذاً وإن أصاب الواقع، وحينئذٍ للشارع الحكم بعدم مانعية العلم الإجمالي من القضاء على طبق الحجة في كل مورد بنفسه من إقرار أو غيره مع قطع النظر عن المورد الآخر. بل يمكن منه الحكم بعدم مانعية علمه التفصيلي بخطأ الحجة. فلاحظ.

هذا، وقد يستشكل في الرجوع للتخيير في خصوص القضاء لمقبولة ابن حنظلة الواردة فيه والحاكمة بالإرجاء والتوقف، فتصلح لتخصيص إطلاقات التخيير.

ويندفع: - مضافاً إلى ما سبق من أن مقتضى عموم التعليل في المقبولة

عدم اختصاصها بالقضاء، فتكون معارضة لنصوص التخيير، لا أخص منها - بأن مورد المقبولة اختلاف الحكمين الصادرين من حاكمين تبعاً لاختلاف روايتيهما، لا اختلاف الروايتين في حقّ حاكمٍ واحد، الذي هو محل الكلام، فلا مخرج فيه عن إطلاقات التخيير لو تمّت.

الثالث: هل التخيير ابتدائي أم استمراري

الثالث: هل التخيير لو قيل به في المقام ابتدائي، فيجب الجري في جميع الوقائع على طبق ما يختار في الواقعة الأولى، كما يظهر من شيخنا الأعظم (قدس سره) وصرح به بعض الأعاظم (قدس سره) جاعلاً ذلك من ثمرات كون التخيير في المسألة الأصولية، أو استمراري، فيجوز الاختلاف بين الوقائع في ما يختار، كما صرح به المحقق الخراساني (قدس سره) ووافقه سيدنا الأعظم (قدس سره)، وقيل إنه المحكي عن العلامة، وأنه المحكي نسبته للمحقّقين.

والأول وإن كان هو مقتضى الاقتصار على المتيقن، للشك في حجية ما يختار في الوقائع اللاّحقة على خلاف ما اختير في الوقائع السابقة، إلا أنه قد استدل للثاني..

الاستدلال للتخيير الاستمراري

تارة: بإطلاقات نصوص التخيير.

وأخرى: بالاستصحاب.

والإشكال في الإطلاقات بأنها واردة لبيان حكم المتحير في الواقعة الأولى الذي لم يختر أحد الخبرين ولم يكن حجة رافعة لتحيره.

مدفوع: بأن التحير بالنحو المذكور لم يؤخذ في موضوع التخيير وإنما استفيد من فرض السؤال عن الوظيفة العملية فيهما، وحيث كانت الوظيفة قابلة للتخيير الابتدائي والاستمراري، فالتحير من هذه الجهة لا يرتفع بالاختيار في الواقعة الأولى، ولابد من الرجوع في تعيين الوظيفة

العملية من هذه الجهة إلى إطلاق السؤال والجواب، وهو تابع للعنوان المأخوذ في النصوص، وحيث كان هو تعارض الخبرين الباقي في جميع الوقائع من دون أن يرفعه الاختيار في الواقعة الأولى كان مقتضى الإطلاق هو التخيير الاستمراري.

ولاسيما مع مناسبته للتعبير في بعض النصوص بالأخذ من باب التسليم، لوضوح أن اختيار أحد الخبرين لا يخرج الآخر عن قابلية الأخذ من باب التسليم.

بل قوله (ع) في مرسل الحارث ابن المغيرة: «فموسع عليك حتى ترى القائم» صريح في استمرارية التخيير.

هذا كله بناء على رجوع التخيير للحجة المعلقة على الاختيار، أما بناء على رجوعه إلى كون كل منهما حجة فعلية للمكلف ومجموعهما حجة عليه - كما تقدم أنه الظاهر - أو إلى محض السعة في مقام العمل، فالأمر أظهر لوضوح أن اختيار العمل على طبق أحدهما في الواقعة الأولى لا يوجب تعين مضمونه فيها، فضلاً عن بقية الوقائع، فارتفاع التحير بنفس البيان القاضي بالسعة لا بالاختيار.

ومما سبق يظهر أنه لا مجال للإشكال في الاستصحاب بتبدل الموضوع، لارتفاع التحير بعد الاختيار. نعم، لما كان التمسك بالاستصحاب في فرض عدم الإطلاق فاحتمال اختصاص التخيير

بالواقعة الأولى مساوق لاحتمال تبدل الموضوع الذي هو مانع من التمسك بالاستصحاب كاليقين بتبدله.

ودعوى: التسامح العرفي في ذلك، قد سبق الإشكال فيها في مبحث

الاستصحاب. مضافاً إلى أنه بناء على رجوع الحجية التخييرية لحجية كل منهما معيناً على تقدير اختياره تكون الحجية التخييرية تعليقية لا محال لاستصحابها، لعدم جريان الاستصحاب التعليقي، بل الجاري الاستصحاب التخيري، وهو في المقام استصحاب حجية ما اختاره أولاً دون الآخر، بناء على جريان استصحاب الحجية كما هو غير بعيد. وهو يوافق التخيير الابتدائي عملاً.

نعم، بناء على ما سبق مناّ في معنى الحجية التخييرية تكون تنجيزية لا بأس باستصحابها لولا ما ذكرنا من احتمال تبدل الموضوع.

وقد تحصل من جميع ما سبق: أن التخيير استمراري عملاً بإطلاق النصوص.

نعم، قد ينشأ منه علم إجمالي منجز، كما في الموارد التي يلزم من فوت الواقع فيها تكليف بالتدارك قضاء أو إعادة، أو بمثل الفدية والكفارة، كما في القصر والإتمام، فإن اختلاف العمل فيهما في واقعتين مستلزم للعلم الإجمالي ببطلان أحد الفعلين المستلزم لتداركهما معاً.

إلا أن يبنى على عدم وجوب تدارك ما وقع عن اجتهاد أو تقليد مشروع مطلقاً، أو في خصوص المقام، لاستفادته من نصوص التخيير، كما هو غير بعيد.

ثم إن لازم كون التخيير ابتدائياً أن المكلف لو نسي ما اختاره أولا يلزمه التوقف، لاشتباه الحجة باللاحجة عليه المانع من العمل بكل منهما في خصوص مفاده، بل يعمل على القدر المشترك بينهما.

ودعوى: تحقق موضوع التخيير الابتدائي في حقه حينئذٍ، لرجوع

التحير له وفقده للحجة.

مدفوعة: بأن موضوع التخيير الابتدائي - بناء على ما سبق - هو التحير الناشيء من التعارض الموجب لعدم حجية كل منهما رأساً لولا الحكم بالتخيير، وهو لم يعد بسبب النسيان، لأن التحير فيه مسبب عن نسيان الحجة منهما المانع من العمل به في خصوص مؤداه، لا من حجيته رأساً، بل يعمل به في القدر المشترك.

الفصل الثالث : في لواحق الكلام في مفاد أدلَّة المتعارضين الخاصة
اشارة

تعرض الأصحاب لجملة من المباحث لا تخص أحد الفصلين السابقين لنلحقها به، بل هي تجري في كليهما، ولأجله جعلنا الكلام فيها في فصل يخصها.

وفيه مسائل..

وفيه مسائل:
المسألة الأولى
اشارة

المسألة الأولى: سبق في أوائل الكلام في التعارض أن الكلامين المتنافيين بظاهرهما مع الجمع العرفي بينهما، لكون أحدهما قرينة على الآخر عرفاً، وإن كانا متعارضين في مقام البيان والدلالة إلا أنهما غير متعارضين في مقام الحجية، لأن مرجع الجمع العرفي بينهما إلى ارتفاع موضوع حجية أحدهما بسبب الآخر، وتعين العمل على القرينة وإهمال ظهور ذي القرينة البدوي، ولا يشملهما حكم التعارض.

وهو ظاهر في أحكام التعارض الأولية مع قطع النظر عن الأدلة الخاصة، وأما بالنظر إليها فهو موقوف على ظهورها في أن موضوعها التعارض في مقام الحجية المستتبعة للعمل.

أما لو كان هو التعارض في مقام البيان والدلالة تعين شمول أحكام التعارض التي تضمنتها - من الترجيح والتخيير أو التساقط - لموارد الجمع العرفي، وتكون الأدلة المذكورة رادعة عن الجمع العرفي، وكاشفة عن خصوصية في الأخبار مانعة منه.

ظاهر النصوص صدق التعارض بمجرد الاختلاف في الدلالة

إذا عرفت هذا، فأكثر النصوص الخاصة قد اشتمل على عنوان الاختلاف بين الأخبار، والظاهر صدقه بمجرد الاختلاف في مقام البيان والدلالة.

إلا أن ورودها مورد التحير في الوظيفة - كما يناسبه حال السائل في أكثرها - موجب لانصرافها عن موارد الجمع العرفي، لعدم التحير فيه بحسب الطبع الأولي، والاحتياج للسؤال فيها يتوقف على المفروغية مسبقاً عن ردع الشارع عن الجمع العرفي، ولا إشعار في النصوص المذكورة بالمفروغية عن ذلك. ومن ثم كانت منصرفة إلى ما يتوقف العرف معه عن العمل بطبعهم لعدم وضوح وجه الجمع فيه لهم.

وأولى بالاختصاص بذلك مرفوعة زرارة المتضمنة لعنوان التعارض، لما سبق في تعريفه من أن المناسبة المصححة لإطلاقه كون كل من المتعارضين مانعاً من العمل بالآخر.

وكذا ما استفيد منه فرض التعارض من دون تصريح بلفظه - كمرسل الحارث بن المغيرة المتقدم في نصوص التخيير - لأن المتيقن منه إرادة ذلك.

ولعل هذا هو الوجه في سيرة الأصحاب (رضوان الله عليهم) في مقام الاستدلال على اعتماد الجمع العرفي، كما يظهر بأدنى نظر في كلماتهم في

أبواب الفقه. بل الظاهر الإجماع منهم في الفقه والأصول على بعض أنحاء الجمع العرفي، كحمل العام على الخاص والمطلق على المقيد ونحوهما.

كما لا يظهر منهم الفرق في الجمع العرفي بين الأخبار التي هي موضوع نصوص التعارض، وبين غيرها، كالبيانين الكتابيين، أو البيان الكتابي والخبر.

وما ذلك إلا لعدم استظهارهم من نصوص التعارض الردع عن الجمع العرفي بين الأخبار، بل يجري فيها كما يجري في غيرها مما لم تتعرض له نصوص التعارض.

وكفى بهذه السيرة والإجماع دليلاً في المقام على جريان الجمع العرفي في الأخبار، وقرينة على عدم نهوض أخبار التعارض بالردع عنه لو فرض التشكيك في ما سبق في مفادها.

استظهار عموم التعارض لموارد الجمع العرفي ودفعه

هذا، وقد يستظهر من بعض الأخبار عموم التعارض لموارد الجمع العرفي، كصحيح علي بن مهزيار المتقدم في نصوص التخيير، لأن مقتضى الجمع العرفي حمل الأمر بصلاة ركعتي الفجر على

الأرض على الأفضلية، ولم يستغن السائل به عن السؤال عن تعارضهما، ونحوه صحيحه الآخر: «قرأت في كتاب عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن (ع): جعلت فداك روى زرارة عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) في الخمر يصيب ثوب الرجل أنهما قالا: لا بأس بأن تصلي فيه إنما حرم شربها. وروى (عن) غير زرارة(1)عن أبي عبد الله (ع): أنه قال: إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ - يعني المسكر - فاغسله إن عرفت موضعه، وإن لم تعرف موضعه فاغسله كله، وإن صليت


1) كذا في الوسائل وفي الكافي والتهذيب والاستبصار: «وروى غير زرارة».

فيه فأعد صلاتك فأعلمني ما أخذ به. فوقّع (ع) بخطه وقرأته: خذ بقول أبي عبد الله (ع)»(1)، فإن مقتضى الجمع بين الخبرين حمل الثاني على الاستحباب.

ويندفع: بأن الصحيحين ونحوهما لما كانت واردةً في مواردٍ خاصة فربما كان السائل فيها قد خفي عليه وجه الجمع بين الخبرين، إذ لا يجب في الجمع العرفي أن يفهمه كل أحد، بل قد يكونان محفوفين عنده بقرائنٍ داخلية أو خارجية تمنع من الجمع المذكور، كما هو القريب في مورد الخبر الثاني، لعدم مناسبة الكراهة للاحتياط بغسل الثوب كله، ولا لإعادة الصلاة الواقعة به.

على أن مقتضى الجمع العرفي لما لم يكن واقعياً قطعياً، بل كان ظاهرياً ظنياً فهو لا يمنع من السؤال الموصل للحكم الواقعي، وليس هو كالسؤال في أخبار التعارض العامة، لأن الغرض منه لما كان هو معرفة الوظيفة الظاهرية كان منصرفاً عما إذا كانت معلومة بسبب الجمع العرفي.

ثم إنه قد يظهر الخروج عما ذكرنا من كلام غير واحد من الأصحاب، مثل ما ذكره الشيخ (قدس سره) في مقدمة الاستبصار من تقديم الترجيح بصفات الراوي من العدالة والعدد على الترجيح بقوة الدلالة بتقديم ما لا يمكن تأويله على ما يمكن تأويله، وما ذكره في (العدة)(2)من تأخر الترجيح بقوة الدلالة عن جميع المرجحات من موافقة الكتاب والسنة والإجماع وصفات الراوي وكثرة الرواة والمخالفة للعامة، وما ذكره في بعض الفروع الفقهية من


1) الوسائل باب: 38 من أبواب النجاسات حديث 2.

2) العدة ج 1 ص: 55.

حمل الخاص على التقية وإهمال الجمع العرفي بينهما بتخصيص العام. وما في الحدائق من إنكار الجمع بين الأمر أو النهي مع الرخصة بالحمل على الاستحباب أو الكراهة، لدعوى خلو أخبار العلاج عنه. وما عن المحقق القمي من أن اللازم تقديم الخاص على العام من حيثيتهما مع قطع النظر عن المرجحات الخارجية التي قد تقتضي تقديم العام لموافقته للكتاب أو مخالفة للعامة، إلى غير ذلك مما قد يعثر عليه الناظر في كلماتهم وإن لم يسعنا استقصاؤها في هذه العجالة.

لكن من القريب حمل ما في الاستبصار والعدة على التأويل الخارج عن الجمع العرفي وإن كان مع قوة دلالة أحد الدليلين، لأن مجرد قوة الدلالة لا تكفي في الجمع العرفي ما لم تستلزم قرينية الأقوى عرفاً على المراد من الآخر، على ما تقدم في محله.

وإلاّ فتحكيم نصوص العلاج في موارد الجمع العرفي قاض بإلغائه رأساً وعدم كون قوة الدلالة مرجحاً لو بني على الاقتصار على المرجحات المنصوصة، وإن بني على التعدي عنها فلا وجه لتأخره عن بقية المرجحات، بل يكون في عرضها، أو مقدماً عليها، لتقدمه طبعاً بنظر العرف. فلاحظ.

كما أن ما سلكه في بعض المسائل الفقهية من حمل الخاص على التقية وتقديم العام قد يكون مبنياً على استفادة التقية في الخاص من قرائن خارجية - كفتوى الأصحاب ونحوها - مسقطة للخاص عن الحجية رأساً مع قطع النظر عن العام.

وإلا فقد خص في العدة(1)التعارض بالعامين وصرح بوجوب حمل


1) العدة ج 1 ص: 153.

العام على الخاص جمعاً، وأنه لا يجري عليهما حكم المتعارضين، وهو المطابق لسيرته في فقهه.

وأما ما ذكره في الحدائق وقد يستفاد من غيره من المحدثين فهو راجع إلى إنكار الجمع المذكور، لا إلى إنكار جميع أنحاء الجمع العرفي، كيف وكتابه مملوء بالجري على مقتضى الجمع العرفي بوجوهه المختلفة، كحمل العام على الخاص والمطلق على المقيد وغيرهما.

بل قد جرى في كثير من الموارد على استفادة الكراهة والاستحباب من الجمع بين النصوص، ككراهة الأكل والشرب والخضاب للجنب، واستحباب المضمضة والاستنشاق قبل الغسل، والاغتسال بصاع وغيرها. فكأن مراده مما تقدم ما إذا لم يكن الجمع بما تقدم عرفياً، لخصوصية في المورد أو أنه ناشئ عن الغفلة عن جمع العرف بالوجه المذكور.

كما أن ما ذكره المحقق القمي قد يتجه على مبناه من أن الرجوع للأخبار ليس لحجيتها بالخصوص، بل لإفادتها الظن بمقتضى دليل الانسداد، حيث قد يحصل الظن من العام الموافق للكتاب أو المخالف للعامة دون الخاص أو المخالف له أو الموافق لهم. على أن التزامه بذلك في فقهه بعيد جداً.

وكيف كان، فلا مجال للخروج بهذه الكلمات ونحوها عما هو المعلوم من رأيهم في الأصول وسيرتهم في الفقه على متابعة الجمع العرفي وخروج المورد به عن التعارض موضوعاً وحكماً.

وما أكثر ما خرجوا عن مبانيهم العامة في طرق الاستدلال بالأدلة أو الأصول العملية في خصوص بعض الموارد غفلة عن كبريات تلك

المباني أو عن صغرياتها، أو للاقتناع بالحكم بنحو يكون الاستدلال عليه للاستظهار على الدعوى، لا لتوقف معرفته عليه، حيث قد يوجب ذلك الغفلة أو التسامح في الاستدلال، من دون أن يخل ذلك بمعرفة مبانيهم العامة وقواعدهم المسلمة بينهم المعوَّل عليها عندهم. ونسأله سبحانه وتعالى العصمة من الزلل في القول والعمل.

المسألة الثانية: في العامين من وجه

المسألة الثانية: الدليلان المعارضان بظاهرهما إذا كان كل منهما صالحاً للقرينية على الآخر عرفاً من دون أن يتعين أحدهما لها - كالعامين من وجه والدليلين اللذين يكون أحدهما ظاهراً في الوجوب قابلاً للحمل على الاستحباب والآخر بالعكس - فقد سبق أنهما حجة في نفي الثالث، لأنهما بحكم المجمل المردد بين وجهين الذي له متيقن في البين، حيث لا يمنع إجماله من حجيته في المتيقن.

وأما بالإضافة إلى مورد التعارض فهو يبتني على شمول أخبار العلاج لمثل هذا التعارض، حيث قد يدعى قصورها عنه، لعدم التصادم عرفاً بين الخبرين، بل بين ظهوريهما، فلا مخرج عن أصالة الصدور في كل منهما، المقتضية للتساقط، حيث يكونان كالكلام الواحد الذي تصادم فيه ظاهران في البناء على الإجمال، غايته أن الإجمال في الكلام الواحد بدوي، وفي الكلامين من المذكورين عرضي.

لكنه يندفع بما سبق من أن أكثر نصوص العلاج قد تضمن عنوان الاختلاف الصادق في موارد الجمع العرفي، فضلاً عن محل الكلام، وإنما انصرفت عن موارد الجمع العرفي بقرينة ظهور السؤال فيها في التحير وعدم معرفة الوظيفة العملية من المتعارضين، وهذا لا يجري في محل الكلام،

فيلزم شمول الإطلاق له، خصوصاً مقبولة ابن حنظلة، لما يأتي.

وكون التصادم في المقام بين الظهورين لا يمنع من ذلك، لأن اختلاف النصوص وتعارضها حتى في المتباينين إنما هو بلحاظ ظهوراتها.

وظاهر بعض الأعيان المحققين (قدس سره) خصوصية العامين من وجه ونحوهما مما لا يمنع التعارض فيه من العمل به في الجملة ولو في غير مورد المعارضة.

لدعوى: انصراف نصوص العلاج إلى ما إذا أوجب التعارض التوقف عن المتعارضين رأساً، دون ما إذا بقي التعبد بسنديهما لانفراد كل منهما بمورد يعمل به فيه.

وذكر أن ذلك هو الوجه في تسالم الأصحاب على البناء فيهما على التساقط في مورد الاجتماع، كما نقله غيره أيضاً عنهم، مع بنائهم في المتعارضين على التخيير.

لكن لا يتضح منشأ الانصراف المذكور بنحو يخرج به عما عرفت من الإطلاق، خصوصاً في مقبولة ابن حنظلة الواردة في اختلاف الروايتين الموجب لاختلاف الحكمين، لوضوح أن الحاكم كما يعتمد في مورد الخصومة على دليل يخصه يعتمد على دليل يعمه وغيره، فلا يبعد عن مورد السؤال اختلاف الروايتين بالعموم من وجه.

وبعبارة أخرى: ليس فرض اختلاف الروايتين في المقبولة ابتداء، ليدّعى انصرافه عن مثل العامين من وجه، بل بتبع فرض اختلاف الحكمين، ومن الظاهر أن اختلافهما قد يستند لاختلاف دليليهما بالعموم من وجه.

وأما تسالم الأصحاب على التساقط في العامين من وجه فليس هو إلا

في الفقه في مقام الاستدلال، وقد سبق عدم رجوعهم فيه للتخيير حتى في المتباينين وإن ذكره بعضهم في الأصول، وأما في الأصول فيقل تحريرهم لهذه المسألة، وقد صرح الشيخ في العدة ومقدمة الاستبصار بالرجوع للتخيير فيما لو أمكن تأويل كل من المتعارضين على ما يطابق الآخر من دون مرجح لأحد التأويلين، وهو شامل لما نحن فيه، ولعله لذا كان ظاهر شيخنا الأعظم (قدس سره) البناء فيه على التخيير.

وكيف كان، فلا مجال للبناء على قصور الأخبار العلاجية عن شمول مثل العامين من وجه.

في جريان المرجحات السندية

نعم، قد يستشكل في جريان المرجحات السندية - كالشهرة في الرواية وصفات الراوي - فيهما، لما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) من أنه لا وجه لإعمالها على الإطلاق، لأنه يوجب طرح الخبر المرجوح في غير مورد التعارض، ولا لإعمالها في خصوص مورد التعارض مع العمل بالمرجوح في غيره، لأنه بعيد عن ظاهر الأخبار العلاجية، بل صرح بعض الأعاظم (قدس سره) بامتناعه، لأن الخبر الواحد لا يقبل التبعيض في المدلول من حيثية الصدور، بأن يكون صادراً في بعض مدلوله دون بعض.

وانحلال العموم الذي تضمنه إلى أحكام متعددة لا يوجب تعدده.

وأما ما يظهر من بعض مشايخنا وأشار إليه شيخنا الأعظم (قدس سره) من عدم رجوع المرجح الصدوري إلى ترجيح صدور أحد الخبرين على الآخر، بل إلى ترجيح مضمون أحدهما، ولا مانع من التعبد ببعض مضمون الخبر دون بعض، لرجوعه إلى إلغاء عموم الخبر دون صدوره.

ففيه: أن المنساق من الترجيح بحسب الصدور ليس هو التعبد

بالمضمون ابتداء، بل تبعاً لترجيح صدور نفس الخبر الذي تضمنه، لقيام المرجحات من الأوثقية والشهرة ونحوهما به، لا بالمضمون.

ما ينبغي ان يقال في مفاد المرجح الصدوري

فالأولى أن يقال: ليس مرجع الترجيح الصدوري إلى تكذيب المرجوح والحكم بعدم صدوره، ليمتنع التفكيك في الصدور بين أجزاء مضمون الخبر الواحد، بل إلى التعبد بمضمون الراجح لأقوائية احتمال صدوره دون مضمون المرجوح لضعف احتمال صدوره، تقديماً للأقوى في مقام التعارض، لأن ذلك هو المنسبق منه عرفاً في فرض بلوغ كل من المتعارضين مرتبة الحجية وعدم تكاذبهما في مقام الصدور، وهو المناسب لتعليل مرجحية الشهرة بأن المشهور لا ريب فيه، لأن المنساق من ذلك أن الآخر مورد للريب، واللاّزم ترك ما فيه الريب إلى ما لا ريب فيه عند التعارض والدوران بينهما، لا أن الآخر محكوم بعدم الصدور، وذلك لا يقتضي ترك المرجوح في غير مورد المعارضة، لأن ضعف الدليل إنما يناسب عدم حجيته في مورد معارضته بالأقوى، لا سقوطه عن الحجية رأساً.

نعم، لو كان مفاد الترجيح الصدوري الحكم بعدم صدور المرجوح أو كان الخبران متكاذبين في الصدور كان ما ذكره من امتناع التفكيك فيه بين أجزاء المضمون متيناً.

لكنه يقتضي جريان الترجيح الصدوري في العامين من وجه - بعد فرض شمول أخبار العلاج لهما - المستلزم لعدم حجية المرجوح حتى في غير مورد المعارضة، لأن دليل المرجح المذكور يكون مخصصاً لعموم الحجية، ولا وجه لعدم جريان المرجح المذكور بعد عموم دليله.

ولا مجال لقياسه على القطعيين، حيث يجري فيهما سائر المرجحات

دون المرجح الصدوري، لعدم الموضوع للمرجح المذكور في القطعيين وتحقق الموضوع له في العامين من وجه.

واستلزامه عدم حجية المرجوح في غير مورد المعارضة ليس محذوراً إذا اقتضاه الجمع بين أدلة الحجية وأدلة الترجيح، لأن عدم المانع من حجيته في غير مورد المعارضة إنما يستلزم حجيته إذا بقي مشمولاً لعموم دليل الحجية، دون ما إذا كان خارجاً عنه تخصيصاً بأدلة الترجيح.

كما أن ما ذكرناه من الجمع العرفي بينهما إنما هو بعد الفراغ عن عموم دليل الحجية لهما معاً.

وبالجملة: البناء على عموم الأخبار العلاجية للعامين من وجه وجريان المرجحات الصدورية بينهما كغيرها من المرجحات هو الأنسب بإطلاقها.

هذا كله لو كان عموم العامين مستفاداً من الوضع، أما لو كان أحدهما أو كلاهما مستفاداً من الإطلاق بمقدمات الحكمة فقد قرب بعض مشايخنا تعينه للسقوط، لعدم جريان مقدمات الحكمة مع معارضة الإطلاق للعموم، لصلوحه للبيان، كما لا تجري في المطلقين المتعارضين لاستلزامها اجتماع المتنافيين ومع عدم جريانها لا تنافي بينهما ليكونا متعارضين، بل يقصر كل منهما عن مورد الاجتماع.

ويشكل: بأن البيان المعتبر في مقدمات الحكمة هو البيان المتصل بالكلام، فمع عدمه ينعقد الظهور في الإطلاق، ولذا اعترف بأن ورود البيان المنفصل لا يخل بظهور المطلق في الإطلاق، كما لا يخل بظهور العام في العموم، فليس تعارض الإطلاقين وتعارض الإطلاق والعموم إلا كتعارض

العمومين في تنافي الكلامين بحسب ظهورهما المانع من حجيتهما معاً، ويجري فيه ما سبق. وقد سبق في ترجيح العموم على الإطلاق من مباحث الجمع العرفي ما يتعلق بالمقام.

وأما ما قد يلوح من كلامه أو ينسب إليه من أن الإطلاق والسريان لما لم يكن مستفاداً من اللفظ، بل من مقدمات الحكمة فهو خارج عن مدلول الخبر الذي هو موضوع الأخبار العلاجية، وليس مدلول كل من الخبرين بنفسه إلا ثبوت الحكم بنحو القضية المهملة، ولا تعارض بينهما مع ذلك.

ففيه أنه بعد تمامية مقدمات الحكمة فهي من سنخ القرائن المحتفة بالكلام الموجبة لظهوره في الإطلاق والسريان، والمصححة لنسبته للخبر، وبلحاظ ذلك يصدق التعارض بين الخبرين الذي هو موضوع الأخبار العلاجية.

على أنه لو تم خروجه عن مدلول الخبر، الذي هو موضوع الأخبار العلاجية، فهو لا يقتضي تقديم العام على المطلق، بل جريان أحكام التعارض العامة، كما لعله ظاهر.

ثم إن لازم ما ذكره جريان التفصيل المذكور في المتباينين أيضاً. فإذا كان أحدهما عموماً والآخر إطلاقاً لا تجري مقدمات الحكمة في الإطلاق، فينقلب إلى قضية مهملة قابلة لتخصيص العموم عرفاً، من دون أن تجري عليهما أحكام التعارض، وحيث يكون مورد التخصيص مجملاً يكون العام بحكم المجمل. وإذا كانا معاً إطلاقين لا تجري مقدمات الحجة فيهما معاً وينقلبان إلى قضيتين مهملتين مجملتين لا تنافي بينهما ليكونا متعارضين.

مع أنه لم يذكر التفصيل المذكور في المتباينين. فلاحظ.

المسألة الثالثة: التعارض بين أكثر من دليلين

المسألة الثالثة: سبق في مقدمات مبحث التعارض أن التعارض قد يتحقق بين أكثر من دليلين، فيشملها أحكام التعارض العامة.

أما أحكامه الخاصة التي تضمنتها نصوص العلاج فلا يبعد شمولها أيضا، لأن جملة من تلك النصوص وإن اختصت بتعارض الخبرين، إلا أن بعضها مطلق من هذه الجهة، كمقبولة ابن حنظلة المفروض فيها اختلاف الحكمين، لاختلافهما في الحديث، لوضوح أن كلاً من الحكمين قد يستند في حكمه للجمع بين مضموني حديثين أو أكثر.

كما أن اختلاف الحديث كما يصدق مع تنافي مضموني حديثين يصدق مع تنافي مضامين أكثر من حديثين. وكذا مرسل الحارث بن المغيرة المتقدم في نصوص التخيير.

على أن إلغاء خصوصية الحديثين في أكثر النصوص قريب عرفاً. ولا سيما مع مناسبته لنوع المرجحات ارتكازاً، ولما في بعض نصوص التخيير من كون الأخذ بكل منهما من باب التسليم.

هذا، ولو كان أحد النصوص المختلفة قطعي المضمون كان التعارض بين الباقي منها، فقد يرجع للتعارض بين الحديثين.

لكنه يكون من التعارض العرضي لأمر خارج، كما تقدم التنبيه عليه هناك.

فيلحقه ما سبق في التعارض العرضي - في الأمر الرابع من التمهيد عند الكلام في توقف التعارض على تنافي المؤديين - من توقف شمول الأخبار العلاجية له على وضوح التنافي بين المؤديين بحيث يصلح دليل كل منهما لنفي مفاد الآخر عرفاً، دون ما إذا استند إلى ملازمة اتفاقية خفية.

كما سبق هناك قصورها عما إذا علم بعدم صدور أحد الخبرين - وإن شملته أحكام التعارض العامة - لرجوعه إلى التعارض في الأخبار عنهم (ع)، من دون تناف في الحكم لا إلى التعارض بين أخبارهم، لتنافي الأحكام التي تضمنتها فراجع.

المسألة الرابعة: اختلاف النسخ

المسألة الرابعة: صرح بعض مشايخنا: بأن اختلاف النسخ في الأحاديث داخل في تعارض الأخبار. وظاهره جريان أحكامه الخاصة التي تضمنتها الأخبار العلاجية من التخيير وغيره.

لكن الظاهر قصور الأخبار العلاجية عن ذلك، لأنه وإن كان راجعاً إلى تعارض المخبرين عن واقع واحد، إلا أنه ليس من اختلاف أخبارهم بخفض الذي هو موضوع نصوص العلاج، بل من الاختلاف في الخبر المنقول عنهم (ع)، فإن الحديث والخبر والرواية في عرف المتشرعة الذي جرت عليه النصوص هي الأمر المنقول عن المعصوم (ع)، واختلافه إنما يكون بتنافي المضامين المنقولة، وبذلك يتحقق موضوع نصوص العلاج، وهو لا يصدق مع فرض اتحاد الأمر المنقول عنه من قبل الراوي الواحد مع الاختلاف في بيان ما ينقله من قبل الوسائط المتأخرة، كما هو الحال في اختلاف النسخ.

ومن هنا كان نسبة الاختلاف للأخبار ذات الأسانيد ليس باعتبار اختلاف الوسائط المتأخرة، لعدم التكاذب بينهم وعدم التنافي بين مضامين أخبارهم، بل باعتبار اختلاف المضامين التي يحكيها

الرواة عن المعصومين (ع) مباشرة وتنافيها مع كونها مورداً للأثر والعمل.

وليس السند في كل من الروايات المتعارضة إلا حجة في إثبات

نقل الرواة المذكورين، ونسبة الاختلاف والتعارض لرواية رجال السند المتأخرين - لو وقعت - لمحض الطريقية والحكاية عما هو موضوع الاختلاف والآثار.

ومنه يظهر ضعف ما ذكره بعض مشايخنا من قياس ذلك على ما إذا اختلف السامعان لكلام الإمام (ع) في مجلس واحد في حكايته، لوضوح صدق الحديث على ما ينقله السامع لكلام الإمام، فاختلافهما فيه اختلاف في حديثهم (ع)، بخلاف المقام، فإنه من الاختلاف في ما رواه الراوي من حديثهم.

على أنه لا يبعد انصراف النصوص العلاجية عنه أيضاً، وظهورها في فرض احتمال اختلاف الواقعتين، بنحو يمكن صدورهما معاً، ويرجع إلى الاختلاف بين أحاديثهم لا في حديثهم.

خصوصاً ما تضمن الترجيح بمخالفة العامة، لظهور أن مخالفتهم مرجح جهتي لأحد المضمونين المختلفين الصادرين عن الإمام (ع) لظهور الحال في أن الموافق منهما صادر للتقية، لا مرجح صدوري، ليمكن فرضه في ما لو علم بعدم صدور أحد الكلامين، لعدم غلبة مخالفتهم (ع) للعامة. بل لعل ما صدر عنهم (ع) موافقاً لهم أكثر. فتأمل.

وكيف كان، فلا مجال لإجراء الأحكام التي تضمنتها الأخبار العلاجية في اختلاف النسخ في متن الحديث، فضلاً عن سنده. إلا أن يتعدى عن مورد النصوص لغيرها من الطرق الخاصة، على ما يأتي الكلام فيه في المسألة الخامسة.

هذا، وعن الفقيه الهمداني أن اختلاف النسخ من اشتباه الحجة

باللاحجة، وهو غير ظاهر، لأنه وإن علم بعدم صدور أحد الكلامين وعدم كونه من أفراد الحجة واقعاً، إلا أن رواية كل منهما في فرض اعتبار سنده موجب لدخوله في قسم الحجة ظاهراً، ولتحقق التعارض بين السندين بلحاظ تنافي المضمونين المحكيين بهما عملاً، وإن لم يكن تعارض في كلام الإمام واقعاً، لفرض وحدته.

والعلم الإجمالي بكذب أحد السندين في المضمون المحكي به لا يخرجهما عن التعارض، كالعلم الإجمالي بكذب أحد الخبرين المتعارضين في الحكاية عن الحكم الشرعي الواحد.

ومن هنا كان اللازم جريان حكم التعارض العام عليهما، وهو التساقط في فرض تكاذبهما. نعم لا يبعد حجيتهما في نفي الثالث، على ما سبق في آخر الكلام في المسألة المذكورة. وأما الترجيح بالأوثقية فهو موقوف..

إما على كونه من المرجحات المنصوصة في الأخبار العلاجية، مع التعدي عن موردها، وهو تعارض أخبارهم (ع)، لإلغاء خصوصيته عرفاً.

أو على كونه من المرجحات العقلانية العامة في تعارض المخبرين.

ويظهر ضعف الأول مما سبق في الترجيح بصفات الراوي من عدم كونها من المرجحات المنصوصة.

وأما الثاني فقد سبق هناك تقريبه فيما إذا رجعت الأوثقية إلى الأضبطية دون الأعدلية والأصدقية، وذكرنا توجيه الرجوع إليه في اختلاف النسخ بما يغني عن الإعادة.

كما أنه يأتي في المسألة الآتية تقريب الترجيح بالشهرة.

وأما ما يتردد في بعض الكلمات من ترجيح النسخة المتضمنة للزيادة،

لاحتياج الزيادة إلى عناية، بنحو يبعد الخطأ في إثباتها، بخلاف النقيصة.

فلم يتضح بناء العقلاء عليه بنحو يخرج به عما تقتضيه القاعدة، خصوصاً مع قلة الزيادة.

نعم، يشكل الترجيح بالأضبطية مع كون راوي الزيادة غير الأضبط، لأن احتياجها للعناية يبعد الخطأ فيها حتى من غير الأضبط، ولا سيما مع أهميتها وكثرتها.

هذا، ولو فرض عدم تكاذب النسختين خرج اختلافهما عن التعارض وكان الجميع حجة في فرض تمامية سنده. وقد سبق بعض الكلام في ذلك في آخر الكلام في حجية المتعارضين في نفي الثالث.

المسألة الخامسة: تعارض غير الأخبار

المسألة الخامسة: حيث سبق اختصاص النصوص العلاجية بتعارض أخبار الأئمة (ع) فلا مجال لإجراء الأحكام التي تضمنتها في تعارض غيرها من الطرق المعتبرة بخصوصها، بل يلزم الرجوع فيها لأصالة التساقط، كما سبق في أول الكلام في هذا المقام، أو يثبت الترجيح بينها بالخصوص.

لكن شيخنا الأعظم (قدس سره) مع اعترافه بقصور النصوص المذكورة عنها صرح بجريان جميع الترجيحات التي تضمنتها فيها، بلحاظ عموم التعليل المستفاد من قوله (ع): «فإن المجمع عليه لا ريب فيه»، وقوله (ع): «

لأن الرشد في خلافهم» بدعوى: أن خصوص المورد لا يخصص الوارد.

وفيه.. أولاً: أن ذلك لا يقتضي عموم جميع المرجحات التي تضمنتها النصوص العلاجية، بل خصوص الترجيحين المعللين بالفقرتين المذكورتين. إلّا أن يبنى على التعدي عن المرجحات المنصوصة لأجل التعليلين المذكورين، حيث يتعين التعدي في جميع الترجيحات لذلك بعد

فرض التعدي عن مورد التعليلين، وهو تعارض الأخبار. لكن سبق ضعفه.

وثانياً: أن المراد بالتعليل الأول لما كان هو خصوص الإجماع على الرواية فهو مختص بالأخبار ولا موضوع له في غيرها.

نعم، قد يجري في اختلاف النسخ، لأنها من سنخ الخبر، إلا أنه ليس بملاك الترجيح بين الحجتين، لأن وحدة الواقع فيه بنحو يعلم بكذب إحدى النسختين موجب للقطع أو الاطمئنان بصحة النسخة المشهورة دون الشاذة، فتخرج الشاذة عن موضوع الحجية، وإن كان راويها ثقة، لقيام الأمارة على خطئه، فلا يكون من باب تعارض الحجتين، بل من باب معارضة غير الحجة لها.

ودعوى: أن المستفاد من التعليل المذكور ترجيح ما لا ريب فيه بالإضافة لبعض الجهات على ما فيه ريب بالإضافة إليها، من دون خصوصية للشهرة في الرواية، فيجري في غير الأخبار.

ممنوعة: لما تقدم في مبحث التعدي عن المرجحات المنصوصة من أن المراد من نفي الريب عدم الريب في الصدور، دون غيره من الجهات، ولا موضوع له إلا في الخبر المبني على الحكاية.

وأما التعليل الثاني فهو إنما يستفاد من المرفوعة التي تكرر عدم صلوحها للاستدلال. على أنه سبق في مبحث التعدي عن المرجحات المنصوصة أنه حكمة لا علة يدور الحكم مدارها.

هذا، وأما التخيير لو قيل به في تعادل الأخبار المتعارضة فلا ريب في عدم التعدي به عنها لغيرها من الحجج، لعدم الوجه له.

ولا سيما مع ما في بعضها من كون الأخذ بأحد الخبرين من باب التسليم

لهم (ع)، إذ لا موضوع للتسليم لهم في غير الأخبار المنقولة عنهم (ع).

نعم، قد يدعى صدق أخبارهم (ع) على الإجماع المنقول بناء على تضمنه نقل رأي المعصوم (ع) مع المجمعين، فتشمله الأخبار العلاجية ويجري على التعارض بين الإجماعين أو بين الإجماع والخبر ما تضمنته من الترجيح أو التخيير.

لكنه إنما يتم في نقل الإجماع المبتني على نقل رأي المعصوم عن حس، الذي يبعد وقوعه، وإلّا فنقله عن حدس مما ينصرف عنه عنوان الخبر الذي هو موضوع الحجية ومورد النصوص العلاجية.

ثم إن شيخنا الأعظم (قدس سره) جزم بجريان الترجيح الدلالي الراجع للجمع العرفي في الإجماع المنقول لو قيل بحجيته. وما ذكره يبتني على جريان الجمع العرفي في الكلام الصادر عن أكثر من متكلم واحد، أو الكلامين الصادرين عن متكلم واحد يمكن في حقه العدول عما يحكيه عن حس أو حدس، وقد سبق في الأمر الثاني من ملحقات الكلام في الجمع العرفي التعرض لمعيار ذلك. فراجع.

والله سبحانه وتعالى العالم العاصم. ومنه نستمد العون والتوفيق.

والحمد لله رب العالمين.

خاتمة: في مرجحات باب التزاحم
اشارة

سبق في الأمر الخامس من الأمور التي ذكرناها تمهيداً للكلام في التعارض الفرق بين التعارض والتزاحم ثبوتاً وإثباتاً.

وذكرنا أن المعيار في التزاحم تمامية موضوع كل من التكليفين المستلزم لتمامية ملاكه - الذي هو بمعنى الغرض الداعي لجعله - بنحو يقتضي صرف القدرة إليه مع العجز عن الجمع بينهما في مقام الامتثال وانحصار القدرة بأحدهما.

وحيث لابد من حفظ الغرض والملاك من قبل المولى بجعل التكليف فلابد من عدم رفع اليد عن كلا التكليفين، لما فيه من فوت أحد الملاكين في ظرف إمكان حصوله.

كما أنه حيث يمتنع التكليف مع العجز يمتنع عموم كلا التكليفين لحال التزاحم، بل لابد من قصور أحدهما بعينه، أو قصور كل منهما عن حال امتثال الآخر، كما سبق تفصيل الكلام في ذلك.

غايته أنه مع التفات المولى للتزاحم يكون مرجع القصور المذكور إلى رفعه اليد عن التكليف وتقييده بنحو لا يكون فعلياً وإن تم ملاكه، ومع غفلته يكون مرجعه إلى قصوره عن الفعلية عقلاً، بنحو لا يكون موضوعاً لوجوب الإطاعة وقبح المعصية، كما هو الحال لو عجز المكلف عن امتثال تكليف واحد معين.

إذا عرفت هذا، فلا ريب في التخيير في الامتثال بين التكليفين مع عدم المرجح لأحدهما، لامتناع الترجيح من غير مرجح في فرض تساوي الغرضين، بملاك امتناع تحقق التكليف الذي هو فعل اختياري للمولى من دون غرض.

ومرجعه إلى التخيير من قبل المولى مع التفاته للتزاحم، فيجعل كلا من التكليفين بنحو لا يمنع من امتثال الآخر، وحكم العقل به في فرض غفلة المولى عن التزاحم، فلا يلزم إلا باستيفاء أحد الغرضين تخييراً. كما لا ريب في لزوم حفظ الراجح منهما واستيفاء ملاكه، لاختصاص الفعلية به.

ومن هنا كان المناسب النظر في المرجحات الملزمة باختيار أحدهما والمعينة لفعليته على نحو الإطلاق. والمذكور في كلماتهم أمور..

الأول: الأهمية
اشارة

الأول: الأهمية ولا إشكال في كونها من المرجحات في المقام، لما في المحافظة على الأهم من تحصيل المرتبة الزائدة من الغرض. والترجيح بها عقلي بمعنى أن العقل يستكشف ترجيح المولى للأهم مع التفاته للتزاحم، ويحكم هو بوجوب امتثال الأهم مع غفلة المولى عنه.

ودعوى: أن ذلك إنما يتم مع حكمة المولى، إذ بدونها قد يعين غير الأهم، أو يخير بينهما.

مبنية على أن المراد من الملاك والغرض هو المصالح والمفاسد التي يكون مقتضى الحكمة جريان الأحكام عليها، وقد سبق في مبحث الفرق بين التعارض والتزاحم أنه لا يراد به ذلك، بل الجهة الداعية للحكم ولو لم تكن على طبق الحكمة، ومن الظاهر امتناع ترجيح غير الأهم بلحاظها حتى من غير الحكيم كامتناع التخيير بينهما، لأن التكليف فعل اختياري للمولى،

فكما لا يعقل صدوره منه مع عدم الداعي له وعدم صدوره مع فعلية الداعي له، لا يعقل عدم تعيينه ما يقتضي الداعي فعلية تعيينه، فضلاً عن تعيينه لغيره. إلا أن يفرض عدول المولى وتبدل الحال عنده، فيتجدد اهتمامه بما لم يهتم به سابقاً ويقوى الداعي لما ضعف داعيه له سابقاً، فيكون الترجيح للأهم الفعلي، ولا ينافي ما ذكرنا من الترجيح بالأهمية.

تحديد مقدار الأهمية

نعم، لابد من كون الأهمية بمرتبةٍ ملزمة، لكون المرتبة الزائدة من الغرض مقتضية للإلزام، وإلا كان الترجيح أولى ولم يكن لازماً.

هذا، ولو كان أحد التكليفين محتمل الأهمية دون غيره، بحيث يدور الأمر بين تساويهما أو أهمية أحدهما المعين فهل يجب اختياره في مقام الامتثال أو لا؟ صرّح بالأول غير واحد.

ولا يخفى أن وجوب اختياره - لو تم - ظاهري طريقي في طول ترجيح الأهم واقعاً، لا لعموم الجهة المقتضية لترجيح الأهم، لأن مرجع ترجيح الأهم إلى فعليته وعدم فعلية التكليف المهم واقعاً في حال التزاحم بينهما، فلو كان ترجيح محتمل الأهمية واقعياً بملاك ترجيح الأهم لزم اختلاف التكليف الواقعي باختلاف حالي العلم والجهل بالأهمية، بحيث يكون التكليف الواحد فعلياً واقعاً دون الآخر في حق من يعتقد بأهميته أو يحتملها، وغير فعلي كذلك في حق من يعتقد بأهمية الآخر منه أو يحتملها، مع التخيير بينهما في حق من لا يحتمل أهمية أحدهما أو يحتمل في كل منهما الأهمية، ولا مجال للالتزام بذلك، مع ما هو المعلوم من عدم دخل العلم والجهل في الأحكام الواقعية.

ومن هنا لابد في ترجيح محتمل الأهمية إما من إحراز أهميته ظاهراً،

أو البناء على وجوب اختياره في مقام الامتثال ظاهراً - إن لم تحرز أهميته - بمقتضى الأدلة الاجتهادية أو الأصول العملية.

أما إحراز أهميته ظاهراً فربما يوجه فيما لو كان لأحدهما إطلاق دون الآخر بأن مقتضى إطلاق الأول فعليته في حال المزاحمة للآخر، فيكشف عن أهميته منه، ولا معارض لذلك في الآخر بعد فرض عدم الإطلاق له ولزوم الاقتصار فيه على المتيقن، وهو غير حال المزاحمة. ومثله ما لو كان إطلاق أحدهما أقوى من إطلاق الآخر، بأن يكون أظهر منه في شمول مورد المزاحمة.

نعم، لا مجال لذلك فيما لو كانا متساويين من هذه الجهة، أو لم يكن لكل منهما إطلاق.

وفيه: أن عدم الإطلاق في الآخر إن كان مع الشك في ثبوت ملاكه وتمامية موضوعه في ظرف المزاحمة للأول، خرج عن باب التزاحم، لما سبق من توقفه على تمامية ملاك الحكمين.

وإن لم يكن شك في ذلك، بل قطع بتمامية موضوع كلا التكليفين وفعلية ملاكهما، لم ينهض الإطلاق في أحدهما لإثبات فعليته من هذه الجهة، ليدل على أهميته، لانصراف الإطلاق إلى بيان فعلية الحكم من حيثية الموضوع والغرض، لأن ذلك هو الذي يناط بالمولى ويحتاج إلى بيانه فيه.

وأما الفعلية من حيثية عدم المزاحمة الراجعة إلى حيثية القدرة فلا ينصرف الإطلاق غالباً إليها، ولا يتكفل ببيانها، ليدل على عدم صلوح التكليف الآخر للمزاحمة، لعدم أهميته، بل هي مما يستفاد من العقل في

فرض إحراز القدرة وعدم المزاحمة.

نعم، لما كانت فائدة بيان الغرض عرفاً جعل المكلف مسؤولاً به ليسعى في تحصيله بامتثال التكليف، بحيث يلغو الخطاب مع تعذره، كان ظاهر الخطاب عرفاً بضميمة حكمة المخاطب فعلية التكليف من حيثية القدرة أيضاً.

إلا أنه لا يستلزم ظهور الإطلاق في عموم القدرة، إذ يكفي في رفع اللغوية وترتب الغرض المصحح للخطاب بالمطلق غلبة القدرة عليه أو توقعها.

إلا أن يفرض تصدي المتكلم لبيان الفعلية من جميع الجهات. وهو محتاج إلى قرينة خاصة ومؤنة زائدة لا يقتضيها طبع الكلام، كما سبق نظيره عند الكلام في الشك في الابتلاء من مباحث العلم الإجمالي.

ولذا لو كان لكل من التكليفين إطلاق لم يكن اجتماعهما في مورد التزاحم موجباً لتكاذبهما ودخولهما في باب التعارض، المانع من إحراز ملاك كل منهما بل يبقى كل منهما ظاهراً في الفعلية من حيثية الغرض وتحقق موضوع التكليفين، فلا يتكاذبان، بل يدخلان في باب التزاحم، كما هو المطابق للمرتكزات العرفية في فهم الكلام. وقد سبق عند الكلام في الفرق بين التعارض والتزاحم ما ينفع في المقام.

ومنه يظهر أن قوة إطلاق أحد الحكمين لا تقتضي رجحانه، لعدم تصديه لهذه الجهة.

كما ظهر أنه لا مجال للبناء على وجوب اختيار محتمل الأهمية في مقام الامتثال ظاهراً وإن لم تحرز أهميته، بدعوى: أنه مقتضى إطلاق

التكليف به، حيث لم يعلم بتقييده في حال التزاحم، بخلاف الآخر، للعلم بعدم وجوب اختياره، المستلزم لتقييده في الجملة، إما لكونه مرجوحاً أو مساوياً له.

لوضوح أنه لا مجال للدعوى المذكورة مع عدم تكفل الإطلاق ببيان هذه الجهة، مضافاً إلى أن غير محتمل الأهمية وإن علم بتقييده إلا أنه إن كان مساوياً لمحتمل الأهمية يلزم تقييد إطلاقه بالإضافة لحال التزاحم في خصوص حال امتثال محتمل الأهمية، وإن كان مرجوحاً بالإضافة إليه يلزم تقييده بالإضافة لحال التزاحم، بنحو يستلزم خروج الحال المذكور عنه مطلقاً، فلا خطاب به فيه أصلاً، وحيث كان الثاني أكثر تقييداً كان مخالفاً للأصل كاحتمال التقييد في محتمل الأهمية، فلا مجال للرجوع لأصالة الإطلاق في محتمل الأهمية، لمعارضتها بأصالة عدم زيادة التقييد في الآخر.

نعم، قد يتجه ذلك بناء على ثبوت الأمر الترتبي بالمهم عند عصيان الأهم، أو بكل من الضدين مع تساويهما، كما قد يظهر بالتأمل، ولا مجال لإطالة الكلام فيه.

والأولى صرف النظر إلى مقتضى الأصل العملي في المقام.

في مقتضى الأصل العملي

وقد يقرب وجوب الاحتياط باختيار محتمل الأهمية بأنه مقتضى أصالة الاشتغال به، للعلم بالتكليف به تبعاً لتحقق موضوعه وتمامية غرضه، والشك في تحقق المسقط له، لتوقفه على مساواته للآخر، وهي غير محرزة في المقام، وهذا بخلاف الآخر، للعلم بجواز تركه والإتيان بمحتمل الأهمية على كل تقدير.

وبذلك يفترق المقام عن مسألة الدوران في مقام الجعل بين التعيين والتخيير، حيث قد يبنى على الرجوع فيه للبراءة، لأن التعيين كلفة زائدة يشك في جعلها، أما في المقام فجعل محتمل الأهمية تعييناً محرز، وإنما الشك في المسقط.

لكنه يشكل: بأن مرجع التخيير في المقام لما كان إلى تقييد التكليف ثبوتاً، لاستحالة إطلاق كل منهما مع العجز عن الجمع بينهما، فالشك فيه بالإضافة لمحتمل الأهمية شك في شمول التكليف به

لحال الاتيان بالآخر، والمرجع فيه البراءة، والاقتصار على مورده المتيقن، وهو حال عدم الإتيان بالآخر.

وبذلك يفترق عن مسألة الدوران بين التعيين والتخيير في مقام الجعل التي قد يقال بوجوب الاحتياط فيها لعدم رجوع الشك هناك إلى الشك في شمول التكليف، بل إلى كيفية جعل التكليف الواحد، من دون متيقن في البين، ليقتصر عليه في تنجز التكليف المعلوم.

ومن الغريب ما في تقرير درس بعض مشايخنا(1)من أن تفويت محتمل الأهمية لم يثبت جوازه، لتوقفه على عجز المكلف عن تحصيله تكويناً أو تشريعاً، والمفروض قدرته عليه تكويناً، كما هو قادر عليه تشريعاً، لعدم أمر المولى باتيان خصوص الطرف الآخر، ليوجب عجزه عن تحصيل الملاك الذي احتمل أهميته، فلا يجوز تفويته.

إذ فيه - مع أن مقتضى ذلك ثبوت عدم جواز تفويت محتمل الأهمية، لا عدم ثبوت جوازه -: أن جواز تفويت محتمل الأهمية لا يتوقف على


1) مصباح الأصول ج 2: ص 408.

العجز عنه بخصوصه تكويناً أو تشريعاً، بل يكفي فيه العجز عن الجمع بينه وبين الآخر تكويناً مع تساويهما في الأهمية، حيث يجوز حينئذ تفويت كل منهما في ظرف الإتيان بالآخر ولو مع القدرة عليه بخصوصه، وهو محتمل في المقام، واحتماله مساوق للشك في التكليف، الذي يكون المرجع فيه عندهم البراءة، لا الاشتغال.

العمدة في وجه الاحتياط
اشارة

فالعمدة في وجه وجوب الاحتياط في المقام: أن سقوط التكليف في باب التزاحم وإن كان راجعاً إلى تقييده لباً، وعدم فعليته، إلا أن مرجع تقييده وعدم فعليته لما لم يكن إلى قصور موضوعه المستلزم لعدم فعلية غرضه وملاكه، بل إلى وجود العذر عنه عقلاً بملاك التعذر والعجز، فبناء العقلاء في مثل ذلك على الاحتياط حتى يثبت العذر المسوغ للتفويت، ولذا كان بناؤهم على الاحتياط مع الشك في القدرة، كما تقدم في التنبيه الخامس من تنبيهات مبحث الشك في التكليف.

وحيث يشك في مسوغية التزاحم لتفويت محتمل الأهمية وجب الاحتياط بتحصيله، وتعين تفويت الآخر الذي يعلم بمسوغية التزاحم لتفويته تعييناً أو تخييراً وكونه عذراً فيه. وقد سبق بعض الكلام في ذلك في آخر الكلام في الأقل والأكثر الارتباطيين. فراجع.

هذا كله مع انحصار احتمال الأهمية بأحد الطرفين المعين، أما مع احتمالها في كل منهما فلا موضوع للترجيح به، بل يتعين التخيير عقلاً بينهما، لا بملاك التخيير مع التساوي في الأهمية المبني على تكافؤ الغرضين، بل لتعذر الاحتياط بتحصيل ما يحتمل أهميته المانع من إلزام العقل به، مع عدم جواز إهمالهما معاً، لإمكان تحصيل أحد الغرضين مع فعليته، فلا عذر في

تركه عقلاً بل يجب تحصيله شرعاً بناءً على ثبوت الأمر الترتبي.

ولا ينبغي التأمل في ذلك مع تساوي الاحتمالين، أما مع أقوائية أحدهما فهل يجب ترجيحه واختياره في مقام الامتثال أو لا؟

من الظاهر أنه لا مجال للبناء على وجوبه بملاك ترجيح محتمل الأهمية المتقدم، وهو اليقين بالامتثال عند الدوران بين التعيين والتخيير، لفرض احتمال أهمية الآخر أيضاً - وإن كان ضعيفاً - المستلزم لاحتمال كون تفويته مخالفة للتكليف الفعلي، فالمقام من الدوران بين التعيينين لا بين التعيين والتخيير.

بل غاية ما يدّعى توقف العقل عن الحكم بالتخيير - الراجع إلى معذريته في تفويت الأهم احتمالاً - وحكمه بالترجيح لمنجزية الاحتمال الأقوى بنظره. ولا أقل من الشك في ذلك - حيث قد يضطرب العقل ويشتبه عليه الحال - فيجب الاحتياط، لما سبق من لزومه في فرض العلم بتمامية موضوع التكليف وفعلية غرضه ما لم يعلم بتحقق العذر في تفويته، وهو غير محرز في المقام.

ومرجع ذلك إلى أن عدم وضوح التخيير عند العقل موجب لإلزامه بالترجيح مع تمامية الموضوع وفعلية الغرض.

وهذا بخلاف الترجيح بقوة الاحتمال عند الدوران بين الوجوب والحرمة، لأن عدم ثبوت منجزية الاحتمال الأقوى فيه موجب للرجوع للبراءة مع الشك في أصل التكليف من دون إحراز موضوعه ولا غرضه وملاكه. فتأمل جيداً.

تنبيهان..

تنبيهان..

أولهما: ترجيح الأهم مع اقتضائه صرف القدرة

أولهما: ترجيح الأهم إنما هو مع اقتضائه صرف القدرة إليه، بنحو ينافي تحصيل المهم، لكونه تعيينياً مضيقاً بالذات أو بالعرض، أما لو كان تخييرياً أو موسعاً بنحو يمكن الجمع بين الامتثالين وجب الجمع بينهما، عملاً بإطلاق دليليهما من غير مانع، وخرج عن باب التزاحم، وهو واضح.

ومثله ما لو أمكن رفع موضوع التكليف الأهم من دون محذور شرعي، كطلاق الزوجة الذي يرتفع به وجوب الإنفاق عليها، لأن إمكان رفع موضوع التكليف المانع من تعلق الغرض على طبقه مستلزم لعدم التزاحم بين الغرضين، لإمكان تجنب تفويتهما، وإن تعذر تحصيلهما، فيلزم عقلاً، دفعاً لتفويت الغرض الآخر المفروض فعليته.

نعم، مع عدم إطلاق التكليف الآخر بنحو يقتضي حفظ القدرة عليه من هذه الجهة يتجه جواز تفويته، ويخرج عن باب التزاحم، لأن مرجعه إلى عدم تمامية موضوع أحد التكليفين. وهو مما يشخصه الفقيه في كل موردٍ مورد.

ثانيهما: عدم جواز إيقاع التزاحم بينهما

ثانيهما: لما كان ترجيح الأهم غير موجب لسقوط غرض الآخر ولا لرفع موضوعه فلا يجوز للمكلف إيقاع التزاحم بينهما بمثل تضييق وقت الأهم، لأنه وإن أوجب رفع المولى اليد عن الآخر مع قدرة المكلف عليه بخصوصه، إلا أنه لما كان من جهة العجز عن استيفاء الغرضين مع فعليتهما لم يكن عذراً للمكلف عقلاً، كتعجيزه نفسه عن امتثال التكليف الواحد مع بقاء وقته وبقاء موضوعه وفعلية غرضه، الذي هو موجب لرفع المولى اليد عنه. ومثله الحال في التخيير بينهما مع التساوي.

الثاني: ما لو كان لأحدهما بدل اضطراري

الثاني: من المرجحات المذكورة في كلماتهم ما إذا كان لأحد التكليفين بدل اضطراري في طوله، دون الآخر، فيقدم ما لا بدل له على ما له البدل وينتقل إلى بدله، كما لو دار الأمر بين صرف الماء في الوضوء للصلاة وصرفه في تطهير المسجد، فيجب الثاني ويتعين التيمم للصلاة، وقد ذكره بعض الأعاظم (قدس سره) من جملة مرجحات باب التزاحم.

لكن لا يخفى أن تشريع البدل الاضطراري إن كان بنحو يقتضي جواز إيقاع المكلف نفسه في الاضطرار بأن لا يقتضي التكليف بالمبدل حفظ القدرة عليه، فيجوز في بدلية التيمم عن استعمال الماء

إراقة الماء، اتجه ما ذكره (قدس سره) ودخل في ما سبق في التنبيه الأول من المرجح السابق من أنه مع إمكان رفع موضوع أحد التكليفين يجب وإن كان أهم، ويخرج عن باب التزاحم.

وإن لم يكن كذلك، بأن كان المبدل مقتضياً لحفظ القدرة عليه كان من موارد التزاحم، ولا وجه حينئذ لتعجيز المكلف نفسه عن المبدل والانتقال إلى بدله بامتثال التكليف الآخر الذي لا بدل له مع عدم المرجح له من جهة أخرى.

إلا أن لا يراد بالاضطرار الرافع للتكليف بالمبدل خصوص الاضطرار الحقيقي، بل ما يعم الاضطرار الشرعي الناشئ من المنافاة للتكليف الفعلي، فيدخل في بعض صور المرجح الآتي، ويخرج عن باب التزاحم، حيث يكون التكليف الذي لا بدل له وارداً على التكليف الذي له بدل ورافعً لموضوعه فلا يكون غرضه فعلياً، وقد سبق اعتبار فعلية كلا الغرضين تبعاً لتمامية موضوع كلا التكليفين في باب التزاحم.

وبالجملة: لا وجه لعد هذا من مرجحات باب التزاحم، لعدم العمل عليه في مورد التزاحم، وعدم تحقق التزاحم في مورد العمل عليه.

الثالث: ترجيح ما تعتبر فيه القدرة عقلاً على ما تعتبر فيه شرعاً، كما ذكره بعض الأعاظم (قدس سره).

الثالث: ترجح ما تعتبر فيه القدرة عقلاً

فإن فعلية التكليف وإن كانت مشروطة بالقدرة إلا أن القدرة..

تارة: تكون دخيلة في موضوعه شرعاً، بنحو لا يكون غرضه وملاكه فعلياً بدونها.

وأخرى: تكون خارجة عن موضوعه، فيتم ملاكه وغرضه بدونها، وإن تعذر استيفاؤه بالامتثال بنحو تمتنع فعليته عقلاً. ومرجع هذا المرجح إلى لزوم امتثال الثاني دون الأول مع التزاحم بينهما.

لكن المراد بالقدرة الدخيلة في موضوع التكليف والغرض شرعاً إن كان هو القدرة الخارجية والشرعية الراجعة إلى عدم لزوم محذور شرعي من تحقيق متعلقه، كان التكليف الآخر الذي تعتبر فيه القدرة عقلاً رافعاً لموضوعه ومانعاً من فعلية غرضه، لعدم القدرة عليه شرعاً معه، حيث يلزم من الإتيان بمتعلقه مخالفة التكليف المذكور، فيتجه تقديم التكليف المذكور التام الموضوع عليه وان كان

دونه في الأهمية. إلا أنه يخرج عن باب التزاحم، لما تكرر من لزوم تمامية موضوع كلا التكليفين فيه نظير ما أشرنا إليه في المرجح السابق.

وإن كان المراد بها القدرة الخارجية التكوينية فلا وجه لترجيح الآخر عليه بعد فرض تحقق موضوعه أيضاً، للقدرة عليه بخصوصه تكويناً، وليس المتعذر إلا الجمع بين التكليفين.

نعم، قد يمكن رفع القدرة المعتبرة في موضوع التكليف بتعجيز المكلف نفسه بنحو لا ينافي مقتضاه بلحاظ أن التكليف لا يقتضي حفظ موضوعه، كما سبق عند الكلام في حقيقة التزاحم، وحينئذٍ يجب محافظة على امتثال التكليف الآخر الذي لا تعتبر فيه القدرة شرعاً، لما سبق في التنبيه الأول من المرجح الأول من أنه مع إمكان رفع موضوع أحد التكليفين يتعين ويرتفع به التزاحم.

وبذلك ظهر أن المرجح المذكور - كسابقه - ليس من مرجحات باب التزاحم.

ثم إنه تقدم في مبحث الفرق بين التعارض والتزاحم أن مقتضى إطلاق التكليف عدم دخل القدرة في موضوعه، وإن كانت دخيلة في فعليته على كل حال. فلاحظ.

الرابع: سبق زمان الامتثال
اشارة

الرابع: سبق زمان الامتثال، فقد التزم بعض الأعاظم (قدس سره) بترجيح السابق زماناً، إلا أن يكون الآخر أهم منه، بدعوى: أن سقوط كل من التكليفين المتزاحمين لا يكون إلا بامتثال الآخر الموجب للعجز عنه، فلا مسقط للتكليف المتقدم، لعدم امتثال المتأخر بعد فهو مقدور عليه، أما المتأخر فيسقط بامتثال المتقدم للعجز عنه به.

نعم، لو كان المتأخر أهم فوجوب حفظ القدرة عليه يكون مسقطاً للتكليف المتقدم. وقد تابعه على ذلك غير واحد من تلامذته.

ويظهر الإشكال فيه مما تقدم في ترجيح محتمل الأهمية من أن المسقط لأحد التكليفين المتزاحمين ليس هو خصوص العجز عن امتثاله المسبب عن امتثال الآخر، ولذا يتخير بين التكليفين المتقارنين المتساويين

في الأهمية، مع القدرة على كل منهما بخصوصه، فيسقط كل منهما بنحو يجوز تفويته لأجل امتثال الآخر وإن كان مقدوراً حين تفويته، لتكافؤ الغرضين، وهو جارٍ في المقام في فرض مساواة المتقدم للمتأخر في الأهمية.

نعم، لو بني على عدم وجوب حفظ القدرة على امتثال التكليف قبل وقته لم يصلح المتأخر لمزاحمة المتقدم، لعدم داعويته حينه بنحو يقتضي صرف القدرة منه إليه.

لكن ذلك - مع أنه خلاف التحقيق، ولذا يلزم الإتيان بالمقدمات المفوتة - مستلزم لترجيح المتقدم، وإن كان دون المتأخر في الأهمية، لأن الأهمية إنما تقتضي قوة الداعوية بعد الفراغ عن أصل تحققها، ولم يلتزم بذلك.

ومن هنا أنكر سيدنا الأعظم (قدس سره) في المسألة السابعة عشرة من فصل القيام في الصلاة من مستمسكه الترجيح بالتقدم الزماني.

وأما الإشكال على ذلك باستلزامه أن لمن لا يطيق إلا صوم نصف شهر رمضان أن يفطر النصف الأول منه لإدراك النصف الثاني، ولا يظن الالتزام به من أحد.

فهو - لو تم - نقض كاشف عن مرجحية التقدم الزماني، لا عن صحة الوجه المتقدم في الاستدلال عليه.

على أنه لا يبعد ظهور أدلة وجوب الصوم في دخل القدرة والطاقة في موضوعه شرعاً، بنحو يكون التعذر رافعاً لملاك وجوبه ومانعاً من فعلية غرضه وإن كان مقتضيه باقياً، فيتعين ترجيح السابق لتمامية موضوعه ويكون امتثاله مانعاً من فعلية غرض اللاحق.

ما ينبغي أن يقال في المقام

والذي ينبغي أن يقال: لا ريب في عدم دخل التقدم الزماني في الترجيح بين الأغراض المتزاحمة المستتبعة للإرادة التكوينية فيما إذا لم يحتمل احتمالاً معتداً به تجدد القدرة على المتأخر مع حفظ المتقدم، أو تجدد العجز عن المتأخر مع تفويت المتقدم، ولذا قد يختار صاحب الغرض المتأخر لأدنى داعٍ للتأخير أما مع أحد الاحتمالين فلا إشكال في وجوب الاحتياط بالمحافظة على المتقدم لاحتمال تحصيل كلا الغرضين في الأول، وللحذر من فوتهما معاً في الثاني، لأن مرجع ذلك إلى الشك في مزاحمة المتأخر للمتقدم. إلا أن يكون اللاحق من الأهمية بمكان، بحيث يقتضي الاحتياط له بتفويت الغرض الأسبق بمجرد احتمال مزاحمته له، ويختلف ذلك باختلاف مراتب الأهمية ومراتب قوة الاحتمال.

ومقتضى الوضع الطبعي الجري على ذلك في الأغراض المستتبعة للإرادة التشريعية، لولا ما أشرنا إليه عند الكلام في ترجيح محتمل الأهمية من أن الشك في المقام في المسقط المعذر عن امتثال التكليف مع تنجز احتماله، بنحو يجب الاحتياط ما لم يعلم بالمعذرية.

وربما يكون التقدم منشأ للترجيح بنظر المولى تحفظاً على تحصيل ما يمكن تحصيله بالفعل، لأن احتمال تحصيل كلا الغرضين مع فعل الأول، أو فوتهما مع تفويته وإن فرض عدم حصوله أو كان غير معتد به عند العقلاء، ولذا لا يجرون عليه في الترجيح في إراداتهم التكوينية - كما سبق - إلا أن المولى قد يلزم بالترجيح تحفظاً من الطوارئ غير المحتسبة لهم، أو التي لا يعتدون باحتمالها، لأن عدم احتمالهم لذلك أو عدم اعتنائهم باحتماله لا ينافي تحفظ المولى منه، كما قد يتحفظ المولى من خطأ قطع المكلف، ولا

يتحفظ منه المكلف نفسه.

نعم، مع إحراز أهمية المتأخر بنحوٍ معتدٍ به فلا إشكال في لزوم ترجيحه.

وأما مع احتمال أهميته فالأمر لا يخلو عن إشكال، لتزاحم الاحتياطين المقتضي للتخيير. ولابد من التأمل التام في المقام، لأن الأمور الوجدانية لما لم تكن خاضعة للبرهان فقد يلتبس الأمر فيها بأدنى شبهة. ومنه سبحانه وتعالى نستمد العون والتوفيق والتأييد والتسديد.

تنبيه: التزاحم في مقام الامتثال إنما يتصور في التكاليف الاستقلالية، دون التكاليف الضمنية بالأجزاء والشرائط في المكلف به الارتباطي، كما لو تعذر الجمع بين السورة والطمأنينة في الصلاة، لوحدة الغرض الفعلي التي لا موضوع معها للتزاحم.

ولذا كان مقتضى القاعدة سقوط التكليف بالمركب بتعذر بعض ما يعتبر فيه من الأجزاء أو الشرائط لو كان لدليل اعتباره إطلاق يشمل حال التعذر، سواء كان المتعذر أمراً بعينه أم الجمع بين أمرين مع القدرة على كل منهما بعينه، لرجوعهما معاً إلى تعذر المكلف به وهو الأمر الارتباطي. وإنما يكتفى بالناقص لدليل خاص من إجماع أو غيره، كما هو الحال في كثير مما يعتبر في الصلاة.

وحينئذٍ لو تعذر الجمع بين أمرين وعلم اكتفاء الشارع بالميسور ودار الأمر بين ترك أحدهما كان الاكتفاء بترك كل منهما منافياً لإطلاق دليله، لو كان لكل منهما إطلاق يخصه، فيتكاذب الإطلاقان،

ويكون من موارد التعارض العرضي لأمر خارج عن مفاد كل من الدليلين الموجب لسقوط

كل منها عن الحجية في خصوص مؤداه، مع عدم المرجح لأحدهما. ولو كانا مستفادين من دليل واحد علم بكذبه، فيسقط عن الحجية في إثباتهما معاً في الحال المذكور.

نعم، لو استفيد من الإجماع أو غيره ثبوت المقتضي لكل منهما بحيث يعلم بوجوب أحدهما كان المورد من صغريات التزاحم الملاكي، الذي سبق الكلام فيه في بحث الفرق بين التعارض والتزاحم.

وحينئذٍ لا إشكال في التخيير بينهما مع العلم بالتساوي في الأهمية، ومرجعه إلى التخيير في مقام الجعل لغرض وحدة الغرض المستلزم للتخيير في فرض تكافؤ المقتضيين.

كما لا إشكال في ترجيح الأهم منهما لفعلية الغرض على طبق أقوى المقتضيين عند تزاحمهما، كما سبق عند الكلام في التزاحم الملاكي.

ولو احتمل أهمية أحدهما بخصوصيته فالمورد من صغريات الدوران بين التعيين والتخيير في مقام الجعل، الذي سبق في الدوران بين الأقل والأكثر الارتباطيين الكلام في أن المرجع فيه البراءة أو الاشتغال. وكذا مع احتمالها في كل منهما مع احتمال التساوي أيضاً.

وأما لو علم بأهمية أحدهما إجمالاً فالمورد من صغريات الدوران بين المتباينين في مقام الجعل فيلزم فيه الاحتياط بتكرار المركب مع كل من الأمرين مع تيسره، ومع تعذره يتعين البناء على التخيير الظاهري، بناء على ما سبق في مباحث العلم الإجمالي من وجوب الموافقة الاحتمالية عند الاضطرار لمخالفة أحد أطرافه غير المعين.

وأما الترجيح بتقدم المحل، كترجيح الركوع الاختياري على السجود

الاختياري، فلا مجال له، ولا يجري فيه ما سبق، لأن امتثال التكليف الضمني لا يكون إلا بتمامية المركب الذي يحصل به غرضه، فتقدم المحل لا يوجب سبق الامتثال، كما يوجبه في التكاليف الاستقلالية.

نعم، لو كان موضوع الاكتفاء بالميسور تعذر الجزء أو الشرط حين تركه تعين ترجيح السابق والمحافظة عليه، لعدم تعذره، ومع الإتيان به يتعذر اللاحق فيتحقق موضوع جواز تركه.

ومرجعه إلى رفع الإتيان بأحدهما لموضوع وجوب الآخر، الخارج عن مفروض الكلام وهو تمامية موضوع كل منهما وشمول إطلاقه. فتأمل جيداً.

هذا، ولو لم يحرز المقتضي لأحدهما فلا موضوع للترجيح بالأهمية. بل يكون المقام من صغريات الدوران بين التعيين والتخيير في مقام الجعل أو بين المتباينين، ويجري فيه ما سبق.

نعم، لو كان التكليف بأحدهما رافعاً لموضوع الآخر، لأخذ القدرة الشرعية فيه التي هي بمعنى عدم لزوم محذور منه تعين ترجيح الأول، وخرج عن مفروض الكلام من تمامية إطلاق دليل اعتبار كل من الأمرين.

هذا ما تقتضيه القواعد العامة، وتنقيح الصغريات موكول للفقه، ولا يسع المقام التعرض لها. فلاحظ. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم، وله الحمد وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وآله الطاهرين.

إلى هنا انتهى الكلام في مبحث التعارض، ليلة السبت، الثالث من شهر ذي الحجة الحرام، سنة ألف وثلاثمائة وثمانية وتسعين للهجرة النبوية، على صاحبها وآله أفضل الصلوات، وأزكى التحيات.

في النجف الأشرف بيمن الحرم المطهر المشرف على مشرفه أفضل الصلاة والسلام.

بقلم العبد الفقير محمد سعيد عفي عنه، نجل العلامة الجليل حجة الإسلام والمسلمين السيد محمد علي الطباطبائي الحكيم (دامت بركاته).

ونشكره تعالى على تسهيله وتيسيره، ونسأله أن يشفع أوائل مننه بأواخرها، وسوابقها بلواحقها، ويتم علينا نعمه بالتوفيق والتسديد، وقبول الأعمال، وصلاح الأحوال، إنه أرحم الراحمين، وولي المؤمنين، وهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلا به عليه توكلت واليه أنيب.

وقد انتهى تبييضه بعد تدريسه ليلة الأحد الرابع من الشهر المذكور بقلم مؤلفه حامداً، مصلياً، مسلماً.

خاتمة في الاجتهاد والتقليد

خاتمة علم الأصول في الاجتهاد والتقليد

اشارة

خاتمة علم الأصول في الاجتهاد والتقليد

وقد وعدنا في تمهيد مباحث الحجج بالتعرض لذلك، وذكرنا أن المناسب جعله خاتمة للمباحث الأصولية، لخروجه عنها، ومناسبته لها، لأن البحث فيه عن أقسام الاستنباط وأحكامه، لا عن مقدمات الاستنباط، التي هي مورد الكلام في المباحث الأصولية.

وكيف كان، فالكلام يقع في مقامين، وخاتمة، يبحث في أول المقامين عن الاجتهاد، وفي ثانيهما عن التقليد، وفي الخاتمة عن وجوب الفحص الذي يشترك بين المجتهد والمقلد.

المقام الأول : في الاجتهاد

اشارة

وهو لغة بذل الوسع، كما في الصحاح ومختاره والقاموس والنهاية ولسان العرب، وفي الأخيرين: «وهو افتعال من الجهد الطاقة».

المقام الأول: في الاجتهاد

وكأن ما في المعالم والفصول والكفاية وغيرها من أنه تحمل المشقة مبني على أنه افتعال من الجهد - بالفتح أو به وبالضم - بمعنى المشقة كما صرح به في المعالم.

لكنه خلاف المتبادر منه عرفاً. وكأنه بلحاظ ملازمة بذل الوسع للمشقة غالباً قال في مفردات الراغب: «والاجتهاد أخذ النفس ببذل الطاقة وتحمل المشقة». والأمر سهل.

معنى الاجتهاد اصطلاحاً

وأما في الاصطلاح فقد اختلفت كلماتهم في تعريفه وتحديده ففي المعالم وعن العلامة والحاجبي وجماعة: أنه استفراغ الفقيه الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي، وعن البهائي (قدس سره): أنه ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الفرعي، وقيل غير ذلك.

قال في تقرير درس بعض الأعيان المحققين (قدس سره): «ولكن الظاهر أن اختلاف عباراتهم في شرح معناه المصطلح ليس لأجل اختلافهم في

حقيقته، بل هو عند الجميع عبارة عن استفراغ الوسع في إعمال القواعد لتحصيل المعرفة بالوظيفة الفعلية من الواقعية والظاهرية، وأن المقصود من تلك العبارات هو مجرد الإشارة إليه بوجه ما». وسبقه إليه في الجملة المحقق الخراساني (قدس سره) في الكفاية.

البناء في معنى الاجتهاد
اشارة

أقول: التأمل في موارد إطلاق الاجتهاد في الصدر الأول في النصوص الواردة عن الأئمة (ع) وغيرها مما ورد عن العامة في كلماتهم ورواياتهم شاهد بأن الأصل له العامة، وأن مرادهم منه خصوص إعمال الرأي بالقياس والاستحسان ونحوهما للوصول للحكم الواقعي، في مقابل أخذه من الكتاب والسنة ونحوهما من الأدلة التعبدية، فضلاً عن معرفة الوظيفة الظاهرية، خصوصاً العقلية.

بل قد يعم تعيين مقتضى المصلحة بنظر الشخص - يقيناً أو ظناً - من دون نظر للحكم الشرعي، بل وإن كانت على خلافه.

وهو المناسب للتعريف الأول، وللمعنى اللغوي أيضاً، للزوم استفراغ الوسع في طلب الحكم والوصول إليه عند من يعتمد عليه.

كما قد يناسبه أيضاً ما هو المعلوم من طريقة كثير من العامة من الاعتماد على ذلك، بل قد يصدر من بعض أصحابنا كالفاضلين وغيرهما.

ولعله لذا شنّع الأخباريون على الاجتهاد ووقفوا منه الموقف المعلوم، حتى عقد في الوسائل بابا(1)ضمنها ما يزيد على خمسين حديثاً في الردع عنه وعن الرأي والقياس ونحوها من الاستنباطات الظنية في الأحكام الشرعية.

ولذا ذكر شيخنا الأستاذ (قدس سره) أن الأولى تغيير هذا العنوان الذي سبب


1) هو الباب السادس من أبواب صفات القاضي، ج: 18.

الفتنة بين الطائفة المحقة وشق صفوفها ووقوع الفرقة بين علمائها فضلاً عن عوامها.

لكن ذلك ناشئ عن الجمود على ظاهر لفظ الاجتهاد من دون نظر إلى سيرة الأصحاب وتصريحاتهم في مباحثهم الكلامية والأصولية والفقهية، حيث لا إشكال في عدم بنائهم على التعويل على الاستنباطات الظنية، بل على الحجج المعتبرة شرعية كانت أو عقلية، وأن مرادهم من الاجتهاد هو تشخيص الوظيفة التي يترتب عليها العمل اعتماداً عليها.

وذكرهم لبعض الوجوه الاستحسانية في الاستدلال على الأحكام الشرعية إما أن يكون مجاراة للعامة أخذاً بما يلتزمون بنظيره - كما لعله الغالب - أو لحصول القطع بسببه من باب تنقيح المناط أو نحوه، ولو للغفلة عن الحال، حيث لابد من تأويل ما يقبل التأويل في مقابل المقطوع به من مذهبهم.

بل لا يبعد كون ذلك هو المراد لكثير من الأصوليين من العامة، وإن اختلفوا معنا في تعيين الحجج، وأن ذكر الظن في التعريف لأنه أقل ما يكتفي به المجتهد.

وربما كان ذلك هو الاجتهاد بالمعنى الأعم عندهم، وما قبله هو الاجتهاد بالمعنى الأخص، كما يظهر من بعضهم.

بل في نهاية ابن الأثير بعد الكلام المتقدم قال: «والمراد به ردّ القضية التي تعرض للحاكم من طريق القياس إلى الكتاب والسنة، ولم يرد الرأي الذي رآه من قبل نفسه من غير حملٍ على كتاب أو

سنة»، ونحوه في لسان العرب. ومقتضاه مباينة الاجتهاد للمعنى المتقدم، لا أنه أعم منه. وإن كان

ذلك لا يناسب طريقتهم في الاستنباط. كما لا يناسب سيرة سلفهم، وإن حاولوا بذلك تبريرها.

إلا أن ينزل على الرد للكتاب والسنة ولو بلحاظ دلالتهما بنظرهم على حجية بعض أقسام الرأي، فيرجع إلى ما ذكرناه أولاً من كون المراد بالاجتهاد تشخيص الوظيفة اعتماداً على الحجة.

نعم، ذلك لا يناسب التعريف الأول، ويحتاج تنزيله عليه إلى تكلف. كما لا يناسب المعنى اللغوي، لوضوح أن مجرد بذل الوسع من دون وصول للوظيفة الفعلية ليس اجتهاداً بالمعنى المذكور، بخلاف المعنى الأول، لأن بذل الوسع عندهم كاف في تحقق الوظيفة، لحجية الظن الحاصل منه عندهم.

كما أن بذل الوسع مع تشخيص الوظيفة ليس دخيلاً في مفهوم الاجتهاد، بل في تحققه، لتوقف تشخيص الوظيفة على اليأس من الظفر بدليلٍ آخر ولو كان معارضاً.

وليس الأمر بمهم بعد عدم الأثر لتحديد مفهوم الاجتهاد، لعدم أخذ عنوانه في الأدلة الشرعية موضوعاً لشيءٍ من الأحكام، وإنما هو محض اصطلاح لا مشاحة فيه.

غاية الأمر أن المناسب مطابقته لموضوع الغرض.

وحيث لا يفرق في وظيفة المجتهد - التي يترتب عليها عمله وعمل غيره، والتي هي موضوع البحوث الآتية - بين تشخيص الحكم الواقعي وتشخيص الوظيفة الظاهرية شرعية كانت أو عقلية، كان المناسب تعميمه لمطلق تشخيص الوظيفة العملية الفعلية في الشبهة الحكمية، إما بتشخيص

الحكم الشرعي الواقعي أو الظاهري، اعتماداً على الحجج ولو كانت ظنية أو على الأصول أو بتشخيص الوظيفة العقلية.

ومن هنا لا مجال لذكر استفراغ الوسع في تعريفه، لما فيه من الإشعار بكون موضوعه ذا واقع محفوظ قد لا يصل إليه الوسع، وهو إنما يتجه بالإضافة إلى الأحكام الواقعية، وأما الوظيفة الفعلية التي يترتب عليها العمل فلا يتصور فيها ذلك، لقطع المجتهد بها.

ثم إن تشخيص الوظيفة المذكورة حيث كان موقوفاً على الفراغ من مقدمات كثيرة، كالمسائل الأصولية واللغوية، وعلى أنس الذهن بالظهورات الشرعية والعرفية، كان مسبوقاً بملكة مكتسبة نتيجة لذلك.

ومن هنا قد يجعل الاجتهاد نفس الملكة المذكورة كما تقدم عن البهائي، وقد يجعل نفس الاستنباط والتشخيص للوظيفة، كما يظهر من بعض الأعيان المحققين - في كلامه السابق - وغيره.

وحيث كان كل منهما مورداً للأثر من بعض الجهات، كان الأنسب تعريفه بالملكة، ليطابق موضوع الغرض.

ودعوى: عدم صدقه على ذي الملكة من دون أن يمارس عملية الاستنباط.

غير ظاهرة، لأن المفهوم المذكور غير عرفي، ليتضح حاله بعرضه على العرف، وإنما هو مصطلح خاص لم يتضح حدوده بعد عند أهله، كما لا مانع من توسيعه تبعاً لسعة الغرض.

وقد تلخص من جميع ما تقدم: أن الاجتهاد الذي هو محل الكلام. ملكة يقتدر بها على تشخيص الوظيفة الفعلية في الشبهات الحكمية.

المسألة الأولى: تجزي الاجتهاد
اشارة

إذا عرفت هذا فالكلام في الاجتهاد يقع في مسائل..

المسألة الأولى: وقع الكلام بين الأصوليين من العامة والخاصة في تجزي الاجتهاد وعدمه على أقوال.

ومحل الكلام إنما هو الملكة، أما العلم الفعلي المبتني على إعمال الملكة فلا ريب ظاهراً في إمكان التجزي فيه، بل وقوعه بالنظر في بعض المسائل الفقهية دون بعض، بل يمتنع عادة العلم بجميع المسائل دفعة، بل لابد من النظر فيها تدريجاً، الراجع إلى التجزي في بعض الأزمنة، بل حيث كانت بعض المسائل مغفولاً عنها، لعدم الابتلاء بها أصلاً، وعدم المنبه لموضوعاتها، كان اللازم التجزي دائماً.

ومن هنا ينحصر الكلام في التجزي بالملكة، ومرجعه إلى الكلام في أنه هل يكون الشخص قادراً على تشخيص الوظيفة في خصوص بعض المسائل، أو لابد إما من قدرته على تشخيصها في كل مسألة يفرض ابتلاؤه بها، أو عجزه عنه في الكل؟

والمعروف - كما قيل ويظهر بالنظر في كلماتهم - هو إمكان التجزي.

وربما نسب القول بامتناعه للشذوذ، وإن كان هو الظاهر من شيخنا الأستاذ (قدس سره) وبعض تلامذته.

الاستدلال على امتناعه
اشارة

وكيف كان، فقد يستدل على امتناعه بوجوه..

أولها:

أولها: عدم انضباط مدارك الأحكام وأدلتها، حيث قد يكون في مدارك بعض الأحكام ما ينفع في معرفة أحكامٍ أخرى، فما لم يطلع الشخص على مدارك تمام الأحكام، ويكون ذا خبرة بها، لا يستطيع تشخيص شيء منها، لاحتمال عدم استكمال الفحص عنه.

وفيه: أنه قد يقطع الناظر في كلمات الأصحاب في المسألة وبعد التأمل في خصوصياتها بعدم وجود دليل فيها قد خفي عليه يتوقف اطلاعه عليه على النظر في بقية المسائل، ولا أقل من اليأس عن ذلك بالنحو الكافي الذي يقطع معه بعدم وجوب الفحص. وإلا أمكن ورود ذلك في الناظر في تمام المسائل، لإمكان نسيانه لمفاد بعض الأدلة أو غفلته عن إفادته في بعض المسائل.

على أن النظر في جميع أدلة المسائل لا يستلزم القدرة على تشخيص الوظيفة فيها - الراجعة للاجتهاد المطلق - لإمكان ابتناء معرفة بعضها على مقدمات لم يفرغ منها، بخلاف بعضها الآخر الذي استكمل مقدمات المعرفة فيه.

ثانيها

ثانيها: أن ملكة الاجتهاد كسائر الملكات أمر بسيط غير قابل للتجزي.

وفيه: أن مرجع التجزي ليس إلى تجزي الملكة، بل إلى ضعفها وقصورها عن بعض الأحكام، لما أشرنا إليه آنفاً من أن الملكة متقومة بمعرفة المقدمات التي يبتني عليها تشخيص الوظيفة، وقد يكون الشخص عارفاً ببعض تلك المقدمات دون بعض، فلا يتسنى له إلا تشخيص الوظيفة في المسائل التي يكفي فيها تلك المقدمات، دون غيرها مما يحتاج للمقدمات الأخرى التي يجهلها.

ثالثها

ثالثها: أن مدارك الأحكام في الوقائع المختلفة ومقدمات الاستنباط متداخلة مترابطة، فليس تشخيص الوظيفة في الواقعة الواحدة موقوفاً على مقدمة أو مقدمتين، كي يمكن للعارف بهما تشخيصها فيها ولو مع العجز عن تشخيصها في غيرها للجهل بمقدماته.

مثلاً المسألة التي يكون المرجع فيها الأدلة اللفظية لا يكفي فيها البناء على أصالة حجية الظهور، بل لابد فيها من تشخيص الظهور، وتشخيص مقتضى الجمع العرفي بين الظهورات، ومقتضى القاعدة في المتعارضين بعد الفراغ عن حجية الخبر ذي الظهور الخاص الوارد فيها.

كما أن المسألة التي يكون المرجع فيها الأصل العملي مثلاً لا يكفي فيها ثبوت كبرى الأصل المذكور، بل لابد معها من الفراغ عن عدم الدليل في المسألة، لعدم ورود آية أو خبر فيها، أو عدم تمامية ظهور ما ورد فيها، أو معارضته بما يسقطه عن الحجية، وكل ذلك قد يبتني على قواعد أصولية متعددة.

بل الفراغ عن بعض مقدمات الاستنباط يتوقف على غيرها أيضاً، فالفراغ عن كبرى الاستصحاب مثلاً موقوف على الفراغ عن أصالة الظهور، وعن حجية خبر الواحد، ليمكن التمسك بأخباره، وعن قواعد الجمع بين الأدلة لمعارضة ظهور أخباره بما ينافيها بدواً، كعمومات البراءة أو الاحتياط، وعن حجية الإجماع المستدل به عليه، والسيرة التي وقع الكلام في حجيتها ذاتاً، وفي صلوح عمومات عدم حجية غير العلم للردع عنها. وهكذا الحال في جعل القواعد الأصولية أو جميعها.

ومن هنا لا يتسنى النظر في بعض المسائل الفقهية لمن لم يفرغ عن تمام مقدمات الاستنباط، التي يستلزم الفراغ عنها الاجتهاد المطلق.

وكأن هذا هو الوجه الذي اعتمده شيخنا الأستاذ (قدس سره) في المقام.

وفيه: أن عدم الاكتفاء في المسألة الواحدة بمقدمة واحدة أو مقدمتين، وابتناء بعض المقدمات على بعض وإن كان مسلماً في الجملة، إلا أنه ليس

بالنحو الراجع إلى توقف تشخيص الوظيفة في المسألة الواحدة على الفراغ عن جميع المقدمات، حيث يلزم الاجتهاد المطلق، لوضوح أن كثيراً من الكبريات الأصولية يسهل إثباتها في الجملة، ولا يحتاج لقوة النظر إلا بعض خصوصياتها، ولا يتوقف على تلك الخصوصيات إلا قليل من الفروع الفقهية، فالجهل بها لا يوجب إلا العجز عن تشخيص الوظيفة في تلك الفروع، مع القدرة على تشخيصها في الفروع الآخر غير المبتنية على تلك الخصوصيات، كبعض خصوصيات مسألة اجتماعي الأمر والنهي، والجمع العرفي، وحجية العام في عكس نقيضه، وفي الشبهة المصداقية، وحجية بعض مراتب الإجماع، والخبر الصحيح المهجور بين الأصحاب والضعيف المعمول به عندهم، وانقلاب الأصل في الدماء والفروج والأموال، وجريان الاستصحاب التعليقي، أو استصحاب القسم الثالث من الكلي أو حكم المخصص أو العدم الأزلي، ومقتضى القاعدة في المتكافئين، وغير ذلك مما لا يلزم من عدم الفراغ عنه إلا التوقف في خصوص بعض الفروع.

كما لا ريب في اختلاف الفروع الفقهية في الاحتياج إلى دقة النظر وإعمال الذوق الفقهي، لابتناء بعضها على بعض الاستظهارات الخفية والالتفات للنكات الدقيقة أو بعض وجوه الجمع العرفي المحتاجة لحسن السليقة، أو ملاحظة بعض القرائن ككلمات الأصحاب ومقدار الابتلاء بالحكم، ونحو ذلك مما لا يتسنى إلا للممارس الماهر، ويعجز عنه كثير ممن تمت مبانيه الأصولية وسهل عليه كثير من المسائل الفقهية بسببها، فإن المباني الأصولية وحدها لا تكفي في القدرة على الاستنباط ما لم يتيسر لصاحبها تشخيص موضوعاتها بنحو تطمئن به النفس ويركن إليه في مقام

العمل، وهو لا يتسنى لكل أحد، خصوصاً في بعض الفروع.

وبذلك يظهر أن البناء على إمكان التجزي بل وقوعه هو المتعين.

بل ذكر المحقق الخراساني (قدس سره) أنه يستحيل عادة حصول اجتهاد مطلق غير مسبوق بالتجزي، للزوم الطفرة.

ما ذكره الخراساني (قدس سره) من استحالة الاجتهاد والمطلق

وما ذكره متين بلحاظ الوضع المتعارف من تدرج الباحث في المعلومات، وفي المهارة فيها وفي قوة النظر والذوق الفقهي باستمرار الممارسة، فلا يتسنى له في أول مراحله إلا تشخيص الوظيفة في الفروع الفقهية غير المعقدة، التي يسهل إثبات كبرياتها الأصولية وإحراز موضوع تلك الكبريات فيها، ثم يقوى على الأصعب فالأصعب بطول الزمن واستمرار الممارسة، وإعمال النظر والملاحقة.

وربما يبقى عاجزاً عن تشخيص الوظيفة في بعض الفروع، لشدة تعقدها واضطراب الوجدان عليه فيها، لتصادم جهات الكشف عن الوظيفة الفعلية، كما يبتلى به أعاظم المجتهدين في كثير من الموارد، فيتوقف عن الفتوى فيها، ويقتصر على بيان مقتضى الاحتياط، وهو الذي اصطلح عليه في عصورنا بالاحتياط الوجوبي ومن هنا لا يكون مجتهداً مطلقاً بالمعنى المتقدم. ولعله لذا اكتفى في الفصول في الاجتهاد المطلق بالقدرة على استنباط جملة معتد بها من الأحكام.

وأما ما ذكره غير واحد من أن تردد المجتهد في بعض المسائل إنما يكون بالإضافة للحكم الواقعي، لعدم الظفر بالدليل عليه مع استكمال الفحص، لا لقصور الباع أو قلة الإطلاع، من دون تردد في الوظيفة الفعلية.

فهو كما ترى! لوضوح عدم انحصار وظيفة المجتهد ببيان الحكم

الواقعي، بل يكفي تعيينه للوظيفة الفعلية مع وضوحها عنده، ويجب اتباعه فيها ولا يجب الاحتياط معها، كما لا يجوز للعامي الرجوع لغيره ممن هو دونه في الفضيلة، وإن أفتى بالحكم الواقعي اعتماداً على ما يراه حجة عليه.

نعم، يحسن الاحتياط لإصابة الواقع، أو لتجنب بعض الاحتمالات غير المعتد بها بعد معرفة الوظيفة الفعلية، وهو احتياط استحبابي بمصطلح العصر.

ودعوى: أنه بعد فراغ المجتهد عن وجوب العمل بالحجة الفعلية، والرجوع للأصل الشرعي أو العقلي مع فقدها ولو للشك فيها، بمقتضى مبانيه الأصولية، لا مجال لتردده في الوظيفة الفعلية في المسألة، إذ مع القطع بقيام الحجة يتعين العمل بها، ومع عدمه يتعين الرجوع للأصل، ويمتنع الشك في ذلك، لأنه لا يدخل الأمور الوجدانية.

مدفوعة: بأنه قد لا يتضح للمجتهد عدم وجود الحجة بالنحو المصحح للرجوع للأصل، لتصادم جهات الكشف عنده واضطراب الوجدان عليه، فلا يطمئن لشيء من الوجوه، ويكون كغير المجتهد من أهل العلم ممن قد يطلع على كلمات الأصحاب ووجوههم في المسألة ويفهمها، لكن يعجز عن تمييز الصحيح منها بنحو يركن إليه ويجري على مقتضاه، ولو لعدم قوة مبناه الأصولي.

وإن شئت ثانيها إن مجرد علم الباحث ببعض الكبريات وبتحقق موضوعاتها والإذعان بذلك لا يستلزم العمل عليها ما لم يحصل له القناعة الكافية بما حصله من معلومات والركون النفسي إليها، بنحو يتحمل لأجلها مسؤولية العمل، وبهذا يكون مجتهداً.

فتوقف المجتهد عن العمل ببعض القواعد التي أذعن بها في بعض الموارد كاشف عن ضعف ملكته وقصورها عن ذلك المورد.

نعم، ذلك لا يطّرد، بل قد يكون التوقف عن الفتوى لمحض التورع والاحتياط للواقع مع القدرة على تشخيص الوظيفة، ولذا قد يشخصها لو اضطر لذلك أو ترجح لديه لزوم الفتوى، لحاجة الناس أو نحوها.

ثم إنه لا ينبغي التأمل في وجوب عمل المتجزي برأيه في ما وصل إليه - وإن قيل: إنه محل خلاف - لعموم أدلة الحجج له - بل تقدم في التنبيه الثاني من تنبيهات الكلام في المتكافئين عمومها للعامي - فيقطع بمقتضاها بالوظيفة الفعلية، كما يقطع بها في موارد الأصول العقلية، ولا مجال لتخلف القاطع عن قطعه، فضلاً عن حجية رأي غيره عليه ممن يخالفه ويكون جاهلاً بنظره.

وأما في ما يعجز عن تشخيص الوظيفة فيه فلا مانع من البناء على جواز تقليده لغيره فيه، لدخوله في كبرى رجوع الجاهل للعالم. إلّا أن يخطئ الغير في مستنده، لقصور الكبرى المذكورة عن صورة ثبوت خطأ المستند.

بل لا يبعد ذلك فيما لو كان قادراً على تشخيص حال المستند لنضوجه العلمي وعدم لزوم الحرج منه، وإن لم ينظر فيه فعلاً.

هذا، وأما الرجوع للمتجزي وتقليده في ما وصل إليه فالكلام فيه موكول لمبحث التقليد.

تنبيه: الاجتهاد في بعض مقدمات الاستنباط

تنبيه: أشرنا في التنبيه الثاني من تنبيهات الكلام في المتكافئين إلى أن المكلف لو كان قادراً على بعض مقدمات الاستنباط دون بعض كان عليه الاستقلال في ما علم والرجوع للغير في ما جهل ويكون تشخيص

الوظيفة تابعاً للمجموع وإن خالف فيها المجتهد الذي يرجع إليه، وهو نحو من

تجزي الاجتهاد، مرجعه للتجزي في المسألة الواحدة بلحاظ أدلتها لا بلحاظ مجموع المسائل الذي هو محل كلامهم في المقام.

المسألة الثانية: التخطئة والتصويب
اشارة

المسألة الثانية: اتفقت كلمتهم - كما قيل - على التخطئة في العقليات، من دون فرق بين العقليات المحضة التي لا دخل لها بالأحكام الشرعية، ككون الكل أعظم من الجزء، والمرتبطة بالأحكام الشرعية، كاستلزام الأمر بالشيء النهي عن ضده.

لأن وظيفة العقل ليس إلا إدراك الواقع، ولا مجال لتبعية الواقع للإدراك، لتفرع مقام الإثبات على مقام الثبوت وتأخره عنه رتبة، فكيف يكون مقام الثبوت تابعاً لمقام الإثبات؟ بل ليس الواقع الذي يتناوله الادراك إلا أمراً واحداً يصيبه من يصيبه ويخطئه من يخطئه.

نعم، خصّ بعض الأعيان المحققين (قدس سره) ذلك بالعقل النظري المتمحض في الإدراك، دون العقل العملي الذي يكون في باب التحسين والتقبيح، لتقوم التحسين والتقبيح بملائمة الشيء للقوة العاقلة ومنافرتها له، ويمتنع تطرّق التخطئة في مثل هذه الإدراكيات الوجدانية، إذ ليس لها واقع محفوظ وراء حصول الانبساط والاشمئزاز.

وهو مبني على أن التحسين والتقبيح نفس الملائمة والمنافرة المستلزمين للمدح والذم، حيث يكونان من الأمور الإضافية المختلفة باختلاف الأشخاص كالالتذاذ والتألم، أما لو كانا عبارة عن إدراك واقع في الفعل مقوم لحسنه أو قبحه، كان للحسن والقبح واقعٍ محفوظ، وكان التحسين والتقبيح متمحضين في الإدراك القابل للخطأ والصواب. والظاهر

الثاني. وتمام الكلام في محله.

وأما الشرعيات فقد تكرر نقل إجماع أصحابنا على التخطئة فيها، وأن لله تعالى في كل واقعة حكماً واحداً تابعاً لموضوعه الواقعي يصيبه من يصيبه ويخطئه من يخطئه.

بل الظاهر المفروغية عنه بينهم. وما قد ينافيه مما يظهر من بعض عباراتهم في حكم مفاد الأخبار المستفاد من دليل حجيتها وفي حقيقة الحكم الظاهري والجمع بينه وبين الحكم الواقعي ونحوها، ناشئ عن الغفلة عن منافاة ذلك للتخطئة، ولذا تكرر منهم النقض على بعض الوجوه المذكورة باستلزامها التصويب، حيث يناسب ذلك المفروغية عن بطلانه.

وكيف كان، فالتصويب يتردد في كلمات القائلين به والناقلين له بين وجوه ثلاثة..

وجوه التصويب الممتنع

الأول: أن الحكم في حق كل مجتهد تابع لاجتهاده، بحيث لا حكم لله تعالى في الواقعة قبل تحقق اجتهاده.

الثاني: أن له تعالى أحكاماً متعددة بعدد ما يعلم حصوله من آراء للمجتهدين، فكل مجتهد قد جعل في حقه الحكم الذي سوف يؤدي إليه اجتهاده.

وبأحد هذين الوجهين قد يفسر التصويب المنسوب للأشاعرة، وإن كان الأظهر من بعض الكلمات المنقولة عنهم الأول.

الثالث: أن له تعالى حكماً واحداً أولياً يشترك بين العالم والجاهل يصيبه من يصيبه ويخطئه من يخطئه، إلا أن من أدى اجتهاده لخلافه ينقلب الحكم في حقه وحق من يقلده على طبق اجتهاده، فالاجتهاد من سنخ

العنوان الثانوي الموجب لتبدل الحكم الأولي.

ولعل أهون الوجوه المذكورة وأبعدها عن الخطأ هو الوجه الثالث، لأن تبدل الأحكام الأولية بالعناوين الثانوية غير عزيزٍ.

إلا أنه لا مجال للبناء عليه مع منافاته لإطلاقات أدلة الأحكام الواقعية القاضية بفعليتها تبعاً لفعلية موضوعاتها.

مضافاً إلى النصوص الكثيرة الظاهرة في فعلية الحكم الواقعي في صورة عدم إصابته.

النصوص الظاهرة في فعلية الحكم الواقعي

منها: ما تضمن أن الحكم حكمان حكم الله عز وجل وحكم الجاهلية وأن من أخطأ حكم الله فقد حكم بحكم الجاهلية(1).

ومنها: ما تضمن تفسير ما ورد في أن اختلاف الأمة رحمة بالاختلاف في طلب العلم، وأن الدين واحد(2).

ومنها: ما تضمن من النصوص الكثيرة الاهتمام بحفظ الأحاديث ومدح رواتها الأُمناء عليها(3)، حيث يظهر منه أن ضياعها المستلزم لضياع الواقع محذور لا يتدارك بتشخيص المجتهد

للوظيفة الفعلية خطأً.. إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة أو المشعرة بأن الأحكام الواقعية باقية على ما هي عليه من الفعلية، ولا تختلف باختلاف الاجتهادات والأنظار.

إشكال مقتضى الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية

ولا ملزم بالخروج عن ذلك إلا توهم أنه مقتضى الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية، التي يختلف مفادها باختلاف الأنظار والاجتهادات.


1) الوسائل ج: 18 باب: 4 من أبواب صفات القاضي حديث: 7، 8 وباب 5 منها حديث 6.

2) الوسائل ج: 18 باب: 11 من أبواب صفات القاضي حديث: 10.

3) راجع الوسائل ج: 18 باب: 118 من أبواب صفات القاضي.

لكن ذلك إن رجع إلى دعوى: ظهور أدلة الحجج والأصول الظاهرية في تبعية الحكم الفعلي لها، بحيث تكون موضوعاتها عناوين ثانوية رافعة للحكم الأولي.

ففيه.. أولاً: أن ظاهر أدلتها محض الطريقية الظاهرية، التي هي في طول الأحكام الواقعية من دون أن تكون دخيلةً فيها.

دفعه

وثانياً: أن ذلك إنما يستلزم التصويب في مؤدى الأمارة الشرعية كفتوى المجتهد في حق العامي، وأدلة الأحكام في حق المجتهد، لا في تشخيص مؤدى الأمارة لو فرض الخطأ في تشخيصه، كما لو أخطأ العامي في تشخيص فتوى المجتهد الذي يجب عليه تقليده، أو أخطأ المجتهد في تشخيص مؤدى أدلة الأحكام، لاستناد الخطأ في ذلك إلى القطع الذي هو طريق محض بحكم العقل، من دون أن يكون حجةً شرعيةً كي يكون ظاهر دليل حجيته تبدل الحكم الواقعي تبعاً له.

وإن رجع إلى دعوى: أن بقاء الأحكام الواقعية على ما هي عليه من الفعلية في حال خطأ الاجتهاد مستلزم لكون فتح باب الاجتهاد وترخيص الشارع فيه وتهيئة مقدماته ببيان الأحكام بالطرق الظنية القابلة للخطأ في نفسها وفي تشخيص مفادها، مفوتاً للواقع الذي هو قبيح منه تعالى، فلابد من البناء على تبدل الحكم الواقعي فراراً عن المحذور المذكور، وإن كان مخالفاً لظاهر أدلة الأحكام الواقعية والظاهرية وغيرها من الأخبار المذكورة.

فيظهر اندفاعه مما تقدم في أول مباحث الحجج في حقيقة الأحكام الظاهرية، ووجه عدم منافاتها للأحكام الواقعية، حيث يستغنى به عن التصويب بل مقتضى ما سبق هناك عن ابن قبة من استحالة التعبد بغير العلم

لاستلزامه تحليل الحرام وتحريم الحلال، كون بطلان التصويب أظهر من نصب الطرق الظنية، لوضوح ابتناء المحذور المذكور على عدم التصويب.

على أن منافاة الحكم الظاهري لو كانت ملزمة بالتصويب للزم البناء عليه في التعبد الظاهري بموضوعات الأحكام، مع أن المحكي عن الفصول نفي الخلاف في عدمه فيها. فتأمل.

ومما ذكرنا يظهر ضعف الوجه الثاني للتصويب، لصلوح ما سبق لرده، لأن مقتضى إطلاق أدلة الأحكام الواقعية اشتراكها بين جميع المكلفين وعدم اختصاصها بمن يؤدي اجتهاده إليها.

كما أن ذلك هو مقتضى النصوص الأخرى المشار إليها آنفاً. كما يظهر بأدنى تأمل.

بل هو مقتضى نصوص كثيرة أخرى..

نصوص أخرى دالة على ذلك

منها: ما تضمن أن من يقضي بالحق وهو لا يعلم فهو في النار(1)، وأن من قال برأيه فأصاب لم يؤجر(2)، وأن من أخذ بالقياس كان ما يفسده أكثر مما يصلحه(3)، حيث فرض فيها إصابة الحق مع عدم اجتهادٍ معذر.

ومنها: ما تضمن أن الدين كله مبين في الكتاب والسنة وأن علمهما عند الأئمة (ع)(4)، لوضوح أن مدعى القائل بالتصويب اختصاص أحكام


1) الوسائل ج: 18 باب: 4 من أبواب صفات القاضي حديث: 6.

2) الوسائل ج: 18 باب: 6 من أبواب صفات القاضي حديث: 6، 35.

3) لم أعثر على هذا المضمون عاجلاً في الوسائل، وإنما ذكره شيخنا الأعظم في أواخر التنبيه الثاني من شبهات دليل الانسداد عند الكلام في حكم القياس من الوجه السابع من وجوه الاستدلال عليه.

4) تراجع هذه النصوص في أبواب صفات القاضي من الوسائل وهي كثيرة متفرقة لا يسع المقام ضبطها تفصيلاً.

الكتاب والسنة بمن يصل إلى مضامينهما، دون من أخطأها، بل له أحكام أخرى غير حكمهما، هي الدين المطلوب منه.

ومنها: ما تضمن أن العلم مخزون عند أهله وكل ما لم يخرج من أهل البيت فهو باطل وأنه يجب سؤالهم عنه وطلبه منهم(1)، لظهورها بمجموعها في وحدة التكليف الواقعي وعمومه لكل أحد، ولذا يجب طلبه من مظانه.

إلى غير ذلك مما هو صريح أو ظاهر في وحدة التكليف الواقعي.

بل هو المطابق لارتكازيات المتشرعة القطعية، والملحقة لذلك بالبديهيات غير القابلة للأخذ والرد والنقض والإبرام، بحيث يقطع لأجلها بأن البناء على التصويب لشبهة ضاق على القائل به حلها.

وأما ما استشكل به غير واحد في الوجه المذكور من استلزامه اجتماع الظن واليقين بالحكم في زمان واحد، لأنه باعتبار ظنه بالواقع يكون مظنوناً، وباعتبار أن مؤدى ظنه هو حكم الله تعالى المجعول في حقه يكون متيقناً.

فيمكن دفعه بأن حصول الظن مع قطع النظر عن كبرى التصويب لا ينافي انقلابه لليقين بعد الالتفات للكبرى المذكورة. فالعمدة ما سبق.

وأضعف وجوه التصويب هو الوجه الأول، لمنافاته لجميع ما تقدم، ولما هو المعلوم من الكتاب والسنة وضرورات المتشرعة من جعل الأحكام الشرعية، بل إكمال الدين مع قطع النظر عن الاجتهاد فيها، ولذا يجب الفحص عن الأحكام بالاجتهاد أو التقليد، مع وضوح عدم وجوب شرط التكليف.


1) تراجع هذه النصوص في أبواب صفات القاضي من الوسائل وهي كثيرة متفرقة لا يسع المقام ضبطها تفصيلاً.

كما يمكن حصول العلم الإجمالي بالتكليف، قبل تناول الاجتهاد له بخصوصيته، مع أن ثبوت أحد الأطراف بخصوصيته راجع إلى سبق التكليف للاجتهاد وإمكان خطأ الاجتهاد في تعيينه، إذ لا مجال للالتزام بثبوت أحدهما المردد لاستحالة جعل المردد، ولا التخييري للقطع بعدمه، بل قد يستحيل جعله، كالتخيير بين الوجوب والحرمة أو بين الاستحباب والوجوب.

هذا مضافاً إلى استحالة الوجه المذكور من التصويب في نفسه، لأن الاجتهاد لما كان راجعً إلى مقام إثبات الأحكام كان متأخراً عنها رتبة ومتفرعاً عليها تفرع مقام الإثبات على مقام الثبوت، فلا يتحقق موضوع الاجتهاد إلا في فرض احتمال جعل أحكام يجتهد فيها، لا مع العلم بعدم جعل حكم في الواقعة.

والرجوع إلى بعض ما ينقل من كلماتهم في وجه البناء على ذلك شاهد باختلاط مقام الإثبات عليهم بمقام الثبوت ومقام التنجيز بمقام الجعل، فحيث كان إثبات التكليف وتنجيزه متفرعاً على الاجتهاد في الجملة تخيلوا إناطة الجعل به. ووهنه ظاهر.

تنبيه: دعوى اختصاص التخطئة بالأحكام الوافعية

تنبيه: ربما يدعى اختصاص التخطئة بالأحكام الواقعية، مع لزوم التصويب في الأحكام الظاهرية، للعلم معها بالوظيفة الفعلية.

والذي ينبغي أن يقال: إن كان المراد بالوظيفة الفعلية ما يترتب عليه العمل بلا واسطة، وهو القطع بالحكم الواقعي أو الوظيفة الظاهرية العقلية أو الشرعية فلا ريب في عدم الخطأ فيه، لأنه أمر وجداني غير قابل للخطأ، وإن كان المراد بها الوظيفة الظاهرية المجعولة شرعاً كأصالة البراءة

والاستصحاب ونحوهما مما يترتب عليه العمل بواسطة وصوله أمكن الخطأ فيها، لتبعية الوظيفة

الشرعية لجعلها كبروياً ولتحقق موضوعها، وكلاهما أمر واقعي قابل للخطأ وجوداً وعدماً، كما لو اعتقد المجتهد جريان الاستصحاب التعليقي، وكان غير جار واقعاً، أو عدم جريان القسم الثاني من استصحاب الكلي وكان جارياً واقعاً، أو اعتقد بتحقق موضوع الاستصحاب وهو اليقين بالحدوث المستند لما يراه دليلاً، والشك في البقاء، وكان مخطئاً في اعتقاد دليلية دليل الحدوث، أو بعدم تحقق موضوع الاستصحاب، لخطئه في اعتقاد دليلية دليل الارتفاع، حيث يكون مع ذلك مخطئاً في تشخيص الوظيفة الظاهرية، وإن كان معذوراً في عمله عليها، لاعتقاده بتماميتها.

نعم، لا يبعد البناء على عدم الخطأ في تشخيص الوظائف العقلية، لأن موضوعها واقعاً عدم وصول الدليل، لا عدم الدليل المجعول واقعاً، وأن كبرياتها وجدانية غير قابلة للخطأ.

اللهم إلا أن يلتبس الأمر على الوجدان، ولذا يقع الاختلاف فيها. فلاحظ.

المسألة الثالثة: فتوى المجتهد بالحكم الواقعي اعتماداً على الحجة

المسألة الثالثة: لا إشكال في جواز الفتوى للمجتهد بالحكم الشرعي الواقعي مع العلم الحقيقي به، لضرورة أو إجماع أو غيرهما.

وكذا مع قيام الحجة عليه بناء على جواز الإخبار بالواقع اعتماداً على الحجة.

لكن الظاهر عدم جوازه، وأنه لابد معه من ابتناء الخبر على بيان مفاد الحجة، لا على التعهد بالمخبر به مطلقاً ومع قطع النظر عنها، وهو الظاهر

من حال أهل الفتوى، لعدم تعلق غرض المستفتي ببيان الحكم الواقعي، بل ببيان ما ينبغي العمل عليه، ولو كان هو مفاد الأصل الشرعي أو العقلي.

نعم، لما كان الغرض من الفتوى ترتب عمل المستفتي لزم تحقق موضوع الوظيفة العملية في حقه، ولا يكفي، بل لا يعتبر تحققها في حق المفتي، بخلاف ما لو كان المصحح للفتوى قيام الحجة على الحكم الواقعي، حيث يلزم تحقق موضوع الحجية في حق المفتي، لأن جواز الافتاء أثر عملي متعلق به، فيتبع قيام الحجة عنده، وإن كان ترتب عمل المستفتي على الفتوى مشروطاً بتحقق موضوع الحجية في حقه أيضاً. وتمام الكلام في ذلك في مباحث التقليد إن شاء الله تعالى.

المقام الثاني : في التقليد
اشارة

المستفاد من بعض كلمات اللغويين واستعمالات أهل اللغة أن التقليد عبارة عن جعل الشيء في عنق الغير، وبلحاظ ذلك يستعمل في إلزام الشخص بشيء وتحميله مسؤوليته، لأن العنق مورد لتحمل المسؤولية عرفاً.

ومنه قول الصديقة (عليها السلام):

«لا جرم والله لقد قلدتهم ربقتها».

قال في لسان العرب:

«والقلد إدارتك قُلباً على قُلب من الحلي، وكذلك ليّ الحديدة الدقيقة على مثلها... وكل ما لوي على شيءٍ فقد قلد. والقلادة ما جعل في العنق يكون للإنسان والفرس والكلب والبدنة التي تهدى ونحوها... ومنه التقليد في الدين، وتقليد الولاة الأعمال... وقلده الأمر ألزمه إياه... وتقلد الأمر احتمله، وكذلك تقلد السيف...».

وأطلق في العرف على متابعة الغير في العمل. ولعله بلحاظ أن التابع قد حمل المتبوع مسؤولية عمله، كأنه جعله في عنقه، لتحمل المفتي مسؤولية الفتوى ارتكازاً، كما يناسبه ما في صحيح ابن الحجاج: «كان أبو عبد الله (ع) قاعداً في حلقة ربيعة الرأي فجاء أعرابي فسأل ربيعة الرأي

عن مسألة فأجابه فلما سكت قال له الأعرابي: أهو في عنقك؟ فسكت عنه ربيعة ولم يرد عليه شيئاً... فقال أبو عبد الله (ع) هو في عنقه قال أو لم يقل، وكل مفت ضامن»(1)وخبر أبي بصير: «دخلت أم خالد العبدية على أبي عبد الله (ع) وأنا عنده فقالت: جعلت فداك إنه يعتريني قراقر في بطني وقد وصف لي أطباء العراق النبيذ بالسويق. فقال: ما يمنعك من شربه؟ فقالت: قد قلدتك ديني، فألقى الله عز وجل حين ألقاه فأخبره

أن جعفر بن محمد (ع) أمرني ونهاني. فقال: يا أبا محمد ألا تسمع إلى هذه المرأة وهذه المسائل. لا والله لا آذن لك في قطرة منه...»(2)وغيرهما.

لكن الظاهر أن الجهة المذكورة وإن كانت هي المنشأ في إطلاق التقليد على ذلك، إلا أن الاستعمال بعد ذلك قد جرد عنه ولحظ فيه محض المتابعة والمحاكاة مع قطع النظر عنها، ولذا صح إطلاقه في ما لا مسؤولية فيه من الأعمال، وعدي ب «في» فيقال: قلده في عمله، لا: قلده عمله.

وعليه جرى ظاهراً استعمال التقليد في غير واحد من الروايات، كخبر البزنطي: «قلت للرضا (ع): إن بعض أصحابنا يقولون: نسمع الأمر يحكى عنك وعن آبائك فنقيس عليه ونعمل به. فقال: سبحان الله ما هذا من دين جعفر... فأين التقليد الذي كانوا يقلدون جعفراً وأبا جعفر (عليهما السلام) قال جعفر: لا تحملوا على القياس...»(3)وخبر محمد بن عبيدة قال: «قال لي أبو الحسن (ع): يا محمد أنتم أشد قليداً أم المرجئة؟ قال: ثانيها قلدنا وقلدوا... فقال أبو الحسن (ع): إن المرجئة نصبت رجلا لم تفرض طاعته


1) الوسائل ج: 18 باب: 7 من أبواب آداب القاضي حديث: 2.

2) الوسائل باب: 2 من أبواب الأشربة المحرمة حديث: 2 مع ملحقه في الهامش.

3) الوسائل ج: 18 باب: 6 من أبواب صفات القاضي حديث: 1.

وقلدوه، وإنكم نصبتم رجلا وفرضتم طاعته ثم لم تقلدوه، فهم أشد منكم تقليدا»(1)وغيرهما.

ولا يبعد جريان اصطلاحهم على ذلك في التقليد وعدم خروجهم عنه لمعنى آخر، فإنهم وإن عرفوه..

تارة: بالعمل بقول الغير.

وأخرى: بالأخذ به.

وثالثة: بقبوله، إلا أن من القريب رجوع الجميع لمعنى واحد، لعدم تعرضهم للخلاف من هذه الجهة، كما نبه له سيدنا الأعظم (قدس سره)، وذلك المعنى هو المتابعة في العمل، لمطابقته لما عرفت من المعنى العرفي المطابق لبعض الاستعمالات الشرعية، فهو في الأمور الشرعية كالتقليد في غيرها من الأعمال والأفعال، لاحتياج خروجهم عنه إلى عناية يبعد وقوعها.

وعليه يكون من العناوين المنتزعة من صدور العمل تبعاً لفتوى الغير وطبقاً لها.

لكن يظهر من غير واحد من المتأخرين أنه سابق على العمل، فهو..

إما الأخذ بقول الغير والالتزام به على أنه الحكم الظاهري اللازم المتابعة، كما قد يظهر من الفصول والمحقق الخراساني (قدس سره).

أو البناء على متابعته في مقام العمل، كما يظهر من العروة الوثقى.

وقد يناسب ذلك قولهم: عمل عن تقليد، لظهوره في سبق التقليد على العمل.


1) الوسائل ج: 18 باب: 6 من أبواب صفات القاضي حديث: 2.

إلا أنه لا مجال للخروج به عما ذكرنا.

وكيف كان، فلا ثمرة في تحقيق مفهوم التقليد الاصطلاحي، إذ لا مشاحة في الاصطلاح.

كما لا ثمرة مهمة في تحقيق مفهومه العرفي واللغوي، لعدم أخذ عنوانه في أدلة أحكامه، وإنما أخذ في مرسل الاحتجاج(1)، المتضمن لاعتبار العدالة في مرجع التقليد التي كان وضوح اعتبارها مغنياً عن النظر في المرسل المذكور.

ومن هنا يتعين تحديد موضوع تلك الأحكام تبعاً لأدلتها، بلا حاجة إلى تحديد مفهوم التقليد.

فالمهم هو النظر في أحكام التقليد واستحصال الدليل عليها، وهو ما يتكفله البحث في المقام.

وقد تعارف في عصرنا وما قاربه تعرض الفقهاء لجملة من مسائل التقليد في مقدمة رسائلهم العملية وكتبهم الفتوائية، واستيفاء جملة وافية من فروعه الدقيقة التي هي مورد الابتلاء. وممن تعرض لذلك سيدنا الأعظم (قدس سره) في كتابه (منهاج الصالحين)، وقد سبق منا تحرير الاستدلال على الفروع التي ذكرها عند الشروع في تدريس الكتاب المذكور، حيث أفضنا في شرح كلامه والاستدلال له مع ما يناسبه من القواعد والفروع. وقد استغرق ذلك زمناً طويلاً.

ومن هنا لا نرى التعرض هنا لتلك الفروع، بل الأولى الانشغال بما لم يسبق منا التعرض له، لأن الوقت لا يسع الإعادة والصدر يضيق عنها.


1) الوسائل ج: 18 باب: 10 من أبواب صفات القاضي حديث: 20.

فنحاول الاقتصار على تنقيح مقتضى القواعد الأولية في التقليد والإشارة لأدلتها العامة، لأنه الأنسب بمباحث الأصول، والاكتفاء في الفروع والخصوصيات بما حرر في الفقه.

ونسأله تعالى أن يعيننا في ذلك ويسددنا فيه، حتى يكون البحث متناسقاً منتظماً مفيداً مثمراً.

إذا عرفت هذا، فاعلم أن المعروف من مذهب الأصحاب اجتزاء العامي بالتقليد. بل الظاهر أنه مما أطبق عليه المسلمون في الجملة، كما تشهد به سيرتهم على اختلاف مذاهبهم.

الخلاف من بعض الأخباريين لفظي

والظاهر أن خلاف بعض الأخباريين فيه معنا لفظي، لأن المحكي عنهم الذي تشهد به في الجملة بعض كلماتهم دعوى أن ما صدر من معاصري الأئمة (ع) وجرت به سيرة الإمامية خلفاً عن سلف ليس من التقليد، بل هو نظير قبول الرواية المنقولة بالمعنى، الذي لا إشكال في جوازه، وأنه لا يجوز تقليد من يجتهد في استنباط الحكم برأيه، بل يجب أخذ أحكام الدين من المعصومين (ع) ونحن متفقون معهم في حرمة أخذ الحكم من غير المعصومين (ع) ممن يستنبطه بإعمال الرأي والاستحسان ونحوهما مع الإعراض عنهم (ع) كما هو دأب العامة الذين استفاضت النصوص بالإنكار عليهم والردع عن طريقتهم، وأن مرجع التقليد الجائز هو الرجوع للعلماء في معرفة الحكم الصادر من أهل البيت (ع) الذي جعلوه نظير قبول الرواية بالمعنى الذي اعترفوا بجوازه.

نعم، مع تعذر معرفة حكمهم (ع) الواقعي والظاهري يجوز للعالم بيان الوظيفة العقلية الظاهرية القطعية. فإن أنكروا ذلك كنا مخالفين لهم.

إلا أن إنكارهم إن رجع إلى دعوى تعذر حصول القطع بالوظيفة المذكورة، خرج عما نحن فيه، ورجع للخلاف في الصغرى، كالخلاف في كثير من المباني الأصولية.

وإن رجع إلى دعوى عدم حجية القطع المذكور، فقد سبق ضعفها في مباحث القطع.

وإن رجع إلى دعوى عدم جواز التقليد فيها وإن جاز للمجتهد العمل بها، فسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى بعد الفراغ عن أصل جواز التقليد في الجملة.

أدلة جواز التقليد

هذا، وقد حكي عن الحلبيين وجوب الاجتهاد عيناً. وهو غريب.

وكيف كان، فقد أطالوا الكلام في دليل جواز التقليد من الكتاب والسنة والإجماع وسيرة المتشرعة والعقلاء وكثر منهم النقض والإبرام في ذلك.

لابدية انتهاء العامي فيه إلى حجة يدركها

وينبغي قبل ذلك تقديم أمر، وهو أن التقليد لما كان مورد عمل العامي فلابد من انتهاء العامي فيه إلى حجة يدركها، ولا يكفي قيام الدليل عليه عند المجتهد. وحينئذٍ إن غفل العامي عن الخلاف في

جوازه وقطع به فلا إشكال، حيث يستغني بقطعه عن الرجوع للمجتهد فيه. وكذا إن التفت للخلاف وقطع بخطأ أحد الطرفين. وإن شك فيه لم ينفع التقليد فيه، لعدم انتهاء جواز التقليد فيه للعلم.

ومن هنا قد يقال: إنه لا ينفع قيام الدليل على جوازه أو عدم جوازه عند المجتهد، بل لا أثر له، لعدم كونه مورداً لعمله وعدم رجوع العامي له فيه.

بل هو المتعين بناء على ما ذكره المحقق الخراساني (قدس سره) من أن مشروعية التقليد للعامي من البديهيات الجبلية الفطرية المستغنية عن الدليل، ولولا ذلك لا - لانسدّ) باب الامتثال في حقه، لتعذر الرجوع عليه للأدلة الشرعية التفصيلية من الكتاب والسنة، وتعذر تقليده فيه، لما سبق.

إلا أنه كما ترى لا مجال للبناء عليه، لوضوح أن التقليد كسائر الأمور التي جرت عليها سيرة العقلاء الارتكازية القابلة للإمضاء والردع.

ولذا جرت سيرة الأصحاب على الاستدلال بالأدلة الشرعية الظاهرة في الإمضاء، وكثر النقض والإبرام منهم في ذلك، ولم يعهد منهم دعوى امتناع الردع عنه، ولا الإنكار على المخالف فيه بأنه خارج عن البداهة.

بل لا ريب في شيوع الخلاف في بعض خصوصياته، كتقليد الميت والأعلم، مع أنها مشاركة لأصل التقليد في طبيعة الحكم وملاكه، فلولا كونه أمراً محتاجاً للدليل غير مستغن عنه بالبداهة لما وقع ذلك.

وأما انسداد طريق الامتثال على العامي بدونه، فهو ممنوع، لإمكان جعل الشارع ما يخلفه على تقدير ردعه عنه، يصل إليه العامي بنفسه.

إلا أن يريد به انسداده في الواقع القائم، حيث يعلم بعدم جعل شيءٍ آخر يقوم مقامه، فيرجع إلى بيان أثر منع التقليد الخارجي لا محذوره العقلي فهو أشبه بالإشكال النقضي، الذي لا تنحل به الشبهة.

ومن ثم ذكر شيخنا الأستاذ (قدس سره) أن ما هو البديهي الفطري هو التقليد في مسألة وجوب التقليد، وهو الذي يدركه العامي بنفسه من غير حاجة للدليل التفصيلي والتقليد، وأما التقليد في الأحكام الفرعية - الذي هو محل للكلام - فهو نظري محتاج للاستدلال، ويختص بمعرفته المجتهد بعد النظر

في الأدلة من الكتاب والسنة وغيرهما، ويرجع العامي إليه فيه.

لكنه يشكل: بأن المسألتين من باب واحد، لاتحاد الملاك فيهما واتحاد أدلتهما، وعمدة الدليل فيهما الذي يدركه كل أحد هو المرتكزات العقلائية وسيرتهم على رجوع الجاهل للعالم، التي هي كسائر سيرهم قابلة للإمضاء والردع.

الاكتفاء في الحجية بالسيرة من دون حاجة إلى إمضاء

فالعمدة في حل الإشكال: أنه سبق في الاستدلال بسيرة العقلاء على حجية خبر الواحد أن سيرة العقلاء إذا كانت من سيرهم الارتكازية التابعة لمرتكزاتهم التي أودعها الله تعالى فيهم وفطرهم عليها لا لمؤثرات خارجية، فهي تقتضي العمل على طبقها بنحو يكون الأصل بنظر العقل متابعة الشارع وسائر الموالي لها وجريهم عليها ما لم يثبت ردعهم عنها من دون حاجة لإحراز عدم الردع، فضلاً عن إحراز الإمضاء.

وحيث كان التقليد مقتضى سيرة العقلاء، وكانت السيرة المذكورة ارتكازية، لابتناء نظام المعاد والمعاش على رجوع الجاهل للعالم في كل شيءٍ، كانت السيرة المذكورة حجة في إثبات مشروعية التقليد ما لم يثبت الردع عنها، وحيث لا يتيسر للعامي الاطلاع على الردع بنفسه كانت حجة له وعليه في إثبات مشروعيته، بالنظر الأول ولذا كان تقليده مقتضى طبعه الأولي.

ولو فرض تشكيكه في مشروعيته بعد التفاته للخلاف فيه، المثير لاحتمال الردع عنه، تعين عليه تقليده في جواز التقليد، لمشروعية التقليد المذكور له، لتعذر اطلاعه على الردع عليه، فإن أفتاه المجتهد بالجواز قلد في الأحكام الفرعية، وإن أفتاه بعدمه لم يجز له التقليد فيها، لوصول الردع

له عنه بتقليده المذكور.

وكذا لو غفل عن حرمة التقليد، فقلد في الأحكام الفرعية رأساً بمقتضى طبعه، وكان رأي المجتهد الذي قلده، والذي هو حجة عليه بالنظر الأولي، عدم جواز التقليد، حيث يجب عليه تنبيهه لذلك بمقتضى وجوب تعليم الأحكام، فتسقط فتاواه عن الحجية في حقه بعد ذلك.

إن ثانيها إذا كان المجتهد يرى عدم جواز التقليد، لنهوض الأدلة بنظره للردع عنه فلا فرق بين التقليد في جواز التقليد والتقليد في الأحكام الفرعية، فكما لا يجوز الثاني لا يجوز الأول.

ولازم ذلك عدم حجية فتواه بعدم جواز التقليد أيضاً، فلا تصلح لإحراز الردع عن السيرة على جوازه.

بل يعلم تفصيلاً بعدم حجيتها، إما لخطأ المجتهد فيها، أو لإصابته في عدم جواز التقليد.

ثانيها لا وجه لعدم الفرق بين التقليدين لإمكان الفرق بينهما في نظر الشارع، بل هو المتعين بعد انحصار وصول الردع عن التقليد الثاني للعامي بالتقليد الأول، حيث يستحيل معه اشتراكهما في ملاك الحجية أو عدمها، بل يتعين اختلافهما في ذلك، وحيث كان مقتضى الحجية حاصلاً في الأول بمقتضى السيرة، ولم يصل الردع عنه، لعدم صلوحه للردع عن حجية نفسه - حيث يلزم من حجيته وصلوحه للردع عدمهما - تعين حجيته وصلوحه للردع عن التقليد في الأحكام الفرعية.

وقد ظهر مما ذكرنا ترتب الثمرة على نظر المجتهد في أدلة التقليد، حيث يتسنى له تشخيص الوظيفة للعامي الذي يرجع إليه في ذلك بمقتضى

السيرة التي هي حجة في حقه، لعدم الردع عنها.

نعم، لو قلنا بتوقف حجية السيرة على ثبوت الإمضاء تعذر رجوع العامي للمجتهد في ذلك ولم يكن نظر المجتهد في الأدلة المذكورة مثمراً، كما قرر في الإشكال، إلا أن يوجب قدرته على إقناع العامي على خلاف ما يكون عليه بدواً، بحيث يوجب تشكيكه أو قطعه، كما قد يوجب قدرته على اقناع المجتهد المخالف له من دون أن يكون رأيه حجة على أحدهما. ولا ضابط لذلك.

عدم الطريق لإحراز الردع عن السيرة

إذا عرفت هذا، فالظاهر أنه لا طريق لإحراز الردع عن مقتضى السيرة المذكورة، لعدم الأدلة الخاصة على الردع عن التقليد، لاختصاص ما ورد بتقليد أهل الخلاف ونحوهم ممن لا يرجع في أحكامه لأهل البيت (ع)، بل يعتمد فيها على غيرهم، أو على إعمال الرأي والاستحسان ونحوهما مما لم ينزل الله سبحانه وتعالى به من سلطان، أو بتقليد الجهال ممن لا داعي لتقليدهم إلا العصبية العمياء والحمية الجاهلية، كما أشير إليه في مثل قوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ(1).

وعدم صلوح ما دل على عدم حجية غير العلم له، لعدم ثبوت عموم له ينهض ببيان عدم الحجية لكل ما لا يفيد العلم، فضلاً عن أن ينهض بالردع عن مثل التقليد مما كان مورداً للسيرة العقلائية، ولا سيما مثل هذه السيرة الارتكازية المستحكمة التي ابتنى عليها نظام معاش العباد ومعادهم لاحتياج الردع عنها إلى بيان خاص ملفت للنظر، ولا يكتفى بمثل العموم


1) سورة المائدة: 104.

الذي ينصرف عن موردها بسبب استحكامها.

وقد سبق في أول الكلام في مباحث الحجج عند الكلام في أصالة عدم الحجية، وعند الاستدلال على حجية خبر الواحد بسيرة العقلاء ما ينفع في المقام. فراجع.

بل الظاهر استفادة إمضاء السيرة المذكورة من أمور..

ما يمكن أن يستفاد منه الإمضاء الأول سيرة المتشرعة
اشارة

الأول: سيرة المتشرعة خلفاً عن سلف وإجماعهم العملي على الاجتزاء بأخذ الأحكام من المجتهدين، لما هو المعلوم من عدم تيسر الاجتهاد لغالب المسلمين، فلو لم يشرع لهم ذلك ولم يجر عملهم عليه لزم الهرج والمرج واختل نظام معاشهم ومعادهم.

قال في التقريرات: «وبالجملة: فجواز تقليد العامي في الجملة معلوم بالضرورة للعامي وغيره، وليس علم العامي بوجوب الصلاة عليه في الجملة أوضح من علمه بوجوب التقليد مع اتحاد طريقهما في حصول العلم من مسيس الحاجة وتوفر الدواعي عليه واستقرار سيرة المعاصرين للأئمة (ع) والخلف التابعين لهم إلى يومنا هذا...».

والظاهر تفرع السيرة المذكورة على سيرة العقلاء المشار إليها، فتكشف عن إمضائها.

ولو فرض اشتباه الحال على بعض العوام لبعض الشبه والتشكيكات التي لا يحسنون دفعها فهو لا يشتبه على أهل العلم ممن يلتفت للسيرتين المذكورتين ويحسن دفع الشبه بالأدلة الضرورية.

الثاني: آية النفر

الثاني: قوله تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ

لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (1)، فإن التفقه عبارة عن تعلم الأحكام وأخذها عن أدلتها، وظاهر الإنذار هو الإنذار بما تفقهوا فيه، فيدخل فيه بيان الأحكام الإلزامية المستتبعة للعقاب والفتوى بها، وحيث كان ظاهر جعل الحذر غاية للإنذار مطلوبيته تبعاً له كان ظاهراً في حجية الفتوى بالأحكام الإلزامية، ويتم في غيرها بعدم الفصل، بل بفهم عدم الخصوصية بسبب ظهورها في كون ترتب الحذر على الإنذار طبيعياً، لا تعبدياً محضاً، حيث لا يكون ذلك إلا بلحاظ سيرة العقلاء التي ارتكز مضمونها في الأذهان، حيث يكون ظاهراً في إمضاء السيرة المذكورة التي لا يفرق فيها بين الأحكام الإلزامية وغيرها.

بل ربما يدعى شمول الإنذار والحذر لبيان الأحكام الاقتضائية غير الإلزامية، لما يتضمنه بيانها من بيان فوت الثواب بالتخلف عن متابعتها، فيحسن الحذر من ذلك. فتأمل.

وقد تقدم في الاستدلال بالآية على حجية خبر الواحد الكلام في بعض الجهات الراجعة للاستدلال بها مما ينفع في المقام.

كما تقدم الإشكال في الاستدلال بآيات أخر قد استدل بها على حجية الفتوى أيضاً، كآيتي الذكر والكتمان، حيث يظهر بمراجعة ذلك ضعف الاستدلال بها على حجية الفتوى.

الثالث: النصوص الكثيرة الواردة في فضل العلم ونحوها

الثالث: النصوص الكثيرة الواردة في فضل العلم وتعليمه وتعلمه والانتفاع به والرجوع للعلماء في القضاء وأخذ الأحكام منهم ونحو ذلك(2)، حيث يظهر من مجموعها المفروغية عن جواز الاعتماد على العلماء في


1) سورة التوبة: 122.

2) راجع الوسائل ج: 18 باب: 4، 5، 8، 9، 10، 11، 12، 13، من أبواب صفات القاضي.

معرفة الأحكام والعمل عليها، لكن لا عموم للنصوص المذكورة، لعدم التصدي فيها لبيان الحجية، وإنما استفيد منها المفروغية عنها تبعاً لسيرة العقلاء المشار إليها، فتدل على إمضائها، ويستفاد العموم من السيرة لا منها.

نعم، يستفاد العموم من قوله (ع) في التوقيع الشريف: «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله»(1)، وقوله (ع) في ما كتبه لأحمد بن حاتم وأخيه فاصمداً في دينكما على كل مسن في حبنا، وكل كثير القدم في أمرنا، فإنهما كافوكما إن شاء الله تعالى»(2)وقول الصادق (ع) في مرسل الاحتجاج: «فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه»(3).

اللهم إلا أن يستشكل في الأول باحتمال الرجوع لأخذ الرواية، لا الفتوى، فتدل على حجية خبر الواحد. فتأمل.

وفي الثاني بوروده لبيان اشتراط الإيمان في المرجع، من دون تعرض لمن يرجع إليه، ليؤخذ بعمومه، فهو نظير ما في كتاب أبي الحسن (ع) لعلي بن سويد من قوله: «لا تأخذن معالم دينك من غير شيعتنا، فإنك إن تعديتهم أخذت دينك من الخائنين...»(4).

مضافاً إلى الإشكال في الكل بضعف السند، وعدم وضوح انجبارها بعمل الأصحاب ومفروغيتهم عن الحكم، لقرب احتمال اعتمادهم على


1) الوسائل ج: 18 باب: 11 من أبواب صفات القاضي حديث: 9.

2) الوسائل ج: 18 باب: 11 من أبواب صفات القاضي حديث: 45.

3) الوسائل ج: 18 باب: 10 من أبواب صفات القاضي حديث: 20.

4) الوسائل ج: 18 باب: 11 من أبواب صفات القاضي حديث: 42.

الأدلة الأخرى.

الرابع: ما تضمن الحث على الجلوس للفتوى
اشارة

الرابع: ما تضمن حث أبان بن تغلب على الجلوس للفتوى(1)

ص: 18 الطبعة الثانية والفهرست

ص: 41 طبع النجف الأشرف، والخلاصة ص 21 طبع النجف الأشرف.

وتقرير معاذ بن مسلم على ذلك(2)لوضوح أن مبنى استفتاء الناس لهما على العمل بما يفتيان لهم، كما هو مقتضى السيرة.

ولا يقدح في ذلك احتمال خصوصيتهما في نظرهم (ع).

لوضوح أن خصوصيتهما إنما تكون دخيلة في الأمر بالفتوى والتقرير عليها، لا في عمل المستفتي بفتواهما، لعدم ابتناء استفتائهم لهما على الاطلاع عليها رأساً ولا بتوسط اطلاعهم على أمر الإمام وتقريره، بل على الرجوع لهما لمحض ثقتهم بهما كسائر أهل العلم بمقتضى السيرة، فيدل على إمضائها. فتأمل جيداً.

وأما الاستدلال بالنصوص الكثيرة المتضمنة إرجاع الأئمة (ع) إلى آحاد أصحابهم كأبي بصير ومحمد بن مسلم والحارث بن المغيرة والمفضل بن عمر ويونس بن عبد الرحمن وزكريا بن آدم والعمري وابنه(3)

ص: 277 طبع النجف الأشرف.

.

بدعوى: أنها وان وردت في موارد خاصة، إلا أنه يقرب فهم عدم الخصوصية لمواردها والتعدي لجميع موارد السيرة الارتكازية. ولا سيما مع تضمن جملة منها التنبيه إلى أن ملاك الإرجاع الوثاقة والأمانة.

فيشكل: بأن ملاك الإرجاع الذي تضمنته هو وثوقهم (ع) بدين


1) ذكر في ترجمة ابان من كتاب النجاشي

2) الوسائل ج: 18 باب: 11 من أبواب صفات القاضي حديث: 36.

3) راجع الوسائل ج: 18 باب: 11 من أبواب صفات القاضي ولم يذكر فيه الارجاع للمفضل، وإنما ذكر في ترجمته من كتاب الكشي

الشخص وعلمه، وهو لا يستلزم جواز التقليد لكل من يثق به المكلف حسبما يسعه ويتوصل إليه، مع قطع النظر عن شهادتهم (ع) الذي هو محل الكلام ومورد السيرة، فليست تلك النصوص في مقام إمضاء سيرة العقلاء على الرجوع لأهل الخبرة، ولا يستفاد منها تبعاً، بل هي متكفلة ببيان موارد ثقتهم (ع) التي يرتفع صاحبها إلى أسمى المراتب، لكشفها عن كماله بمرتبة عالية لا تحرز في غيره.

ولذا يمكن الإرجاع بالنحو المذكور مع الردع عن السيرة، لسد الخلل والتعويض عن النقص الحاصل بالردع عنها.

هذا، وقد استدل بعض مشايخنا بما دل على حرمة الفتوى بغير علم من النصوص الكثيرة(1)، حيث يقتضي مفهومها - ولو بقرينة الحكمة - جواز الفتوى عن علم الملازم عرفاً لجواز العمل به.

لكن لا يخفى أن المفهوم المذكور لما كان من سنخ مفهوم القيد فالأولى الاستدلال بالنصوص الدالة بالمنطوق على جواز الفتوى عن علم(2).

نعم، الاستدلال بكلتا الطائفتين على جواز التقليد إنما يتم في ما كان منها ظاهراً في الفتوى لأجل العمل، كما هو حال بعضها ولا يتم في كثير منها، لإمكان تحريم الفتوى بغير علم وجوازها عن علم بلحاظ حرمة


1) راجع الوسائل ج: 18 باب: 4 من أبواب صفات القاضي حيث يوجد فيها كثير من النصوص المذكورة ويوجد في غيره من الأبواب بعض النصوص المتفرقة في ذلك.

2) الوسائل ج: 18 باب: 4 من أبواب صفات القاضي حديث: 5، 6، 9، 10، 28، وباب 8 من الأبواب المذكورة حديث 18، 52، 82 وباب: 10 من الأبواب المذكورة حديث: 11، 15 وباب: 11 من الأبواب المذكورة حديث: 12، 11 وغيره.

القول في الدين بغير علم وإن لم يستتبع العمل، كما لو صدر ممن ليس أهلاً للتقليد بنظر السامع.

وقد ظهر من جميع ما تقدم: أن النصوص الظاهرة في جواز العمل اعتماداً على فتوى أهل العلم كثيرة جداً على اختلاف ألسنتها وتباين مضامينها.

وهي وافية بإحراز إمضاء سيرة العقلاء الارتكازية على ذلك كسيرة المتشرعة وآية النفر. ومن هنا كان جواز التقليد من الواضحات الملحقة بالضرورات الفقهية لو لم يكن من الضرورات الدينية.

وإنما أطلنا الكلام فيه واستقصينا أدلته للتنبيه على أن عموم الحجية تابع لعموم السيرة الارتكازية المذكورة. بمعنى أنه لا مجال للبناء عليه في غير موردها، لعدم نهوض الأدلة الشرعية بذلك، لأن المعتبر منها غير متكفل ببيان الحكم بوجه عام، ليؤخذ به وإن قصرت السيرة عنه، بل هو إما ظاهر في المفروغية عنه بسبب السيرة المذكورة أو غيرها من دون أن يتصدى لحدوده، أو مجمل من حيثية سعة الحكم، أو وارد في موارد خاصة لا مجال للتعدي عنها بفهم عدم الخصوصية في غير موارد السيرة.

كما أن الأصل عموم الحكم تبعاً للسيرة بعد ما سبق من الاكتفاء في حجيتها بعدم ثبوت الردع. وبعد ظهور الأدلة في إمضائها، حيث يفهم منها بسبب ارتكازية مورد السيرة إمضاء الأمر الارتكازي على سعته للغفلة عن خصوصية الموارد والتفريق بينها، بل هو محتاج للتنبيه.

نعم لو دل الدليل على عدم الحجية في بعض الموارد كان صالحاً للردع عن السيرة فيها ومخصصاً لعموم الحجية لو كان.

وحيث اتضح ذلك فلا مجال لتحقيق موارد الردع الخاصة في المقام، بل يتعين إيكاله للفقه، كما سبق عند بيان منهج البحث، وإنما المناسب للبحث هنا تحديد موارد السيرة وما يتعلق بذلك ويناسبه، وهو يكون في ضمن مسائل..

المسألة الأولى: في اعتبار الوثوق بأهل الخبرة

المسألة الأولى: لا ريب في اعتبار الوثوق بأهل الخبرة في جواز الرجوع إليهم بمقتضى السيرة، بأن يوثق بكونهم في مقام إعمال خبرتهم واجتهادهم وبيان ما انتهى إليه نظرهم من دون تسامح.

إلا أن المعروف من مذهب الأصحاب اعتبار الإيمان والعدالة في مرجع التقليد، وادعي عليه إجماعهم، بل الظاهر من حالهم ومن بعض كلماتهم المفروغية عنه، على خلاف ما هو المعروف منهم في الخبر الحسي، حيث يكتفي كثير منهم بالوثوق بالمخبر على مقتضى السيرة.

وتحقيق صلوح الإجماع المذكور للاستدلال كبعض الوجوه الخاصة الأخرى لا يناسب نهج البحث الذي التزمناه على أنفسنا، بل يوكل للفقه، لخروجه عن تحديد مورد السيرة، فالعمدة توجيهه على ما يطابق السيرة ويناسبها.

أما الإيمان فلما سبق من أن الرجوع للمجتهد لمعرفة مؤدى الحجج الثابتة في حق العامي مما هو مقتضى دينه الحق، وذلك لا يصدق في حق غير المؤمن إذا اعتمد الطرق والحجج التي يقتضيها مذهبه دون مذهبنا كأخبار العامة وقياساتهم واستحساناتهم، أو أهمل الطرق التي هي حجة عندنا، لأنه ليس من أهل الخبرة في ما يهم المكلف معرفته، بل في أمر آخر لا يترتب عليه عمله.

وأما لو أحرز كونه في مقام اعتماد الطرق التي يعتمدها أهل الحق والجري على ما يقتضيه مذهبهم في الاستنباط فهو وإن كان من أهل الخبرة بنظره في ما يهم المكلف معرفته ويترتب عليه عمله،

إلا أنه يشكل اعتماده عليه بلحاظ عدم انضباط الطرق المذكورة، لأن كثيراً من القرائن لا تتهيأ لغير المؤمن، كإجماعات الخاصة وشهرة الحكم بينهم، وهجرهم للأخبار وعملهم بها، وتوثيقهم للرواة وجرحهم لهم، وسيرة المتشرعة ومرتكزاتهم، ونحو ذلك مما يكون دخيلاً في استنباط المجتهد المؤمن بسبب حسن ظنه بالمؤمنين واعتقاده بعلمائهم وعوامهم، وبأنهم في مقام تلقي الأحكام وأخذها من أئمتهم (ع) والاحتياط لها وعدم التساهل فيها، ولا التعصب والعناد في قبال أدلتها الذي هو ديدن أهل الباطل، ولا يتهيأ ذلك للمخالف، لعدم قدسيتهم في نفسه ولا يحسن الظن بهم.

كما أنه لا ضابط لذلك ليمكن فرض جريه على قواعده وإن لم يحسن الظن فعلاً.

ومرجع ذلك إلى نقص خبرته، لعدم إحاطته بمقدمات الاستنباط المتيسرة للمؤمن، فلا يعتمد على استنباطه. وهذا بخلاف الرواية المستندة للطرق الحسية المنضبطة التي لا دخل للإيمان بها.

ونظير ذلك يجري في العدالة، إذ بسبب عدم انضباط مقدمات الاستنباط يكون تمييز موارد الحجة عن غيرها محتاجاً إلى مرتبة عالية من الدين والورع، ولا سيما في الأحكام المرتبطة ببعض العواطف والاعتبارات، حيث يكون للتدين والورع وشدة الخوف من الله تعالى والحذر من أليم عقابه أعظم الأثر في مراقبة النفس ومحاسبتها في أداء الوظيفة، كي يميز

المجتهد الحجج عن غيرها، فلا يركن للشبه ويسوق ما ليس دليلاً مساق الدليل، ولا يؤمن الفاسق على ذلك، وإن كان ثقة في نقله، بل لابد من العدالة بمرتبة عالية، نظير ما تضمنه مرسل الاحتجاج المتقدم، وارتكز في أذهان متشرعة الفرقة الناجية والطائفة المحقة، حتى امتازت بذلك بين فرق المسلمين كما امتاز أئمتها وأولياؤها (ع) بواقعيتهم وطهارتهم، فكان ذلك من شواهد حقيتها وواقعيتها ومتابعتها لأئمتها (ع) وتأثرها بهم.

ونسأله تعالى أن يثبتها على ذلك ويعينها عليه ويعيذها من مضلات الفتن، لتبقى علماً للحق، ومناراً للهدى، ومثالاً حياً للدين القويم، وحجةً على الأمم. والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنتهدي لولا أن هدانا الله، وله الشكر على توفيقه.

نعم، هذا إنما يقتضي اعتبار الإيمان والعدالة حين الاستنباط والفتوى، لإ بقاءهما حين التقليد بعد ذلك، بل يحتاج المنع من تقليد من عرضت له فتنة أزالته عن الإيمان أو العدالة بعد صدور الفتوى منه إلى دليل آخر لا مجال لإطالة الكلام فيه هنا، ويوكل للفقه.

ثم إن هذا الوجه لو تم كان صالحاً لإثبات اعتبار البلوغ في المفتي لو فرض توقف الورع عليه، وإن كان الفرض المذكور غير خال عن الإشكال، إذ لا يبعد عن بعض الأطفال من أهل التمييز والإدراك والتربية الدينية والرياضة النفسية التهيؤ للمراتب العالية من الورع والالتزام باللوازم الدينية والبعد عن مخالفتها، ولو مع الأمن من العقاب على المعصية، فيحتاج المنع من تقليدهم إلى دليل آخر مخرج عن مقتضى السيرة، من إجماع أو نحوه مما لا مجال لإطالة الكلام فيه هنا.

المسألة الثانية: في اعتبار العقل

المسألة الثانية: لا إشكال في اعتبار العقل في مرجع التقليد بالمقدار الذي يتوقف عليه حصول الرأي الذي هو موضوع الحجية، كما لا يعتد بالرأي الحاصل للمجنون، لخروجه عن مورد السيرة الارتكازية في سائر موارد الرجوع إلى أهل الخبرة، ولو فرض حصول الظن بإصابته للواقع، فهو ظن مجرد لا يدخل في موضوع الحجية عندهم.

وأما مانعية الجنون من التقليد حدوثاً أو بقاء مع طروئه بعد حصول الرأي والفتوى فلا تقتضيه السيرة المذكورة في المجنون المطبق، فضلاً عن الأدواري، لما هو المرتكز عندهم من أن الاعتماد على الفتوى بملاك كاشفيتها نوعاً، ولا دخل لطروء الجنون في ذلك، كما هو الحال في الرواية.

وذهاب الرأي لا أثر له في بقاء حجيته كنسيان الرواية غير المانع من حجيتها، وإنما المانع من حجيته عندهم عدول صاحبه عنه، نظير عدول الراوي عن روايته. وهو غير لازم في الجنون، ولو فرض تحققه فحيث لا يعتد برأيه الأخير - كما سبق - لا يصلح للمنع من حجية رأيه الأول، نظير عدول المجنون عن روايته التي رواها حال عقله.

هذا، وربما يستدل على مانعية الجنون من التقليد حدوثاً، بل بقاء ببعض الوجوه الأخرى التي لا مجال لإطالة الكلام فيها، لضعفها، وقد تعرضنا لها في الفقه، كما يأتي التعرض عند الكلام في مانعية الموت لما ينفع في المقام.

نعم، الظاهر أن الجنون المطبق عندهم ليس أخف من الموت، فلو فرض الإجماع منهم على اعتبار الحياة في المفتي فليس المراد منها إلا الحياة الملازمة لفعلية الرأي عرفاً غير الحاصلة معه، فيلحقه ما يأتي في

تقليد الميت. بخلاف الجنون الأدواري، لأنه من سنخ المرض الذي لا ينافي نسبة الرأي لصاحبه عرفاً، بل لا يبعد شمول أدلة التقليد الشرعية له، لصدق عنوان العالم والفقيه ونحوهما مما أخذ فيها عرفاً عليه.

فالبناء على جواز تقليده هو الأنسب بالأدلة. ولعله لذا حكي القول به عن بعض متأخري المتأخرين، كصاحبي المفاتيح والإشارات.

المسألة الثالثة: بعض الشرائط المذكور في كلماتهم
اشارة

المسألة الثالثة: قد ذكروا جملةً من الشرائط في المفتي، كالرجولة وطهارة المولد والحرية والحياة والبلوغ وغيرها.

ولا مجال لإطالة الكلام فيها بعد ما سبق من أَناّ هنا بصدد تحديد موارد سيرة العقلاء، التي لا ينبغي التأمل في عدم مانعية الأمور المذكورة بحسبها، وأنه لابد في البناء على مانعيتها من أدلة خاصة صالحة للردع عن السيرة، ولا يسعنا استقصاؤها، بل توكل للفقه.

إلا أنه لابد من الكلام في وجه ما هو المعروف بين الأصحاب من اعتبار الحياة في المفتي، لشيوع الابتلاء بذلك وشدة الحاجة إليه، فلا ينبغي الاتكال فيه على ما ذكرناه في الفقه، ولو لملاحظة حال حضار درسنا، حيث لم يطلع جملة منهم على تلك المباحث.

فنقول: - بعد الاتكال على الله تعالى والاستعانة به - لا ينبغي التأمل في عدم مانعية الموت من التقليد بمقتضى سيرة العقلاء الارتكازية على رجوع الجاهل للعالم في سائر الأمور النظرية، لعدم دخل الحياة في ما هو المناط في حجيته، وهو كاشفيته نوعاً.

ودعوى: أن موضوع الحجية هو الرأي، ولا رأي للميت.

مدفوعة - بعد تسليم عدم الرأي للميت -: بما تقدم في اعتبار العقل

من أن بقاء الرأي لا دخل له في حجيته، بل لابد من عدم العدول عنه.

ومنه يظهر اندفاع ما ذكره المحقق الخراساني من أنه لا شبهة في اعتبار بقائه في جواز التقليد شرعاً، إذ لا إشكال في عدم جوازه لو زال الرأي بجنون أو هرم أو مرض أو تبدل رأي.

إذ لا مجال لقياس ما نحن فيه بتبدل الرأي بعد ما سبق. وعدم جواز التقليد مع الجنون والهرم ونحوهما - لو تم - مستند للإجماع ونحوه مما يختص بمورده، ولو تم نظيره في المقام كان الاستدلال به لا بالوجه المذكور.

إلا أن يريد قيام الإجماع على اعتبار القدر المشترك بين الجميع، نظير ما ذكرناه آنفاً، ويتضح حاله عند الاستدلال بالإجماع.

وبالجملة: لابد في عدم جواز تقليد الميت من دليل مخرج عن مقتضى السيرة المذكورة.

في أدلة المنع من تقليد الميت
اشارة

والمذكور في كلماتهم أمور..

الأول: اختصاص أدلة التقليد بفعلية الرأي

الأول: أن أدلة التقليد الشرعية مختصة بصورة فعلية الرأي، ولا تشمل صورة زواله بالموت ونحوه، فإن العناوين التي تضمنتها - كالإنذار والفقاهة والعلم والنظر في الحلال والحرام - لا تشمل مثل الميت، ولا تصدق عليه.

وفيه.. أولاً: أنه إن أريد بذلك أن الأدلة المذكورة رادعة عن السيرة في الميت ونحوه - كما قد يظهر من بعض مشايخنا - فمن الظاهر عدم ظهورها في حصر الحجية بمواردها ونفيها عن غيرها، لتنافي السيرة فيها وتصلح للردع عنها.

وإن أريد به أن اختصاصها بذلك ملزم بالاقتصار عليه، لعدم إحراز

إمضاء السيرة في غيره.

فيظهر اندفاعه مما سبق من عدم توقف حجية السيرة في المقام على إحراز الإمضاء بل يكفي عدم إحراز الردع.

بل تقدم أن المستفاد عرفاً من مجموع الأدلة الشرعية إمضاء السيرة الارتكازية على سعتها، وإن قصرت عن بعض مواردها لفظاً. فراجع.

وثانياً: أن ظهور الأدلة في الجري على مقتضى السيرة والمفروغية عن ذلك موجب لانصرافها إلى بيان حجية الرأي الصادر عن العالم وإن زال علمه بعد ذلك، على ما هو مقتضى السيرة، حيث لا مجال

مع ذلك للجمود على أخذ العناوين المذكورة الظاهر في لزوم بقائها حين العمل، كما هو الحال في نظائر المقام، كالرواية والشهادة والإقرار وغيرها، مما اعتبر فيه عناوين خاصة، كالوثاقة والعدالة والعقل وغيرها، حيث يكفي تحقق العناوين المذكورة حين صدورها، لا حين العمل بها، بقرينة ظهور أدلتها في الإشارة إلى موضوع السيرة.

وأما ما ذكره بعض مشايخنا من الفرق بين أدلة الفتوى والرواية بظهور الأولى في كون المرجع هو الفقيه لا رأيه، فيلزم صدق العنوان عليه حين الرجوع إليه، لا حين انعقاد الرأي له، وظهور الثانية في حجية رواية الثقة، فيكفي وثاقته حين صدور الرواية.

فهو غير ظاهر، لظهور بعض أدلة التقليد في ترتب العمل على فتوى الفقيه، كآية النفر المتضمنة مطلوبية الحذر بعد إنذاره.

على أنه لافرق بينهما بعد ملاحظة ظهورهما معاً في إمضاء مؤدى السيرة الارتكازية التي يكون موضوع الحجية فيها هو الرأي والرواية

الصادرين من الفقيه والثقة وإن خرجاً عن ذلك وقت العمل.

ولولا ذلك أشكل الأمر في الرواية وإن تم ما ذكره في لسان أدلتها، لأن مقتضى الجمود على اللسان المذكور لزوم صدق النسبة بين الرواية والثقة حين العمل بالرواية، لا حين صدورها، نظير ما لو قيل: أطع أمر جارك وأجب التماس صديقك، فإنه ظاهر في لزوم بقاء نسبة الأمر والالتماس للجار والصديق حين إطاعة الأول وإجابة الثاني. فلاحظ.

الثاني: لزوم تقليده مع وجود أعلم الأحياء

الثاني: أنه لو جاز تقليد الميت لوجب لو كان أعلم - لما هو الظاهر من مرجحية الأعلمية - فيمتنع تقليد أعلم أهل العصر لو كان في الأموات من هو أعلم منه، وهو إلتزام شنيع، كما عن الشهيد في رسالته في المسألة.

وفيه: أنه لا موجب لشناعته مع إحراز أعلميته، بل هو عين الدعوى.

ومثل ما عن المحقق الثاني من تعسر الاطلاع على الأعلم في جميع العصور.

إذ هو كتعسر الاطلاع على الأعلم في العصر الواحد في كثير من الأزمنة، يلزم الرجوع معه إلى ما تقتضيه القواعد والأدلة في مثل ذلك مما هو محرر في محله.

ويقرب منهما ما ذكره بعض مشايخنا من أن لازم ذلك الفحص عن الأعلم من بين علماء جميع العصور، وهو ضروري البطلان في مذهب الإمامية.

لاندفاعه.. أولاً: بأنه إن أريد أنه ضروري المذهب، فهو كما ترى، لعدم الالتفات إليه.

وان أريد أنه من الضرورات الفقهية بعد النظر في الأدلة ولو بلحاظ

سيرة المتشرعة فلعل سيرتهم في العصور المتأخرة والمتوسطة مبنية على شيوع القول بعدم جواز تقليد الميت وشهرته بين الأصحاب، وفي العصور الأولى المقاربة لعصور المعصومين (ع) مبنية على غفلة العوام عن الاختلاف بين العلماء، أو عدم تيسر معرفة فتاواهم خصوصاً مع عدم تعارف تدوين الفتاوى، كما قد يغفلون عنه في العصور المتأخرة، والفحص عن الأعلم إنما يحتاج إليه مع العلم بالاختلاف.

كما قد تكون مبنية على عدم وجوب ترجيح الأعلم، لعدم كونه اتفاقياً.

ولعل ما ذكرنا هو الوجه في عدم اهتمام كثير بالفحص عن الأعلم من العلماء المعاصرين لهم، بل يسألون كل من يبتلون به ويتيسر لهم سؤاله.

وثانياً: بأن عدم وجوب الفحص عن الأعلم من الأموات لا ينافي حجية فتوى الميت ووجوب تقليده مع العلم بأعلميته، إذ لعل عدم الفحص ناشيء من تعسر الاطلاع على الأعلم من الأموات ولو نوعاً، نظير تعسر الاطلاع على حال بعض الأحياء ممن لم يتصد للتقليد، ولم يظهر ما يكشف عن مرتبته العلمية، أو سكن البلاد النائية، حيث قد يدعى سقوط الفحص عنه حينئذ، ولو بضميمة السيرة الكاشفة عن عدم تكليف الشارع بذلك.

والذي ينبغي أن يقال: من كان من الأموات غير معلوم الفتوى لا أثر لأعلميته، لأن ترجيح الأعلم فرع الاختلاف، وهو غير معلوم، وما كان منهم معلوم الفتوى يتعسر بل يتعذر غالباً الاطلاع على حالهم حين صدور الفتوى منهم، لعدم الإحاطة بطريقتهم في الاستدلال وكيفية فهمهم الأدلة وجمعهم بينها، ليعلم بذلك مدى خبرتهم، فينبغي الرجوع فيه للقاعدة المذكورة

فيما إذا تعذرت معرفة الأعلم، فإن بني على التخيير، فحيث يحتمل مانعية الموت من أصل التقليد يدور الأمر بين التعيين

والتخيير في الحجية، فلا يجوز اختياره اقتصاراً على المتيقن فيها، وإن بني على الاحتياط كان طرفاً له.

إلا أن يعلم أو يطمأن بأنهم دون المتأخرين نوعاً، كما قد يشهد به التأمل في حال من تيسر الاطلاع على طريقتهم في الاستدلال، حيث تظهر متانة المتأخرين وضبطهم لقواعد الاستدلال وسيطرتهم على إعمالها، تبعاً لتطور العلم.

غاية الأمر أنه يعلم في الجملة تيسر بعض الأدلة والقرائن للقدماء، لقرب عصرهم من عصور المعصومين (ع) كمعرفة حال الرواة وصحة الكتب ونحو ذلك مما خفي بعضه على المتأخرين.

إلا أن عدم انضباط ذلك أوجب عدم تيسر إدراك حالهم فيه.

نعم، لو دار الأعلم بين أشخاص محصورين من الأحياء والأموات يتيسر الاطلاع على حالهم وعلى فتاواهم فوجوب الفحص عنه بينهم هو المتعين لو قيل بجواز تقليد الميت ووجوب تقليد الأعلم. وقيام السيرة على ذلك بالنحو الكاشف عن رأي المعصومين (ع) في حيز المنع.

الثالث: ما أشار إليه العلامة في المبادي من انعقاد الإجماع بموت المخالف المستلزم لعدم الاعتداد برأي الميت.

الثالث: انعقاد الإجماع بموت المخالف

وهو مبني على حجية إجماع أهل العصر الواحد، لقاعدة اللطف أو نحوها، وقد تحقق في محله عدم تمامية ذلك. على أنه قد لا يتيسر العلم بعدم موافقة بعض الأحياء للميت وإن لم يكن هو الأعلم من بينهم، ولم

يكن ظاهراً معروف الفتوى.

الرابع: الإجماع

الرابع: الإجماع، فإن المنع هو المعروف من مذهب الأصحاب، وفي الجواهر أنه مفروغ منه، وادعى الإجماع عليه غير واحد.

وقد تعرض في التقريرات لنقل كلمات غير واحد الظاهرة أو الصريحة في دعوى الإجماع، كابن أبي جمهور الأحسائي والمحقق الثاني في شرح الألفية والشهيد الثاني في المسالك وفي رسالته في المسألة والوحيد البهبهاني.

وفي المعالم: «العمل بفتوى الموتى... بعيد عن الاعتبار غالباً مخالف لما يظهر من اتفاق علمائنا على المنع من الرجوع إلى فتوى الميت مع وجود المجتهد الحي، بل قد حكى الإجماع فيه صريحاً بعض الأصحاب».

وقال سيدنا الأعظم (قدس سره): «فإن الحاكين للإجماع وإن كانوا جماعةً خاصة لكن تلقي الأصحاب لنقلهم له بالقبول من دون تشكيك أو توقف من أحد وتسالمهم على العمل به يوجب صحة الاعتماد عليه. ولا سيما مع كون نقلة الإجماع المذكور من أعاظم علمائنا وأكابر فقهائنا ولهم المقام الرفيع في الضبط والاتقان والتثبت. قدس الله تعالى أرواحهم ورفع منازل كرامتهم وجزاهم عناّ أفضل الجزاء».

لكن لا مجال للاعتماد على دعوى الإجماع في ذلك بنحو تنهض بالحجية، لصدورها من المتأخرين مع عدم تحرير المسألة في العصور الأولى المقاربة لعصور المعصومين (ع)، ليكشف عن أخذها خلفاً عن سلف منهم وعدم وضوح نحو الابتلاء بها في تلك العصور، لتستند دعوى الإجماع لوضوح الحكم بين الطائفة بسبب سيرتهم العملية، بل يحتمل

عملهم بآراء الموتى، كما يأتي تقريبه في الجملة.

ولو فرض عدم عملهم بها فلعله لغلبة عدم اطلاعهم عليها، لعدم تعارف تحرير الفتاوى وضبطها، بل تصدر الفتاوى مشافهة، فلا يتيسر الاطلاع عليها بعد موت المفتي لغير من شافهه بها ومن نقلها له إذا لم يطرأ عليهم النسيان والتضييع، بل قد تختلف فتوى الشخص الواحد في كتبه، إلى غير ذلك مما يمنع من الاطمئنان، بل من الظن، باستناد دعوى الإجماع من المتأخرين إلى تسالم العلماء على الحكم، أو سيرة المتشرعة بنحو يكشف عن رأي المعصوم (ع).

ولا سيما مع ظهور بعض كلماتهم في وجود الخلاف في المسألة أو عدم تحقق الإجماع بوجه قاطع، فقد نسب الشهيد الأول في الذكرى الخلاف للبعض.

وحمله على العامة - كما عن الشهيد الثاني - بعيد جداً، ولا سيما مع كونه المعروف بينهم، فلا يناسبه التعبير بالبعض.

ومثله قول المحقق الثاني في الجعفرية في بيان ما يجب على المكلف: «والرجوع إلى المجتهد - ولو بواسطة، وان تعددت - إن كان مقلداً. واشترط الأكثر كونه حياً...». وما عن الشهيد الثاني في المسالك

من دعوى عدم تحقق الخلاف له ممن يعتد بقوله، وفي رسالته في المسألة عدم العلم بمخالف ممن يعتبر قوله ويعتمد على فتواه.

وأما تلقي الأصحاب لدعواهم بالقبول فهو قد يتم في جملة من متأخري المتأخرين الذين لا يكشف قبولهم عن ثبوت الإجماع، لإمكان استنادهم لحسن ظنهم بالناقلين له، أو لبنائهم على حجية الإجماع المنقول،

لا لاطلاعهم على قرائن تشهد بثبوته.

بل لعل استناد جملة منهم في المنع عن تقليد الميت لوجوه أخرى غير الإجماع المدعى.

على أن ظاهر كلام السلطان في حاشيته على المعالم التردد في ثبوت الإجماع. كما هو المناسب لخروج المحقق القمي عليه مدعياً أنه لا يوجب الظن فضلاً عن اليقين، لعدم تداول المسألة بين أصحاب الأئمة (ع)، بل هي مسألة حادثة.

كما خرج الأخباريون عليه، فإن خروجهم وإن كان مبنياً على دعوى أن الفتوى من سنخ الرواية المنقولة بالمعنى التي تقبل وإن كان الراوي ميتاً، إلا أن موضوع كلامهم لما كان هو التقليد بواقعه الخارجي - وإن خالفوا في توجيهه - فلو كان عدم حجية قول الميت واضحاً عند الشيعة متسالماً عليه بينهم لما وسعهم البناء على حجيته.

والمظنون أن الحكم قد ذكر في كلام بعض قدماء أصحابنا الأصوليين مستندين فيه إلى بعض الوجوه الاعتبارية التي تقدم بعضها حتى اشتهر بينهم من دون أن يبلغ مرتبة الإجماع، كما قد يشير إليه قول المحقق الثاني في شرح الشرايع: «وقد صرح جمع من الأصوليين والفقهاء باشتراط كون المجتهد حياً ليجوز العمل بفتواه، فلا يجوز العمل بقول المجتهد بعد موته. وهو متجه ويدل عليه وجوه....» ثم جاء بعدهم من حسب أن ذلك إجماع صالح للاحتجاج لقول المشهور، على ما هو المعلوم من طريقة جماعة في الاستدلال بالإجماع وتسامحهم فيه.

ولعل مما أوجب وضوح انعقاد الإجماع عندهم مخالفته لطريقة

العامة التي التزموا بها، حيث قد يتخيل بسببه كونه من مميزات الطائفة المحققة التي عرفت بها في قبالهم.

ولا سيما مع خروج الأخباريين عليه الذين عرفوا بالخروج عما عليه الأصحاب في بعض الموارد والتجاهل لأعاظمهم والاستهوان بأكابرهم، بنحو أوجب النفرة عما يتميزون به في قبال المشهور بين الأصحاب.

وكان نتيجة ذلك الركون لدعاوى الإجماع المذكورة، والغفلة عن تحقيق حالها والنظر في ما ينافيها.

وكيف كان، فلا مجال لدعوى الإجماع المتقدمة، ولا سيما مع قرب مخالفته لسيرة المتشرعة في العصور الأولى يوم لم يكن للتقليد عنوان يقتضي العناية به والاهتمام بأحكامه، بل تجري الناس فيه على مقتضى طبايعهم.

إذ يبعد جداً أن يكون أخذ المكلف الحكم من العالم والراوي ليعمل به هو وأهله ما دام حياً، فإذا مات رجع إلى غيره وسأله عن نفس الحكم الذي علمه، لما في ذلك من الخروج عن مقتضى السيرة الارتكازية، ولو كان لظَهَرَ وبان ولم يَخْفَ على إنسان.

ومثله احتمال أنه يعمل به بعد موته هو وأهله ومن يتبعه ممن عملوا به في حياة المفتي، دون من تجدد تكليفه منهم أو اتصل بهم بعد موته، بل يرجع هؤلاء إلى مفتٍ آخر حي، لئلاّ يكون عملهم بفتوى الأول تقليداً ابتدائياً منهم للميت، بحيث يعمل أهل البيت الواحد على وجهين، بعضهم على رأي الميت وبعضهم على رأي الحي، لما في ذلك من الكلفة الظاهرة والخروج عن الوضع المتعارف بالنحو الذي لو كان لظَهرَ وبان.

بل يبعد جداً تحقق ذلك من دون ورود أدلة تعبدية نقلية خاصة صالحة عندهم للردع عن مقتضى السيرة، ولو ورد شيء منها لم يَخْفَ عادة لتوفر الدواعي لنقله وحفظه عن الضياع.

ثم إنه ينبغي الكلام في مقتضى الأصل في المسألة ليرجع إليه لو فرض قصور الأدلة الاجتهادية عن إثبات الجواز أو المنع.

والكلام فيه في مقامين..

الكلام في مقتضى الأصل
اشارة

المقام الأول: في الأصل العقلي.

المقام الأول: في الأصل العقلي
اشارة

ولا إشكال في أن مقتضاه عدم جواز تقليد الميت وعدم حجية فتواه، لأصالة عدم الحجية في كل ما شك في حجيته.

لكن هذا إنما يقتضي تعين الحي للتقليد وإن كان مفضولاً لو كان لدليل تقليده إطلاق يشمل حال الاختلاف بينه وبين الميت، كما هو الحال بناء على اختصاص العناوين المأخوذة في أدلة التقليد الشرعية المطلقة بالحي.

وأما لو لم يكن كذلك، بل كان الدليل عليه الإجماع، أو كونه المتيقن من الأدلة اللفظية التي لا إطلاق لها، فإنما يتعين للتقليد لو كان أعلم من الميت، للقطع بحجيته.

وكذا لو كان مساوياً له، بناء على ما هو المعروف بينهم من التخيير مع تساوي المجتهدين، للقطع بحجيته تعييناً أو تخييراً.

أما بناء على سقوط قولهما معاً بالاختلاف ووجوب الاحتياط، فلا مجال لتقليده، لعدم إحراز حجيته بعد احتمال جواز تقليد الميت المستلزم لاحتمال صلوحه لمعارضة قول الحي وإسقاطه عن الحجية.

وكذا لو كان الميت أعلم، لأن احتمال جواز تقليده مستلزم لاحتمال وجوبه - بناء على ما هو الظاهر من مرجحية الأعلمية مع الاختلاف - فتتردد الحجية بين الحي والميت ولا متيقن في البين، فيتعين التخيير أو الاحتياط، على الكلام في الوظيفة عند عدم المرجح لأحد المجتهدين.

وجوه تعين الحي المفضول
أولها: عدم القول بالفصل

لكن أصر غير واحد على تعيين الحي المفضول حينئذٍ لوجوه..

أولها: ما في التقريرات من أن تعيين الحي مع التساوي - لما تقدم - مستلزم لتعيينه مع كونه مفضولاً، لعدم القول بالفصل.

وفيه: أن مجرد عدم القول بالفصل لا ينفع ما لم يرجع إلى الإجماع على عدم الفصل وعلى التلازم بين الأمرين، وهو غير ثابت في المقام. فتأمل.

مع أنه إنما ينفع لو كان الدليل على الملزوم اجتهادياً لفظياً أو نحوه مما يكون حجة في لازم مؤداه، ولا ينفع مع انحصار الدليل عليه بالأصل، لاختصاص موضوع الأصل بمورده، والتعدي منه للازم

مبني على الأصل المثبت الذي هو غير حجة. ولا سيما مع كون الأصل عقلياً لا يبتني على التعبد بالملزوم، كما في المقام.

وإلّا أمكن العكس، بأن يستدل بالأصل المقتضي - كما تقدم - لعدم جواز تقليد الحي المفضول على عدم وجوب تقليد الحي المساوي للميت.

ثانيها: عدم اليقين بالبراءة بتقليد الميت

ثانيها: ما ذكره بعض المحققين (قدس سره) من أن الاقتصار على الحي ليس لأقربيته للواقع، ليتخيل أن الميت الأفضل أقرب، بل لعدم اليقين بالبراءة بتقليد الميت ولو كان أعلم.

لكنه إنما يمنع من ترجيح الميت الأعلم، ولا يقتضي تعيين الحي

المفضول، لعدم اليقين بالبراءة معه أيضاً، لما سبق، فلا وجه لترجيحه على الميت الأعلم.

ثالثها: حكومة اعتبار الحياة على اعتبار الأعلمية

ثالثها: ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أن احتمال اعتبار الحياة حاكم على اعتبار الأعلمية ومضيق لموضوعه عن شمول الميت، لأن الشك في حجية قول الميت يوجب اليقين بعدم حجيته، كما هو الحال في سائر موارد الشك في الحجية، فتنحصر مرجحية الأعلمية بالأحياء.

وفيه: أنه لا معنى لكون الشك في الحجية موجباً لليقين بعدمها، غاية ما يدعى أنه بحكم اليقين بعدمها في عدم جواز ترتيب الأثر على محتمل الحجية، وهو قول الميت الأعلم في المقام، مع بقاء احتمال الحجية فيه المستلزم لاحتمال ترجيحه وعدم حجية قول الحي المفضول، فلا يكون الحي متيقن الحجية أيضاً، ليتعين العمل على قوله.

نعم، لو كان دليل اعتبار الحياة لفظياً كان حاكماً على دليل الترجيح بالأعلمية، لتوقف الترجيح بها على وجود مقتضي الحجية في أطراف الترجيح، وظاهر دليل اعتبار الحياة عدم وجود مقتضي الحجية في قول الميت، فيخرج عن موضوع الترجيح بالأعلمية، وينحصر الترجيح بها في غيره ممن هو واجد لمقتضي الحجية. وهذا لا يجري إذا استند عدم تقليد الميت للأصل مع احتمال وجود مقتضي الحجية فيه من دون إحراز لعدمه.

وبالجملة: لم يتحصل من كلماتهم ما يمكن الخروج به عما عرفت من تردد الحجة بين الميت الأفضل والحي المفضول، فاللازم البناء إما على التساقط والرجوع للأصول العملية من الاحتياط أو غيره في مورد الخلاف، أو على التخيير بينهما، لما هو المشهور من أنه المرجع عند الدوران بين

مجتهدين لا مرجح لأحدهما.

المقام الثاني: الأصل الشرعي

المقام الثاني: في الأصل الشرعي.

ومن الظاهر أنه لا مجال له بالإضافة للأحكام. التي أفتى بها الميت، لعدم تحقق ركني الاستصحاب فيها.

أما اليقين فظاهر، لعدم الحقيقي منه مع احتمال خطأ المفتي، ولا التعبدي، لعدم الحجة عليها، لانحصار الطريق إليه بفتوى الميت المفروض عدم ثبوت حجيتها.

وأما الشك فللعلم ببقائها على تقدير ثبوتها وعدم احتمال ارتفاعها بموت المفتي. فلابد من النظر في جريان الاستصحاب إما في الحكم الظاهري المترتب على الفتوى حين المفتي والمشكوك في بقائه بعد وفاته، أو في الحكم الوضعي، وهو الحجية الثابتة لرأي المفتي قبل موته.

أما استصحاب الحكم الظاهري فيبتني على جعل الأحكام الظاهرية المماثلة لمؤديات الطرق، والتحقيق عدمه وأنه ليس مفاد الطرق إلا جعل حجيتها، وليس الحكم الظاهري إلا منتزعاً من ذلك من دون أن يكون مجعولاً، ليمكن استصحابه، كما أوضحنا ذلك عند الكلام في مؤديات الطرق في مبحث قيامها مقام القطع الموضوعي من مباحث القطع. فراجع.

مضافاً إلى أنه لا مجال له في الأحكام الكلية التي لم يتم موضوعها في حياة المفتي، وإنما يفتي بها بنحو القضية الحقيقية الراجعة للقضية التعليقية، حيث تحقق في محله عدم جريان الاستصحاب التعليقي ذاتاً لا بالمعارضة بالاستصحاب التنجيزي، ليختص المنع من جريانه بالأحكام الاقتضائية، كما ذكره سيدنا الأعظم (قدس سره).

نعم، قد يتم في الأحكام التنجيزية الثابتة في حياته، سواء كان موضوعها جزئياً خارجياً، كنفوذ العقود الواقعة في حياته ونجاسة الفقاع الموجود قبل وفاته، أم كلياً كالأحكام التكليفية الفعلية، كحرمة شرب الفقاع ووجوب الفريضة التي دخل وقتها قبل وفاته، فإن موضوعها - وهو فعل

المكلّف - كلي يتعلق الحكم به على شيوعه وعمومه، لا بأفراده بعد وجودها، كي لا تكون فعلية قبل وجودها، بل يكون وجودها مسقطاً للحكم مع فعليته قبله، فيمكن استصحابه.

ودعوى: أنه لا مجال لاستصحاب الأحكام التكليفية، لأن متعلقها وموضوعها كلي قابل للتقييد بحياة المفتي، ومع احتمال تقييده به لا يحرز بقاء الموضوع بعد موته ليستصحب، فمتيقن الحرمة هو شرب الفقاع حال حياة المفتي، لا مطلق شربه المنطبق على ما بعد وفاته، ليمكن استصحاب حرمته بعدها.

مدفوعة: بأن الحكم الظاهري لما كان هو المماثل لمؤدى الحجة كان تابعاً له في إطلاق الموضوع وتقييده، وحيث لم يؤخذ في موضوع الحكم الواقعي حياة المفتي لم يكن موضوع الحكم الظاهري مقيداً بها.

واحتمال ارتفاعه بعد موت المفتي ليس لارتفاع موضوعه، بل لانتهاء أمده لإناطة جعله بحياته، ومثله لا يمنع من الاستصحاب.

فالعمدة ما سبق من توقفه أولا على جعل الحكم الظاهري، الذي سبق المنع منه، وثانياً على فعلية الحكم، حيث يترتب على ذلك عدم جريانه في حق فاقد شرائط التكليف حال حياة المفتي، كالصبي والمجنون، فضلاً عن المعدوم.

وأما استصحاب الحجية فلا مانع منه ذاتاً، لأن الحجية من الأحكام المجعولة بمقتضى الارتكازيات العقلائية المطابقة لظاهر النصوص، كقوله (ع): «

فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله»(1).

وجها الإشكال على استصحاب الحجية
أولها: ما ذكره الخراساني

نعم،، قد يستشكل في استصحاب الحجية بوجهين..

أولهما: ما ذكره المحقق الخراساني (قدس سره) من عدم بقاء الموضوع، لأن موضوع الحجية هو الرأي، ولا رأي للميت عرفاً، وإن فرض بقاؤه له حقيقة.

وفيه: أن موضوع الحجية المستصحبة هو الرأي بحدوثه لا ببقائه، كما يظهر مما تقدم في أول الكلام في المسألة.

ومنه يظهر الإشكال في ما ذكره بعض المحققين (قدس سره) من أنه بناء على أن الحجة على المكلف قطع المجتهد بالحكم الظاهري لا مجال للاستصحاب، للعلم بانكشاف الواقع له نفياً وإثباتاً، ولا موضوع معه للحكم الظاهري، ليتحقق له القطع به، الذي هو موضوع الحجية في حق العامي.

نعم، لو كان موضوع الحجية هو ظنونه وإدراكاته للحكم الواقعي أمكن الاستصحاب، لإمكان بقائها بعد الموت ولو بمرتبة أقوى.

إذ فيه - مع ابتنائه على أمر في الميت مجهول لنا، وعدم وروده فيما إذا أفتى المجتهد بالحكم الواقعي قاطعاً به بسبب نظره في الأدلة -: أن ذلك إنما يتم لو كان موضوع الحجية هو الرأي ببقائه، أما لو كان هو الرأي بحدوثه فتبدله بالعلم بالحكم الواقعي لا يمنع من استصحاب الحجية له، لوحدة الموضوع وعدم ارتفاعه.


1) الوسائل ج 18 باب: 11 من أبواب صفات القاضي حديث: 9.

فالمقام نظير ما لو علم المكلف بتبدل حال المجتهد الذي يقلده من الظن لليقين بعين ما ظن به أو بخلافه، ولم يتيسر معرفته تفصيلاً. حيث يتعين العمل على رأيه السابق ما لم يعلم بعدوله عنه.

مع أن ذلك مبني على أن وظيفة المفتي تشخيص الوظيفة الظاهرية الثابتة في حقه، أما بناء على ما سبق في آخر مباحث الاجتهاد وغيره من أن وظيفته تشخيص الوظيفة الظاهرية الثابتة في حق العامي بمقتضى الأدلة، فانكشاف الحكم الواقعي للمجتهد لا ينافي حصول القطع له بالحكم الظاهري الثابت في حق العامي بسبب عدم تيسر العلم بالحكم الواقعي له.

ثانيهما: وجود المتيقن من حجية رأي المفتي

ثانيهما: أن القدر المتيقن من حجية رأي المفتي في حق العامي حين حدوثه هو حجيته في الوقائع الحاصلة حين حياته، لا مطلقاً بنحو يعم الوقائع المتأخرة عنها، لعدم صحة انتزاع الحجية إلا بلحاظ مقام العمل، فمع عدم الابتلاء بالواقعة، لعدم تحقق موضوع الحكم فيها بعد لا يصح انتزاع الحجية بالإضافة إليها.

وليست حجيته بنحو الإطلاق إلا بنحو القضية الحقيقية التعليقية الراجعة إلى إناطة الحجية الفعلية في كل واقعة بفعليتها، فلا تكون حجيته في الوقائع المتأخرة إلا تعليقية، فيقال: كان رأي المفتي

حجة في هذه الواقعة لو تحققت وتمّ موضوع الحكم فيها، وقد سبق عدم جريان الاستصحاب في القضايا التعليقية.

ويندفع: بأن المرتكز عرفاً كون الحجية من الأمور البسيطة العارضة للرأي والمقتضية للعمل في جميع الوقائع وأن مصحح انتزاعها معرضية المكلف للابتلاء بمؤداها وصلوحه لأن يخاطب به، وليست من الأمور

الانحلالية ذات الأفراد المتعددة على حسب الوقائع الفعلية الطولية والعرضية، بحيث تكون لكل واقعة حجية قائمة بها مباينة للحجية في الوقائع الأخرى، ليكون المشكوك مبايناً للمتيقن، فلا يمكن استصحابه إلّا بنحو التعليق.

فهي نظير الولاية التي لا يصح انتزاعها إلا بلحاظ التصرف المتعلق بالمولى عليه، لكن بنحو يكفي في صحة انتزاعها معرضية التصرف لا فعليته، ولذا يصح استصحابها.

وأما تقييدها فليس هو إلا كتقييد الولاية إنما يوجب ضيقها في مقابل سعتها، لا قلة أفرادها في مقابل كثرتها. وإن كان الأمر محتاجاً إلى شيءٍ من التأمل.

نعم، لا يبعد اختصاص الاستصحاب المذكور - لو تم - بمن تمت في حقه شرائط التكليف في حياة المفتي، دون غيره ممن لم يوضع عليه القلم في حياته كالصبي والمجنون، فضلاً عمن كان معدوماً، لتوقف فعلية الحجية ارتكازاً على تمامية شروط التكليف وقابلية المكلف له، وليست الحجية في حق غيره إلا تعليقية لا يصح استصحابها.

تتميم..

تتميم: البقاء على تقليد الميت

المعروف من مذهب الأصحاب وإن كان هو عدم جواز تقليد الميت، كما سبق، إلا أن ذلك مختص بالتقليد الابتدائي، أما البقاء على تقليد الميت فقد وقع الخلاف فيه بين متأخري المتأخرين، وقد ذهب جمع منهم إلى جوازه، كما قرّبه السيد الصدر في محكي كلامه، وحكاه عن بعض معاصريه، بل يظهر من الجواهر شيوع الخلاف فيه، فقد ذكر في فرض أعلمية الميت أن

الأصحاب بين قائل بحرمة البقاء وقائل بجوازه وقائل بالتخيير، وهو الذي اختاره، ومن ثم ذكر غير واحد أن المتيقن من الإجماع هو التقليد الابتدائي.

لكن استظهر شيخنا الأعظم (قدس سره) عدم الفرق بين التقليد الابتدائي والاستمراري في أكثر الأدلة المتقدمة، ومنها الإجماع المدعى الذي هو عمدتها.

وما ذكره متين جداً، كما يظهر بملاحظتها وملاحظة كلام نقلة الإجماع، حيث يبعد جداً قصوره بنظرهم مع إطلاقهم لمعقده وشيوع الابتلاء بالتقليد الاستمراري بل هو مما يأباه كلام بعضهم جداً. فالبناء على خروج من جوز البقاء على الإجماع المذكور - ولو لغفلتهم عن ذلك - أولى من البناء على قصور دعاوى الإجماع عنه.

وأولى منه البناء على عدم بلوغ الإجماع بنظرهم مرتبة الحجية في مقابل الأدلة والأصول، بل يلزم الخروج عنه بها لو خالفته، كما تقدم منا تقريبه في التقليد الابتدائي، وهو في الاستمراري أولى مع شيوع الخلاف، وليست موافقتهم له في التقليد الابتدائي إلا للوجوه الأخرى التي استوضحوها.

ومن ثم يتعين البناء على جواز التقليد الاستمراري، لما سبق من سيرة العقلاء، واستصحاب الحجية، الذي سبق الكلام فيه.

بل سبق تقريب سيرة المتشرعة على كل من التقليد الابتدائي والاستمراري، كما اعترف بها سيدنا الأعظم (قدس سره) في الثاني وإن أنكرها في الأول.

ما استدل به السيد الخوئي (قدس سره) على عدم جواز التقليد

هذا، وقد سبق من بعض مشايخنا الاستدلال على عدم جواز تقليد الميت ابتداء بقصور الأدلة الشرعية عنه، لأنها تضمنت عناوين خاصة في

المرجع، كالفقيه والعالم وأهل الذكر، وهي لا تصدق على الميت، ومع ذلك التزم بجواز البقاء على تقليده في الجملة، بدعوى: أن إطلاق الأدلة المذكورة إنما يقتضي اعتبار تلك العناوين حين الرجوع للمجتهد لا حين العمل بقوله، بل مقتضى إطلاقها حجية قوله بعد الرجوع له ولو في ما يتجدد من الوقائع بعد موته.

التفصيل بين المسائل التي تذكرها وغيرها

نعم، فصّل في جواز البقاء بين تذكر المسألة ونسيانها. قال: «يكفي في جواز البقاء على التقليد أو وجوبه تعلّم الفتوى للعمل وكونه ذاكراً لها.

وكأنه لأن الرجوع عنده عبارة عن تعلم الفتوى للعمل، فمع النسيان يكون تعلمه لها رجوعاً جديداً، فلا يجوز مع موت المجتهد، لعدم صدق العناوين المذكورة عليه.

وجوه الإشكال فيه..
اشارة

ويشكل بوجوه..

الأول:

الأول: أنه لا إشكال في عدم أخذ عنوان الرجوع شرطاً في حجية فتوى المفتي، بل تكون فتواه حجة وإن لم يرجع إليه، ولذا يكون المكلف مقصراً لو لم يرجع لواجد الشرائط، وليس الرجوع إلا عنواناً منتزعاً من متابعة المجتهد في العمل التي يكون لزومها من آثار حجية فتواه المتفرعة عليها، ومثلها وجوب سؤاله والأخذ منه والعمل بقوله وتقليده وغير ذلك مما اشتملت عليه الأدلة الشرعية، فهي بأجمعها من آثار الحجية لا من شروطها.

وحينئذٍ إن استفيد من الأدلة اعتبار العناوين المذكورة - من العالم والفقيه ونحوهما - في الأحكام المذكورة حين صدور الفتوى - كما سبق تقريبه - تعين جواز الرجوع للميت ابتداءً.

وإلا كان اللازم الجمود على مفادها المطابقي، وحيث كان مقتضى تعليق الحكم على عنوان عدم تحققه مع فقده يتعين عدم وجوب تقليد المجتهد ولا الرجوع إليه ولا العمل بقوله بعد موته، لفرض انسلاخ العناوين المذكورة عنه، بل يختص ذلك بحياته.

غاية ما يدعى أن مقتضى إطلاق تلك الأدلة أن الواجب حين حياة المجتهد ليس خصوص الرجوع له في الوقائع المقارنة لحياته والعمل بقوله فيها، بل الرجوع والعمل في جميع الوقائع حتى المقارنة لموته، فيكشف عن عموم الحجية لها.

ولازم ذلك عدم اختصاص جواز تقليد الميت بمن رجع إليه وسأله في حياته، بل يعم كل من وجب عليه الرجوع إليه والعمل بقوله في حياته، سواء رجع إليه وعمل بقوله فعلاً أم لم يرجع إليه ولم يعمل بقوله قصوراً أو تقصيراً.

الثاني:

الثاني: أن وجوب الرجوع للمفتي وسؤاله وتقليده والعمل بقوله وغيرها مما تضمنته الأدلة لما كان طريقياً للفراغ عن التكليف الواقعي، ولذا كان كناية عن حجية الفتوى فلا إطلاق له يشمل الوقائع اللاحقة، بل المراد به الرجوع في الوقائع التي هي مورد ابتلاء المكلف والتي يحتاج لمعرفة حكمها، لأن حذف المتعلق إنما يقتضي العموم مع عدم القرينة على التخصيص.

وتعميم الحجية لغيرها من الوقائع التي يتجدد الابتلاء بها موقوف على أن يكون للأدلة إطلاق أحوالي، وهو إنما يتجه قبل فقد المرجع للعنوان المعتبر في الحجية، لا بعده للموت ونحوه.

ودعوى: أنه لا معنى للإطلاق الأحوالي في فرض العلم برأي المفتي بالسؤال منه في الواقعة الأولى، لعدم الموضوع معه للسؤال والرجوع والتعلم التي تضمنتها الأدلة، فلابد من كون منشأ حجية الفتوى في الوقائع اللاحقة هو شمول إطلاق الرجوع من أول الأمر لها.

وحينئذ لا يفرق بين الوقائع المتجددة حال حفظ المفتي للعنوان وحال فقده له.

مدفوعة: بأن عدم الموضوع للسؤال والرجوع والتعلم مع العلم بالمسألة لا ينافي في ثبوت الإطلاق الأحوالي للأدلة وشموله للوقائع المتجددة، لأن الأدلة وإن اشتملت على العناوين المذكورة التي لا موضوع لها مع العلم بالمسألة، إلا أنها كناية عن لزوم العمل بالفتوى من أجل العمل بها لحجيتها القابلة للبقاء في الوقائع اللاحقة، لتحقق موضوعها فيها، وهو الجهل بالواقع. فهو نظير وجوب لبس الثوب الطاهر. واستقبال القبلة حين الصلاة لكون الطهارة في ثوب المصلي ووقوعها الى القبلة شرطاً في الصلاة، مع عدم الموضوع للبس والاستقبال للابس والمستقبل عند حضور وقت الصلاة.

ولذا يجب على المكلف تقليد من تمت فيه الشرائط وإن سبق منه العلم برأيه لا لأجل العمل، أو مع عدم كونه أهلاً للتقليد حين حصول العلم برأيه، وما ذلك إلا لشمول أدلة الحجية له حين تمامية شروط التقليد فيه بلحاظ تحقق موضوع الحجية فيه حينئذ وإن ارتفع موضوع الرجوع له والسؤال منه بسبب سبق العلم برأيه.

ودعوى: أن وجوب الرجوع له ونحوه لما كان كناية عن الحجية فقد

تقدم أن إطلاق الحجية يقتضي سعتها بنحو يشمل جميع الوقائع وإن كان العمل عليها تدريجياً تبعاً لتدرج الوقائع.

مدفوعة: بأن إطلاق الحجية وسعتها بالنحو المذكور لا يكفي في جواز العمل في الوقائع اللاحقة، إذ لابد من إحراز الحجية حين العمل، ولا يكفي ثبوت الحجية المطلقة قبله، ويتوقف إحراز

الحجية في الوقائع اللاحقة على الإطلاق الأحوالي الذي عرفت امتناعه مع انسلاخ المجتهد بالموت عن العنوان المعتبر في الحجية.

ولولا ذلك لزم حجية فتوى الميت في جميع الوقائع المتأخرة حتى المقارنة لنسيانها، لسعة الحجية لها بمقتضى الإطلاق.

الثالث:

الثالث: أن ما سبق في تحديد الرجوع - الذي جعله المعيار في المقام - غير ظاهر، فإن ما اشتمل على عنوان الرجوع - كقوله (ع):

«وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا» لو سلم كونه من أدلة المسألة - ظاهر في إرادة الرجوع بمعنى الاعتماد على الفتوى في مقام العمل، لا تعلم المسائل بالنحو المتقدم في كلامه.

مع أنه ظاهر في كون الرجوع أمراً انحلالياً بحسب الوقائع، فلكل واقعة رجوع مستقل، فلو فرض اعتبار الحياة في المرجع امتنع البقاء على تقليد الميت.

نعم، قد يطلق الرجوع في عرف المتشرعة على الالتزام والبناء على متابعة المفتي - كما قد يطلق التقليد على ذلك، كما سبق - فيكون الرجوع في جميع المسائل والوقائع واحداً مستمراً بتعاقبها.

لكنه - مع عدم ظهور الأدلة فيه - لا يتوقف على تعلم المسائل ابتداء

أو بعد نسيانها.

وأما آية الذكر المتضمنة عنوان السؤال فهي - مع عدم كونها من أدلة المسألة، كما سبق، ويظهر من بعض مقرري درسه الاعتراف بذلك - لا تقتضي ما ذكره، لأن الأمر بالسؤال لما كان طريقياً لأجل العمل كان مختصاً بصورة الابتلاء بالمسألة والاحتياج لمعرفة حكمها، ولا تكليف قبله بالسؤال.

والاجتزاء حين العمل بتعلم الفتوى قبل ذلك إنما هو للاستغناء به عن السؤال حين الابتلاء، لا لأجل وجوب السؤال قبله. ولذا يستغنى بالتعلم لا لأجل العمل، وبالعلم صدفة ولو مع عدم أهلية المفتي حينه، مع أنه لم يكتف به في صدق الرجوع المصحح للبقاء.

ولازم ذلك التفصيل فالمسائل التي ابتلي بها وسأل عن حكمها لأجل العمل يجب البقاء فيها دون غيرها مما سأل عنه لتوقع الابتلاء به، أو لم يسأل عنه بل علمه صدفة وبنى بعد تقليده على العمل

به لو ابتلي به، لكن الأول داخل في إطلاق جواز البقاء في كلامه، والثاني وإن خرج عنه إلا أنه يبعد بناؤه على عدم جواز البقاء فيه.

وأما آية النفر فهي تقتضي حجية الفتوى والإنذار من الفقيه من دون تعرض للرجوع أو لتعلم المسائل أو غيرهما، فلو فرض كون صدق عنوان إنذار الفقيه كافياً في الحكم بالحجية ولو بالإضافة للوقائع اللاحقة لزم حجية فتوى الفقيه في حق من كانت فتواه حجة عليه حين حياته، بحيث كان يجب الحذر بإنذاره وإن لم يرجع إليه ولا تعلم فتاواه.

نعم، لابد من تخصيص ذلك بالمسائل التي ابتلي بها، لأن وجوب

الحذر طريقي كوجوب السؤال، فلا يكون فعلياً مع عدم الابتلاء بالمسألة، كما تقدم في آية الذكر.

الرابع

الرابع: أن التفصيل بالوجه المذكور مما يعلم بعدم مطابقته لسيرة المتشرعة، لما هو المعلوم من أنه لو كان بناؤهم على البقاء على تقليد الميت فلا يقدح فيه نسيان فتواه، بل للناسي أن يسأل من أهل بيته أو غيرهم ممن يتذكرها، لما هو الظاهر من مخالفة التفصيل المذكور للمرتكزات وخلوه عن الدليل الخاص المنبه له والموجب لجري المتشرعة عليه. وعليه إذا كان مقتضى الإطلاقات جواز البقاء في المسائل التي يتذكرها المكلف أمكن التعدي لغيرها بالملازمة التي هي مقتضى السيرة المشار إليها. ومن هنا لا مجال للتفصيل المذكور، ويتعين ما ذكرنا من عموم جواز البقاء على تقليد الميت.

تنبيهان..
الأول: وجوب تقليد الميت الأعلم بناء على جوازه

الأول: لا إشكال بناء على جواز البقاء على تقليد الميت في وجوبه مع أعلميته، بناء على ما يأتي من مرجحية الأعلمية.

كما لا إشكال في وجوب العدول منه للحي مع أعلميته، لصيرورته أعلم أو تمامية بقية شرائط التقليد فيه بعد موت الأول، لأن ما دل على وجوب تقليد الأعلم صالح للحكومة على استصحاب حجية فتوى الميت لو كان جارياً في نفسه.

وأما مع التساوي بينهما فحيث يأتي قصور إطلاقات الحجية عن

شمول المجتهدين المتساويين وأن الأصل يقتضي تساقطهما ما لم يثبت التخيير بإجماع أو نحوه، وأنه بناء على التخيير فهو ابتدائي ولا يجوز العدول من أحد المتساويين للآخر، يدور الأمر بين وجوب البقاء على تقليد الميت، لمشروعيته ذاتاً وعدم جواز العدول عن أحد المتساويين للآخر، ووجوب العدول للحي، لعدم جواز تقليد الميت مع التساوي لخروجه عن المتيقن من جواز التخيير، فإن قلنا بجريان استصحاب الحجية تعين البقاء على تقليد الميت، وإن قلنا بعدم جريانه تعين البناء على التساقط ووجوب الأخذ بأحوط القولين. إلا أن يقوم الإجماع على عدم تكليف العامي بالاحتياط، فيتعين التخيير بين البقاء والعدول، لعدم المتيقن في البين.

وكذا الحال لو علم إجمالاً بأعلمية أحدهما. فلاحظ.

الثاني: تقليد الميت في مسألة البقاء

الثاني: إذا قلّد مجتهداً يجوّز البقاء على تقليد الميت فمات ذلك المجتهد فقد صرح في العروة الوثقى بعدم جواز الاعتماد عليه في البقاء على تقليده، بل لابد من الرجوع للحي في ذلك، وأمضاه جماعة من شراحها ومحشيها.

وكأنه لعدم يقين العامي بحجية رأي الميت، فلا مجال للرجوع إليه، بل لابد من الرجوع للحي المتيقن الحجية في ذلك، للزوم انتهاء الحجة للعلم.

لكن هذا قد يتم مع أعلمية الحي من الميت، حيث يعلم بحجية فتواه دون فتوى الميت، بناء على مرجحية الأعلمية.

أما مع أعلمية الميت فلا وجه له، لعدم يقين العامي أيضاً بحجية فتوى الحي، لاحتمال وجوب البقاء على تقليد الميت لكونه أعلم مع عدم

مانعية الموت.

وأما ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) عند مذاكرته في المسألة وحكي عن سيدنا الأعظم (قدس سره) من السيرة على سؤال الحي في ذلك.

فهو - لو تم - ناشيء عن الغفلة عن رأي الميت والجهل به، لما هو المعلوم من غلبة عدم اطلاع العوام على آراء الأموات قبل تحرير الفتاوى في الرسائل العملية، خصوصاً مسائل الاجتهاد والتقليد، أما بعد تحريرها في العصور المتأخرة فرجوعهم للحي لشيوع الفتوى بعدم التعويل على رأي الميت في ذلك.

وليس ذلك ناشئاً من ارتكاز مانعية الموت من التعويل على الفتوى المذكورة، لما سبق من عدم دخل الحياة بحسب المرتكزات العقلائية الأولية وعموم مرجحية الأعلمية، فيحتاج الخروج عن ذلك لأدلةٍ تعبدية شرعية لا يدركها العامي بنفسها.

ودعوى: امتناع حجية رأي الميت في البقاء على تقليده، لأنه دوري، لرجوعه إلى توقف حجية رأيه على حجيتها.

ممنوعة، لتعدد الموضوع، فإن حجيته في مسألة البقاء غير حجيته في المسائل الفرعية العملية الأخرى، فلا مانع من ابتناء الثانية على الأولى، نظير وجوب التقليد على العامي في مسألة وجوب التقليد، حيث ذكرنا في أول الكلام في جواز التقليد أن جوازه لما كان مقتضى السيرة العقلائية التي هي حجة ما لم يثبت الردع عنها فتعذر وصول الردع عنه للعامي من غير طريق التقليد مستلزم لجواز التقليد في مسألة جواز التقليد في المسائل الفرعية، فإذا قلد فيها تيسر له الاطلاع على الردع أو عدمه عن التقليد في المسائل

المذكورة.

وفي المقام حيث كان مقتضى السيرة لزوم تقليد الأعلم وإن كان ميتاً وعدم صلوح فتوى الحي المفضول لمعارضته، فلا طريق لإحراز الردع عن ذلك أو عدمه إلا بالتقليد في مسألة جواز البقاء على تقليد الميت، فإذا فرض كون الميت أعلم كان هو المتعين للتقليد فيها بمقتضى السيرة التي لا طريق لإحراز الردع عنها ولم تصلح فتوى الحي المفضول لمعارضتها.

فإن أفتى بوجوب العدول للحي كان ذلك صالحاً للردع عن مقتضى السيرة ووجب تقليد الحي في المسائل الفرعية.

إن ثانيها إنما يجب الرجوع للحي في المسائل الفرعية إذا كان يرى عدم جواز البقاء على تقليد الميت الأعلم، وإلّا لزم تقليده في ذلك والرجوع للميت الأعلم في المسائل الفرعية وإن كان الميت هو يفتي بعدم جواز البقاء على تقليده، لسقوط فتواه المذكورة في المرتبة الثانية عن الحجية بسبب صلوحها في المرتبة الأولى للردع عن السيرة.

ثانيها لا وجه لسقوط فتواه المذكورة عن الحجية بعد انحصار طريق الردع عن حجية فتاواه في المسائل الفرعية بها، ولا تكون رادعة عن حجية نفسها، لئلا يلزم من حجيتها عدمها، نظير ما تقدم في التقليد في أصل جواز التقليد، حيث ذكرنا أن فتوى المجتهد بعدم جوازه تمنع من تقليده في المسائل الفرعية.

وحينئذٍ ينحصر التقليد للحي بالمسائل الفرعية التي يكون مقتضى فتوى الميت الأعلم بعدم جواز البقاء حجيتها.

وإن أفتى الميت الأعلم بوجوب البقاء كشف عن إمضاء السيرة وعدم

الردع عنها، فيجب البقاء على تقليده في المسائل الفرعية أيضاً.

هذا كله إذا اقتصر الميت على الفتوى بوجوب العدول أو بوجوب البقاء. أما لو أضاف إلى ذلك الفتوى بعدم جواز الاعتماد في البقاء أو العدول على فتوى الميت بأحدهما - كما سبق من العروة الوثقى وشراحها ومحشيها - وجب على العامي - بمقتضى السيرة التي لا طريق لإثبات الردع عنها في هذه المسألة - تقليده في الفتوى المذكورة، فيحرز بها الردع عن تقليده في وجوب العدول أو وجوب البقاء - وإن كان هو مقتضى السيرة، كما سبق - ويتعين تقليد الحي المفضول فيها، فإن أفتى بوجوب البقاء وجب البقاء على تقليد الميت في المسائل الفرعية وإن كان الميت يرى وجوب العدول عنه، وإن أفتى بوجوب العدول وجب العدول عن تقليد الميت في المسائل الفرعية، وإن كان الميت يرى وجوب البقاء على تقليده.

المسألة الرابعة: ما يشترط في استنباط الأحكام

المسألة الرابعة: حيث تقدم أن جواز التقليد يبتني على ما ارتكز عند العقلاء من الرجوع لأهل الخبرة في الحدسيات فلابد في جواز تقليد المجتهد من سلوكه الطرق العقلائية المتعارفة، أما لو سلك غيرها، كالرمل والجفر والرياضات التي قد توجب انكشاف الواقع لصاحبها ونحوها مما قد يوجب العلم وإن لم يعتمد عليه العقلاء بما هم عقلاء ولا دلت الأدلة على حجيته، فهو وإن كان عالماً بنظره، فيجب عليه العمل بقطعه، إلا أنه لا يجوز تقليده، لعدم كونه من أهل الخبرة بنظر العقلاء.

وهذا هو العمدة في المقام، لا ما ذكره بعض مشايخنا من لزوم الرجوع إلى من استنبط الأحكام من الطرق المقررة شرعاً، لاختصاص أدلة التقليد الشرعية بأهل الذكر والناظر في الحلال والحرام ونحوهما مما

يختص بذلك.

إذ فيه - مع عدم انضباط الأدلة المقررة شرعاً، للاختلاف فيها - أن المراد بأهل الذكر والناظر في الحلال والحرام إن كان هو الباحث عن الأحكام الشرعية المحصل لها واقعاً فلا طريق لإحراز انطباقه على المجتهد مع احتمال خطئه، وإن كان هو المحصل لها بنظره شمل من قطع بها من الطرق غير المتعارفة، وإن كان هو المحصل لها بعد النظر في الكتاب المجيد والأحاديث الشريفة - كما قد يناسبه آية الذكر، وما تضمن الرجوع للرواة - قصر عمن أخذها من الإجماع والسيرة والمستقلات العقلية ونحوها.

فينحصر الوجه بما أشرنا إليه غير مرة من ورود أدلة التقليد الشرعية مورد الإمضاء للقضية الارتكازية المزبورة، فيكون المعيار عليها لا على خصوص العناوين المذكورة في تلك الأدلة، وهي تقتضي ما ذكرنا.

ومنه يظهر عدم جواز تقليد من خرج في قطعه أو استظهاره أو نحوهما عن المتعارف، لاعوجاج السليقة أو نحوه.

المسألة الخامسة: التقليد في موراد الطرق والأصول

المسألة الخامسة: حيث كان هم المكلّف الخروج من تبعة التكاليف الشرعية والأمان من العقاب فلا فرق في حقه بين معرفة الحكم الشرعي الواقعي ومعرفة مؤدى الحجة أو الأصل الشرعي أو العقلي.

ومن هنا كان مبنى سؤال العامي وجواب المجتهد على ما يعم الأمور المذكورة، ولا يختص ببيان الحكم الواقعي الذي يدركه المجتهد من الأدلة القطعية، كما تقدم التعرض له في آخر أحكام الاجتهاد، كما تقدم في التنبيه الثاني من تنبيهات فصل صورة عدم الترجيح بين الخبرين المتعارضين أن مبنى فتوى المجتهد بمؤديات الطرق على عموم أدلة حجيتها للعامي، وأن

عجز العامي عن تشخيص مؤدياتها بنفسه لا يمنع من حجيتها في حقه بعد تيسر رجوعه للمجتهد في ذلك.

نعم، قد تشكل الفتوى بمضمون الأصل الشرعي بأن كبرى الأصل وإن كانت مجعولة بنحو تشمل العامي كسائر الكبريات الشرعية، إلا أن فعلية مضمونها في حق العامي موقوف على فعلية موضوعاتها - كالشك ونحوه - في حقه، فمع غفلة العامي عنها لا وجه لفتوى المجتهد له بها.

وأشكل من ذلك الفتوى بمضمون الأصل العقلي، حيث يزيد عليه بأن كبراه علمية وجدانية لا تكون فعلية في حق المكلف ما لم يقطع بها، وليست واقعية يدرك المجتهد ثبوتها في حق العامي ليصح منه الفتوى له بمضمونها مع غفلته عنها.

ومن ثم قد يدعى أن وظيفة المجتهد تنبيه العامي إلى موضوع الأصل الشرعي ثم بيان كبراه التي حصلها بنظره، ويكون استنتاج الحكم في المسألة الفرعية وظيفة للعامي. أما في الأصل العقلي فليس له إلا التنبيه لموضوعه مع إيكال كبراه للعامي نفسه، فيرجع إلى ما يحكم به عقله ولو كان على خلاف ما ذهب إليه المجتهد.

لكنه مخالف لطريقة الفقهاء في مقام الفتوى، حيث جروا على بيان الوظيفة الفعلية في المسألة الفرعية في موارد الأصول الشرعية والعقلية، كما جروا عليه في موارد الأدلة الاجتهادية المفيدة للقطع أو الظن بالحكم الواقعي.

فلعل الأولى أن يقال: إن موضوع الأصل إن كان هو الشك فهو فعلي في حق العامي الملتفت لحكم للمسألة الفرعية الفاحص عن حكمها. ولا

ضرر في إطلاق المجتهد الفتوى بها بنحو يشمل الغافل عنها، لعدم ترتب العمل عليه إلا في حق الملتفت المعتمد على الفتوى.

وإن كان هو عدم الدليل - كما هو الظاهر الذي يقتضيه التأمل في أدلة الأصول - فهو من الأمور الواقعية التي يدركها المجتهد في حقه وحق العامي، كما أنه سبق في الاستصحاب أن المراد باليقين بالحدوث المأخوذ في موضوعه ما يعم قيام الحجة عليه، وهو حاصل في حق العامي بسبب رجوعه للمجتهد في حدوث الحكم، كما أشرنا إليه في الأمر الثاني من تمهيد الكلام في الاستصحاب.

بل لا يبعد ثبوته بمجرد قيام الدليل الشرعي عليه الذي يعثر عليه المجتهد ويدرك عمومه للعامي وإن لم يرجع العامي إليه أو غفل عن فتوى المجتهد على طبقه. وحينئذٍ يصح للمجتهد الفتوى بما يناسب كبرى الأصل الشرعي المذكور.

وأما الأصل العقلي فالظاهر أن كبراه واقعية، ولذا يقع الاختلاف والتخطئة فيها بين المجتهدين. كما أنه يغلب عجز العامي عنها وإن كانت وجدانية، لأنها مورد للشبه والنقض بالطرد والعكس التي يعجز العامي عن دفعها، فلابد من رجوعه للمجتهد فيها.

نعم، لو قدر على تشخيصها وخالف المجتهد فيها امتنع عليه الرجوع لفتواه في المسألة الفرعية المبتنية عليها، كما هو الحال في سائر موارد مخالفته للمجتهد في بعض مقدمات الاستنباط، على ما تقدم التنبيه عليه في آخر الكلام في تجزي الاجتهاد. فراجع.

وأما دعوى: أن تمامية موضوع الأصل في حق المجتهد، لعدم عثوره

على الدليل في المسألة لا يستلزم تماميته في حق العامي بعد إمكان رجوعه لمجتهد آخر يرى وجود الدليل الرافع لموضوع الأصل.

فهي مدفوعة بأن اختلاف المجتهدين في تحقق موضوع الأصل لا يمنع من عموم ما وصل إليه كل منهم بنظره لنفسه وغيره، فمن يرى تحقق موضوع الأصل في حقه يراه في حق العامي الذي قد يرجع للمجتهد الآخر، بل في حق ذلك المجتهد أيضاً، لخطئه بنظره في دعوى وجود الدليل الرافع لموضوع الأصل، فله إطلاق الفتوى المطابقة لمضمون الأصل.

وأما العامي فلا مجال له للرجوع للمجتهد الذي يرى وجود الدليل إلا إذا كان أعلم، أما لو كان مفضولاً فتصلح فتوى الأفضل لإثبات خطئه في حق العامي بمقتضى ما دل على ترجيح الأعلمية، فيكون فاقدً للدليل، ويتم في حقه موضوع الأصل.

وأما مع التساوي بينهما فليس رجوعه للثاني بأولى من رجوعه للأول، بل لابد إما من تساقطهما أو التخيير بينهما الراجع إلى جواز رجوعه للأول وتصديقه في عدم الدليل، فلا يكون الدليل الذي اعتقده الثاني ولا اعتقاده منجزاً في حق العامي، ليرتفع موضوع الأصل في حقه.

ومثلها دعوى: قصور أدلة التقليد الشرعية عن شمول التقليد في مورد الأصول العقلية، لقصور العناوين المأخوذة فيها عنه، كعنوان العالم والفقيه وأهل الذكر والراوي والناظر في الحلال والحرام ونحوها، بل هي مختصة أو منصرفة لخصوص التقليد في الأحكام الشرعية الواقعية أو الظاهرية الراجعة إلى الأحكام الطريقية بالحجية أو بمفاد الأصل العملي.

لاندفاعها: بما سبق من أن قصور أدلة التقليد الشرعية غير مهم بعد

عموم القضية الارتكازية العقلائية، وهي قضية رجوع الجاهل للعالم، فيكفي علمه بالوظيفة العقلية في الرجوع إليه بعد ما سبق من أن هم المكلف الخروج من تبعة التكليف والأمان من العقاب.

هذا، وقد يمنع من تقليد من يرى لزوم العمل بمطلق الظن، لتمامية مقدمات الانسداد بنظره، لدعوى اختصاص بعض مقدماته - وهو عدم جواز تقليد القائل بالانفتاح وعدم وجوب الاحتياط للزوم اختلال النظام أو العسر والحرج - بالمجتهد، دون العامي لإمكان تقليده القائل بالانفتاح، وعدم لزوم اختلال النظام - البديهي البطلان في الأحكام الشرعية - من احتياطه بنفسه، كي يقطع بعدم وجوبه، لأن الاختلال إنما يلزم من عمل الكل بالاحتياط، لا من احتياط شخص أو أشخاص معدودين، كما لا طريق له لإثبات عدم وجوبه من جهة الحرج، لأن قاعدة نفي الحرج ليست بديهية يدركها العامي، بل نظرية محتاجة لمؤنة استدلال لا يقوى عليه بنفسه.

ويزيد الإشكال لو كان يرى العمل بالظن من باب الحكومة الراجعة لحكم العقل بحجية الظن، أو بتبعيض الاحتياط على طبقه لأنه لا يكون عارفاً بالأحكام الشرعية الواقعية ولا الظاهرية، فتقصر عنه أدلة التقليد الشرعية.

لكن يظهر اندفاع ذلك مما تقدم في التقليد في موارد الأصول، لوضوح أن المجتهد الانسدادي يرى خطأ القائل بالانفتاح، وعموم الانسداد في حق جميع المكلفين، فيجب الرجوع إليه مع أعلميته، كما يجوز الرجوع له مع مساواته للقائل بالانفتاح - بناء على التخيير مع تساوي المجتهدين - فلا يصلح قول من يرى الانفتاح للتنجيز في حق العامي، ليمنع من تمامية

مقدمات الانسداد. كما أن المجتهد حيث يرى انسداد باب العلم في حق الجميع، وكان تشريع الاحتياط في حقهم مستلزماً لاختلال النظام، فهو يستكشف عدم تشريعه في حق الجميع أيضاً، ولا يمنع من ذلك انفتاح باب العلم للآخرين بنظرهم أو نظر مقلديهم مع فرض خطئهم في ذلك بنظره.

وعجز العامي عن إثبات قاعدة نفي الحرج بنفسه لا يقدح بعد ثبوتها في حقه بنظر المجتهد الذي يجب أو يجوز له الرجوع إليه.

وبالجملة: مقدمات الانسداد تامة في حق العامي بنظر المجتهد الذي يرجع إليه، فله الفتوى له بمقتضاها في المسائل الفرعية، وللعامي العمل بقوله حتى بناء على الحكومة، لأنه وإن خرج حينئذ عن موضوع أدلة التقليد الشرعية، إلا أنه داخل في كبراه العقلائية الارتكازية التي عرفت كفايتها في المقام بعد كون هم المكلف الخلاص من تبعة التكليف والأمان من العقاب، لا خصوص معرفة الحكم الشرعي.

نعم، قد يشكل ذلك بأن مقدمات الانسداد وإن تمت في حق العامي، إلا أن نتيجتها لما كانت هي عمل المكلف بظنه فلا يصح للعامي الاعتماد على ظن المجتهد بالأحكام الفرعية، بل غاية الأمر اعتماده على ظنه الحاصل له، ومع تعذر تحصيل الظن عليه يتعين عليه تقليد القائل بالانفتاح وإن كان مفضولاً، لجواز تقليد المفضول مع تعذر تقليد الأفضل.

إلا أنه يندفع أيضاً بأن جواز تقليد المفضول إنما يصح مع تعذر الاطلاع على رأي الأفضل، أما مع الاطلاع على رأيه وعلى تخطئته للمفضول في مقدمات الاستنباط فلا مجال للرجوع له.

بل بعد فرض عدم وجوب الاحتياط على العامي يتجه وجوب

تحصيل الظن عليه بالأحكام بالنظر في طرقها كالمجتهد، لولا لزوم العسر والحرج النوعي واختلال النظام منه، لاحتياجه إلى مؤنة شديدة كالتكليف بالاجتهاد عيناً على تقدير الانفتاح، لوضوح أن اللازم على تقدير الانسداد الاجتهاد في تحصيل الظن باستفراغ الوسع في مقدماته، لا الاكتفاء بما يحصل منه بلا كلفة.

ومن هنا يتعين عدم وجوب ذلك على العامي، بل يكتفي بأقرب الطرق، وهو ظن المجتهد الأعلم.

وعليه تكون نتيجة مقدمات الانسداد عمل المجتهد بظنه رأساً، وعمل العامي به بضميمة امتناع تكليفه بتحصيل الظن بنفسه. وهو معنى تقليده.

نعم، لو فرض حصول الظن للعامي بعد استفراغ الوسع على خلاف ظن المجتهد لم يبعد لزوم العمل عليه بظنه بضميمة تقليده للمجتهد في تمامية مقدمات الانسداد في حقه.

نظير ما سبق في آخر الكلام في التجزي من أن المكلف لو حصل بعض مقدمات الاستنباط بنفسه كان له الاستقلال فيها وضمها لبقية المقدمات التي يرجع فيها للمجتهد لعجزه عن تشخيصها، فيعمل في المسألة الفرعية على ما يستنتج من المجموع، وإن كان على خلاف ما يؤدي إليه نظر المجتهد في المسألة الفرعية، لاختلافهما في بعض المقدمات. فراجع.

غاية الأمر أن عموم الأسباب الموجبة للظن وخصوصها في حقه تابعان لنتيجة دليل الانسداد، فإن قلنا بعمومها من حيثية الأسباب كان كالمجتهد له الاتكال على الأسباب غير المتعارفة التي يكثر حصول الظن له منها، وإن قلنا باختصاصها بالأسباب المتعارفة كان عليه الاقتصار عليها

كالمجتهد. والأمر في ذلك موكول لمباحث الانسداد.

المسألة السادسة: إذا تعدد المجتهدون
اشارة

المسألة السادسة: إذا تعدد المجتهدون..

فتارة: يتَّفقون في الفتوى.

وأخرى: يختلفون فيها.

وثالثة: يجهل الحال.

وحيث كانت الصورة الثالثة متفرعة على الصورتين الأوليين، لتفرع مقام الإثبات على مقام الثبوت، كما كان الكلام فيهما من مباني الكلام فيها، كان المناسب البحث فيها في تنبيه يعقد بعد الفراغ عن الكلام فيهما.

فالمهم فعلاً الكلام في الصورتين الأوليين.

ولا ينبغي الكلام في جواز تقليد كل من المجتهدين في الصورة الأولى، بمعنى قصد الاعتماد عليه ومتابعته، كما يجوز تقليد جميعهم، من دون فرقٍ بين اختلافهم في الفضيلة وتساويهم، بل يجوز

موافقتهم احتياطاً من دون تقليد، لأن مقتضى إطلاق أدلة التقليد من الآيات والروايات وسيرة العقلاء حجية الكل، ولا يجب عقلاً إلا موافقة الحجة في الخروج عن تبعة العقاب.

وأما إطلاق قولهم: لا يجوز تقليد المفضول فليس هو معقداً لإجماع واجب العمل، والمتيقن من الترجيح بالأفضلية - على تقدير البناء عليه - صورة الاختلاف، لصلوح رأي الأفضل لتخطئة المفضول، على ما يأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.

فالعمدة الكلام في الصورة الثانية، لشيوع الابتلاء بها وظهور

الكلام في التخيير مع الاختلاف

الخلاف فيها. ومن الظاهر أنه لا مجال لتخيل كون تقليد كل منهم مقتضى الإطلاقات، لما سبق في مباحث التعارض من قصور إطلاقات الحجية عن شمول المتعارضين، وأنها لا تقتضي حجية أحدهما تعييناً ولا تخييراً.

فلابد في إثبات جواز تقليد أحد المجتهدين في المقام تعييناً أو تخييراً من دليلٍ خاصٍ مخرج عن ذلك.

والكلام يقع..

تارة: في صورة تساوي المجتهدين في الفضيلة.

وأخرى: في صورة اختلافهم فيها.

المقام الأول: في صورة التساوي في الفضيلة.

والمعروف بين الأصحاب التخيير بينهم فيها، ولا يظهر الإشكال فيه بينهم، بل مقتضى ما يأتي في صورة التفاضل المفروغية عنه.

وهو مبتن على ما أشرنا إليه غير مرة وادعاه شيخنا الأعظم (قدس سره) وغيره من الإجماع على جواز التقليد مطلقاً للعامي وعدم تكليفه بالاحتياط. وبه يخرج عن أصالة التساقط في المتعارضين بعد قصور الإطلاقات عن شمولهما - كما عرفت - وعدم نهوض سيرة العقلاء - التي هي عمدة أدلة المسألة - بالتخيير، بل بناؤهم في سائر موارد الرجوع إلى أهل الخبرة على التوقف والتساقط مع الاختلاف.

نعم، ناقش بعض مشايخنا في الإجماع بعدم كونه إجماعاً تعبديا، ليكشف عن رأي المعصومين (ع).

وقد يؤيده ظهور بعض كلماتهم في عدم الاعتماد عليه، بل على

بعض الوجوه الاجتهادية التي لا تعويل عليها.

وكذا ظهور بعض النصوص في الرجوع للإمام (ع) لمعرفة الحكم عند اختلاف الأصحاب فيه، حيث يدل على عدم وضوح البناء في الصدر الأول على التخيير.

وهو وإن اختص بصورة تيسر الاطلاع على الحق بالرجوع له (ع) إلا أنه يمنع من الوثوق بالإجماع المدعى، بنحو لا يستكشف منه وضوح التخيير في صورة عدم تيسر الرجوع له التي لم يعلم مقدار الابتلاء بها في عصورهم (ع) ولا طريق لمعرفة حكمهم (ع) فيها، ولا سيما مع مخالفة التخيير للسيرة الارتكازية. ومن ثم جزم (دامت بركاته) بوجوب الأخذ بأحوط القولين حينئذ، لأنه مقتضى الأصل الذي ادعاه هو وغيره في صورة التساقط.

لكن الظاهر اختصاصه بما إذا كان أحوط القولين موافقاً للأصل الشرعي أو العقلي الجاري في المسألة، كما في مورد استصحاب التكليف وموارد الشك في المحصل وتعيين المكلف به ونحوها، لحجية الأصول المذكورة في حق العامي بعد فرض سقوط الفتوى المخرجة عنه بالمعارضة، أما لو كان القول الآخر هو الموافق للأصل - كما في موارد الاستصحاب النافي للتكليف والشك في أصل التكليف والنجاسة - جاز موافقته عملا بالأصل المذكور بعد فرض سقوط أحوط القولين بالمعارضة.

وليس المانع من رجوع العامي للأصل المذكور بنحو يستغني به عن التقليد والنظر في أقوال المجتهدين إلا تنجز احتمال التكليف في مورده بالعلم الإجمالي الكبير بوجود تكاليف شرعية مسبب عن العلم بوجود

الشريعة، وبما دل على وجوب تعلم الأحكام، بنحو يمنع من الرجوع قبل الفحص عن الرجوع للأصول الترخيصية.

والظاهر انحلال العلم الإجمالي الكبير بموارد الأصول الإلزامية في مورد الاختلاف، وموارد اتفاق المجتهدين على ثبوت التكليف، لوفائها بالمقدار المعلوم بالإجمال، فلا يصلح العلم المذكور للتنجيز في غيرها.

كما أن ما دل على وجوب تعلم الأحكام إنما ينجز احتمال التكليف قبل الفحص والسؤال، أما بعد الفحص عن التكليف وعدم العثور على حجة عليه، لفرض سقوط الفتوى به بالمعارضة، فلا يصلح للمنجزية، نظير المجتهد، حيث يجوز له الرجوع للأصول الترخيصية بعد الفحص عن الأدلة وظهور تعارضها في حقه، وان لم يجز له الرجوع قبل الفحص.

وبالجملة: لا مجال لإطلاق الفتوى بوجوب الاحتياط على العامي في فرض تساقط فتاوى المجتهدين في حقه، بل يتعين التفصيل له بين الموارد على حسب ما ذكرناه.

نعم، لو عجز عن تشخيص الموارد المذكورة وتعذر عليه التمييز بينها، فحيث كان ذلك ناشئاً من جهله بالحكم الظاهري للشبهة الحكمية لا الموضوعية لزمه الرجوع للمجتهدين في تعيينه، وبدونه يلزمه الاحتياط بمتابعة أحوط القولين.

والانصاف أن التمييز بين الموردين يعسر على العامي غالباً، بل يتعذر خصوصاً مع اختلاف المجتهدين في تحديد كبريات الأصول.

كما أن الاحتياط عسر عليه غالباً، فإن تعلم مسائل الخلاف وكيفية الاحتياط والترجيح بين جهاته عند التزاحم مما لا يتهيأ لعامة الناس، ولا

سيما مع كثرة المجتهدين.

وخصوصاً مع أن البناء على التساقط مع التساوي للأصل يقتضي البناء عليه مع احتماله، لعدم إحراز المرجح، كما يقتضي البناء عليه مع العلم بالتفاضل وعدم تعيين الأفضل، ومع ما يأتي إن شاء الله تعالى من اختصاص مورد السيرة على ترجيح، الأعلم بما إذا كان التفاضل بوجه معتد به. فإن ملاحظة جميع ذلك توضح كثرة موارد الاحتياط ولزوم الحرج منه.

وحينئذٍ يكون مقتضى قاعدة نفي الحرج عدم لزومه واكتفاء الشارع بالموافقة الاحتمالية، بناء على ما سبق في تنبيهات البراءة من إمكان اكتفائه بها.

ولازم ذلك متابعة أحد المجتهدين تخييراً لتحقق مقتضى الحجية فيه، ولأنه المتيقن من صور الموافقة الاحتمالية.

بل الالتفات لجميع ما ذكرنا ولكثرة اختلاف العلماء بالوجه المذكور في جميع العصور وغلبة عدم سهولة تشخيص الأعلم يوجب الاطمئنان بعدم تشريع التقليد بالوجه المقتضي للتساقط غالباً، ويكشف عن تسامح الشارع في ذلك باكتفائه في جواز التقليد بالعلم والاقتصار في لزوم الترجيح بالأعلمية على صورة وجودها وتيسر تشخيص الأعلم، كما هو مفاد الإجماع المدعى.

وبعبارة أخرى: الالتفات للاختلاف بين المجتهدين في العصور السابقة وإن كان نادرا، لعدم تحرير الفتاوى، ولذا منعنا من السيرة على التخيير، إلا أنه لما كان كثيراً في نفسه، خصوصاً في عصور الأئمة (ع) بسبب الابتلاء بما يوجب خفاء الواقع، فلو كان مبنى تشريع التقليد على

التساقط بالتعارض لزم عدم وفاء تشريع التقليد واقعاً بمقدار الحاجة في مقام العمل، وإن تخيل وفاؤه به بسبب الغفلة عن الاختلاف.

فالإنصاف أن الإجماع في المقام بعد الالتفات إلى لزوم الحرج نوعاً من مخالفته بل الهرج والمرج يشرف بالمتأمل على القطع بالتخيير، وأن التضييق بإيجاب الاحتياط بعيد عن سليقة الشارع الأقدس.

وإن كان ينبغي الاقتصار على لزوم الحرج الفعلي بالوجه المعتد به، لأنه المتيقن. والله سبحانه ولي التوفيق.

المقام الثاني: في صورة التفاضل ووجوب تقليد الأعلم

المقام الثاني: في صورة التفاضل، ولا ريب في جواز الرجوع للأعلم، وإنما الإشكال في تعيينه أو التخيير بينه وبين المفضول.

فقد صرّح غير واحدٍ من الأعاظم بلزوم الرجوع للأعلم، وفي التقريرات أنه المعروف بين أصحابنا، وعن النهاية أنه قول من وصل إلينا كلامه من الأصوليين، وفي المعالم: أن تعيين الأرجح في العلم والعدالة هو قول من وصل إلينا كلامهم من الأصحاب، وعن المحقق الثاني دعوى الإجماع عليه، وقد يستظهر من كلام البهائي، وعن ظاهر السيد في الذريعة أنه من مسلمات الشيعة.

ومع ذلك فقد ذكر السيد في الذريعة أن بعضهم ذهب إلى التخيير، ولعل مراده بهم بعض العامة. وفي التقريرات أنه حدث لجماعة ممن تأخر عن الشهيد الثاني قول بالتخيير بين الأعلم وغيره،

ثم قال:

«وصار إليه جملة من متأخري أصحابنا حتى صار في هذا الزمان قولاً معتداً به»، وهو الذي أصر عليه في كتاب القضاء من الجواهر، وجعله في الفصول أوضح، واختاره بعض المحققين.

هذا، وحيث سبق قصور إطلاقات الحجية عن شمول المتعارضين معاً، وكان الحمل على التخيير مع التساوي لأجل الإجماع ونحوه، فلا يبعد حملها مع التفاضل على حجية خصوص الأعلم، بقرينة ورودها مورد الإمضاء لسيرة العقلاء والمفروغية عنها، وحيث لا إشكال عندهم في تعيين الأعلم عند الاختلاف، لصلوح قوله للقرينية على خطأ المفضول وخروجه عن موضوع الحجية، لزم تنزيل الإطلاقات عليه.

ولو غض النظر عن ذلك أمكن الرجوع إليه بمقتضى السيرة العقلائية التي لم يثبت الردع عنها، وإن سلم عدم صلوح الإطلاقات لإمضائها في ذلك، لقصورها عن المتعارضين.

وأما دعوى: استفادة إمضائها من الإجماع على حجية قوله، لعدم الإشكال بينهم في ذلك، وإنما الإشكال في أن حجيته تعيينية أو تخييرية.

فيشكل: بأن صلوح الإجماع للكشف عن إمضاء السيرة موقوف على مطابقته لها في إثبات الحجية التعيينية التي هي محل الكلام. بل يتعين التشبث بكفاية عدم الردع، كما سبق.

اللهم إلا أن يدعى الإجماع على الحجية التعيينية، لدعوى انعقاده إلى عصر الشهيد الثاني، ولا يعتد بالخلاف بعده. فتأمل.

ومثله دعوى: استفادة إمضاء السيرة المذكورة من صحيح عيص بن القاسم: «سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وانظروا لأنفسكم. فوالله إن الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي، فإذا وجد رجلاً هو أعلم بغنمه من الذي هو فيها يخرجه ويجيء بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها. والله لو كانت لأحدكم نفسان يقاتل

بواحدة يجرب بها ثم كانت الأخرى باقية يعمل على ما قد استبان لها. ولكن له نفس واحدة إذا ذهبت فقد والله ذهبت التوبة. فأنتم أحق أن تختاروا لأنفسكم...» (1).

بتقريب: أن المراد بالأعلم ليس هو الواصل للواقع المصيب له في مقابل المتخرص الذي قد لا يصيبه، ليرجع إلى ترجيح المعصوم على غيره، ويخرج عما نحن فيه، بل هو الأخبر في الاجتهاديات الذي قد يتعرض للخطأ، كما هو الحال في رعاة الغنم، فيدل على إمضاء كبرى ترجيح الأعلم في الاجتهاديات التي يجري عليها العقلاء بمرتكزاتهم كما تضمنه الصحيح في صاحب الغنم.

لاندفاعها بظهور الصحيح في التنبيه للقضية الفطرية من لزوم الاحتياط بالمقدار الممكن لكل ما من شأن الإنسان الاهتمام به والمحافظة عليه، كقوله (ع):

«أخوك دينك فاحفظ لدينك بما شئت»(2)ولا نظر له لتحديد الحجج الظاهرية في مقام التعذير والتنجيز مع احتمال الخطأ، ولاسيما بملاحظة قوله (ع):

«لو كانت لأحدكم نفسان...» فاختيار الراعي الأعلم، لأنه الأحوط في مقام حفظها، لا لترجيح قوله أو رأيه على قول غيره أو رأيه، بحيث يكون حجة تعيينية مخرجة عن مقتضى الأصل أو العموم وإن احتمل الخطأ في حقه، لينفع في إمضاء السيرة في المقام.

هذا، وقد يستدل على تعيين الأعلم بأنه مقتضى الأصل، بعد فرض الدوران في حجيته بين التعيين والتخيير، لأصالة عدم حجية فتوى


1) وسائل الشيعة ج: 11 باب: 13 من أبواب جهاد العدو حديث: 1.

2) وسائل الشيعة ج: 12 من أبواب صفات القاضي حديث: 41.

المفضول، فلا يجتزأ بمتابعة قوله في الفراغ عن عهدة التكليف، بل بمتابعة الأفضل للقطع بحجيته.

لكن الأصل وإن اقتضى عدم حجية فتوى المفضول ولو تخييراً إلا أنه لا يقتضي كون حجية فتوى الأفضل تعيينية مع فرض الشك واحتمال كونها تخييرية غير مقتضية وجوب المتابعة.

ولازم ذلك عدم وجوب متابعته مع مطابقة فتوى المفضول للأصل، بل يجوز موافقة المفضول عملاً بالأصل بعد فرض عدم وجوب الخروج عنه بفتوى الأفضل، لاحتمال كون حجيته تخييرية، وقد سبق في المقام الأول عدم المانع من رجوع العامي للأصل الترخيصي في مورد اختلاف المجتهدين بعد الفحص.

وإنما يجب متابعة الأفضل مع مخالفة فتوى المفضول للأصل، لأن عدم إحراز حجيته مانع من الاعتماد عليه في الخروج عن الأصل، كما لا يجوز العمل بالأصل لو كان مخالفاً لهما، للعلم بقيام الحجة على خلافه، بل يتعين موافقة الأفضل، للعلم بحجيته.

نعم، يختص التفصيل المذكور بما إذا تمكن العامي من تمييز موارد الأصول، وتعيين مفادها، وقد سبق ندرة ذلك، وأنه يلزم مع عدمه الاحتياط، الذي يقتضي في المقام متابعة الأفضل.

ثم إنه قد استدل لوجوب ترجيح الأعلم بوجوه أخر لا تخلو عن إشكال..

الأول: الإجماع المتقدمة دعواه صريحاً عن غير واحد.

وجوه الاستدلال لوجوب تقليد الأعلم..
الأول: الإجماع

ويشكل: بعدم وضوح قيام إجماع تعبدي صالح للاستدلال مع عدم

شيوع تحرير المسألة، وقرب استناد مدعيه للسيرة الموجبة لوضوح الحكم عنده بنحو يعتقد استيضاح الكل له.

ولا سيما مع أن عمدة من حكي عنه دعوى الإجماع السيد المرتضى والمحقق الثاني، وفي الجواهر: «لم نتحقق الإجماع على المحقق الثاني. وإجماع المرتضى مبني على مسألة تقليد المفضول في الإمامة العظمى مع وجود الأفضل، وهو غير ما نحن فيه. وظني - والله أعلم - اشتباه كثير من الناس في هذه المسألة بذلك».

الثاني: مقبولة ابن حنظلة

الثاني: ما تضمن ترجيح قضاء الأفضل عند الاختلاف، كمقبولة ابن حنظلة وغيرها، حيث يتعدى به للمقام - كما في التقريرات - إما بالإجماع المركب، إذا لا قائل بالفصل بين تعيين الأعلم للقضاء وتعيينه للتقليد، أو بأن ظاهر المقبولة الترجيح في مورد الاختلاف بينهما في الحكم الشرعي الكلي الذي يرجع فيه للشارع، كما يشهد به بقية المرجحات المذكورة فيها، التي هي من مرجحات الروايات المتعارضة في الأحكام الكلية.

لكن عرفت الإشكال في الاعتماد على الإجماع البسيط فضلاً عن المركب في أمثال المقام.

مع أن عدم الفصل - لو تمّ - إنما هو بين تعيين الأعلم للقضاء بنحو لا يجوز نصب غيره أو الرجوع له وتعيينه للتقليد، ولا تدل المقبولة ولا غيرها على تعيينه للقضاء لو لم تدل على عدمه، والذي هو مدلولها هو ترجيح قضاء الأعلم عند تحكيم شخصين في واقعة واحدة واختلافهما في الحكم، وعدم الفصل بينه وبين تعيين الأعلم للتقليد غير معلوم.

كما أن ظهورها في الترجيح في الحكم الكلي لا يجدي بعد

اختصاصها بالقضاء الذي يمتنع فيه الحكم بالتخيير، ولا وجه للتعدي منه للتقليد ولاسيما أن تعيين الأعلم له لا يخلو من صعوبة.

مضافاً إلى أنها إنما تقتضي ترجيح الأعلم من الحَكَمين، لا الأعلم من جميع الناس، الذي هو المدعى في المقام، كما نبه له بعض مشايخنا.

إلا أن يتمم بعدم الفصل بين عدم جواز تقليد المفضول من الحكمين ولزوم تقليد الأعلم من جميع الناس، وأن إعمال الترجيح بالأعلمية في التقليد في الجملة يستلزم الترجيح بها مطلقاً، فيكون مرجع إلغاء خصوصية القضاء - لو تمت - إلى استفادة إعمال الترجيح بالأعلمية في التقليد في من هو أهل له من إعماله في القضاء في من صدر الحكم منه. فتأمل جيداً.

الثالث: أن فتوى الأعلم أقرب، فيجب اختيارها عند التعارض.

الثالث: أقربية فتواه للواقع
اشارة

وأورد عليه..

تارة: بمنع وجوب الترجيح بالأقربية عند التعارض.

وأخرى: بمنع الأقربية، لا مكان اعتضاد فتوى المفضول بالشهرة أو بفتوى الميت الأعلم أو غيرهما.

وأجاب في التقريرات عن الأول: بأنه ثابت بحكم العقل بعد كون اعتبار التقليد من باب الطريقية، لا من باب التعبد المحض في عرض الواقع.

وعن الثاني: بأن الأعلمية من المرجحات المنضبطة التي يمكن رجوع العامي لها، بخلاف المرجحات المذكورة، فإنها مرجحات خارجية لا مجال لرجوع العامي لها بالإجماع والضرورة، لعدم انضباطها.

وكلاهما كما ترى، للإشكال في الأول: بأن اعتبار الأمارة من باب

الطريقية لا يستلزم كون الأقربية بنظر المكلف أو العقلاء علة تامة يدور الحكم مدارها وجوداً وعدماً، بل كما يمكن أخذ قيود تعبدية، كالحياة، يمكن إهمال ما يقتضي الأقربية بنظرهم من دون أن يستلزم كون اعتبار الأمارة من باب الموضوعية، الراجعة إلى كون مؤداها في قبال الواقع، أو كون حجيتها بنحو الصفتية التي لم ينظر فيها الكشف أصلاً.

وفي الثاني: بأن المدار في عموم الترجيح وخصوصه على حال دليله، ولا يظهر الفرق بين المرجحات الداخلية والخارجية، ولا بين الانضباط وعدمه في حكم العقل المدعى، ولا مسرح معه للإجماع والضرورة الفقهية، إلا أن يكشفا عن بطلان دعوى حكم العقل.

هذا، وقد يستدل ببعض النصوص، إلا أنه لا مجال لا طالة الكلام فيها بعد ضعف سندها، وقصور دلالتها.

ولنكتف بما ذكرناه حولها في مباحث التقليد في الفقه.

وقد تحصذل من جميع ما تقدم: أن عمدة الدليل على تعيين الأعلم سيرة العقلاء الارتكازية التي يكفي عدم ثبوت الردع عنها، بل يمكن استفادة إمضائها من الإطلاقات بعد تنزيلها عليها. على أنه مقتضى الأصل الذي يلزم التعويل عليه غالباً، على ما سبق توضيحه.

هذا، ومما تقدم يظهر الإشكال في الاستدلال على التخيير بين الأعلم وغيره بالإطلاقات، فقد وقع الاستدلال في كلامهم بإطلاقات أدلة التقليد كتاباً وسنةً.

بل قال سيدنا الأعظم (قدس سره) في عرض استدلالهم بها: «بل حمل مثل آيتي النفر والسؤال على صورة تساوي النافرين والمسؤولين في الفضيلة

حمل على فرد نادر».

وجه الإشكال: أن الاستدلال بها موقوف على شمولها لصورة الاختلاف، ليتعين حملها على الحجية التخييرية، كي يكون مقتضى الإطلاق ثبوتها مع التفاضل، خصوصاً مع فرض ندرة التساوي، وقد عرفت عدم نهوضها بإثبات الحجية للمتعارضين، لظهورها في الحجية التعيينية الممتنعة فيهما.

نعم، لو فرض مع ذلك ندرة الاتفاق في الفتوى كان حمل الإطلاقات على خصوص الحجية التعيينية حملاً على الفرد النادر، إذ لا تصح إلا مع الاتفاق في الفتوى المفروض ندرته، ومع إضافة خصوص فتوى الأعلم مع الاختلاف، وهو نادر أيضاً بالإضافة لبقية أفراد العناوين المأخوذة في الأدلة.

فيتعين لأجل ذلك حملها على الحجية التخييرية، لتكون دليلاً على التخيير مع التفاضل أيضاً، ولا سيما بعد فرض ندرة التساوي.

لكن من الظاهر عدم ندرة الاتفاق في الفتوى، بل كثرته، خصوصاً في عصر صدور الآيتين، لمعاصرة العلماء لمصدر التشريع وسهولة مقدمات الاستنباط، وعدم ابتنائه على مقدمات حسية خفية يكثر الاختلاف فيها، فلا مانع من حمل الإطلاقات على الحجية التعيينية، إذ لا محذور في إخراج فتوى غير الأعلم مع مخالفتها لفتوى الأعلم من الإطلاقات رأساً، وكذا فتاوى المتساوين في الفضيلة مع اختلافهم بالبناء فيها على الحجية التخيرية أو التساقط، على ما سبق الكلام فيه.

وما سبق من كثرة الاختلاف بنحو يلزم من التساقط والاحتياط العسر والحرج، بل اختلال النظام، إنما هو بالإضافة إلى العصور المتأخرة التي

تعقد فيها الاجتهاد وشاع تحرير الفتاوى وضبطها. وهو إنما يكشف عن تشريع التقليد بنحو يقتضي التخيير مع عدم المرجح ثبوتاً أو إثباتاً، لا عن حمل الإطلاقات على الحجية التخييرية، لإمكان استفادة التخيير معه لباً للمحذور المذكور أو غيره، لا من الإطلاقات.

ومن هنا كان اللازم في البناء على التخيير بين الأعلم وغيره الاعتماد على أدلة خاصة غير الإطلاقات.

وجوه الاستدلال على التخيير بين الأعلم وغيره
أولها: سيرة المتشرعة

وقد استدل عليه بوجوه..

أولها: سيرة المتشرعة في عصر المعصومين (ع) على الأخذ بفتاوى العلماء المعاصرين لهم، من دون تقيد بالأعلم ولا فحص عنه، مع العلم بتفاضلهم.

وفيه - كما ذكره غير واحد - أن المتيقن من ذلك صورة عدم العلم بالاختلاف في الفتاوى المأخوذة منهم أو الغفلة عنه، ومحل الكلام صورة العلم بالاختلاف، وثبوت السيرة فيها غير معلوم.

بل يظهر من الأخبار المتضمنة للسؤال عن الحكم الذي اختلف فيه الأصحاب البناء على التوقف مع الاختلاف.

وهي وإن اختصت بصورة إمكان استعلام الحكم بالرجوع للإمام (ع)، ولم يتضح ورودها في مورد العلم بالتفاضل، إلا أنها كافية في منع إحراز السيرة المتصلة بعصر المعصومين (ع) على الأخذ بفتوى المفضول مع مخالفتها لفتوى الأفضل.

وأضعف منه الاستدلال بما دل على الرجوع لمعاصري الأئمة (ع) من علماء الشيعة مع كونهم (ع) أعلم منهم.

لوضوح أن الرجوع لهم لم يكن مع العلم بمخالفة فتاواهم لأحكام أئمتهم، بل مبنى الرجوع لهم على أخذ أحكامهم (ع) منهم، فهو في طول الرجوع للأئمة (ع)، ومقتضى كونهم من أهل الخبرة حجية فتاواهم وإحراز أحكام الأئمة (ع) بها، نظير أخذ فتاوى الأعلم من ناقليها.

فهو خارج عما نحن فيه من الرجوع لغير الأعلم في مقابل الأعلم، بل مع إحراز مخالفته له.

ثانيها: إرجاع الأئمة (ع) لبعض أصحابهم

ثانيها: إرجاع الأئمة (ع) لبعض أصحابهم، كأبي بصير ومحمد بن مسلم ويونس بن عبد الرحمن وزكريا بن ادم والعمري وابنه وغيرهم، بدعوى: إن إطلاق الارجاع إليهم يشمل ما لو وجد من هو أعلم منهم.

ويظهر الجواب عنه مما سبق في أدلة التقليد من احتمال الخصوصية للأشخاص المذكورين، وعدم وضوح كون الإرجاع لهم بملاك كبرى التقليد.

على أن الإرجاع لهم لما كان قضية خارجية فلا إطلاق لها، لا مكان كونهم أعلم من يمكن رجوع المخاطبين لهم.

ولو تم الإطلاق له كان كسائر الإطلاقات قاصراً عن شمول صورة الاختلاف في الفتوى، لاستحالة حجية المتعارضين تعييناً، كما سبق. إلا أن يقدم عليها لأنه أخص، فيتعين تقديم الأشخاص المذكورين على غيرهم عند الاختلاف.

ثالثها: ما في الجواهر

ثالثها: ما في الجواهر من أنه لما كان مقتضى إطلاق أدلة القضاء نفوذ قضاء المفضول في الواقعة الشخصية يلزمه حجية رأيه في الحكم الكلي، وأنه من الحق والقسط والعدل وما أنزل الله تعالى، فيجوز الرجوع إليه فيه

تقليداً أيضاً.

ويندفع: بعدم الملازمة بين نفوذ قضاء المفضول وحجية رأيه، لعدم تكفل أدلة النفوذ بالتعبد بأن الكبريات التي يبتني عليها قضاء المجتهد حق في حق العامي.

غاية الأمر أن المجتهد يجب عليه أن يقضي بالحق والقسط والعدل وما أنزل الله تعالى، ولا يراد بذلك تحقق هذه العناوين واقعاً، بل بنظر الحاكم، وحصولها بنظره لا يستلزم حجيته في حق غيره.

ولذا لا إشكال عندهم في نفوذ حكم الحاكم في حق غيره من المجتهدين مع عدم حجية رأيه عليهم.

على أن نفوذ القضاء لو كان مستلزماً للحجية فهو غير مستلزم للحجية التخييرية، بل التعيينية التي يمتنع ثبوتها للمتعارضين معاً، كما تقدم في الإطلاقات.

رابعها: لزوم العسر والحرج مع اقتصار الحجية بالأعلم

رابعها: لزوم العسر والحرج من الاقتصار على تقليد الأعلم، لصعوبة تشخيصه وصعوبة رجوع جميع المسلمين له مع اختلاف أماكنهم وتباعد أوطانهم، فلا يتيسر لهم استفتاؤه ولا يتيسر له إفتاء جميعهم.

وكأن المراد بالحرج في المقام الحرج النوعي، حيث يظهر من جملة من النصوص أن الأحكام الشرعية ليست بنحو يلزم منها الحرج نوعاً، ومن هنا يمكن تمامية الاستدلال في حق من لا يلزم الحرج من رجوعه للأعلم.

وفيه: أن الترجيح بالأعلمية لما كان فرع الابتلاء بفتوى الفقيه والالتفات للاختلاف فهو لا يقتضي رجوع جميع المسلمين لشخص واحد، بل اكتفاء كل مكلف بالترجيح بها بين من يتيسر له معرفة رأيه كل في مكانه.

نعم، قد يلزم ذلك في عهودنا التي شاع فيها تسجيل الآراء وانتشار الرسائل العملية وكثرت فيها وسائط النقل والاتصال.

لكن في لزوم الحرج من رجوع الكل - للشخص الواحد إشكال، بل منع، لأن انتشار الرسائل العملية وتكثر نسخها بالطبع يسهل معرفة آراء الشخص في جميع الأقطار ولو بمعونة أهل العلم المنتشرين فيها الذين يتعارف منهم التصدي لبيان فتاوى المرجع.

غاية الأمر أنه قد يصعب تشخيص الأعلم، لكون المعلوم حدسياً ليس له أثر محسوس، وليس كالطب - مثلاً - الذي يظهر أثر الإصابة فيه بشفاء المريض.

إلا أنه لا يكشف عن عموم الحجية لغير الأعلم تخييراً، ولا سيما في حق من لا يلزم الحرج عليه.

لوضوح أن قاعدة نفي الحرج - مع أن المعيار فيها الحرج الشخصي لا النوعي - إنما تنهض بنفي الأحكام الحرجية، لا بتشريع أحكام يتدارك بها الحرج، ولا يكفي في رفع الحرج في المقام نفي حجية فتوى الأعلم تعييناً، بل لابد فيه من إثبات الحجية لغير الأعلم تخييراً.

وكذا الحال في ما تضمن أن الأحكام الشرعية ليست بنحو يلزم منه الحرج نوعاً لو فرض كون الحرج في المقام نوعياً غالبياً.

نعم، قد يقطع بعدم جعل الشارع للتقليد بنحو لا يفي بحاجة المكلفين ويحتاج معه للاحتياط الموجب الحرج، نظير ما تقدم في وجه التخيير مع التساوي، وذلك لا يقتضي عدم لزوم الترجيح بالأعلمية تبعاً للسيرة مع عدم لزوم الحرج من معرفة الأعلم، حيث لا يلزم الاحتياط حينئذ. وربما يأتي ما

يتعلق بالمقام عند الكلام في حكم الشك في الأعلمية.

وينبغي التنبيه على أمور..
اشارة

وينبغي التنبيه على أمور..

الأول: المعيار في الأعلمية

الأول: لما كان المعيار في العلمية في كبرى التقليد هو قوة الحدس المستند لمقدمات الاستنباط بمعرفة المباني الأصولية ونحوها مما يرجع إليه الفقيه، والقدرة على تشخيص صغرياتها، وفهم الأدلة، والاستظهار منها، ومعرفة الجمع بينها، كان المعيار في الأعلمية التفاضل في ذلك، فالأعلم هو الذي تكون مبانيه الأصولية أقوى وكبريات استدلاله أنسق، ويكون أقدر على تشخيص صغرياتها، وأقوى على فهم الأدلة، والاستظهار منها، والجمع بينها، فيكون أقوى استدلالاً.

وإليه يرجع ما قيل من رجوعها لقوة الملكة، قال سيدنا الأعظم (قدس سره):

«المراد به الأعرف في تحصيل الوظيفة الفعلية عقلية كانت أم شرعية، فلا بد أن يكون أعرف في أخذ كل فرع من أصله».

أما تشخيص ذلك فهو مما قد يقدر عليه بعض أهل العلم ممن يكون جيد النظر في نفسه خبيراً بآراء العلماء الذين يبحث عن التفاضل بينهم محيطاً بطرقهم في الاستدلال عارفاً بأساليبهم، بعيداً عن المؤثرات الخارجية من عاطفة غالبة أو انصهار بالشخص يقتضيان خضوعه لآرائه والغفلة عن جهات الضعف فيه، وإعراضه عن غيره. إلا أن وجود هذا الشخص وتمييز العامي له في غاية الندرة.

واللازم على العامي - مع إدراكه - بذل الجهد في ذلك احتياطاً لدينه، كما يلزم ذلك على المسؤول عن تعيين الأعلم احتياطاً في شهادته وأداء لأمانته. ولا يهم مع ذلك الخطأ والصواب، لأن الله لا يكلف نفساً إلا

وسعها، ومنه سبحانه نستمد العون والتسديد.

ومما ذكرنا في معيار الأعلمية يظهر أنها قائمة بكل مسألة مسألة، فيمكن اختلاف الأشخاص في الأعلمية باختلاف آحاد المسائل أو أنواعها، لاختلاف المسائل في سنخ الأدلة، فربما يكون الشخص أعلم في بعض المسائل مفضولاً في بعضها، نظير ما سبق في التجزي.

ويلزم حينئذ تبعيض التقليد، كما صرح به غير واحد، لعموم سيرة العقلاء على تعيين الأعلم عند الاختلاف، وعدم ثبوت ما يمنع من العمل بمقتضاها.

نعم، لو وصلت النوبة للتخيير، للتساوي بين المجتهدين، أو العجز عن تشخيص الأعلم منهم، فحيث لم يكن هو مقتضى السيرة، ولم يكن لدليله إطلاق، وكان التبعيض في التقليد خارجاً عن المتيقن لزم الاقتصار على التقليد في تمام المسائل.

الثاني: اختصاص السيرة في تقليد الأعلم في موارد إمكان الاحتياط

الثاني: الظاهر أن سيرة العقلاء على تقديم الأعلم عند الاختلاف مختصة في موارد إمكان الاحتياط بما إذا كان الفرق معتداً به، ولا يكفي فيه الأفضلية بمرتبة ضعيفة، حيث يكون احتمال خطأ الأفضل معتداً به عند العقلاء.

نعم، مع تعذر الاحتياط لا يبعد عندهم الترجيح بذلك في فرض الاهتمام بتحصيل الواقع، لأنه الأقرب في الجملة، لا لحجيته في مقام التعذير والتنجيز.

فالبناء على تعيين الأعلم مع قلة الفارق في المقام مبني على الإجماع المدعى على جواز التقليد للعامي وعدم لزوم الاحتياط عليه، الذي تقدم

التعرض له في وجه التخيير مع التساوي، وتقريب عدم وجوب الاحتياط، ولو بلحاظ الحرج. حيث يكون الأعلم ولو بمرتبة ضعيفة هو المتيقن من ذلك.

أما بناء على التساقط ولزوم الاحتياط مع عدم المرجح فاللازم البناء عليه في الفرض بعد ما ذكرنا من قصور السيرة عن الترجيح. وكما ذكرنا ذلك في تقريب مقتضى الإجماع المذكور. فلاحظ.

الثالث: لو تردد الأعلم ووجوب الفحص عنه

الثالث: إن علم تساوي المجتهدين أو تفاضلهم مع تعيين الأفضل فالعمل على ما سبق.

أما لو احتمل كون بعضهم أفضل فإن كان معيناً وجب تقليده بناء على تمامية التخيير مع التساوي، للعلم بحجيته تعيينا أو تخييراً والشك في حجية غيره، نظير ما سبق في تقريب الأصل مع العلم بالأعلمية. أما بناء على التساقط مع التساوي فاللازم التوقف في المقام، لعدم ثبوت الأعلمية المرجحة، فلا يكون الشخص المذكور معلوم الحجية.

وإن كان محتمل الأعلمية مردداً لم يصلح للترجيح، كما هو الحال لو علم بالتفاضل وتردد الأفضل بين شخصين، بل يجب الفحص لتعيين الحجة والعمل عليها، لما دل على وجوب تعلم الأحكام.

واللازم الاحتياط في مدة الفحص، لعدم ثبوت التخيير فيه بعد ما سبق من عدم الدليل عليه إلا الإجماع المعتضد بأن الاقتصار في التقليد على موارد الاتفاق في الفتوى وإحراز الأعلمية في المعين مع الاختلاف مستلزم لقصور التقليد وعدم وفائه بحاجة المكلفين الرافعة للعسر والحرج واختلال النظام، لكثرة موارد وجوب الاحتياط حينئذ.

إذ من الظاهر أن ذلك لا ينهض بإثبات التخيير في مدة الفحص،

لقصرها غالباً.

نعم، لو طالت المدة ولزم المحذور المذكور لم يبعد جواز تقليد أحدهم تخييراً مع البقاء على الفحص بالمقدار الممكن.

وأما ما تقدم في فرض التساوي بين المجتهدين من أنه لو لم نقل بالتخيير فيختص وجوب الاحتياط مع الاختلاف بمن يتعذر عليه تمييز مقتضى الأصل في الواقعة التي يبتلى بها، وأنه مع القدرة على تمييزه يجوز العمل بالأصل الترخيصي. فهو مختص بفرض عدم حجية ما وصل إليه من فتاوى المجتهدين لسقوطها بالمعارضة، ولا يجري في المقام، حيث يعلم أو يحتمل أعلمية أحدهم المستلزم لحجيته وان لم يعلم بعينه، لأن ما دل على وجوب التعلم مانع من الرجوع للأصل الترخيصي في زمان الفحص، وإنما يجوز الرجوع إليه بعد اليأس عن الظفر بالدليل، ومعرفة مؤداه، حيث يسقط وجوب التعلم، لعدم الموضوع له.

ثم إنه مع اليأس عن معرفة الأعلم مع احتمال التفاضل أو العلم به فقد يدعى عدم جواز تقليد أحد المجتهدين تخييراً، بل يلزم التوقف والأخذ بأحوط القولين حتى بناء على التخيير مع التساوي. أما مع احتمال التفاضل فلعدم إحراز موضوع التخيير وهو التساوي.

وأما دعوى: أن موضوع التخيير هو عدم التفاضل، فمع إحرازه بالأصل يتوجه البناء عليه.

فهي ليست بأولى من دعوى: أن موضوعه التساوي الذي لا مجال لإحرازه بالأصل، إذ لا طريق لتحديد مفهوم موضوع الحكم، ولا ينهض بذلك دليل التخيير بعد كونه لبياً، وهو الإجماع المدعى ونحوه مما لا

تصدي فيه لذلك، وليس كالأدلة اللفظية التي كثيراً ما يؤخذ فيها عناوين محددة المفهوم.

وأما مع العلم بالتفاضل فللعلم بعدم التخيير وانحصار الحجة بالأعلم، فيكون المقام من موارد اشتباه الحجة باللاحجة، الذي يلزم معه الاحتياط بمتابعة جميعها فيما لو كان لكل من الأطراف فتاوى مطابقة للاحتياط يمتاز بها عن الباقين، للعلم الإجمالي بقيام الحجة على بعض ما يطابق الاحتياط من موارد الاختلاف.

نعم، لو انفرد بعضهم ببعض الفتاوى المطابقة للاحتياط دون غيره بحيث كان بين فتاواه الاحتياطية وفتاواهم الاحتياطية عموم مطلق اتجه عدم وجوب متابعته فيها لو كانت مخالفة للأصل، لعدم صلوحه لتنجيزها - لفرض عدم ثبوت حجيته - وعدم كونها طرفاً للعلم الإجمالي، بل يجوز الرجوع في مواردها للأصول الترخيصية لو أدركها العامي.

ولعله لذا توقف سيدنا الأعظم (قدس سره) في منهاجه عن البناء على التخيير عند تعذر تعيين معلوم الأعلمية أو محتملها مع بنائه على التخيير مع التساوي.

لكن توقفه عن التخيير مبني على عدم استيضاح عموم دليله، وهو الإجماع على جواز التقليد للعامي وعدم تكليفه بالاحتياط.

وهو خلاف ظاهر معقده في كلماتهم، بل خلاف ما صرح (قدس سره) به في مستمسكه في المسألة الواحدة والعشرين، والثامنة والثلاثين من مباحث التقليد.

بل قال في المسألة الثامنة، والثلاثين: «ولا تبعد دعوى السيرة أيضاً

على ذلك، لندرة تساوى المجتهدين وغلبة حصول التفاوت بينهم ولو يسيراً، وشيوع الجهل بالأفضل، وفقد أهل الخبرة في أكثر البلاد. وكون بنائهم على الاحتياط في مثل ذلك بعيد جداً».

وأنكر ذلك بعض مشايخنا مدعياً أن المورد من الموارد النادرة التي لا يمكن تحصيل السيرة فيها، لغلبة التمكن من تعيين الأعلم ولو بالأمارات الشرعية، كما عليه عمل الناس في عصرنا وما سبقه من الأعصار.

لكن الانصاف صعوبة الاطلاع على الأعلمية بوجه معتبر شرعاً، خصوصاً مع كثرة المجتهدين وتباعد أماكنهم وعدم ظهور أثر علمي لكثير منهم ليتسنى تمييز حاله، ولا سيما مع عدم الداعي لكثير ممن يمتلك قابلية التمييز للتصدي لذلك، لما فيه من الكلفة الزائدة وتحمل المسؤولية العظيمة بالشهادة.

وأما من هو متصل به من تلامذته ونحوهم فهم - بعد فرض حسن الظن بهم والثقة بتورعهم - كثيراً ما ينصهرون به، أو بمدرسته العلمية، بنحو لا تبتني شهاداتهم له على اختباره مع غيره بوجه كافٍ، بل على الإعجاب به حتى يعتقدون تفوقه وإن لم يختبروا غيره، أو على إلفة مطالبه العلمية والتنفر من مطالب غيره، لبعدها عن أذواقهم المكتسبة منه أو من غيره. ومن هنا نرى تضارب الشهادات كثيراً.

وليس عمل عامة الناس في عصورنا مبنياً على الالتفات لهذه النكات والتحفظ على الميزان الشرعي، بل على الغفلة أو التسامح، فكثيراً ما يعتمدون في تعيين المرجع على غير أهل الخبرة ممن لهم اتصال به من أهل العلم أو ممن يتزيى بزيهم، كما تتدخل أمور جانبية كالشهرة والعواطف

وغيرها في تصرفهم كثيراً.

لكن ليس مرجع ذلك إلى قيام السيرة من عامة الناس على التخيير مع العجز عن تعيين الأعلم، كما ذكره سيدنا الأعظم (قدس سره)، بل إلى الغفلة أو التسامح في تعيين المرجع مع عدم الخروج عن مقتضى السيرة الارتكازية على أهمية الأعلمية ومرجحيتها.

ولا يخلو عن ذلك إلا الخاصة الذين لا تنعقد بعملهم سيرة صالحة للاستدلال، لتبعية عملهم لفتاوى العلماء على اختلافها، فلا تكون دليلاً عليها.

بل لا تصلح سيرة العامة لذلك أيضاً - لو غض النظر عما مضى من ابتنائها على الغفلة أو التسامح - لعدم إحراز اتصالها بحضور المعصومين (ع)، للفرق بين عصرنا وتلك العصور، حيث لا يبعد قلة الالتفات فيها للاختلاف وبناؤهم معه على التوقف لتيسر معرفة الحكم بالرجوع للإمام (ع).

كما أنه سبق عند الكلام في التساوي الإشكال في الاستدلال بالإجماع المتقدم هناك فضلاً عنه هنا.

فالعمدة في وجه تعميم التخيير للمقام ما سبق ذكره عاضداً للإجماع في فرض التساوي من أن البناء على مقتضى القواعد في التقليد من التساقط مع الاختلاف مستلزم لكثرة موارد الاحتياط بسبب ظهور آراء المجتهدين وكثرة اختلافهم وعدم تحقق المرجح ثبوتاً أو إثباتاً، وهو مستلزم للحرج، بل اختلال النظام.

بل لازمه قصور تشريع التقليد عن الوفاء بحاجة المكلفين، وهو بعيد عن مذاق الشارع الأقدس في التسهيل عليهم والرفق بهم، بنحو يقطع معه

باكتفائه بالتخيير.

وإن كان المتيقن من ذلك ما إذا لزم من الاحتياط العسر بمقدار معتد به، كما ذكرناه هناك أيضاً.

ومنه يظهر أن الفحص اللازم عن الأعلم هو الفحص بالمقدار الذي لا يلزم منه الحرج أو اختلال النظام.

ثم إنه لا يبعد بناء على التخيير مع تعذر معرفة الأعلم ترجيح مظنون الأعلمية - كما جزم السيد الطباطبائي (قدس سره) في العروة الوثقى - لعدم القطع بالتخيير بينه وبين غيره، فيتعين اختياره، للدوران فيه بين التعيين والتخيير. فلاحظ. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم، ومنه نستمد العون والتوفيق.

الرابع: مع الجهل باختلاف المجتهدين في الفتوى

الرابع: سبق أنه مع إحراز اتفاق المجتهدين في الفتوى يجوز الرجوع لكل منهم وإن كان مفضولاً، ومع إحراز اختلافهم يلزم اختيار الأعلم مع معرفته والفحص عنه مع الجهل به، مع الكلام في التخيير مع التساوي أو تعذر معرفة الأعلم.

وجوه الاستدلال على جواز تقليد المفضول
أولها ما ذكره السيدة الحكيم (قدس سره)

أما مع الجهل بالاختلاف فقد صرح غير واحد بجواز الرجوع للمفضول وعدم وجوب الفحص عن الاختلاف. وقد استدل عليه بوجوه..

أولها: ما ذكره سيدنا الأعظم (قدس سره) من إطلاق أدلة الحجية. قال: «واحتمال الاختلاف بين الفتويين الموجب لسقوط الإطلاق عن الحجية لا يعتنى به في رفع اليد عن الإطلاق، كما في سائر موارد التخصيص اللبي».

وقد أشار بذلك إلى ما بنى عليه (قدس سره) من جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية من طرف الخاص، إذا كان المخصص لبياً، كما في المقام، إذ لا دليل على قصور الإطلاق عن شمول الفتويين المتعارضتين إلا حكم العقل

بامتناع حجيتهما معاً.

لكن المبنى المذكور - مع أنه غير تام في نفسه، على ما ذكرناه في مباحث العموم والخصوص - مختص عندهم بما إذا كان المخصص خفياً غير مانع من انعقاد ظهور العام في العموم، ولا يشمل ما لو كان جلياً مانعاً من انعقاده، كما في المقام، حيث يرجع للتمسك بالعام في الشبهة المصداقية من طرف العام، الممتنع بلا كلام، كما نبه له شيخنا الأستاذ (قدس سره).

مضافاً إلى لزوم الاقتصار في ذلك على الشبهات الموضوعية التي لا يجب الفحص فيها، دون مثل المقام مما كان مرجع الشك فيه إلى الشك في الحكم الشرعي الكلي، لأن ما دل على وجوب الفحص صالح لتنجيز احتمال التخصيص، ومع تنجيزه تمتنع حجية العام، على ما سيأتي توضيحه.

ثانيها: ما في التقريرات من أصالة عدم المعارض. حيث يحرز بذلك بقاء الفتوى تحت دليل الحجية وعدم المانع منها.

ثانيها: ما في التقريرات

وهو راجع في الحقيقة إلى التمسك بإطلاق دليل الحجية، بضميمة الأصالة المذكورة.

لكن ذلك قد يتم مع عدم تنجز احتمال وجود المعارض في نفسه، دون مثل المقام مما كان مرجع الشك فيه إلى الشك في الحكم الشرعي الكلي، حيث يكون دليل وجوب الفحص منجزاً لاحتمال وجود المعارض ومانعاً من الرجوع للأصالة المذكورة.

على أن المراد بأصالة عدم المعارض إن كان هو الاستصحاب الشرعي - كما لعله الظاهر من التقريرات - كان راجعاً لما ذكره غير واحد من استصحاب عدم المعارض الأزلي، بلحاظ حال ما قبل وجود الفتوى.

وإلا فكثيراً ما يحتمل سبق المعارض لها، بحيث لم تخل حين حدوثها عن المعارض.

وأشكل: بأن التعارض لم يؤخذ بعنوانه في الأدلة مانعاً من الحجية، لينفع استصحاب عدمه في البناء عليها، لوضوح أن دليل عدم حجية المتعارضين ليس لفظياً عنوانياً، بل لبي راجع إلى استحالة حجية المتعارضين بواقعهما، بنحو تقصر عمومات الحجية في مورد التعارض بنتيجة التقييد، لا بالتقييد العنواني، ليكون موضوع الحجية مركباً من أمر وجودي محرز بالوجدان، وهو وجود الدليل أو الفتوى، وأمر عدمي محرز بالأصل، وهو عدم المعارض له.

وإن أريد بها الأصل العقلائي بدعوى: أن بناء العقلاء على العمل بالدليل الواصل، وعدم الاعتناء باحتمال وجود المعارض له، لتحقق مقتضي الحجية فيه، ولا يعتنى باحتمال المانع فالظاهر تماميته في نفسه.

وأما ما ذكره بعض المحققين (قدس سره) من عدم إحراز مقتضي الحجية في الفتوى الواصلة قبل الفحص، لأن بناء العقلاء على الرجوع للأفضل من غير فحص، ولغيره بعد الفحص وعدم العثور على معارضته بفتوى الأفضل.

فهو ممنوع، بل مقتضي الحجية تام في فتوى المفضول قبل الفحص عن المعارض، لكونه من أهل الخبرة، فتكشف فتواه نوعاً عن الواقع، ولا أثر لوجود الأفضل في ذلك.

وتقديم فتوى الأفضل عليه إنما هو بملاك كونه أقوى الحجتين، فيمنع من فعلية حجية أضعفهما. فلا يكون الفحص في المقام متمما لمقتضي الحجية في فتوى المفضول، بل هو فحص عما يمنع منها، فلا

يجب بمقتضى سيرة العقلاء المشار إليها.

وهو لا ينافي ما سبق منا من صلوح فتوى الأفضل بنظر العقلاء للكشف عن خطأ المفضول وعدم كونه من أهل الخبرة. إذ انكشاف خطئه بفتوى الأفضل لا ينافي دخوله في أهل الخبرة قبل ثبوت خطئه، بنحو يتم فيه مقتضي الحجية.

وبالجملة: لا ينبغي التأمل في عدم اعتناء العقلاء باحتمال وجود المعارض وإن كان الواصل هو فتوى المفضول.

نعم، قد يدعى اختصاصه بما إذا لم يكن وجود المعارض متوقعاً، لعدم ظهور الخلاف بين أهل الخبرة أو ندرته بسبب قرب مقدمات الاجتهاد من الحس أو قلتها أو قلة الخطأ فيها.

وأما مع ظهوره في كثير من الموارد بسبب ابتناء الاجتهاد على مقدمات نظرية يكثر فيها الخطأ والاختلاف - كما في المقام - فلا يتضح بناؤهم على إهمال احتمال المعارض مع إمكان الفحص عنه، بل لعل بناءهم على الفحص عنه، وعدم العمل بالدليل الواصل إلا بعد اليأس عن العثور على المعارض نظير. ما قد يذكر في مبحث العموم والخصوص من أن معرضية العام للتخصيص مانعة من العمل به قبل الفحص عن المخصص.

وإن كان الأمر محتاجاً للتأمل.

ثالثها: سيرة المتشرعة

ثالثها: سيرة المتشرعة من أصحاب الأئمة (ع) ومعاصريهم من الشيعة على أخذ الفتوى من دون فحص عن المعارض.

والتشكيك فيها من بعض المحققين (قدس سره) في غير محله، إذ لو كان مبناهم على الفحص لبان وظهر بعد كونه على خلاف سيرة العقلاء العامة

في جميع موارد الرجوع لأهل الخبرة، بل في جميع موارد الطرق المعتبرة، فإن مبناهم على عدم الفحص عن المعارض لها، لما سبق من بنائهم على أصالة عدمه.

ويشهد بعدم فحص المتشرعة عن المعارض ما سبق من عدم تقيدهم بالرجوع للأفضل، بل يرجعون لكل من يتهيأ لهم الرجوع إليه، حيث سبق ابتناء ذلك منهم على عدم ثبوت الاختلاف عندهم.

ويشكل: بأن سيرتهم لما كانت متفرعة على سيرة العقلاء فقد عرفت أن المتيقن من سيرة العقلاء صورة عدم توقع المعارض، لعدم ظهور الاختلاف بين أهل الخبرة أو ندرته بسبب قرب مقدمات المعرفة من الحس أو قلتها، وذلك جار في سيرة المتشرعة في العصور السابقة، حيث لم يتضح شيوع الخلاف بين العلماء لعامة الشيعة ليلتفتوا له، ولم يتضح إهمالهم الفحص عنه مع توقعه واحتماله بوجه معتد به كما هو الحال في هذه العصور التي اتضحت فيها كثرة الخلاف بسبب انتشار آراء العلماء في رسائلهم العملية وغيرها.

نعم، قد يتجه ذلك في عصورنا في حق جملة من العوام ممن لا يختلط بأهل العلم، حيث قد يغفل عن الاختلاف، لتخيل وضوح الأحكام تبعاً لأدلتها، وفي مثله لا مانع من الالتزام بحجية الفتوى الواصلة في حقه مع عدم الفحص عن المعارض.

فحص العامي عن الفتوى المعارضة كفحص المجتهد عن المعارض
اشارة

والذي ينبغي أن يقال: فحص العامي عن الفتوى المعارضة للفتوى الواصلة كفحص المجتهد عن الدليل المعارض أو المخصص أو المقيد للدليل الواصل، حيث يشتركان في دليل الوجوب، لأن الدليل على وجوب

الفحص على المجتهد أحد أمور..

الأول: معرضية الأدلة الواصلة للمعارضة والتخصيص والتقييد ونحوها. وهو حاصل في عصورنا بالإضافة لفتاوى المجتهدين في حق كثيرٍ من العوام ممن يخالط أهل العلم ويلتفت لاختلاف العلماء، كما ذكرنا.

الثاني: العلم الإجمالي بوجود المعارض والمخصص والمقيد ونحوها للأدلة الواصلة في المسائل التي هي محل ابتلاء المكلف. وهو حاصل أيضاً بالإضافة لفتاوى المجتهدين في حق كثيرٍ من العوام ممن ذكرنا.

نعم، يختص وجوب الفحص لأجله بما يكون طرفاً للعلم الإجمالي المذكور من فتاوى المجتهد، دون ما هو خارج عن أطرافه، لعدم عموم البلوى بالمسألة، أو لكونها من المسائل المستحدثة التي لم يحرز نظر المجتهدين الآخرين فيها، أو لتجدد اجتهاد المجتهد أو احتمال أعلميته بعد تنجز احتمال الخلاف بين غيره، بحيث لا يعلم إجمالا بحدوث الخلاف منه في غير الموارد التي هي محل الخلاف بين غيره.

ولعلّ ما عن بعض الأعاظم (قدس سره) من اختصاص وجوب الفحص عن رأي الأعلم بالمسائل التي تعم بها البلوى، مبني على هذا الوجه.

الثالث: ما دل على وجوب الفحص عن الأحكام وتعلم الحلال والحرام مما يأتي التعرض له في الخاتمة إن شاء الله تعالى، بناء على أنه كما يقتضى وجوب الفحص عن الأدلة في حق المجتهد يقتضي وجوب الفحص عن المعارض في حقه، فيجري ذلك في حق العامي، فكما يجب عليه الفحص عن فتوى المجتهد يجب عليه الفحص عن الفتوى المعارضة

لها.

وأما ما ذكره سيدنا الأعظم (قدس سره) من العلم بانتفاء الخطر من قبل الفتوى غير الواصلة، إما لموافقتها للفتوى الواصلة، أو لكونها معارضة لها، فتسقط عن الحجية لامتناع حجية المتعارضين، فلا يجب الفحص عنها عقلاً.

فيندفع: بأنه لا يتم مع أعلمية المفتي بها ومخالفتها للفتوى الواصلة، حيث تكون هي الحجة الفعلية، دون الفتوى الواصلة، فلا يجوز إهمالها. وكذا مع التساوي لو قلنا بالتساقط ولزوم الاحتياط، إذ الفتوى غير الواصلة وإن لم تكن مورداً للخطر، إلا أنها إذا كانت مخالفة للفتوى الواصلة كان الموجب للاحتياط بعد تساقط الفتويين هو المنجز الذي يجب الفحص عن شموله للمورد، نظير فحص المجتهد عن المعارض لدليل الإباحة في مورد يكون مقتضى تساقط الدليلين عدم البناء عليها.

هذا كله بناءً على شمول أدلة وجوب التعلم للفحص عن المعارض، لكن يأتي في الخاتمة الإشكال في شمول بعض أدلته للمعارض المعادل، كما لا مجال هنا للتعويل على الإجماع الذي يأتي الاستدلال به هناك، لعدم وضوح ثبوته في حق العامي. فالعمدة ما سبق.

ثم إنه مع العلم بحجية الفتوى الواصلة تعييناً أو تخييراً لا يجب الفحص عن الاختلاف قطعاً. ولعله خارج عن محل كلامهم، كما لو كانت الفتوى الواصلة للأعلم أو بني على التخيير مع التساوي. وكذا لو كانت موافقة للأصل الجاري بعد التساقط.

تتميم..

تتميم: عدم اكتفاء العامي بالعمل بالأصول الترخيصية مع عدم الفتوى بها

لو علم بعدم الفتوى للمجتهدين في المسألة، لعدم نظرهم فيها، للغفلة عنها أو لفقد الداعي للنظر فالظاهر وجوب سؤال العامي من أحدهم لينظر فيها ويعرفه حكمها، لعموم ما دل على وجوب الفحص عن الأحكام، ولا يجوز له العمل بالأصول الترخيصية، لاحتمال عدم تحقق موضوعها بسبب وجود الدليل المخرج عنها وإمكان وصوله إليه بالسؤال من المجتهد المذكور.

ودعوى: عدم صدق العناوين المأخوذة في أدلة التقليد الشرعية من العالم والفقيه ونحوهما على المجتهد المذكور بالإضافة إلى المسألة المذكورة، لعدم علمه بحكمها.

مدفوعة: بأن قصور أدلة التقليد الشرعية - لو سلم، لحمل العناوين المذكورة على الفعلية لا الملكة - لا يهم بعد عموم سيرة العقلاء له.

على أنها إنما تقصر عنه حين سؤاله الذي لا يجب بأدلة التقليد، بل بأدلة وجوب الفحص عن الأحكام، أما بعد سؤاله وصدور الفتوى منه فهي تعمه وتقتضي حجية فتواه، وبالجملة: لا ينبغي الإشكال في وجوب السؤال من أحد المجتهدين المذكورين لو لم يصل للعامي فتوى تكون حجة له.

وإنما الإشكال في أنه لو أفتى المجتهد في مسألة وأمكن السؤال من غيره ممن لم ينظر فيها فهل يجب السؤال منه لاحتمال مخالفته للمفتي الأول لو كانت تمنع من حجية فتواه، أو لا، بل يجوز الاكتفاء بالفتوى الأولى، والعمل عليها، لانحصار الحجة بها فعلاً؟

ربما يقال بالثاني، لعدم المعارض الفعلي للفتوى الواصلة، فيعلم

بحجيتها فعلاً وإن كان صاحبها مفضولاً، ووجوب الفحص عنها مع عدم وجود غيرها - لأدلة وجوب تعلم الأحكام - لا تقتضي وجوبه مع وجود فتوى فعلية حجة في نفسها صالحة للعمل. وبقية الوجوه المتقدمة من العلم الإجمالي وغيره غير شاملة للمقام، فالبناء على الاكتفاء بالفتوى الواصلة هو المتعين.

المسألة السابعة: تقليد واجد الملكة

المسألة السابعة: ظاهر بعض الأصحاب وصريح آخرين منهم عدم جواز التقليد لواجد ملكة الاجتهاد، وأن عليه أن يستقل بالنظر، بل عن رسالة شيخنا الأعظم (قدس سره) في الاجتهاد والتقليد دعوى الإجماع على ذلك.

ويقتضيه الأصل بعد قصور أدلة التقليد عن شموله، لأن عمدتها سيرة العقلاء على رجوع الجاهل للعالم، وهي تقصر عن رجوع واجد الملكة القادر على الاستقلال بالنظر للغير في مورد احتمال الخطأ، بل الظاهر بناؤهم على استقلاله بالنظر.

وأما الأدلة الشرعية فهي بين ما هو قاصر عنه، كمرسل الاحتجاج المتقدم المتضمن جواز التقليد للعامي، الذي لا يصدق عرفاً على واجد الملكة، وما هو منصرف عنه، لوروده جرياً على السيرة العقلائية التي عرفت قصورها عنه، ولا يتضح هناك إطلاق شامل له.

وما قد يظهر من بعض مشايخنا من التشكيك في ذلك في غير محله.

نعم، لا يبعد بناء العقلاء على رجوع واجد الملكة لغيره في الاجتهاديات التي لا يتوقع الخطأ فيها، لقرب مقدمات الاجتهاد فيها من الحس، فتكون مورداً لأصالة عدم الخطأ كالحسيات، دون الاجتهاديات الدقيقة التي هي معترك الآراء ومورد النقض والإبرام والأخذ والرد، والتي

هي معرض للخطأ، كالاجتهاد في عصورنا في الأحكام الشرعية، حيث لا مجال للبناء على قيام سيرة العقلاء على تقليد واجد الملكة لغيره فيها.

ومنه يظهر أنه لا مجال للاستدلال على جواز تقليد واجد الملكة بسيرة المتشرعة في الصدر الأول عليه. بدعوى: قابلية كثير منهم في تلك العصور لتلقي الأحكام من المعصومين (ع) مع اكتفائهم بأخذ الحكم من الرواة ونحوهم من المتفقهين، لوضوح عدم اقتصار الأخذ من هؤلاء على من لا قابلية له لفهم الحكم من خطابهم (ع)، بل يعم من هو قابل لذلك، مع عدم الفرق بينه وبين من يأخذ عنه إلا في السماع منهم (ع) كالفرق بين واجد الملكة الذي لم ينظر في الأدلة وواجدها الناظر فيها والمستنبط منها.

لاندفاعها: بعدم توقع الخطأ في الاجتهاد سابقاً، لابتنائه غالباً أو دائماً على مقدمات قليلة قريبة من الحس، وقد عرفت أن رجوع واجد الملكة فيه للغير مقتضى السيرة العقلائية، ولم يتضح ابتلاؤهم

بالاجتهادات الخفية النظرية المعرضة للخطأ كما صار إليه الاجتهاد في عصورنا، ولو فرض ابتلاؤهم بها والتفاتهم إليها فلم يتضح بناؤهم على رجوع واجد الملكة للغير فيها لينفع دليلاً في محل الكلام.

وما هو النظير للمتيقن من سيرتهم في عصورنا هو الرجوع للمتفقهين في آراء المجتهدين المطلعين عليها بمخالطة أهل العلم والنظر في الرسائل العملية ونحوها حتى ممن له قابلية لمعرفتها بالمباشرة. وهو خارج عن محل الكلام.

المسألة الثامنة: الاجتزاء بالتقليد السابق وعدمه
اشارة

المسألة الثامنة: إذا عمل المكلف على فتوى المجتهد، ثم سقطت تلك الفتوى عن الحجية في حقه، ووجب العمل على وجه آخر، فهل ينتقض

التقليد السابق في الوقائع التي عمل فيها على طبقه، فيجب تدارك الأعمال الواقعة على طبقه - لو كانت قابلة للتدارك - على النحو الذي تقتضيه الحجة الجديدة، كما يجب ترتيب سائر آثار بطلانها، كالتطهير في النجاسات، والضمان في الماليات ونحوهما، أو لا ينتقض بل يجتزئ المكلف بما وقع؟.

لا ينبغي التأمل في عدم الانتقاض بناء على إجزاء الأمر الظاهري عن الواقع، حيث لا يشك حينئذ في صحة الأعمال السابقة وترتب العمل عليها، ليجب الرجوع فيها للحجة الجديدة، إلا أن ينكشف عدم كون التقليد الأول مقتضى الوظيفة الظاهرية وإن أخطأ المكلف في تشخيصها للتقصير في مقدماته. والظاهر خروجه عن محل كلامهم.

كما أنه يقصر عن إثبات عدم وجوب ترتيب آثار البطلان مما لا يرجع للتدارك - كما لو كان مقتضى الفتوى السابقة تذكية الجلد - على ما يذكر في محله في تحقيق المبنى المذكور من مبحث الإجزاء.

ولا مجال لإ طالة الكلام فيه بعد ضعف المبنى، حيث لا مجال للتعويل عليه في هذه المسألة، بل يلزم الرجوع فيها للقواعد العامة أو الأدلة الخاصة بها، فالمهم تحقيق مفادها.

فاعلم: أن سقوط الفتوى السابقة عن الحجية يكون..

تارة: لثبوت خطئها للمقلد نفسه بالعلم أو باجتهاده لتأهله لذلك.

وأخرى: لظهور الخطأ للمفتي نفسه، لتبدل اجتهاده.

موارد سقوط الفتوى عن الحجية

وثالثة: يكون العدول المقلد عن تقليد المفتي بأحد أسباب العدول التخييرية أو الإلزامية، كالموت، والجنون، والفسق، على الكلام السابق.

ولا إشكال في أن مقتضى القاعدة انتقاض التقليد السابق في الصورة الأولى، أما مع العلم فظاهر، وأما مع الاجتهاد فلوضوح عموم حجية الأدلة التي استند إليها للوقائع السابقة، فكما تمنع من التقليد في الوقائع اللاحقة تمنع منه في الوقائع السابقة.

ومنه يظهر عدم الإجزاء في الصورة الثانية، لوضوح أن مستند الاجتهاد اللاحق لما كان هو الأدلة التي تعم الوقائع السابقة كان مقتضاها عاماً لها فيلزم رفع اليد به عن مقتضى الاجتهاد السابق فيها، لظهور خطئه، ومع ظهور الخطأ للمفتي نفسه لا يرى العقلاء جواز التعويل على فتواه، على ما سبق في المسألة الثانية.

بل لا يبعد ذلك فيما لو كان عدوله لنسيان المستند من دون أن ينكشف له الخطأ، بناء على ما هو الظاهر من عدم التعويل على الفتوى السابقة حينئذ، بل يتعين التعويل على الاجتهاد اللاحق، الذي يعم - تبعاً لأدلته - الوقائع السابقة.

ودعوى: قصور أدلة حجية الاجتهاد اللاحق في حق العامي عن الوقائع السابقة التي عمل فيها على طبق الفتوى الأولى، لأن وجوب الرجوع للمجتهد لما كان طريقياً كان مختصاً بالوقائع التي هي محل الابتلاء والتي يحتاج فيها للحجة، دون الوقائع السابقة التي عمل فيها على طبق الحجة وانتهى منها.

مدفوعة: بأن ترتب الأثر بالإضافة إلى الوقائع السابقة بمثل وجوب التدارك ونحوه كافٍ في الابتلاء الملزم بالرجوع للحجة الفعلية المطابقة للاجتهاد اللاحق، فكما يعمل عليه في وجوب التدارك مع عدم العمل

بالاجتهاد السابق، في الوقائع السابقة - عمداً أو خطأً - وفي كيفية التدارك يعمل به مع العمل بالاجتهاد السابق.

ومما تقدم يظهر الوجه في عدم الإجزاء في حق المجتهد نفسه.

كما يظهر الإشكال: في ما في الفصول من دعوى عدم تحمل الواقعة لاجتهادين ولو في زمانين، لعدم الدليل عليه.

إذ يكفي في الدليل عليه إطلاق أدلة الاجتهاد الثاني الشاملة للوقائع السابقة، كما تشمل الواقعة الحاضرة لو كان العدول قبل العمل فيها أو بعده مع بقاء الوقت.

وأما في الصورة الثالثة فلا يبعد البناء على عدم الإجزاء إذا كان العدول لأعلمية المعدول إليه، لعدم الفرق في بناء العقلاء على ترجيح الأعلم بين سبق الرجوع لغيره في الواقعة وعدمه، فيجب تدارك العمل في الوقائع السابقة على طبق رأي الأعلم، ولا يجتزأ برأي الأول فيها وإن كان تقليده فيها حين الابتلاء بها في محله، لانحصار الأمر به في وقته.

ولأ جله يخرج عن استصحاب حجية رأي الأول فيها الذي لولا ما سبق لجرى في نفسه من دون شبهة التعليقية التي تقدمت الإشارة إليها عند الكلام في تقليد الميت، لفعلية الابتلاء بالواقعة سابقاً.

لكن ذكر بعض المحققين (قدس سره) في تقريب الإجزاء أن حجية الفتوى بعنوان تنزيل نظر المفتي منزلة نظر المستفتي ونيابته عنه في استفادة ما يرجع إليه، لا بعنوان الطريقية للواقع، وإلا لزم تخصيص انتقاض التقليد بصورة كون المعدول إليه هو الأعلم، لاضمحلال الحجة السابقة بسبب أقوائية اللاحقة، مع أن القائل بانتقاض التقليد السابق لا يفرق بين العدول للأعلم

والعدول لغيره - لموت أو نحوه - فلابد من كون حجية فتوى المعدول إليه لانتهاء أمد حجية الأولى مثلاً، لا لاضمحلالها بقيام الثانية بسبب أقوائيتها منها.

فتكون الفتويان المتعاقبتان بمنزلة الفتويين المتعادلين الذين يؤخذ بأحدهما تارةً وبالآخر أخرى، حيث لا مجال لتوهم الانتقاض عند الأخذ بالمتأخرة.

وكأن الفرق بين اضمحلال الحجية وانتهاء أمدها أنه على الأول تسقط الفتوى عن الحجية رأساً، لخروجها عن قابلية الكشف، فلا يصح الاعتماد عليها في الوقائع السابقة، أما على الثاني فلا

تسقط عنها إلا في الوقائع اللاحقة مع بقائها على الحجية في الوقائع السابقة فيصح الاعتماد عليها في عدم التدارك، ولا ينتقض التقليد السابق.

نعم، يشكل ما ذكره (قدس سره): بأن كون حجية الفتوى بعنوان تنزيل نظر المفتي منزلة نظر المستفتي - لو تم - لا ينافي ابتناء العدول على اضمحلال حجية الفتوى الأولى، بأن يعم التنزيل النظر في حكم الوقائع السابقة بنحو يقتضي تداركها.

كما أن الطريقية لا تنافي ابتناء العدول على انتهاء أمد حجية الفتوى الأولى، مع بقاء حجيتها بالإضافة إلى الوقائع السابقة.

بل لا مجال لجعل حجية الفتوى بعنوان التنزيل في قبال حجيتها من باب الطريقية، لأن التنزيل من وجوه الطريقية، لوضوح أن نظر المكلف لنفسه ليس إلا لتحصيل الطريق للواقع، فتنزيل نظر الغير له منزلة نظره لا بد أن يكون لذلك أيضاً، لأنه في طوله.

غاية الأمر أن طريقية نظر المفتي لتكليف المستفتي تارةً لكونه طريقاً ابتدائياً - كالبينة - وأخرى يكون بعناية تنزيله منزلة نظر المستفتي.

فالمدار في كون العدول لانتهاء أمد الحجية وكونه لاضمحلالها على مفاد دليله، فإن اختص بالوقائع اللاحقة رجع للأول - نظير التخيير الاستمراري بين الخبرين المتعادلين لو تم - وإن كان يعم الوقائع السابقة رجع للثاني، وقد عرفت أن دليل العدول للأعلمية يقتضي الثاني.

وأما ما أورده عليه من لزوم تخصيص الانتقاض بصورة أعلمية المعدول إليه.

فهو - مع عدم كونه محذوراً - غير لازم، لإمكان استفادة عموم وجوب العدول للوقائع السابقة في غير مورد الأعلمية من أدلته اللفظية أو اللبية، ومع عدمه يكون انتقاض التقليد في المورد المذكور خالياً عن الدليل، لا أنه يستكشف بذلك كون جميع موارد العدول تبتني على انتهاء أمد الحجية دون اضمحلالها حتى العدول الناشئ من الأعلمية، ليخرج بذلك عما عرفت من ابتناء العدول للأعلمية على الاضمحلال. فلاحظ.

وأما إذا لم يكن العدول لأعلمية المعدول إليه، بل لأمر تعبدي من موت أو نحوه - على ما سبق الكلام فيه - فإن كان لدليله إطلاق يعم الوقائع السابقة بنحو ينافي بقاء حجية الأول فيها يتجه البناء على عدم الإجزاء أيضاً.

بخلاف ما إذا لم يكن لدليله إطلاق يعمها. إما لكونه لبياً من إجماع أو نحوه - كما قيل أنه العمدة في وجوب العدول مع الموت - حيث كان المتيقن منه الوقائع اللاحقة أو السابقة التي عمل فيها برأيه، إذ لا إجماع على حجيته في الوقائع السابقة. كيف وقد اشتهر القول بالإجزاء فيها، بل ادعي

عليه الإجماع.

أو لكونه لفظياً يختص بالوقائع اللاحقة، كما هو الحال بناء على ما ذكره بعض مشايخنا في وجه وجوب العدول مع الموت من لزوم تحقق العناوين المأخوذة في الأدلة الشرعية من الفقيه والعالم ونحوهما حين الرجوع للمفتي الذي هو وقت سؤاله، فلا يجوز تقليد الميت لو احتيج لسؤاله للجهل بفتواه وإن جاز العمل بفتواه مع العلم بها، لوضوح أن الجهل بفتواه إنما يقتضي السؤال بالإضافة إلى الوقائع اللاحقة التي يراد العمل فيها وكذا السابقة التي لم يعمل فيها ويراد تدارك العمل فيها، دون السابقة التي عمل فيها على طبق فتوى الميت، حيث يعلم بمطابقة فتواه للعمل الواقع بنحو لا يحتاج للتدارك لو كانت حجة بلا حاجة إلى السؤال منه.

وحينئذ يتعين الإجزاء أما مع أعلمية المعدول عنه فظاهر، لعموم بناء العقلاء على حجية رأي الأعلم فيقتصر في الخروج عنه على المتيقن. وأما مع عدم أعلميته أو عدم ثبوتها فلإطلاق الأدلة المصححة لتقليده سابقاً ولو بضميمة استصحاب حجية فتواه بالإضافة إلى الوقائع السابقة الذي سبق جريانه في نفسه من دون شبهة التعليقية.

من دون فرق في الصحة والإجزاء بين العبادات والمعاملات وغيرهما، وإن قيل إن العبادات هي المتيقن من الإجماع المدعى، إذ ليس الدليل على الإجزاء الإجماع، بل القاعدة التي لا مخرج عنها من إجماع أو نحوه.

لكن لازم ذلك سقوط حجية كل من المعدول إليه والمعدول عنه لو كانا متبايني المضمون، بحيث يلزم من العلم بكذب أحدهما علم إجمالي

بالتكليف، كما لو عمل على فتوى القائل بالقصر مدة، ثم عدل منه إلى القائل بالتمام، حيث يعلم إجمالاً إما بوجوب تدارك ما مضى وقضائه تماماً، أو بوجوب القصر عليه في ما يأتي، ولا يخرج عن العلم المذكور إلا بالجمع بين الأمرين بقضاء ما سبق تماماً والجمع بين القصر والتمام في ما يأتي.

مع أن الظاهر عدم الإشكال بينهم في الاجتزاء بمقتضى التقليد اللاحق مطلقاً. فإن تم كشف إما عن سقوط حجية فتوى المعدول عنه حتى بالإضافة للوقائع السابقة وعموم حجية فتوى المعدول له لها، أو عن اكتفاء الشارع بالموافقة الاحتمالية للعلم الإجمالي المذكور بنحو يكفي موافقة فتوى المعدول إليه في الوقائع السابقة واللاحقة، أو عن الإجزاء الواقعي، بموافقة التقليد السابق على خلاف مقتضى الأصل في الحكم الظاهري، على ما سيأتي الكلام فيه.

الاستدلال بالأدلة الخاصة على الإجزاء

هذا كله بحسب القواعد العامة، وأما بحسب الأدلة الخاصة فقد يستدل للإجزاء..

تارة: بلزوم العسر والحرج، لعدم وقوف المجتهد غالباً على رأي واحد، كما في الفصول.

وأخرى: بما فيه أيضاً من أن حكمة تشريع الاجتهاد الوثوق في العمل على طبقه، ومع عدم الإجزاء ترتفع الحكمة المذكورة.

وثالثة: بالإجماع المدعى في كلام بعض، ففي التقريرات عن بعض الأفاضل في تعليقاته على المعالم أنه ظاهر المذهب، وعن المناهج نفي القول من أحد بعدم الإجزاء. وقال سيدنا الأعظم (قدس سره): «بل نسب إلى بعض دعوى صريح الإجماع بل الضرورة عليه».

نعم، عن بعض الأعاظم (قدس سره) أن المتيقن منه العبادات، وربما قيل: إن المتيقن منه الصلاة.

ورابعةً: بسيرة المتشرعة، لابتلائهم بذلك كثيراً، خصوصاً بناء على المشهور من عدم جواز البقاء على تقليد الميت، فلو كان بناؤهم على عدم الإجزاء لزم الهرج والمرج.

وهذه الوجوه - كما ترى - لا تختص بالعدول للأعلمية، بل الظاهر عمومها لعدول الفقيه عن فتواه - الذي تقدم في الصورة الثانية - بل هو صريح الأول.

لكن يندفع الأول: - مع عدم اطراده - بأنه لا يقتضي الإجزاء والحكم بصحة العمل واقعاً أو ظاهراً، بل عدم وجوب التدارك ولو مع بطلان العمل، كما لو كان قضاء الحج حرجياً. مضافاً إلى عدم جريانه في حقوق الناس، لمنافاته للامتنان في حقهم الذي هو مبنى قاعدة نفي الحرج.

نعم، قد يكون لزوم الحرج نوعاً كاشفاً أو مؤيداً لجعل التقليد بنحو يقتضي الإجزاء، كما سيأتي التعرض له إن شاء الله تعالى.

لكنه لا يرجع إلى قاعدة نفي الحرج التي ذكرنا وجوه الإشكال في الاستدلال بها.

كما يندفع الثاني بالنقض بغير واحد من موارد عدم الإجزاء في خطأ الطرق الظاهرية أو تبدل مفادها تبعاً لتبدل موضوعاتها، كما في كثير من الأمارات والأصول الجارية في الشبهات الموضوعية، وفيما لو قطع المجتهد بخطأ اجتهاده الأول، حيث اعترف في الفصول بعدم الإجزاء معه.

ودعوى: عدم صحة النقض به لندرته وشذوذه.

مدفوعة: بأن الندرة لا تصحح نقض الغرض. مع أنه لو تمت الندرة في عصورنا فمن الظاهر كثرة حصول القطع بالخطأ في عصور الأئمة (ع) لكثرة موارد تيسر العلم.

على أنه لا دليل على أن حكمة حجية الاجتهاد وغيره من الطرق الظاهرية هو الوثوق بعدم الاحتياج للتدارك، بل لعل حكمتها مجرد تشخيص الوظيفة عند الابتلاء بالواقعة. فهذا الوجه استحساني لا ينهض دليلاً كما اعترف به (قدس سره).

وأما الثالث فلا مجال له في مثل هذه المسألة المستحدثة التحرير، ولا سيما مع إنكار مثل شيخنا الأعظم (قدس سره) له. قال في التقريرات في بيان القول بعدم الإجزاء: «وفاقاً للنهاية، والتهذيب، والمختصر، وشروحه، وشرح المنهاج، على ما حكاه سيد المفاتيح عنهم، بل وفي محكي النهاية الإجماع عليه، بل وادعى العميدي (قدس سره) الاتفاق على ذلك...»، ومع إطلاق جماعة عدم الإجزاء في الأمارات والطرق الظاهرية.

وأما الرابع فقد استشكل فيه غير واحد بمنع السيرة، وذكر بعض مشايخنا أنها - لو تمت - مستندة في أمثال عصرنا إلى فتوى المجتهدين ولا يحرز اتصالها بعصر المعصومين (ع).

أقول: لا ريب في ابتناء معرفة الأحكام في عصور الأئمة (ع) على الخطأ كثيراً، لعدم وضوح فتاواهم (ع) لشيعتهم بسبب انتشار فقهاء العامة وتعارف الأخذ منهم للغفلة قبل عصر الصادقين (عليهما السلام) عن امتياز الفرقتين واختلافهما في الفروع، كما يشهد به قلة روايات الشيعة عن من قبلهما من الأئمة (ع) وكثرة رواياتهم عنهما وعن من بعدهما منهم (ع) خصوصاً في

الفروع المهمة التي يكثر الابتلاء بها، كالطهارة الحدثية والخبثية والصلاة وغيرهما بنحو يظهر منه خفاء ما هو من الضروريات الفقهية اليوم عليهم.

وأما بعد تميز الفرقتين، والالتفات لاختلافهما في الفروع، وتنبه الشيعة لوجوب الأخذ منهم وعدم الركون لغيرهم، فقد كان وصول أحكامهم (ع) لشيعتهم تدريجياً مشفوعاً بأسباب الضياع والاشتباه من التقية والخطأ والكذب وضياع كثير من القرائن، ولذا اختلفت الأخبار كثيراً، مع عدم تيسر انتشار الروايات وعدم وصولها للكل في أول الأمر، بل كان وصولها وانتشارها بين الشيعة تدريجياً.

ولازم ذلك تعرض أصحاب الأئمة (ع) وشيعتهم للاطلاع على خطأ ما وصل إليهم كثيراً، إما بالسؤال منهم (ع) أو بوصول أحاديث أخر مخالفة لما وصل لهم.

فلو كان البناء مع ذلك على عدم الإجزاء بعد انكشاف الخطأ ولزوم التدارك لوقع الهرج والمرج واضطرب نظامهم، ولكثر منهم السؤال عن حكم الأعمال الماضية ولزوم تداركها وما يتعلق بذلك من فروع، مع عدم الأثر لذلك فيما عثرت عليه من النصوص، حيث يظهر من ذلك المفروغية عن الإجزاء.

وهو المناسب لما ارتكز من سهولة الشريعة وعدم ابتنائها على الحرج والضيق وعدم إيقاعهم (ع) لأوليائهم وشيعتهم إلا في ما يسعهم رأفة بهم ورحمةً لهم وتداركاً لما ابتلوا به نتيجة ظلم الظالمين من مشاكل أوجبت صعوبة القيام عليهم بالوظائف الشرعية الواقعية الأولية، ولذا أحلوا لهم الخمس ونحوه مما يكون لهم (ع) واكتفوا منهم في بعض الأحكام بما

يلزمهم به حكام الجور، وأمضوا أحكامهم في الخراج والمقاسمة ونحو ذلك.

كما قد يعتضد أو يتأيد بالنصوص المتضمنة تعمد الأئمة (ع) بيان خلاف الواقع للتقية، حيث قد يكون مقتضى إطلاقها المقامي الإجزاء. فتأمل.

والعمدة السيرة في المقام التي يقرب نهوضها بإثبات الإجزاء.

ودعوى: أن المتيقن منها ما لو لم يكن الخطأ موجباً لبطلان العمل، كما في موارد حديث:

«لا تعاد الصلاة...». ونحوها، ولم يعلم ابتلاؤهم بغير ذلك.

ممنوعة جداً، لكثرة اختلاف الفقهاء والأخبار في غير الموارد المذكورة، كتحديد الكر، والوضوء، والنجاسات، والقصر والإتمام، والتذكية وغيرها مما يكون الإخلال فيه مبطلاً له، وموجباً لترتب القضاء والضمان ونحوهما، فعدم اهتمام المتشرعة بتمييز الموارد المذكورة شاهد بالمفروغية عن عموم الإجزاء.

نعم، لا يبعد اختصاص السيرة بالعبادات ونحوها مما يقتضي البطلان فيه بعض الآثار التي هي من سنخ التدارك والتبعة، كالقضاء، والضمان، والكفارات ونحوها، أما ما لا يكون من سنخ التدارك، بل من سنخ الجري على مقتضى العمل السابق وترتيب آثار صحته فلا يتضح قيام السيرة عليه بعد انكشاف البطلان.

فمن ذكى بغير الحديد - مثلاً - لم يبعد توقفه عن أكل اللحم بعد انكشاف الخطأ له، وكذا من تزوج امرأة بوجه قام الدليل عنده على مشروعيته لم يبعد توقفه عن مباشرتها وترتيب آثار الزوجية بعد انكشاف البطلان ونحو

ذلك. ولا أقل من خروجه عن المتيقن من السيرة.

ولعلّه إليه يرجع ما قيل من اختصاص الإجماع بالعبادات، وإلا فلم يتضح وجه خصوصيتها، ولا سيما بعد ملاحظة السيرة..

بل لا يبعد قصور السيرة عن إثبات عدم وجوب الإعادة في الوقت، لعدم كونها بنظر المتشرعة من سنخ التدارك. ولا أقل من خروجه عن المتيقن من السيرة أيضاً، لعدم وضوح ابتلائهم بانكشاف الحال في الوقت، وعدم وضوح عملهم لو فرض ابتلاؤهم به بعد عدم أهميته وعدم لزوم الحرج من الإعادة ليحاول التخلص منه بالسؤال عن الإجزاء، فلا يكشف عدم السؤال عن المفروغية عنه.

كما أن المتيقن من السيرة أيضاً ما إذا كان خفاء الحكم لعدم وصول الدليل عليه، لا لخطأ المكلف في فهم الدليل الواصل، أو لنسيانه للدليل مع وصوله ونحو ذلك مما يعود للمكلف نفسه وإن كان معذوراً، لعدم شيوع الابتلاء بذلك في تلك العصور وعدم وضوح بنائهم على الإجزاء معه، لاحتمال ابتناء الإجزاء على الرفق بأهل الحق وعدم إلزامهم بتدارك ما ضاع عليهم بسبب أئمة الجور، دون ما يستند ضياعه للمكلف نفسه.

ومنه يظهر عدم الإجزاء في المقام في حق المجتهد في أمثال عصورنا، لاستناد تبدل رأيه إلى انكشاف الخطأ له في فهم الأدلة أو غفلته عن بعضها، لا لعدم تيسر الوصول إليها، بخلاف العامي، لعدم استناد الخطأ له، بل للطريق الشرعي، وهو فتوى المجتهد مع عدم تيسر الوصول للواقع له.

نعم، لو كان ناشئاً من خطئه في فهم كلام المجتهد أو في تشخيص المجتهد الذي قامت الحجة على تعيينه اتجه عدم الإجزاء حينئذٍ في حقه.

وهو خارج عن محل الكلام.

كما لا فرق في الإجزاء في حقه بين عدوله من أحد المجتهدين للآخر، وعدول المجتهد الذي قلده عن فتواه، وانكشاف خطأ الفتوى له بنفسه بحسب اجتهاده الظني أو القطعي، لعموم السيرة لجميع الصورة المذكورة بسبب شيوع الابتلاء بها، في العصور السابقة وعدم الفرق بينها في منشأ السيرة الارتكازي وعدم استناد ضياع الواقع للمكلف. ومنه يظهر أن الإجزاء في المقام واقعي لا ظاهري، فلا مجال معه لفرض العلم الإجمالي الذي سبق تقريب لزومه من مقتضى القاعدة مع عدم أعلمية المعدول إليه. فتأمل جيدا. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم.

خاتمة

خاتمة: وجوب الفحص عن الأدلة
اشارة

لابد للمجتهد في مقام الاستنباط وتشخيص وظيفته ووظيفة العامي العملية من استفراغ الوسع في الفحص عن الأدلة، وليس له الاكتفاء بما وصل إليه منها، فضلاً عن الرجوع للأصل من دون فحص عن الدليل لو لم يصل له، فكما يجب عليه الفحص عن الدليل يجب عليه الفحص عما يعارضه أو يتقدم عليه من الأدلة الأخرى، وعما يتحكم عليه من القرائن الصالحة لمعرفة المراد منه، كالمخصص والمقيد وقرينة المجاز وغير ذلك مما يكون دخيلاً في تشخيص الوظيفة، والظاهر عدم الإشكال بينهم في ذلك، كما يناسبه أخذ كثير منهم استفراغ الوسع في تعريف الاجتهاد وعدم صدقه بغير ذلك عليه، بل لعل إطلاق الاجتهاد من الكل في المقام بلحاظ ذلك، كما يظهر مما سبق في تعريفه.

وكيف كان، فمرجع لزوم استفراغ الوسع إلى عدم جريان الأصول قبل الفحص عن الأدلة الحاكمة عليها وعدم حجية الطرق الواصلة قبل الفحص عما يعارضها أو يتقدم عليها من الأدلة وما يتحكم عليها من القرائن، واختصاص فعلية جريان الأصول وحجية الطرق بصورة الفحص المذكور.

وهو ظاهر فيما إذا لم يكن لدليل الأصل أو الطريق إطلاق يشمل حال ما قبل الفحص، كما قد يدعى في الظاهر الذي يحتمل وجود الصارف عنه من مخصص أو نحوه، بتقريب أن بناء العقلاء على العمل بالظهور من دون فحص عن الصارف فيما إذا لم يكن وجود الصارف متوقعاً، لقلة الابتلاء بالقرائن المنفصلة بحيث يغفل عن احتمال وجودها أو لا يعتد به، كما في

الظهورات العرفية، دون ما إذا كان متوقعاً متعارفاً لكثرته كما في الظهورات الشرعية، بل لا يتضح بناؤهم على العمل بالظهور من دون فحص.

ومثله الفحص عن الدليل المعارض، على ما سبق عند الكلام في صورة الشك في اختلاف الفقهاء من المسألة السادسة من مباحث التقليد.

وكذا الحال في البراءة العقلية بناء على ما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) من عدم حكم العقل بالمعذرية مع التقصير في الفحص إذا كان المولى قد أوصل التكليف بالطريق المتعارف. وقد يستفاد ذلك من صحيح مسعدة بن زياد على ما يأتي التنبيه له عند التعرض له إن شاء الله تعالى.

أما إذا كان لدليل الأصل أو الطريق إطلاق يشمل حال ما قبل الفحص، كما هو الحال في كثير من الأصول الشرعية، وهي التي أخذ في موضوعها الشك المعلوم حصوله قبل الفحص فلا بد من إقامة الدليل المخرج عن مقتضى عموم أو إطلاق تلك الأدلة والمانع من الرجوع إليها قبل الفحص، فإن تم الدليل فيها تم في القسم الأول.

أدلة وجوب الفحص:
الأول: الإجماع

ومن هنا لا يهم تحقيق كل من القسمين والتمييز بينهما، بل المهم النظر في دليل وجوب الفحص، وهو أمور..

الأول: الإجماع، فإنه وإن لم أعثر على من ادعاه على عموم الدعوى المذكورة، إلا أنه قد يستفاد من مجموع كلماتهم، فقد ادعى شيخنا الأعظم (قدس سره) الإجماع القطعي على عدم جواز الرجوع للبراءة قبل استفراغ الوسع في الأدلة، وذكر بعض أعاظم تلامذته أنه لا ريب فيه، كما يظهر بأدنى فحص في كلماتهم، بل الحق إجماع علماء الإسلام عليه، كما حكى في المعالم عن جمع من المحققين أن العمل بالعموم قبل البحث عن

المخصص ممتنع إجماعاً.

ويقتضيه ما أشرنا إليه من أخذهم استفراغ الوسع في تعريف الاجتهاد، حيث يظهر منه المفروغية عن توقف استنباط الحكم العملي عليه، كما تظهر المفروغية عنه أيضاً مما استدل به في المعالم على وجوب الفحص عن المخصص من أن المجتهد يجب عليه البحث عن الأدلة وكيفية دلالتها.

وهو المناسب لسيرة الفقهاء في مقام الاستنباط والفتوى، لاهتمامهم بضبط الأدلة واستيعابها بنحو يظهر من حالهم ولو بمعونة الارتكازيات وجوب ذلك.

ولذا كان المرتكز خطورة التصدي للاستنباط والفتوى ولزوم الحذر على من يزاولهما من التقصير.

وأما ما قد يظهر من صاحب المعالم من عدم وجوب الفحص عن قرينة المجاز وما نسب للعلامة من جواز العمل بالعام قبل الفحص عن المخصص ونحوهما، فأما أن تؤول بما لا ينافي ذلك بأن تحمل على الخطابات العرفية دون الشرعية، أو تكون مستندة لشبهة مخرجة عما سبق، فلا تنافي عموم لزوم الفحص في غير مواردها، للإجماع الارتكازي المتقدم. فتأمل.

الثاني: العلم الإحمالي

الثاني: العلم الإجمالي بقيام الأدلة التي يمكن الاطلاع عليها بالفحص على التكاليف، حيث يكون العلم الإجمالي المذكور منجزاً لاحتمال التكليف في مورد احتمال العثور على الدليل بالفحص، ومع تنجز التكليف في الموارد المذكورة لا مجال للرجوع للطرق والأصول الترخيصية المعذرة، لما تقرر من مانعية العلم الإجمالي من فعلية مؤداها.

وقد أشرنا للعلم الإجمالي المذكور في الاحتجاج لوجوب الاحتياط في الشبهة البدوية الحكمية، وقد ذكرنا أنه موجب لانحلال العلم الإجمالي باشتمال الشريعة على تكاليف كثيرة، فراجع.

ثم إن هذا الوجه إنما ينفع مع عدم انحلال العلم الإجمالي بالعثور على مقدار المعلوم بالإجمال، دون ما إذا عثر على المقدار المذكور واحتمل وجود غيره، كما يظهر وجهه مما سبق في مبحث انحلال العلم الإجمالي.

كما أنه يمنع من الرجوع للطرق والأصول الترخيصية دون الإلزامية. بل لا إشكال في جواز العمل بالطرق والأصول الإلزامية قبل الفحص احتياطاً.

نعم، لا مجال للفتوى بمضمونها لو علم إجمالاً بوجود الأدلة الترخيصية المانعة من الرجوع إليها، للعلم حينئذ بعدم فعلية مضامين بعضها وحرمة الفتوى بمضمونه، بل ولو لم يعلم إجمالا بذلك لبقية الوجوه الآتية، على ما يتضح إن شاء الله تعالى

الثالث: بعض النصوص الخاصة

الثالث: ما تضمن من النصوص الإنكار على بعض العامة في استنباط الحكم والتصدي للفتوى من دون معرفة تامة بالكتاب المجيد ولا تمييز للناسخ والمنسوخ. والخاص والعام منه، مثل ما عن أبي عبد الله (ع) في حديث:

«قال لأبي حنيفة: أنت فقيه العراق؟ قال: نعم. قال: فبم تفتيهم؟ قال: بكتاب الله وسنة نبيه (ص) قال: يا أبا حنيفة تعرف كتاب الله حق معرفته، وتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: نعم. قال يا أبا حنيفة لقد ادعيت علماً ويلك ما جعل الله ذلك إلا عند أهل الكتاب الذين أنزل عليهم...»(1).


1) الوسائل ج 18، باب: 16 من أبواب صفات القاضي حديث: 27.

وموثق مسعدة بن صدقة عنه (ع) في حديث احتجاجه على الصوفية لما احتجوا عليه بآيات من القرآن: «قال: ألكم علم بناسخ القرآن ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه الذي في مثله ضل من ضل وهلك من هلك من هذه الأمة؟... إلى أن قال: فبئس ما ذهبتم إليه وحملتم الناس عليه من الجهل بكتاب الله... وترككم النظر في غريب القرآن من التفسير والناسخ والمنسوخ،... إلى أن قال: وكونوا في طلب ناسخ القرآن من منسوخه ومحكمه من متشابهه...»(1)ورواية إسماعيل ابن جابر عنه (ع) في ذم الناس قال:

«وذلك أنهم ضربوا القرآن بعضه ببعض واحتجوا بالمنسوخ وهم يظنون أنه الناسخ، واحتجوا بالخاص وهم يقدرون أنه العام واحتجوا بأول الآية وتركوا السنة في تأويلها...»(2).

ومرسل العياشي عن عبد الرحمن السلمي: «أن علياً (ع) مرّ على قاض فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت...»(3).

ومرسله الآخر عنه (ع) في الإنكار على عمر حين أفتى بالمسح على الخفين لدعوى أن النبي (ص) مسح، حيث قال (ع): «قبل المائدة أو بعدها؟ قال: «لا أدري. قال: فلم تفتي وأنت لا تدري؟! سبق الكتاب الخفين»(4).

لوضوح أن أصالة الظهور وعدم النسخ والتخصيص من الأصول العقلائية، فإنكار العمل بالكتاب من دون معرفة تامة به ولا معرفة المنسوخ والخاص ظاهر في لزوم استفراغ الوسع في مقام الاستنباط وعدم الجري


1) الوسائل ج 18، باب: 13 من أبواب صفات القاضي حديث: 23.

2) الوسائل ج 18، باب: 13 من أبواب صفات القاضي حديث: 62.

3) الوسائل ج 18، باب: 13 من أبواب صفات القاضي حديث: 65.

4) تفسير العياشي تفسير سورة المائدة حديث: 46 ج 1 ص 297.

بدونه على مقتضى الدليل الواصل.

نعم، هذه النصوص مختصة بالكتاب فاستفادة حكم غيره مبني على إلغاء خصوصية موردها. فلتكن مؤيدة للمدعى. فلاحظ.

الرابع: ما تضمن الأمر بطلب العلم، كقوله تعالى: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(1).

ودعوى: أنه وارد لوجوب الاجتهاد كفائياً، لا لوجوب تعلم الأحكام عيناً الذي هو محل الكلام.

مدفوعة: بأن وجوب الاجتهاد كفائياً لأجل الإنذار راجع إلى تكليف الكل بتحصيل من يُعلِّم الجاهل منهم، وهو راجع إلى وجوب التعلم على الكل عيناً إما اجتهاداً أو تقليداً. فلاحظ.

ومثله في الدلالة على وجوب التعلم قوله تعالى: فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ(2)والنصوص الكثيرة الواردة في تفسير الآيتين وغيرها مما تضمن وجوب طلب العلم، والحث على السؤال، والذم بتركه، والأمر بمذاكرة الروايات على اختلاف ألسنتها(3).

ومنها صحيح مسعدة بن زياد: «سمعت جعفر بن محمد (عليهما السلام وقد سئل عن قوله تعالى: فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فقال: إذا كان يوم القيامة قال الله تعالى للعبد: أكنت عالماً؟ فإن قال: نعم. قال: أفلا عملت بما علمت؟!


1) سورة التوبة: 122.

2) سورة الأنبياء: 7.

3) راجع الوسائل ج: 18، باب: 4، 7، 8، 11 من أبواب صفات القاضي وأصول الكافي ج 1 كتاب العلم.

وإن قال: كنت جاهلاً. قال: أفلا تعلمت [حتى تعمل]؟! فيخصمه. فتلك الحجة البالغة لله عز وجل على خلقه»(1)

ص: 29 باب: 9 من أبواب كتاب العلم حديث: 10.

هذا والتأمل في الصحيح قاض بعدم جريان البراءة العقلية قبل استكمال الفحص، وعدم حجية الظواهر الأولية كذلك، لأنه تضمن أن العبد يخصم لمجرد تركه التعلم، من دون أن ينبّه فيه إلى أمر الشارع بالتعلم، وأنه هو السبب في خصمه. حيث يظهر من ذلك أن وجوب التعلم عقلي دفعاً لاحتمال العقاب، ولا تجري بدونه قاعدة قبح العقاب بلا بيان، كما لا تنفع بدونه الظواهر الأولية المقتضية لعدم التكليف.

وأما احتمال أن وضوح وجوب التعلم شرعاً أغنى عن التنبيه له في الصحيح. فهو مخالف لظاهر الصحيح. نعم حيث كان الشك في عموم القاعدة أو حجية الظهور يكفي في لزوم الاحتياط، لعدم المؤمن. فمع فرض الشك في ذلك لا أثر للظهور المذكور، ومع فرض اليقين بالعموم لا يصلح الظهور لرفع اليد عنه. فتأمل جيداً.

.

ومعتبر طلحة بن زيد عنه (ع): «قال: قرأت في كتاب علي (ع): إن الله لم يأخذ على الجهّال عهداً بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهداً ببذل العلم للجهّال، لأن العلم كان قبل الجهل»(2)

ص: 41 باب: بذل العلم حديث: 1.

، ونحوه خبر نجم الجزار في كلام سمعه من أمير المؤمنين(3)(ع).

وما ورد في المجدور والجريح يجنب فيغسل فيموت، من استنكار عدم السؤال، وفي بعضها: «قتلوه قتلهم الله إنما كان دواء العي السؤال»(4).

وما ورد في من أطال الجلوس في الخلاء لاستماع الغناء مستحلاً له لأنه لم يأته، وإنما سمعه، حيث أنكر (ع) عليه محتجاً بقوله تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا(5)، ثم قال: «قم فاغتسل


1) أمالي المفيد المجلس الخامس والثلاثون حديث: 1 ورواه عنه في البحار ج: 2

2) الكافي ج: 1

3) بحار الأنوار ج: 1 ص: 81.

4) الوسائل ج: 2 باب: 5 من أبواب التيمم حديث: 6 وفي الباب نصوص أخر تتضمن له ذلك.

5) سورة الإسراء: 26.

وصل ما بدا لك، فإنك كنت مقيماً على أمر عظيم، ما كان أسوأ حالك لو مت على ذلك»(1). فإن الظاهر من جميع ذلك وجوب التفقه في الدين، ومقتضى المناسبات الارتكازية وسياق جملة من هذه النصوص والنصوص المتقدمة في الوجه الثالث، بل صريح بعضها كون وجوبه طريقياً في طول التكاليف الواقعية، لأجل حفظها والقيام بمقتضاها.

ولذا لا يجب في غير الأحكام الإلزامية، ولا فيها مع عدم فوت الواقع، لعدم الابتلاء بها أو للاحتياط فيها، كما تختلف أهميته باختلاف مراتب أهمية التكاليف التي تفوت بترك الفحص.

ومرجع الوجوب الطريقي إلى أن الواقع مورد للمسؤولية ولا يكون الجهل به عذراً إذا استند للتقصير في الفحص.

وحيث كان مفادها وجوب الفحص المتعلق بعمل المكلف الدخيل في حفظ تكاليفه كان مقتضى إطلاقها وجوبه حتى في مورد الدليل المعتبر في نفسه إذا احتمل تبدل مقتضى الوظيفة بالفحص، ولا

يختص بصورة فقد الدليل. لصدق السؤال والتعلم والتفقه قي الدين ونحوها من العناوين المأخوذة في الأدلة عليه.

بل هو صريح ما ورد في المجدور، لوضوح كون التغسيل مقتضى عموم وجوب غسل الجنابة، ومشروعية التيمم مع المرض من سنخ المخصص له. كما هو المستفاد أيضاً من النصوص المتقدمة في الوجه الثالث، على ما تقدم.

ولازم ذلك قصور إطلاقات أدلة الحجج والأصول عن صورة عدم


1) الوسائل ج: 2 باب: 18 من أبواب الأغسال المستحبة المسنونة حديث: 1.

الفحص.

نعم، قد يشكل شمولها للفحص عن المعارض المعادل للدليل الواصل. أما بناء على التخيير بين المتعارضين فظاهر، للعلم بجواز العمل بالدليل الواصل. وأما بناء على تساقطهما والرجوع لما يترتب عليهما من الأدلة أو الأصول فلعدم صدق التعلم والتفقه عليه بعد عدم صلوحه لتشخيص الوظيفة وإن كان العثور عليه موجباً لانقلابها. فتأمل.

كما أن ما تضمن الأمر بالسؤال ظاهر في إرادة السؤال الموجب للمعرفة، فلا موضوع له مع عدم صلوح ما يحصل بالسؤال لتحقيقها.

نعم يشكل صدور ما تضمن الأمر بمذاكرة الروايات وأخذها.

كما يتجه الاستدلال على وجوب الفحص عن الدليل المعارض بناءً على التساقط بالإجماع المتقدم، وبما تقدم في المسألة السادسة من أن التمسك بعموم حجية الدليل الواصل مع احتمال المعارض تمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

هذا، إذا كان الفحص لعمل المكلف الفاحص، أما إذا كان للفتوى بمضمون الدليل الواصل أمكن الاستدلال عليه - مضافاً إلى ذلك - بالنصوص المتقدمة في الوجه الثالث، بل يمكن الاستدلال عليه أيضاً بذلك حتى بناء على التخيير مع التعادل، كما يظهر بالتأمل.

هذا، وقد يدعى امتناع حمل أدلة وجوب التعلم على الوجوب الطريقي الراجع إلى عدم معذرية الجهل، لشمولها لما إذا وقع العمل غفلة عن احتمال الحرمة، بل قد يكون هو المتيقن من مواردها، فتنافي

حكم العقل بقبح عقاب الغافل، كما أنها تشمل التكاليف الموقتة التي لا تكون فعلية قبل

الوقت، ليجب تعلمها طريقياً، ولا يمكن تعلمها بعد الوقت، لضيقه عنه.

ومن هنا يتعين حملها على الوجوب النفسي المطلق غير الموقت، فيكون العقاب على ترك التعلم بنفسه، لفعلية التكليف به والقدرة عليه قبل الوقت، كما حكي عن الأردبيلي وصاحب المدارك.

فلا ينافي معذرية الجهل من التكاليف الواقعية ولا تنهض أدلة وجوب التعلم بتقييد أدلة الطرق والأصول.

لكنه يندفع: بالمنع من حكم العقل بقبح العقاب مع الغفلة أو التعذر إذا كانا مستندين لاختيار المكلف وتقصيره ولو لعدم حفظه القدرة قبل دخول الوقت، نظير ما يذكر في موارد المقدمات المفوتة.

على أن حمل الأدلة المتقدمة على وجوب التعلم نفسياً - مع إباء سياقها عنه - مستلزم إما لحملها على الاكتفاء بمسمى التعلم ولو لحكم واحد، وهو خلاف المقطوع به منها، أو على تعلم جميع الأحكام الإلزامية ولو مع عدم توقف حفظ الواقع عليه للاحتياط في العمل، أو لعدم الابتلاء بالحكم، بل الأحكام غير الإلزامية أيضاً، لصدق التفقه في الدين بذلك.

كما أن لازمه كون اختلاف التكاليف الفائتة - بسبب ترك التعلم - في الأهمية غير دخيل في قدر العقاب، لفرض عدم كون العقاب عليها، ولا يظن من أحد البناء على شيء من ذلك.

ودعوى: أن عدم البناء عليه للإجماع لا لورود الأدلة للوجوب الطريقي.

مدفوعة: بأنه لا منشأ للإجماع - لو تم - إلا الارتكازات الصالحة للقرينية على حمل الأدلة على الوجوب الطريقي.

ومن هنا لا ينبغي التأمل في ما ذكرنا من كون وجوب التعلم طريقياً مانعاً من الرجوع للأصول والأدلة الواصلة، كما هو ظاهر الأصحاب.

بقي في المقام أمور:

بقي أمور:
الأول: عدم وجوب الفحص عن الدليل الموافق

الأول: الظاهر عدم وجوب الفحص عن الدليل الموافق للدليل الواصل، سواء كان في رتبته أم لا، كالأصل مع الدليل، لقصور جميع الوجوه المتقدمة عنه بعد عدم الأثر له في مقام العمل، فلا دخل له في حفظ الواقع، ليجب وجوباً طريقياً في طوله.

الثاني: مقدار الفحص

الثاني: الظاهر أن الفحص اللازم هو الفحص بالمقدار الموجب لليأس من كون استمرار الفحص موجباً للظفر بالدليل، وإن أمكن حصوله صدفة بوجه غير محتسب، قد يحصل مع الفحص وبدونه.

أما فيما إذا لم يكن لدليل حجية الطريق الواصل إطلاق يشمل حال ما قبل الفحص، كبعض الطرق العقلائية، فلاكتفاء العقلاء بالفحص بالمقدار المذكور بلا إشكال.

وأما فيما إذا كان له إطلاق يشمل حال ما قبل الفحص فلقصور الوجوه السابقة عن إثبات وجوب ما زاد على ذلك. أما الإجماع فظاهر. وأما العلم الإجمالي فلما عرفت من أن المتيقن إجمالا هو وجود الأدلة التي يتوقف العثور عليها على الفحص، وأما ما زاد على ذلك مما لا يتوقف على الفحص فالعلم بوجوده في موارد الأدلة التي يعثر عليها بالفحص لو تم لا أثر له في المنجزية، والعلم بوجوده في غيرها غير حاصل، ليكون منجزاً في المقام ومانعاً من الرجوع للطرق والأصول الواصلة.

وأما النصوص فلورود جملة منها مورد الإنكار على ترك الفحص،

والمنصرف منه مورد التقصير العرفي في تركه للاعتداد باحتمال الاطلاع بسببه على الواقع، ولا يشمل فرض اليأس من ذلك.

وكذا الحال في ما أطلق فيه وجوب التعلم والتفقه والسؤال، لما هو المرتكز في أذهان العرف من عدم فعل هذه الأمور إلا برجاء تحصيل العلم، لا مع اليأس من حصوله بسببها، وإن احتمل حصوله بوجه غير محتسب.

والظاهر أن سيرة الفقهاء في مقام الاستدلال والاستنباط على ذلك لا على حصول العلم أو الاطمئنان بعدم الدليل، إذ قد لا يتيسر ذلك. مع أنه لا دليل عليه.

نعم، لو أُريد الاطمئنان بعدم العثور على الدليل بالفحص كان راجعاً لما ذكرنا. فلاحظ.

الثالث: عدم جواز الرجوع للطرق والأصول مع تعذر الفحص

الثالث: لو تعذر الفحص لفقد المكلف لمقدماته فالظاهر عدم جواز الرجوع للطرق والأصول الترخيصية، للأدلة المتقدمة. أما الإجماع فظاهر. وأما العلم الإجمالي فلعدم دخل القدرة في أطرافه.

وأما النصوص وغيرها مما دل على وجوب طلب العلم فهي ظاهرة في توقف العمل على الفحص مع تحقق موضوعه، ولا يرتفع موضوعه بفقد مقدماته، بل باليأس من ترتب العثور على الدليل بسببه.

الرابع: عدم لزوم الفحص مع عدم فوت التكاليف

الرابع: أشرنا آنفاً إلى أن وجوب الفحص لما كان طريقياً لحفظ التكاليف الواقعية فلا مجال مع عدم فوتها، لعدم الابتلاء بالتكليف أو للاحتياط فيه عند الابتلاء به.

كما لا إشكال في وجوبه مع العلم بالابتلاء به، فإن علم بالقدرة عليه بعد الوقت جاز تأخيره، وإلا وجب تقديمه على الوقت لحفظ التكليف في

وقته، نظير المقدمات المفوتة، كما سبق.

أما مع احتمال الابتلاء فالظاهر وجوب الفحص، لا للعلم الإجمالي، لعدم صلوحه لتنجيز احتمال المخالفة مع عدم إحراز الابتلاء بالتكليف، بل لأدلة وجوب التعلم والتفقه، لشمول العناوين المأخوذة فيها من التعلم والتفقه والسؤال للتكليف المذكور مع عدم محذور من شموله، لأن وجوب التعلم لما كان طريقياً كفى في تحقق موضوعه وإمكانه الخوف من فوت الواقع بسبب الجهل، سواء أحرز الابتلاء أم لم يحرز.

وأما استصحاب عدم الابتلاء فالظاهر عدم جريانه في نفسه، لعدم أخذ الابتلاء في موضوع وجوب الفحص شرعاً، وإنما يقصر إطلاقه عن شمول صورة العلم بعدم الابتلاء لباً بنتيجة التقييد، لعدم الموضوع له معه، كما يقصر عن شمول العلم بعدم فوت الواقع بدونه، للاحتياط أو لمصادفة الموافقة، والمفروض عدم العلم به ودخوله في إطلاق الأدلة.

وأما ما ذكره بعض مشايخنا (دامت بركاته) من أنه لا مانع من جريان استصحاب عدم الابتلاء، بناء على قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي.

فهو غير ظاهر، لأن المبنى المذكور إنما يقتضي جريان استصحاب عدم الابتلاء إذا كان العلم بعدم الابتلاء مأخوذاً بعنوانه وبما هو أمر وجودي في موضوع وجوب الفحص، لا ما إذا كان شرطاً فيه بنتيجة التقييد، نظير ما سبق عند الشك في الاختلاف من المسألة السادسة.

وإلا لجرى - مع العلم بالابتلاء - استصحاب عدم مخالفة التكاليف الواقعية، لما أشرنا إليه من عدم وجوب الفحص مع العلم بعدم مخالفتها.

ومثله ما ذكره من أن المانع من جريان الاستصحاب إطلاق أدلة وجوب التعلم. وتخصيصها بموارد العلم أو الاطمئنان بالابتلاء مستهجن، لندرتها، فإن الغالب في مسائل الشكوك ونحوها احتمال الابتلاء.

للإشكال فيه: بأن مانعية الإطلاق من الاستصحاب إن كانت باعتبار حكومة الإطلاق على الأصل فلا مجال له بعد التسليم بجريان الاستصحاب، لقيامه مقام القطع الموضوعي، لوضوح أن القطع بعدم الابتلاء رافع لموضوع وجوب الفحص، كما سبق، فيكون الاستصحاب مثله.

وإن كان باعتبار تعذر تنزيل الإطلاق على صورة العلم بالابتلاء، لندرته - كما لعله الظاهر من كلامه - فيكون الإطلاق نصاً في صورة الشك، ومخصصاً لعموم دليل الاستصحاب. فهو في غاية المنع، لكثرة التكاليف التي يعلم بالابتلاء بها، والتي يجب الفحص عنها، وليس الإطلاق وارداً في خصوص الشكوك ونحوها مما ادعى ندرة العلم بالابتلاء بها.

ودعوى: أنه لا مجال للعلم بالابتلاء غالباً، لاحتمال الموت والمرض المانع من فعلية التكاليف ونحوهما.

مدفوعة: بعدم التعويل على احتمال ذلك، بل مقتضى أصالة السلامة المعوَّل عليها عند العقلاء إحراز الابتلاء.

ولو غض النظر عن ذلك فالمتيقن شمول الإطلاق للشك في الابتلاء من هذه الجهة، لا من جميع الجهات، بحيث يعم الشك في تحقق الموضوع، الذي هو محل الكلام ظاهراً.

الخامس: جريان ما تقدم في حق العامل

الخامس: أن أكثر الأدلة المتقدمة كما تجري في حق المجتهد في مقام الاستنباط لعمله وللفتوى، تجري في حق العامي، فليس له العمل

بمقتضى الأصول أو غيرها إذا احتمل قيام الأدلة على خلافها، بل يجب عليه الفحص عن مفاد الأدلة بالسؤال من المجتهد، لثبوت الإجماع في حقه، ولتحقق العلم الإجمالي بالإضافة إليه بوجود الأدلة التي يمكن الاطلاع على مفادها ولو بالرجوع للمجتهد. وإطلاق النصوص السابقة في الوجه الرابع، لوضوح صدق التفقه والتعلم والسؤال في حقه.

السادس: لزوم التجري مع ترك الاحتياط

السادس: لما كان مقتضى وجوب الفحص هو عدم جواز الرجوع للطرق والأصول الترخيصة مع عدمه، بل يلزم الاحتياط، كان ترك الاحتياط والاكتفاء بموافقتها من أفراد التجري، على ما سبق في التنبيه الثاني من مبحث التجري.

فيبطل العمل واقعاً لو كان عبادياً واحتمل تحريمه تكليفاً، لامتناع التقرب في مورد التجري.

وأما في غير ذلك فلا مجال للبناء على بطلانه واقعاً إلا في العبادات بناء على اعتبار الجزم بالنية فيها، الذي هو خلاف التحقيق. كما لا مجال للبناء على صحته ظاهراً، فضلاً عن صحته واقعاً، بل يلزم البناء على عدم إجزائه ظاهراً، لعدم إحراز صحته. فلو أحرز بعد ذلك مطابقته للواقع تعين البناء على صحته. وكذا لو انكشف مطابقته لمقتضى الحجة القائمة حين إرادة التدارك، كما لو كان مقلداً لمن يقول بصحته.

وأما مطابقته للحجة القائمة حين صدوره دون الحجة القائمة حين إرادة التدارك - كما لو قلد حين العمل من يقول بصحته من دون أن يعلم بفتواه وعدل بعد ذلك لمن يقول ببطلانه - فهل يجب التدارك أو لا؟

الظاهر ابتناؤه على ما تقدم في المسألة الثامنة من عموم حجية الحجة

المتأخرة للوقائع السابقة بنحو يستلزم سقوط حجية الحجة السابقة عنها وعدمه، فيتعين الإجزاء على الثاني، أما على الأول فاللازم التدارك.

ولا مجال لما تقدم من الاجتزاء بمتابعة فتوى من يجب الرجوع إليه مطلقاً وصحته معهاً واقعاً. لاختصاص الدليل عليه بالسيرة، والمتيقن منها صورة اعتماد المكلف على الحجة حين العمل، ولا يحرز ثبوتها فيما لو لم يعتمد عليها وإن طابقها.

ثم إنه لو دل الدليل على الاجتزاء بالعمل المخالف للواقع في حال الجهل ولو كان تقصيرياً تعين البناء على ذلك، وإن كان على خلاف الأصل، كما في الإتمام في موضع القصر والإخفات في موضع الجهر وعكسه، بل جميع موارد حديث: «لا تعاد الصلاة...»(1)، بناء على عمومه للجهل بالحكم، وغيرها.

نعم، وقع الإشكال بينهم في الجمع بين ذلك وبين وجوب الفحص عن الواقع في الأحكام المذكورة، الراجع لاستحقاق العقاب بفوته مع التقصير في الفحص.

بدعوى: أن المأتي به في حال الجهل إن كان وافياً بغرض الواقع الأولي كان مثله طرفاً للتكليف، ولا مجال لتعيين الواقع، لتبعية التكليف للغرض، فلا يفوت معه المكلف به، فضلاً عن ملاكه، ليستحق العقاب بفوته بسبب الجهل، ويجب الفحص فراراً عن ذلك، وإن لم يكن المأتي به وافياً بغرض التكليف، امتنع إجزاؤه.

وقد أطال شيخنا الأعظم (قدس سره) ومن تأخر عنه في حلّ الإشكال بما لا


1) الوسائل ج: 1 باب: 2 من أبواب الوضوء حديث: 8.

يسع المجال إطالة الكلام فيه بعد عدم التنافي بين الأمرين وإمكان الجمع بينهما، لأن الإجزاء كما يمكن أن يكون لوفاء المأتي به حال الجهل بملاك الواقع الأولي، أو لتبدل الملاك، المستلزم لعدم العقاب، كذلك يمكن أن يكون لمانعية المأتي به من استيفاء ملاك الواقع من دون أن يستوفى به، كما لو تعلق الغرض بإطعام اللحم، فأطعمه التمر حتى أشبعه، ولم يكن التمر مفيداً فائدة اللحم إلا أنه لما أوجب الامتلاء يتعذر إطعام اللحم واستيفاء فائدته.

وقد ذكرنا نظير ذلك في التنبيه الرابع من تنبيهات مبحث الأقل والأكثر الارتباطيين. فراجع.

ويلحق بذلك ما إذا لم يكن فعل الناقص مانعاً من استيفاء الملاك، إلا أنه لمزاحمة الملاك بما يمنع من فعليته وفعلية التكليف تبعاً له يتعين الإجزاء حينئذٍ مع استحقاق العقاب بترك التعلم، لأنه سبب في فوت ملاك الواقع بعد إمكان استيفائه حال عدم المزاحمة.

وأظهر من ذلك ما إذا كان الإجزاء عن القضاء دون الإعادة، حيث يستحق العقاب لتفويت ملاك الأداء حتى خرج الوقت، وإن سقط القضاء تخفيفاً، أو لتعذر استيفاء ملاكه، أو لعدم فعلية الملاك بسبب المزاحمة.

السابع: اختصاص وجوب الفحص بالشبهات الحكمية

السابع: لا يخفى أن الأدلة المتقدمة على وجوب الفحص وعدم جواز الرجوع بدونه للطرق والأصول الترخيصية مختصة بالشبهات الحكمية.

ولازم ذلك جواز الرجوع إليها في الشبهات الموضوعية من دون فحص لو اقتضاه عموم أدلتها كما هو الظاهر فيها كلها أو جلها، بل بعضها صريح في ذلك، كصحيحة زرارة الثانية المذكورة في أدلة الاستصحاب

المتضمنة عدم وجوب النظر في الثوب الذي يحتمل إصابة النجاسة له(1)، وما دل على أن من تزوج امرأة ليس عليه الفحص عن أن لها زوج حتى بالسؤال منها(2)، وعدم وجوب السؤال عن ذكاة الجلود المأخوذة من المسلمين(3)، بل تضمن بعض النصوص إثارة الاحتمالات البعيدة ليتمسك بالأصل ظاهر في الاكتفاء بالاحتمال وعدم وجوب التروي لدفعه الذي هو أخف من الفحص الخارجي.

والظاهر عدم الخلاف فيه في الجملة، بل ربما ادعي الإجماع عليه. وإنما أوجب الفحص في بعض الموارد بعض القدماء والمتأخرين لدعوى توقف العلم بالحكم فيها على الفحص غالباً، كالشك في المسافة المقتضية للقصر والإفطار، والاستطاعة المقتضية للحج، والنصاب الزكوي والربح الذي يجب فيه الخمس.

إلا أنه يشكل: بأن الكاشف عن وجوب الفحص كون المورد مما يندر العلم بالحكم فيه من دون فحص عن الموضوع حيث يستفاد عرفاً من تشريع الحكم وجوب الفحص عن موضوعه تبعاً، وهو

غير لازم في الموارد المذكورة، وإنما اللازم فيها كثرة توقف العلم بالحكم على الفحص، وهو غير كاشف عن وجوبه، لعدم لغوية جعل الحكم بدونه بعد كثرة الموارد غير المحتاجة له أيضاً.

وإلا لوجب الفحص في كثير من موارد الطرق والأصول، كاليد التي هي أمارة على الملكية والسلطنة ويد المسلم التي هي أمارة على التذكية


1) الوسائل ج: 2 باب: 37 من أبواب النجاسات حديث: 1.

2) راجع الوسائل ج: 14 باب 25 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، وباب: 10 من أبواب المتعة.

3) راجع الوسائل ج: 2 باب: 50 من أبواب النجاسات.

وأصالة الطهارة واستصحابها، ولا يمكن الالتزام بذلك بالنظر لأدلتها.

ومنه يظهر أنه لا مجال لدعوى: أن مقتضى اهتمام الشارع بالحكم عدم رضاه بكثرة مخالفته واقعاً ولو خطأ، وهو مستلزم لإيجابه الفحص في الأحكام التي تكثر مخالفتها بدونه.

هذا، وقد ذكر بعض الأعاظم (قدس سره): أنه إذا تمت مقدمات العلم بالواقع للمكلف ولم يحتج حصوله إلا لمثل النظر والسؤال ممن هو إلى جنبه فلابد منه ولا يجوز الرجوع للأصل الترخيصي بدونه، لعدم صدق الفحص عليه، واستثنى من ذلك باب الطهارة والنجاسة لما علم من التوسعة فيه. ووافقه على ذلك شيخنا الأستاذ (قدس سره) من دون أن يشير للاستثناء المذكور.

وهو كما ترى! لعدم أخذ عنوان الفحص في أدلة الأصول، ليهتم بصدقه على مثل النظر، بل ليس موضوعها إلا الشك وعدم العلم، وهو حاصل مع عدم النظر أو نحوه. بل عرفت صراحة بعض النصوص في عدم وجوب النظر والسؤال.

وما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) من مناسبة ذلك للارتكاز، ممنوع، بل المرتكز كونه احتياطاً غير لازم.

فلا مخرج عما ذكرنا. فلا حظ. والله سبحانه وتعالى العالم، ومنه نستمد العون، والتوفيق، والعصمة، والتسديد. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

إلى هنا انتهى الكلام في مبحث الاجتهاد والتقليد، خاتمةً لمباحث الأصول، عصر الجمعة، التاسع من شهر جمادي الأولى، سنة ألف وثلاثمائة وتسع وتسعين لهجرة سيد المرسلين، عليه وآله أفضل الصلوات، وأزكى

التحيات.

في النجف الأشرف، ببركة الحرم المشرف، على مشرفه أفضل الصلاة والسلام.

بقلم العبد الفقير إلى الله تعالى محمد سعيد عفي عنه، نجل العلامة الجليل، حجة الاسلام والمسلمين السيد محمد علي الطباطبائي الحكيم (دامت بركاته).

ونسأله سبحانه أن يوفقنا جميعاً لشكر نعمه، ويتمها بالتوفيق للجد والاجتهاد في العلم والعمل، مع القبول وخلوص النية، وترتب نفع المؤمنين، إنه أرحم الراحمين، وهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى، ونعم النصير.

كما انتهى تبييضه بعد إعادة النظر فيه، وتدريسه بقلم مؤلفه الفقير ليلة الأربعاء الرابع عشر من الشهر المذكور حامداً مصلياً مسلماً.

المحتويات

الصورة

الصورة

الصورة

الصورة

الصورة

الصورة

الصورة

الصورة

الصورة

الصورة

الصورة

الصورة

الصورة

الصورة

الصورة